_ تيرارا !
دندن بها "غزال" و هو يدخل عليه غرفة مكتبه بدون طرق الباب أو إنتظار الإذن ، فهما قد بدءا معًا تدريبهما كمحاميين فى شركة "سمير الليثي" المحامي الشهير والد معاذ.
رفع "معاذ" عيونه عن الملفات التى أعطاها له والده كى يفهم طبيعة العمل ، و سأله مستغربًا :
_ مالك منشكح كدة؟!
لوح "غزال" بقصاصة ورق في ده و هو يوضح له بمزيج من مكر و نصر :
_ جبتلك رقم والدها.
هب "معاذ" من مقامه واقفًا و سأله بلا تصديق :
_ ده بجد و لا بتهزر؟!
_ أهزر إيه يابني؟ هى دي حاجة فيها هزار؟
اندفع "معاذ" نحوه يحركه حماسه و شوقه لها ، قائلاً بلهفة يتداخل معها الاستعجاب :
_ و جبته إزاي؟
قوس "غزال" شفاهه منكراً ، و قائلاً بنبرة ساخطة :
_ إنت اللى عايش إزاي؟
قلب "معاذ" عينيه ، ناطقًا بتأفف :
_ إيه السؤال السخيف ده؟
رد له "غزال" الصاع صاعين بعبارته الممتعضة :
_ مش اسخف من سؤالك.
رفع "معاذ" حاجبه بحدة و هو يقول بضيق :
_ بمعنى؟!
دفعه "غزال" من طريقه برفق داخلاً ، ثم جلس مكانه على الكرسي مريحًا ظهره و أخذ يتأرجح باستمتاع ، ليجيبه بعد ثواني :
_ عشان جنابك متعرفش أى حاجة فى دنيتك .
اشتعلت فتائل الغضب فى عيون "معاذ" البنية ، تزامنًا مع قوله الحانق :
_ إيه يلا ، انت جاى تهزقنى و لا إيه؟
و أردف بنبرة كلها كبرياء :
_ لو جاي عشان كدة ، اتفضل هويني عشان عندي شغل.
ثبت "غزال" قدميه فى الأرض ، ليلف المقعد فيدور به و ما إن توقف الدوران ، حدثه بنبرة مهادنة :
_ مالك يا عم عصبي كدة ، و روحك فى راس مناخيرك؟!
و سرعان ما اضاف بايجاز :
_ أخدت الرقم من والدك .
ظهر التفاجؤ على محياه و هو يردد بذهول عجيب :
_ بابا ؟! و بابا يعرف رقم والدها منين؟
ضحك "غزال" قليلاً ثم استرسل باسهاب يسأل و يجيب على نفسه :
_ مش قولتلك متعرفش حاجة ، والدك شغال إيه؟ .... محامي مشهور ، مش كدة؟ طيب و والدها شغال إيه؟ ...... قاضي فى محكمة ، إيه الغريب بقى لما والدك المحامى المشهور يبقى على معرفة بقاضي محكمة ؟!
_ آه!
كلمة واحدة قالها "معاذ" بإدراكٍ ، و أوقن أن نظرة صديقه عنه صائبة إلى حد ما ، فكيف لهذا الأمر أن يغيب عن عقله؟ فوالده محامى مشهور تأتيه قضايا شائكة من أنحاء الجمهورية و كان يكسبها بمهارته الفذة و خبراته فى هذا المجال.
أخرجه "غزال" من غمرة شروده معطيًا إياه الورقة و هو يردف باقتراحٍ و تفكير :
_ الرقم معاك أهو ، كدة عندك خيارين الأول إنك تتصل بوالدها و تحكيله كل حاجة من طقطق لسلامو عليكو ، أو تاخد الطريق الأسهل و الأضمن و تخلى والدك يكلمه و ياخد معاه معاد للمقابلة .
استمع إليه "معاذ" بتركيز و انصاتٍ و قد رجح الخيار الثاني بقوله المتمهلٍ به كثير من ترقبٍ ممزوج بوجس :
_ أنا هطلب من بابا يكلمه ، و نشوف فيه نصيب و لا لأ !
اطلع "غزال" على الملف المفتوح الذى كان يدرسه صديقه ، و كلمه بنبرة ملؤها الأمل :
_ تمام ، خير البر عاجله ، و إللى فيه الخير يقدمه ربنا.
.................☺💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
فى كلية الهندسة
فى المدرج
كانت "أثير" جالسة بقرب صديقتها و زرقاويها مثبتتان للأمام ترى الدكتور يشرح لهم و هو مندمج أما هى عقلها شارد فى آخر لقاء معها مع حب طفولتها و الذي لم يدم إلا لدقائق قليلاً ، لم يقل هو فيها إلا لقبهما العزيز على قلبيهما "أوركيديا" ثم بعدها لم تدري كيف حملتها قدماها و كيف ركضت ... لا بل طارت كعصفور جميل طال حبسه فى قفص.
هى أبداً لا ترغب فى لقياه إلا عندما يدخل البيت من بابه و يتقدم لها طالبًا يدها من والدها كالفتايات الغاليات .
لكزتها "روفان" فى كتفها كى توقظها من هذا الشرود الغير مناسب لا للمكان و لا للزمان و هى تهمس لها بحنقٍ :
_ ركزي يا زفتة ، الدكتور هياخد باله ، و إن سألك و مجوبتيش انا مش مسؤولة عن إللى هيحصلك .
و بعيونٍ لامعة كعيون الأطفال استعطفتها "أثير" بصوتٍ رقيق مازح:
_ و أهون عليكي بردو!
لم تؤثر نظراتها و لا كلماتها فى "روفان" القائلة بإباء :
_ و لا أعرفك!
فعلت "أثير" كل ما بوسعها كى تركز فى المحاضرة حتى لا تقع فى مأزق و يحرجها "الدكتور" أمام زملائها و الذين وقتها سيشبعونها سخرية منها و ضحكًا عليه.
و تحكمت قدر استطاعتها بإضطراباتها النفسية و قلقها الغير مسبوق ، و لا تنكر أن هناك جزء منها سعيد بلا مبرر أو سبب ملموس.
............❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣
بين بنانه فنجانًا من "النسكافيه" الساخن فهذا هو مشروبه المفضل و الذى اعتاد أن يحتسيه و هو يراجع أوراق قضاياه ، لا يكاد يأخذ قسطًا كافيًا من الراحة فمهنته ك "قاضي" محكمة تحتم عليه التأنى فى كل كلمة يقولها أو حكم يصدره ، فأرواح الناس و مستقبلهم يتعلق بحكمه هو ، و يجب أن يرضى الله فى كل أحكامه ، فهو الذي سيقف بين يدي الله و يحاسب على كل شئ بلا استثناء .
فماذا بأرواح الناس؟
هو يحفظ حديثًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه : «القضاة ثلاثة، اثنان في النار، وواحد في الجنة : رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار 》
ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيره في المفتي ، كما رواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة رضي الله عنها أنها ذكر عندها القضاة فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط }
و هو منذ أن سمع بهذا الحديث الشريف و قلبه يرتجف رعبًا ، رغم أنه يتقى الله فى عمله ، إلا أنه سيحاسب ككل البشر و حسابًا سيكون عظيمًا.
رن هتافه الخلوي الحديث فرفعه على أذنه يجيب بصوتٍ هادئ مريح :
_ ألو ، مين معايا؟
......💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝
و على الجانب الآخر كان "معاذ" يقف بقرب والده يكاد يلصق أذنه بالهاتف ليتبين أى حرف تلتقطه أشارة الهاتف .
و كاد "سمير" أن يضحك على تصرفاته الطفولية و هو يزجره بخفوت :
_ كدة مينفعش ، وسع عشان أعرف أكلم الراجل.
و بعنادٍ لذيذ رفض "معاذ" أن يبتعد و هو يقول له ببساطة :
_ كلمه و أنا كدة ، آسف يا بابا بس مش هتحرك.
هز "سمير" رأسه ليس راضيًا عما يفعل و لكنه يستشعر من أفعاله المندفعة و الغير عقلانية تلك حبًا نقيًا و طاهراً ، لذلك هو وافق على أن يحدث هذا القاضي الذي له معه علاقات سطحية لأنهما تعاملا معًا فى بضع قضايا فى الآونة الأخيرة.
و بعدما حياه تحية الإسلام ، تحدث معه بنبرة عملية يمتزج بها الود :
_ أنا سمير الليثي ، المحامي المشهور ، أرجو تكون حضرتك فاكرني!
اتته الإجابة أسرع مما تخيل بنبرة شديدة الترحيب و الحبور :
_ أيوة فاكرك يا سمير ، هو إنت بردو تتنسي ، دا إنت أكتر محامي شوفته بيراعي ربنا فى حقوق الناس و بيتقي ربنا فى شغله..
استراح "معاذ" و راق له رد والدها ، فيبدو أن مسألة زواجه ستكون يسيرة إن شاء الله.
بينما شقت الإبتسامة طريقها مزينة شفاه "سمير" خائضًا فى مراده الأساسي بهذه المقدمة :
_ شكراً لحضرتك ، ده شرف كبير ليا ، المهم كنت عايزك فى موضوع كدة و أتمنى يتم على خير.
استولت كلماته على إنتباه "نديم" ، حيث سأله بكل فضول :
_ أى موضوع ، عايز المفيد يا سمير و بلاش شغل التنطيط بتاع المحاميين دول.
قهقه "معاذ" بدون أن يشعر ، و لكنه تخشب فى مكانه عندما لاحظ تجهم والده ، فالحديث أخذ سياقًا غير محمود أبداً ، ابتلع ريقه متوجسًا خيفة من انتهاء زواجه قبل أن يبدأ.
تطلع إلى والده يرجوه بنظراته أن يرد ، فزفر "سمير" بقوةٍ و أكمل بهدوء ظاهري :
_ عايز أناسبك و أطلب أيد بنتك لأبني.
لم يصلهما شئ عبر الهاتف إلا صمت جعل من خفقات "معاذ" تضطرب و تسجل درجاتها القصوى .
تراه سيرفضه أم سيوافق مبدئيًا على هذه الزيجة؟
إن رفض طلبه فلن يندم فهو اتخذ فى طريقه لها كل سبل الحلال الممكنة ، أولها أنه تخلى عن رؤية قسماتها حفاظًا عليها ، ثم أفصح لوالدته بقصته معها منذ الطفولة و أخفى مشاعره التى تجيش بصدره عن والدته لها ، مروراً بصلاته صلاة الاستخارة ، و أخيراً إخبار والده بقراره فى الإرتباط بها.
و بعد أن احترق قلب "معاذ" بنيران الإنتظار الكريهة ، فاجأهما "نديم" برده الذى لم يظهر به أى تأثير لا إيجابي و لا سلبي :
_ تمام ، هقول لبنتي و هاخد رأيها حسب الشرع و لو قدر الله و وافقت هنحدد موعد للرؤية الشرعية.
توسم "سمير" خيراً و هو يردد قبل أن يغلق الخط :
_ إن شاء الله ، سلام !
و أما "معاذ" أصابته حالة من السرحان المفاجئ و هو يسترجع كل حرف وصله من والدها ، إذاً فهناك أمل فى موافقتهم ، هناك أمل كبير فى أن يصيرا معًا على سنة الله و رسوله.
قريبًا سيكون من حقه أن يطالع عينيها كيفما يشاء .
قريبًا سيسمح لنفسه أن يري كل ملامحها التى كل يوم يزداد بها تعلقًا.
قريبًا سيسمع أنغام صوتها الطبيعية و التى لم تزده الأيام لها إلا شوقًا.
قريبًا سيكون كل هذا متاحًا و حلالاً خالصًا ، فقط لو توافق هى ... كل شئ متوقف على كلمة منها ، و ما عليه إلا أن يتحلي بالصبر .
لم يشعر إلا و والده يضمه ضمًا شديداً و يبارك له بنبرة مستبشرة :
_ مبروك مقدمًا يا بني!
وضع "معاذ" يده على ظهر والده يابدله العناق قائلاً بيقين :
_ الله يبارك فيك يا بابا!
...................💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕
أمامها الحاسوب تنقر عليه كلماتها الخاصة بروايتها التى هى قيد الكتابة و هى تكتب خطر ببالها هذه الكلمات و كأنها تصف شعورها الآن :
☆ بعض الذكريات تبقى فى القلب كالنقش على الحجر ، لا يمكن التخلص منها إلا باستئصال الجيذ الذى تشغله ، و هذا يعنى فقدان جزء من القلب فلا يعود يصلح بعدها لا لضخ الدم أو النبض ، و لربما تخبط فى قفصه الصدري كطيرٍ ذبيح تسحب منه روحه سحبًا حتى يسكن و تسكن بعده الحياة☆
تنهدت بتعبين معنوى و مادى ، فماذا عساها تفعل حيال هذا القلب المشتاق ؟
ماذا تفعل فى دقاته التى تخونها و تزداد كلما تذكرته أو رأت صورته بملامحه الصغيرة آنذاك .
ثم روادها شعور غريب بمعرفة تفاصيل وجهه و هى تتسائل بخفوتٍ :
_ يا ترى شكله عامل إزاي؟ أكيد كبر دلوقتي و بقى عنده شنب و دقن.
ضحكت من سذاجة قولها ، هى تهز رأسها للجانبين و تكمل كتابتها بحروفها التى تتضافر مع كل أمنايتها
فالبطل فى قصتها كان يقول لمحبوبته :
☆☆☆☆ أنا لا أقف أتلفت يمينًا و شمالاً تحت الشرفات
حتى استرق من الحياة معكِ حلو اللحظات
و لا أختلس إلى بهاء وجهك النظرات
بل إنى أدخل البيوت من أبوابها
و سأظل أطرق بابكِ حتى تفتحين
اتظنيني سأكل عن ملاحقتكِ أينما تذهبين؟
لا ما حذرتي خلفكِ حتى تصفحين
فأنا العاشق المشتاق
و كل شئ بدونك لا يطاق
فأعطيني بسمة واحدة تنير وجهكِ
فينعكس نوركِ على وجهي
أم تظنيني لا استحق رؤيتك تضحكين؟
إنى على استعداد لدفع عمري
كاملاً فى سبيل فرحتكِ ، فهلا ترين؟☆☆☆
أغلقت حاسوبها لتغادر السرير و تأتى بالمصلاة و تتخذ القبلة ثم تكبر و تبدأ صلاتها و مع كل سجدة كانت تدعو الله أن يكون من نصيبها و أن يجمعهما معًا فى حلاله ، و أن يقيه شر هذا الحب و يدفع عنها أذاه و طلبت من ربها أن يبعده عنها إن كان فيه شراً لها و أن يوفقه له إن كان فيه خيراً لها.
فهى إعتادت أن تكون غالية الغاليات فلن ترخص نفسها ما حيت ، لهذا لم تتركه يحدثها رغم اشتياق قلبها له و الذى دومًا ما تقاومه و تعاقبه أغلظ العقاب....
يا تراه المستقبل ماذا يخبأ لها فى أيامه تلك؟!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!