الفصل 1 | من 3 فصل

رواية أساطير من صعيد مصر الفصل الأول 1 - بقلم مصطفى تقي

المشاهدات
14
كلمة
1
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

علي وعلي


المكان:

قرية في صعيد مصر مطلة على النيلالزمان:

شتاء عام 1938، قبيل الفجر بقليل


كانت

ليلة شتاء عادية، باردة، كعادة ليالي عام 1938 في قرى الصعيد المطلة على النفحات

الرطبة القادمة من النيل. اعتاد علي أبو غانم أن يستيقظ قبل صلاة الفجر مباشرة،

استعدادًا لموعد الصيد الذي داوم عليه مع رفيقه، الذي يحمل الاسم ذاته: علي ابن

زينهم الغفير


في

تلك الليلة، غلبه النوم حتى استيقظ فجأة على صوت نباح كلاب متواصل، ممزوج بدقات

عنيفة متتالية على نافذة غرفته المطلة على الحقول الخاوية


رغم

برودة الجو القارسة، استيقظ علي يتصبب عرقًا، وحلقه جاف تمامًا كأنه لم يشرب ماءً

منذ يومين. دفع ستارة من الخيش حتى وصل إلى النافذة، فتحها على عجل ليرى الطارق،

فلم يجد أحدًا


لم

يكن هناك سوى صفير الريح البارد يجلد وجهه، ونباح الكلاب الذي يزداد في البعيد،

وصوت صرصور الغيط الرتيب الذي لا يتوقف أبدًا


ما

إن عاد علي إلى فراشه حتى غلبه النوم سريعًا، كأنه لم ينم منذ أسبوع كامل


عاد

الطرق مرة أخرى، أوضح وأكثر قوة، لكنه كان هذه المرة على باب الغرفة


لم

يكن الطرق غامضًا هذه المرة؛ فقد كان صاحبه علي ابن زينهم الغفير، بصوته المألوف،

وإن بدا أكثر غلظة وغضبًا من المعتاد. كان يلومه على تأخرهما وتفويتهما صلاة الفجر

في الجماعة


تفاجأ

علي بأنه لم يسمع أذان الفجر ولا إقامة الصلاة، رغم قلقه الذي سبق يقظته، ورغم قرب

المسجد الذي لا يفصله عن بيته سوى الحقل الخاوي


قال

علي ابن زينهم بغضب مكتوم: – قوم يا جدع، النهار جرب يطلع وإنت لسه بتتعارك مع

النوم! كتر النوم بيطرد الرزق يا بوي


قالها

وتركه وانصرف غاضبًا


في

النهاية، خرج علي يتعثر في خطاه، ارتدى نعليه على عجل، وسحب الكوز المربوط بالزير

بجوار المنزل. ملأه بالماء وأفرغه في جوفه محاولًا إطفاء عطشه، ثم أفرغ قليلًا من

الماء في كفه ومسح به وجهه أملًا في طرد النعاس الذي، على رأي صاحبه، يطرد الرزق.

قطع الطريق مسرعًا للحاق بصديقه الغاضب


أدركه

أخيرًا عند الفلوكة الخشبية الصغيرة التي اعتادا الصيد بها في مياه النيل، فركبا

معًا


كانت

السماء تحمل لونًا غريبًا؛ حمراء كأن الشمس توشك على الشروق، لكنها تفتقد ذلك

الدفء الذي يرافق بزوغ النور المعتاد


حين

وصلت الفلوكة إلى منتصف النهر، بدا المشهد مغريًا على نحو ساحر. كانت الأسماك

تتقافز أمامهما في وفرة غير مسبوقة، وكأنها تكاد تدخل القارب دون عناء، وكأنها

ترحب بهما، منيةً نفسيهما بصيد ثمين لم يريا مثله من قبل


ألقى

علي أبو غانم الشباك بمهارة وهو مستبشر، ثم دار بالقارب دورة كاملة لجمع الحصيلة

الموعودة


وأثناء

جمع الشباك، شعر بثقل غير طبيعي، ثقل أجبره على بذل جهد مضاعف، فتسارعت نبضاته من

شدة الجهد والأمل. لكنه حين سحب الشباك، وجدها خاوية تمامًا؛ لا سمكة واحدة، ولا

حتى قطعة طين صغيرة


استشاط

علي ابن زينهم غضبًا، وأخذ يثب في قاع القارب، يلعن الحظ وقلة الرزق


قال

محتدًا: – يا ابن الحلال، لولا تأخيرك كان زمانا مجبورين! تنام وتضيع مننا الرزق؟


اعتذر

علي أبو غانم، محاولًا تهدئة رفيقه: – معلش يا بوي، خليها عليّ. أنا المرة دي هلمّ

الشبك وألف بالمركب، وإنت بس طول بالك شوية


أعاد

ضبط الشباك ورماها مرة أخرى في النيل، واتسعت دائرة الدوران. نسي تعبه حين رأى

الأسماك تتقافز بوضوح داخل الدائرة، ومنّى نفسه وصديقه بقرب جمع الشباك وتقسيم

المحصول


لكن

حين جمعاها، كانت خاوية مرة أخرى


بلغ

غضب علي ابن زينهم حد الجنون. وبعينين حمراوين كلون السماء، صاح: – السمك بيفط

قدامنا في الميّة ومش راضي يدخل الشبك! إزاي دي يا بوي؟ ما بدهاش، أنا هفط في

البحر وأمسك السمك بإيدي


خلع

ثوبه البالي في حركة سريعة وألقاه على كتف صديقه، ثم قفز بعنف إلى مياه النيل


غاص

لحظات تحت السطح. كان الانتظار فوق الماء قصيرًا لكنه ثقيل على قلب علي أبو غانم،

الذي راقب الفقاعات الصاعدة بقلق. وما هي إلا لحظات حتى خرج رفيقه، ممسكًا بسمكة

كبيرة غليظة الرأس، تتموج بعنف بين أصابعه


صرخ

منتشيًا: – شوف يا ولد عمي! سمكة غليظة جوي


وألقى

بها نحو الفلوكة في حركة سريعة غير متوقعة


فشل

علي أبو غانم في الإمساك بها. في لحظة خاطفة، انزلقت السمكة من بين يديه وارتطمت

بوجهه بقوة، كأنها قالب من طوب لبن. داهمه الدوار واختل توازنه وكاد يسقط في

الماء، لكنه تماسك بذراعه المرتعشة. كانت السمكة قد انتهزت الفرصة وقفزت عائدة إلى

النيل


انهال

علي ابن زينهم عليه بالسباب وهو يرتجف في المياه الباردة: – طاحت منك؟ استرجل يا

بوي! أنا جتتي رصرصت في الميّة


تكررت

المحاولة، وتكررت الضربات؛ مرة على الصدر، فأطبقت أنفاسه، وأخرى على الكتف، فغمره

خدر موجع. تحول الصيد إلى عقاب جسدي قاسٍ


في

المرة الخامسة، طال غياب علي ابن زينهم تحت الماء أكثر من اللازم. تسلل القلق إلى

قلب علي أبو غانم، فقفز خلفه


لكن

جسده لم يلامس ماءً، بل ارتطم بالوحل


أدرك

حينها أن القارب كان قد غرست مقدمته في بقعة موحلة قرب الضفة، لا في عمق النهر.

كان الوحل هو سر الثقل الذي شعر به، وهو المقبرة التي ابتلعت رفيقه


بشق

الأنفس، تخلص علي من قبضة الوحل وزحف نحو الشاطئ. كانت الشمس ما تزال تتمنع عن

الشروق، لكن صوت الأذان اخترق سمعه


الأذان؟


كيف،

وقد أوشكت الشمس على الطلوع؟


تحامل

علي على نفسه متجهًا نحو المسجد، جسده مغطى بالوحل الأسود، لا يظهر منه سوى بياض

عينيه وأسنانِه


أحاطت

به كلاب القرية تعوي عليه في غضب، كأنها ترى فيه كائنًا غريبًا


صرخ

أحد الرجال مذعورًا، واجتمع الناس. ظنوه عفريتًا حتى سمعوا صوته المتهدج


أنا علي أبو غانم… علي ابن زينهم الغفير غرِج في البحر


جاؤوا

بالماء وغسلوا عنه الوحل، وظهرت ملامحه المضروبة. ومن بين الجمع كان زينهم الغفير،

والد علي


استمع

الرجل لما قيل، دون أن يظهر على وجهه أثر حزن. بل اشتعلت عيناه غضبًا، وقال بصوت

كالرعد


والله إنك عيل تلفان! تلاقيك مخمور ولا واكل تاطورة


ثم

ركل علي المنهك صارخًا: – ابني علي متلجّح في البيت، عيان من أول امبارح، ما خطاش

عتبة الدار


وأشار

نحو المسجد حيث ارتفع صوت الإقامة: – لساني فايته في البيت نايم! مش لاقي غير ابني

وتفول عليه؟


تحولت

النظرات إلى ريبة واشمئزاز. بقي علي واقفًا بين ضربات السمك، وإنكار القرية، وسؤال

معلق فوق النيل الأحمر


من

الذي أيقظه؟ ومن الذي طرق نافذته؟ ومن الذي رافقه إلى الوحل؟




ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...