وصلوا لغرفة مهرة وكانت على السرير وتصيح بكل صوتها، ركضت لها العنود وقالت: فاهد ساعدني نلبسها بسرعة، خذها للمستشفى. مهرة ناظرتها وصرخت عليها: اطلعي برا من عندي، اطلعي! العنود بخوف عليها: اهدي لا تولدين هنا، اهدي بسرعة يا فاهد خل نسعفها. نورة كانت واقفة هي وخواتها ويبكون، وفاهد راح يأخذ عباءتها ومهرة تصرخ بكل صوتها. دخلت فهدة وغرور ومشاعل والجميع اجتمع عندها وهم يهدونها وهي رافضة تطلع من البيت:
طلعوا ذي الحية من عندي، أنا ماني طالعة من البيت، بولد هنا، طلعوها من عندي. فاهد بعصبية: اسكتي وخليهم يلبسونك. مهرة بصراخ: إييي ما ترضاها على حبيبة القلب، اطلعي برا من عندي، اطلعي برا من عندي، اطلعي برا. العنود وقفت: طيب طيب اهدي أنا بطلع. صدت العنود وشافت بنات مهرة واقفات ويبكون، توجهت لهم وقالت: تعالوا معي أمكم بخير وما بيصير شيء، تعالوا حبيباتي. نورة وهي تبكي: أمي بتموت. العنود مسحت على شعرها:
لا إن شاء الله، تعالي معي خلونا نطلع. أخذتهم العنود وهم يبكون بخوف على أمهم وطلعتهم من الغرفة وهي تدعي لمهرة إن الله يقومها بالسلامة، وهي تتذكر ألم الولادة الذي جاءها بجواد الصغير. فاهد كان منخبص مع صراخ مهرة وقال: خلينا نأخذك للمستشفى. مهرة كانت تضغط على بطنها وتصرخ بألم وتبكي: لا لااا قلت لكم بولد في البيت، كل بناتي ولدتهم في البيت، ماني طالعة. فهدة جلست عندها: أجل إحنا بنولدك. مهرة بصراخ: اااه بموووت يبه.
فاهد بخوف جلس عندها ومسح على رأسها: اهدي اهدي واسمعي شوري، خلنا نأخذك للمستشفى لا يصيبك شيء. مهرة هزت رأسها بالرفض وهي تئن بوجع وتبكي. فهدة: خلاص خلها تولد هنا ما بيصيبها شيء، كلنا ولدنا عيالنا في البيت. مهرة سحبت الفراش وهي تعضه وتصرخ بألم، وبدأت غرور وفهدة ومشاعل يولدونها. وفاهد طلع من الغرفة وهو يدعي الله يقومها بالسلامة ويحفظها.
ووقف على باب الغرفة وهو يسمع صراخها مالي البيت، وطلعت مشاعل تركض وما هي إلا ثواني وجابت مويه ومناشف ودخلت وقفلت الباب، وفاهد يمشي في الممر وهو يدعي وخائف عليها ويدعي الله يحفظها هي واللي في بطنها ويخليها لبناتها. كانت تصرخ وتبكي وهو يفرك يديه بتوتر في بعض ويحس قلبه بيتوقف من الخوف والقلق. أما عند العنود أخذت كل بنات مهرة ودخلتهم لغرفتها وهم يبكون بخوف على أمهم، جلستهم وقالت بحنية:
خلاص حبيباتي لا تخافون إن شاء الله أمكم تطيب وما يصيبها شيء لا تخافون، بل لا تقعدون كذا تبكون، ادعوا لها ادعوا إن الله يحفظها ويقومها بالسلامة! نورة وهي تبكي: خايفة تموت أمي. العنود بغصة سحبتها وهي تضمها: بسم الله عليك من الخوف، لا تخافون حبيبتي لا تخافون إن شاء الله ما يصير فيها شيء. وفاء ببكاء: خالة ضميني أنا بعد خايفة. نزلت دموع العنود وهي ترتجف وخائفة مثلهم من صراخ مهرة وسحبتهم كلهم لحضنها.
بنات فاهد الخمس بجنب العنود تضمهم وتهديهم. فتح جواد عيونه بخوف من صوت الصياح وشاف أمه جالسة على الأرض والبنات يضمونها ويبكون، نزلت دموعه وصار يبكي معهم، ورفعت العنود رأسها له وأشارت له يجي عندها، ركض جواد ودخل بين خواته والعنود تهديهم وهم يبكون كلهم بخوف على أمهم. أما مهرة فكانت تصرخ وتضرب السرير بألم، وفهدة خائفة وترتجف مو قادرة تولدها: الولد معروض! غرور برعب: وشو؟!!! فهدة: ما تشوفين أنتي؟ وشلون بنطلعه! مشاعل بخوف:
نادي على فاهد خله يسعفها. مهرة بصراخ: يا الـ*** طلعوه بمووت. فهدة بعصبية: وش هالكلام؟ مهرة وهي بغير وعيها تصرخ بألم، وفهدة وقفت وقالت بحقد: خليها تحس بالكلمة اللي قالتها. غرور بخوف: لا ما حن تاركينها، المرة بتموت، فااااهد ياااا فااهد. ابتعدت العجوز فهدة وهي تناظر مهرة بنظرات كلها قسوة، ومهرة تبكي بألم وتصرخ عليهم يساعدونها. دخل فاهد برعب بعد ما فتحت له مشاعل. وقال: وش فيكم؟ مشاعل:
الولد معروض في بطنها ما نقدر نولدها، خذها المستشفى. فاهد بخوف: وشلون يعني؟ مشاعل بتوتر: الولد رأسه مو نازل، اللي أمامنا هو ظهره! ما نقدر نطلعه من بطنها لازم مستشفى. مهرة بصراخ: فـــــــــــــــاهد الحق علي، فاهد ماني مسامحتك إذا صابني شيء، أسعفنــــــــي. ركض فاهد لها بسرعة وحملها بين يديه وغطوها بعباءتها وطلع وهو يركض وصراخها مالي البيت. فهدة بسخرية: قال ما بسامحه قال، هي اللي رفضت تطلع مب ولدي اللي منعها.
غرور برجفة: خلاص يا فهدة، ادعي الله يحفظها مب وقت. فهدة رفعت يدها بعدم مبالاة وطلعت من الغرفة وهي تتحلطم، طلعت غرور من الغرفة وهي تفرك يديها بتوتر وناظرت مشاعل اللي ربتت على كتفها وراحوا للصالة كلهم. كان فاهد يسوق السيارة بسرعة جنونية وهو يسمع صراخها مالي السيارة وهو يدعي الله يحفظها: مهرة يا عيوني اهدي أنتي، لا تخافين اهدي بنوصل الحين بنوصل. مهرة بخوف من الموت: ما أبي أموت يا فاهد، ما أبي أموت، أسرع.
أطلقت صرخة هزت كيان فاهد. وقال فاهد بصراخ: ما بتموتين اهدي، بنوصل الحين اذكري الله ولا تخافين بنوصل بنوصل. مهرة وهي تضرب بطنها: بناتي يا فاهد بناتي أمانتك. فاهد بخوف: اسكتي لا توصيني اسكتي، بنوصل الحين وأنتي بتولدين وبترجعين البيت وأنتي اللي بتربين بناتك ويكبرون قدام عيونك. مهرة ودموعها تنزل بوجع:
اااخ يا فاهد ااخ، بناتي أمانتك تكفى بناتي لا يصيبهم شيء لا توجعهم، لا تظلمهم لأجل عيال العنود، اعدل بينهم يا فاهد ووزع حبك عليهم كلهم يا فاهد، بناتي أمانتك تكفى بناتي أمانتك يا فاهد تكفى بناتي. فاهد اجتمعت الدموع في عيونه وقال: مهرة اهدي ولا تتكلمين، بنوصل الحين بنوصل، أوعدك ما يصير شيء. مهرة وهي بدأت تحس روحها تطلع: فـ.. فا.. هد أنت... ما.. قدرت تحبني.. وأنا.. ما قدرت أكون.... لك الزوجة اللي أنت تتمناها....
أنت ما حبيتني... ولا قدرت.... أني أخليك تحبني. فاهد رفع يده يمسح عيونه: مهرة اهدي، أوعدك كل شيء بيتغير. مهرة ابتسمت بألم ودموعها تنزل: ما في شيء بيتغير، أنت تحب العنود والعنود هي كل شيء بالنسبة لك حتى يوم أبعدناها عنك ويوم راحت لأهلها، أنت ما شفتني كان بالك كله معها، أنت تحب العنود وهذي حقيقة ما نقدر نغيرها. فاهد وهو معرق وخائف عليها:
أنا أحب العنود إيه ما أكذب عليك، لكن أنتي بعد زوجتي ولك احترامك وحبك في قلبي ولك معزتك وقدرك، أنتي أول زوجة لي وأم بناتي، أنتي يا مهرة أول وحدة في عمري وحبي للعنود ما ينقص منك ولا من مكانتك. مهرة صرخت من الوجع اللي داهمها وحست بالدم ينزل منها وقالت: أسرع يا فاهد أسرع! فاهد مسح جبينه وهو يسرع: قربنا نوصل قربنا. مهرة بصراخ:
بناتي أمانتك تكفى بناتي أمانتك يا فاهد لا يصير لهم شيء، لا توجعهم لا تفرق بينهم وبين إخوانهم ياااا فاهد، خلي العنود بعد تسامحني لأني كنت أضايقها، تكفى يا فاهد قول لها بناتي لا تظلمهم بناتي يا فاهد، لا تظلمهم العنود لأجلي ولأجل تصرفاتي معها، تكفى بناتي أمانتك تكفى بناتي أمانتك يا فاهد!! فاهد بصراخ: خلاص اسكتييي وصلنا اسكتييييي.
وقف السيارة وفتح الباب وحملها بين يديه وفتح عيونه بصدمة يوم شاف الدم معبي السيارة، صرخ بقوة على الممرضين. وجاءوا له مسرعين وأخذوها للداخل وهو ماسك رأسه ويتلفت مكانه مو عارف وش يسوي، خائف ومرعوب عليها ويدعي بهمس: يا رب يا رب. أدخلوها لغرفة العمليات وشافتها الدكتورة وبدأت تعصب عليهم: ليه مخلينها لين هالوقت وهم يعرفون إن الولد كذا ليه؟!!! بدأت الدكتورة بشغلها ومعها كم ممرضة.
أما فاهد فكان واقف برا وهو يمشي في الممر وخائف وهو ما يسمع صوت مهرة، صوتها اختفى! كانوا الجميع صاحين وقاعدين في الصالة ينتظرون فاهد ومهرة، والعنود جالسة وبجنبها البنات يبكون بخوف على أمهم إلى الحين، وفهدة جالسة وهي تتثاءب وغرور خائفة ومشاعل مثلها، وكذلك جدة فَي كانت قاعدة معهم وزوجة حمد. طلعت فَي من غرفتها وهي توها تجمع نفسها، تطلع تشوف وش صاير بعد ما سمعت الصراخ.
طلعت وعلى رأسها شال خفيف تغطي فيه نفسها، سمعت صوت حمدان اللي كان واقف في بداية ممر قسم الشباب ويناظرها: ارجعي لغرفتك. فَي بلعت ريقها وقالت وهي تؤشر بتوتر: سمعت صراخ بشوف وش صاير. ابتسم حمدان بهدوء وقال: هذا وأنتي ممرضة؟ الصراخ من قبل ساعة تقريباً توك تطلعين؟ فَي فركت يديها وقالت بضيق: خفت يكون صار شيء لجدي أو جدتي. حمدان تنهد:
ما فيهم إلا العافية، أنتي ارجعي لغرفتك، حرمة ولدهم تولد هذا كل شيء، أنتي روحي غرفتك لا تطلعين منها خليهم هم يحلون مشاكلهم. فَي: ولدت؟ حمدان: مدري شفتهم يطلعون للموتر وهي معهم يمكن أخذوها المستشفى. فَي أومأت ولفت راجعة لغرفتها، فتحت الباب ورفعت رأسها وناظرت حمدان اللي واقف بعيد عنها ومتكتف ويناظرها. نزلت عيونها للأرض وفتحت الباب ودخلت للغرفة وقفلت الباب.
توجهت للسرير وجلست عليه والشال لا زال على شعرها وهي تفكر بصمت وتتذكر الأحداث اللي صارت، تنهدت وانسدحت وهي تفتح يديها وتناظر سقف الغرفة بضيق. سمعت صوت باب غرفتها يندق بهدوء، عدلت جلستها بسرعة ورفعت الشال على رأسها وتوجهت للباب وقالت بصوت هامس: مين؟ حمدان تنهد وهو يتلفت وقال: أنا. مسكت فَي الباب بتوتر وهي تشتت نظرها وفتحت الباب وابتعدت عنه شوي.
دخل حمدان لغرفتها وقفل الباب قبل أحد ينتبه والتفت لها وهي واقفة ويديها ببعض وهي متوترة وتناظر الأرض. تحنحن وقال: بتكلم معك! رفعت فَي رأسها وناظرته وأومأت بالموافقة وأشارت له يجلس. تقدم حمدان وهو يناظر غرفتها بتمعن وجلس على طرف السرير وهو لازال يناظر غرفتها. وجلست فَي بعيد عنه شوي لكن على نفس الطرف في السرير.
ناظرها حمدان وهي شتت نظرها بخجل منه، وابتسم حمدان بهدوء وهو يشوف خجلها منه وفي نفسه متأمل لجمالها وجمال ملامحها اللي ما يمل النظر لها. فَي بتوتر: ءء.. ليه جيت غرفتي؟ حمدان تنهد وناظر الغرفة وقال: حلوة أكثر من الغرفة اللي في بيتنا؟ فَي سكتت وناظرت الغرفة وقال حمدان: أثاثها أفخم وشكلها أفخم حتى الستاير اللي على درايشها أغلى من أثاث غرفتك القديمة! فَي ناظرت الستاير وابتلعت
ريقها وهي تتذكر غرفتها: أثاث وردي بسيط يتداخل عليه اللون الأبيض بشكل كبير، إضاءة الشمس فيها، ستايرها البيضاء بنقوش وردية صغيرة، دولابها الأبيض! عكس هذي الغرفة كل اللي فيها يدل عليه الثراء! أثاث بني مع لون الذهبي متداخل عليه بكثرة! رفعت فَي رأسها وناظرته وهمست: تصدق.. حمدان ناظرها وهز رأسه بتساؤل! في نزلت نظرها ليديها وقالت وهي ترفع كَتفها:
صحيح هذي غرفة فخمة ومرة كبيرة، والأثاث اللي فيها غالي يمكن أغلى من أثاث بيتنا كله أساسًا! وكنت دايمًا أتخيل أعيش في غرفة مثل هذي، أنام وأصحى وكأني أميرة فيها، أتمشى في وسعها وأناظر نفسي في كل مراياها، أشوف انعكاس الثراء عليّ وعلى إحساسي. شد حمدان على يده وهو يسمع كلامها ويناظرها وهي تشتت نظرها عنه وتفرك يديها بتوتر. في مكملة كلامها:
جيت اليوم الأول ولوهلة حسيت من جد تحقق لي إحساسي، صرت أناظر نفسي في كل مكان وأشوف الزخارف والأثاث هذا محيط فيني من كل مكان، حسيت إني ملكت سعادة الكون بأكمله بين يدي، حسيت إني من جد عايشة في الحياة! حسيت الإحساس اللي كنت دايم أحلم فيه. أومأ حمدان وهو يحس إنه بينفجر من الغيرة، إنهم قدروا يحققون كل أحلامها بدون مجهود منهم، أما هو يكد ويشتغل من كان عمره ١٥ ولا قدر يحقق لها أحلامها. في تنهدت وقالت:
اليوم الثاني صحيت بنفس النشاط، بشوف نفسي بالثراء من جديد، تَلَفّت في كل مكان ما لقيت في اللي كانت موجودة في اليوم الأول. حمدان ضيق عيونه وهو يناظرها. في رفعت رأسها وناظرته، وسرعان ما شتت نظرها بخجل وقالت مكملة كلامها: ما حسيت بنفس الإحساس! صحيح كنت أنبهر من كل شي موجود بس ما حسيت باللي كنت أحلم فيه!
طلعت من الغرفة ما شفت جدي وجدتي يتقهوون في الصالة، ما شفتهم يسولفون مع بعضهم ويضحكون، ما شفتهم ينبهرون في لبسي ويعجبون فيني، ما شفت منهم أي إطراء على إطلالتي! ما شفتهم يدعون لي ولا يتذمرون من تصرفاتي! ما سمعت صوت حمدان وهو يتحنحن ينبهني إنه بيطلع من غرفته! ارتجف قلب حمدان وهو يسمعها تتكلم. في زمت شفايفها تمنع بكاها:
طلعت من الغرفة شفت وجوه ما أعرفها، ما عشت معها، شفت أطباع ثانية، حياة ثانية، شفت ناس مو عاجبهم كلامي ولا لبسي، نظراتهم لي تضايقني، ضجة، إزعاج كبير، صغار يصيحون، وحريم يرمون بعضهم بالكلام! طلعت بآخذ كوب قهوتي وبستعد للجامعة عشان ما أتأخر عليك، ما شفت كوبي ولا شفت أغراض جامعتي ولا شفت حمدان! شفت بنت صغيرة تصب القهوة في الفناجيل ومن صباح الله خير رسميات وما في أريحية!
رجعت للغرفة مرة ثانية بهرب من الضجيج، من تشوش عقلي وخوفي من الوحدة اللي حسيت فيها، ما لقيت سريري! اللي دايم أنسدح عليه وأحلم بهذي الحياة المرعبة! ما لقيت دولابي اللي ياما قلت عنه صغير وما يكفي ملابسي ومو مثل ما أحلم، تمنيت أشوفه! تمنيت أناظر نفسي في مرايتي اللي جبتها أنت لي، تمنيت أفتح ستاير غرفتي بلونهم اللي يريح العين والقلب.
تمنيت إني أعاود أحس نفسي فراشة في غرفتي، هدوئها وريحتها وألوانها، ولا طاولتي اللي أنت مشتريها لي لما دخلت الثانوية عشان أذاكر عليها! تمنيت أشم الوردة اللي تاركتها على طاولتي، ما لقيت كل ذي الشغلات. وقتها حسيت إن غرفتي يا حمدان أجمل غرفة في العالم وما أحد عنده زيها، غرفة كل شي فيها مليان بحب وتضحية وذكريات ما تنتسي! نزلت في نظرها وعضت شفتها تمنع غصتها وقالت: خفت كثير ما أسمع صوت جدتي تقول لي حمدان طلع تعالي.
خفت ما أسمع صوت حمدان يقول جبت لك الحاجة اللي طلبتيها خذيها هي عند باب غرفتك. خفت ما يفز قلبي إذا سمعت صوت سيارة حمدان عند باب البيت يوم توصل. خفت من شغلات كثير خلتني أكره هذا البيت وأكره زخارفه اللي صارت مرعبة كثر ما كنت أنبهر فيها، خفت من شغلات كثير.
أخذ حمدان نفس عميق من بعد كلامها اللي كان مثل نسمة الهواء على قلبه، رفعت في نظرها على صوت تنهيدته وشافت عيونه اللي عليها واللمعان اللي فيهم، شافت وجهه شلون متأثر من كلامها وبلعت ريقها وشتت نظرها عنه وهي متوترة وخجلانة من كلامها معه ومن وجوده معها في الغرفة بهذا الوضوح! صار حمدان واضح أمامها بشكل ما كانت تتخيله من قبل. حمدان بلع ريقه ورفع يديه وضم يديها بين كفوفه وهو يشد عليهم وقال بصوت مبحوح:
مر اليوم الأول علي بدونكم جهنم يا في!
تركتوني وطلعتوا من البيت وأنا حسيت نفسي فقدتكم وفقدت نفسي معكم، حسيت إني خسرت كل حربي مع عيال جراح، حسيت إنهم انتصروا وأخذوكم مني وبيكون مصيركم مثل مصير أهلنا، جنيت وطار عقلي ما بقى فيني عقل يا في، وقفت وشفت غرفتي وتذكرت كلامكم إن هذي مو الحياة اللي تبونها، هذا مو البيت اللي تتمنونه، لقيت نفسي أكسر كل شي في الغرفة، حسيت راسي بينفجر من العصبية والقهر، طلعت من غرفتي ما شفت جدي وجدتي يتقهوون ولا سمعت سوالفهم ولا دعواتهم لي.
في ابتسمت من بين دموعها وقالت: لا تقلدني. ابتسم حمدان وأكمل بصوت مبحوح من شدة مشاعره في هذي اللحظة:
طلعت للصالة وما شفت جدتي تأشر لي أرجع للغرفة لأنك في المطبخ وبتطلعين تقدمين الفطور، ما سمعت صوتك وأنتي تدلعين على جدي وجدتي ولا سمعت صوتك وأنتي تسولفين لهم عن الجامعة، شفت الصالة ما فيها أحد غيري أنا، لقيت نفسي أكسر كل شي، كل الأثاث اللي تعبت وأنا أجمعه كسرته، أنا جبته لأجلكم أنتم بس أنتم ما تبونه وهذي الحقيقة أوجعتني حيل حيل يا في. نزلت دموعها وهي تناظره وقال حمدان وهو يتذكر:
طلعت من البيت ورحت لشركتهم، تهجمت على هادي جراح واشتبكنا وصارت هوشة كبيرة ودفني وضربت راسي وما عاد حسيت بشي بعدها. مدري كم مر من الوقت وفتحت عيوني وحسيت بوجع راسي، للحظة ما عرفت من أنا ووين أنا لكني تذكرت بعدها وخطرت لي فكرة إني أكون فاقد الذاكرة لأجل آخذ انتقامي ومنه أرجعكم معي. في بكت ورفعت يدها وهي تغطي وجهها، ورفع حمدان يديه وسحب يدها من على وجهها ومسح دموعها وقال:
إشش لا تبكين، ما تكلمت عشان أبكيك، بغيت أعلمك إنك مو لحالك حسيتي بالوحدة. في ناظرته وهمست من بين دموعها: ليه ما علمتوني إنك زوجي. ضحك حمدان وهو يمسح دموعها: الحين أنا وش أقول وأنتي وش تقولين؟ في ميلت رأسها وهمست: كنت على الأقل ما بكتم اللي بقلبي ولا كنت تصرفت بغباء! حمدان بلع ريقه وهز رأسه: وش كتمتي بقلبك؟ في رفعت يدها ومسحت دموعها وقالت: و.. ولا شي بس يعني كنت بعرف على الأقل. حمدان ابتسم بحنية:
ما كنت أبيك تتشتتين ولا يضيع فكرك، كنت أبيك تعيشين مثل ما أنتي بالشكل اللي أنتي تبينه، تكبرين وتحلمين بكل اللي في بالك، ما كنت أبيك تكبرين على فكرة إنك زوجتي ومجبورة تتحملين مسؤولية أكبر منك، كنت أبيك تعيشين بالشكل اللي يليق بأميرتي في. ارتجفت في من كلمته وتسارعت نبضات قلبها وشدت على يديها وهي تفركهم ببعض وهي تشتت نظرها في كل مكان. حمدان تنهد:
وفي نفس الوقت كنت أحترق في غرفتي في كل ليلة وفي كل يوم، كنت أحس إني أنجن إذا شفتك رجعتي من المدرسة ولمحت في يدك حرف، كنت أموت من فكرة إنك تفكرين أو تحلمين بأحد غيري. في بتفاجؤ: لا والله مو كذا، أنا وصديقاتي في الحصة كنا نسوي كذا ونكتب حروف بعضنا. حمدان ابتسم وقال:
أدري إنك مو من هالنوع بس كنت أنجن وش أسوي، كنت أحاول إني ما أضغط عليك بس ما قدرت، كنت غصب عني ألاقي نفسي أعصب عليك وأمنعك من صديقاتك، كنت أخاف عليك من كل شي. في رمشت أكثر من مرة تمنع دموعها وهي ترتجف من كلامه الصريح والكثير على قلبها، تحسه أكبر من إن مشاعرها تتحمله! حمدان مسك يدها وقال بابتسامة: الله يسامحك نسيتيني أنا وش جاي عشانه. في بلعت ريقها وهزت كَتفها بحيرة وهي تناظره. حمدان أخذ نفس عميق وقال:
كنت جاي أعلمك شغلة مهمة. في: وش؟ حمدان ترك يدها وعدل جلسته وناظر الغرفة وتنهد وقال: بعلمك سالفة ما أحد يعرفها، أنتي أول وحدة تعرفها. في ناظرته وعدلت جلستها باهتمام: وش بتعلمني؟ حمدان ناظرها، تأمل وجهها، خصلات شعرها اللي طالعة من تحت الشال اللي على رأسها، نزل عيونه تأمل لبسها فستان بيت طويل بأكمام طويلة بلونه الأسود مع ورود بيضاء، رفع حواجبه يستعيد تركيزه وقال: قبل لا أعلمك بسألك. في ناظرته وقالت: وش بتسألني؟
حمدان هز رأسه بهدوء وقال: أنتي معي؟ في ضحكت بذهول: في وش؟ حمدان تنهد: في كل شي! في ناظرت يديها وهزت رأسها. حمدان عقد حواجبه: فكري زين مب على طول أي! ابتسمت في وهي ما تناظره: وش؟ حمدان ابتسم وتنهد: وشو وش؟ في ناظرته وضحكت: وش اللي وش؟ ابتسم بهدوء ومد يده لوجهها، وفي بدون وعي منها ميلت رأسها على يده وغمضت عيونها، تنهد حمدان من حركتها وبلع ريقه وقال: في بكشف لك أوراقي.
فتحت في عيونها واستوعبت حركتها وسرعان ما ابتعدت عن يده ورفعت يدها تعدل شعرها وترجعه خلف أذنها: أوراق وش؟ حمدان: بعلمك كل شي يصير معي من زمان. في ناظرته باهتمام وهزت رأسها. حمدان: بتسمعين؟ في هزت رأسها باستعجال: أي بسمعك. حمدان أومأ وقال: في شغلات ما أحد يعرفها عني وأنتي أول وحدة بتعرف. في ابتسمت بخجل ونزلت نظرها للأرض: ليه بس أنا؟ حمدان ابتسم من حركاتها وقال: يمكن عشانك زوجتي، أعجبتني الفكرة وقلت أشاركك همومي.
في ناظرته ورفعت حواجبها: والله! حمدان ابتسم وأومأ: ودي أعلمك كل شي، أول مرة تسمعين لي. في زمت شفايفها وقالت: ليتني كنت أدري كنت سمعتك من زمان. حمدان: ما راح شي بعلمك الحين. في أومأت وهي تناظره وتحس قلبها يرفرف مع كل كلمة ينطقها وكل حرف يقوله، شكله جذبها حيل ولأول مرة تسمح لنفسها تتأمله كذا، لأول مرة تلاحظ حدة عيونه وحواجبه، ولأول مرة تلاحظ هدوء ملامحه، لأول مرة تلاحظ جسمه وتقاسيم وجهه.
لاحظت شعره وطريقته في الكلام، هي تشوفه من سنين بس لأول مرة تتمعن فيه، تحسه يملك جاذبية غير طبيعية جذبتها في كم دقيقة تكلم معها، طريقته في انتقاء الكلمات وفي اختيار الوقت المناسب لقولها تخلي في منجذبة له ومو قادرة تتحكم بمشاعرها، تحس إن فيضانات من المشاعر تتدفق من أعماقها، مشاعر غريبة على قلبها، مشاعر مختلفة. حمدان:
قبل سبع سنوات تقريبًا كنت أشتغل في محطة الـ** على الطريق المقطوع وجتنا سيارة تعبي بنزين، عبيتها لكن انتبهت إن في واحد في السيارة رابطينه كان يأشر لي أساعده، أنقذه، لكن ما أدري وشلون بساعده، أنا وين والرجال اللي معه وين، في فرق بينا، كف واحد منهم والله إن ينهون حياتي، راحت السيارة مسرعة وأنا ما قدرت أقعد مكاني، ما سمح لي ضميري، أخذت نفسي ولحقتهم. في عقدت حواجبها وهي تناظره وتنتظره يكمل كلامه. حمدان:
وصلوا لطريق مقطوع ودخل طريق فرعية، لحقتهم أنا وكنت بموتر جدي، تركت بيني وبينهم مسافة، وقفت الموتر ونزلت وركضت خلفهم، شفتهم يوقفون عند بيت قديم، خرابة!
ونزلوا والولد هذا معهم كانوا يضربونه ودخلونه لين هذي الخرابة وأنا خلفهم دون ما يحسون علي، كنت قاعد أمشي شوي شوي بدون ما يحسون علي وسمعتهم يدقون على والده ويطلبون منه مليون ريال مقابل إنهم يتركون ولده بدون ما يموت، طبعًا والده هذا الشخص إنسان غني عنده كثير فلوس صاحب أكبر شركات النفط المصدرة لدول الخارج. في بذهول: و وش سويتوا وش صار معك؟ حمدان:
تركتهم لين طلعوا من الخرابة ودخلت بدون ما يحسون علي وساعدت الولد وفكيت وثاقه وجينا بنهرب لكنهم دخلوا علينا. شهقت في ورفعت يدها لفمها وقالت: ووش صار عليكم؟ حمدان: خليت الولد هذا يطمر من الدريشة وجيت بلحقه وأطمر (أقفز)
خلفه لكنهم مسكوني، بس مع ذلك قدرت إني أفك نفسي من بين يديهم وطمرت وراه من الدريشة وركضنا أنا وإياه للموتر وقدرنا نطلع من الطريق المقطوع ونهرب منهم ووصلته لين بيتهم وجاء بيكافئني ويوم عرفت من هو عصبت منه لأنه كان يحسب إني ساعدته عشان الفلوس! وإني ساعدته عشان يجيب لي إكرامية.
ما يدري إني ساعدته مرجلة وما في نيتي إني آخذ منه فلوس وهو فهم علي وفهم إني مو من هذا النوع وسألني وين أشتغل وقلت له في أي ورشة أشتغل فيها وتركت الرجال ورحت لشغلي. وبديت أشتغل في الورشة هذي يوم ورا يوم إلا وهذا الولد صار يجيني بموترة! ضحك حمدان بخفه وقال: الولد هذا نشب لي كل يوم يجيني! كل يوم يجيني بموتر جديد ويقول الموتر هذا خربان! الموتر هذا فرامله خربانه! هذا الموتر صار يطلع صوت!
صار يتعمد يجيني كل يوم، وكل مره ابدا اصلح في سيارته يقعد عندي ويسولف علي ويتعرف علي. وانا كنت ملاحظ ان هذا الولد يبي يتعرف علي كثير، بعدها تطور الموضوع، ما صار يجيني بالموتر فقط، صار يجي ودفاتره وكتبه واقلامه معه ويقعد عندي يذاكر ويسولف علي، واذا جاني شغل يوقف مذاكرته وينتظر لين أخلص. ويوم اقعد يبدا يشرح لي ويذاكر لي! لين يوم سألته وقلت له انت وش تبي؟ ليه ناشب لي لك اكثر من شهر وانت ناشب لي؟ ابتسمت فَي وقالت:
ووش كان يبي منك؟ حمدان: قال بيصير خويي، الرجال ممتن لي لأني انقذت حياته، واكثر شي اعجبه فيني اني ما اخذت فلوس منه ولا اهتميت بهذا الشي. ومع ذلك انا قلت له انه ما عندي وقت للصداقات وانه كل وقتي أشتغل، سألني عن دراستي، سألني عن حياتنا شلون، وانا لأني اول مره يصير عندي خوي علمته كل شي، والولد من وقتها ما تركني ولا دقيقه، ناشب إلا يصير خويي ولا يصير خويي!
وصرنا اخويا، صار يجيني في ايام كثيره، والايام اللي ما اروح للمدرسه ولا أداوم كان يجيني العصر ويقعد عندي ويذاكر لي، كان مهتم فيني بشكل ما كنت القاه من احد ثاني. فَي ناظرته وقالت: مين هذا؟ هو بنفس عمرك ولا اكبر؟ حمدان ناظرها وقال: اكبر مني، باسل، باسل خويي ما عندي غيره. شهقت فَي وقالت: باسل اللي تتكلم عنه؟ اومئ حمدان وقال:
هو ما عندي غيره خوي، كان كل مره يجي يقول انا بساعدك، انا بوفر لك شغل، ابوي بيوفر لك اللي تبيه وبيوفر لك كل الشغل اللي يناسبك، بس انا ما كنت اوافق، قلت له اذا تبيني اكون خويك لا تتدخل في شغلي، خلك خويي مثل ما انا بشغلي هذا بحياتي هذي، انا انسان ما احب الوساطات ولا احب ان احد يتمنن علي بشي، انا انسان احب اني اشتغل وأكافح وأوفر حاجاتي وحاجات اهلي بعرق جبيني، ما احب علاقات المصالح ولا صداقات المصالح، ان كانك تبيني اكون خويك وتكون صداقتنا مستمره لا تعرض علي مره ثانيه فلوس او انك تتمنن علي بشي.
وزعلت منه فتره طويله، بس باسل فهم طبعي، فهم شلون افكر ووش هي حياتي، وجاني بعدها وصرنا اخويا بدون ما يتدخل بأي شي، حتى ان فترات كان يشيل ملابسه ويلبس مثل ملابسي، ويبدأ يساعدني في الورشات، كان يشتغل معي، كنا نطلع سوا، كنا ندرس سوا، كنا مع بعضنا، صار هو اخوي في دنيتي، صار هو خويي الوحيد، وهو الوحيد اللي افتح له قلبي واكلمه بكل شي!
علمته وقلت له يا باسل انا ولد في قلبي حقد، والحقد هذا بيكبر معي وبيبقى معي لين اموت او آخذ بثاري، سألني وش هو ثاري؟ علمته... علمته باللي قتلوا اهلي، علمته الشي اللي شفته!
. علمته كل شي يخصني. ومرت سنين وكبرنا انا وياه مع بعضنا، وخلص هو دراسته ودخل الجامعه، وانا كنت في الثانويه، ومع ذلك كان ما يتركني ولا لحظه، يوم خلصت الثانوي ما قدرت اني ادخل الجامعه، عرض علي انه بيدخلني على حسابهم وبيساعدني، بس انا رفضت، رفضت بأشد عبارات الرفض، وبعدها بديت اشتغل في كل وقت وأكثر من قبل عشان ما تخلصين انتي ثانويتك إلا وانا موفر لك المبلغ اللي تحتاجينه عشان تدخلين الجامعه وتحققين حلمك وتخلصين دراستك.
وقبل ثلاث سنوات بالضبط، باسل استلم كل شي في شغل ابوه، وصارت كل شركات النفط، كل الأموال وكل الاملاك الخاصه في ابوه صارت له. صار هو اللي مستلم كل شي ويدير كل شي، عرض علي اني اشتغل معه، بس انا رفضت، قلت له انا ما عندي شهادة جامعيه، انا شهادتي ثانويه فقط، مستحيل اني ادخل بالواسطه، انا عندي شغلي وبكمل فيه. فَي ناظرت حمدان بقهر وقالت: ليه يا حمدان؟ هذا هو عرض عليك كان بيساعدك!!! حمدان اومئ وقال:
ادري ادري انه كان بيساعدني ومن قلب طيب وصافي وماله أي نية ثانيه، بس انا ما اقدر يا فَي، ضميري ما يسمح لي اني اشتغل مع خويي وتبنى علاقتنا كلها على مبدأ المصلحه!!
انا ابي تبقى صداقتنا على الود والإحترام اللي بيننا بدون أي مصلحه ولا أي إستغلال، وباسل كان هذا الشي اكثر شي يخليه يتعلق فيني ويبقى خويي، تخيلي بيننا فارق العمر لكنه كان متخوف من انه يخاوي احد لانه يدري ان الكل بيطمع فيه وبالفلوس. أما انا يشهد الله علي، ويشهد الله علي، ويشهد الله علي اني ما عمري فكرت في ريال واحد من اللي معه، ما عمري فكرت اني استغله او اطمع في ريال واحد!
انا يوم اني خاويته خاويته لأنه رجال كفو وأصله طيب وينحط على الجرح يبرى... لكن مع ذلك باسل ما وقف، كان كل يوم يجي ومعه مجموعة ملفات ويقعد عندي يقول ما قدرت اخلصها ساعدني يا حمدان.......
كنت اساعده بمبدأ الأخوه، وبديت أتعلم الشغل معه، بدأت أتعلم شلون إدارة الشركات وشلون الشغل التجاري يكون. وبدأ كل يوم يجيب ملفات ويقول ما عندي وقت اخلصها ساعدني يا حمدان، وكنت ما اقصر كل يوم امسك معه ملفات وابدأ اساعده فيها لدرجه صار يسلم لي معظم الشغل، صار يسلم لي ارقام المستوردين وارقام اللي بيصدر لهم، صرت اتواصل معهم، صرت انا ماخذ اكثر الشغل عشان شي واحد عشانه خويي، ابي اساعده لو ببذل الغالي والنفيس عشانه، مب عشان
فلوسه ولا عشان اتودد له، وباسل كان يفهم هذا شي حيل ويدري بطيب اصلي ومعدني، وانا للأمانه ما اكذب عليك حبيت الشغل معه، حبيت اني اساعده لانه خويي، وصرت اخذ نص الشغل وهو النص الثاني، وكل ما يعرض علي مبلغ كنت ارفضه واقول ما ساعدتك عشان فلوسك، انا ساعدتك لأنك خويي، انت خويي الوحيد ولو افديك بروحي والله ما اقصر.
ميلت فَي راسها وهي تناظره وعيونها تدمع وهي تحس بالفخر ان هذا ولد عمها، ان هذا هو الي تربت على يديه! حمدان تنهد من نظراتها وقال:
باسل صار قوي في شغله ومسيطر، صار انسان فاهم كل جوانب الشغل، وساعدته والحمد لله بدأ شغله يتضاعف اكثر واكثر مما كان مع ابوه. ووقتها وفي يوم من الايام جاني للورشه وانا أشتغل وقعد معي وقال خلنا نطلع ناخذ لنا كوب قهوه ونتكلم، في عندي موضوع بكلمك عليه، طلعت انا وياه قعدنا تقهوينا وقال يا حمدان في عندي شور، وان ما قبلته مني والله العظيم انك ما تحترمني ولا تقدرني ولا تعزني ولا تشوفني خويك، انا وقتها انصدمت قلت له وشو شورك،
ان شاء الله اني معك فيه، وقال باسل توعدني انك تسمعه ولا والله اللي يصير بيننا مسافات وأضيق منك، قلت له والله انك تبشر بالسعد واني معك ان شاء الله ما اقصر ولا اساعدك في اللي اقدر عليه، انت أمرني وش في خاطرك وان شاء الله ما يصير خاطرك الا طيب...
قال لي يا حمدان في عندي مشروع والمشروع هذا يخصك انت...
قلت له دام ان المشروع يخصني فأنا انسحب من الحين واقول لك انا ما اساعدك من اول الشغل واتكلم معك إلا لأنك خويي مب عشان مصلحه ولا عشان شي ثاني. قال لي انا ادري أنا أدري يا حمدان وهذا شي ما فيه تراجع ولا فيه كلام، لكن هذا المشروع غصب عنك بتمسكه اذا كنت تحترمني وان كنت تقدرني وتعزني، وما هو بمنّة مني، لا والله انه مسجل عليك وانك اول ما تشتغل وتتمكن بترجع لي كل ريال وبتسدد لي دينك.
أنا وقتها عجبني الموضوع إذا ما فيه منّه ولا شفقه من باسل ودام انه مسجل كل شي وكل ريال آخذه من بعدها اسدده له فأنا موافق، قلت له سم واسلم وش الموضوع؟
قال يا حمدان في عندي شركه انت بتديرها وبسجلها بأسمك كلها، لكن في نفس الوقت انت بتشتغل فيها وبتطلع الأرباح، والارباح هذي اللي بتطلع من تعب جبينك ومن شغلك هي لك، ومن هذي الأرباح انت بتسددني قيمة الشركة اللي عندك ويوم تخلص كل اللي صار لك واللي عليك والدين كامل وقتها انت تبدا تاخذ الأرباح لك. لكن حالياً انت ما بتاخذ من ألأرباح ولا ريال وبتشتغل وبتجمع الريال عند الثاني وبتبدأ تسددها لي بالتقسيط شوي شوي والشركه في كل مره بتصير بأسمك اكثر واكثر وبتصير لك!
قلت له ليه؟ ليه تساعدني وش السبب من هذا كله؟ قال لي يا طويل العمر عيال عمك صار عندهم شركه وانت عندك انتقام منهم وانا والله اني لاساعدك باللي اقدر عليه وانت ابشر بالسعد امسك الشركه واشتغل فيها وسدد الدين اللي عليك وفي نفس الوقت تبدأ انتقامك بطريقة قانونيه ولا تدخل في شي باطل. وفي نفس الوقت لا تخلي الحقد ياكل قلبك وتضيق من الثار اللي على كتوفك ويهد حيلك، خذ بثارك ولكن بطريقة مشروعه وابشر بالسعد والله اني لك ظهر وسند.
قلت له بفكر، الموضوع ما هو بسيط ويبي له تفكير. اخذ حمدان نفس عميق وناظر فَي اللي تناظره بعيون متسعة من كلامه وفمها مفتوح بصدمه وقال حمدان مكمل كلامه:
فكرت في الموضوع وقبلت بعرضه وبديت اشتغل وكل الأرباح اللي تطلع لي واللي هي من نصيبي كنت أسدد الدين الي علي لباسل، والدين ماهو بسيط ملايين يا فَي ملايين. وباسل قال انت بما أنك انت تساعدني في شركه ابوي وانا بساعدك بشركتك، بصير المساعد او مدير اعمالك عشان تقدر تتحرك وتنتقم براحتك بدون ما حد يدري من انت ولا وش اسمك ولا وش لقبك... تدرين يا فَي انا وش فكرت فيه وقتها؟ فكرت فيك انتي!
وشلون بتفرحين يوم تدرين ان حياتنا بتتغير واني ببدأ اشتغل وببدأ أحقق احلامك اكثر واكثر، لكني خفت وقتها خفت اعلمكم اني مسكت شركة وما اقدر اني اسدد الديون اللي علي. لأني انا وقتها مستحيل اقبل اني اقعد فيها دقيقه وحده وهي من مال باسل ومن حقه، وطول السنوات الماضيه وانا اشتغل فيها، في نفس الوقت يا فَي كنت أقوي نفسي عشان اخذ بحقنا وبثارنا... ابتسم حمدان بخفه وقال: تدرين وش سميتها؟ فَي هزت راسها بتساؤل وهي مصدومه! حمدان:
سميتها على اسمك يا فَي لانك انتي الوحيده اللي كنتي تهميني من هذا كلك.. انتي الي بحقق لك احلامك.. سميتها فَي وأخذت اخر حرفين من اسمي.. فَي بلعت ريقها وقالت: شلون اسمي وأخر حرفين من اسمك؟ ابتسم حمدان وميل راسه وقال: سميتها فيّان! شهقت فَي وقالت: شركة فيّان ماغيرها له انت يا حمدان؟!!! احلف انها لك!!! لا تكذب علي تكفى من جدك انت ولا تمزح معي؟؟؟ قال حمدان بهدوء:
الى الحين ما صارت لي كلياًّ، انا للحين سددت 80% من اللي علي، باقي 20% ما سددتها لباسل، يوم أخلص تسديدها كاملة بتصير الشركه لي وتتغير حياتنا تماماً يا فَي، بتتغير حياتنا للأفضل، بعيشكم الحياة اللي انتوا تتمنونها واللي انتو تبونها، اصبروا علي ما باقي إلا شوي باخذ بثاري من شركة عيال جراح وباخذ ثاري من ولدهم نمر وبخليهم يذوقوا المر الي ذقناه والفقر والحاجة، ومن بعدها احنا بنكمل حياتنا وبنعيش حياتنا بالشكل اللي نبيه وبالطريقه اللي احنا نبيها.
فَي بصدمه وأنفعال: اجل لييه كنت تشتغل في الورشه؟؟ ليه كنت ترجع وحالك مبهذل؟؟؟ لييه كنت تخلينا نحس بالذنب؟؟ لييه معيشنا في كذبه يا حمدان!!!؟؟ حمدان بعصبيه: اجل من وين احنا ناكل ونشرب، من وين تحسبين اننا عايشين؟؟ انا ماخذ على نفسي عهد اني ما آخذ ولا ريال واحد من باسل، والشركه كانت ولازالت له، كل الارباح اللي تطلع من شغلي فيها مب لي كلها له، انا الى الحين اسدد ديوني له!!
انا حالف يمين انه ما آكل ولا ريال واحد من الشركه لين تصير كلها حلال زلال علي وتصير كلها بأسمي، انا كنت اشتغل في الشركه وكنت اشتغل في الورشه عشان يوميتنا، عشان نعيش اليوم بيومه لين اخلص كل ديوني واسددها وبعدها اترك الورشه ونبدأ حياة جديدة! فَي بصدمه: حـ.. حـ. حمدان شلون كذا؟ طيب، طيب والفلوس اللي انت جبتها لي المبلغ الكبير من وين جبته؟!!! تنهد حمدان وقال: اخذته من باسل دين، اجل من وين باخذه؟
فَي رفعت يديها ومسكت راسها بصدمه وهي تحس الدنيا تدور فيها ومو مستوعبة ولا كلمه قالها لها حمدان. تنهد حمدان ومسك يدها التي على رأسها وقال: فَي، أنا تعبت لين وصلت للي وصلت له، ما بقى شيء وتتغير حياتنا. أوعدك إني بعيشكم أجمل حياة، بحقق لك أحلامك، ماني تاركها مهملة على الرف. أنا مهتم يا فَي، مهتم بالشكل اللي أنتم ما تتصورونه. اصبروا معي، ما بقى إلا شوي ونتخلص من كل همومنا، أوعدك. فَي نزلت دموعها وقالت:
قلبي يوجعني يا حمدان، قلبي يوجعني. حمدان بخوف: ليه يا عيون حمدان ليه؟ فَي: أنت كذا صعبت الموضوع علي، صعبت الأمر أكثر. صار قلبي يوجعني عليك، وشلون تحملت هذا كله لحالك. احنا وين كنا؟ ليه ما حسينا فيك؟ وأنا الغبية كانت طلباتي ما تخلص، ما ما أدري وش أقول يا حمدان، مدري وش أقول. حمدان ابتسم بحنية وقال بمزح: كانت طلباتك ما تخلص؟ إلى الحين وهي ما تخلص! ابتسمت فَي من بين دموعها وقالت:
أنا مهما قلت ووش ما سويت، ما أقدر أوفيك حقك يا حمدان. حمدان أخذ نفس عميق وهو يمسك وجهها ويمسح عليه بحنية وقال: فَي، أنا ما أبي منك شيء، أبي ثغرك ذا يبتسم والضحكة ما تفارقه. أبي عيونك ما تطالع شيء وتتمنى إن عندها مثله وما تلقى، أبي عيونك إذا ناظرت الشيء تشوفه أمامها. فَي نزلت دموعها وقالت ببكاء: لييه؟ ليه كل هذا؟ أنا وش سويت عشان يجيني كل هذا؟
حمدان ناظر يدها اللي في حضنها ونزل يده بهدوء ومسك يدها وشد عليها ورفعها لصدره وتركها على قلبه وقال: عشان هذا يرتاح. فَي ناظرته وبلعت ريقها وشتت نظرها عنه بخجل وهي تحس إنه بدأ يصرح لها على العلن. حمدان تحنحن: المهم موضوعنا ما انتهى، ما تساءلتي ليه علمتك كل هذا؟ فَي أومأت: إلا، ليه علمتني؟ حمدان تنهد: يعني فيه بعض الشغلات قاعدة تصير عكس ما أنا أبيها. فَي: وش الشغلات اللي صايرة؟ حمدان:
اليوم دقت علينا خويتك غيداء، هي تشتغل بشركة عيال جراح؟ فَي هزت رأسها وقالت: إيه غيداء تشتغل في شركة أخوها، هي شركته مو بس لعيال جراح، الشركة لهم ولصديقهم اللي هو أخوها صقر إذا تعرفه! حمدان أومأ وقال:
إي أعرفه وأدري إنها مو لهم لحالهم، وإنه معهم في الشركة، وأنا مو انتقامي منهم هم. وهو يستاهل اللي يجيه، ما حد قال له يشترك معهم. ثاني شيء خلني أعلمك السالفة؛ دقت علينا غيداء للشركة وقالت هادي يبي يرفع عليكم قضية أنتم وحمدان. وهذا الشيء يدل على إنه هادي صار يشك فيني، أو يمكن صار شيء خلاه يعرف إنه أنا في شركة فيّان، بس إلى الحين أتوقع إنه ما يعرف إنه أنا فيّان لأنها قالت بيرفع عليك وعلى فيّان وعلى حمدان، هذا وهي تكلم
باسل. فتوقعنا إنه للحين عندهم مجرد شك فيني، وبما إن غيداء ساعدتنا، أبيك تدقين عليها تتكلمين معها وتطلعين الموضوع بطريقتك بدون ما تحس بشيء، ما أبيها تعرف إنك تدرين. وأبيك تفهمين وش اللي عندهم وشلون يعرفون إني أنا في علاقة مع شركة فيّان!
فَي ناظرته وقالت: يعني يمكن إنهم يرفعون عليك قضية؟ حمدان: ما يقدرون يسوون شيء أصلًا، ما عندهم أي دليل وأنا ما سويت شيء غلط يعني على وش بيرفعون قضية؟ أنا ما سويت لهم أي شيء غلط، أنا قاعد أشتغل بطريقة مشروعة وبطريقة قانونية، أنا أعرض على التجار فوائد أكثر وأسهم أكثر وأكيد بيقبلون شركتنا ويتركون شركتهم! هذا كله في إطار الشغل والتجارة، يعني وش بيرفعوا علينا قضية على وش بالضبط؟!
وإذا رفعوا قضية فهم 100٪ خسرانين، احنا اللي بنكسبها لإنا بنرفع عليهم قضية ثانية وبنقول إنهم يتهجمون علينا ويدعون علينا أشياء احنا ما سويناها فيهم؛ وكذا هم يخسرون أكثر. لكن الشيء اللي أبي أعرفه هم وش يعرفون عني وشلون وصلوا لمعرفة إنه أنا لي علاقة بشركة فيّان، هذا شيء اللي أبي أعرفه. فَي بهدوء: طيب يمكن إنهم عرفوا بسبب علاقتك باسل وصداقتك معه؟ أتوقع يعني مو متأكدة، ما أدري. حمدان سكت شوي وناظر الغرفة بتفكير
ثم ناظرها وقال بذهول: والله إنك جبتيها! أجل كل الموضوع وما فيه إن باسل التقى فيهم وعرفوه يوم جابني هنا. وأكيد إنهم كانوا يبحثون عن شركة فيّان دامهم حسوا بالخطر، وبيشوفوا إنه باسل اللي في شركة فيّان هو نفسه باسل اللي عندي، ومن هنا بيبدون يربطون الأحداث ببعضها. ناظرها ومسك وجهها وقال بابتسامة سعادة: يسلم عقلك يا شيخة، شلون فكرتي فيها! ابتسمت فَي بخجل وقالت: ما أدري، تخمين بس! حمدان ابتسم في وجهها وقال:
يسلم عقلك يا شيخة والله جبتيها، الحين ركزي معي أبيك تدقين على غيداء ذي خويتك وتتكلمين معها بطريقة غير مباشرة، تسألي عن الحال وعن شغلها وكذا وهي بتعلمك كل شيء تعرفه عنا، حاولي إنك تستدرجينها بالقدر الممكن لين تعرفين كل المعلومات اللي معهم وبعدها بتجيين تعلميني أنا، ومن هذا الأساس احنا بنبدأ نشتغل ونخطط. ناظرته فَي وقالت برجاء:
حمدان تكفى لا تضرها هي وأخوها، ما لهم ذنب. إذا أنت بتنتقم انتقم من الأشخاص اللي يضرونا، عيال جراح لحالهم، غيداء وصقر مالهم دخل. غيداء كانت أعز صديقة عندي طول السنين اللي فاتت. حمدان هز رأسه وقال:
لا تخافين، أنا أدري وش اشتغل وش أسوي، ماني ضار أشخاص وهم ما لهم أي ذنب وبدون سبب لأني حاس شلون شعور إنك تتضرر ومالك ذنب. ولا تخافي أنا ماني ظالم أحد، إن كان أحد مأذينا يتحمل ما جنت نفسه، أما شخص ما له ذنب ماني مقرب صوبه. المهم أنت الحين دقي على غيداء هذي وحاولي تفهمين منها كل شيء. فَي وهي تناظره: طيب بس ما عندي جوال. عقد حمدان حواجبه وقال: ليه ما عندك جوال؟ نزلت فَي رأسها وقالت: انكسر علي. هز حمدان رأسه وقال:
زين زين خلاص أنا بشوف شلون أتصرف، المهم أنت لا يطلع منك الكلام لا تعلمين أحد عن أي شيء خلي الموضوع بيننا. هزت فَي رأسها بالموافقة ووقف حمدان وقال: يلا أجل استودعتك الله نامي وارتاحي وأنا بروح غرفتي وأنام. وقفت فَي وهي مترددة باللي بتقوله وأحس حمدان عليها وقال: تبين شيء؟ رفعت فَي رأسها وقالت: لا بس... بس كنت بسألك يعني. حمدان عقد حواجبه بتساؤل وقال: وش بتسألين عنه؟ فَي:
أنت الحين قلت صار عندك شركة وباقي 20% وتصير لك كلها وتتغير حياتنا تمامًا؟ حمدان ابتسم وقال: إن شاء الله تتغير حياتنا تمامًا. فَي بابتسامة فرحة حاولت تخفيها قالت: يعني بيصير... إنه نسافر وكذا ويصير عندنا بيت جديد بفلوسنا ونكون كلنا أنا وياك وجدتي وجدي نعيش حياتنا بالشكل اللي نبيه؟ ابتسم حمدان وهو يشوف ترددها في الكلام ويناظرها شلون تحاول تخفي فرحتها:
أوعدك تتغير بالشكل اللي أنت تبينه، وبتكون سعادتنا كلنا مثل ما تحملنا الحزن والضيق والفقر مع بعضنا، بنفرح وبنعيش وبنرتاح كلنا إن شاء الله. لمح حمدان ابتسامتها وهي تحاول تشتت نظرها عنه وقال: تدرين هذي الابتسامة تنسيني كل تعبي وكل ضيقي؟ رفعت فَي نظرها والتقت عيونهم وهمست: والله؟ ابتسم حمدان بخفة وقال: والله! رفع يده يحك حاجبه يحاول يستعيد تركيزه وقال:
يلا أجل تصبحين على خير، نامي أنت ولا تطلعين لهم اتركيهم في حالهم يولدون ولا يسوون اللي يبون. ضحكت فَي بخفة وقالت: حاضر. تنهد حمدان وفي نفسه يقول: (جعلني فدوة والله للي يقول حاضر) كانت فَي واقفة وتناظره وعيونهم في عيون بعض، كل واحد فيهم ساكت وضايع في مشاعره. ورفع حمدان حواجبه يستدرك نفسه وصد عنها وجاء بيطلع وقالت فَي باستعجال: حمدان! التفت لها حمدان بلهفة وقال: لبيه. بلعت ريقها وقالت: لا خلاص. حمدان تقدم منها وقال:
فيك شيء؟ فَي هزت رأسها بالرفض: لا لا خلاص روح. أومأ حمدان وصد عنها وتوجه للباب فتحه والتفت لها وقال: متأكدة؟ فَي ابتسمت وأومأت وتنهد حمدان وطلع من الغرفة وتنهدت فَي براحة إنه طلع كانت بتجيب العيد بتصرفاتها.
انفتح الباب ونقزت والتفتت لوراها شافت حمدان يدخل ويقفل الباب بلعت ريقها وتقدم حمدان بسرعة وسحبها لحضنه وضمها بقوة وبدون كلام واتسعت عيونها بتفاجأ من حركته وتسارعت أنفاسها ورفع حمدان يده ورمى الشال اللي على رأسها وحرك خشمه على شعرها بهيام وابتعد عنها بسرعة بدون ما يناظر وجهها وتوجه للباب وفتحه وطلع من الغرفة وجلست فَي على الأرض بسرعة ورفعت يدها لصدرها تهدي قلبها اللي يرتجف من حركته وناظرت الغرفة كلها وهي تتنفس بسرعة ومذهولة من حركته بلعت ريقها ووقفت بسرعة وتوجهت للباب وقفلته وركضت للسرير وارتمت عليه وكتمت وجهها في المخدة وصرخت بكل صوتها من فرط شعورها واعتلت ضحكتها مالية الغرفة ووقفت بسرعة على السرير وصارت تنط عليه وتضحك بسعادة.
وخذت المخدات وصارت ترميهم وهي تضحك بسعادة ونطت للأرض وصارت تدور حول نفسها وهي فاتحة يديها وشعرها يتحرك معها ولمساته وأنفاسه إلى الحين تحس فيهم وكلامه يتردد في بالها. أما حمدان توجه لغرفته وقفل الباب وتوجه لسريره وانسدح وهو مبتسم ويحس بقلبه ينبض بعدم انتظام ومشاعره متلخبطة رفع ذراعه وغطى على عيونه وهو يسرح بتفكيره فيها وفي تصرفاتها وكلامها وابتسامتها. غيداء
طلعت غيداء من غرفتها بعد ما تركت جوالها المغلق من الصباح على السرير ونزلت من الدرج متوجهة للصالة بتقعد عند أخوها صقر وبتعلمه بالسالفة اللي صارت في الشركة قبل ما أحد يعلمه قبلها. نزلت من الدرج وشافت صقر جالس مدت يدها ترفع شعرها تخفف توترها وراحت له: مساء الخير. صقر رفع نظره وابتسم: مساء النور. جلست غيداء وهي تتأفف. وقال صقر: خير وينك مختفية اليوم لا تغديت معنا ولا تعشيت؟ غيداء تنهدت:
ءء.. كنت مصدعة ومالي خلق أطلع من الغرفة. صقر: خير إن شاء الله عسى ما صار شيء معك؟ غيداء: في الحقيقة صاير. صقر عقد حواجبه وقال: وش صار؟ غيداء: أنا اليوم وعدتك إن أي مشكلة تصير معي بعلمك عنها قبل ما أحد يعلمك بطريقة تخوفك، عشان كذا أنا مقررة إني أفتح لك قلبي وأعلمك كل شيء يصير معي عشان يكون عندك علم عن كل تحركاتي. صقر هز رأسه بالموافقة وقال: زين ما تسوين وش صار معك؟ غيداء تنهدت وقالت:
شوف يا صقر هو مو بمشكلة، يعني نقول عنه سوء فهم، وهالسوء الفهم هو اللي سبب المشكلة. عشان كذا أنا يوم أعلمك أعلمك عشانك أخوي وسندي وظهري وما أبي أحد يخوفك أو يعلمك بطريقة مو زينة، بس في نفس الوقت أبيك تترك لي المساحة في تصرفاتي، أنا بتصرف وبتخذ القرار بنفسي. ناظرها باهتمام وقال: عسى ما شر وش اللي صاير معك خوفتيني؟ رفعت غيداء يدها ورجعت شعرها خلف أذنها وقالت: هو مو شيء يخوف يعني شيء تافه صار استفزاز شوي.
صقر تكتف وسند ظهره على الكنبة وناظرها وقال: وهذا الشيء المستفز وشو؟ غيداء ابتسمت بضيق وقالت: سهى. عقد صقر حواجبه أكثر وهو يدقق النظر فيها وقال: وش فيها سهى؟ غيداء: يعني هذي البنت حاطة رأسها برأسي من يوم دخلت الشركة وناشبة لي إني داخلة بالواسطات وما أدري وش...
المهم أنا ما أعطيتها وجه وما تكلمت معها أبدًا وما تركت لها أي مجال للسوالف بيني وبينها، بس البنت هذي تمادت مرة معي لدرجة إنه هي اتهمتني إني أنا سويت تسريب معلومات الشركة لشركة ثانية ودقت عليهم باسمي أنا، وطبعًا الموظفين كلهم عارفين هذا الشيء، والمشكلة صارت أكبر شوي والكل صار عنده معرفة بهذي المشكلة ودراية عنه يعني صار سوء تفاهم وانحطيت بموضع محرج جدًا وضايقني وهذا كله عشاني ماخذة مكانها في الشركة ومنصبها على قولها، مع العلم إنه أنا ما أخذته قصدًا ولا متعمدة إني أنا أضايقها أو آخذ مكانها، في النهاية هذي وظيفة وحصلت عليها خلاص.
المهم هذي هي المشكلة، وانحل الموضوع هذا الحمد لله، وكشفتها قدام الجميع، وتركت الشركة ورجعت للبيت. ما كان لي طاقة أتكلم مع أحد أو أناقش أحد. صقر على يده بعصبية وقال: سهى مسوية لك كذا؟ هزت غيداء راسها وزمت شفايفها عشان ما توضح زعلها، لكن صقر فهمها على طول وحس فيها وقال: سهى هذي أنا أوريها، إن ما طردتها من الشركة ما يكون اسمي صقر. أجل هذي آخرتها مشاكل في الشركة ومكايدات حريم! رفعت غيداء أكتافها وقالت:
ما بي نقطع رزق البنت، خلاص الموضوع كله انتهى وبانت على حقيقتها، والكل صار يدري عنها. أنا ما أبي أقطع رزقها، ما تدري يمكن هي البنت الوحيدة لأسرتها وتعيلهم، فخلاص خلها في حالها، والموضوع خلاص انتهى. أنا بس حبيت أعلمك قبل ما أحد يعلمك بطريقة تخوفك. صقر بعصبية: وش اللي أترك البنت؟
أنتي تقولين هي مسببة لك مشكلة تبي تشوه سمعتك، تبي تقول أنك سربتي معلومات لشركة ثانية، وفي الحقيقة هي مسربة هالمعلومات لشركة ثانية باسمك أنتي، يعني هذا شيء اسمه خيانة، خيانة للشركة. وإذا طلعناها من الشركة مو عشان بس سببت لك مشكلة، لا عشانها سببت مشكلة للشركة كاملة، وعشانها خانت ثقة الشركة اللي وثقت فيها ووظفتها. أنا بتواصل مع هادي وبخليه يطردها، ما تستاهل تبقى ولا دقيقة في الشركة. إلا صحيح، هادي وش كان رده على الموضوع؟
يدري بالمشكلة اللي صارت ولا ما يدري عنها؟ تنهدت غيداء ورفعت كتوفها وهي تتذكر ردة فعل هادي وشلون وقف ضدها وقهرها أمام الجميع، ناظرت صقر وقالت:
يدري، يدري على اللي صار ووقف معي، مشكور يعني ما قصر هو ووقف معي وكشف حقيقتها وكذبها، وفي النهاية يعني خلاص الموضوع انحل. ما له داعي أنه نقطع رزق البنت، خلاص. وأنا قلت لك أنا علمتك عشان ما حد يعلمك قبلي وبطريقة ثانية، فحبيت أنه تسمع الموضوع مني أنا وأعلمك أنه خلاص الوضع انتهى وما في أي مشكلة، وقلت لك البنت خلاص بتمشي أكيد الحين بشكل طبيعي وبتتركني في حالي بالذات بعد ما انكشفت، بس موضوع أنه نقطع رزقها هذا مو داخل راسي، ما نبي نقطع رزقها ونطلعها من الشركة.
شاف صقر وشلون تتكلم وهي ترتجف ومرتبكة من تكرار الكلمات، وهذا دليل أنها مقهورة والي صار زعلها كثير. هز راسه بالموافقة، ودخلت أفنان وفي يدها كوبين قهوة وقالت بابتسامة: أوه أوه الإخوان قاعدين هنا يا سلام، تسمحون لي عاد أقعد عندكم ولا مشغولين؟ ابتسمت غيداء بهدوء وقالت: اقعدي اقعدي، منه تتعلمين معنا الشغل وتصيرين بزنس وومن مثلي. ضحكت أفنان وجلست ومدت لصقر الكوب وقالت: لو كنت أدري أنك قاعدة كنت جبت لك قهوة معنا.
غيداء بابتسامة هادئة: ما تقصرين، ماني قاعدة أصلاً بطلع غرفتي الحين. في عندي كذا شغل بخلصه بس كنت قاعدة أسولف على صقر بموضوع صار في الشركة. أفنان وهي تشرب من كوبها: عسى ما شر وش صار؟ غيداء وقفت: يعني ما في شيء مهم، خلاص انتهى الموضوع وتغلق. يلا أجل بخليكم تقعدون، تصبحون على خير أنا بروح غرفتي. أفنان: لا وين اقعدي طيب، ما سولفنا لك كثير ما تقعدين معنا. غيداء: شسوي والله مشغولة، إن شاء الله مرة ثانية. ناظرت صقر وقالت:
خلاص يا صقر اتفقنا، خليني أنا بحل الموضوع، لا تقطع رزق البنت! أومأ صقر بالموافقة وهو يفكر في كلامها، وراحت غيداء من عندهم طالعة الدرج ومتوجهة لغرفتها بتنسدح ولا بتشوف مسلسلها ولا بتشوف لها أي شغلة. أما أفنان ناظرت صقر وقالت: وش صاير عسى ما شر؟ صقر بضيق: في وحدة مدري وش تبي من غيداء مسببة لها مشكلة في الشركة. قلبت أفنان عيونها وقالت بقهر:
يا أخي البنت ما خلصت أسبوع في الشركة، وش فيهم عليها كذا الله ياخذهم. هذا وهي في شركة أخوها ومسوين فيها كذا، أجل وشلون لو كانت في شركة ثانية! صقر: أنا بشوف الموضوع وبشوف وش عندهم عليها، وهالبنت والله ما تقعد في الشركة دقيقة لأطردها، بس ما ودي غيداء تدري أن لي دخل بالموضوع. أفنان:
الله ياخذهم. أنت المفروض تروح وتحط لأختك مكانة في الشركة وتوقفهم عند حدهم وتخليهم يعرفون من هي ويعرفون أن هذي شركة أخوها ما لهم دخل فيها، تتصرف باللي تبيه، ويحمدون ربهم أنك موظفهم بعد. ضحك صقر: وش فيك أنتي قلبتي عليهم؟ أفنان: يا أخي مستفزين وش دخلهم في البنت، خلاص متوظفة في شركة أخوها وش دخلهم فيها؟ ليه يحشرون نفسهم فيها؟ لازم يتعاقبون والله. صقر ناظرها: أوف أوف وش ذا الاهتمام بأختي والحب لها؟ أفنان قلبت عيونها:
أجل شرايك؟ ترى من جد والله أتكلم، أختك كان لازم تحط لها اعتبار في الشركة من أول يوم. لازم الكل يهابها ويحترمها عشانها أختك. صقر: أنا بحل الموضوع هذا والله لأحله وأوريهم أن واحد تكلم عليها، هذا اللي ناقص بعد أختي يتكلمون عليها ويسببون لها مشاكل ويمكرون. أفنان شربت من كوب قهوتها: والله أنك كفو، لا تخلي أختك. ابتسم صقر لها وهو يشرب من كوبه. وابتسمت أفنان وهي تعدل شعرها وتقدمت منه وقالت: إلا صحيح، كنت بعلمك.
صقر ابتسم ورفع يده وسحبها من كتفها وضمها له وناظرها: قولي يا جعل ما يقول غيرك؟ أفنان ابتسمت بدلال وقالت: كنت أفكر نطلع أنا وياك كذا يعني بما أنه الصيف بدأ، نروح جدة يعني بحر وحركات فاهم علي أنت؟
يومين، يومين فقط ما بنطول، منه ننبسط ومنها أصور لخواتي، تخيل كل خواتي رايحين، واحدة رايحة الشرقية وواحدة رايحة ما أدري وين، وأنا أبي أروح مثلهم. خلنا نروح جدة أبي نتصور عند البحر وناكل ونقعد كذا يومين ننبسط ونغير جو ونرجع الرياض، ما فيها أي مشكلة، وش رايك علمني؟ صقر: والله حالياً ما أدري الجدول ما، ما يضبط. عندي شغل في الشركة وغيره عندي شغل في المستشفى، لذلك ما يمدي، بس ما عليك أول ما تجي فرصة على طول بعلمك ونروح.
أفنان بضيق:
تكفى تكفى يا صقر عاد، والله ودي نطلع، طفشت بنغير جو. كل خواتي طالعات تخيل كلهم ماخذين عيالهم وأزواجهم ومسافرين مكان، لا وبعد بنت عمي ما أقول لك تخيل رايحة على دبي لها هناك أكثر من أسبوع، والله أنها فالتها، وأنا يا صقر ما قلت لك لا توديني دبي ولا قلت لك وديني ما أدري وين، أنا قلت لك جدة في المملكة ما طلعنا منها ما تحركنا، ويومين ما قلت شيء كثير يعني عشان مقدرة وضعك وشغلك، يومين كذا نطلع ونتمشى نغير من جوّنا شوي ونرجع، منه يعني عشان ما نتأخر على شغلك وعشان ما نتأخر على أمك وأختك، وش رايك؟
صقر: ما يمدي والله ما يمدي هاليومين، قلت لك عندي ضغط عمل في الشركة وفي المستشفى! أفنان:
يا صقر شغل مخك شوي. الشركة سلم شغلك لأختك، هذا هي صارت موجودة في الشركة وأي شيء ما تفهمه تلقى مساعدة من الموظفات، شوف هذا واحد الشركة وتخلصنا منها. خليها على غيداء وهي تموت في شيء اسمه شغل وشركات وغيره، يعني بتفهم في شغلك ومنه أنت بترتاح ومنه تغير جو. أما المستشفى فخليه على خويك جواد، ما بيخسر شيء إذا مسك يومين والله ما بيخسر شيء، أنت دايم تاخذ الشغل عنه وهو يرتاح، الحين صار دورك يعني شوف هذا هو في إجازة هو وزوجته في الديرة وأنت ماخذ الشغل كله عنه، الحين صار دوره هو يجي ياخذ الشغل يومين!
يومين فقط واحنا نطلع نغير جو، وش رايك؟ صقر: ما أدري والله. الأمور معقدة عند جواد، ما يمديني نضغط عليه وأخليه يترك الديرة بالذات أنه موضوع عمه الحين وولد عمه شاغلين باله ومشاكلهم، خليه يكمل حلها وبعدها احنا بنسافر. تأففت أفنان: يوه يا صقر يوه، أنت وش فيك كذا تصعب الأمور؟ ترى ما فيها شيء. جرب اطرح الموضوع على خويك جواد وكلم غيداء وخلنا نطلع، والله طقت روحي في البيت من زمان ما طلعنا ما سافرنا! وناظرته بعيون
متحايلة وقالت تتصنع الزعل:
بعدين شوف يا صقر، هذا أنت يوم قلت لي خلينا نرجع بيت أهلي ما قلت لك غير لَبيه وآمر وسم، طلباتك أوامر، ورجعنا عند أهلك وعند أمك وأختك ولا بعد من هذاك اليوم وأنا أتودد لهم وأحاول أنه أكون لهم زوجة أخ مثل ما يتمنون ومثل ما يبون، وتقربت من أمك وصارت علاقتنا الحمد لله زينة كله عشانك أنت عشان ما تتضايق عشان ما تتشتت عشان ما تكون عندي وبالك عندهم وخايف عليهم، قلت بنرجع البيت وبنكون علاقتنا طيبة عشان حبيبي صقر. والحين أنا ما
طلبتك شيء صعب، طلبتك فقط أنه نسافر، أبسط حق من حقوقي أنه نسافر ونغير جو، وأهلك ما عليهم إلا العافية إن شاء الله ما بيصيبهم شيء لا تخاف، والشغل هي يومين يعني ما الشركة بتطير ولا المستشفى بيضيع إذا تركته يومين. تكفى يا صقر لا تردني، تكفى أنا أدري أني ما أهون على قلبك وأنك ما ترفض لي طلب وبنسافر، يلا صقوري حبيبي لا ترفض لي طلب تكفى!
تنهد صقر وقال: زين زين بشوف الموضوع خلاص. أفنان: أوعدني أنك تشوف الموضوع وتحله ونسافر بعد بكرة! صقر: يا بنت الحلال وش اللي بعد بكرة؟ أقول لك يمكن، يمكن مب أكيد، أنا أول شيء بدق على جواد بسأله إذا فاضي أنه يمسك المستشفى لين نرجع من جدة، وبشوف أختي إذا بتمسك مكاني في الشغل وبتشتغل هي. الموضوع مو سهل يعني لا تاخذينه على محمل الجد، انتظري اصبري! صدت أفنان بضيق وقالت: أنا أدري أنك ما بتطلعنا. صقر ناظرها وقال:
بطلعك بطلعك، لكن أول بشوف أموري شلون ووضعي شلون وبعدها مالك إلا طيبة الخاطر. أفنان بزعل: لا خلاص أنت خلك في شغلك وأنا إذا قلت شيء مو من حقي أساساً. تنهد صقر ومد يده وهو يسحبها له ويضمها وقال: خلاص خلاص يا بنت الحلال، كل شيء إلا زعلك عاد، أبشري أبشري بعد بكرة إن شاء الله نسافر. ابتسمت أفنان بفرحة وقالت: قل والله؟ صقر: إن شاء الله. أفنان بفرحة قربت منه تبوس خده وقالت:
الله يسعد لي قلبك، والله أني أدري أنك ما بترد لي طلب يا بعد عمري أنت والله. أجل خليني بروح الحين بجهز شنطنا وكذا وبعلم خواتي أننا بنسافر. ضحك صقر وهز راسه وهو يشوفها تترك كوب قهوتها وتركض للدرج وتتوجه لغرفتها بتعلم خواتها أنهم بيسافرون. أما هو ناظر الطاولة وسحب اللابتوب وشغله وهو يشوف الشغل اللي عليه، بيحاول أنه يشتغل اليوم أكبر قدر ويترك على غيداء الشيء الخفيف ويسفر أفنان. *** في الديرة
كان الحريم إلى الآن قاعدين في الصالة وينتظرون أي خبر من مهرة ومن المولود، وكانت العنود ساندة ظهرها على الكنبة ومصدعة وتحس بنعاس. والبنات حولها وهي ضامة لهم، الصغار صاروا نايمين ونورة للحين صاحية هي ووفاء وسجى. تأخر الوقت حيل وهم للحين ينتظرون فاهد ومهرة. شهقت نورة أول ما سمعت صوت السيارة ووقفت بسرعة وقالت: أبوي جاء، أمي جت!
ركضت بسرعة ووقفوا خلفها خواتها سجى ووفاء وهم يركضون ويبكون بصوت عالي ومنتظرين اللحظة اللي بيشوفون أمهم وأخوهم الصغير. ووقفت العنود بسرعة وتركت البنات الصغار على الكنبة وركضت خلفهم، ما تدري ليه ركضت لكنها تبي تتطمن على مهرة، وطلعت من البيت وعلى راسها شال خفيف لأنها تدري مو موجود الحين أي أحد في الحوش من الرجال الغرباء.
ووقفت على باب البيت وتجمدت رجولها يوم شافت نورة ووفاء وسجى واقفين مثلها في وسط الحوش وفاهد داخل عليهم من باب الحوش وفي يده المولود، والحزن والضيق واضح على وجهه، حزن عميق واضح على ملامحه. مما خلى قلب العنود يدق بسرعة وخوف وهي مرعوبة من اللي بيقوله فاهد ومن اللي بتسمعه بعد شوي، حست رجولها مو قادرة تشيلها وعلى طول استندت بالجدار وهي تسند نفسها، وصوت الرضيع هو الوحيد اللي مالي المكان، صوته وهو يبكي! قالت
نورة ودموعها على خدها: يبه وين أمي؟ نزل فاهد راسه وهو مو قادر يناظر بناته، مو قادر يعلمهم بالفاجعة اللي بتصير على قلوبهم الصغار في أمهم، مو قادر يتكلم! صرخت نورة وهي تبكي: وين أمي يبه؟ وين أمي تكفى؟ وينها بشوفها أمي وين هي وين أمي يبه وين أمي؟!!! قالت سجى ببكاء: هي في السيارة أكيد، خلونا نروح نشوفها تعالي يا وفاء. مسكت يد أختها وركضت بسرعة متوجهة لسيارة أبوها. ولحقتهم نورة وهي تنادي بأعلى صوتها على أمها.
ورفع فاهد رأسه وناظر العنود اللي دموعها على خدها وساندة نفسها على الجدار، وتقدم منها بخطوات بطيئة وهو يحس إن هموم الدنيا كلها على كتوفه، يحس إن حزن العالم كله يسكن قلبه. تقدم منها وصار أمامها ومد لها الطفل اللي بين يديه وهمس بصوت ثقيل من الحزن والضيق، صوت مخنوق وقال: "هذي أمانتك، تقبلين الأمانة؟
شهقت العنود ورفعت يدها لفمها تمنع صراخها وبكاها، وطاحت على رجلها وهي تبكي بعدم تصديق إن مهرة ماتت وفقدوها. وشلون ماتت وهي كانت قاعدة هي وياها الصبح؟ كانوا قاعدين في الصالة ويسولفون، وشلون كذا؟ وشلون الحين مو موجودة في الدنيا؟! وشلون أخذها الموت من يد بناتها ومن بين وسطهم؟!
فاهد ما قدر يتحمل، هو يحس إنه بيبكي أمامهم. ترك الطفل في حضن العنود اللي منهارة على الأرض وطلع يمشي بخطوات متسعة، طالع من البيت ومن الحوش بيشوف بناته وينهم. وطلعت غرور ومشاعل وفهدة على صوت البكاء والصياح، وناظروا العنود منهارة وفي حضنها الصغير وفهموا إن مهرة ما عادت موجودة. صارت غرور تصيح وتضرب راسها ومشاعل مثلها، وفهدة شدت على يدها وهي تحس إن الدنيا تدور فيها، مصدومة من اللي سمعته ومن اللي صار!
وصل فاهد وهو يشوف بناته يبكون على الأرض بجنب السيارة، وتقدم منهم وطاح عندهم وهو يسحبهم لحضنه، ونزلت دموعه واهتز كيانه من صوت بكاهم ومن اللحظات الأخيرة اللي قضاها مع مهرة وهي توصيه عليهم وتوصيه على طفلها، وتطلب السماح من العنود لأنها ظلمتها كثير وأذتها، وتترجاه إنه يقول للعنود لا تظلم بناتها ولا ولدها بسبب أفعالها السابقة فيها.
كانوا بناتها يبكون بكل صوتهم وهم يصرخون يبون أمهم، وهم مو مستوعبين فكرة إن أمهم ما عادت موجودة معهم في الدنيا. أمهم ما عادت موجودة! كان فاهد يبكي. يبكي بحزن عميق احتل قلبه، مهما كان هذي زوجته وأم بناته وأول زوجة له، وفراقها صعب صعب حيل!
طلع جواد يركض وهو ببيجامته، وطلع حمد وطلعوا كل إخوانه من المجلس وتوجهوا له بعد ما عرفوا السالفة من صياح الحريم. وقعدوا عنده وهم يسحبوا منه البنات ويدخلونهم للبيت، وباقي إخوانه عنده يواسونه ويحاولون يصبرونه. عسّاف: "اذكر الله يا رجال اذكر الله، إنا لله وإنا إليه راجعون. الله يعظم أجرك ويصبرك والله يرحمها، الله يرحمها إن شاء الله، الله يرحمها، اصبر، اصبر وأنا أخوك اصبر، الله يرحمها، الله يرحمها." حمد بحزن:
"إنا لله وإنا إليه لراجعون... اختلفت الأصوات وهم مفجوعين من اللي صار، والحزن احتل قلوبهم جميعًا عليها، وهم يحاولون يصبرون فاهد اللي تلطم بالشماغ وهو يحاول يخفي وجهه! يحاول إنه يخفي دموعه منهم لكن الحزن واضح عليه، وعسّاف كان عنده واقف ويضرب على كتفه: "اصبر وأنا أخوك اصبر، عظم الله أجرك اصبر، إنا لله وإنا إليه لراجعون، إنا لله وإنا إليه لراجعون."
اشتدت ضيقة الجو والمكان وزاد الحزن في كل البيت، وصوت بناتها وبكاهم مالي البيت مقطع قلوب الجميع. والعنود كانت جالسة على وحدة من الكنبات وتبكي بانهيار والطفل في حضنها وضامة له وهو يصيح. ما كانت مستوعبة فكرة إن مهرة تموت، مهما كان، مهما تأذت من مهرة ومهما كانت مهرة مسببة لها مصائب ومشاكل، إلا إن موت الإنسان يكون فاجعة وحزين على القلوب الباقية، يحزنهم ويضايقهم مهما كانت تصرفاته، هذا موت مو شي بسيط!
كانت العنود تبكي وتبكي بانهيار وجملة فاهد تتردد في بالها: "هذي أمانتك تقبلين الأمانة؟ "هذي أمانتك تقبلين الأمانة؟ كانت الجدة تبكي وتحاول تصبرهم: "اذكروا الله الله يرحمها، إنا لله وإنا إليه لراجعون، لا تصيحون وتخوفون بناتها، ضموهم ضموهم قلوبهم مفجوعة."
وقفت العنود وهي تبكي وتركت الصغير في حضن الجدة، وراحت لنورة اللي تبكي بكل صوتها وقاعدة على الأرض وضامة خواتها. جلست العنود عندهم وهي تبكي وضمتهم وهي تحاول تخفف عليهم، ونورة تصرخ تبي أمها وخواتها مثلها خايفين، والعنود تبكي معهم، وجواد الصغير قاعد على الكنب ويبكي بخوف وهو ضام لنفسه.
وصوت الصغير مالي المكان وكأنه حس بفقد أمه اللي ما شم ريحتها ولا رضع منها، وكأنه حس إنه انولد وصار يتيم الأم، وكأنه حس إنه ما بيعيش على صدرها ولا لحظة! دخلوا الرجال للمجلس وهم يصبرون فاهد اللي ماسك راسه بقوة ووداع مهرة إلى الحين في باله. "قبل ساعتين". طلعت الدكتورة وهي معصبة: "وقع بتحتاج عملية." فاهد برجفة: "هاتي بسرعة تكفون الحقوا عليها." الدكتورة: "وضعها صعب، أنتو ما كنتوا تفحصونها؟ ما تدرون إن وضع الولد مو طبيعي؟
ليه ما جبتوها تولد في المستشفى؟ ولادتها لازم تكون بعملية." فاهد برجفة: "مدري مدري هي ما تبي كانت تبي تولد في البيت." الدكتورة بعصبية: "هذي مشكلتهم تشوف وضعها مو طبيعي وتبي تولد في البيت، استغفر الله العظيم بس اسمع وقع الحين بس من الحين نعلمك وضع الأم جدًا جدًا صعب، احنا بنسوي اللي علينا والله يحفظهم." فاهد وقع بيد مرتجفة وطاح على الأرض وهو مو قادر يوقف من الخوف والتوتر اللي جاه، وصوتها في السيارة يتردد في باله.
مر وقت وهي في العمليات وهو واقف على الباب ينتظر منهم خبر. وبعد فترة طلعت الدكتورة وهي شايلة الولد بين يديها والدموع على خدها وهي معصبة منه: "ادخل شوف الأم تبيك." ركض فاهد بدون ما يتكلم ودخل لمهرة اللي منسدحة على السرير وهي تبكي. ركض فاهد لها ومسك يدها وقال بلهفة: "مهرة الحمدلله على سلامتك الحمدلله... مهرة وهي تشهق بتعب: "فاهد تكفى... بناتي أمانتك تكفى بناتي أمانتك يا فاهد..... وابني يا فاهد.... أمانة العنود...
تكفى يا فاهد..... العنود خليها تسامحني.... أدري إني ظلمتها... وضايقتها كثير.... تكفى خلها تسامحني... قول لها بناتي وابني أمانتها ما حد بيهتم فيهم غيرها جدتهم مو حولهم ولا أحد بيهتم في بناتي... نزلت دموع فاهد وقال: "أنتي بخير يا مهرة أنتي بخير وبترجعين معي وبتهتمين ببناتنا أنتي وولدنا بيكبر وأنتي اللي بتربينه." مهرة وهي تبكي بحرقة قلب:
"بناتي يا فاهد ما حد مهتم فيهم غير العنود تكفى قول لها تسامحني ولا تظلمهم لجلي تكفى يا فاهد لا تترك بناتي لجور الأيام وسود لياليها تكفى يا فاهد طلبتك." فاهد بوجع: "مهرة لا تخليني وتخلين بناتنا، أدري إني ما كنت لك نعم الزوج لكن لا تسوين فيني كذا وتروحين تكفين! مهرة ببكاء:
"مسامحتك يا فاهد مسامحتك ما جاني منك ضرر لكن أمانتي لك وللعنود بناتنا، طلبتك لا تخليهم لجور الأيام، طلبتك هم بنات ضعيفات كون لهم سند وتكون لهم العنود حضن يضمهم." فاهد وهو يبوس يدها ودموعه بللت لحيته: "مهرة اهدي أنتي لا تتكلمين الحين وإن شاء الله بتقومين بالسلامة." مهرة هزت راسها بالرفض وقالت: "أمانتك بناتي أمانتك... دخلت الدكتورة والممرضات وطلعوا فاهد وهم يحاولون ينقذون حياتها لكنهم كانوا متأخرين حيل. يُتبع..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!