تحميل رواية «أسد مشكى "ما بعد الجلاء "» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرحبًا أراك وقد عدت مشتاقًا لرفقتنا، ترقبت عودتنا كما فعلنا نحن، فكم يعز علينا تركك وقتًا طويلًا في عالم المفسدين خاصتكم.. لذا هلم واقترب من الحدود بين عالمينا فها هي أبواب وجهتك التالية تُفتح امامك على مصرعيها ، ولا ليست سفيد، أعلم انك ربما تشتاق لصوت أبواب سفيد، لكن دعني أخبرك أن رحلتك مع شعب سفيد انتهت وتم دعوتك بشكل رسمي لتحيا حياة أخرى، وعالم آخر قريب من سفيد لكن بنكهة مشكى وملك مشكى .... الآن وجهتنا التالية هي " درة الممالك " مشكى العزيزة تلك البلاد التي عاشت انهيارات اكثر مما ذاقت رخاءّ،...
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الاول 1 - بقلم رحمة نبيل
مرحبًا أراك وقد عدت مشتاقًا لرفقتنا، ترقبت عودتنا كما فعلنا نحن، فكم يعز علينا تركك وقتًا طويلًا في عالم المفسدين خاصتكم..
لذا هلم واقترب من الحدود بين عالمينا فها هي أبواب وجهتك التالية تُفتح امامك على مصرعيها ، ولا ليست سفيد، أعلم انك ربما تشتاق لصوت أبواب سفيد، لكن دعني أخبرك أن رحلتك مع شعب سفيد انتهت وتم دعوتك بشكل رسمي لتحيا حياة أخرى، وعالم آخر قريب من سفيد لكن بنكهة مشكى وملك مشكى ....
الآن وجهتنا التالية هي " درة الممالك " مشكى العزيزة تلك البلاد التي عاشت انهيارات اكثر مما ذاقت رخاءّ، بكى شعبها اكثر مما ابتسموا، فبعدما عبر بها ملكها من ظلمات الفقر صوب نور الرخاء، وحينما استقرت واخيرًا حياتهم، آتاهم البلاء على هيئة بعض الخنازير الذين احالوا نعيمها لجحيم، خربوا كل ما عُمر بها حتى الأنفس، لكن حقت كلمة الله عليهم ونصرهم رغم أنهم أُستضعفوا في الأرض......
والان تبدأ جولتنا بعد استقلال مشكى وعودة ملكها وانجلاء المحتل، جولة كادت أن تكون هادئة هانئة، لولا أن قصة إنسان كارسلان أبت أن تنتهي بمثل هذه البساطة، أبت ان يكون الجلاء نهاية البلاء، والان كما شاركتونا قصة المملكة الاولى " سفيد"، ادعوكم لرحلة بين طرقات مشكى حيث ينتظركم الكثير والكثير رفقة ملكها و......تلك المسكينة التي كتب عليها ان تنال قلبه لهذا المتجبر، فكان قدرها الذي لا مفر منه .
فهل تستطيع ان تكون مرافقا جيدا لأسد مشكى في رحلته، ام تكون حملا إضافيًا فوق أكتافه ؟؟
وهل تكون هي بالوداعة المطلوبة لتتعامل معه، أم يضطرها هو أن تخرج اسوء سيئها من داخلها ؟؟؟
مملكة مشكى
غدًا نبدأ رحلتنا .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
* ملحوظة *
الرواية جزء ثاني من الممالك وليس سفيد، أي أنها ليست امتداد لقصص سفيد، بل هي قصة منفردة بذاتها، لكن الابطال سبق وذُكروا في سفيد؛ لذا الرابط الوحيد هو أن الشخصيات هم أنفسهم في الروايتين ....
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثاني 2 - بقلم رحمة نبيل
* الفصل إهداء للجميلة بسلمة عبدالله، ولجميع مواليد الأول من أكتوبر، إذ يبدو لي أن نصف البشر وُلدوا في هذا اليوم *
بداية الرحلة ولا أحد يدري متى تكون النهاية ...
١ أكتوبر ٢٠٢٤
صلوا على نبي الرحمة
قبل القراءة رجاءً تصويت .. وبعد القراءة أتطلع لقراءة رأيك 💚
*هام قبل القراءة *
أي شخص هيحرق أي حدث من الفصول القادمة في الفصول القديمة على القراء هيتم حذف تعليقه، فرجاءً، كل شخص قرأ حدث ميرجعش يعلق على مشهد قديم بحاجة لسه هتحصل، مش قصدي هنا التوقعات بس قصدي الحرق، بلاش تكونوا أنتم استمتعوا في القراءة والأحداث وتفسدوا المتعة على غيركم، لأن أنا همسح التعليق مرة واتنين، الثالثة هتواصل مع الشخص ومش حابة اوصل لنقطة اني ابلكه، لاني عمري ما هعمل كده، فبلاش نزعل حد مننا ونقرأ بهدوء وسلام .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من قال أن الجلاء نهاية الابتلاء؟!!
فقط عليه مراجعة نفسه والتفكير لثواني، فمتى كان جلاء المحتل نهاية بلاء الشعوب ؟؟
بل هو بداية تعافٍ مما نالهم، بداية لفظ السواد الذي تجرعه الشعب خلال أيام قهرٍ وذلٍ، بداية قصة تعافي شعب من مشاهد سينام هاربًا منها في يقظته، لتصاحبه في كوابيسه ..
الجلاء بداية التعافي، لكنه ليس التعافي بالكامل .
كان يتوسط نافذة القلعة الخاصة به وهو يراقب الظلام المحيط بالمكان، ظلام ينافس الظلمة والفراغ داخل صدره، عيونه التي تطالع الفراغ شاردة، لا يبصر سوى بقايا بلادٍ، واشباح بشر يطوفون بين الطرقات .
الله ابتلى بلاده بجماعة من المخنثين، جاءوا شهورًا، خربوا بها ما عُمّر عقودًا، رحلوا وتركوا خلفهم دخان حرائقهم، واطلال فسادهم، تركوا شعبًا بنفوسٍ مهتزةٍ وكوابيسٍ مخيفة .
زفر زفرة مرتفعة يسمع صوت خطوات خلفه تبعه كلمات رفيقه الجديد وخليله الوفي الذي وضع كل ثقته به، أو بالأحرى بقايا ثقته بعدما غدر به أقرب الأقربين ..
" مولاي "
استدار نصف استدارة يمنحه بسمة صغيرة هادئة مشيرًا له بالاقتراب ليجاوره الشرفة الفسيحة حيث يحب قضاء وقته منذ كان طفلًا يتطلع لبلاده الجميلة ولم يدرك ما خبأه لها المستقبل :
_ اقترب يا المعتصم، هيا تعال وانظر لمشكى .
اقترب منه المعتصم يجاوره الشرفة يحدق بالبلاد التي ورغم نكبتها لا تزال متماسكة، بلاده وبلاد أجداده رغم أنه لم يولد أو يحيا بها، لكنه عشقها من حديث والده عنها، وكان يتشوق لزيارته السنوية لها :
_ اجمل البلاد مولاي .
ابتسم أرسلان وهو يهز رأسه هزة صغيرة، ثم تنهد وقال بحسرة :
_ لهذا تكالبوا عليها يا صديقي، ذنبها جمالها .
يعلم المعتصم ما يمر به أرسلان، فما يحمل فوق اكتافه في هذه اللحظة ثقيل، بلاد منكوبة، وشعب محطم، ودفاع شبه مكشوف؛ الجيش اعداده قليلة، والامدادت لا تكفي تغطية نصف حدود المملكة، الزراعة في تراجع بسبب تأثر الأراضي الزراعية بعمليات التخريب التي نالتها على أيدي الباطشين، لا شيء سليم في هذه البلاد سوى ايمان شعبها بربهم .
ارتفع صوت الأذان في الأرجاء معلنًا موعد الفجر في المملكة ليربت أرسلان على كتف المعتصم يدعوه ليتبعه صوب مسجد القصر، تحرك بصمت وخفة صوب الخارج وقد أخذ معطفه الاسود يتطاير خلفه يسير بخطوات قوية لا يبصر حوله سوى طريقه، حتى خطى بوابة المسجد ليخلع معطفه الملكي وتاجه وحذائه ويترك سيفه، ثم دخل المسجد مُجردًا من كل ما قد يميزه كملك عن باقي جنوده وقاطني القصر .
فبين يديّ الله الكل سواسية ...
ابتسم للجميع بسمات صغيرة، ثم جاورهم الصفوف خلف الإمام لتعلو في هذه اللحظات كلمات الله وتصمت جميع الاصوات خاشعة لها.
" الله أكبر.."
بدأ الجميع يتبع الإمام في صلاته لتمر دقائق قبل أن يعلو صوته بالتسليم معلنًا انتهاء الصلاة .
تحرك الجميع ليباشر البعض أعماله والبعض يعود لإكمال نومه، فيما بقي أرسلان جالسًا يضم قدميه أسفله يدعو الله أن يعينه على القادم، فالبلاد على شفا جرفٍ من الانهيار، عاد بها لنقطة الصفر.
عادت له بلاده مدمرة كما تسلمها من والده، بل اسوء، فالأن ليست البلاد فقط المدمرة، بل نفوس قاطنيها .
_ مولاي، هل انتهيت ؟!
ابتسم أرسلان يستقيم في جلسته، ثم تحرك صوب المعتصم الذي كان قد سبقه لبوابه المسجد، يلتقط حذائه ومعطفه وسيفه يتحرك معه صوب الساحة يردد :
_ هل تقدم أحد للانضمام للجيش يا المعتصم ؟!
صمت المعتصم وتردد في الحديث يحاول إيجاد أي إجابة لا تصيب أرسلان بالاحباط، أرسلان الذي يعلم الإجابة بالفعل، لكنه يتساءل فقط لدفع المعتصم إلى مشاركته كل ما يصل له دون تردد أو مواراة .
_ سوف يأتي الكثيرون مولاي أثق بذلك، هم فقط يحتاجون لبعض الوقت للتعافي .
ابتسم له أرسلان ينظر للسماء التي بدأت تنير بعض الشيء معلنة بداية يوم جديد ومولد أمل جديد .
_ لهم كل الوقت يا المعتصم، لهم كل الوقت .
كانت كلماته غريبة بنبرة اغرب، جعلت المعتصم ينظر له بعدم فهم وترقب لشرح ما يقصد، لكن أرسلان استدار له برأسه ونظرات خبيثة يرفع سيفه قائلًا :
_ إذن يا المعتصم هل تستطيع مجاراتي في القتال، أم أنك تماثل معلمك فشلًا ولن تتمكن من الصمود أمامي لثواني ؟؟
اتسعت أعين المعتصم بصدمة كبيرة يدرك أن الحديث الآن موجه لقائده السابق والذي تتلمذ على يديه وتعلم القتال منه :
_ ماذا ؟؟ القائد سالار لم يكن يومًا فاشلًا .
ابتسم له أرسلان يرفع السيف في وجهه يلقي معطفه جانبًا وعليه التاج دون اهتمام، ثم اتخذ وضعية الهجوم يشير له بالتقدم :
_ اثبت لي ذلك ...
وفي ثواني وقبل أن يستوعب أحدهم ما يحدث دارت معركة حامية بين المعتصم وارسلان الذي يقاتل بشراسة ارعبت المعتصم لثواني وهزت ثباته، قبل أن يتمالك نفسه ويعود لمجابهة أرسلان في القتال .
ومع بداية اليوم وحيث من المفترض أن يستيقظ أهالي القصر الملكي في مشكى على صوت زقزقة العصافير ونسمات الهواء، كانوا يستيقظون على أصوات السيوف .
تجمع بعض الجنود يراقبون ما يدور بين المعتصم وارسلان الذي كان يحارب وكأنه يقاتل عدوًا ..
وبعد دقائق طويلة انتهت المعركة بسقوط سيف المعتصم، وسقوط المعتصم نفسه ليجاور سيفه ارضًا، ويشرف عليه أرسلان بنفسه مبتسمًا بسخرية ومزاح خشن يتخيل نظرات سالار أمامه وهو يردد تلك الكلمات :
_ كما توقعت، فاشل تمامًا كمعلمك .
تشنجت ملامح المعتصم، يحاول النهوض ينفض ثيابه بسأمٍ ورفضٍ تام للهزيمة ومذاقها المُر :
_ لقد اخذتني على حين غرة، هذا ليس عادلًا .
توقف أرسلان يلوي فمه بسخرية لاذعة:
_ ومنذ متى كانت الحرب منصفة يا صغير ؟؟ الحرب هي الساحة الاولى للغدر يا المعتصم .
ختم حديثه يحرك سيفه أمام عيون المعتصم الذي تنفس بغيظ شديد، يحاول تهدئة نفسه وتمرير تلك الهزيمة وتذكير نفسه أنه هُزم من شخص ينافس قائده ومعلمه، هُزم من أرسلان بيجان ملك مشكى، الرجل الذي قضى نصف حياته في الحروب، والنصف الآخر يبحث عن الحروب.
إذن هزيمته أمام هذا الرجل كانت حتمية، لكن لن يستمر الأمر طويلًا .
_ لا بأس بهزيمة اليوم مولاي، يومًا ما ستُهزم، وسيكون لي الشرف لتكون هزيمتك على يدي.
ارتسمت بسمة جانبية على فم أرسلان يتحدث بجدية شديدة وهو يلوح بالسيف في وجهه معترضًا على تلك الكلمات التي كانت كما لو أنها سبة له :
_ خسئت أنت واشباهك الاربعين، لم يولد بعد من يهزم أرسلان بيجان .
نفض المعتصم ثيابه، ثم رفع عيونه صوب أرسلان يقول ببسمة واسعة يسخر منه وبكلماته تلك :
_ سمعت هذه الكلمات من قبل، أين يا ترى ؟؟ آه نعم رجال سفيد، الآن انظر إليهم، حتى القائد سالار ركع على ركبتيه لزوجته يعترف بهزيمة مستحقة لها .
_ هذا سالار يا بني ...
_ أنت لا تفرق شيئًا عن القائد سالار، أنتما بنفس العقلية تقريبًا .
أطلق أرسلان صوتًا ساخرًا :
_ خسئت، لا أحد ولا حتى سالار يشبهني، هذا سالار، وأنا أرسلان، لا سالار يشبهني ولا أنا أشبه سالار، كلٌ يمتلك شخصيته .
هز المعتصم كتفه يراقب تحرك أرسلان بعيدًا عنه وهو يحرك السيف بين كفيه يطلق صفيرًا عاليًا مستفزًا للمعتصم الذي رفع صوته وهو يقول بجدية :
_ نعم، لكن الهزيمة لا تفرق بين سالار وارسلان مولاي، وغدًا سنجلس جميعًا نراقب هزيمتك ونصفق لها .
لوح أرسلان بسيفه في الهواء دون أن يتوقف في سيره أو يستدير له حتى :
_ استمر في احلامك يا بني .
ابتسم له المعتصم يجيب بثقة :
_ ليس في احلامي يا مولاي، بل في الواقع، أين ستهرب من مصيرك أنت، هزيمتك ستصيبك ولو حفرت لذاتك قبرًا في الأرض السابعة، هي فقط تنتظر الوقت المناسب للظهور وتعلن عن نفسها ..
________________________
البرازيل_ سجن "كارانديرو" :
أمام بوابة السجن وحيث كان يحيط بها عدد كبير من المسلحين لمنع تخطي أي مسجون للبوابات أو الاقتراب منها حتى، انتفض البعض على صوت إطارات تحتك بالأرض أمامهم، ومن ثم توقف سيارة سوداء بشكل همجي تسببت في إحداث غبار جعل أحدهم يزفر بضيق وهو ينظر في ساعة يده يتأكد أن موعد حضورها الاسبوعي قد حان .
يسمع صوت أحد الجنود جواره :
_ لقد أتت سيدي .
أجابه بسخرية وهو يرفع عيونه صوب السيارة السوداء أمامه:
_ استطيع رؤية ذلك، أفتح البوابة لها .
تحرك الجندي ينفذ أوامره، بينما استمر الآخر يراقب السيارة ينتظر أن تطل هي عليهم بهئتها المعروفة والتي لا تتغير، صورة محفوظة تسير بها طوال الوقت .
وما هي إلا ثواني وأخرجت قدمها التي كانت ترتدي بها حذاء اسود لامع ذو كعب عالٍ، ومن ثم خرجت بجسدها ترتدي ثيابها الرسمية المعروفة، بنطال بذلة اسود اللون، يعلوه قميص ابيض تدخل اطرافه داخل البنطال، مع وجه شبه خال من المساحين عدا القليل، وخصلات تجمعها في " كعكة سوداء " محكمة، تسير بهدوء تحمل حقيبة سوداء، وبنظرات هادئة تحركت صوب البوابة التي كانت قد فُتحت لها بالفعل لتدخل دون أن تحيد بنظرها لأحدهم، تتحرك خلف الجندي الذي كان يعلم دوره يقودها صوب الغرفة المخصصة لتبدأ عملها الاسبوعي ...
الطبيبة النفسية الشرعية " سول " والتي تعمل لتأهيل المجرمين داخل سجون البرازيل للحياة الطبيعية بعد سجنهم، تؤمن أن الجميع _ حتى المجرمين _ يستحقون فرصة ثانية للعيش بشكل طبيعي، بعيدًا عن السجون وما عانوه بها .
سارت في الممر لا يُسمع سوى صوت قرع حذائها الاسود، تبتسم بلطف لمن يقابلها، بسمة رسمية صغيرة تحاول بها كسر الجليد مع من حولها، حتى وصلت أخيرًا لغرفة صغيرة حيث تمارس جلساتها الأسبوعية للتأهيل مع اخطر المجرمين الذي يعانون من خلل نفسي يزين لهم أذية الغير، غرفة مراقبة بالكامل تحتوي ثلاثة حراس لمراقبة الأوضاع .
_ شكرًا لك .
قالت جملتها بلكنة برتغالية متقنة، ثم تحركت بهدوء تلقي الحقيبة الخاصة بها على الطاولة تجذب المقعد المقابل لذلك المجرم المقيد أمامها تمنحه بسمة لطيفة صغيرة لا تناسب الوضع الذي تجلس به أمامه وهي تلوح له :
_ مرحبًا .
زمجر الرجل أمامها، ولولا الأصفاد التي تقيد نصف جسده العلوي، لكان نهض الآن وهجم عليها وقطعها بأسنانه دون أن يرف له جفن .
لكن هل تهتم هي ؟؟ لا والله لا تفعل.
فتحت الحقيبة الخاصة بها تبحث عن المدونة التي تسجل بها كافة الملاحظات الخاصة، تزفر بضيق وهي تحاول ابعاد اغراضها الشخصية جانبًا، تحدث السجين بأريحية وكأنه رفيق قديم لها :
_ فوضى عارمة تسود الحقيبة، لا ادري حتى ما سبب حملي لكل تلك الأشياء و....ها لقد وجدته .
اخرجت الدفتر تبتسم له بسمة واسعة، ثم فتحته تضع قدم على الأخرى وهي تردد براحة :
_ والآن اخبرني كيف حالك وكيف هي أيامك في هذا المكان الـ... في هذا السجن ؟؟
ارتج الرجل في مقعده يحاول النهوض وسحب أي سلاح وأخذها رهينة حتى يطلقوا سراحه ويخرج من هذا السجن الخانق، ومن ثم يفرغ احشائها ويحطم أسنانها ليمحو بسمتها تلك، وسول أبصرت كل ذلك تتنهد وهي تسجل بعض الكلمات :
_ سيئة ها ؟؟ هل يمكنك أن تصف لي ما يزعجك بالمكان تحديدًا؟! هل هي الأجواء الباردة أم الإضاءة المزعجة أم الطعام قليل الملح، أم قهوة تشارلي المريعة على سبيل المثال ؟؟
زمجر الرجل زمجرات جعلتها ترفع عيونها له تردد بجدية مستاءة منه وكأنه خيب ظنها أو ما شابه :
_ عزيزي هل تتحدث مع أحد حيوانات الغابة ؟؟ أنا لا افهم زمجراتك حدثني بكلماتٍ كالبشر كي استطيع مساعدتك رجاءً .
مال الرجل وهو ينظر لها بشر، لتعلم أنه على وشك إطلاق كلماته الاولى لها، وهذا جعلها تترقب باهتمام، أما هو ابتسم بشر مرعب هامسًا بصوت متحشرج مخيف وكأنه لم يستعمل حنجرته منذ عقود وهذا أول عهده بالحديث :
_ تبًا لكِ أيتها الـ *****.
لم تصدم أو تبتأس من كلماته وقد كانت ابسط شيء تقابله في حياتها المهنية، فقط ابتسمت تجيبه بهدوء ورقة شديدة تحاول التحلي بالصبر، فهو ليس أول سجين يعاندها في بداية العلاج :
_ تبًا لك أيضًا أيها الوسخ .
ختمت حديثها ببسمة مترقبة حين رأت نظراته تحتد أكثر وأكثر، ثم أكملت بكل بساطة وهي تدون بعض الكلمات :
_ أخبرني إذن، هل يعجبك وجودك في المكان هنا؟؟
ومجددًا الرد زمجرة وسبات عديدة ومحاولة عقيمة ليفلت من اصفاده ويهجم عليها يقتلها ويقطعها أربًا، احلام قاطعتها هي بجملتها :
_ ألا يحفزك شيء للخروج من هنا؟؟ لا تمتلك ما يجعلك تحارب نفسك القذرة والخروج ؟؟ ألا يوجد بالخارج ما يستحق سحق شياطينك لأجله ؟؟ زوجة أخت...ابنة مثلًا .
صمتت حين رأت نظراته تلين بشكل مريب وقد أصابت وتره الحساس، تبتسم بسمة بسيطة صغيرة وهي تميل على الطاولة تكمل حديثها بهمس :
_ لديك ابنة صغيرة صحيح ؟؟ آلانا ها ؟؟
رفع عيونه لها وقد التمعت بشكل قوي وهي ترى أنها وجدت واخيرًا ما ستلعب عليه في الفترة القادمة، فتحت فمها للحديث، لكن وقبل فعل ذلك وأد هو كلماتها حين رفع يده المصفدة يجذب رأسها بحدة صوبه وقد بدأ يخنقها بالاصفاد يطحن عظام رأسها بالطاولة ..
حركة مفاجئة غفلت عنها "سول" التي أطلقت سبة مرتفعة تحاول الإفلات منه وقد بدأ وجهها يتحول للأحمر بسبب الاختناق، تدفع يده عنها وهو فقط ينظر لها بشر يطلق تهديدات للجنود بعدم التدخل وإلا قطع رأسها، وقد اندلعت حالة من الهرج والمرج في المكان بأكمله .
_ إن اقترب أحدكم سأحطم عظام رأسها لتلك الـ ***** .
وسول لا تسمع شيء ولا تهتم بشيء سوى رقبتها العزيزة التي تكاد تنفصل عن جسدها بأقسى طريقة ممكنة، تجاهد لدفع جسدها عبر الطاولة ترفع يدها حتى تصل لوجهه، وبصعوبة شديدة وصلت واخيرًا لتدفع أصابعها في عيونه بقوة مستغلة انشغاله بالحراس، حتى كادت تشعر بأنها فقأتهما له .
أطلق الرجل صرخة عالية، ولم يكد يتبعها بسبة حتى رفعت سول قدمها تضرب أسفل معدته بعنف شديد من أسفل الطاولة، ثم ابتعدت عن يده بسرعة تمسك رأسها تصطدمها بشر في الطاولة ليفقد الرجل اتزانه في ثواني ويلتف حوله الجنود يخرجونه من الغرفة بسرعة كبيرة، بينما سول عادت بظهرها للمقعد تستريح عليه متنفسة بصوت مرتفع وهيئة مُدمرة.
ثواني التقطت بها الأنفاس، ثم جمعت اغراضها وأخرجت المرآة تتفحص هيئتها المدمرة، وقد فسد الكحل الخاص بها وهذا يذكرها بالبحث عن " ماركة " أخرى تصلح للتعامل مع هؤلاء الهمج، وأصبحت الكعكة في شعرها تميل للجانب بشكل مزري، وأحمر الشفاة تدمر بالكامل .
ضيقت عيونها وهي تدقق النظر في هيئتها :
_ هناك شيء خاطئ هنا ..
ثواني حتى أخرجت أحمر الشفاة من حقيبتها و ضعت القليل منه، ثم ابتسمت تقول متجاهلة باقي هيئتها المزرية :
_ هذا أفضل.
حملت الحقيبة وخرجت بكل هدوء مرفوعة الرأس كعادتها لا تهتم بمن حولها تودعهم ببساطة، ثم خرجت من البوابة وهي تردف بحنق :
_ كان أبي محقًا حين أمرني بالاهتمام بمحل الزهور الخاص بي وتركي لهؤلاء الفاسقين، عسى أن يحترق السجن بكم يا همج .
تحركت بالسيارة وهي تخرج يدها من النافذة تتوعدهم بالعودة مجددًا وتسجيل انتصار آخر على هؤلاء القذرين :
_ سأعود لك أيها الفاسق، سأعلمك كيف تصبح وتتصرف كإنسانٍ طبيعي، فكل مختلٍ وله طريقته الخاصة في التعامل...
________________________
ثواني وتوقفت بسيارتها في حي راقي هادئ تحيطه الأشجار من كل الجهات، وقد كانت الضوضاء الوحيدة في المكان صادرة من سيارتها التي اوقفتها، ثم هبطت منها تغلقها بقوة، تتحرك صوب محل ذو واجهة زجاجية مليئة بالزهور واعلاه لافتة مكتوب عليها بأحرف ملونة وردية " زهور سول "
سول الثانية التي تتناقض مع الاولى، فتاة تعيش بهويتين، صباحًا تعمل اخصائية تأهيل وعلاج نفسي في أخطر السجون، ومن ثم بائعة ورود في غاية الهشاشة والرقة .
وهنا الأمر يعتمد على حظك، إما أن تتعامل معها بشخصيتها الاولى أو تكون من الحظ الجيد لتقابلها بالثانية .
دخلت المحل الخاص بها تلقي مفاتيح السيارة بأهمال، ثم اختفت في غرفة جانبية لدقائق قبل أن تخرج منها وقد ابدلت ثوبها الرسمي بفستان يغطي كامل جسدها عدا ذراعيها ممتلئ بالورود الصغيرة يعطيها لمحة رقيقة، ومن ثم تركت لخصلاتها العنان، تضع لافتة ( مفتوح ) على باب المحل لتستقبل أول زبائنها ببسمة واسعة لطيفة .
- مرحبًا، كيف اساعدكِ اليوم آنستي ؟؟
ابتسمت لها الفتاة تردد ببسمة مشابهة لخاصة سول :
- مرحبًا سول، أود الحصول على بعض الورود الحمراء فاليوم زفاف ابنة خالتي واريد إحضار هدية مناسبة لها .
- اخترتي المكان المناسب عزيزتي، استريحي ريثما اجهز لكِ طلبك رجاءً.
ومن ثم بدأت تتحرك في المكان بكل همة وبسمة واسعة ترتسم على شفتيها تنتقي زهور بعناية ودقة تكوّن بوكيه في غاية الجمال والبهجة للفتاة، قبل أن تسمع صوت الاجراس التي تعلن وصول زبون آخر، فتحدثت بجدية وهي منكبة على الانتهاء من البوكيه أمامها تسمع صوت نقرات لحذاء رجالي :
_ لحظات واتفرغ لك سيدي ...
وعادت للانشغال قبل أن يوقفها صوت رجلي يهتف بنبرة لعوبة عابثة تعلمها جيدًا :
- سول جميلة جميلات سجون البرازيل بأكملها، وقاهرة الفاسدين ....
توقفت يد سول عما تفعل تتنهد بصوت مرتفع قبل أن تعقد رابطة الزهور بشكل رقيق، ثم حملتها تستدير صوب الفتاة ببسمة صغيرة :
- تفضلي، انتهينا ..
- اشكرك سول، أنتِ الافضل في هذا .
ابتسمت لها سول تتحرك معها صوب الحاسوب الخاص بها كي تسجل ما تم بيعه وتنتهي من حساب الفتاة بينما صوت الرجل يصدح حولها في المكان مفسدًا مزاجها المعتدل :
- أنتِ لم تنسي موعدنا صحيح ؟!
أغمضت سول عيونها تخرج الايصال للفتاة مبتسمة :
- تشرفت بوجودك عزيزتي، اتمنى لكِ وقتِا سعيدًا في الزفاف .
ودعتها الفتاة ببسمة تغادر المكان، بينما رفعت سول عيونها صوب الرجل تردد بنبرة مغتاظة :
- مرحبًا بك لود، أنرت محلي المتواضع.
هز لها لود رأسه هزة صغيرة، ثم نظر حوله يقول :
- حفلة اليوم مهمة سول، لا يمكنك تجاهلها ككل مرة .
صمت يراها تتحرك في المكان برشاقة وخفة، ليقرر أن الوقت ربما يكون مناسبًا ليعرض عليها عرضه الذي يكبته داخل صدره خائفًا من البوح به، خاصة وقد تلبستها شخصيتها اللطيفة الرقيقة :
- الحفلة ستضم أكبر رجال الدولة وستكون فرصة ممتازة لبناء علاقات وثيقة تفتح لكِ جميع الأبواب المغلقة، فقط لو ....
صمت بتردد حين رأى توقف جسدها وتحفزها الخطير وهي تضيق عيونها تدعوه بصمت أن يكمل ما جاء لأجله والذي تدرك داخل صدرها أنه لن يعجبها :
- فقط لو ماذا لود ؟؟
ابتلع ريقه يهتف بالكلمات بسرعة قبل أن يتراجع :
- فقط لو ارتديتي بعض الفساتين الملائمة لمثل هذه الحفلات بعيدًا عن ثيابك الرسمية السوداء وتلك الفساتين الملئية بالزهور، ما ...ما رأيك لو ارتديتي ما احضرته لكِ .
رفعت حاجبها مترقبة وهو اتخذ صمتها موافقة مؤقتة ليسارع صوب سيارته وفي دقيقة كان يعود حاملًا حقيبة لإحدى الماركات العالمية مبتسمًا :
- انظري عزيزتي، بمجرد أن رأيته اقسم أنني لم أر غيرك يرتديه، انظري إليه سوف تخطفين الأنظار والانفاس اليوم .
حركت سول عيونها ببطء تراقب الفستان القصير الذي كان يتميز بحملات ذهبية من الحديد مع فتحة ظهر تظهر كامل ظهرها .
اكمل لود وقد ابتسم لصمتها، لأول مرة لا تعترض على شيء، يستفيض في إظهار خبرته كمساعد شخصي لها، وصاحب ذوق من الطراز الأول وخبير بالنساء وما يلائمهن أكثر من النساء أنفسهن :
- بشرتك الذهبية هذه ستليق مع اللون الاحمر المثير وبشدة، لطالما كنت مؤمنًا أن اللون الأحمر خُلق لاصحاب البشرة الذهبية؛ وخاصة اللاتينيات منهن ...
ابتسمت سول بسمة رقيقة، تقترب منه، ثم مدت ذراعها تضعه جوار خاصته مشيرة له بعيونها :
- انظر أنت تمتلك لون البشرة ذاتها، ربما يمكنك أنت ارتدائه إن اعجبك لهذه الدرجة عزيزي .
ختمت حديثها تتحرك تاركة له متسع الأعين فاغر الفاه من كلماتها، قبل أن يزفر بضيق شديد :
- سول أ....
- ولا كلمة لود، أنا لا ارتدي ثياب الجواري وفتيات الليل هذه، إما أن ارتدي ما اريد أو تنسى أمر ذهابي لحفل النخاسة هذا .
صمتت ثواني، ثم عقدت حاجبيها تقول بعد تفكير قصير وكأن شخصيتها الأولى تحكمت بها فجأة تحرك يديها بعدم اهتمام :
_ مهلًا ما الذي يجبرني من الأساس على الذهاب؟! اللعنة عليهم جميعًا وعليك وعلى الفستان الأحمر لود، أنا لن أذهب لذلك المكان .
سارع لود بسرعة يصرخ بصدمة كي لا تغير رأيها يلقي الفستان على المقعد جوارها :
- لا لا انسي أمر الفستان، فلتحرقيه إن اردتي، لكن هذا الحفل جد مهم لتعميق علاقاتك، بحثك الاخير الذي تجرينه يحتاج لمن يموله يا ابنتي وأنا اثق أن هناك من سيكون مهتمًا هناك .
على رنين هاتف لود ليتأفف وهو يرفعه :
- حسنًا إذن القاكِ مساء اليوم سول، و....ربما سيفيدك اختيار شيء غير البذلة السوداء و....
تراجع حين أبصر نظراتها ليزفر بحنق :
- حسنًا افعلي ما تريدين لقد سئمت، وأنا من اخترت مقابلتك حين تتلبسك شخصيتك اللطيفة كي يسهل اقناعك .
- هذا ما جعلك تخرج على قدميك لود، والآن أرحل فأنت تخنق زهوري برائحتك النفاذة هاته، هيا تحرك خارج مملكتي .
رفع حاجبه بغيظ شديد قبل أن يخرج من المكان وصوت تمتماته يتبعه :
_ حسنًا سمو الملكة، سأتركك لتولي أمور مملكتك .
وهي فقط ابتسمت بسمة صافية، تراقبه حتى خرج من مملكتها العزيزة، ثم تحركت بين زهورها تقلمهم وتسقيهم وهي تدندن بصوت خافت رائق هادي .
كانت ملامح سول من تلك الملامح الرقيقة، إذ تميزت بوجه وبشرة ذهبية ورثتها عن والدتها وعائلة والدتها اللاتينية أبًا عن جد، بينما ورثت عيونها الخضراء من والدها وخصلاتها السوداء كذلك منه ..
ابتسمت بشجن تتذكر والديها العزيزين، رحلا وتركاها وحيدة تحيا ما بين حلميهما لها، فوالدتها والتي انحدرت من عائلة ذات سيادة وماضٍ عريق في البلاد اختارت لسول حياة تكون ابنتها بها ذات مكانة قوية مرموقة وحازمة فأصبحت الطبيبة سول اخصائية التأهيل النفسي، بينما والدها العزيز أبى إلا أن تحيا فتاته المدلله حياة تليق بالاميرات، فأفتتح لها محل الزهور هذا، وما بين والدها ووالدتها واحلامهما، تشتتت حياتها واحلامها حتى نست ما تريده هي وعاشت تحقق لهما ما يريدان، لكن الحق يُقال هي لا تبتأس، ولا تمل، هي فقط تفتقدهما وبشدة .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس أعلى عرشه يتابع بعيونه كافة المستشارين الذين عيّنهم له بعد عودة بلاده من نكبتها في محاولة للخروج لشاطئ الأمان بعد الأمواج التي جرفت البلاد مؤخرًا .
يجلس بكل هدوء وعيونه تتحرك على الجميع أمامه، الكل يشكو ويتذمر من حالة البلاد، وكأنهم كانوا يأملون أن تعود بين ليلة وضحاها، يبتئسون من وضع احضرهم كي يغيرونه
ابتسم بسخرية لاذعة وهو يسمع صوت أحدهم يردد :
- أنت تطلب مستحيلًا مولاي، الأمر كبير ويحتاج للكثير من العمل، أن تعود البلاد لحالتها السابقة أسبق بأحياء جثة، هذا مستحيل، بالطبع لا يمكننا إنجاز كل هذا، خاصة أنك تطلب التكفل بالكامل بالأسر المنكوبة، أنا أقترح أن نرفع الدعم عن البعض ونخفف من أعباء الخزينة، فبهذه الطريقة لن نستطيع دفع الرواتب للعاملين بالقصر وخارجه، وهذا سيدفعهم للرحيل كغيرهم.
حرك أرسلان لسانه على شفتيه ثواني قبل أن يقول بهدوء شديد :
- سلّم عُهدتك للمعتصم وأخرج من هنا .
رفع الرجل عيونه بفزع في وجه أرسلان لا يفهم ما قاله ليكون هذا رده، بل لا يستوعب سرعة رد أرسلان واتخاذه لهذا القرار، بينما أرسلان لم تتحرك شعرة واحدة به وهو يهتف بصوت مرتفع :
- تسلم من الرجل عهدته يالمعتصم، وابحث لي عن آخر يدرك جيدًا معنى أن تكون مستشارًا لبلادٍ منكوبة، أبحث لي عن رجل يعلم يقينًا أنه لن يأتي ليتمتع بأمتيازات منصبه بقدر ما سيحمل اعباءه .
صمت، ثم نظر للرجل المصدوم يشير صوب الباب مبتسمًا بكل برود واستفزاز بسمة واسعة :
- شرفتنا، سوف نبحث لك عن عملٍ سهل بسيط ونرسل في طلبك .
ختم كلماته والرجل يحاول استيعاب ما يحدث قبل أن ينتفض ويخرج من المكان بسرعة يبتلع الإهانة التي وُجهت له وهو من أكبر علماء هذه المملكة، بينما صدح صوت أرسلان خلفه يردد بجدية وقوة وعيونه تمر على الجميع يتحدث بتجبر :
- حين اخترتكم من بين الجميع، اخترت صفوة علماء وأطباء ومهندسي البلاد، أنتم تقلدتم مناصب تحمل لكم من الأعباء أكثر مما تحمل من الرفاهيات، هذه بلادكم قد طالها من الخراب حتى أضحت رماد، وإن رأيتم أن إعادة تعميرها مستحيل وأنتم الاعلون، فما الذي تتوقعونه من شعوب لا حول لها ولا قوة ؟!
صمت الجميع لينهض أرسلان يتحدث بجدية وصوت جهوري كي يصل للجميع :
- مشكى ستنهض وتعود كسابق عهدها وإن اضطررت لفعلها وحدي ودون مساعدة منكم سأفعلها، لذا من يشعر أنه لن يستطيع التكيف على المسؤولية التي وكلته إياها، لينسحب من الآن وأنا سأتكفل بنفسي لإعطائه عمل بديل .
عم صمت طويل في القاعة وهو يمر بعيونه في قوة ينتظر فقط رفة جفن من أحدهم ليخرجه من المكان، وحين رأى منهم ثباتًا قال بهدوء :
_ شكرًا لكم، تحركوا لتنفيذ ما طلبته منكم .
تحرك الجميع للخارج واحدًا تلو الآخر، قبل أن يتراجع ويوقفهم معذبًا إياهم بنظراته المرعبة مجددًا، وحينها قد ينهار أحدهم دون شعور .
كام يراقبهم بأعين هادئة والمعتصم يجاوره، متحدثًا بهدوء وبكامل الصلاحيات التي منحها له أرسلان :
_ ألا تعتقد أنك بالغت بعض الشيء في ردة فعلك مولاي ؟؟
عقد أرسلان حاجبيه ثواني، ثم استدار صوب المعتصم يجيب بهدوء وبكلمة واحدة:
_ لا .
عض المعتصم شفتيه يحاول أن يجعله يتعامل بلين أكثر مع الجميع، لكن أرسلان الذي اشبعته الحياة غدرًا وطعنًا تعهد ألا يعطي لأحدهم مكانة أكثر مما نال بالفعل، هم رضوا بتقلد مناصب عليا، إذن ليتحملوا اعبائها كما يتنعمون بمميزاتها.
تنهد المعتصم وهو يتحدث بخفوت :
_ أتسمح لي بالتحدث بحرية مولاي ؟!
_ لك ما تريد يا المعتصم.
_ أخشى أنك تصنع لنفسك أعداءً جدد مولاي .
رفع أرسلان حاجبه يهبط عن عرشه متحركًا صوب المعتصم ينظر له باهتمام، ثم قال بهدوء :
_ أخبرني يا المعتصم، ما الذي سيجبرهم على صنع عداوات معي ؟؟ ما التصرف الذي صدر مني ليجبرهم على ذلك ؟؟ اعني أخبرني أنت هل أسئت لأحدهم ؟؟
نفى المعتصم، فأكمل أرسلان بهدوء شديد :
_ إذن هل حدث ورأيت مني تجبرًا أو ظلمًا في حق أحدهم ؟!
ومجددًا نفى المعتصم، فرغم تجبر أرسلان بعض الأوقات إلا أنه يشهد أنه يومًا لم يظلم أحدهم أو يتجبر عليه .
تنهد أرسلان بصوت مرتفع يوضح للمعتصم ما يفعل، فهو في النهاية سيكون مرافقه وعليه تفهم ما يفكر به :
_ أنا لا أطمح لعداوة يا المعتصم، لكن هذه بلادي وأي تراخي سيؤخر من نهوضها، أوتعلم عدد الأسر المشردة وغير القادرة على العيش، عدد المنازل المحطمة ؟! عدد الجثث التي ما تزال نبحث لها عن مقبرة لنكرمها بدفنها ؟؟ عدد الأطفال بلا آباء ؟؟
صمت ثم صاح باستنكار مشيرًا للباب الذي خرج منه الجميع :
_ البلاد على شفا جرفٍ من الانهيار وهذا يتذمر بشأن الرواتب ؟؟ هذا وأنا لم اقصر في رواتبهم حتى، فما بالك إن فعلت لظرف ليس بيدي؟؟ امثال هذا الرجل إن منحته المزيد من الصلاحيات قد يقتل أسرة بكاملها جوعًا، ليتزين هو بالذهب، ألا لعنة الله عليهم، لا حاجة لي بهم بين رجالي يالمعتصم، فهمت ؟!
هز المعتصم رأسه بتفهم، بينما أرسلان فقط اغمض عيونه يقول بهدوء بعد صمت قصير :
_ دعنا نتحرك صوب الساحة لتفقد تدريب الجيش ....
وبهذه الكلمات ختم الحوار القصير مع المعتصم يتحرك بجدية صوب الخارج بقوة لا يهتم بمن حوله وكل ما يراه هو بلاده وما سيحتاجه ليعيد تعميرها ...
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تسير بين طرقات البلاد وهي تجر قدميها جرًا، تشعر بجسدها يأن وجعًا، روحها تطلب استراحة، حتى المحارب ينال استراحته الخاصة، وهي ألا راحة لها ؟!
تتحرك ولا تهتم للأعين المشفقة التي تدور حولها، ثيابها الرثة هيئتها المدمرة، ملامحها التي تخفيها خلف غطاء متسخ، حتى ما ظهر منها لم يكن افضل حالًا من غطائها .
تتحرك بين الجميع لا صاحب لها غير كلمات الشفقة والحسرة عليها، لم تهتم تكمل جر قدمها صوب منزلها كي تحتمي به من الجميع، تحتمي من اشباح ماضيها القريب المريع .
واخيرًا ارتسمت بسمة داخل عيونها وهي تحدق بجدران منزلها، أو بقايا جدرانه، اقتربت بأقدام تعرج بسبب إصابتها تفتح الباب، ثم اندفعت بجسدها للداخل تنهار ارضًا وهي تهمس كلمات خافتة موجوعة :
_ لقد عدت أمي...
رفعت عيونها تبحث عن طيف والدتها، وحين لم يصل لها رد منها، تنهدت بحنق تحمل حقيبة الطعام تتحرك للداخل بتعب شديد، وهي تخلع الحجاب والغطاء تكشف عن وجهها المستدير الابيض ذو الأعين البنية والشعر الاشقر ..
_ أنا هنا فاطمة .
ابتسمت فاطمة تتحرك بخطوات متمهلة داخل المطبخ، تراقب والدتها تدور في المكان أمامها تصنع لها من الطعام ما تحب وتهوى، فجأة تذكرت فاطمة ما أبصرت بالخارج لتزفر بضيق مرددة وهي تفرغ الحقائب :
_ أمي، لقد أحضرت طعامًا يكفينا لأيام، كي لا نخرج مجددًا، لقد أصبحت البلاد بحال سيئة للغاية، أصبحت مدمرة تمامًا، والطعام قد بدأ ينفذ من الجميع .
صمتت ثم استدارت صوب والدتها تتأمل ملامحها بتسائل :
_ أين ابي وأحمد أمي ؟! ألن يتناولوا الطعام معنا ؟!
توقفت يد والدتها عما تفعل وقد شحب وجهها، تحاول تمالك نفسها وقد بدأ جسدها يرتجف حين ذكرت فاطمة زوجها وولدها البكر، تنهدت بصوت مرتفع، ثم استدارت صوب ابنتها تقول بهدوء مصطنع عكس ما يموج داخلها من عواصف :
_ فاطمة يا ابنتي اذهبي للاغتسال، فهيئتك مدمرة، ومن ثم بدلي ثيابك فقد أصبحت رثة بشكل غير محتمل .
نظرت فاطمة لنفسها ثواني قبل أن تزفر بضيق :
_ أي ثياب تلك أمي، لقد احترقت مع المنزل .
ختمت حديثها تشير للجدران المحترقة حولها والشبه مدمرة، ثم زفرت تحاول أن تمحو ذكرى احتراق المنزل من ذاكرتها تكرر السؤال مرة ثانية :
_ إذن أين أبي وأحمد ؟؟ مازالا في المسجد ؟؟
توقفت يد والدتها تجيب بمرارة وقد التمعت الدموع بعيونها تنظر بوجه ابنتها تردد بحسرة وقهر :
_ بل احترقا مع المنزل ...
اتسعت عيون فاطمة وهي تتراجع للخلف بصدمة وعنف حتى أن جسدها اصطدم في الجدار صدمة قوية، ترى اندفاع والدتها صوبها وهي تتلقف جسدها قبل السقوط تردد بلهفة :
_ بسم الله عليكِ يا ابنتي، ما بكِ عزيزتي تنفسي .
رفعت فاطمة عيونها صوب والدتها تحاول التحدث، لكن غصتها استحكمت حلقها تمنعها الحديث، سقطت دموعها بقوة تهتف بصعوبة :
_ مـ...مـا....ماذا ؟؟ أبي وأحمد ؟؟ أبي كان هنا منذ ....
_ لا إله إلا الله، يا ابنتي والدكِ وأخيكِ رحلا وقت حريق المنزل منذ شهر ونصف، رجاءً افيقي، لم يعد لي سواكِ لا تجبريني على فقدانك كذلك يا ابنتي .
رفعت فاطمة عيونها لوالدتها ثواني قبل أن تسقط في موجة حارة من البكاء والصراخ وعقلها لا يستوعب أن والدها الذي ودعها منذ ثواني مع شقيقها للذهاب إلى الصلاة قد رحلا، رحلا وتركاها مع والدتها وحدهما، بلا معيل أو سند لهما في هذه الحياة .
انطلقت صرخاتها وارتفعت أصوات البكاء والشهقات في المكان، ووالدتها تضم جسدها بقوة تحاول أن تحتوي انهيار صغيرتها وآخر من تبقى لها في هذه الحياة .
وفاطمة فقط تتنفس بعنف وصوت بكائها ما يزال يصدح بالمنزل، بالتزامن مع صوت ابتهال واستغفار ودعاء والدتها ...
وكانت هذه حالة فاطمة كل ليلة تبكي حتى تنهار لتسقط نائمة في النهاية بين احضان والدتها التي كانت تسهر ليلتها تتلو عليها آيات القرآن...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت أمام المنزل تتنفس بصوت مرتفع وهي تحمل العديد من الحقائب بين جميع أصابعها، وبين أسنانها ولا ينقصها سوى أن تحمل حقائب بين رموشها .
تنفست بصعوبة بسبب وجود حقيبة بين أسنانها، تنظر لجيب الحقيبة المعلقة على كتفها وهي تفكر في طريقة لإخراج المفتاح الخاص بها، نظرت حولها تبحث عمن يساعدها، قبل أن تقرر ترك الحقائب بهدوء ارضًا كي لا يتحطم ما بها، ومن ثم تخرج المفتاح، لكن وقبل أن تفعل سمعت صوتًا خلفها يتحدث :
_ تحتاجين مساعدة ؟!
استدارت " سول" ببطء صوب الخلف تبصر جارها العزيز يقف في منتصف الممر بين منزليهما وهو يرتدي ثياب نوم وشعره مشعث مبعثر، وقد كانت عيونه شبه مغلقة، وكأن أحدهم سحبه عن فراشه بالقوة ليأتي ويساعدها.
وفي الحقيقة لم يكن هذا مجرد تخمين، بل كانت حقيقة مجردة ..
فهذا الجار العزيز كان يحظى بنومة هنيئة هادئة على فراشه بعد يوم عمل طويل، قبل أن يتفاجئ بوالدته الغالية تقتحم غرفته بقوة تسحب عنه الغطاء بعنف، ومن ثم سحبته هو شخصيًا عن الفراش تصرخ في وجهه وهي تسحبه من تلابيبه :
_ أنت نائم هنا أيها الاحمق والفتاة المسكينة لا تستطيع حمل الحقائب وحدها، يا عديم الشرف والرجولة .
فتح "راجيش " عيونه بصدمة وفزع وهو يتحرك عن الفراش بسرعة وخوف حتى أنه تعرقل في المفرش وهو يصرخ :
_ يا ويلي الفتاة تحمل الحقائب ..
ولم يكد يتحرك خلف والدته حتى توقف فجأة يستوعب ما قيل يردد بلغة هندية وتفكير :
_ مهلًا حقائب ماذا وفتاة من ؟!
جذبت والدته ثيابه تقول بشر وهي تنظر في عيونه :
_ وتمتلك وقتًا لتتساءل ؟؟ الابطال لا يفكرون وهم يندفعون صوب فتياتهم للمساعدة أيها الحقير، تحرك وساعد الفتاة كأي رجل راقي .
رمقها " راجيش" بعدم فهم وقبل أن يستوعب ما يحدث وجد جسده يندفع خارج المنزل وقد طردته والدته ليساعد الفتاة التي تقطن أمامهم علّه يثير إعجابها وتتزوجه كما تتمنى هي وترغب، وينال الجنسية وتحصل هي على أحفاد برازيليين.
ابتسمت له سول بلطف شديد، بسمة جعلت والدة راجيش تستند على الباب مبتسمة بسعادة وهي تضع يدها على قلبها تراقب ذلك المشهد الرائع :
_ ستكون كنة ممتازة، سأعلمها صنع الكاري والبرياني لولدي.
تحدثت سول المسكينة والتي كانت غافلة عن احلام جارتها العزيزة التي تطوف حولها، بنبرة مترددة محرجة :
_ أوه راجيش هذا لطف حقًا منك .
اتسعت بسمة والدة راجيش وهي تضع يدها على فمها تخفي بصعوبة صيحة انتصار كادت تفلت منها تردد بصوت منخفض :
_ يا الله رائعان سويًا، عسى أن يرزقكما الله بالكثير والكثير من الأولاد .
فجأة انتفض جسدها بعدما كانت مستندة على باب المنزل بهيام في تلك اللحظة التي تنافس افلامها المفضلة رومانسية تخرج الهاتف من الساري الخاص بها :
_ أخشى أن تلد احفادي ويرثون مظهر والدهم، عسى أن يكونوا كلهم كوالدتهم الجميلة ولا يرثون من راجيش سوى اسم عائلة خان .
وبعيدًا عن احلام" السيدة خان " كانت الحياة الواقعية، حيث ابتسم راجيش بسمة عادية هادئة يحمل عنها بعض الحقائب كي يعطيها فرصة اخراج المفتاح .
وهي تنفست براحة تقول مشيرة بعيونها على الحقائب :
_ بحذر رجاءً فهي تحتوي اشياء رقيقة هشة .
امتصت والدة راجيش شفتيها بحنق وهي ترمق ولدها بعدم رضا :
_ والله أخبرته لهذا الحمار أن يتعامل برقة مع الأشياء الهشة مثلك، لكن ماذا نقول وهو ثور كوالده، لا يفقه في التعامل الناعم شيئًا .
استدارت سول صوب الباب تفتحه بهدوء، ثم نظرت لراجيش تفكر فيما ستفعله، فهي لا تقبل إدخال رجال لمنزلها وبالطبع لن تخجله وهو يساعدها، مدت يدها بتردد صوب الباب تقول بتوتر جعلها تنطق ما لا تقبل :
_ تفضل راجيش .
نظر لها راجيش يلاحظ التردد الذي على نظراتها ليدرك ما تفكر بها فابتسم يضع الحقائب على باب المنزل بهدوء قائلًا :
_ لا شكرًا، أفضل ألا ازعجك، فأنتِ بالتأكيد عدتي متعبة من عملك .
كادت زفرة راحة تخرج من فمها ترمقه بامتنان شديد، فلطالما كان راجيش من ذلك النوع اللطيف الراقي والمحترم من الشباب، ذلك النوع النادر الذي لا ينبت في بلادها كثيرًا .
فتحت فمها لتشكره، لكن فجأة اقتحمت والدته المكان تقول :
_ أيها الغبي الفتاة تدعوك للمنزل وأنت تتعفف؟!
ختمت حديثها تضربه بخفة على رقبته ليميل راجيش بسرعة يتفادى ضربتها يحذرها بعيونه أن تتمادى في كلامها المريب أمامها :
_ أمي ما الذي تقولينه أنتِ ؟؟
دفعته السيدة خان جانبًا تزجره بعيونها متوعدة :
_ اصمت أنت أيها الحقير حسابي معك بمنزلنا .
ابتسمت تستدير صوب سول المتعجبة تردد ببسمة واسعة :
_ دعكِ من هذا الغبي الذي لا يفقه شيئًا يا ابنتي، وأخبريني إن كنتِ مهتمة بالطعام الهندي، سوف يدعوكِ راجيش على مطعم هندي ويعرض الزواج عليكِ هناك، وبمجرد عودة والد راجيش من الهند نتمم الزواج، وحينها يمكنكم الدخول سويًا للمنزل لا بأس .
اتسعت أعين سول بصدمة كبيرة وقد اشتد احمرار وجهها مما سمعت، بينما راجيش انتفض يضم جسد والدته يحاول أن يكتم فمها يصمتها عن الحديث، لكن يبدو أنها أخذت عهدًا على نفسها ألا تصمت بعد اليوم، يكفيها خمس سنوات من الصمت بين الاثنين، كان وقت كسر الجليد بينهما، ولم تدرك أنها تحطمه فوق رأس ولدها :
_ يمكنك أخذ ميعاد لنا مع قريبك، ذلك الضخم الذي يأتيكِ هنا كل ثانية ويزعجنا بصراخه أمام المنزل لتسمحي له بالدخول، ماذا كان اسمه ؟!
نظرت لراجيش وكأنها تنتظر إجابته، بينما هو أشار لها بعيونه أن تتوقف، لكنها لن تهتم وهي تكمل تحرك رأسها للجانبين في حركة معتادة منها :
_ نعم صحيح لود، خذي معه ميعاد لحين يعود زوجي، ونقابله، ولا تقلقي نحن لن نطالبك بمهر ضخم كما تفعل بعض العائلات .
تشنجت ملامح سول ترفع حاجبها، ثم حركت عيونها صوب راجيش الذي كان يخفي وجهه ينظر بعيدًا، وهي فقط قالت تفرك خدها بأصبعها في تفكير :
_ ماذا ؟؟
نظرت لها السيدة وقد تلاشت بسمتها شيئًا فشيء، بعد كل ذلك الحديث يكون ردها كلمة واحدة ؟؟ استدارت صوب راجيش وكأنها تشكوها له تهمس بصوت مسموع لسول التي رفعت حاجبها :
_ يبدو أنها حمقاء مثلك يابني، الفتاة استيعابها بطئ، مساكين احفادي .
ابتسمت سول بعدك تصديق هامسة بصوت خافت :
_ يا ويلي .
رفعت صوتها تقاطع حديث السيدة مع ولدها تقول بصوت مرتفع جعل جسدها ينتفض :
_ سيدة خان .
نظرت لها السيدة بفزع :
_ ماذا يا كنتي ؟!
_ كنـ...ماذا ؟!
نظرت صوب راجيش متشنجة، بينما أشار لها الاخير مترجيًا أن تتجاوز عن حديث والدته التي أفسدت الافلام عقلها بالكامل وأصبحت تبحث حولها عن قصة لولدها متحججة أنه لا يقل عن "شاروخان " و " عامر خان " و " سلمان خان " شيئًا، هو أيضًا ينحدر من نفس العائلة ويمتلك نظارة طبية تشبه تلك الخاصة بعامر خان، إذن لا أحد أفضل من الآخر..
_ ماذا ألا يعجبك راجيش ؟؟ هذا ولدي كانت فتيات ترافندروم يركضن خلفه لاهثات وهو من رفض قائلًا أن نصفه الآخر يقبع في الجزء الآخر من العالم، حيث أنتِ .
نفى راجيش برأسه بسرعة وهو يهتف :
_ والله لم يحدث، لقد كنت أحب ابنة الجيران من الأساس .
فجأة أطلق صرخة متألمة حين هبطت صفعة والدته على كتفه وهي تصرخ في وجهه :
_ أيها الغبي أحاول تحسين صورتك هنا وأنت تتفاخر بعلاقاتك السابقة أيها الفاسق ؟!
_ أي علاقات هذه يا أمي لقد كانت تكبرني بخمس أعوام والآن أصبح لديها ولد بعمري، توقفي عن هذه الأفعال، أنتِ تحرجينني.
أخذت والدته تصرخ في وجهه بلغة هندية غير مفهومة لسول التي كانت تتابع ما يحدث بضيق قبل أن تبصر راجيش يستأذن منها وهو يسحب والدته خلفه بالقوة معتذرًا، وهي فقط تحركت لداخل المنزل تتنفس الصعداء بعدما أخرجها الله بعقلها من عالم بوليوود ذاك .
_ رحمتك يا الله، متى يتوب الله عليّ من كل هذا ؟؟
تنفست بعمق تتحرك داخل المنزل تلقي حقيبة كتفها جانبًا ومن ثم بحثت بعيونها عن رفيق السكن خاصتها تناديه بقلق :
_ موزي هل أنت هنا ؟؟
ثواني فقط وقبل أن تكرر ندائها للمرة الثانية وجدته يقفز في وجهها يصدر اصوات صاخبة منقضًا عليها لتتراحع للخلف ساقطة على ظهرها تحاول التنفس بشكل طبيعي :
_ ليس أنت أيضًا موزي، ألا من راحة لي ؟!
أخذ المدعو " موزي" يقفز حولها مصدرًا اصواتًا صاخبة وكأنه يحتفي بعودها، ابتسمت له سول تنهض وهي تنفض ثيابها، ثم تحركت صوبه ليقفز على كتفها يتوسطه وهي توجهت به صوب الغرفة لترتيب الأغراض التي احضرتها .
_ أتدري أن الحياة تهون بوجودك موزي، مالي سواك بعد رحيل والديّ .
صمتت وهي تنظر للصورة التي كانت تجمع عائلتها، هي ووالدها ووالدتها وموزي، قردها العزيز الذي ربته مذ كان مجرد رضيع .
_ أخشى أن تنتهي حياتي دون أن أجد من يشاركني بها موزي.
أصدر القرد صوتًا مرتفعًا لتبتسم له وهي تتحرك صوب الخزانة الخاصة بها :
_ لا اقصد الإساءة عزيزي لكنني بالطبع لن اقضي المتبقي من حياتي معك، يحق لي الحصول على رجلٍ وسيم راقٍ حنون وشاعري، يحبني وكأن لا نساء غيري، ويدللني وكأن الدلال لم يُخلق لسواي، رجل ينحني له العالم، وينحني هو لي .
حملت ثيابها تتجهز للاستحمام، ثم توقفت تراقبه بشرود :
_ هل تعتقد أنني سأجد هذا الرجل في هذا العالم أم عليّ الذهاب لعالم موازي والحصول عليه ؟؟
أصدر لها موزي صوتًا لتبتسم وهي تهمس بمزاح متحركة صوب المرحاض :
_ نعم في العالم الموازي بالطبع .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتحرك بقوة صوب الخارج مندفعًا بشكل جعل الجميع يتخذ ساترًا بعيدًا عن عيونه، وقد تخلى أرسلان عن ثوبه الملكي وارتدي ثيابه المعتادة التي كان يخرج بها للحروب، ثياب سوداء يعلوها معطفه الاسود ذو شارة الأسد الذهبية والقلنسوة السوداء .
وفي الخلف كان يتبعه المعتصم بسرعة وهو ينظر له بقلق يراه يعتلي صهوة حصانه وهو يهتف بنبرة قوية :
_ تولى الأمور لحين عودتي يالمعتصم .
_ مولاي فقط تمهل ارجوك، حتى ....
ومنذ متى تمهل أرسلان أو فكر في شيء مرتين، تجاهل حديث المعتصم يتحرك بخيله بسرعة مرعبة وهو لا يرى أمامه سوى طريق يسابقه وكأن الأشجار تركض جوار خيله .
وعقله عاد لساعة من الآن حين كان يراقب تدريبات جيشه قبل أن يأتيه مرسول إحدى الممالك..........
تنهد أرسلان يراقب التدريب الذي يقوده المعتصم، ثم هز رأسه للجميع ليكمل، يتحرك هو بعيدًا عنهم كي يطمئن على باقي الأمور في المملكة، لكن لم يكد يتحرك خطوة حتى توقفت قدمه على صوت أحد الجنود يردد بجدية وصوت مرتفع بعض الشيء جذب انتباه الباقيين :
_ مولاي مرسول من سبز .
ضيق أرسلان ما بين حاجبيه بتعجب يتوقف في سيره يراقب الرجل الذي يقف خلف الجندي يحمل بين يديه رسالة مرددًا :
_ مولاي رسالة لك من ملك سبز .
_ الملك بارق ؟!
ردد أرسلان الاسم بخفوت متعجبًا حضور مرسول من سبز دون مقدمات، فهو بالفعل منذ اسبوعين تحدث مع ملك سبز " بارق " بنفسه واعلمه أنه سيزوره مع نهاية الأسبوع الثالث من الشهر للأتفاق على الغلال التي سيأخذها منه .
التقط منه الرسالة يمحو علامات التعجب التي علت وجهه :
_ اكرموا ضيفنا لحين رؤية رسالة الملك ومن ثم اااا....
قاطعه الرجل بشكل جعل أرسلان يرفع عيونه له بانتباه :
_ شكرًا لك مولاي، لكن الأوامر تقتضي أن أسلمك رسالة الملك ومن ثم أعود سريعًا، اشكرك والآن اسمح لي بالانصراف .
شعر أرسلان بالريبة من تصرفات الرسول الذي كان ينظر حوله بشكل مُقلق، وكأنه جاء يرتكب جريمة قتل أو ما شابه .
اقترب المعتصم من أرسلان الذي كان يراقب الرسول بأعين ضيقة مخيفة، توقف جواره يهمس بفضول :
_ من هذا ؟؟
_ مرسول من سبز
_ من سبز ؟؟ ما الذي يريده الملك بارق يا ترى ؟؟
فتح أرسلان الرسالة وهو يردد بجدية يحدق بها :
_ سنعلم الآن.
وبمجرد أن فتح الرسالة بدى الأمر كما لو أنه فتح أبواب الجحيم لتمر عيونه على الكلمات أمامه بسرعة كبيرة وقد اشتعلت عيونه بقوة وبشكل مخيف وارتسمت بسمة مريبة على فمه، بينما المعتصم في الخلف يقرأ كلمات الملك بارق بصدمة بالغة هامسًا بعدم تصديق :
_ ما الذي ....ما الذي يحدث هنا ...ومن ....ماذا ... أنا لا افهم شيئًا .
طوى أرسلان الرسالة بقوة حتى تقطعت بين أنامله وقد بدأت عروقه تنفر بشكل مخيف حتى كادت تنفجر هامسًا بجنون :
_ الويل لهم جميعًا .....
كان المعتصم يراقب رحيل أرسلان ليجذب خصلاته بقوة متخوفًا مما يحدث حوله، لقد فُتحت أبواب الجحيم على الجميع وقد استفزوا نيران أرسلان الخامدة .
_ الرجل كان يبحث عن متنفس لغضبه ونيرانه، وها قد أعطوه سببًا ليرينا أي مختل هو، أعان الله سبز ومن بها ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المساء ..
سبز تلك المملكة الهادئة المسالمة والتي كانت تحيا بعيدًا عن أي صراعات، بجبالها الخضراء ومساكنها البسيطة وأشجارها المتناثرة في كل مكان، بلاد وشعب وجدوا حياتهم في الزراعة فاختاروها مهنة أساسية للبلاد منذ قديم السنين، إلى جانب بعض المصانع القليلة التي تكفي بالكاد احتياجات الشعب من المواد المصنعة .
فجأة يقتحم تلك الصورة الهادئة لمملكة سبز عاصفة متمثلة على هيئة جسد رجولي يمتطي خيل ابيض اللون ينافي سواد ثيابه، يخفي ملامحه خلف قلنسوته المعروفة، يتقدم من حدود سبز بشكل مخيف كما لو أنه جاء لاحتلالها وحده .
انتفض جنود الحدود بعدم فهم يراقبون ذلك الخيل الغريب الذي يقتحم حدود البلاد، حمل أحدهم المنظار يردد بجهل :
_ من هذا الذي يقترب من الحدود بهذا الشكل الجنوني ؟!
اقترب من سور المراقبة جندي آخر يبدو ذو رتبة عالية ينتزع منه المنظار، ثم أخذ يدقق النظر في ذلك الجسد، يحاول التوصل بهويته قبل أن يأخذ أي إجراء مقاومة غير محسوبة تجاهه، ولولا شارة الأسد الذهبية التي التمعت يسبب انعاكس المشاعل عليها، لما تعرف هؤلاء الجنود على هوية الزائر .
ارتفع صوت القائد يردد بصوت مرتفع لرجاله :
_ افتحوا الابواب يا رجال هذا ملك مشكى، الملك أرسلان .
وارسلان الذي كان قد وصل لبوابة الحدود وبعد ساعات طويلة من امتطاء خيله لم يتوقف فيها للراحة، رفع رأسه تزامنًا مع كلمات الجندي التي صدحت في الأرجاء .
توقف بحصانه بسرعة يلتقط أنفاسه، رحلة سفر استمرت ساعات لم يتوقف خلالها لحظة واحدة وكل كلمة قرأها في الخطاب تثير جنونه .
ثواني وابصر بوابة الحدود تُفتح له، وقائد الجنود يرحب به ببسمة واسعة :
_ مرحبًا بـ .....
ولم يعطه أرسلان فرصة لإكمال جملته حتى يندفع بحصانه للداخل بشكل مرعب جعل الجميع يفتحون أعينهم بصدمة يردد كلمات تلاشت مع الغبار الذي خلفه :
_ مرحبًا بك أيضًا...
اتسعت عين قائد الجنود يراقب تحركات أرسلان المخيفة ولولا أنه يمتلك تصريحه بالمرور وقتما يريد ولأنه ملك إحدى الممالك، لكان شك أنه جاء يعيث فسادًا في البلاد بهيئته تلك .
وفي الحقيقة كان شكه أقرب للواقع، إذ أن أرسلان في هذه اللحظة كان على استعداد ليحيل قصر سبز لرماد بنظراته، ولولا أنه يثق ببارق وبأن هذا الخطاب الذي وصله منه ربما يخفي خلفه أكثر مما يظهر، لكان أظهر لهم من الجحيم ألوانًا .
وبعد ساعة قضاها في طريقه للقصر تحت نظرات أهالي سبز المتعجبة من ذلك الفارس الذي يلتحف في الاسود، وصل واخيرًا صوب قصر سبز يطلب إذن الدخول :
_ أخبروا الملك بارق أنني اطلب مقابلته .
وما هي إلا دقائق وكانت ابواب قلعة سبز تُفتح أمامه بموجب السلطة الممنوحة لجميع ملوك الممالك الأربعة، تحرك أرسلان للداخل يهبط عن حصانه، يسلمه لأحدهم، ثم تحرك بهدوء بين الطرقات صوب المبنى الرئيسي للقلعة بأعين هادئة تخفي خلفها الكثير .
وهناك بالاعلى كان يقف من شرفة غرفته يراقبه ببسمة واسعة غامضة وقد علم أنه بمجرد استلام رسالته سيأتيه دون تفكير، ولم يخيب أرسلان ظنه، لكن العجب أنه جاء وحده وهو من تخيل أن شخص بتجبر وكبرياء أرسلان، بمجرد قراءته لتلك الرسالة سيهجم بجيوشه على القلعة.
يبدو أن المحنة التي مر بها علمت أرسلان الصبر ...
أطلق ضحكات خافتة تزامنًا مع سماعه صوت الحاجب في الخارج يتحدث بصوت جهوري كي يصل له :
_ مولاي الملك أرسلان ملك مشكى يطالب بمقابلتك.
ضاقت عيونه وهو ما يزال يتأمل سبز بجبالها بهدوء :
_ استضفه في غرفة الاجتماعات لحين مجيئي .
ختم حديثه، يعود بنظراته صوب البلاد يردد بهدوء وبسمة واسعة يستند على سور النافذة :
_ فلنعلم أسد مشكى بعض الصبر، لا بد أنه يحطم القاعة الآن على رؤوس من بها ...
وفي القاعة كان يجلس هو بهدوء شديد، هدوء عكس عواصفه الداخلية، وإن سألتموه عن سبب صبره وهذا الهدوء المنبثق منه في هذه اللحظة، سيخبركم أنه يختزن طاقة غضبه ليفجرها في الوقت المناسب .
أبصر أرسلان من أسفل رموشه رجل يتحرك داخل الغرفة يضع له بعض الفواكه والعصائر يبتسم له بتوتر، ثم قال بهدوء :
_ هل تود طلب شيء سيدي، اساعدك في احضار شيء معين ؟!
رفع أرسلان عيونه للشاب الذي تراجع للهلف بريبة من نظراته، قبل أن يبتسم أرسلان مرددًا بهدوء :
_ نعم رجاءً، أخبر الملك بارق أن هذا العنب والموز لن يصمدا طويلًا أمام غضبي، وأنني انتظر الغداء لتناوله معه .
فتح الرجل فمه ببلاهة وعدم فهم، يحاول إدراك ما يقصد أرسلان، بينما الاخير ابتسم بسمة صغيرة يشير له بعيونه أن يتحرك مرددًا بنبرة هادئة قدر الإمكان فهذا المسكين لا ذنب له ليخرج به غضبه :
_ تحرك يا بني وأخبر الملك بارق أنني لست بصبور لانتظر أكثر.
تحرك الشاب بسرعة للخارج، كي يتفادى نظراته التي بدأت تشتعل، بينما أرسلان اعتدل في جلسته يراقب المكان حوله بعين شادرة وهو يتذكر الكلمات التي خُطت في رسالة الملك بارق، كلمات لم تُحقّر من شأنه كملك فقط، بل وقللت من شأن مملكته وشعبه ..
شعر أرسلان بالدماء تشتعل في رأسه وهو يضغط على قبضتيه يحاول الصمود في وجه امواج غضبه كي لا تقتلع جذور صبره ..
ليقاطع كل أفكاره السوداء صوت صدح من أمامه:
_ مرحبًا بأسد مشكى، أنرت سبز ...
رفع أرسلان رأسه بهدوء صوب المتحدث ليبتسم له بسمة صغيرة، ثم هز رأسه هزة مرحبة يجيب بكلمات مقتضبة :
_ مرحبًا بك أنمار، أين الملك بارق ؟!
تحدث أنمار وهو يتحرك داخل الغرفة يراقب ما يقبع أمام أرسلان مستاءً، يجلس على المقعد المقابل له :
_ أرى أن ضيافتنا لم تنال اعجابك أرسلان .
رفع أرسلان حاجبه وهناك بسمة متجهمة ارتسمت على فمه مرددًا باستنكار :
_ أرسلان ؟!
_ نعم أوليس باسمك ؟؟ اعذرني فآخر عهدي بأخبارك أن اسمك كان أرسلان .
ضحك أرسلان ضحكة صغيرة يجيبه بهدوء وهو يتناول بعض حبات العنب يحركها بين أنامله بهدوء :
_ لا عتب عليك، أنا اعذرك، فمن أين لك بأخبار الرجال والحروب، وأنت تقضي يومك بين الأسواق والاحتفالات الموسمية لكم، أنمار ؟؟ أعانك الله .
اشتعلت أعين انمار الذي شعر بالإهانة مستترة بين كلمات أرسلان، لكنه تجاوز عنها يجيب بهدوء :
_ أخبروني أنك طلبت مقابلتي ؟؟
رفع أرسلان عينه عن حبات العنب يجيب بهدوء :
_ وما حاجتي بك ؟؟ أنا جئت لمقابلة الملك بارق، تحرك وأخبره أنني في انتظار أنمار فلا وقت لي اضيعه على تُرّاهاتك ...
اتسعت بسمة انمار بشكل لا يلائم الإهانة التي وُجهت له منذ قليل، يتراجع على المقعد الخاص به، يضع قدم أعلى الأخرى بشكل أثار انتباه أرسلان الذي راقب قدمه التي رفعها في وجهه بسبب قرب المقاعد، رفع عيونه ببطء صوب انمار الذي أردف بهدوء :
_ يبدو أن رسالتي وصلت لك ولهذا السبب أنت هنا، جيد أنك أسرعت في المجئ، فكلما اسرعنا في مناقشة هذا الأمر كان افضل لي ولك .
كانت عيون أرسلان ما تزال معلقة على قدم أنمار الذي ما يزال يرفعها أمامه بكل تبجح، ولم يجبه بكلمة واحدة .
رفع أنمار حاجبه يبتسم بخبث :
_ إذن ما رأيك فيما ذكرت لك في الخطاب ؟؟
والإجابة من طرف أرسلان كانت صمت تام، لم يتحدث بكلمة واحدة مما جعل أنمار ينظر له بعدم فهم، لينتبه إلى نظراته المشتعلة على قدمه، اعتدل بتوتر غير مقصود منه يتنحنح بصوت منخفض :
_ لقد رأيت أن الأمور يجب أن تُوضح كي يدرك كلٌ واجبه، سبز ليست ملزمة على أن تجود بخيراتها على شعبك وبلا مقابل، نحن لا نوزع صدقات هنا ملك أرسلان، هذا تعب شعبي ومجهود سنة، نحن لن نتصدق بربع انتاج سبز على شعب مشكى هذا ليس عادلًا وأنت تعلم هذا، لذا كما أوضحت لك في الخطاب نحن سنتلقى نصف السعر قبل شحن الغلال والنصف الآخر حين تسليمه لمشكى، فقد اكتفينا من أعمال الخير، ما ردك؟!
كان يتحدث بكل هدوء وجدية وهو ينظر صوب أرسلان الذي يراقبه دون ردة فعل واضحة منه، وحينما انتهى من الحديث ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة لا معنى لها :
_ أنت حقًا لا تريد سماع ردي صدقني .
توتر أنمار من كلماته يدرك تمامًا أنه ضغط على زر انفجار أرسلان حين اقترب من كبريائه كرجل قبل أن يكون ملك :
_ بلى، أريد سماعه .
ابتسم أرسلان ثواني قبل أن يميل ببطء ينزع حذاءه، تحت نظرات أنمار المتعجبة، وقبل أن يتحدث بكلمة يفهم بها ما يفعل أرسلان كان حذاء أرسلان يصطدم بوجهه في صفعة قوية يبصق كلماته في وجهه :
_ والله لو علم حذائي أن مصيره سيكون لمس وجهك، لتمنى أن تفنى حياته كقطعة جلد قذرة في الوحل ممزقًا أكرم له .
شعر أنمار بإهانة كبيرة جعلت جسده يتيبس دون القدرة على النطق ومازالت الضربة على وجهه تنبض بعنف، أما عن أرسلان فانطلق يجذب ثيابه وقد فلت عقال صبره يردد من بين أسنانه :
_ لم أعتد التحدث في أمور الممالك والبلاد مع الصغار، لذا سأكون ممتنًا لك إن رحلت وارسلت لي الملك بارق، وايضًا زوجتك ستكون ممتنة لأن تعود لها سالمًا .....أنمار .
انتفض جسد أنمار انتفاضة قوية وهو يثأر لكرامته التي التصقت بباطن حذاء أرسلان :
_ ما الذي ترمي إليه بحديثك ملك أرسلان، هل تهددني ؟!
_ لو كنت تعلمني علم اليقين لادركت أنني لا اهدد، أنا أنفذ ما افعل دون تحذير أو تهديد، أنا فقط اشفق عليك من غبائك ورعونتك، أنت لن يعجبك أن اجيبك الجواب اللائق على حديثك؛ لذا تحرك وأرسل لي ملك البلاد أنمار...
رفع أنمار رأسه بتكبر يجيب :
_ أنت بالفعل تتحدث معه.
رفع أرسلان حاجبه بعدم فهم ليبتسم له أنمار ملقيًا بقنبلته :
_ لقد تعرض الملك بارق لنوبة صحية جعلته طريح الفراش وحسب الأعراف والقوانين، أنا من ينوب عنه، لذا أنت الآن تتحدث مع ملك سبز، ومن اليوم وصاعدًا سيكون التعامل بيننا مختلفًا عما كان أيام الملك بارق، فذلك الرجل الطيب كان يخجل مطالبتك بثمن ما تأخذه من خير سبز، لكن أنا لا، البلاد ستسير بنظام آخر، واول حجر وضع لذلك النظام هو وضع حدود لك ولمملكتك أرسلان......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس على سجادتها والهدوء يحيط بها من جميع الاتجاهات، سارحة في ملكوت آخر غير واعية لما يدور حولها ولا لموزي الذي اجار على كل الفاكهة التي أحضرتها فقط تدعو وتبتهل الله ألا تكون الوحدة مصيرًا أبديًا لها، وأن يرزقها الله بمن يؤنس حياتها .
ختمت دعائها على رنين جرس الباب لتنتفض وهي تردد بصوت مرتفع :
_ آتية .
ولم تكد تنهض بما ترتدي حتى داست بالخطأ على طرف صوب الصلاة الخاص بها " الاسدال" لتسقط مجددًا وبعنف شديد على وجهها تطلق تأوهات عالية جذبت انتباه من بالخارج .
إذ جاءت السيدة خان مع راجيش بعد ساعة من إقناعها بالاعتذار عما قالت، كانت تنفخ وتزفر بعدم رضا أمام الباب تردد بسخرية :
_ لم أتوقع أن أحيا لليوم الذي تُقاد به والدة الزوج لتعتذر لكنتها .
اتسعت عين راجيش بصدمة، كنتها ؟! ماذا كان يفعل طوال الساعة المنصرمة إذن ؟؟ هذه المرأة ستصيبه بالمرض والشيخوخة المبكرة :
_ كنة من يا امي ؟؟ ماذا أخبرتك أنا ؟! أي كنة هذه والفتاة تــــ
وقبل إكمال كلماته سمع الجميع صوت تأوهات وصرخة سول تأتيهم من الداخل لتطلق والدته شهقة مرتفعة تدفع راجيش صوب الباب مرددة :
_ اقتحم المنزل، حطم الباب واندفع لتنقذ الفتاة بسرعة، منحك القدر فرصة للتقرب منها ايها الأحمق فلا تضيعها .
_ أحطم ماذا امي ؟؟ هل تمزحين معي ؟! توقفي عن مشاهدة افلامك هذه، لا يوجد في هذه الحياة الواقعية مثل تلك التراهات .
شهقت السيدة خان بصوت مرتفع تخفي أذنها وكأنها تأبى سماع المزيد من كلماته السامة لها والمرفوضة تمامًا تبتعد عنه متراجعة صوب المنزل الخاص بها :
_ لا أصدق أن تلك الأحاديث تخرج منك راجيش، لا أصدق لقد خذلتني حقًا، يا الله رحمتك .
راقبها راجيش بعدم فهم لتلك الأفعال المبالغة التي تصدر منها، ثم نظر لباب منزل سول ثواني حيث عم هدوء مفاجئ، قبل أن يركض صوب والدته بغيظ :
_ أمي عودي هنا لنعتذر إلى الفتاة ...
بينما في الداخل كانت سول قرب الباب على وشك فتحه، قبل أن تصل لها المحادثة الخارجية لتتنفس الصعداء، فهي لم تكن في مزاج يسمح لها بمعاملة السيدة خان بكل تعقيداتها الآن.
تنفست بصوت مرتفع تستدير صوب المطبخ الخاص كي تحضر بعض الطعام لها، لكن فجأة توقفت حين أبصرت موزي يحمل مزهرية والدها المفضلة والتي كان يعاني بأزهارها طوال الوقت .
_ موزي ما الذي تفعله ضع هذا ارضًا كي لا يتحطم .
أصدر القرد عدة اصوات عالية وهو يضم له المزهرية، ثم تحرك بها صوب الأريكة يقف عليها يرفعها عاليًا وكأنه على وشك قذفها، لتتسع أعين سول تصرخ به :
_ لا يا سيد، أنت لن تفعل هذا، أقسم أن احرمك من الطعام ليوم كامل موزي، دعها، دعها ارضًا، لا ادري ما سبب أفعالك هذه منذ أيام، هيا اتركها ارضًا أيها القرد الاجرب الحقـــ
وقبل إكمال جملتها كان موزي ينفذ أوامرها بالفعل ويتركها ارضًا، لكن يبدو أنه نفذها بطريقته هو إذ تركها تطيح من بين أنامله لتتحطم إلى أشلاء جعلت أعين سول تتسع تباعًا وضربات قلبها تتوقف لثواني ووجهها يشحب تنبس بذهول :
_ ما ...ما الذي ....ما الذي فعلته ؟! هذا كان عزيز على قلب والدي، ما الذي فعلته ؟!
سقطت دموع سول تراقب أشلاء المزهرية ارضًا بوجع كبير تنحني ارضًا لا ترى من بين دموعها تتلمس اشلائها التي ما تزال تحتفظ بذكرى لمسات والدها الغالي، سقطت دموعها أكثر وهي تبكي بوجع تجمع القطع المتناثرة :
_ لماذا موزي ؟! لقد كان آخر ما تبقى من أبي لماذا فعلت هذا ؟!
ارتفع صوت بكائها أكثر ليقترب منها موزي بتردد وهي فقط تبكي، تبكي فقدان والديها، تبكي وحدتها التي جعلتها عاجزة عن الارتماء في احضان أحدهم وإفراغ بكائها بها .
اقترب منها موزي يصدر اصواتًا جعلتها تصرخ بجنون في وجهه :
_ ابتعد عني أيها القذر قبل أن اقتلك، أخرج من هنا هيا، أرحل سأبقى وحدي، هيا ارحل، هذا خطأي، كان عليّ رميك في الطرقات منذ فترة طويلة .
نهضت بعنف وغضب كي تنفذ كلماتها تتحرك صوبه، ليهرب القرد منها في المنزل يصعد على الأثاث هنا وهناك وبين أنامله شيء معدني اسود ألقاه على وجه سول بعنف يدافع به عن نفسه لتتأوه الأخيرة تطلق سبات عديدة وهي تحمي عيونها :
_ لقد تجاوزت حدودك أيها الحقير اقسم أنني سأفرغ احشائك واحشوك قطنًا والقي بك في ملجأ اطفال يعيثون بجلدك الفساد ومن ثم الا.....
توقف عن الحديث فجأة حين أبصرت ما رماها به موزي قرص مدمج صغير جعلها تنحني ببطء تلتقطه بتردد لترتجف أناملها حين تعرفت على الخط الذي يزينه، كان خط والدها وقد كتب على القرص اسمها ..
ارتجفت تقرأ الكلمة التي زينت القرص أسفل اسمها بخط صغير " وصيتي " ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ربما كان عليّ ارسال مرسول لسفيد وطلب النجدة من القائد والملك، لقد أخطأت حين تركته يذهب وحيدًا .
كانت هذه كلمات المعتصم الذي وقف في منتصف الساحة يراقب السماء وقد مرت ساعات منذ رحل أرسلان ولم يعد حتى الآن، يا الله يخشى سقوط مشكلة أعلى رؤوس الجميع في لحظة غضب من أرسلان .
سمع صوتًا خلفه لأحد المستشارين يردد بهدوء يحاول بث الطمأنينة بصدر المعتصم الذي يتعامل الآن كأم تأخر ولدها عن العودة قبل الغروب :
_ لا تقلق معتصم هو سيكون بخير، الملك يستطيع التعامل مع الجميع بطريقته .
استدار له المعتصم يتحدث بغيظ شديد يرفع إصبعه في وجه الشاب والذي كان يعمل طبيبًا في العاصمة قبل أن يستدعيه أرسلان ليترأس مشفى القلعة الرئيسية :
_ اولًا اسمي المعتصم وليس معتصم، ثانيًا أنا لست خائفًا على الملك، أنا خائفٌ منه، هناك فرق، أخشى أن يحيل سبز لرماد، هذا خطأي ربما كان عليّ التحدث مع الملك إيفان ليدركه فهو من يستطيع التعامل مع نوباته جيدًا .
فرك الشاب والذي كان يُدعى " زيان " وجهه يتنهد بحنق مرددًا بصوت منخفض حانق :
_ لقد أصبحت متعجرفًا كالملك لكثرة مرافقتك له .
استدار له المعتصم يرمقه بغضب وقبل أن يتحدث بكلمة صدر صوت أحد الجنود يردد بجدية :
_ سيدي هناك من جاء لمقابلة الملك لأمر هام ..
رفع المعتصم يديه في الهواء بقلة حيلة وعصبية غير مبررة :
_ وأين هو الملك ها ؟؟ هل ترى الملك بيننا ؟!
تراجع الجندي للخلف متعجبًا حالة المعتصم الغريبة عليه وهو كان الرجل الهادئ المسالم، يقسم أنه جاءهم من سفيد راقيًا هادئًا مسالمًا، لكن يبدو أن التأثير السلبي لمشكى وملكها تفشى داخله بسرعة البرق .
فجأة ومن بين صرخاته أبصر المعتصم رجلًا يبدو في بداية الخمسينات من عمره يظهر على وجهه الإرهاق الشديد :
_ أنا فقط جئت اسلمه رسالة هامة وسأرحل .
مسح المعتصم وجهه يهتف بصوت خافت غير مسموع :
_ ترى أي كارثة تحملها هذه الرسالة .
رفع صوته متسائلًا :
_ رسالة من من ؟!
تحدث الرجل بصوت حزين وهو يمدها له :
_ هذه وصية من رجل كان قريبًا للملك، أراد أن يتم تسليمها له بمجرد رحيله عن هذه الحياة، لكن وبسبب بعض الظروف لم استطع المجئ وتسليمها مباشرة بعد موته .
نظر له المعتصم بهدوء يحاول فهم ما يقول :
_ وصية ؟؟ وصية من ؟؟ وما الذي تتحدث عنه ؟! من تقصد ؟؟ وأي نوع من الوصايا هي وما هي علاقة الملك بوصية الرجل ؟!
نظر الرجل له نظرات غامضة جعلت المعتصم يشعر بالريبة ويتأكد ظنه أن هذه الرسالة تحمل لملكهم كارثة ثانية، لكن ستكون كارثة من نوع آخر........
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بداية الحرب ومن يدري كيف تكون نهايتها .
فالحرب لم تنتهي بعد والفوز مصير حتمي.
«فيما يخص مواعيد النشر فستكون فصل واحد كبير دسم، نهاية كل اسبوع (يوم الخميس الساعة الثامنة) ولأن الفصل الاول كان اليوم ( االثلاثاء) فربما يمكننا عمل استثناء ونشر فصل آخر هذا الاسبوع يوم الخميس كاستثناء فقط لموازنة المواعيد، وربما نعتبره احتفالًا بعودتنا لأرض الممالك»
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثالث 3 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الثالث ( وصول ابنة رائف)
صلوا على نبي الرحمة..
قبل القراءة متنساش التصويت، وفي انتظار رأيكم بعد الفصل
وعلى ما يبدو أنها متأخرة بعض الشيء لكن أردت القول أن هذا الفصل إهداء للجميلة صاحبة التعليقات الأكثر لطفًا NohaGalal826
يوم ميلاد سعيد عزيزتي وعسى اعوامك كلها خير وسعادة ❤️
_____________
خائن...حقير ...قذر .
صفات كانت ابسط ما وقع على مسامعه وهو يتحرك في الممر يرفع رأسه دون أن يخفضها لحظة واحدة، يأبى أن يذل ذاته حتى ولو كان مخطئًا، يديه مقيدة أمامه يسير بخطوات متزنة دون أن يمنحهم رفاهية الشفقة عليه .
ابتسم بسمة ساخرة يحرك رأسه للرجال في تحية صامتة، لكن كل ما تلقاه منهم كانت نظرات مستحقرة .
لم يهتم وأكمل سيره حتى وصل لباب القاعة الكبرى والذي فُتح أمامه بكل سهولة ويسر كما كان يحدث سابقًا، لكن الفرق أنه سابقًا كان يُفتح له احترامًا، والآن يُفتح له لأنه مقيد .
دفعه أحد الجنود للداخل، وهو فقط تحرك دون اهتمام، يسير بكل هدوء حتى توقف في منتصف القاعة أمام الجميع يسمع صوت الحاجب يردد :
_ الخائن نزار مولاي .
ابتسم نزار بسمة صغيرة رغم القهر الذي يملئ صدره والنيران التي كانت تموج بنفسه، ابتلع مرارة عالقة في حلقه يردد بصوت خافت :
_ شكرًا لك .
رفع رأسه بهدوء وشفتيه ترتجف يقاوم وبصعوبة رغبته العنيفة في الارتماء أسفل اقدام والده والبكاء بحسرة :
_ مولاي ...
تماسك آزار بصعوبة وقد شعر بصدره ينتفض حين أبصر ملامح صغيره التي كانت تنضج يومًا بعد يوم أمام عيونه، أبعد وجهه عنه رافضًا أن يطيل النظر في وجهه، ووالله كان هذا أكبر عقاب يتلقاه نزار منذ ما حدث .
أسابيع قضاها في الظلام ليدرك أن ظلام نفسه كان أحلك مما عاش به، أين كان عقله وهو يسلم نفسه للشيطان .
سقطت دمعة منه ليمحوها سريعًا يردد بصوت خافت :
_ أخبروني أنك استدعيتني لأمر عاجل .
تحدث آزار يحاول ألا ينظر داخل عيون وليده مرددًا بصوت قوي حاول صبغه بحدة :
_ نعم، زوجتك تطالبك بالحرية، فهي لن تقضي المتبقي من عمرها جوار سجين لأجل خيانة بلاده ووالده وقبلهم دينه وضميره.
رفع نزار عيونه له بصدمة، واستدار صوب الجهة التي كان والده ينظر لها، ليجدها تقف هناك بملامح شبه منهارة شاحبة، ليدرك أنها قضت الساعات السابقة تبكي .
ابتسم بسمة مكسورة يهتف بصوت خافت :
_ زهور ؟؟؟
رفعت عيونها الحمراء له ثواني، قبل أن تبعدها صوب آزار تردد بوجع :
_ مولاي ارجوك، خلصني منه .
ابتسم نزار بسمة موجوعة يبعد عيونه عنها يحاول التماسك، بينما والده تنفس بعنف يقول بصوت رن في المكان أمامه:
_ زوجتك لجأت لي كي اخلصها من قيدها، حررها واتركها تحيا بسلام مع رجل يستحقها و.....
انطلقت ضحكة نزار الصاخبة تقطع حديث والده، ضحكة موجوعة سرعان ما انقلبت لشهقات مكبوتة يسقط على ركبتيه أمامه يتحدث بصوت من ينازع موته دون أن تسقط له دمعة واحدة :
_ لا بأس هي تريد حريتها، أنا كذلك اطالبك بتحريري، ارجوك فقط خلصني من كل هذا مولاي، فقط أصدر حكمك وجز عنقي، أم أنك لم تكتفي من ذلي وتعذيبي ؟؟ شهور ...شهور لا تكفي ولا تطفئ نيرانك أبي ؟؟
كان يتحدث بصوت صارخ حاد جعل البعض يتحفز بشكل خطير مخافة أن يجن جنونه ويهجم عليهم، فرغم أن نزار كان يعرف سابقًا بأنه لا ينافس والده قوة أو تجبرًا، إلا أن غضبه كان مؤذيًا وسامًا، ذلك الطبيب الخبيث الذي كان يمكنه فعل كل شيء باعشابه وعقله قبل يده، كان الجميع يخشى غضبه وقد ظهرت بعض الإشاعات أنه قد يقتلك بشربة ماء دون أن تشعر، إشاعات واقاويل كان ينفيها نزار بلطفه وحُلمه المعهود وطيبته، لكن الآن وقد انكشفت اللعبة، أصبح الجميع يدرك أي نوع من الأشخاص كان .
_ ألا يكفيكم ما فعلتم بي ؟؟ فقط أصدر حكمًا، حكمٌ واحدٌ سيريحنا جميعًا، اخبرهم أن يجزوا عنقي ولننتهي من كل هذا .
طالت نظرات آزار له وقلبه يوجعه لما يرى أمامه، لكنه لم يحد عما جاء به لأجله، يردد بكل هدوء :
_ طلقها ...طلق المرأة ودعها تجد من يقدرها ويحفظها .
رفع نزار عيونه له بصدمة، لم يتأثر أو يهتم بانهياره، ابتسم بملامح متألمة ينهض بهدوء من مجلسه يتحرك صوب زوجته التي تراجعت للخلف برعب، ليمنحها بسمة صغيرة يميل عليها وهي ارتجفت في موضعها تأبى الابتعاد فيجن ويقتلها .
أما هو مال عليها يقبل رأسها بهدوء، ثم ابتعد يهتف :
_ أنتِ طالق زهور، اذهبي وجدي من يقدرك زوجتي العزيزة .
ختم حديثه، ثم نظر صوب والده الذي كان يتألم على ما يرى، ولده يحصد ما زرعه طوال سنواته السابقة، ورغم أن ما يحدث نتاج افعاله، لكنه والله لا يتحمل رؤيته منكسرًا بهذا الشكل .
ابتلع ريقه يراقب نزار يتحرك لمنتصف القاعة، ثم مال بنصف جسده باحترام مبتسمًا بقهر :
_ طلباتك أوامر مولاي، والآن اخبرهم أن يعيدوني لمحبسي؛ كي لا تعتاد رئتي كل هذا الهواء النقي، ومن ثم تتذمر على رائحة العفن والرطوبة في السجون، لقد أخذ مني الأمر وقت طويل لتتأقلم على الحياة القذرة في الاسفل.
ختم حديثه يقول بهدوء :
_ والآن اسمحوا لي يا سادة .
تبع حديثه بحركة من يديه المقيدة يتحرك صوب خارج القاعة مع الحراس الذي تلقوا أمر آزار الصامت يسحبونه لمحبسه، حيث ركنه الآمن بعيدًا عن الأعين المحتقرة والمتشفية .
سار بينهم مقيدًا وعقله يعيد عليه كل ما مر به، يشعر أن روحه تطوف بين الحياة والموت، لا هو يتمتع بلذة الحياة، ولا جرب طعم الموت، هو معلق ما بين هذا وذاك، يتلقى عقابه بصمت ورضى، لربما إن فعل تُقبل توبته ....
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يقف أمام جيشه يبصر أبواب سبز المغلقة في وجهه لأول مرة، رفع يده يمنع أحدهم التقدم خطوة مخافة أن يصدروا اصواتًا يروعوا بها آمنين :
_ أود الحديث بكل هدوء مع ذلك الوسخ الذي يدّعي المُلك عليكم يا رجال .
علت الشهقات بين جميع الجنود، حتى جنود أرسلان نفسهم لم يصدقوا أنه قد يلقي بمسبة كهذه على شخص ما ذو مقامٍ رفيع كالملك أو غيره .
لكن غضب أرسلان كان أقوى من كل اعتبارات ولباقات في هذه اللحظة، غضبه ولولا علمه بأن شعب سبز ليس له يد في تصرفات حقيرٍ يقودهم، لكان أحال البلاد لرماد على رؤوس من بها، لولا علمه أن هناك كبار وعجائز آمنين بالداخل لاقتحم سبز واحالها لرماد، لكنه لا يريد أن يرى انعاكس لمشكى في أعين سبز لذا أعاد كلماته بصوت جهوري :
_ حدود مشكى محرمة على كل وسخ تسول له نفسه بأن يطئها، تلك البلاد التي رواها رجال بدمائهم الطاهرة ما كان لها أن تستقبل أجساد بنجاسة ملككم المزعوم، لذا إما أن يخرج ليتحدث معي رجل لرجلٍ، أو ادخل أنا واجعله حديث رجل لبقايا رجل .
كان جميع جنود الحدود على أراضي سبز في حالة هلع مما يحدث، لا أحد يدري ما الذي يجب أن يحدث، لا أحد يوافق ما فعله أنمار، لكن أنى لهم الاعتراض وجميع أوامره تخرج بختم الملك الرسمي ؟!
تقدم قائدهم من السور يردف بصوت مرتفع واحترام شديد لارسلان :
_ جلالة الملك، وجودك في سبز شرف لنا، لكن ليس وأنت مسلح بجيشك، إن جئت كضيفٍ حملناك فوق الرؤوس، أما إن كان وجودك كمعتدٍ، فعذرًا سبز ليست ساحة حرب لاستقبالك وجيشك .
اشتعلت أعين أرسلان وارتسمت بسمة جانبية أعلى فمه يرفع رأسه له يردد بجدية وصوت جهوري :
_ ما عاذ الله أن نكون معتدين والله ما قدّمنا سوءًا يومًا، وما كانت مشكى يومًا معتدية على غيرها من البلاد، نحن لا نهجم، نحن فقط ندافع، وما تراه الآن دفاع عن أرضنا التي استحلها ملكك صبيحة اليوم ونصب بها حدود جديدة وكأنها بلاد والده .
صمت ثم رفع عيونه يردد بنبرة خشنة حادة قوية :
_ والله الذي لا إله إلا هو لولا أن هناك اطفال وشيوخ ونساء أخشى ترويعهم، ولولا أنني أكثر من يعلم ما قد يفعله اقتحامي بهم، لما كانت اسواركم الوهمية هذه تمنعني من الدخول وتلقين ذلك الـ ...
صمت ولم يكمل كلمته، ثم قال بهدوء وبسمة مريعة:
_ سأترك لخيالكم عنان تخيل ما قد أصف به ملككم ..
_ لطالما كنت حاد اللسان لا يمت حديثك لللباقة بصلة أرسلان، فلا عجب أن تتطاول على ملكٍ بالسب، فمنذ متى كنت لبقًا راقيًا، أنت طوال حياتك بذئ اللسان لا يليق بك أن تكون ملك البتة .
كانت تلك كلمات أنمار الذي وصل للتو بعدما علم ما سيحدث، وصل يسابق الريح ليشاهد ويمتع عيونه بما سيفعل أرسلان، يمني نفسه بمشهد يريحه في لياليه التي يجافيه بها النوم حين تذكر ما فعله معه .
ابتسم أرسلان بسمة غريبة متحدثًا بهدوء مريب :
_ عجبًا هذا الإرسلان الذي تتحدث أنت عنه لا يخرج سوى للأوساخ عديمي الرجولة فقط، أتعجب أنه ظهر لك، بل وتحفظه كما لو أنك لم تتعامل سوى مع هذه النسخة فقط مني، رغم أنني امتلك داخلي أرسلان حنون رقيق القلب عذب اللسان .
ختم حديثه يضع يده جهة صدره وقد رسم نظرات وداعة ولطف على وجهه، يكمل بكل براءة وبسمة خبيثة :
_ لمَ يا ترى ظهر لك ؟؟
صدرت ضحكة قوية من أحد الرجال الذي يتبعون أرسلان في الخلف كبتها الرجل بسرعة كبيرة وقد كادت عيونه تدمع من نظرات الجميع المذهولة صوب أرسلان، ليستاء الأخير منه مرددًا بتقريع مصطنع :
_ عيب يا بني ما تفعله، الآن ستجعل أنمار يقذف جميع رجالي بالباطل وأننا لا نمتلك من اللباقة ما يكفي لنتحدث معه .
شعر أنمار بالنيران تكاد تحرق الجميع حوله واولهم رجال سبز الذين يكبتون ضحكاتهم بصعوبة، هاتفًا بصوت حاد :
_ هل هنتني للتو أرسلان ؟؟
_ والله لم أفعل يا عزيزي أنا فقط كنت احلل لكِ شخصيتي التي تقذفها بالباطل، وكون أن جميع الصفات التي ذكرتها تنطبق عليك، ليس خطئي، ثم ليس لأنني تواضعت معك ومررت لك مناداتك باسمي مجردًا بعض المرات تزيدها وتحدثني كما لو أننا رفاق أو بنفس المقام، أنا الملك أرسلان بيجان ملك مشكى، وأنت أنمار الـ... أنمار .
صمت وكأنه لا يجد له لقب يضعه خلف اسمه، مبتسمًا باستهانة جعلت أنمار يتحدث بنبرة جليدية يستند على سور جدار سبز متحدثًا بنبرة مرتفعة كي يسمعها الجميع :
_ وهذا سيكون كافيًا للرد عليك ملك أرسلان، هذا الانمار سيرد لك اهانتك هذه وتعديك على اراضيّ ويلات، صدقني لن يعجبك غضبي .
نفخ أرسلان بصوت مرتفع يرتجف وهو يراقب أنمار من الاسفل :
_ أوف يا منجي من غضب أنمار يا الله، ليحمنا الله يا رجال .
_ استمر بالسخرية فلا تمتلك ردًا سواها .
_ بل هي وسيلة جيدة لأشتت أرسلان القذر داخلي كي لا يتناسى كل أساليب اللباقة التي تربي عليها، فلا سبز ولا شعبها ولا الملك بارق يستحقون مني ما افكر به في هذه اللحظة، لذا لا تستفز بقايا ذرات صبري وتمتحن أخلاقي .
صمت يتنفس بعنف وقد بدأ صدره يعلو ويهبط بقوة كبيرة يشعر برغبة عارمة في التحرك وتحطيم جمجمة أنمار:
_ أخبر رجالك بالانسحاب من مشكى وترك حدودها وشأنها، ولتحمد ربك أنني كنت من اللباقة التي تجعلني آتيك بنفسي واعاملك كما البشر واتحدث إليك بدلًا من اساله دمائهم على حدود مشكى التي اجاروا عليها، فمشكى شربت قبلًا الكثير من الدماء ولا مانع إن امتصت المزيد، وحذاري غضبي أنمار فذلك الوقح الذي عددت صفاته منذ ثواني هو تلميذ مبتدأ لما اخفيه داخلي فلا تجعلني أخرجه خصيصًا لاجلك، لا تجبرني على تلويث يدي بدماء مسلم .
ختم حديث ينظر حوله لجيشه ثم قال بصوت جهوري :
_ لديك مهلة سبع ساعات لتسحب رجالك من حدود مشكى، وإلا اعدتهم لك في اكفانهم ..
_ هذه ليست حدود مشكى، بل حدود سبز التي جار عليها والدك قديمًا، ولأن الملك بارق كان يخشى الحروب صمت ولم يتحدث، لكن عصر الانبطاح لكم انتهى وأنا من ....
_ صدقني كلمة إضافية وسأريك كيف يكون الانبطاح، لا تجبرني على التقليل من صورتك أكثر أمام الرجال، اصمت ونفذ ما قلته بالحسنى، كما أخبرتك سبع ساعات، اعتقد أنهم كافيين لرحلة ذهاب وعودة من مشكى لسبز .
ختم كلماته يتحرك بهدوء شديد مشيرًا لرجاله أن يتبعوه وقد اوصل رسالته واضحة لأنمار ومن معه، وفي نفسه ما يزال يتوعد له بالكثير، لكن صبرًا فالقادم أكثر ويخفي أكثر...
اشتد غضب أنمار بقوة يشعر بصدره يحترق والتوعد يلتمع بعيونه، بينما رجاله جواره يراقبون ما يحدث وقد بدأ ناقوس الخطر يصدح داخل عقولهم، وحل واحد يلمع أمام أعينهم لينجوا من شر أرسلان .
عليهم إعلام باقي الملوك للتدخل ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ حسنًا عمي جلال، مهلًا واعذر غبائي اللحظي، أنا لا ادري ما علاقة روايتي بما تقصه الآن ؟؟ ومن هذين الشخصين اللذين يتشاجران مع موزي على فاكهتي .
ختمت حديثها تشير على صامد وصمود اللذين كانا يتشاجران مع موزي، أحدهم يجذب القرب بعيدًا والآخر يجمع الفاكهة بسرعة قبل عودة القرد ومشاركتهم بها .
ابتلع جلال ريقه لا يدرك كيف يشرح لها ما يحدث حولهم :
_ هل شاهدتي المقطع المصور الذي تركه لكِ والدكِ ؟؟
_ هل تعلم بشأنه ؟؟
هز جلال رأسه بنعم يمسح وجهه بهدوء :
_ أنا من صور هذا المقطع لوالدك، اسمعي يا ابنتي اعلم أن ما سأقوله الآن هو درب من دروب الجنون، لكن لا أنتِ ولا خالد تعلمون هذه الحقيقة، حقيقة أنني ووالدك لا ننتمي لهذا العالم ؟؟
تعجب خالد ما يسمع، وقد شعر أنه سقط في فيلم خيالي أو ما شابه :
_ هل انتم مستذئبون ؟؟
رمته جلال بحنق شديد :
- صدقني إن كنت، لكانت ضحيتي الاولى هي أنت، اصمت لأكمل حديثي .
زفر بصوت مرتفع ثم أكمل يشرح لهم ما يقصد وقد حان الوقت لينتهي من كل هذا ويسلم أمانة رفيقه لمن يعتني بها ويحفظها - كما اعتقد رائف - فما من أحد من وجهة نظره قادر على التعامل مع طفلته كأرسلان، ولا أحد سيعتني بابنته كشعبه :
_ أنا ووالدك لا ننحدر من هذا العالم يا ابنتي .
فتح خالد فمه ليتحدث بكلمات، لكن جلال منعها قبل الخروج يتحدث بصرامة :
_ لا لسنا مصاصي دماء أو فضائيين، واصمت لأنني اتحملك بصعوبة الأن، أنا ورائف ننحدر من الممالك الأربعة، تحديدًا مشكى ..
اتسعت أعين سول تحاول معرفة ما يقصد، مشكى مجددًا، نفس الكلمة الغريبة تردد على مسامعها، وجلال لم ينتبه لصدمتها وأخذ يقص عليهم كل شيء يخص مشكى والممالك وانعزالهم منذ قرون وكل شيء يخص تاريخ الممالك حتى وصل للنهاية :
_ وكل مملكة كانت تمتلك ما يُسمى بمرشدي العالم الآخر وهم الأشخاص الذين نعدهم حلقة وصل بيننا وبين هذا العالم، تمامًا كصامد وصمود .
تحركت جميع الأعين صوب صامد وصمود اللذين كانا يملئان الأفواه بالفواكه بشكل غريب وكأنهم لم يبصروا فاكهة في حياتهم يومًا، ابتسم الاثنان بغباء حين وجدا جميع الأنظار موجه لهم.
_ حسنًا ليس تمامًا .
أبعد جلال عيونه عنهما يكمل :
_ وبمشكى كنت أنا ووالدك نتولى هذا الدور حتى أتت اللحظة التي أتينا بها لهذا العالم بلا رجعة، يوم أبصر والدك والدتك وهام بها عشقًا ليقرر التخلي عن كل شيء والابتعاد عن عالمه لاجلها، وكنت وقتها لا امتلك سواه، وحين فكرت بالعودة وجدت أنني لا رفيق لي سوى والدك فقررت البقاء هنا وتعرفت على والدة خالد، وبهذا دفنا حياتنا أسفل هويات وهمية نحن من صنعها بمساعدة بعض الأشخاص هنا .
تنهد بصوت مرتفع يمسح وجهه :
_ ورغم أن والدك كان هو صاحب قرار البقاء هنا، إلا أنه كان متعلقًا بمشكى والبلاد وكثيرًا ما يبكي شوقًا لها، وقد قرر حينما يحين الوقت سيأخذك ويعرفك على جميع أبناء شعبك، أراد لكِ أن تنضجي بين رمال مشكى كما فعل هو، لكن يبدو أنه تأخر ولم تمنحه الحياة هذه الفرصة، وكانت وصيته الأخيرة قبل الرحيل هي أن أسلمك لمن يأخذك صوب بلادك، وأنا قد ذهبت هناك وجهزت لاستقبالك، وجئت بمن يصطحبك .
ختم حديثه يشير صوب صامد وصمود، بينما سول فقط تراقبه متسعة الأعين شاردة تفكر في كل ما سمعته، عقلها يأبى تصديق كل هذا، ربما هو يمزح معها، أو ...ربما يخدعها، فما يقوله درب من الجنون، لكن حديث والدها وهذين الغربيين، يثبتان صحة حديثه .
أبصر جلال حيرتها :
_ أدرك ما تفكرين به يا ابنتي، لكن هذه هي وصية والدك، لقد اوصى بكِ لملك مشكى ردًا لصنيع اسداه له قديمًا، صدقيني الجميع سيعتني بكِ هناك ...
رفعت عيونها له شاحبة الوجه تردد بعدم فهم :
_ أنا لا افهم ما تقوله، أي ملك هذا وأي عناية؟؟ هل تتحدثون عن طفلة لا تملك حرية اختيار حياتها؟! كيف تقررون عني بهذا الشكل ؟؟ تحددون حياتي وتبحثون عمن يعتني بي كما لو كنت طفلة، ولم يسألني أحدهم رأيي ؟؟
نظر خالد لوالده باعتراض على ما يحدث، يرفض أن تتعرض رفيقة طفولته لكل تلك الضغوطات :
_ أبي نحن هنا مع سول، أنسيت أنها شقيقتي بالرضاعة .
نظرت له سول ببسمة غير مصدقة وغضب :
_ ليته كان مسممًا أيها الـ ...هل أنا طفلة لتبحثوا لي عمن يهتم بي ؟؟ بالطبع أنا أرفض كل هذه الخرافات .
أخرج جلال خطاب من جيب سترته يلقيه لها :
_ كنت اعلم أن هذا سيكون ردك، على كلٍ هذه رسالة أخيرة تركها والدك، وكأنه كان يعلم ما سيحدث، فكري في الأمر جيدًا وخذي وقتك، صامد وصمود سيكونون هنا حتى مساء الغد ومن بعدها سيرحلان، اما بكِ أو بدونك .
ختم حديثه ينهض مشيرًا للجميع بالتحرك ورغم اعتراض خالد، إلا أن جلال سحبه بالعنف للخارج وهي كانت في عالم آخر لم تعي ما يحدث حولها ولا استوعبت بعد أن الجميع خرج بالفعل، لا تبصر سوى سواد أمام عيونها لا ابيض به سوى رسالة والدها، امسكتها بتردد تخشى أن تفتحها أو تقرأ ما بها ..
أغمضت عيونها تضغط عليها بقوة تهتف :
_ لِمَ يا أبي؟ لماذا تجبرني على خوض كل ذلك ؟؟ تلقيني بين أحضان المجهول مدعيًا أن هذا لأجل مصلحتي، أي مصلحة تلك وأي حياة قد أحياها بين أناس لا اعلم عنهم شيئًا، وأي ملك هذا الذي اوصيته بي؟؟ تلقي بمسؤوليتي على عاتق شخص آخر، والله وحده يعلم كيف سيتعامل معي ........
تنهدت بصوت مرتفع تشعر بيد موزي تربت على خصلات شعرها وهو يجلس أعلى كتفها، فتحت عيونها تنظر له بتردد تهمس :
_ ما الذي سأفعله موزي ؟؟ لقد أنهار عالمي في ثواني وبشكل غير محسوب، وأنا... كيف ألقي بنفسي بين أحضان المجهول؟ ما ادراني كيف ستكون حياتي هناك مع هذا الملك، وكيف سيكون هذا الملك حتى ؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سول ؟؟ أي نوع من البشر يمتلك مثل هذه الاسماء السخيفة عديمة المعنى؟؟
تنهد ارسلان بصوت مرتفع وهو يعيد قراءة تلك الوصية التي كانت بمثابة حمل اضافي فوق اكتافه وكـأن مشاكله ينقصها واحدة لتأتي هي وتكملهم، العم رائف العزيز يوصيه بابنته خيرًا مرات ومرات حتى شك أرسلان أنها طفلة صغيرة و ....مهلًا ربما كانت بالفعل هل يعقل ؟؟ أرسل له صغيرة كي يعتني بها ؟؟
عند هذه الفكرة شعر أرسلان بالحنق والضيق من كل ما يحدث حوله، فهو بالفعل يمتلك ما يكفيه من المشاكل ليصبح مربية اطفال لابنة رائف العزيز .
_ تبدو كمن يتشاجر مع أفكاره مولاي، هونها عليك لا يستحق أنمار كل هذا التفكير في النهاية يمكننا حل هذه المشكلة بإذن الله .
استدار أرسلان صوب المعتصم الذي اقتحم خلوته المعتادة داخل شرفة القصر، رمقه بعد فهم للحظات قبل أن يدرك ما يتحدث عنه، ابتسم ارسلان بسخرية :
_ أنمار من يا بني الذي قد ينال شرف تفكيري به لثانية ؟؟ بعينه أن يشغل تفكيري لثانية واحدة، يكفيه تكبدي عناء التحرك والذهاب له وإرهاق نفسي وجيوشي لاشاهده يرتجف فقط .
صمت أرسلان ثم أكمل ببسمة واسعة يتذكر نظرات أنمار :
_ حسنًا إن طلبت رأيي فقد كان الأمر يستحق أن اقطع بحار وبلدان لاشاهده يحترق غضبًا، لكن ليس لدرجة أن اضيع لحظات هدوئي الثمينة وأفكر بهذا الحقير .
هز المعتصم رأسه يقترب من الشرفة يتوسطها جوار أرسلان الذي كان يجلس على السور بكل استرخاء، وتساءل عما يؤرقه :
_ حسنًا هذا شيء لم افهمه بعد، ما سبب ذهابك وعودتك دون إتخاذ أي اجراء لإنهاء الأمر ؟؟ لقد ظننت أنك ستعود بسيفك مُدمى، ولم يحدث .
_ لو كان الأمر متوقف على أنمار، لكنت أكثر من سعيد لألوث سيفي بدمائه، لكن للأسف هناك أشخاص لا ذنب لهم سوى أنه يتحكم بهم وسخ مثله، جنود الحدود لا ذنب لهم، هم رجال الملك بارق الذي لطالما وقف جواري في كل شيء، حاربوا معنا في حرب لا تخصهم، ليس بعد كل هذا أرد له جَميله بقتل جنود حملوا سيوفهم ليحرروا مشكى سابقًا .
رمته المعتصم بتقدير وبسمة واسعة :
_ في النهاية لديك قلب .
رفع أرسلان حاجبه بسخرية :
_ نعم تخيل أنني افعل .
تجاوز المعتصم عن كل شيء يتساءل بتعجب :
_ إذن ما الذي كان يشغل تفكيرك حين جئت لك ؟!
_ ابنة رائف ..
نظر له المعتصم بعدم فهم ليتحدث أرسلان بجدية :
_ لا أدري حقًا لِمَ أنا بالتحديد، رغم أن ابن خالة رائف وعائلته يسكنون مشكى منذ سنوات، لِمَ أنا من أوصاني بابنته الصغيرة ؟؟
_ ربما لثقته أنك ستحافظ عليها، أعني لا أدري حقًا ما رأى بك ليأمنك عليها، فإن كنت بمكانه ما كنت لأفعل صدقًا، فعدا شقيقتك، أنت لا تؤتمن للتعامل مع البشر فما بالك بفتاة صغيرة ؟؟
تشنجت ملامح أرسلان بحنق :
_ تمنيت حقًا لو أن رائف يفكر مثلك، لوفر عليّ عناء الاعتناء بصغيرته .
راضاه المعتصم محاولًا التهوين عليه، رغم أنه غير مقتنع بما ينطق به في الحقيقة :
_ حسنًا لا بأس لا اعتقد أن الاعتناء بفتاة صغيرة سيكون بمثل هذه الصعوبة، أعني ما مدى سوء التعامل مع فتاة صغيرة بريئة ؟؟
بلل أرسلان شفتيه وهو يتحدث بغيظ شديد، فهو حقًا ليس في ظروف تسمح له بالتعامل مع النساء وخاصة الصغيرات المزعجات منهن :
_ اسوء مما تخيل، يا عزيزي النساء يحتجن للتعامل اللين وأنا في الحقيقة مخزوني من اللين لا يكفي سوى لزوجتي، أنا من الأساس أوفر كل ذرة لين داخلي لأجلها، الآن أنا مضطر لتبذريها على فتيات صغيرات.
رمقه المعتصم بتشنج هامسًا :
_ هل تمزح معي؟
_ هل تراني افعل ؟؟
_ لا افهم ما تقصد ؟؟ هل أنت جاد بحديثك عن توفيرك لللين لأجل زوجتك ؟!
رفع أرسلان حاجبه بحنق :
_ أنت لا تريدني أن أعامل زوجتي كما اعاملكم صحيح ؟؟
_ حقًا ؟؟ وكيف ستعاملها يا ترى ؟؟ أعني ما الفرق بيننا وبينها، نحن في النهاية كلنا بشر نستحق منك معاملة آدمية مولاي .
دفعه أرسلان بسخرية لاذعة يطلق صوتًا مستنكرًا من فمه :
_ هل تمزح معي ؟؟ تود أن تتساوى معاملتي مع زوجتي بكم أيها الـ ....
صمت ثواني يتمالك لسانه الذي كاد ينطق بكلمة بذيئة، يمسح وجهه بضيق شديد :
_ انظر إلى ما اضطررتني لفعله ؟؟ كدت اسبك للتو وافسد هدنتي مع اللباقة، حسنًا لنكن واضحين يا بني، زوجتي عزيزتي، تلك المرأة المحظوظة التي سيكتب الله لها أن تكون امرأتي، لن تتساوى معكم، أعني لنكن واقعيين، هل سأعامل امرأة برقة امرأتي كما اتعامل معكم ؟؟ مستحيل ..
ابتسم له المعتصم بغيظ شديد من كلماته :
_ وما ادراك أنها رقيقة ؟؟ ربما كانت مثلك، فالشبيه للشبيه مولاي ....
_ مستحيل قلبي يخبرني أن امرأتي التي تقبع في مكانٍ ما في هذا العالم في غاية الرقة والـ....
صمت أرسلان وانتبه إلى ما كاد يفعله، هل كان سيتغزل ويصف امرأته للتو على مسامع رجل آخر، تشنجت ملامحه يردد باستنكار :
_ أنت ما علاقتك بامرأتي يا هذا ؟! لتكن كيفما كانت ما علاقتك أنت ها ؟؟
اتسعت أعين المعتصم بعدم فهم، لكن أرسلان انزعج كثيرًا من تحدثه عن زوجته _التي لا يعلم عنها شيئًا_ مع رجل آخر يشير للمعتصم :
_ هيا ارحل من هنا، وإياك أن تفكر بينك وبين نفسك حتى من باب الفضول كيف ستكون زوجتي، لتكن كيفما كانت لها كل الصلاحيات .
اتسعت أعين المعتصم لا يفهم سبب تحوله بهذا الشكل، بينما أرسلان رمقه بحدة، ثم ابعد عيونه يشرد في السماء وهو يتنفس بصوت مرتفع، يدرك أن الوقت ربما ليس ملائمًا ليتمنى ذلك، لكنه فقط يتمناها امرأة تستطيع تحمله والتعامل معه، هذا جُل ما يتمناه ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اندفعت بسرعة تدفع رأسه للجدار بقوة كادت تحطم جمجمته، وهي تدفعه بكل ما تمتلك من قوة، بينما الاخير يقاوم بكل ما يمتلك، يزمجر بصوت مرتفع، وهي تضغط عليه أكثر والجنود حولها يحيطون بهم ليتداركوا الوضع، المرة الثالثة التي يثور بها هذا الحقير عليها، وقد كاد يحطم عظامها هذه المرة ليمتلئ وجهها ببعض الكدمات الحمراء، وهي كانت تخرج غضبها وكل سخطها به تصرخ بصوت مرتفع تدفع رأسه في الجدار أكثر:
_ اسمع ايها المختل، أنت ستتعالج، شئت أم أبيت ستفعل، لقد سئمت منك ومن اتباع الطرق السلمية في التحدث معك، تبًا لك ولكل العلاج الحديث الذي يجبرني على التعامل مع وسخ مثلك بشكل آدمي، هل تظنني ضعيفة ها؟! تعتقدني ضعيفة ؟!
ابتسمت وهي تقرب وجهها منه تهمس بشراسة :
_ ربما ابدو رقيقة، لكنني مختلة أكثر منك .
رفع المسجون رأسه بصعوبة ينظر لها بغضب شديد ولولا جسده الذي يحتوي على نسبة من المخدر لكان حطم عظامها بكل ما للكلمة من معنى، فإن تحدثنا بكل واقعية ما كان لفتاة بحجم وهشاشة سول أن تتمكن من رجل بحجم وضخامة هذا السجين .
جذبه الجنود سريعًا بعيدًا عنها وبصعوبة شديدة استطاعوا أن يخرجوه حيًا من بين قبضتها وهي تشعر بالغضب يتلبس منها تود الإفلات من بين أيديهم تصرخ في وجهه :
_ ستتعالج وتصبح طبيعيًا رغم أنفك أيها المجنون .
زمجر الرجل وقد كان الوضع مزريًا، إذ كان الجنود يجذبونه من جهة والبعض يجذبونها من الجهة الأخرى، حتى ابعدوه واخرجوه، ثم تركوها لتتنفس بصوت مرتفع والجميع يرمقها بصدمة لما فعلت .
رفعت عيونها لهم تبتلع ريقها لا تعلم كيف تبرر ما فعلت منذ ثواني، بللت شفتيها تردد بصوت خافت :
_ هذه طريقة جديدة في العلاج .
رفع أحد الرجال حاجبه يردد :
_ لتحمدي ربك أنه لم يكن في كامل وعيه، وإلا كان طحن عظامك أيتها الطبيبة، احرصي على حياتك واتركي هذا السجين لشخص غيرك .
تنفست سول بصوت مرتفع، تحمل حقيبتها مندفعة للخارج بقوة كبيرة لا ترى أمامها، ما كان عليها المجيء للعمل وهي مشوشة الفكر كما هي الآن، زفرت بضيق شديد تتحرك صوب سيارتها، ومن ثم انطلقت بها لمحل الزهور خاص بها، لربما تجد السلام في جزئها اللطيف من اليوم .
توقفت وهبطت لتبدل ثيابها، وما هي إلا دقائق حتى سمعت أجراس الباب تعلن دخول أحد الزبائن، رفعت رأسها ترحب ببسمة واسعة :
_ مرحبًا بكم في مـــ
توقفت عن الحديث حين أبصرت خالد يقف مع الشخصين الغريبين أمام الباب وهو يردد بصوت حانق :
_ لقد أصر أبي على أن اوصلهما لكِ مؤكدًا على ألا أتركك حتى نعلم ردك بخصوص ذهابك لمشاكي .
زفر صمود يصحح له بحنق :
_ بل مشكى يا صغير .
تشنجت ملامح خالد بغضب شديد وهو يرمق هذا الطويل وكأنه ينظر لبناية من عشرة طوابق، يرفض فقط التحدث معه احترامًا لفرق الطول بينهما، بينما صمود لم يهتم له يحرك نظراته على سول بعدم رضا لما ترتدي، حسنًا هو وصامد اعتادوا منذ زمن رؤية نساء بملابس قد تظهر للبعض غير ملائمة، لكن بالطبع لم يكن الأمر يعنيهما طالما أنها لا تنتمي لهم، وها هي امرأة من ذلك النوع الذي يرفضانه على وشك أن تصبح أحد أفراد الممالك ..
ترى ما ستكون ردة فعل أرسلان على هذا ؟؟
خرج صمود من أفكاره على حديث صامد الذي قال بصوت حانق غاضب :
_ هيا لا تعطلونا، نحن نمتلك في حياتنا اهم من أخذ تلك الصغيرة لمشكى، والله لولا أنني أخشى على حياتي من ذلك المتجبر، لكنت تركتها وعدت .
وافقه صمود الحديث :
_ نعم صدقت يا أخي، والله لا ادري ما الذي يجبرنا على التعامل مع مثل هؤلاء البشر، أعني انظر لحظنا التعس، نقضي نصف أوقاتنا في إحضار النساء للمملكة وكأن لا نساء كافيات بها لنستورد أخريات من الخارج .
نظر له صامد يهمس بصوت شبه مسموع للجميع :
_ والله يا اخي أكاد أقسم أن تلك المرأة ما هي إلا ساحرة أخرى ستسقط الملك في سحرها، وسترى غدًا، سيتحول لاحمق كما حدث لمن سبقه، فنساء المفسدين سحرهن قادر على إخضاع أعتى رجال الممالك .
_ نعم صدقت يا أخي، ضعاف النفس هم فقط من يسري عليهم سحرهن، والحمدلله الذي حفظنا ونجانا من سحر المفسدات، انظر إلينا قضينا نصف اعمارنا في عالمهم، هل ترانا وقد سقطنا لهن ؟؟
اغمض صامد عيونه يضع يده على صدره شاكرًا الله على نعمه :
_ هذا من فضل الله علينا يا أخي، فقط لأننا نمتلك من الإرادة والايمان بالله ما يكفي لدفع سحرهن .
كل ذلك كان يحدث أسفل عيون سول التي قالت بعد ثواني من الصمت وهي تشير لهما مستنكرة غاضبة رافضة بكل ما فيها من إرادة :
_ هل تريدني أن أسلم حياتي لهذين الأحمقين وأسير معهما في طريق مجهول لمملكة خيالية داخل إحدى الروايات، لاحيا مع ملك وشعب لا أدري عنهم شيئًا؟؟ أنت بالطبع تمزح، من المستحيل أن أفعل هذا ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أيام :
_ إذن كم من الوقت ستستغرق هذه الرحلة ؟!
توقف صامد يتأفف بصوت مرتفع ملحوظ وبشكل جعل سول تتراجع للخلف وهي تشدد القبض على حقيبة ظهرها التي تحملها كما لو كانت ذاهبة للتخييم :
_ يا الله يا امرأة لقد سئمت من كثرة اسئلتك هذه؟! اسمعي يا فتاة نوعين من البشر لا اتحملهم، الثرثار والغبي..
تشنجت ملامح سول ثواني قبل أن تردد بكل هدوء وببسمة واسعة :
_ علميًا أنت تعاني من حالة كره للذات فما ذكرته متمثل بك أنت والاحمق الآخر، لكن لا بأس أنت محظوظ فأنا أعمل في معالجة المختلين امثالكم، يمكننا النظر في امركما حينما أتفرغ واستقر بالمملكة هناك .
ختمت حديثها تتحرك أمامه دون اهتمام وكأنها تعلم الطريق افضل منهم، بينما فغر صامد فاهه بصدمة يحاول استيعاب ما قيل، ويبدو أن أحدهم لم يستوعب بعد أن الفتاة اهانتهما للتو .
نظر الأثناء لبعضهما البعض في محاولة فهم ما تقصد وحينما يأسا من الأمر تحركا بكل هدوء خلفها، وصوت زفراتهم يكاد يصم سول التي لم تهتم وهي تردد باهتمام :
_ إذًا أيها الحمقى اخبراني عن مشكى وملكها .
رمقها صمود بغيظ شديد :
_ كل ما يمكنني قوله هو أن مشكى وملكها يلائمانك وبشدة .
توقفت تراقبها بعدم فهم ليتحدث صامد بكل جدية :
_ مشكى مملكة قوية لها وضعها بين الممالك، حسنًا هي كانت الاقوى بين جميع الممالك قبل نكبتها الأخيرة، أما عن ملكها فهو ....
صمت يستدير حوله وكأن هناك من يراقبهم قبل أن يهمس لها بصوت منخفض :
_ هو حقير متجبر لا يُطاق .
بداية مبشرة سول، يبدو أن الكثير ينتظرك في مشكى، عضت شفتيها تسمع صوت صمود يكمل عن أخيه:
_ هل تعلمين أنهم يطلقون عليه أسد مشكى ؟؟ برأيك لِمَ يا ترى ؟؟
رمشت تردد بتفكير :
_ ربما لأنه يمتلك صفات الأسد ؟!
_ بل لأنه أسد في الحقيقة، يُقال أنه يتخفى في هيئته البشرية حتى تحين لحظة تحوله، وحينها لا أحد ينجو من مخالبه .
تشنجت ملامح سول تحرك رأسها صوب موزي الذي كان نائمًا على حقيبة الظهر خاصتها لتراه قد استيقظ يرمق المكان حوله بضجر، وهي فقط أكملت الطريق حين أدركت أن حديثها معهما قد يضر بقواها العقلية :
_ ذكراني ما الذي يجبرني على السير معكما وسماع كل هذا الهراء ؟!
تحدث صامد وهو يراقب المياه تتحرك أسفل المركب :
_ لانك سئمتي حياتك المملة عديمة النفع رفقة بعض المختلين .
أضاف صمود يذكر ما كانت تتحدث به طول الطريق أثناء مجيئهم :
_ ولأنك لا تريدين أن تخلفي بوصية والدك العزيز الذي كان من الأنانية ليلقي بكِ في المجهول مع شعب لا تدرين عنهم شيئًا، وغبيان مريبان مخيفان .
توقف فجأة صامد عن التحرك في السفينة التي تأخذهم صوب الغابة وكأنه استوعب ما قال شقيقه منذ ثواني، يستدير لها متسائلًا بجدية :
_ مهلًا هل كانت تقصدنا بهذا الوصف ؟!
نظر الاثنان لبعضهما البعض طويلًا وكأن الأمر غير واضح لهما، وسول لم تكن تهتم حتى بتوضيح ما تقصد هي، تتحرك في المكان تراقب ما حولها باهتمام شديد وعقلها يسبح في مناطق بعيدة، حيث ذلك الأسد الذي يتحدثون عنه، وجزء مريض من عقلها الباطن يصدق أقاويلهم بخصوص حقيقة أنه أسد في الواقع .
أفاقت من أفكارها على صوت أحد الأخوين خلفها يردد بجدية :
_ فقط نتركها عند حدود مشكى ونرحل، وهي يمكنها اكمال الطريق وحدها، أو ربما يرسل الملك من يأخذها، لا اهتم، فقط ننتهي من هذا الأمر .
رفعت سول حاجبها بسخرية لاذعة، تراهما يتحدثان عنها كما لو كانت حملًا ثقيلًا عليهما، ولا تدري في الحقيقة من يمثل حمل على من، فإلى جانب أنها تساير كل هذا الجنون في حياتها، كانت مضطرة لتحمل هذين الشخصين، فقط ليعينها الله على إنهاء كل هذا بسلام وعقل ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
فُتحت أبواب المملكة في نفس الوقت اليومي لتوزيع المعونات على أفراد الشعب، وانطلق العديد من الأشخاص داخل الساحة تحت مراقبة الجنود وتنظيم البعض لما يحدث .
وكانت هي من بين هؤلاء الأشخاص، تتلفت حولها لا يعجبها أن ترافقهم، لكن لولا كلمات والدتها لها، حول أنهم لا يملكون شيء للعيش لما كانت جاءت لتتسول بعض الطعام لهما .
تحركت خلف الجموع تتبع الصفوف حتى تتسلم ما تريد وترحل، لكن كل ذلك الحرص والحذر تلاشى بالكامل حين سمعت أصوات السيوف تتصادم، وهذا ما جعلها تضيق ما بين حاجبيها تتخلف عن الركب، تسير في اتجاه بعيد عنهم صوب الساحة التي يصدر منها الصوت .
كانت تسير دون أن تهتم أنها تخالف قوانين القصر، أو تهتم حتى أنها تتحرك داخل منطقة ملغمة برجال يتقاتلون بشراسة ...
كل ما اهتمت به هو أنها الآن تبصر المشهد لأول مرة في حياتها ..
بينما وعند الجنود كان المعتصم يحمل سيفه يتحرك ببطء شديد وبحركات حريصة وأمامه أحد المتدربين، رفع المعتصم سيهقه يتحدث بجدية :
_ تحكم في سيفك ولا تجعله هو من يتحكم بك، امسكه بشكل صحيح، انظر إلى أناملي كيف تقبض عليه وافعل المثل .
تحركت أعين فاطمة تلقائيًا صوب أنامل المعتصم ولم تشعر بنفسها وهي تميل لحمل عصى من الأرض جوارها تضمها كما يفعل هو، تحركها كما يحرك هو سيفه باهتمام .
توقف المعتصم بشكل محدد يحرك سيفه في الهواء بهدوء :
_ حرك سيفك بشكل سلسل وتحكم به بقبضتك، حرك زراعك وليس كتفك .
كانت كل كلمة ينطق بها وكل حركة يقوم بفعلها، تلقى صداها عن فاطمة اسرع من الرجال أمامه.
وأثناء تحدث المعتصم وشرح ما يحدث أبصر بطرف عيونه ظلًا يتحرك في الأرجاء، رفع عيونه بانتباه، ليبصر جسد صغير يعود لامرأة تحمل عصى وتحركها في الهواء .
ضيق عيونه يحرك سيفه بشكل محدد وهو ما زال ينظر لها :
_ حركه يمينًا ويسارًا ...
حركته فاطمة معه يمينًا ويسارًا، ليبتسم هو بسمة جانبية رافعًا حاجبه بعدم فهم :
_ للأعلى والأسفل .
وكذلك فعلت فاطمة مثله، والرجال حوله لا يفهمون ما يفعل، بينما المعتصم يبدو وأن اللعبة قد أعجبته فأخذ يتحرك بحركات قتالية والظل يتحرك مقلدًا إياه بمهارة عالية، اتسعت بسمته يتحدث بصوت شبه مسموع لها يسخر مما يحدث
_ والآن نكرر جميع الحركات وبسرعة كبيرة .
وحين بدأ بتطبيق كل ما ردده منذ ثواني قليلة كانت هي تتحرك معه حركات متناسقة وكأنها ظل له.
كانت فاطمة والتي اكتشفت منذ ثواني عشقها للمبارزة تطبق كل ما تعلمته في ثواني بسرعة كبيرة وبسعادة كبيرة، تسبح في عالمها الموازي وحيدة وقد شردت بعيدًا عما تفعل ولم تشعر حتى باقتراب المعتصم الذي ترك رجاله يكملون ما يفعلون، متقدمًا منها يراقب ما تفعل باهتمام شديد .
وقف جانبًا يراقبها، قبل أن يتحدث بهدوء مخرجًا إياها من حالتها المثالية :
_ ما الذي جلبك لمنطقة الرجــ
وقبل إكماله لجملته أطلقت فاطمة صرخة مرتفعة ترفع العصى وتهبط بها على رأسه صارخة كردة فعل غير إرادية من جسدها، ليتراجع المعتصم للخلف بأعين متسعة مصدومة مما حدث ..
وفاطمة فقط تراقبه بصدمة تشبه خاصته، تنظر للعصى ثم له تحاول فهم ما يحدث في المكان .
رفع لها المعتصم عيونه يحدق بها في شر كبير متقدمًا منها باندفاع ليخيفها :
_ ما الذي فعلتيه أيتها الـــ
تبعت فاطمة ضربتها الأولى بالثانية متراجعة للخلف والمعتصم ما يزال متسع الأعين يحاول إدراك ما يحدث ...
رفعت فاطمة العصا في وجهه كما لو كانت تدافع عن نفسها بسيف أو ما شابه تردد بجدية كبيرة رغم نبرتها المهتزة المرتعبة:
_توقف مكانك ولا تقترب .
شعر المعتصم لثواني أنه يألف هذا الصوت وهذه النبرة، لكن أين لا يتذكر .
رفع عيونه لها يهمس بشر وصوت كاد يسقطها ارضًا باكية، كالفحيح :
_ وإلا ماذا ؟؟
ارتعشت يد فاطمة التي تحمل العصا تحدق بعيونه التي تكاد تحرقها حية، تود أن تجيبه أو تهرب، لكن لا لسانها ولا قدمها اطاعتها، كل ما استطاعت فعله هو ردة فعل غبية نتجت عن جسدها جراء خوفها، إذ وجدت يدها ترتفع مرة ثانية وهي تسقط بالضربة الثالثة على المعتصم الذي امسك العصا هذه المرة يجذبها منها بقوة وهي تراجعت للخلف تضم يدها بخوف شديد :
_ أنا آسفة....
نعم، الآن تذكر أين سمع ذلك الصوت، هي نفسها ؟! هي نفسها ؟!
_ أم بوبي ؟؟
رمقته فاطمة بعدم فهم ليرفع العصا مرددًا بتهديد :
_ هل احطمها أعلى رأسك لتدركي كم هي مؤذية ؟!
ختم كلماته ولم يكد يتنفس بعدها قبل أن يتبعها بصوت مخيف :
_ ما الذي جاء بكِ لمنطقة الرجال يا أم بوبي ؟؟
تنفست فاطمة وهي تنظر حولها بتوتر شديد تحاول تبرير وجودها هنا :
_ أنا كنت مع الجنود .
_ ماذا ؟!
توترت من جملته تصحح ما قالت :
_ اقصد كنت برفقتهم .
_ يا ابنتي نفس المعنى لا فرق، ما الذي كنتِ تفعلينه مع الجنود وما الذي اوصلك لهنا ؟؟
_كنت مع الجنود .
رمقها المعتصم ثواني قبل أن يتنهد بصوت مرتفع :
_ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، استغفر الله و اتوب إليه.
كانت فاطمة تراقبه وهي تضع يديها أمام وجهها بتحفز تتحدث كما لو أنها لا تمتلك جملة غيرها :
_ كنت أسير مع الجنود .
_ علمنا يا ابنتي علمنا أنكِ كنتِ تسيرين مع الجنود، ما السبب لتسيري معهم ها ؟؟
نظرت له ثواني قبل أن تردد بصوت منخفض وقد أخذ التوتر يلعب على أعصابها، حتى أصبحت لا تدرك ما يجب فعله في هذه اللحظة :
_ كنت أسير معهم .
مال المعتصم بنصف جسده يهمس لها بصوت منخفض :
_ أم بوبي هل أنتِ حمقاء ؟!
حدقت فاطمة بوجهه وهي تتراجع للخلف بريبة قبل أن تهمس له بصوت منخفض وهي تشير للعصا :
_ أريد الذهاب للمنزل اعطني سيفي .
_ من الأساس ما الذي اخرجك وحدك من المنزل ها ؟؟ من مثلك يُحرم عليهم الخروج كي لا يتسببون لأنفسهم بالمشاكل .
رفع يده بالعصا يقول بحنق :
_ هاكِ سيفك وتحركي من هنا ولا تعودي لهذه المنطقة مجددًا فهمتي ؟؟
انتزعت منه فاطمة العصا، ثم ظلت تنظر له طويلًا دون رد وهو يتابعها ينتظر منها رد على سؤاله، وما كان ردها سوى أنها رفعت العصا وضربته بها على كتفه، ثم هرولت بعيدًا عنه دون مقدمات ودون كلمة واحدة، لدرجة أنه انتفض للخلف، يراقبها تركض بعيدًا كمن يتبعه شبح، لا يدري ما الذي حدث وكيف ومتى، كل ما يدركه، أن هذه الصغيرة، مجنونة...
_ أيتها المجنونة ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمر الأيام وما أسرعها، مرت أيام كثيرة لم يحدث بها الكثير سوى أن أنمار نفذ ما طلبه أرسلان بالفعل وأرسل لسحب جنود سبز من الحدود الداخلية لمشكى، لكن إضافة لذلك أرسل لاجتماع الملوك وقد عقد العزم على رد كرامته وأمام الجميع .
في حين أن رحلة سول كانت تسير بشكل رائع، إذ لم يكن صعبًا على سول سواء بشخصيتها الاولى أو الثانية أن تتعامل مع اثنين كصامد وصمود .
كانت تعاملهما بكل عفوية ورقة ولطف وهذا ما جعل الاثنين يتعاملان معها بتحفز وخوف من غدرٍ، فمنذ متى عاملهما أحد بهذا الشكل الرقيق..
وسول كانت تدرك هذا جيدًا، لذا تعاملت معها كما لو كانت تتعامل مع طفلين صغيرين ...
توقفت تتنفس بصوت مرتفع، ثم ألقت جسدها على أحد جذور الأشجار ترتاح قليلًا تشير لهما بالتوقف :
_ مهلًا يا صامد، دعنا نرتاح بعض الشيء هنا، تعال يا صمود معي شطائر المربى التي أحببتها.
اتسعت عيون صمود بسعادة شديدة يندفع صوبها لولا يد صامد الذي امسكه وهو يرمق سول بشك :
_ توقف هنا أيها العملاق الاحمق، هل تثق بتلك الفتاة حقًا ؟؟ ماذا إن كانت الشطائر مسممة ها ؟؟ هي في النهاية أحد المفسدين .
تناولت سول قضمة من الشطائر تراقبهما بسخرية :
_ وما الذي سأحصل عليه من تسميمكما سوى جثة منتفخة كريهة الرائحة وشعور قاتل بالذنب ؟؟ هيا اقترب وتوقف عن الحمق .
أبعد صمود يد صامد عنه يردد بضيق من تصرفات شقيقه :
_ ما بك يا أخي، الفتاة لم تتصرف معنا تصرف واحد سييء منذ بداية الرحلة، أحسن الظن بها .
تحرك بعدها صوب سول يلتقط منها الشطيرة لتبتسم له الأخيرة بلطف، ثم رفعت عيونها صوب صامد تبتسم له بلطف وهي تمد له شطيرة أخرى، رمقها صامد ثواني بتردد قبل أن يقترب منها يسحب منها الشطيرة بملامح حانقة وكأنها تجبره على اكلها .
أطلقت سول ضحكات مرتفعة وهي تتمتم باستمتاع :
_ أنتما طفلان حقًا .
مدت يدها ببعض الفاكهة لموزي الذي يتخذ من كتفها مسكنًا له منذ بداية هذه الرحلة، ثم صمتت تبتلع الطعام وهي تشرد في الغاية حولها، رحلة طويلة ولا تدري متى نهايتها .
_ إذن متى نصل لمشكى ؟! كم تبقى من الوقت .
ابتلع صمود ما يأكل بتلذذ شديد، ثم أجاب ببسمة واسعة :
_ لم يتبقى الكثير كدنا نصل لحافة العالم .
توقفت يد سول قبل أن تصل لفهما تردد بعدم فهم لما نطق به :
_ ماذا ؟؟ حافة ماذا ؟! أي حافة عالم هذه ؟؟ هل تقع مشكى هذه في الجحيم أم ماذا ؟؟
_ لا تقع خلف الحافة، لا تقلقي الأمر سهل، سيستغرق الأمر ثلاثة أو أربعة أيام ونصل هناك بسلام .
صمت بتردد، ثم نظر لها يبعد عيونها عنها بسرعة ولأول مرة يتدخل في الأمر ويتحدث بهذا الشكل لأحدهم، لكن سول كانت في غاية اللطف معهم ولا تستحق الموت على يد أرسلان بعد كل هذا .
_ آنستي .
رفعت سول عيونها لصمود بعدما كانت شاردة بعيدًا عنهما، ترمقه باهتمام ليتنحنح الآخر يجلي حلقه ثم قال بخجل مشيرًا لثوبها :
_ لا اعتقد أنه يمكنك دخول الممالك بهذا الشكل .
رمشت سول دون فهم قبل أن تبعد عيونها عنه تمررها على ثوبها والذي كان مكونًا من بنطال من خامة الجينز مع حذاء اسود برقبة طويلة تدخل به أطراف البنطال كي يلائم السير في تلك الطرقات الوعرة، يعلوه سترة وردية تتنافى رقتها مع خشونة الحذاء والبنطال .
_ ما به شكلي صمود ؟! هل الجينز من الممنوعات داخل الممالك أم ماذا ؟؟
ابتلع صمود ريقه ولم يستطع الرد عليها، لكن صامد لم يكن بمثل هذا التردد وهو يردف بجدية :
_ حسنًا إن تحدثنا بجدية، فأنت بالكامل ستكونين من الممنوعات ولا ادري ما ستكون ردة فعله للملك، لكن لندعو الله ألا يكون هو من جاء لاستقبالك .
رفعت سول حاجبها وقد شعرت بالضيق يعتريها، تميل برقبتها للجانب، ثم رفعت عيونها لموزي الذي كان منشغلًا في تناول طعام بكل لطف .
_ لا افهم ما علاقة ملككم العزيز بثيابي، هل يتحكم بثياب جميع أفراد شعبه ؟؟
_ بل هي تقاليد نلتزم بها جميعًا داخل الممالك .
كانت تلك كلمات صامد الباردة وهو يكمل تناول طعامه بهدوء، بينما هي فقط رددت كلماته باستنكار :
_ تقاليد ؟؟
_ هكذا يأمرنا ديننا آنسة سول، النساء في الممالك لا يمكنهن ارتداء مثل هذه الثياب الـ ....
صمت صمود عن التحدث، وهو يرى ملامح سول قد تغضنت بمشاعر سلبية كثيرة لم يفهم منها شيئًا، أبعدت الشطيرة عن فمها، ثم قالت بهدوء :
_ لقد انتهيت من تناول الطعام، حينما تنتهيا لنكمل الطريق رجاءً فقد مللت من هذه الرحلة وقد طالت عما تستحق، ولا أدري حقًا إن كنت سأصل في النهاية لمشكى هذه، أم اكتشف في النهاية أنني كنت من الحمق للبحث عن سراب ومملكة خيالية مع رجلين غريبين فقط لأن أبي أمرني بذلك .
ختمت حديثها تجمع اغراضها داخل حقيبة الظهر، ثم تحركت بعيدًا عنهما بينما موزي ينظر صوب صامد وصمود بغضب وكأنها هما سبب تعكر مزاجها لسول .
والأخيرة فقط ابتعدت تشعر بغصة في حلقها، وشعور غريب بالرفض لما تفعله، منذ متى كانت بهذا التهور لتتخلى عن حياة مضمونة لأجل مجهول ؟!
والله وحده يعلم ما الذي يخفيه هذا المجهول لها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سفيد القلب النابض للمالك الأربعة وأكثر الممالك تماسكًا على مر العصور رغم كل ما مرت به سابقًا، تلك المملكة التي كانت مقرًا لجميع الاجتماعات سابقًا هي نفسها مقر التجمع الحالي للحكم بين سبز ومشكى بعدما لجأ لهم أحد رجال سبز لاغاثتهم من أفعال أرسلان لهم مرتعبين أن يهجم عليهم في أي لحظة من لحظات غضبه .
سفيد والتي رزقها الله بملك هادئ عاقل، يفكر مئات المرات قبل أن يخرج كلمة من فمه، فإن كان أرسلان يجيد المبارزة بالسيف، فملك سفيد يجيد المبارزة كذلك بكلماته .
وهذا ما جعل سفيد قلب الممالك ومقر الحكم واجتماع جميع الملوك على مر العصور لمناقشة كل ما تمر به الممالك من أوضاع والبحث عن حلول لمشاكل الجميع .
تحرك بهدوء بين الممرات يهز رأسه لرجاله باحترام، جواره يرافقه الكثير من رجاله، لكن أهمهم كان قائد جيوشه الذي سايره في الخطوات يردد بهدوء ونبرة جادة :
_ أنت لا تصدق ما يقال صحيح ؟؟ أرسلان نعم مختل لكن ليس لهذه الدرجة، هو لم يفعلها سابقًا ليفعلها الأن .
ابتسم الاول بسخرية لاذعة :
_ نحن نجاريهم يا سالار، دعهم يفضون بكل ما يثقل قلوبهم وفي النهاية ننفذ ما نريد نحن، حسنًا ؟؟
ابتسم سالار يدخل مع إيفان " ملك سفيد " لقاعة الاجتماعات الفسيحة يستقبلان بها ملك آبى " آزار" والذي كان أول الواصلين، ويعز عليهم أن يبصروه وحيدًا وقد اعتادوا رؤيته جالسًا مع العزيز بارق .
ابتسم إيفان للملك آزار مرحبًا به وهو يتحرك صوبه :
_ أنرت سفيد ملك آزار..
_ اشكرك ملك إيفان.
ألتفت صوب سالار يفتح ذراعيه بحب شديد :
_ مرحبًا بالغالي، اشتقت لك عزيزي .
اندفع سالار لأحضان خاله يستقبله بالقبلات والترحيب :
_ والله ما قلّ شوقي عن خاصتك يا أبي، أدام الله لي وجودك وليشفي الملك بارق .
أمن على حديثه آزار وايفان في اللحظة التي أعلن بها الحاجب وصول رجال سبز، تحركت جميع الأعين صوب الباب ليبصروا مجموعة من الرجال بملامح مقتضبة يتوسط أنمار الذي كان يرتدي ثوب ملك سبز، نفسه ثوب الملك بارق .
انقبضت ملامح آزار وقد ارتسمت بسمة مغتاظة على فمه وكم يعز عليه أن تتوسط تلك العباءة جسدًا غير جسد رفيقه العزيز بارق، بينما كانت ملامح سالار جامدة، وخاصة إيفان محايدة بشكل كبيرة .
وصل لهم أنمار يهتف بهدوء شديد وبسمة راقية :
_ شاكر تلبيتكم لطلبي بالاجتماع وأتمنى أن نوفق فيما جئنا لأجله جلالة الملك .
هز له إيفان رأسه ببسمة صغيرة يشير له بيده مرحبًا :
_ بإذن الله، استرح ريثما نكتمل رجاءً سيد أنمار .
ورغم أن أنمار لم يعجبه أن يلقبه إيفان بسيد دون أن يذكر لقبه الجديد كملك لسبز، إلا أنه احترمه وتحرك ليجلس بهدوء شديد ومعه بعض الرجال الذي رمقهم سالار باستنكار :
_ أراك جئت وقد تجهزت للحرب أنمار .
رفع له أنمار رأسه يجيب باقتضاب شديد :
_ هم هنا لحمايتي و....
قاطعه سالار بكل بساطة يشير للرجال بالتحرك للخارج :
_ أنت هنا في سفيد وفي قصر الملك إيفان، سيكون من المهين أن تصطحب حراسك حاملين أسلحتهم بهذا الشكل في وجودنا، وإن لم تكن تفهم في مثل هذه الأمور، يمكنك أن تسأل ولا تخجل .
اشتعلت عيون أنمار ينظر لهم، يشعر بالخطر من وجود سالار في المكان، لم يحسب له حسابًا هو سيتحمل وجود أرسلان بصعوبة، الآن هناك أيضًا سالار، هذا سيكون كثير .
_ إذن بما أن الأمر سيكون خاص بين الملوك، اعتقد أن سالار عليه الخروج .
صمت فجأة حين أبصر نظرات سالار الذي تحرك بهدوء يجذب المقعد الخاص به بعنف، ثم ألقى جسده عليه بأريحية :
_ لا تخف أنمار فأنا لا احمل سيفي الآن، عليك أن تحمل هم أرسلان الآن وليس أنا، أو ربما لا .....
صمت ثواني يرمقه بنظرات جعلت الاخير يبتلع ريقه ثم أكمل سالار بهدوء :
_ ثم أراك تعُد نفسك مع الملوك، فاللهم خير ؟؟
ابتسم إيفان بسمة واسعة وهو يجلس على مقعده يراقب سالار يتعامل مع الأمر وقد أثار استياءه كذلك .
أشار إيفان لآزار أن يترأس هو الطاولة بهدوء :
_ ترأس أنت الطاولة والاجتماع ملك آزار فأنت اكبرنا عمرًا بعد الملك بارق شفاه الله واعاده سالمًا لبلاده .
كان يتحدث وعيونه مثبتة على أنمار الذي بادله النظرات بأخرى متحدية مبتسمة، ليرفع له إيفان حاجبه بسخرية .
وبعد ثواني من الصمت الخانق الذي مر على القاعة أبصر سالار انتفاضة غير محسوسة في جسد أنمار حين سمع الحاجب يعلن وصول أرسلان ..
ابتسم بسخرية وهو يهمس لإيفان بصوت منخفض :
_ يبدو أن عزيزنا أرسلان قد أجرى محادثات طويلة مع أنمار .
بادله إيفان البسمات وهو يحرك عيونه صوب باب القاعة الذي فُتح كاشفًا عن أرسلان الذي جاءهم بحلته التي يرتديها عادة في الحروب :
_ نعم فعل، ذلك الــ ...لقد تعهد لي أن يحاول التحكم في أفعاله ولسانه .
تقدم منهم أرسلان بهدوء شديد ومعطفه الاسود يتحرك خلفه، يمرر نظراته على الجميع حتى توقفت على أنمار الذي تجمد وجهه بنظرات غاضبة جعلت أرسلان يرميه ببسمة خبيثة، قبل أن يتجاهله وهو يتحرك صوب الجميع يرحب بهم ببسمته الودودة ومشاعر حارة .
ثم نظر حوله قبل أن يتحرك صوب المقعد الذي يقابل أنمار ويجلس عليه بكل تعنت، تحت نظرات إيفان وسالار له .
ثواني حتى تحدث آزار بجدية :
_ إذن دعونا نبدأ رجاءً فيما جئنا لأجله .
تحدث أرسلان بهدوء وجدية يضع يديه على الطاولة أمامه يعرض وجهة نظرة بكل تحضر :
_ والله أنا لا اعلم سبب هذا الاجتماع، جعلتم العجوز آزار يتكبد عناء المجئ من آبى لأجل أمر كان سيُحل بمنتهى البساطة، من الأساس أنا وأنمار كدنا نصل لحل سلمي، أليس كذلك عزيزي أنمار.
احتدت أعين انمار بشدة وقد التوت ملامحه بغيظ وغضب شديد ودون شعور تحركت كفه يتحسس وجنته وجسده يهتز بغضب لم يفهم له المحيطين سبب، بينما أرسلان نفخ بضيق وحنق شديد يرفع إصبعه في وجه أنمار مستاءً من كل ذلك :
_ أنت ذو قلب اسود .
رماه ايفان بنظرات مرتابة ليبادله أرسلان النظرة بأخرى في غاية البراءة، ثم استدار يتنهد ببراءة أكبر :
_ حسنًا لا بأس، إن أردتم نتعامل بشكل رسمي فلنفعل، هيا أنمار يا عزيزي أخبر الرجال ما فعلته معي ومع حدودي .
_ ماذا فعلت أنا ملك أرسلان غير أنني طالبت بحقوقي وحقوق شعب سبز، أنت تود أخذ خيراتنا بلا مقابل معتمدًا على طيبة قلب الملك بارق و....
قاطع حديثه ضربة أرسلان على الطاولة وعيونه التي اشتعلت وهو يردد بصوت كالفحيح :
_ التزم حدودك فأنت لا تريد اغضابي أنمار، أنا لم أكن انتظر صدقات منكم ولا من الملك بارق شفاه الله، رغم أني أدرك طيبة قلبه كما تقول، لكنني اتفقت معه أنني سأعطيه حقه لا ينقص شيء، وهذا كان سيصل بعد استلامنا للغلال بعشرة أيام حسب اتفاقي معه، كون أنك لا تعلم بالأمر لا يعنيني، لكن أن تحقر من شئني وشأن شعبي وتظهرني كما لو أنني أتلقى صدقات منكم ؟؟؟
صمت يتنفس قبل أن ينتفض صارخًا بجنون :
_ فخسئت أنت وكل سلالتك، ما كان لي أن أمد يدي لأخذ صدقة ولو من والدي رحمة الله عليك، فما بالك من أشباه الرجال امثالك .
انتفض انمار بقوة عن مقعده حتى أنه سقط ارضًا يصرخ بجنون في المكان بصوته كله حتى أن إيفان اغمض عيونه بضيق وهو يعود بظهره للخلف يتابع ما يحدث ليرى نهاية الأمر .
_ أشباه رجال ؟! من تصف باشباه الرجال يا هذا ؟! أشباه الرجال هؤلاء هم من سقطت بلادهم من ضربة واحدة، أتعيب علينا وأنت....
وقبل إكمال جملته كان جسد أرسلان يقفز على الطاولة يمسك بجسد أنمار بشكل مخيف يهتف من بين أسنانه:
_ أشباه الرجال أنفسهم هم الذين نسوا ما عاهدوا الله عليه، أشباه الرجال هم من لا يلتزمون بكلماتهم، أشباه الرجال هم أنت أيها القذر، تصف نفسك رجلًا وتسخر من بلادي وشعبي ؟؟ شعبي الذي صمد في وجه محتل، وحاربوه بدمائهم بعدما أُنتزعت منهم أسلحتهم ؟!
صمت يمسكه من رقبته يهمس بصوت كالفحيح :
_ شعب صمد في وجه غدر وخيانة ما كان لك بالصمود أمامها لثانية أيها الوسخ، أحذية شعبٍ ناضل لأجل حياته أكثر قيمة من أمثالك أيها الــ......
_ أرسلان...اهدأ .
استدار أرسلان صوب إيفان وقد كان جسده بالكامل ينتفض غضبًا، يتنفس بعنف يدفع أنمار للخلف بقوة جعلت الاخير يسقط ارضًا قبل أن يتماسك .
يرمق أرسلان بكره وحقد شديد، يحاول التنفس بشكل سليم بعدما خنق أرسلان الهواء عنه .
بينما أرسلان رفع يديه في الهواء مبتسمًا بهدوء رغم عيونه الحمراء المشتعلة يقول بصوت وضع به كل ذرات صبره الوهمية :
_ أنا في غاية الهدوء ملك إيفان، فقط اجيب على أنمار فهو يكره حين التزم الصمت، ولا يهدأ إلا حينما يسمع ردي، انظر إليه أصبح صامتًا هادئًا لأنه سمع ردي عليه .
كان يتحدث وهو يشير صوب أنمار الذي كان ساقطًا ارضًا لا يجيب بكلمة ولا يتحدث بشيء فقط يحدق في وجهه بغضب .
ردد آزار بصوت مرتفع رغم تشفيه :
_ أرسلان ما فعلته لا يجوز، أنت تحتاج لتعلم الصبر والتحكم في ردات فعلك أكثر من هذا .
هز أرسلان رأسه بحسنًا دون أن يدخل في نقاش عقيم يخبر به الجميع أنه بالفعل في أقصى حالاته ضبطًا للنفس وإلا لكانت روح أنمار تطوف بينهم الآن، ثم هو مؤخرًا بدأ يتدرب على التحكم في لسانه ويده .
جلس على المقعد مجددًا بهدوء مبتسمًا ينتظر نهوض أنمار الذي نفض ثيابه يقول بصوت حاد وكرامه مجروحة :
_ ما فعلته لن امرره لك أرسلان، الأمر لن ينتهي هنا على هذه النقطة .
هز له أرسلان رأسه يجيب بكلمة واحدة :
_ حسنًا .
كبت إيفان ضحكته وهو يرمق أرسلان بطرف عيونه يعلم أنه الآن يتماسك بصعوبة عن قتل أنمار.
وسالار فقط يراقب ما يحدث دون كلمة من جهته وقد كان يساند أرسلان وللمرة الأولى فيما فعل، فمثل تصرفات أنمار وحديثه لا تخرج إلا من رجل خسيس لا يعلم عن دينه شيئًا، لذا فقط التزم الصمت يراقب الجميع ينتظر الفرصة المناسبة للتحدث والتدخل .
صدح صوت آزار مجددًا :
_ نحن هنا للتحدث والوصول لحل لا لصنع عداوات لا فائدة منها، سبز ومشكى جيران منذ قديم الزمان، لن تأتي الان وتخرب العلاقات بينهما بسبب حديثك هذا أنمار.
مسح أنمار وجهه يتحدث بجدية :
_ أنا لم أخطئ بشيء ملك آزار ما أطالب به حق شعبي وأموالهم، ولا أجد عيب في المطالبة بحقي .
فتح أرسلان فمه للتحدث لولا يد إيفان التي أمسكت ذراعه يمنعه الحديث والقاء كلمات كالسم :
_ ومن منعك حق شعبك أنمار ؟! الملك أرسلان اخبرك للتو أن أموال الغلال ستصلك بعد استلامه البضاعة بعشرة أيام، أين الخطأ هنا ؟!
_ عشرة أيام ؟؟ حقًا ؟؟ نحن نريد أموال الغلال حين التسليم كي نستخدمها في بداية الموسم الجديد، أي تأخير قد يؤثر علينا وعلى الإنتاج .
ضم إيفان كفيه على الطاولة أمامه يردد بهدوء :
_ نعم أنت محق، وبما أننا فتحنا هذا الموضوع، إذن هي فرصة مناسبة لمطالبتك بثمن الأسلحة التي اخذتها من مملكتي منذ ما يزيد عن اسبوع فأنت تدرك أن أي تأخير قد يؤثر علينا وعلى الإنتاج .
بُهتت ملامح أنمار وتوتر وهو يرى نظرات إيفان له، بينما سالار ابتسم بهدوء يوافقه :
_ هذا صحيح مولاي، فمنذ يومين تحدث معي صانع الاسلحة يخبرني أن حركة التصنيع كلها توقفت ولن يحركها سوى الأموال التي ننتظرها من سبز .
انتفض انمار عن مقعده يهتف بصوت جهوري متحفز :
_ أنتم تتعاونون ضدي، تتحدون ضدي فقط لأنه رفيقكم صحيح ؟! وأنا من ظننتم انكم ستعدلون الحكم، تريدون نهب سبز فقط لأن ملكها يمر بحالة صحية سيئة ؟!
تمتم أرسلان بصوت مسموع :
_ لا حول ولا قوة الا بالله، والله لا ينهب سبز غيرك أيها....الأنمار .
نطق اسمه كالسبة في النهاية حين أبصر نظرات سالار المحذرة له، ومن ثم قال بعد تنهيدة مرتفعة :
_ لننتهي من هذا الهراء وأخبرني ما الذي تريده ؟! الثمن قبل الشحن ؟! لك هذا يا عزيزي .
تنازل لأجل شعبه وكم يعز عليه أن يقول ذلك أو يتعامل مع أنمار بعد ما صدر منه، لكن إن كان المقابل هو شعبه فسيختار شعبه على ذلك القذر .
لكن أنمار ابتسم بسمة صغيرة يردد بهدوء :
_ أو ربما نصل لحل افضل، أنت احتفظ باموالك وتستخدمها في اشياء اخرى أكثر إفادة لشعبك .
_ مقابل ؟؟
_ الحدود المشتركة بيننا، والتي تخص سبز قبل أن ينهبها والدك منا، اريد استعادتها مقابل الغلال التي ستأخذها منا، ما رأيك ؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت أعلى الحافة تراقب بأعين متسعة تلك السحب التي تخفي ما أسفلها بانبهار وانفاس مسلوبة، تشعر كما لو أنها اقتحمت إحدى الروايات الخيالية التي كانت تدمنها في مراهقتها، ابتلعت ريقها تحاول التنفس بشكل طبيعي هامسة بصوت شبه مسموع ...
_ ما هذا ؟؟
ابتسم لها صمود يردد بفخر شديد وهو يقف على الجيل المشرف على الاربعة ممالك :
_ هذا الجانب الآخر من العالم حيث نحيا، وحيث ستعيشين أنتِ .
استدارت له تهتف بعدم تصديق :
_ أنا سأعيش هنا ؟؟ وكيف سنتخطى هذا الجزء، هناك طائرة ستقلنا ؟؟
أجابها صامد ببسمة جانبية :
_ سنرفرف للاسفل.
ضيقت ما بين حاجبيها :
_ ماذا ؟! كيف ؟!
وقبل أن تتبع كلماتها بتساؤل آخر أبصرت صامد يقترب من الحافة مرددًا :
_ أحضرها وأنا سأسبقكم لابلغ مشكى بوصولها.
وفي ثواني كانت السحب تبتلع جسده لتطلق سول صرخة مرتفعة تتراجع للخلف بسرعة تشعر بموزي يمسك رقبتها برعب شديد حتى كاد يخنقها .
تقدم منها صمود للحديث وهي فقط تهذي برعب :
_ لقد سقط شقيقك من الـ
_ لم يسقط، بل قفز، هيا دورنا.
تشنجت ملامحها تنظر له بصدمة :
_ أنت مجنون ؟!
_ هذه الطريقة الوحيدة للوصول إلى مشكى .
_ بل الطريقة الوحيدة للوصول إلى الآخرة، أنت لا تظن أنني سألقي بنفسي بهذه الطريقة ؟!
نظر صمود حوله بضيق، الحقير صامد قفز وتركه هو يتعامل معها، تنفس بصوت مرتفع، ثم قال :
_ فقط اغمضي عيونك واقفزي .
_ نعم وافتحها لأجد روحي تحلق في السماء .
مسح صمود وجهه يقول بنفاذ صبر :
_ إذن لن تقفزي ؟؟
نهضت تنفض ثيابها تضم لها موزي، ثم استدارت صوب الغابة تردد بجدية :
_ لا ولن اكمل في هذا الهراء و.....
ولم تكد تبتعد خطوة عن صمود، حتى شعرت به يجذبها من حقيبة الظهر بقوة يجرها من ظهرها صوب الحافة وهي تصرخ تضم لها موزي وقد اندمجت صرخاتها مع صرخاته ليرن صداهما في المكان، وفي ثواني شعرت باقدامها ترتفع عن اليابسة وجسدها يطير في الهواء وصرخاتها هي وموزي الذي جُن وضم رأسها بعنف تصدح في المكان .
وصوت صمود يردد بصرخات مرتفعة :
_ خذي شهيق طويل فنحن على وشك السقوط في بحيرة ...
انطلقت اصوات الصراخ من فهم سول :
_ تبــــــــــــــًا لــــكـــم جميعـــــًا ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن هل نتحدث له ؟!
استدار المعتصم صوب زيان، ثم نظر صوب أرسلان الذي يجلس في شرفته بهدوء مرعب منذ عاد من اجتماعه في سفيد قبل ساعتين تقريبًا، يتأمل السماء بهدوء مرعب .
_ يا بني هل تشتاق لقبرك ؟؟ إن أردت التحدث له، اذهب أنت وتحدث له وأخبره ما تريد، لكن أنا مازلت صغيرًا لأموت بطريقة غير آدمية على يده .
زفر زيان بشفقة على حالة أرسلان :
_ أنا حقًا لا ادري ما الذي حدث بسفيد ليعود بمثل هذه الملامح يبدو كمن .....
_ كمن كان بحرب ضروس .
كانت تلك كلمات المعتصم والذي اكله الفضول ليدرك ما حدث باجتماع اليوم، لكن يبدو أن أرسلان اكتفى من إدعاء الجهل والجلوس على النافذة صامتًا :
_ إن انتهيتما من الحديث، هلّا تقدمتما وتحدثتم فيما جئتم لأجله .
نظر له المعتصم بتردد بينما زيان شعر أن وقت الهروب قد حان يستأذن منهم سريعًا :
_ لقد تركت المشفى دون رقيب وأخشى أن يأتي أحدهم ولا يجدني، اعذروني فالواجب يناديني .
رمقه المعتصم بشر يمسك يده يمنعه من الرحيل :
_ توقف أيها الجبان لقد اتفقنا أن نخبره سويًا و....
_ لست جبانًا بل ذكيًا بما فيه الكفاية لانجو بحياتي، والآن اعذرني فالواجب يناديني، والموت يناديك .
ابتسم يربت على كتفه وكأنه يودعه الوداع الأخير، ثم رحل بسرعة تاركًا المعتصم يحاول أن يتمالك نفسه ويتحرك ليخبره ما جاء به .
_ اقترب يا المعتصم لن اعضك .
اقترب المعتصم وهو يدقق النظر لملامحه:
_ العفو مولاي، لكن منذ عودتك وملامحك لا تبشر بالخير، ما الذي حدث هناك ؟!
ابتسم أرسلان بسمة مظلمة وهو يتذكر ما حدث، قبل أن تصدح ضحكته ويخبره بهدوء :
_ لا شيء فقط أنهينا المشاكل بشكل ودي وسلمي .
رمقه المعتصم بشكل جعل أعين أرسلان تزداد غموضًا يتحدث بهدوء شديد عكس ما يموج داخله :
_ قل ما جئت لأجله يا المعتصم أعلم أنك تكبت الكثير داخلك .
تقدم المعتصم من الشرفة التي تتوسط نهاية ممر الطابق الثالث تتخذ شكل قبة واسعة ذو حافة اسمنتية بارزة يستخدمها أرسلان للجلوس .
جلس جواره يردد بصوت خافت :
_ إذن هل أنت بمزاج يسمح لك بالقيام برحلة مسائية ؟؟
لم يفهم أرسلان ما يقصد المعتصم، قبل أن يبتسم الاخير بسمة واسعة يقول بهدوء ملقيًا قنبلته :
_ لقد جاء صامد منذ دقائق قليلة كي يوصل لك رسالة بأن مهمته انتهت .
مجددًا ضيق عيونه ينتظر منه توضيحًا أكثر، فابتلع المعتصم ريقه يقول :
_ لقد وصلت ابنة السيد رائف ولا بد أنها الآن على حدود مشكى تنتظر وصولك لتتسلمها مولاي ..........
___________________
ربما نعتبرها بداية حربٍ بلا راء........
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الرابع 4 - بقلم رحمة نبيل
#الفصل_الخامس ( البحر من ورائكم والعدو من أمامكم)
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم
صلوا على نبي الرحمة
_________________
استيقظت بعد نومة هانئة دون أن تشعر حتى بالقلق كما اعتادت منذ وفاة والديها، والسبب مجهول، أو ربما معروف ولكنها تحاول أن تتجاهله قدر الإمكان...
ابتسمت حين أبصرت موزي يجلس على نافذة الشرفة الخاصة بها يراقب السماء كعادته حين يستيقظ .
تحدثت ببسمة وبلغتها البرتغالية المتقنة :
_ صباح الخير موزي، تبدو نشيطًا اليوم ..
تحركت عن فراشها وهي ترتدي ثياب النومء والتي تتكون من بنطال قصير وثياب علوية ضيقة .
ضيقت عيونها تتعجب أن موزي لم يستدر لها أو يعيرها أي انتباه حتى كما جرت العادة، فقد كان يتحين الفرصة ليقفز عليها بكل سعادة بعد كل استيقاظ لها .
تحركت صوبه تردد بعدم فهم :
_ موزي ما الذي تفعله منذ الصباح ويشغلك عني ؟!
وقبل إكمال جملتها أبصرت ما يفعل لتتسع عيونها تهمس بصدمة كبيرة وحذر :
_ لا ليس هنا، من أين أحضرت كل هذه الفاكهة موزي ؟!
لكن موزي لم يهتم حتى للأستدارة وإجابتها على شيء، بل كان منشغلًا كليًا في مراقبة الجميع في الاسفل، ويتناول الفاكهة باستمتاع، وكأنه ينتظر شيئًا بعينه، وها هو انتفض جسده باهتمام شديد حين أبصر ما يريد .
تحفز جسده بشكل مريب جعلها تقترب أكثر من النافذة غافلة عما ترتدي، تراقبه بعدم فهم :
_ موزي ما الذي تفعله ؟؟ نحن لسنا في المنزل لتـ
وقبل إكمال جملتها ابصرته يرفع الفاكهة في الاعلى وهو يوجهها صوب جهة معينة، ضيقت عيونها تنظر للاسفل تبحث عن هدف موزي، ولم يأخذ الأمر منها وقتًا لتدرك أن قردها العزيز جعل الملك الطاغية هدفًا لفاكهته ويبدو أنه لم ينس بعد ما فعله له سابقًا...
اتسعت عيونها تتحرك بسرعة صوبه تجذب ما يحمل وهي تصرخ :
_ إياك، إياك وفعلها لا ينقصنا صراخه منذ الصباح و....
وسبق السيف العزل، قبل حتى أن تنتهي من جملتها كانت بقايا الفاكهة التي يتناولها موزي تصطدم بظهر أرسلان في الاسفل والذي كان يتحدث مع بعض الرجال في منتصف الساحة الخلفية للقصر .
وفجأة وأثناء انسجامه في الحديث مع الرجال شعر بشيء يصطدم به من الخلف، ضيق أرسلان ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يستدير خلفه يبحث عن الفاعل، وحين أبصر المكان فارغًا، رفع حاجبه بتفكير، قبل أن يرفع عيونه فجأة للأعلى ليبصر ذلك القرد يراقبه بسعادة، ابتسم بسمة مخيفة سرعان ما تلاشت بشكل مفاجئ حين أبصرها تقف في النافذة بهذه الهيئة .
همس بصدمة كبيرة وقد تسارعت دقات قلبه مما يرى :
_ ما هذا الــــ
أبعد عيونه بسرعة يعض شفتيه متوعدًا لها بالويل :
_ سامحك الله يا رائف، هل شغلتك الحياة عن تربية ابنتك ؟؟
أفاق أرسلان من شروده على صوت زيان يتحدث بجدية :
_ مولاي هل سمعت ما قلت ؟؟
_ ماذا ؟؟ عفوًا زيان لقد شردت، ما الذي كنت تردده ؟؟
أعاد زيان ما قال منذ ثواني يردد بجدية كبيرة يوضح بها الملك ما سيفعل في الأيام المقبلة :
_ كنت أخبرك أنني رتبت لأجل الحملات الطبيبة التي ستجوب المملكة، لكن الأمر يحتاج للكثير من التمويل، فالادوية التي نمتلكها لن تكفي الـ
قاطعه أرسلان وهو يبعد صورتها عن عقله مستغفرًا ربه يحاول أن يهدأ قليلًا ولا يصعد ويلقيها هي وقردها من النافذة :
_ لا تهتم ولا تحمل هم شيء زيان، أنا اتدبر كل شيء، فقط أبدأ جولتك وعالجهم، هناك الكثيرون من أهالي مشكى ما يزالوا جرحى ولا يستطيعون البحث عن علاج أو التحرك لايجاده، أريد أن تصل المساعدة لكل منزل في البلاد .
هز له زيان رأسه يردد بجدية :
_ لا تقلق مولاي، أنا جهزت الكثيرين ممن درسوا الطب بالفعل وسأعمل على متابعتهم بشكل دوري وتوزيع المساعدات بشكل متساوي على الجميع .
ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة، ثم استدار صوب رجل في الخمسين من عمره يردد بهدوء :
_ وأنت يا المصطفى هل تسير كل أمورك على ما يرام ؟؟
أومأ له المصطفى بهدوء :
_ عاينت جميع المباني التي ستتحول لمصانع، وقد بدأنا العمل بالفعل عليها وبإذن الرحمن خلال أسابيع وتصبح جاهزة لعودة الصناعة بعد توقفها في البلاد .
_ جيد، اعتني بالأمر، أريد تحقيق اختفاء ذاتي في أسرع وقت .
_ إن شاء الله مولاي .
تنهد أرسلان تنهيدة شبه مرتاحة، ثم مسح وجهه يشير لهم بالانصراف، وقد بدأ يعود ببلاده شيئًا فشيء صوب الطريق الصحيح، بغض النظر عن غلال الطعام التي اوقف استيرادها من سبز بعد آخر حوار نشأ بينه وبين أنمار العزيز .
تحرك بعيدًا عن الساحة يدخل القصر كي يبدل ثيابه لأخرى أكثر راحة كي ينضم لجنوده والمعتصم في ساحة التدريب .
وبمجرد دخوله للقصر تحرك صوب جناحه وهو يفكر في القادم، عليه بدء استصلاح الأراضي الزراعية الخاصة بمملكته، فهو لن يضع نفسه وشعبه تحت رحمة أحدهم ولو كان ذلك الاحدهم هو والده نفسه .
وحين استقر على ما سيفعل رفع رأسه لينحرف في الممر المؤدي لجناحه قبل أن يسمع صوتًا انثويًا أجبره على رفع عيونه ليرى من المنادي رغم أنه يدرك جيدًا صاحبة الصوت .
_ أيها الملك ...
رفع عيونه لها بغضب شديد مما حدث صبيحة اليوم وخروجها للنافذة بثياب ليست بثياب حتى، فتح فمه للصراخ قبل تعلق الكلمات في حلقه وتتسع عيونه بصدمة كبيرة يراها تقترب منه بفستان يغطي كامل جسدها، من اللون الاسود مع بعض زهور العباد الصفراء وتجمع خصلاتها في شريطة صفراء على هيئة وردة أعطتها هيئة في غاية الرقة، وكان سيقدر أرسلان صنيعها إن كانت احتفظت بكل رقتها لنفسها في غرفتها .
استدار بسرعة ينظر حوله يبحث عن أي رجل داخل الممرات، وحين اطمأن أن لا رجال في المكان اندفع بسرعة صوب غرفته التي كان على اعتابها يفتح الباب بسرعة كبيرة ينتزع معطفه الذي يلقيه على الفراش، ثم خرج بسرعة يلقيه عليها صارخًا بحدة :
_ ارتدي هذا ...
توقفت سول بصدمة ولم تكد تستوعب ما يحدث حتى اكمل صراخه وهو يشير لها أن تبتعد :
_ ألم أحذرك تجاوز حدودك يا امرأة ؟؟ ما هذا الــ ...لا أجد تسمية لما تفعلين، كيف تخرجين بهذه الهيئة الــ ...
ومجددًا عجز عن إيجاد وصف لما يراه وتفعله هي ..
أمسكت سول المعطف الخاص به تنظر له ثواني ببرود قبل أن ترفع عيونها له تقول ببسمة عادية وبمنتهى الرقة وكأنه لا يصرخ بها :
_ اشكرك، افضل الاحتفاظ بهيئتي كما هي .
_ وأنا لا افضل ذلك البتة، فإما أن تخفي ما تظهرينه بسخاء للجميع، أو اخفيكِ أنا للأبد.
رفعت حاجبها تردد بسخرية :
_ ماذا؟؟ ستقتلني وتواري جثتي ؟!
_ وهل تعتقدين أنني بالغباء الذي يجعلني أأثم لأجل امرأة مثلك ؟؟
ابتسمت سول بسمة جانبية وهي تلقي معطفه عليه تقول بكل عناد، تنظر لعيونه بتحدي :
_ امرأة مثلي أنت لن تحب رؤية ما يمكنها فعله بك إن عاملتك المعاملة التي تعاملها للرجال امثالك سيدي الملك.
إهانة بإهانة، ورغم أنه محق وهي تدرك ذلك، إلا أنها كانت ستقدر له حديثه معها بهدوء وسلام ربما حينها كانت ستستمع له، لكن الآن وقد سلك طريقًا آخر في الحديث، فليتحمل لذاعة لسانها.
اتسعت أعين أرسلان بصدمة كبيرة يبتسم بسمة مخيفة يضغط على معطفه، وقبل أن ينطق بكلمة وجدها تتحرك بكل هدوء بعيدًا عنه وبخطوات رقيقة بهذا الثوب الذي يخفي كل شيء بها عدا شعرها ورقبتها .
وهي فقط شعرت بحاجتها للخروج قبل أن تتعامل معه معاملة الرجال في السجون، فعقلها الأن يشجعها وبشدة على ضرب رأسه في الجدار و....
توقفت أفكارها فجأة وتوقف سيرها بالتزامن مع خروج شهقات مرتفعة حين وجدت سيف يقطع طريقها، نظرت لذلك السيف بأعين متسعة، بينما هو كان يقف جوارها يبعد عيونه عن جسدها يحدق بالسيف :
_ أنتِ لا تريدين اللعب معي بهذه الطريقة صدقيني .
ابعدت سول عيونها عن السيف ببطء حتى ثبتتها على وجهه، ثم وفي غفلة عنه أمسكت السيف بقوة و اقتربت منه بخطوات جعلت جسده يتجمد بغضب، يحاول التماسك وتذكير نفسه أنها امرأة، تراجع خطوات للخلف ليس خوفًا بل تجنبًا لأي تلامس غير مرغوب من طرفه، بينما هي ابتسمت تقف على بعد خطوات صغيرة منه وهو يراقبها بشر أن تتجرأ وتقترب خطوة إضافية :
_ أنا لم اقطع كل تلك المسافة تاركة خلفي حياتي واصدقائي وعملي وكل ما امتلك كي تتحكم أنت بي بهذا الشكل، أهتم بمملكتك ودعك مني وحياتي، صدقني هذا سيريح كلينا .
أجابها أرسلان بغيظ شديد وشر ونظرات ملتهبة جعلتها تبتلع ريقها والخوف يسكنها، وها قد أبصرت بأم عينيها تجسيد حي للنظرات التي تحدث الكاتب المختل عنها :
_ تحكم !؟ تسمين ما أفعله تحكم ؟! آه يا امرأة أنتِ حقًا لا تريدين رؤية تحكمي، ولن تفعلي، فلا حق لي عليكِ لاتحكم بكِ، لكن لي كامل الحق في فرض قواعد وقوانين هذه البلاد عليكِ رغم أنفك .
صمت ثم أكمل بشراسة غير مهتمًا للخوف اللحظة الذي سكن عيونها :
_ ثيابك هذه لا يجوز الخروج بها من باب غرفتك و إلا أقسم بالله أنني ســ.....
وقبل إكمال جملته انتفض جسده وجسدها حين سمعا صوت صرخات يأتي من الخارج والأصوات الجهورية تنطلق وكذلك صافرات الإنذار تعلو في المكان .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت صدمته وهو يراقبها تُعامل معاملة الجواري اكبر من أي صدمة قابلته في حياته، هو في حياته لم يقابلها يومًا أو يبصر وجهها منذ نضجت، كانت جميع لقائاته معها من وراء حجاب أو رسمية لأكبر حد ممكن ..
الآن يبصر امرأة تُباع وتصرخ أنها ابنة الملك بارق؟؟ حقًا ؟! وما الذي ستفعله ابنة الملك بارق في مثل هذا المستنقع ؟
شعر بقبضة الوليد تمسك يده وهو يجذبه بعيدًا ساخرًا :
_ ماذا هل أعجبتك المرأة ؟؟ يمكنني شرائها لك إن أردت .
سار خلفه نزار وهو ما يزال ينظر صوب تلك المرأة التي تقف بكل اباء تنظر للجميع بشر، يحاول معرفة إن كانت صادقة أم لا، لكن كلمة الوليد سقطت على مسامعه قوية بشكل مرعب :
_ شرائها ؟؟ شراء ماذا ؟؟
_ المرأة، عزيزي أنت هنا بأكبر سوق للنساء وكل ما تشتهي الأنفس .
انقبض قلب نزار بصدمة أكبر، يشعر بحجر وضع أعلى صدره، إذ أبت رئته أن تسمح بدخول ذرة هواء ملوثة إضافية، ما الذي يحدث هنا في عالمهم، كيف يختبئ هذا السواد بين بياض عالمهم ؟؟
أفاق على كلمات الوليد :
_ كلهن نساء جئن لأجل اكتساب قوت يومهن، والبعض رجالهن من ارسلهن مجبرات، لكن في النهاية هن هنا، لذا إن أردت أن تستمتع يمكنك ....
وقبل أن يكمل كلماته أبصر جسد نزار ينتفض بقوة مرعبة وهو يتحرك صوب الرجل الذي امسك بالفتاة التي تدعي أنها أميرة سبز وصفعها بقوة ..
اتسعت عين الوليد يبصر ما يحدث مرددًا :
_ يبدو أنه ورغم حقارتك نزار ما تزال تمتلك صفات القوم الذين تنحدر منهم ...
عند توبة وحين صرخت بهم أنها أميرة ابنة ملك، لم تلقى منهم سوى ضحكات ساخرة والبعض شامتة .
نظرت له بأعين مشتعلة وهي تقسم داخلها أنها ستموت على أيديهم خيرًا لها أن تُلوث .
استدارت بسرعة كبيرة تسحب السيف الذي كان متدليًا من ثياب الرجل الذي جاء لبيعها داخل سوق النخاسة هذا تصرخ بصوت جهوري تتخذ وضعية قتالية وقد كانت تتقن كل ما يتقنه الاميرات من فنون قتالية :
_ اقسم بالحي الذي لا يموت إن اقترب مني أحدكم ليكون مصيره الموت .
نظر لها الجميع بصدمة قبل أن يهتف أحدهم بإعجاب كبير وهو يتقدم منها يقيمها نظرة الشاري لبضاعة جديدة :
_ أحب هذا النوع الشرس، سأشتريها .
مدّ يده صوب وجهها وكأنه يفكر في اختبار بضاعته أولًا قبل اعتمادها، لكن وقبل أن تصل يده لها كانت تسقط ارضًا وقد انفجرت دماؤه في وجه توبة التي تراجعت للخلف وقلبها يرتجف برعب مما تراه، لا تدرك كيف فعلتها، تقسم أنها كانت تهدد فقط، لكن يبدو أن جسدها كان له رأي آخر وتحرك دون إرادتها.
صرخ الرجل بصوت مرعب وهو يمسك موضع ذراعه المبتورة وهي تراقبه بأعين متسعة وقد تشتت عن كل ما حوله ولم تشعر إلا بصفعة قوية تهبط على وجهها والرجل يصرخ :
_ أيتها الوسخة ما الذي تجرأتي وفعلتيه، هل تحسبين نفسك في الممالك حيث حرمة الجسد ؟؟ أنتِ هنا كالخرقة البالية مصيرك التنقل بين الرجال حتى تفني .
كلمات سقطت على مسامعها بشكل جعل جسدها يرتجف بقوة من قذارتها وهي التي لم تحسب يومًا أن تسمعها وقد عاشت كل حياتها في بيئة هادئة نظيفة، وأبوها العزيز، الوحيد الذي كان سيفتقدها ويقلب البلاد رأسًا على عقب لأجلها، أين هو الأن ؟؟
سممه الحقير زوجها بسم بطئ المفعول ..
سقطت دموعها بقوة وقد بدأت شهقاتها تعلو بقوة، حتى امسكها الرجل من حجابها فانتزع بين أنامله ولم يكد يلقيه بعيدًا حتى شعر بمن يمسك يده .
استدار ببطء صوب ذلك الذي تجرأ وتدخل في عمله، ليبصر جحيم داخل نظرات رجل غريب قوي البنية، ابتلع ريقه يحاول جذب يده منه صارخًا :
_ من انت ؟؟ دع يدي .
ضغط نزار على يد الرجل أكثر وأكثر حتى كادت عظامه تتحطم أسفل قبضته لتنطلق صيحة مرتفعة من فمه، حاول تداركها بسرعة والجميع يراقب ما يحدث بصدمة كبيرة .
_ ألم يخبرك أحدهم أن رفع يدك على امرأة قلة مروءة ؟؟
حدقت توبة بذلك الرجل، تشعر أنها رأته من قبل، رأته كثير من المرات لكن أين ؟؟
طبيعة الاميرات في الممالك كانت تضمن لهن أقل فرص في الاحتكاك بأي رجال من ممالكهم أو ممالك أخرى حتى لو كانوا أمراء، لكن هذا لم يمنع من مصادفة قد تحفر له لمحة في عقلها .
ورغم أنها لم تتذكره إلا أنها لم تمنع نفسها من السخرية :
_ وغد يتحدث عن الرجولة ؟!
استدار لها نزار يرمقها بصدمة، وهي رمته بنظرة مقابلة مليئة بالقوة والشر وكأنها تتحداه، ابتسم لها بعدم تصديق وكأنه يخبرها حقًا كدتِ تبكين رعبًا منذ ثواني ممن يضربك والآن تتحديني ؟؟
أبعد عيونه عنها حين سمع صوت الرجل يردد بخبث بعدما نجح في مغافلته وتحرير قبضته منه :
_ أه هكذا إذن ؟؟ يبدو أنها أعجبتك، كان يمكنك قول ذلك دون هذه الأفعال لتظهر ذو مروءة أمام المرأة، نحن هنا لسنا في الممالك .
ويبدو أن كلمة الممالك في هذا المستنقع كانت بمثابة سبة لهم، أن يتشبهوا برجال صالحين كان اسوء ما تصف به زمرة من الاوساخ .
_ ألف قطعة ذهبية وتكون لك .
اتسعت عيون توبة بصدمة، بينما تشنج جسد نزار برفض شديد يشعر بالاشمئزاز مما يسمع، لكن وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة تدخل الوليد الذي وجدها فرصة جيدة ليدفع بنزار خارج عباءة رجال الممالك، ومن افضل من دفع رجل للفساد من مرأة تجره جرًا صوب الحافة ؟؟
خطة وضعها عقل الوليد في ثواني معدودة .
_ لك ما تريد، سأرسل لك ألفي قطعة ذهبية، أرسل المرأة للمنزل الثالث في الجهة الشمالية فهو سيكون مسكنًا لرجلنا الجديد .
اتسعت عيون نزار برفض ينتفض بعيدًا عن الرجل وتوبة التي شعرت بالدنيا تدور حولها، نظرت صوب نزار بشر وهو لا يعي من نظراتها شيئًا فقط ينفي برأسه متقززًا من تلك الفكرة، لكن وقبل أن يتحدث بكلمة أو يصرخ برفضه جذبه الوليد بسرعة وكان آخر ما وصل لاذنه كلمة :
_ بيعت الفتاة للرجل الجديد ذو المروءة ...
خرجت كلماته الأخيرة ساخرة بشكل جعل نزار يتمنى في قرارة نفسه لو بقي داخل سجن والده وأُعدم أفضل له من عيش كل ذلك الكابوس المريع .
أما عن توبة فبمجرد سماعها لقرار بيعها شعرت أن المكان يدور حولها، ولم تعي بمن يجذبها أو يحركها، كلمة واحدة ترن داخل أذنها...
بيعت ....بيعت ...بيعت .
الأميرة توبة أميرة سبز، بيعت كالجارية لأحد رجال المستنقع ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" احتموا في منازلكم، يا أهالي مشكى احتموا في الديار "
كانت كلمات رددها أحد الباعة داخل السوق بصوت جهوري يحذر الجميع حوله بنبرة مرتعبة أن يتكرر ما عاشوه سابقًا، أصبحت النفوس ترتجف كلما سمعوا صرخة، يسيرون الطرقات وفي عقولهم يتوقعون أن تهبط ضربة أعلى رؤوسهم في أي لحظة، أصبحت نفوسهم مهتزة ينتظرون صرخة جوار اذنهم ليركضوا ويحتموا بأول ما يصادفوه، لولا أنه مؤخرًا ومع عودة ملكهم واستقرار الأمن بدأ الأطمئنان يتسلل بخبث صوبه، ويعودون لحياتهم السابقة، لكن تلك الصرخات من ذلك المنادي اعادتهم لنقطة الصفر، إذ حمل كل شخص ولده وفر صوب أقرب نقطة آمنة...
أمرهم المنادي أن يحتموا بالديارء لكن أين لهم بالديار وقد تدمر نصفه، والنصف الآخر ما يزال يقاوم .
رحل الديار مع ساكنيه وتبقت مجرد أجساد مرتعشة ....
وفي القصر ..
كانت تقف أمامه تراقب عيونه التي اشتعلت وإن وصفت شعورها منذ ثواني بالخوف، فهي الآن تقف أمامه ترتجف رعبًا حتى كادت تبكي دون مبالغة، ما رأته في عين هذا الرجل في ثانية، لم تره في أعين أعتى المجرمين المختلين على مدار أعوام عملها داخل سجون البرازيل .
رأت شياطين تصارع للتحرر .
تراجعت سول للخلف دون شعور حين أبصرت عروق جسده بالكامل تنتفخ وهو يضغط على السيف بقوة، ثم همس لها بجملة واحدة :
_ إلى غرفتك ولا تتحركي حتى آمرك بالعكس .
_ هل .... أنت...بخير ؟؟
سؤال غبي خرج منها دون إرادة، لكنها كانت بحاجة لتسأله هذا السؤال فالرجل كان على وشك الانفجار، وهي شعرت به يحارب نفسه فاشفقت عليه ولا تعلم كيف يمكنها أن تفعل الآن، فالافضل هو الشفقة على من يقف في طريقه في هذه اللحظة .
استدار لها أرسلان ببطء يمنحها بسمة جعلت عظامها تذوب رعبًا :
_ نعم ..لكنهم لن يكونوا هكذا .
وفي ثواني كان أرسلان ينطلق كالقذيقة يصرخ بصوت جهوري جعل جسدها يرتجف وهي تركض صوب النافذة تراقب ما يحدث بأعين متسعة بعدما التقطت المعطف تخفي به شعرها تتجنب غضبه..
_ لا تدعوا واحدًا منهم يفلت منكم، لا ترتجفن ايديكم حين حمل الأسلحة، بل اجبروهم هم على أن ترتجف قلوبهم، قاتلوا وكأن حياة ذويكم تعتمد على خروجكم منتصرين، تحركوا، غطوا مداخل ومخارج القصر، اجعلوا القصر مصيدة لهم ...
كان يركض على الدرج بسرعة مخيفة حتى وصل لساحة القصر يبصر رجاله حوله مستنفرين يصرخ بصوت مرتفع بهم :
_ أتوا لكم بأقدامهم، اجعلوا لحظة دخولهم مشكى ندبة لا تُمحى من أرواحهم يا رجال.
صمت يتحرك حاملًا سيفه بين الأجساد يكمل بهمس :
_ هذا إن بقت لهم أرواح ...
وفي ثواني التحم الجانبين بمعركة شرسة لا يعلمون متى بدأت أو من بدأها ولماذا حتى ؟؟
كل ما يرونه أنهم في هذه الثواني كانوا يخرجون رواسب الماضي وما أصابهم في القتال، وأولهم أرسلان الذي عادت برأسه ذكرى موت جنوده وشعبه ومحاولة قتله، واخيرًا والدته ....
ــــــــــــــــــــــــ
حين سمع هتاف الجنود بهجوم مجهول المصدر، انتفض جسده وتحرك بسرعة، كي يحمل سيفه، لكن وقبل أن يتحرك خطوة واحدة أبصرها تقف مرتعبة مرتعشة في مكانها، وفي ثانية تفكير واحدة أدرك أن ترك فتاة كفاطمة في وسط القتال سيكون بمثابة وضعها في وجه مدفع مكبلة ..
عاد لها بسرعة يمسك بيدها، ثم سحبها دون تفكير وهو يطلق تعليماته للرجال حوله يصرخ بهم بكل ما علمهم إياه في الأسابيع المنصرمة :
_ الجميع للخارج أغلقوا مداخل القصر وحاصروهم، ليس مجددًا، لا تسمحوا لهم أن يعيدوا كرة الماضي، اجعلوا مشكى مقبرة لهم
كان يتحدث وهو يتحرك بها في المكان يسحبها خلفه يحاول الخروج من منطقة القتال ويصل لمبنى القصر يضعها بالداخل، لكن فجأة وأثناء تحركهم شعر بيد تضم خصره وجسد يختفي بجسده، ليتوقف عن التحرك بصدمة كبيرة وقد كاد قلبه يتوقف يسمع صوتها وهي تهتف بنبرة مرتعشة :
_ ارجوك أخرجني من هنا، أريد العودة لأمي وأبي، لا تتركني وحدي .
ابتلع المعتصم ريقه يحاول أن يتحرك ويستوعب ما يحدث فالقتال لن ينتظر أن يفيق هو من غفوته ويدرك أن هناك امرأة تعانقه من الخلف وللمرة الأولى في حياته .
عند هذه الفكرة انتفض بعنف يبعدها عنه بشكل خرج قويًا دون إرادة منه، ثم جذبها يهرول صوب القصر وحينما دخله كان يحرك سيفه في الهواء وهو يلقي بالتعليمات للجميع :
_ أمنوا النساء والعاملات، لا تجعلوا قدم قذر منهم تطئ حرمة غرفهن .
ختم حديثه وهو يتحرك يحاول معرفة أين سيتركها لفاطمة التي كانت ترتجف مما يحدث حولها، ولم يعلم مكانًا قد يتركها به ولم يفكر لثواني حتى وجد نفسه يقف أمام غرفته، ابتلع ريقه يفتح الباب وهو يدفعها يردد بصرامة :
_ لا تخرجي من هنا كي لا يطالك أذى، حينما ينتهي كل شيء سآتي لاخرجك، سمعتي اياكِ والخروج .
بكت فاطمة بخوف وهي تهز رأسها وكل ما استطاعت قوله هو كلمات قليلة بنبرة مرتجفة :
_ عائلتي في الخارج، في المنزل المحترق سيقتلوهم ..
لم يفهم المعتصم ما تريد قوله، لكنه خمن أنها قلقة على عائلتها لذلك قال بهدوء وكأنه يحادث طفلة وهو يميل بجسده كي يصبح وجهه مقابلًا لخاصتها :
_ لا تقلقي هم بخير، الملك في الخارج لن يسمح لهم أن يمسوا أحدهم بسوءٍ وكذلك سأفعل أنا والجميع، سنحرص ألا يمس شخصًا أي سوء، لذا اطمئني حسنًا ؟؟
بكت فاطمة تهز رأسها ثم هتفت من بين دموعها :
_ عد ولا تتركني وحدي هنا ارجوك ..
_ اعدك بذلك وهذا وعد رجال .
ختم حديثه يضع يده على قلبه، وإن سألتموه سبب فعله ذلك سيخبركم أنه لا يدري، لكنه شعر أنه يحتاج لطمئنتها .
اغلق الغرفة جيدًا، ثم ركض بسرعة صوب غرفة تقبع في نهاية الممر ممتلئة بالأسلحة، وبعدها توجه للساحة الخارجية وهو يخرج بعض السهام يضع واحدًا في القوس كي يصوب على الرجال، لكن اتسعت عيونه بصدمة مما رأى من أرسلان هامسًا بذهول وقد ارتجف جسده :
_ رحمتك يا الله ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي نفس اللحظة التي كانت تتعرض بها مشكى لهجمات مجهولة المصدر _ كما قيل _ كان الأمر ذاته يحدث مع باقي الممالك .
جميع الممالك استيقظت على أصوات انفجارات متتالية وهجمات ضارية منظمة، وكأن الأمر لم يكن وليد الصدفة، بل كان مرتبًا منذ ايام طوال ...
انتفض رجال سفيد منذ الصباح بقيادة قائد جيوشهم "سالار " صوب منتصف المدينة حيث حدثت انفجارات أرعبت العامة ..
إذ خرج من الغرفة يركض بسرعة مرعبة وهو يحمل أسلحته بعدما ارتدى ثياب الحرب لتركض زوجته خلفه تمسك ذراعه مرتعبة مما ترى على ملامحه :
_ ما الذي يحدث سالار؟! ما هذا ؟؟
توقف سالار ثواني ينظر لها نظرات طويلة غامضة جعلتها تتعجب ما يحدث أكثر، تدرك أنه يخفي شيئًا ما، ليميل سالار بكل بساطة على رأسها يقبلها بهدوء شديد مرددًا بحنان :
_ بعض الازعاج وسنتخلص منه مهجتي، فقط استكيني عزيزتي ولا تزعجي رأسك بما يحدث، يمكنك الذهاب للجلوس مع الملكة والاميرات لحين ننتهى وشرب بعض العصير الرطب ما رأيك؟!
تشنجت ملامح تبارك بصدمة كبيرة من بساطة حديثه وشرح ما يحدث وكأنها ذاهبة لنزهة أو ما شابه، وما كادت تفتح فمها حتى تركها ينطلق للخارج وصوته الجهوري يصل لها ..
_ استعدوا يارجال .
ابتلعت تبارك ريقها تهتف بريبة :
_ سترك يا رب .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمثل كان في آبى، إذ خرج آزار على حصانه يحمل سيوفه صارخًا بكل الغضب والقهر داخله حين اكتشف هروب ولده صباح اليوم :
_ لا اريد وسخ فيهم حيًا، ابيدوهم واحضروا لي بقاياهم ..
ختم حديثه ينطلق بسرعة مرعبة خارج القصر وعيونه تشتعل بشر هامسًا :
_ لعنة الله عليكم اجمعين، لعنة الله عليكم اجمعين .
ــــــــــــــــــــــــ
حتى سبز لم تكن استنثاءً من تلك الهجمات إذ علت صرخات قائد الحرس الملكي وهو يوجه الجنود وعيونه تبحث عن ملكهم المزعوم :
_ أمنوا الشعب يا رجال، انتشروا في الأسواق واحضروا من تبصروه منهم، لا تدعوا منهم خسيس إلا وتخلصتم منه .
اقترب منه أحد الجنود يتحدث بريبة وتردد :
_ سيدي نحن لم نأخذ إشارة التحرك بعد من الملك و...
قاطعه القائد بنظرة مشتعلة صارخًا وهو يجذب ثيابه بعنف :
_ إذن لنترك الشعب يموت لحين يستيقظ جلالته ونأخذ منه إذن التحرك لإنقاذهم، عجبًا اصبحنا ننتظر الاذن لنكون رجالًا ؟؟ ما بالك يا هذا هل جننت ؟!
انتفض الرجل للخلف برعب مما يحدث، ثم هز رأسه بإيجاب وطاعة يتحرك بسرعة تحت نظرات القائد المشتعلة والذي كان يحاول أن يهدأ صدره يستند على سور القلعة يهمس بصوت خافت :
_ ألا لعنة الله على كل وسخ ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وما بين كل تلك الأحداث التي تشهدها للمرة الأولى كانت سول تقف في نافذة القصر تراقب ما يحدث بأعين متسعة، لا تصدق أنها تشهد حربًا، حرب حقيقة وليست مجرد مشاهد تراقبها من خلف شاشات التلفاز الخاص بها .
وكم كانت الفكرة مرعبة لها، مرعبة وبشدة، لكن الأشد رعبًا هي الطريقة التي كان يقاتل بها أرسلان، كان يقاتل بشكل مخيف جعلها تدرك أن أيًا كان من كتب الكتاب قد فاته الكثير والكثير ليتحدث به عن هذا الرجل أمامها..
ابتلعت ريقها تهمس وعيونها تتحرك معه أينما ذهب دون وعي منها :
_ يا حفيظ يا الله .
انطلق المعتصم داخل ساحة القصر يشهر سهامه يصيب بها من يصيب ويسقط من يسقط، وحينما نفذت السهام معه ألقى القوس ارضًا، ثم حمل سيفه ينطلق لهم يحمي ظهر أرسلان الذي كان لا يبصر سوى الدماء أمامه وملامحه أضحت مرعبة وكأنه انفصل عن آدميته .
وسول في الأعلى تراقبه وكأنها تنتظر لحظة تحوله لأسد حقيقي، فهو لا ينقصه سوى أن يخرج أنيابه ويغرزها بأجسادهم .
كانت تشرف عليهم من الاعلى تراقب الساحة كما لو أنها تحمي ظهروهم، أو ربما كان الأمر هكذا بالفعل، إذ أبصرت ومن بين الجميع شخصين يتسللان بشكل مريب بعيدًا عن الساحة صوب أحد الجهات، ضيقت عيونها تفكر في هوية هذين الاثنين وإن كانا من جنود مشكى بالفعل أو لا ..
لكن ما هي إلا ثواني حتى أدركت من تصرفاتهم وردات فعل جسدهم وهم يتلفتون حول بعضهم البعض أنهم ليسوا كذلك البتة .
صرخت بصوت مرتفع تنبه الجميع بالاسفل:
_ هناك... أحدهم يتسلل للداخل .
لكن لا أحد سمعها بسبب اصوات القتال المرتفعة في الأسفل.
تحركت بسرعة بعيدًا عن النافذة تركض صوب الجهة التي ابصرتهما يدخلان منها، وهي تصرخ في الرجال حولها :
_ هناك متسللان، هناك شخصان يحاولان الدخول للمبنى من الجهة الجنوبية لقد ابصرتهما .
لكن وفي وسط كل هذه الفوضى لم يجبها أحدهم إذ كان الرجال يدفعون بالنساء صوب الملاجئ كي يحموهن من أي هجمات .
ابتلعت ريقها وهي تقف ثواني تحاول التفكير في الأمر لثواني، ثواني فقط قبل أن تركض بشكل جنوني تبحث عن أي شيء تمسكه لحماية نفسها، وحينما فشلت رددت بسخرية :
_ ومنذ متى احتجتي لأداة كي تحمي نفسك من المختلين سول، يمكنك فعلها بيديكِ العاريتين .
ركضت صوب الباب الجنوبي وهي تهدأ من ركضها حتى وصلت له لتجده مغلق بالكامل تراجعت كي تختبأ في إحدى الجهات بعيدًا عن الباب بقليل فقط، ثم حدقت به تنتظر دخولهما حتى ظننت أنهما لن يفعلا، وفي ثواني وقبل أن تتخذ قرارها بالانسحاب وجدتهما يتسحبان للداخل .
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تتحرك صوبهما بخفة وقبل أن يستوعب أحدهما ما يحدث كان رأس رجل منهم تصطدم في الجدار بقوة مرعبة كادت تحطم جمجمته، والثاني لم يكد يستدير حتى شعر بقدم تضرب رأسه بعنف شديد تسقطها ارضًا .
ابتسمت سول بعدم تصديق وهي تحدق بالاجساد تاني افترشت الأرض للتو :
_ حقًا هذا فقط ؟؟ أتضح أن الأمر أسهل من الشجار في غرفة مغلقة مع مجرم مقيد على استعداد لأكلي حية .
فركت ذقنها وهي تنظر لهم بهدوء حتى أنها جلست القرفصاء جوار أجسادهم المرمية ارضًا :
_ ترى هل كانت هذه الحياة من اختياركما أم أن الحياة هي من اجبرتكم على ذلك ؟؟
بالطبع لم تتلقى أي رد منهما، كل ما سمعته هو صوت اقدام أخرى تقترب منها، ولم تكد تنهض لتختبأ حتى شعرت ينصل حاد على ظهرها، أغمضت عيونها تهمس بصوت خافت :
_ حسنًا هذا ليس جيدًا البتة ....
سمعت صوت الرجل الذي يهددها يهمس لها بعدما أبصرها ترتدي معطف أرسلان المعروف، إذن لا بد أنها امرأته أو امرأة يهتم بها :
_ بكل هدوء تحركي معنا وارشدينا صوب غرفة الملك يا هذه، وإلا فقدتي حياتك ...
وإن كانت سول تعلمت شيء خلال حياتها الطويلة داخل مصحات التأهيل والسجون عدا أن الثياب البيضاء هي اسوء اختيار في جلساتها فقد تتلطخ ببقع دم لا تزول، فهي أن معاندة مجرم وقتاله وهو يحمل سلاح هو اسوء قرار قد تفعله، وأسلم الحلول في هذه المواقف هي أن تقف وترفع يديك وتبتسم بسمة المغلوب على أمرك وتنطق بكل ضعف يتمنى هو أن يراه في عيونك :
_ أنا استسلم.....
وفي الخارج كانت كفة الحرب راجحة لأرسلان ورجاله بالفعل، فمن جاء للقتال كانوا في غاية الضعف وكأنهم جاءوا في عملية انتحارية أو ما شابه، هذا ليس هجومًا منظمًا، بل تشتيتًا لأجل غرض آخر لا يعلمه إلا هم .
اقترب المعتصم من أرسلان يهمس له بريبة :
_ اهدأ مولاي، بدأ جنودنا أنفسهم يخشونك .
استدار أرسلان حوله يراقب الجميع بأعين مشتعلة، وجسده بأكمله ينتفض من الغضب، وفي ثواني كان يتحرك صوب أحد الرجال يجذبه عن الأرض يجبره على الوقوف أمامه وهو يهمس له بصوت مرعب :
_ كتب الله لك ايامًا معدودة في حياتك البائسة هذه يا فتى، اذهب للحقير الذي أرسلك وأخبره أن يتمتع بالحياة طالما يمكنه ذلك، وأنه في اللحظة التي سأمسكه بها سأخرج روحه ببطء حتى يصرخ طلبًا للموت الرحيم، وحتى ألقاك مجددًا، تمتع بآخر انفاسك .
ختم حديثه يدفع الرجل بقوة بعيدًا عنه يأمر بالتحرك وإيصال رسالته صوب لمن ارسلهم، بينما المعتصم يراقبهم وبمجرد خروجه أشار أرسلان للجثث الملقاة ارضًا :
_ ادفنوا من مات منهم وعالجوا من يزال حيًا فأنا بحاجة لإجراء حوار معهم ..
ختم حديثه ثم نظر حوله صوب رجاله يتأكد أن خسارته لم تكن كبيرة فجيشه لا ينقصه أي خسارات في العدد هذه الأيام .
تنفس بصوت مرتفع ثم قال للمعتصم :
_ خذ بعض الجنود ودر في البلاد وأبحث إن كان أصاب أي منطقة ضرر أو أُصيب أحدهم، تأكد أن كل شيء بخير وازرع الطمأنينة داخل صدور القوم فهذا جُل ما يتمنوه الآن.
ختم حديثه ثم استدار صوب رجاله يهتف بصوت مرتفع :
_ كان هذا أول اختبار لكم على أرض الواقع يا رجال، وقد نجحتم به وبامتياز، تكبير ....
رنت كلمة " الله أكبر" تهز جوانب القصر بأكمله ليبتسم أرسلان واخيرًا وهو يراقب المحيط الخاص به بأعين مظلمة غامضة ..
بينما في الداخل وحين وصل صوت التكبير للرجال الذين يقودون سول صوب غرفة أرسلان والتي بالمناسبة لا تعلم أين هي، لكن هي لن تقول ذلك، فربما يكون هذا السبب هو ما يحفظ حياتها حتى هذه اللحظة .
حين سمع الجميع صوت التكبير أدرك الرجلين أن الخسارة كُتبت عليهم، فتوققوا ينظرون لبعضهم بخوف، وقد بدت فكرة الاكمال صوب غرفة الملك الآن وأخذ ما يريدون فكرة اسوء من السيئة، فكل ما يهم الآن هو الخروج الآن من هنا، وقد كانت تلك المرأة ذات الثوب الغريب بطاقتهم الرابحة لذلك .
فجأة تحول الابتزاز لأسر وأصبحت أسيرة للمجرمين، وهي فقط تسير معهما دون كلمة واحدة أو نقاش .
يمين تسير يمين، يسار تتحرك يسارًا حتى تبصر بصيص أمل ينقذها من بين أيديهم .
فجأة وجدتهما يغيران طريقهما صوب بوابة خروج لتدرك ما يحدث الآن، لكن هل تتحدث ؟! ليس وهي تلعب دور الضحية الرقيقة التي تنتظر فارسًا ينقذها .
وحين أصبحت في الساحة الخلفية نظرت حولها بسرعة كبيرة تبحث لها عن مخرج منهم، لكن يبدو أن نهاية روايتها ستكون في أول يوم لها، ربما هي ليست بطلة روايتها حتى ..
همست باقتناع :
_ ربما كنت الشريرة في قصتي بالفعل، فمنذ متى تُقتل البطلة في أولى فصول روايتها الخاصة إلا إن كان الكاتب مجنون بما فيه الكفاية ؟؟
حسنًا يبدو أن لعب دور الرهينة المسكينة آن له أن ينتهي، فلا فارس ولا جندي شجاع سيأتي لينقذها، لا منقذ لها سوى الله ومن بعده نفسها .
تنفست بصوت عنيف قبل أن تقف فجأة وبشكل أثار تعجب الرجلين، وقبل أن يتحدث أحدهما بكلمة كانت قبضة سول تصطدم في وجه أحد الرجال وصوتها يصدح بغضب :
_ انتهينا من هذه اللعبة ..
ولم يكد الرجل يستوعب ما يحدث حتى عاجلته بلكمة ثانية تنتزع منه السيف بعنف ملقية إياه ارضًا، ثم أمسكت ذراعه ثنتها بعنف منا أدى لكسرها، وقبل أن تندمج معه في القتال شعرت بضربة عنيفة تصيبها ليصطدم رأسها في الجدار خلفها، أطلقت سول صرخة مرتفعة .
وكانت تلك الضربة قادمة لها من الرجل الاخر إذ يبدو أنها اندمجت في ضرب أحدهم ونسيت الآخر، رفع الآخر السيف وهو يقرر قطع رأسها، لكن وقبل أن يهبط السيف عليها وجدت سيف آخر يقطع طريقه ...
ولم تكن سول في حالة تسمح لها برفع عيونها عن السيفين اللذين كادا يقطعان جسدها لشرائح متناهية الصغر، لتبصر من ذلك الجندي الشجاع الذي أنقذها.
لكن صوته، استطاعت وبكل سهولة أن تميزه وهو يردد بنبرة مرعبة :
_ لا نعامل النساء بهذه الطريقة يا بني ..
تشنجت ملامح سول ترفع عيونها بسرعة تحدق في وجهه بعدم تصديق وقد نست للحظات ما يحدث واين هي :
_ انظروا من يتحدث عن التعامل مع النساء ؟؟
ابتسم أرسلان بسمة جانبية دون حتى أن ينظر لها، ثم وفي ثواني كان يدفع جسد الرجل بعيدًا عنها، وقبل أن يتحدث الرجل بكلمة واحدة كان سيف أرسلان يصمته للأبد تحت نظرات سول المصعوقة مما يحدث .
نزع أرسلان سيفه من جسد الرجل، ثم استدار لها وسيفه يقطر دماء وجسده بأكمله ملئ ببقع الدماء والجروح جراء الحرب الضروس التي خاضها للتو، يحدق فيها بنظرات جعلتها تتراجع وهي تهمس له :
_ تحتاج للتفكير بجدية في تأهيل ذاتك كي تتعالج من كل هذا العنف القابع داخلك .
تشنجت ملامح أرسلان بسخرية :
_ العنف داخلي ؟؟ لقد جئت لأجدك على وشك تحطيم عظام الرجل .
_ نعم لكن ليس ...ليس كما فعلت.
صمتت ثواني قبل أن تضيف :
_ حين كنت تقاتل في الساحة، ابصرتك من الأعلى تقاتل بشكل مرعب، أنت حقًا تحتاج لعلاج مكثف .
رمقها ثواني قبل أن يبتسم بسمة سوداء :
_ ومن سيعالجني يا ترى ؟؟ أنتِ ؟؟
_ إن أردت يمكنني ذلك، فأنا أعمل على تأهيل المجرمين والمختلين، هذه مهنتي.
رمقها أرسلان ثواني قبل أن ينفجر بالضحك على كلماتها، وهي تراقبه لا تفهم سبب ضحكه، لكنها انتظرت وانتظرت حتى فرغ من ضحكاته، ومن ثم تنفس بصوت مرتفع يقول :
_ أوه حقًا ؟؟ أكاد أجزم طريقتك في معالجة المجرمين والمختلين، لكن يا امرأة أنا لست أحدهم أنا الملك أرسلان بيجان وخسئتِ أنتِ واشباهك الاربعين إن وصفتيني بالمجرمين والمختلين....
_ لا فرق بينك وبينهم .
كانت تتحدث بجدية وقوة وهي تحدق في وجهه تحاول ألا تنهار مما شاهدت، لتؤجل الانهيار لاحقًا حينما تختلي بنفسها في غرفتها .
_ بل الفرق كبير كبِر مقامي، هؤلاء مجرمون، أما أنا... فأنا ملك ما كانت ليدي أن تتلوث يومًا بدماء طاهرة، كل دماءٍ سالت على سيفي هي دماء حقير قذر كهؤلاء، فلا تتجرأي وتصفيني بينكِ وبين نفسك حتى أنني مجرم أو مختل .
كان يتحدث بنبرة جعلت عظامها تكاد تذوب رعبًا خاصة مع هالة السواد التي تحيط به في هذه اللحظة، ومشاهد قتاله، كل هذا ساهم في رسم صورة مخيفة له في أعين سول التي همست له :
_ أنا لم أقل أنك مجرم، بل .....
صمتت فجأة حين قاطعها صوت أرسلان والذي كان هادئًا في هذه اللحظة بشكل مثير للتعجب :
_ ما اسمك ؟؟
اتسعت عيونها تنظر له بعدم فهم تردد :
_ سول ..
_ ليس هذا الاسم، أريد اسمك الحقيقي، لا اعتقد أن رائف العزيز قد اسماكِ سول صحيح ؟؟ ما اسمك الحقيقي يا امرأة ؟؟
نظرت له ثواني طالت حتى نطقت بنبرة مترددة كلمة كادت تنسى مذاقها على لسانها بعدما دفنتها أسفل لقبها والذي عُرفت به بين الجميع .
_ سلمى .
_ سلمى ؟؟
ولا تدري سول السبب لكن جسدها ارتجف لنبرته الاجشة التي نطقت اسمها، لتتساءل الآن بينها وبين نفسها هل كان اسمها يحمل مثل هذا الوقع على الأذن طوال الوقت، أم لأنه هو من نطقه فقط ؟؟
ابتسم لها أرسلان وهو ينبس بنبرة محذرة :
_ إذن آنسة سلمى إليكِ قواعد قصر الثلاث، أولهم أن تلتزمي بثوب يليق بالمكان ويحفظك كامرأة مُصانة، وثانيها أن تتبعي اوامري طالما تتنفسين هواء مملكتي، وثالثهم ألا تنسي ثانيهم ..
ختم حديثه يهز لها رأسه بهدوء مبتسمًا، ثم تحرك تاركًا إياها تقف مسلوبة الأنفاس مكانها لا تقدر على الإتيان بحركة واحدة .
فجأة توقف أرسلان في سيره ثم استدار لها يؤدي لها حركة ملكية ينحني نصف انحناءة لها :
_ أنرتي مشكى آنستي، اعتقد أن يومك الأول حكى لكِ ما أنتِ على وشك أن تعاصريه معنا ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحدق بباب المنزل واعينها شاخصة، لم تقاوم ولم تصرخ طلبًا النجدة أثناء سحبها، فعقلها لم يعترف بعد أن ما يحدث معها هو واقعًا ملموسًا، ومازال يصنف كل ما يدور حولها كابوسًا سيستيقظ منه في أي ثانية .
تراجعت للخلف وكأن الباب سيُفتح في أي ثانية وينقض عليها وحشٌ منه، تنفست بعنف تضع يدها على صدرها، صوت تنفسها أصبح مرتفعًا، حاولت أن تستوعب ما يحدث حولها .
_ كابوس، كل ما يحدث كابوس، بالطبع كابوس .
ابتلعت ريقها تتحرك صوب الباب وقد بدأ جسدها ينتفض برعب تتطرق عليه بيد مرتجفة تردد بصوت مرتعش مرتعب :
_ اخرجوني من هنا، أنا لست هكذا، اخرجوني، أبي أخرجني من هنا، أبي أخرجني .
وعند هذه الكلمة انتفض جسدها مالملسوع وقد بدأت تتنفس بصوت مرتفع وهي تطرق الباب بهستيرية وكأنها استوعبت فجأة ما حدث، بيعت لرجل ..
بضاعة مزجاة كانت، الأميرة توبة بيعت بثمن بخسٍ لأحد الذكور العفنين، اشتراها رجل وكأنها إحدى الغانيات .
سقطت دموعها تصرخ بصوت مرتفع تحاول أن تكسر الباب صارخة بجنون :
_ أنا لست جارية لأُباع، أنا الأميرة توبة، أخرجوني من هنا، يا ابي ...
وعلى بُعد صعير منها كان يجلس شاحب الوجه لا يستوعب ما يعيشه في هذه اللحظة، لا يبصر الوجوه حوله، الوليد يتحدث بكلمات لم يصل أي منهم لعقله، وكل ما يراه مشاهد جلبت التقزز لنفسه، هل هذا ما كانوا يطمحون له في البداية؟؟ عالم قذر تحكمه الشهوات وتقوده الشرور؟
انتفض جسده حين مسّ الوليد جسده يقرب له كأس من المشروب :
_ ما بك عزيزي تبدو كما لو أنك شاهدت شبحًا ؟!
رمق نزار ما يحمل الوليد بين كفه باشمئزاز، ينفره بعيونه قبل أن يبعد يده مرددًا ؛
_ ما الذي يحدث هنا ؟؟ أنا لا افهم أي شيء ؟! لماذا احضرتني هنا وما غرضك خلف كل هذا ؟؟
نظر له الوليد ثواني قبل أن يبتسم بسمة غير مريحة ثم هتف بنبرة خفيضة :
_ حسبت أنك ستشكر لي صنيعي وتسعد لتحريرك ..
_ دعنا نتحدث دون مواراة وليد، أنت لم تحررني حبًا بي او ما شابه .
صمت ثواني، ثم أكمل بأعين مشتعلة :
_ هناك ما تطمح له خلف كل ذلك وأنا أنتظر سماعه .
اتسعت بسمة الوليد يربت على كتفه ثم هتف :
_ تمتلك من الملك آزار الكثير، أرى الخبث يلوح بنظراتك تمامًا كوالدك .
نظر له نزار ثواني قبل أن يبعد يده بهدوء مرددًا بصوت بدى له باردًا، لكنه كان في باطنه مشتعلًا كارهًا لما يحدث حوله :
_ أفضل ألا تلوث اسم أبي بذكره في مثل هذه المجالس .
صُدم الوليد من كلماته، لكن نزار لم يعلق على شيء يتحدث بجدية وهو يشجعه على التحدث كي يفهم ما يدور حوله :
_ إذن أخبرني كيف نجوت من حملة التطهير التي قامت بالمملكة ؟؟ أنت كنت أول الداعمين لبافل مع شقيقك .
أطلق الوليد ضحكات مرتفعة رغم القهر الذي لاح في نبرته :
_ نعم، لكن لا أحد يعلم ذلك سوى القليل، والقليل قُتلوا بالفعل، لم يتبقى منهم سواي والبعض الذين نجوا بأرواحهم واندسوا داخل المملكة بعيدًا عن أعين الملك .
صمت ثم أكمل بهدوء وهو يرتشف بعضًا مما يحمل داخل كأسه :
_ منذ استعان بنا بافل وأنا حرصت ألا أكون مكشوفًا للكثيرين وبالفعل لم يكن أحدهم يعلم بأنضمامي لهم سوى أنت وشقيقي العزيز وبعض الرجال، أنت سُجنت وشقيقي قُتل على يد الحقير أرسلان، والباقيين أنا توليت أمرهم كي تضمن بقائي داخل آبى دون أن يُكشف أمري.
صمت يرى نظرات نزار الشبه مصدومة ليكمل ببسمة وغمزة مازحة :
_ يمكنك القول إنني نجحت بما فشلت أنت به، نجوت قبل سقوطي، أخبرتك سابقًا ألا تجعل وجودك واضحًا للجميع، انظر أين أصبحت الآن، بمجرد سقوط بعض المتمردين سقطت معهم حينما وشوا بك، وها أنا ذا ورغم انضمامي قبلك لعصبتهم إلا أن أحدهم لم ينتبه لي .
تجاهل نزار كل ما يحدث حوله وما يقال فما حدث انتهى :
_ وإذن ؟؟ ما الذي تنتوون عليه؟؟ ومن تبقى لكم ؟!
_ الكثير يا أخي الكثير، ألم أخبرك أننا في كل مكان وكل مملكة، نحن اقوى واشرس من ذي قبل وهذه المرة لن يهدأ لنا بال إلا حينما ننتهي منهم أجمعين ..
اشتعلت أعين نزار فمال عليه الوليد هامسًا بفحيح كما يوسوس الشيطان لنفس العبد، يزين له المعاصي :
_ تخيل أن نحقق لك حلمك الاول وتصبح ملكًا على آبى ؟؟
شرد نزار أمامه وقد بدأ قلبه يرتجف مما يسمع هذا يعني أنهم يخططون لإزاحة الجميع ومن بينهم والده ؟؟؟؟؟؟
_ نحن الآن أصبحنا اقوى بكثير ولدينا خطط ستذهلك، بافل كان احمقًا استطاع الوقوع في شركهم، لكن الآن المستقبل لنا نحن والقادم لنا والممالك كذلك ستكون لنا .
حدق به نزار يهمس بعدم فهم :
_ هل كان كل ذلك مخططًا من البداية ؟؟
_ صحيح، كان بافل مجرد بيدقًا في لعبتنا، استخدمناه كطعم استنفذ بعض قواهم واختبرنا به طريقة دفاعهم، الآن وقد وصلنا لما نريد حان وقت ضرب ضربتنا .
_ أنا لا افهم ما تريد قوله، وليد أنت مع من تتعامل الآن ؟؟ شخص آخر غير بافل ؟! وهؤلاء ؟؟ هل هؤلاء منبوذون أم ماذا ؟؟
ضحك الوليد بصوت مرتفع ينظر حوله للجميع ثم اجابه بصوت هامس :
_ المنبوذون يا عزيزي لقب قديم الطراز، أنا أفضل تسميتهم المتحررين من قيود الممالك، الأشخاص الذين سئموا القوانين الخانقة والحياة المنغلقة، انظر حولك نحن نعيش داخل سجن كبير آن أوان التحرر منه يا عزيزي، هذه دعوة مفتوحة لكل من سئم القيود، خلقنا الله احرارًا واستعبدونا تحت مسمى الدين والعادات .
شعر نزار بالصدمة لما يسمع، صدمة أفاق منها على صوت الوليد وهو يربت على ظهره يشجعه للتحرك والاندماج معهم :
_ حسنًا يكفي ذلك للآن، غدًا نكمل الحديث وسنكون جميعًا موجودين .
ولم يكد يتساءل عن هوية " جميعًا " تلك التي نطقها حتى وجده يدفعه صوب الخارج يقوده لمنزل خشبي غريب، ونزار يسير بهدوء معه ودون شعور وجد نفسه يُدفع لداخل المنزل، ومن ثم أُغلق الباب بعنف شديد .
نظر للباب ثواني وهو لا يدري ما يحدث في حياته في تلك اللحظة، تنفس بصوت مرتفع، يأخذ شهقيًا وقبل أن يخرج زفيره، شعر بضربة عنيفة سقطت أعلى رأسه وكان آخر ما أبصره من بين الدوامة التي ابتلعته هو وجه امرأة تحدق فيه بشر كبير ومن ثم شعر بضربة ثانية اقوى من الاولى، واخيرًا سواد غطى المشهد أمامه....
____________________________
ما أشبه اليوم بالبارحة ...
بقايا خراب نتج جراء القنبلة التي أُلقيت داخل طرقات مشكى، خرج أهل مشكى حينما صاح المنادي لهم بكلمات الأمان، لينتشر الجميع يطمئن أن كل شيء بخير .
ألا من فجرٍ لمشكى، هل كُتب على شعبها عيش المتبقي من حياتهم في الظلام ؟؟
شعر المعتصم بقلبه يغوص داخل صدره حجم الخراب الذي تسببت به تلك القنابل، ورغم أن الخراب مقارنة بما سبقه يعد رفاهية لهم، إلا أنه يظل خرابًا .
تنفس بصوت مرتفع يبصر مراهقًا يركض صوب يحمل عصا غليظة مبتسمًا بسعادة جعلته يبتسم بسمة صغيرة يرحب به بسعادة :
_ تاج الدين، مرحبًا بك يا بطل .
اتسعت بسمة تاج الدين يردد وهو يحرك العصا :
_ مرحبًا يا قائد لقد كنت انتظرك، هل حان الوقت لأنضم للجيش .
ربنا المعتصم على خصلاته يحرك عيونه في المكان حوله :
_ قريبًا يحين الوقت يا بطل، فقط كن جوار والدتك الآن فلا رفيق لها سواك، أنت بالطبع لن يهون عليها أن تكون وحيدة حين رحيلك للجيش .
اعترض تاج الدين بصوت قوي :
_ أمي هي من تشجعني، تخبرني أن الجيش مكان الرجال، وهذا واجبي تجاه بلادي .
ابتسم له المعتصم ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت بكاء فتاة مرتفع يرن في الأجواء، تجلس على رصيف الطريق، نظر لها بعدم فهم يبحث في الجوار عن والديها قبل أن يتساءل :
_ لماذا تبكي الصغيرة ؟؟ هل أصابها مكروه خلال الهجوم ؟؟ أين والديها تاج الدين ؟؟
استدار تاج الدين صوب الصغيرة يحدق بها ثواني، قبل أن يعود للمعتصم يجيبه بهدوء وحزن :
_ لا هي تبكي هكذا طوال الوقت بلا توقف، لا تتحدث ولا تأكل فقط تبكي طوال الوقت .
_ ماذا ؟؟
هرول صوبها المعتصم حين رأى أن بكاءها بدأ يزداد يتساءل بخوف وهو يلتقط الصغيرة سريعًا بين أحضانه:
_ وأين والديها يا تاج ؟؟ كيف يتركون الصغيرة بـ
_ أُستشهدوا منذ أشهر في إحدى هجمات المنبوذين .
توقفت باقي كلمات المعتصم على طرف لسانه حين سمع كلمات تاج الدين التي قاطعه بها، شعر بضربة تصيب رأسه وهو يسمع تاج يخبره ببساطة يهز كتفه بشفقة :
_ لا أدري هل كان من حسن حظها أو سوءه، لكن الصغيرة كانت تلعب مع أبناء جيرانهم، حين انفجر منزلها بسبب قنبلة سقطت عليه، ومنذ ذلك الحين وهي تجلس على قارعة الطريق جوار ركام منزلها تبكي وتناديهم رافضة الذهاب مع أحدهم .
ارتجفت يد المعتصم يضم الفتاة له أكثر دون وعي والصغيرة تزداد بكاءً وهي تهمس من بين شهقاتها تنادي والديها، جذب المعتصم رأس الصغيرة صوب كتفه، ثم أخذ يربت عليها بهدوء يهمس له :
_ لا عائلة لها سوى والديها ؟؟ لا عم أو خال أو غيرهم ؟؟
_ لا اعتقد فمنذ ما حدث لم يأت أحدهم ويسأل عنها .
_ أين تقيم الصغيرة ؟!
_ لا مكان محدد، كل يوم يتبرع أحدهم وياخذها للمبيت لديه ومن ثم تخرج في الصباح تبكي جوار حطام منزلها ..
وكأن الصغيرة كانت تعطي الليل لنفسها هدنة، ومن ثم تغوص في بحار أحزانها صباحًا، حالها كحال سواها في مشكى، لكن الفرق أنها صغيرة يمكنها الصراخ والبكاء، بينما هناك الكثيرون لا يحصلون على رفاهية الانهيار حتى .
حملها المعتصم وانهى حديثه مع تاج الدين، ومن ثم تحرك صوب رجاله يأمرهم للأطمنان على الجميع وتمشيط المنطقة بالكامل، ومن ثم تحرك صوب حصانه يضم الصغيرة له وقد قرر الاعتناء بها، وربما يتكفل بها أرسلان مع جميع الأطفال الذين يتكفل بهم .
يدرك أنه سيشجع الأمر.
ويوم آخر انتهى نهاية غير سعيدة بالمرة، وكل ما يتمناه المعتصم الآن هو أن يعود لغرفته ويلقي جسده على الفراش يأخذ هدنة من كل ذلك قبل مواصلة معاركه اليومية و....
فجأة اتسعت عيونه بصدمة كبيرة حينما توقف عقله عند كلمة غرفته :
_ فاطمة، لقد نسيت أمرها تمامًا...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ما حدث قد حدث يا رجال، انتهى اليوم ونجحتم في أول اختبار لكم على أرض الواقع، أنا فخور بكم، ومهما حدث كنت سأفخر بكم، أنتم رجال وهذا الفرق بيننا وبينهم تذكروا هذا .
كانت تلك كلمات أرسلان التي يلقيها على مسامع جنوده الذين نجوا مما حدث، يقف أمام صفوفهم يبث فيهم القوة والأمل، كلمات اعادت الحياة لهم بعدما انطفئت عن ملامحهم .
تنفس يبتسم لهم بتشجيع :
_ من يريد منكم العودة لمنزله والاطمئنان على ذويه فليفعل، ومن يود منكم البقاء هنا فهذا منزلكم، لديكم بضع ساعات تصرفوا فيها بحرية .
ختم حديثه ولم يكد يفتح فمه للمرة الثانية ليكمل ما يريد قوله حتى أبصر من خلف ظهورهم في الحديقة الجانبية جسد يتشح بالاسود بكامله، ولولا أنه لا يمتلك جسدًا لينًا نحيفًا، و يقف هنا مع رجاله لقال أن ذلك الجسد الذي يتمايل في أحد أطراف الحديقة مرتديًا معطفه الاسود مع شعاره الذهبي هو نفسه .
تشنجت ملامح أرسلان يراقب ذلك الجسد الذي يتمايل محركًا يديه في الهواء تارة واكتافه تارة أخرى.
ابتسم بعدم تصديق يحاول أن يستوعب ما يحدث، ابتلع ريقه يهتف محاولًا التماسك :
_ يمكنكم الانصراف يا رجال ونلتقي بصلاة الفجر إن شاءالله.
ختم حديثه يشير لهم بالرحيل وحينما أوشك البعض منهم على الاستدارة للرحيل، مد يده بسرعة يمنعهم وهو يتنحنح بصوت منخفض :
_ يمكنكم إتخاذ الطريق الآخر أفضل من هذا .
رمقه البعض بعدم فهم، لكن لم يناقشه أحدهم ورحلوا بكل بساطة وهو يتلاشى النظر لهم ولتلك التي لا تهتم لما حولها البتة .
تنفس بصوت مرتفع يتحرك صوبها وهو يذكر نفسه بالصبر عليها والهدوء الذي لا يمتلك منه ذرة في هذه اللحظة، كما أوصى نفسه بأخلاقه كرجل لبق راقي لا يجوز له الصراخ بوجه امرأة خاصة لو كانت كتلك المرأة الـ ....رقيقة ؟!
خرجت الكلمة الأخيرة من دون شعور حين وجدها تستدير صوبه ببسمة لطيفة رقيقة تحمل بين أناملها بعض الزهور تردد بسعادة واضحة :
_ جيد أنك هنا، اتمنى أنك لن تمانع قطفي لبعض الزهور من حديقة قصرك .
نظر أرسلان للزهور بين يديها ثم رفع نظراته لها يحمد الله أن الظلام يخفي ملامحها عنه، يخرج أنفاسه بصوت مرتفع :
_ ما الذي تفعلينه خارج غرفتك بهذا الوقت آنسة ؟؟
_ اقطف بعض الزهور .
هز أرسلان رأسه بهدوء مقتنعًا بما تقول :
_ أوه، صحيح وقت مناسب لقطف بعض الزهور، القنابل تتساقط علينا كالغيث، والهجمات تتوالى أعلى رؤوسنا كالحجارة، بالطبع وقت ملائم لقطف الزهور آنستي ..
ابتسمت له سلمى تتجاوز عن حديثه الساخر لها، وهي تمد يدها له بزهرة من بين الزهور التي أناقتها لأجل شرفتها، تهتف بصوت رقيق وبسمة واسعة لم تظهر له بشكل جيد بسبب الضوء :
_ تبدو منزعجًا تعاني من ضغط نفسي، تفضل هذه لك انت سمو الأمير ...
كان أرسلان يتابع يدها التي امتدت صوبه بملامح متشنجة من الصدمة، قبل أن تتلاشى الصدمة ويحل محلها الحنق :
_ أمير؟؟ أنا ملك ولست أمير يا امرأة .
هزت كتفها تربت على الزهور ببسمة واسعة وبكل الرقة واللطف الذي تمتلكه أضافت :
_ وما الفرق ؟؟ كلهم ينحدرون من أسرة ملكية في النهاية .
رفع أرسلان حاجبه يردد بسخرية :
_ الملك هو من يتولى الحكم والأمير هو مجرد شخص ينحدر من أسرة الملك، شقيق أو ابن أو غيرهم، وانا هنا ملك ولست أمير .
كانت تعلم بالطبع هذه المعلومات، أو ربما اختلط عليها الأمر فهي ورغم حبها الشديد لقراءة الكتب التاريخية إلا أنها لم تكن تهتم بالمسميات بشكل كبير، أو ربما فعلت كل هذا فقط لترى ملامح الحنق تعلو وجهه .
_ حسنًا امير كنت أو حتى ملك فأنت تستحق مني اعتذارًا سيدي على وقاحتي التي صدرت مني حين وصفتك بالمجرم، ربما تكون مختلًا لكنك لست مجرمًا، لقد انقذتني شكرًا لك .
ختمت حديثها تدفع الزهرة صوبه بعدما انتقتها بكل دقة، وهو فقط امسكها بعدم فهم وقد شعر بالتشوش إذ كانت تلك اول مرة يهديه أحدهم هدية، هذه المرأة كل ما بها يشوشه حينما يجهز نفسه لجدال عنيف معها تتحول لامرأة أرق من الزهور التي تحملها، وحينما يخطط للتحدث بلا اهتمام وهدوء تنفجر في وجهه كبركان انتظر قرون ليثور.
رفع عيونه لها وهي فقط ابتسمت له بسمة صغيرة ظهرت من خلف قلنسوة معطفها أو معطفه و...حسنًا هذا يذكره بشيء .
_ إذن متى أرسل لكِ امرأة تساعدك في انتقاء ثوب يليق بكِ؟!
نظرت سول صوب نفسها إذ كانت ترتدي بنطال قماشي واسع مع سترة صفراء بأكمام ثم غطتهم وغطت نفسها بمعطفه الأسود..
_ عفوًا ؟؟
_ أنتِ بالطبع لا تخططين قضاء المتبقي من عمرك داخل القصر تسيرين بثوبي الخاص صحيح ؟؟
ابتسمت سول بسخرية لاذعة تخبره بكل جدية :
_ المتبقي من عمري ؟؟ ومن أخبرك أنني انتوي البقاء هنا المتبقي من عمري ؟؟ أنا فقط اجلس ليومين كي أثبت لنفسي أنني حاولت حتى آخر لحظة تقبل حياتي الجديدة ومن ثم سأرحل راضية دون شعور بالذنب تجاه وصية والدي .
هز أرسلان رأسه وكأنه يوافقها الرأي، ثم تحدث بهدوء شديد وكأنه يناقشها بمنتهى الرقي :
_ ومن سيسمح لكِ يا ترى بالخروج من هنا؟؟ هل تعتقدين أننا في نزهة تأتين وقتما تشائين وترحلين حين تودين ؟؟ ومن سيخرجك من الأساس ؟؟
اشتعلت أعين سول من كلماته التي تحاول أن تملي عليها ما تفعل وهذا كان اسوء ما يمكن تقديمه لها :
_ ومن سيمنعني من الخروج من هنا؟؟ ونعم كنت في نزهة داخل رواية لكاتب مختل وبمجرد خروجي سأنسى كل ما شاهدته بها وأولهم أنت، وأخيرًا صمود وصامد سيفعلان، أنت بالطبع لا تخطط لحبسي في هذا العالم الذي جئت إليه بغباء ....
مال عليها أرسلان قليلًا مع الاحتفاظ بمسافة مناسبة بينهما، ثم أشار بإصبعه صوب بوابة القصر التي تقبع على بعد كبير منهما يقول بكل الاسترخاء والهدوء في هذا العالم :
_ هذه بوابة القصر تجاوزيها إن استطعتي.
ختم حديثه يمنحها أكثر بسمات العالم استفزازًا، ثم اعتدل يهتف :
_ والآن اسمحي لي بالمغادرة فقد اكتفيت من هذا اليوم حتى الآن.
وهكذا بكل بساطة رحل وهي ظلت مكانها تحاول أن تستوعب ما حدث للتو، هل هددها أنها لن تغادر المكان ؟؟ هل يحاول حصر حياتها داخل قصره ؟!
اشتعلت ملامحها تراقب حركاته داخل القصر قبل أن تبتسم بسمة صغيرة لا معنى لها، ثم نظرت صوب باقة الزهور التي تحملها وتحركت صوب غرفتها بهدوء شديد .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اندفع داخل القصر، ثم هبط عن حصانه بسرعة مرعبة وهو يتحرك صوب غرفته يدعو الله في قلبه أن تكون الفتاة قد ملت ورحلت بعد انتهاء الحرب، رغم أن عقله ومعرفته الصغيرة بفاطمة تنفي بالكامل ما يفكر له .
اقتحم مبنى الغرف وتحرك صوب غرفته ولم يكد يخطو للممر الخاص له حتى أبصر زيان يقبل صوبه مرددًا براحة :
_ ها أنت ذا معتصم طرقت على غرفتك طويلًا ولم اسمع جوابك، لقد طلب الملك لقائنا في جناحه الخاص لـ
قاطعه المعتصم وهو يلوح بيده في الهواء بعدما أعطاه الصغيرة النائمة :
_ اعتني بالصغيرة، وسألحق بك سألحق بك اسبقني .
تحرك تاركًا زيان يراقب أثره بعدم فهم قبل أن يردد بهدوء وهو ينظر للصغيرة :
_ ما باله هذا ؟! ومن هذه الصغيرة ؟؟ هل هي ابنته ؟!
والمعتصم فقط توقف أمام غرفته يطرق الباب بهدوء وضربات قلبه تزداد وهو يحاول أن يسمع أي صوت ينبأ بوجودها في الداخل، نظر حوله للممرات الفارغة وكأنه يتأكد أن لا أحد حوله سيسمعه ينادي باسم امرأة داخل غرفته .
اقترب من الباب ينادي بصوت منخفض للغاية :
_ فاطمة، هل أنتِ بالداخل ؟؟
الصق أذنه بالباب ولم يصل له أي صوت، ليفتح الباب بهدوء شديد، يدخل فقط رأسه وهو يعيد الكرة :
_ فاطمة أنتِ هنا ؟؟
دخل بكليته ينظر حوله يبحث عنها ليجد الغرفة فارغة بالكامل، إذن هي رحلت، تنفس واخيرًا الصعداء يستدير حوله ماسحًا وجهه براحة مقررًا الاستحمام ثم اللحاق بالجميع في غرفة الملك .
وما كاد يستدير حتى تفاجئ بجسد صغير يختفي خلف الباب وهي تبتسم له بسمة صغيرة تردد بصوت منخفض :
_ مرحبًا ..
أطلق المعتصم صرخة مفزوعة وهو يعود للخلف بسرعة بأعين متسعة، بينما هي تراقبه بعدم فهم :
_ ماذا ؟؟ ألم تخبرني أن أنتظرك هنا حتى تعود وألا أصدر صوتًا؟؟ لقد فعلت ما أخبرتني به، والآن هل أرحل ؟! لا اريد أن تشعر أمي بغيابي الطويل وإلا ستحزن مني .
صمتت ثواني ثم قالت :
_ أنت لست غاضبًا لأنني ضربتك سابقًا صحيح ؟! لقد جئت اليوم خصيصًا للإعتذار وفي الصباح لم تمنحني ردًا إن كنت سامحتني أو لا .
كانت تتحدث بهدوء وبساطة بينما هو فقط ما يزال مصدومًا من وقوفها كل هذا الوقت خلف الباب دون أي صوت أو حتى حركة، اقترب يقول بتعجب :
_ فاطمة هل وقفتي كل هذا الوقت خلف الباب ؟!
هزت رأسها بهدوء شديد ليتأوه المعتصم وهو يستدير معطيًا إياها ظهره وقد أكله الذنب، كيف يتركها كل هذا الوقت هنا لهذا الشكل، والأدهى أن الوقت تأخر ولا بد أن والدتها في غاية القلق عليها .
تنفس بصوت مرتفع، ثم استدار لها يردد بجدية :
_ حسنًا فاطمة تحركي معي سوف اوصلك للمنزل فقد تأخر الوقت .
على الاعتراض والرفض التام ملامح فاطمة التي أبت أن تعود لمنزلها مع رجل غريب عنها، ليس وكأنها قضت نهارها بالكامل في غرفته الشخصية والآن تقف معه لها وحدهما:
_ هل تريد أن تقتلني امي بالطبع لا يمكنك ذلك، أنا سأرحل الآن فقط إن أخبرتني أنك لست غاضبًا لأنني جئت منذ الصباح لأجل هذا ولن ارحل بدونه كي لا اغضب أمي.
قاطعها بضيق شديد :
_ لا لست غاضبًا، لكنني بالطبع لن اتركـــ.....
ابتسمت له فاطمة بهدوء وبساطة، ثم تحركت صوب باب الغرفة الخاص به ليس وكأنه يتحدث معها من الأساس تقول بجدية وهي تلوح له :
_ جيد إذن، بما أنك سامحتني، سوف أعود للمنزل فأنا مرهقة، وداعًا يا المعتصم .
وهكذا بكل بساطة تلاشت الفتاة من أمام عيونه، وقد سجلت وداع غريب آخر لها معه، وهو فقط يراقب الفراغ مكانها بأعين مصدومة وعدم فهم .
وحينما افاق من صدمته تحرك راكضًا بسرعة للخارج كي يلحق بها ويطمئن أنها وصلت بسلام حتى وإن راقبها من بعيد دون أن يعلن عن وجوده بصراحة .
في نفس الوقت الذي كان زيان يقف في واجهة مبنى الغرف يحمل الصغيرة وهو يهدهدها، يتحرك صوب غرفة الملك كي يحضر الاجتماع الذي دعى له كل المستشارين قبل اجتماع الملوك غدًا ..
فجأة شعر بجسده يصطدم بقوة في الجدار خلفه بسبب شخص خرج كالقذيفة ركضًا، اشتعلت عيونه وهو يعتدل سريعًا صارخًا في صاحب الجسد بضيق وهو يضم له الصغيرة بحرص :
_ انتبهي ستيقظين الصغيرة آنستــ
وقبل إكمال الجملة كان جسده يُدفع جانبًا، حينما ازاحه المعتصم بسرعة كبيرة وهو يهرول خلف فاطمة التي لمحها تخرج لتوها، تاركًا جسد زيان ملتصق في الجدار وهو يهتف متأوهًا :
_ يبدو أنه عليّ الهرب أنا والصغيرة قبل إصابتي بالجنون من سكان هذا القصر المريب .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ موزي أين أنت ؟!
توقفت في منتصف الممر تبحث عن موزي منذ ساعة تقريبًا وقد فقدته منذ الصباح، تنهدت بصوت مرتفع وقد قررت العودة لغرفتها وانتظار عودته، فهي تدرك أنه مهما دار وخرج في النهاية سيعود، لكنها فقط تخشى أن يوقع نفسه في مشا....
وقبل أن تكتمل أفكارها عن هوية المشاكل التي قد يسقط موزي نفسه بها أبصرت طرف ذيله يخرج من إحدى الغرف والتي لم تكن خاصتها بالمرة .
ابتلعت ريقها تتحرك ببطء صوب تلك الغرفة تدعو الله ألا يتسبب قردها الغبي في مشاكل لها مع أحدهم هنا .
اقتربت من باب الغرفة تنظر داخلها برعب لتدرك أنها لم تكن غرفة، بل كانت جناحًا كاملًا، جناح الملك، ونعم الآن أدركت سبب وجود موزي هنا، لقد أشفق عليها أن تخرج بكامل اعضائها من هنا فقرر أن يتسبب لها في الموت أو على الأقل بتر أحد اعضائها.
ابتلعت ريقها تتحرك داخل الجناح بهدوء شديد تحاول ألا تتسبب في أي صوت حولها وضربات قلبها تعلو كلما خطت خطوة، تهمس بصوت مرتعش :
_ موزي أيها القرد الاجرب، تعال هنا لا تتسبب لنا في مشاكل مع هذا الرجل .
لكن الأخير كان يعيث الفساد بالفعل في المكان وقد اجار على الفاكهة التي يحتفظ بها أرسلان داخل جناحه .
بللت سول شفتيها وتحركت بسرعة صوبه، لكن فجأة توقفت حين أبصرت صندوق ضخم من الأسلحة في أحد الأركان، شعرت فجأة أنها بدأت تصدق أسطورة صامد وصمود .
نبست بلغتها البرتغالية بصوت مرتفع :
_ يا ويلي هذا الرجل مخيف بحق .
أبعدت عيونها تعود لقردها الذي حمل بعض التفاح بين يديه ثم بدأ يتنقل على الأثاث دون اهتمام أنهم ليسوا في منزلهم، أخذ يقفز هنا وهناك وهي في الأسفل تفتح ذراعيها له تدعوه للنزول قبل عودة ذلك المتجبر من الخارج .
_ هيا ...هيا أيها الاجرب تعال لنخرج من هنا، من بين كل غرف القصر لم تجد غير هذا الرجل لتقتحم غرفته ؟؟ هل تود أن تنتهي حياتك كممسحة للأقدام أمام غرفته موزي ؟!
وكان رد موزي هو صوت مرتفع أطلقه وهو يقفز على بعض المزهريات والأثاث في المكان قبل أن يستقر فوق مزهرية خزفية لم تتحمل ثقل جسده لتسقط متهشمة أسفل أقدام سول التي فغرت فاهها واتسعت عيونها .
ركض موزي بخوف شديد يصعد أعلى شعر سول التي ابتلعت ريقها ولم تدرك ما يجب فعله ولم تشعر حتى أنها حين خرجت من غرفتها كانت بثياب نومها المتكونة من بنطال وسترة قطنية .
كانت تحدق في المزهرية بصدمة مرددة :
_ أنت ستكون سببًا في قتلي ذات مرة موزي، وربما تكون هذه المرة .
نظر لها موزي نظرة المسكين المغلوب على أمره والذي جارت عليه الحياة بكل ثقلها، بينما هي تحركت للخلف تتخذ وضعية الهرب من المكان بأكمله قبل عودة أرسلان، لكن يبدو أن النهايات السعيدة لا وجود لها في قصة سول التي سمعت صوت يهتف من الخارج بكلمات جمدتها ارضًا :
_ مولاي طلبت رؤيتنا...
توقف قلب سول لحظات عن الخفقان وهي تشعر أنها انتهت، تضم لها موزي برعب وكأنه سينقذها من تلك الكارثة، وكانت أول ردة فعل نتجت عن جسدها هي الركض صوب أول مخبأ ابصرته عيونها، فتحت باب جانبي تدس جسدها والقرد بسرعة مختبأة ممن بالخارج، لكن وقبل أن تندفع بالكامل للداخل شعرت بنفسها تصطدم بشيء صلب .
تراجعت للخارج مجددًا وكم تمنيت في صدرها أن يكون ذلك الباب مجرد زينة في المكان وما يقبع خلفه جدار وهي اصطدمت به ..
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه .
شعرت بجسدها يرتجف وهي ترفع عيونها ببطء لتبصر أول شيء صدره، الذي كان يتحرك بشكل بعنف شديد .
بينما الاخير كان على وشك الخروج من المرحاض بعدما انتهى من الاستحمام ليتفاجئ بباب المرحاض يُفتح وامرأة تقتحمه عليه، ليشعر بجسده بالكامل يتخشب بصدمة ليس لها مثيل ...
نظرات أرسلان المرعبة بحق وصوت أنفاسه العالية وأصوات الشهقات في الخلف، سيمفونية رعب خالصة بدأت تُعزف داخل عقل سلمى .
ليرن في أذنها في هذه اللحظة جملة قرأتها سابقًا في أحد كتب التاريخ، والآن جاءت اللحظة لتشعر بمعناها الحرفي ..
" البحر من ورائكم والعدو من أمامكم"
ــــــــــــــــــــــــــ
ولا تدري ما تخفي لك السطور ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الخامس 5 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنساش تصويت وتعليق برأيك
صلوا على نبي الرحمة.
_________________
#الفصل_السادس | جلالة الملكة |
ارتجفت يد توبة التي كانت تحمل عصا غليظة استطاعت استخلاصها من الطاولة الشبه مهترئة والقابعة في أحد أركان الغرفة .
ارتجفت كفها كما قلبها وهي تنظر من بين دموعها لجسد الرجل الذي سقط ارضًا وقد بدأت دماؤه تسيل خارج رأسه، تركت العصا سريعًا مرتجفة بخوف، تتراجع للخلف بوجه احمر وأعين حمراء كادت تخفي زرقة حدقتيها .
دارت بعيونها في المكان وجسدها يرتجف بقوة تحاول أن تهدأ ارتجاف صدرها :
_ هو يستحق ...هو يستحق ...هو يستحق .
كانت تنطق الكلمات بهستيرية وهي تنحني ببطء جوار جسد نزار الذي فقد الوعي بعد الضربة الثانية .
ابتلعت ريقها تمد العصا صوبه وهي تحركه بخفة ومن ثم اندفع جسدها للخلف برعب، لتجد أن لا حركة صدرت عنه، شعرت بضربات قلبها تزداد تكرر برعب :
- لقد قتلته، قتلت رجل.
وفجأة عند هذه النقطة انهارت ارضًا جوار جسد نزار تشعر بالرعب يتملك منها، تخفي وجهها بين قدميها منهارة، يستحق القتل، لكن ليس على يديها، كان جسدها بأكمله يرتجف من فكرة أنها استطاعت قتل رجل ما .
ظلت بنفس الوضعية تبكي دون توقف وهي تفكر ما الذي تفعله الآن، لا تعلم طريق الخروج من هنا، هي حاولت تقسم أنها حاولت الفرار لكن لم تستطع، الآن شعرت شعور كل امرأة أُختطفت وأُستباحت على يد المنبوذين، كانت تسمع حكايات قديمًا تجعلها تبكي وترتجف وتشفق عليهن، والآن أصبحت واحدة منهن .
وعند هذه الفكرة بدأت شهقات توبة تعلو وهي تصرخ بحرقة وقهر عزيز قومٍ ذُل، تشفق على نفسها، أين والدها وأين حياتها، أضحت ضحية ذكر وسخ أتخذ الدياثة مبدئًا له في حياته، تزوجت بذكر، بل شبه ذكر وليس شبه رجل، ألقى بها بين غياهب الجب .
كانت تبكي وتصرخ من بين بكائها بكلمات غير واضحة بسبب الشهقات، كل ذلك كان يصل لمسامع ذلك الملقى ارضًا من بين غفوته، اضواء مزعجة وجسد متيبس ووجع قاتل يضرب رأسه.
لا يدرك كم من الوقت ظل ممددًا على تلك الأرضية الصلبة، لكنه يدرك أنه وقت كافي ليسبب له وجع قاتل في فقرات ظهره، حاول فتح عيونه وفشل مرات عديدة، ربما تلك الضربات تسببت له في عمى على أقل تقدير ..
حاول التنفس وهو يرفع كفه يبعد الدماء عن عيونه، ثم حاول فتح عيونه مجددًا بكل ذرة قوة متبقية داخل جسده الواهن، دقائق طويلة مرت وهو يحاول ويحاول حتى نجح واخيرًا، دار بنظرات ضبابية في المكان لا يمكنه تحريك جسده، ربما تسببت الضربات في إصابته بالشلل إن نجى من العمى .
فجأة وأثناء رحلته داخل الغرفة بنظراته استقر على جسد متكوم في ركن جواره يهتز ويصرخ ويبكي، ضيق ما بين حاجبيه يحاول معرفة ما يحدث، من هذه من الأساس ؟!
وفجأة وكأن الذكرى ضربت رأسه يتذكر ما حدث ليشهق دون شعور منه :
_ أميرة توّبة ؟؟؟
وعلى همسته انتفض جسد توبة بسرعة ترفع عيونها صوب المتحدث لتتسع لرعب حين أبصرته ما يزال حيًا .
تراجعت برعب وتحفز للخلف وهو حاول النهوض ليشعر بالعجز، جسده بأكمله يأن وجعًا، قضى شهور عدة داخل السجن على بعض اللقيمات والآن خرج منه على محاولة قتل وكل هذا تسبب في إصابته بوجع في كل خلية داخل جسده .
حاول مرات ومرات أن ينهض تحت أعين توبة المتحفزة والتي زحفت حتى أمسكت العصى مجددًا تراقبه يتحرك بصعوبة بجسده حتى اعتدل وهو يطلق تأوهات مرتفعة واخيرًا استقر بنصف جسده العلوي على أحد الجدران، يغمض عيونه بتعب شديد قبل أن يفتحها ويرفعها لها لتشحب بقوة .
بينما نزار أخذ ثواني كي يستوعب عقله ما يراه، الفتاة أمامه بلا حجاب وقد تبعثرت خصلاتها السمراء حولها بشكل فوضوي، مع ملامح هادئة وجه ابيض مستدير بملامح صغيرة وأعين زرقاء .
ولأول مرة في حياته من بعد طفولتهم يبصر وجه توبة، رفيقة الطفولة التي كان يشاركها اللعب في فناء القصر حتى عمر السابعة ومن بعدها مُنعوا من اللعب سويًا وانشغل كلٌ بحياته، ولم يقابلها من بعدها البتة إلا من وراء حجاب ولم يكن حتى يرفع عيونه بها، الآن يراها أمامه واقعًا بكل ملامحها وخصلاتها .
وعند هذه الفكرة ابعد نزار عيونه عنها بسرعة كبيرة وبوجه محتقن غاضب وقد بدأ صدره يعلو ويهبط غضبًا من ذاته يتمتم بالاستغفار.
تمتمات وصلت واضحة لتوبة التي حدقت به ثواني قبل أن تنفجر في الضحك مرددة بسخرية لاذعة ونبرة متحسرة :
_ فاسق يذكر ربه ؟؟ ألا تخجل من نفسك أيها الحقير ؟؟
ارتفعت عين نزار لها بصدمة، لكن سرعان ما أبعدها يتحدث بصوت خافت :
_ أين حجابك ؟؟
امتلئت عيونها دموعًا تهتف بقهر وكره ينبض من كل خلية في جسدها :
_ انتزعوه مني، كي لا يبقى بين جسدي وفسوقك من حائلٍ .....سيدي .
كانت السخرية تقطر من فمها مع كل كلمة تنطقها، تراقبه ينظر ارضًا رافضًا النظر لها نظرة واحدة فقط، وهذا ما جعلها تتعجب ما يفعل، هل يدعي هذا القذر المثالية ؟؟
لكن نزار لم يهتم بكل ما يحدث وتحرك ببطء وصعوبة بعد محاولات فاشلة منه، ثم استند على الجدار الخاص بالمنزل يجر نفسه جرًا خارج المكان، تحت عيونها المتعجبة، بعد كل ما تلقاه من ضربات منها ما يزال يستطيع السير، يبدو أن قوته ليست بالهينة لتفنى من ضربتين فقط ...
أما عن نزار فقد اندفع بجسده خارج المكان بأعين مشتعلة يبحث بعيونه عمن يمكن أن يخرج به نيرانه، وقد كان الأمر من نصيب المرأة التي تدير المكان بأكمله بأمر من أنمار وقد تقدمت منه بدلال :
_ يا ويلي ما الذي فعل بك هذا ؟؟ يبدو أن الفتاة الجديدة شرسة، إن لم تعجبك أخبرني احضر لك غيرها .
نطق نزار بسبة مرتفعة، ثم نطق بكلمات محدودة:
_ أين حجاب المرأة ؟!
حدقت فيه المرأة بعدم فهم، ليكرر كلماته بصوت مرتفع شبه صارخ :
- أين حجاب المرأة في الداخل ؟؟
نطقت بعدم فهم :
_ أي حجاب هذا ؟! هل أنت مجنون ؟؟ ثم كيف تحدثني بهذه الطريقة، وتوقف عن النظر بعيدًا، انظر لي وأنت تتحدث معي .
ويبدو أن حديثها لم يعجب نزار والذي اهتز جسده بغضب شديد وهو ينطق نفس الجملة مجددًا، لكن بغضب أكبر:
_ أريد حجاب المرأة فتحركي واحضريه وإلا اقسم بالله أن أحيل هذا المكان لرماد .
ومن بعد كلماته خافت المرأة من طريقته، وقررت أن تتحدث مع الوليد بشأن الرجل الذي أحضره :
_ حسنًا سأحضر حجابًا و...
_ بل حجابها هي، لا أريد أي حجاب ملوث يعود لامرأة أخرى قد تكون مثلك .
اتسعت أعين المرأة بشر وقد أحمر وجهها من تلك الإهانة والتي سرتها في نفسها حتى تلتقي بأنمار، تحركت سريعًا واختفت لدقائق قبل أن تعود له تمنحه حجاب باللون السماوي والذي كان شبه مدمر لينتزعه منها بغضب، ثم عاد صوب المنزل وقبل دخول طرقه، ومن ثم تحرك للداخل.
كل ذلك وتوبة ما تزال تجلس في ركن المنزل تحدق به بشر وكره كبير، فجأة انتفض جسدها تمسك العصا حين أبصرت اقترابه منها :
_ هيييه أنت ابتعد، لا تقترب مني وإلا أقسمت بالواحد الأحد ألا اترك بك عظمة واحدة دون أن افتتها لشظايا في غاية الصغر.
اتسعت عيون نزار من شراستها قبل أن يبتسم بسخرية متحدثًا لها :
_ لو أنك أظهرتي هذه الشراسة على من احضرك هنا، ما كنتِ تقفين أمامي الآن تحاولين السيطرة على ارتجاف جسدك ورعشة صوتك وتهدديني .
بُهتت لكلماته وشعرت بالغصب يندفع بين أوردتها ونظرت له معتقدة أنه يعلم من أحضرها ويسخر منها، لا بد أن ذلك الوسخ الديوث أخبرهم ذلك متفاخرًا .
لكن وإن ظن أنها ستصمت وتسمح له أن يتعالى عليها فقد أخطأ، رفعت رأسها تردد بإشمئزاز :
_ ولو أنك أظهرت هذا الصلاح على شياطينك، ما كنت تقف الآن أمامي في هذا المستنقع .
سمع حديثها بملامح ذاهلة قبل أن يبتسم بسمة غريبة يخرج لها حجابها الخاص يلقيه عليها لتتلقفه سريعًا تخفي به شعرها، لتشعر واخيرًا براحة كبيرة وهي تقف أمامه وكأنها كانت تحدثه عارية .
أما هو فنظر لها ثواني قبل أن يبتسم وينظر واخيرًا لعيونها مرددًا بنبرة جعلت ضربات قلبها تزداد دون سبب :
_ ما زلتِ كما أنتِ توبة، يسعدني معرفة أن العالم لم يغير بكِ شيئًا، وصدقيني سأحرص على ألا يفعل .
ختم حديثه ثم تحرك بعيدًا عنها وهي تنظر لأثره بعدم فهم، لا تستوعب ما قال ولا ما يقصد، فقط نظرت لاثره وهو يرحل تاركًا إياها في حيرتها ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
اغمض عيونه يحاول أن يستوعب ما يحدث داخل جناحه، هي ليست واقفة في منتصفه بثياب شبابية مع خصلاتها المتحررة، كل هذا مجرد خيال مريض من عقله ليس إلا...
لكن اصوات الهمسات والشهقات حوله جعلته يفتح عيونه بسرعة وهو يرميها بنظرة جعلتها تتمنى لو وجدت لها قبرًا في ركن الجناح تدفن به جسدها بعيدًا عنه، لكن رغم كل ذلك حاولت أن تتماسك وتتحدث بهدوء وهي تشرح ما حدث أمامه:
_ لقد ...هو موزي دخل هنا بالخطأ وأنا جئت ...
وقبل إكمال جملتها وجدته يتخطاها بسرعة مخيفة يقف أمامها معطيًا إياها ظهره وهو يرمي الجميع بنظرات مرعبة :
_ أعينكـــــم للأســفل .
أبعد الجميع عيونهم المصدومة برعب عنها بينما هو صوت تنفسه القوي كان كل ما يُسمع في المكان، بينما هي ما تزال في ظهره مصدومة متسعة الأعين تحاول تجاوز ما يحدث حولها .
ابتلعت ريقها بصعوبة تحاول أن تتحدث بكلمة، لكن وقبل أن تفعل استدار لها بكليته مما جعلها تتراجع وهي تخشى أن تقف في وجهه في هذه اللحظة، فتحت فمها للحديث بكلمة لكنها توقفت حين أبعد هو عيونه عنها يتحرك بسرعة صوب غرفته، ثم وفي ثواني فقط عاد وكأنه يخشى تركها وحدها بهذا الشكل، يلقي لها بمعطفه الاسود الثالث منذ أتت لتفهم هي ما يريده تضعه على جسدها تتحدث بسرعة :
_ أنا لم آتـ ....
قاطعها بغضب حاول كبته بصعوبة كي لا يزيد من الطين بلة أمام رجاله، هو فقط ابتسم بسمة خشنة يردد لها بهدوء :
_ لا بأس جلالة الملكة غدًا نتحدث إن شاء الله، ومن ثم كان الأمر خطئي أن تركت باب غرفتي مفتوح وهذا ما تسبب في دخول موزك هنا وافساده لكل شيء، رجاءً اذهبي لنيل قسط من الراحة والصباح نتحدث بشكل اوضح .
تعجبت ما يقول وتعجبت هدوءه، ولم تنتبه لتلك الكلمة التي خرجت منه في وسط حديثه، فقط هزت راسها تجيبه بنبرة رقيقة دون وعي :
_ نعم هذا صحيح، وآسفة على ما حدث، إن أردت يمكنني تعويضك بـ ...
قاطعها همسة أرسلان الذي فقد كان ذرات رقيه المزعومة واشتد غضبه وهي تتحدث معه بهذه الهيئة أمام رجاله :
_ فقط ارحلي من هنا قبل أن أفقد صبري .
اتسعت عيون سول بقوة وهي تنظر له بشر لكلماته، لكنها فقط ابتسمت له تدرك أنها المخطئة في هذا الموقف وأي عناد من طرفها لن يكون في صالحها البتة :
_ ليلة سعيدة جلالة الملك، أنصحك بشرب بعض المشاريب الدافئة واستنشاق بعض الهواء النقي لتهدأه نيران غضبك .
كانت تتحدث ببسمة رقيقة وهي تتخطاه وهو ما يزال يحدق في الفراغ مكانها وقد اشتد إصراره على ما كان يرفض في البداية، سوف يفعله ولو كلفه هذا حياته .
بينما سول تخطته تشير لموزي أن يلحق بها، ومن ثم تخطت الرجال تهمس لهم بصوت خافت رقيق :
_ ليلة سعيدة لكم، وآسفة على الازعاج .
وبمجرد أن خرجت أغلقت الباب خلفها بهدوء شديد، تاركة أرسلان يعطي ظهره للجميع وهو قاب قوسين أو أدنى من الانفجار في وجوههم .
نظر الجميع لبعضهم البعض بتردد ولا أحد يعلم ما حدث، كاد أحدهم يتحدث بكلمة، لكن أرسلان استدار لهم يتحدث بصوت جامد وكلمات خرجت دون إرادته بنبرة حادة :
_ ما حدث منذ ثواني اياكم أن تفكروا به بينكم وبين أنفسكم حتى، اعتقد أن حديثي في غاية الوضوح يا رجال .
نظر الجميع له والاستنكار والصدمة تعلو ملامح البعض مما حدث وسمعوا، والاحترام يعلو ملامح البعض الآخر وقد كان الأمر لا يعنيهم البتة أن يتدخلوا به خاصة بعدما أعلن الملك للتو مكانة المرأة.
وفي عرفهم لا دخل للرجال بالنساء أو بما يحدث معهن، فما بالكم لو كانت تلك المرأة هي الملكة المستقبلية للبلاد كما أعلن أرسلان منذ ثواني ؟؟؟
بينما أرسلان ينظر لهم بشر وهو يعلم أن الكلمة التي ألقاها في حديثه أعطت لهم إشارة لعقوبة التحدث فيما حدث منذ ثواني، وقد عمد لنطق تلك الكلمة في تلميح ضمني كي يضمن عدم تجرأ أحدهم وذكر ما حدث بينه وبين نفسه .
لكن هو لا يلقي الكلمات جزافًا كل كلمة تخرج من فمه بحساب، ابتسم لهم بسمة صغيرة، ثم قال بهدوء :
_ والآن تفضلوا لحين انتهي من ارتداء ثيابي ويأتي زيان والمعتصم ومن ثم نشرع في الحديث عما سيحدث قبل اجتماع الملوك غدًا ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يسير في طرقات البلاد خلفها يراقبها منذ نصف ساعة تقريبًا لا يود الإعلان عن وجوده، فقط يتابعها بحرص وكأنه يسير خلف كنزه الثمين يحرسه من أعين كل من تسول له نفسه بالمساس به .
ابتسم دون وعي يراقبها تتحرك في الطرقات الشبه خالية وهي تردد ترنيمات خافتة كان يسمعها في طفولته من والده، الفتاة كانت نقية صافية خالية من أي شوائب قد تعكر صفو قلبها، وهذا ما ارعب المعتصم عليها، مثل هذه الفتاة على والديها الاعتناء بها أكثر.
فجأة وأثناء تحركهم توقفت فاطمة فجأة في سيرها، ليتوقف المعتصم بدوره وحين استدارت اندس بجسده بسرعة خلف أحد المباني بسرعة متعجبًا تصرفاته، فهو لا يفعل شيء خاطئ كي يختبئ، لكن كان الأمر مجرد ردة فعل من جسده .
بينما فاطمة نظرت خلفها بشك تشعر بقدم تلحق بها ليدب الرعب في قلبها وهي تتذكر كلمات والدتها المحذرة، فأخذت ترددها بصوت شبه مرتفع :
_ أنا لا اخافك يا هذا، أي كنت من تتبعني فأنا لا امتلك لا ذهب ولا أموال كي تفعل وإن فكرت بالاقتراب مني سأصرخ بصوت مرتفع واجمع الأشخاص حولي حولك وستكون في ورطة .
اتسعت عين المعتصم وهو يختبأ خلف الجدار وقد ارتسمت بسمة غير مصدقة على فمه، هذه الفتاة خروجها من منزلها انتحار ..
هل تعتقد أنه لو كان شخصًا سيئًا حقًا ويلحق بها وسمع هذه الكلمات سيخافها ؟؟
مد رأسه بهدوء ينظر لها من خلف الجدار مبتسمًا بسمة صغيرة على تصرفاتها وقد أخذت تستدير حولها تحدق في الأماكن بحثًا عمن يتبعها، وحينما تأكدت أنها اخافته أكملت طريقها بسرعة .
خرج المعتصم من مخبأه يلحق بها بخطوات تمثال هرولتها .
قبل أن تتوقف فجأة مما جعله يتوقف هو الآخر بضيق :
_ ليس مجددًا يا ابنتي أكملي طريقك أريد العودة للقصر .
بينما فاطمة انتبهت فجأة لقطة صغيرة تقبع في ركن منزل منكمشة من البرودة على نفسها، مالت عليها تهمس بصوت منخفض :
- مرحبًا يا صغيرة، أين والدتك ؟؟
اقترب المعتصم بهدوء دون أن تشعر به يراقبها تتحدث للقطة بلطف شديد، جعله يبتسم دون شعور يهمس بإعجاب لم يستطع كبته وهو شارد بملامحها الرقيقة التي تخفيها آثار الأوساخ وكأنها كانت تلعب بالوحل :
_ والله لو كنتِ ابنتي ما تركتك تبصرين الخارج كي لا تتلوثي يا فاطمة.
مالت فاطمة أكثر على القطة، ثم حملتها بين أحضانها، ونظرت حولها تخشى عودة والدتها وعدم إيجادها، وتخشى أن تتركه وحدها في هذه البرودة، ظلت محتارة قبل أن تقرر واخيرًا أن تأخذها وترحل :
_ هيا سنعود غدًا للبحث عن والدتك يا صغيرة .
ومن ثم تحركت بكل بساطة وهدوء دون أن تدرك ما فعلت لتوها بالمعتصم الذي ابتلع ريقه بصعوبة يتحرك خلفها وهو يسمع صوتها تتحدث للقطة :
_ أشعر أن قدمي تأن وجعًا من ذلك الحذاء الاحمق، ربما عليّ شراء حذاء آخر صحيح يا ....نحن لم نختر لكِ اسم بعد، غدًا نفعل إن لم نجد والدتك .
صمتت ثم أكملت بجدية كبيرة وهي تنحرف في طريق شبه مظلم :
_ ربما يمكن لبوبي أن تتكفل بارضاعك مع صغارها، سأعرض الأمر عليها غدًا إن لم نجد والدتك .
كبت المعتصم ضحكته بصعوبة، لكن كان الأمر اكبر منه إذ انفجر فجأة في الضحك بشكل جعل اقدام فاطمة تتوقف فجأة في الظلام وقد اشتدت ضربات قلبها قوة ..
فتحت عيونها بفزع تخشى الاستدارة صوب الضحكات، في حين أن المعتصم كان ما يزال غارقًا في موجة الضحك دون أن يتمكن من التحكم بذاته .
استدارت فاطمة واخيرًا بعد نقاشات عديدة مع ذاتها لتشجيعها، استدارت تنظر لذلك الجسد الذي يقف خلفها على بعد خطوات قليلة في شارع صغير مظلم، ابتلعت ريقها تتحدث بريبة :
_ من أنت ؟؟ هل تلحق بي ؟؟
تماسك المعتصم بصعوبة يردد من بين ضحكاته :
_ أنا آسف لم اقصد، أقسم أنني لم اقصد ...
نظرت له فاطمة بحنق تهمس بغيظ شديد :
_ من انت ولماذا تلحق بي، تحدث وإلا صرخت بالجميع أنك تحاول اذيتي، وسأخبر أبي وأخي عنك .
اتسعت عيون المعتصم يهمس بصدمة من حديثها :
_ ماذا فعلت لكل هذا ؟؟ هذا أنا المعتصم بالله، لقد كنت ألحق بكِ فقط للتأكد أنك ستصلين لمنزلك بأمان .
نظرت له ثواني بعدم فهم تحاول تذكر أين سمعت هذا الاسم قبل أن تتسع بسمتها تلقائيًا تهتف:
_ المعتصم ؟؟ نعم أتذكرك، لقد تقابلنا سابقًا، أحضرت لك حلوى أيضًا و....
صمتت ثم قالت فجأة وكأنها تذكرت الأمر:
_ الحلوى لقد نسيتها في غرفتك وضعتها على الطاولة هناك .
_ ألم تحضريها لي ؟؟
_ نعم فعلت .
_ إذن لا بأس هي في غرفتي في أمان .
هزت رأسها قبل أن تبتسم وهي تمد له يدها بالقطة تهمس :
_ انظر ماذا وجدت، هذه الهرة الصغيرة كانت تبكي في الطرقات بسبب البرودة، هل تريد الاحتفاظ بها، فأمي ربما تغضب إن عدت بها للمنزل كما أنني لا امتلك طعامًا يناسبها .
نظر المعتصم ليدها التي تحمل الهرة ثواني بزهول، لم يستوعب ما تقول، ابتلع ريقه يردد :
_ هذه لي ؟؟
_ نعم تريدها ؟؟
صمت ثواني وهو يحدق بالقطة ومن ثم بها، وكاد يرفض فلا هو متفرغ للاعتناء بأي كائن حي، أو يعلم حتى كيف يعتني به، لكن نظراتها المترجية تلك جعلته يمد يده لها خوفًا أن يحزنها يلتقط منها الهر بين أحضانه:
_ نعم سيسعدني ذلك .
اتسعت بسمة فاطمة ليبصر المعتصم في هذه اللحظة وبسبب ضوء المشاعل الخافت في الطرقات اجمل البسمات التي ابصرها خلال أعوامه الخمس والعشرين، أبعد عيونه عنها حينما شعر أن الشيطان بدأ بتحكم فيه بشكل مبالغ، ليسمع صوت فاطمة تردد بلطف :
_ أنت حقًا في غاية اللطف، أتساءل لما أخبرتني امي أن البعد عن الغرباء فأنت تبدو لطيفًا .
فتح المعتصم فمه ببسمة غير مصدقة، امرأة تصفه باللطيف وهو الذي قضى حياته بأكملها بين الأسلحة والدماء، الحمدلله أنها لم تبصره يومًا في ساحة الحرب .
_ والدتك محقة، لا تقتربي من الغرباء كثيرًا، فهذا خطر خاصة على صغيرة مثلك .
_ لست صغيرة أنا على مشارف العشرين .
_ لا اعتقد أنكِ قد تنضجي ولو كنتِ على مشارف التسعين .
نظرت له فاطمة بعدم فهم ليهز رأسه لها يشير أن تتحرك أمامه:
_ تحركي لنوصلك للمنزل كي لا تتأخري أكثر لا بد أن عائلتك قلقة عليكِ .
فتحت فاطمة عيونها بصدمة وكأنها استوعبت للتو :
_ أوه نعم لا بد أنهم كذلك .
ختمت حديثها تهرول أمامه بسرعة وهو يلحقها بنفس السرعة قبل أن تتوقف فجأة تستدير له هامسة بتسائل :
_ صحيح لم تخبرني ماذا ستسميها للهرة ؟؟
نظر لها بتشنج، تلك الفتاة مريبة حقًا للتو كانت تهرول مرتعبة مما سيحدث لها والآن تتساءل عن اسم الهرة التي وجدتها، فتح فمه ينتوي الصراخ بها لتتحرك حتى ينتهي ويعود مع هرته للقصر، لكن وجد نفسه ينطق باسمها وبلغة فارسية خالصة :
_ برفی " ثلجية "
اتسعت عيون فاطمة بانبهار وهي تنظر صوب القطة البيضاء ترى حسن اختياره للأسماء :
- أنت جيد في هذا، احببت الاسم، هل يمكنك المرور يومًا لاختيار اسماء لأبناء بوبي ؟؟
اتسعت عيون المعتصم يرفع عيونه لها بصدمة وهي فجأة انكمشت ملامحها تهتف بفزع :
- يا ويلي أمي لقد نسيت .
ومن ثم بدأت تركض مجددًا وهو خلفها يهمس لنفسه بالصبر فهذه ستكون المرة الأخيرة التي سيراها بها بهذه الفتاة الغريبة .
راقبها حتى وجدها تدخل أحد المنازل الشبه محترقة وكأنه على وشك السقوط والانهيار، انقبض صدره لرؤية المنزل، لقد كانت النوافذ محطمة والباب شبه مدمر، اطال النظر به قبل أن يتراجع بعيدًا يحمل القطة ويتحرك بهدوء عائدًا للقصر ليحضر اجتماع الملك وقد تأخر كثيرًا بالفعل .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لينجينا الله من جنون أرسلان، رسالته لا تنبأ بالخير .
ابتسم سالار بسخرية وهو يحرك رأسه، ثم مال على ظهر المقعد يتأمل السماء، يردد بهدوء شديد ردًا على حديث إيفان:
_ أي كان ما سيفعل فلأول مرة اوافقه الرأي، لقد تجاوزوا جميع الخطوط الحمراء .
تنهد إيفان يميل على الطاولة أمامه يستند عليه بيديه، ثم اطال النظر حوله لرجاله يتحدث بجدية :
_ لا يبدو لي أن الأمر سينتهي على خير هذه المرة، ما يحدث في الممالك جنوني .
_ لا بأس إيفان ستمر كما يمر كل شيء عزيزي، فقط توكل على الله .
ختم حديثه يعتدل في جلسته، حين سمع صوت إيفان يوجه كلماته لتميم " صانع الأسلحة داخل سفيد" :
_ هل فعلت ما أخبرتك به تميم ؟!
_ نعم مولاي كل شيء تم، جهزت شحنة الأسلحة التي ستتحرك غدًا لمشكى وأخرى لآبى .
_ جيد، غدًا نتحرك لمشكى جميعًا عدا دانيار هو سيبقى هنا لتولي الأمور في المملكة لحين عودتنا .
ابتسم دانيار بسمة واسعة وقد كان هذا افضل قرار يصدره الملك، فهو في الحقيقة لا يخطط للأبتعاد عن زوجته والذهاب لمشكى في هذا الوقت تحديدًا، ليس وقد تعهدت له بليلة رومانسية وسهرة طويلة في شرفة غرفتهم .
انتبه إيفان لشرود دانيار الطويل وبسمته المريبة ليضيق عيونه، ثم نظر صوب تميم يردد ببسمة واسعة مستفزة :
_ أو غيرت رأيي، تميم أنت ستبقى ودانيار سيأتي.
امسك سالار كوب العصير أمامه يرتشفه مبتسمًا بسخرية يرى أن الحرب بدأت اليوم مبكرًا بين إيفان وزوج شقيقته، وحقًا لا يدرك متى يتوقف إيفان عن الغيرة على شقيقته ويعتزل ازعاج دانيار.
اشتعلت أعين دانيار بغضب شديد يشعر برغبة عارمة في النهوض واستلال سيفه والانقضاض على إيفان والتخلص من كل هذه المعاناة التي يحياها على يده .
أما عن إيفان كان فقط يبتسم متابعًا ما يحدث يعلم جيدًا هوية الأفكار التي تدور الآن في عقل دانيار، لكنه لم يهتم يكمل بكل بساطة :
_ إذن يا رجال اذهبوا للنوم فلدينا رحلة طويلة غدًا .
ختم حديثه ينهض عن المقعد، ثم استأذن منهم بهدوء شديد يتحرك في المكان، نهض دانيار عن مقعده وكأنه على وشك الهجوم عليه، لكن توقف قبل أن يتحرك صارخًا بغضب :
_ يا الله لترحمني منه .
تحرك بعيدًا صوب غرفته مشتعلًا بالغضب، فيما نهض تميم مكانه مقررًا الذهاب وأخذ قسط من الراحة بعد يوم شاق قضاه بين طرقات سفيد مع الجيش، يستأذن بهدوء من سالار الذي ودعه، ثم بعد دقائق قليلة واخيرًا تحرك قرر أن يختم يومه بشيء لطيف، وما ألطف من زوجته ليختم بها اليوم ؟؟؟
تحرك صوب غرفته وتوقف ثواني قبل أن يطرق الباب بهدوء، ومع طرقته الثالثة وجدها تفتح الباب بلهفة تطمأن أنه لم يصاب بأذى تهتف بكل المشاعر داخل صدرها :
_ حمدًا لله على سلامتك يا قائد .
_ سلامتي أنتِ تبارك ...
ختم حديثه يتحرك داخل الغرفة ملتقطًا جسدها بين أحضانه بيد، والأخرى اغلق بها الباب يتنفس براحة شديدة وقد بدا على صوته الاسترخاء :
_ عسى أن يكون يومك ملئ بالخير مولاتي .
اتسعت بسمتها فهو لم يخلف عهده معها منذ زواجهم، أخبرها أنها ملكته وستظل، وحافظ القائد على كلمته، ومنذ متى اخلف القائد له كلمة .
_ الحمدلله بخير دامك بخير يا قائد .
ابتعدت قليلًا تهمس بحنان :
_ أنت لم تتناول طعامك..
_ لست جائعًا، فقط متعبًا وفي الغد لدي رحلة طويلة لمشكى، لذا فقط احتاج للراحة .
انقلبت ملامح تبارك وهي تتراجع للخلف أكثر:
_ ستطيل البقاء في مشكى ؟؟
_ لا ادري اتمنى ألا نفعل .
_ ما الذي حدث سالار، أنا لا افهم شيئًا، ألم ننتهي من كل هذا سابقًا، ألم يفنوا بعد ؟!
نظر لها سالار ثواني قبل أن تغيم عيونه بنظراته غير مفهومة، ثم ابتسم يردد بصوت خافت :
_ هم يتكاثرون كالحشرات تبارك، لا ينتهون لعنة الله عليهم أجمعين، لقد توالت ضرباتهم على الممالك الأربعة والحمدلله لم يصب أحدهم سوء .
ثمن ثواني قبل أن يكمل بملامح متغضنة :
_ رغم أنني أشك أن أذية أحد كان هدفهم .
_ ماذا تقصد ؟؟ إن لم يكن أذية ما سبب ما فعلوه إذن ؟؟
_ إعلان عن عودتهم، ضربات مستترة متفرقة لتشتيت النفوس، إضعاف القلوب، اختاروا طريقة حرب جديدة، وجدوا أنهم أجبن من حرب الرجال وساحة المعارك، فاختاروا حرب النفوس والعقول، ضربات كالتي حدثت قد تبث الرعب في نفوس الشعوب وتقذف القلق في صدورهم وهذا يضعفهم، حسنًا لست متأكدًا من شيء، لكنني اعلم جيدًا أن القادم لن يكون هينًا .
ابتلعت تبارك ريقها وقد توجست مما نطق سالار، ورغم ذلك اقتربت منه تتحدث بخوف دب في صدرها:
_ أنت ستكون بخير سالار ؟!
_ لا تقلقي الله خير حافظ .
هزت تبارك رأسها تحاول رسم بسمة رغم الخوف الذي انتشر على ملامحها، نهض سالار يتحرك صوبها مبتسمًا، ثم جذب رأسها له بحنان يضمها لصدره :
_ ما بكِ تبارك، أنا الآن بخير أمامك، ثم ألا تثقين بي، الله ولييّ فمن هم لاخشاهم ؟؟
سقطت دموع تبارك وهي تضم نفسها له بقوة، قبل أن تنفجر فجأة في البكاء مما جعل سالار يفتح عيونه بصدمة كبيرة يبعدها عنه بسرعة يحاول التأكد أنها تبكي حقًا ولا يتخيل :
_ يا ويلي ما بكِ ؟! هل فقدتيني لتبكي بهذه الطريقة ؟؟
_ بعد الشر عنك يارب اللي يكرهك واللي يتشدد ليهم يا سالار .
ختمت حديثها وهي تمسح دموعها، ثم اردفت بصوت خافت حزين :
_ فقط حزينة لأن الحرب عادت من جديد، لم اصدق أنها مرت على خير لتعود اقسى وأشد .
_ هؤلاء الخنازير لعنة الله عليهم لا ينتهون البتة، عسى أن يحترقوا في جهنم.
تنهد وهو يمد يده يمسك يدها يسحبها صوب الطاولة التي كانت قد أعدتها له يهتف ببسمة صغيرة :
_ هيا تعالي لنطعمك، لربما سبب ما يحدث لكِ هو الجوع ليس إلا..
فجأة توقفت أقدامه حين تذكر شيئًا ما، واستدار لها بشك :
_ أنتِ لم تغفلي عن ادويتك صحيح ؟!
صمتت تبارك وهي تحاول التذكر متى آخر مرة تناولت دوائها، ليدرك سالار أنها فعلت ولم تأخذها بانتظام كما أمرها .
_ كنت سأ ...سأفعل اقسم لك، فقط انتظرتك لتعود ومن بعدها سأخذها .
كانت تتحدث وهي تتحرك خلفه بسرعة بينما هو كان يتحرك بخطوات واسعة داخل الغرفة وهو يبحث عن الأدوية التي يخفيها لأجلها، وهي تتحرك خلفه تحاول أن تجاري خطواته، وهو فقط يبحث بين الاغراض الخاصة وهي تتحدث بصوت لاهث بسبب هرولتها خلفه :
_ فقط اسمعني سالار، أنا فقط كنت انتظر عودتك فأنا لا أحب تناول الأدوية إلا من بين أناملك، اتفائل بك خيرًا، لذلك انتظرتك .
توقفت فجأة حين توقف هو واستدار لها يرميها بنظرات جعلتها تبتلع ريقها مبتسمة بسمة رقيقة علها تؤثر عليه ويتوقف عن زجرها بنظراته نفسها التي يرمي بها جنوده وقت التدريب .
أما عنه اكمل طريقه صوب الطاولة يلتقط عنها كوب ماء، ثم استدار لها وهي تلحق به تتحدث بسرعة :
_ الآن سآخذها و.....
وقبل إكمال جملتها كان سالار يدس الأدوية في فمها ثم اتبعها بكوب الماء وهي ترتشف دون كلمة واحدة كي لا تغضبه وحينما انتهى مما يفعل بملامحه واجمة غاضبة، مال بكل بساطة يطبع قبل على وجنتها هامسًا بحنان يتنافى مع ملامحه منذ ثواني :
- شفاكِ الله مهجتي، لا أراني الله بكِ سوءًا، سأذهب للاستحمام واعود.
وختم حديثه بقبلة على وجنتها الأخرى، ثم تحرك بهدوء وهي فقط تتابعه بأعين متسعة لا تفهم ما حدث منذ ثواني ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صباح جديد يخفي له الكثير، وها هو يستقبل الصباح كعادته من شرفته المفضلة في الطابق الثالث، بدأت الشمس تلقي أشعتها على الأجواء، وكم كان ممتنًا لقدوم نهار جديد واخيرًا مبددًا ظلمة الليلة السابقة .
ابتسم يراقب الشروق ببسمة واسعة، قبل أن تتلاشى بسمته شيئًا فشيء حين أبصر في الحديقة الجانبية ما جعل عيونه تتسع ليتحرك بسرعة خارج المكان وهو يزفر بضيق وصوت حنقه يعلو ويعلو يتمنى من اعماق قلبه ألا يصل أحدهم صوب تلك الحديقة في هذا الوقت ..
_ سامحك الله يا رائف، سامحك الله على ما فعلت بابنتك وبي .
وفي الخارج كانت تقف هي في الحديقة ترتدي ثياب رياضية تتكون من بنطال قماشي اسود واسع الاقدام مع سترة ثقيلة بيضاء من النوع الواسع، تبتسم باتساع وراحة شديدة وقد بدأ موزي يستمتع بالاشجار حوله يقفز هنا وهناك.
ابتسمت له سول وهي تفتح ذراعيها للحياة في صباح جديد مشرق حيث الهواء العليل و......
وقبل إكمال قصيدة الصباح الجميل في رأسها شعرت بسترة تصطدم في وجهها بعنف وصوت يهدف في المكان صارخًا :
_ أنا لن أسير خلفك في كل مكان ابذر عليكِ ستراتي ألا يمكنك أن تتبعي ما اقول لمرة واحدة ؟!
أغمضت سول عيونها بضيق شديد تبعد السترة عن وجهها تحاول التنفس والهدوء، هي من الأساس تضع قبعة ثوبها الشتوي على رأسها لأجل صراخه هذا .
نظرت له بأعين مشتعلة قبل أن تهتف في وجهه بهدوء يخفي خلفه نيرنًا :
_ أنت حقًا تعاني مشاكل جمة في التحدث بشكل حضاري، ما يزال عرض علاجي لك قائمًا إن أردت .
أشار لها أرسلان والغضب يأكل خلاياه وهو يفكر أن هذه المرأة جاءت تنشر الفساد داخل جدران قصره وهو قد سأم كل هذا :
_ اسمعي أنا لم احسابك على ما حدث البارحة بعد، فلا تثقلي ميزانك معي يا امرأة واتبعي ما أخبرك بك وإلا...
نظرت له سول ثواني قبل أن تضع يديها داخل جيوب سترتها الشتوية تبتسم له باستفزاز :
_ وإلا ماذا ؟؟ تقتلني وتعلق رأسي على جدران قلعتك ؟؟
_ ألم أخبرك أنني لا اشبه أيًا من الملوك الذين قرأتي عنهم سابقًا في كتبك العزيزة، لذا لا، صدقيني ما سأفعله لم تكتب عنه الكتب ولم يخطر على بال أي كاتب مختل .
كانت سول تتابعه بهدوء وهي تزال تدفئ أناملها داخل سترتها تنتظر أن ينتهي من حديثه، ثم قالت بكل بساطة وهدوء :
- أنا لن آخذ منك مالًا لقاء معالجتي لك، صدقني لقد سبق وعالجت الكثيرين مثلك ...
صمتت ثم أكملت ببسمة واسعة :
_ أوه آسفة تذكرت أن لا أحد مثلك، أقصد أنني عالجت البعض ممن يعانون تلك الأعراض التي تعاني أنت منها، لمَ لا تجربني ؟؟
اتسعت أعين أرسلان قبل أن يبتسم لها بسمة مريبة وهو يردد :
_ هذا ما انتويه بالفعل، لكنها لن تكون مجرد تجربة .
_ ما الذي ترمي إليه أنت ؟!
ابتسم لها ولم يتحدث بكلمة، كل هذا وهو لم يرمي لها بنظرة واحدة حتى، بل كان يتحدث وهو يبعد عيونه عنها يحدق في نقطة خلفها، مما جعلها تغتاظ وهي ترفع إصبعها في وجهه تلقي بتهديد لا معنى له :
_ اسمع يا هذا، لا تختبر صبري فأنا حتى الآن اتعامل معك بالحسنى ولا أريد معاملتك معاملة زبائني الاعزاء...
وقبل إكمال جملتها رأت نظراته تتحول من خلفها صوب إصبعها يحدق به ثواني قبل أن يرفع عيونها لها يردد بصوت محذر :
_ خسئتِ أنتِ وأشباهك الاربعين، اخفضي اصبعك ولا تتجرأي وتهدديني، كي لا يصيبك ما لا قبل لك بتحمله..
ابتسمت سول بعدم تصديق تهمس له بغضب مكبوت :
_ أنت نرجسي حقًا .
وكانت إجابة أرسلان عليها هي نظرة غاضبة وهو يرفع إصبعه في وجهه :
_ أنتِ وقحة .
اتسعت أعين سول بعدم فهم، و فتحت فمها للتساؤل عما يقصد، لكن وقبل أن تستفسر عما يقصد كان الجحيم قد فُتح أمامها حين أبصرت برتقالة مجهولة المصدر تمر بالقرب من رأس أرسلان الذي امسكها بسرعة كبيرة وكأنه يصد ضربة سيف، رفع عيونه صوب الرامي يعطيه نظرة لو كان موزي يعقل ما يفعل لبحث لنفسه عن قبر ودفن به جسده.
اتسعت بسمة مختلة على وجه أرسلان جعلت سول تتحدث بتردد وهي تقف أمامه، تحاول أن تشتته عما حدث :
_ أنا أريد الخروج للتسوق و...
لكن فات الأوان لما تريد فعله وقد اندفع جسد أرسلان صوب موزي الذي ركض بسرعة يختبأ بين الأغصان، لكن يد أرسلان كانت أسرع وهو يمسك بسترته يجذبه صوبه أمام عيونه يهمس بصوت مرعب وكل فكره يدور حول وضع حد لهذا القدر كي لا يتمادى في أفعاله ويلقيه بشيء كلما ابصره وربما كانت المرة القادمة أمام الجميع :
_ ليس قرد من يفكر مجرد تفكير على أن يلقيني بشيء ولو كان ورقة شجر، خسئت أنت وكل سلالتك أيها الاجرب ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" ملك آبى الملك آزار، افتحوا ابواب القصر ..."
على صوت المنادي كانت ابواب سبز تُفتح أمام قافلة آزار الذي تحرك بخيله بسرعة كبيرة، حتى وصل بعد دقائق أمام المبنى الخاص بصديقه، هبط عن حصانه يتحرك وهو يهز رأسه مرحبًا بالجميع دون أن يحيد بعيونه عن الطريق يدرك جيدًا أين يسير، وجهته المعروفة منذ سنوات وخاصة الأيام الأخيرة .
واخيرًا وصل صوب مكانه المنشود، ليدخل بهدوء ويغلق الباب خلفه يخلع معطفه يلقيه جانبًا يهتف بأعين ملتمعة بالحنين وصوت خافت يراقب رفيق العمر وشقيقه الذي حظي به منذ طفولته :
_ ما بالك أحببت الراحة أيها العجوز ؟؟
تحرك صوب الفراش حتى وصل له يجذب أحد المقاعد يجلس عليها ثواني، ثم أمسك يد بارق يربت عليها بحنان، يضمها بين قبضتيه يستند عليهم بذقنه محدقًا بوجه بارق الشاحب والذي كان أشبه بالموتى، ودون شعور سقطت دموعه يدفن وجهه على يده التي تقبض على يد بارق يهمس بصوت موجوع :
_ الحمل ثقيل يا صديقي، عد ولا تتركني وحدي في هذه الحياة، والله أشعر أنني أقف اعزلًا في ساحة حرب، إياك وتركي وحيدًا يا بارق، لا تفعلها بي وتقسم ظهري .
ختم حديثه ينفجر في البكاء وهو يضم كفه وقد بدأت ذكرياته مع بارق تعود أمام عيونه، بارق والذي كان يمثل له الصديق والاخ والرفيق، الآن ذلك الرفيق مهدد بتركه .
سقطت دموعه أكثر وظل على جلسته ساعات يتحدث معه كما لو كان بارق يسمعه، قبل أن ينهض يمسح دموعه، ثم قبله على جبينه وودعه بهدوء :
_ سأعود مجددًا يا أخي ...
تحرك للخارج بهدوء، يغلق الباب خلفه، يرتدي معطفه الملكي مجددًا بملامح جامدة يتحرك في الممر قبل أن يتوقف أمام قاعة العرش يدخلها بعدما أعلن الحاجب وصوله ليبصر أنمار يتوسط عرش بارق، كبت استنكاره وحقده داخل صدره يرى أنمار يرحب به ببسمة واسعة راقية .
_ ملك آزار أخبرني الرجال أنك جئت منذ ساعات طويلة، فخمنت أنك ذهبت للجلوس مع الملك بارق .
_ جيد أنك ما زلت تذكر من الملك هنا أنمار.
لم يهتم أنمار بحديثه، يتجاوزه بكل بساطة، ثم أضاف بهدوء :
_ إذن كيف حالك وحال آبى ؟؟
وكما فعل أنمار، فعل آزار معه، إذ تجاوز عن سؤاله وهو يبادره بسؤال آخر في المقابل ودون مقدمات هتف بصوت جامد :
_ مالي لا أرى زوجتك في الجوار؟؟؟ أين الأميرة توبة أنمار ؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
" موكــــب سفيــــد يصل لبوابة القصر بقيادة الملك إيفان، افتحـــــوا الأبـــــواب "
كان ذلك صوت أحد مراقبي الابراج التي تحد القصر، وبمجرد أن ختم جملته حتى فُتحت أبواب مشكى على مصرعيها لتستقبل موكب سفيد بقيادة إيفان وبالطبع سالار ..
تحرك إيفان بسرعة كبيرة فوق حصانه داخل القصر يجاوره سالار الذي كان يحرك رأسه يحيي الجميع حوله مبتسمًا بسمة صغيرة، وخلفهم موكب جاءوا به من سفيد ومن ثم حراس الملك الذين رافقوه في رحلته .
خرج أرسلان من القصر يتحرك بكل هيبة صوب بوابة القصر الخاص به يرتدي معطفه الملكي والذي كان يتميز بامتزاج اللون الاسود مع الذهبي، توقف ثواني في سيره قبل أن يخلع المعطف يمنحه للمعتصم مرددًا :
_ خذ يا بني دعني أرحب بأخوتي .
ابتسم له المعتصم وقد فهم مقصده، فأرسلان ذهب يستقبل إيفان والقائد سالار بصفته صديق وأخ وليس ملك مشكى، تحرك أرسلان بخطوات متلهفة، حتى وصل لهم، ليكون أول من يهبط هو إيفان الذي تقدم منه مبتسمًا يردد بنبرة حنين :
_ مرت شهور منذ آخر زياراتي لمشكى ..
فتح له أرسلان ذراعيه مرحبًا :
_ أنت مرحب بك في بلادك طوال الوقت إيفان..
اقترب منه إيفان يضم أرسلان بقوة وهو يربت على كتفه يهمس له بصوت خافت :
_ عسى أن تكون زيارتي القادمة وهي باحسن حال يا أرسلان، اثق بك .
ردد أرسلان بصوت خافت :
_ إن شاء الله .
ابتعد عن إيفان قليلًا يرحب بسالار الذي اقترب منه يردد بود ونبرة حنونة :
- يسعدني رؤيتك مبتسمًا بملامح هادئة أرسلان...
_ شرفني بزيارتك كل يوم بعد صلاة الفجر، أكون مبتسمًا حتى مشرق الشمس .
انطلقت ضحكات سالار وهو يربت على كتفه، ومن ثم سمع أرسلان صوت ينطلق من جوارهم مرددًا باحترام :
_ السلام عليكم ملك أرسلان.
استدار أرسلان صوب صاحب الصوت والذي لم يكن سوى تميم، فمنحه بسمة واسعة يفتح له ذراعيه :
_ مرحبًا بك في مشكى يا تميم .
ضمه تميم وهو يتقبل ترحابه ببسمة واسعة وقد جاء هو مع الموكب فقط لأنه أكثر من يفقه في الأسلحة، وقد جاءوا مشكى بصفقة أسلحة جديدة من تصنيعه، حمدًا لله أن إيفان لم يصر على أخذ دانيار والذي كاد يحطم القصر فوق رؤوس الجميع .
ابتعد عنهم أرسلان يشير لرجاله بمساعدة رجال سفيد في نقل ما جاءوا به يهتف بجدية :
_ ساعدوا رجال سفيد في تفريغ ما جاءوا به بحرص يا رجال .
استدار صوب المعتصم مضيفًا :
_ وأنت يا المعتصم أشرف بنفسك على تجهيز غرف الرجال فسوف يبيتون ليلتهم هنا .
رحب المعتصم بهم ببسمة واسعة، ثم غادر سريعًا ينفذ أوامر الجميع، ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة حتى قال أرسلان :
_ ستبيتون اليوم حتى عودة الملك آزار من زيارة سبز ومن ثم يلحق بنا غدًا لنعقد إجتماعنا .
تحرك وهو يشير لهم بالتحرك خلفه :
_ هيا الحقوا بي كي نتناول الفطور، بالفعل تأخرت عن تناوله بسببكم وهذه ستكون أول مرة أخرق قوانين مملكتي لأجلكــ ...
وفجأة توقف عن الحديث وتوقفت أقدامه عن الحديث حين سمع صوتًا خلفه يهتف بنبرة جعلت قلبه يرتجف وجسده بأكمله يهلل شوقًا :
_ ألا يستحق انتظاري خرقًا لقوانينك أخي؟؟
تأوه أرسلان وهو يستدير بسرعة يبحث بأعين مشتاقة عن صاحبة الصوت، ليبصر إيفان قد اقترب من الموكب يمسك يدها يساعدها على الهبوط بحنان، وحينما استقرت على الأرض أمسكت كهرمان " ملكة سفيد" طرف ثوبها تميل قليلًا مرددة بصوت رقيق :
_ اشتاقت العين لرؤيتك جلالة الملك..
التمعت أعين أرسلان بقوة وهو يتحرك صوبها بأقدام مهرولة يزيح إيفان عنها بعنف :
- ابتعد عن جوهرتي قليلًا يا هذا .
تشنج وجه إيفان بحنق شديد يهمس له بكلمة لم تصل لمسامع أرسلان، وحتى لو وصلت فما كان أرسلان ليهتم في هذه اللحظة وهو يلتقط جسد شقيقته الحبيبة بين أحضانه بقوة :
_ جوهرتي الحبيبة، والله ما بقي عضو في جسدي إلا ومات شوقًا لضمك غاليتي .
اتسعت بسمة كهرمان وهي تردد بصوت معاتب :
_ لهذا رحلت آخر مرة دون رؤيتي حتى أو كلمة واحدة من طرفك أخي.
_ كنت وقتها غاضبًا وبشدة، اشفقت عليكِ رؤيتي بتلك الحالة صغيرتي.
_ ربما يمكننا إجراء ذلك الحوار الملئ بالعواطف في الداخل أرسلان .
استفاق أرسلان من كل مشاعره التي غمرته وكل ذلك الدفء الذي أحاط به لحظة رؤيته شقيقته على صوت إيفان، ليلوي شفتيه بحنق شديد، ثم ضمها من كتفها يتحرك بها للداخل مشيرًا للجميع أن يلحق، ولمح بطرف عيونه سالار الذي تحرك صوب الموكب يساعد أحدهم على الهبوط ولم يكن بحاجة للتفكير في الأمر فقد كانت زوجته لا ريب.
وكذلك كانت، اقترب سالار من الموكب يبتسم وهو يمد كفه لها مرددًا بحنان شديد :
_ هيا مهجتي لنساعدك في الهبوط .
منحته تبارك بسمة واسعة وهي تتحرك معه صوب الداخل وخلف الجميع بعدما أصرت على المجئ معه .
وبمجرد أن دخلوا قادهم أرسلان صوب قاعة الطعام والتي كان يتفرع منها غرفة جانبية للنساء كي يأخذن راحتهن في الأكل.
أشار لهم جميعًا بالجلوس وقبل التحدث وأخبار شقيقته باصطحاب زوجة سالار صوب قاعة النساء اقتحمت عاصفة المكان بأكمله بشكل أثار انتباه الكل .
نفخ أرسلان وهو يضع يده على وجهه وداخل صدره يتضرع لربه ألا تكون خرجت بهيئتها التي تصيبه بأزمة قلبية حادة، وايضًا ألا تتواقح بكلماتها الحادة أمام الجميع .
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، إذ فجأة وجد الجميع الباب يُفتح وجسد يلتحف بالاسود يتقدم منهم، اسود يعلمونه جيدًا، معطف أرسلان المميز يغطي نصف جسدها تقريبًا وجزء لا بأس به من ملامحها .
ترتديه امرأة بملامح غريبة عنهم ترتدي أسفله بنطال قماشي اسود واسع بعض الشيء وقميص من اللون الابيض، تتحرك صوبهم بخطوات قوية مرتدية حذاء بكعب عالٍ وعيونها مشتعلة وقد كان جسدها متحفز بشكل كبير .
تتحرك بين الجميع تحت أعين الرجال المتسعة والنساء المصدومة مما يحدث، تحركت بهدوء صوب أرسلان تحمل حقيبتها أعلى ظهرها تردد بهدوء :
_ اعتذر للدخول بهذا الشكل الوقح يا سادة، لكنني جئت فقط لاطالب الملك بترك موزي، فأنا لدي رحلة طويلة .
حدق بها الجميع دون فهم لما يحدث، لا شخص يدرك ما سبب ارتداء تلك المرأة لملابس رجال، ولا أحد يفهم ما يحدث عدا تبارك التي كانت ترمقها بانبهار تقريبًا، فالفتاة كانت جميلة للغاية و...مهلًا جميلة ؟!
فجأة استدارت بسرعة كبيرة صوب زوجها تطمئن أنه لا يرى ما تراه هي الآن، لكن ابصرته ينظر للفراغ بعيدًا هو وإيفان، فقط كانت نظرة واحدة منحوها للمرأة قبل أن يبعدوا أعينهم .
تنفس أرسلان بصوت مرتفع، قبل أن يهتف بصوت جهوري :
_ كهرمــــــان ...
انتفض جسد كهرمان دون شعور لولا يد إيفان التي أمسكت يدها بسرعة يهدئها وقد تقدمت صوب أرسلان تتساءل بريبة :
_ نعم ؟؟
_ اصطحبي المرأة معكم صوب قاعة الطعام لتحظى بفطورها .
هزت كهرمان رأسها، ثم استدارت صوب سول التي كانت تضم يديها لصدرها تنتظر أن ينفذ أرسلان ما تريد .
_ تفضلي معي يا آنسة..
قاطعتها سول والتي لم تبعد عيونها عن عيون أرسلان المشتعلة :
_ إنه لشرفٍ لي أن أشاركك الطعام آنستي، لكنني للأسف لا امتلك وقتّا لذلك، لذا أرجو أن تعذريني وأن تخبري ذلك الرجل والذي يقف جوارك أن ينفذ ما اقول ويدعني أرحل .
اتسعت أعين إيفان بقوة وقد ارتسمت بسمة واسعة على جانب فمه ينظر صوب سالار نظرة فهمها الاخير ليبتسم له بالمقابل وهو يهمس لإيفان :
_ هل أبصر امرأة تؤدب أرسلان هنا ؟؟
_ يبدو أنه آن الأوان ليشفي الله صدري يا صديقي .
كل ذلك الحديث لم يكن يصل لأرسلان الذي اشتعلت عيونه وهو يهتف في وجهها :
_ خسئت مليون مرة، لم يولد بعد من يلقي أوامره في وجهي يا امرأة، أخبرتك لا رحيل من هنا وافعلي ما شئتِ .
وبالمثل ردت له سول حديثه لكن بصوت أكبر هدوءًا منه :
_ وأنا أخبرتك أنك لن تملي عليّ ما أفعله فلا كلمة لك عليّ جلالة الملك، والآن كأي رجل متحضر راقي دع غوغائيتك جانبًا، واعد لي موزي وأحضر صامد وصمود لإعادتي صوب حياتي التي سلبتموني إياها .
الأن اتضحت الأمور للجميع، زائرة من عالم المفسدين مرة أخرى.
حرك سالار أنظاره صوب تبارك التي رمقت سول بشفقة وهي تدرك شعور الغربة الذي تحياه في هذه اللحظة، وكيف لا وهي مرت به بكل مرارته، لكن على عكسها هي سواء بقيت هنا او عادت لم تكن تمتلك حياة تحزن عليها لمفارقتها، لكن يبدو أن تلك المرأة تفعل، وهذا سيجعل تأقلمها هنا اصعب .
أضافت سول على حديثها السابق بنبرة في غاية الهدوء تحترم الحاضرين دون حتى أن تدرك هويتهم :
_ أنا لا اطالبك بالكثير، مجيئي هنا كان خطأ منذ البداية، والآن كل ما عليك هو أن تصحح هذا الخطأ مولاي وأن تطلق صراحي .
رمقها أرسلان ثواني دون رد من جهته، كان في غاية الهدوء وكأنه يشاهد عرضًا أو ما شابه حتى نطق بكل تأني :
_ كهرمان عزيزتي ارشديها صوب قاعة الطعام وعرفيها على المكان فالانسة منذ جاءت لم تتح لها فرصة التعرف على المكان .
ختم حديثه وهو يراها تفتح فمها للأعتراض لولا نبرة التي خرجت شبه حادة :
- كما أخبرتك كهرمان .
ابتلعت كهرمان ريقها تتحرك صوب سول التي رمقته ببسمة صغيرة تراه يرمقها بشر وكأنه يحذرها مخالفة أوامره، وهي لم تفعل سوى أن هزت رأسها له بهدوء، ثم تحركت مع كهرمان بكل كبرياء .
وتبعتهم تبارك بسرعة ..
تاركين الرجال خلفهم وقد أحاط بهم هدوء مريب، لم يقطعه سوى صوت ضحكات مكبوتة من جهة إيفان، جعلته يضع يده بسرعة أعلى فمه، بينما سالار تظاهر أنه يمسح وجهه كي لا يبصر أرسلان وجهه المبتسم وضحكاته التي تنتظر لحظة ضعف منه لترن في المكان .
أرسلان الذي كان عنوان استفزاز جميع من يقابله، ولم يستطع إنسان في هذه الحياة أن يصمته عما يريد أو يتحدث له بنبرة لا تعجبه جاءت امرأة وفعلت كل ذلك وبكل هدوء ودون رفع صوتها في وجهه حتى، كانت تحدثه كما لو أنها تعلم كيف تتعامل معه بل ودرسته بدقة، وما لم يدركه أحدهم أنها بالفعل فعلت .
تنفس أرسلان بصوت مرتفع يغمض عيونه قبل أن يقول بهدوء بعدما فتحها مجددًا :
_ يمكنكما الضحك كي لا تنفجرا .
وكأنه أعطى لهما الأذن بذلك فانفجر سالار يضحك بصوت مرتفع وقد اختلطت ضحكاته بضحكات إيفان المتشفية والذي مال على سالار يردد من بين أنفاسه :
_ والله لو تسمح لي الظروف لنقلت مقر حكمي لقصر مشكى هنا كي لا أفوت لحظة واحدة مما يحدث، انظر يا سالار ما كاد يفوتنا، نحن نحيا حياتنا الطبيعية دون معرفة ما يحدث هنا ؟!
اجابه سالار من بين ضحكاته :
_ حمدًا لله يبدو أننا في بداية القصة، مازالوا في مرحلة الشجار والتحدي، عسى أن يطيل الله بعمري واشهد نهايتها من يدري لربما انتهت بزفاف .
ختم حديثه يطلق ضحكة شاركه بها إيفان، لكن فجأة توقفت الضحكات في حلق كل منهما بقوة واتسعت الأعين بذهول وصدمة مرعبة حين سمعوا صوت أرسلان يتحدث بنبرة خافتة وصوت هادئ :
_ بل ستبدأ بزفاف يا عزيزي، لن يكون الزفاف نهاية قصتي، بل سيكون بدايتها .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس بنفس الوضع في ركن المنزل الذي أُلقيت به، تشعر بالمكان يضيق عليها كل ثانية، ثم يشفق عليها ويتسع، وسرعان ما تتلاشى شفقته ويعود للضيق من جديد .
دمرت نفسها حين وافقت أن يكون ذلك الشبه ذكوري زوجًا لها، والدها الذي كان يشعر بالريبة ناحيته، وهي فقط كانت تراه رجلًا محترمًا، والآن اكتشفت أنه لم يكن محترمًا ولا حتى رجلًا، خشيت على قلبها من الفتنة ووافقت على أول شخص ظنته رجلًا مناسبًا، ارتعبت من فكرة أن حبها المستحيل لأرسلان قد يوصلها لمرحلة غير مرغوبة في حياتها، أن تخطأ وتقلل من شأنها وعفتها لأجل حب طفولي وهمي بنته في رأسها.
مسحت دموعها حين سمعت صوت طرق على الباب ليتشنج وجهها متسائلة عن هوية ذلك الشخص الذي يحترم خصوصيتها بين هؤلاء البشر، لتبصر وجهه يطل عليها حين دخل المكان .
آه هذا الفاسق الراقي الذي تحيا معه بهذه الغرفة العفنة .
ابعدت عيونها عنه بإشمئزاز وهو تنفر من رؤيته أو التحدث معه، رغم أنه لم يتصرف معها تصرف غير لائق، إلا أنه يكفيها انتماءه لهذا المكان كي تشمئز من وجهه .
ابتسم نزار بسخرية من ملامحها التي انقبضت باشمئزاز حين ابصرته :
_ لم أكن أعلم أن وجهي بهذه البشاعة .
استدارت له توبة تتأكد أن حجابها يغطي كامل خصلاتها :
_ ربما لا تمتلك مرآة في منزلك، لكن هذا ليس عذرًا الحقيقة، فلا بد أن انعكاس سواد ظهر لك يومًا في المياه أو الأواني على سبيل المثال .
جلس نزار ارضًا يستند على الجدار أمامها، يحدق بها طويلًا دون كلمة واحدة، ثم تحدث دون مقدمات :
_ زوجك هو من احضرك هنا؟؟
شحب وجه توبة بقوة وشعرت بغصة استحكمت حلقها:
_ أنا لست متزوجة .
_ حقًا؟؟ سمعت أنكِ متزوجة ولديكِ طفل حتى، لا يعقل أن كل هذه اشاعات لإبعاد الرجال عن الأميرة توبة فاتنة سبز..
وعند ذكره آخر كلمات له أحمر وجه توبة بقوة بشكل جعله يلوم نفسه بقوة وقد زادها عليها، ابتلع ريقه يعتدل في جلسته يقترب منها قليلًا فقط وهو يردد :
_ أنا آسف لم ....
وقبل إكمال كلماته شهد نزار على انفجار وانهيار لم يشهد له مثيلًا يومًا، أبصر توبة المرأة التي ظنها يومًا فولاذية من حديث والده عليها وعلى ما تفعله مع والدها، تنهار باكية أمامه كطفلة وهي تدفن وجهها بين يديها تردد من بين شهقاتها :
_ اللهم رحمتك يا الله، رحمتك يا الله .
تصدع قلب نزار يقترب أكثر منها بريبة، لا يستطيع الاقتراب أكثر أو حتى التربيت عليها، اكتفى فقط بمواساتها من بعيد :
_ أنا آسف اقسم أنني آسف، توبة أنا آسف، والله ما قصدت إيلامك بهذا الشكل .
وتوبة كانت قد غرقت في موجة بكاء وانهيار على ما وصلت له، أصبحت حياتها مزرية تهتف من بين شهقاتها بصوت متوجع :
_ أريد أبي، أريد العودة لأبي ..
_ سأعيدك.
وحين اخترقت كلمته تلك أذنها توقفت عن البكاء وهي ترفع عيونها الحمراء له بعدم تصديق وكأنها تشك في صدق كلماته، ليهز هو رأسه لها بسرعة يضع يده على صدره :
_ قسم بالله أن اخرجك من هنا ولو كان هذا على رقبتي، لكِ كلمة لا اخلفها إلا على جثتي، سأخرجك واعيدك لوالدك .
نظرت توبة ليده التي يضعها على صدره، وكلماته التي لا تخرج من فاسق مثل الجميع هنا، وهذا جعلها تضيق ما بين حاجبيها بتفكير :
_ أنت... أنت لست منهم؟؟ من أنت ؟! أشعر أنني أعرفك، هل ... أفعل ؟؟
صمت نزار وقد اسودت نظراته بشكل جعلها تفكر في سبب شروده بهذا الشكل، بلل شفتيه، ثم هز رأسه يردد بصوت خافت يعلم علم اليقين أنها إن علمت هويته سيزداد احتقارها له حتى أكثر من احتقارها لمن بالخارج :
_ لا أعرفك.
_ كاذب .
نطقت جملتها بقوة وكأنها تتحداه أن يكذب حديثها، أما عنه فقط ابعد عيونه عنها يهتف بصوت شارد :
_ فقط لنقل أنني آثم اتخذك طريقًا للتوبة، ألا تريدين أن تكوني توبة عاصي ؟!
اتسعت عيون توبة من كلماته ونبض قلبها نبض مجهول جعلها تبعد عيونها عنه بسرعة دون رد، بينما هو ظل شاردًا ولا يدرك ما نطق به، هو فقط همس بكلمات أخيرة :
_ ستبقين هنا لحين استطيع إخراجك من المكان، لا تقلقي لن امسك بسوء ولن أسمح لأحدهم أن يفعل .
_ من الأساس لن يستطيع أحدهم فعل الأمر حتى وإن أراد.
ابتسم بسمة ساخرة وهو ينظر للأرض ليس وكأنها نفسها الفتاة الباكية منذ ثواني :
_ هذا جيد استمري على مثل حديثك، فلسانك اللاذع ويدك التي تبطش بمن يقترب منك سيسهل عليّ أمر حمايتك .
رفعت توبة ذقنها تهتف بإباء :
_ اترفع عن حمايتك يا هذا، لو كنت تستطيع الحماية لكنت حميت قلبك من سواد شياطينك أولى لك .
شردت ملامحه وقد ظهرت لمحة اعجاب دون إرادته على وجهه يهمس بصوت جعلها تفكر في معنى كلماته :
_ من يعلم ربما هذه فرصة أخرى لي واختبار آخر، لن أسمح لأحد ولو كان أنتِ أن يدفعني للفشل به، ستخرجين من هنا وتعودين لبلادك ووالدك، وحينها قد تتذكرين هذه اللحظة وتدركي أنني لا اخلف بوعد قطعته ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى واخيرًا من تجهيز الغرف التي ستستقبل ضيوفهم، الغرفة المجاورة للملك ستكون لملك سفيد وزوجته، بينما الغرفة التي تقع في الجزء المعزول بالقصر بالطبع من نصيب قائد الجيوش وزوجته كي يتحول مساءً دون أن يزعجه أحدهم .
ضحك المعتصم بسخرية على الأفكار التي تدور هنا عن رجال الممالك، فكما وصفوا سالار سابقًا بالوحش وصفوا كذلك أرسلان بالأسد وقد بنى كل من الرجلين رعبًا خالصًا في صدور الجميع، فبالأضافة لسالار وارسلان كان الملك آزار ثالث مدمني الحرب .
دخل غرفته يلقي ثيابه جانبًا يحضر أخرى مناسبة للتدريبات التي سيتولاها اليوم بمفرده لانشغال أرسلان مع ضيوفه، ولم يكد يتحرك أو يخرج حتى اخترق مسامعه صوت مواء ضعيف جعله يتذكر فجأة أنه يحتفظ أسفل سقف غرفته المتواضعة بروح أخرى .
تحرك بخفة يجلس على ركبتيه جوار السرير حيث صندوق صغير به وسادة تنام عليها الهرة البيضاء والتي يبدو أنها استيقظت للتو وأخذت تموء طلبًا للغذاء .
ابتسم لها المعتصم بحنان شديد يمد يده يلتقطها وهو يحدق بعيونها الزرقاء يهمس دون شعور بصوت خافت :
_ في غاية الرقة كصاحبتك .
فجأة أفاق من ذلك الخدر الذي أصابه لثواني، وهو ينظر حوله مخافة أن يكون أحدهم أطلع منذ قليل على بلاهته وما يحدث معه، ابتلع ريقه :
_ الوضع أصبح مخيفًا ها ؟! لنسأل الله ألا نتقابل مع صاحبتك مجددًا فما للجسد سوى عقلٍ واحد فقط لأفقده بسببها وبسبب أفعالها العفوية والبريئة و...
زفر بصوت مرتفع حين شعر أنه الآن سيغرق في موجة مدح للفتاة، نهض يمسك القطة بين أنامله بحنان وهو يتحرك بها خارج المكان يبحث عن شيء قد يطعمه لها، لا يعلم ما هو، لكن ربما يتحرك صوب المطبخ وهناك يجد من يساعده .
وبالفعل تحرك صوبه وهو يحمل الهرة بين أحضانه بكل الرقة في صدره،فشتان ما بين المعتصم بالله الذي يحمل الهرة في هذه اللحظة بحنان، وما بين المعتصم بالله الذي يحمل سيفه في ارض المعركة بكل خشونة .
وربما كانت هذه سمة رجال الممالك، أشداء على الكفار رحماء بينهم، يعلمون علم اليقين أن الرجولة ليست أن تكون غليظ الطباع على الجميع، يعلمون كيف يوجهون غلظتهم وشدتهم لمن يستحقها .
توقف أمام المطبخ وهو ينظر حوله يخجل من إيقاف إحدى الفتيات وسؤالها عن شيء، ابتلع ريقه ينظر صوب الهرة التي بدأت تموء مرة أخرى.
_ حسنًا فقط اهدأي ودعيني أبحث عمن يمكنه مساعدتنا هنا .
_ المعتصم ؟؟
توقفت المعتصم عن حديثه مع الهرة يستدير ببطء صوب صاحبة الصوت والتي كانت الوحيدة التي تستطيع نداءه باسمه مجردًا بهذا الشكل، ابتلع ريقه يراها أمامه تبتسم نفس البسمة المعتادة لها، وحقًا في هذه اللحظة شعر أن عقله بدأ يرسم له صورتها أمامه، فبكل الاشكال لا يمكن لها الوصول لهنا بهذه البساطة .
ولِمَ التعجب يا المعتصم سبق وأن وصلت لساحة الرجال دون عناء، هل سيتعسر عليها دخول مبنى القصر حيث غرف النساء والمطبخ ؟! تلك الفتاة يشعر أن لا باب يظل مغلقًا أمامها، والخوف كل الخوف أن يكون الدور القادم عليه.
_ ما الذي تفعله هنا ؟!
رمش المعتصم بعدم فهم :
_ عفوًا ما الذي أفعله أنا هنا ؟؟ بل ما الذي تفعلينه أنتِ هنا ؟؟
ابتسمت له فاطمة بسمة واسعة تقول بكل عفوية :
_ جئت للعمل هنا، جارتي السيدة ألطاف تعمل هنا وحينما أخبرتها أنني احتاج لعمل توسطت لي وأتت بي للعمل هنا، وأنت ما الذي تفعله هنا ؟؟
اتسعت أعين المعتصم بقوة حين سمع كلماتها، هذا يعني أنها ستكون أسفل نفس السقف معه، ستبقى بنفس المكان معه ؟؟ وهذا لو تعلمون في غاية الخطورة فهذه الفتاة لا تضع اعتبارات لأحد ولا تراقب كلماتها وهذا ما قد يسقط بها في مشكلة كبيرة .
_ لماذا تعملين أنتِ ؟؟ أين والدك واخيكِ من الأمر ؟؟
وكانت إجابة فاطمة المعروفة وكأن عقلها لا يعلم غيرها من إجابة:
_ في المسجد .
اتسعت أعين المعتصم بعدم فهم، في المسجد ؟؟ ما الذي يفعلانه في المسجد تاركين إياها تعمل ؟!
_ مهلًا هل تمتلك هرة ؟؟ أنا أيضًا املك هررًا كثيرة، بوبي وصغارها، من أين حصلت على هذه الهرة الجميلة ؟!
رمقها المعتصم بعدم فهم لثواني، ثم حرك عيونه صوب الهرة التي كانت تتحرك بين يديه تود الهبوط والركض في المكان ربما، ما الذي تقوله هذه ؟! تتساءل عن الهرة التي منحته إياها البارحة ؟؟
_ هذه الهرة ؟؟ ألا تتذكرينها ؟؟
رفعت عيونها له بحيرة وتشتت :
_ هل يجب أن أفعل ؟؟
شعر المعتصم بريبة من حديثها، هل تحاول المزاح معه أو تسخر منه ربما ؟؟
ولم يكد يتحدث حتى قاطع حديثهم صوت امرأة تنادي فاطمة بحنان :
_ فاطمة يا بنيتي اقتربي لتتسلمي عملك، لقد جاءت رئيسة العاملات .
ابتسمت لها فاطمة ثم عادت بنظرها صوب المعتصم تردد بأعين ملتمعة :
_ أنا سأرحل أاتسلم عملي وأنت....هل سأراك مجددًا ؟؟
تنفس المعتصم بصوت مسموع يبعد عيونه عنها صوب الهرة
يشغل نفسه باللعب في فرائها مبتلعًا ريقه بهدوء :
_ لا اعتقد ذلك، بالاذن منك .
ولم يكد يتحرك حتى أوقفته تناديه بحزن :
_ يا المعتصم....
ويله وويل ما يحدث به الآن، نبرتها في هذه اللحظة تحديدًا جعلت قلب المعتصم يرتجف وهذا كان خاطئًا، خاطئ بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هو لن يجعل هذه الصغيرة مدخلًا لشياطينه .
_ اذهبي لعملك آنستي وحاولي التصرف بشكل لائق وابتعدي عن المشاكل .
وكاد يخطو مجددًا بعيدًا عنها لتهتف هي بضيق وحزن :
_ ظننتك لطيفًا يا المعتصم .
استدار المعتصم نصف استدارة يهتف بجمود :
_ أفضل أن نحتفظ بالالقاب آنستي، ولا أنا لست لطيفًا ...
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها تاركًا إياها ترمق ظهره بعدم رضا قبل أن تتحرك تبحث عن ألطاف لتسلمها العمل.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن اخي هو من احضرك من عالمك ؟؟
_ بل صامد وصمود .
نفخت تبارك وهي تتذكر صامد وصمود متمتمة بصوت خافت :
_ حمدًا لله أنكِ وصلتي بعقلك .
رفعت عيونها فيما بعد لسلمى وهي تردد بفضول :
_ إذن من أي دولة أنتِ ؟؟
وكان هذا أكثر سؤال غريب تتعرض له منذ مجيئها، فما ادرى أحدهم هنا بأمر الدول والتقسيمات الحديثة في عالمها ؟؟ ويبدو أن تبارك أبصرت كل ما يدور في عقلها إذ ابتسمت تجيب اسئلتها غير المنطوقة :
_ أنا لست من هذا العالم أنا من عالم المفسدين كما يقولون .
اتسعت أعين سلمى بقوة وهي تمر بعيونها على تبارك والتي بدت لها في هذه اللحظة امرأة من هذا العالم، من يراها ويرى طريقة حديثها وحركاتها وثيابها لا يمكن أن يخمن أنها لا تنتمي لهم .
_ ماذا ؟!
_ أنا لست من هذا العالم، زوجي من هنا وليس أنا، أنا من مصر .
فغرت سلمى فاهها تردد بعدم تصديق :
_ مصر ؟؟ أنتِ ؟؟
_ ماذا ؟!
_ أنتِ تبدين كما لو أنكِ وُلدتي وترعرعتي هنا بينهم .
انطلقت ضحكات كهرمان وهي تمد لها بعض الفاكهة والتي وضعت أمامهم بعد انتهاء الطعام :
_ كان عليكِ رؤيتها إذن حين أتت.
ابتسمت سول بسخرية :
_ لا اعتقد أن حالها كان اسوء من حالي الآن .
هزت تبارك رأسها بهدوء تحاول أن توصل لها فكرة ما :
_ إن وصفنا نزعي من بيئة مختلفة ووضعي داخل ساحة حرب وإلزامي تعلم المبارزة والرماية والخيل وما إلى ذلك والتعامل بطريقة لا اعلم عنها شيئًا، ونبذي تقريبًا من الجميع حال افضل، فنعم لم يكن اسوء من حالتك .
شعرت سلمى بالصدمة من حديث تبارك ووصفها لما عاشته :
_ وما الذي اجبرك على كل هذا ؟؟
منحتها تبارك أكثر بسماتها صفاءً :
_ مكافئتي الكبرى التي كانت تنتظرني في نهاية القصة، زوجي الحبيب والذي كان رفيقي في هذه الرحلة منذ البداية، كما أنني لم أكن امتلك الكثير لأعود لأجله.
_ زوجك ؟؟
هزت تبارك رأسها تردد بفخر وعشق :
_ قائد جيوش مملكة سفيد زوجي ....
ابتسمت سلمى دون شعور :
_ أوه يبدو هذا رومانسيًا، لكن عزيزتي أنا لا امتلك ما امتلكتيه أنتِ، ليس لدي مكافئة تنتظرني في نهاية الطريق ولا امتلك من يعينني على تجاوز كل هذا، بالعكس هناك من يعيقني.
علمت كهرمان أنها تتحدث عن أخيها، فابتسمت تقول بهدوء :
_ أعلم أن أرسلان ربما يكون جافًا بعض الشيء، لكن اقسم أنه لا رجل أكثر تفهمًا وحنانًا منه .
ارتسمت السخرية على وجه سلمى وكذلك تبارك ولو كان موزي موجودًا لرسم نفس الملامح، حتى أرسلان نفسه لو سمعها لربما كانت له نفس ردة الفعل .
استاءت كهرمان من سخريتهم الواضحة وأضافت :
_ أرسلان رأى من الحياة ما يسقط جبالًا ورغم ذلك مازال يحتفظ بقلب نقي والله لا يبصرنه سوى القريب منه، أخي قد يمنح حياته فداءً لشخص عزيز عليه ولا يفكر مرتين، هو لا يظهر حنانه وتفهمه للجميع بسبب ما واجه في حياته، لكن هذا لا يعني أنه لا يمتلكهم .
هزت سول رأسها بهدوء شديد ولم تناقشها أو تعترض فهي مؤمنة أن لا شخص يبصر بواطن آخر سوى المقربون فقط وإن قالت أن أخاها هكذا فهو هكذا، أو ربما تبالغ بسبب حبها له، على كلٍ كان أرسلان الحنون المدفون أسفل أطنان العنهجية والتجبر آخر ما تفكر به سول، هي لن تراه على أية حال فهي ستترك المكان وترحل لعالمها الممل .
_ حسنًا ربما لكـــ
وقبل إكمال جملتها سمعوا طرقًا على الباب وصوت أحد من الرجال في الخارج يهتف :
_ الملك يستدعيكم لقاعة الاجتماعات لأمرٍ هام ..
نظرت كهرمان لهما بتعجب شديد لا تفهم سبب استدعاء أخيها لهم وفي قاعة الاجتماعات، لكن رغم ذلك تحركت من مكانها تدعوهم لللحاق بها وسرن صوب القاعة خلفها وسول في الخلف تسير وهي تدرك في قرارة نفسها أن هذا الاستدعاء له علاقة بها .
وصدق حدسها فبمجرد دخولها القاعة شعرت بتحفز البعض رغم أنهم لم يرفعوا أعينهم، ثواني حتى كان أرسلان أول من يرفع رأسه وهو ينظر صوب الباب يهتف بصوت مرحب ونبرة جعلتها تتعجب وكلمات صدمتها :
_ جلالة الملكة أنرتي المكان تفضلي ...
رمشت سول بعدم فهم وهي تتقدم، بينما كهرمان نظرت صوب أخيها تحاول معرفة ما يقصد، وإيفان ما يزال جالسًا بوجه مصدوم لا يعي ما يحدث حوله، وسالار فقط يستقبل الصدمات دون رد .
علقت سول على كلماته :
_ جلالة الملكة ؟؟ ماذا ؟؟
_ نعم جلالة الملكة، فزوجة الملك تُمنح لقب ملكة .
اتسعت عيونها تردد بنبرة خطيرة لا تدري سبب ضربات قلبها التي ارتفعت بشكل مخيف :
_ زوجة الملك ؟؟
منحها بسمة صغيرة يهتف بصوت جاد :
_ زوجتي ......
ــــــــــــــــــــــ
ربما تكون بداية .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل السادس 6 - بقلم رحمة نبيل
#الفصل_السابع | الكائن أنمار |
قبل القراءة تصويت على الفصل، وبعد القراءة هحب اقرأ رأيك....
وانتظروا القادم فمازالت السطور تخفي الكثير
المواعيد فيما بعد هتكون الساعة ٧ مساءا بتوقيت القاهرة لتغير التوقيت
صلوا على نبي الرحمة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صمت عم المكان حتى ظن الجميع أن الصدمة أصابت الفتاة بخرسٍ مؤقت، صمت لا يليه حديث، كل الأعين تحدق صوب سلمى التي حاولت أن تعطيهم ردة فعل، أي ردة فعل تبعد تلك الأعين الفضولية عنها .
فتحت فمها ثواني، ثم اغلقته، ومن بعدها فتحته، ومن ثم اغلقته مجددًا حتى وجدت لديها بعض التعبيرات التي تشكلت في عقلها وخرجت أخيرًا بكلمات تعطيهم أمل أنها حية :
_ ماذا ؟؟ لا افهم ما تقول ؟؟
رفع أرسلان حاجبه بسخرية لاذعة، ثم ابتسم بسمة جانبية يردد بهدوء شديد :
_ ماذا ؟؟ اصابتك البلاهة الآن ؟؟
_ أنت لا تتحدث بجدية صحيح ؟!
اقترب أرسلان خطوات قليلة، يضع يده خلف ظهره، ثم رفع رأسه يجيب بكل هدوء :
_ لحسن حظك ودعوات والدك الصالح ورضا الله عنك، أنا أتحدث بجدية تامة آنستي .
اتسعت عيون سلمى أكثر تحدق في وجهه تنتظر منه ضحكة رنانة تخبرها أنه يمزح معها في هذه اللحظة، وحين وجدت الجدية تعلو ملامحه، هزت هي رأسها تعود للخلف بظهرها :
_ أوه أرى أن الرواية بدأت تتخذ مجرى غير محمود العواقب .
ابتسمت بسمة واسعة تحرك يديها في الهواء وكأنها تنهي دورًا في مسرحية ما والآن تحيي الجمهور للاختفاء خلف الستار :
_ اسمحوا لي بالانسحاب من كل هذا، اعتقد أن دوري انتهى هنا، وبالنسبة لموزي، لا بأس احتفظ به هو يفتعل المشاكل لي على أية حال، اعتقد أنه سيحب العيش في مثل هذا المكان الملئ بالفواكه وأهداف الفواكه الخاصة به ...
ختمت حديثه، ثم استدارت صوب تبارك وكهرمان التي كانت ما تزال تنظر لأخيها بصدمة كبيرة، لا تصدق ما سمعته للتو، أرسلان قرر التخلي عن عزوبيته لأجل فتاة من المفترض أنه لا يعلم عنها الكثير، كانت ملامحها متشنجة قبل أن تتحرك صوب زوجها واثقة أن أرسلان لا يخفي عنه شيئًا، فكانت نظرتها مليئة بالشك والاتهام لاخفائه الأمر عنها .
ليحرك إيفان يده يردد بنبرة هادئة:
_ والله لم أكن أعلم سوى منذ قليل، أخوكِ يحطم توقعات الجميع بعزوبيته الأبدية، أعني من كان يتوقع أن هناك على مثل هذه الارض امرأة قد تتحمل العيش مع شقيقك للأبد ؟! اقسم أنه لولا الحرمانية لكنت راهنت الجميع على العريف أنه لن يجد من يتحمله سوى خارج هذا الكوكب .
اشتدت نظرات كهرمان له بغيظ شديد، ليمنحها هو بسمة واسعة يكمل حديثه بكل بساطة مشيرًا لأرسلان :
_ دعينا نتحدث بواقعية، أخوكِ لا يُحتمل .
قطع أرسلان كل ذلك الحديث وقد مل كل ذلك الأمر :
_ هل يمكنني الطلب منكم تركي القليل من الوقت مع زوجتي المستقبلية، لدي بعض الأمور لاناقشها معها .
نظر له الجميع بشك وكأنه سيتخلص منها بمجرد خروجها، ليمنحهم هو بسمة صغيرة مشيرًا بعيونه صوب الخارج، وحينما بدأوا يتحركون اوقف سلمى والتي تحركت معهم :
_ آنسة سلمى لحظة من فضلك .
توقفت سلمى دون وعي حين سمعت منه اسمها، ولم تكد تستدير له حتى أبصرت الجميع يخرج من القاعة تاركين إياها وحيدة معه في المكان، رمشت تستدير له ببطء، وحين أبصرت وجهه ابتسم لها يتحدث :
_ ما رأيك بحديث ودي هادئ كأي شخصين عاقلين في الحياة ؟؟
رفعت سلمى حاجبها بشك من كلماته ليتحرك أرسلان خطوات قليلة صوبها تراجعت هي ضعفها، ضيق عيونه يهمس بسخرية :
_ لا تخافي فلن اعضك ..
_ بعد ما رأيته منك في ساحة الحرل، أشك في هذه الحقيقة ....
تنحنح بصوت منخفض قبل أن يهمس لها بصوت بعيد كل البعد عن المزاح وقد كان يبدو جديًا في هذه اللحظة :
_ لم أكن أحب أن تبصر زوجتي هذا الوجه مني في الحقيقة .
_ من ؟؟
_ زوجتي ..
_ زوجتك من ؟!
_ أنتِ .
ضيقت ما بين حاجبيها بعدم فهم :
_ أنت لا تمزح ؟؟
_ لا اعتقد ذلك، نحن لسنا في وضع يسمح لنا بالمزاح .
_ أي وضع تقصد ؟؟
اشتدت نظراته حدة وكأنها ذكرته بما يحاول نسيانه، فاقترب منها خطوات واسعة لم تستوعبها أو تدركها حتى وجدته يقف على بُعد خطوات منها يردد بصوت جعلها ترتجف خوفًا دون أن تظهر كل ذلك :
_ البارحة ..
- ما الذي حدث البارحة ؟؟
ابتسم لها بسمة مرعبة :
_ أنتِ لا تمزحين صحيح ؟؟ حين أوصاني بكِ والدك وخصني بالاعتناء بكِ لم آخذ الأمر على محمل الجدية خاصة أنكِ امرأة ناضجة يمكنها الاعتناء بنفسها، لكن ما حدث البارحة ينفي كل هذا ويدفعني دفعًا صوب تنفيذ وصية والدك بحذافيرها .
رمقته بعدم فهم وكأنه يتحدث بلغة لا تفهمها، فقط تستمر في التحديق في وجهه وكأنها تبحث عن حل للألغاز التي يتحدث بها، ابتلعت ريقها وهي تشعر أن القادم لن يعجبها :
_ وصية غير الاعتناء بي ؟؟
_ نعم، حسنًا يمكنك القول إنها جزء من العناية بكِ .
رفعت حاجبها وكأنها تدعوه ليكمل ما يقصد، فابتسم هو يلقي بقنبلته :
_ الزواج بكِ ...
اتسعت أعين سلمة بقوة تهمس دون وعي :
_ أنت تكذب ...
_ لا أفعل، ما كنت لانفذ هذا الجزء من الوصية وألقي بنفسي بين غياهب امرأة لا اعلم عنها شيئًا، ما كنت لاسلم احلامي التي بنيتها عن زوجتي لفتاة مجهولة، لكن بعد ما حدث بالأمس اعتقد أنني سأتجاوز عن كل احلامي واتواضع بعض الشيء واقبل بكِ .
رفعت سلمى عيونها بسرعة صوبه لتتحرك القلنسوة، وقبل سقوطها حتى كانت يده تمسكها بسرعة وهو يحفظها فوق رأسها وكأنه أضحى يعلم اوقات سقوطها وأوقات ثباتها .
ابتسم يهمس من بين أسنانه بنبرة محذرة :
_ هذا الوضع لن يستمر كثيرًا، كدت أنهي معاطفي عليكِ يا امرأة.
رفعت سلمى عيونها بهدوء حتى ثبتتها على يده ثواني ليستوعب هو أنه ما يزال يمسك بالقلنسوة، أبعد يده بسرعة يتنحنح بخجل يعود خطوات للخلف، ثم تنفس بصوت مرتفع يشرح لها مقصده وما سيحدث :
_ حسنًا إليكِ ما سيحدث، بسبب ما فعلتيه بالأمس ولقطع الألسنة في الحديث بشأنك كان عليّ التلميح في حديثي إلى أنك التحدث عنك يعد تجاوزًا في حقي شخصيًا باعتبارك الملكة القادمة ....جلالة الملكة .
وكأنه بكلمته تلك استدعى فجأة ذاكرتها التي ضربتها في مقتل تتذكر كلماته البارحة والتي لم تفهم مقصده منها، ومن بين صدمتها كان يراقبها هو بترقب قبل أن تنتقل الصدمة له وتصبح من نصيبه حين ابتسمت هي بسمة غريبة ترفع عيونها الخضراء له تحدق به ثواني :
_ إذن أنت تريد الزواج مني .....جلالة الملك ؟؟
رفع أرسلان حاجبه ولم يفهم التحول الذي حدث في شخصيتها، لتبدأ سلمى في التقرب منه بشكل جعله يتراجع خطوات خوفًا من تلامس غير مقبول له، لتتوقف هي بعد خطوات مناسبة وقد حفظت المسافة بينهما، مرددة بصوت هامس:
_ إذن الملك أرسلان بيجان المتغطرس تواضع وهبط عن عرشه وقرر إعطاء واحدة من عامة الشعب شرف الزواج منه ؟؟
لم يفهم أرسلان سبب حديثها بهذا الشكل، لكنه أجابها ببساطة :
_ هذا من حسن حظك ...
_ بل من حسن حظك أنت، فأنت الآن تطلب ودّ امرأة بنساء الأرض كلهن .
رفع أرسلان حاجبه بسخرية :
_ وتصفينني أنا بالمتغطرس؟! ألا ترين أن بعض التواضع سيفيدك ؟؟
ابتسمت له بلطف وقد راقتها ملامح الانزعاج على وجهه :
_ رحم الله أمرء عرف قدر نفسه، وقدري عالٍ جلالة الملك، فهل لك من سبيلٍ إليه ؟!
_ ألا تبالغين ؟!
اطالت النظر بعيونه ثواني قبل أن تتراجع بكل جدية تهز رأسها ثم هتفت بقوة ورقة في الوقت ذاته :
- إن كنت ترى هذا ...
نظرت لعيونه تهمس بنبرة جادة :
_ فطلبك مرفوض جلالة الملك، وحتى ترى قدري الحقيقي، وتعطي نفسي حقها، وتدرك أي نوع من النساء أنا، فسيظل طلبك مرفوضًا ...
ختمت حديثها، تمنحه بسمة واسعة، ثم تركته ورحلت بكل بساطة، لكن وقبل خروجها توقفت فجأة تقول ببسمة واسعة :
_ وصحيح قبل أن أنسى أطلق سراح موزي واعده لغرفتي قبل أن تجدني أقلب قصرك رأسًا على عقب بحثًا عنه، ولا اضمن لك أن يمر بحثي دون كوارث .
وبهذه الكلمات انتهى وجودها في المكان تتحرك للخارج بقوة وهي تبتسم بسخرية، يظن أنه يسديها صنيعًا بزواجه منها، يعتقد أنها سترقص وتقفز فرحًا وتهلل للأمر، آه ذلك الارسلان يحتاج لإعادة تأهيل وهي ستكون أكثر من سعيدة لتفعل ذلك ...
فكما تقول دائمًا .
_ كل مختلٍ وله طريقته المثلى في التعامل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن تم كل شيء كما خططت له أنمار.
رفع أنمار عيونه صوب المتحدث، ثواني هي حتى ابتسم بسمة جانبية، ثم هز رأسه يردد بصوت هادئ:
- لا اعتقد أن مكانتك في المكان مقارنة بمكانتي تؤهلك بتجريدي من لقبي .
ابتسم الرجل والذي كان واحدًا من ضمن رجال كثيرين متجمعين في مقر أنمار داخل بئر المعاصي الخاص بهم لمناقشة ما حدث، ليقرر أن يلقي بجملته دون مقدمات :
_ أرى أنك مبتسم فخور بما حدث ...
صمت ثواني يكمل جملته المعلقة :
_ انت لا تتوقعهم بمثل هذه البلاهة صحيح ؟؟ هم سيكتشفون ما يحدث وحينها يمكنك توديع روحك أنمار.
ابتسم أنمار بسمة جانبية لا يهتم بما يسمع، هو وضع خطة سيسير عليها الجميع ولو على رقابهم، حرك نظراته بين الجميع قبل أن يستغرق في التفكير لحظات، ومن ثم تحدث بما يدور في عقله بعدما نهض من مكانه يتحرك قبل أن يتوقف فجأة مرردًا بهدوء :
_ برأيكم ما السبب الذي جعلني أزج ببافل الأحمق في لعبة الكبار هذه ؟؟
صمت وكأنه ينتظر ردا منه، ثم ابتسم يكمل :
_ بافل العزيز كان بيدقًا في حرب لا قبل له به، حرب لا تليق بمثل حماقته وضعف شعبه، مجرد لعبة نحركها كي ننفذ بها اغراضنا الشخصية ولا مانع من منحه شعورًا وهميًا بالسيطرة، فلا تظنوا أنهم سينتصرون علينا كما فعلوا معه .
حرك نظراته بينهم ثواني قبل أن تتوقف على أحد الاوجه :
_ سمعت انك أحضرت لنا أحد رجال آبى هنا وليد .
ابتسم الوليد يرفع عيونه صوب أنمار، ثم هز رأسه يررد اسمه بهدوء :
_ نزار .
_ ولده للملك ازار ؟؟
وكانت الاجابة هزة رأس صغيرة من الاوليد، وحينما شعر أنها ليست كافية لأنمار اضاف بهدوء :
_ لقد كاد يُعدم فرأيت أننا اولى من الموت بشخص كنزار، كونه طبيبًا عبقريًا وذو عقل خبيث سيفيدنا في الكثير غير أنه يعلم الكثير بالفعل عن ابى والممالك .
_ وما أدراك أنه سيساعدنا ؟؟ ولاؤه الاول سيكون لبلاده ووالده .
_ لو كان كما تفضلت لما حكم عليه والده بالاعدام ولا سجن أشهر طويلة، نزار انتهى عصره .
لم يقتنع انمار بما قيل ورغم ذلك حرك رأسه بشرود :
_ سنرى الامر .
صمت عم المكان حين نطق أحد الرجال :
_ إذن ما الذي تخطط له الآن بعد ضربتك الاولى أنمار ؟؟
ارتسمت بسمة مريبة على فمه وقد شعر الجميع حوله ببلاهة كبيرة، فأنمار لم يكن يصرح بخطوته القادمة على عكس الباقيين، وهذا ما جعلهم يخشون صمته أكثر من كلماته :
_ الآن ؟؟ الآن سأرسل لجميع الملوك خطابًا عاجلًا أعرب به عن قلقي البالغ إزاء الاوضاع الحالية مطالبًا إياهم باجتماع عاجل لمناقشة ما يحدث، ونعرض عليهم عرضنا لضمان سلامة الشعوب بالطبع .
نظر الجميع لبعضهم البعض وقد بدا أن تلك الاجابة لم ترضي فضولهم، بل جعلته أشد وطأة عليهم، ورغم ذلك هل تجرأ أحدهم وناقشه ؟؟ لا لم يحدث، بل اكتفوا بالصمت والنظرات المتبادلة ردًا وجوابًا، ولا أحد يدري القادم في هذه اللعبة ........
-------------------------------------------------
كانت ما تزال تجلس مكانها تدعي المسكنة كلما زارتها امرأة لتلقي بعض الكلمات السامة على أذنها كأنها اصبحت احداهن، وأنه لا فرق بينها الآن وبين أي فتاة منهن، لكن والله لن يحدث هي ما تزال الاميرة توبة التي لم تمسها يد دنسة عدا زوجها، كانت اليد الوحيدة الدنسة التي لوثتها، وليعطها الله العمر لتكون نهايتهتا على يديها انتقاما منهه على ما فعل بها وبوالدها واخيرا ولدها الصغير........
انتظرت حتى شعرت أنها اضحت وحدها في المكان وأن المكان اضحى مظلمًا حولها بشكل كافٍ لمواراة جسدها بين طياته، نهضت مستغلة نسيان مشتريها للباب مفتوحًا، أو تركه متعمدًا لإظهار مرؤته، تتسحب صوب النافذة الارضية والتي كانت تطل على الجهة الخلفية للمنزل، حاملة بين يديها سكين حصلت عليه دون أن تشعر الفتاة الصغيرة التي كانت تقطع لها الطعام ثم رحلت .
وحينما وصلت للنافذة عقدت الغطاء حول وجهها، ثم قفزت بسرعة كبيرة تتحرك بعيدا عن المكان رغبة بالهرب من هذا المستنقع .
دارت حول المنزل تبحث لها عن مخرج وصوت معازف وغناء يصل لها من بعيد وضحكات جعلت جسدها يرتجف، كادت تركض بعيدًا عن المكان الذي لا تعلم له من موقع، لكن فجأة توقفت حين أبصرت بعض الرجال يحدون المنطقة بأكملها من جميع الجهات .
ابتلعت ريقها تخفي ملامحها وهي تتحرك بعيدًا عكس الاتجاه الذي كانت تسير به، وسارت في المكان تحاول ألا تثير الإنتباه لها وضربات قلبها تعلو كلما وجدت قدمها تقترب من مكان غناء ..
فجأة وجدت نفسها تقف على بُعد صغير من بعض الرجال، وهناك نساء كثيرات يتحركن ويتمايلن أمامهم بشكل مثير للأستفزاز .
لكن من بين الجميع وقبل أن تتحرك ابصرته، ابصرته لتشتعل عيونها بقوة وهي تشعر بصدرها يتحرك بقوة .
زوجها العزيز الذي دمر حياتها وحياة كل من تعلمه يجلس في منتصف الساحة جوار بعض الرجال الذين تشعر أنها ربما صادفتهم يومًا .
يجلس وأمامه فتاة فارعة الطول ممشوقة القوام جميلة الملامح بشكل مبهر، حتى أنها للحظات تحسرت أن يتلوث جمالها بكل تلك الآثام التي كانت تحيطهم، كانت ملامح الفتاة مرعبة خبيثة بشكل مقزز، تتمايل ببراعة لم تشهدها يومًا على امرأة، ويبدو أنها الآن في لقاء حصري مع امرأة زوجها الثانية، إذ كانت أعين أنمار تكاد تقتلع على جسد الفتاة التي كانت ترقص وتغني دون أن تمنحه اهتمامًا حتى. ...
ازداد غضبها وشعرت بالجحيم يشتعل داخل صدرها :
_ أيها الفاسق الوسخ، لعنة الله عليك، لوثت نفسك ولوثت جسدي معك يا حقير، والله لا أكون توبة ابنة الملك بارق إن لم أخرج روحك بين أناملي .
ختمت حديثها وقد بدأ شيطانها يتحكم بها ويدعوها للتقدم بين الجميع وطعنه طعنة واحدة وليحدث ما يحدث، فقط تطفأ لهيب انتقامها، ولتمت بعدها.
اخرجت السكين وهي تتحرك صوب الساحة وعيونها تتقد بالغضب تشعر بالنيران تزداد اشتعالًا تتحرك صوب منتصف الساحة وقد تعلقت عيونها به، أخرجت طرف السكين من ثيابها وقد عقدت العزم على التخلص منه .
وفي نفس اللحظة تحرك مكرهًا مع الوليد صوب الساحة كي يرافق الرجال في جلستهم ويتقرب منهم، نفسه كارهة وعقله يمنعه من معاندته مذكرًا إياه أن الوليد هو من أنقذه .
تنفس بصوت مرتفع وقد بدأ جسده يرتجف رفضًا لكل ذلك، لكنه وصل واخيرًا للساحة يسمع صوت وليد الذي تحدث بصوت شبه مرتفع بسبب اصوات الموسيقى :
_ هذا هو الزعيم، اعتقد أنك تعلمه مسبقًا .
رفع نزار عيونه صوب الرجل الذي يشير عليه الوليد، ليبصر آخر من توقع رؤيته، أو ربما توقع بالفعل، لكنه مهما توقع قذارة هذا الرجل الذي لم يكن يطمأن له أبدًا لم يكن ليتخيل أن تصل به قذارته لهذه النقطة .
تنفس بصوت مرتفع يهمس بسخرية وكره :
_ أنمار الراعي الرسمي للحفلات الموسمية في سبز ؟؟ القذارة تليق به بالفعل، لا اندهاش في الحقيقة .
ختم حديثه وهو يتقدم خطوات بطيئة صوب أنمار الذي كانت عيونه معلقة بنقطة تتحرك أمامه، يدرك أنه يناظر المرأة التي ترقص، لكنه لم يتجرأ ويحرك عيونه صوبها .
لكن فجأة أبصر تحرك أنمار بهدوء بعيدًا عن الفتاة صوب نقطة خلفها لينهض فجأة يضيق ما بين حاجبيه بتفكير وهو يتحرك صوب نقطة خلفها بتحفز .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقف في منتصف الساحة يراقب تدريبات الجنود بأعين منتبهة وبال مشغول، ولا يدري سبب شروده، كل ثانية يستفيق ليتحدث كلمات مقتضبة مع الجميع، ثم يغرق في شروده دون شعوره مجددًا .
تنفس بصوت مرتفع، وهو يشير لأحد الرجال :
_ جيد، يمكنك أن تبدل مع عبدالله، هيا عبدالله انزل للساحة وتجهز، وأنت استرح بعض الوقت ريثما ادعوك مرة أخرى.
ختم حديثه يشير لأحد رجال الجيش القدامى :
_ رجاءً تولى الأمر ريثما أمر على رماة السهام .
وبالفعل تحرك بهدوء شديد صوب الساحة الخاصة برمي السهام، لكن وقبل أن يتحرك ابصرها تتهادى في مشيتها بالقرب من الحدائق الخاصة بمحاصيل القصر والتي أمر أرسلان بزراعتها لسد بعض العجز الذي تمر به البلاد .
أبعد عيونه يتجاوزها بشكل سريع، لكن فجأة توقف حين سمع صوت خلفه يهتف بنبرة ودودة وكأنه رفيق قديم عزيز :
_ المعتصم بالله ؟؟ هذا أنت ؟!
توقف المعتصم فجأة في سيره يغمض عيونه بقوة وقد شعر بجسده بأكمله يتخشب حين سمع صوتها يناديه بكل بساطة وكأنه رفيق لها وهذا ما يزعجه، لا يمكنها أن تتباسط بهذا الشكل معه، وبالطبع مع غيره، منذ ساعات فقط أمرها بذلك، لكم يبدو وكأنه كان يتحدث مع نفسه ..
استدار لها يستعد للصراخ في وجهها، لكن توقف عما كان على وشك قوله حين أبصرها تمد له طبق حلوى وهي تردد ببسمة لطيفة :
_ هذه الحلوى التي أفضلها، صنعتها لأعبر لك عن اعتذاري بخصوص تلك الضربات التي وجهتها لك آخر مرة .
ضيق المعتصم ما بين حاجبيه بعدم فهم :
- ضربات آخر مرة؟
- نعم حين ضربتك بالعصا، أنا أعتذر أنا فقط لم أشعر بنفسي وأنا أفعل ذلك، لذا حين استيقظت أتيت لك واحضرت بعض الحلوى لاعتذر منك .
أمسك المعتصم الحلوى دون فهم يردد بصوت غير مستقر :
_ لكن أنتِ ....البارحة كنتِ هنا و......، ما الذي ؟؟؟ ما الذي يحدث هنا، ألم تأتي لي البارحة وتعتذري مني واعطيتيني حلوى كذلك ؟؟ أم كان الأمر حلم مني !!
وقد كانت الفكرة الأخيرة صادمة مرعبة له، أن ترافقه الفتاة في أحلامه وتندمج أحلامه بالواقع كان مرعبًا بشكل كبير له .
أما عن فاطمة فنظرت له بحيرة تهتف وكأنها لا تعي ما تفعل :
- حقًا، هل فعلت؟؟
ردد بريبة شديدة :
_ نعم فعلتي و...
وقبل أن يكمل كلمته أشارت هي إلى الحلوى :
_ واعطيتك حلوى ؟!
هز رأسه بنعم، فابتسمت تنتزع منه الطبق دون شعور بشيء، وتقول بحسن نية :
_ أوه هذه إذن ليست حلواك، لمن هي إذن، أشعر أنني أحضرتها لشخصٍ ما، لكن من لا أتذكر، لذا خمنت أنها لك .
صمتت وهي تحاول التذكر تحت أعين المعتصم المصدوم من تصرفها معه، وهو ما يزال يحدق بيده الفارغة التي كانت تحمل طبق الحلوى قبل ثواني .
ثم رفع عيونه لها وهي مستمرة في التفكير لمن جاءت بهذه الحلوى، لتنفض رأسها بعدم تذكر :
_ لا يهم، سأتذكر لابد، ربما احضرتها لأحد آخر قد ساعدني هنا .
_ من هذا؟؟
خرج السؤال مندفعًا منه وبشكل جعلها تنظر له بعدم فهم :
_ ماذا ؟؟
_ لمن احضرتي الحلوى إن لم تكن لي ؟؟
واحسنت يا المعتصم منذ ساعات كنت تصرخ بها أن تهتم بأمورها وتتوقف عن التباسط في معاملتها معك، والآن تكاد تضرب رأسها في الجدار لتعترف بصاحب الحلوى التي احضرتها، بداخلك تتململ بضيق لفكرة أنها قد تهتم بشخص آخر هنا أو ربما هناك من يعاملها افضل منك .
ورغم تعجبه أنها تقريبًا لا تتذكر شيء مما يحدث بينهما سوى اسمه، إلا أنه تجاوز كل ذلك يردد بجدية :
_ حسنًا إليكِ ما سيحدث، خذي حلواكِ وارحلي من هنا واذهبي لوالدتكِ واخبريها ألا تترك تخرجين وحدك من المنزل وإلا اوقفت بعض الجنود على باب منزل ليمنعوكِ من الخروج .
نظرت له بعدم فهم، بينما هو اكمل حديثه بتحذير وهو يرفع إصبعه في وجهه بتحذير :
_ وحذاري أن تختلطي بالغرباء وإلا اقسم بالله أن أخبر والدتك لتعيد تأديبك فاطمة، والآن تحركي وعودي لمنزلك .
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها وهو ينفخ بضيق وقد فكر جديًا للحظات في التحرك صوب المنزل الخاص بها وتنفيذ تهديده، ونصح والدتها ألا تتركها تخرج، والله لو كانت ابنته ما جعلها تبصر ضوء الشمس سوى من خلال نافذتها .
فجأة توقف في سيره، ثم عاد لها مرة أخرى ينتزع منها طبق الحلوى بكل هدوء وجدية، ومن ثم شكرها بصوت خافت وتحرك بعيدًا عنها دون كلمة إضافية بينما ملامح الجدية تملئ وجهه .
ليسجل المعتصم أول خروج له من لقائتهما، وقد كانت هي من تتركه كل مرة وترحل بطريقة اغرب مما سبقتها، الآن ها هو يلقي تهديده في وجهها والذي يشعر أنها ستنساه بمجرد ابتعاده، ومن ثم حمل منها طبق الحلوى كطفل احمق غار اهتمام والدته بابن الجيران وغادر المكان بأكمله ليبحث لنفسه عن مكان يتناول به حلواها الشهية .....
وهي فقط تتابعه بأعين متسعة لا تفهم ما يدور داخل صدر ذلك الرجل ولا تعلم ما يحدث حولها حتى .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" حسنًا مصطفى، انتهي مما أمرتك به وعد لي بما وصلت له"
ختم حديثه وهو يتحرك في بعض الممرات لمبنى يقع بالقرب من مبنى الغرف الخاصة بهم، يتحرك وهو ينظر حوله يبحث عن الضوضاء التي تصدر عادة من هذا الجزء من القصر، لكن لا صوت يُسمع في هذه اللحظة ليتوقف فجأة متسائلًا :
_ عجبًا، ما هذا الصمت العجيب، أين الصغار يا المصطفى ؟؟
نظر المصطفى حوله يحاول معرفة أين هم الصغار الذي يعتنون بهم أسفل سقف القصر بعدما فقدوا ذويهم، وحينما شعر بالحيرة هز كتفه يشير صوب باب جانبي :
_ ربما خرجوا للحديقة مولاي ..
تحرك أرسلان بسرعة صوب الباب الجانبي وحينما فتحه تنفس الصعداء يطمئن على الصغار بنظرات سريعة، ثم استدار صوب المصطفى يتحدث بصوت هادئ مشيرًا له بيده :
_ يمكنك الذهاب الآن، اشكرك .
تحرك المصطفى بعيدًا بهدوء تاركًا أرسلان يتحرك داخل المكان، وهو يراقب الصغار ببسمة واسعة وقد شعر براحة كبيرة حين أبصرهم يتحركون ويمرحون في المكان، ابتسم بحب وسعادة كبيرة بعدما مرت الغيمة السوداء التي أحاطت بهم منذ جاءوا للقصر، كانوا يحيون بتعاسة وحزن، والآن بدأوا يخرجون من فقاعتهم السوداء .
تنهد يخلص معطفه يضعه جانبًا، ثم تحرك بهدوء شديد صوب الحديقة يراقبهم باستمتاع وقد أعاد له مشهد لعبهم ذكرى طفولة كهرمان .
حرك عيونه في المكان يبصر النساء الذين يتولون رعايتهم وهم يراقبونهم من بعيد باهتمام .
تنفس براحة وهو يتحرك ليجلس أسفل أحد الأشجار، وقد كان هذا مكانه المميز الذي يشعر به بالحرية بعد يوم طويل من القيود التي فرضت عليه كملك .
عيون ضبابية تدور بين الوجوه حوله، وما زالت اصوات صرخات الصغار ترن في أذنه، يتذكر يوم التقاطهم من طرقات مشكى وإحضارهم للقصر بعدما فقدوا جميع أفراد أسرهم...
صرخات متتالية وانهيارات وحالة جعلته يكاد يسقط ارضًا من هول ما يرى، والله وحده يعلم كيف تمالك ذاته يومها .
وعلى عكس البعض منهم، عبر البعض الآخر عن صدمته بصمت قاتل دون أن يبدي أي صوت أو يخرج ردة فعل تدل على حياته، عيون شاخصة ووجوه شاحبة، ونظرات تقص له أهوال، منهم من أبصر قتل عائلته أمام عيونه، ومنهم من أبصر موته ونجى منه، الجروح ما تزال غائرة في نفوس الصغار وعلاجها صعب ...
تألم قلب أرسلان مما يحدث يدفن وجهه بين يديه وهو يهمس بتعب شديد :
_ اللهم لا اعتراض على حكمتك ياالله، فاللهم رحمتك بشعبي فقد اضنتهم الحياة .
أرسلان الذي لم يكد يتنفس الصعداء بعدما عبر ببلاده من ظلام الفقر صوب رغد العيش، حتى جاءتهم الطامة الكبرى، والآن عليه أن يعيد إعمار ما تهدم بالفعل وهذا لن يكون سهلًا، فما تحطم لم يكن المنازل فقط، بل كانت الأرواح .
انتفض جسد أرسلان على صوت صرخات فتاة صغيرة وبكاء مرتفع، جعله يرفع عيونه يبحث حوله في المكان عن صاحبة الصوت ليبصر بعض العاملات يحاولن إمساك فتاة صغيرة تود الإفلات من بين ايديهن وهي تصرخ أنها تريد العودة لمنزلها .
تحرك أرسلان بسرعة من مكانه وهو يتقدم منهن متسائلًا :
_ ما الذي يحدث هنا ؟؟
تراجعت إحدى العاملات وهي تردد بصوت منخفض :
_ مولاي ...فقط الصغيرة تود الخروج من هنا .
حرك أرسلان عيونه صوب الفتاة والتي كانت عيونها حمراء وبشدة مع وجه شاحب شحوب الموتى، رمقها ثواني قبل أن ينحني جالسًا القرفصاء أمامها، ينظر لها ثواني يشير للعاملات بتركها، لتسقط ارضًا باكية وهي تتحرك بغضب ارضًا تنتظر أن يلبوا لها طلباتها، وارسلان فقط يراقبها بهدوء شديد حتى انتهت وتعبت مما تفعل بعد دقائق .
فابتسم يتحرك صوبها بهدوء يجذب جسدها عن الأرض ينفض ثيابها، ثم هتف بحنان شديد لم يسبق وأن ظهر لغير كهرمان :
_ لا اعتقد أن هذه الهيئة المدمرة تليق بآنسة جميلة مثلك صغيرتي، أنظري لقد لوثتي ثيابك بالكامل .
ختم حديثه ينتهي من نفض ثيابها، ثم اصلح خصلات شعرها ومسح دموعها، ومن بعدها حملها بين ذراعيه وهو يهتف بهدوء :
_ أخبريني الآن ودون بكاء ما الذي تريدينه وسأحضره لكِ .
نظرت له ثواني وقد بدأت عيونها تمتلئ دموع مجددًا، ليحذرها أرسلان بنبرة جادة صارمة :
- دون بكاء آنستي، أخبريني دون بكاء .
_ أريد... أريد أبي وأمي، أريد العودة لمنزلي.
بلل أرسلان شفتيه يشعر بالعجز يحاول أن يتماسك أمام الصغيرة :
_ اسمعيني صغيرتي لقد ذهب والدك ووالدتك عند الله، الله يحبهم فأخذهم جواره، وتركوكِ هنا لتعتني بي .
كادت الصغيرة تبكي في نصف جملته الأولى قبل أن تتلاشى دموعها فجأة حين سمعت النصف الثاني، فابتسم أرسلان أن استحوذ على اهتمامها يضيف بجدية :
_ أنا يتيم لا أب لي ولا أم، لقد ذهبوا مع والديكِ وتركوني وحيدًا وأخبروني أنك ستعتنين بي، فهل تفعلين ؟!
نظرت له بعدم فهم ثواني، وهو فقط يراقبها قبل أن تردد بصوت خافت :
_ لكنني أريد أمي...
_ هي هنا قريبة ومعكِ في كل وقت وكل مكان يا صغيرة، هي تعتني بكِ كما تعتني بي والدتي، والله فوقهم يعتني بنا جميعًا .
ويبدو أن الصغيرة لم تقتنع بكلماته بشكل كامل، لذا انتقل للجزء الثاني من خدعته :
_ هل تريدين اللعب مع قرد ؟؟
اتسعت أعين الصغيرة تردد بذهول :
_ قرد ؟؟؟
_ نعم قرد وقح مُعلق، هل تريدين المشاهدة ؟!
اتسعت أعين الصغيرة ببسمة واسعة لتكون بمثابة موافقة على عرض أرسلان المغري، الذي ضمها بين ذراعيه وهو يتحرك خارج المكان بأكمله صوب الحديقة الخلفية حيث يعلق موزي منذ ساعة تقريبًا .
وصل بعد دقائق صوب الحديقة، وبمجرد وصوله اتسعت عيونه وهو يبصر ما يحدث أمامه ليهتف بعدم فهم :
_ ما ....ما الذي ؟؟ ما الذي يحدث هنا ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت ثواني فقط حتى تحركت عيون نزار صوب المنطقة التي يحدق بها أنمار، لتتسع عيونه مما يرى، ولحسن حظه كانت النقطة التي يقف بها تكشف له هوية توبة أكثر مما تكشف لأنمار .
ابتلع ريقه وهو يتجاهل تقدمه صوب أنمار يغير طريقه صوب توبة بسرعة كبيرة، وحينما وصل لها وقف أمامها بشكل جعلها تتراجع شاهقة بصوت مرتفع وهي ترفع عيونها له بصدمة كبيرة .
في اللحظة نفسها التي تحركت الفتاة الراقصة وهي تقاطع طريق أنمار تزيد من حماس رقصتها تجذب وجهه وانتباهه لها .
أما عن نزار فقد رماها بنظرة مميتة، ثم قبض على ذراعها بشكل قوي وبعدها تحرك بسرعة واختفى بها من المكان، يتحرك صوب المنزل الذي من المفترض أن يكون منزلهما وصوت الموسيقى يبتعد عنهما شيئًا فشيء، في المقابل يعلو صوت صراخها المزعج.
_ كيف تتجرأ، يا عديم الرجولة يا حقير، كيف تتجرأ وتلوث يدي وتمسني ؟؟ هل تدرك من أنا و....
فجأة ترك يدها بقوة يصرخ بجنون في منطقة مظلمة بالقرب من المنزل لا تحتوي أي مشاعل وقد فاض به منها :
_ نعم الأميرة توبة أميرة سبز، لكن سمو الأميرة افيقي وانظري حولك لثواني فقط، ماذا ترين الآن ؟!
وكأنها كانت منومة وهي تدور بعيونها حولها لتبصر ظلام ينافس ظلام المجهول الذي تحياه، انقبض صدرها وصوت نزار ما يزال يرن في الأجواء حولهم :
_ أنتِ الآن لستِ في قصرك، هؤلاء ليسوا العاملين في قصر والدك لتتأمري عليهم، وبالطبع أنا لست خادمًا لديكِ لتتعاملي معي بهذا الشكل، ما الذي ظننته أنتِ ؟؟ أن تتحركي وتقتليه بين أعوانه وفي أرضه وحينها يصفق لكِ الجميع لتخلصك من شرير القصة ؟؟
كانت توبة تسمع كلماته وقد احمرت عيونها لكتمها الدموع، تشعر بعجزها وقلة حيلها وقد انطبق عليها في هذه اللحظة مقولة ( ارحموا عزيز قومٍ ذُل) وهي فقط لم تُذل، بل تجازوا الذل لما أكثر من ذلك، والآن يأتي هذا ويكمل عليها .
سقطت دموعها دون شعور بينما نزار أشار لها بتحذير :
- لا تبكي الآن، ماذا أخبرتك أنا ؟؟ بالله ماذا أخبرتك ؟! ألم اعدك أن اساعدك في الخروج من هنا ؟؟ ها ؟؟
وكل ما فعلته هو أنها انخفضت عيونها تضغط على قبضتها وقد بدأت دموعها بالتساقط وانقباض صدرها يزداد، تشعر أنها لن تخرج من هنا أبدًا، لن ترى والدها، والدها المسكين الذي سيموت بسبب زوج اختارته بعقلها وقد فشل عقلها في أول اختبار وضع به .
سقطت دموعها أكثر وصوت نزار ازداد حدة :
_ إياكِ والتصرف من تلقاء نفسك مرة أخرى وإلا...
وقبل إكمال جملته وجد دفعة قوية وضربة اقوى تسقط على صدره معيدة إياه للخلف وصوت توبة يصدح في المكان :
_ لا تأمرني، لا تأمرني، أنت لست والدي ولست والدتي لتفعل، لا عاش من يأمرني أيها النكرة، أنت لا شيء، أنت لا تختلف عنهم، مثلك مثلهم فلا تدعي الفضيلة، ما الذي يجعلني أثق أنك لن تفعل مثلهم ؟؟ ما الذي يجعلني أثق بك ها ؟؟؟
وقبل إتمام كلماتها امسك يدها بقوة يضغط عليها حتى كاد يحطمها، ثم نبس من بين شفتيه بصوت حاد :
_ أنتِ لا تمتلكين خيارًا آخر سمو الأميرة، إما أن تثقي بي أو تقضي المتبقي من حياتك هنا .
نظرت له بشر يبادلها ها دون اهتمام وصدره يعلو ويهبط، قبل أن تهمس له بصوت أكثر حدة من خاصته :
_ دع .....يدي .
انتفض جسد نزار بعيدًا عنها وكأنه لتوه استوعب ما فعل ليرتجف جسده دون شعور ينفض يديها بعيدًا عنها، فابتسمت بسخرية، ثم همست :
- يعجبني ادعاء الفضيلة، ويعجبني أكثر اصرارك عليه
.... يا عديم الرجولة .
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنه لولا كلماته التي نطقها بغضب وضيق منها :
_ أنتِ حقًا غير محتملة، لو كنت بالفعل عديم رجولة لتركتك تتنقلين من رجل لآخر سمو الأميرة .
توقفت أقدام توبة عن السير، ثم استدارت له بهدوء تردد دون أي ملامح :
_ وقتها كانوا سيتناقلون جثتي ليس إلا...
أنهت حديثه واخيرًا ترحل من أمام عيونه بعدما ألقت بكلمات أخرى :
_ هيا عد حيث الحفل ولا تفوت عليك متعة مشاهدة الأجساد المتمايلة ..
دخلت المنزل الذي ظنت أنها هربت منه بالفعل، والآن عادت له مصغرة مهزومة، يبدو أن الأمر ليس بهذه السهولة، خروجها من هنا لن يكون سهلًا كما تخيلت .
تحركت صوب ركنها المفضل الذي تحشر به جسدها منذ وطأت المكان، لكن وقبل أن تفعل وجدت طرقًا على الباب لتدرك أنه صاحب المروءة الفاسق .
تنهدت بصوت مرتفع وهي تهتف بضيق شديد :
_ أرحل من هنا قبل أن يكون موضع سكيني هو قلبك ...
فتح نزار الباب وتحرك للداخل، ثم تركه مفتوحًا، وبعدها تحرك بهدوء شديد يجلس في الركن المقابل لها يجلس نفس جلستها يضم قدميه لصدره تحت نظراتها المتعجبة .
بينما هو رفع نظراته لها يردد بجدية :
_ سأبقى هنا حتى ينتهي الفجور في الخارج ..
رفعت توبة عيونها وتمتمت بسخرية لاذعة :
- بارك الله بك أيها القذر، لا أكثر الله امثالك ولا ارانا اشباهك في هذه الحياة .
رماها نزار بنظرات مشتعلة واجهتها هي ببسمة متحدية وكأنها استهوت العناد معه، وهو فقط كان يراقبها بضيق من تصرفاتها معه، كلما حاول أن يفتح صفحة جديدة مع نفسه ذكرته هي بما تلاشاه .
منحها بسمة واسعة مستفزة لم يكن يعلم أنه يمتلكها حتى وهو الذي عُرف بعقله وجديته الخانقة :
_ فاللهم أمين، عسى أن يستجيب الله لكِ سمو الأميرة.
رفعت توبة حاجبها ليبتسم هو لها بسمة أخرى جعلتها تبعد عيونها عنه بضيق وهي تزفر بصوت مرتفع :
_ ليمنحني الله الصبر .
هز نزار رأسه بشرود :
_ نعم ليمنحني الله الصبر ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت اصوات صرخات موزي تكاد تصم الآذان حولها وهي تزفر بضيق شديد تراقبه معلقًا على أحد الأشجار في الحديقة الجانبية وأمامه معلقة موزة على بعد كبير، فقد كان صراحه في هذه اللحظة ليس لأنه معلق منذ ساعة تقريبًا، بل لشعوره بالعجز عن امساك الموزة وقد أدرك أرسلان كيف يعذبه جيدًا.
_ فقط توقف عن الصراخ فكل ما يحدث في حياتي من مصائب بسببك أنت، لو أنك لم تدفعني صوب غرفته أو تلقي بالوصية في وجهي، كله بسببك والله لن اسامحك على ما فعلت بي أيها الاجرب .
ختمت حديثها تتحرك صوب الشجرة تقف أسفلها تحاول معرفة الطريقة لتنزله، قبل أن تجد أن الحل الوحيد هو أن تتسلق الشجرة وتفك وثاقه، ثم تهبط معه .
كانت كعادتها ترتدي فستان طويل يعلوه معطف أرسلان والذي أضحت تستخدمه كحجاب وساتر لها وكأنها أحبت الأمر.
بدأت تتسلق الشجرة والتي ساعدها احتوائها على الكثير من الفروع والتي استعملتها كدرجات لوضع قدمها وتسلقها، وحينما صعدت لها تقدمت من نهاية الفرع الذي علق به أرسلان موزي تتمتم بضيق :
_ يا الله، أي ملك هذا الذي يضع عقله بعقل قرد أحمق غبي كموزي ؟؟
أصدر موزي صوتًا مبتهجًا حين أبصرها تقترب منه، فرمته بنظرات غاضبة مغتاظة :
_ فقط انتظر حتى تقع يدي عليك أيها الاجرب ستتمنى لو أنك مت على يد ذلك المتجبر .
وما إن وصلت لموزي مالت بجسدها على الفرع أكثر كي تصل للرباط حول يديه والذي أحكمه أرسلان وبقوة :
_ يا الله أنا لن اتحمل الحياة بينكما بهذا الشكل عليك أن تصنع هدنة مع ذلك الرجل موزي فهو لا يمزح البتة .
أصدر موزي اصواتًا صاخبة لم تفهم منها شيئًا وفقط استمرت في محاولة فك وثاقه، لكن وقبل أن تفعل شعرت بقدمها تكاد تنزلق عن الفرع لتتمسك بأعين متسعة مرتعبة في الفرع وهي تطلق صرخة مرتفعة مرددة بلهجة برتغالية :
_ أوه لا، لا لا لا لا ...
شعرت بالفرع يهتز بقوة لتتمسك أكثر وقد بدأ صدرها يتحرك بعنف وهي تهمس :
_ ستتحطم عظامي بسببك، سأقتلك إن نجوت موزي .
شعرت بجسدها ينزلق عن الفرع أكثر وأكثر حتى كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط ارضًا لترتفع شهقاتها بقوة تدعو الله أن يخلصها من هذه الورطة فالمسافة لم تكن بالقصيرة البتة .
وكأن الله استمع لدعائها إذ سمعت صوتًا يصدر من الأسفل :
_ عجبًا أتذكر أنني علقت قرد واحد فقط ..
اتسعت أعين سلمى وهي تنظر له أسفلها تهتف من بين أسنانها:
_ انزلني من هنا وتحلى ببعض المروءة .
كان أرسلان ما يزال يضم الصغيرة بين ذراعيه والتي اتسعت عيونها تراقب ما يحدث أمامها بحماس ولهفة انستها بكائها :
_ انزلك كيف؟؟ يمكنك النزول بنفس الطريقة التي صعدتي بها عندك فأنا لا اعلم كيف أساعدك في النزول .
رمته بحدة كبيرة :
_ لا تعرف ماذا ؟؟ هل أطالب بمعجزة ؟؟ أنا فقط أريد مساعدتك لي، تلقف جسدي بدلًا من السقوط ارضًا .
_ أوه لا هذا الخيار ليس متاحًا للأسف آنستي، أنتِ لستِ امرأتي لافعل، لكن إن أردت يمكنك الانتظار لنصف ساعة وحينها تحين صلاة العشاء، وبعدها اطلب من الشيخ المجئ لعقد القرآن ومن ثم يحق لي وقتها تلقفك .
اشتعلت نظرات سلمى أكثر وهي ترميه بغضب شديد ودون شعور وبسبب وضعية جسدها غير المنضبطة سقط المعطف من عليها لتبقى فقط بفستانها وخصلاتها الواضحة، اتسعت أعين أرسلان يبعد عيونه عنها بسرعة، يستدير معطيًا إياها ظهره يردد بسرعة :
_ حسنًا ابقي هنا، سأذهب لأحضر بعض النساء لمساعدتك .
ترك الصغيرة ارضًا مع تعليمات بانتظاره في هدوء، ثم تحرك بسرعة بعيدًا وهو يحدق في المكان حوله يتأكد أن لا رجال بالحوار .
وحينما خرج من الحديقة ألقى بتحذير لهم :
_ لا يدخلن أحدكم للحديقة حتى آمر بعكس ذلك ..
ختم حديثه يتحرك بين الطرقات وهو يردد كلمات بينه وبين نفسه بحنق وغضب شديد وحيرة مما يحدث في حياته وما يتخذه من قرارات بتهور، وفجأة أبصر إحدى العاملات ليناديها بسرعة .
_ آنسة رجاءً تعالي معي لنساعد الفتاة بالداخل .
توقفت الفتاة ونظرت صوب أرسلان ثواني دون فهم، لكن أرسلان لم يمنحها فرصة للحديث وهو يشير لها بالتحرك خلفه، ثم سبقها على الحديقة الجانبية .
كانت فاطمة تقف في منتصف الساحة تنظر حولها تفكر فيما يجب فعله قبل أن تشعر بالقلق من اللحاق برجل غريب والذهاب معه لأي مكان، ويبدو أن تحذيرات والدتها الكثيرة لقت صداها الآن واخيرًا في وقت غير مناسب .
إذ فجأة نظرت حولها، ثم تحركت بسرعة بعيدًا عن المكان وهي تقرر الاختباء من ذلك الرجل الذي يريد جرها صوب الحديقة الجانبية بحجة مساعدة فتاة أخرى وكأنها حمقاء وستصدقه .
بينما عند أرسلان وبمجرد أن دخل الحديقة أشار بإصبعه دون أن ينظر لسلمى حتى:
_ هذه هي الفتاة رجاءً ساعديها وانزليها و....
صمت فجأة حين سمع صوت سول تردد بتعجب :
_ مع من تتحدث أنت ؟؟
رفع أرسلان عيونه لها بعدم فهم قبل أن يخفضها بسرعة وهو يستغفر الله، يرمق الفراغ جوارها وهو يهتف بصوت منزعج :
_ يا الله أخبرتك مئات المرات أن ترتدي حجابك ولا تخرجي بهذا الشكل من غرفتك، أنتِ لن ترتاحي حتى ازج بكِ في السجون أنتِ وموزك .
نظر خلفه باحترام وهدوء شديد ظنًا أن العاملة جاءت خلفه :
_ هيا يا آنسة ساعدي الفتاة في. ....
وفجأة وجد نفسه يتحدث مع فراغ خلفه ولا أحد يقف هناك، شعر لثواني أنه كان يتخيل حديثه مع العاملة، كل ذلك والصغيرة تقف تحدق بما يحدث بحيرة وزهول قبل أن تجذب قدم أرسلان مشيرة صوب سلمى تهتف بجدية :
_ من هذه يا عم ؟!
مال أرسلان يربت على خصلاتها مرددًا بحنان :
_ هذه مشعوذة يا صغيرتي وهذا موزها يساعدها في أعمال الشعوذة .
اتسعت عيون الصغيرة وهي تحرك نظراتها صوب سلمى التي أصبح جسدها ينتفض من الغضب :
_ ألا تخجل من الكذب على الصغيرة مولاي، من المفترض أنك صورة جيدة لشعبك .
ابتسم أرسلان وهو يعدل من ثياب الصغيرة دون أن ينظر صوب سلمى حتى :
_ ومن قال أنني أكذب، أنا انطق بالحق وما كان لي نطق الكذب يومًا، لساني الطاهر هذا لا ينطق بالكذب .
انطلقت ضحكة مرتفعة لسلمى جعلته يرفع عيونه بشر صوبها ليخفضها بسرعة حين وجد خصلاتها تتطاير حولها، يتنفس بعنف حتى نظرات الغضب لا يستطيع توجيهها لها، فقط تنتظر حتى يتزوجها والله ليغلفها بالسواد من رأسها لاخمض قدميها .
بينما سلمى ورغم وضعها المزري في هذه اللحظة إلا أنها أكملت ضحكتها تردد :
- حسنًا ما قلته لتنفي كونك كاذبًا هو أكبر كذباتك مولاي، لسان من الطاهر ؟؟ أنت تحتاج لجلسات مكثفة لتتقبل ذاتك وتعترف بحقيقتك مولاي .
اتسعت بسمة أرسلان الخبيثة يهتف دون أن يكلف نفسه حتى عناء النظر لها :
_ حسنًا جلالة الملكة سيسعدني أن نتناقش بمثل تلك الأمور في جلساتنا بعد الزواج .
ختم حديثه ودون أن يمنحها فرصة للرد تحرك بعيدًا عن المكان تاركًا إياها تغرق في صدمتها من تصريحاته التي أصبح يصدرها وكأن زواجه منها أمر واقع، تحرك لخارج الحديقة يردد بجدية للصغيرة :
_ راقبي المشعوذة لحين عودتي بمن يساعدها .
وما إن خرج أبصر كهرمان تتحرك مع إيفان في الحديقة والاخير يبتسم لها بحنان وهو يهمس لها ببعض الكلمات، اشتعلت عيونه يتحرك صوبهم وهو يجذب إيفان بعيدًا عن شقيقته :
_ تعالي هنا، كهرمان اذهبي للحديقة الجانبية ستجدين أحدهم يحتاج للمساعدة ساعديه .
نظرت له كهرمان بعدم فهم بينما إيفان رفع حاجبه يجيبه :
_ ما الذي تقوله أنت، ثم إن كان أحدهم يحتاج مساعدة لِمَ لا تساعده أنت ها ؟؟
رمقه أرسلان بهدوء، ثم نبس بجدية :
_ لا يمكنني ..
ضيق إيفان عيونه وقد شعر بالريبة، فمنذ متى يعترف الملك أرسلان بيجان بعجزه عن فعل شيء، بل ويطلب المساعدة كذلك ؟!
تحرك ينتوي التحرك صوب الحديقة الجانبية :
_ حسنًا أنا سأرى ربما يمكنني ....
وقبل إكمال جملته أو تحركه خطوة إضافية كانت يد أرسلان تجذبه بحدة مرعبة صوبه وهو يصرخ في وجهه :
_ لا ...لا يمكنك ذلك، إياك والتحرك خطوة صوب الحديقة .
اتسعت عيون إيفان بصدمة من ردة فعل أرسلان العنيفة، لكن فجأة تلاشت الصدمة وحل الإدراك محلها لترتسم بسمة خبيثة على فمه يهمس لكهرمان دون أن ينظر صوبها وما زالت عيونه معلقة على وجه أرسلان المشتعل :
_ إذن اذهبي كهرمان وساعدي زوجة أخيكِ فالمسكين مُقيد لا يستطيع تقديم المساعدة في الوقت الحالي .
حل الإدراك على عقل كهرمان وهي تتحرك بسرعة صوب الحديقة الجانبية وهي تراقب أخاها الذي يقف مقابل زوجها وكأنهما على وشك التصارع .
رحلت وتركت إيفان يحلق حول أخيها بنظرات خبيثة :
_ هل أرى الدائرة وقد دارت أم ماذا آرس ؟؟
اقترب منه أرسلان ينافسه طولًا وجسدًا يهتف ببسمة مخيفة :
_ صدقني إن استمر هذا الحوار ثواني إضافية لن ترى المتبقي من عمرك ..
انطلقت ضحكات إيفان وقد شعر بالانتشاء، بهذه السرعة سينال انتقامه ؟!
_ إذن أخبرني كل هذه المعاناة وهي وحيدة لا أخ لها، ماذا إن امتلكت شقيقًا مثلك ؟؟
منحه أرسلان بسمة جانبية :
_ كانت لتزداد فوق الحظ حظًا، تخيل أن تمتلك امرأة زوجًا مثلي، بل وتمتلك شقيقًا يشبهني كذلك ؟؟ أي حظ سعيد تمتلك هذه المرأة ؟!
نعم هذا هو أرسلان، يستطيع تحويل كل حوار ضده لجملة غزل وشكر في ذاته، كانت موهبة مميزة اكتسبها على مدار سنوات تعامله مع إيفان وسالار، فقد عكف الثلاثة طوال تلك السنوات على توبيخ بعضهم البعض وانتقاد كل شاردة وورادة بينهم على سبيل المزاح .
انطلقت ضحكات إيفان بصوت مرتفع :
_ أنت لن تتغير يومًا أرسلان
_ حتى وإن فعلت يومًا فلن تنال شرف أن تكون سببًا في تغييري إيفان....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المساء
يقف جوار الباب الخاص بالقصر ينتظر أن تنتهي لتتحرك عائدة إلى المنزل، فقط ينتظر ليتأكد أنها ستصل بخير، لا يضمن أن تصل بأمان وحدها.
تلك الفتاة التي أضحى يشعر صوبها بمسؤولية لا يدري لها من سبب، هي لا تقربه ولا تهمه، لكن الضعف وقلة الحيلة التي يبصرها بعيونها تدفعه دفعًا صوب مساعدتها بكل خطوة، بل والخوف عليها فيما تفعل .
ابتلع ريقه وهو يهمس لذاته :
- هذا خطأ، ما أفعله خاطئ، لا يمكنني فعل ذلك و...
كانت يتحدث وهو يتحرك صوب مبنى النوم يحاول تناسى ما يود فعله، فهو لن يقضي حياته بأكملها يراقبها في ذهابها وإيابها، هو لديه الكثير بالفعل في حياته ليضيف عليهم مسؤولية الاهتمام بفاطمة.
ولم يكد المعتصم يمضي المعاهدة التي أقرها مع نفسه للتو، حتى مزق الورقة بالكامل حين ابصرها تتحرك بهدوء شديد تنظر ارضًا وتتحرك من أمامه دون أن تبصره، ومن ثم خرجت من القصر بكل هدوء ...
ابتلع ريقه يسير خلفها دون شعور وقد قرر ألا يشعرها بوجوده فقط يلحق بها يتأكد أنها ستصل بسلامة ومن ثم يعود بهدوء دون أن يشعر أحد...
وهكذا فعل، أخذ يتحرك خلفها في الطرقات الهادئة في هذا الوقت وهي فقط تتحرك وتردد بصوت خافت بعض الكلمات التي لا تصل لمسامعه .
اقترب بعض الشيء منها عله يسمع كلمة منها، وحين فعل انتفض صدره وما يسكنه وهو يسمع كلماتها الهامسة .
كانت تردد كلمات وكأنها تخرج من عقلها الباطن، كلمات استنجاد واستغاثة، كانت كما لو أنها تطلب المساعدة، تذكر والدها وشقيقها في كلماتها .
لم يفهم المعتصم ما يحدث معها، ولا ما تقوله، كانت الكلمات تخرج منها بنبرة عادية وكأنها تخبرك بحالة الطقس، لا تصف لك حريق ابتلع عائلتها .
فجأة توقفت فاطمة على مقدمة الشارع الذي يقبع به منزلها تنظر له بأعين شاردة، ومن ثم تحركت لتجلس على إحدى المصاطب جانبًا ودون مقدمات انفجرت في بكاء عنيف وهي تنادي والدها والجميع .
انتفض قلب المعتصم وهو ينظر حوله برعب من تلك الحالة التي دخلت بها دون مقدمات، وكأن رؤيتها لبقايا منزلها المحترق أعادت لها ما حاول عقلها تناسيه.
نظر حوله وكأنه يتوسل أحدهم ليتدخل ويساعدها، ابتلع ريقه يأبى الظهور لها في هذا الوقت، هو لا يريد اظهار نفسه لها .
وفاطمة كل ما فعلته هو أنها استمرت بالبكاء لدقائق وهي تردد :
_ ليساعدهم أحدكم، أبي وأحمد، ليخرجهم أحدكم .
بلل المعتصم شفتيه يتحرك نحوها واقدامه كلما تحرك خطوة عادتها، التردد كان السمة المسيطرة عليه في هذه اللحظة ورغم ذلك تحرك صوبها يهمس بصوت خفيض :
_ فاطمة، أنتِ بخير ؟! تريدين مني أن أنادي والدك ؟؟
رفعت فاطمة عيونها الباكية صوبه ليشعر باهتزاز صدره من نظراتها وهي تشير صوب المنزل الخاص بها تهتف بصوت مذبوح :
_ أبي أسفل الركام، ساعده ارجوك .
تحركت عيون المعتصم صوب المنزل بسرعة وقد شعر بارتجاف جسده بسبب نبرتها وكلماتها، وجد منزلها مستقر كعادته .
تقدم منها خطوة صغيرة مع الاحتفاظ بمسافة مناسبة بينهما :
_ لا شيء هناك فاطمة، افيقي رجاءً وتحركي لمنزلك .
نظرت له بأعين دامعة :
_ لكنهم هناك بين ألسنة اللهب وأسفل الركام، لا أحد يستطيع المساعدة، لقد ابصرته، أبصرت يد احمد وهو يحاول الخروج ومساعدة أبي، لكنه لم يستطع ....
صمتت ثم همست بشرود :
_ الجميع مرتعب من شكل النيران التي تلتهم كل ما تقابله، لا أحد تمكن من مساعدتهم، لا أحد.
اقترب المعتصم أكثر وقد شعر بالخوف عليها :
_ فاطمة رجاءً افيقي، لا شيء هنا، لاحريق ولا شيء، منزلك يقبع هناك لا شيء به .
نظرت فاطمة صوب المنزل ثواني دون أي ردة فعل، وفجأة سقطت دموعها مجددًا وعلت شهقاتها، تخفي وجهها بين يديها .
اقترب منها المعتصم أكثر وهو يجلس القرفصاء أمامها حتى تستطيع النظر له :
_ فاطمة ...
رفعت عيونها له تهمس بصوت موجوع :
_ أنا خائفة ...
كلمة هزت المعتصم ليتحدث دون وعي وهو ينظر في عيونها وكأنه يقطع وعدًا عليها قبل نفسه :
_ والله لن أسمح للخوف أن يزور قلبك طالما هناك انفاس بصدري فاطمة، اطمئني، أنا سأحميكِ من أي شيء وكل شيء، يمكنك اعتباري من اليوم وصاعدًا حارسك الشخصي، إن واجهتي أي شيء أخبريني فقط .
_ هل تعدني ؟؟
_ كلمة مني لا يحيل بيني وبينها سوى قبري فاطمة .
وهذا كان أكثر ما تطمح له فاطمة، أن تنام ليلتها وهي تدرك أن هناك من يساعدها بعد رحيل والدها وشقيقها، هناك من يقف في ظهرها هي ووالدتها إن سقطت، هناك من يعتني بها .
ارتسمت بسمة واسعة على فمها وقد طبعت كلماته في عقلها الضعيف الذي لا يعي ولا يتذكر الكثير، وكأنها بتلك البسمة تعطيه عهدًا بالتذكر في المقابل تهمس بصوت خافت :
_ شكرًا لك، أنت حقًا رجل صالح ..
ابتسم لها المعتصم دون شعور :
_ هيا تحركي صوب منزلك لا بد أن والدتك ستبدأ بالقلق عليكِ الآن...
نهضت فاطمة بسرعة وهي متسعة الأعين وكأنها للتو استوعبت :
_ نعم أنت محق، يا ويلي أمي ستقتلني، وداعًا أيها المعتصم، أراك لاحقًا ملاكي الحارس .
رحلت بسرعة كبيرة تاركة إياها ما يزال يجلس القرفصاء يراقبها بأعين ضبابية قبل أن ترتسم بسمة شاردة على فمه دون شعور منه يهتف بصوت هامس :
_ وداعًا يا صغيرة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرجت لشرفة الغرفة تتنفس هواء الصباح العليل براحة شديدة تتذكر ما حدث مساء الأمس حين علقت بالشجرة وتركها ورحل، ولولا شقيقته اللطيفة لقضت ليلتها كالقردة معلقة .
اشتدت ملامح سلمى وهي تستند على سور الشرفة تنظر أمامها تردد بضيق وغيظ :
_ والله يبدو أنني سأوافق على الزواج منك خصيصًا لتأديبك أيها الـ ......وسيم .
ختمت جملتها بكلمة هامسة خرجت منها دون وعي حتى أنها وضعت يدها أمام فمها بسرعة تحرك نظرها في الغرفة حولها تتأكد أن لا أحد سمع تلك الكلمة منها، ثم عادت بعيونها مجددًا صوب النافذة التي كانت تعرض لها مشهدًا رائعًا للملك الـ " وسيم " وزوج كهرمان حسب ذاكرتها .
كانت تراقب بأعين متسعة السباق بينهما وقد كان الاثنان كلٌ فوق حصانه يتحرك به بسرعة مرعبة حول القصر وصوت ضحكات أرسلان ترن في القصر بشكل جعلها تبتسم دون وعي .
_ أتضح أنك تستطيع الضحك بعد كل شيء .
وفي الاسفل ومنذ الصباح كانت اصوات الصهيل هي ما يصدح في المكان بدل من زقزقة العصافير .
إيفان والذي اشتاق لمنافساته المعهودة مع أرسلان، جذب أرسلان معه ومن بعد صلاة الفجر لعقد منافسة يعيدون بها أمجاد الماضي، وها هم وحتى شروق الشمس لم يتوقفوا ولا أحد منهم يود الاستسلام .
أرسلان والذي كان يتشح بالسواد كعادته مرتديًا معطفه وقد سقطت القلنسوة عن رأسه، كان يغمز باستفزاز لإيفان :
_ مالي أراك وقد أحببت ظهري إيفان فمنذ بدأت ولم تبعد عيونك عنه .
انطلقت ضحكات إيفان، ثم وفي ثواني تقدم بخيله بسرعة مرعبة يتخطى بها أرسلان الذي لم يعجبه ما حدث ولحق به في ثواني وهو يتوعد له :
_ أنس أمر الفوز علي هذه المرة عزيزي ..
_ يا الله نفس الجملة كنت على وشك قولها لك ..
ابتسم له أرسلان بخبث وهو يزيد من سرعة الحصان أكثر وأكثر هاتفًا باستمتاع :
_ آخر من يصل يبارز سالار ليوم كامل .
انطلقت ضحكات إيفان وهو يزيد من سرعته :
_ صدقني مبارزة سالار ليست بعقاب بقدر مبارزتك ..
وهكذا استمر بينهما السباق يدورون حول ساحة السباق في القصر وقد كانت سلمى تنتظر في النافذة حتى يحين الدور على نافذتها لتشهد جزء من ذلك السباق، ويبدو أن حماسها ذاك انساها أنها تقف الآن بثياب نومها في النافذة .
ولم تتذكر الأمر حتى ارتفعت عيون أرسلان بتلقائية وابصرتها لتبصر هي أكثر نظراته رعبًا، قبل أن يشيح بوجهه عنها ويزيد من سرعته أكثر واكثر وقد بدأ الغضب يحركه، ثواني لتدرك معنى نظراته وتتحرك للخلف تحمل معطفه وتعود مجددًا ولا تدري السبب لكنها أرادت اكمال باقي المنافسة لمعرفة الفائز...
في حين أن أرسلان وبمجرد أن انقلبت ملامحه شعر إيفان بالريبة يتساءل بصوت مرتفع :
_ ماذا دهاك ؟؟ فجأة انقلبت ملامح بشكل مريب .
ختم حديثه وهو يرفع عيونه صوب المكان الذي نظر له أرسلان بشكل عفوي دون تفكير، لكن وقبل أن يفعل أردف أرسلان بصوت حاد محذر :
- إياك....
ودون أي كلمة أو جدال أبعد إيفان عيونه صوب الطريق أمامه وقد شعر أن للأمر علاقة بالفتاة التي أحضرها هنا، وحسنًا هو لن يغامر ويتعدى حرمات قصر رفيقه ليتأكد من شكه، لم يتحدث أو يتساءل بكلمة وقد كانت النساء خطوط حمراء لا جدال بها أو نقاش حتى.
بعد دقائق اوقف إيفان حصانه حين أبصر جسد سالار يقاطع عليهم الجولة التي لا يعلم عددها وهو يفتح ذراعيه لهما :
_ وقت مستقطع اعزائي فقد وصل الملك آزار و..... أنمار على وشك الوصول.
توقف أرسلان بحصانه فجأة وقد كانت أنفاسه مرتفعة، ثم هبط عن خيله يردد بعدم فهم وتحفز :
_ أنمار ؟؟ من ذا الذي دعى هذا الكائن لبلادي وقصري ؟!
ربع سالار ذارعيه لصدره يهتف بهدوء شديد وهو ينظر في عيون أرسلان وكأنه يتحداه أن يعترض :
_ الملك آزار فعل .
عض أرسلان شفتيه بغضب شديد، لا يستطيع بالطبع ضرب أو لكم آزار، شعر برغبة عارمة في ضرب أحدهم، وقد كان أنمار افضل خيار في الوقت الحالي، لكنه اكتفى في هذه اللحظة بقول :
_ احضرتموه لقصري دون معرفتي، ولأول مرة تفعلون شيء يرضيني، أنا في هذه اللحظة في أمس الحاجة لرؤية وجهه لهذا النذل أنمار..
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنهم تاركًا سالار يردد ببسمة صغيرة. :
_ أخبرتك أنه سيرحب باستضافته .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هل أنتِ بخير ؟! سمو الأميرة ؟؟ توبة..
نطق كلمته الأخيرة بفزع شديد حين لم يلقى منها ردًا، لينتفض جسد توبة بسرعة كبيرة وهي تحدق في المكان حولها بتعجب لتشعر فجأة بتيبس جسدها ووجع ينخر كل عظامها، تأوهت بصوت مرتفع وهي تحاول التنفس ..
_ يا الله رحمتك ..
_ حمدًا لله أنكِ بخير، ما الذي جعلكِ تنامين جالسة بهذا الشكل ؟! أنا أترك لكِ المنزل بالكامل لتأخذي به .
حركت توبة عيونها صوب نزار قبل أن تهتف بصوت حانق :
_ أقدر مروءتك ولا أثق بها، ما أدراني أنك لن تقتحم عليّ المكان أثناء نومي كما فعلت للتو ؟!
اتسعت عيون نزار من اتهامها له :
_ ماذا تقولين أنتِ ؟! لقد كدت احطم الباب بسبب طرقي عليه وأنتِ لم تستيقظي، ظننت أن هناك ضرر أصابك فدخلت لابصرك شاحبة الوجه كالجثة .
رفعت له توبة عيونها بضيق ولم تتحدث وهي تتحرك بصعوبة بسبب تيبس جسدها تعتدل في جلستها :
_ شاكرة لك سيدي، لكنني حتى وإن مت فلا علاقة لك بي، اهتم بقومك ودعك مني ولا تمارس عليّ دور السيد على جاريته .
رماها نزار بنظرة حادة وقد بدأ الغضب يظهر واضحًا على وجهه :
_ دور السيد على جاريته ؟! تسمين قلقي عليكِ ممارسة لتجبر السيد على جاريته ؟؟ والله لولا أنني أخاف الله لأريتك كيف يتم التعامل بين الأسياد والجواري سمو الأمير، لكنني لست بسيد وأنتِ لن تكوني جارية وقد اعزك الله، فلا مذل لكِ .
ارتجف صدر توبة لكلماته، لكنها وارت كل ذلك خلف نظرات غير مهتمة، تنظر بعيدًا عنه وهي تردد بهدوء :
_ تخاف الله لو أنك تخاف الله ما الذي جاء بك إلى هنا ؟؟
نظر لها نزار ثواني قبل أن يستقيم يتجهز للتحرك بعدما ترك لها طعامًا لم تبصره سوى الآن، ينفض ثيابه كي يلحق بالوليد :
_ جاء بي من عصى الله وأقسم أن يُلحقنا به .
هكذا أنهى حديثه وهو يخرج تاركًا توبة تجلس في مكانها تراقب ظهره وقد شعرت للحظات بالندم، فهذا الرجل لم يظهر لها السوء منذ جاءت هنا، لكن هكذا كان زوجها في البداية .
زوجها الذي لم يحفظها كونها تحمل اسمه، فهل يحفظها الغريب والذي نشأ وترعرع بين القاذورات هنا ؟!
ابتسمت بسخرية تنهض وهي تنظر للطعام ثواني قبل أن تتحرك كي تبحث عن بعض الماء تتوضأ لتؤدي فريضتها .
وبعدهم انتهت عدلت من وضعية حجابها، ثم نظرت حولها وهي تحسب الزاوية الصحيحة لتتخذها قبلة في صلاتها، وبمجرد أن هتفت الله أكبر، حتى شعرت أن جميع همومها ومصائبها أضحت ضئيلة جوار تلك الكلمات.
الله أكبر من كل هموما، الله أكبر من كل من يتحين الفرصة لإيذائها، الله أكبر من الجميع، وإن اجتمعوا على أن يمسها ضر لم يكتبه الله لها ما مسها .
سقطت دموع توبة وهي تكمل صلاتها بهدوء شديد، وقد شعرت بالراحة تملئ صدرها، انتهت تسلم من صلاتها، وحينما نظرت يسارها كي تختم صلاتها سمعت صوتًا غريبًا جفف الدماء بعروقها، رفعت عيونها ببطء لتصطدم في وجه رجل لا تعلمه يراقبها بأعين تضج بالشهوة وبنبرة مرعبة قال :
_ مرحبًا بأميرة سبز تبدين أجمل عن قرب يا امرأة، اتمنى أن تكون إقامتك سعيدة هنا في ضيافة الأمي ............
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لا أحد يملي عليّ ما أفعله إيفان، كون أنني تقبلت استضافة ذلك الكائن في قصري لا يعني أنني سأمرر لكم اتخاذ قرارات دون العودة لي ..
ختم حديثه يرفع عيونه للجميع وقد ارتصوا حول طاولة الاجتماعات، ابتلع المعتصم ريقه وهو يرى الأجواء بدأت تشتعل بين الجميع .
تحدث إيفان بهدوء دون أي عناد من طرفه فقط لعلمه أن أرسلان محق وهو وإن كان في محله كان ليغضب أن أحدهم أتخذ قرارًا في بلاده دون العودة له.
_ معك كامل الحق أرسلان، لكننا ندرك أنك ما كنت لتقبل بوجوده، ووجوده جد هام لأنه سيساهم في معرفة ما يفكر به، وإن كان له علاقة بما حدث في الممالك أم لا ؟؟
اشتعلت أعين أرسلان وهو يشعر بالغضب، رجل أهان شعبه واهانه شخصيًا، واراد احتلال جزء من بلاده، وبعد كل هذا مجبر على استضافته ولجم شياطينه عنه حتى يعلم ما يود الوصول له أو ما يخفيه .
فجأة ارتسمت بسمة مرعبة على فم أرسلان جعلت سالار يدرك أن القادم لن يعجب أحد منهم، أو في الحقيقة سيعجبه هو لكنه لن يصرح بذلك وسيدعي الاستياء من تصرفات أرسلان المتهورة والتي يحسده عليها، يتمنى فقط أن يمتلك عقل أرسلان لينفذ كل ما يفكر به دون وضع اعتبارات لأحد، لكن تعقله يمنعه من ذلك، لكن إن اضطر سيفعل ويتجاوز أرسلان في تصرفاته .
فجأة وحين عم صمت وجد آزار أن الفرصة مناسبة لطرح ما يكتمه بين صدره :
_ هناك شيء آخر عليكم معرفته قبل مجئ أنمار.
انتبه له الجميع وقد على نظراتهم الاهتمام ليتحدث آزار بكلمات مقتضبة دبت النيران في صدور الجميع :
_ أنمار فعل شيئًا بابنة بارق ..
انتفض جسد أرسلان عن مقعده يضرب الطاولة بغضب صارخًا :
_ فعل ماذا هذا النذل عديم الرجولة ؟! هل وصلت قذارته للنساء ؟؟
اشتعلت أعين سالار بالمثل، بينما إيفان كان يتابع نظرات آزار بتحفز شديد والذي نطق بعد صمت قصير :
_ لا أعلم، ذهبت لزيارة بارق صباح البارحة ولم أجدها وحينما سألته عنها توترت ملامحه ثواني، ثم خرج لي بأكثر الحجج سخافة، أخبرني أنها هاجرت لشمال البلاد حيث أحد الحكماء للبحث عن علاج لوالدها، الأميرة توبة ما كانت لتترك والدها لحظة واحدة وهو بهذه الحالة، هي ليست بهذا الغباء لتترك البلاد ووالدها، أنا واثق أنه فعل لها شيئًا خاصة أنه في زيارتي السابقة لاحظت من حديثها أن أفعال زوجها لا ترضيها وأنها تقف له بكل قرار .
شعر سالار بالغضب يملئ صدره وقد تخيل أن يمس أحدهم حرمة نسائهم، ما كان لأحدهم أن يدخل النساء في حسابات الحروب .
وارسلان شعر بالنيران تشتعل به :
_ حين يأتي لا يتدخلن أحدكم فيما سأفعله به، وإن فعل أحدٌ شيئًا سأضعه على قائمتي مع عديم الرجولة هذا .
ابتسم له إيفان بسمة غامضة مخيفة وكأنه يعلن له موافقة ضمنية، بينما سالار مال على الطاولة يستند عليه بذراعه وقد كانت ملامحه جامدة بشكل أكثر رعبًا من غضبه وكأنه يفكر كيف ينفرد بأنمار في حوار هادئ سلمي خاص بينهما .
كل ذلك والمعتصم يراقب بهدوء ظاهري يخفي خلفه ازدراء وضيق شديد وقد شعر برغبة عارمة في مشاركة ملكه القتال، يتخيل نفسه يقيد أنمار بشجرة وينقض عليه مع أرسلان أو ربما يجعله هدفًا لتدريب المبتدئين على الرماية لا يعتقد أن هناك عقاب اسوء من هذا ...
فجأة سمع صوت أحد الجنود يهتف على البوابة :
_ سيدي، الكائن أنمار وصل لبوابة القصر .
ضيق إيفان حاجبه بعدم فهم يردد :
_ الكائن أنمار ؟؟
ابتسم أرسلان بفخر وقد كانت هذه أوامره يتذكر جملته التي ألقاها على مسامع رجاله وهو يخبرهم أن يعلموه حينما يصل الكائن أنمار عديم الرجولة، وها هو الجندي يغفل عن ذكر عديم الرجولة، لكن لا بأس هو سيخبره بها بنفسه وفي وجهه .
نهض أرسلان يعدل من وضعية معطفة الملكي يتحرك صوب بوابة القاعة ..
_ سآتي لاستقبله بنفسي، فهو ضيفي في النهاية ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرجت من غرفتها تتحرك إلى الشرفة حيث تنتظرها تبارك وكهرمان لتناول الافطار سويًا، ابتسمت وهي ترى موزي يتحرك على كتفها ورأسها يردد اصوات مستمتعة وكأنه مستمتع بالاجواء حوله، لا ضوضاء ولا تلوث ولا صراخ أم راجيش كل صباح بابنها أن يتحرك ويحضر له زوجة تمنحها أحفاد برازيليين .
جذبت طرف المعطف والذي كاد يسقطه موزي عن رأسها وقد قررت جديًا أن تستغل وجود كهرمان وتبارك رفقتها لمعرفة أكثر عن الثياب في للمكان وكيف تنتقي ما يناسبها ويتناسب مع المكان، وتعود لطريق حادت عنه قديمًا .
_ موزي توقف وإلا اقسم بالله أن الملك لن يكتفي بتعليقك هذه المرة بل سيحشوك ويلقي بك في القمامة و....
وقبل إكمال جملتها مال عليها موزي يستند برأسه على رأسها لتتسع بسمتها وهي تردد بحنان :
_ أوه صغيري اللطيف، لا تقلق لن اسمح له بأن يلقيك بالقمامة، بل سأطلب منه دفنك وتكريمك موزي .
ابتسم لها موزي بلطف لتضحك وهي تربت على جسده تسير صوب الشرفة تدعو الله ألا تضل الطريق :
_ أنت أحمق مـــــــ
وقبل إكمال جملتها شعرت سول بجسدها يصطدم بقوة في جسد صلب ولولا تلك الرائحة الغريبة النافذة وقصر القامة لصاحب الجسد قالت أنه أرسلان، وبعيدًا عن كل العلامات السابقة ما كان لأرسلان أن يتجرأ يومًا ويمد يده يلفها حول خصرها بهذه الوقاحة .
اتسعت أعين سول وهي تحرك عيونها صوب اليد التي أمسكت خصرها وقد ارتجف جسدها برفض وازدادت ضربات قلبها، رفعت عيونها ببطء صوب ذلك الوقح تسمع صوته يردد بنبرة راقية هادئة في غاية الاحترام والبراءة :
_ انتبهي سيدتي وأنتِ تسيرين ....
اشتعلت أعين سول ببطء وهي تنظر في وجه ذلك الرجل، ثم مدن يديها بسرعة تمسك بها يده التي تضم خصرها تضغط عليها بقوة مرددة من بين أنفاسها الرافضة والغاضبة :
_ يدك عني أيها الـــــ
قاطع جملتها والتي كادت تختمها بسبة صوت تعلمه تمام العلم وهو يصدح في المكان بأكمله بنبرة جعلتها ترتجف خوفًا ..
_ أنمـــــــــــــــــار ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حب أو حرب ...اقبلها طالما كنتِ طرفًا بها
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل السابع 7 - بقلم رحمة نبيل
#الفصل_الثامن | يبغونها عوجًا |
قبل القراءة تفاعل بالتصويت ومتنسوش رأيكم بعد القراءة....
صلوا على نبي الرحمة
ظلت جالسة بنفس الوضعية دون أن تحرك نظراتها بعيدًا عن موضع سجودها، وهو جوارها ينتظر أن تعطيه نظرة واحدة، يأمل أن يرى انعكاس صورته في عيونها، لكن وكأن توبة كانت تعلم غايته، إذ ظلت محتفظة بوضعيتها تسبح على أصابعها وهي لا تعطيه أي اهتمام ..
ظل جالسًا طويلًا في انتظار ردًا منها حتى مل ليتأفف بصوت شبه مسموع :
_ ألا تعتقدين أن تجاهلك لي وقاحة سمو الأميرة، لا أعتقد أن التقاليد الملكية تخبرك أن تبعدي عيونك عن محدثك ؟!
كان يرغو ويزبد بغيظ شديد وهي فقط استمرت في التسبيح والاستغفار، وحينما انتهت مما تفعل، استدارت له تنظر في وجهه ثواني تحاول تذكر أين رأته، لتتسع بسمته وقد أعطته واخيرًا اهتمامًا يستحقه رجل بمكانته، لكن فجأة أبعدت عيونها عن وجهه :
_ غادر .
كلمة واحدة نطقت بها ولم تضف لها أخرى لتشتعل أعين الرجل وبقوة حتى كاد ينقض عليها، ضغط على يده بغضب شديد قبل أن ترتسم بسمة مغتاظة على فمه يهمس بفحيح :
- ماذا ؟؟ يبدو أن سمو الأمير قد أعجبك لدرجة أنك تكتفين به عن الرجال و......
وقبل أن يكمل جملته المسمومة وجد صفعة قوية تهبط أعلى وجهه وصوت توبة يصدح في المكان بأكمله وقد اشتد غضبها :
_ غـــــــــــــــــــادر .
اشتعلت أعين الرجل وهو ما يزال ينظر ارضًا وقد اشتدت عيونه، اهتز صدره بغضب شديد يرفع عيونه لها يرميها بنظرة مرعبة وفي ثواني كانت الصفعة التي وجهتها له تُرد لها اثنتين وبقوة مضاعفة، ثم مد يده يجذبها من حجابها يصرخ في وجهها بجنون :
_ أيتها القذرة من تحسبين نفسك ؟؟ بضاعة مزجاة غير مرغوب بكِ، حتى زوجك سئم النظر في وجهك والقاكِ هنا ليلتقطك الأمير، ومنذ اشتراكِ لم يخطو حتى للغرفة وكأنه يشمئز النظر في وجهك أيتها الـ ***** .
أغمضت توبة عيونها تحاول التحمل وعدم البكاء، ليس أمامه على الأقل، يمكنها فقط التخلص منه، ومن ثم تمنح نفسها حرية الانهيار ورثاء ذاتها .
ابتسمت بصعوبة من بين دموعها المكتومة :
_ حديثك متعارض يا سيد، منذ دقائق كنت تغرد أنني لا أرى سوى ذلك الرجل ملمحًا إلى وجود شيء خاطئ بيننا في حديثك راميًا إياي بالباطل، والآن بنفسك تردد أنه منذ اشتراني كما تدعي لم يخطو للغرفة، ألا ترى نفسك متناقضًا ؟!
ختمت حديثها مبتسمة في وجهه وهو ما يزال يمسك شعرها، وحينما رأى نظراتها ابتسم لها بسمة مقيتة، ثم اقترب من وجهها لتبعد هي رأسها بإشمئزاز، بينما هو لم يهتم حتى وهو يردد :
_ يومًا ما، يومًا ما ستخضعين سمو الأميرة وستأتيني بقدميكِ تلقين بنفسك أسفل أقدامي .
_ ابترها ولا أفعل .
نظر لها بعدم فهم لثواني قبل أن تردد هي ببسمة مستفزة :
_ أقدامك، ابتر أقدامك ولا القي بنفسي اسفلها، تمامًا كما حدث مع ذلك الخنزير الذي فقد ذراعه ذلك اليوم .
أبعدها الرجل يلقيها بقوة بعيدًا عنه، ثم صرخ في وجهها :
_ تتكبرين وكأنكِ ما تزالين أميرة وفي قصر والدك، افيقي أنتِ هنا في الجحر .
رددت توبة وهي تتنفس بصوت مرتفع تسارع لتعديل وضعية حجابها :
_ يظل الأمير اميرًا ولو خرج من قصره، كما يظل الخنزير خنزيرًا ولو خرج من وحله .
عض الرجل شفتيه وكاد يتحرك صوبها لولا أن قاطعت امرأة حديثهما وهي تهتف بضيق :
_ هيا زهير قبل أن يعود ذلك الرجل مجددًا، أخذت أكثر من وقتك .
ختمت حديثها وهي تشير له ليخرج وقد كانت هي نفسها المرأة التي تدير المكان، وقد سمحت خصيصًا لزهير بالدخول علها تقتص من ذلك الرجل الذي وصفهم بالقذرين لأجلها .
رماها زهير بنظرة مميتة بادلته هي النظرة بأخرى مبتسمة، ثم أشارت له بعيونها أن يخرج :
_ غادر يا حقير .
توعد لها زهير بصمت، ثم تحرك خارج المكان بغضب شديد، بينما ألقت لها السيدة بنظرة تقيمية، ومن ثم خرجت وأغلقت الباب بسرعة خلفها تاركة توبة تحدق بالباب ثواني قبل أن تسقط ارضًا تدفن وجهها بين قدميها تتأوه بخفوت وقد كانت خدودها تنبض بألم مريع، وقد شعرت بها تحترق، تحسستها ودموعها تسيل دون شعور، رغمًا عنها قارنت في هذه اللحظة بين أميرة سبز المدللة والتي لم يكن والدها يرفض لها مطلبًا، وبين توبة الفتاة التي تتعرض لكل أنواع الإهانة والذل .
هتفت دون شعور باكية بقهر وحسرة :
_ أبي أين أنت؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة واحدة رنّ صداها في المكان لينتفض جسد أنمار دون شعور بعيدًا عن سلمى التي تماسكت وهي ترميه بنظرة حانقة تنفض موضع يده على خصرها وكأن ثعبان كان ملتفًا عليه، ترميه بنظرات مشتعلة وكم تمنيت لو أن أرسلان لم يأت لتقطع يده .
لكن ذهبت أمنيتها ادراج الرياح حينما وجدت فجأة جسد أرسلان يخفي مشهد ذلك الرجل الغريب عن عيونها، وقد وقف أمامها يمنع عنها رؤية ما سيحدث وكأن المشهد الذي يعرض ليس مناسبًا لها .
مدّ أنمار يده يبتسم بسمة واسعة وكأنه لم يفعل شيئًا للتو :
_ مرحبًا أرسلان.
ولم يخجله أرسلان ويرد يده خائبة، بل سارع يقبض عليها كما يقبض الأسد على فريسته، يضغط عليها بقوة عنيفة وهو يردد من بين أسنانه:
_ لا مرحبًا بك أيها الانمار، فوق أنك تقف في قصري وبلادي التي سبق وهنتها، تعديت على حرمات نسائي ومددت يدك لها بلمسة ؟! أي وغد متبجح أنت أنمار ؟؟
صمت يضغط على يد أنمار الذي سارع يحاول أبعد يده عن يد أرسلان، لكن هيهات، مال عليه أرسلان يهمس بصوت مخيف :
_ خسئت وخسئت وخسئت أنت وكل من ينحدر من سلالتك، امرأتي خط أحمر، تلك اليد التي لمستها سأقطعها لك أيها الـ
_ جلالة الملك .
اشتعلت عيون أرسلان وهو يستدير لها ببطء ينتظر منها اعتراضًا ليشتعل غضبًا أكثر، لكن كل ما خرج من سلمى في تلك اللحظة هي همسة صغيرة له وبصوت منخفض :
_ واليد الأخرى من فضلك .
اتسعت بسمة أرسلان بقوة قبل أن يعود لأنمار مجددًا، يجذبه من يده الأخرى بقوة وهو يردد :
_ هيا أنمار تعال صوب قاعة الرجال وتصرف كواحد منهم لمرة واحدة على الأقل .
ختم حديثه بإهانة مبطنة، ثم استدار صوب سلمى يرمقها بعيون ضيقة وكأنه يقيمها، لتمتد يده الحرة دون شعور وهو ينزل القلنسوة أكثر وأكثر لتغطي وجهها بالكامل عدا ذقنها ثم ردد بحنق وغضب مكبوت :
- سنتحدث في هذا الأمر لاحقًا جلالة الملكة .
ردد أنمار بصدمة وكأنه لم يستوعب بعد ما يحدث حوله :
- جلالة الملكة ؟؟
_ ماذا ؟؟ هل لدى سيادتك اعتراض ؟؟
رماه أنمار بعدم فهم ثم ردد وهو يحاول تمالك نفسه :
_ أوه لم ادرك أنك تزوجت، و....مبارك لك، لم نتعرف جلالة الملكة أنا.......
قاطعه أرسلان وهو يدفع به للخلف :
_ ومنذ متى وكنا نتعرف على النساء يا هذا، عيونك ارضًا ويدك جوارك قبل أن تفقدها والتزم حدودك ولا تتعدى الخطوط الحمراء هنا .
ابتسم له أنمار بسخرية ثم هتف بصوت خافت لم يسمعه سوى أرسلان وقد كانت سلمى ما تزال تلتزم الصمت خلفه لا تود التدخل في حديثهم :
_ ويا ترى ما هي تلك الحدود ؟؟ المرأة خلفك ؟؟
صمت حين أبصر نظرات أرسلان والذي حدق به ثواني قبل أن يستدير صوب سلمى بهدوء يردد بصوت خافت :
- استأذنك هناك بعض الأحاديث الجانبية التي عليّ مناقشتها مع أنمار بشكل ضروري .
اشتعل غضب أنمار وازداد صوت تنفسه ولم يكد يتحدث كلمة حتى تجاهله أرسلان، ينظر صوب سلمى مشيرًا لها بعينه أن تتحرك :
_ إذا سمحتي اذهبي حيث النساء جلالتك وحينما انتهي لنا حديث طويل .
ختم كلماته وكأنه يتوعد لها، وفي الحقيقة هو لم يكن فهو يدرك أن لا ذنب لها بقذارة أنمار الذي كادت يده تترك أثرًا على خصرها على ذكر الأمر ضغط على يده أكثر وبغضب أكبر، ثم دفعه أمامه وهو يردد :
- هيا تعال معي قبل أن أفقد المتبقي من صبري .
استدار مع نهاية حديثه ونظر صوب سلمى، ثم أشار لها بعيونه أن تتحرك محذرًا، بينما هي ابتسمت لها بسمة مستفزة، ومن ثم لوحت له بشكل جعل ملامحه تزداد غضبًا زافرًا بضيق شديد وهو ينظر أمامه هامسًا بصوت منخفض :
- صبرًا حتى ينتهي كل هذا يا امرأة .....
كان يتحرك مع أنمار في الممر حتى انحرف في طريقه صوب القاعة الخاصة بالرجال وحينما تأكد أنه اختفى عن الأنظار مع أنمار، حتى دفع جسد الأخير بقوة ضاربًا ظهره في الجدار خلفه يضع ذراعه أمام رقبته يكاد يخنقه .
مال عليه أرسلان يهمس له بصوت منخفض وملامح سوداوية وهو يحدق في عيونه وكأنه يوصل لها رسائل غير قابلة للنقاش .
_ ملكة مشكى ..... المرأة التي كانت تقف خلفي هي ملكة مشكى والتي ستحترمها رغم أنفك، زوجتي ليست مجرد حدود يا هذا، بل هي رأسك التي سأدحرجها أسفل أقدامي إن تجرأت على تعديكِ حرمتها، والنظر لها نظرة لا تعجبني، أو لنقل النظر لها بشكل عام، شيئان لا تمزح بهما معي أو تقترب منهما كي لا اتناسى آدميتي واعاملك معاملة تستحقها، بلادي وامرأتي، اعتقد أن كلماتي تبدو واضحة لك صحيح.... أنمار؟؟
كان مع كل كلمة يزيد من الضغط على رقبة أنمار، والاخير يعيش معاناة خالصة وهو يحاول الفكاك من بين قبضته، تنفس أنمار بصوت مرتفع وهو يبعد عنه يد أرسلان بصعوبة واخيرًا، ثم هتف من بين أنفاسه اللاهثة :
- ومتى تعديت حدودي أرسلان، أنت حقًا تبالغ، كل ما في الأمر أنها كادت تسقط وكانت تلك رد فعل طبيعية مني و....
اصمته أرسلان وهو يشير له بإصبعه:
_ الملك أرسلان بيجان، ما كان لي أن تتساوى مكانتي بخاصتك أنمار، لذا احفظ الألقاب بيننا، نحن لسنا رفاق لتنادي اسمي مجردًا .
اشتعلت عيون أنمار ولم يكد يتحدث حتى ابتعد عنه أرسلان، ثم أشار له بعيونه على قاعة الاجتماعات:
- ألحق بي لننتهي من كل هذا .
ومن بعد هذه الكلمات اختفى جسد أرسلان وعيون أنمار تلحق به بشكل غامض غريب، قبل أن يعدل من وضعية ثيابه ويلحق به بخطوات هادئة لا تشي بشيء ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إلى أين فاطمة ؟!
توقفت عن التحرك وهي تحمل طبق حلوى صنعته صباح اليوم خصيصًا لأجل المعتصم بالله، ابتسمت بسمة صغيرة وهي تنظر صوب والدتها تفكر في حجة تخرج بها، وقبل التحدث أبصرت والدتها ترتدي ثياب غير تلك المعتادة داخل المنزل :
_ هل أنتِ على وشك الخروج ؟؟
هزت والدتها رأسها وهي تتحرك صوب الحذاء الخاص بها ترتديه، ثم رفعت عيونها لابنتها، تتحرك صوبها تعدل من وضعية حجابها تخفي خصلاتها داخله، ثم تحركت واحضرت محرمة وأخذت تمسح لها وجهها :
- نعم، ذاهبة في زيارة لإحدى النساء هنا، لن اتأخر سأعود بعد ساعة أو اثنتين، صحيح أين تذهبين لم تخبريني ؟!
ابتسمت فاطمة بسمة صغيرة، ثم همست وهي تبعد عيونها عن والدتها :
_ إلى العمل مع الخالة ألطاف، ألم تخبريني أنكِ وافقتي على عملي معها في القصر ؟؟
حملت والدتها المفتاح وهي تتحرك مع ابنتها خارج المنزل تتنهد بتعب شديد :
_ يا ابنتي لا يهون عليّ تعبك وما تفعلينه ؟؟ أخبرتك أنني أنا من سيذهب للعمل .
_ لا أمي، أنتِ مريضة ولا تقدرين على شقاء العمل، ثم لا تقلقي أنا اعتني بنفسي جيدًا، فقط كوني بخير واصنعي لنا طعامًا جيدًا، كله يهون لأعود إلى المنزل أجدك في انتظاري مع أبي وأخي وطعام ساخن لذيذ .
توقفت أقدام تولاي " والدة فاطمة " عن الحركة تحدق في ملامح ابنتها وقد شعرت أنها تخسرها شيئًا فشيء، الفتاة ما يزال عقلها سجين لحظة خروج والدها وشقيقها للصلاة قبل حريق المنزل .
تنهدت بصوت مرتفع وهي لا تدري كيف تساعدها لتخطي كل ذلك، تشعر بالعجز، هل هناك أدوية أو اعشاب تجعلها تتخطى كل ذلك ؟
_ أمي ؟؟ أنا أتحدث معكِ وأنتِ لا تجيبين .
رفعت والدتها عيونها لها، ابتلعت لها ريقها تحاول الحديث قبل أن تبصر ألطاف تقترب منهم وهي تتحدث ببسمة واسعة :
_ هيا يا ابنتي، هل أنتِ جاهزة للذهاب ؟؟؟؟؟
هزت فاطمة رأسها تودع والدتها بسرعة وهي تضم طبق الحلوى لصدرها متحركة مع ألطاف التي كانت تراقبها بحنان شديد وتسير معها صوب القصر تدعو لها بالرزق والسعادة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن يا المعتصم ..
رفع المعتصم عيونه بسرعة ينظر صوب سالار مرددًا باحترام شديد ولهفة :
_ أوامرك يا قائد؟؟
ابتسم له سالار يربت على كتفه بحنان :
_ أي قائد يا المعتصم، أنت الآن قائد كذلك، لا تنس مكانتك، أنت الآن قائد جيوش مشكى .
_ معاذ الله أن أكبر عليك يا قائد، ستظل قائدي لنهاية العمر .
ابتسم له سالار بامتنان لكلماته، يهز رأسه له :
_ اتشرف بك تلميذًا يا المعتصم، أخبرني كيف تسير الحياة هنا مع أرسلان ؟؟
هز المعتصم رأسه بهدوء ولم ينتبه لأرسلان الذي دخل المكان كالعاصفة، إذ كان ظهره جهة باب الدخول ..
توقفت أقدام أرسلان ببطء حين سمع جملة سالار، والذي أضاف بعد جملته الأولى بخبث حينما أبصر وصول أرسلان :
_ اعلم أنني أثقلت عليك بالكثير حين ألقيت بك في مشكى مع أرسلان، أعانك الله على الحياة معه يا بني .
نظر له المعتصم ثواني قبل أن ينفي برأسه يتحدث بجدية كبيرة ونبرة صادقة وإخلاص كبير لملكه :
_ سيظل ما فعلته معي دين في رقبتي لنهاية حياتي يا قائد، فأنت لم تمنحني مكانة يطمح لها الكثيرون فقط، بل منحتني حياة جديدة ابني بها ذاتي، أما فيما يخص الملك أرسلان، فرفقته أفضل ما رزقني الله به في حياتي، فالله يشهد أنه لم يقصر يومًا معي أو يقلل من شأني أو حتى دفعني للندم ثانية، بل عاملني كما لو أنني عشت طوال عمري بهذا المنصب واستحققته ..
_ وأنت كذلك يا المعتصم، من سواك يستحق أن يكون قائدًا لجيوشي ؟؟ والله لا امنحن مكانتك لسواك ولا يستحقها غيرك .
كان أرسلان يتحدث بجدية كبيرة وملامح حانقة وهو ينظر صوب سالار يردد بدفاع عن المعتصم وكأنه أب أزعج البعض صغاره :
- مالك والمعتصم سالار ؟؟ دع قائد جيوشي وشأنه.
ابتسم له سالار يردد باستفزاز :
_ في الحقيقة كنت افكر في إرسال أحد رجال الجيش ذوي الخبرة لمساعدتك واستعادة المعتصم لجيش سفيد .
تشنجت ملامح أرسلان يضرب الطاولة بقوة وهو يهتف في وجه سالار :
_ وهل ترى الأمر لعبة ؟؟ تمازحني أنت ؟؟ هذا قائد جيوشي وليس سلاح اعيرك إياه.
_ المعتصم من تلاميــــ
_ المعتصم من مشكى، تسير به دماء مشكى وسيظل في مشكى حتى تفنى روحه، ولا تطيل الحديث في الأمر، كي لا ينتهي بيننا الأمر بتحطيم ما تبقى من قصري على رؤوس من به سالار .
اتسعت بسمة سالار وبشدة وقد أبصر بعيونه نجاح ما سعى له، لتدب الراحة في صدره، ولم يكد يتحدث حتى وجد الجميع أنمار يدخل للقاعة بهدوء شديد وهو يهتف بنبرة جادة وبسمة صغيرة :
_ مرحبًا بالجميع، عساكم في أفضل حال .
سحب أرسلان مقعده، ثم جلس عليه بكل هدوء، يجيب ببسمة واسعة وهو يستند بيديه على الطاولة أمامه:
_ والله كنا قبل أن تأتي أنت، هيا اجلس هنا.
ختم حديثه يشير صوب مقعد يقع في نهاية الطاولة وكأنه ينفي أنمار بعيدًا عنهم.
ابتسم سالار يعود بظهره للخلف يعجبه ما يرى مرددًا جوار إيفان:
_ كان أرسلان سيموت إن لم يجبه بحديث لاذع .
هز إيفان رأسه يبتسم بسمة جانبية ساخرة :
- دعه يخرج ما يعتمر بصدره أفضل للجميع كي لا ينفجر بنا .
تحدث آزار وهو يضرب على الطاولة يفتتح الحديث فيما حدث :
_ دعكم من الأحاديث الجانبية ولننتهي فيما جئنا لأجله، الهجمات والضربات الأخيرة التي سقطت أعلى رؤوس الجميع تهدد أمن الممالك ولا أعتقد أن ما حدث أمر يمكن تجاوزه .
استمع له الجميع بانصات قبل أن ينهض ازار من مكانه يدور حول مقعد، ثم اخرج من حقيبته التي يضعها خلف مقعده خارطة كبيرة ألقاها أمام الجميع يشير صوب نقطة تقع في منتصفها :
_ مقر الهجمات كان بالتحديد في الأطراف الشمالية من آبى، أي على بعد بعض الكيلومترات من حدودنا مع الغابة الشمالية التي تفصل مملكتي عن مملكة سبز، لقد جاءت الهجمات من جهة سبز .
ضاقت عيون إيفان وهو يتحدث بنبرة عادية يحاول تخمين ما يحدث :
_ هل يعقل أن تكون سبز مقرهم الحالي؟
انتفض أنمار من كلمات إيفان ينفي بسرعة ما يرمي إليه الأخير :
_ غير صحيح، سبز مملكة لا يخطوها فاسق مثل هؤلاء .
اتسعت بسمة أرسلان وفتح فمه ليتحدث، ولم يتمكن من كبت كلماته :
_ عجبًا لايخطوها فاسق، ويحكمها فاسق، ذلك الكاذب الفاسـ...
لكن المعتصم تدارك الأمر وهو يمسك يده يهمس له برجاء يقطع كلماته وبسرعة كبيرة :
_ أرجوك لا، أتوسل إليك لا تكمل كلمتك لنمرر الاجتماع على خير .
التوى ثغر أرسلان يضرب الطاولة وهو ينفخ بضيق شديد :
_ لا أحد هنا يتهمك يا أنمار، نحن هنا للبحث عن رأس الأفعى وقطعها .
ختم حديثه وهو يسحب سيفه يلقي به بعنف على الطاولة بشكل غير متوقع لأنمار الذي انتفض للخلف ليرفع أرسلان حاجبه مبتسمًا بسمة جانبية هاتفًا :
_ إذن دعونا نتحدث في خطة لما يحدث معنا يا سادة ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن ما الذي تطالبني به الآن وليد، أنا لا افهم ما تقصده ؟!
دفع الوليد بعض الطعام أمام نزار وهو يربت على كتفه ببسمة يتحدث له بنبرة ودودة هادئة، فلطالما كان نزار من أكثر الأشخاص المقربين له :
_ فقط تناول طعامك وبعدها نكمل حديثنا .
دفع نزار الطعام بعيدًا عنه، ثم رفع عيونه للوليد مجددًا :
_ اعذرني فأنا لا يمكنني تناول شيء طالما هناك ما يشغلني، لذا هلا نختصر كل هذا وتخبرني ما قصدته بحاجتك لمهارتي ؟؟
رمقه الوليد ثواني بعيون ضبابية غامضة قبل أن يخرج تنهيدة مرتفعة أتبعها بكلمات جمدت الدماء بعروق نزار :
_ نريد منك صنع سم قوي المفعول ..
اشتدت ملامح نزار يحاول معرفة ما المزيد :
_ سم قوي المفعول ؟؟ لماذا ؟؟ هل هناك حيوانات شرسة تـ
قاطعه الوليد وهو يخبره بصوت منخفض :
_ لأجل الحرب القادمة .
_ لأجل الحرب القادمة؟ وما دخل السموم بالحروب يا الوليد ؟؟ ما الذي تقصده أنت، حديثك غامض لا أفهم منه شيئًا ..
_ لا يمكنني التوضيح أكثر نزار، هل ستساعدنا أم ماذا ؟؟
نظر له نزار طويلًا قبل أن ينهض ينظر له من علياه وصدره يعلو ويهبط بغضب :
_ ماذا .
نطق كلمته وهو يتحرك خارج المكان دون إضافة لولا يد الوليد الذي امسك به يوقفه عن التحرك، يزفر بصوت مرتفع :
_ نزار فقط لا تتسرع، أنا أخرجتك من ورطتك وخاطرت برجالنا لأجل تحريرك بعدما تعهدت للقادة هنا أنك ستكون ذو قيمة لنا في هذه الحرب .
ابعد نزار يده عنه يهتف بجدية وهو يحدق بعيونه وكأنه يتحداه :
_ وأنا لست بيدقًا يحركه قادتك دون معرفة ما يحدث حولي، سألتني صنع سم وسألتك السبب، حين تخبرني السبب سأفكر في مساعدتكم .
أنهى حديثه يتحرك خارج المكان دون الالتفات للوليد والذي صاح بنفاذ صبر :
_ نزار أنت لا تدرك ما تفعله، لا يمكنك تحديهم سوف يؤذونك، هم سيحصلون منك على هذا السم بأي طريقة كانت فلا تجبرهم أن تكون بطريقة لن تعجبك .
لكن نزار كان قد غادر بالفعل دون اهتمام، يشعر بالاختناق وكأن هناك صخرة تقبع أعلى صدره، ولم يشعر بنفسه سوى وهو متوقف أمام منزله، أو منزلها لا يدري حقًا لمن المكان فهو لا يطأه سوى مرات قليلة، المرات التي يشعر فيها بحاجة ملحة لمجالسة شخص نقي، المرات التي يشعر فيها بحاجته لتنفس هواء غير ملوث بالمعاصي، كهذه المرة .
توقف يتنفس بصوت مرتفع ولا يدري بأي حجة يطرق عليها الباب، لكنه فعل بالفعل وطرقه ..
ثواني ولم يصل له رد كعادته فلحق طرقته الاولى بالثانية ومن ثم الثالثة ومن بعدها دخل يخفض رأسه يبحث عن حجة للنطق بها .
_ مرحبًا هل تودين تناول الطعام الآن أم تنتظرين لبعد الصلاة ؟؟
لم تصل له إجابة وكان متوقعًا في الحقيقة، لكن الغير متوقع هو سماعه لصوت شهقات مكبوتة يصدر من أحد أركان الغرفة .
رفع رأسه بسرعة يبحث عنها حتى ابصرها تخفض رأسها بين قدميها وجسدها ينتفض بشكل غريب .
ضيق ما بين حاجبيه لا يفهم الخطب يتقدم منها خطوات قليلة مرددًا بصوت خافت :
_ سمو الأميرة؟ أنتِ بخير ؟؟
ولا رد ....
مجددًا ناداها .
ومجددًا نفس الصمت منها .
هنا وازداد رعبه وهو يقترب منها يجلس على عقبيه بالقرب من جسدها مع تركه مسافة مناسبة بينهما، يميل برأسه وكأنه يحاول الوصول لوجهها :
_ توبة ؟!
ارتفعت شهقات توبة أكثر وأكثر حتى بدأ صوت الشهقات يصدح في المكان، واخيرًا رفعت توبة وجهها ببطء له ليبصرها نزار الذي بدأت عيونه تتسع بشكل جنوني وهو يبصر خيط من الدماء جوار فمها وعلامات أصابع غليظة يزين وجهها، شعر بصدره ينتفض كحدة انتفاضات جسدها .
_ دعني وحدي رجاءً..
ختمت حديثها وقد بدأ بكاؤها يزداد أكثر وأكثر، ليشعر نزار بالجحيم يشتعل داخل صدره، يحاول إيجاد كلمات للتحدث بها، لكن لثواني عجز عن ذلك .
واخيرًا وبعد دقائق نطق بما أحرق صدره :
_ من ؟؟
نظرت له توبة بندم فهم ليكرر نزار كلماته بصوت غاضب رغم أنه كان منخفضًا :
_ من فعل بكِ هذا ؟؟
فجأة انفجرت توبة في البكاء وكأن والدها يسألها من ضربها من الفتية، تردد دون شعور من بين بكائها :
_ لا اعلم....لا اعلم رجل ضخم اشقر ذو لحية ضخمة وهناك .....هناك جرح غائر جوار عيونه .
وكان هذا الوصف كافيًا لنزار الذي تركها وتحرك بعيدًا عنها متوعدًا، وقد اشتد غضبه أضعاف مضاعفة، المرأة التي تعهد أمام الله ونفسه أن يساعدها حتى يخرجها من هذا المستنقع تُهان وتُضرب بهذا الشكل وقد اعتبرها هو مسؤوليته، خرج لا يبصر أمامه إلا السواد يبحث بعيونه بين الرجال عن رجل بنفس المواصفات التي ذكرتها واستمر بحثه دقائق حتى أبصره يجلس مع بعض الرجال، وقبل أن يستوعب المحيطين به ما يحدث كان جسد الرجل يسقط بينهم وجسد نزار يعلوه وقد انقض يضرب وجهه ضربات متتالية يفرغ به غضبه، ولم يستطع أحد أبعاده عن الرجل ..
ليركض أحد الرجال بسرعة كبيرة صوب الوليد وكل مرة استطاع نطقه هو :
_ الرجل الذي احضرته يكاد يقتل زهير في الخارج ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أخي لن يعجبه ما نفعل الآن صدقوني قد يحيل المملكة لرماد فوق رؤوسنا جميعًا ...
كانت تلك الجملة خارجة من فم كهرمان التي لا تدرك كيف طاوعها عقلها لتجاوز أوامر شقيقها بالخروج من القصر دون حراس، أو حتى كيف وافقت على الخروج دون إعلام زوجها الذي كان مشغولًا بالمناسبة مع زوجها في اجتماعًا مهمًا لا تشعر أنه سينتهي قبل غروب الشمس وقد وصل لهم اصوات صاخبة خارجة من القاعة وقد بدا الأمر، كما لو أن الرجال في الداخل يتقاتلون .
وتبارك التي كانت قد اختبرت ما يحدث سابقًا كانت تدرك أن الأمر سينتهي بإيجاد سالار لها في ورطة يجرها جرًا صوب الغرفة، ومن ثم يستمر في الصراخ لدقائق قبل أن يهدأ ويبدأ السؤال عن حالتها، لذا قالت بهدوء:
_ حسنًا لست قلقة في الحقيقة فشقيقك لن يتوجه لي بكلمة .
صمتت تكمل بهمس لذاتها :
_ سالار هيقوم بالواجب وهيوجه ليا كلمات .
نفخت سلمى بلا اهتمام وهي تتحرك معهم تتفقد أسواق المدينة حولها باهتمام :
_ من الأساس شقيقك يفعل ذلك في اليوم العادي دون سبب، لذا لا ريب من إعطاءه سبب مقنع للأمر.
ختمت حديثها وهي تنظر لموزي الذي يعلو كتفها بكل هدوء ولطف :
_ صحيح موزي ؟؟
أصدر موزي صوتًا مستمتعًا بما يرى حوله وقد أغرته كل هذه الأشياء والفواكه حوله ولولا تحذيرات سلمى له كل ثانية بعيونها لكان عاث فسادًا في المكان بأكمله .
همست تبارك لكهرمان بصوت خافت :
_ تستطيع التحدث لغة القرود .
أطلقت سلمى ضحكة شبه مرتفعة جعلت أعين تبارك تتسع، بينما كهرمان ابتسمت تردد :
_ احترسي حين الهمس تبارك، فيبدو أن عزيزتنا سلمى تمتلك حاسة سمع أخي .
نظرت لها سلمى بحنق لتهز كهرمان كتفها مبتسمة :
_ هذه حقيقة، أخي يمتلك حاسة سمع حادة مرعبة .
بدأت تتلمس الأقمشة وهي تردد بنبرة عادية :
_ ربما لتدريبات ابي المكثفة له في طفولته، كان يتدرب أيامًا طويلة دون الرؤية يعتمد فقط على سمعه، وعليه صد الضربات الموجهة له وإلا ليتحمل وجعها .
ارتعش جسد تبارك تتذكر ذلك النوع من التدريبات الذي كانت تفشل به فشلًا ذريعًا حتى هذه اللحظة، بينما سلمى لم تكن متعجبة مما تسمع، أولم تطلع بالفعل على طفولة أرسلان القاسية، والده كان يتعامل معه معاملة الجندي في ساحة الحرب، لا تتذكر أن الرجل تلقى لحظة حنان واحدة طوال سطور الكتاب وصفحاته التي تتخطى الخمسة الآلاف صفحة .
ورغم كل ذلك هي كانت تدرك وبكل سهولة أي نوع من الشخصيات هو أرسلان وكيف تتعامل معه .
_ شقيقك ليس مسكين كهرمان ...
ابتسمت كهرمان وهي تمسك طرف فستان من تلك الاثواب التقليدية عندهم تردد :
_ لا ليس كذلك ولا أنصحك بوصفه هذا الوصف أمام عيونه فسيكون رده عليكِ واحدًا ولا أنصحك بسماعه .
_ خسئتِ أنتِ واشباهك الاربعون .
استدارت لها كهرمان بصدمة تتساءل بعيونها عن معرفتها للجملة، وكأنها لا تدرك أن أخيها يسير بين الجميع موزعًا إياها عليهم .
اقتربت سلمى من الثوب تتحسه ببسمة جانبية دون إجابة الأسئلة التي تطرحها عيون كهرمان، تتلمس الثوب بإعجاب شديد فقد كان اسود مع بعض النقوش الفضية اللامعة على الأطراف .
نظرت له ثواني قبل أن تهمس بنبرة مريبة :
_ اعجبني هذا الثوب سأبتاعه لأجل زفافي من شقيقك .
اتسعت أعين كهرمان أكثر وكذلك تبارك التي حدقت في سلمى بعدم فهم، هل أعلنت للتو موافقتها الصريحة على زواجها من أرسلان أم ماذا ؟؟
وسلمى لم تهتم بشرح شيء فقط أشارت للرجل أن يضعه في حقيبة، ثم أخرجت بعض النقود التي تحملها في جيب بنطالها لتستوعب فجأة أنها تحمل عملة بلدها المحلية .
ويبدو أن كهرمان أدركت الأمر لتتدخل بسرعة تقول بلطف شديد :
_ إذن اسمحي أن يكون الثوب هدية مني لكِ عزيزتي، فأنا شقيقة زوجك في النهاية .
ختمت حديثها بنبرة خبث قابلتها سلمى بنفس مقدار الخبث الذي يملئ شخصيتها الثانية، بينما تبارك تنظر لهما بخوف وقد شعرت فجأة بالريبة منهما تتراجع للخلف ...
وعلى بعد صغير في نفس السوق كان البعض يندمج بالشعب يلقي كلمات هنا وهناك، البعض يتحدث عن أوضاع المملكة والبعض الآخر يردد كلمات منتقاة بعناية ويبدو أن حرب النفوس بدأت بالفعل .
إذ وصلت لمسامع الفتيات بعض الكلمات المترامية من رجل وامرأة جوارهما وهما يتحدثان بصوت شبه مسموع :
_ والله ما أعلمه هو أنه إن لم يكن على قدر منصبه فليدعه لشخص يستحقه، وراثة العرش هي ما اوصلتنا لما نحن عليه .
_ ما الذي تتحدثين به أنتِ، بعد كل ما فعله وما يفعله لأجلنا ؟؟ أنتِ يا امرأة ناكرة للجميل .
تدخل رجل آخر وكأنه جاء نجدة للمرأة التي شعرت بالعجز عن الرد :
- فعل ماذا هذا واجبه وأكثر، انظر أين كنا وكيف اصبحنا ؟؟ نحن نحتاج لملك قوي يحكمنا يستطيع أن ينهض بالبلاد .
توقفت يد كهرمان عما تفعل وهي تنظر صوب السيدة والرجل بنظرات متعجبة وعقلها يحاول إنكار ما وصل له من كلمات مترامية بالطبع هذه الكلمات ليست على أخيها.
وتبارك تتابع ما يحدث لا تفهم شيئًا، لكن كل ما تدركه أن أرسلان الذي سمعت عنه من إيفان سابقًا وسالار لاحقًا لم يكن بأي شكل من الأشكال نفسه الرجل الذي يتحدثون عنه .
بينما كانت سلمى تتابع بأعين حادة ما يحدث وقد ابتعدت عيونها عن وجه السيدة تدور في الوجوه حولها وقد بدأت تدرس ردات فعل أجسادهم التي بدأت تتحفز وكأن عقولهم وجدت أخيرًا شيء تلقي بعجزهم عليه ..
كانت نظرات سريعة استطاعت سلمى أن تدرس بها ما يدور حولها، كل النظرات كانت واحدة نظرات، عدا القليل فقط من النظرات التي استطاعت تمييزها من بين الجميع .
رفعت حاجبها وهي تعود بنظرها صوب الرجل الذي كان يتحدث بكل تبجح يساند المرأة فيما تقول بكل جوارحه :
_ أنتم فقط عصبة من الجبناء يخدعكم ببعض الفتات الذي يلقيه لكم والقليل من الرعاية التي يوفرها، البلاد تحتاج لقائد حقيقي في غمضة عين ينهض بها و.....
_ مثلك .
توقف الرجل عن التحدث فجأة حين سمع تلك الكلمة التي اخترقت الأجواء بشكل حاد جاعلة جميع الأعين تتحول صوبها، امرأة بثوب غريب ومعطف اسود تغطي به رأسها تحمل على كتفها قرد يرمق الجميع بضيق وكأن ما يحدث لا يرضيه ..
ابتسمت سلمى بسمة واسعة وهي تقترب خطوات قليلة تحت أعين الرجل المتعجبة حتى توقفت على بعد صغير منه تتحدث معه بنبرة خرجت جادة مؤيدة حتى شعرت كهرمان أنها توافقهم الأمر.
_ معك حق، هذه البلاد بالفعل تحتاج لمن ينهض بها في غمضة عين، لذا إذا كنت تعلم ما عليك فعله لماذا لا ننصبك ملكًا علينا ؟؟
توتر الرجل تحت نظرات سلمى التي تكاد تثقب روحه وهي تتحدث له بصوت مسموع :
_ اغمض عيونك وتخيل معي للحظة أنك الملك هنا، أنت ملكنا والكلمة الأولى والأخيرة لك في في هذه اللحظة، ما رأيك ؟!
نظرت للجميع تنتظر منهم تأييدًا ثم أكملت :
_ والآن معك من الوقت مقدار غمضة عين هيا اصلح لي الخراب المحيط بنا جلالة الملك .
اتسعت عين الرجل وتوتر من نظرات سلمى التي كانت وكأنها تخبره بعيونها أنها تدرك ما يفعل وأي غرض جاء به، توتر جسده واهتز بشكل واضح لسلمى التي ارتسمت بسمة على جنب فمها وهي تطقطق إصبعين تهتف ببسمة :
_ انتهت مهلتك كملك ولم تقدم لنا سوى صمتًا، أي نوع من الملوك أنت مولاي ؟؟ عار عليك .
رفعت عيونها صوب الجميع تمر بعيونها عليهم قبل أن تتوقف على بعضهم، عدد معين من الأشخاص فقط من اطالت النظر بهم حتى توتروا وبشدة وقد شعروا للحظة أنها كشفت هويتهم .
لكن كل ما في الأمر أن سلمى فقط التقطت نظرات أعينهم وحركات أجسادهم وردات فعلهم المتباينة عمن يحيط بهم، فتعجبتها ليس إلا .
استقامت تسجل وجوههم في عقلها، ثم قالت رغم جهلها لطريقة حكم أرسلان الفعلية، لكنها تدرك أي نوع من الأشخاص هو، وبأي شكل من الأشكال يحكم، وتحت أي ظرف هو ليس ذلك المتخاذل الذي يتحدثون عنه :
_ من العار أن تتجمعوا وتعقدوا احاديثًا كهذه في حين أن الملك لا ينام ليلته فقط ليؤمن لكم صباح هادئ، تتحدثون وكأنه يحكم البلاد منذ يومين ولا تعلمون عنه شيئًا، على حد علمي فقد حكمكم منذ سنوات طويلة ولم اسمع شكوى واحدة في سنوات الرغد، عجبًا برزت لكم ألسنة في السنوات العجاف ؟؟ اخجلوا من أنفسكم .
ختمت حديثها تستدير صوب البائع تحمل منه حقيبة ثوبها، ثم أشارت صوب تبارك المصدومة مما فعلت وكهرمان السعيدة بما سمعت وقد كانت على وشك الرد، لكن رد سلمى اصمتهم واصمتها وانجدهم من لسانها .
تحركت مع سلمى وهي تردد في نفسها بسعادة :
- يبدو أن اخي احسن الاختيار ووجد توأمًا له بشكل حرفي، فأنتِ تمتلكين نفس اللسان تقريبًا.
رددت تبارك في أعقابهم :
_ مرحى لمشكى حصلت على ملك وملكة مرعبين ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضرب إيفان الطاولة بغضب شديد وقد استطاع أن يثير هذا الحوار سخطه وغضبه واخيرًا، شيء استطاع استخراج جنون إيفان من داخله .
وكم كان هذا مشهدًا ممتعًا لأعين أرسلان الذي عاد بظهره للخلف يترك ضفة القيادة لإيفان الذي صاح بجنون في وجه أنمار :
_ نفـــــعــــل مـــــــاذا ؟؟ هـــل جننـــت ؟؟
تنهد أنمار بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه وقد سأم من كل هذا، فهو منذ اشتد الحوار وهو يتلقى غضب آزار تارة، وجنون أرسلان تارة، والآن عليه التعامل مع سخط إيفان، كان يعلم أن اقتراحه لن يلقى صداه لديهم، لكنها كانت محاولة أخيرة قبل فعل ما خطط له .
_ فقط أهدأ رجاءً ظننتك ستكون الوحيد العاقل بينهم وقد اتضح أن سالار هو افضلكم في هذا الأمر.
هز سالار رأسه بكل هدوء يردد بنبرة عادية ليس وكأنه ينبس بتهديد أو ما شابه :
_ لا أنا فقط لا أحب أن أفزع زوجتي بمظهر الدماء التي تلتصق بثيابي، أنت تدرك كم هو صعب استخراجها من نسيج الثياب صحيح ؟!
نظر له أنمار وهو يفكر في كلمات سالار وقبل أن يجد ردًا سمع ضربة آزار على الطاولة وهو يهتف بصوت حاد :
_ ما تدعونا له الآن إن لم تحمله وتخرج من هنا سأحرص على حجز فراش لك في الغرفة المجاورة لبارق واستولى أنا على بلاده واضمها لآبى لحين يستيقظ .
تحركت أعين أنمار بفزع صوب آزار يرفض ما يسمع :
_ أنت لن تجرأ على ذلك .
_ جربني .
مسح إيفان وجهه يحاول الهدوء وهو ينظر لعيون أنمار :
_ دعونا لا نتسرع يا رجال ربما فهمنا مقصده بشكل خاطئ، بالطبع أنمار لا يقصد بحديثه أن نعقد معاهدة سلام مع هؤلاء الكفار ونعترف بهم مملكة خامسة ونمنحهم جزء من كل مملكة لنعطيهم حقهم كبشر بيننا، بالطبع لا يقصد ذلك .
نظر له أنمار وهو يحاول إخراج كلمات تكون لها أقل تأثير عليهم، وحتى الآن لم يرى بعد ردة فعل أرسلان والذي كان على عكس المتوقع أقلهم حدة في ردة فعله .
_ فقط لنفكر في الأمر، اعتقد أن طريق الحروب سيعود علينا بخسائر كثيرة وعلى الشعوب اختيار السلام هو اسلم الحلول معهم .
ختم حديثه يدور بين الجميع بعيونه ينتظر منهم ردًا وقد الجمهم بعرضه، أنمار يحاول لعب دور حمامة سلام الآن ودفعهم للاعتراف بالمتمردين وإقامة مملكة لهم داخل ممالكهم .
توقفت عيون أنمار على أرسلان وكأنه ينتظر منه ردًا على حديثه، لكن كل ما فعله أرسلان هو أنه مال بنصف جسده العلوي صوب حذائه لينتفض جسد أنمار بسرعة للخلف متحركًا عن مقعده بشكل أثار انتباه الجميع له .
أما عن أرسلان فهو فقط عدّل من وضعية حذائه بهدوء، ثم اعتدل بنصف جسده ينظر للجميع ببسمة، ثم أشار لأنمار أن يجلس :
- اجلس عزيزي، لا تخف لا انتوي تلويث حذاء آخر لي .
صمت أرسلان ثانية، ثم نهض عن مقعده يتحرك صوب أنمار يردد بهدوء :
_ أو لا تتعب نفسك بالجلوس فأنت ستغادر على أية حال، هيا خارج بلادي يا حثالة .
ومن بعد تلك الكلمات امسك أنمار من ثيابه بإهانة كبيرة يجره معه صوب خارج القاعة بقوة مرعبة وتحرك به يهبط الدرج بشكل كاد يسقط أنمار مرات عديدة، والاخير فقط يهدد ويحذر بشكل مستميت .
حتى وصل أرسلان لبوابة القصر ودفع بأنمار صوب البوابة يهتف بصوت جهوري :
- حراس .... اخرجوا هذا الحثالة من القصر والبلاد بأكملها كي لا يدنس رمالها، القوه خارجًا ولا تسمحوا له بأن يطأها مجددًا.
نظر له أنمار نظرات مميتة وقد بدأ كل الغضب في صدره يتجمع حول أرسلان تحديدًا :
- ستندم على هذا أرسلان ...
ارتج القصر بصوت أرسلان المرتفع والذي هدر بنبرة مرعبة جعلت المعتصم يتمسك بسور القصر وهو يتابع بأعين متسعة وقد ركض بسرعة كي يتحكم في أرسلان إذا ما تجاوز غضبه حدود العقل :
_ خســــئت وخســـئ قولك وعملك أيها الخسيس، ما كان لي أن أندم على شيء الله وكيلي به، الندم هذا سأسقيه لك كاسات إن لم تغادر قصري في هذه اللحظة، تبغونها عوجًا أنت وجماعتك بدل أن تصلحوا في الأرض، مصيركم اكفان على يدي ...
ومن بعد كلماته لم يبصر أحدهم جسد أنمار الذي امتطى حصانه وأخذ رجاله الذي كانوا ينتظرونه على بوابة القصر مع باقي حراس الملوك، وقد كان قائد جيوش سبز معه، يتبعه بحصانه مبتسمًا بتشفي واضح، وقبل اغلاق بوابات مشكى بشكل كامل استدار الرجل يلقي بتحية لأرسلان وكأنه يشكر صنيعه .
بينما أرسلان فقط يقف أمام البوابة يتنفس بصوت مرتفع لولا صوت المعتصم الذي همس له :
_ مولاي هل أنت بخير ؟؟
_ نعم، لكنهم لن يكونوا كذلك .
وبمجرد انتهاء جملته أبصر الابواب تُفتح من جديد ليعقد حاجبيه بترقب للقادم، فأبصر آخر من توقع أن يعبر تلك البوابة في هذه اللحظة .
زوجة سالار وشقيقته، وزوجته المستقبلية ويبدو أنهن حضروا بالفعل ما حدث منذ ثواني......
_ ما الذي يحدث هنا وأين كانوا ؟؟؟؟؟؟؟؟
ابتسمت كهرمان وهي تراقبهم تهمس :
_ حسنًا هذا لقاء لم أكن أتوقعه .
رفعت عيونها صوب الاعلى وكأنها تبحث عن أحدهم حتى استقرت على جسد إيفان الذي كان يراقبها بعدم فهم وهو يعقد حاجبيه يتساءل بصمت عما يحدث لتتسع بسمة كهرمان تتحرك بعيدًا عن الجميع تردد :
_ أنا أفضل ردة فعل زوجي أكثر في هذه اللحظة، لذا استأذنكم يا سادة .
خفضت رأسها في تحية صامتة ثم تحركت تاركة تبارك تنظر حولها كما التائهة لا تدرك ما يجب فعله، لتقرر في النهاية أن تتبعها مرددة :
_ اختار نفس الاختيار، بالاذن منكم .
رحلت تاركة سلمى تقف وحيدة في مرمى أعين أرسلان الذي ما تزال توابع الاشتعال ظاهرة على ملامح وقبضته المبيضة لشدة ضغطه عليها، حتى أن موزي ارتعب من نظراته ليقفز بسرعة من كتف سلمى يتحرك بعيدًا صوب الأشجار ويبدو أنه قرر أن يقضي المتبقى من عمره في البراري حيث لا تطاله يد أرسلان الباطشة والذي أصبح كابوسًا متحركًا للقرد المسكين .
_ حتى أنت يا موزي ؟!
رفعت عيونها ببطء صوب أرسلان الذي كان يبدو متحفزًا لتبتسم له تنظر حولها بعدم فهم :
_ أنت لا تنتظر ردًا مني صحيح ؟؟
وكانت إجابته على سؤالها سؤال آخر يلقيه على مسامعها :
_ هل خرجتي للعاصمة بمثل هذه الثياب وبمعطفي الخاص آنسة سلمى ؟؟؟؟
تحركت عيون سلمى صوب جسدها الذي يلتف في فستان ابيض بزهور وردية يغطي كامل جسدها وقد كانت حريصة على انتقائه للخروج، وعليه حذاء رياضي ابيض مريح، واخيرًا معطف أرسلان السحري الذي تسير به بين الجميع كما لو كان يساعدها في الاختفاء، رفعت عيونها ببطء صوبه تمنحه أكثر بسماتها لطفًا تردد بصوت هادئ رقيق :
_ اتمنى ألا تمتلك اعتراض على ذلك مولاي .
_ بلى افعل مولاتي، أفعل ونصف..
هزت كتفها بهدوء تتحرك للداخل :
_ إذن هذه مشكتلك جلالة الملك وليست خاصتي .
ابتسم لها أرسلان بسمة صغيرة جعلتها تتعجب الأمر، لكنها أكملت طريقها صوب الداخل، لكن فجأة توقفت حين أبصرت امرأة تتحرك صوبها بتحفز شديد وبسمة غريبة مرتسمة على فمها، توقفت جوار أرسلان تردد بنبرة لم تخطأها أذن سلمى :
_ مولاي الطعام جاهز لك ولضيوفك .
ولم ينظر لها أرسلان حتى أو يستدير فقط هز رأسه شاكرًا بصوت منخفض وقبل الرحيل تحدث بصوت هادئ للعاملة:
_ افضل في المرات القادمة أن تخبري أحد الحراس وهو سيأتي ليخبرني، وشكرًا مجددًا ...
رحلت الفتاة بهدوء بعدما هزت رأسها بطاعة، بينما سلمى تقف تنظر لظهره ثواني نظرات غامضة، ثم تحركت من المكان بأكمله وهو فقط تنفس بصوت مرتفع يتحدث للمعتصم جواره والذي كان يراقبه ما يحدث بصمت .
_ ابدأ بتحضيرات الزفاف يا المعتصم، فهذه اللعبة لن تستمر طويلًا ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس في ركنها المفضل داخل الغرفة تصل لها اصوات صرخات في الخارج وأصوات الرجال تعلو والنساء تولول كما لو أن حربًا اندلعت .
صوت صراخ نزار يصل لها واضحًا يلقي تهديدات ويرمي بكلمات قاسية على مسامع الجميع وأخيرًا صمت عم المكان إلا من بعض التمتمات..
سمعت صوت طرق على باب الغرفة ثلاث مرات لتدرك أنه هو فلا أحد في هذا المكان يمتلك لباقة كافية ليطرق الباب على امرأة عداه، ليثير بذلك تساؤلها حول هويته التي يخفيها أسفل قناعه .
دخل نزار المكان تاركًا الباب مفتوح خلفه، يتحرك بهدوء شديد صوبها، حتى احتفظ بمسافة مناسبة بينهم وجلس ارضًا على عقبيه ينظر لها دقائق طويلة بصمت قتله في النهاية بكلمات معدودة :
_ أنا آسف.
رفعت عيونها له بعدم فهم وقد بدا الجهل واضحًا على معالمه ليكمل دون أن ينتظر تعليقًا منها :
_ اعتذر على ما حدث، تعهدت بحمايتك لحين إخراجك من هنا، وفشلت في أول خطوة، لقد ....لقد كسرت له اليد التي امتدت لكِ، اعتذر منكِ .
سقطت دمعة من عيون توبة وهي تبعد وجهها عنه تحاول كبت بكاء ظنه هو وجعًا أو غضبًا، لكنه في الحقيقة كان قهرًا وحسرة أن كلمات المواساة وفزعة الرجولة لم تخرج من زوجها، بل من غريب ..
العجيب أن زوجها والذي من المفترض أن يلعب هذا الدور كان هو من ألقى بها من الأساس في هذه الحياة الغريبة عليها .
نظر لها نزار ولم يدر ما يجب قوله، لذا اعتمد الصمت لغة بينهما وجلس ارضًا أمامها يراقبها بهدوء، ثم ابعد عيونه عنها صوب النافذة يشرد منها وهو يفكر في القادم، المستقبل يزداد ظلامًا والحياة تضيق عليه، تنهد بصوت مرتفع ولم يكد يزفر شهيقه حتى سمع صوتها الخافت تتحدث بصوب ابح ربما لكثرة البكاء ..
_ لقد قتل طفلي ....
شعر نزار بعقله يتوقف عن العمل فجأة، وهو يستدير لها يحدق في عيونها منتظرًا أن تضحك أو على الأقل تفسر له تلك الجملة الغريبة .
لكن كل ما خرج منها هو كلمات قليلة مذبوحة :
_ سمعت البعض هنا يتحدثون عن الأمر، عن ولد أنمار المسكين الذي قُتل بسبب تجبر والده، لقد ...لقد أراده الانضمام لهم وحينما بكى الطفل للعودة إلي قُتل بضربة خاطئة من أحد الرجال، لقد ....لقد قتل طفلي، قتل طفلي الذي كادت روحي تخرج حين ولادته..... قتلوه .
الآن يدرك نزار سبب انفجارها ذلك اليوم في البكاء حين أشار لطفلها، راقبها بفم مفتوح بعض الشيء وأعين شاخصة ووجه شاحب، يحاول أن يبتلع الصدمة، ارتجف صدره وانتفض جسده من بشاعة التخيل، الطفل لا يعنيه ويشعر بجسده بأكمله ينتفض بغضب فما بالكم بوالدته .
دفنت وجهها بين قدميها وهي تهتف من بين صرخاتها المكبوتة داخل صدرها :
_ دمر عالمي ودمر حياتي، سمم والدي وقتل طفلي وألقى بي في مستنقعه، وأخذ بلادي لقد دمرنا بالكامل، لقد دمرنا ..
ابتلع نزار ريقه وهو لا يدري كيف يهون ما حدث عليها، فقط يغمض عيونه يستغفر ربه، ظن أنه يمتلك أكبر ابتلاء في هذه الحياة، ولا يعلم أن هناك من يمتلك ابتلاءً يفوق ابتلاءه، الله يختبرها بصبرها ومما رأى خلال الأيام السابقة فقد نجحت وبامتياز، أما عنه فالله اختبره بإيمانه والنتيجة ......
_ سأقتص لكِ .
رفعت توبة عيونها له ليهتف بصوت خافت خرج بصعوبة بسبب غصته التي يكتمها:
_ سأقتص لك منه أميرة توبة .
نظرت له توبة بعيون باكية حمراء وكأنها تسأله صدق وعده، وحين ابصرت نظراته هتفت بصوت خافت موجوع :
_ أنا أريد.... أريد أن انتقم منه بنفسه، لا أحد له حق الانتقام منه سواي أنا فقط ..
هز رأسه لها وقد أخذ عهدًا صامتًا على نفسه في هذه اللحظة أنه سيفعل المستحيل كي يحضره لها أسفل أقدامها تأخذ منه قصاصها كيفما شاءت .
أبعدت توبة عيونها عنه بهدوء شديد حينما تأكدت أنه وافق على ما قالت، أبعدت عيونها وشردت بعيدًا عنه وجسدها ما يزال يرتجف، وهو صمت يستمتع بالاجواء الهادئة في المكان عكس صخب الخارج، وربما كان هذا هو سببه جلوسه هنا رغم معرفته أنه لا يمكنه ذلك، يخشى الخروج والتلوث بمشهد يؤذيه أو أن يسمع كلمة سيئة في الخارج، يأبى ترك الدفء والمغادرة .
فجأة خرج من أفكاره على سؤالها الذي جذب انتباهه :
_ ذلك الرجل الاشقر، أخبرني كلمة لا افهم معناها حتى الآن...
نظر لها منتظرًا أن توضح له ما يقصد، لتنظر هي في عيونه وكأنها تتحداه أن ينكر شيئًا :
_ لقد سمعته يخبرني إن كنت استمتع برفقة الأمير ..
صمتت تنظر له وقد شحب وجهه لتهمس بهدوء :
_ أي أمير يقصد ؟؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يراقب سماء المملكة التي امتلئت بالنجوم يبتسم براحة مؤقتة منحها لنفسه في مثل هذا الوقت من الليل حيث الجميع نيام بعد انتهاء يوم شاق آخر .
اغمض عيونه يستنشق أكبر قدر من الهواء وقد شعر فجأة بالانتشاء، وزاد الأمر حين مرت نسمة هواء منعشة تحرك خصلاته السوداء الكثيفة .
كان النظر له في هذه الحالة الغريبة عليه متعة كبيرة لعيونها، الرجل كان فتنة بحد ذاتها، نوع يشبه رجال المافيا والعصابات الخطيرين والوسيمين والاقوياء، لكن النوع الصالح منهم، فمن المجحف أن تشبه هذا الرجل وما يفعل بالمافيا .
تنهدت بصوت منخفض تستغفر ربها تبعد عيونها عنه، تتقدم منه دون شعور تضم سترة شتوية خاصة بها وتضع القبعة أعلى رأسها تخفي كامل شعرها وقد أغلقت سحابها حتى ذقنها تقريبًا.
_ مساء الخير ...
فتح أرسلان عيونه ببطء وهو يستدير صوبها ينظر لها نظرة صغيرة قبل أن يبعد عيونه عنها يجيب بهدوء :
_ مساء الخير آنسة سلمى، أراكِ تسيرين في وقت متأخر من الليل حيث من المفترض أنكِ نائمة في هذا الوقت .
_ لا رغبة لي بالنوم الآن أشعر برغبة قوية في استنشاق بعض الهواء .
هز رأسه وصمت لتتحرك صوب النافذة حيث يجلس على النتوء الصخري الذي يخرج منها تنظر له نظرات طويلة جعلته يرفع حاجبه بضيق منها ومن تأملها له، هذه المرأة حقًا لا تدرك ما تفعل.
وفجأة نطقت ببرتغالية خالصة دون شعور منها :
_ أنت تمتلك أكثر ملامح جذابة بهذا العالم أتعلم هذا ؟؟
انظر لها أرسلان بعدم فهم يحاول تحليل ما سمع منذ ثواني منها، قبل أن يهز رأسه بحنق :
_ توقفي عن حديثك الاعجمي هذا وحدثيني بلسان عربي .
ابتسمت له سلمى ترفع حاجبه وما تزال تحتفظ بلسانها الاعجمي كما يقول :
_ يبدو أنك مشتاق لسماعي اتغزل بك بالعربية كي تقيم عليّ الحد وتقذف بي من النافذة جلالة الملك .
_ أيتها الاعجمية .
ضحكت سلمى بصوت منخفض وهي تبعد عيونها عنه لتسمعه يردد :
_ اذهبي للنوم الآن.
_ أخبرتك أنني لا ارغب بالنوم، فقط اود الجلوس أو ربما ابحث عن شيء مثير للأهتمام هنا افعله، أخبرني ما الذي تفعله حين تشعر بالملل ؟؟
وكانت الإجابة منه تلقائية دون شعور :
_ اقاتل ..
اتسعت عيون سلمى ثواني قبل أن تلين ملامحها مبتسمة بسمة واسعة :
_ يبدو هذا خيارًا جيدًا تود قتالي ؟؟
تشنج وجه أرسلان وهو ينظر لها باستهانة وقد كانت أول نظرة له منذ جاءت إليه :
_ أنتِ بالطبع تمزحين معي، صدقيني أنتِ لا تريدين أن تفعلي ذلك ..
_ بلى أريد، هل تخشى أن تتجرع خسارة مني ؟؟
_ بل أخشى أن تتجرعي آهات مني .
ختم حديثه يشير لها بالابتعاد :
_ والآن رجاءً تحركي بعيدًا فلا قبل لي بقضاء ليلتي في صراع معكِ.
_ ما الذي ستخسره إن بارزتني ؟؟ ربما تأتيك الفرصة وتتخلص مني واريحك.
رفع أرسلان وجهه ينظر لها ثواني قبل أن يجيب بنبرة جعلت جسدها يرتجف رجفة سريعة :
_ أنا إن أردت التخلص منك كان بإمكاني إعادتك ببساطة لعالمك.
_ ما الذي يجعلك تحتفظ بي إذن ؟!
نظر لها طويلًا قبل أن يهبط من الشرفة يتحرك صوبها يقف أمامها ثواني يشرف عليها بجسده، ومن ثم ابتسم يردد :
_ تعرفين طريق ساحة القتال أم ارشدك لها ؟!
ابتسمت له ترفع حاجبها بخبث تحركه بشكل عابث وقد اعجبتها هذه اللعبة معه، تهتف بمزاح واضح :
_ هل اعتبر تهربك من الإجابة انبهارًا وتمسكًا بي مولاي ؟؟
نظر لها أرسلان ثواني قبل أن يرتفع طرف شفتيه فيما يشبه بسمة صغيرة، ومن ثم همس لها بنبرة اجشة وهو يبعد عيونه عنها وبلهجته الفارسية :
_ شاید " ربما "
ختم كلمته يستدير قبل حتى أن تفكر في معنى الكلمة التي نطق بها، تحرك بعيدًا عنها يشير بيده دون أن يستدير لها حتى :
_ ودّعي موزك العزيز واتركي وصيتك والحقي بي آنسة سلمى .
ابتسمت سلمى بعدم تصديق وهي تحاول أن تستوعب ما قال، ربما ؟؟ ربما حقًا ؟؟ هل فهمت للتو معنى كلمته ؟؟ ربما أخطأت، عليها التأكد من الأمر سريعًا، لكن قبلها هناك قتال عليها الفوز به ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
متسطح على الفراش بجسده، لكن روحه بعيدة عنه، روحه هناك مع تلك الشقراء الصغيرة والتي وبدون شعور منها أو حتى منه جعلته حارسًا شخصيًا لها طوال النهار كلما حانت له فرصة بين الاجتماعات..
الأمر يزداد تعقيدًا وسوءًا عليه التصرف بشكل أكبر تعقل، هل الأمر له علاقة بأنها كانت المرأة الاولى التي يتعامل معها بهذا القرب في حياته ؟! هل عليه التوقف عن الأمر، هو حاول بالفعل، لكن دون شعور يبدأ عقله الغبي في رسم صور لها وهي تلقي نفسها في مصائب بعيدًا عنه، الفتاة برقة الزهور وبحماقة الاطفال، والله لو كان الأمر بيده لذهب إلى والدتها وعاتبها على تركها لها بالخارج وحدها في هذا العالم القاسي .
اغمض المعتصم عيونه يتذكر ما حدث منذ ساعات، هذه الفتاة ستكون سبب لنهايتها أو حتى نهايته ....
_ يا المعتصم ...
توقفت أقدام المعتصم فجأة في منتصف القصر وهو يغمض عيونه وقد شعر بأنه على وشك فقدان تحكمه بنفسه، نظر حوله يبحث عن أحد ربما انتبه لندائها عليه باسمه، ليحمد أن لا أحد فعل .
استدار ببطء صوب جسدها الذي يتحرك ناحيته بسرعة كبيرة تحمل بين يديها قطة صغيرة، نفسها القطة التي سبق واهدتها له، من أين احضرتها ؟!
وصلت له لتبتسم بلطف وهي تقول :
_ أنظر ماذا وجدت ؟! هرة صغيرة تشبه خاصتك، فكرت ربما تود الاعتناء بها مع قطتك .
كانت تتحدث بلطف وهي تنظر له بترقب .
الأمر بدأ يزداد بشكل ملحوظ، هذه الفتاة تفعل الفعلة وتنساها بعد خمس ثواني كحد أقصى وهذا ليس طبيعيًا، نظر بيدها ثم رفع عيونه لها يردد :
_ فاطمة كم مرة أخبرتك ألا تناديني باسمي وألا تتباسطي مع الغرباء في الحديث ؟؟
نظرت له فاطمة ثواني قبل أن تفهم ما يرمي إليه لتعود خطوة للخلف تضم القطة لها بخجل من كلماته :
_ لا أذكر أنك فعلت، امي هي من تخبرني ذلك طوال الوقت وليس أنت، ثم أنت لست غريبًا أنت.... أنت..... أنت....
كانت تحاول إيجاد وصف له يبعد عنها اتهامه ويصفه، لكن لحظة تفكير مع نفسها وجدت أنه...محق، من هو لتفعل كل هذا معه .
سقطت دمعة من عيونها، دمعة إدراك لما يحدث حولها تهتف بصوت ابح موجوع في محاولة يائسة للحفاظ على الإنسان الوحيد الذي ساعدها :
_ المعتصم .... أنت المعتصم الذي يساعدني .
كبت المعتصم تأوهًا كاد يخرج من حلقه وهو يبعد وجهه عنها يمسحه بضيق من نفسه قبل أن يكون منها، كله خطأ منه منذ البداية، اقترب منها بشكل ما كان عليه أن يفعله ...
ابتلع ريقه حين أبصر الدموع تكاد تخرج من عيونها ليهمس :
_ فاطمة .
للتو فقط كانت يحذرها من نزع الألقاب، لكن يبدو أن لقلبه رأي آخر في هذا القرار .
رفعت عيونها الدامعة له تهمس بصوت خافت :
_ أنا آسفة لم أقصد أن اتخطى حدودي معك.
ابتسم لها يحاول تهوين ما يحدث :
_ لا بأس، هيا اعطني الهرة أنا سأعتني بها .
مسحت فاطمة دموعها تمد يدها بالقطة له هامسة :
_ اعتني بها فهي وحيدة .....مثلي .
فتح المعتصم عيونه ينتفض عن فراشه يسحب نفسه قسرًا من تلك اللحظات، عليه شغل نفسه بأي شيء غيرها، كالكوارث التي تحدث في المملكة، أو الحرب الوشيكة، أو خطط أرسلان التي ستحيل البلاد لرماد، أو حتى ترتيب مواعيد رحيل فاطمة ليراقبها كعادتها ويتأكد أن والدتها تتسلمها سالمة دون انـ....ها نحن نتود مجددًا يا المعتصم عدنا لنقطة البداية ..
دفن وجهه في الوسادة يكبت صرخة غضب عالية ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تقف أمام جدار ملئ بالسيوف على مختلف أنواعها تحاول معرفة أي نوع ستتمكن من حمله والتعامل معه، مع العلم أنها لا تفقه شيء في المبارزة.
لكن هل تعترف ؟؟ لا
هل تستسلم له ؟! أيضًا لا .
واخيرًا استقرت على سيف يبدو مناسبًا لقبضتها الصغيرة الرقيقة التي لم تحمل شيئًا بتلك الخشونة، هذا إن تغاضينا بالطبع عن بعض الأسلحة والسكاكين التي كانت تنتزعها مع بعض المجرمين يوميًا، فنعم يدها الرقيقة لم تمس شيئًا بهذه الخشونة .
سمعت صوت اقدام خلفها جعلها تستدير ببطء، لتبصر أرسلان يتقدم من الساحة ببطء، وحينما دخلها ابتسم لها بسمة صغيرة يتحرك صوب جدار الأسلحة يمد يده للأعلى ينتزع سيفًا محددًا جعل عيونها تتسع، نعم كان أكثر السيوف رعبًا في الجدار ...
تحركت عيونها بصدمة مع السيف حتى استقر بين قبضته تردد بذهول وهي تقارن بين سيفها الرقيق وخاصته المرعب :
_ عجبًا أنت تأخذ الأمر على محمل الجد، هل تخطط للتخلص مني حقًا ؟؟
ابتسم لها أرسلان بسمة صغيرة :
_ لا تقلقي هذا السيف غير مؤلم بقدر سيفي الخاص بالحروب .
أبعدت سلمى عيونها عن الجدار تنظر في وجهه مرددة بصدمة :
_ سيفك الخاص بالحروب ؟؟ هل تمزح معي ؟!
هز أرسلان رأسه ينفي كلمتها وهو يعيد خصلاته بأكملها للخلف كي لا تعيق قتاله مع المرأة أمامه، يجيب بجدية :
_ لا امازح النساء عادة، لكن ربما في المستقبل إن كتب لك الله أن يُسبق اسمك بالملكة، قد افعل .
تحرك صوب منتصف الساحة بخطوات رشيقة قوية يرفع أكمام ثوبه الاسود يردد بهدوء شديد ونبرة مازحة رغم الجدية الواضحة على ملامحه :
_ بالطبع لن اقاتلك بسيفي الخاص، فذلك السيف مخصص فقط للحروب وقد تشبع بدماء الكافرين والقذرين، ولن أسمح له أن يمسّك ويلوثك إذا اصبتك بضربة .
اتسع فم سلمى بقوة وهي تسمع كلماته، هو يتحدث بجدية، حقًا يفعل .
_ كم أنت.... شهم!
ابتسم لها أرسلان يتخذ وضعية قتال يشير لها أن تقترب منه :
_ سأمنحك فرصة الضربة الأولى وهذا كرم لا يناله مني الكثيرون صدقيني .
تقدمت منه سلمة وهي تحمل السيف بيد واحدة حتى توقفت في منتصف الساحة أمامه تنظر له تارة وللسيف تارة وكأنها تنتظر أن يتحرك سيفها معتمدًا على ذاته ويقاتل ذلك المتوحش الذي أبصرت كيف يكون قتاله الفعلي، الرجل كان مرعبًا وحشيًا في ساحة الحرب .
رفع السيف بصعوبة بعض الشيء ليرفع حاجبه ساخرًا، والتقطت هي نظراته تردد بصوت حانق :
_ لا تنظر لي بهذا الشكل، فهذه أول مرة اتعامل مع هذا النوع من السيوف، أنا بالفعل اقاتل بالسيوف لعلمك، لكنني لا استخدم هذا النوع الكبير، احتاج لفرصة كي اتأقلم معه .
رفع أرسلان سيفه بكل سهولة يحركه أمام عيونها لتحرك مرددًا ببساطة :
_ هذا السيف مخصص للصغار الذين ندربهم هنا .
رمشت سلمى وهي تنظر له ثواني، قبل أن تحرك عيونها صوب السيف لتدرك الان سبب كونه أصغرهم حجًا واقلهم حدة، ابتسمت بسمة واسعة رقيقة ترفع عيونها له بلطف وكأنها قررت فجأة أن تستخدم سلاح آخر ضده، لطفها ورقتها التي لطالما اذابت الرجال
لكن أرسلان رفع حاجبه بسخرية وقد تشنجت ملامحه يهتف لها :
_ حقًا ؟؟
التوى وجه سلمى لتعلو الشراسة ملامحها وارسلان يتابع تحول المرأة في ثانية ليدرك الآن أنها ربما تكون مختلة بالفعل ...مثله .
وهذا ...أعجبه وبشدة .
_ أول مرة تحملين سيف صحيح ؟!
نظرت له سلمى بحنق تردد بضيق من نظراته المستفزة تلك :
_ كان من المفترض أن تدرك أن امرأة بمثل رقتي لا قبل لها بمثل تلك الأشياء جلالة الملك .
أطلق أرسلان صوتًا ساخرًا من حنجرته، ثم ردد ببسمة غير مصدقة :
_ امرأة بمثل رقتك ؟؟ يا امرأة لقد ابصرتك بأم عينيّ تضربين رجلًا ضعف حجمك حتى كادت رأسه تنفجر، اقسم أنه كان يمتلك رقة أكثر منك في تلك اللحظة .
رفعت له سلمى عيونها بشر وهي تكره أن يراها خشنة بهذا الشكل وينتزع منها صفاتها التي تميزها كأنثى، هذا وهو ابصرها تضرب رجلًا، حمدًا لله أنه لم يبصر كيف تتعامل مع مرضاها عادة .
_ ما الذي تريد الوصول له أنت ؟!
نظر لها أرسلان ثواني قبل أن يبتسم لها مشيرًا بعيونه صوب سيفها :
_ احملي سيفك سأعلمك ..
نظرت له سلمى بصدمة من جملته، هل أرسلان من ذلك النوع الصبور الذي قد يعلم شخصًا ما شيئًا ؟!
ولا تدرك أن هذا الرجل كان من الصبر الذي جعله يعلم كهرمان القتال منذ كانت طفلة متذمرة وقد علّم نصف الصغار هنا كذلك .
فإن كان هناك من ييبرع في كونه معلم قتال فهو أرسلان..
هناك الكثير لم تكتشفه بعد بهذا الرجل المخفوف بالاسرار .
_ ستفعل ؟؟
_ نعم، يمكنني ذلك .
_ ستضيع وقتك في تعليمي القتال بالسيف .
نظر لها نظرة غامضة قبل أن يهتف بجملة لم تدركها جيدًا :
_ ليس مضيعة للوقت صدقيني، بل شيء ضروري عليكِ معرفته هنا، المبارزة والتصويب والخيل، كل تلك الأمور عليكِ تعلمها وأنا بنفسي سأحرص على ذلك .
لم تفهم سلمى ما قاله لكنها تذكرت فجأة كلمات تبارك حين أخبرتها أنها جاءت هنا وتعلمت كل ذلك، مهلًا هل هذه مهرات ضرورية لجميع الفتيات هنا ؟!
وكان تخمينًا نصفه صحيح، فهي ضرورية بالفعل للفتيات ...الاميرات والملكات منهن فقط .
مد أرسلان يده أمامها وهو يمسك سيفه، ثم قبض عليه تحت نظراتها :
_ انظري لاصابعي كيف تلتف حول قبضة السيف، بهذا الشكل تمسكينه وليس كما تفعلينه، مدي يدك واريني كيف تفعلين .
ودون شعور منها مدت سلمى يدها أمامه تقلده، ليبتسم أرسلان بسمة صغيرة، ثم تراجع خطوة للخلف يرفع سيفه في وضعية محددة يأمرها بعيونه أن تفعل المثل، وكذلك فعلت ليبتسم لها يشير لها أن تحركه :
_ ضعي كل قوتك به وحركيه صوبي .
نظرت له بعدم فهم ليوضح أكثر:
_ هاجميني .
نظرت له بقلق ليهز رأسه يشير لها أن تنفذ ما قاله، وهي فقط تقدمت منه تحرك السيف صوبه ليصده بيد واحدة وبسهولة :
_ كانت هذه أضعف ضربة وُجهت لي في حياتي كلها، أين قوتك ؟!
رمته سلمى بنظرات حانقة :
_ أنت لا تساعدني هكذا، من المفترض عليك أن تشجعني وتمنحني دعمًا، ولو كان كاذبًا، هذه مرتي الأولى.
_ أنا لا أدعم الفاشلين الذين يبررون فشلهم بأنها مرتهم الأولى، بل ادعم هؤلاء الذين يتحدون مرتهم الأولى لتكون الافضل لهم .
تقدمت منه سلمى تهمس بغضب :
_ من تصف بالفاشل ؟!
_ حضرتكِ ..
رفعت سلمى سيفها وهي تهجم عليه بضربة غير محسوبة وكأن شيطان تلبسها، لتتسع بسمة أرسلان وقد تحقق ما أراده .
صد الضربة الخاصة بها وهو يميل للخلف قليلًا ينظر لها مرددًا بنظرة جانبية :
_ اريني ما لديكِ يا امرأة ....
وهكذا ثواني فقط وبدأت اصوات السيوف المتصادمة تعلو في المكان بأكمله وقد دفع أرسلان سلمى لتعلم القتال دون شعور أنها تتعلم من الأساس .
يصد ضرباتها بكل مهارة وهو مبتسم بسمة واسعة بدت لها مستفزة، لكنها في الحقيقة كانت سعيدة بها ....
لكن يبدو أن من كان يراقب كل ذلك من مكان بعيد لم يكن بمثل سعادة أرسلان وسلمى، بل كان أقرب للاحتراق منه للسعادة .
تحركت الفتاة بعيدًا عنهم وهي تشعر يصدرها يحترق ودموعها تهبط بقهر شديد، ليتها ما راقبته وجاءت خلفه، ليتها فقط ذهبت للنوم لتغوص بين اغطيتها واحلامها به .
عاشت عمرًا تحلم به، وجاءت أخرى يومًا لتحقق كامل أحلامها .
دفعت باب غرفتها والقت نفسها بين الأغطية تكتم صرخاتها المقهورة، أحلامها تضيع من بين أناملها كل شيء يضيع منها .
بدأ صوت بكائها يعلو وهي تهتف :
_ ليس بعد كل هذا ...ليس بعد كل هذا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنا لا افهم ما تقصده أنمار، امرأة من؟! وقصر من ؟!
أبعد أنمار عيونه عن النافذة وهو ينظر في وجه أحد رجاله وقد كانت ملامحه مرعبة في هذه اللحظة، تلقى اليوم إهانة لن ينساها ما عاش، هذا اليوم سيظل محفورًا في رأسه، ولن يسمح أن يمر بسلام على أرسلان، بل سيجعله ندبة في حياته كما فعل معه .
رفع الكأس يرتشف منه بعض الرشفات قبل أن يبعده ويردد بصوت خافت أجش:
_ سنبدأ بتنفيذ الجزء الثاني من الخطة نهاية هذه الممالك ستكون على يدي، رفضوا السلام المزعوم، إذن سأمنحهم حربًا ضروس ..
سكت وكأنه يفكر في شيء آخر وكأن الحرب لا تطفئ نيرانه، وكأن انتقامه لن يهدأ بهذه السهولة، وكأن دمار الحرب والضحايا الذين ستروح أرواحهم هدر لن يكفيهم، سيريهم جميعًا سيؤذيهم في أغلى ما يمتلكون، وما أغلى من وطنهم سوى نسائهم، وستكون البداية مع أرسلان هذا الحقير الذي يمثل شوكة في خاصرته .
_ اليوم في قصر أرسلان قابلت امرأة جميلة، تلك المرأة تهمه، المرأة تعني الكثير له، لقد رأيت ذلك في عيونه، لقد كاد يفقد عقله حين ابصرني معها ..
صمت ينظر للرجل في عيونه يضغط على كل حرف من حروف كلماته وقد قرر أن يتبع نفس خطته مع زوجته، إن كانت تلك المرأة تعنيه فلا هي أعلى من زوجته ولا أعز منها، ستكون كزوجته، ستتلقى نفس مصيرها :
_ تلك المرأة الغريبة في قصر أرسلان، والتي يدعي أنها زوجته، أريدها اليوم قبل الغد، ءأتوني بها ..........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شيئان لا يتسامحون بهما، بلادهم، ونسائهم ......
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثامن 8 - بقلم رحمة نبيل
#الفصل_التاسع | بداية الحريق شرارة |
تفاعل على الفصل قبل القراءة
صلوا على نبي الرحمة
______________________
تحرك بين ظلمات الليل يلتفت يمينًا ويسارًا، حتى وصل للبوابة الخلفية للقلعة، ابتسم بخبث وهو يفتح البوابة للزائر الذي تقدم بهدوء شديد وبخطوات مهيبة يتشح بالسواد لولا التماع شعاره الذهبي أسفل ضوء المشاعل .
_ فقط أحرص على ألا ينتبه لك أحدهم، لقد أمنت لك طريقك حتى غرفته ..
اتسعت بسمة أرسلان وهو يبرز سيفه وقد تكبد عناء السفر ليلًا من بلاده لسبز فقط كي يشفي صدره من ذلك الحقير، تعهد للجميع أن يتعامل بكل رقي كملك لمشكى، لكنه لم يذكر شيء عن تعامله كأرسلان.
نظر أرسلان خلفه صوب المعتصم الذي كان يضم معطفه البني بجسده يقف جوار الأحصنة يهتف بصوت خافت :
_ ربما يكون أفضل لو جئت معك .
رفع أرسلان حاجبه بشكل لم يظهر واضحًا أمام عيون المعتصم بسبب الظلام :
_ وتشاركني متعتي ؟؟ أبدًا ...
ختم حديثه، ثم استدار صوب قائد جيوش سبز يرفع لثامه أعلى وجهه :
_ هيا أصلان، قدني صوب مكب النفايات الذي يبيت فيه ذلك الخنزير .
تحرك اصلان وخلفه أرسلان بخفة شديدة يتخذان من الليل ستارًا لهما، وقد ساعد أرسلان معرفة الرجل لكل طرقات المكان وتأمينه لدخوله .
_ لا اعلم سبب تكبدك كل ذلك العناء، كان يمكنك ضربه في مملكتك وما جئت هنا خصيصًا لتفعلها .
تنهد أرسلان بصوت مرتفع :
_ أنا اهتم بصورتي أمام الجميع، لا أحبذ أن أظهر أمامهم بشكل عنيف .
والجميع هنا كان يقصد به " سلمى " بالطبع
أضاف وهو يسير بلا اهتمام في الممرات :
_ثم إن فعلتها هناك لكنت وجدت الجميع يحيل بينه وبينه، وأنا لا أود أن يشاركني أحدهم جلستي الودودة مع عزيزي أنمار.
ختم حديثه وهو يقف أمام غرفة ليشير له الرجل بهدوء مرددًا :
_ هذه هي، ولا تتأخر كي لا يشعر بنا أحدهم .
ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة، ثم تحرك يدخل غرفة أنمار يتحرك بين الظلام بعدما اغلق الباب خلفه، حتى وصل لفراش أنمار يميل جوار رأسه وعيونه تبرق بغضب الآن فقط يستطيع أن يخرج ما اعتمر صدره حين أبصره يمسك سلمى من خصرها وحين سمع كلماته عن معاهدة السلام الحمقاء .
مال يهمس في أذن أنمار:
_ مرحبًا أنمار، هل اشتقت للعم أرسلان ؟؟
فتح أنمار عيونه بتعجب شديد حين سمع ذلك الصوت جواره وقبل أن يستوعب ما يحدث وجد يد توضع على فمه ونفس الصوت يهمس به :
_ لا تقلق يدي بخفة عقلك .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تتحرك مع كهرمان بين طرقات المكان وهي تبتسم بلطف تردد بصوت خافت بعض الشيء :
_ لا بأس يمكنني صنع أجمل باقة زهور لأجلك إن أردتِ .
_ تستطيعين ذلك ؟؟
اتسعت بسمة سلمى بفخر كبير وهي تحرك يديها في الهواء بمزاح:
_ عزيزتي أنتِ تتحدثين الان مع افضل بائعة زهور في امريكا الجنوبية بأكملها ..
نظرت لها كهرمان ترمش بعدم فهم لتحرك سلمى يديها بعدم اهتمام :
_ لا تهتمي، استطيع بالطبع تنسيق واحدة لكِ، فقط ارشديني للمناسبة وسوف انتقي لكِ زهور تعبر عنها .
ختمت حديثها تنظر صوب تبارك التي كانت هادئة بشكل كبير، لتتحدث بجدية وبسمة مقترحة بلطف عليها :
_ وأنتِ تبارك ألا تريدين أن أصنع لكِ واحدة ؟!
نظرت لها تبارك بصدمة من عرضها وقد خجلت أن تطلب منها الأمر ذاته، ابتسمت بسمة مترددة :
_ يمكنك ؟؟
غمزت لها سلمى تهمس بخبث :
_ أصنع لكِ واحدة تهدينها لزوجك إن أردتِ .
ابتسمت تبارك بسمة واسعة تهز رأسها بسعادة كبيرة وقد توقفت جميعًا أمام القاعة الخاصة بالاجتماعات حيث جئن لمقابلة أرسلان لأجل الحديث معه بأمر يهم سلمى _ حسب قولها _
نظرت كهرمان للباب والذي كان مفتوحًا أمامهن تقول بهدوء :
_ هيا سلمى انتهي مما جئتي لأجله لنرحل من هنا ونترك الرجال للعمل .
هزت سلمى رأسها تدفع الباب ببطء، ثم خطت للداخل وهي تردد بهدوء شديد :
_ لا تقلقي فقط أخبر الـ ....
وفجأة توقفت عن الحديث وهي تبصر حربًا مشتعلة أمامها جعلتها تفتح فمها وعيونها ببلاهة كبيرة لا تصدق ما تراه .
بينما كهرمان قلبت عيونها بغيظ مكبوت وهي تهمس بصوت مغتاظ :
- يا الله ليس مجددًا ..
حدقت تبارك فيما يحدث بقلق وهي تحرك عيونها مع سالار الذي يقف الأن بين أرسلان وإيفان يحيل بينهما كعادته في قتال يكاد الاثنان يقتلان فيه بعضهما البعض .
دفع سالار أرسلان للخلف يصرخ بغضب :
_ والله إن لم تتوقفا ليكون قتالكما معي أنا، لقد سئمت من هذا .
دفعه أرسلان جانبًا بغيظ :
_ فقط توقف أنت عن الزج بنفسك في نقاشاتنا وسنكون بخير، هل تراني قتلته للرجل ؟؟ حين افعل تحدث واصرخ.
ختم حديثه يشير صوب إيفان الذي ابتسم بكل برود يستفز كل ذرة من ذرات دماء أرسلان الحارة :
_ نعم سالار أخرج من بيننا ولا تخف فاقصى ما يستطيع أرسلان فعله هو التهديد فقط .
ابتسم له أرسلان وهو يميل عليه بجسده يهمس باستفزاز وهو يرفع إصبعه في وجهه :
_ خسئت مليون مرة أيها الــ ....من حسن حظك أنني الأن احاول تهذيب لساني .
رفع إيفان حاجبه بسخرية :
- أوه حقًا فعلت ؟؟
دفع أرسلان سالار جانبًا وهو يردد ببسمة واسعة :
_ نعم حقًا فعلت، لكنني لم اهذب قبضتي بعد .
ومن بعد تلك الكلمة كانت يد أرسلان تهبط على وجه إيفان الذي تلقى منه الضربة ليردها في الثانية ذاتها ويشتغل القتال مرة أخرى بينهما وسالار يحاول حشر جسده بينهما وهو يصرخ بهما :
_ يا الله يا مغيث، هل جننتما ؟؟ توقفا، توقف إيفان ما بك أنت الآخر ؟؟ تحدثا كالبالغين دون قتال .
تنفست كهرمان بصوت مرتفع وهي تمسح وجهها تحاول أن تهدأ، وجوارها سلمى تراقب ما يحدث بأعين متسعة لا تصدق ما تراه، ملكين يتشاجران مع بعضها البعض كالصغار، تشنجت ملامحها تهمس بعدم فهم :
- هل هما جادان ؟؟
نبست كهرمان بسخرية شديدة :
_ أوه عزيزتي عليكِ اعتياد هذا المشهد، فأخي الحبيب يعشق استفزاز زوجي العزيز، وزوجي العزيز لا يتحسن مزاجه إلا بإخراج شياطين اخي الحبيب، وهكذا ندور في دائرة قتال كلما تقابلا، ويضيع بينهما القائد سالار .
تمتمت تبارك بشفقة وخوف على زوجها أن تناله قبضة بالخطأ بين الاثنين :
_ زوجي المسكين ..
تساءلت سلمى وهي تراقب ما يحدث :
_ هل يجب علينا التدخل ؟؟
اجابتها كهرمان بجدية :
_ حسنًا في هذه اللحظات لا أفضل ذلك في الواقع، لكن حسنًا نحتاج لذلك بالفعل .
ختمت حديثها تتحرك صوبهم بهدوء تاركة مسافة مناسبة على بعد كبير منهما تردد بصوت هادئ رقيق تلعب به على اوتار الاثنين، فإن كان هناك نقطة ضعف مشتركة بينهما فهي كهرمان :
_ اخي...إيفان .
توقف الإثنان عن الشجار بسرعة كبيرة ليستدير أرسلان صوب كهرمان يرمقها بتسائل وعدم فهم وكأنها قاطعت شيئًا هامًا، أما عن كهرمان فقط ابتسمت بسمة صغيرة تردد :
_ السلام عليكم أخي عسى أن يكون يومك جميلًا .
وفي ثواني تلاشت الحدة عن ملامح أرسلان ليتحول فجأة لشخص آخر لم تتعرف عليه سلمى لثواني، شخص حنون بشوش يتحرك صوب كهرمان يردد بنبرة صوت لأول مرة تسمعها منه سلمى :
_ جوهرتي الحبيبة، أصبح يومي كذلك حين أبصرتك، هل كل شيء على ما يرام معكِ ؟!
كانت سلمى تتابع ذلك الجانب من أرسلان تراه ينظر لشقيقته بحنان ولطف شديد ونظرات غريبة على تلك الأعين التي اعتادت النظر بتجبر وسخرية، ابتلعت ريقها وقد أدركت في هذه اللحظة أن نظرتها الاولى به لم تخيب :
_ واتضح أن تحليلي لك لم يكن محض تراهات جلالة الملك .
ابتسمت كهرمان لأرسلان تجيبه بهدوء شديد :
_ نعتذر عن قطع حديثكم الآن، لكنني جئت لأخذ أذنك لأجل شيء هام .
عقد أرسلان حاجبيه يولي شقيقته كامل الاهتمام في حين أن سالار تنهد بصوت مرتفع يتحرك صوب تبارك يهمس لها بصوت منخفض :
_ مرحبًا مهجتي، دعينا نتحرك من هنا قبل أن تشتعل الحرب بينهما من جديد .
نظرت له تبارك وقبل نطق كلمة واحدة امسك سالار يدها مبتسمًا بحنان :
_ دعينا نهتم بك وبأدويتك عزيزتي، إذ يبدو أن هراء هذين الاثنين انساني ذلك، معذرة منكِ تبارك ...
ابتسمت له تبارك ولم تتحدث بكلمة، بل فقط تخلت عن الجميع ولحقت به، فبحضرته تتلاشى جميع الاصوات ويختفي الجميع من حولهم .
كل ذلك وارسلان ينظر للجميع بعدم فهم :
_ أذني لماذا كهرمان ؟؟
نظرت كهرمان صوب سلمى ثواني قبل أن تبتسم بسمة صغيرة وتردد باختصار ما تريد :
_ لقد أخبرت سلمى بالأطفال الذين نحتفظ بهم تحت سقف المنزل وهي اقترحت أن تساعدنا في علاجهم لتجاوز صدمتهم، إذ يبدو أن هذا مجال عملها ..
صمتت ثواني ثم أكملت بجدية :
_ هي تريدك أن ترشدها لما ستفعل وهي ستساعدهم ليتخطوا كل ما حدث، كما أنها أخبرتني أنها تتطوع لمساعدة أيًا كان من يريد مساعدتها، فهل تمد لها يد العون لتفعل أخي ؟؟
ارتفعت عيون أرسلان بتفاجئ صوب سلمى التي ابتسمت له بسمة صغيرة هادئة، بسمة لا تدرك تلك المرأة ما فعلت به، فقد شعر فجأة بالامتنان لها لما تبرعت به لأجل شعبه .
وسلمى تلك المسكينة شعرت بالصدمة وهي تبصر نظرة غريبة في أعين أرسلان، هل خبرتها في قراءة الأعين تضاءلت مع مرور الوقت أم أن أرسلان ينظر لها الآن نظرة امتنان وشكر .
ابتسم أرسلان بسمة شاكرة يثبت لها الاحتمال الثاني :
_ نعم بالطبع، يمكنني ذلك، شكرًا لما ستفعلينه لأجل شعبي ... آنستي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اتسعت أعين نزار بصدمة كبيرة يحاول أن يستوعب ما حدث منذ ثواني، بلل شفتيه وهو يحدق بوجه توبة وقد توقف قلبه عن الدق للحظات بعد كلماتها .
_ لقد أخبرني ذلك الرجل أنك أمير ؟؟ أي أمير كان يقصد ؟؟
نظر نزار ارضًا بأعين متسعة يخشى أن ينظر لها فتكشف لها صدمته ما يخفي، ليس الان وليس ابدًا، هي دون شيء تحتقره، والآن إن علمت هويته سيزداد احتقارها فوق الاحتقار احتقارًا.
_ أنا لا ادري مــــ
_ أنت لم يسبق واخبرتني اسمك ؟؟ ماذا تسمى ؟؟
وهذا سؤال اسوء فإن علمت اسمه ستدرك وبكل سهولة هويته وتربطها بحديث ذلك الغبي زهير، فكم أمير في الممالك يُسمى نزار ؟؟
مسح وجهه وهو يهز رأسه وكأنه يحاول نفي فكرتها عنه، ينفي كل ما تفكر به، ينفي حقيقته التي بدأت تلتمع في عيونها الأن .
_ أنا لست اميرًا ولا أدرك ما أخبرك به ذلك الرجل أو سببه، ربما ...ربما فقط كان يسخر أو ما شابه .
نظرت له توبة بشك ولا يبدو له أنها اقتعت بحجته السخيفة، لكن لا يمتلك غيرها ردًا، على الأقل في هذه اللحظة .
فرك أصابعه بهدوء ينهض عن مكانه بتردد وكأنه يرفض الخروج من هنا، مسكنه الدافئ والأمن بعيدًا عن الفتن في الخارج، وكأنه يلزم جانبها خوفًا أن تدركه الفتنة، وكأن الفتنة تخشاها فلا تقترب منه في وجودها، أم هي الفتنة في حد ذاتها ؟!
تحدث بصوت خافت لا يعلم أوصل لها أم لا :
_ سوف أخرج واتركك ترتاحين .
ابتسمت له توبة بسمة ساخرة تهمس بصوت وصل له وأثبت له انها بالفعل سمعت كلماته، تنهض عن مكانها تتحرك صوبه تردد بصوت خافت :
_ تتهرب ؟؟ أنت جبان لتهرب من مواجهاتك يا سيد ...
استدار لها نزار نصف استدارة يهمس بنبرة تسمعها لأول مرة منه :
_ لا أخاف المواجهة، بل أخشى توابعها، لنقل فقط أنني هكذا بخير وهذا أفضل لنا، يمكنك أن تسميني كما تريدين، ناديني بالاسم الذي تريدنه .
وكاد يخرج لولا صوتها الذي خرج شبه متوسل دون شعور وكأنها بدأت تفقد الأمل في التحرر من قيدها :
- ستنفذ وعدك لي ؟؟ ستخرجني من هنا صحيح ؟! أنت لم تنس كلماتك لي ؟؟
استدار لها نزار ببطء وحدق في وجهها طويلًا، ثم ابتسم بسمة صغيرة يتحرك خارج المكان بعد إلقاء كلمات مقتضبة :
- بروحي سمو الأميرة، سأخرجك من هنا ولو فوق جثتي .
هز رأسه لها ينحني نصف انحناءة، يتحرك صوب الخارج تحت عيونها وهي تتابعه بأعين دامعة، قبل أن تحشر جسدها في زاوية المكان تنظر للفراغ أمامها، وقد شعرت بانقباض صدرها وشعور قاتل بالوحدة بعد تركه لها، واتضح في النهاية أنها ودون شعور كانت تأنس بوجوده .....
أما عنه فقد خرج يتحرك في المكان دون هداية يشعر بالاختناق، ودون إرادته يعود بعقله صوب نقطة أبى أن يقترب منها منذ ما حدث، نقطة أبى أن يفكر بها كي لا يحترق صدره بمرارة الخسارة..
جلس على أحد الصخور يدفن وجهه بين يديه :
_ زهور ...
الحبيبة التي اختارها من بين كل النساء لتكون زوجته، الحنونة والرقيقة التي أحبها وقدرها، ورغم أن زواجهما لم يكن ناتجًا عن قصة حب ملحمية كوالده أو عمته على سبيل المثال، وقد كان زواجًا شبه تقليديًا، إذ كانت زهور ابنة أحد مستشاري والده الأوفياء الذين راحوا في أحد الحروب واوصاه عليها ليتزوجها هو ويتقرب منها ويسقط في حبها دون شعور منها، كانت برقة الزهور وجمال الحوريات، وهذه أيضًا فقدها .
ما يزال صدى صوتها يهتز داخل أذنه حين جاءت لزيارته ذلك اليوم ..
_ فقط اخجل من نفسك وحررني فلا طاقة لي لعيش حياة مع رجل مثلك نزار، تحلى ببعض المروءة وحل وثاقي .
كانت تهتف بكلمات كالسيف تحتمي بالقضبان التي تفصل بينهما، بينما هو يجلس في زاوية السجن المظلمة يضم قدميه لصدره شاردًا بعيونه دون أن ينظر لها نصف نظرة حتى .
بكت زهور وقد شعرت بالاختناق وهي تراه على نفس وضعيته :
_ أنا ... أنا لم اعد اطيق البقاء يومًا واحدًا حاملة اسمك نزار، لذا دعني أذهب بعيدًا عنك، ولا تحملني خزي انتمائي لرجل مثلك .
لم يتحدث نزار بكلمة واحدة، بينما هي مسحت دموعها تردد بقهر :
_ إن لم تقبل أن تطلقني بالحسنى، فسوف اطالبك بذلك أمام الجميع، سأطلب من الملك تطليقي منك .
ولم تكد تتحرك حتى سمعت صوته الذي خرج مقهورًا مذبوحًا :
_ ألا يمكنك تحمل الاحتفاظ باسمي للمتبقي من حياتي زهور ؟؟ لهذه الدرجة لا تطيقين اسمي ؟؟ بعد كل ما فعلته لكِ طوال هذه الفترة ؟؟ لقد منحتك روحي زهور .
اختنق في نهاية جملته وكأن غصته اكتفت من كتمانها، ابتلع ريقه يقاوم البكاء بصعوبة .
نظرت له زهور دقائق طويلة دون رد واخيرًا رمت بكلماتها الأخيرة :
_ سأنتظر أن تطلقني أو اسمعها منك في المحاكمة وأمام الجميع، وداعًا يا زوجي العزيز.......
انتفض جسد نزار من ذكرياته على يد وضعت على كتفه، نظر جواره بسرعة يبحث بعيون ضبابية عن صاحب اليد ليتفاجئ بالوليد الذي هتف دون فهم :
_ ما بك يا اخي ؟؟ تبدو شاحبًا .
مسح نزار وجهه بهدوء يحاول التحدث بصوت طبيعي :
_ أنا.... أنا بخير ...
هز الوليد رأسه، ثم أشار له يقول :
_ هيا لقد دعانا أنمار لاجتماع عاجل، وأنت معنا .
نظر له نزار بشك ليجذبه الوليد معه وداخل عقل نزار تدور الطواحين، هل قرر أنمار الثقة به بهذه السرعة ؟؟ أم أنه أراد أن يقذف به بين لعبتهم القذرة ؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان من المفترض أن يحضرها للمكان ويتحرك بعيدًا عن أيادي فتنتها، لكن الأوان فاته واحكمت فتنتها القبض عليه دون منحه حتى رفاهية الهرب .
يقف بعيدًا يراقبها وهي تجمع حولها الاطفال تلاطفهم ببعض الكلمات وتستغل قردها اسوء استغلال لتكسب ود الصغار .
ابتسم وهو يراقبها ترفع قردها أمامهم تردد ببهجة وحماس شديد :
_ يمكنه الرقص أيضًا، هيا انظروا.
وضعت موزي ارضًا وهي تراقبه بحماس مع الصغار الذين حركوا عيونهم عليه لتلتوي ملامح موزي بحنق وكأنه لا يحبذ الجمهور العريض، يرفض أن يتحرك أمامهم حركة واحدة حتى، حتى أنه جلس ارضًا يضم قدميه لصدره معترضًا أن يلعب دور المهرج في هذه اللعبة .
ارتفعت أعين الصغار لسلمى التي ابتسمت بحرج مما يحدث وقد اخجلها هذا القرد أمام الجميع، جذبته من ثيابه بغضب ترفعه صوبها وهي تنظر له بضيق :
_ ألم نتفق على مساعدتي في كسب ود الصغار موزي مقابل فاكهة تكفيك لضرب جميع من بالقصر وخاصة صاحب الشعر الاسود والنظرات المخيفة؟؟
نعم كانت تلك علامات مميزة يميزها موزي على أرسلان سريعًا، لكن إن كانت تنتظر أن يفهم حديثها ويخبرها سمعًا وطاعة فقد نست سلمى أنها تحدث قرد لا يفقه مما تفعل شيئًا .
تنهدت سلمى وهي تجلس ارضًا تضم قدميها لجسدها، تشير للأطفال أن يلتفوا حولها في دائرة، وقد فعلوا سريعًا لتبتسم لهم تشير أن يضموا عليها أكثر وأكثر، حتى أضحت الدائرة اصغر تبتسم بسعادة وقد اقتربت منها فتاة صغيرة تضع رأسها على قدم سلمى لتردد الأخيرة بعد تنهيدة صغيرة :
_ ما رأيكم بلعب لعبة جميلة ؟؟
نظر لها الجميع بحماس لتقترب سلمى بوجهها من الجميع تهمس بصوت شبه مسموع :
_ كل واحد منا يذكر لنا أجمل ذكرى عاشها في حياته وأكثر شيء أحب وفي النهاية نكتب كل تلك الذكريات في ورق صغيرة ونسحب كل يوم ورقة بذكرى مختلفة ننفذها جميعًا لنعيد احياء ذكرياتنا .
ويبدو أن تلك الكلمات كانت أكبر من إدراك الصغار، لتحرك هي رأسها تتحرك من مكانها تحضر الاوراق والحبر الملون الذي احضرتهم معها تعود صوب الدائرة تهتف بحماس :
- حسنًا امنحوني اهتمامًا يا سادة ...
كانت مندمجة فيما تفعل بينما أرسلان يراقبها عن بعد يضم ذراعيه لصدره وهناك بسمة واسعة ترتسم على فمه دون شعور، وضربات قلبه تتسارع وهو يراقبها تبتسم لهذا وتتحدث لذاك، نظراتها الملتمعة وصوتها المغرد، وخصلات شعرها التي تناثرت بعدما سقطت القلنسوة دون شعور و....
عند هذه النقطة استوعب أرسلان فجأة سقوط غطاء رأسها لينتفض جسده بعيدًا عن الشجرة يستدير بسرعة كبيرة وبوجه شاحب، يضع يده على صدره يغمض عيونه يركض من المكان مدركًا فداحة ما فعل، يا الله عليه الانتهاء من كل هذا .
بمجرد أن خرج من المكان نادى بصوت صاخب للجنود حوله وقد بدأ يشمر اكمامه يبعد خصلاته عن عيونه مرددًا بوجه غير مفسر :
_ أحضروا لي المعتصم....سريعـــــــــــــــًا ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنا لا افهم فاطمة ما الذي تريدين مني فعله ؟؟ تحدثي ببطء رجاءً.
رفعت فاطمة عيونها له وهي تنظر حولها بتوتر فقد وبختها والدتها بما فيه الكفاية مساء الامس بعدما أخبرتها ما تفعل هنا، حذرتها ألا تتعامل مع الغرباء وخاصة الرجال منهم، لكن هذا ...المعتصم صحيح ؟!
المعتصم لن يتسبب لها بمصائب .
ابتلعت ريقها تفرك يديها وهي تردد بصوت منخفض خجل منا تطلبه منه :
_ أنا فقط أريد العودة للمنزل رجاءً، أمي.....هي مريضة وتريدني أن أعود لها مبكرًا ورئيسة العمل ترفض ذهابي مبكرًا .... أنت أخبرتني أنك القائد هنا صحيح ؟!
نظر لها المعتصم يهز رأسه دون وعي لتبتسم له بلطف شديد :
_ إذن هل يمكنني الرحيل رجاءً، سأعوض هذا اليوم لاحقًا اقسم لك .
أجابها المعتصم بعدم فهم لما يحدث حوله :
_ ماذا ؟؟ لا ... أقصد فاطمة أنا لست ...هذا ليس تخصصي هنا ولا أعلم أن كان يمكنني ذلك أو ....
_ هل تكذب أيها المعتصم ؟؟
اتسعت أعين المعتصم بقوة من كلمتها التي نطقت بها دون اهتمام بمكانته حتى في المكان، نظر حوله يتأكد أن لا أحد سمعها .
- ماذا ؟! يا فتاة هذا ليس جيدًا البتة، ما تقولينه هذا غير مقبول .
التوى ثغر فاطمة بغضب وقد اعتقدت للحظة أنه استغل جهلها وخدعها كما تحذرها والدتها طوال الوقت من الغرباء أنهم يستغلون سذاجتها .
_ هل تحاول استغلال سذاجتي أيها المعتصم ؟؟
فتح المعتصم فمه بصدمة كبيرة يحاول أن يدرك ما تقول، الفتاة تحدثه بكل بساطة و....صمتت أفكاره حين أبصر دموعها تهبط على وجنتيها ليفزع مما يحدث ما الذي فعله الآن ؟؟
_ فاطمة ما الذي ....ما الذي حدث لتبكي ؟؟ توقفي رجاءً، سوف اتحدث مع رئيسة العاملات هنا، اقسم أنني سأخبرها بحاجتك للرحيل مبكرًا، اذهبي الآن إن أردتي ولا تهتمي .
همست فاطمة بصوت منخفض وهي تخبره بنبرة مذبوحة :
_ أمي مريضة للغاية أخشى أن تتركني وترحل، لقد ...لقد كنت اسمع صوت سعالها طوال الليل وصوت تأوهات متوجعة .
انقبض صدر المعتصم وهو يبصر البؤس يسطر خطوطه على ملامحها، تنهد بصوت مرتفع يفكر في شأن هذه الفتاة، أفكارها وكلماتها وردود أفعالها، ليست طبيعية، يشعر أنها تعاني صعوبة في التعامل بشكل طبيعي مع المحيطين بها، فعداه والسيدة ألطاف وبعض القطط، لم يبصرها تقترب من شخص في محيطها أو تحاول حتى التحدث مع أحدهم، وهذا يزعجه ويخيفه ولا يدري السبب، أو حتى يهتم له، كل ما يهتم به هو أن هذه الفتاة تحتاجه وهو يحتاج للشعور بها آمنة كي يستطيع النوم ليلًا دون شعور خانق .
_ لا تخافي فاطمة سوف ...سوف تكون بخير إن شاء الله، إن أردتي أستطيع إحضار طبيب لها إلى المنزل ويعالجها .
رفعت فاطمة عيونها الملتمعة بالدموع له، تنظر له أكثر نظرات العالم صفاءً ورقة :
_ حقًا ما تتحدث به ؟؟ ستفعل لأجلي ؟!
وكان سؤالًا وجملة عادية من فاطمة، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة له إذ ردد بصوت منخفض خافت أبى أن يخرج منه وهو يبعد عيونه عنها يشغل عقله بشيء آخر حوله عداها :
_ نعم سأفعل ...
واختنقت كلمة " لأجلك" داخل حلقه، لم يستطع أن يخرجها لشعور قاتل بأنه الآن يخطأ وبشدة، لا يستطيع أن يقف هكذا بكل بساطة مع فتاة لا رابط بينهما بأي شكل ويتحدث بكل أريحية، هذه الفتاة ودون قصد منها أو حتى شعور بالأمر تجبره على تخطي حدود وضعها منذ سنوات لنفسه.
سخر منه عقله في هذه اللحظة وكأنه يخبره، الآن تتذكر حدودك ؟؟ وأين كانت تلك الحدود وأنت تعدها راكعًا أمامها البارحة أن تكون حارسها ؟! منافق .
ابتلع ريقه، وقد ارتجف بدنه لما يدور داخل عقله وتجهله فاطمة، رفع عيونه لها يردد بصوت منخفض :
_ سوف افعل لا تقلقي سأتحدث مع طبيب القصر ليذهب بنفسه ويتفقد والدتك و.....
صمتت وتردد فيما يريد قوله :
_ هل يمكنني قول شيء دون أن تحزني فاطمة ؟؟
ها نحن ذا بدأنا، تخشى حتى أن تحزنها، الأمر يتطور بشكل مرعب، ربما السبب أنني يومًا لم اقترب بهذا القدر من امرأة، ربما لشعوري الكبير بالمسؤولية تجاهها؟؟
هزت فاطمة رأسها تنتظر حديثه :
_ نعم بالطبع، تفضل .
_ حينما تحتاجين مساعدتي في شيء ما، لا تأتيني إلى ساحة الرجال فهذا ممنوع، و.....لا ...لا يمكنك ....
نسي ما كان سيقوله وهو يرى نظراتها البريئة أمامه، يا الله الفتاة تكاد تصيبه بالجنون، لا يستطيع أن يخبرها ما يفكر به، لا يستطيع أن يأمرها ألا تتباسط معه أو سواه في الحديث ..
تنهد بصوت مرتفع يهمس بصوت شبه مسموع لها :
_ أنسي الأمر رجاءً، فقط عامليني بشكل رسمي حين رغبتك في طلب أي مساعدة، لا تتباسطي معي في الحديث بهذا الشكل ولا تتحدثي بهذه الــ
رقيقة..لكن لن يفعل وينطقها .
_ بهذه الطريقة مع شخص غريب، وأخيرًا لا تبتسمي هذه اللطيفة لكل من تريه، ضعي حدود بينك وبين الجميع .
وجاءه الرد قاتلًا منها وهي تهمس بكل تلقائية منها :
- لكنك لست كالجميع ..
أعطاها المعتصم ظهره وهو يمسح وجهه بقوة شديدة وقد بدأت تمتمات الاستغفار تعلو بشكل ملحوظ .
_ استغفرك ربي و اتوب إليك، استغفرك ربي و اتوب إليك...
أشار لها دون الاستدارة صوبها :
- ارحلي رجاءً فاطمة، ارحلي وأنا سأخبر رئيسة العمل بما تريدينه، فقط رجاءً ارحلي عن هنا .
ابتسمت له فاطمة تردد بكل امتنان :
_ شكرًا لك يا المعتصم، أنت ذو مروءة ورجل صالح .
ختمت حديثها ترحل تاركة المعتصم يحاول تجميع شتاته الذي تبعثر وتفرق بعدما أصابته ضربة من كلماتها، أخذ يتحرك في المكان بملامح واجمة وكأن أحدهم وجه له سهمًا منذ قليل وليس مجرد كلمات شكر وامتنان من فتاة .
كان يتمتم بالاستغفار وكلمات عصبية وبصوت مرتفع :
- رحمتك يا الله، ما الذي يحدث في هذا المكان ؟!
- معتصم ما الذي تفعله هنا الملك كان يبحث عنك منذ دقائق بشكل محموم و....
وقبل إكمال كلماته وجد زيان أن المعتصم تحرك صوبه يجذبه من ثيابه بشكل خطر وكأنه للتو سبه أو طعنه .
- ماذا أخبرتك أنا زيان ؟! أدعى المعتصم وليس معتصم، هذا معتصم شخص آخر وليس أنا، حسنًا ؟؟
هز زيان رأسه بعدم فهم :
- أنت يا رجل مريض نفسي ...
تركه المعتصم وهو يحرك يده في الهواء بضيق :
- وهل من يعيش معكم في هذا القصر يبقى بعقله ها !!
_ ما بكم يا رجال منذ الصباح تصيحون وتصرخ كالمجانين، هل هذه عدوى واصابت جميع الرجال هنا ؟!
فجأة نفض المعتصم عنه يصرخ بنبرة متشككة :
_ ابتعد عني لا ينقصني أن أصاب بجنونكم ...
_ جنوننا ؟؟ من تقصد ؟؟
رتب زيان ثيابه، ثم عدل خصلاته يردد بنبرة عادية :
_ الملك منذ الصباح يتحرك في القصر ويصرخ في الجميع مع ملامح وجه غير مفسرة ...
صمت ينظر صوب المعتصم ثم أكمل :
_ تمامًا مثلك .
اتسعت عيون المعتصم وهو يترك زيان ويهرول سريعًا صوب أرسلان يبحث عنه مرتعبًا أن يكون انشغاله تسبب في حدوث كارثة أو هناك ما فاته .
شعور قوي بالذنب أن يكون هناك ما أصاب أرسلان وهو لم يكن جواره، كان يهرول في الممرات وهو لا يرى حوله حتى وصل واخيرًا صوب القاعة ليفتح الباب بسرعة كبيرة مرددًا :
_ مولاي ...
رفع أرسلان عيونه صوب المعتصم بتعجب من حالته، يشير له بهدوء عكس ما وصف زيان :
_ اقترب يا المعتصم، أين كنت منذ الصباح ؟؟
تحرك المعتصم صوبه وهو يبتلع ريقه :
_ كنت في الساحة الخلفية اطمئن عن سير الأمور، و....هناك دفعة جديدة من الرجال انضموا لنا مولاي، و .....مولاي هل كل شيء على ما يرام؟!
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يهمس بصوت خافت :
_ لا ادري فقط أشعر بكل شيء يتحرك من حولي دون قدرة مني على إيقافه أو التحكم به، أنا فقط ....
صمت ثم أشار على خطاب يقبع أمامه يردد بصوت غامض :
_ وصلني خطاب من سبز للتو .
اتسعت أعين المعتصم يقترب وبسرعة من مقعد أرسلان يجلس جواره بهدوء شديد ينتظر أن يصرح أرسلان بما يدور في عقله ..
_ يبدو أن سبز في طريقها للانهيار، ستلحق بمشكى، لكن هذه المرة على يد أهلها، أنمار بدأ يقود البلاد للحضيض واشك في نشوب حرب داخلية وشيكة بينه هو وأتباعه وبين جيش سبز والملك بارق، لقد أرسل لي قائد الجيش يطلب مساندة مني في حربه ضد أنمار ورجاله ذاكرًا أن هناك العديد من الرجال الذين لا يعلم عنهم شيئًا بدأوا يظهرون على الساحة، أنمار يخطط لشيء لن يسر أحد.
اتسعت أعين المعتصم ينتظر أن يكمل أرسلان الحديث وقد كان، إذ التمعت عيونه بشراسة :
_ بلاد الملك بارق لن تسقط بهذه الطريقة، ليس وأنا حي على الأقل .
_ ما الذي يمكننا فعله مولاي ؟! هل نرسل جيوشًا لهم ؟؟
ابتسم أرسلان بسمة غير مفسرة وهو يعود بظهره للخلف :
_ لا يمكننا وحسب القوانين أن نتدخل في سياسات الممالك الداخلية يا المعتصم، لكن ....هذا في العلن فقط، لم يذكر أحدهم شيء عن فعلها في الخفاء يا بني، فهمتني ؟؟
بدأ المعتصم يدرك ما يفكر به أرسلان، لكنه أراد أن يتأكد من كل شيء ليطلب بهدوء واحترام:
_ هل تفسر لي أكثر مولاي ؟؟
هز له أرسلان رأسه ثم أمره بهدوء :
_ فقط أرسل للجميع كي أخبركم مرة واحدة ما افكر به، احضرهم فرأيهم سيفيدني أكثر وأكثر....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت مما تفعل وتحركت لتقف أمام المرآة تراقب خصلات شعرها والتي مشطتها للتو، تتنهد بصوت مرتفع وهي تبحث يمينًا ويسارًا عن موزي، فمنذ تركت الصغار وعادت لتأخذ قسطًا من الراحة وهي لا تجده في المكان .
_ فقط اتمنى ألا يكون الآن يدمر في غرفة الملك كي لا تكون نهايتي ونهايته .
أمسكت معطف أرسلان كي ترتديه بكل تلقائية، لكن فجأة توقف يدها تتأمل في المعطف ثواني، رفعت عيونها تتحرك صوب الخزانة التي تمتلكها تفتح لتجد عدد من معاكفه الشخصية التي أعطاها لها أو ....حسنًا ألقاها في وجهها مكرهًا، ابتسمت بسمة واسعة وهي تردد بنبرة خافتة ساخرة مما يحدث معها :
_ أوليس هذا أكثر شيء رومانسي ؟؟
صمتت ثم ضحكت بسخرية أكبر وهي ترتدي المعطف تردد بلغتها الام وبلهجة برتغالية ممتازة :
_ رومانسي وارسلان لا يلتقيان، سأموت قبل أن أرى هذا الرجل يتصرف برومانسية .
وضعت القلنسوة أعلى رأسها تتحرك في ممرات القصر ترحب بهذا وذاك، وكالعادة لا هذا يرفع عيونه بها، ولا ذاك يهتم بمرورها من الأساس، وإن سألتموها عن رأيها، ستخبركم أنها تحب هذا، أن تشعر بالراحة في الحركة دون نظرات جانبية أو صريحة من بعض الوقحين، هي حياة مثالية تتمناها جميع النساء .
وصلت واخيرًا للمكان حيث ستقضي المتبقي من يومها كما نصحتها كهرمان إن أرادت المعرفة أكثر عن عالمهم وكل ما يخصه .
_ هذه إذن مكتبة مشكى، تبدو لي ....مبهرة .
دخلت المكتبة وهي تدور بعيونها في المكان بحماس شديد وعيون ملتمعة، ولم تنتبه أنها في هذه اللحظة لم تكن وحيدة في المكتبة .
إذ سمعت صوتًا فجأة يصدح بالمكان بشكل جعلها تنتفض :
_ مرحبًا أنتِ المرأة التي أحضرها الملك من العالم الآخر ؟؟
نظرت سلمى صوب الصوت الصادر من أحد أركان المكتبة لتبصر امرأة جميلة الملامح مبتسمة الوجه تراقبها بفضول شديد، هزت سلمى رأسها بنعم وهي ترحب بها بلطف شديد :
- نعم مرحبًا بكِ أيضًا..
اقتربت منها الفتاة ببسمة واسعة وفضول يلتمع في حدقتيها :
_ تبدين جميلة للغاية لا عجب أن الملك أرادك لنفسه، فهو لطالما كان محاط بالفاتنات ولم أظن يومًا أن يختار زوجة أقل فتنة منهن .
رفعت سلمى حاجبه تردد بسخرية :
_ محاط بالفاتنات ؟؟ بل العجب عزيزتي أن هؤلاء الفاتنات لم يهربن منه .
ختمت حديثها وهي تبتعد عن تلك الفتاة المريبة التي تتحدث بكلمات غريبة كونه اول حديث لها معها، بينما الأخيرة فقط تراقب ظهر سلمى بصمت ونظرات مريبة، ثم تحركت بعيدًا صوب باب المكتبة وهي تقول :
_ اعذريني سوف ارحل لأكمل عملي، جولة ممتعة في المكتبة .
ختمت حديثها تخرج من المكان وهي تغلق الباب خلفها بهدوء شديد لم تشعر به سلمى التي اتسعت عيونها بانبهار مما ترى، ولم تدرك حتى أنها في هذه اللحظة أصبحت مسجونة داخل مكتبة مشكى التي تقع في أقاصي القصر حيث لا يطأ أحد هذا الجزء سوى القليل .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ما الذي تقصدونه ؟؟ تريدون صنع سم للأسلحة ؟؟
ابتسم أنمار بملامح محطمة منذ ليلة الأمس وقد توعد للفاعل، يراقب ملامح نزار بدقة وكأنه يود النفاذ داخله ليكتشف ما يفكر به هذا الرجل وان كان عليه الثقة به أم لا، بينما نزار ما يزال يردد بصدمة مما سمع :
_ سهام مسممة وسيوف مسممة ؟؟ أي عقل شيطاني خرج بهذا ؟؟
ابتسم أنمار يهتف بسخرية :
_ رجاءً لا تخجلني .
نهض نزار ينظر حوله للجميع، ثم قال بهدوء :
_ هذه جريمة بكل المقاييس، وأنا لا استخدم علمي في أذية الغير أبدًا .
أطلق أنمار صوتًا ساخرًا وهو يراقب حركات جسد نزار، ثم نظر صوب الوليد والذي يبدو أنه لم يكن راضيًا عما يحدث في المكان ..
_ هل أخطأت واحضرت لنا شيخًا يا الوليد أم أن رفيقك تناسى ما فعل ؟؟ هل نسيت ما فعلت يا نزار ؟؟ أنت ساهمت في قتل مئات بل الآلاف البشر فقط لأجل اطماعك الشخصية عزيزي ...
وكأن نزار بالفعل نسي ما فعل أو حاول تناسيه، ابتلع ريقه وقد بدأ عقله يدور في دوائر مفرغة، لا يقبل أن يعود لتلك النقطة مجددًا هو سبق وخرج بصعوبة من بئر المعاصي هذا، ولن يعود له ...
_ إذن ما ردك ؟؟
نظر له نزار لحظات طويلة دون رد من طرفه حتى كاد أنمار يفقد الأمل في أن يتحدث، ففتح فمه هو ليضيف :
_ وجودك بيننا لــ
لكن كلمات نزار قاطعته سريعًا وهو يتحدث بجدية :
_ ما الذي سأناله في المقابل ؟!
ابتسم له أنمار بسمة جعلت ملامح نزار تنكمش بضيق شديد، ينفر من نظراته السوداء وتعابير الشر التي تسكن وجهه :
_ وما الذي تريده وترغبه أنت ؟!
رمقه نزار لوقت طويل يفكر في اشياء كثير ومطالب أكثر مما قد يتوقع أنمار على رأسهم حريته وحرية زوجته ونسيانها بالكامل .
لكنه تمهل في إعلان مطالبه يردد بجدية :
_ دعني افكر ومن ثم آتيك بما اريد، وحتى ذلك الحين لا اريد أن أبصر أحدكم.
ختم حديثه يرحل من المكان تحت نظرات الجميع من حديثه مع أنمار ومعهم بهذه الطريقة ليس وكأنه يملكهم، أما عن أنمار فابتسم بسمة واسعة بسخرية شديدة :
_ يبدو أن سمو الأمير غفل عن أن تاج الملك سقط عن رأسه منذ اشهر وأن عباءة الملك قد ضاقت عليه، ما يزال يأمر وينهي وكأنه في قصره، لكن لا بأس سنكمل الطريق معه ونرى نهاية ذلك الطريق ....سمو الأمير نزار .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنا لا أريد المغامرة بهذا الشكل أرسلان فقط دعنا نتريث ونفكر في الأمر بشكل صحيح .
حرك أرسلان عيونه صوب صوت العقل الوحيد في هذه الجلسة، يقلب عيونه بملل شديد، ثم أخرج زفرة مرتفعة من صدره ومن بعدها تحدث بكل هدوء وبملامح تخبرك أنه على وشك التحدث بشيء هام :
_ إيفان أنت أكثر انسان متعقل ومتريث وممل بهذه الحياة، انصحك بخوض حرب لربما تعيد الشغف والحماس بحياتك، إن أردت أنا متفرغ هذه الأيام..
رفع إيفان حاجبه يردد بسخرية :
_ اشكرك، فأنا عندما اريد إدخال الحماس على حياتي بالطبع لن أستعين بك .
ابتسم له أرسلان وفتح فمه ليتحدث لولا صوت سالار الذي تدارك ما كان على وشك الحدوث :
_ دعونا نتنفس ونفكر بهدوء قبل صدور أي قرار أو نشوب أي شجار ..
نظر صوب إيفان يهتف بجدية :
_ أنا أوافق أرسلان القرار .
ابتسم أرسلان يعود بظهره للخلف وهناك لمحة تشفي ارتسمت على وجهه، ليكمل سالار وبكل هدوء :
_ لكن بالطبع ليس الخطة، خطته تحتاج بعض اللمسات والتعديلات لتتلائم مع البشر العاديين وليس الوحوش أمثاله .
أطلق أرسلان صرخة حانقة، ثم ضرب الطاولة :
_ خسئت أنت واشباهك الاربعين سالار، أتعيب بي وبخططي؟؟ خسئت مليون مرة .
نظر له سالار يهز كتفه بهدوء :
_ لنتحدث بجدية عزيزي مثل هذه الخطط لا تلائم إلا المتحولين امثالك، نحتاج لخطة تتلائم مع البشر العاديين .
ابتسم أرسلان وقد بدأ يهدأ يردد بجدية ومزاح:
_ لا اعتقد أن ما يلائمني يلائم غيري من عامة الشعب والبشر العاديين امثالك، فمنذ متى وكان لي شبيه سالار ؟!
تمام سالار بضيق :
- هذا من حسن حظنا، وليرحمنا الله من سلالتك ومن يخلفك .
_ لقد سمعتك ..
_ وهل تظنني خائفًا لذلك ؟؟ اسمع ما تشاء لا يهمني .
تنفس ازار بصوت مرتفع وقد صمت بما فيه الكفاية :
_ ألن ننتهي من هذا؟؟ دعونا ننتهي رجاءً مما يحدث هنا لنتناول الغداء فأنا قد فاتني الفطور .
تحدث أرسلان بجدية وقد سئم كل ذلك :
_ حسنًا يا سيد سالار جوبان، انبأني بما تفكر به وابهرني .
ابتسم له سالار وهو يشمر أكمامه ثم نهض يسحب الخارطة يفتحها أمام الجميع وهو يميل عليها مرددًا بصوت شبه مسموع :
_ هذا اسهل ما يمكنني فعله عزيزي، أن ابهر الجميع هو شيء اعتدت فعله طوال عمري ...
ابتسم له أرسلان بسخرية وهو يخلع معطفه يكتفي بثيابه العادية يميل على الطاولة يسحب طرف الخارطة له :
_ وتقولون عني متكبر ؟؟
نظر له سالار بخبث قبل أن يهمس وهو يضع يده على نقطة انتبه لها الجميع :
_ إذن ما رأيك بــــ
نظر أرسلان حيث يشير سالار، ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة يهمس بنبرة غامضة بعض الشيء :
_ يمكنني الاعتراف وبشكل مبدأي مؤقت، أنك يا رجل رائع ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هل وجدتيها ؟؟
_ لا، لا أعلم أين هي .
صمتت كهرمان وهي تفكر في شيء قبل أن تتحدث بما يدور في ذهنها :
_ هل تعتقدين أنها ذهبت لأخي ؟!
هزت تبارك كتفها بعدم فهم، ثم تحركت تجلس على الفراش الخاص بها تتنهد بتعب وقد نسيت أخذ الدواء الخاص بها منذ جاءت تقريبًا وقد انشغلت بالتعرف على محيطها ولولا سالار ما كانت أخذته البتة .
_ لا تقلقي لا اعتقد أنها تفعل شيئًا يسترعي كل هذا القلق، لربما ذهبت تسير مع قردها بعض الوقت أو ما شابه .
فركت كهرمان وجهها ثم تحدثت بتوتر :
_ لا أعلم، ما يقلقني هو عدم وجودها بأي مكان قد تكون به و.... أخشى أن تكون قد سقطت في مشكلة ولا أحد معها يساعدها خاصة أنها أخبرتني أنها ستأتي للجلوس معنا قبل موعد الغداء .
بدأ القلق يتسرب لصدر تبارك :
_ إذن ماذا نفعل ؟؟
_ لا ادري نذهب للبحث عنها، لربما عادت لغرفتها أو غيره، فقط تحركي معي لنرى أين هي ..
وعلى بعد كبير منهما كانت الأخيرة تقف خلف الباب تطرقه بعنف صارخة تحاول الخروج، لكن لا شيء لا احد يسمعها، ولا أحد يجيب .
_ اخرجوني من هنا، هل هناك من يسمعني ؟؟
بدأ صبرها ينفذ، منذ عشر دقائق وهي تستغيث ولا من مجيب .
زفرت بصوت مرتفع :
_ جيد نهاية مأساوية لحياة مملة كحياتي .
انهار جسدها ارضًا تستند على الباب وهي تتنفس بصوت مرتفع تحاول تهدئة نفسها ببعض الكلمات التي ربما تخفف من وطأة ما حدث عليها حتى يفتقدها أحدهم ويبحث عنها، أو ربما يأتي أحدهم للمكتبة صدفة رغم شكها في هذا فالمكان هنا يبدو أن لا أحد يخطو له في العادة .
_ يبدو أن سكان هذا القصر لا يحبون القراءة .
دفنت وجهها بين اقدامها وهي تفكر في طريقة للخروجة والنجاة لتسقط دون شعور في نيمة عميقة، مع احلام غريبة .
ــــــــــــــــــــــ
_ يبدو هذا جيدًا لي، أنا أوافق على ما قيل .
كانت هذه كلمات آزار فابتسم إيفان يوافقه الرأي ويؤيده :
_ نفس الرأي هنا، أنا أوافق هذه الخطة.
ابتسم سالار لأرسلان الذي لم يمرر ما يفعلونه دون وضع لمساته الشخصية وحينما انتهى الجميع نظر لهم أرسلان يردد واخيرًا براحة مؤقتة حتى ينتهي من كل ذلك :
_ إذن هل نتحرك لتناول الطعام قبل أن ينفجر الملك آزار في الجميع ؟؟
ابتسم سالار :
_ كل شيء لأجل الملك آزار كلنا طوع أوامره هنا ..
ابتسم له آزار وقد غمر الدفء صدره من كلمات سالار والذي كلما شعر أنه سيغوص في أفكار سوداء بخصوص ولده أو ذكريات سيئة وجد سالار يلقي له بطوق نجاة كي يتمسك به ويخرج من بحار الذكريات هذه.
_ لا حرمني الله من يا بني.
راقبهم أرسلان ببسمة يدعو لهما بالسعادة رغم وجود جزء صغير داخل صدره به غصة، هو يومًا لم يجرب كل تلك المشاعر، والده لم يكن من ذلك النوع الذي يحب الاحتضان أو التربيت بحنان، هو كان من النوع الذي يبتسم فقط حينما يراك تحمل سيفًا بشكل صحيح، أو تقتل قذرًا بطريقة صحيحة، وهو لا يقنط ولا يبتأس، هو يحمد الله على ما وصل له بسبب تنشأة والده له، ويحمد الله على أن نشأ في كنف والدته ومعه صغيرته، رغم أن المسؤوليات التي تركها له والده لم تعطه الفرصة كي يتمتع بكل ذلك، لكنه رغم ذلك لا يسعه سوى أن ينبث بالحمد ويرضى بكل ما كتبه الله له .
أفاق من أفكاره على صوت إيفان الذي قال بهدوء :
_ إذن بما أننا انتهينا من كل هذا فسوف نرحل .
انكمشت ملامح أرسلان بقوة وقد شعر بالضيق من هذه الفكرة :
_ ماذا؟ مبكرًا هكذا ؟؟
- أي مبكرًا هذه أرسلان نحن هنا منذ أيام تاركين المملكة في يد دانيار والذي أكاد أجزم أنه يقضي نصف يومه ملتصقًا بشقيقتي أينما سارت .
ختم حديثه بنبرة حانقة غاضبة وكأن ذلك الأمر يثير سخطه، ابتسم له أرسلان يردد بنبرة ساخرة :
- مزعج ها ؟!
نظر له إيفان بتسائل ليحرك له أرسلان حاجبه :
_ ذلك الشعور مزعج للغاية، أن يأتي شخص مثلك ويتبجح ويختطف منك أميرتك ويحتفظ بها جواره طوال الوقت حارمًا إياك من رؤيتها فقط بحجة أنه زوجها، فما بالك لو كان هذا الزوج بعيد عن عيونك كما أنت أيها السارق .
ختم حديثه يلقي كلمته في وجه إيفان بضيق وغضب ومازالت نفسه لم تتقبل بعد أن إيفان سلبه شقيقته، لا يزال يتذكر انقباضة صدره واختناقه يوم زفها له، يا الله عسى ألا يحيا ذلك الشعور مجددًا.
_ أنت محظوظ بما يكفي لأن الله كفاك شر شقيق مهووس بشقيقته، هذا حقًا مقيت .
ابتسم أرسلان وهو يرفع عيونه في وجه إيفان يردد بجدية وهو يميل عليه :
- وهل ظننت أنني سأكون بحكمتك في التعامل مع شقيق زوجتي إن كان لها شقيق مثلي أو مثلك، حين تصبح امرأتي على اسمي حينها لا حق لأي إنسان على هذه الأرض فيها سواي، ستكون ملكية حصرية لي .
رمقه إيفان يردد بصوت خافت متحدي :
_ يبدو هذا خيارًا جيدًا لي أيضًا يمكنني فعل هذا مع زوجتي الحبيبة
_ حسنًا من سوء حظك أنني شقيقها، لذا ما ستفعله لن ينطبق عليّ .
كاد إيفان ينجرف معه في نقاش حاد، لولا ارتفاع صوت سالار الذي نطق بجملة محذرة وكأنه يتعامل مع اطفال :
_ هل أنتم على وشك التشاجر الآن ؟؟
ابتسم إيفان يبتعد عن أرسلان يردد بود وهو يربت على كتف أرسلان :
- نتشاجر ؟؟ نحن ؟؟ أبدًا، صحيح آرس ؟؟
هز أرسلان رأسه بموافقة فهو لا قبل له في هذه اللحظة بسماع خطبة طويلة من سالار ومناقشته وعناده، ربما بوقت لاحق يفعل، لكن الآن رأسه يؤلمه لذا اختصر كل ذلك يربت على كتف إيفان بالمثل:
_ صحيح يا إيڤان .
رفع ستلتر حاجبه بسخرية ثم همس :
_ ما نطقتما به منذ ثواني أكبر دليل أنكما كنتما على وشك التشاجر، ممثلان فاشلان.
في تلك اللحظة وقبل أن ينطق أحدهما بكلمة يبرر بها ما يحدث سمع الجميع صوت أحد الحراس يدخل المكان بهدوء شديد وهو يردد :
_ اعتذر عن المقاطعة ولكن الملكة كهرمان تطلب الدخول رفقة زوجة القائد.
اعتدل سالار في جلسته حين سمع عن مجيئ زوجته يراقب الباب بهدوء ولهفة شديدة، بينما أرسلان أعطاه الأذن لدخولهم، وبمجرد أن ولجت كهرمان هزت رأسها بتحية صامته تحدث الجميع من وراء غطاء الوجه الخاص بها :
_ اعتذر للمقاطعة، لكن الأمر هام، نحن نبحث عن سلمى منذ ساعات وحتى الآن لم نبصر لها من أثر.
انتفض جسد أرسلان بقوة لدرجة أن مقعده سقط بقوة خلفه يردد بعدم فهم وهو يتحرك صوب شقيقته :
_ منذ ساعات ؟؟ هل بحثتي في الحديقة الــ
قاطعته كهرمان بلهفة وخوف شديد :
_ بحثنا في كل مكان اخي ولا أثر لها .
همس أرسلان بصدمة وصوت خرج منه مبهوتًا وكأن يتحدث من بئر سحيق وكم المته تلك الفكرة :
_ هل ...هل رحلت ؟؟
سقطت دموع كهرمان على ملامح أخيها الشاحبة وشعرت بالضيق لأجله :
_ لا ...لا أدري، لكن لا اعتقد ذلك فهي لم تأخذ قردها لقد وجدته في منطقة الصغار يلعب معهم، ربما ...ربما خرجت وضلت طريقها أو... ربما خرجت و...
صمتت لا تعلم ما يمكن قوله في هذه اللحظة، بينما تبارك نطقت باول شيء خطر في عقلها وقد شعرت بالخوف في هذه اللحظة :
_ ذلك الرجل في السوق، ربما آذاها بسبب ما قالته في المرة الأخيرة، ذلك الرجل كان يحدق في وجهها بشكل مريب .
استدار أرسلان بقوة صوب تبارك وبوجه مرعب يهتف بنبرة جعلت تبارك تبحث عن سالار وتتحرك له، أرسلان بملامحه الجامدة كان يخيفها منذ أول مرة ابصرته مصابًا في كوخ سالار، فما بالكم الآن وهو بكامل صحته وفي فورة غضبه، وسالار حين أبصر نظرات أرسلان المخيفة تلك تحرك يشكل حاجزًا بينه وبين زوجته يرجعه للخلف محذرًا إياه بعيونه :
_ أرسلان ما بك، لا تنظر لها بهذه الطريقة .
رفع أرسلان عيونه صوب سالار يهتف بملامح منقبضة وفكرة أن أحدهم اذاها في الخارج وهو هنا لا يعلم شيء تصيبه بالجنون، الفتاة أمانته وهو الآن لا يدري عنها شيئًا .
صاح بصوت شبه مرتفع يراعي وجود نساء معهم يحاول التماسك :
_ سالار أنا لست احمقًا لأمس زوجتك بسوء، فقط دعها تخبرني ما تقصد، من هذا الرجل الذي تتحدث عنه قبل أن ينفجر غضبي في الجميع وأولهم أنت .
رمقه إيفان بشك وقد شعر في هذه اللحظة أن ما يحدث قد تخطى حدود الوصية التي أخبرهم عنها، الرجل يكاد يفقد صوابه لأجل اختفاء المرأة عن عيونه لساعات، ويخبرهم أنها وصية يحفظها .
نظر صوب كهرمان يردد بصوت هادئ كي ينهي كل ذلك إذ يبدو أن سالار في حالة لا تسمح له للتصرف بعقله عندما يتعلق الأمر بسلامة زوجته، فهو الآن يقف أمام أرسلان بعناد يخفي خلفه زوجته رافضًا أن تتحرك أو تتحدث كلمة خوفًا أن يزداد رعبها وتسوء حالتها بسبب مرضها الذي لا يعلم الكثيرين عنه ...
_ كهرمان اخبرينا أنتِ إن كنتِ تعلمين عما تتحدث به سمو الأميرة .
أمسكت تبارك بثوب سالار من الخلف ليشتد غضب سالار وهو يمسك كفها يضمه بقوة أكبر وكأنه يعدها بصمت أنه هنا لأجلها .
ابتلعت كهرمان رأسها تقول بصوت هادئ حاولت صبغه بالجدية وهي ترى نظرات أخيها التي تحركت صوبها :
_ هي ...المرة الأخيرة التي خرجنا بها للسوق سمعنا أحد الرجال يتحدث بشكل سييء عن أخي و....
صمتت حين رأت نظرات أرسلان المصدومة من حديثها واكملت دون توقف ما حدث تخبرهم بالضبط ما صدر من بعض الأشخاص وما فعلته وقالته لهم سلمى، وحديث سلمى في طريق العودة أن هناك بعض الرجال نظراتهم لم تكن طبيعية بينهم .
_ لكن أخي لا اعتقد أن هناك أحد قد يمسها بسوء و.....
لكن أرسلان لم يتوقف لسماع أي تبرير منها وهو يهتف بصوت مرتفع :
_ يا المعتصـــــــــــــــــــــم .
انتفض المعتصم من مقعده بعدما كان يلتزم الصمت طوال الاجتماع حتى يستلزم الأمر تدخله، تحرك خلف أرسلان بسرعة مهرولًا :
_ مولاي .
_ خذ بعض الرجال وتحرك في المدينة، الجزء الشمالي، وانا سأبحث في الأسواق .
نظر له سالار ثواني قبل أن يتنهد بصوت مرتفع يتحرك خلفه :
- انتظرني سآتي لمساعدتك في البحث عنها .
نظر صوب تبارك يربت على رأسها بهدوء هامسًا لها بصوت حنون :
_ لا تخافي مهجتي ما كان لأرسلان مهما بلغت ثورته أن يمسك بسوء، هو لم يقصد اخافتك .
وتبارك كانت تعلم ذلك، لكن خوفها منه كان دون إرادتها، هي فقط تراجعت حين أبصرت غضبه، تحرك سالار بعدما أوصاها بنفسها وكذلك فعل إيفان الذي خرج خلف الجميع .
يتحدث لسالار بصوت جاد وهو يراقب خطوات أرسلان الواسعة صوب خيله يبتسم بسخرية مما يحدث :
_ أين أبصرت هذا المشهد من قبل يا ترى ؟!
علم سالار إلاما يلمح فردها له بسرعة قبل حتى أن يستوعب أنه تلقى الضربة :
_ يوم سمعنا خبر اختطاف الأميرة كهرمان ..
ابتسم إيفان بسمة واسعة مغتاظة يتحرك بخطوات شبه متحركة :
- أنت حقًا ....مستفز سالار .
_ من بعض ما لديكم مولاي .
ختم سالار يصعد على ظهر حصانه بقوة، ومن ثم نغزه لينطلق بسرعة خلف حصان أرسلان الذي اندفع كالقذيفة من
مدفع ومعهم إيفان...
ومن ورائهم المعتصم مع بعض الرجال ليسلك طريقًا مختلفًا عنهم يبحث عنها في جزء آخر لربما جرفتها أقدامها للسير في الطرقات .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس في غرفتها الآمنة وهي تحشر جسدها في الزاوية تحاول أن تهدأ من أفكارها التي تدور وكلما مرت بها ذكرى مع ذلك الرجل اشتد غضبها حتى وصلت لنقطة ولدها الصغير، القشة التي قسمت ظهر البعير .
عند هذه النقطة انهارت كل قوى توبة التي سقطت رأسها ارضًا تنوح وتبكي وتصرخ، تتأوه وتنادي ولدها، ولدها الصغير المسكين والذي كان كل ذنبه أنها لم تحسن اختيار والده .
بكت وبكت حتى شعرت أن عيونها تكاد تنفجر من شدة البكاء، جرحها ما يزال حيًا ولن يميته سوى موت من تسبب به .
_ اه يا صغيري، عسى أن يرحمك الله ويلحقني بك يا عزيزي، عسى أن يلحقني الله بك على خير ويخرجني من هذه القرية الظالم أهلها .
كانت تهمس تلك الكلمات من بين شهقاتها التي توقفت فجأة حين سمعت صوتًا جوارها يردد بجدية ونبرة تدركها جيدًا أكثر من أي شيء في الحياة كيف لا وهي كانت تنام عليها وتستيقظ بها ..
_ مرحبًا بأم محمد، ما أسعد قلبي برؤيتك بخير حال وما تزالين حية .
اضطربت نبضات قلب توبة التي اهتز جسدها بقوة لسماع صوته بهذا القرب، القرب الذي منّ الله عليها أن حرمها منه، ارتجف جسدها بقوة وهي ما تزال ساقطة ارضًا دافنة وجهها أسفلها ..
تقاوم وتقاوم نفسها، لكن وكأن شيطان تلبسها إذ انتفض جسدها فجأة وبقوة دون أن تشعر حتى بما تفعله وقبل أن يتوقع أنمار ردة فعله، كانت تنقض هي عليه تمزق وجهه بأظافرها وهي تصرخ في وجهه وتوجه له الضربات في كل مكان تطاله :
_ أيها الوسخ، أيها الحقير، عسى أن تحترق بنيران جهنم يا وسخ، لا أراك الله خيرًا في حياتك ولا سعادة، لا شهدت يومًا سعيدًا ولا رغدًا، عسى أن تخلد في النار مع امثالك من الكفار يا حقير .
كانت تضربه وانمار أسفلها يحاول دفعها، لكن قوى الغضب التي تلبست جسد توبة في هذه اللحظة كانت تعادل قوى خسمة رجال أشداء، تضرب وتصيب كل ما تقع يدها أو قدمها عليه، حتى كادت في إحدى الضربات تفقأ عيونه، لولا شعورها بيد تجذبها بقوة بعيدًا عنه وصوت يصرخ خلفها أن تتوقف .
تنفست بصوت مرتفع وهي تتململ بين يديّ الفتاة التي كانت تحاول تهدئتها :
- توقفي أيتها الغبية إن قتلتيه ستموتين خلفه، توقفي عن غبائك هذا .
استدارت توبة بقوة ترفع يدها وتصفع الفتاة دون حتى أن تعلم من هي، كان المارد الذي تلبسها في قمة جنونه وغضبه وهي تتراجع للخلف تصرخ بهم جميعًا :
_ ارحلوا، اخرجوا من هنا، لا تلوثوا عيوني برؤيتكم .
رفعت الفتاة والتي لم تكن سوى نفسها الراقصة التي كان زوجها يغازلها تلك الليلة :
_ حسنًا اهدأي سنخرج، فقط توقفي عن الصراخ بهذه الطريقة كي لا يشعر بكِ أحدهم وحينها لن يعجبك ما سيحدث لكِ .
كانت توبة تراقبها بأعين حمراء وصدرها يعلو وينخفض في اضطراب محسوس قبل أن تشير للخارج صارخة بكل ما تبقى لها من طاقة :
_ للخارج ....للخارج .... اخرجوا من هنا .
نهض أنمار ببطء وهو يتحرك صوبها وقد التمعت عيونه بشر مرعبةلو أبصرته توبة لأرتجفت، يتحرك صوبها وهو يخرج سكينه يبتسم بسمة مريبة :
_ أيتها الـ***** اقسم أنني سأشوه ملامحك هذه حتى لا تتعرفي عليها إن ابصرتيها صدفة .
وقبل أن يصل لها أمسكت الراقصة يده بسرعة تجذبه بعيدًا عنها وهي تصرخ :
_ لا لا ...لا تفعل أنمار لا تنس سبب إحضارك لها هنا، إن تسببت لها بشيء فسوف تخسر بطاقتك الرابحة، توقف والجم شياطينك ...
نظر لها أنمار برفض وقبل أن يتحدث بكلمة جذبته الفتاة بسرعة للخارج وهي تمنعه حتى النظر لها تتحدث معه بكلمات لم تصل لتوبة التي كانت ما تزال تقف مكانها لا تسمع ولا تبصر شيء حولها، ظلت واقفة دقائق طويلة لا تسمع ولا ترى شيء وآخر ما ابصرته قبل انهيارها الثاني كان وجه نزار الذي صُدم من هيئتها يهتف بقلق وخوف :
_ سمو الأميرة ؟؟ هل أنتِ ....بخير ؟؟؟
وقبل أن يتبع سؤاله بسؤال ثاني كانت توبة تنفجر في بكاء حار وهي تسقط ارضًا بقوة كادت تصيبها بكدمات لا تُشفى بسهولة لولا يد نزار الذي تلقفها بسرعة بين ذراعيه ودون شعور يهتف بلوعة ورعب عليها وعلى حالتها التي لم يبصرهت قبلًا :
_ يا ويلي توبـــة ..
انهارت توبة بين ذراعيه انهيارًا لم يشهده نزار سابقًا وقد تيبس جسده لا يستطيع التحرك، ولا يعلم ما يجب فعله، فقط يراقبها بأعين شاخصة يرفض لمسها واستغلال لحظات ضعفها، اغمض عيونه وهي تتمسك بسترته تبكي وتصرخ بكلمات اخترقت وأحرقت صدره .
وهو فقط يتنفس بصوت مسموع مغمض الأعين يهمس لها بكلمات لم تصل لها بسبب اصوات بكائها .
_ لا بأس سمو الأميرة، كل شيء سيكون بخير، سأقتص لكِ اقسم، كل شيء سيكون بخير ..توبة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البرد بدأ ينخر عظامها وقد كان حجم المكتبة الواسعة لا يساعد البتة على إيجاد مكان لتدفئ نفسها، ابتلعت ريقها وهي تتحرك في المكان وقد يأست أن يسمع أحدهم ندائها، تحرك عيونها هنا وهناك تبحث لها عن مخرج، ولم تجد سوى النافذة العملاقة التي تتوسط الجدار الجانبي لتكون مخرج لها من المكان .
ابتلعت ريقها تتنفس بصوت مرتفع تذكر نفسها بكل أساليب الحماية التي اكتسبتها من عملها، حسنًا هذه ليست المرة الأولى التي تُسجن بها، بل هذه وإن صدق تعبيرها اهونهم، على الأقل ليست مسجونة مع مختل في مكانٍ قذرٍ نائي كرهينة، أو حتى سُجنت في زنزانة باردة رطبة مع مجنون يساومهم على حياتها ...
بالتفكير في حياتها السابقة تدرك الأن أنها تحيا في هذا القصر أكثر فترات حياتها رغدًا .
توقفت أمام النافذة تفكر في طريقة تخرج بها من المكان، حسنًا المسافة لم تكن كبيرة لهذه الدرجة، ربما يمكنها فعلها حقًا والخروج من هنا .
جلست على النافذة من الداخل تنظر حولها في البداية للمرة الألف ربما وجدت من يساعدها دون الحاجة لتقديم عروض سرك، لكن مجددًا لا أحد.
تنفست بصوت مرتفع تخرج بجسدها كله من النافذة تجلس عليها وهي تدرس الوضع حولها في البداية، وبمجرد أن رفعت يدها عن زجاج النافذة لتتحرك على النتوء الموجود في جدار القصر سمعت صوت النافذ تنغلق بقوة وكأنها تغلق أمامها جميع الأبواب إن فكرت في العودة، لكن الأدهى أنها انغلقت على قدمها لتطلق صرخة وهي تسحبها بصعوبة تتأوه بصوت شبه مرتفع، كبتت دموعها بصعوبة تضم يدها لصدرها .
_ حسنًا كانت هذه فكرة سيئة، اسوء حتى من استفزاز وغد يعاني من اختلال في عقله، بدأت حياتك تخرج عن نطاق سيطرتك سول، الأمور من سييء لأسوء عزيزتي .
نظرت للاسفل تبحث عن طريقة للخروج لتجد جزء نتوء من الجدار يمكنها الاستناد عليه للنزول، لكن مع فستانها كان الأمر صعب بعض الشيء .
تنفست بصوت مرتفع وهي تغمض عيونها بقوة تحاول أن تتمالك نفسها :
_يا الله فقط لينتهي كل هذا على خير، فقط لينتهي كل هذا على خير وأقسم ألا اقترب من المكاتب والكتب مجددًا، لطالما كنت أرى المكاتب اماكن مخيفة ما كان عليّ المجئ لها .
تنفست بصوت مرتفع وهي تنظر للأسفل مرات ومرات قبل أن يشتد امساك أصابعها للجدار خلفها وتجلس على النتوء وهي تحاول أن تهدأ وقد قررت العودة مجددًا لكن وجع قدمها حال دون ذلك :
_ فقط لنهدأ ونأخذ نفسًا عميقًا و......
_ يا ويلي هنـــــــــاك امرأة تحاول الانتحار هنا .
فتحت سلمى عيونها بسرعة وهي تنظر حولها تبحث عن تلك المجنونة التي تحاول الانتحار فبينما هي هنا تكافح لأجل الحياة هناك من يحاول إنهاء خاصته، بدأت صرخة الفتاة في الاسفل تعلو والجميع يتجمع في المكان وهي تبحث بعيونها عمن يحاول الانتحار لربما استطاعت معالجته لهذا المريض و....بالتفكير لثواني في الأمر ورؤية التجمهر أسفلها أدركت أنها هي ذلك المريض .
ابتسمت بصدمة وهي تهتف :
_ أوه هذه الحفلة على شرفي أنا ؟؟ صرختها أحضرت كل هؤلاء وصرختي أنا لم تجد صداها لدى أحدكم؟؟ عار عليكم يا قوم ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لنعد للقصر أرسلان لقد بحثنا بكل مكان ولا أحد هنا .
كان صدر أرسلان مشتعل وهو يشعر بنيران الغضب تزداد داخله أكثر وأكثر، هل يمكن أن يؤذها أحدهم ؟! هل يمكن أن تقع في ورطة وهو ليس هناك ليساعدها وبسببه .
جذبت خصلاته بقوة وهو يطلق صرخة عالية .
_ فقط لنعد ونبحث بالقصر لربما غفلنا عن مكان لم نبحث به أرسلان .
رفض أرسلان بتعنت شديد وعناد كبير :
_ والله لن يحدث، لا يمكنني العودة وهناك احتمال ضئييل أنها ضلت طريقها هنا في مكان ما، لربما كانت خائفة وحيدة، هذه ....هذه بلاد لا تعرفها ولا تعرف بها شيئًا، الله وحده يعلم ما تمر به الآن أنا فقط ....أشعر بالعجز .
نظر له سالار يقدر ما يمر به، فهو إن كان محله لفعل مثله وأكثر، ابتلع ريقه يحاول أن يتخذ خطوة صوبه وحين قرر فتح فمه، سمع الجميع صوت خيل يركض صوبهم بقوة كبيرة وصوت جندي يهتف :
_ مولاي، مولاي لقد وجدنا المرأة، إنها في القصر تجلس على جدار المكتبة الخلفي تحاول الانتحار.....
استدار له أرسلان بلهفة كبيرة وقد اتسعت عيونه براحة سرعان ما تلاشت حين سمع جملته الأخيرة ليهتف بصدمة كبيرة :
_ تحاول ماذا ؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت ترمق الجميع من الاعلى وهي تشعر بصدمة مما تسمع البعض يتحدث عنها بأمور لا تعرف من أين خرجوا بها حتى والبعض الآخر مرتعب من أن تقفز وهي فقط تحاول التحدث بكلمة حتى أبصرت رجل يتحرك بين الجموع يدفعهم جانبًا صارخًا بجنون :
_ ابتعدوا ابتعدوا من هنا ما الذي تفعلونه بالله عليكم ؟؟ بدلًا من المساعدة تقفون هنا وتحدقون كالحمقى ؟؟ زيان أصعد للمكتبة وافتح لها النافذة من الداخل .
ختم حديثه ثم أشار لأحد الرجال :
_ اذهب وأحضر سلم خشبي تحسبًا لأي شيء قد يحدث، تحرك رجاءً
كانت تلك الجملة خارجة من فم تميم الذي نظر للمرأة وهو يخشى أن تذل قدمها في أي ثانية، لا يعلم ما يحدث فهو للتو كان يسير مع زيان صوب غرفته ليستقر بها بعد يوم شاق في تركيب الأسلحة التي جاء بها ليسمع كل تلك الضوضاء ويأتي فيبصر ما يحدث .
في نفس الثانية وصلت كل من تبارك وكهرمان التي شهقت بصدمة تردد برعب :
_ يا ويلي سلمى ما الذي حدث هنا ؟؟ كيف ....كيف وصلت هنا و...
فجأة توقفت حين تذكرت نصيحتها لها أن تزور المكتبة إن أرادت قراءة تاريخ مملكتهم .
_ كيف نسييت هذا يا ويلي .
راقبت تبارك ما يحدث بأعين مرتعبة وهي تدعو الله أن تهبط المرأة على خير تتمتم بصوت منخفض :
_ يا منجي من المهالك يا رب، يا رب سلم ...
كان تميم يراقب ما يحدث وهو يدعو الله ألا تذل قدمها، ومن بين كل ذلك صُدم من الكلمات التي اصطدمت بأذنه من إحدى النساء :
_ ربما تود إنهاء حياتها بسبب ما فعلته تلك الليلة، أخبرتكم أنني ابصرتها ذات يوم تخرج مساءً من جناح الملك ترتدي معطفه وقد دخلت دونه .
صمتت ثم أكملت :
_ بالتأكيد حدث شيء و...
ولم تكد كهرمان تتحدث بكلمة، حتى توقفت الفتاة عن الحديث حين استدار لها تميم يصرخ بنبرة مرعبة وكلمات جعلت بدنها يهتز رعبًا :
_ صـــــــــــــه، تلقين امرأة مثلك بالباطل وأنتِ تعلمين حد رمي المحصنات ؟؟
ارتعش جسد الفتاة برعب وهي تنظر حولها تحاول أن تختفي بجسدها بين الجموع وقد كانت هي ذاتها الفتاة التي سجنت سلمى في المكتبة وهي نفسها المرأة التي كانت تراقبها تبارز أرسلان ذلك اليوم، امرأة اضنتها الحياة وغدر بها حبها الوحيد .
كبتت دموعها وارتعشت خوفًا مما ذكر تميم الذي تعرفت عليه سريعًا، وخافت وبشدة أن يذكر شيء لدى الملك أرسلان، وبالنظر لملامح وجه تميم علمت أن نهايتها اقتربت هنا فانسحبت بسرعة ولم تكد تخطو خارج المكان حتى سمعت صوت صهيل يقترب ...
رفعت عيونها كما الجميع صوب الجهة التي تقدم منها أرسلان والذي لم ينتظر ليتوقف حصانه وقفز عنه بسرعة مخيفة وهو يهرول بين الجموع يدفع الأجساد جانبًا يراقب ما يحدث بأعين متسعة وحين وصل أسفل المكان رفع عيونه صوب سلمى التي كانت تقف في الاعلى وهي تراقب الجميع بوجه شاحب .
همس بصدمة كبيرة :
_ ما الذي يحدث هنا ؟؟
أما عنها فوق فكانت تدور بعيونها بين الجميع حين سمعت صوتًا يأتي من الداخل :
- سيدتي سوف احاول فتح النافذ لأجلك فقط اصمدي رجاءً
هزت سلمى رأسها تجيب ببسمة صغيرة رغم كل ما يحدث ورغم وجع قدمها الذي ازداد حدة الآن بسبب توترتها ربما :
_ لا امتلك خيارًا ثانيًا سيدي، فقط أسرع رجاءً فقد بدأت افقد تماسكي ...
حاول زيان من الداخل فتح النوافذ، لكن يبدو أنها كانت عالقة، حاول مجددًا وهو يجاهد معها ليصيح بصوت مرتفع لمن بالاسفل :
_ النافذة عالقة ..
بينما سلمى تحرك عيونها على الجميع، حتى ابصرته بين الجميع يراقبها بأعين متسعة وملامح الخوف واضحة على عيونه لتهمس دون وعي :
_ جلالة الملك ...
وكأنه سمع همستها ليتحرك بسرعة يود الصعود ليساعدها يدفع الجميع جانبًا صارخًا بهم أن يتحركوا من المكان، ولم يهدأ إلا حينما أبصر الدرج الخشبي الذي جاء به أحد الرجال ليصيح بصوت مرتفع :
_ تماسكي سوف ...آتيك، تماسكي .
أمسك السلم الخشب من الرجل وهو يثبته على الجدار يشير لها أن تتحرك وتهبط لتنظر له سلمى ثواني، ثم نظرت لقدمها التي بدأت تتورم، ومن ثم نظرت صوب أرسلان بعجز، ليسألها الآخر بعيونه عما يحدث .
_ لقد ...لقد أُصيبت قدمي لا استطيع النزول لا استطيع التحرك .
أطلق أرسلان صوتًا غاضبًا وهو يتجاهل السلم الخشبي فهو لا يستطيع مساعدتها به في هذه اللحظة على أية حال .
وفي لحظة وصول سالار وإيفان، كان هو يندفع بجسده صوب المبنى يتحرك بسرعة كبيرة على الدرجة ..
وحينما وصل للمكتبة دخلها مندفعًا يدفع زيان جانبًا يمسك أحد المقاعد يحطم زجاج النافذة بالكامل، ثم أخرج جسده يتحرك صوبها وهو يردد بصوت هادئ حنون ودون شعور منه :
_ هيا تعالى، اقتربي ...
نظرت له سلمى تقاوم وجع قدمها وهي تعرج صوبه وقد راقب أرسلان حركتها بحرص وأعين كالصقر وحينما وصلت له نظرت النافذة بعجز، وقبل أن تتساءل عن كيفية الصعود للنافذة وجدت يد أرسلان تقبض على خصرها وهو يرفعها بسرعة يجعل يده حائلًا بين جسدها وزجاج النافذة يردد براحة كبيرة وهو يجذبها للداخل وكأنه يطمئن نفسه لا هي :
_ أنتِ بخير ... أنتِ بخير .
تركها سريعًا وهو يشير لزيان أن يحضر لها كوب ماء، لتقاطعه هي بصوت خافت مرتعش :
_ لم أحاول الانتحار اقسم .
هز رأسه وهو ينظر لقدمها :
_ أعلم ذلك ما كنت لاصدق أنكِ قد تفعلين شيئًا بهذا الغباء .
هبطت دموع سلمى دون شعور وقد ارتاحت لكلماته ولم تدرك سوى في هذه اللحظة أن رأيه كان أكثر ما يؤرقها، ابتلعت ريقها تهمس بصوت منخفض وكأنها تريد نبرئة ساحتها أمامه فبعد كل ما أبصر من تصرفاتها وعنادها لم ينظر لها يومًا نظرة تقلل من شأنها :
_ أنا لست امرأة سيئة مولاي ..
رفع أرسلان عيونه لها يقول بثبات وقوة :
_ أقطع لسان من يقول عكس ذلك .
_ لقد ...لقد قالوا أنني......
صمتت ولم تستطع إخباره بما سمعت ليعقد هو حاجبيه حين سمع صوت زيان يعود مع الماء ومعه كهرمان وتبارك .
تحدث دون أن ينظر لأحد فقط يحدق في عيونها يطالبها بما حدث وعيونه تطلق نيرانًا، هو سيقطع الألسنة ولن يسمح لأحدهم بقول كلمة واحدة عليها سواء وافقت عرضه أو رفضته، لكنه قاله وبكل جدية :
_ ما الذي قيل في حقك؟؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
بداية الخبر امراة، وبداية الحريق شرارة
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل التاسع 9 - بقلم رحمة نبيل
#الفصل_الثاني_عشر | مخاوف تجسدت |
قبل القراءة تصويت على الفضل ومتنساش رأيك بعد القراءة
صلوا على نبي الرحمة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك على درج البناية وهو ينظر كل ثانية لساعة يده يحمل بين يديه هاتفه يتحدث مع أحدهم بسرعة كبيرة وتوتر اكبر :
_ فقط خمس دقائق واعود اقسم أنني حتى لا ادرك كيف نسيت أمر هذه الملفات، فقط انتظر خمس دقائق و....
وقبل أن ينتهي من كلماته تفاجئ بالباب الخاص بشقته يُفتح ووالدته تقف أمامه وهي تستند عليه ترفع الملف في وجهه تردد بغضب وهي تضربه به على رأسه:
_ إلى متى سأظل اركض خلفك بما يخصك راجيش ؟؟ لقد سئمت منك ومن مسؤوليتك يا فتى، فقط لو أنك سمعت لي وتزوجت تلك البرازيلية واحضرت لي أحفادًا برازيليين اربيهم لأجلك وهي اهتمت بك وبما يخصك لارحتني وارحت ذاتك، لكن لا تركت الفتاة تفر منك .
زفر راجيش بضيق شديد وشعر بالحنق من كلمات والدته التي لا تنفك ترددها على مسامعه كلما أبصرت وجهه وتذكرت أنهم استيقظوا ذات يوم ليبصروا منزل سول فارغًا .
امسك الملف من يد والدته :
_ حسنًا أمي، شكرًا لتحملك مشاكلي وصبرك عليّ بعدما اضعت زوجة برازيلية جميلة كــسول، الأن سأرحل و...
وقبل تحركه خطوة واحدة أمسكت أمه بثيابه وهي تجذبه لها تهتف من أسفل أسنانها:
_ اسمع أيها المعتوه يا رأس الحاسوب أنت، إن لم تعد لي محملًا بزوجة برازيلية ذهبية البشرة تحضر لي أحفاد مثلها اقسم أن اعيدك للهند سيرًا على الأقدام..
اتسعت عيون راجيش وقد شعر أن الأمر بدأ يشكل هاجسًا عند والدته وبدأ يتطور بشكل مرعب :
_ حسنًا، حسنًا لا بأس سأفعل، سوف أذهب الآن للعمل وحين عودتي سأحضر لكِ معي برازيلية ذهبية البشرة كـــسول .
ضيقت والدته عيونها ولم تكد تتحدث بكلمة، حتى أبصرت جسد يتحرك من أمامهما صوب الباب المقابل لمنزلها، ومن ثم توقف ينظر له ثواني، ثم فتح الباب ودخل بكل بساطة واغلق الباب في وجهها .
رمشت أم راجيش بصدمة كبيرة تهمس :
_ هل رأيت ما رأيت للتو يا ولد ؟! هذا الرجل الذي كان يأتي طوال الوقت لسول دخل الشقة منذ ثواني و....
شهقت فجأة بسعادة كبيرة :
_ أيعقل أن سول ستعود ؟؟
نظر لها راجيش بحنق وقد سأم كل هذا، عدل ثيابه، ثم استقام يهتف بجدية وهو يتحرك صوب الدرج يهرول للأسفل :
_ يمكنك سؤاله، سوف ارحل فقد تأخرت بما يكفي .
ختم حديثه يهرول على الدرج حتى كاد يصطدم بالشخص الذي كان يصعد في نفس اللحظة، اعتذر سريعًا دون أن ينتبه للشخص والذي لم يكن سوى جلال وأكمل طريقه خارج البناية بسرعة .
تحرك جلال على الدرج بسرعة كبيرة وهو ينتوي أن يؤدب ولده الذي يهوي تدمير حياته بيديه، شعر بنيران الغضب تملئ صدره وهو يندفع صوب الممر الذي يقع أمام منزل سلمى .
في الوقت ذاته الذي تحركت به أم راجيش صوب باب منزل سلمى بفضول كبير تسير على أطراف أصابعها وهي تنظر حولها في كل مكان قبل أن تتوقف أمام الباب ثواني، ثم مالت نصف ميلة كي ترهف السمع لمن بالداخل .
لكن فجأة انتفض جسدها حين سمعت صوت خطوات قادمة في الممر، لتبعد جسدها بسرعة وهي تعدل من ثوبها التقليدي ترفع رأسها للسقف وكأنها تتلو صلاة صامتة، في حين أن جلال لم يكن مهتمًا بكل ذلك وهو يطرق الباب بعنف شديد مغتاظًا من تصرفات ولده .
_ افتح هذا الباب خالد، لقد أبصرت سيارتك بالاسفل، هيا افتح هذا الباب .
وضعت والدة راجيش يدها أعلى فمها تراقب ما يحدث بفضول شديد، تسمع صوت الرجل يعلو أكثر وأكثر:
_ لن أسمح لك بتدمير حياتك بهذه الطريقة أيها الغبي، كان الأمر كله خطأي من البداية أن تركت لك حرية العيش في مثل هذه البلاد، لكن الأمر لن يستمر خالد هل سمعت ؟!
فجأة فتح خالد الباب لينظر صوب والده بملامح معترضة غاضبة، ليس من والده بل من كل ما يحدث حوله .
_ أبي فقط دعني اااا...
_ ادعك ؟؟ لا يا عزيزي يكفي الايام التي تركت لك حرية اختيار طريقة عيشك وفي الحقيقة اذهلتني بذوقك المقرف في حياتك، الآن حان الوقت ليتغير كل هذا .
شهقت أم راجيش شهقة صامتة وهي تتابع ما يحدث باهتمام شديد أكبر حتى من الاهتمام الذي كانت توليه لمسلسلاتها الدرامية، ترى ملامح خالد تتحول للاحمر وهو يتنفس بصوت مرتفع :
_ أبي رجاءً لقد أخذت قراري، أنا سوف أسافر للمنحة التي ...
_ لا يا عزيزي، بل أنا من أخذت قراري، أنت بالفعل ستسافر، ولكن ليس لأجل منحتك في بلاد الفجور التي تنتوي الذهاب لها لتكمل فساد روحك، بل سأرسلك في رحلة تستعيد بها نفسك وروحك، سوف ارسلك لمشكى وهذا قرار نهائي .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت كلمات الصبي التي نطقها بكل تلقائية تترد في أذن سلمى التي شعرت بقلبها يتصدع حين علمت ما يحدث، الفتاة ما تزال سجينة تلك اللحظات السعيدة التي كانت تمتلك بها والد وشقيق، لا تستوعب بعد ما يحدث في حياتها .
أقسمت في اللحظة التي سمعت بها كلماته أنها لن يهدأ لها بال، إلا حينما تعالجها وتخرجها من تلك الفجوة التي سجنت بها روحها دون شعور .
تنهدت بصوت مرتفع وقد كادت شهقاتها تتسبب في اختناقها، رأت في حياتها ما يشيب الرأس، لكن مثل معاناة فاطمة وهشاشتها لم تبصر .
كل ذلك وارسلان فقط يراقبها بصدمة وخوف من فكرة أن أحدهم آذاها لدرجة البكاء، همس دون شعور منه :
_ ما بكِ....أنتِ ....هل ...هل تسبب أحدهم في بكائكِ؟؟
ترك سؤاله معلقًا ثواني قبل أن يتبعه بجملة حادة :
_أخبريني، فأبكيه المتبقي من عمره .
ابتسمت سلمى دون شعور منها وهي تمسح دموعها ولم تكد تتحدث حتى ضربتها ذكرى فاطمة التي خرجت من المنزل تخبرها بكل براءة " هيا تعالي أمي في الداخل، لكن أخي وأبي ما يزالا في المسجد "
في هذه اللحظة، بكت أكثر وأكثر في أحضان أرسلان الذي كان يشعر بالريبة وهو ينظر حوله وكأنه يبحث عمن يساعده في تهدئتها عن البكاء داخل احضانــ
وفجأة حين ضرب الاستيعاب عقله ابتعد بسرعة كبيرة يسحب جسده منها لتشعر سلمى بأنها على وشك السقوط ارضًا لولا تماسكها في الجدار خلفها بسرعة .
اتسعت عيونها بصدمة مما حدث حتى أنها توقف عن البكاء ثواني، بينما أرسلان ابتعد أكثر وأكثر وهو يهمس لها بصوت مصدوم خافت يمسح ثيابه بسرعة وكأنه يزيح لمساتها عنه :
_ أنتِ يا امرأة وقحة .
اتسعت أعين سلمى أكثر وهي ترفع عيونها له وقد كانت ما تزال الدموع ملتصقة بها تهمس بعدم تصديق لما سمعت :
_ ماذا ؟!
وظن هو أن سؤالها كان لأنها لم تسمع ما قاله وليس استنكارًا، لذا أعاده بكل صراحة دون مماطلة أو تحسين حتى لكلماته :
_ أخبرتك أنكِ وقحة .
ابتسمت بعدم تصديق مما يحدث معها في هذه اللحظة :
_ وتعيدها مجددًا ؟!
_ أنتِ من سألني أن أفعل، قلتِ ماذا فظننت أن الصمم أصابك لذا أعدت كلمتي .
اتسعت بسمة سلمى أكثر وأكثر تراقب ذلك الإنسان العجيب:
_ وأنت.... أنت....حقًا لا أجد في عقلي صفة تليق بمثل شخصك .
وما كان من أرسلان سوى أن حرك رأسه موافقًا :
_ سعيد لأعترافك بهذه الحقيقة، لم يُعثر في قواميس اللغة بعد على ما يمكنه أن يصفني ويمنحني قدري .
ومن بين دموعها لم تشعر سلمى بنفسها سوى وهي تضحك ضحكة خافتة، تمسح دموعها بسرعة، وصوت ضحكاتها ما يزال يرن في المكان وارسلان يراقبها مضيقًا عيونه .
بينما هي فقط لا تصدق أي نوعية من الأشخاص هذا الارسلان.
_ شكرًا على لطفك مولاي، أقدر لك لحظات تفهمك حزني حقًا ومحاولتك التخفيف عني، كان هذا لطفًا منك .
ويبدو أنها ظنت صراحته مزاحًا ..
رمش هو دون فهم، قبل أن يردد بشك :
_ هل تسخرين مني ؟!
اتسعت بسمتها له تكتم ضحكة ثانية كادت تفلت من أسر شفتيها، تميل برأسها تنظر ارضًا وهي تمسح دموعها تحاول لملمة شتاتها الذي تبعثر على عتبات منزل فاطمة، وقلبها الذي ما يزال يجلس جواره حتى الآن ينوح على تلك الصغيرة .
_ العفو مولاي، ما كنت لأفعل أنا أتحدث بالصدق .
وفي الحقيقة كان أرسلان في هذه اللحظة يتمنى من أعماقه أن تكون نبرتها في نطق الجملة الأخيرة ساخرة كي يستطيع إيجاد رد مناسب لها، لكن أن تتحدث بهذه النبرة الجادة هذا ما الجم لسانه الحاد والذي لم يستطع أعتى الرجال لجمه يومًا وهكذا تعلن هذه المرأة انتصارًا جديدًا عليه، ليس بقوتها، بل برقتها.
رفع عيونه صوبها يحاول البحث عن رد عليها وقد شعر بعجزه عن الرد على تلك الجملة التي تمتدحه وقد كان هذا مريبًا عليه خاصة من فم امرأة.
كل هذا كان أمام أعين سلمى والتي لا أسهل عليها في هذه الحياة من قراءة أعين الغير، ورغم غموض نظراته وشخصيته في العادة، إلا أن أعين أرسلان كانت في غاية الشفافية في هذه اللحظة ...
كان أشبه بالطفل المشاغب الذي يفتعل المشاكل طوال ويتلقى التقريع من الجميع بكل برود، لا يهتم طالما أنه يدرك أن ما يفعله ليس خاطئًا، ليتفاجئ في مرة بأحدهم يربت على رأسه ويمتدح تصرفاته .
اتسعت بسمة سلمى أكثر وهي تردد بصوت خافت :
_ لماذا تعتقد أن شكري لك سخرية مولاي، أنت لم تفعل معي ما يستحق السخرية .
رفع عيونه لها بتعجب لتكمل هي بجدية :
_ كون أبي ألقى بحملي عليك ورغم ذلك تلقيته برحابة صدر وساعدتني واقتنصت حقي من فم كل من سلبه وساعدتني، هذا شيء اقدره لك، ورغم كل التصرفات اللئيمة واللسان اللاذع، أدرك جيدًا أي نوع من الأشخاص أنت.
ختمت حديثها، ثم هزت رأسها في تحية صامتة، قبل أن تنهض ببطء تنفض ثيابها وقد شعرت بالراحة للحديث معه، رغم أنها لم تبح له حتى بما يؤرقها ويحزنها، لكن الرجل ونظراته آذابا حزنها .
عدلت القلنسوة تبتسم بسمة صغيرة، ثم هتفت بصوت هامس :
_ آسفة لازعاجك هذا المساء، لكنني شعرت بالاختناق الشديد ولم أشعر سوى بنفسي أمام غرفتك، والآن سوف ارحل للنوم .
ختمت حديثها ولم تكد تتحرك حتى استدار لها برأسها وما يزال يجلس القرفصاء أرضًا حيث كانت :
_ لم تخبريني سبب بكائك ومجيئك هنا ؟؟
توقفت سلمى وخبتت نيتها للتحدث، وشعرت بالدموع تتجمع في عيونها مجددًا تهمس بصوت منخفض :
_ إنها فاطمة .
نظر لها أرسلان بفضول ينتظر أن تكمل حديثها، لكن ما كادت تفعل حتى اقتحم المعتصم الممر ظنًا أن الملك وحده به ليتفاجئ من وجود سلمى هناك .
رمش بسرعة وتراجع خطوة صغيرة وهو يردد بصوت منخفض :
_ معذرة ظننت أن الملك وحده .
رفع أرسلان عيونه صوب المعتصم وهو ينهض عن جلسته يستقيم بجسده بالكامل، يهز رأسه للمعتصم، قبل أن يمنح سلمى نظرة صغيرة فهمتها سريعًا لتتوقف عما كادت تخبره به، تصبر حتى يحين الوقت وتعلمهم جميعًا.
أما عن أرسلان ففضل عدم إخبار المعتصم في هذه اللحظة بشيء، قبل أن يدرك هو الوضع ويقدره جيدًا، ثم يعلمه الأمر بهدوء وبشكل بسيط إذ يبدو أن تلك الفتاة تعني الكثير المعتصم .
_ لا بأس تحدث بما جئت لأجله يا المعتصم .
تنحنح المعتصم وهو يرفع عيونه صوب سلمى بلمحة سريعة، ثم وجهها صوب أرسلان يقول بصوت هادئ :
_ لقد وصلت لنا رسالة من مجهول مكتوب على ظاهرها أن الملك وحده من يتسلمها .
ضيقت سلمى عيونها بعدم فهم، بينما التمعت أعين أرسلان بوميض غريب، قبل أن يتحرك صوب المعتصم وهو يردد بجدية :
_ المعذرة منكِ، اتمنى لكِ ليلة سعيدة هانئة .
ختم حديثه يشير المعتصم باللحاق به تاركًا سلمى تقف في مكانها تراقب ظهره وهي تشعر بمشاعر عدة تحتشد في صدرها وهي تراقبه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تلك الأعين الحادة التي يحيط بها كحل اسود يظهر من خلف اللثام، كحل يلائم لون عيونها المماثل ويناقض لون بشرتها التي يظهر جزء صغير منها خفية من خلف اللثام .
أبعد زيان عيونه عن المرأة يتجاهل حديثها ونبرنها الحادة التي تزين كلماتها يهتف بصوت محايد هادئ :
_ هل هناك مريض في هذا المنزل ؟؟
_ وما شأنك أنت ؟؟ ارحل من هنا وغادر المكان .
حرك زيان عيونه صوب المرأة وقد اشتعلت صدره بالضيق من وقاحتها ولذاعتها، ورغم ذلك احتفظ بنبرته الهادئة:
_ هذا واجبي أن أمر على جميع المنازل ومعرفة إن كان هناك من يحتاج مساعدتي لـ ....
- وأنا اعفيك من واجبك علينا يا سيد، أذهب وابحث عن غيرنا لتعرض عليه كرمك الطائي .
أنهت جملتها وهي تغلق الباب بعنف في وجهه، لكن قبل أن تفعل قاطعتها يد زيان الذي منعها من فعل ما تنتوي حينما أدرك نيتها وسمع صوت التأوهات والسعال يزداد، فتحت الباب بصدمة من وقاحة الرجل وقبل التحدث بكلمة واحدة دفع زيان الباب بغضب شديد وقد ارتسمت على فمه بسمة غير مفسرة :
_ للأسف الشديد أنتِ مجبرة على تقبل كرمي الطائي، سواء كان بإرادتك أو دونها آنسة، هذه أوامر الملك .
ختم حديثه يتحرك داخل المنزل صوب صوت التأوهات والتوجع وهو يبحث عن صاحب هذه الأصوات حتى اهتدى لغرفة واسعة نظيفة مرتبة يتوسطها فراش يحتله جسد رجولي قوي انهكه الزمان .
اتسعت أعين زيان من الحالة التي أبصر عليها الشاب يتحرك بسرعة كبيرة صوب وهو يحمل حقيبته الطبية يهتف بلهفة :
_ ما هذه الحالة ؟؟ كيف تتركين الشاب بهذه الطريقة وجسده ملئ بالجراح ؟؟ ما كل هذا ؟؟
كان يتحدث بصدمة مما يرى فقد كانت قدم الرجل غير صالحة للأستخدام لكثرة الجروح والكدمات التي تملئها، وصدره العاري والذي كان يحتاج للتقطيب، كل ذلك جعل عيونه تتسع بتفكير عن مقدار القوة التي يمتلكها الرجل كي يحيا حتى هذه اللحظة بكل هذه الجراح .
_ أي نوع من النساء أنتِ، كل هذه الجراح وترفضين السماح لي بمعالجته ؟!
نظرت له بأعين رافضة لكلماته:
_ نحن لا نقبل شفقة من أحد يا هذا وخاصة ملكك الموقر .
اتسعت أعين زيان بصدمة من كلماتها وتهكمها الواضح وهي تذكر أرسلان:
- ما الذي تهذيت به أنتِ، ما الذي فعله الملك لتتحدثي بهذا التهكم عنه ؟؟
رفعت عيونها بسخرية له وقد بدا أن صدرها مشحون بالاكاذيب التي كان البعض من أعوان أنمار يطلقها في الأسواق، وقد وجدت لنفسها واخيرًا شماعة تعلق عليها عجزها، وجدت حجة تخفي خلفها قلة حيلتها، وجدت في الاخبار المندسة بين الشعب عن عدم استحقاقيته أرسلان للملك عزاءً لضعفها .
وزيان فقط مصدوم أن هناك أعين قد يظهر بها كل هذا الكره، ولمن ؟! أرسلان ؟! الرجل الذي رأى الموت بأم عينيه مئات المرات وعاش جحيمًا، وتنازل عن كبريائه المعروف فقط ليوفر لهم حياة هانئة .
التوى ثغره وهو يتجاهلها متحركًا صوب الشاب المريض يعاينه:
- لا اناقش متحجري العقول وخاصة النساء منهم .
ختم حديثه ينكب على الشاب والذي لم يعلم بعد صلة قرابته بالفتاة، يحاول فحصه ومعالجة ما يمكن معالجته، وقد منحه عشبة مخدرة تهدأ من أوجاعه، ثم استقام يردد بجدية :
- هذا لن يفي بالغرض لمدى طويل، علينا نقل المريض لمشفى القلعة ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" حين يستعين القرصان بقبطان سابق، فاحذر على بحارك فلا البحار ستعود بحارك ولا السفن ستظل جوارك"
تشنجت ملامح المعتصم مما سمع للتو، كان ذلك صوت أرسلان الذي قرأ على مسامعه كلمات الرسالة التي وصلت له، بينما أرسلان يناظر الرسالة بأعين شاردة بعض الشيء وكأنه يفكر فيما قرأ.
_ لا أشعر بأنني فهمت بالكامل ما قيل .
ابتسم أرسلان بسمة صغيرة يرفع عيونه صوب المعتصم يتحدث بجدية :
- ما الذي فهمته من الرسالة ؟!
حدق به المعتصم فترة من الزمن تكفي لتجميع أفكاره المتعثرة وبلورتها وتجميعها في نقطة معينة، ثم رفع عيونه صوب أرسلان يهتف بجدية وبصوت شارد بعض الشيء :
_ هناك تعاون غير محمود العواقب سيحدث .
اتسعت بسمة أرسلان له، يهز رأسه بنعم، ثم تنهد بصوت مرتفع يهتف بجدية :
_ غدا اتحرك لسفيد فهناك ما احتاج لمناقشته مع إيفان وسالار ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابتلع ريقه وهو يرى نظراتها نحوه وكأنها ترفض حتى أن تنظر له مجرد نظرة عادية كانت تلقيه بها وقد اصبغت المزيد من الكره على نظراتها السابقة له .
_ لا أريد مساعدتك في شيء .
ابتلع نزار ريقه يشعر أن الأمور تتأزم :
- فقط ساعديني لاساعدك رجاءً لا اطالبك بأكثر من مجرد اتباع لتعليماتي .
توقفت توبة عن التحرك واستدارت له وهو يقف على باب المنزل الذي تسكن فيه منذ جاءت لهذا المكان، تبتسم له بسمة باردة وقد بدا له أنها عادت هي نفسها توبة الساخرة والمحتقرة التي كانت في بداية لقائه بها هنا .
_ لو كنت تمتلك المساعدة لساعدت شعبك أولى لك ولهم، أنا لا ارتجي المساعدة ممن يطعن بالظهر سيد نزار .
اتسعت أعين نزار من كلماتها التي أصابته بالتصميم، ابتلع ريقه يحاول النطق بكلمة، لكنها قاطعته وهي تتحرك تمسك سجادة الصلاة الخاصة بها تنفضها كي لا تتلوث مما يحيط بها، ثم تحركت تضعها برقة على الفراش، ومن ثم نطقت دون مقدمات بكلمات أصابت آخر المتبقى من تماسك نزار .
_ أصدقني القول، هل تستطيع النوم ليلًا مع كل الأصوات الصارخة التي تصل لمسامعك ؟! اعني كم من برئ ضاع غدرًا بسببك ؟؟ هل فكرت في عددهم حتى ؟!
شحب وجه نزار وهو يحاول التنفس بشكل طبيعي :
_ أنا لست .... الأمر ليس كما تتخيلين، لم أشارك في الهجوم و.....
_ وهذا لا يعفيك من ذنبهم، ولا يمحو الدماء العالقة بين أناملك سمو الأمير، والله حتى الآن لا أصدق أن المتسبب في نكبة مشكى كان أنت والتابعين لك من أبى، كيف هان عليك ؟؟ كيف فعلتها ؟؟
تنفس نزار بصوت مرتفع ينظر ارضًا بصمت وكأنه يشكو الرمال همومه، يطيل الصمت ويستحسنه، يشرد ويطول الشرود، حتى شعر أنه اكتفى من الصمت ردًا، ورفع عيونه ببساطة يتجاوز حديثها السابق ويتجاوز كل ما قالته منذ ثواني يردد بكل جدية وهدوء :
_ أنا سأغادر من هنا بطريقتي الخاصة، وسواء وافقتي أم لا فصدقيني رأيك لن يغير ما عزمت عليه، سوف تغادرين معي ولن أتركك بهذا المكان بينهم .
صمت يتنفس بصوت شبه مسموع ثم أكمل بنبرة نادمة :
_ ارتضيت بكِ سبيلي للتوبة، لذا لا تأتي الآن وتنبذيني لأحضان المعصية من جديد سمو الأميرة.
تأثرت توبة من كلماته وشعرت برجفة مرت على طول جسدها تبعد عيونها عنه بنفور شديد، تحاول أن تتجاهل كل ما يجذبها لمساندته :
- وكيف سيتم هذا ؟ بتنفيذك لشرط أنمار؟!
صمت نزار طويلًا وكأنه يفكر في كلماته قبل النطق بها، ثم همس بصوت وكأنه خرج من الجحيم :
- إن لم يكن أمامي سوى التحالف مع الشيطان للخروج من هذا الجحر، فسأفعل .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنفست عبق الصباح وهي تتمطأ مغلقة العين تقريبًا بعد ليلة طويلة قضتها في التقلب يمينًا ويسارًا تفكر فيما يحدث وما ستفعل .
سمعت صوت نهنهات في الخلف جعلتها تفتح عين واحدة بصعوبة ترى موزي يسير متبخترًا يمينًا ويسارًا وكأنه سكير ثمل، قبل أن يصعد على إحدى الطاولات في منتصف الغرفة ينتزع بعض الموز ثم جلس يأكله بعيون شبه مغلقة وكأنه يسير نائمًا .
ضحكت سلمى ضحكة صغيرة عليه وهي تفرك عيونها تتحرك صوب المرحاض كي تتجهز ليوم جديد وتؤدي صلاتها، لكن وقبل التحرك خطوة سمعت صوت طرق على الباب ..
رفعت عيونها تتساءل بصوت خافت :
_ من ؟!
_ هذه أنا جلالة الملكة أحضرت لكِ الفطور .
تشنجت ملامح سلمى لكلمة جلالة الملكة التي خرجت من الفتاة ورغم ذلك، تحركت صوب الباب تفتحه ببطء شديد وهي تخفي سائر جسدها خلفه تحدق في الفتاة الصغيرة التي تحمل صينية الطعام أمامها والتي لم تكن سوى فاطمة .
اتسعت بسمتها بقوة وهي تفتح الباب على مصراعيه أمامها ترحب بها في المكان جاذبة إياها للداخل :
_ فاطمة هيا ادخلي .
ابتسمت لها فاطمة بسمة صغيرة وهي تردد :
_ أخبروني أن أحضر لك الطعام هنا .
_ هذا لطف كبير منكِ عزيزتي، لكن لماذا تناديني جلالة الملكة ؟؟
_ هم أخبروني ذلك، أخبروني أنكِ ستكونين زوجة الملك إذن أنتِ الملكة .
وقفت سلمى حائرة مما سمعت، لكنها تجاوز الأمر تردد بجدية :
- حسنًا فقط ناديني سلمى، ألسنا اصدقاء ؟!
هزت لها فاطمة رأسها ببسمة واسعة وهي تردد سعيدة بالحصول على صديقة :
- آه نعم نحن كذلك، لقد أخبرت أمي عنكِ وهي متشوقة للتعرف عليكِ واخبرتني أن احضركِ يومًا لزيارتنا في منزلنا، هو ليس بعيدًا يقع بالقرب من الأسواق .
هزت لها سلمى رأسها وهي تردد بصوت منخفض ومبتسمة بسمة مرتعشة تتذكر ما ابصرته البارحة :
_ أوه نعم، رأيته البارحة .
عقدت فاطمة حاجبيها بتعجب شديد وهي تضع الطعام على اول طاولة قابلتها ليتحرك موزي نحوه وهو ما يزال في غمرة نعاسه يراقبه بعيون مشتهية .
وفاطمة فقط ابتسمت تردد بعدم فهم :
- حقًا فعلتي؟ جئتي لمنزلي بالأمس ؟؟ كيف لم اقابلك إذن وكيف عرفتي عنوان منزلي ؟!
اتسعت عيون سلمى بصدمة من كلماتها، لكن فجأة تذكرت الأعراض التي كان يقصها عليها المعتصم، لذا ابتسمت بسمة صغيرة تردد بصوت منخفض وهي تبعد عيونها عن عيون فاطمة :
_ سألت البعض حين ذهبت للسوق وهم أشاروا لي عليه .
_ لماذا لم تأتي إذن ؟؟ الجميع كان متشوقًا لمقابلة رفيقتي الجديدة .
همست سلمى ببسمة مهتزة :
- الجميع ؟؟
_ نعم ابي وامي وأحمد، لقد أخبرتهم جميعًا عنكِ .
ارتجف صدر سلمى وهي تخفض وجهها ارضًا تردد بصوت ضعيف كاد يفضح غصتها التي استحكمت حلقها:
- أوه سيكون هذا من دواعي سروري بالفعل، أنا فقط كنت مستعجلة وعدت سريعًا هنا و....
صمتت تريد تجاوز هذا الحديث كي لا تضمها باكية وتفسد كل شيء قبل أن يبدأ، رفعت عيونها صوب فاطمة تردد ببسمة :
_ ما رأيك بمشاركتي الطعام ؟؟
نظرت لها فاطمة بخجل وهي تفرك أصابعها ببعضهما البعض تنظر حولها قبل أن تتراجع رافضة تهز رأسها ترفض أن تشاركها الطعام وتتخطى دورها في المكان، لكن سلمى لم تعتمد ردها وهي تجذب يدها تجلسها على الطاولة تبتسم لها بحنان :
- هيا شاركيني الطعام .
رفعت فاطمة عيونها لها بخجل :
- لا اعتقد أن هذا ملائم .
- ملائم ماذا ؟؟ فاطمة شاركيني الطعام ما بكِ ؟؟
نظرت فاطمة للطعام بجوع وقد خرجت صباح اليوم دون تناول شيء خوفًا أن ترهق والدتها وتوقظها مبكرًا لصنع إفطار لها .
ابتسمت فاطمة وهي تراقب ملامحها البريئة تدفع الطعام أمامها تدعوها بحنان لتشاركها الطعام، لتقبل فاطمة بخجل وتبدأ في تناول بعض اللقيمات بتردد، بينما سلمى وكعادتها بدأت صباحها بكوب الحليب الخاص بها مبتسمة للصغيرة...
وفاطمة بدأت تندمج في تناول الطعام وتتناسى خجلها مع سلمى، حتى أصبحت تتعامل معها نفس تعاملها مع والدتها، وفي الحقيقة سلمى لم تقصر في هذا الجانب إذ بدأت تدفع جميع انواع الطعام صوبها واكتفت بكوب الحليب افطارًا تشرد في ملامح فاطمة التي كانت تواريها خلف بعض الغباء الذي يلوث وجهها لتبتسم بحنان مرددة :
_ ما سبب تلك الأتربة في وجهك فاطمة ؟! هل كنتِ تلعبين في الرمال ؟؟
رفعت لها فاطمة وجهها لها وقد كان ملطخًا بالطعام إلى جانب الأتربة، تحاول معرفة ما تقصد قبل أن تقول بلا اهتمام :
_ لا ادري وجهي يكون ملوثًا هكذا طوال الوقت ولا ادري السبب .
رفعت لها سلمى حاجبها قبل أن تبتسم بحنان لها وقد أدركت أنها ربما لوثت نفسها دون أن تتذكر، هزت رأسها بهدوء وهي تراقبها بأعين ضيقة، ثم هتفت فجأة :
_ ما رأيك بأن نعيد ترتيبك فاطمة ؟!
نظرت لها فاطمة بعدم فهم، لتبتسم لها سلمى بسمة واسعة غريبة جعلت الأخيرة تضيق عيونها مفكرة فيما تنتوي عليه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجع شديد نخر معدته وهو يتلقى بها طعنة تلو الأخرى، ورغم كل ما ناله لم ترتخي يده عن السيف وهو يدافع به عن نفسه، يواجه الجميع بوجه مرعب وملامح مخيفة، حتى وهو في أضعف حالاته كان مخيفًا، بدأ القتال يشتد و الوجع يزداد أكثر وأكثر داخل جسده، لكنه لم يكن يهتم طالما قد اطمئن على والدته وشقيقته أنهما بأمان، والخوف كل الخوف ألا ينجو ويطالهم أذى على يد خسيس .
فجأة أبصر وجه قائد جيوشه الذي أمنه على شقيقته وهو يتحرك أمامه يطلق ضحكات صاخبة، ومن ثم اخرج سيفه وسدد له طعنة الغدر مسقطًا إياه ارضًا وقبل انغلاق عيونه ابصرها تقف أمامه باكية تمد يدها له علّها تنتشله، تناضل لتصل له، وهو فقط لا يبصر سوى صورة ضبابية من بين الدماء التي بدأت تسيل فوق وجهه، صورتها وهي تتحرك صوبه باكية تجلس أمامه القرفصاء تمسح الدماء عن وجهه تتحسس وجنته بحنان .
لمسات كالنعيم في لحظات الجحيم، رفرفات فراشات لحظة خروج روحه، ابتسم أرسلان دون شعور وهو يحدق في وجهها بأعين تصارع لحفظ اكبر قدر ممكن من الصور لها داخل عقله، وكأنه يأبى الرحيل دون أن تبصرها عينه .
مد يده وكأنه يدعوها للتمسك بكفه، لكن وقبل الاقتراب منه أبصر جسدًا يخيم بظله عليها يرفع سيفه عاليًا بشكل جعل عيونه تتسع برعب، وبينما كان مرحبًا بالموت منذ ثواني، الآن فقط شعر بالرعب وهو يرى ذلك الجسد يرفع سيفه يوجهه لها، وفي ثواني أسقطه باعنف ضربة على ظهرها لتتناثر دمائها على وجهه وتختلط بدمائه التي أغرقت وجهه .
رنت صرخة أرسلان في المكان بشكل مرعب وهو ينادي باسمها وقد كادت عروق رقبته تنفجر وهو يراقب وجهها الذي شحب والألم الذي انتشر على وجهها في هذه اللحظة :
_ ســــــــــــلــــمى .......
انتفض جسده عن الفراش بقوة وقد كان متعرقًا بشكل مرعب ينظر حوله بأعين زائغة ووجه شاحب وقد اشتدت قبضته على الفراش أسفله يتنفس بصوت مرتفع مسموع في المكان، استدار لليسار وقد كان جسده يرتجف من هول ما رأى، تفل ثلاث مرات مرددًا بنبرة خافتة :
_ اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..
مد يده يمسح وجهه المتعرق وهو ينفض عنه الغطاء يتحرك منتويًا الصلاة قبل التحرك لسفيد، وذلك الحلم الذي اختلط بماضيه ما يزال يعاد أمام عيونه بشكل جعل ملامحه تشتد، يسأل من الله أن يرد الشر عنهم .
وقد شعر بالحيرة ليحلم بمثل هذا الحلم، لماذا هي بالتحديد من أبصرها في هذا الحلم ؟؟
انتهى من صلاته بعد دقائق طويلة، ثم تحرك يرتدي ثيابه والتي اختار أن تكون هذه المرة عبارة عن بنطال أسود وثوب علوي بني اللون، ومن ثم حمل معطفه الاسود المعروف يرتديه يرفع القلنسوة أمام المرآة وقبل أن يتحرك أطال التأمل بملامحه، ومن ثم تعلقت عيونه على المعطف قليلًا يبتسم بسمة جانبية يهتف بصوت خافت لنفسه :
_ ربما حان الوقت لاوصي بحياكة المزيد منك ..
تحرك يحمل سيوفه وأسلحته، ثم خطى بهدوء خارج الغرفة يتحرك في الممرات بقوة والمعطف يتطاير خلفه حتى سقطت القلنسوة عن رأسه مبرزة خصلات شعره الكثيفة التي جمعها للخلف، يخرج من المكان متحركًا صوب البوابة الأمامية حيث ينتظره البعض مع المعتصم ..
وحينما وصل ابتسم بسمة صغيرة :
_ السلام عليكم يا المعتصم .
هز له المعتصم رأسه بهدوء واحترام شديد :
_ عليكم السلام مولاي .
_ هل جهزت كل شيء ؟!
_ نعم لا تقلق، تصحبك السلامة بإذن الله .
هز له أرسلان رأسه، ثم مد يده يرفع القلنسوة على رأسه يهتف بصوت خافت هادئ :
- لن اتأخر، اعتني بالجميع هنا و....
صمت ثواني وكأنه يفكر في إمكانية قول ما يدور بعقله، هل يمكنه التصريح عن قلقه عليها بهذه البساطة ؟؟ ابتلع ريقه يحرك عيونه صوب المعتصم الذي نظر له بفضول، ففتح أرسلان فمه يتحدث بهدوء :
_ اسمع يا المعتصم، أنت تعلم ما يحدث هذه الأيام في الجوار، لذا فقط اهتم بــ
فجأة توقفت الكلمات على طرف شفتيه حين أبصر من كان على وشك ذكرها منذ ثواني تتهادى أمامه بهدوء شديد، ترتدي فستان بلون السماء مع حذاء ابيض اللون، بينما معطفة الاسود كالعادة مستكين على رأسها بهدوء تتحرك في الطرقات مبتسمة بسمة واسعة بينما قردها يستريح على كتفها بكل هدوء كعادته .
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وهو يبعد عيونه عنها يستغفر الله بصوت وصل واضحًا للمعتصم الذي حرك عيونه بعدم فهم خلفه حيث كان ينظر أرسلان، لكن يد أرسلان أمسكت كتفه بسرعة يهتف :
_ فقط انتبه لها ولا تدعها تغيب عن نظراتك يا المعتصم فأنت تدرك نية هؤلاء الذكور بشأنها .
ورغم أنه كان يتحدث عنها بنبرة الغائب إلا أن المعتصم أدرك أنه يتحدث عن سلمى، فمن تلك التي قد يهتم الملك بشأنها في هذا القصر بعد رحيل شقيقته عدا ابنة رائف التي كان يصرخ منذ أسابيع حين علم بشأنها .
هز رأسه بهدوء يطمئنه :
_ لا تقلق مولاي سوف اهتم بكل شيء حتى تعود لنا سالمًا، فقط عد بسلام .
هز له أرسلان رأسه وهو ما يزال يتجنب النظر لنفس النقطة التي تقف بها مع فاطمة، وكأنه إن نظر لها ستحترق عيونه برؤيتها، يرفض أن يحشر نفسه في تلك النقطة، المرأة سبق ورفضت وصاله وعرضه بالزواج وهو لن يعود ويتذلل لها مجددًا بالوصالء إلا حينما يتأكد من موافقتها.
رفع عيونه لها في لمحة خاطفة قبل التحرك ليبصرها تقطف بعض الزهور مبتسمة دون اهتمام لما يحيط بها، وهذا اغضبه وبشدة، هتف دون مناقشة طويلة مع المعتصم :
_ اخبرهما أن يتحركا للحديقة الجانبية بعيدًا عن أعين الرجال وامنع الحراس من دخول تلك الحديقة .
ختم حديثه يصعد على ظهر حصانه، ثم تحرك به بسرعة يقود من معه من الجنود صوب سفيد وقد بدا جسده متحفزًا لقتال، لذا ابتهل أن يلتقي في طريقه بأي من هؤلاء القذرين علهم يساعدونه في التنفيس عن غضبه بشكل أقل ضررًا لمن حوله .
ارتفع صوته وهو يهتف في الجميع :
_ لنتحرك يا رجال ...
وعلى صوت هتافه انتبهت سلمى التي رفعت رأسها سريعًا صوبه تحدق فيه يخرج من القصر بسرعة كبيرة والجميع يلحق به، تساءلت بصمت عن مكان رحيله في هذا الصباح الباكر .
فجأة أفاقت من شرودها على صوت فاطمة جوارها وهي تهتف بنبرة مبتهجة سعيدة :
_ أيها المعتصم...
حركت عيونها ببطء لتبصر المعتصم يقترب منهم بهدوء شديد وبملامح شبه جامدة وحين توقف أمامهم رفع عيونه لهما يردد بصوت خافت :
_ السلام عليكم و....
وقبل إكمال تحيته حتى توقفت الكلمات على طرف لسانه حين أبصر فاطمة في أول نظرة لها منذ وصلت للمكان، فتح عيونه باتساع مصدومًا مما يرى، كانت الصغيرة ترتدي فستانًا من اللون الأصفر الرقيق به زهور بيضاء صغيرة، نفس نوع الفساتين الذي ترتديه ابنة رائف عادة، مع حجاب ابيض اللون وبوجه مشرق على عكس عادتها .
هتف مشدوهًا بصدمة :
_ فاطمة ؟؟
ابتسمت له فاطمة وهي تشير لفستانها بخجل شديد :
- سلمى منحتني إياه هدية، هل هو جميل ؟!
تنفس المعتصم بصعوبة ينتزع عيونه عنها بعد صراع قصير مع عقله، يحركها بعيدًا وهو يتنحنح يخرج كلمات بنبرة شبه جامدة :
- يفضل أن تذهبا للحديقة الجانبية حيث لا رجال ولا حراس .
عقدت سلمى حاجبيها بتفكير قبل أن تضيق عيونها تقول ببسمة جانبية :
- هذه كلماتك أنت يا المعتصم ؟!
ضم المعتصم يديه خلف ظهره :
- لا يهم كلمات من هي آنسة، المهم أنها صحيحة، وجودكما في الخارج هكذا بهذه الثياب الـ
صمت ثواني ينتقي لفظه، ثم حرك عيونه صوب فاطمة التي كانت تحدق فيه بعدم فهم :
- الملفتة .
ابتسمت له سلمى تردد كلمته وهي تضم يدها لصدرها :
_ ملفتة إذن ؟؟ هذه كلمات الملك صحيح ؟؟
أجابها المعتصم بنفس الجمود الذي يدعيه بصعوبة تحت نظرات فاطمة التي تنتظر منه أن ينظر لها ويبتسم ويطمئن عليها، لكنه لم يفعل بل فقط أجاب سلمى بكل هدوء :
_ لا اعتقد أن هذا سيفرق طالما كانت صحيحة .
اقتربت سلمى خطوة صغيرة من المعتصم وما تزال تحتفظ بالمسابقة الأمنة بينهما تهتف بصوت واثق هادئ :
_ الصحيح والخطأ مقاييس غير ثابتة يا المعتصم فالصحيح لك قد يكون خطأ لغيرك، والخطا لملكك قد يكون صحيحًا لي، ورغم ذلك سنتحرك للحديقة، ليس لأن ملكك أمر بذلك، بل لأنني أبتغي ذلك وكنت على وشك فعله على أية حال .
ختمت حديثها ثم نظر لفاطمة التي انكمشت ملامحها بحزن :
_ هيا عزيزتي فاطمة لنتحرك .
ختمت حديثها تسبقها دون كلمة مانحة لها الفرصة لقول ما تريد قوله منذ مجئ المعتصم دون أن تتسبب لها في إحراج، تخطو بخطوات واثقة صوب الحديقة دون اهتمام لشيء، نفس الخطوات التي كانت تخطوها في ممرات السجون لتعالج المساجين سابقًا .
بينما المعتصم يتابعها بعيونه يتساءل في عقله، أي نوع من النساء رُزق الملك، بالله لم تفكر ثانية واحدة قبل أن تخرج له برد هادئ بسيط، تمامًا كأرسلان لكن نسخة أشد لطفًا وأقل لذاعة .
_ هل تتجنبني يا المعتصم ؟!
انتبه المعتصم من أفكاره على صوت فاطمة، استدار لها ببطء يبعد عيونه ارضًا بهدوء :
- لا أفعل فاطمة، أنا فقط اضع حدودًا بيننا كما اتفقنا سابقًا، ألم نفعل ؟؟
نظرت لها ثواني قبل أن تبتسم وتتذكر ما قاله لها سابقًا، ثم هزت رأسها بنعم تقول :
_ اه نعم صحيح، أنا بالفعل التزم بأتفاقنا لا تقلق .
وكم ود أن يسألها في هذه اللحظة حول حدود معرفتها بما يسمى حدود، كارثة أن تكون هذه هي نفسها الحدود التي تفرضها بينها وبين الجميع .
اتسعت عيونه عند تلك الفكرة يقترب منها بحذر مرددًا :
_ فاطمة هل الحدود التي تضعينها بيني وبينك الآن هي نفسها ما تضعينها مع الجميع ؟؟
نظرت له ثواني تحاول تحليل سؤاله الذي لم يكن مفهومًا بالكامل لها، لكنها ابتسمت فجأة حين قالت بكل بساطة :
_ أنا لا اعلم من تقصد بالجميع، أنا لا اعلم سواك وعائلتي وسلمى والسيدة ألطاف.
ختمت حديثها بكل هدوء ليتنفس الصعداء، ثم مسح وجهه ورفع عيونها لها ببطء يهمس بعد تردد قصير :
_ فاطمة أين غطاء وجهكِ، لم تنتزعيه سابقًا ؟؟
نظرت له ثواني بعدم فهم، قبل أن تتسع عيونها شيئًا فشيء، ومن ثم رفعت كفها بسرعة كبيرة صوب وجهها تتحسسه بسرعة شاهقة بصوت مرتفع وكأنها للتو أدركت أنها خرجت دون غطاء الوجه :
- غطاء الوجه ؟! أين هو لقد ...لقد كنت ارتديه صباحًا ؟؟ أين ذهب ؟! هل سرقه أحدهم ؟؟
نظر لها بعدم فهم :
_ سرقه من على وجهك دون أن تشعري ؟!
- لا اعلم، أنا لا أتذكر أن أحدهم أخذه مني و....
فجأة صمتت وكأنها تذكرت شيئًا ما تبتسم بسرعة متنفسة الصعداء :
_ اه نعم تذكرت، لقد تركته في غرفة سلمى، سوف اعود لاخذه .
هز رأسه بيأس وقد رأى أنه لا يستطيع أن يطيل الوقوف بهذا الشكل أمامها وإلا فقد المتبقى من عقله الذي يحتفظ به .
_ حسنًا فقط ...فقط اذهبي حيث الآنسة سلمى واجلسي معها ولا تتحركي في المكان وحدك .
_ حسنًا حسنًا لا تخف عليّ يا المعتصم أنا لست صغيرة .
نظر لها ثواني دون رد من طرفه وقد كانت الكلمات تتصارع الخروج من فمه، لكنه لجمها يمنحها بسمة صغيرة :
- لا اعتقد ذلك فاطمة.
هزت رأسها وهي تردد ببسمة واسعة :
- إذن سأذهب أنا كي لا أتأخر على صديقتي وأنت عد لعملك لا أريد أن اشغلك عنه، وداعًا يا المعتصم .
ختمت حديثها ثم ركضت صوب الحديقة بسرعة تاركة إياه يقف مكانه يراقب أثرها بأنفاس مسلوبة، هذا التغيير الذي أحدثته بها سلمى وبهيئتها...يكرهه وبشدة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى واخيرًا من فحص الشاب، ثم ابتعد عنه يدون بعض التعليمات التي تخص صحته، ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة، يرفع عيونه صوبه يردد :
- لا بأس يا بطل غدًا تصبح بخير بمشيئة الرحمن .
ابتسم له الشاب بسمة صغيرة باهتة تتوسط وجهه الشاحب :
_ أنا اشكرك، البارحة كانت الليلة الأولى التي أتمكن فيها من النوم دون وجع .
امتقع وجه الفتاة التي جاءت معه وهي تشيح بوجهها جانبًا حين استدار لها زيان يؤمقها بنظرة ذات معنى، جعلتها تتنفس بصوت مرتفع مغتاظة مما يحدث ونظرة الانتصار التي غطت عيونه، بالطبع سيشعر بالانتصار بعدما نفذ حديثه وأحضر توأمها العزيز للمشفى دون إرادتها، ليس لأنها لا تتمنى شفائه، ولكنها لا تثق بالغرباء .
فجأة اقتحم المكان رجل في منتصف العمر يهتف بصوت مرتفع وخوف :
_ عثمان، هل أنت بخير ؟؟
رفعت الفتاة عيونها صوب ذلك الرجل لتتغضن ملامحها بضيق اكبر جعل زيان يعقد حاجبيه بعدم فهم :
_ هل أنت قريب للمريض ؟؟
نظر له الرجل بتشنج وضيق، ثم تقدم من فراش المريض يردد بجدية وهو يتجاهل الجميع في الغرفة عدا ولده يردد بحنان :
- هل أنت بخير يا بني .
هز عثمان رأسه بارهاق شديد :
- بخير أبي لا تقلق .
زفرت الفتاة بصوت مرتفع، لكن الرجل لم يلتفت لها أو يهتم حتى بها، ليس وكأنها ابنته التي لم يبصرها منذ شهر بسبب سفره للتجارة في سبز وعودته اليوم ليعلم من جيرانه ما حدث .
- بخير ؟؟ أي خير هذا وأنت تبدو كالجسد بلا روح ؟؟ لماذا أهملت ذاتك بهذا الشكل يا بني، هذا خطأي ما كان عليّ السفر وتركك مع تلك الـ...
صمت فجأة ينظر لابنته بضيق لتبادله هي النظرة بأخرى حادة أكثر وكأنها توجه له سهامًا وليس نظرات، ليدرك زيان أن ما طاله منها كان أكثر نظراتها رقة .
امسك عثمان يد والده يمنعه من توجيه كلمة قد تجرح شقيقته رافضًا أن تنال من لسان والدها لذوعة اليوم كذلك :
_ أبي أنا بخير، دلارا كانت تعتني بي جيدًا لا تقلق .
تجاهل الرجل احاديث ولده وهو يربت على خصلاته بحنان :
_ أنا سأبقى معك هنا لحين شفائك، وهي لتعد إلى المنزل لا حاجة لها هنا بعد الآن.
رفعت دلارا حاجبها وقد ارتسمت بسمة ساخرة على فمها، تتنهد بصوت مرتفع وهي تمسح وجهها، ثم تحركت بكل بساطة صوب المقعد المجاور للفراش تجذبه بعيدًا عنه، ثم نفضته بكل هدوء ومن ثم جلست عليه بهدوء شديد، تضم يديها أمام صدرها تنظر صوب عثمان بهدوء دون أن تجهد نفسها وتدير نظراتها صوب والدها حتى لو لمحة خاطفة :
_ إن احتجت تناول طعام أخبرني عثمان فأذهب لاحضر لك كل ما تحب .
اشتعلت أعين والدها وهو يرمقها بمقت وكره شديد وكأنها عدو لدود له وليس ابنته من لحمه ودمه .
كل ذلك كان يحدث أمام زيان الذي لم يفهم ما يحدث، يمسح وجهه وهو يردد بصوت متعب :
_ حسنًا لقد اطمئننت على المريض، سوف أذهب لتفقد باقي المرضى وإن احتجتم مني شيئًا فقط اعلموني .
ختم حديثه يلقي نظرة أخيرة صوب كحيلة الأعين ذات الرداء الاسود، ومن ثم هز رأسه هزة صغيرة مودعة ورحل ببساطة دون كلمة.
رحل تاركًا حرب مشتعلة في المكان ولم يكن ليطفأها سوى سيلان دماء أحدهما ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يجلس في غرفة بعيدة عن الجحرة في منطقة تقع على أطراف الغابة التي تحد سبز، حوله بعض الأشخاص الذين يحيطون به بغرض المساعدة ظاهريًا، والمراقبة باطنيًا، لكن هل يهتم ؟؟ لا لم يفعل، فقط كان يود الانتهاء مما يفعل حتى يخرج من هذا المستنقع و....
توقف صخب أفكاره فجأة حين وصل لهذه النقطة، و ماذا ؟؟ ماذا سيفعل حين يخرج من المكان ؟! ما الذي يمتلكه في الخارج ليهرب له ؟!
لا وطن، لا عائلة، لا زوجة، لا حياة ....
ما الذي يعافر لأجله الآن ؟؟
ارتفعت أصوات تنهيداته ولم يكد اليأس يتمكن منه حتى استدعى عقله صورتها لتكون طوق نجاته من الغرق في بحيرة الحيرة والاستسلام، صورتها وهي تبكي وتأخذ منه عهدًا أن يساعدها في الخروج، ولأجلها تنفس بصوت مرتفع وقد عاد التصميم يعلو عيونه لينتهي منهم ويهرب بها من ذلك المكان .
_ هل ينقصك شيئًا ؟؟
ابتسم له نزار يرفع عيونه صوبه مرددًا بصوت حانق مغتاظ :
_ ينقصني أن تختفوا من أمام وجهي وتتركوني وشأني .
هز الوليد رأسه وهو يبتعد عنه بضيق من تعامله معهم كما لو أنهم يعملون لديه، وفي الحقيقة كان نزار لا يطيق قرب أحدهم شاعرًا بالاختناق لأجل تنفس نفس الهواء الذي يتنفسونه .
تنفس بصوت مرتفع وهو يعيد أنظاره صوب الاعشاب أمامه وقد بدأت يده تشتد بضيق شديد من فكرة أنه للمرة الثانية سيشارك في ابادات للشعوب التي ينحدر منها .
_ لعنة الله عليكم أجمعين، ليعطني الله الصبر والصحة لاضع ذلك السم في أفواهكم .
سمع صوت الوليد يتساءل بعدم فهم :
_ هل تقول شيئًا نزار ؟!
_ اقول لعنة الله عليكم أجمعين يا الوليد .
اتسعت عيون الوليد بصدمة، بينما نزار اكمل عمله دون أن ينظر له أو يفكر في شيء، فقط اكمل بكل هدوء وبساطة يمني نفسه بالرحيل من ذلك المكان ليطمئن عليها ويستأنس بهواء نقي جوارها بعيدًا عن فتن المعاصي التي تحيط به في الخارج .
عجبًا يختبأ من الفتن، في مسكن كبيرهم ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي المسكن حيث أكبر الفتن، أنتهت من قراءة بعض الآيات التي تحفظها في رأسها، ثم حركت انظارها صوب النافذة تأخذ شهيقًا لصدرها، وقبل خروج زفيرها، سمعت صوت الباب يُفتح والمرأة صاحبة المكان بأكمله تقف على بابها تبتسم بسمة مريعة بوجه غريب تستند بكسل على الباب وهي تشير صوبها :
_ هيا يا فتيات جهزوا ضيفة الليلة .
نظرت لها توبة بعدم فهم وهي ترى العديد من الفتيات يتحركون داخل الغرفة محملين بثياب لامعة وزينة كثيرة يشكلون حلقة حولها ..
رفعت عيونها لهم وهي تشير ببرود لما يحدث حولها :
_ ما الذي تفعلونه هنا ؟؟
ابتسمت لها المرأة بتشفي وقد شعرت أنها تقتص لكل ما نالها على يد نزار بسببها لتلك العفيفة التي يخشى مقارنتها بهم .
_ نجهز عروس المحفل للرجال في الخارج، هم ينتظرون على أحر من الجمر .
حركت توبة عيونها في المكان على الثياب الحمراء التي كانت تلتمع بشكل مقزز ومعها العديد من المصوغات الذهبية اللامعة كذلك، كانت عيونها تتحرك على الأشياء بعدم فهم قبل أن ترفعها ببطء صوب المرأة التي تتحدث وهي تقول بتشنج :
_ ماذا ؟؟
_ ماذا ألم تسمعي ما قلت ؟! هيا تجهزي فقد ملّلنا من جلستك دون فائدة هكذا، تتناولين الطعام وتنامين ونحن نقوم بخدمتك، وأخيرًا منحنا السيد اذنًا بفعل ما نريده بكِ .
ختمت حديثها تشير للنساء بالتحرك صوبها :
- هيا افعلوا ما أخبرتكم به .
نهضت توبة بسرعة من مكانها مناقضة بحدة صارخة وهي تشير لهم بتحذير أن يقتربوا منها، لكن وقبل أن تتخذ أي حركة للدفاع عن نفسها شعرت ببعض النساء ينقضون عليها بسرعة مقيدين ذراعيها للخلف وأخرى تقدمت منها تمسك عشبة غريبة الشكل تدسها في فمها بالقوة تجبرها على ابتلاعها وصوت المرأة في الخلف يصدح في المكان :
_ لا تخافي فقط دقائق وتستمتعين بكل ما يحدث حولك، أعدك بذلك ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لا اعتقد أن هذا الحل مناسب أرسلان.
اعترض أرسلان على كلمات إيفان بضيق وهو ينهض عن مقعده يدور في المكان محركًا يده في الهواء باستنكار :
_ لماذا ؟؟ ما به الحل الذي اقترحته أنا ؟!
_ هذا ليس حلًا حتى، الهجوم عليه وقتله في غرفته ؟! جديًا ؟!
هز أرسلان كتفه ببساطة وكأنه يخبره أنه جاد فيما قال، لكنه أضاف سريعًا يحسن من تلك الفكرة التي وصلت لهم :
_ حسنًا أنا لم أقل ذلك إيفان..
ابتسم له إيفان بسخرية لاذعة وهو يستند بكفيه على الطاولة أمامه، يحرك له حاجبيه وكأنه يتساءل عن صدق حديثه، لتتسع بسمة أرسلان يحرك كتفه بهدوء :
_ حسنًا قتله جزء من الخطة، لكنه ليس أساس الخطة كما أوضحت .
ابتسم له سالار وهو يحرك أصابعه على الطاولة أمامه بشرود، ثم رفع عيونه صوب أرسلان يردد بهدوء :
_ ألا يصيبك الفضول لمعرفة إلاما سيصل القرصان مع القبطان السابق ؟!
_ لا يهمني قبطان أو قرصان في النهاية غرضي وهدفي واحد.....تحطيم السفينة أعلى رؤوس المبحرين عليها .
صمت ثواني ثم هتف وهو يشرح لهم ما يدور بعقله :
_ الرسالة لا توحي بالخير أبدًا، هناك ما يدبر له أنمار والذي لن يكون خيرًا البتة، ويبدو أن هناك من يساعده على ذلك، والتأخر في إتخاذ خطوة جدية قد يقودنا لندمٍ نحن في غنى عنه، يكفي ما سبق وحدث .
نبرته التي خرجت في نهاية جملته، خرجت محملة بعبق ماضي قريب مؤلم ما يزال يترك أثره على جدران صدر أرسلان، ذلك الماضي الذي لم يكن مستعدًا لتكراره بأي شكل من الأشكال .
_ نحن لن ننتظر حتى تنعكس نظرات شعب مشكى بأعين باقي الممالك سالار، ترقبنا القادم ما هو إلا فرص نمنحها لهم كي يحسنوا التدبير .
تبع حديثه صمت ثقيل على الأنفس حوله قبل أن يقطعه همسات أرسلان التي استرسلت في الأجواء كالاسواط تجلد العقول مستدعية ذكريات سيئة لهم :
_ سبز في طريقها لتسلك مسلك مشكى وشعبها وهذا ما لا أتمنى أن نصل له .
ارتفعت أصوات التنهيدات والزفرات في المكان وقد مست كلمات أرسلان المذبوحة اوتار الجميع واشعلت احطاب غضبهم ليهتف سالار وهو ينهض من مكانه يشمر اكمامه يدور حول الطاولة ثواني قبل أن يحمل خنجرًا يغرزه بقوة في منطقة ما على الخارطة يهتف بصوت غامض وبسمة سوداء :
_ غدًا في " سبز "، مستنقع الوحل المحبب لقلوبهم .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المساء وبعد ساعات طويلة:
_ زيان فقط توقف عن استفزازي قبل أن اتجاهل فرق العمر بيننا وأجعلك تحزن على المتبقي من شبابك .
رفع زيان حاجبه يصاحب تعجبه بهمسة مستنكرة :
_ أنت حقًا شخص ذو صبر قليل .
_ صبر قليل ؟؟ والله لو كان صبري قليل ما كنت وجدتني بعقلي بعد كل ما نالني داخل هذا القصر و...
توقف عن الحديث وعلقت نصف كلماته في الهواء حين أبصر شيء يتحرك في الظلام، ضيق حاجبيه بعدم فهم وهو يحرك عيونه مع الظل الذي كان يتحرك بهدوء شديد وكأنه يمتلك كامل الوقت .
بينما زيان تعجب صمته المفاجئ واستدار نصف استدارة يتبين ما ينظر إليه، لكن كل ما ابصره هو فراغ فقط، عاد بنظراته صوب وجه المعتصم الذي كان غير مفسرًا .
_ معتصم ...ما الذي تنظر إليه أنت ؟؟ معتصم ؟؟
انتفض المعتصم بسبب هزة يد زيان، يحرك عيونه له ببطء مريب وكأنه على وشك الانقضاض عليه واستخراج سائر اعضائه من جسده .
وزيان يراقبه بعدم فهم يرفع حاجبه يتناول بعض المسليات التي أخذها من المطبخ في طريقه للمكان، يتساءل بعدم فهم وهو ينظر حوله :
_ ماذا ؟! هل هناك شيء خلفي ؟!
كانت جملة أخيرة نطقها زيان قبل أن يشعر بجسده يسقط عن المقعد بعنف مرتطمًا بالارضية الصلبة أسفله يطلق تأوهات مرتفعة، وجسد المعتصم فوقه يحركه بغضب شديد وضيق :
_ كم مرة عليّ القول أن اسمي هو المعتصم بالله، أو المعتصم ؟!
ارتفعت تأوهات زيان بقوة وهو يحاول دفع جسد المعتصم عنه يطلق سبة منخفضة ولأول مرة تخرج منه، وها هي لعنة مشكى تصيب حتى أكثر الرجال هدوئًا ..
_ أبتعد عني ستحطم عظام ظهري لأنني انتزعت منك التعريف ؟! ماذا لو انتزعت مقلتيكِ أيها الحقير ؟!
ابتسم له المعتصم بشر وقبل أن يمنحه ردًا منه سمع الاثنان صوتًا في الخلق يهتف بشك وعدم فهم :
_ ما الذي يحدث هنا ؟!
رفع الاثنان عيونهما بسرعة صوب الصوت، ليتضح أن صاحبه كان أرسلان الذي عاد لتوه من سفيد بعد ساعات قضاها هناك منذ الصباح وحتى هذه الساعة المتأخرة من الليل .
رفع حاجبه وكأنه ينتظر ردًا منهما، بينما المعتصم صوب زيان الذي كان ما يزال يحدق في أرسلان قبل أن ترتسم بسمة واسعة على فم زيان وهو يردد بصوت خافت :
_ أوه جلالة الملك، لقد عدت مبكرًا ظننت أنك لن تعود قبل أيام على الأقل، هذا صادم حقًا.
_ تتحدث وكأنني أمسكت بزوجتي تخونني مع صديقي العزيز زيان، ما الذي تفعلانه ارضًا بهذا الشكل المريب على مرأى ومسمع من الجميع ؟!
انتفض جسد المعتصم بقوة صارخًا :
_ ماذا !! لا أنا كنت سأضربه اقسم لك .
نفخ زيان بسخرية لاذعة وهو ينفض ثيابه بقوة، ثم عدل من وضعية خصلات شعره، يستقيم في وقفته بهدوء شديد ينفخ صدره بقوة يضع نفسه في مكانته التي من المفترض أن يكون، يحاول صبغ لهجته بنبرة جادة:
_ كنا فقط نتحدث حديث ودي منذ ثواني، حمدًا لله على سلامتك .
نظر له المعتصم بسخرية وضيق ولم يكد يعلق على كلماته، حتى قاطعهم أرسلان يتنهد بصوت مرتفع :
_ حسنًا أنا فقط أشعر بالتعب الشديد ربما غدًا نتناقش في ذلك الأمر وما كنتما تفعلان منذ قليل .
صاح المعتصم بسرعة مدافعًا عن نفسه :
- ماذا كنا نفعل ؟؟ كنت اضربه .
هز له أرسلان رأسها يتثائب بارهاق شديد، ثم تحرك بعيدًا عنهما تاركًا إياهما يقفان في منتصف المنطقة التي تتوسط ساحة القصر، يشير لها بيده :
_ حسنًا أراكما غدًا، أكملا ما كنتما تفعلان .
ارتفع صياح المعتصم بقوة وهو يصرخ في أثر أرسلان:
_ والله كنت سأضربه ....
_ مالك تتفاخر بالأمر معتصم ؟! ليس لأنني طبيب في القصر تعتقد أنني لقمة سائغة سهلة المضغ، لا يا عزيزي بل أنا اسوء من مضغ الصخور الصلبة، جرب أن تقترب مني وسأريك ماذا يعني أن تتهجم على طبيب يدرك كيف ينهي حياتك في ثواني .
ختم حديثه وهو يشير له بعيونه يتحرك بعيدًا عنه بظهره وعيونه ما تزال معلقة بوجه المعتصم المتشنج يشير بأصبعيه صوب عيونه، ومن ثم يشير بها صوب المعتصم في إشارة واضحة أنه يراقبه .
وفجأة شعر زيان بظهره يصطدم بقوة في إحدى الأشجار ليعلو تأوهه وهو يستدير بسرعة يركلها بغضب، ثم أخذ يفرك ظهره يتحرك للداخل وهو يتمتم بكلمات غاضبة ساخطة .
بينما المعتصم ابتسم بسخرية لاذعة قبل أن تعلو ضحكاته أكثر وأكثر، لكنه كبتها بسرعة حينما أبصر نفس الظب يتحرك مجددًا في الظلام، ضيق ما بين حاجبيه بشك وهو يقترب من المنطقة التي يتحرك بها الظل ليبصر جسد رشيق يرتدي معطف متطاير خلفه يتحرك بهدوء في المكان، ولم يكد يقترب أكثر حتى أبصر جسد آخر يقترب من الجسد الأول يضمه له ضمة قوية، ثم جذبه معه بعيدًا تحت أعين المعتصم الذي لم يفهم شيئًا .
رمش وهو ينظر حوله وكأنه يحاول فهم ما يجري، تحرك في الإتجاه الذي تحرك به الإثنين، وقد قاده الفضول والشك مما يحدث، وقبل الاقتراب خطوة من الجهة التي ابصرهما يتحركان لها سمع صوت أحد الجنود يصيح بصوت قوي :
_ من هنا ؟؟ اظهر نفسك .
وبسبب تلك الكلمات انتقض الجسدان والذين كانا متقاربين بشكل مريب وركضا بعيدًا تحت أعين المعتصم المصدومة ...
_ ما الذي يحدث هنا ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في أحد ممرات القصر ...
كانت تسير شاحبة في المكان وهي تحاول الانتهاء من عملها سريعًا وقد بدأت طاقتها القليلة تفنى من جسدها، سمعت صوتًا بعيدًا يناديها كي تحضر لتتولى بعض الأعمال، لكن وقبل أن تتحرك خطوة سمعت صوت خلفها يتحدث بقلق :
_ فاطمة عزيزتي أنتِ بخير ؟! ما رأيك في العودة للمنزل ؟؟ لقد انتهينا من العمل بالفعل .
رفعت فاطمة عيونها صوب السيدة ألطاف تبتسم لها بشكر :
_ لا بأس خالة ألطاف أنا بخير، فقط أشعر ببعض التوعك، ربما بسبب برودة الطقس .
ختمت حديثها تتحرك بهدوء في المكان تنهي عملها، كي تعود للمنزل، لكن أثناء ذلك سمعت صوتًا يهتف بصوت ملهوف جوارها:
_ فاطمة ما بكِ ؟!
ارتفعت أعين فاطمة ببطء صوب الصوت وكأنها تبحث بين ضباث أفكارها عن صاحب الصوت، تضيق عيونها وهي تركزها على صورة من يقف أمامها، لكنها لثواني فقط شعرت بالجهل وهي تهمس بصوت منخفض:
_ من ؟؟
اتسعت أعين المعتصم بقوة وشعر بقلب يتوقف لثواني، هي كانت تنسى كل شيء، لكن لم يسبق وأن نسته، أم هل فعلت ؟!
ولم يكن قلبه فقط من توقف، بل العالم بأكمله حوله توقف، حتى أنفاسه تحالفت مع كل شيء ورفعت رايات المؤازرة تتوقف عن الخروج من رئته.
وبعد ثواني أخذها عقله يحاول تحليل تلك الكلمة الصغيرة المريبة التي خرجت من فمها، همس هو ببسمة غير مصدقة :
_ مــ ...ماذا ؟! من ماذا فاطمة؟؟ هل ....هل تمزحين معي ؟؟ ألا تتذكرين من أنا ؟!
اطالت فاطمة النظر بوجهه طويلًا قبل أن تفتح فمها بصعوبة تحاول الحديث، لكن ذلك الوجع المتزايد داخل حنجرتها جعلها تشعر أن خروج كلمة بمثابة خروج روح .
نظرت له بعجز ووجع شديد واعين شبه مغلقة، وهو فقط ينتظر منها كلمة تريح قلبه، كلمة أو حتى إشارة منها تخبره أنها ما تزال تتذكره، ليس بهذه السهولة، لا يمكنها أن تنساه في غمرة نيسان عابرة.
أوليس هو المعتصم الذي تتغنى كلما أبصرته أنه ليس كالجميع ؟؟
_ فاطمة ؟! أنتِ حقًا لا تتذكرين من أنا ؟! هذا أنا...الـ...المعتصم.....الرجل الصالح ذو المروءة ؟!
كان يتحدث مبتسمًا بسمة شبه يائسة وكأنه يحاول استحضار كل حجة أو برهان قد يساهم في توضيح صورته داخل عقلها مرة أخرى، وهي فقط شعرت بجسدها يتحرك حركة غيرة مستقرة والعالم يدور حولها ليكون آخر ما وصل لمسامعها قبل اصطدامها العنيف بالأرض هو صرخة باسمها من المعتصم ............
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يتحرك بالممرات وهو يتنفس بصوت مسموع في المكان يشعر بالاختناق مما يحدث حوله يتساءل من تُكتب له الراحة ؟!
وفي الحقيقة كان فقط يشعر كما لو أن الراحة ستزور قلبه داخل القبر فقط، فهو ومنذ كبر وأدرك الحياة حوله، وقد كُتب عليه الشقاء بكافة أشكاله، حتى في طفولته لم يحظى بطفولة سعيدة هادئة طبيعية، لكن أمله الوحيد أن ينال بعد كل هذا راحة في الآخرة.
تنفس يبتسم وهو يستودع الله نفسه وقلبه وبلاده وشعبه، يدخل غرفته وهو يلقي معطفه على الفراش، ثم اتبعه يثيايه بالكامل وهو يلقيها على الفراش ومن ثم تحرك المرحاض يستحم براحة واخيرًا يتجهز لرحلة الغد مع الجميع..
بعد دقائق خرج من المرحاض يتحرك في المكان يرتدي ثياب النوم الخاصة به والتي كانت تتكون من بنطال قماشي مريح وثوب علوي قطني ذو أكمام قصيرة .
نظر لنفسه في المرآة يراقب ملامحه عن قرب قبل أن يبتسم بسمة صغيرة وهو يتحرك صوب الفراش الخاص به يجذب الغطاء فوق جسده يتسطح عليه براحة، وقد بدأ يغرق في نوم شبه عميق بعد يوم شاق وطويل .
ارتفعت صوت تنهيدة له وهو يغوص بين أغطية الفراش الناعمة يسقط في النوم شيئًا فشيء، قبل أن يُسحب بالكامل لغيمة الأحلام..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما عنها ففي غرفتها الخاصة كانت تقف في منتصفها وهي ترتدي ثيابه قصيرة لا تكاد تغطي معدتها مع بنطال يتعدي ركبتها بسنتيمترات معدودة وهي تقوم ببعض التدريبات البدنية التي كانت قد أهملتها منذ مجيئها للمكان .
وموزي حولها يدور في المكان، لا يتوقف في نقطة معينة، يا يدور ويدور حول نفسه ويقفز هنا وهناك مستمتعًا بالمغريات التي تحيط به، وهي فقط تراقبه بطرف عيونها حريصة ألا يدمر شيء على حين غرة وفي غفلة منها .
وهكذا استمر تدريبها لساعة تقريبًا قبل أن تنتهي وتقرر أخذ حمام بارد يهدأ من حرارة جسدها، تحركت صوب المرحاض الذي يستقر في أحد أركان غرفتها تغلق الباب يعد إلقاء كلمات مهددة له :
_ أنا أرهف السمع موزي، لذا إياك أن تظن أنك ستفسد شيئًا وتنجو مني، وهذه المرة سأسملك بنفسي للوسيم صاحب الأعين المخيفة والثوب الاسود، فاحذرني.
ختمت حديثها تقتحم المرحاض بسرعة وبلا صبر للشعور بالمياه الباردة تنعش جسدها .
ابتسمت تغلق الباب خلفها بقوة تاركة موزي يقفز هنا وهناك باستمتاع وهو يتناول الفاكهة ومن ثم حمل الكثير منها وتحرك صوب الفراش يحيط نفسه بكل ما لذ وطاب .
وما هي إلا دقائق حتى فُتح باب الغرفة ببطء شديد لم ينتبه له موزي، بل أكمل تناول الفاكهة بهدوء وسعادة، لكن فجأة أبصر جسد يتسحب للداخل وكأنه كان ينتظر الوقت المناسب ليفعل .
أصدر موزي صوتًا صاخبًا وهو ينظر صوب ذلك الضيف الغير مرغوب به، بينما رفع ذلك الشخص والذي كانت ملامحه شبه مختفية خلف اللثام رفع عيونه صوب موزي بغضب شديد يشير له بالهدوء، لكن استمر صراخ موزي بشكل مزعج جعل سلمى من الداخل تصرخ بضيق :
_ بعض الهدوء هنا رجاءً...
لكن موزي كان قد جن جنونه برؤية ذاك الجسد المتشح بالسواد يلتقط شيئًا عن الأريكة بسرعة، ثم تحرك صوب الباب مجددًا، وما كاد ينجح في الهروب حتى وجد جسد موزي يقفز فوق رأسه بسرعة مخيفة وهو يجذبه من الغطاء الذي يخفي به رأسه.
والشخص يحاول إبعاده عنه دون إصدار صوت ملحوظ في المكان، لكن صوت صخب موزي ازداد أكثر وأكثر حتى كاد يوقظ جميع من بالقصر .
أخرج ذلك الشخص سكين وهو يرفعه بسرعة ودون ثانية تفكير حتى كانت السكين تصيب يد موزي لتشتد صرخاته أكثر وأكثر بشكل مرعب جعل سلمى تحرك من المرحاض برعب وهي تصرخ بعدم فهم :
_ ما بك موزي ما الذي ....
وقبل إكمال جملتها أبصرت جسد موزي ملقى أرضًا مضجرًا في دمائه وهناك جسد يتشح بالاسود يحمل سكينًا تغطيها دمائه يقف جوار باب الخروج ويحمل .....معطفها الاسود، أو بالأحرى معطف أرسلان .
اتسعت عيون سلمى بصدمة وهي تهمس بصوت مرتعش :
_ موزي ؟؟
رفعت عيونها التي امتلئت بالدموع صوب الشخص وهي تتقدم منه بصدمة كبيرة، كل ذلك وهي لم تكن ترتدي سوى معطف ابيض خاص بالاستحمام يتخطى ركبتها قليلًا كانت قد احضرته معها سابقًا .
اقتربت من الشخص خطوات مصدومة بطيئة وهي تحدق به بوجه شاحب، وفجأة وكأن شيطان تلبسها وقبل أن يتوقع الشخص أو تتوقع هي حتى ما تفعل كانت يدها تمسك أول مزهرية قابلتها تنقض بها على جسد الشخص لتصيب ذراعه وصوتها انطلق يطلق صرخات مرتفعة :
_ أيها الحقير، أيها الحقير .
اصطدم الشخص ليعود للخلف بسرعة يمسك ذراعه، ثم ودون تفكير ثانية كان يلوح بسكينه في الهواء مهددًا، وسلمى التي كانت قد اعتادت على مثل تلك الأمور انقضت عليه تجذب يده التي تحمل السكين بقوة وهي تصرخ في وجهه :
_ أعطني هذه السكين، قتلت قردي لعنة الله عليك ..
أمسكت السكين منه تحاول نزعها، لكن وأثناء ذلك إصابتها ضربة في باطن يدها جعلتها تتراجع بسرعة للخلف وهي تطلق صرخة أخرى وقبل رفع وجهها، كان الرجل يهرب من المكان بسرعة كبيرة .
رفعت سلمى عيونها بسرعة مصدومة من هروبه لتركض بسرعة مخيفة خلفه، وما كادت تعبر عتبة غرفتها بثوب الاستحمام حتى سمعت صوتًا يصرخ باسمها يوقفها في منتصف الممر :
_ ســــــــــــلـــــــمى .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحب هي حرب كذلك، والفوز بكلاهما مصير حتمي ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل العاشر 10 - بقلم رحمة نبيل
تفاعل قبل القراءة .
صلوا على النبي.
ــــــــــــــــــــــــــ
الفصل الثالث عشر | مكيــــــــدة |
توقفت أقدامها كما توقف قلبها وكل شيء حولها، تشعر أن برودة غريبة بدأت تتسرب لجدران القصر في ثواني، ورغم كل التهديدات والغضب الذي كان ينبثق كل ثانية من أرسلان صوبها، لأول مرة تسمع سلمى تلك النبرة الغاضبة منه، نفس النبرة التي سمعته يتحدث بها يوم الهجوم حين أتت هنا في يومها الأول.
استدارت ببطء صوبه وهي ما تزال على بُعد خطوات صغيرة من عتبة غرفتها، وليتها لم تفعل وتستدير، فبمجرد أن فعلت أبصرت نظرات غضب وملامح مرعبة تعلو وجه الرجل الذي ترفع حتى عن النظر صوبها ...
تنفست بصوت مرتفع تحاول الحديث بكلمة وهي تشير للجهة التي ركض بها الرجل، تفتح فمها وهي تحاول وتحاول الحديث، لكن نظراته جعلت جسدها يرتعش والدموع تملأ عيونها :
_ لقد قتـ..
وغضب أرسلان في هذه اللحظة وهو يراها تقف شبه عارية أمامه تتناقش معه دون أن تركض وتستر جسدها جعلته يصرخ بجنون دون شعور :
_ أنتِ أكثر امرأة مثيرة للغضب رأيتها في حياتي، كيف هانت عليكِ نفسك لتذليها بعريكِ هذا ؟؟
جملة نطق بها أصابت سلمى في مقتل وهي تنظر له بأعين متسعة وقد بدأت دموعها تتساقط دون شعور من صراحة كلماته، ارتعش جسدها وهي تتراجع ليهتف أرسلان وهو ينظر حوله وجسده ينتفض على غرار جسدها لكن انتفاضته كانت غضبًا وهو يحاول تمالك نفسه :
_ تموت الشريفة ولا تسمح لرجلٍ أن يبصر طرفها دون أن تسترة بقماش يقيها شر الأعين ولو عني ذلك روحها، وأنتِ ....
ترك كلمته الأخيرة معلقة ولم يكمل، لكن سلمى ودون أن يكمل هو حديثه أدركت مكانتها وقدرها في تلك المقارنة التي أجراها للتو على مسامعها .
سقطت دموعها أكثر وهي تشعر بكامل أعضاء جسدها شُلت وقد كانت تلك المرة الأولى التي تُهان بها بهذا الشكل، بللت شفتيها ترفع عيونها له بعدما تمالكت نفسها تردد بصوت حاولت صبغة بالتماسك:
- العفو منك مولاي، أعتذر لتخطي حدودي وتصرفي بشكل لا يليق بك ولا بقصرك، ستكون هذه المرة الأخيرة التي تعاني من مشاكلي .
شعر أرسلان بالتوتر ولأول مرة من نبرتها، يدرك الآن قسوة الكلمات التي نطقها على مسامعها، يشعر أنه بالغ في ردة فعله، بينما هي كانت تبصر كل تلك الصراعات على وجهه تبتسم بهدوء شديد :
_ أنا ومنذ يومي الأول هنا تعهدت لك ولنفسي قبلك أنني سألتزم قوانين المكان الذي أحيا به و.....
_ هذه ليست قوانين، هذه تشريعات، هذا دينك وهذه حدوده، فما لك تتخطينها دون أن يهتز قلبك ؟؟
امتلئت عيون سلمى بالدموع أكثر من كلماته لكن رغم ذلك ابتسمت له تجيب بهدوء شديد لا تلومه، فالخطأ في البداية خطأها، أن تركت عالمها وحاولت التأقلم على مكان يرفضها بكل ركن فيها، وكأن مشكى ما استصاغت مذاقها وحاولت لفظها مرات ومرات، وهي كالعلكة التصقت بالحلق رافضة التحرك .
وخطأ أن تأقلمت على وضع لا يليق بها كفتاة ولدت لأب مسلم، هو محق هي لن ترتقي يوما لتلك النساء .
ابتلعت ريقها وهي تدرك أن طريقها صوب الاستقامة الكاملة سيكون طويلًا، هي مهما حاولت ومهما فعلت لن تكون مثلهم ولا يمكنها حتى أن تكون مثل نسائهم اللواتي يمجدون بهن البتة، هي مجرد غريبة وستظل غريبة .
_ يمكنني أن أذكر لك مئات الأسباب حول سبب عدم اهتزاز قلبي كما تدعي، يمكنني أن ابهرك بحججي حول الأسباب التي اوصلتني لهذه النقطة، لكن هذا لن يفيدك طالما أنك لا تهتم من الأساس، وأنا كذلك لست مهتمة في الحقيقة لشرح أسباب وصولي لحياة الفسوق هذه _كما وصفت _على مسامع رجل لا يهتم بسماع أسبابي بقدر اهتمامه بإلقاء الأوامر، تصبح على خير .
ختمت حديثها تهز رأسها وهي تتحرك بعيدًا عنه بسرعة كبيرة صوب الغرفة الخاصة بها تغلقها بقوة في وجهه دون كلمة إضافية أو توضيح لسبب خروجها بهذا الشكل، هو خمن وصدق أنها قد تفعل مثل هذا دون سبب، إذن لا حاجة لمبرر ...
بينما أرسلان ما يزال يقف في مكانه وعيونه تطالع نفس النقطة التي كان ينظر بها وقد اشتد احمرار وجهه لتتحرك يده بسرعة كبيرة تضرب المزهرية التي تتوسط الطاولة جواره يطلق صرخة مرتفعة .
تهوره، والله لو كان رجلًا لقتله، يشعر بالدماء تغلي في عقله، هي محقة، هي محقة وهو حقير، لم يهتم حتى لمعرفة أسباب خروجها بهذا الشكل ليسارع ويلقي الكلمات السامة في وجهها دون تفكير .
أطلق صرخة مرتفعة في المكان وهو يتنفس بصوت مرتفع، نظر حوله ثواني يحاول أن يفكر فيما يجب فعله، ينظر يمينًا ويسارًا يبحث عن شيء قبل أن تتعلق أنظاره بباب غرفتها ويبتلع ريقه بترقب شديد، ثم تحرك ببطء صوب الباب يتوقف أمامه ثواني وهو ينظر حوله كطفل مذنب يبحث عن عذرٍ يجره لوالدته كي تسامحه على ما اقترفه .
وفي الحقيقة أرسلان لم يكن مخطئًا في حديثه، بقدر خطأه في التعبير عنه ...
وهذا ما جعله يرفع يده بتردد واضح ولاول مرة، ليدرك في اللحظة أن هذه المرأة خلف هذه الأبواب جعلته يجرب الكثير لأول مرة معها .
تنفس يطرق الباب وهو يحاول الحديث يناديها ليعتذر منها ويطمئن أن كل شيء يسير بخير معها :
_ آنســــ
فجأة توقفت كلماته حين سمع صوت بكائها خلف الأبواب يزداد ليشعر بالقلق يدب بصدره وهو يطرق أكثر مناديًا بصوت ملتاع :
_ سلمى ؟؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرؤية شبه ضبابية والأصوات مكتومة، المشاهد غير واضحة والروائح تكاد تصيبها بالقئ .
أخذ جسد توبة يتمايل دون شعور بين أيدي الفتيات اللواتي يجذبنها صوب ساحة الاحتفال العامرة بالمجون والفسوق، والتي تقام بها أكبر احتفالات النخاسة كل مساء، وقد كانت تحتمي منهم توبة بغرفتها في البداية، الآن لا حامي لها منهم سوى الله، وقطعة القماش الصغيرة التي تستر بعض الأجزاء من جسدها، حتى حجابها انتزعوه منها وجردوها من سترها .
وصلت صوب الساحة لتدفع بها الفتاة لأحد الجهات حيث ترتص الكثير من النساء في انتظار دورهن لعرض بضاعتهن على الجميع، منهن من جاءت مجبرة باكية، ومنهن من اعتاد قلبها وألف ما يحدث، ومنهن من جاءت بملء إرادتها .
حاولت توبة الحديث بكلمات غير مفهومة وهي تبعد الأيدي عنها، بينما كلمات البعض تتقاذف حولها .
_ ابعدي يدكِ عني، اعديني لغرفتي أشعر بالبرد .
كانت كلمات أشبه بالهزيان، تلك العشبة التي أخذتها جعلت جسدها يتحرك دون إرادة منها وكأنها منتشية بفعل مشروب ما، رأت بعض الأعين تتحرك صوبها لتشعر برغبة عارمة في دفن نفسها ارضًا، تتحرك بين أيدي الجميع بما تمتلك من قوة تحاول الفرار من بينهن، لكن لا أحد سمح لها بالفرار .
وبكل ذرة عجز وذل تسير في دمائها أخذت تبكي وهي تترجاهن بصوت خافت خرج بصعوبة من بين تلك الغيمة التي تحيط بها :
_ دعوني أرجوكم، لا تدفعوني لتلويث جسدي، لا تفعلوا أرجوكم، لا تجبروني على كره ذاتي .
سقطت دموعها أكثر وهي تشعر بأحد الرجال يجذب جسدها لمنتصف الساحة وكأنه يدعوها للرقص والجميع حولها متأهبين .
المكان حولها يدور وهي بالتالي تدور دون شعور معه، الموسيقى تعلو والحماس بين الجميع يزداد وقد بدأت الأجساد حولها تتلاحم، وهي لا تشعر بشيء، سوى أن هذا يحاول جذبها ودفعها للرقص وهذا يجذبها رغبة أن تشاركه رقصة، وما بين هذا وذاك كان صوت نسائي يصدح بنبرة مثيرة وهي تغني بعض الأغاني بلغتهم الام " الفارسية " تزيح الجميع عن الساحة وهي تتراقص بقوة كبيرة ..
وفي ثواني وبشكل لم تدركه وجدت نفسها تبتعد واخيرًا عن هذا التلاحم في الساحة صوب ركن هادئ لتحين فرصتها وأخيرًا تتقيأ دون شعور كل ما تناولته سابقًا . دقائق مرت قبل أن تجد امرأة تأتي وهي تجذبها من ذراعها تلقي بها بين ذراع رجل لم تتبين ملامحه يضمها له بقوة عجزت عن مجابهتها خاصة في حالة الخدر التي أصابتها.
تحرك بها الرجل في طرقات لا تدركها تحاول ألا تسقط بسبب جذبه العنيف لها وحينما توقفت أقدامها بسبب توقفه أبصرت باب منزل يفتح، ثم تُدفع هي للداخل، حاولت المقاومة، لكن أي مقاومة تمتلك وقد سلبوها حتى هذا الحق ؟
تنفست بصوت مرتفع وصوت الرجل يصدح خلفها بكلمات غير مفهومة لها، أخذت تحاول الصمود دون السقوط ارضًا، وفجأة شعرت بيد تمسك بكتفها تجبرها على الاستدارة ودون شعور استكانت لتلك اليد، وهي تنظر في وجه الرجل الذي أخذ يقترب، وكل دواخلها تحترق تصرخ بها أن تثور، أن تقاوم، لكن وكأن سائر جسدها ...شُل .
سقطت دموعها دون أن تأتي بحركة واحدة تحاول التنفس وهي تمد يدها بارتجاف تريد دفعه بعيدًا، لكن الرجل كان كالصخرة لا يتحرك .
تضرعت وبكت بعجز وقهر لن تنساه ما حييت، أقترب واحل لنفسه أفتراسها بعيونه قبل يده التي بدأت تستبيح جسدها، وهي فقط تراقب انتهاكها بصمت موحش ودموع جارية وعجز قاتل، وحينما كانت قاب قوسين أو أدنى من الاختناق قهرًا سمعت صوت الباب يُفتح وجسد يندفع منه يجذب الرجل عنها بعنف مخيف لترتد هي إلى الجدار بقوة وقد شعرت بجسدها يكاد يتحطم تحت وطأة الضربة التي تلقتها دون قصد من المقتحم والذي حطم المنزل في هذه اللحظة على رأس الرجل .
مسحت وجهها في محاولة يائسة لإبعاد غبار اللاوعي عن عيونها، تحاول إبصار ما يحدث، لترى وجه واحد تعرفت عليه بين كل هذا ..
وجه نزار الذي كان متوحشًا بشكل اخافها منه وبشدة تتراجع للخلف دون شعور بشيء سوى تجمد في أطرافها وارتعاش في جسدها، فجأة شعرت بيده تجذبها بسرعة وصوت غير مألوف لها يردد :
- تحركي معي، دعينا نخرج من هنا بسرعة . تحركت عيون توبة دون وعي صوب ذلك الوجه لتبصر ضباب أمامها لا يمكنها تمييز ملامح المتحدث، وكل ك. تدرك أنها امرأة فقط من صوتها .
تحسست الطريق أمامها بصعوبة شديدة وهي تهرول بخطوات غير مستقرة خارج المنزل تتخبط هنا وهناك تحاول التنفس بصعوبة بسبب الاختناق المفاجئ الذي أصاب جسدها وصوت الموسيقى يعلو من بعيد وقد شعرت بجسدها بدأ يزداد حرارة وكأن أحدهم أشعل النيران بها، تتحرك بسرعة مع المرأة وهي لا تدرك ما يحدث ولا أين تأخذها ولا من هذه، كل ما تدركه أن المرة تحررها من ذلك المنزل الذي تفوح منه رائحة الفسوق ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اقتحم المشفى بسرعة يحملها بين ذراعيه وهو يصرخ مرتعبًا وقد بدأت عيونه تجحظ ووجه يشحب بالتدريج، الصغيرة سقطت أمام عيونه بشكل جعله يركض مرتعبًا يحملها دون وعي وهو يصرخ باسم زيان ..
_ زيان ساعدني، زيان أين أنت ساعدني ...
وفجأة أبصر أحد الأبواب تُفتح وزيان يخرج متعجبًا وهو ينظر حوله دون فهم من ذلك الصراخ ظنًا أن أحد الجنود سقط أو ما شابه، لكن كل ما ابصره هو جسد المعتصم وهو يحمل بين ذراعيه فتاة شاحبة الملامح، شحوب ينافس شحوب المعتصم نفسه .
تحرك صوبه بسرعة دون تساءل طويل او غيره يفتح له أحد الابواب بسرعة يشير على الفراش بسرعة :
_ ادخلها هنا، سأنادي لطبيبة النساء هي بالداخل في عيادتها .
وبالفعل ما هي إلا ثواني حتى أبصر المعتصم امرأة تغطي كامل وجهها عدا عيونها تتحرك بسرعة صوب غرفة فاطمة تغلق الباب خلفها بسرعة تاركة المعتصم في الخارج يراقب الباب بأعين شاخصة وجسد متحفز وملامح مرتعبة .
فجأة انتفض على يد زيان الذي همس له :
_ هل أنت بخير ؟! تبدو شاحبًا للغاية، تعال دعني افحصك .
استدار له المعتصم ينظر له ثواني قبل أن يهتف بصوت متقطع خافت :
- هل ستكون بخير ؟؟ لا أدري السبب، لكنها سقطت دون مقدمات ارضًا و.....زيان أصدقني القول هل ستكون بخير ؟!
تعجب زيان حالته، لينطق دون شعور :
_ هل ...هل الفتاة بالداخل قريبة لك ؟؟
مخطوبتك ؟؟
اتسعت أعين المعتصم بصدمة من تخمين زيان الذي أكمل حديثه ببساطة وعدم فهم :
_ لا أذكر أنني سمعت قبلًا عن ارتباطك بامرأة، من هذه ؟؟ من هذه ؟؟
حتى هو لا يعلم ردًا على هذا السؤال، لا يدرك إجابة لسؤال طالما تساءل عنه، ولم يرهق نفسه سابقًا بالبحث عن إجابة، لكن الآن سماع السؤال من شخص ومن فم شخص آخر غير عقله الباطن له صدى اقوى وأشد عليه .
ابتلع ريقه يحاول الخروج بإجابة محايدة تعطيه ردًا يبعد نظراته الغريبة تلك عنه، لكن وقبل تحدثه بكلمة فُتح باب الغرفة لتخرج الطبيبة تتحدث بصوت خافت عملي وهي تمد يدها بورقة لزيان تردد بهدوء :
_ نحتاج بعض الأعشاب بشكل ضروري رجاءً. تقدم منها المعتصم بسرعة يتساءل بقلب يقرع خوفًا :
_ هي بخير ؟؟ ما بها ؟؟ ما سبب اغمائها بهذا الشكل ؟؟
رفعت الطبيبة عيونها به تتساءل بجدية :
- هل تعرفها سيدي؟!
صمت المعتصم ثواني قبل أن يهز رأسه بنعم وعيونه تشتعل بالقلق، لتتنهد الطبيبة بصوت مرتفع تردد بهدوء وقلق :
_ إذًا رجاءً تحدث مع اهلها وذويها عنها، الفتاة تعاني من سوء تغذية حاد، جسدها وهن وكأنها تقتات على فتات الطعام، كما أنها تعاني من زيادة في حرارة جسدها، لكن لا تقلق بعض الأعشاب الطبية وتكون بخير، فقط تهتم بطعامها .
ختمت حديثها تتحرك لداخل الغرفة مجددًا تاركة المعتصم مكانه يحدق في الباب بصدمة كبيرة، بينما زيان جواره يتحدث بكلمات لا تصل له، وحينما يأس من إجابته تحرك ببطء صوب المخزن الخاص بالأعشاب يحضر للطبيبة ما سألت تاركًا المعتصم ما يزال يحدق بباب الغرفة بوجه شاحب مما سمع ..
لا يدري ما يحدث حوله، كل ما استطاع فعله هو التحرك ببطء يذهب صوب باب الغرفة يرتكن للجدار جانبه وكأنه ينتظر أن تخرج له فاطمة باسمة تناديه باسمه كما اعتاد تحمل بين يديها هرة صغيرة أو طبق حلوى تهديه له لأنه " رجل صالح ذو مروءة " .
تحرك بعيونه صوب الباب جواره ينتظر أي همسة من الداخل تخبره أنها بخير ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طرق الباب بقوة ورعب وهو يهتف باسمها وقد شعر بالرغبة الشديدة في تحطيم الباب عليها ورؤية ما يحدث بالداخل وتسبب في بكائها بهذا الشكل .
ازداد طرقه أكثر وأكثر حتى نفذ صبره يهتف بصوت زلزل المكان :
_ سلمى افتحي هذا الباب لئلا احطمه، افتحيه رجاءً، اخبريني ما يحدث معك و...
فجأة توقفت كلماته وتوقف العالم معها احترامًا وإجلالًا لما يرى أمامه في هذه اللحظة، كانت تقف أمامه بوجه أحمر لشدة البكاء، ترتدي ثوب يغطي كامل جسدها وشعرها، ثوب فضفاض وحجاب بنفس الشكل " إسدال" .
أشارت للداخل بصوت باكي وكأنها لا تستوعب أن من يقف أمامها في هذه اللحظة هو نفسه الرجل الذي ابت أن تبكي أمامه وأغلقت الباب في وجهه منذ ثواني، تهتف من بين شهقاتها :
_ موزي ...ساعده .
عقد أرسلان حاجبيه يحاول أن يبعد عيونه عنها وهو ينظر للجهة التي تشير لها لتتسع عيونه بصدمة يرى القرد ساقطًا ارضًا ودمائه تسيل بقوة، ليركض له وهو يهتف بصدمة :
- ما هذا ؟! ما الذي ....
_ ساعده ارجوك هو آخر من تبقى لي، أتوسل إليك لا تحرمني من آخر شيء يربطني بأبي وحياتي السابقة .
اشتدت ضربات قلب أرسلان بحزن من نبرتها المفطورة ليحمل القرد وهو يتحرك بسرعة، لا يعلم إلى أين، لكنه لم يستطع يقسم أنه ما استطاع تجاهل بكائها ونبرتها وملامحها المجروحة ..
دخل المشفى سريعًا وهي تتحرك خلفه بسرعة كبيرة، وربما يبدو المشهد مضحكًا للبعض، الملك يحمل قردًا مصابًا ويركض به ليسعفه، لكن ذلك القرد كان روحًا في النهاية مهما اشتد غيظ أرسلان منه يرفض تركه يُعذب حتى الموت .
كما أن هذا القرد كان بمثابة فرد من عائلتها، شاركها كل لحظات فرحها وتعاستها لذا....... لأجلها يُكرم.
تحرك بين الممرات صوب العيادة الخاصة بنزار، لكن فجأة توقفت أقدامه حين أبصر زيان أمام إحدى العيادات الأخرى يقف جوار المعتصم والذي كان يبدو في حال يُرثى لها .
تحرك اولًا صوب زيان يضع القرد بين ذراعيه متجاهلًا صدمته :
- عالجه زيان هناك قطع بذراعه، حاول تدارك الأمر سريعًا قبل أن يموت .
اشتد بكاء سلمى أكثر وأكثر وهي تنظر لموزي الذي كان ممددًا بين يدي زيان الذي لا يفهم ما يحدث :
_ لكنني لا أفهم أية أمور عن تطبيب الحيوانات و...
_ فقط ساعده ارجوك دكتور، اوقف هذا النزيف، يمكنك أن تخيط له الجرح صحيح ؟؟
رفع زيان عيونه صوب سلمى التي كانت منهارة في هذه اللحظة وارسلان يقف جوارها يراها تكاد تسقط ارضًا لشدة البكاء ليشتد غضبه وهو يهتف من بين أنفاسه الملتهبة وصدره لم يهدأ بعد من غضبه :
_ زيان افعل ما أخبرتك به، ما الصعب في تقطيب جرح ما قرد كان أو قطة ؟؟
نظر له زيان ثواني قبل أن يهز رأسه بطاعة ويتحرك سريعًا صوب إحدى الغرف وخلفه سلمى التي أبت ترك قردها وحده تتوقف أمام العيادة بترقب، بينما أرسلان نظر بأعين غاضبة صوب الجهة التي سلكها الإثنان وقبل التحرك أبصر مجددًا المعتصم ليتحرك له يهتف بعدم فهم لوجوده هكذا :
_ ما الذي يحدث هنا ؟! المعتصم أنت بخير ؟!
رفع له المعتصم عيونه ليُصدم أرسلان من مقدار الوجع الساكن بمقلتيه، شهق وهو يتحرك صوب يهتف بصوت مرتعب :
_ يا المعتصم ....
اقترب منه يمسك كتفه يتحدث بصوت قلق :
_ ما بك يا أخي ؟؟ هل حدث لك شيء ؟! ما بك ؟!
نبث المعتصم بكلمة واحدة فقط، كانت جُلّ ما استطاع نطقه في هذه اللحظة وقد خرجت الكلمة بصعوبة من بين تراكمات الوجع في صدره :
_ فاطمة .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شهقت توبة بصوت مرتفع وهي تشعر بمياه باردة كالثلج تصطدم بوجهها لتتراجع للخلف تحاول التنفس بشكل طبيعي، بينما الفتاة التي احضرتها للمكان منحتها فقط ثواني كي تتنفس قبل أن ترفع يدها مرة ثانية تسكب عليها المتبقي من المياه الباردة لتعلو شهقات توبة أكثر وأكثر، والفتاة فقط اقتربت منها وهي تجفف لها وجهها تعتذر بصوت خافت :
_ آسفة، آسفة كانت هذه الطريقة الوحيد كي افيقك من نشوة الأعشاب التي أخذتها .
حاولت توبة التنفس بشكل طبيعي وهي ترفع عيونها بعدما بدأت الرؤية تتضح أمامها، تبحث عمن ساعدها في الخروج من ذلك المنزل لتُصدم حين أبصرت أمامها الراقصة الرئيسية في المكان والمرأة نفسها التي كانت تتراقص أمام زوجها ذلك اليوم، وهي نفسها من سحبته من منزلها حين كاد يقتلها لضربه .
اشتدت أعين توبة وهي تبعد يد الفتاة عنها بقوة ترفض أن تلمسها والكره يشع من كل ذرة في جسدها، بينما الفتاة تراجعت للخلف بملامح جامدة تردد بهدوء :
_ حمدًا لله على سلامتك وخروجك دون ضرر ..
نظرت لها توبة بعدم فهم وهي تحاول معرفة ما يحدث حولها، بينما الفتاة فقط ظلت تنظر لها ثواني قبل أن تتراجع للخلف حين سمعت طرق سريع على باب الغرفة ومن ثمّ اقتحام نزار المكان يهتف باسمها ملتاعًا :
- تــــوبة ...
اقترب بسرعة يتفحصها بعيونه يبحث عن أي ضرر بها، حتى ضربت عقله الصورة التي تقف بها أمامها دون حجاب وبثوب كاشف ليتراجع بسرعة ووجه محمر وهو يتحدث بكلمات غير ثابتة :
- أنا فقط ...اعتذر لم ...لم اقصد لقد كنت قلقًا و...
تحركت توبة بسرعة تلتقط حجابها الذي انتزعوه منها بالقوة تلقيه على رأسها واكتافها تسمع صوت الفتاة تردد بهدوء :
- إذن اعتقد أن دوري هنا انتهي، سوف أرحل قبل أن يفتقدني أحدهم ويعلم ما حدث، وداعًا ..
ختمت حديثها ولم تكد ترحل حتى سمعت صوت نزار يتحدث بهدوء دون أن ينظر لها نظرة واحدة حتى :
- شكرًا لكِ .
توقفت ثواني وهي تنظر لظهره مبتسمة بسمة صغيرة :
- لا شكر، هذا واجبي سمو الأمير.
ختمت حديثها تتحرك للخارج تاركة توبة تنظر له بعدم فهم ليرفع هو عيونه لها يبصر حيرتها فابتسم يوضح بصوت خافت وهو يخفض عيونه ارضًا :
- كانت هي من ارسل لي فتى صغير يخبرني أن أعود بسرعة قبل وقوع كارثة فعلمت أن الأمر متعلق بكِ وحين جئت وجدتها تنتظرني لتدلني على المنزل وهي من ساعدتني .
اتسعت أعين توبة بقوة وعدم تصديق تشعر بالريبة تجاه تلك المرأة، هي لا تشعر بالراحة أبدًا لما هو آتٍ، صدرها كان منقبضًا بقوة تتحين الكارثة التالية لتهمس دون وعي :
_ أنت ....هل ...هل ستنفذ لهم ما يريدون ؟؟
رفع لها نزار رأسه بسرعة ينظر لها ثواني دون رد وهي فقط منتظرة رده قبل أن تستشف رده دون حتى أن ينطق به تردد مصدومة مما ترى على وجهه :
_ ستفعل ؟؟ تخون الله ووطنك مرة ثانية ؟؟ ألم تته بعد نزار ؟؟
أبعد نزار وجهه عنها لتشعر بالغضب يملئ صدرها، كانت تشعر بثوران داخلها فقط لتفكيرها أنه قد يفكر حتى في فعلها مجددًا تتحرك صوبه تصرخ بجنون وهي تقف أمامه تجبره على النظر لها :
_ ستفـــعـلها مجــددًا نـــزار ؟!
ازداد صوت تنفس نزار وهو يبعد عيونه عنها بقوة بينما هي ابتسمت بعدم تصديق تصرخ في وجهه وقد شعرت بالكره له يزداد أكثر وأكثر:
_ أيــهــا المـخــادع تتبجح برغبتك في التوبة وأنت تقف أمامي الآن تخجل حتى من النظر في وجهي لمعرفتك أنك مجرد جبان متبجح حقير، أنت حقير نزار .
كانت تتحدث وهي تدفعه للخلف بغيظ وغضب شديد وكأنها تود لو تضرب رأسه في الجدار فقط كي يستيقظ من غمرة المعاصي التي دخل لها بإرادته، وهو فقط تنفس بصوت مرتفع يتحدث بصوت خافت :
_ فات الأوان على ذلك سمو الأميرة .
امتلئت عيون توبة بالدموع وشعرت بالحسرة لأجله تنفي برأسها، ظنت أنه ربما تاب، استبشرت بالله خيرًا أن ينظف الدماء التي تلوثت بها يده سابقًا :
_ لقد ...أخبرتني أنك تريد اتخاذي توبة، هل ...هل نسيت ؟؟
نظر لها نزار ثواني قبل أن ينبث بصوت خافت:
_ لا تستحقين أن تُلوثي بعاصي مثلي توبة .
تراجعت توبة للخلف بصدمة وقد شعرت برغبة قوية في البكاء، عالمها وكل شيء حولها ينهار، تنفست بصعوبة وهو فقط اقترب خطوات يردد بصوت منخفض :
_ سوف ...سوف اخرجك من هنا بعد أيام قليلة فتجهزي للعودة سمو الأميرة ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظلت واقفة لساعات حتى خرج لها زيان يغلق الباب خلفه وهي فقط تتابعه بأعين متلهفة تنتظر أن يريح قلبها بكلمات تطمئنها على قردها العزيز .
وزيان فقط أغلق الباب بهدوء ولم يكد يلتفت حتى صرخ صرخة صغيرة، ينتفض بسرعة ملتصقًا في الباب مجددًا مرتعبًا، لكن ليس من سلمى التي كانت تناظره بقلق وخوف وهي تقترب منه بلهفة شديدة، بل من ذلك الوحش الذي يشرف عليها من الخلف بأعين جامدة مترقبة وهو يضم يديه لصدره يتابع ما يحدث بهدوء .
ابتلع زيان ريقه وهو يبصر نظرات أرسلان المريبة له، يسمع صوت سلمى التي لم تنتبه لما يحدث خلفها وهي تهتف بصوت موجوع :
_ دكتور هل ...موزي بخير صحيح ؟؟
ابتلع زيان ريقه وعيونه ما زالت معلقة على أرسلان يردد بصوت منخفض :
_ ما...ماذا ؟؟
_ موزي بخير ؟؟
_ من ؟!
- القرد بالداخل دكتور، هل ...هو بخير صحيح ؟؟ ارجوك أخبرني أنك استطعت إنقاذه .
رفع زيان عيونه صوب أرسلان الذي رفع له حاجبه ينتظر إجابته فقال بهدوء وروية :
_ هو ...بخير ...اعتقد هذا فأنا لا أفقه الكثير بما يخص الحيوانات، فقط قطبت له الجرح وقد كان سطحيًا، لذا اعتقد أنه بخير، فقط يحتاج للراحة .
واخيرًا تنفست الصعداء وهي تبتسم براحة تستدير ببطء تفكر في العودة صوب غرفتها تحضر غطاء وتأتي للمبيت جوار موزي .
– حمدًا لله سـ.....
ولم تكد تكمل كلماتها حتى انتفضت للخلف تطلق صرخة مرتفعة وهي تراقب وجه أرسلان الذي يقف يراقبها بهدوء شديد، ثم ودون مقدمات ارتسمت بسمة صغيرة على شفتيه وكأنه يدعي البراءة أو ما شابه :
_ حمدًا لله على سلامة موزك، شفاه الله وعفاه .
كانت سلمى ما تزال تضع يدها على صدرها بصدمة، قبل أن ترتخي ملامحها بشكل بسيط ترسم بسمة صغيرة على فمها، بسمة صغيرة جامدة بعض الشيء باردة قليلًا، تهز رأسها بكل بساطة :
_ شكرًا لك، لا أراك الله مكروهًا في عزيز ...
ختمت حديثها تتجاهله وهي تتحرك بعيدًا عنهم صوب الخارج؛ كي تحضر أغراض النوم الخاصة بها وهي تسير بكل كبرياء ترفع رأسها دون اهتمام بأحدهم، نفس المشية التي كانت تسيرها داخل السجون بكل هيبة، لكن الآن ليست في السجون ولا ترتدي ثيابها الرسمية وحذائها العالي، بل هي في مشفى ترتدي ثوب الصلاة الواسع والطويل الخاص بها، ونعل بلاستيكي كانت اشترته أثناء تخفيضات الصيف الماضي من أحد المحلات .
ورغم عدم ملائمة الظروف والثياب والهيئة لما تفعل، إلا أنها استمرت بنفس المشية بكل كبرياء تُحسد عليه .
ولم تكد تخطو خارج المشفى حتى تعرقلت في طرف الثوب الخاص بها لولا تمسكها في الجدار، ثم اعتدلت بسرعة تعدل من ثوبها دون حتى أن تستدير للخلف تكمل سيرها بكل كبرياء تحت نظرات أرسلان المصدومة والمتشنجة مما حدث، لقد تجاهلته للتو وعاملته كما لو أنه لا شيء هنا .
كل ذلك كان تحت نظرات زيان الذي كان ينظر لما يحدث بأعين متسعة وبسمة غير مصدقة، قبل أن يلجم بسمته وهو ينظر حوله يدعي أنه لم ينتبه لما حدث منذ ثواني، يتحرك في الممر وهو يتسحب صوب غرفة الشاب الذي أحضره سابقًا ليطمئن عليه ولم يكد يتحرك حتى سمع صوت أرسلان يهتف بحدة :
_ زيــــــــــــان ..
توقفت أقدام زيان بسرعة يبتلع ريقه :
_ مولاي ؟؟
_ إن أتت المرأة للمبيت إياك والسماح لأحدهم بالاقتراب من غرفة ذلك القرد أثناء تواجدها .
رمش زيان ثم هز رأسه بسرعة بينما أرسلان تحرك بسرعة كبيرة للخارج وهو ينفخ نيرانًا وكأنه على وشك إحراق المكان حوله بمن به .
ولم يكد يتوجه صوب غرفته ليحظى بنومة هادئة واخيرًا حتى ابصرها تتحرك في الممر بهدوء شديد وبنفس الخطوات الجادة لتشتد عيونه وهو يهتف موقفًا إياها :
_ آنسة سلمى.....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هل ستكون بخير ؟؟
تنفست الطبيبة بصوت منخفض وهي تهز رأسها، ثم استدارت تغلق الباب الذي تقبع فاطمة خلفه نظرة صغيرة وكأنها تطمئن أن كل شيء بخير .
ثم استدارت صوب ذلك الذي يكاد يفقد صوابه من التوتر في هذه اللحظة :
_ لا تقلق سيدي القائد هي بخير، كما سبق واخبرتك مجرد إرهاق وسوء تغذية .
هز لها رأسه ثم نظر ارضًا وهو يفكر في شيء وكأنه مترددًا في النطق بما يدور داخل رأسه، رفع رأسه للطبيبة التي حركت رأسها في إشارة لرحيلها، لكن وقبل أن تتحرك خطوة واحدة أوقفها بسرعة وكأنه أتخذ قراره بالتحدث :
_ هي ...هي، هل ستتذكرني ؟؟
توقفت الطبيبة تنظر له بعدم فهم، نظرات لم يبصرها هو من خلف الغطاء الخاص بها، لكنه خمنها وإن لم يبصرها .
_ لا افهم مقصدك سيدي القائد، هلّا وضحت لي ما تريده ؟!
ابتلع ريقه يحرك نظراته صوب الباب الخاص بها وكأنه يأمل أن يبصرها من بين جزئيات الخشب التي تعيقه عن الاطمئنان عليها .
_ قبل ...قبل السقوط لقد ...لم تكن ...هي ....
كانت يتحدث كلمة ويتوقف ثواني يحاول تجميع جملة تفهمها أو يوصل لها بها ما يدور بخلده، لكن عجز عقله عن بلورة الكلمات بشكل مفهوم، لذا أشار لها بهدوء يردد بصوت منخفض :
- لا تهتمي رجاءً، يمكنك الذهاب إن أردتِ .
ابتسمت له بسمة غير مرئية، ثم تحركت بهدوء شديد صوب الحجرة الخاصة بها تجمع اشيائها للرحيل صوب غرفتها والتي تقبع بها مع زوجها " أحد جنود القصر "
تاركة خلفها المعتصم يحدق في الباب برعب شديد ينمو داخل صدره، وهواجس تكاد تقتله، هل نسته ؟؟ فاطمة نسته ؟؟ لم تتذكره ونست اسمه .
اسمه الذي ما كانت تنفك تردده كلما أبصرته، اسمه الذي كان يتمتع خفية بصداه من صوتها .
اقترب من الغرفة التي تقبع بها يستند على بابها يهمس بصوت منخفض :
_ هل فعلتيها فاطمة ؟؟ نسيتيني؟!
تحسس الباب بهدوء يهمس بصوت منخفض موجوع :
_ بالأمس كنتِ تعدينني بالحلوى، واليوم تطعميني العلقم، ليس عدلًا فاطمة .
ابتلع ريقه بهدوء وهو يستند على الباب يجلس ارضًا جواره مقررًا الاحتجاج أمام بابها حتى تخرج له، فقط سينتظر على أمل أن تستيقظ وتنظر له نفس نظراتها البريئة، وتبتسم له نفس بسماتها اللطيف، سينتظر لا بأس يمكنه الإنتظار .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ آنستي ..
توقفت أقدام سلمى قبل بلوغ الغرفة على صوت تدركه جيدًا، تأبى الاستدارة وقد على الجمود وجهها تتوعد له بالويل، يتعلمه كيف يتريث في ردات فعله، ابتسمت بسمة صغيرة وهي تستدير له ببطء شديد، تهمس له بالمثل وبصوت شبه خافت :
_ مولاي.
توقفت أقدام أرسلان أمامها يضع مسافة مناسبة بينهما يتأملها بنظرة سريعة لتلك الهيئة التي سلبته دون غيرها .
أبعد عيونه عنها سريعًا وهو يتنحنح بصوت منخفض، ثم اعتدل في وقفته يردد بصوت هادئ :
_اعتذر منكِ .
اتسعت أعين سلمة ببطء قبل أن تطيل النظر له :
_ عفوًا منك ؟؟
_ حين ...حين صرخت بوجهك منذ قليل ظننتك ...لم أعلم ما حدث لذا اعتذر منك .
ابتسمت له سلمى بعدم تصديق، يتحدث بكل هدوء وملامح عادية وكأنه لم يتسبب في إهانة لا تُمحى لها منذ ثواني، ذلك النرجسي المتكبر من يحسب نفسه ؟!
" ملكًا للبلاد التي تقفين بها " وكان هذا رد عقلها التلقائي، لكن رغم ذلك هذا لا يمنحه حق التحدث لها بهذا الشكل الشنيع .
كان أرسلان يراقبها باهتمام شديد ينتظر ردها، يدعي عدم الاهتمام بملامح شبه جامدة في حين أنه داخله يتحرق لسماع ردها، ينتظر أن تخبره أنها سامحته، تشعره أن ما فعله لم يكن كبيرًا ليستحق اعتذارًا منه، يحاول فقط أن يقلل من حجم الندم الذي يأكله فوق أنه لأول مرة يتحدث لامرأة بمثل هذه الوقاحة ويتعدي حدوده مع شخص لا يخصه، كان من الوقاحة أن يشعرها بالسوء تجاه نفسها .
أرسلان لم يكن معتادًا على التواقح مع النساء، لأنه من الأساس لم يكن يتعامل معهن، فقد كانت والدته وشقيقته هم بوابته الوحيدة ليلقي نظرات محدودة على العالم الآخر الوردي الخاص بالنساء، لتأتي هذه المرأة تجره دون إرادة منه صوب العالم تعلمه أن عالمهم ليس ورديًا فقط، بل احيانًا يكون اسودًا كعيونها في هذه اللحظات .
ثواني وعادت عيونها صافية وهي ترسم بسمة رقيقة هادئة على شفتيها، جعلته ينظر لها بلهفة للحصول على تصريح الصفح .
لكن كل ما خرج من سلمى بعد صمت طويل :
_ غير مقبول .
رمش أرسلان بعدم فهم لثواني وهو يحاول إدراك ما سمعه :
_ عفوًا ؟؟
_ اعتذارك جلالة الملك....غير مقبول .
اتسعت عيونه شيئًا فشيء من كلماتها، بينما هي اقتربت منه خطوات قليلة ترفع رأسها له بتحدي اذهله وهي تبتسم بسمة جانبية وقد اتخذت وقفتها وضعًا هجوميًا :
_ استمر حديثك المهين لشخصي أكثر من خمس دقائق، لتأتي أنت وتعتقد بكل عقلك أن كلمة تنطقها في ثانية قد تمحي ما تسببت به كلماتك السابقة؟؟ يمكنك المحاولة أكثر مولاي، واحرص أن تكون المرة القادمة التي تعتذر فيها لي نابعة من صميم ندمك .
ختمت حديثها تنظر بقوة في عيونها، نفس النظرات التي كانت توجهها صوب مرضاها وهي تهددهم بعدما تضرب رؤوسهم في الجدار مرات ومرات، لكن الفرق هنا أنها لم تضرب رأسه، لأنه ليس مجرمًا، ولأنها لا تأمن ردة فعل ذلك المتوحش إن فعلت .
_ أنتِ تمزحين معي ؟؟
_ في العادة لا امزح مع رجال غرباء عني، لكن من يدري ربما في المستقبل تنال شرف مزاحي معك مولاي .
ابتعدت خطوات للخلف لتشتعل أعين أرسلان وهو يسمعها تردد نفس جملته السابقة، الفتاة تستخدم أسلحته ضده، أبصر بسمتها اللئيمة تتسع ليدرك أي الشخصيات تلبستها في هذه اللحظة .
_ أنتِ تخوضين سباقات لا قبل لكِ بها .
_ لا بأس أحب المغامرات، سبق وخضت الكثير قبلك، ولن يستعصي عليّ المزيد معك .
أنهت جملتها تستدير عنه، ثم تحركت في طريقها بكل هدوء تاركة إياه ينظر لظهرها بصدمة من كلماتها، ماذا تعني بقولها خاضت الكثير قبله ؟؟ هل سبق وتعاملت مع رجال كما تتعامل معه و....
فجأة توقف عقله عن التفكير حين أدرك للتو حقيقة كان غافلًا عنها، المرأة كانت تعالج المختلين والمجرمين....رجال ؟؟
وكأنها لحظة إدراك .......
فجأة انطلق دون شعور يلحق بها بخطوات شبه مهرولة يهتف دون تفكير :
_ ما نوع المجرمين الذين كنتِ تتعاملين معهم !!
توقفت قدم سلمى فجأة عن التحرك حين سمعت جملته تستدير له نصف استدارة، ترفع حاجبها بسخرية على ذلك السؤال :
_ بعضهم كان رخوًا والبعض الآخر كان مقرمشًا .
اشتعلت أعين أرسلان يقترب منها بغضب مصرحًا عما يدور بعقله من أفكار سوداء :
_ وهذان النوعان كانا من الرجال ؟؟؟
رمشت سلمى فجأة تحاول فهم سؤاله الذي نطقه للتو لا تفهم له من سبب، تنظر حولها ثواني وكأنها تبحث عن إجابة طائرة أو ما شابه :
_ ماذا ؟؟
_ هل كنتِ تعالجين رجال وتحتكين بهم طوال العمل معهم ؟!
فكرت سلمى ثواني في أبعاد ذلك السؤال قبل أن تحرك رأسها ببطء بالإيجاب، لتبصر وجه أرسلان الذي اشتد بقوة وبشكل مخيف :
_ تبًا لعالمك الذي سمح لامرأة مثلك بالتعرض يوميًا لبعض الرجال المختلين والمجرمين .
اتسعت أعين سلمى بقوة من كلماته وشعرت بقلبها يكاد يتوقف من قوة نبضاته وهي تراه يتنفس بصوت مرتفع، يتحرك بعيدًا عنها بغضب دون قول كلمة إضافية، لكن فجأة توقف يستدير لها متسائلًا :
_ هل تعرض لكِ أحدهم قبلًا بشيء ؟؟
وفي الحقيقة السؤال كان مضحكًا بعض الشيء، إذ وجب أن يكون السؤال الصحيح " هل سبق ولم يتعرض لكِ أحدهم بشيء ؟!"
ورغم أن الأمر كان مضحكًا بالنسبة لها، إذ سبق وتعرضت للكثير والكثير من هؤلاء المختلين، إلا أن هذه المرة الأولى التي يتساءل بها أحدهم عنها وعما لاقته في حياتها، ربما تعتبره اهتمامًا طفيفًا من شخصٍ .....
توقفت عن التفكير وهي تبتلع ريقها تجيب إجابة دبلوماسية قصيرة :
_ كنت اتدبر أمري، لا تقلق ..
نظر لها مطولًا وهو يتنفس بهدوء شديد، وعيونه تغيم بنظرات غامضة، ثم تحرك بكل هدوء خارج الممر يهمس لها وقبل الرحيل كلمات بسيطة :
_ تصبحين على خير آنستي ...
راقبته سلمى بأعين شبه زائغة تجيبه بصوت خافت :
_ تصبح على خير ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع مشارف يوم جديد ..
ترجل عن حصانه حين وصل واخيرًا وبعد رحلة طويلة للقصر، ولأول مرة لا تُفتح له أبواب سبز، رفع بصره صوب الابواب يرميها بنظرة طويلة يتحرك صوبها مرددًا بصوت قوي :
_ مالي أرى الأبواب وقد أُغلقت، عساه خيرًا يا رجال ...
تحدث أحد رجال القلعة في الاعلى، وقد كان واحدًا من أعوان أنمار الذين احتلوا الجيش بعد رحيل أصلان بمن معه لحماية الأسواق والشعب من بطشهم .
_ الابواب تُفتح لمن يستحق وتغلق في وجه من لا يستحق .
رفع آزار حاجبه وقد ارتسمت السخرية على وجهه :
_ عجبًا اتدرك أن هذا مبدأي في الحياة كذلك ؟! السيف ينحني في وجه من يستحق، ويحشر في حنجرة من لا يستحق، والآن أخبرني إلى النوعين تحب أن تنتمي أنت وقائد الحمقى الذي يقودكم ؟!
وكانت تلك رسالة مبطنة نطق بها آزار بأعين موقدة، والرجل فقط له باستهانة لتتسع عيونه ببطء حين أبصر جيشًا ضحمًا يقف على بعد صغير وكأنه ينتظر إشارة آزار، وبالطبع لا حاجة للسؤال عن هوية الشخص الذي ساعدهم لدخول البلاد .
رسالة مبطنة تلقاها الرجل بسهولة وهو ينظر خلفه لبعض الرجال يأمرهم بالتحرك وإعلام الملك بقدوم ملك آبى قبل أن يجن جنون آزار .
دقائق هي انتظرها آزار حتى أبصر الابواب تُفتح أمام عيونه ليبتسم باستهانة وهو يصعد على حصانه مجددًا يتحرك به داخل حدود القلعة بكل هدوء، بينما الجميع ينظر له بتحفز ..
استمرت رحلته داخل القلعة دقائق معدودة حتى وصل لمبنى الحكم الذي يستقر به قاعة العرش وغيرها من القاعات الخاصة بالاجتماعات.
دخل بهدوء شديد وكما توقع وجد، أنمار القذر يلوث عرش رفيقه بجسده ..
انتفض أنمار يرحب به بود وسعادة وتهليل :
_ الملك آزار بنفسه يزورنا، أنرت سبز مولاي .
نظر له آزار ثواني، قبل أن يبعد عيونه عنه يديرها في المكان حوله وكأنه يبحث عن شيء ما قبل أن يعود بعينه صوب أنمار الذي كان يتابعه بفضول .
ثواني ونطق آزار بما جاء لأجله:
_ أين هي ؟؟
نظر له أنمار بعدم فهم يتحرك في المكان يقترب من آزار وكأنه يمنحه فرصة مناسبة لاستلال سيفه وغرزه داخل أحشائه:
_ من هي ؟!
ابتسم له آزار بسمة مخيفة وكأنه جاء يعلن حربًا :
_ الأميرة توبة، ألم تخبرني أنها في رحلة للبحث عن علاج لبارق ؟؟ خير لم تنتهي رحلتها لليوم ؟!
شحب وجه أنمار لثواني وهو ينظر لآزار الذي اشتعل وجهه يكرر سؤاله بنبرة رن صداها في المكان :
_ أيــــن هــــي الاميــــــرة تـــــــوبــــــــة ؟؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ سمو الأميرة ...
رفعت توبة عيونها ببطء صوب ذلك الصوت الذي اقتحم صمتها المعهود، صوت رجولي غريب بعض الشيء على مسامعها، لكنه وحين نطق لقبها لم يكن بمثل السخرية المعهودة من أهل هذا الجحر .
أبصرت رجل ضخم الجسد حاد الملامح يقف على باب الغرفة التي تسكنها وكأنه يخشى أن يتقدم خطوة أكثر، وقد كانت هذه حقيقة في الواقع فهو يدري مصير كل رجل فكر وتحرك خطوة إضافية بعد باب الغرفة صوب هذه المرأة المُحرمة " كما أصبح الجميع يطلق عليها " .
_ من أنت ؟!
ابتسم بسمة جانبية يتساءل بنبرة عادية :
_ إن كنتِ تسألين عن هويتي المتعارف عليها بين الممالك فأنا قائد رماة جيش سبز السابق والقائد الثالث في الجيش بعد الملك وسمو الأمير نزار، وإن كنتِ تسألين عن هويتي المتعارف عليها هنا فأنا....
_ أحد حيوانات أنمار الأليفة ؟!
خرجت كلمتها الأخير بتقزز وكأنها تبصقها في وجهه، لينكمش وجهه بقوة وهو يحاول الابتسام في وجهها، ثم هتف بعد صمت قصير :
_ نعم كما خمنتي، أنا أحد رجال أنمار هنا .
هزت توبة رأسها بسخرية وهي تتحرك تطوي سجادتها الخاصة بالصلاة تنفضها برقة، تهمس دون حتى أن تعطيه نظرة واحدة :
_ اختار لك الله العز واستبدلته بالذل ؟؟ عقل لا تمتلكه حتى الانعام .
اشتعل وجه الرجل ليكمل دون أن يهتم لجملتها :
_ أُدعى الوليد، جئت لأجل التحدث معك في ...
_ لست مهتمة في الحقيقة لمعرفة ما جئت لأجله، فقط ارحل رجاءً فلا حديث لي معك أو مع غيرك في هذا المكان، أنا فقط اتحملكم لحين يأذن الله لي بالرحيل عن مستنقعكم .
تنفس بصوت مرتفع وهو يتمتم بينه وبين نفسه بصوت خفيف لم يصل لها :
- عجبًا كيف تحمل أنمار الحقير العيش مع هذه المرأة بلسانها هذا، لا عجب أن أول شيء فعله بعد التخلص من والدها هو إبعادها عن وجهه، فمن يتحمل سماع حديثها اللاذع هذا يوميًا .
رفعت توبة حاجبها بسخرية وهي تسمع حديثه لنفسه لتتجاهله، بينما هو أفاق يتحدث سريعًا فيما جاء لأجله :
- نزار .
توقفت يد توبة عما تفعل وهي تستدير له ببطء مهتم وقد بدا أن هناك شيء أخيرًا جذب انتباهها، ليكمل سريعًا:
- أنا هنا لأجل نزار ..
- وهل أخبرك أحدهم أنني والدته ؟!
_ لا، لكنكِ شخص يهتم لأجله ويمكنه إلقاء نفسه في التهلكة لأجله، فقط أردت التحدث معكِ بخصوصه، نزار خسر كل شيء في حياته ولم يتبقى له أحد، احضرته هنا عسى أن يجد له من حليف، لكن وجودك معه يصعب عليه الأمور ويـ...
توقف عن الحديث تحت أعين توبة المتعجبة مما يحدث، هل جاء هذا الرجل يمزح أم ماذا ؟؟ ما علاقتها هي بنزار أو بحياته حتى ؟!
_ فقط ابتعدي عنه فهو يلقي نفسه في الهلاك لأجلك وهذا سيضره أكثر وأنمار لن يرحمه طالما كان يقف في صفك ويعانده لأجلك و....
_ لعنة الله عليك وعلى أمثالك وما علاقتي أنا بنزار أو بأحد هنا، أنا لا اطلب الكثير، فقط دعوني وشأني، إن كنت بالفعل تخشى على صديقك ما احضرته من البداية لهنا .
تجاهل الوليد كل ما نطقت به وهو يكمل حديثه :
_ الآن أنمار لا ينتوي خيرًا لنزار لا أدري ما الذي يخطط له، لكنه ليس خيرًا أبدًا هو فقط ينتظر أن ينتهي نزار من صناعة ذلك السم لينفذ ما يطمح له وأنا فقط أريد مساعدته و....
قاطعته هي وقد التقطت أذنها ما جعلها تفتح عيونها بصدمة كبيرة تترك ما بيدها ليسقط ارضًا :
_ سُم ؟؟ هل قلت لتوك سمًا ؟؟ نزار يصنع سمًا ؟؟ لماذا ؟! بالطبع ليس لقتل الآفات الزراعية.
رفع لها الوليد حاجبه بسخرية :
_ لماذا برأيك ؟!
وقبل أن تفكر في الإجابة عليه اقتحم المكان نزار وهو يردد بعدم فهم وريبة في وجود الوليد هنا وتحدثه بهذا الهدوء معها دون أن تنفجر في وجهه وتطرده خارجًا :
_ ما الذي يحدث هنا ؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صمت وهدوء يصاحب سواد الليل واستيقاظ الكائنات الليلة والتي كانت الصوت الحي الوحيد في هذا المكان .
وفي منطقة واسعة تتوسط الممالك حيث بعض الأشجار المتداخلة وبحيرة صغيرة كان يستخدمها التجار والجنود في الارتواء أثناء الرحلات الطويلة، توقف حصان بقوة يتبعه آخر وآخر وآخر حتى أصبح العدد أربعة أحصنة .
_ خمس دقائق إن لم يأتي نرحل دونه .
كان هذا الصوت خارجًا من إيفان الذي حرك عيونه حوله يبحث عن جسد أرسلان الذي اتفق معه أن يلاقيهم في المكان المتفق عليه سابقًا .
ارتفع صوت سالار يتحدث بهدوء :
_ لا تقلق لن يتأخر فهو لا يفوت قتالًا دون دس أنفه به .
وقبل أن يضيف أحدهم كلمة واحدة، ابصروا من جهة مشكى بعض الأحصنة تقترب منهم يتقدمهم حصان يعلوه فارس ذو معطف اسود لا حاجة لذكر هويته والتي كانت معروفة للجميع، خلفه ثلاث رجال تعرفوا منهم على المعتصم فقط .
وبمجرد توقف أرسلان ابتسم بسمة واسعة ظهرت واضحة إذ لم يكن يرتدي لثام كالجميع، بل اكتفى بانزال القلنسوة على رأسه :
_ مرحبًا اعزائي اشتقتم للعم أرسلان ؟؟
رفع إيفان حاجبه بسخرية وهو ينظر خلف أرسلان يهز رأسه مرحبًا بالجميع والذي لم يكتشف منهم سوى المعتصم فقط والذي اقترب منه يرحب به بود :
_ ابن الخالة الغائب كيف حالك عزيزي .
ابتسم له المعتصم يهز رأسه بهدوء :
_ بخير مولاي شكرًا لك .
قلب إيفان عيونه بضيق وهو يهمس له :
_ عزيزي أي مولاي هذه، أنا لست ملكك الآن، أنت ابن خالتي أيها المعتصم، عاملني على هذا الأساس .
ابتسم له المعتصم ليربت إيفان على كتفه بود شديد، مرتاح أنه يتلقى المعاملة الطيبة التي يستحقها ودون تدخل منه، يشق طريقه دون أن يكون له يد في ذلك، المعتصم صنع لنفسه اسمًا بعيدًا عن كونه ابن خالته لملك سفيد .
كان الجهل يسيطر على الباقيين تجاه الشخصين الآخرين مع أرسلان، ليتولى الاخير مهمة تعريفهم على فريقه :
_ هذا تيّم أحد جنودي المخلصين، وهذا زيان طبيب القصر وأحد جنودي السابقين قبل اعتزال القتال وتفرغه للمعالجة، ومن حسن حظنا أنه قرر لعب دور القاتل هذا اليوم وينضم لنا، وبالطبع تعرفون المعتصم، والآن لنتحرك فلا أريد أن ينام أنمار قبل أن يشهد ما سيحدث ...
ضحك سالار ضحكة صغيرة وهو يتأكد من لثامه ينغز حصانه بهدوء كي يتحرك :
_ لا تقلق الملك آزار الآن يحرص على بقائه مستيقظًا ..
ابتسم أرسلان وهو يتحرك بحصانه :
_ لا تقل أنه يقص عليه قصص ما قبل النوم .
اتسعت بسمة سالار الجانبية بقوة وهو يحدق في الطريق أمامه يردد قبل الانطلاق بسرعة مخيفة مع الجميع :
_ شيء من هذا القبيل ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ملك آزار لا تدفعني لاذيتك وأنت بعمر والدي .
وقبل إضافة كلمة ثانية كانت يد آزار ترتفع ضاربة إياه بمعدته بقوة مرعبة وهو يصرخ في وجهه بعدما سقط أنمار ارضًا :
_ أذية من أيها الانمار؟! هيا قف كما الرجال في البداية ثم ألقي تهديدات وتبجح .
ختم حديثه ينتزع السيف من الغمد وهو يوجهه على رقبة أنمار الذي كان ساقطًا ارضًا يحدق في السيف بصدمة كبيرة :
_ أنت ... أنت تتجاوز حدودك بـ
ضغط آزار بسيفه على رقبة أنمار ليتأوه الاخير وهو يسمع صوت آزار يردد :
_ أي حدود هذه عزيزي ؟؟ لا حدود تقف أمامي وأسأل والدك في قبره فلا بد أنه عاصر أيام شبابي ليخبرك الكثير عن الحدود التي احطمها أسفل أقدامي .
ختم حديثه يضغط بسيفه أكثر على رقبة أنمار يهتف بصوت كله وعيد وكأنه فحيح يتردد داخل أذن أنمار :
_ زمن الصبر على قذارتك ...انتهى .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في قصر مشكى :
كانت تجلس على المقعد جوار فراش الصغيرة كما اوصاها المعتصم قبل رحيله، لا تعلم ما الذي حدث، أو إلى أين سيذهب في هذا الوقت، لكن ملامحه وهو يوصيها على فاطمة كانت تشي بالكثير والكثير .
ما يزال صوته يرن في الإرجاء :
_ فقط ...اعتني بها رجاءً و....
صمت ثواني بتردد وكأنه يخشى نطق ما يدور في صدره، لكن وبعد ثواني من الصمت واخيرًا تجرأ ونطق ما يفكر به :
_ حين تستيقظ هل يمكنك ...يمكنك سؤالها عني وإن كانت تتذكرني؟؟ تتــ ...تتذكر من هو المعتصم ؟؟ فقط اسأليها وحين أعود أخبريني إن كانت تفعل .
انتبهت سلمى على تحرك يد فاطمة وهي تفكر في سبب حديث المعتصم، هل يعقل أن مرحلة النسيان الذي كان عقلها يفرضه عليها لأجل تخطي ماضي أليم امتدت لتشمل شخص يمثل الكثير لها كالمعتصم ؟!
تأوهت فاطمة بصوت منخفض وهي تحاول فتح عيونها وقد شعرت بوجع غريب يتمكن من مقدمة رأسها بأكملها، كما أن هناك ضعف أصاب أطرافها لدرجة أنها لم تستطع تحريكها بشكل طبيعي .
حاولت فتح عيونها وهي تردد اسماء أسرتها بصوت موجوع، لتغيم عيون فاطمة بوجع لأجلها، تربت على رأسها بهدوء وحين أبصرت الوجع الواضح على ملامح فاطمة، أخذت تفرك باصابعها في دوائر صغير على جبينها، تحركها حركات مدروسة جعلت ملامح فاطمة المنقبضة ترتخي بهدوء وترتسم الراحة واضحة على وجهها، وما هي إلا ثواني حتى فتحت عيونها .
_ حمدًا لله على سلامتك فاطمة .
حركت فاطمة عيونها ببطء في المكان تحاول تبين أين هي، وفي النهاية ثبتت عيونها على سلمى المبتسمة، تردد بصوت خافت :
_ أين... أين أنا ؟؟
_ في المشفى، أنت بخير ؟؟
_ مشفى ؟؟ لماذا ؟؟
ربتت سلمى على خصلاتها الشقراء بحنان شديد ورغم أن الفرق بينهما لم يكن كبيرًا، إلا أنها تشعر بالمسؤولية تجاه فاطمة، تلك الفتاة التي تجبر الجميع على التعامل بحرص معها وتنفيذ كل ما تطلب دون حتى أن تفعل .
_ ربما هي عين حسودة أبصرتك بذلك الفستان الجميل الذي ارتديتيه سابقًا .
ضيقت فاطمة ما بين حاجبيها وهي تفكر في شيء، لتشعر سلمى أنها حتى لا تتذكر ما تتحدث هي عنه وقبل التحدث بكلمة لتذكرها عن الفستان وعنها لربما نست من هي كذلك .
بادرت فاطمة في الحديث سريعًا :
_ لم يبصرني أحدهم بالفستان هذا سوى المعتصم، هل كان هو ذلك الحسود ؟!
اتسعت عيون سلمى بقوة، ثم انفجرت بالضحك دون أن تتمكن من تمالك نفسها، وفاطمة تحدق بها بترقب وكأنها تنتظر أن تجيب سؤالها والذي تفكر به بجدية، هل حسدها المعتصم بالفعل ؟؟
بينما سلمى تفكر في ذلك المسكين الذي كان يرتجف من فكرة أن تنساه لتستيقظ الأخرى وهي تفكر أنه السبب في مكوثها في المشفى ..
_ لا لا تقلقي ليس المعتصم و...
صمتت ثواني ثم نظرت لها بجدية تميل عليها تتحدث ببسمة صغيرة :
_ أنتِ تتذكرين المعتصم صحيح ؟!
ونظرات فاطمة لها اشعرتها أن هناك قرون نبتت لها، إذ أنها نظرت لها نظرة العاقل للمجنون، وكأن ما قالته أبعد لها من نجوم السماء .
تنسى المعتصم ؟؟ الثابت الوحيد في حياة فاطمة الغريبة، والرجل الوحيد الذي تأمن له بعد والدها وأحمد، كيف يمكن أن تنساه ؟؟
_ أتذكر المعتصم ؟؟ ومتى نسيت المعتصم لاتذكره؟؟
ليأتي المعتصم ويسمع تلك الكلمات، تقسم أنه قد يتلاشى من الخجل والصدمة، فهذه الفتاة لا تنفك تردد عليه عبارات تجعله قليلًا للذوبان في أية لحظة .
ابتسمت لها سلمى وهي تحرك رأسها بهدوء وكأنها تخبرها أن تنسى ما قالت، ثم مالت تطمئن أنها بخير وقررت أن تستغل هدوء فاطمة وهذه الليلة والتي تبدو لها طويلة وهي تبتسم لها بحنان :
_ إذن فاطمة أنتِ لم تخبريني الكثير عن عائلتك، ما رأيك أن تقصي لي حكايتك، أنا متشوقة لمعرفة المزيد عنكِ وعنهم .
اتسعت بسمة فاطمة بقوة وكأنها أحبت الأمر، أحبت فكرة أن تتحدث عن عائلتها وتصف لأحدهم كم هم افضل الأشخاص الذين قد تصادفهم في حياتك .
وهكذا شرعت فاطمة في اخبار سلمى كل ما تتذكره في عقلها وكل ما تحفظه ذاكرتها عن أسرتها.
ذكريات تمثلت لفاطمة كما لو أنها واقع، ذكريات قديمة تراها مشاهد حديثة بخدعة من عقلها، وكل ذلك تدونه سلمى في عقلها وهي تحلله ببطء، تبحث عن مدخلًا لتساعد فاطمة في تقبل واقعها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف الجميع على مشارف سبز يراقب إيفان المكان أمامه بحسرة، سبز والتي كانت مفخرًا لشعبها لشدة جمالها، في طريقها للذبول ...
_ حسرتي على سبز ومن بها ..
غامت عيون أرسلان وهو يراقب المملكة أمامه بأعين مقهورة يخشى أن تصل سبز لمشكى، أن يتشابه حاضرها مع ماضيهم، وأن تتشابه ملامح الشعوب في البؤس والحسرة .
_ لا بأس يا أخي إنما هو الله يمهلهم، فسادهم أيامه معدودة ..
ثواني وسمع الجميع صوت حصان يقترب منهم، كان الظلام يكاد يخفي جسد الفارس لولا اقترابه من حدودهم حيث يحمل البعض منهم مشاعل لتتضح ملامحه للجميع وتتسع بسمته وهو يهتف بصوت هادئ :
_ السلام عليكم آمل أنني لم أتأخر..
هز له أرسلان رأسه ليتعجب ايفان ما يحدث ينظر صوب أرسلان بتفكير ليبتسم لهم الاخير معرفّا القادم :
_ أصلان، قائد جيوش سبز ومساعد الملك بارق.
حرك أصلان رأسه بهدوء شديد واحترام أشد مبتسمًا لهم، ليرحب به إيفان وقد تذكر الآن أنه يعلمه لكن لم يسبق له وأن احتك به كثيرًا، عكس أرسلان الذي كان يحتك بالجميع في طريقه منهم من يصادقه ومنهم من يعاديه ويجعل حياته جحيمًا.
تحرك الجميع في طريقهم صوب سبز خلف أصلان الذي مهد لهم طريق الدخول مع بعض جنوده ليساعد الجميع في إنهاء عصر ذلك الطاغية الذي أخذ العرش بالقوة ودون أن يفكر ثانية حتى في توابع ما يفعل .
وصل الجميع لبوابة القصر ليبهبط أصلان عن حصانه يتحرك صوب البوابة الخلفية وهو يطرق عليها طرقة صغيرة، صمت بعدها لثواني قبل أن يُفتح الباب سريعًا ويبصرون رجلًا يطل برأسه عليهم متحدثًا بصوت خافت :
_ أمنت الطريق لكم صوب الداخل، ليحفظكم الله يا رجال .
ابتسم سالار باندهاش وهو ينظر لأرسلان الذي هز رأسه يقول بهدوء :
_ أصلان له أيادي خفية في كل مكان بالقصر .
ضحك سالار ضحكة صغيرة :
_ حسنًا هذا محبط بعض الشيء، لقد منيت نفسي بغنيمة كبيرة من الحثالة بالداخل .
_ وتصفني بالدموي، بالله أنت تفوقني .
اتسعت له بسمة سالار وهو يتحرك بهدوء شديد للداخل وقد كان أولهم:
_ هذا ليس مفاجئًا فأنا بالفعل افوقك في كل شيء أرسلان، لكنك لا تتقبل الواقع .
ارتفع حاجب أرسلان لترتفع ضحكات إيفان عليه وهو يتحرك مع الجميع خلف أصلان وسالار الذي تقدمهم وكأنه يحفظ كل شبر بهذه القلعة .
التوت ملامح أرسلان بحنق يسير خلقهم بضيق :
_ كل مرة أذهب معكم في مكان ما يكون الندم صديقي في هذه الرحلة فقط ليعينني الله على مصاحبتكم .
نظر له الاثنان بتشنج ليهمس سالار وهو يعدل من وضعية سيوفه :
_ والله لا أحد هنا احمل همًا بشأن مصاحبته في أي رحلة بقدرك أرسلان.
ولم يكد أرسلان يتحدث بكلمة حتى توقفوا فجأة حين وقف أصلان يشير صوب مبنى يقبع في أحد أركان الساحة الخاصة بالقلعة يهتف بصوت ونبرة متقدة بالغضب :
_ هذا سكن رجاله هنا، لا بد أن بعضهم نائمين والبعض الآخر يحرس المكان...
نظر سالار للمبنى، ثم حرك عيونه حوله يدرس الأوضاع سريعًا فقد اقتضت خطتهم أن يأتوا للمكان ويتخلصوا من أكبر عدد من رجاله ويفرغوا مخازن أسلحة سبز ويسلموها لجيش أصلان، استعدادًا لسلب سبز منهم وتسليمها لأصلان لحين عودة بارق .
وتلك هي الخطوة الأولى في رحلتهم ..
اتسعت بسمة الجميع ليهتق إيفان بصوت قاسٍ :
_ إذن أمستعدون أنتم ؟!
سحب أرسلان نفسًا عميقًا يجذب القلنسوة الخاصة به على وجهه أكثر، ثم سحب سيفه وهو يشير للمعتصم ورجاله :
_ نحن ستتولى أمر الرجال الذين يدورون داخل القصر للحراسة وانتم تولوا من بداخل السكن .
أخرج دانيار ثلاث سهام يضعهم في القوس الخاص به يستعد وهو يغمز لتميم الذي بدأ يحرك السلسلة الحديد الخاصة به :
_ ما رأيك بمنافسة سريعة دانيار ؟!
_ يمكنك البدء في العد من الآن يا عزيزي ....
ومن بعد تلك الكلمات أشار لهم سالار أن يتبعونه وهو يخرج السيفين وكذلك إيفان اخرج سيفه يتحرك خلفه صوب المسكن الخاص بالجنود وقد أشار سالار لأصلان:
_ اغلق الباب خلفك يا عزيزي كي لا تخرج الاصوات للخارج وترعب الصغار ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ما نوع العمل الذي يحتاجك به أنمار سمو الأمير ؟!
تحركت أعين نزار لها بتعجب، ثم نظر للوليد بشك شديد :
_ ما الذي أخبرتها إياه ؟؟
تحركت له توبة وهي تصرخ بجنون من بروده الظاهري :
_ هذا كل ما تهتم به ؟! ما أخبرني إياه!؟ وليس ما تفعله ؟! مما خُلقت أنت يا رجل ؟! ألا تمتلك ذرة إنسانية ورجولة واحدة ؟؟ أخطأت ومنحك الله فرصة ثانية للتوبة فاخترت الضلال وساء سبيلك ..
أبعد نزار عيونه عنها وكأنه يتعمد تجاهلها، لكنه في الحقيقة لم يكن يمتلك لها ردًا في هذه اللحظة خاصة وهو لم يتوقع مواجهة سريعة كهذه، وايضًا بوجود الوليد الأمر كان اصعب .
ابتسمت توبة بسمة لا معنى لها، بسمة واسعة جعلته يرتاب من نظراتها قبل أن تتحرك صوبه تصرخ بصوت مرتفع وبحنون تام تشير صوب الخارج وهي تصيح في وجهه :
_ تحرك من هنا، أخرج من هنا ولا تطأن قدمك هذا المكان إلا بعدما تتطهر من اثامك أيها الـ
توقفت عن الحديث وهي تحاول إيجاد صفة له توفيه حقه وحينما فشلت أشارت للخارج تصرخ :
_ فقط أخرج...أخرج من هنا نزار ولا تدعني أبصر وجهك، أخرج من هنا .
ختمت حديثها بصرخة جعلته يغمض عيونه بقوة وهو يتمالك غضبه، كان آتيًا يخبرها خطته للهرب من المكان قبل تسليمه ذلك السم لهم، لكن ذلك الوليد الحقير أفشل كل مخططاته بوجوده والحديث الذي ذكره لها ليجن جنونها بهذا الشكل .
استدار صوب الوليد الذي كان يراقب ما يحدث بملامح ثابته، يمسك مرفقه، ثم سحبه يخرج به من المكان وملامح الغضب تنتشر على وجهه وصوت توبة الصارخ يرن في أعقابه :
_ الشيء الوحيد الصحيح الذي ذكرته نزار كان تخليك عن فكرة اتخاذي توبة لك، اشكرك لأجل هذا، ما كان لي أن أكون توبة لعاصي، وخاصة لو كان ذلك العاصي معينًا للشيطان .
تحرك نزار بعيدًا مع الوليد وهو يفكر فيما سيفعل، اكتفى من كل ما يحدث هنا، واكتفى من كل ما يسمع، انتهى الأمر، يومين ويخرج من هذا المكان بها، سواء كان بإرادة منها أو بدون ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أخبرتك أنني أضعه لها في الفطور كل يوم وما تريدينه أنفذه دون مناقشتك، لذا توقفي عن ازعاجي كل ثانية بإرسالك لمقابلتي سراي .
ابتسمت لها سراي وهي تقترب من الحديد تردد بهدوء :
_ عزيزتي صدقيني أنا لست مشتاقة لمقابلتك كل يوم، لكنني فقط أحب الإطمئنان بنفسي، حينما تنتهين مما يحدث اختفي عن الأنظار واحرصي ألا يُذكر اسمي في الأمر.
_ أتعجب مقدرة الشياطين على الحب، تتبجحين أنكِ تفعلين كل هذا لأجل حبك الميؤوس منه للملك، وأنا أتعجب أن امرأة مثلك تستطيع الحب من الأساس .
اشتعلت أعين سراي من كلمات رفيقتها، لكنها لم تهتم للرد عليها فقط ابتسمت بسمة صغيرة :
_ وأنا أتعجب أن يمتلك أمثالك قلبًا نجوم، أولستِ أنتِ المرأة التي تبيع عائلتها لأجل المال ؟! تتجارين في الغلال المسروقة لأجل الأموال .
نظرت لها نجوم نظرة مقهورة تهتف من بين دموعها المكتومة :
_ بل أبيع ضميري لأجل عائلتي سراي ما أفعله سببه الاول والأخير هو رغبتي في تأمين حياة لأسرتي، ولولا حاجتي الماسة للمال لما فعلت ما فعلت، اغواني الشيطان وندمت، فلا تكملي طريقك كي لا يفوت أوان الندم لديكِ .
_ خطبتك هذه كانت ستفيدني كثيرًا لولا أن وقتها تأخر نجوم، والآن تحركي ونفذي ما أخبرتك به ولا تأخذي خطوة دون العودة لي .
_ أنا لا افهم ما تريدين فعله، ما هو غرضك من تلك الأفعال المريبة التي تجبرينني على فعلها، اتفقنا على وضع العشبة لها فقط .
اتسعت بسمة سراي وهي تشرد فيما خططت له :
_ غرضي ستعرفينه عندما يتحقق نجوم .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرجت من غرفة فاطمة بعدما انتهت من جلستها القصيرة معها، ثم تركتها ترتاح تدرك أن استدعاء ذاكرة من عقل شبه فارغ أمر مرهق، قررت التحرك صوب غرفة موزي تطمئن عليه، لكن في طريقها صوب الغرفة سمعت أصوات شبه صاخبة تندلع من غرفة أخرى.
كانت على وشك تجاهلها لولا أن أصوات امرأة ارتفعت من تلك الغرفة وهي تصرخ بصوت شبه مسموع في الإرجاء :
_ نحن لا نطلب منك الكثير، فقط اتركنا وشأننا غادر واتركنا كما سبق وتركتنا لسنوات طويلة ..
ومن بعد تلك الجملة سمعت سلمى صوت صفعة واصطدام قوي تبعه صرخة المرأة لتتحرك دون شعور وبسرعة كبيرة تقتحم الغرفة دون تفكير لتبصر فتاة ساقطة ارضًا بملامح حادة تنظر صوب رجل كبير في العمر بشر وكأنها تفكر كيف تتخلص منه وعلى الفراش الذي يتوسط الغرف جسد ساكن بعجز وبملامح موجوعة يحاول النهوض للمساعدة .
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تشعر أنها تدخلت في وقت غير مناسب بين عائلة، تراجعت وهي تفكر في حجة مقنعة :
_ أنا الممرضة المشرفة على حالة المريض و....
وقبل إكمال جملتها أبصرت الرجل يندفع صوب الفتاة يجذبها من ححابها بقوة صارخًا في وجهها :
_ أيتها الحقيرة ترفعين صوتكِ وتتبجحين عليَّ، اقسم أن ادفنك بأرضك قبل التفكير في التحدث معي كلمة لا ترضيني أيتها الـ
وقبل إكمال جملته وبشكل غير متوقع سريع دفعته الفتاة بقوة تخرج من ثوبها سكين وكأنها كانت تخبأه لوقت الحاجة تلوح به في الهواء :
_ قبل دفني سيكون التراب قد وارى جسدك سيد انورين .
اشتعلت أعين الرجل وهو يرمق ابنته بشر كبير وكره أكبر، وقد بدا كما لو أنه يقف مقابل عدو له وليس ابنته التي تسير دماؤه داخل أوردتها .
شعرت سلمى بالريبة مما ترى لا هي قادرة على الرحيل وتركهم وشأنهم ولا هي تستطيع المشاهدة دون التدخل، نظرت حولها تحاول التحدث بكلمة تفصل بها تلك المعركة الحامية، لكن ما كادت تتخذ أي ردة فعل حتى وجدت جسد الرجل يندفع بشكل مرعب صوب الفتاة يسلبها السكين، ثم يرفع عليها وقبل تقدمه خطوة واحدة صوبها بالسكين كان جسد سلمى يحيل بين السكين وبين الفتاة لتعلو صرخة الشاب في المكان بجنون ....
وقبل أن تمس السكين جسد إحدى الفتاتين كانت يد سلمى الاسرع وهي تمسك يد الرجل بسرعة تلويها بقوة تدفع بجسده للجدار بعنف تهتف من تحت أسنانها:
_ ماذا تظن نفسك فاعلًا أيها العجوز ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان أرسلان يتحرك مع رجاله بخفة حول مبنى الحكم في قلعة سبز، وكل من يقابلهم يجذبوه بعيدًا ثم يتخلصون منه، كل من يتعرفون عليه ويتبع أنمار يتخلصون منه ..
كان يتقدم الجميع يزيح من أمامه بسرعة كبيرة مستمتعًا البعض يصيبهم دون قتل لحاجته إليهم كي يستخلص منهم ما يريد من المعلومات والبعض يكون حظهم سييء ليُقتلوا على يديه .
توقف أرسلان فجأة حين شعر بحركة غريبة حوله، ينظر للمعتصم وزيان ومن معه :
_ هل سمعتم هذا ؟؟
حرك المعتصم رأسه في الارجاء بحثًا عما شعر به أرسلان ليشير بالنفي فلا شيء مريب حوله هذا إذا اعتبرنا تلك المجزرة التي تحدث ليست بالشيء المريب .
_ هناك أصوات حركة في الجوار .
همس زيان بصوت منخفض في أذن المعتصم :
_ بدأت أصدق أنه يمتلك حاسة الأسد عن اصطياد الفريسة .
أشار أرسلان لزيان بأصبعه :
_ توقف عن التشويش على سمعي زيان كي لا تكون فريستي القادمة، هذا الصوت ألا تسمعونه ؟! صوت مرتفع لخطوات أقدام حولنا أنا متأكد من هذا .
بدأت الريبة تنتشر على وجوه الجميع وقد أخذت الأجساد وضع الهجوم، وبالفعل ما هي إلا ثواني حتى بدأت تلك الأصوات التي تحدث أرسلان عنها تعلو أكثر وأكثر.
أخذ المعتصم يستدير حوله بريبة وهو يخرج بعض السهام عن ظهره بعدما أعاد السيف لغمده يتجهز لاصابه أيًا كان من ينتوي بهم شرًا .
كل ذلك وارسلان فقط يحرك عيونه في الإرجاء بهدوء عجيب لا يتلائم مع الموقف، وفي ثواني ارتسمت بسمة واسعة مخيفة على فمه حين أبصر العديد من الرجال يحيطون به وكأنهم كانوا ينتظرون مجيئهم .
هتف تيّم بصدمة وهو يرفع سهامه بسرعة كبيرة في وجوه من أمامه:
_ هذه مكيدة، كيف ؟؟؟
اتسعت بسمة أرسلان أكثر وأكثر وهو يحرك نظراته حتى توقفت على أصلان يهمس بصوت خطير :
_ عجبًا الحية بدلت جلدها بسرعة كبيرة ها ؟!
لم يفهم أحدهم ما يقصد أرسلان، لكن في ثواني اتسعت الأعين بصدمة حين رفع أصلان وبسرعة كبيرة سيفه في وجه أرسلان مهددًا وهو يمنحه نظرة منتصرة وبسمة متشفية :
_ الصبر ليس من شيمي جلالة الملك .............
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخيانة وما أسوءها .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل