الفصل 6 | من 11 فصل

رواية اوركيديا الفصل السادس 6 - بقلم نورهان ابراهيم

المشاهدات
17
كلمة
2,132
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18
أيام المعرض تمر بسلام إلا من قلق يطفو على ملامح "أثير" من حين لآخر ، و ها قد أتى موعد حفلة التوقيع الذى حددته هى و أعلنت عنه للقراء ، و الذى نغص عليها إتزانها النفسي طيلة الأيام الماضية.

تأنقت و أرتدت ثوبها الجديد الواسع و المحتشم ، هندمت مظهرها المتألق ، و خرجت بكل ما بها من شتات قاصدة مكتب والدها و الذى تشكو إليه كلما أصابها إحباط أو فشل .... أو خوف كما تحس به الآن يغزو أوصالها المرتعدة.

رفع "نديم" رأسه ينظر لها باهتمام يترقب كلماتها التالية :

_ بابي ، عندك وقت ليا ؟ مافيش حد غيرك بيفهمنى و يفيدني ... و كمان برتاح لما بكلمك!

فرد ذراعيه لها لتلقى بنفسها بين أحضانه الدافئة و التى دومًا ما كانت تخفف عنها الكثير من منغصات الحياة ، و قال لها بحب أبوي :

_ دايمًا فى وقت لحبيبة باباها !

ثم سألها يريدها أن تفضفض له همها :

_ إيه إللى مزعلك يا عيوني؟!

رفعت إليه عينان متوترتان و قالت بتورية :

_ خايفة قوى من المعرض يا بابي و حاسة إن فى حاجة هتحصل!

تذكر "نديم" أنه سمع بعض كلمات من هذا القبيل عندما كانت تحادث صديقتها فى سيارته و لكنه وقتها لم يهتم كثيراً ، قطعت أفكاره و هى تستكمل بضياع و تعب :

_ حاسة إن فى نار فى دماغي ، حساها هتنفجر و بتضايق لأبسط حاجة و بحس إنى تايهة على طول ، ده كله غير الرواية إللى المفروض تخلص و أنا فى كلمات على طرف لساني و مش عارفة أكتبها ، و كمان الأحداث مش عارفة أجيب أحداث جديدة تشد القراء و تناسب اسلوبي ، و بقيت شايفة الكتابة زي واجب المدرسة إللى فرض عليا مش إختيار!

ربت "نديم" على خدها بتفهم و وضح لها وجهة نظره :

_ إنتى بتضغطي على نفسك ، سيبي الأحداث تيجي براحتها بعدين الرواية دي مش هتتسلم غير السنة الجاية و انتى بالفعل سلمتي روايتك التالتة دي إللى اسمها ....

فشل فى تذكر الإسم ، فضحكت و أخبرته هى :

_ معًا إلى الجنة يا بابي ! دي حتى إسمها سهل!

و أنبته على نسيانه لروايتها :

_ يعنى دي لو كانت قضية من القواضي بتاعتك يا سيادة القاضي مكنتش نسيتها!

ضحك "نديم" و قال بمرحه التى اعتادته فهما ليسا أبًا و ابنته فحسب و إنما

صديقين متفاهمين :

_ أه يا براوية إنتي!

و بنبرة فضولية و إحساس صادق سألها :

_ فى حاجة تانية غير الكتابة عايزة تسألي عليها؟!

_ لأ يا بابي ، هو ده بس.

قالتها كاذبة عليه و مخفية باقي الحقائق عنه و هو يعلم هذا و لكنه أحترم خصوصيتها و فضل مجاراتها بقوله الحنون :

_ طيب يا أغلى حاجة فى دنيتي ، يلا اسبقيني على العربية عقبال ما اجيب شوية أوراق للقضية الجديدة و احصلك.

رفعت مستوى حاجبيها بتعجبٍ و ردت بلا تصديق :

_ إى ده ؟! إنت هتوصلني؟! كدة هتتأخر على جلسة المحكمة !

ثم ضحكت بلطافة و هى تتخيل :

_ هتدخل موسوعة جينيس ، و هيكتبو بالبنط العريض "قاضى يتخلف عن موعد جلسته فى سابقة لم تحدث من قبل" .

قرص "نديم" وجنتها برفق و قال بضحك :

_ مش قولتلك براوية! و كمان مشاغبة! مكنتيش كدة و إنتى صغيرة إيه إللى غيرك؟

_ و بتسأل يا بابي؟! دي أوفا تغير بلد بحالها مش انا بس!

_ طيب يلا قدامي ، كان زمانك ركبتي العربية و مشينا !

_ حاضر متزقش!

جرجرت قدميها بكسل و سارت بخذلان من نفسها فهذه هى أول مرة تدخل فيها المكتب مهمومة و تخرج و معها همومها إضافة إلى ضيقها من نفسها على كذبتها تلك.

فهناك بعض الأمور لا يقدر الإنسان على إفشائها لأى أحد حتى أقرب الأقربين و أحن المحبين و يظل يحملها معه حملاً ثقيلاً يهد كتفيه و يضعف قوته ، ليصير من الداخل متزعزاً و واهنًا لا يملك أرضًا ثابتة يقف عليها.

♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧☆☆☆☆☆☆♧♧♧♧♧♧♧◇◇◇◇◇◇

إرتدى "معاذ" حلة رسمية راقية متألقًا فى أبهى صوره ، و على وجهه أوسع و أصفى ابتسامة ، فهو على عكسها كان ينتظر بشوق انتهاء اليومين الماضيين ليلقاها بعد كل هذه الأعوام من الفراق ، يكفيه أن يشعر قلبه بها ، و تعود إليه نصف روحه التى فارقته بفراقها ، و تعود الألوان تزين أيامه بعدما بهتت كلها فى عينيه .

طالع صورته المعكوسة بتباهٍ حسن ، و أثنى على نفسه بكلماته المازحة :

_ الله عليك يا معاذ! دايمًا ملك الأناقة و الكاريزما!

= يا لاهوى على الغرور!

قالها "غزال" من ورائه بسخرية مربعًا ساعديه و على وجهه علامات التحدي الممزوج بالمرح .

ليلتفت له "معاذ" قائلاً بتهكم :

_ محدش طلب رأيك ، بعدين أنا واثق من نفسي مش أكتر!

رفع "غزال" حاجبيه الأيسر و واصل مزاحه :

_ بهزر يا رمضان إيه مبتهزرش؟!

جلس "معاذ" على طرف سريره ليرتدي حذاءه الأسود اللامع ، ليقول بعدم تركيز فعلقه ليس معه تمامًا :

_ لأ يا خفيف ، مش وقت هزارك خالص !

تلاعب "غزال" بحاجبيه ، و أضاف ينتشله من أحلام اليقظة التى يغرق بها :

_ أه ، عارف ، ده وقت اللقاء الموعود بسيندريلا!

أحس "معاذ" بالضيق من صديقه ، فهو أصبح يتساهل معه فى الحديث عنها ، ف نهاه زاجراً :

_ مليكش دعوة ، شايفك بقيت بتتكلم عنها كتير ، اتلم احسنلك.

لاحظ "غزال" غيرته على محبوبته بسهولة ، فتراجع بقوله :

_ اهدى يا عم ، خلاص مش هجيب سيرتها لو ده يريحك!

_يستحسن برضو.

كانت آخر كلمات "معاذ" قبل أن يتخطاه خارجًا من الغرفة و هو لا يطيق صبراً للقياها.

فكل أمنياته توشك أن تتحقق أمام عينيه.

...........

وقفت "روفان" على الرصيف تمد بصرها عن جانبي الطريق و حين رأت السيارة تقبل نحوها ، هللت بحماس :

_ أنا جاية معاكم!

توقفت السيارة إلى جوارها ، لتمد يدها و تفتح الباب و من ثم تركب مغلقة إياه برفق ، فصدمها مظهر "أثير" المرتبك بوجهها المصفر كاليمون و يديها التى تفركهما ببعضهما و تشبكهما و من ثم تفكهما و كررت هذه العملية المتواترة طويلاً ، مما دفع "روفان" لسؤالها بجزعٍ :

_ مالك يا بت ؟! زي ما يكون رايحة تموتى؟! المفروض تكونى هتطيري من الفرحة!

_ نفس الإحساس يا أوفا بيق*تلني!

قالتها "أثير" برجفة و عيونها متلألأة بالدموع .

أخذتها "روفان" فى أحضانها تطبطب على ظهرها بحنان و تقول لها بتفهم :

_ معلاش يا حبيبتي ، أنا حاسة بيكي لكن مش بايدي حاجة اعملها.

لم تفصل الحضن و هى تضيف باقتراح :

_ لو عايزة ممكن نرجع ، و بلاه مرواحك!

هزت "أثير" رأسها رافضة رفضًا قاطعًا :

_ لأ ، مش هينفع ، أنا وعدت القراء و لازم أكون عند وعدي ، مينفعش خالص يحضروا بناءاً على كلامي و بعدين ميلاقونيش!

اخرجتها "روفان" من حضنها و سلطت أنظارها إلى أعماق عينيها و حاولت بعث الثقة إليها ، بكلماتها المشجعة :

_ مادام كدة ، سيبها على الله و هو يحلها من عنده ، و إنت ملتزمة مع ربنا أكيد مش هيخذلك و الرسول صلى الله عليه وسلم قال فى حديثه الشريف : ((تعرَّف إلى الله في الرخاء يَعْرِفْك في الشدة)).

هنا و فقط ابتسمت "أثير" بشئ من الراحة لمجرد سماع سيرة النبي "صلى الله عليه وسلم " و أزالت الدمعة التى سقطت على خدها و شحنت قواها قائلة بعزم :

_ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الحمد لله بقيت تمام.

مسحت "روفان" على خدها بحب ثم أهدتها عليه قبلة ، لتردد و هى ترى فى صديقتها التأثير الطيب لكلماتها :

_ الحمد لله ، ألف حمد و ألف شكر.

........

بعد مدة ، فى معرض الكتاب

و على كرسيها المخصص كانت تأخذ نسخ روايتها من الأشخاص الذين قاموا بشرائها و توقع عليها بإسمها ، و على محياها ابتسامة مهزوزة ، لم تعلم ما هى أشكال أو أعمار من توقع لهم و لم تتبين النساء من الرجال ف فكرها شارد فى هوة أفكارها المضنية.

تشعر باختناق عجيب و بغصة تقف وسط حلقها تصعب عليها البلع ، و كأنما "روفان"

أحست بها و بما تعانيه لتخبرها و هى تقف من جوارها :

_ أثير وشك لونه مخطوف، هروح أجيب عصير أو أى حاجة باردة تشربيها.

إلتفتت لها "أثير" و قالت بصعوبة :

_ ماشي ، بس متتأخريش.

_حاضر يا قلبي مش هتأخر.

ردت بها "روفان" و هى تربت على كتفها تطمئنها قدرما تستطيع ، لتحمل حقيبها و تعلقها على كتفها حتى تبحث عن أى مشروبات تحتسيها.

.............

و على بعد أمتار من هنا ، كان هو يتلتف حوله بحيرة لا يعلم مكانها بالتحديد ، أضطر أن يوقف أحد السائرين و يريه الكتاب سائلاً بلهفة :

_ الكاتبة دي ، متعرفش بتوقع للقراء فين ؟!

أشار له الرجل إلى ناحية معينة يتجمهر بها العشرات ملتفين حول كرسي ما ، فاقترب بقلب ملهوف و ولهان ، ظهر له طيفها نصب عينيه ، إنها هناك ، الحبيبة الغالية على بعد خطوات منه.

خف الجمع من حولها ، لتبدو له هيئتها أكثر وضوحًا و ما أراحه حقًا هى ثيابها الساترة ذات الألوان الهادئة ، و خمار رأسها الطويل ، تمامًا كما تخيلها.

سأل نفسه متى أرتدت الحجاب؟ لا بل الخمار؟

و لكن لا يهم ، المهم الأن أنها حقًا حبيبته التى قام بتحفيظها القرآن و الحمد لله لم يضيع تعبه هباءاً و أيضًا لم تضيع هى.

و فجائيًا نشبت الغيرة فى قلبه ، لمرآه لشابٍ ما يحدق بها بهيامٍ و يسبل جفونه كالأبله!

كيف ينظر هذا الشاب إليها بتلك النظرات المعجبة؟ و هو الذى يحرم نفسه من رؤية قسماتها التى اشتاقها حفاظًا عليها و على عفة قلبه.

كيف يقوم بهذا الفعل الجريئ؟

أما "أثير" فهى غافلة تمامًا عنهما لأن معاذ يقف بعيداً قليلاً عنها و أما الشاب يقف أمامها و هى تغض بصرها عنه فلم تلحظ تطلعاته إليها .

ماذا يفعل الآن؟ لا يريد أن يثير الشكوك حولها أو أذيتها إن تدخل و فى نفس الوقت يحترق كالبنزين المسكوب على نار متأججة ، أنتظر و كله غيظ و غيرة أن يذهب كل الناس و آخرهم هذا الشاب السمج ، ثم تقدم منها مندفعًا و ثائراً و بلا مقدمات قال بصوته المغتاظ :

_ أوركيديا!

خفق قلبهما بقوة حتى بلغ عنان السماء ، و ارتعشت يداها لتسقط روايتها على الأرض و هى فى قمة إنفعالها و توترها ، توقف عقلها لثوانٍ و هى لا تدري كيف تتصرف!

إنه هو صديق الطفولة و أحن البشر عليها منذ الصغر ، و أيضًا حب الصبا و الذى لم تدركه إلا متأخراً ، أفاقت أخيراً من تلاتطم أفكارها.ح

حان  الآن موعد وفائها بوعدها الذى قطعته على نفسها حين تقابله،  لن تترك له زمام الأمور لن تجعله يحملها سيئات و هى حتى لا تعلم أنه غض طرفه عنها حفاظًا على عفتها و خضوعًا لتعاليم الإسلام فلا يجوز له أن يستبيح النظر إليها و هى ليست حلاله بعد و لكنها سيتصير فى المستقبل بإذن الله.

و كان هروبها مفاجئًا له تمامًا كهروب سيندريلا ، باختلاف أنها لم تُسقط فردة حذائها السحري و إنما تركت له رواياتها ملقية على الأرض

و هو يقف مزهولاً و كأنما تمثال من طين لا يملك حراكًا و لا قدرة على الحديث..

فقد تأكدت أحساسيه كلها و صدق حدسه ، إنها فعلاً هى "أثيره" و إلا لما كانت ردة فعلها هكذا عندما نطق لقبهما ، نفض عن رأسه الشرود و فكر أن يلحق بها و لكنها مع الأسف كانت قد اختفت.

..................................☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆ ................................

قبلها بدقائق انتهت "روفان" من شراء علب العصير ، و سارت بتمهل تنوى العودة إلى صديقتها و قد أصيب قلبها بوخذة غريبة ، لتصتدم بدون قصد بشخص ما ، تأسفت بحرجٍ و هى تمنع عيناها عن معرفة هويته :

_ آسفة جداً ، مخدتش بالي.

و فجأة تذكرت أنها كانت تسير ببطئ ، إذاً ليست هى المخطئة و الذنب كله يقع على من اصتدم بها ، لتتحول لهجتها إلى الحدة حين قالت موبخة :

_ أنا بتأسف ليه ؟! إنت أو إنتي السبب ، ناس عجيبة صحيح!

أنفجر "غزال" مقهقًا على تحولها السريع و ردود أفعالها المتناقضة ، فعلمت أنه رجل مما جعل وجنتاها تحمران بخجلٍ و هى تسرع فى خطواتها هاربة .

و كأن من نصيبها أن تصطدم بالأشخاص كثيراً فى هذا اليوم ! حيث اصتدمت بها "أثير" و هى تنهج بقوة و رئتيها تكادا تتوقفان عن التنفس .

اتسعت عيون "روفان" و قد ذاب خجلها تدريجيًا لتسألها بنبرة قلقة و فضولية :

_ مالك يا بت ، إنتى شوفتي عفريت و لا آيه؟ مش سايباكي بتوق......

لم تدعها "أثير" تكمل أى حرف إضافى ، لتشدها من عضدها و تسحبها وراءها تكمل وصلة ركضها ، و حدثتها بنهجانٍ :

_ مافيش وقت ، لازم نمشى حالاً ، بعدين اشرحلك.

انقادت "روفان" خلفها بلا تبرمٍ ، فما بيديها حيلة كى تفعلها ، فلتسايرها الآن ثم ستعرف ماذا جرى فى أجواء أكثر هدوءاً من هذه.

تابعهما "غزال" رافعًا حاجباه بذهول ، فهذه أول مرة يشاهد فيها فتاتان ترتديان تلك الثياب الواسعة و الطويلة و تركضان بها ، رغم كونها غير مناسب للمشى السريع فكيف بالركض الماراثوني هذا!

_ ضاعت منى تاني!

لفظها "معاذ" مع زفرات يائسة ، و حاله أصبحت بائسة بعد أن كانت السعادة تقفز من عيونه و الحيوية تحتله .

أشار "غزال" إلى ناحية ركضهما و سأله بلا تصديق :

_ هى فى الإتين دول؟!

تهدل كتفي "معاذ" شاعراً بالفشل و أجابه بصوت خامل :

_ أه ، إللى لابسة رصاصي!

سانده "غزال" ببعض كلمات داعمة :

_ خلاص ، المهم إنك اتأكد إنها هى و الباقى أمره سهل.

إنتبه له "معاذ" يتهافت على أى معلومة توصله لها ، قائلاً :

_ يعني إيه؟! هتقدر تساعدنى ألاقيها؟!

و بكل غموض قال "غزال" :

_ قول بس إن شاء الله ، و متقاطعش.

لا بأس فقد انتظر سنينًا ، فلماذا يشعر أن صبره نفذ ، مضى الكثير و لم يبقى إلا القليل.

...............

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...