خبز الجان
كانت الليلة طويلة ، هدئة وساكنة على القرية كلها،إلا بيت ست الأمراء...لم تكن ليلة عادية، بل نقطة لتحول الأحداث.فما ثبق تلك الليلة، ليس كما بعدهاكان عليها أن تستعد، بل كان عليها أن تسبق الزمن.ومع
تصاعد قرص الشمس، بدأت الحركة تدب في أزقة القرية.
توافد
الجيران والمارّة نحو بيت ستهم - (ست الأمراء)،
حيث أشاعت بعد صلاة الفجر، لعدد من جيرانها ممن تعرفهم حق المعرفة، وتعرف قدرتهم على نقل الأخبار،
إنها سوف توزع الخبز - رحمة ونور على روح عمها الميت، فكانت العادة قديماً أن
تقوم السيدات بالخبيز وتوزيع الأرغفة رحمة ونور على أرواح أمواتهم،
وكعادة
أهل القرى، حين يشمون رائحة الخبيز الذي يوزع كرحمة،
يتوافدون
في لحظات وكأنهم جرادٌ منتشر،
لكن
هذه المرة لم تكن الرائحة رائحة قمحٍ محمّص أو خميرة بلدية،
بل
كانت رائحةً ثقيلة، مهيبة، تشبه رائحة المباخر في المقامات، ورائحة بخور الحضرة.
كانت
«ستهم» تقف خلف الخبز المرصوص كتمثالٍ من الرخام،
متشحةً
بسوادها، توزّع الخبز بصمتٍ مطبق.
تمد
يدها بالرغيف المحمّر، وتومئ برأسها، حين يترحمون على الميت،
دون
أن تنبس ببنت شفة.
كان
الشيخ عبد القوي، رجلًا طاعنًا في السن، ربما الأكبر في الناحية،
ويعمل
مؤذنًا للمسجد، أول من تناول رغيفًا. تفحّصه بعينين ضيقتين، ثم همس بذهول:
-
يا مراري يا ستهم! إيه اللون ده يا حزينة؟
وإيه
العلامة اللي زي الضفيرة المرسومة في جلب الرغيف دي؟
عيشك
ماله؟ ريحته جالبة الدنيا بخور وعنبر، كأنك خبزاه في الحضرة!
لم
تجبه «ستهم»، بل اكتفت بنظرةٍ حادة جعلت الشيخ يتراجع خطوة إلى الخلف.
وما
إن قضم أول رجل من أهل القرية قطعةً من الخبز، حتى ساد صمتٌ مفاجئ.
بحلول
الظهيرة، كان كل من أكل من الخبز قد أصابته حالةٌ من الوجوم الغريب.
يُقال
إن أهل القرية في ذلك اليوم لم يتشاجروا، ولم تعلُ أصواتهم،
بل
لزموا بيوتهم كأن على رؤوسهم الطير. أما الأرغفة المتبقية، فقد اختفت فجأة،
قبل
أن تمسها يد، ولم يُعثر لها على أثر، ولا حتى كِسرة واحدة.
توقفت
الأحاديث الجانبية، وخمدت جلبة الأطفال.
لم
يكن طعم الخبز مرًّا، بل كان طعمًا ثقيلًا؛ طعمًا يملأ الروح قبل المعدة،
يحمل
ملوحة الدموع وحرارة الجمر.
لم
يجرؤ أحدٌ على إلقاء كسر الخبز أو التوقف عن أكله؛
فقد
كان في الخبز سرٌّ يربط الألسنة.
في
اليوم التالي، ما إن هُضم خبز الجان، واختلطت دموع الجن بدم أهل القرية، انكشفت
الرؤيا.
حتى
صاروا يرون عمّار البيوت، والغيلان في الحقول، وفي الجبال المحيطة بالقرية.
وعلى
كل من تذوقه، بدأت اللعنة.
دبّ
الزعر في شيوخ القرية ونسائها وأطفالها.
الجميع
يرى ما لا يستطيع وصفه.
صرخ
أحد الشباب، وكان معروفًا بقلبه الجامد الذي لا يخشى أحدًا،
وهو
يشير نحو الجبل الغربي:
-
يا بوووي! أنا شايف خيالات ماشية فوج الجبل!
شايف
ناس كتيره لابسين أسود، وماشين في صف طويل!
بدأ
الناس يتلفتون برعب؛ منهم من شعر ببرودة تجتاح جسده رغم لهيب الشمس،
ومنهم
من خُيّل إليه أنه يسمع صدى غناءٍ رتيب، كأنه نواح المعدّدة،
يأتي
من باطن الأرض.
والغريب
أن كل من أكل من الخبز،
صار
يشعر بالأمان فقط حين يقترب من بيت ستهم، - ستّ الأمراء؛
المنزل
الوحيد الذي لا يحيط به جان،وكأنه قد أحيط بسور يمنع دخولهم.
كان
كل مجاذيب القرية الآن يشعرون عنده بالسكينة.
منذ
ذلك اليوم، صار يُقال في القرية إن بيت ستهم ليس كباقي البيوت.
لم
يأكل من خبز ستّ الأمراء سوى القليل من أهل القرية،
منهم
علي أبو غانم، أو علي المجذوب كما يناديه الصبية،
علي
الذي كان وحيداً، وزادت وحدته وانعزاله منذ يوم حادثة الوحل…
في
ذلك اليوم لم يؤذن الشيخ عبد القوي لصلاة الفجر،
ظن
علي أنه قد عبث أحدهم به مرة أخرى فلزم داره ولم يخرج،
ولكن
حين ارتفعت الشمس في كبد السماء،
ولم
يؤذن الشيخ عبد القوي أيضاً لصلاة الظهر،
أيقن
أن هناك حدث جلل، وحين خرج من داره،
رأى
ما رأى وسمع بما حلّ بأهل القرية،
الذين
لم يصدقوا حكايته يومًا، بل وصفوه بالمجذوب،
فرح
في البداية؛ فقد شربوا جميعًا من نفس الكأس التي شرب منها قبلهم.
الآن
صار معظم أهل القرية مجاذيب…
لكنه
أشفق عليهم في النهاية؛ فمهما كان،
ومهما
حدث منهم، هم أهله، وأبناء عمومته.
وحين
علم بتجمّع النساء والشيوخ والأطفال حول منزل ستهم،
قادته
قدماه إلى هناك… ليعرف السر وراء ما حدث...
وقف
علي أبو غانم على مسافة خطوات من بيت ستهم.
لم
يقترب فورًا.
كان
يشعر أن الأرض تحت قدميه تعرفه… وتعرف أنه ليس مجذوباً مثلهم.
رأى
النساء متكوّمات عند الباب، يضممن أطفالهن،
والشيوخ
جالسين في صمتٍ ثقيل، لا يذكرون الله ولا يتكلمون.
الكل
يحدّق في الباب الخشبي المغلق،
كأنه
باب مقام.
تقدّم
علي خطوة، فشعر بوخزٍ في صدره،
نفس
الوخز الذي يعرفه منذ سنين،
حين
تقترب الأشياء التي لا تُرى منه.
تمتم
بصوت مسموع للجميع.
-
العيش اللي كالتوا منه ده،… مكانش عيش يا حزانا
وفي
تلك اللحظة… انفتح باب البيت ببطء.
ظهرت
ستهم. لم تكن كما يعرفها أهل القرية.
كان
وجهها هادئًا أكثر من المعتاد، وعيناها ثابتتين،
وكأنها
تملك زمام الأمور.
قالت
بصوتٍ هادئ، لكنه سُمِع بوضوح:
-
عندك حاج يا واد يا علي، اللي كل من خبيزي … يشوف.
واللي
شاف… دخل العهد. وحوش داري يحميهم
شهق
بعضهم، وتراجع آخرون.
أما
علي… فرفع رأسه، ونظر إليها مباشرة، وقال:
-
العهد الجديم يا ستهم… إحنا اللي نحميكي مش انت اللي تحمينا.
وعمّك
كان فايتك انت وبتك أمانة وسطينا،
أبويا
حكالي حكايتكم، صح أني كنت صغير، لكني لساني فاكر.
رأى
علي وجه ستهم يهتزّ للحظة، قبل أن تقول بغضب.
-
اللي كان بيحميني أنا وبتي مات...
وبتي
هتروح مني، يا أما أني اللي هدفع التمن،
لازمن
ولابد أحميها، منيهم. طول ما المجاذيب حولين الدار،
مفيش
غول هيجرب منينا.
تقدم
على خطوتين، رفع يده أمام الجميع، وقال بصوت جهوري سمعه كل من في الناحية.
-
يا أهل البلد أنا طالب الجرب من ستهم عاوز اتجوز بنتها جمر.
أشهد
يا شيخ عبد القادر، أشهدوا يا خلج.
ثم
أقترب من ست الامراء وقال هامساً
-
جوزيني جمر وأنا احميكي بروحي يا ستهم...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!