رحمة ونور
في
نفس القرية ، المطلة على ضفاف نهر النيل، حيث يمتزج صمت الليل بحكايات
الأجداد،
وفي
ليلة من منتصف شهر عربي، حيث توسط البدر سماء الصيف الصافية، فغمر البيوت الطينية
بضياءٍ جعل من ليلها نهارًا،
وفي
بيتٍ يطل على الطريق العام، كانت تعيش «ستهم»؛ امرأة أربعينية خطّ الزمان آثاره
على وجهها. هجرها زوجها منذ أمدٍ بعيد، تاركًا لها ابنةً في مقتبل الصبا، تجاوزت
العاشرة بأعوام.
كانت
الفتاة آيةً في الحسن، يزين وجهها شعرٌ أحمرُ قانٍ، اعتادت الأم أن تعقده لها في
ضفائر غليظة ميّزتها بين أقرانها من البنات.
ورغم
ذلك الجمال الفتّان، لم يطرق بابها خاطب؛ ففي أعراف القرية، النسب عزوة، والبيوت
التي تخلو من الرجال لا تُغري الطالبين.
في
تلك الليلة القمرية، خرجت الفتاة لتساعد أمها في جلب الماء من الترعة القريبة،
لعجين الخبز قبل الفجر.
كان
الخروج في هذا الوقت يملأ قلب الصغيرة حماسًا، فلطالما منّت نفسها بفارس أحلامها
الذي يراها وهي تحمل البلاص فيفتن بها ويهرع إلى خطبتها،
كما
تم مع صديقتها، اللاتي في مثل سنها بل والأصغر منها.
وبينما
هي عائدة تحمل بلاصها فوق رأسها بخفة،
لمحت
جنازةً تعبر الطريق.
توقفت
الفتاة ليس إجلالًا لحرمة الموت،
ولكن
لأمرًا ملأ قلبها ريبة؛ فالمشيّعون لم يهلّلوا بذكر الله، ولم تكن هناك صرخات لوعة
أو عويل ونواح كما جرت العادة، بل كانوا يهمسون بنغمٍ رتيب، كلمات غريبة تكررت حتى
حُفرت في ذاكرتها رغمًا عنها.
هرعت
الفتاة إلى الدار، لتجد أمها قد بدأت في إحماء الفرن الطيني. نهرتها «ستهم»
لتأخرها،
-
"عوجتي ليه يا بتي"
فشرعت
البنت في سرد ما رأت، حتى وصلت إلى تلك الأغنية الغامضة التي سمعتها من المشيّعين.
كانت تنطق الكلمات بنبرةٍ مسحورة، وعيناها شاخصتان نحو النيران التي تلتهم الحطب،
بينما أصابعها الصغيرة تعبث بضفيرتها الحمراء، التي بدأت تتوهج تحت ضوء القمر
الساقط من فتحة السقف.
قالت
البنت بصوتٍ يشبه الترتيل:
—
«يا طالعة في الجمرة… يا أم الضفاير حمرة… جولي لستّ الأمراء… عمك
شمردل مات.»
ما
إن لفظت الجملة الأخيرة، حتى تجمّد الزمان في الغرفة. توقفت الأم عن الحركة
تمامًا؛ كانت يدها مغموسة في «الماجور»، لكن أصابعها تيبّست فجأة. ساد صمتٌ مرعب،
لم يقطعه سوى طقطقة الخشب المحترق، حتى نباح الكلاب في الخارج استحال عواءً
مكتومًا، وكأنما خُنقت الأنفاس.
التفتت
الأم نحو ابنتها ببطء، ولم تكن ملامحها هي تلك التي تعرفها الصبية؛ كانت عيناها
تعكسان ضوء النار بشكلٍ مخيف، كأن شرارات حقيقية تتطاير من بؤبؤ العين. وقالت
بصوتٍ حادٍ غريب:
—
«جُلتي إيه يا بتي؟ عيدي اللي سمعتيه عاد… مين اللي مات؟»
ارتبكت
البنت، وشعرت ببرودة تسري في أوصالها رغم لهيب الفرن، فأعادت الكلمات بصوتٍ مرتعش:
—
«يا طالعة في الجمرة… يا أم الضفاير حمرة… جولي لستّ الأمراء… عمك
شمردل مات.»
فجأة،
هبّت ريحٌ عاتية داخل الحجرة رغم انغلاق النوافذ، وانطفأت اللمبة «نمرة عشرة»، فلم
يتبقَّ إلا ضوء الفرن البرتقالي والظلال المتراقصة. انتصبت الأم واقفة، وبدا
قوامها يطول بشكلٍ غير طبيعي، وتفلّتت خصلات شعرها من تحت الشال الأسود، لتتوهج
بلونٍ أحمر قانٍ، كأنها ضفائر من نارٍ سائلة.
صرخت
«ستهم» نائحةً بلغةٍ قديمة غير مفهومة للبنت، قبل أن تتحول إلى العامية الصعيدية
الحادة:
—
«بتجولي إيه يا بنت المركوب إنتِ؟!»
تراجعت
البنت خطوة إلى الخلف، وهي تشعر بضفائرها الحمراء تلسع رقبتها كأنها جمرات حقيقية.
وهمست، مرتعشة من شدة الخوف:
—
«دي الناس اللي ماشية ورا الجنازة هما اللي جالوا إكده يا مّا…
كانوا بيجولوا زي ما جُلت لك.»
صرخت
الأم بصوتٍ زلزل أركان البيت، نواحًا يحمل حزن الدنيا كلها:
—
«آااه يا عمّي!… يا ميت خسارة يا شمردل! مين يحمي ستهم من بعدك يا
عمّي؟!»
ثم
قبضت على كتف ابنتها بيدٍ ملطخة بالعجين، وقالت بهسيسٍ مرعب:
—
«النعش اللي شوفتيه يا بتي كان فيه جتّة عمي شمردل… واللي كانوا
ماشيين في الجنازة أهلي وولاد عمي. دول يبجوا أهلك يا بتي. إحنا هنا أغراب، إحنا
مش من نسل الناس، وهاجولك ليه إحنا جاعدين وسطهم… بعدين، لما تكبري.
والمية
اللي في البلاص دي مش مية ترعة… دي دموع اللي كانوا ماشيين وراه.»
نظرت
البنت برعب داخل البلاص، لتجد الماء قد استحال سائلًا أسود كثيفًا يغلي من غير
نار. وحين التفتت نحو الفرن، رأت وجهًا ضخمًا يتشكل من الدخان والرماد؛ وجه رجلٍ
مهيب، بلحيةٍ من غبار، يبتسم لها قبل أن يتلاشى.
سقطت
البنت مغشيًّا عليها من هول المشهد. وحين أفاقت مع خيوط الشمس الأولى، وجدت نفسها
في فراشها، وأمها تجلس بجوارها بهدوء، تمسح على رأسها بيدٍ حانية.
همست
البنت بضعف:
—
«يا مّا… هو شمردل اللي مات ده يبجى صُح عمك؟»
تجمّدت
يد الأم للحظة، ثم ارتسمت على فمها ابتسامة غامضة، وقالت:
—
«قومي يا بتي… الشمس طلعت. خلي اللي سمعتيه بالليل يدفنه الليل.
العجين خمّر، والعيش استوى… بس إياكِ تدوقي منه رغيف واحد واصل، ده هيطلع رحمة
ونور على روح عمي. خلي الناس تاكل، وخلي الحزن في الجلب.»
خرجت
البنت لتجد أرغفة الخبز مرصوصة أمام البيت، لكن لونها لم يكن ذهبيًا كالمعتاد، بل
محمّرًا بلونٍ غريب، وعلى كل رغيف علامة تشبه الضفيرة، وتفوح منه رائحة البخور
العتيق بدلًا من رائحة القمح…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!