بدأت بها "روفان" وصلة تحقيقاتها بكل غيظٍ و هى تطالعها بنظرات المحقق (كرنبو) .
تلجلجت "أثير" و شحب لونها و هى تنفي بشدة :
_ لأ ... مح ... محصلش أى حاجة .. خ ... خالص.
زفرت "روفان" بضيق و قالت بتبرمٍ :
_ بلاش تلفي و تدوري عليا ، و من غير مناهدة كدة هتقوليلي كل حاجة زي الشاطرة.
اكتسى وجه "أثير" بحمرة الغضب ، من هذه النبرة التحكمية فى شؤونها الخاصة ، وقفت من فوق سريرها لتث*ور خصلاتها بفعل نسمات الهواء الليلية ، و هى تشير بسبابتها محذرة :
_ إلزمي حدوك يا روفان!
شعرت "روفان" بالإهانة من كلماتها و قالت تؤنبها :
_ حدودي؟! إللى أعرفه إن مافيش حدود ما بينا ، و إن كل واحدة مبتخبش أى حاجة عن التانية.
و قررت الإنسحاب من الغرفة بل من المنزل بأسره و هى تردد بمرارةٍ و خذلان :
_ لكن يبدو إن ليكي حسبة تانية ، على العموم أنا ماشية و آسفة لو أزعجتك و أوعدك مش هتعدى حدودي تاني .
أغرورقت عيون "أثير" الزرقاء بالدموع ، و أدركت حجم خطئها غير المقصود لتمسكها من يدها مانعة إياها من المغادرة و متأسفة منها بقولها النادم :
_ أنا إللى آسفة ، لكنى و الله مش قادرة أحكى مع إنى هطق من جوايا و الحمل تقيل عليا ، بس و الله مش هقدر أفضفض بسهولة كدة.
لم تستطع "روفان" مقاومة إحساسها بالإشفاق نحوها و قلبها يتمزق حزنًا على ما آلت إليه الأمور ، و هى جاهلة تمامًا بمصابها ، فضمتها إلى أحضانها تمسح على شعرها المتمرد تمامًا كصاحبته .
و الآن سمحت "أثير" لنفسها بالإنفج*ار فى البكاء حتى شاركتها "روفان" تبكي على حال صديقتها المثير لعواطفها الحنونة ، فزادت من ضمها و هى تقول مهدئة :
_ كفاية عياط يا حبيبتي ، و الله بتقطعي قلبي.
هما دومًا هكذا ، لا يخلوا يومهما من الشجار و لكن لا تلبث أن تعتذر إحداهما أو تمرر الأخطاء لصاحبتها و لكنهما أبداً لا تتركان اليوم ينتهى و بينهما خلاف دون حله و مناقشته.
و هذا أحلى ما فى صداقتهما السليمة ، و التى دامت لسنين طويلة ابتداءاً من السنة الثانية فى الإبتدائية و حتى السنة الثالثة فى الثانوية و سوف تدوم بإذن الله فى السنوات الجامعية التى بدأت منذ أيام قليلة.
قامت "روفان" بفصل الحضن برفقٍ و هى تهتف كى تلهيها عما يحزنها :
_ يا نهار أبيييض ، قاعدين بنعيط زي الأفلام الهندى و سايبين مذاكرتنا ، هو ده إللى اتفقنا عليه عشان ناخد الأمتياز من أول سنة؟!
انتبهت "أثير" أخيراً إلى دراستها التى أهملتها منذ البداية و تلك المحاضرات المتراكمة عليها ، و شغفها قد دفن تحت حزنها و قلقها ، فعبست بحزنٍ و هى تهمس نادمة :
_ فعلاً ، إزاي اسيب مذاكرتي كدة؟! أنا حتى نسيت كل المحاضرات إللى أخدتها!
جذبتها "روفان" بنعومة و أجلستها على السرير و هى تقول لها بنبرة شغوفة :
_ و لا يهمك خالص ، لسة قدامنا الوقت كله ، أنا ذاكرت كل المحاضرات و مُستعدة أشرحها ليكي لو حابة!
نظرت لها "أثير" بامتنان ، لترد سريعًا :
_ يا ريت و الله.
_ طيب ، نبدأ ب بسم الله الرحمن الرحيم ، عشان ربنا يبارك لنا.
قالتها "روفان" بنبرة حماسية و هى تتناول الكتب من "الكوميدينو" و ترصها بينهما لتشرعا فى استذكار الدروس الفائتة حتى تكونا على استعداد لتلقى باقى المحاضرات باستيعاب أكثر للمعلومات.
.............💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜
فرد "غزال" ذراعيه على الأريكة الجالس عليها مبادراً الحديث :
_ أول ما خرجوا من المعرض .. قصدي جريوا ، ركبو عربية كدة و لما استقصيت عنها عرفت إنها عربية والدها إللى شغال قاضي فى محكمة ال (.....) ، و هما ساكنين قريب من المحافظة دي إللى كان فيها المعرض .
سأله "معاذ" و قد ظهرت عليه علامات الذهول :
_ هااا؟! إنت بتقول قاضي؟!
رفع "غزال" حاجبيه بتعجب و قال بشكٍ :
_ ليه ؟! هو إنت مكنتش تعرف؟!
نفى "معاذ" قائلاً :
_ لأ و الله ، معرفش.
_ مش عارف إزاي حبيت واحدة و إنت متعرفش عنها حاجة ، لأ و كمان مدورتش عليها بعد ما سابت المدرسة و لا تعرف حتى هى ساكنة فين ؟!
قالها "غزال" ضائقًا منه و منكراً لجهله غير المُبرر.
تنهد "معاذ" بألمٍ و قال آسفًا :
_ لما هى مشيت كنت أنا لسة صغير يادوب ١١ سنة و هى كانت ٧ سنين ، عشان صداقتنا مكملتش غير سنة واحدة و بعدين حصلتها الحادثة إللى قولتلك عليها و من يومها و أنا معرفش ليها طريق و لا أى معلومة.
أغمض عيونه مردفًا :
_ حاولت كتير أوصل لها بس فشلت ، بعدين لما بدأت أكبر عرفت إن مافيش صداقة بين ولد و بنت لإنه لا يجوز شرعًا و باباها وافق على صداقتنا عشان كنا صغار ، و أنا نويت إنى مش هدور عليها غير لما أخلص دراستي و أكون نفسي ، لكن إللى غير ده كله روايتها إللى إنت جبتها ليا يوم التخرج.
ختم حديثه بزفرة حارة ، ثم طلب منه بقوله
الملهوفٍ :
_ عايز عنوانها بالتحديد.
شبك "غزال" أصابعه معًا و هو يهمس بمكرٍ :
_ هديك العنوان بشرط.
إكفهر وجه "معاذ" ، و تأفف قائلاً بغير رضا :
_ قول يا اخويا ، مانت مبتديش حاجة لله!
و بنبرة أخوية ناصحة حاوره "غزال" :
_ هديك كل المعلومات إللى تفيدك بس لازم تتقدم لها ، عشان إللى زيك و زيها ملهومش سكة غير حلال ربنا.
رحب "معاذ" بالفكرة بل إنها شغلت تفكيره لأيامٍ حتى قبل اليوم الذى قابلها فيه ، ليقول بتأكيد شديد :
_ هو ده إللى بفكر فيه من فترة ، صاحبك عارف حدوده كويس و عارف إيه الصح و إيه الغلط.
ركز "غزال" رأسه إلى الوراء نحو كفيه المشبكين الذى رفعهما ، و هو يتلو عليه أفكاره الصائبة :
_ حيث كدة بقى لازم والدك و والدتك يعرفوا إنك هترتبط و مش مهم التفاصيل .
كان يقصد بكلمة "تفاصيل" أى شئ يخص حب صديقه.
اقتحمت "أسماء" الغرفة مباغتة إياهما ، مما جعل الدماء تجف فى عروقهما ، و تكلمت بتحفزٍ و صدمة :
_ هتتجوز يا معاذ من غير إذني و لا مشورتي؟!
....💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙
ودعت صديقتها عند باب غرفتها و كأنها لا تقوى حتى على المشى أكثر من هذا ، تشعر بخمول عجيب و جسدها كله هامد ، حتى التنفس يبدو شاقًا عليها ، كيف للحب أن يصل بها إلى هذه الدرجة البائسة؟!
فبداية الحب تكون مشحونة بطاقات إيجابية و تجعل المحبين يرون الكون سعيداً و مزدهراً و ملونًا بألوان زاهية ، ثم الفراق يأتي و يهدم كل هذا ، يترك خلفه حطامًا لمشاعر تثقل القلوب و ذكريات تنهك العقول ، يدمر كل ما بناه يومًا ما و لا يبقى إلا ظلال حبٍ يصارع للبقاء ، حب لازال نقيًا كالماء .
لاحظت "روفان" شرودها الطويل ، فابتسمت فى وجهها قائلة بنبرة لطفية و صادقة لأقصى حد :
_ أثير ، لو حسيتي إنك مُهيأة نفسيًا عشان تحكي إللى تاعبك فأنا موجودة فى أي وقت و فى أي مكان ، حتى لو طلبتيني نص الليل هتلاقيني جاهزة أسمعك و أخفف عنك.
حاولت "أثير" أن تبتسم مراراً و لكنها فشلت فى ذلك أيضًا ، و أخبرتها بحبٍ صافي :
_ إن شاء الله ، أتمنى اليوم ده ييجي فى أقرب وقت.
بدت خيبة الأمل فى نبرتها و هى تردف :
_ ماشي يا حبيبتي ، عايزة حاجة.
هزت "أثير" رأسها بالسلب و أضافت قائلاً بصدق :
_ لأ ، عايزة سلامتك بس.
مازحتها "روفان" فهى تود أن ترى ابتسامتها قبل أن تتركها حتى و إن كانت ستعود إلى جوها الكئيب :
_ طيب أنا أمشى إزاي لما إنتي هتاخدي سلامتي؟!
قهقهت "أثير" بلا إرادة قائلة :
_ فظيعة يا أوفا !
فارتاحت "روفان" ، لتواصل مزاحها ممثلة عدم الفهم بقولها :
_ يعني إيه؟! حلوة و لا وحشة؟!
تقلصت الضحكات حتى صارت ابتسامة صغيرة على وجه "أثير" التى قالت بمشاعر مرهفة :
_ دايمًا جميلة يا أوفا! و أجمل من أى حاجة فى الدنيا .
تحركت "روفان" بعيداً ملوحة لها ، و هى تقول بلطفٍ :
_ إذا كان كدة أوك ، سلام يا حبوبي💜.
_ سلام يا أوفا.
قالتها "أثير" و هى تراها تبتعد شيئًا فشيئًا ، لتغلق الباب بعدها و تستند عليه منزلقة للأسفل و محيطة رأسها بكلا راحتيها و استبد بكيانها التشتت .
فما حيلتها فى هذه المعضلة ؟!
و ما فائدة الأشخاص من حولها و هى لا تستطيع أن تبوح لأى أحد منهم عن سرها الثقيل؟!
فلا هى قادرة على مواصلة كتمانه فى صدرها ، و لا هى مُستعدة لتبوح به لوالدها أو والدتها .... أو حتى أقرب صديقاتها و مستودع أسرارها.
🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡💖💖💖💖💖💖💖💕💕💕💕💕💕💕💕💕
ماذا دهاهما؟! كيف أصابهما الخرس هكذا فجأة ، بعدما كان يتحدثان كالببغاء؟!
ألحضورها كل هذا التأثير عليهما ، لدرجة تشل وعيهما و أبسط قدراتهما الذهنية؟!
نظر "معاذ" لصديقه بتوسلٍ و لم يخيب "غزال" رجاءه الصامت ، ليتنحنح محرجًا و يتولى أمر الرد عليها بدلاً منه :
_ إنتي عارفة يا طنط إن معاذ ميقدرش أبداً يعمل حاجة دون علمك .
غمز "غزال" لمعاذ بخفية ، و هو يكمل بارتباكٍ طفيف :
_ إحنا .... يعني .. كنا بس بنتناقش فى الموضوع و هو اعترفلي إنه مُعجب ببنوتة كدة ، و إنتى عارفاه و عارفة أخلاقه أكتر من أى حد فهو مش عايز يشيل ذنوب من ورا إعجابه ده ، قومت أنا اقترحت عليه يتقدملها ، ده بردو بعد موافقتك يا طنط.
ضيقت "أسماء" عينيها و قالت بنبرة تلميح :
_ آيوة آيوة ، البنت إياها؟!
رفرف "معاذ" رموشه مرتبكًا للغاية ، فيبدو أنه مُلزم بسرد كل تفاصيل حب طفولته.
ملئ صدره بالهواء و أخرجه ببطئ و شجع نفسه حين قال لها بنبرة صادقة :
_ أيوة يا ماما ، هى.
ض*رب "غزال" جبهته من تهور معاذ ، بعدما أقحمه فى الأمر و جعله يخترع من خياله تلك القصة التى حكاها ل أسماء و التى أبداً لن تغفر له فعلته.
واصل "معاذ" اعترافاته من تلقاء نفسه فيكفيه تكتمًا و تخبئة لحبه :
_ الصور إللى شوفتيها تبقى صورها و هى عندها ٦ سنين ، هى تبقى زيملتي فى ابتدائي ، فى البداية كنا مجرد أصحاب لكن الصحوبية دي اتطورت من دون ما نحس و أصحبنا أصدقاء مقربين ، كنت أنا صديقها الوحيد ، كانت بتشتكيلي من معاملة زمايلها القاسية معاها ، و هى كمان كانت صديقتي الوحيدة ، كنت كل يوم بقرألها صورة أو آيات صغيرة من القرآن و هى تجيني تاني يوم و تسمعلي و عيونها مليانة فرح ، فيوم زمايلها آذوها جامد و دفعوها من السلم ، و ده خلى والدها ياخدها و يمشي من هنا و يعيشوا فى محافظة تانية ، كل أخبارها اتقطعت عنى .
نظر "معاذ" لوالدته يرى تأثير ذكرياته عليها فوجدها مندمجة و قد جلست قبالته .
حينما توقف ابنها عن السرد أشارت له بيدها رغبة فى ربط كل الخيوط ببعضها و إكتمال الصورة المشوشة لها .
فرك "معاذ" جانبي عينيه بارهاق و هو يضيف شارداً :
_ و غزال جابلي رواية ك هدية و مكانش يعرف إنها هى و المفاجأة إنها كانت روايتها ، و عرفت موعد حفلة التوقيع إللى هى محدداها للقراء و روحت و اتأكدت بنفسي إنها هى.
تنفس "غزال" براحةٍ فهو كان خائفًا من هذه الجزئية تحديداً ، فلو علمت "أسماء" أنه يعلم كل شئ و يخفيه عنها فسيكون فى ورطة بالغة الصعوبة.
_ هى دي كل حاجة ؟! .... ياريت متكونش مخبي حاجات تانية عنى!
نطقت "أسماء" بهذه الجملة المتشككة فى ظاهرها و لكنها على يقين تام أنه لم يخفى عنها أى شئ .
أبلغها "معاذ" و هو يجهل ما يدور فى خلدها :
_ ربنا شاهد على كلامي ، و إن إللى قولته هو الحقيقة كلها.
وقفت "أسماء" من مجلسها و هى تسأله مستفسرة :
_ أهم حاجة الأخلاق ، البنت دي أخلاقها كويسة و لا إيه؟!
أجابها "معاذ" بتقدير و بتسرع كعادته فى أى شئ يخص محبوبته :
_ لو شوفتيها يا ماما هتوافقي على طول ، لبسها واسع و هى حتى لما روحتلها يوم المعرض مكلمتنيش بحرف واحد ، دي حتى جريت و سابتني مُذبهل!
قال آخر عبارة ضاحكًا ، ليردف موقنًا :
_ صدقيني يا ماما هترتحي ليها و هتحبيها.
صدمه رد والدته الحاد :
_ أنا إللى هحبها برضوا؟!
تنحنح "معاذ" خجلاً و هو يستشعر تلميحها عن حبه لتلك الفتاة ، و لم يقدر أن يتحدث.
بينما "غزال" يفهم كل همزة و غمزة تدور فى حديثهما و لكنه فضل آلا يتدخل ضمانًا للسلامة العامة.
ختمت "أسماء" حديثها الموتر له ، حين تمتمت بتكفير و ظهرت عليها علامات الاقتناع :
_ و ماله ، نروح و نطلب إيدها و كله بما يرضى الله
افترقت شفاه "معاذ" مصدومًا من موافقة والدته و نظر إلى " غزال" الذى بدوره بادله بنظرة اندهاشٍ ، فالأمور تأخذ منحنى آخر ، منحنى أجمل يوحى بمستقبل باهر ............
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!