تحميل رواية «أسد مشكى "ما بعد الجلاء "» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرحبًا أراك وقد عدت مشتاقًا لرفقتنا، ترقبت عودتنا كما فعلنا نحن، فكم يعز علينا تركك وقتًا طويلًا في عالم المفسدين خاصتكم.. لذا هلم واقترب من الحدود بين عالمينا فها هي أبواب وجهتك التالية تُفتح امامك على مصرعيها ، ولا ليست سفيد، أعلم انك ربما تشتاق لصوت أبواب سفيد، لكن دعني أخبرك أن رحلتك مع شعب سفيد انتهت وتم دعوتك بشكل رسمي لتحيا حياة أخرى، وعالم آخر قريب من سفيد لكن بنكهة مشكى وملك مشكى .... الآن وجهتنا التالية هي " درة الممالك " مشكى العزيزة تلك البلاد التي عاشت انهيارات اكثر مما ذاقت رخاءّ،...
أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الحادي وأربعون 41 - بقلم Rahma Nabil
الأربعون |السادس عشر من محرم |
صلوا على نبي الرحمة .
ـ&&&&&&&&&&&&&
توقفت الأصوات في القاعة بالكامل وتحولت الأنظار كلها صوب البوابة التي فُتحت لتظهر خلفها جسد المعتصم الذي بدا كما لو أنه يجهز نفسه للأنقضاض على ضحيته .
ومنذ وطأ القاعة لم تتحرك عيونه لأحدهم، ولأول مرة لم يرحب بمن حوله ولم يتحدث بكلمة، فقط تحرك وعيونه مثبتة على جسد واحد فقط، يبتسم بسمة غريبة لا تليق بما يجب أن يشعر به في هذه اللحظة .
كانت عيونه لا تتحرك عن إلياس الذي شعر في هذه اللحظة بأن كامل حياته انتهت عند هذه النقطة، ابتلع ريقه وهو يتراجع للخلف يراقب عيون المعتصم الذي لم ينزع عيونه عنه لثانية فقط ويده تتحرك بهدوء شديد يتحسس سيفه .
عيون حمراء.
عروق بارزة .
هيئة رثة .
شعر مبعثر.
ملامح جامدة وجسد مشدود .
إشارات كثيرة واضحة ترسل للأعمى تحذيرات متتالية بتجنب المعتصم في هذه اللحظة وتجنب الإحتكاك به .
ولم يكد يتقدم خطوة إضافية صوب هدفه حتى تجمد جسده فجأة وتلاشى كل ما سبق ذكره، لتلين ملامح المعتصم بسرعة مرعبة وتعلو نظرة حنونه رقيقة وجهه حينما سمع صوتًا اشتاقه بجنون وهو يهمس بلهجة وكلمة كادت روحه تخرج من جسده مطالبة سماعها ولو في أحلامه حتى .
_ يا المعتصم...
استدار المعتصم صوب فاطمة والتي كانت تختبئ منذ ثواني بين أحضان زمرد وكهرمان، لكن بمجرد أن ابصرته، حتى تحررت من خوفها وهرولت صوبه تتلمس به ملاذها الأمن :
_ يا المعتصم أنت هنا ؟!
ابتسم المعتصم بحنان يتلقفها بسرعة بين أحضانه وقد بدأت يديه ترتجفان وهو يجذبها لصدره وكأنه لا يصدق أنه يلمسها مجددًا بعد كل هذه الأيام.
_ يا قلب المعتصم أنتِ فاطم .
كان يهمس لها بكلماته وهو يضمها يميل برأسه قرب أذنها يتنفس بصوت واضح وهو يتحدث بكلمات متقطعة :
_ فاطم...صغيرتي... كدت... أموت شوقًا ورعبًا عليكِ حبيبتي، يا ويلي اشعر أنني...للتو فقط تنفست فاطمة.
ضمت فاطمة نفسها له وهي تهمس اسمه ببسمة سعيدة لعودتها له وكأنها نست كل ما مرت به فجأة حينما ابصرته أمامها :
_ يا المعتصم أنا.... أنا كنت ... يا المعتصم
فجأة انفجرت في موجة بكاء حارة دون مقدمات بعدما كانت تبتسم منذ ثواني له، تهتف بكلمات متقطعة من بين دموعها وكأنها لا تصدق أنها الآن في ملجئها الأمن، تصف له كل ما مرت به الأيام السابقة بكلمات شبه متقطعة بسبب البكاء:
_ لقد .... كنت في السيارة وهناك قطعة قماشية في فمي ولم استطع الصراخ أو حتى التنفس و....لقد ...ضربني يا المعتصم حينما أخبرته أنني أريد رؤيتك ...لقد ....اخرجني من هنا أرجوك، أريد العودة للمنزل معك يا المعتصم لا تتركني هنا أرجوك أخرجني الآن.
ختمت حديثها بوجه اشتد احمراره بسبب شدة البكاء وقد فشلت عن التنفس بسبب حدة الشهقات، ليبعدها عنه المعتصم وهو يحاول أن يساعدها في التنفس بشكل طبيعي :
- حسنًا أنا هنا فاطمة....حبيبتي انتهى كل هذا ...هيا انظري إلي، لن أرحل دونك أبدًا، سوف نعود سويًا للمنزل حيث ينتظرك الجميع، كل من يحبك ينتظرك هناك عزيزتي .
رفعت فاطمة عيونها الباكية له، ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة ليقاطعها المعتصم بجدية :
_ هل يمكنك الذهاب مع الملكة الآن ريثما أودع الملك إيفان والحق بكِ ؟؟
تمسكت فاطمة بثوبه، وهي تبكي بانهيار ترفض وهي تهز رأسها نافية رغبتها في الابتعاد عنه ولو خطوة مرتعبة أن يتكرر ما حدث ويبعدها أحدهم قسرًا عنه .
_ لا أرجوك لا تفعل، لا تتركني مجددًا يا المعتصم هو سـ...
_ فاطمة أرجوكِ اسمعيني، لن يحدث شيئًا، فقط سأتحدث للملك ونرحل سويًا لمشكى حسنًا حبيبتي ؟؟
همست بضعف وهي تتوسله خائفة من أن يكون كل هذا مجرد وهم من عقلها الباطن وقد عادت لعادتها القديمة لتنكر حاضرها..
باحت بخوفها له وهي تهمس بصوت منخفض ...
_ اخشى.... أن....تبتعد ..فأدرك أنك مجرد وهم ...المعتصم ارجوك.
ربت عليها المعتصم ومال يهمس لها كلمات قليلة لطيفة وهو يربت على ظهرها بحنان وكم اوجعه خوفها من عقلها وما يريها إياه حينما تشتد بها العواصف:
_ بروحي أن يمسك سوء مرة أخرى فاطم، مرة ولن تتكرر، صدقيني لن تتكرر عزيزتي .
ضم وجهها بلطف بين كفيه، ومن ثم أشار لكهرمان يطلب مساعدتها بصمت، لتتحرك كهرمان تمسك مرفق فاطمة تردد بحنان:
_ فاطمة أرجوكِ .
ولم تحتاج فاطمة للمزيد من الكلمات لترضخ لكلمات المعتصم وتتحرك مع كهرمان للخارج والمعتصم يراقبها بهدوء حتى شعر بها وقد ابتعدت، ثم عاد بنظراته صوب الجميع، يحركها بينهم حتى استقر على إلياس وهنا بدأت شياطين المعتصم تطفو على السطح وتعلن عن وجودها أمام الجميع.....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ساعات بعدما تلقى خطاب من بارق حتى وصل لسبز كي يتجهز للحرب القادمة، ورغم أن بلاده لم تنهض بعد من نكبتها الأخيرة إلا أنه اقسم أنه لن يهنأ له بال ويمس حجر واحد من بلاده حتى يبيدهم عن بكرة أبيهم ..
دخل برجاله لقلعة سبز وهو يبصر بقايا ما حدث الليلة السابقة يظهر على الوجوه حوله وأعداد الأشخاص المتوجهين للمشفى .
هبط يقابل بارق الذي كان ينتظره في منتصف الساحة يرحب به بين أحضانه:
_ عساك بخير آزر .
ابتعد آزار عن أحضان بارق بعدما ربت عليه يردد بملامح واجمة :
- ليس قبل أن انتهي من كل هذا، لم يصل أحد ؟!
نفى بارق رأسه وهو يبتلع ريقه يحاول الحديث مستغلًا تأخر الباقيين :
_ لا ليس بعد، لكن ....هو ... آزار ريثما يصل الآخرين، تعال لـ .
نظر له آزار بعدم فهم منتظرًا أن يكمل حديثه :
_ آتي لماذا بارق ؟؟ كل شيء بخير صحيح ؟!
مسح بارق وجهه وهو يتذكر حالة نزار التي ساءت فجاة وهو يصرخ ويبكي في غفوته ويهزي بكلمات غير مفهومة قبل أن يسقط مجددًا في غيبوته .
_ أنه...
تنفس بارق بصوت مرتفع وهو يرفع كفه في وجه آزار بهدف أن يهدئه قبل حتى تحدثه بما يريد، وازار فقط يراقب كفه ينتظر أن يتحدث وقد بدأ القلق يتسرب لصدره اكثر وأكثر.
_ أنت لا تساهم في تهدئتي بارق لا تثر جنوني أنت الآخر، والله لا ينقصني شيء لقد فاض الكيل و.....
_ إنه نزار .
توقف آزار عن الحديث فجأة بصدمة وهو ينظر لوجه بارق بعدم إدراك :
_ نزار ؟! مابه ولدي بارق هل وصلتك رسالة منه ؟!
نفى بارق برأسه وهو يحاول الحديث ليجن جنون آزار وقد فاض كيله يصيح بصوت جهوري مرتعب :
_ بارق ما بك لا تثر جنوني اقسم بالله العلي العظيم أنني الآن على استعداد للذهاب وتناوله لذلك الوسخ الذي كنت تأويه أسفل قصر حيًا، والله اقطعن لحمه واكله باسناني لو مس ولدي بســ.....
_ نزار ...هو هنا...لقد ...هرب من الجحر وجاء للقصر .
شحب وجه آزار وهو ينظر لبارق وكأنه ينتظر أن يكمل كلماته التي تركته معلقًا بين الصمود والانهيار.
وبارق أشفق عليه وعلى نفسه من تحمل توابع ما سيقول، ليمسك بيده يجذبه خلفه وازار سار دون كلمة واحدة وكأن صمته وهدوءه في تقبل ما يريد بارق سيضمن له سلامة ولده .
أما عن بارق جذبه بهدوء صوب الغرفة التي يقبع بها نزار وهو يتنفس بهدوء يحاول أن يمرر ما يحدث ليهونها على رفيقه .
وحينما وصل لباب الغرفة والذي كان مفتوحًا، ابصر آزار جسد توبة التي انكمشت على نفسها في أحد أركان الغرفة تدفن رأسها بين قدميها باكية دون أن تعي بمن حولها .
نظر لها آزار بفزع وهو يجذب يده من بين كف بارق:
_ توبة ؟! ما بكِ يا ابنتي هل أنتِ بخير ؟!
ازدادت شهقات توبة بقوة ليحرك آزار رأسه بهدوء صوب بارق يتحدث وهو يشير له صوب ابنته المنهارة دون أن يهرول لمعرفة السبب، لكن أثناء تحركه بعيونه صوب بارق ابصر جسدًا بعلو الفراش الذي يتوسط الغرفة، جسد لا يمكن أن يخطأه بأي شكل من الأشكال .
نظر صوب بارق بصدمة، ومن ثم عاد بعيونه صوب ولده الذي يتوسط الفراش بملامح مدمرة وجسد لا يظهر لكثرة جروحه، تحرك صوبه بأقدام مرتجفة يهمس بصوت خرج مختنق :
_ بني ؟؟؟
اقترب منه بخطوات مرتجفة وهو لا يشعر بمن حوله، يطيل النظر بوجهه يبحث بين كل تلك الجراح عن ولده العزيز، لكن كل ما حصل عليه هو بقايا جسد طفله الصغير .
_ نزار ؟؟؟ نزار يا قلب ابيك من ....متى حدث ....كيف يا بارق ...كيف وماذا ...
كان يتحدث بعجز وهو يتحسس وجه نزار وقد بدأ جسده يرتجف كما يديه يشعر بالصدمة وقد تملكت منه، وبارق يدرك أنه ما يزال في صدمته وحينما يستفيق سيحطم البلاد فوق رؤوسهم .
جلس ارضًا على ركبتيه أمام الفراش يهمس بكلمات غير مسموعة سوى لطفله، قبل أن تتجمد يده ويستدير صوب بارق باعين مرعبة :
_ بارق ما الذي حدث لولدي ؟؟ كيف وصل هنا وهو بهذا الـ ....
صمت بعجز عن إيجاد كلمات تعبر عن حسرته وقهره الذي يحياه في هذه الحياة، نهض يتحرك صوب بارق وهو ما يزال يردد الكلمات بوجع كبير وبارق يقف في منتصف الغرفة بأعين حمراء مستسلم لهزات آزار له وهو يصرخ بوجع من الوضع الذي يرى به ولده :
_ ما الذي حدث له بارق ؟؟ ما به ولدي ... إنه...كالجــ ... لا يسمعني حتى ؟!
ارتفعت اصوات بكاء توبة في المكان ليلتفت لها آزار وكأنه استوعب فجاة وجودها في المكان ينظر لها ثواني وهو ما يزال يتنفس بصوت مرتفع قبل أن يترك مرفق بارق ويهرول صوبها بلهفة يجلس على عقبيه أمامها مرددًا بصوت شبه باكٍ :
_ توبةيا ابنتي ما به نزار ؟؟ أخبريني ما به ؟؟ أرجوكِ تحدثي، ليفعل أحدكــــــم قبل أن يجن جنوني ..
رفعت عيونها له وهي تتحدث بصعوبة من بين دموعها:
_ لا....لا أعلم لقد ...جاء مع المصابين منذ ساعات في حالة سيئة وقد اخبرني الجنود أنهم وجدوا جسده منهار على مقربة من بوابة القلعة وكأن احدهم ألقاه وهرب، و..منذ ذلك الحين لا يستجيب لأحد و...
صمتت تبتلع ريقها ليحثها هو بعيونه أن تكمل كلماتها، وفعلت وهي تنظر صوب جسد نزار تهمس دون ادراك لما يحدث حتى :
_ ومنذ ذلك الحين لا يفعل سوى أنه يستيقظ يصرخ باسم ومن ثم يعود لغيبوبته .
_ يصرخ باسم ؟؟ اسم من ؟؟
سقطت دموعها وهي تهمس بصوت مرتجف :
_ الـــ.....الوليد .
شحب وجه آزار وهو يتراجع للخلف ينظر صوب ولده مرددًا الاسم بخفوت وقد شعر بقلبه يكاد يتوقف من صدمة ما وصل له تفكيره :
_ الوليد هو من فعل هذا بولدي ؟!
ومن بعد هذه الكلمات لم يبصر آزار أمامه سوى ماضي بعيد حين جاءه ولده يومًا مع فتى يكبره في العمر وهو يخبره بسعادة أنه وجد رفيقه الأقرب..
" هذا الوليد يا أبي...صديقي الجديد، لقد ساعدني في الخارج اليوم، هيا يا الوليد سلم على أبي."
رفع آزار عيونه صوب الوليد يحدق فيه بدقة قبل أن يبتسم له بحنان يربت على كتفه بلطف يميل كي يصل لطوله :
" مرحبًا يا الوليد، شكرًا لمساعدتك طفلي بني "
والوليد فقط حدق فيه طويلًا دون ردة فعل لثواني قبل أن يبتسم بسمة صغيرة ويهز له رأسه بلا حديث .
تعجب منه آزار ونظر صوب نزار الذي همس بحماس :
" هو لطيف، لكنه خجول صحيح يا الوليد ؟!"
ختم كلماته وهو يرفع قبضته للوليد يحييه بها لينظر الوليد ثواني صوب قبضته تلين نظراته بحنان، يرفع يده يضربها بيد نزار يتحدث بلطف :
" صحيح يا أخي.."
ومن ثم أبصر نزار يجذب الوليد من يده خلفه وهو يصيح بكلمات حماسية حول الوقت الذي سيقضيانه سويًا، والوليد فقط تحرك خلف نزار ببسمة واسعة عكس تلك المقتضبة التي كان يوجهها له منذ ثواني .
سنوات مرت وأيام ولم يفترق ولده عن الوليد، بل زادت علاقتهما، وقد تقدم الوليد للجيش بطلب من نزار الذي أحب لرفيقه أن يكون معه بنفس المكان، والوليد لم يفكر ثانية وهو يتقدم لجيش آبى يثبت كفاءته ويزداد اقترابًا من ولده، وقد شعر آزار أنه خلال هذه الفترة كان الوليد يعمل حارسًا لولده أكثر من كونه جنديًا في الجيش، قبل أن يكتشف خيانته ...
انتفض جسد آزار من افكاره البعيدة على صوت بكاء وصراخ بدأ يشتد من جهة ولده، نظر صوب الفراش ليبصر ارتجاف جسد نزار بنفس الحالة التي وصفتها له توبة، هرول صوبه وهو يجذبه لاحضانه باكيًا يحاول احتواء ارتجاف جسد ولده الذي كان يبكي مرددًا اسم الوليد بلا توقف ...
_ ما الذي حدث لك يا بني، ما الذي فعله بك الوليد، ماذا فعل بك ؟؟؟
لكن نزار لم يكن يعي ما يقال أو يحدث، فقط استكان في أحضان والده وهو يتنفس بصعوبة ومازالت اللحظات الأخيرة لأخيه تعاد أمام عيونه، لفظه أنفاسه الأخيرة بين يديه، نظراته الشاخصة وهو يُجذب بعيدًا عنه .
_ أخي.....يا الوليد .
ـــــــــــــــــــ
_ أرسلان هذا لن ....
_ رجاءً سلمى فقط افعلي ما أريده دون جدال، انهضي وساعديني لنحضرك، سوف نتحرك بعد دقائق قليلة .
امسكت يده قبل حملها وهي تهتف بصوت خافت متوسل :
_ أرسلان ارجوك هذا لن يفلح، وجودي معك ما هو إلا تشتيت لك وأنا الآن لن أكون سوى حملًا عليك صدقني .
_ وجودك بعيدًا عن عيوني سيكون حملًا اكبر من وجودك معي، هذا إذا صنفنا وجودك حملًا من الأساس، فأنا آخذك معي حاجة لي قبل أن تكون لكِ .
ختم حديثه وهو يميل لحمل جسدها بين يديه يتحرك بها صوب المرحاض بعدما جهزه لها، وهي تنظر له بشرود تتحدث بصوت مشفق عليه من مشقة حمل همها طوال رحلة المفترض أن يعطي لها كامل تركيزه .
_ يمكنك أن تذهب ولا تقلق اقسم أنني سأكون بخير، سيهتم بي خالد .
توقفت أقدام أرسلان في المرحاض وهو يضعها برفق يساعدها في فك خصلاتها وهو يتحدث بجدية دون حتى أن ينظر لها :
- حينما تفقدينني بالكامل، يمكنك وقتها أن تعتمدي على رجل غيري سلمي.
اتسعت عيون سلمى من كلماته تمسك كفه وهي تقبله دون شعور :
_ لا تقل هذا أرسلان، ادامك الله في حياتي، أنا فقط لا أريد أن....
تنفس يمنعها عن الحديث :
- سلمى انتهينا، لن أتركك وحدك هنا في البلاد، لن آمن على تركك بعيدة عن عيوني، ولن ارتاح لأعتناء غيري بكِ .
ختم حديثه وهو يميل لتحسس المياه، ومن ثم اعتدل لها ينظر لها بحيرة، قبل أن يمسك كفها بحنان شديد يرفعه له لتبتسم وهي تنظر له بحنان تستعد لاستقبال قبلاته الرقيقة على باطن كفها، لكن أيا ليت جميع الأماني تتحقق....
حمل كفها يرفع له يتأكد أن لا جروح به قبل أن يغمسه في المياه الدافئة جوارها وهو ينظر لعيونها بانتباه :
_ درجة حرارة المياه مناسبة لكِ صحيح ؟!
حركت سلمى عيونها بين يدها المغمورة في المياه وبين نظراته الجادة تنتظر أن يضحك، ومن ثم ينتشل كفها ويقبله كما حلمت منذ ثواني .
_ ماذا ؟!
_ ماذا ماذا ؟! المياه حبيبتي هي لطيفة هكذا ؟! أنا في العادة احبها أشد سخونة لكنني خشيت أن يتحسس جسدك من المياه الحارة أو تتأذى جروح قدمك، إن لم تكن مناسبة أزيد من برودتها لكِ .
ابتسمت بعدم تصديق وهي ترفع كفها الحر تضم به وجنته بحنان جعله يبتسم لها بلطف، ومن ثم ربتت عليه :
_ لا أرسلان لا اريدها أشد برودة، يكفيني أنت عزيزي، دع لي شيئًا دافئ في حياتي حتى وإن كان المياه التي سأستحم بها .
هز أرسلان رأسه لثواني دون أن يستوعب ما قالت، يمسك كفها الذي يضم وجهه يقبل باطنه دون شعور محققًا لها حلمها دون قصد حتى :
_ حسنًا لا بأس.
اعتدل ومن ثم خرج من المرحاض يحضر لها المنشفة والملابس وهي تتابعه بعدم تصديق مبتسمة بصدمة قبل أن تضحك ضحكات خافتة :
_ الرجال مساكين حقًا .
فجأة عاد لها أرسلان يحمل بين يديه اثنين من فساتينها ذات الزهور التي كانت تتنقل بهم بين ووردها في محلها العزيز الذي أجرته قبل رحيلها ليعتني به احدهم في غيابها، فلا ذنب لزهورها أن تذبل فقط لأنها كانت ذاهبة في رحلة مؤقتة وستعود سريعًا .
كان هذا قبل أن تكتشف سلمى أنها تركت زهورها العزيزة، لتأتي هنا وتعتني بنبتة نادرة تحمل لها حياة بين وريقاتها .
وها هي نبتتها العزيزة التي تنافس الصبار قسوة من الخارج، والبتلات رقة من الداخل يحمل لها ثوبيها ينتظر أن تختار ما تحب :
_ وجدت هذين يبدوان في غاية الرقة و....هما يشبهانك، لكنني محتار أيهما أختار، ماذا تحبين أنتِ ؟!
_ أنت.
رفع عيونه لها بعدم فهم، وربما كانت مثل تلك الكلمات المتوارية والغزل الملتوي ليفلح مع أرسلان لو أنه تعامل مسبقًا مع مثل هذه الأمور أو جربها، لكن المسكين كان يختبر معها مشاعر دخيلة على حياته، وايضًا ربما كان المنشأ سيساهم أكثر لو كان نشأ في طرقات البرازيل بين النساء وليس بين طرقات مشكى بين السيوف والحروب .
أبصرت سلمى نظراته تلك لتشعر بقلبها يتضخم بحب ذلك البدائي الذي حتى لا يتفهم الغزل الرخيص الذي احضرته من عالمها معه، ولن يفهم إلا إن ألقت أبيات من الشعر في وجهه .
ضحكت تتحرك صوبه تقبل وجنته بحب ولم تتمكن من تمالك نفسها أمامه:
_ لماذا لا تختر لي آرسي ؟!
ابتسم أرسلان من تدليلها له، ثم رفع فستان من اللون الأسود به زهور بيضاء صغيرة يردد بجدية :
_ هذا سيكون جميلًا، أحببت الاخضر كذلك، لكن هو يشبه عيونك وقد تحسدك عين دون شعور، وكذلك الاسود سيكون جميلًا، ذكريني فقط أن ارقيكِ قبل التحرك .
ختم حديثه بنبرة جادة لتطلق سلمى ضحكات مرتفعة وهي ترتمي في أحضانه تضم نفسها له بقوة، يا الله تتخيل لو أنها رفضت وصية والدها ولم تأت هنا، أو رحلت بعد مجيئها بأيام ولم تصبر، كيف كانت ستحيا دونه ؟!
_ أرسلان أنت....لطيف للغاية .
وارسلان في الحقيقة لم يكن يبتأس من الوصف أبدًا، فهو ومنذ اللحظة الأولى كان يبتعد بجانبه القاسي عن زوجته، يرفض أن تبصر منه جانبًا لا يحب أن يظهره أمام نساءه، لذا أن تراه لطيفًا معها لهو ...شيء رائع يحبه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هل نتدخل ؟!
كانت هذه كلمات إيفان وهو يراقب ما يفعل المعتصم أمامه وقد اوشك على تقطيع جسد إلياس بكل ما للكلمة من معنى بعيدًا عن المبالغات.
لكن سالار ابتسم وهو ما يزال يقف جانبًا يضم يديه لجسده يراقب ما يحدث باستمتاع:
_ لا أعتقد أن أحدنا كان ليحب أن يقاطعه أي كان في مثل هذه اللحظات إيفان، ثم هذا المعتصم تلميذي النجيب يدرك متى يبدأ ومتى يتوقف، لا تقلق لن يحرقه غضبه لقد نشأ على يديّ .
فجأة سمع الجميع صوت تكسير عظام مرتفع وقد رنت صرخات إلياس في المكان بشكل تقشعر له الأبدان، لولا أن الأبدان التي كانت تحيط به كانت لرجال حرب اعتادوا سماع صرخات اسوء ورؤية مشاهد أكثر رعبًا .
مال إيفان برأسه صوب سالار ساخرًا من كلماته الأخيرة، ليرفع سالار يده يتبرأ مما يحدث في هذه اللحظة :
_ لا تنسى أنه قضى مع أرسلان عام، هذا تأثير أرسلان على الرجل لا علاقة لي بما يحدث، لكنه يعجبني إن سألتني رأيي، في الحقيقة بعض تصرفات أرسلان الحقيرة تعجبني كثيرًا .
تنهد إيفان بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه :
_ ليعينني الله عليك وعليه وعلى آزار في القادم، لا اعلم كيف سأسيطر على جنونكم .
رفع عيونه صوب دانيار وهو يشير له بعيونه تجاه المعتصم يطلب منه بصمت التدخل، لكن دانيار نظر له برفض لحظي وكأنه يتوسله أن ينتظر أكثر، لكن إيفان زفر بصوت مرتفع وهو يشير بيده في إشارة واضحة صوب المعتصم .
تحرك دانيار صوب المعتصم والذي كان في عالم آخر يفرغ طاقته السلبية وكل قهره وما عاناه الأيام السابقة بجسد إلياس، يصرخ بكلمات متداخلة يستهدف يده التي مست زوجته بالسوء .
حاول دانيار التحرك صوب المعتصم ليصرخ الأخير:
_ لا أحد يوقفني، لا أحد يقترب .
كان يصرخ دون وضع اعتبارات لأحد ولأول مرة ينسى مع من يتحدث، ليرفع دانيار يديه في الهواء وهو يحرك رأسه صوب الملك ليهتف سالار ببسمة حينما سمع زفرات إيفان:
_ دعوه حتى تنصرف روح أرسلان عن جسده ويعود المعتصم سالمًا ويتوقف وحده .
تدخل إيفان وقد شعر بأن الامور تزداد سوءًا ولا يمكنه أن يترك المعتصم يقتل الرجل بيديه بهذا الشكل .
_ المعتصم توقف عما تفعل ..المعتصم توقف ....المعتصـــــــــم .
وأخيرًا أفاق المعتصم لنفسه يتنفس بصوت مرتفع ينظر للجميع بعدم فهم قبل أن تتحرك قدمه لتضرب إلياس للمرة الاخيرة في معدته، ولم تصدر عن إلياس حركة وهو لا يعي اساسًا شيء وقد فقد الوعي .
_ حسنًا يا المعتصم تركتك تقتص لزوجتك ولنفسك، لكن علينا أن نقيم محكمة و....
_ لا ..
كانت كلمة واحدة خرجت من المعتصم قاطع بها كلمات إيفان الذي اسودت عيونه بشكل مخيف ليتراجع المعتصم ويدرك وقاحته أمام الملك، يميل برأسه معتذرًا :
- المعذرة مولاي لم أقصد أن اقاطعك، لكنني أطلب منك حقي في محاسبته بنفسي وفي مشكى، الرجل أخطأ بي وأنا من شعب مشكى، إذًا الحق في الحكم عليه لمملكة مشكى واعتذر على ذلك لكنه سيأتي معي لمشكى.
ابتسم إيفان عكس المتوقع وهو يشتم رائحة أرسلان في الأجواء :
_ هذه ليست كلماتك يا المعتصم، هذه كلمات أحد الآخر.
هز سالار رأسه بتسلية يعجبه ما يحدث في الواقع :
_ نعم أحد بشعر طويل واعين بنية ووجه بملامح مقتضب، ولسان لاذع تحديدًا .
اعتذر منهم المعتصم وقد كان يكن احترامًا خاصًا لإيفان وارسلان:
- اعتذر عن وقاحتي حقًا، لكن هذا رجاء مني مولاي .
راقبه إيفان ثواني وهو يحرك عيونه صوب إلياس قبل أن يهتف بجدية وتأني :
- لك ذلك، الحكم بيدك وبيد ملكك يا المعتصم، كنت المجني عليه ولك الحق في الحكم بما يطفئ نيران صدرك، سالار ضع هذا الخسيس في عربة مغلقة وأرسله مع المعتصم لمشكى، فبها ملك عادل لا يرحم أحدًا .
ختم حديثه بسخرية لاذعة وهو يدرك ما سيفعل أرسلان، يربت على كتف المعتصم وهو يضع نفسه محله، يتخيل أن يمس أحدهم زوجته ويتعامل أمام الجميع بوقاحة كما لو أنها زوجته ويستحلها لنفسه، ولن يبالغ إن قال أنه كان سيأمر بقطع رأسه على مرأى ومسمع من الجميع ليكون عبرة لكل خسيس يستحل النساء لنفسه .
أضاف بهدوء :
_ بعدما نقتص منه بالطبع على صفعه للأميرة زمرد.
نظر جواره صوب سالار، ومن ثم تحدث بهدوء يذكر سالار بالرسالة التي جاء بها المعتصم :
_ تجهز سنتحرك لسبز بعد ساعة واحدة، تميم أنت ودانيار ستظلان في البلاد، تميم سيأخذ الجنود وينتشرون في العاصمة للتأكد أن لا مصابين غفلنا عنهم، ومحاولة إيجاد من زرع هذه القنابل، وتميم... أنت المسؤول أمامي لتدرك نوعية هذه المتفجرات ومن أين قد يحصلون عليها .
صمت يوجه كلماته صوب دانيار :
_ دانيار أنت ستعتني بأمور البلاد ريثما أعود وتهتم بمن لجأ للقصر، سالار ستكون معي في الرحلة.
ختم كلماته يتحرك خارج المكان ليتجهز والجميع يتابعه بهدوء وبمجرد أن خرج تحرك المعتصم بسرعة ليضرب إلياس مجددًا ولم يتحدث أحدهم بكلمة وقد رحل الملك بالفعل .
في حين أن إيفان ابتسم بمجرد أن خرج من المكان يسمع صوت ضربات وكلمات المعتصم الغاضبة تعلو يهز رأسه بيأس .
_ اصابتك عدوة أرسلان يا المعتصم، حسرة على هدوئك ورباطة جأشك .....
ــــــــــــــــــ
كان ما يزال يجلس على الفراش وهو يضمه بجنان يربت على كتفه وظهره، ونزار ما يزال يهزي باسم الوليد، ويردد كلمة أخي حتى شعر آزار أن ما يتعلق بوليد ليس خيانة أو غدر من الوليد البتة، فولده يناجي الوليد كما لو أنه يناجي روحًا ضائعة.
_ لماذا رحل ؟؟ لقد ...تخلى عني ...ضحى بنفسه لأجلي..
كان يهزي بكلمات عدة استطاع منها آزار أن يستشف ما حدث تقريبًا ليدرك أن ولده في هذه الحالة بسبب رثاءه لما حدث للوليد، ورغم تعجبه مما يحدث إذ كان الوليد مجرد خائنًا إلا أنه لم يستطع سوى أن يكون ممتنًا للوليد بالكثير، حيث حفظ له روح ولده بعد رحمة الله به.
كان يربت على ولده ولم يكد ينطق بكلمة يواسي بها ولده حتى تجمدت يديه من كلمات نزار الذي نطق بها باكيًا دون وعي .
_ أخي...لقد كان أخي ولم أعلم إلا لحظة موته بين ذراعي، مات أخي بين يدي دون أن أعلم أنه كان أخي، مات دون أن ينطق الشهادة حتى، كان ...سيتوب ...والله كان سيفعل .
تجمد جسد آزار بعدم فهم يبعد عنه نزار الذي لم يكن يعي أي شيء مما يحدث حوله ينظر بأعين ضائعة وروح مرهقة في الوجوه وهو يكرر نفس الكلمات:
_ كان أخي ولم أعلم إلا لحظة موته بين يدي، كان يحميني لانه أخي...
صمت وقد هبطت دموعه بقوة وهو يهتف ببكاء حاد :
_ كان أخي....مات أخي.
ارتجفت يد آزار وهو يمسك وجه نزار بين يديه يهتف بنبرة خافتة خرجت بصعوبة من بين شفتيه :
– ماذا....ما الذي...نزار ما الذي تهزي به أنت ؟؟ ما الذي تقوله أنت هو ....بني ما الذي تقصده، أنت لا أخ لك سوى سالار ما الذي تتحدث به أنت ؟! عمن تتحدث ؟؟
بكى نزار بقوة ينفي برأسه وهو يتحدث بصوت متقطع بسبب شهقاته :
_ كان ...الوليد أخي... أخي الأكبر لقد ....هو أخي لقد كان طوال الوقت أخي...كان جواري دون أن أفعل، لقد كان أخي من دمي.
اتسعت عيون آزار وقد سقطت يده عن وجه نزار وشعر بالأرض تميد به ينظر صوب بارق بصدمة وهو لا يفهم ما يسمع، أي اخ هذا؟؟ هو لا يمتلك ولد غير نزار وزوجته لم تتزوج غيره حتى مماتها، وهو لم ...
فجأة شعر بزلزلة داخل صدره وهو يهمس بكلمة مرتجفة :
_ جالا ؟؟
صُدم بارق من كلمات آزار وهو يقترب منه يتحدث بصوت متعجب :
_ ما الذي يحدث هنا آزار هل ... كانت جالا تحمل طفلك حينما طلقتها ؟!
نفى آزار برأسه بقوة وهو يهتف بنبرة قوية والصدمة قد شلت جسده :
_ لا ...اقسم بالله لم تكن ...لم أكن لأدعها ترحل وهي تحمل طفلي لم أكن سأقبل بتطليقها و... أنت تعلم بارق لقد ...كان الأمر...هي من طلبت مني ذلك...هي من أرادت ذلك و....لم تكن اقسم لك .
_ أو...لم تخبرك ببساطة.
صدمة أخرى تسقط فوق رأس آزار الذي شعر بالدنيا تدور حوله، بعد هذه السنوات من طلاقه لزوجته الثانية يكتشف أنها كانت تحمل ولده ؟!
يتمنى لو كان افتراضه ذلك خطأ ليس إلا.
جالا؟؟
المرأة التي تزوجها قديمًا عرفانًا لوالدها الذي كان يعمل مستشارًا له والذي اوصاه بها كي يحميها من عائلته، ليتزوجها على والدة نزار والتي رضخت للواقع بقلب مقهور وهجرت قصر زوجها لأيام...
كانت جالا امرأة صبورة حكيمة وطيبة القلب، قضت قرابة العشرة أشهر زوجة له، لتأتيه يومًا حينما أبصرت حالته المتشتتة بينه وبين زوجته الأولى تطالبه بطلاقها، تطالبه بتحريرها وتحرير ذاته .
ما يزال يتذكر كلماتها وهي تبتسم له بلطف :
" دعنا نتحدث بواقعية مولاي، أنت لم تحبني يومًا، و...الحمدلله أنني لم أفعل، واعتذر على قول ذلك، لكنني احترمك لدرجة أنني اشفق عليك أن تعاني في حياتك بسببي، وايضًا لا أريد لنفسي أن تتعلق بك، وافسد لك حياتك، لقد أوصلت رسالتك واضحة للجميع ولا اعتقد أن عائلتي ستكون بالغباء الكافي ليمسوني بسوء وقد أعلنت أمام الجميع صراحة أنني انتمي لك، حتى لو كنت طليقتك، لذا حررني وحرر روحك وحرر زوجتك من أحزانها، والله أنني احسدها على قوتها، امرأة أخرى لم تكن لتقبل بمشاركتك مع سواها مولاي، سأرحل وأنا أحمل لك كامل الاحترام والعرفان، لذا أرجوك طلقني ..."
ورغم محاولات آزار في منعها، إلا أنها أصرت وأخبرته أنها لن تكون مرتاحة ولن تنام قريرة العين يومًا إلا حينما تتحرر، وقد كان لها ما تريد لتختفي جالا بين ليلة وضحاها من المكان وقد نقلت محل اقامتها وانقطعت اخبارها، وآخر ما توصل له لاحقًا أنها عثرت لها على شريك حياة يحبها وحصلت منه على طفلين ...
طفلين كان أحدهما ولده ؟؟؟؟؟
سقطت دموع آزار وقد ارتجف جسده من الفكرة يهتف بصوت باكي من ذلك الإحتمال :
_ لماذا ؟؟ لماذا جالا؟؟ لماذا ؟؟ لماذا جالا؟ سامحك الله....سامحك الله...سامحك الله جالا...سامحك الله .
كان يردد كلماته وهو يبكي لا يصدق أنها فعلت به كل هذا، حرمته ولده، حرمته من ابنه البكر، لم تشفق يومًا عليه أو على ولده لتأتي وتخبره بذلك، يعلم يقينًا أنها ابتعدت كي لا تفسد حياته، لكن هل ظنت أن ولده سيفسد حياته ؟!
بدأت شهقات آزار ترتفع في المكان وهو بجسده بالكامل يرتجف :
_ كان... أمام عيوني طوال الوقت؟ الوليد ؟؟ كيف ...كيف لم أعلم ؟؟ كيف ؟؟؟؟
اقترب منه بارق يضمه بقوة وهو يتماسك بصعوبة وقد بدأت الغرفة حوله تصبح خانقة، ابنته تبكي بصدمة في أحد الأركان، ونزار منهار على فراشه، وازار يهزي بين ذراعيه باكيًا يرثي ولده .
_ اليوم حصلت على ولدي، واليوم فقدته ...فقدته يا بارق، فقدت ابني البكر يوم علمت به ...فقدته و...
فجأة توقفت كلماته حينما تذكر كلمات نزار حول موت الوليد ليستدير له يهتف بصوت خافت :
_ نزار...ما الذي حدث للوليد، نزار ؟؟
رفع نزار عيونه لوالده وقد كان وجعه النفسي في هذه اللحظة أشد وطأة من الجسدي، رمق والده بأعين حمراء لشدة البكاء ليبتعد آزار عن بارق يميل على ولده يجذبه لاحضانه بقوة ولا يدري أيهما أشد جرحًا، ولا من يواسي من ؟؟
فلكلٍ جرحه الذي يبحث له عن مسكن في الآخر.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع بداية شروق الشمس كان يقف على بداية مملكته الصغيرة والتي يسعى بكل ما يمتلك ليوسعها، اتسعت بسمته يتنفس عبير الصباح الأول براحة كبيرة .
_ كم من الرائع أن تجلس فوق أكوام من أحزان الجميع، شعور رائع أن تكون الوحيد المبتسم بين وجوه كثيرة عابسة، والأجمل أن تكون انت المتسبب في هذا العبوس ..
ختم كلماته يتنفس بصوت مرتفع مغمضًا عيونه يفتح ذراعيه يستقبل اشعة شمس يوم جديد براحة كبيرة وقد وصلته اخبار نجاح خطته .
_ سيدي ... ما التالي ؟!
فتح أصلان عيونه بهدوء وهو ينظر للسماء، ثم استدار نصف استدارة ينظر لعيون المتحدث :
_ الضربة الأخيرة يا عزيزي، الحجر الاخير الذي يهدد بتماسك الجدران .
نظر له الرجل بعدم فهم، ليبتسم له أصلان بهدوء شديد وهو يتحرك يراقب الجحر القذر بأعين غامضة وكأنه يفكر داخل عقله في القادم، قبل أن يتحدث بجدية :
_ تجهزوا، اليوم مساءً نضع نهاية الممالك .
ابتلع الرجل ريقه :
_ وما... ما الذي سنفعله بالتحديد ؟!
نظر له أصلان بغموض ولم يكن قد صرح من قبل عن خطواته، ليس قبل أن يخطوها بيوم، بل فقط كان يكتفي بإخبارهم بها قبل حدوثها بوقت لا يكفي أي جاسوس ليرسل أي أخبار عنهم .
_ ستعلم في الوقت المناسب .
_ ومتى يكون الوقت المناسب ؟!
ابتسم له اصلان بسخرية وهو يشير بعيونه :
_ سأخبركم عنه في الوقت المناسب .
ومن بعد تلك الكلمات تحرك تاركًا الرجل ينظر في أثره وقد علت عيونه نظرات تقدير وانبهار مما يفعل أصلان، رغم ضيقه في بعض الأحيان، لكنه لم يسبق أن تعامل مع رجل بمثل عقليته وهذا بحد ذاته يجبرهم على السير خلفه دون التساؤل عن كيف ولماذا .
_ يبدو أنه حانت لحظتنا .....
ـــــــــــــــــــــــــ
مع بداية غروب شمس اليوم، كانت قافلة مشكى التي يقودها أرسلان قد وصلت بالفعل لحدود سبز .
توقف أرسلان فجأة بشكل آثار انتباه الجميع، ليحرك أرسلان نظراته صوب الطريق يشير لهم بمواصلة الطريق صوب القصر :
_ يمكنك اكمال الطريق وأنا سألحق بكم بعد قليل .
نظر الرجال لبعضهم البعض بعدم فهم، لكن أرسلان لم يهتم كثيرًا بتوضيح ما يريد، فقط هبط عن حصانه، يشير للسائق الذي بقود عربة الهودج الخاصة بسلمى ليتوقع .
ومن ثم تحرك صوب الهودج يرفع الستار جزء صغير لتهتف له سلمى التي نظرت له ببسمة :
_ وصلنا ؟!
_ لا فقط اقتربي .
نظرت له بعدم فهم، لكنها لم تجادل كثيرًا، فقط تحركت صوبه، تمسك بيده التي مدها لها، وقبل أن تتساءل عما يريد كان يجذبها له بحنان يخرجها من العربة بعدما انزل الحجاب يغطي وجهها، ومن ثم رفع قلنسوة معطفه فوق حجابها لتزفر بضيق :
_ كان يمكنك حملي في تابوت ووفرت على نفسك كل هذا أرسلان .
_ بعيد الشر عنك عزيزتي، لا أراني الله بطرفك سوء، هيا تعالي .
امسك يدها يحملها برقة يرفعها صوب حصانه وهي لا تفهم ما يحدث، أما عنه صعد خلفها يمسك اللجام يضمها عليه بلطف له، ومن ثم أمر رجاله بهدوء شديد :
_ نصف ساعة وسألحق بكم ..
ومن بعد هذه الكلمات اختفى من أمامهم وسلمى فقط تتابع ما يحدث، وهو فقط مال عليها يهمس بصوت حنون :
_ اسمحي لي حلوتي أن آخذك في جولة سريعة داخل أحلامي..
رفعت عيونها له ترمقه من خلف غطاء وجهها، ليبتسم لها بحنان وهو يعود بعيونه صوب الطريق، يكمل توجيه خيله صوب إحدى الجهات، أبصرت سلمى المنازل تبتعد شيئًا فشيء وقد بدأت الاراضي الزراعية تفرد سيطرتها في الإرجاء، وعيون سلمى تتسع بانبهار بكل الزهور التي بدأت تنعكس في عيونها بألوانها الزاهية .
دقائق قليلة حتى توقف أرسلان بحصانه، وهبط من حصانه يحملها لتهبط كذلك، ومن ثم سحبها برقة داخل محاصيل الزهور التي كانت تشتهر بها سبز يسحب كفها بحب شديد لمنتصف الحقول يحقق حلمه الذي كان ينام كل يوم على أمل رؤيته واقعًا .
حقل كبير من الزهور تتوسطه هي بثوب رقيق مثلها، تبتسم له بحب وتراقب بأعين ملتمعة، وليحقق آخر جزء من حلمه تحرك صوبها يرفع غطاء الوجه عنها، يبصر ردة الفعل التي أرادها، بسمة واسعة وعيون لامعة .
_ أرسلان هذا ....هذا ....يا ويلي قلبي يكاد يتوقف من البهاء حولي .
أخذت تدور في المكان بعدم تصديق لكل تلك الزهور التي تبصرها، تشعر أنها عادت بروحها صوب محل الزهور خاصتها تتنقل بينه بسعادة وراحة .
كل هذا وارسلان يتابعها بشغف يشبع عيونه من رؤيتها بهذه الهيئة :
_ أعجبك ؟!
_ اعجبني ؟؟ هل تمزح معي ؟! لقد سلب قلبي ارسلان .
_ محظوظ هذا البستان .
رفعت سلمى عيونها صوبه تبتسم له بامتنان شديد، ومن ثم تحركت تلقي نفسها بين أحضانه بحب كبير تتنفس براحة وسعادة وقد أثرت بها لفتته، أكثر من رؤية هذه الزهور :
_ أرسلان...شكرًا لك .
_ تدللي حلوتي، فقط ليمنحني الله العمر المديد فأهبه للعبادة ومن ثم اسعادك فقط .
ابتعدت عنه قليلًا تهمس بصوت مرتجف من مشاعرها التي ثارت داخل صدرها :
_ صدقني رغبتك في اسعادي، هي سعادة بحد ذاتها أرسلان، أن تبحث عما أحب وتفعله، هذا يعني لي الحياة ...
شعر أرسلان بالفخر من نفسه لهذه اللفتة الصغيرة، كان فخورًا أنه أسعدها، كالطفل الذي ينال الثناء من والدته حينما يحسن التصرف .
نظر حوله وكأنه لا يعلم ما عليه فعله من شدة سعادته، لكنه وبعد دقائق من الصمت الطويل وجد اخيرًا لسانه ينطق بكلمات معدودة:
_ إذن حينما ينتهي كل هذا واعود من الحرب سليمى، هل ...تتزينين لأجل زفافنا ؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فُتحت ابواب مشكى تستقبل موكب سفيد بقيادة إيفان ويتبعه سالار، وفي الخلف موكب كهرمان التي أصرت على المجئ للتأكد من سلامة أخيها، وتبارك التي أبت ترك سالار رغم رفض الأخير بسبب حالتها.
تنهد سالار وهو يرمق الموكب بضيق ويزفر بصوت مسموع، ليتبعه إيفان بالشيء ذاته، وقد بدا أن وجود النساء في هذه الرحلة وفي هذا الوقت تحديدًا لم يكن مرغوبًا من الجميع، لكن أي إرادة يمتلك رجال سفيد أمام أعين نسائهم ؟؟
_ يبدو أن أرسلان وصل قبلنا .
ختم إيفان كلماته وهو يحدق بأعلام مشكى السوداء التي تلوح في الأفق.
_ جيد أنه جاء هنا على الأقل، والله تخيلت أن يخدعنا جميعًا ويقنعنا أنه سيأتي للأجتماع ومن ثم يذهب للهجوم وحده .
ضحك إيفان وهو يهبط عن حصانه:
_ اشياء يستطيع أرسلان فعلها وببساطة.
هبط سالار وهو يتحرك مع إيفان صوب بارق الذي كان ينتظرهم في منتصف الساحة بعدما أبلغه أحد الرجال بوصول الموكب الخاص بسفيد، يبتسم لهم بسمة بدت لأعين إيفان باهتة كما لو أن الزمن اجار عليه .
اقترب منهم بارق يرحب بأعين منطفئة :
_ مرحبًا انرتم سبز ..
_ مرحبًا ملك بارق، عساك بخير حال أنت والجميع.
هز له الملك بارق رأسه دون تعليق، فقط أشار على أحد الجهات ببساطة :
_ تفضلوا من هنا رجاءً .
نظر له سالار بشك وحدق بايفان الذي كان يشاركه نفس الريبة، لكنهم ساروا خلف بارق على أية حال وقد تحدث سالار بجدية :
_ إذن وصل الجميع ؟!
_ لا ليس جميعهم، فقط آزار في الداخل، أرسلان أرسل جيشه ولا يعلمون أين اختفى مع زوجته وقد أخبر جنوده أنه سيلحق بهم، أما عن آزار فهو ...
صمت ولم يدري ما يخبرهم به، أن آزار بلا روحه في الداخل ينازع ليستقيم وينهض، لكن كُسرت هامته بعد ما علم كل ما حدث مع ولده البكر، كما أن حالة نزار لم تكن تساعده البتة.
وصمت بارق كان ثقيلًا على النفوس، مثيرًا للريبة في النفوس، إذ بدأت اجراس الانذار تنطلق في عقول الاثنين خلفه يفكر كلٌ منهما فيما يملء الفراغ الذي تركه بارق بعد ذكر اسم آزار، فراغ لا يشعران أن خيرًا يملئه .
_ ماذا عن خالي ملك بارق؟
كانت جملة سالار الذي تململ في وقفته بضيق وقد شعر برباطة جأشه تنحل، يحدق بظهر بارق الذي يقودهم بين الممرات حيث لا يعلمون وجهة محددة لهم، ولم ينتبهوا حتى لموضع أقدامهم.
فجأة توقف بارق في المكان يشير لأحد الأبواب المغلقة، قبل أن يفتحها مظهرًا لهم مشهدًا لو أخذ أحدهم يقسم لهم أيام وليالي أنهم سيبصرونه، لرموه بالباطل والكذب ...
شحب وجه سالار وهو يردد بذهول وقد ارتجفت كلماته :
_ خــ....خالي ؟؟
كانت كلمة سالار متعجبة مذهولة وقد تجمد ارضًا كما تجمدت الدماء بعروقه حينما أبصر مظهر كلٍ من آزار ونزار .
استدار صوب الملك بارق وكأنه يتوسله توضيحًا لما يرى، فأن يبصر الملك آزار الذي اعتاد من طفولته أن يدعمه منهارًا، ويشاهد يده التي اعتادت أن تسنده مرتجفة، والأعين التي اعتادت تشجيعه منكسرة، لهو الموت بحد ذاته .
ابتلع ريقه يحرك بنظراته بين الجميع يسألهم تفسيرًا لما يحدث .
لكن كل ما صدر عن بارق هو تنهيدة غريبة أثارت ريبة سالار أكثر:
_ هو ...سيخبرك حينما يستفيق، فقط .... أردت أن.... أردت منك أن تساعده، فآزار الآن يمر بوقت عصيب هو ونزار .
ضغط سالار على شفتيه بقوة وقد بدا كما لو أنه يقاوم بعض الكلمات، يتحرك بهدوء داخل المكان يراقب أعين خاله الشاخصة وكأنه رأى لتوه موته، وجسد نزار المدمر وكأن نجى لتوه من ميتة وشيكة .
وصل حتى الفراش حيث يضم آزار ولده بقوة مرتعبًا أن يتلاشى هو الآخر من بين أحضانه، رفع سالار بده وربت بهدوء على كتف آزار وبصوت هادئ ردد :
_ خالي أنت... بخير ؟!
ثواني لم يحصل فيها سالار على ردة فعل تذكر حتى شعر باليأس أن يصدر عن خاله أي رد يوحي بادراكه لما يحيط به، وقبل أن يتخذ أي خطوة أخرى، ابصر عيون آزار ترتفع له يردد بنبرة باكية لأول مرة يسمعها منه، وقد بدا أن هامة ذلك الرجل الذي اعتاده شامخًا قد تحطمت بالكامل :
_ ولدي ....لقد ...لقد قتلوا ابني سالار .
فجأة انفجر في بكاء حاد وهو يضم له نزار أكثر:
_ قتلوا ابني سالار .
اتسعت أعين سالار وتوقف قلبه فجأة وتحركت عيونه صوب نزار وقد بدا أن الروح سُحبت منه، يدور بعيونه على جسد نزار بنظرات مرتجفة وكأنه يبحث عن تأكيد على كلمات آزار، لكن ما كاد يتحدث بكلمة حينما شعر بأنفاس نزار الرتيبة ..
ليقاطع آزار أفكاره وهو يردد بصوت مرتجف :
_ ابني البكر، قتلوه قبل.... أن أعلم حتى، قتلوا ولدي سالار ....قتلوا الوليد .......
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الطريق نحو مشكى سلسلًا عكس ما توقع، وكيف لا يكون وهي قضته في النوم ولا يدري أكان هربًا من واقعًا ثَقُل عليها، أم اطمئنانًا لعودتها اخيرًا .
وسواء أكان هذا أو ذاك، فلم يكن المعتصم يهتم سوى بالنتيجة الملموسة، ألا وهي وجود فاطمة بين ذراعيه تتنفس أنفاسه وتستكين بأحصانه، ووجود إلياس في صندوق صغير في الخلف محاط ببعض رجال مشكى وسفيد الذين جاءوا معه لتأمين السجين حسب أوامر إيفان .
_ فاطم حبيبتي ...هل ستظلين نائمة طوال الوقت.
تململت فاطمة بين ذراعيه تردد كلمات غير مفهومة ختمتها باسمه ورسمت بسمة صغيرة على فمها وهي تحاول أن تستكين مجددًا، تتمتم بكلمات غريبة غير مفهوم منها سوى اسم المعتصم، ليبتسم الاخير وهو بسمع لها تشدو اسمه بين احلامها .
_ لا بأس إذن بالنوم طوال الوقت، إن كنتِ سترددين اسمي بين احلامك.
ختم حديثه يقبل رأسها بحنان لتبتسم هي من بين حلمها، وهو ابتسم لها يكمل الطريق بهدوء شديد .
لتستمر الرحلة ساعات قليلة أخرى قضاها المعتصم في تأمل فاطمة وشكر الله لعودتها قبل أن يفقد عقله وروحه تباعًا .
أما عن فاطمة فقد انفصلت عن واقعها بحلم جميل بعيد عن هذا العالم، حلم حيث جاءها المعتثم وانقذها من ذلك الكابوس ومن ثم حملها بين يديه وأخذها بعيدًا عن الجميع.
ولم تدرك أن كل أحلامها تلك كانت واقعًا بالفعل، فبمجرد وصولهما لمشكى هبط المعتصم يحملها بين كفيه يتحرك بها غرفته، ومن ثم مددها بكل لطف على الفراش، وجلس أمامها ببساطة يراقبها ببسمة واسعة وكأنه اكتفى بها حياة....
_ فاطم حبيبتي هل تسمعيني ؟؟ إذا كنتِ فاعلمي غاليتي أنني ويشهد الله لم اتنفس بشكل طبيعي سوى في وجودك، فاطمة لقد .... أنا كنت قاب قوسين من الجنون، جبت طرقات مشكى أسأل عنكِ كالاجذب، لقد ...كدت أصاب بالجنون وأنا ابحث عنك في جميع الوجوه التي تقابلني .
تنفس بصوت عالي ومن ثم مال يلتقط كفها يتلاعب فيه بأنامله يهمس بصوت شارد مرتعب من القادم ومن تأثير ما حدث عليها، يدرك أنها حتى الآن ما تزال تحت تخدير عقلها لها، كي لا تدرك بشاعة ما مرت به .
_ أنا فقط لست ...لست على استعداد للعودة إلى نقطة الصفر، لا أدري إن كنت حتى تخطيتها معكِ أم مازلنا عندها، لكنني فقط أتمنى لو ...
سقطت منه دمعة دون شعور وهو يهمس بصوت منخفض:
_ فقط اتمنى لو يحنو عليّ الزمان ويشفق على اوجاعي و...يتركني انعم بحياتي معك، والله العظيم لا أطلب الكثير فاطمة، فقط حياة عادية، حياة عادية تتمثل ببسمتك، والله لا اطلب الكثير فاطمة .
ختم كلماته وهو يمسك كفيها بين يديه يبكي بصوت خافت وقد بدأ عقله يتنفس اخيرًا ويزيح ركام أحزانه ويفرغ كل طاقته السلبية التي كان يسير بها الأيام السابقة، يفرغ شحنات خوفه وغضبه دون شعور .
أما عن فاطمة ففي هذه اللحظة كانت المعركة المعتادة مع عقلها كما الآونة الأخيرة على أشدها، صور كثيرة تمر على عقلها، صور لطفولتها، شبابها، حياتها مع عائلتها، صور كثيرة متلاحقة ...
تركض هنا وهناك تضحك مع أحمد شقيقها، صرخات والدها على أحمد ألا يرد لها الضربة ولا يمس مدللته، تذمر والدتها من تدليل والدها لها، طاولة طعام تجمع بينهم جميعًا واحاديث كثيرة تدور، ضحكات ومشاكسات، حياة مثالية كانت تحياها بين جنبات عائلتها...
ضحكات... مشاكسات... أحاديث دافئة.
كل ذلك تلاشى مع ارتفاع أصوات الصرخات، كل الامان الذي كانت تحيا به تسرب بمجرد أن حطم الموت أبواب أمنهم، كل ذلك اختفى مع اختفاء منزلها وتحوله لرماد، كل ذلك دُفن مع عائلتها أسفل التراب .
ولم يتبقى من حياتها القديمة سوى أطلال وبقايا فاطمة ....
شابة لم تفقه في حياتها سوى عائلتها، لتجد نفسها فجأة وحيدة بلا عائلة بلا معيل، وقد أشفق عليها عقلها من كل تلك المعاناة، فحبسها داخل جدران زجاجية تعكس حياة قديمة سعيدة، سجنها داخل ماضيها وصنع لها وهمًا تتمسك به، نسج لها واقعًا بخيوط الماضي، شيء تتمسك به لتحيا بعدما كادت تفقد عقلها من هول ما حدث لعائلتها أجمعين في يوم واحد .
كان يوم واحد ...بل لحظة واحدة فقدت بها الجميع أمام عيونها، والذنب ؟؟
حتى الآن لا تدرك ما ذنبهم حتى ليستحقوا ميتة كهذه فقط لأن أحدهم استحل لنفسه دماء قومها ...
كان كل شيء يسير على ما يرام وهي تحيا في عالم اسود مع طبقة رقيقة من اللون الوردي الذي دهن بها عقلها محيطها..
قبل أن يأتي هو ليمثل لها واقعًا سعيدًا ورديًا، ينتشلها من غياهب الوهم لطرقات الواقع، من ماضيها لحاضره ..
استبدل الوهم بنفسه، واصبح هو واقعًا تتمسك به للنجاة .
وكأن معاناتها السابقة كانت أشد وطئًا من معاناة تهرب منها، عقلها حينما اصطدم بما حدث له اضطر للخروج من اوهامه والتمسك بواقع قد ينقذه من ظلماته الحالية، يخرج من وهم لن ينفعه، والاستغاثة بواقع يدرك أنه سينقذه .
_ المعتصم ..
مال المعتصم عليها بلهفة يتمسك بكفيها بين يديه بحب وحنان شديد مبتسمًا بحب كبير :
_ حياته يا فاطمة، هل أنتِ بخير حبيبتي ؟!
نظرت فاطمة حولها وكأنها تبحث لها عن اشارة تعلمها أنها خرجت من ذلك الكهف المعتم واخيرًا .
_ أنت هنا ؟! أنت حقيقة ؟؟
استند المعتصم على جبينها بحب شديد هامسًا :
_ حتى وإن كان كل ما يحيطك وهمًا، تأكدي بأنني سأكون الحقيقة الوحيدة بين كل تلك الأوهام حبيبتي .
نظرت له ثواني قبل أن تهبط دموعها وتهمس بصوت موجوع :
_ كنت ...مرتعبة ألا أراك مجددًا .
_ ما كنت لاسمح بذلك حبيبتي والله لولا ما حدث بمشكى لكنت قلبت سفيد رأسًا على عقب حتى وجدتك، لم أكن سأنام يومًا هانئًا سوى معكِ فاطم.
تنفس بصوت مرتفع يهمس بحب لها :
_ حبيبتي تأكدي أنني يومًا لن أسمح لشيء أن يعترض طريقًا يوصلني لكِ ....
_ المعتصم.
_ نعم ؟؟
مدت يدها وهي تمسك خده بحب شديد وقد كانت مرة من المرات النادرة التي تتخذ فيها فاطمة الخطوة الأولى تجذب وجهه لها تقبل خده بحب شديد هامسة:
_ فقط كن جواري، وضمني لك، لا تدعني ابتعد عنك أبدًا، لا تسمح لي بالابتعاد، ولا تسمح لأحدهم أن يقصيني عن حياتك حتى لو كان ذلك الاحدهم اوهامًا من عقلي، أو عقلي نفسه ...
ابتسم لها المعتصم بحب شديد يداعب خصلاتها التي تسحره كلما أبصرها، ومن ثم رفع عيونه يضعها في عيونه :
_ لن يحدث طالما رزقني الله بأنفاس تتحرك داخل صدري عزيزتي .
صمت ثواني يطيل النظر بها :
_ وأنتِ صغيرتي عليكِ مساعدتي في حمايتك .
نظرت له بعدم فهم لتتسع بسمته أكثر:
_ هل تتذكرين أول مرة جئتي بها للقصر ؟؟
هزت رأسها بنعم ليكمل وهو يميل أمام وجهها ينظر داخل عمق عيونها :
- ذلك اليوم أبصرت بكِ تلميذة نجيبة ستتقن دروس القتال بسرعة كبيرة، فما رأيك ؟؟
اتسعت عيون فاطمة بعدم تصديق :
_ تعلمني أنا... القتال ؟!
_ أوليس هذا واجبًا على الأميرات ؟؟
شعرت فاطمة بصعوبة في تنفسها وهي تتحدث بصوت متقطع :
_ أميرات ؟؟
_ اجملهن فاطمة، فهل تكونين تلميذتي ؟!
التمعت عيون فاطمة بقوة وقد كانت لمعة عيونها وتلك السعادة الطاغية التي ملئت وجهها أكبر وأصدق من كلمة " نعم"، معلنة بذلك طريقًا آخر للعلاج .
فإن لم تستطع الهروب من ماضيك، تجاهله ....
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الجميع يتحرك في القصر يساعدون بكل ما يستطيعون وخاصة النساء اللواتي بدأن إعداد الطعام ليستوعب الوافدين للقصر بعد ما حصل في الساعات الاخيرة من الليلة السابقة .
وقد كانت توبة على رأس هؤلاء النسوة تساعد في تقسيم الأعمال والاشراف، وتشاركهن إن احتجن لذلك، رغم كل الجراح التي تسكن قلبها منذ شهدت ما حدث مع نزار ووالده .
كانت ساعات قليلة قبل يستدعيها والدها لتستقبل كهرمان وتبارك وترشدهن لغرفهن في القصر، وتركت باقي النساء يعملن بهدوء .
على رأسهن رفيقتها الوحيدة منذ الطفولة والتي كانت الأقرب لتوبة وكاتمة اسرارها " نغمة" الأخت الصغرى للقائد زبير، والتي ترعرعت مع توبة بنفس القصر وتدرك كل شيء عنها، أولهم عشقها الميؤوس منه الملك أرسلان.
فجأة توقفت أقدام نغمة في منتصف الساحة بعدما كانت في طريقها للمطبخ تحمل سلة الخضراوات، تبصر حصان يتحرك لداخل القصر يحمل فوق ظهره عشق صديقتها المستحيل و... امرأة اخرى بين أحضانه ؟؟
اتسعت عيون نغمة بعدم فهم وهي ترى أرسلان يهبط عن الحصان بسرعة كبيرة، ومن ثم مد يده ينزل المرأة التي لم تبصر حتى وجهها برقة شديد، يرفع قلنسوة معطفه الخاص فوق رأسها رغم تغطية وجهها بالغطاء .
تنفست نغمة بصدمة وهي تحاول فهم ما يحدث، تبصر إمساك أرسلان بالمرأة وكأنه يخشى أن تتسرب من بين أنامله، يتحرك ببطء وهو ينظر لقدمها كل ثانية وكأنه يخشى أن تخطو فوق شوكة بالخطأ.
شعرت نغمة بالقهر على رفيقتها التي شهدت على معاناتها قديمًا، وقد كانت تسمع منها كم احبته لأرسلان، وكانت كل ليلة تتفنن في ذكر محاسنه وحنانه وقوته، ابتلعت ريقها تراقبه بعدم فهم، تهمس بصدمة كبيرة :
_ هل ...تزوج ؟!
فجأة أبصرت شقيقها يندفع بسرعة صوب الملك أرسلان يرحب به ببسمة واسعة واحترام شديد :
_ جلالة الملك أنرت سبز .
ابتسم له أرسلان يهز رأسه بهدوء :
_ اشكرك زبير، كيف حالك.
_ الحمدلله بخير مولاي، أرسلني الملك لاستقبالك يعتذر منك لانشغاله ببعض الامور في الداخل ووالله ما كان ليتخلف يومًا عن الترحيب بك لولا ما يشغله .
شعر أرسلان بريبة من كلماته :
_ عساه خير زبير، ثم لست بضيفًا او غريبًا لتبرر لي الأمر، لكن ما الذي يحدث هنا ؟؟
انقلبت ملامح الزبير بشكل غريب جعل أرسلان يتأكد من حدوث ريب، فنظر حوله بهدوء ثم قال :
_ هل يمكنك إحضار إحدى النساء لترشد زوجتي لغرفتها رجاءً ؟؟ سوف أذهب لمعرفة ما يحدث هنا .
ما كاد الزبير يعترض مطالبًا إياه بالراحة اولًا، حتى اعترض أرسلان على كلماته :
_ اسرع زبير فزوجتي مريضة لا تتحمل الوقوف طويلًا .
كانت كلمات جادة آمرة ليتنهد زبير وهو يتحرك لينادي إحدى العاملات، لكن فجأة وقعت عيونه على شقيقته التي كانت تقف على مقربة منهم تتابع ما يحدث بفضول سيقتلها يومًا .
_ نغمة اقتربي .
انتفض جسد نغمة وهي تنظر حولها برعب وكأنه تم الامساك بها بالجرم المشهود تتحرك بقدم مرتجفة صوب زبير :
_ نعم اخي..
_ رجاءً ساعدي جلالة الملكة وارشديها لغرفة الملك في الجناح الشرقي.
رمشت نغمة وهي تنظر صوب سلمى التي لم تصدر كلمة واحدة منذ وطأت القصر، تحترم وجود أرسلان ليتدبر اموره .
ظلت تحدق فيها ثواني قبل أن يلكزها زبير بضيق من تصرفاتها هامسًا:
_ تحركي يا فتاة ما بكِ .
_ آ...آسفة شردت بعض الشيء، تفضلي معي.
هزت سلمى رأسها ونظرت صوب أرسلان تشير له لينحني صوبها يسمعها تهمس له ببعض الكلمات الصغيرة، لتبصر نغمة في هذه اللحظة معجزة تتجسد في حياتها لأول مرة وهي ترى ذلك الجلف المتجبر يبتسم ابتسامة صافية رقيقة على كلمات المرأة الهامسة .
ومن ثم اعتدل ينظر لها بحب شديد لم يحاول حتى أن يخفيه :
_ أوامرك جلالتك ...
ابتسمت سلمى بسمة واسعة لم تظهر من خلف الغطاء، لكن أرسلان شعر كما لو أنه رآها، يربت على كفها بحنان، ومن ثم همس لها :
_ لن اتأخر حبيبتي، سأرسل لكِ طعامًا تناوليه وارتاحي ريثما انتهي أنا حسنًا ؟!
هزت له سلمى رأسها ومن ثم حركت رأسها صوب زبير بتحية راقية، وتحركت صوب نغمة تهتف بصوت هادئ رقيق :
_ هيا .
رمشت نغمة وهي تنظر لها بفضول شديد كاد يدفعها لرفع الغطاء عن وجهها لتبصر وجه المرأة التي اوقعت الصخرة خلفها .
لكن صوت الزبير والذي كان قد وصل لقمة حنقه من تصرفات شقيقته جعلها تنتفض وهي تتحرك مع سلمى ترشدها لجناح أرسلان المعروف داخل حدود القصر، كيف لا وهي كانت تجلس أمامه ساعات طوال مع توبة في مراهقتهما ينتظران لحظة واحدة فقط يطل عليهما لتروي الاخيرة شوقها له .
سارت وهي تنظر كل ثانية صوب سلمى وكأنها تحاول اختراق الغطاء لتبصر وجهها، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ من الذي فعل هذا به ؟؟ كيف ...ما الذي حدث ليتحدث أحدكم ؟! وما الذي يهزي به خالي، الوليد من هذا ؟؟ الوليد نفسه رفيق نزار ؟! كيف ...ابنه ؟؟؟ هل ...ما الذي يحدث هنا ؟؟
رفع آزار رأسها وهو ينظر لسالار الذي بدأ يفقد صبره ولأول مرة بعد ما أبصر من انهيار الجميع، أفكار كثيرة سوداء خطرت بعقله، نزار مصاب بشكل مريع وازار منهار بشكل مخيف، والمكان مشتعل والممالك شبه متدمرة ..
هل فعلها اصلان ونجح في اصابتهم بضربة قاضية؟
نظر صوب إيفان وقد انعكس سؤاله واضحًا في عيونه، ليدرك إيفان ما يفكر به ويربت على كتفه بهدوء وكأنه يبعد كل ذلك السواد عن عقله يتحدث بصوت هادئ رغد ما يموج داخله من براكين، لكن في وسط هذا الانهيار كان عليه هو أن يكون أشدهم تماسكًا .
_ ملك آزار ما قلته لا يحتمل التأويل، لذا رجاءً وضح لنا ما حدث لنعلم الخطوة القادمة، دعنا نقف على أرض صلبة فالحرب وشيكة ونحن مشتتون وهذا ليس في صالحنا أبدًا، أخبرنا رجاءً ما يحدث .
_ نعم هذا بالتحديد ما أريد معرفته، ما الذي يحدث هنا ؟؟؟
وكانت الجملة الأخيرة صادرة من أرسلان بعدما اقتحم الغرفة الخاصة بنزار والتي ارشده لها زبير .
نفخ إيفان وهو يمسح وجهه وقد زاد وجود أرسلان في المكان الحريق اشتعالًا، فالأن عليه أن يتدارك غضب الجميع بمن فيهم أرسلان..
_ هذا ما ينقصني يا الله .
لم يهتم أرسلان الذي سمعه يبعده بضيق يقترب من الفراش :
_ ابتعد أنت عن وجهي، دعني أنا سأفهم ما يحدث هنا و......
فجأة توقفت كلماته على طرف لسانه وهو يبصر جسد نزار الذي كان متسطحًا على الفراش بشكل مزري وكأنه جثة هامدة، فقد أرسلان النطق يحدق في الجميع حوله وكأنه يسألهم عما يفعل نزار هنا في هذه الحالة .
تحرك صوب نزار بعدم فهم يجلس ارضًا جوار الفراش يهمس بصوت منخفض مرتجف وقد اوجعه وصدمه مظهره :
_ نزار ؟؟ أنت....هنا ؟؟ ما الذي....من ...
نظر حوله للجميع وكأنه قد عجز عن إخراج جملة واحدة سليمة، لكن لم يبصر الأجوبة التي ينتظرها في عيونهم، بل وجد عجزًا وجهلًا جعله يعود لنزار بعيونه يتحدث بهمس :
_ نزار يا أخي ما الذي ...ما الذي حدث لك، هل ... أصلان من فعل هذا بك ؟!
ولاول مرة يتفاعل نزار مع محيطه وهو يدور برأسه صوب أرسلان ينظر له ثواني بأعين جامدة، قبل أن تبدأ دموعه بالتساقط من عيونه يهمس بصوت متحشرج من الوجع:
_ لقد ....أنتقم الله لك مني في والدتكِ، فقدتها بسببي، ففقدت أخي أرسلان، أقتص الله لك مني ولكل من رحل بسببي، اقتص الله لك مني .
ختم حديثه ينهار في بكاء مرير لينتفض أرسلان يجذبه لاحضانه بسرعة وهو يهتف بكلمات متتابعة وقد بدا كما لو أنه يصرخ في وجهه:
_ صه...أصمت أيها الحقير، أي قصاص هذا، والله ما كان لي يومًا قصاصًا عندك، لا تتحدث بهذا الشكل، لا أراك الله سوءًا نزار، لا أراك الله سوءًا، لا اذاقك الله ما ذقته نزار .
أنهار نزار بين أحضان أرسلان باكيًا بصوت مرتفع وهو يضم نفسه له يصرخ بوجع:
_ ذقته أرسلان، لقد ذقته، مات أخي بين احضاني، مات في اليوم الذي علمت به أنه أخي، مات دون حتى أن يمتلك فرصة التوبة، والله كان سيتوب، والله كان سيتوب .
سقطت دموع ارسلان وهو يضمه له بقوة، رغم عدم فهمه لما يتحدث به نزار وهو ينظر حوله، يسأل عمن يتحدث نزار ومن أخوه هذا، لكن في هذه اللحظات كان الصمت أبلغ من مائة سؤال .
ونزار وانهياره في هذه اللحظة كانوا أشد من محاولة فهم ما يحدث، تحرك سالار يجذب له آزار يربت على ظهره بحنان يهمس بصوت خافت حنون وعيونه تدور على وجه نزار بحزن لأجله:
_ استعن بالله في وجه أحزانك يا أبا نزار، استعن بالله وتوكل عليه عزيزي .
_ الوليد .
نظر له سالار بعدم إدراك لما يقال، ليكمل نزار بصوت منخفض :
_ نادني ابا الوليد ولو ...لمرة واحدة .
عند هذه النقطة انهاردة آزار، وهو يردد اسم الوليد وكأنه يناجيه ليستمر الأمر لدقائق طويلة لم يستطع أحدهم قطعها، وصمتوا حدادًا على من رحل دون حتى أن يدركوا وجوده، ولو أن الوليد يومًا صارحهم بحقيقته والله ما كانوا ليترددوا في الترحيب به بينهم .
لكنه اختار البعد أيًا كانت أسبابه، لكنه رحل وانتهى الأمر.
دقائق أخرى مرت حتى بدأت اصوات الشهقات تهدأ وبدأ الصمت ينتشر في المكان، ولم يقطع أحدهم هذا الصمت سوى سالار الذي ردد بصوت منخفض بدت النيران فيه مشتعلة :
_ أصلان أثقل من ميزانه عندنا، واسرع من نهايته، كل هذا يجب أن ينتهي اليوم قبل الغد .
رفع الجميع عيونهم لسالار ليبتسم الاخير بسمة مخيفة وكأنه جاء هنا يحمل بين اكفته نهاية أصلان وقد خطط لكل شيء ..
_ اصلان فعل كل هذا لسببٍ، تضليلنا لأجل دخول الممالك مستغلًا الفوضى، لا بد أنه الآن بجيوشه في الطريق لنا ..
كانت هذه كلمات آزار الذي تماسك اخيرًا وعادت ملامحه تتلون بالغضب والسواد القاتم وقد أصبح انتقامه من اصلان الآن أكبر، انتقامًا لدينه وبلاده واخيرًا ولده الذي قتله بدم بارد .
نظر الجميع صوب آزار ليبدأ الاخير باخبارهم بكل ما نطق به الرجل قبل قتله، لتغيم عيون أرسلان بشكل مخيف قبل أن يرسم بسمة صغيرة غريبة على فمه ينظر لنزار الذي كان يتابعهم بأعين شبه متيقظة :
_ ألا تريد القصاص لأخيك نزار ؟!
انتبه نزار لكل كلمة ينطق بها أرسلان وقد اشتعلت عيونه بجنون وبراكين وقد كانت هذه اجابة غير مباشرة على سؤال أرسلان.
أما عن آزار فقد هب معارضًا ما يفكر به أرسلان:
_ أنت لا تنتوي بزج ولدي مجددًا بينهم أرسلان صحيح ؟! لن اضحي بولدي مرة ثانية يكفيني خسارة واحدة ..
_ ومن قال أنني سأفعل ملك آزار، أنا لست حقيرًا لهذه الدرجة كي ألقي بنزار بينهم مجددًا، نزار أخي كذلك وثأرك ثأرنا جميعًا، لا تقلق ليس هذا ما سعيت له بسؤالي ذلك .
ضيق إيفان عيونه بخبث وهو يبتسم وقد لمح لمعة عيون أرسلان بعدما سمع من نزار كل ما حدث معهم في الجحر، وقد استشف ما يقصد أرسلان فهو نفسه ما دار بعقله حينما سمع كلمات نزار حول الوليد وما فعل لأجله..
تحدث نزار بصوت مخيف :
_ بلى، لن أترك ثأري وكذلك....جثمان أخي أريد إحضاره ودفنه هنا بيننا، لن اتركه لهم يلقونه لحيوانتهم، أخي سيُكرم بدفنه في مقابر آبى وسآخذ عزائه بنفسي بعدما آخذ قصاصه .
ابتسم له أرسلان بهدوء :
_ إذن لك ما تريد .
نهض وهو يشمر اكمامه، ثم نظر لهم بهدوء :
_ في هذه اللحظة التي نتحدث بها، تزحف جيوش أصلان صوب سفيد ليدخلها مستغلًا تشتتنا ونحن ...سنتركه يفعلها .
نظر له البعض بعدم فهم :
_ نتركه يفعلها ؟؟
_ نعم نتركه يفعلها، دعوه يحقق ما يريد ويحتفل بانتصاره .
صمت ثم نظر للجميع ببسمة صغيرة وقد اتسعت بسمة سالار بقوة يردد بهدوء وهو يحرك سيفه أمام عيونه :
_ لحظتان يتوقف بهما الإنسان عن النظر حوله، لحظة انكساره، ولحظة انتصاره ...
أكمل ايفان وقد اكتملت الصورة في عقله لما يريد الجميع فعله :
_ إذن امنحوه انتصارًا وهميًا، يكون بداية تشتت ونهاية لهم، نهاية أبدية بلا رجعة .....
أخذ الجميع ينظر لبعضهم البعض نظرات غامضة وقد بدا أن الخطة اتضحت للجميع وأدركوا ما يريدون دفع أصلان له .
واخيرًا همس أرسلان بنبرة مرعبة سوداء :
_ الخامس عشر من محرم كانت نكبة لنا، والسادس عشر من محرم ستكون إبادة لهم .......
ـــــــــــــــــــــــــــ
لحظة انتصار ولحظة انكسار... فأيهما تكون ؟!
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .
أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثاني وأربعون 42 - بقلم Rahma Nabil
الحادي والاربعون | الحرب الأخيرة|
الفصل اهداء للجميلة ( Jana Sayed )
قبل القراءة صلوا على نبي الرحمة .
ـــــــــــــــــــــــ
مع بداية مغرب اليوم السادس عشر من محرم، كانت جيوش أصلان التي جمعها من شتات الارض تتجمع أمام الجحر والأخير يقف مراقبًا الجميع بأعين تلتمع بالخبث والفخر مما وصل له، ما كان ليقبل يومًا أن يوضع اسمه في كتب التاريخ في الهامش جوار اسمائهم، ويشار له بأحدهم..
هو أصلان الجعفري ما كان ليسمح أن يُهمش دوره بهذا الشكل، لذا إن لم يُذكر في التاريخ...سيحرقه .
جمع جيوشه وحدده وجهته التي سينطلق لها مع بداية فجر اليوم الجديد ....سفيد العزيزة .
فسقوط سفيد، المصدر الاول للأسلحة وثاني اقوى الجيوش مع جيش مشكى يسهل عمله في دخول باقي الممالك، حتى وإن لم يستطع دخول مملكة أخرى بعد سفيد فيكفيه أن يكون ملكًا لسفيد ....
كانت عيونه تسبح في بحار بعيدة واحلام اضحت قاب قوسين أو أدنى منه، حتى أن يده كانت ترتجف من شدة الحماس ...
نظر لحدود سبز التي تلوح في الأفق والتي كان يدرك أن الخروج منها اسهل من شربة ماء في هذه اللحظة تحديدًا بعدما دمر العاصمة وآثار الذعر بينهم فسحبوا كل جندي لتدارك ما يحدث داخل الممالك .
رفع يده في السماء وقد شعر في هذه اللحظة بقلبه ينتفض من الحماس وغروره يتغذى على ما فعله بالجميع، مد كفه وكأنه على وشك الإمساك بالشمس التي أوشكت على الغروب، لكن صبرًا غدًا لن يمسك فقط بالنجم بل سيسطع اسمه مثلها وينافسها إشراقة.
_ ها نحن ذا يا رجال، على بعد خطوات من التحكم بهذا العالم القذر وتحطيم قوانين الممالك المتعنتة أسفل أقدامنا، انتهت عصور الاسلاف وها نحن نخط عصور جديدة بأيدينا نحن ..
تهليلات انطلقت بقوة بعد كلماته وقد بدأ الجميع يصرخ ويهتف باسمه في حماس كبير وقد وصلوا لنقطة أبعد مما كانوا يتخيلون .
_ الآن خطوات قليلة فقط نخطوها وحرب أخيرة نخوضها ومن ثم ....يأتينا النصر زاحفًا على عقبيه .
التمعت أعين الجميع بحماس شديد وقد لاقت كلمات اصلان صداها المرجو داخل الصدور وحركت البحار الراكدة في صدورهم .
فهؤلاء المنبوذون والذين نجوا من حروب كثيرة قديمًا، وحملات أرسلان التطهيرية لعرقهم النجس، ظنوا أن عصرهم انتهى بموت بافل قديمًا، ليعود أنمار ويحيي بهم املًا خافتًا أشعل داخل صدورهم رغبة بالعيش والعودة لممالك سبق ونُبذوا منها ..
نصفهم منبوذين والنص الآخر مرتدين خائنين ملوا حياة الشرف واحبوا حياة الخسة والضعة ..
وبعدما خرجوا مجبرين من وطنهم بعدما نبذت نفوسهم الخير والالتزام فأنتُبذوا بالمقابل، ما كانوا ليضيعوا فرصة تحيي داخلهم شعلة التمرد والانتقام الذي برد منذ خرجوا صاغرين من بلادهم، واصلان كان فرصتهم .....
_ الآن...ودعوا حياتكـــــــم القذرة هذه ورحبوا بحياة أخرى أشد بهاءً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنتِ زوجة الملك كيف حدث هذا ؟!
توقفت سلمى في منتصف الغرفة بعدما كانت تلتفت حولها تستكشفها باهتمام مبتسمة للزهور التي كانت منتشرة بشكل مبهج، لكت فجأة اخترقت مسماعها كلمات الفتاة لتستدير صوب الفتاة ببطء..
تنظر لها بعدم فهم، للتحدث الاخيرة بصوت خرج بذبات لم ترتح لها سلمى البتة :
_ أتعلمين ما كان يقال عن الملك أرسلان هنا ؟!
هزت لها سلمى رأسها بهدوء وقد رأت أن تتجنب الحديث معها فهي أدركت من نبرتها وكلماتها ونظراتها ما تريد الوصول له، تحرك عيونها في المكان وهي تخلع معطف أرسلان تظهر فستانها الذي اختاره الأخير لها بنفسه .
تبتسم بسمة صغيرة وهي تبعد الغطاء عن وجهها والحجاب عن شعرها مظهرة خصلاتها التي تخطت كتفها بعض الشيء تهتف بصوت خافت :
_ لا أهتم بالثرثرات، وبالطبع لن أحصل على معلومات زوجي من الثرثرلات، لذا لا أريد أن أعلم اشكرك عزيزتي .
ختمت حديثها تستدير صوبها ببسمة صغيرة تشكرها بلباقة ورقي :
_ وصحيح اشكرك لمساعدتي في الوصول لغرفتنا أنا والملك....
كانت تضغط على حروفها بقوة وهي تنظر في عيون الفتاة التي اتسعت عيونها وهي تبصر سلمى والتي كان جمالها...مختلف عنهم.
لون بشرتها المميز والذي كان كمن لفحته الشمس فنال لونًا ذهبيًا مقارب لأشعتها، وعيونها الخضراء التي تحيطها رموش كثيفة وشعرها الأسود المسترسل خلفها رغم قصره و...لحظة اعتراف أن الفتاة أمامها جميلة نعم، لكن في الممالك هناك من هن أجمل منها، توبة جميلة للغاية وتصنف من اجمل نساء الممالك.
فلماذا هي بالتحديد من تزوج بها أرسلان ؟؟
_ من أي مملكة أنتِ ؟!
كانت فضولية وكان هذا أكثر ما تكرهه سلمى، لكنها قررت أن تكون لطيفة مع الفتاة لآخر لحظات صبرها :
_ من مشكى .
_ لا أتحدث عن مملكة زوجك، بل عنكِ من أي مملكة أنتِ ؟!
هزت لها سلمى كتفها تجيب ببسمة باردة لا توحي بأي شيء يدور داخلها :
_ مملكة أرسلان بيجان .
رمشت الفتاة بعدم فهم لما قالت سلمى في هذه اللحظة، بينما الأخيرة تحركت تخلع عنها فستانها وقد اكتفت بالثياب التي ترتديها أسفل ثوبها الطويل ..
_ أنا أنتمي حيث ينتمي زوجي، بالإضافة إلا أنني ابنة مشكى والدي من مشكى لذا نعم أنا من مشكى ...
شردت بها الفتاة وهي تفكر في شيء جعل سلمى ترفع لها حاجبها وكأنها تتعجب مكوثها كل ذلك الوقت ولم تكد تفتح فمها تتحدث بكلمة تتسائل بها عن سبب وقوفها بهذا الشكل، حتى قاطعتها الفتاة بشك كبير :
_ لكن لون بشرتك غريب لا يشبه لون بشرة الاشخاص بمشكى، يبدو كما لو أن شمسًا تركت أثرها عليك او أنكِ مكثتي سنين في أسفل اشعة الشمس لتنالي هذا اللون، النساء هنا ببشرة بيضاء ناصعة وقليلات هن من يمتلكن بشرة سمراء، لكن لون بشرتك مريب .
رفعت سلمى يدها تتحسس بشرتها بهدوء وقد ارتفعت السخرية داخل صدرها لا تدري أكانت كلمات الفتاة سخرية منها أم انبهارًا من لون بشرتها المميز الذي ورثته من والدتها ؟؟
_ آه هذه نتاج التعرض لفترة طويلة من نيران عشق زوجي، لفحتني شمس أرسلان فاكتسبت لوني هذا منها .
على الغباء وجه الفتاة لتقلب سلمى عيونها ولم تكد تتحدث بكلمة واحد حتى همست الفتاة بشرود وكأنها تفكر بصوت مرتفع :
_ كان الملك أرسلان من أكثر الرجال الذين تحوم النساء حوله ولم يلتفت يومًا لأحداهن، إحدى الأميرات من على استعداد لفعل أي شيء وتنال منه نظرة، ما السبب ليفعل ذلك بالذات معكِ؟؟ هذا محير كثيرًا .
اتسعت عيون سلمى بصدمة من كلمات الفتاة والتي تقابلها للمرة الاولى، لكن يبدو أن الاخيرة لم تدرك بعد أن افكارها الداخلية تمثلت في كلمات مسموعة لسلمى، التي شعرت بكم الوقاحة المتسربة من الفتاة ودون شعور ابصرت نظرات الفتاة التي تحركت عليها وكأنها تقيمها حتى توقفت عيونها فجأة على حرق صغير يظهر من طرف بنطالها .
ولثواني اهتزت حدقة سلمى التي لم تتأقلم بعد مع حروقها، ولم تكد تتحدث بكلمة تخرج بها تلك الفتاة من الغرفة حتى سمعت صوت طرقات خفيفة على باب الجناح يتبعها صوت رقيق .
_ جلالة الملكة .
ابتسمت سلمى وهي تتحرك صوب الباب وقد ادركت صاحبة الصوت تشعر بوصول حبل نجاتها من الفتاة التي تحدق بها بعداوة غريبة وهي لم تقابلها سوى منذ دقائق فقط .
فتحت الباب بسرعة تستقبل الواردة بترحيب حار :
_ توبة .
نظرت لها توبة ببسمة صغيرة تستقبل بها ترحيب سلمى بسعادة شديدة وقد شعرت بالراحة من تعامل سلمى معها دون أي توتر بينهما :
- اعتذر لعدم وجودي في استقبالك و...نغمة ؟! هذه أنتِ هنا ؟؟
كانت كلمات متعجبة من وجود نغمة في جناح الملك أرسلان وزوجته وهي تقف بهذه الراحة، لكن تعجب توبة لم يكن شيئًا أمام صدمة نغمة التي أبصرت الاريحية في التعامل بين الاثنتين، كيف وهي تدرك أن توبة تهيم بزوج الفتاة، لقد كانت مهووسة به لدرجة أنها تزوجت لأجل فقط أن تعف نفسها عن التفكير به .
_ توبة هذه ...هذه تعرفينها ؟؟
تعجبت منها توبة وهي تحرك عيونها بين الفتاتين في اللحظة التي دخلت بها كهرمان ومن ثم تبارك اللواتي لحقن بتوبة لمعرفتهن بوجود سلمى في المكان .
_ هذه ؟؟
كانت كلمة مستنكرة خرجت من فم سلمى التي ضمت يديها لصدرها وقد وصلت واخيرًا لحافة صبرها مع هذه الفتاة الغريبة تتحدث بنبرة هادئة لا توحي بغضبها الكامن داخلها .
_ لا أحبذ استخدام مثل هذه الاشارات النكرة التي لا توفي من يقف أمامك حقه.
توترت نغمة وهي تبصر نظرات الجميع لها وقد شعرت فجأة برغبة في البكاء من الخجل، لكن سلمى لم تهتم وهي تتحدث معها بأكثر نبراتها سقيعًا :
_ اشكرك لمساعدتي في مغرفة غرفة زوجي، استطيع المواصلة من هنا وحدي .
وكان هذا آخر ما قالته على مسامع نغمة التي هبطت دموعها بقوة ورحلت خجلة بعدما اعتذرت من الجميع تحت أعين توبة المصدومة ونظرات كهرمان المتعجبة من تصرفات سلمى .
وكان أول من خرج من صمته هي توبة التي تحدثت بهدوء واحترام شديد :
- سلمى اقدر مكانتك صدقيني، لكن ما كان عليكِ التحدث معها بهذه الطريقة .
ابتسمت لها سلمى بهدوء وهي تتحرك في المكان ببساطة ولم تتحدث لثواني بشكل آثار تعجب الجميع منها، حتى جلست على أحد المقاعد وقد بدأت حروق قدمها تثير وجعًا مرعبًا بجسدها بعدما تلاشى تأثير الاعشاب المخدرة التي وضعتها لأجل الطريق .
_ معاملتي لأحدهم ما هو إلا انعكاس لمعاملته عزيزتي .
شعرت كهرمان بأن هناك ما فاتهم قبل المجئ هنا، لذا على عكس المتوقع منها تحركت صوب سلمى تتحدث بجدية ونبرة خطرة :
_ هل ازعجتك الفتاة سلمى ؟؟!
_ فقط لم ارتح لكلماتها وطريقتها في الحديث معي، بالطبع لن أكون سعيدة وهي تسخر من اختيار أخيكِ لي رغم أن الجميلات يحفونه من جميع الاتجاهات.
كان رد غاضب عبرت به سلمى بشكل متواري عما حدث، لذا تنهدت توبة بصوت منخفض وهي ترحب بسلمى للمرة الثانية ومن ثم استأذنت الرحيل لتنتهي من بعض الأمور العالقة .
وقد خرجت مباشرة صوب غرفة نغمة مصممة على معرفة ما حدث معها ومع سلمى قبل مجيئهم، فهي تدرك أن سلمى ليس من ذلك النوع العدائي الذي يجلد بلسانه من يقابله .
وبمجرد أن خرجت توبة تحدثث كهرمان بهدوء :
_ أدرك أن هناك سبب دفعك لـ .....يا ويلي سلمى ما هذه الحروق ؟؟؟؟؟؟
كادت سلمى تتحدث لها خاصة حينما أبصرت اندفاع تبارك لها بسرعة وهي تبادلها نظرات القلق، لكن قطع كل ذلك صوت طرق على باب الجناح وصوت أحد الجنود يخبرهم بوصول الطعام....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت ساعات طويلة قضاها الجميع داخل غرفة نزار بعدما خرج سالار لدقائق قليلة، ومن ثم عاد وأُغلق الباب من بعدها ولم يخرج أحدهم إلا على مشارف الفجر، ساعات طويلة ولا يدرك أحدهم فيما قضوها في الداخل، لكنهم يدركون أن ما سيحدث حينما يخرجون لن يعجب أحدهم.
وقد كان ..
كان أول الخارجين من المكان هو أرسلان الذي تحرك بسرعة مرعبة في الممرات وعيونه تطلق شرارات ونظرات مخيفة غامضة تنطلق من عيونه .
ابتسم بسمة غريبة وهو يتحرك صوب رجاله يتحدث بجدية كبيرة وهو يشير لقائد الموكب الذي تبعه :
_ تجهز فسوف أرسل معكم الملكة صوب المملكة، ستذهبون أنتم ومعكم الملكة وتحمونها بأرواحكم إن اضطررتم لذلك، فهمتم ؟!
هز الجميع رؤوسهم بطاعة كبيرة ومن ثم تحرك هو من أمامهم صوب جناحه ليتحدث مع زوجته قبل رحيلها لمشكى، يبعدها عن كل ما سيحدث في الساعات القادمة، يبعد زوجته عن الحرب قدر استطاعته هو لن يتحمل أن يمسها سوءًا ..
كل ذلك كان يحدث على مرأى ومسمع من أنمار الذي كان يجلس جانبًا يتلاشى أي احتكاك مع أي جندي من رجال أرسلان كي لا يسرع من هلاكه .
لكن بمجرد أن سمع كلماته ابتسم بسمة غريبة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ماذا تقصدين أنتِ، لقد تزوجت الرجل الذي كنتِ تتمنينه كل ثانية و....
قاطعت توبة نغمة بحدة وغضب من كلماتها وكأنها تخشى حتى أن تخون نزار بذكر مشاعر هشة تجاه رجل آخر، مشاعر أخرى حمقاء طفولية ظنتها يومًا حبًا .
_ نغمة انتهينا، لقد انتهى كل هذا، صدقيني كانت حماقة لا أحب تذكرها، الملك أرسلان لا يعني لي أكثر من كونه الملك أرسلان الذي احترمه كأخ أكبر.
_ ماذا ؟! هل تهزين أنتِ ؟! منذ متى كل هذا !!
_ منذ اللحظة التي أدركت بها أنني لم أحبه يومًا نغمة، لم أحب أرسلان يومًا، وبكامل الأسف أنني اضعت أيام طوال أبكي انبهارًا برجل أبصرت منه ما لم أبصر في غيره، لكن الحمدلله أن عادت لي بصيرتي لأدرك أن...
" هناك من استطاع احتلال قلبي بالكامل كما لم يفعل غيره حتى أرسلان" جملة كتمتها توبة داخل صدرها لأول مرة تخفي مشاعرها عن رفيقتها .
تنهدت بتعب :
_ نغمة أنتِ اخطأتي في حق الملكة، وأقسم بالله أي امرأة أخرى لم تكن لتكتفي بصرفك بهذه الطريقة، لو كنت مكانها لأمرت بفصل رأسك عن جسدك.
اتسعت عيون نغمة :
_ ماذا ؟!
_ ماذا أنتِ تقللين من قيمتها وتسخرين من لون بشرتها وتتعجبين تزوج الملك بها، ولم تدركِ مع من تتحدثين أنتِ .
صمت تصرخ بضيق من رفيقتها :
_ نغمة هذه .. ملكة مشكى، استوعبي ما فعلتي وانصحك بالاعتذار لها .
ختمت حديثها وهي تتحرك خارج الغرفة، لكن ما كادت تخرج حتى توقفت مجددًا لتتكلم بصوت منخفض :
_ وكذلك انصحك بنسيان ما كنت اهزي به في غمرة سكري بمشاعر كاذبة قديمًا، ولا تذكري الأمر مجددًا وهذا رجاء مني نغمة، فأنا لا احب تذكر غبائي القديم .
خرجت من الغرفة بمجرد أن انتهت من كلماتها تاركة نغمة تقف في المكان تحدق بالباب المغلق بصدمة كبيرة ..
بينما توبة تحركت في الممرات صوب غرفتها تفكر في الحصول على بعض الوقت مع نفسها كي تتماسك قبل التحرك والذهاب للأطمئنان على نزار ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن بعد تلك الساعات تبعها ساعات أخرى طويلة مرت عجيبة مريبة على الجميع....
حركات غريبة وتصرفات غريبة كانت تصدر من الملوك في الساعات التي سبقت مساء اليوم .
مواكب الاميرات كلها بدأت تخرج من قصر آبى وقد شرع كلٌ يخرج زوجته ومن يخصه من النساء من سبز وقد كانت بؤرة الخطر الأكبر تتمثل بها باعتبارها مركز تجمعهم، وكذلك سفيد هدفهم الأول..
موكب تلو الآخر يخرج من قصر سبز والأعين تتابع ما يحدث وقد أعلن الملك بارق حالة استنفار في البلاد وانطلقت أبواق الحرب تعلو في سبز .
في الوقت ذاته كانت أبواق الحرب تدوي في بقاع الممالك أجمع وقد أدرك الجميع أنها النهاية .
فالحرب لم تنتهي بعد، والفوز لهم مصيرًا حتميًا ..
وفي الجحر .
كان أصلان يتابع استعدادت رجاله يستقبل بداية اليوم الجديد ببسمة واكل كبير .
ومع أذان فجر يوم جديد ...
كانت الحرب الأخيرة تعلن عن نفسها بقوة بين ربوع الممالك الأربع .
تحرك أصلان بجيوش وأعداد غفيرة صوب سفيد وهم يدكون الأرض أسفلهم وكأنهم يعلمون القاصي والداني بقربهم ...
أصلان يتقدم الجيوش على حصانه وقد كانت بسمته تزداد اتساعًا كلما أبصر سفيد تلوح في الأفق، كلما اقترب خطوة واحدة من سفيد اقترب حلمه منه اشواطًا، يدرك يقينًا أن إيفان وسالار في هذه اللحظة ما يزالان بسبز، وكذلك أرسلان...
أما عن نسائهم فهن في أمانته لباقية اليوم حتى ينتهي كل هذا، أو حتى تنتهي حياتهن ..
اتسعت بسمته بقوة وهو يتذكر الأخبار التي وصلت له قبل ساعات قليلة حينما بشره أحد رجاله أن جميع الملوك ابعدوا نسائهم عن سبز وسلموهم للجنود ...جنوده الأحباء ورربما هن الآن يتلقين ضيافة مشرفة مع بعض رجاله في الجحر ....
وستكون هذه بطاقته الاخيرة التي يستخدمها أمامهم..
وهذا ما حدث، ففي اللحظة ذاتها التي كان أصلان يزحف بجيوشه صوب سفيد، كان رجاله يتحركون مع النساء بعدما تعدوا على المواكب الخاصة بالملكات في الطريق وقتلوا من قاومهم واخذوهم صوب الجحر ..
والآن على مشارف سفيد توقف هو ورجاله يحدقون بأسوارها في طمع وجشع، غامت عيون أصلان بمشاعر عدة قبل أن ترتسم بسمة واسعة غير مبررة على فمه وهو يهتف بصوت مسموع ..
_ وصفوكم بالذل ونبذوكم من ديار أنتم أحق منهم بها، والآن يا رجال حانت ساعتهم واتتكم لحظة انتقامكم على طبق من ذهب، أتضيعونها ؟؟
فجأة رجت الإرجاء صيحات وتهليلات قوية كادت تسقط اسوار سفيد لحدتها، الجميع يهلل ويهتف بالنصر وقد اشتعل الحماس في الصدور، لا يبصرون أبعد من نصرهم الوشيك .
أما عن أصلان فقد ابتسم بسمة أخيرة قبل أن تتلاشى ويهتف بجدية وصوت صاخب رن في الأجواء حوله بقوة :
_ إذن دكــــــــــــوا حصون سفيد....لا تزروا منهم فردًا، اغسلوا سفيد بدمائهم .
وبمجرد أن نطق تلك الكلمة اندفعت جيوش أصلان صوب الجدار الذي يحيط سفيد من الخارج يندفعون للبوابات يحطمونها تحت وطأة دفعهم في دقائق معدودة ...
ومن بعدها فُتح الجحيم على كل من بسفيد .
اندفع أصلان بجيوشه للبلاد يعيث الخراب بكل خطوة يخطوها داخل البلاد، يحطمون كل ما يقابلهم ويدمرون كل ما يقف في طريقهم .
اندفعت النشوة والحماس داخل الصدور وهم يبصرون تقدمهم السلس صوب القلعة الخاصة بسفيد، كانت الصدمة من يسر ما يحدث تعمي العيون عن غرابة وسهولة دخولهم البلاد .
وطوال طريقهم في العاصمة لم يبصروا مقاومة من شخص واحد حتى، لم يوقفهم أحد ولم يعترض طريقهم أحد، وهذا ما لم يدركوه في غمرة نصرهم التي تحيط بهم وتغشي عيونهم .
واصلان فقط الوحيد الذي كان متحفزًا بشكل غريب، يراقب المكان حوله يترقب مريب ينتظر حركة غريبة لينتفض برجاله، هو متيقن أن لا أحد يدرك خطته بالتوجه لسفيد بعدما أشاع أنه سيتوجه لسبز اولًا، إذن ما هذا السكون الغريب ؟؟
فجأة ومن بين أفكاره التي كانت تدور برأسه وحينما وصل لمنطقة قريبة من سفح الجبل الذي يقبع على قمته قصر سفيد توقف بجيوشه حينما سمع صوتًا مريبًا .
رفع كفه في الهواء يوقف تقدم رجاله وقد بدأت عيونه تدور في المكان على جميع الاتجاهات بحثًا عن مصدر الصوت .
وقبل أن يتحدث بكلمة واحدة اتسعت عيونه حينما أبصر سهمًا يخترق صدر الرجل الذي يقف تحديدًا جواره، تصلب جسد أصلان وهو يرفع عيونه ببطء صوب الطريق أمامه، لكن فجأة تراجع بقوة للخلف حينما أبصر سهمًا آخر يتوجه صوب الرجل من الجهة الأخرى جواره .
لتعم فجأة فوضى عارمة في المكان حينما أبصر الجميع راميين سهام سفيد يملئون الجبل أمامهم وخلفهم تعلو اعلام سفيد يتقدمهم دانيار الذي ابتسم بشكل مرعب وجواره يقف تميم الذي مد يده بشيء صغير، يلوح به في الأفق وفجأة القاه في الهواء بقوة لتتحرك عيون الجميع بترقب صوب ذلك الشيء الذي ألقاه تميم، وقبل محاولة فهم ما يحدث .
كان دانيار يحمل يضع خمس سهام في قوسه، ومن ثم أمسك شعلة يشعل بها السهام وفي ثواني اطلقهم صوب الكرة التي ألقاها تميم في الهواء، وما هي إلا غمضة عين وكانت سماء سفيد تسقط أمطار كالنيران على الجميع أسفل الجبل لتعلو صرخات الرجال برعب مما يحدث .
ابتسم دانيار بسمة واسعة :
_ كان الأمر يستحق تفجير قصر سفيد مئات المرات تميم .
راقب تميم نتيجة قنبلته العزيزة التي كلفته سنوات طويلة وتفجيرات أكثر ليصل لهذه النتيجة، يردد ببسمة جامدة:
_ جميلة ها؟؟
كان أصلان يراقب ما يحدث وهو يختبأ خلف درعه وقد بدأ جميع رجاله يحتمون بالدروع يتجنبون النيران التي بدأت تسقط عليهم من السماء، وحينما هدأ الأمر رفع أصلان عيونه لهم وقد بدأ صدره يرتفع بشكل مرعب يبتسم لهم بسمة صغيرة .
وقبل أن يتحدث بكلمة يأمر جنوده بالتراجع للخلف حتى ينفذ هجمته المخطط لها وقد كان يعلم ما سيلاقيه منهم واستعد لكل خطوة .
رفع يده في إشارة معروفة وهو يشير لهم بالتراجع لتنفيذ خطته بالمراوغة .
أبصر فجأة أعلام سوداء تلوح في الأفق وأعداد غفيرة تتقدم صوبهم يحملون أعلام مشكى، يتقدمهم المعتصم الذي كان يتشح بالسواد ولا يظهر منه سوى عيونه .
تراجع أصلان بجيشه للشرق وهو يمرر عيونه على جيوش مشكى التي تتقدم صوبهم بشكل مخيف وكأنهم اشباح جميعهم يتشحون بالاسود.
وفي ثواني كانت أعلام آبى تلوح في الأفق وجيوش ابى تسد مخرجهم الثالث من الشرق، لكن الصدمة الأكبر كانت أن من تقدم جيوش آبى هو سالار و ...نزار .
نزار الذي كان في هذه اللحظة قد تناسى سوء حالته الصحيه وكل جروحه، فنيرانه أشد من وجعه، ونيرانه لن تنطفأ إلا حينما يبصر جسد أصلان يتقطع أمامه..
يراقبه وعيونه لا تبصر في المكان سوى أصلان فقط، وجواره يقف الوليد وهو يبتسم له .
كان يراه، يرى جسد أخيه وهو يلوح له بيده مبتسمًا، اشتدت ملامح نزار بشكل مفزع وقد غامت عيونه بدموع مقهورة يضغط على سيفه بقوة، يتنفس بصوت مرتفع وقد أقسم بربه ألا ينتهي هذا اليوم إلا حينما يقتص لأخيه ..
وعلى عكس المتوقع اتسعت بسمة أصلان بقوة :
_ أوه ما زلت حيًا ؟؟ أنت عنيد حتى أكثر من أخيك .
صمت وهو يبصر عيون نزار التي كانت حمراء بشكل مرعب، وهو ينظر له بهدوء قاتل ..
أما عن أصلان فلم تسمح له نفسه أن ينحني حتى أو يظهر خوفًا على مرأى منهم، لذا إن كان محتمًا عليه أن يموت، فليحطمهم قبل أن يفعل .
_ كان الوليد عنيدًا حتى وقت موته، ظل يتشبث بالحياة بعناد غريب .
انتفض صدر نزار بقوة وقد اهتزت عيونه ليدرك أصلان أنه أصاب وترًا داخله :
_ نعم كان مايزال حيًا حينما رحلت، ظل يتنفس بعناد، كان ليعيش بعد تلك الطعنة فهي لم تكن بهذا السوء على أية حال كانت فقط مؤلمة، وأنا....لم يهن عليّ تركه يتعذب بهذا الوجع طويلًا نزار، فقدمت له خدمة لا اقدمها للكثيرين.....الموت الرحيم، فصلت رأسه عن جسده بالكامل لأتاكد أنه لن يتألم بعدها أبدًا .
سقطت دمعة من عيون نزار دون شعور رغم ملامحه المنقبضة، اندفع القهر في صدره وملئ قلبه، ورغم كل ما يدور في داخله إلا أن لا شيء انعكس على ملامحه سوى غضب ...غضب مرعب كان ينبأ بعاصفة قادمة.
_ والآن اعزائي لا تعتقدوا أنكم انتصرتم، فحتى لو فزتم في معركة، فالحرب لم تنتهي، يكفي أنني إن غادرت سأترك لكم أثرًا مني، كل منزل احترق وكل جثة سقطت وكل حجر انهار من المنازل وكل عزيز فقدتم ....
قال الكلمة الأخيرة وهو ينظر صوب نزار ومن ثم أكمل:
_ كل هذه انتصارات لن تُمحى ولن يُمحى أثرها ولو عشتم اعوامًا فوق اعوامكم .
ختم حديثه وهو يبصر بطرف عيونه وصول الملوك جميعهم عدا ازار وقد تقدم كلٌ جيشه ..
والصمت حل على الجميع، وقد تحول سفح جبل سفيد لساحة حرب ستكون الأخيرة.
أخرج أرسلان سيفه بهدوء من غمده وهو يلوح به في الأفق في إشارة منه بالاستعداد، وبالفعل بمجرد أن أخرجه سمع الجميع اصوات استلال السيوف يعلو في المكان ..
أما عن سالار فقد ابتسم بسمة صغيرة وهو يخرج سيفيه يحركهم في الهواء وكأنه يجهز مطحنة ستقطع كل من يقترب منه .
يجواره إيفان الذي شدد قبضته على سيفه وهو يتابع المكان بأعين باردة كالصقيع مخيفة .
وبارق جوارهم يحمل بين يديه سهامه وفي غمده استكان سيفه براحة ..
بينما أصلان فقد أخرج سيفه وهو يحرك عيونه في أوجه الجميع يهتف بصوت غريب :
_ هذه الحرب إن انتهت بخسارتي، فلن تكون خسارة لي وحدي اقسم لكم بذلك، وفي هذه اللحظة التي تحيطونني بها، يحيط رجالي بنسائكم وممالككم ........
صدر صوت ساخر من حنجرة أرسلان الذي تحدث بصوت حاد وصل لمسامع الجميع :
_ في هذه اللحظة التي نحيطك بها يكون الملك ازار قد أحاط بالحجر وقطع أطراف رجالك الذين كانوا ينتوون التحرك للمالك، ونفسها هذه اللحظة التي نحيطك بها تتجهز النساء لأجل زفافي الذي سنستخدم به دمائك لكتابة دعواته .........
صمت أرسلان ثواني وهو يبصر نظرات الاستنكار التي هربت من عيون أصلان، ليهتف له بسخرية :
_ هل ظننت بكل حمق أننا سنسمح للنساء بالسفر مع الجنود؟! المواكب التي أخذها رجالك للاستمتاع بمن فيهن لم يكن بهم أي من نسائنا بل كان بها.....
صمت قبل أن يلقي كلمته ببسمة واسعة :
_ والدتك يا قلب والدتك.
اتسعت عيون أصلان وقد سحهب وجهه بعدم ينظر في وجه أرسلان الذي ازدادت بسمته اتساعا :
_ وهذه ليست سبة معتادة مني، بل كانت والدتك بكل ما للكلمة من معنى.......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل ساعات طويلة من كل ذلك ...
تحرك سالار في المكان وهو يستمع لكلمات أرسلان الذي بدأ يرسم الخطة وهو فقط يستمع بهدوء شديد قبل أن تتسع بسمته بشكل غريب، وهو يتحدث بصوت خافت :
- يبدو هذا جيدًا لي، لكن دعني أضف بعض لمساتي السحرية .
ابتسم له أرسلان بمزاح :
_ أحب لمساتك حينما تعلو تلك النظرة المختلة عيونك، على الأقل هناك من يفكر بشكل صحيح في سفيد بعيدًا عن حياة الحكماء .
قلب إيفان عيونه بسخرية وملل، بينما سالار بدأ يعرض وجهة نظره ويضيف بعض النقاط على حديث أرسلان لتعلو نظرات الجميع الانبهار .
ويتحدث بارق بموافقة :
_ يبدو هذا ... أكثر من مناسب لي، إذن سأتحرك بجيوشي صوب الجحر و...
تحدث آزار والذي كان صامتًا بروح منطفأة وثأر مشتعل:
_ أنا من ...سيذهب للجحر، لا أحد سيذهب هناك سواي، سوف اذهب لأنتشل جثمان ولدي لأكرم مثواه .
نظر له بارق ثواني بحزن شديد عليه ولأول مرة يبصر انكسارًا في عيون آزار وقد بدا أنه فقد جزءًا من روحه لن يستعيده بسهولة .. أو ربما أبدًا .
تنهد سالار بوجع لأجل خاله وهو ما يزال لا يصدق ما سمعه منذ ثواني ونيران صدره مشتعلة بقوة :
_ إذن تقود جيوش سبز وتذهب أنت خالي، لا نريد أن نثير الشكوك لخروجك من هنا وإحضارك جيوش آبى، ونزار ...
صمت وهو ينظر صوب نزار :
_ أنت ستظل هنا و....
_ لن يحدث، أنا من سأقود جيوش آبى، لن انسحب من حرب تطفأ نيران صدري .
تعجب الجميع من كلماته ليتحدث أرسلان بصوت يحاول جعله هادئ قدر الإمكان:
_ نزار أنت ما تزال خائنًا في عيون الجميع، كيف تقود رجالًا لا يرونك سوى خائنًا ؟؟
نظر له نزار وهو يدرك أن أرسلان محقًا، فهو لم يبرأ ساحته أمام الجميع بعد، ما يزال حقيرًا في أعينهم، لكنه ورغم كل ذلك لن يتخلى عن حربه ولو اضطر ليذهب وحده ويقود جيشًا لا يتكون سوى منه .
أبصر سالار أفكار نزار التي كانت واضحة بشكل كبير على ملامحه ليشفق عليه، ورغم أنه لم يكن بهذا القرب من نزار إلا أنه يومًا لم يتوقف عن اعتباره شقيقًا له، لذا تحرك صوبه يضغط على كتفه بمؤازرة .
_ سأذهب معك .
رفع له نزار عيونه بصدمة ليبتسم له سالار وهو سربت على كتفه :
_ سأذهب معك لسحب جيوش أبى وأخبر الجميع أن لا قائد لهم سواك أخي.
هز إيفان رأسه بموافقة وقد كان هذا هو الحل الأسلم، فجنود ابى لو كانوا يثقون ويطيعون أحدهم غير الملك آزار وسابقًا نزار، فهو سالار ...
ابتسم له نزار بإمتنان، ليهز له سالار رأسه بدعم قبل أن يعلو صوت أرسلان الهادئ والقلق في باطنه :
_ الآن الجزء الأهم...ماذا عن النساء ؟!
نظر له الجميع بهدوء ليتحدث سالار باقتراح :
_ اقترح أخذهن لآبى فسبز الآن خطرة وكذلك سفيد، وربما مشكى أو آبى، لكن آبى سيكون أفضل لوجودي ووجود نزار معهن في الطريق وكذلك هي الأقرب لنا هنا .
_ خروج المواكب سيثير الشكوك وقد يخمنون معرفتنا نيتهم، وربما يتسبب هذا في تعرضهم للخطر.
كان هذا صوت إيفان الذي خرج عن صمته يوضح لهم الصورة، لكن صمته لم يطل إلا وخرج لهم بالحل الفوري وهو يبتسم بسمة خبيثة غريبة :
_ ربما يمكننا استخدام المواكب كتضليل جيد لخروج نزار وسالار مع النساء .
نظر له الجميع بعدم فهم ليبدأ هو بشرح فكرته بإرسال المواكب فارغة معهم، في الوقت الذاتي الذي يتحرك به سالار ونزار مع النساء من الطريق الخلفي للقلعة .
لكن أرسلان ما كان ليمرر خطة كهذه دون وضع لمسته :
_ إذن ألا هذا الوسخ أصلان عزيزًا .
نظر له الجميع بعدم فهم، لكن بارق تحدث بهدوء وهو يفكر :
_ بلى والدته تقطن في أحد الأحياء في سبز هنا هذا ما علمته مؤخرًا بعد بحث طويل خلفه، كان الحقير يخفيها عن الأعين.
اتسعت بسمة أرسلان بخبث شديد ليشعر الجميع بريبة من أفكاره المريبة والغريبة التي يخرج بها في كل ثانية .
وقد كان فلم يبخل عليهم أرسلان بخطته وهو يسمعهم ما فكر به، وبعد دراسة الأمر من جميع النواحي، وتأمين المرأة لضمان أن سوءًا لن يمسها وفقط ستكون بطاقة لتحطيم أصلان .
اتفق الجميع على ما سيحدث وخرج سالار لينفذ أول خطوة وهي أنه أرسل رسالته لسفيد مع بعض الجنود الذين يثق بهم، يعلم بها دانيار وتميم أن يفرغوا العاصمة ويأمنوا على شعبها ويزيلوا الجنود عن الحدود ويتجهزوا للحرب .
وكذلك ارسل بعض رجاله بالمثل للمعتصم في مشكى والقائد في أبى، كما أرسل البعض لإحضار والدة العزيز أصلان ووضعها في قصر سبز لحين ينتهي كل هذا، وحينما تأكد أن كل شيء تم كيفما يريد عاد لهم ليكمل الخطة التي وضعوها، لكن بمجرد دخوله سمع صوت بارق يهتف بجنون :
_ نزار لا تثر جنوني أي زواج هذا الآن ؟؟ هل ستتزوج ابنتي والحرب على الابواب .....
رفع سالار حاجبه وهو يغلق الباب خلفه بهدوء يتابع ما يحدث ببسمة غريبة ونزار كان الاصرار يملئ عيونه وهو يردد كلماته :
_ لن اخطو خطوة واحدة خارج هذه الغرفة إلا حينما يسبق اسمي اسم ابنتك ملك بارق ..
اشتعلت عيون بارق بقوة وهو يحدق بآزار :
_ أيها الحقير ما بك صامتًا، تحدث لولدك آزار لقد جن و....
_ هو محق بارق زوجه لابنتك، هل ترى أن بني لا يليق بها أو ما الذي يدفعك للرفض .
حرك بارق عيونه بينهم بعجز وكأنه يحاول الحديث بواقعية بسبب رفضه لهذا الزواج لهذه الطريقة، يتنفس وهو يحاول اخراج كلماته :
_ هي ....ابنتي لم تتعافى بعد مما حدث لها ازار كيف ...ازوجها بهذه الطريقة وبهذا الشكل وقد أنهت عدتها بالكاد ...لا يمكنني أن أجبرها على هذا و....
_ عم بارق اسمعني، أنا.... أنا نلت ما يكفيني حتى الآن، ولن ...لن أرحل من هنا إلا حينما تكون توبة زوجتي أمام الله والجميع، وبعدما ينتهي هذا كله اقسم أقيم لها زفافًا تتحدث عنه الممالك وأحضر لها مهرًا لم يقدم لغيرها من قبل .
التوى ثغر أرسلان بسخرية وهو يضم يديه لصدره بضيق عيونه بهدوء عليهم :
_ نعم وافق أيها العجوز وسنقيم زفافه في مشكى قبلي حتى .
رفع إيفان حاجبه بعدم تصديق :
_ لهذه الدرجة ؟؟ تدعه يتزوج قبلك وأنت عقدت القرآن قبله لقد ظننت أنك لن تنتظر لتتزوج بها .
زفر أرسلان بضيق يشير صوب نزار بغضب :
_ ماذا افعل وهذا الحقير لم يتذكر أنه يريد التزوج سوى الان ؟! سأتركه ليتزوج قبلي حتى أرى ما سيقدمه لزوجته، لأتأكد أن لا أحد سيقدم افضل مني ..
ختم حديثه وهو يبعد عيونه بحنق عن الجميع وقد بدا في هذه اللحظة كشخص عنيد يبحث بين أعمال الآخرين ليقيمهم ويصنع الأفضل.
ضحك سالار بصوت مرتفع على ما يحدث وقد أدرك مقصد أرسلان، بينما نزار لم يهتم بكل ذلك :
_ إذن ما رأيك عم بارق ستزوجني ابنتك ؟!
_ هي الآن ليست ...
_ اسألها، ارجوك اسألها هي ....فقط خذ رأيها.
نظر لهم بارق ثواني بضيق قبل أن يندفع من الغرفة بسرعة تاركًا الجميع خلفه يحدق في ظهره بعدم فهم، نظر أرسلان صوب نزار بضيق :
_ انظر كيف أغضبت العجوز ونحن بحاجة لجنوده الآن ؟؟ هل انتهت الحياة أم وصلنا للقيامة أيها النذل لتصر بهذا الشكل على الزواج وكأن لا غد .
رماه نزار بغضب لينفخ أرسلان وهو يتحرك خارج الغرفة ينتوي الذهاب لإخبار رجاله بالتجهز لنقل الملكة .
أما عن آزار نظر لولده بحنان يتقدم منه يجذبه لأحضانه بحب وكأنه يبحث بين أحضانه عن مسكن لأوجاعه في هذه اللحظة .
وسالار يتابع ما يحدث مع إيفان الذي تنهد يستأذن منهم لإخبار زوجته بما سيحدث تاركًا الثلاثة خلفه وحدهم يحاولون أن يلملموا جروحهم ...
اقترب سالار من نزار يجلس جواره من الجهة الأخرى وهو ينظر ارضًا بصمت تاركًا نزار شاردًا في اللاشيء، قبل أن يقرر التحدث وأخيرًا بصوت مختنق:
_ ربما لم تأتني الفرصة لقول ذلك يومًا، لكنك ... أخي نزار منذ يوم كنتَ رضيعًا صغيرًا هشًا أبكي لحمله بين يدي حتى وأنا لا امتلك القدرة على ذلك مدعيًا بين الجميع أنك أخي وأنا من أحق بحمله فقط ....لم ...لم أفكر يومًا في هذه الحياة أن....اقترب من مكانتك لدى خالي، من الأساس أنا لا أستطيع ذلك حتى إن أردت، أنت...
صمت وهو يرفع رأسه بعد ثواني :
_ أنت أخي نزار، وربما كان الأمر منذ البداية خطأي أنني ومنذ نبذتَ صحبتي ترفعتُ عن الاقتراب منك بكبر احمق ونسيت أنك في النهاية أخي، اعماني الشيطان بكبرياء غبي عن رؤية ما يحدث معك ووحدتك طوال تلك الأيام و....
_ لم أكن وحيدًا كان أخي معي طوال الوقت .
كانت جملة اعتراضية خرجت من نزار دون شعور وهو يدافع عن وجود الوليد طوال الوقت معه، الوليد ومنذ طفولته كان الصديق الأول والاوفى له، كان على استعداد للتضحية بحياته لأجله وقد فعل بالفعل .
نظر سالار صوب أصابعه شاردًا بندم وقد التمعت عيونه بشكل غريب يهتف بصوت مختنق يدرك أن الطريق بينه وبين نزار ليس بهذا اليسر :
_ نعم كان .....كان معك الوليد رحمة الله عليه، عسى أن يتغمده الله برحمته ويتقبل توبته .
رفع له نزار عيونه دامعة وقد شعر لوهلة بأمل يتساءل بصوت مختنق بغصته :
_ هل ...يتقبل الله توبة لم تتم سالار ؟!
نظر سالار لعيونه ثواني يبصر معاناة وألم وقد كان أشبه بسكين يبحث له عن منفذ هواء صغير .
_ لقد قلت أنه انتوى توبته قبل الموت صحيح ؟!
هز نزار رأسه بلهفة وهو يهتف باكيًا :
_ نعم لقد ...انتوى اقسم بالله فعل لقد ....كان سيسلم نفسه لأبي ويُحاكم على كل ما فعل كان ينتوي التوبة، لقد صلى معي مرة بعد انقطاع طويل، كان ينتوي، لكنه ....أدركه الموت قبل كل ذلك .
ابتسم له سالار بحنان وهو يربت عليه بلطف :
_ الوليد لم يكن مشركًا بالله ولم يكن كافرًا، كان يعلم أن الله موجود ويقر بوجوده، هو ضل وذل وزين له الشيطان أعماله وحاد عن طريق الحق وارتكب في نفسه وغيره الكثير، لكنه في النهاية ندم وانتوى توبة لم يبلغها، لذا حكم الدين في الأمر أن أمره كله لله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فقط أكثر له من الدعاء .
بمجرد انتهاء كلمات سالار رنت جملة الوليد في أذن نزار وهو يهتف له بوجع :
" لا تنساني يا اخي، ادعو لي الله أن يغفر لي، فقط تذكرني نزار "
سقطت دموع نزار عند هذه الذكرى وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة بسبب بكائه وقد أدرك سالار أنه يدعو لأخيه، اقترب منه أكثر وهو يفتح أحضانه له بتردد، يمد يده له للمرة الأولى، خطوة تأخرت كثيرًا، لكنه لن يتردد لحظة أخرى.
نظر نزار لذراعيه ثواني بأعين باكية قبل أن يلقي نفسه بها وهو ينفجر في بكاء حاد، وسالار يضمه له بحب يربت عليه ويقبل رأسه بحنان وقد أخذ يقرأ عليه بعض آيات القرآن عن الصبر يربت بها على قلبه ..
كل ذلك تحت أعين آزار الذي كان يجلس جوارهم يراقب ما يحدث بأعين غائمة بالحزن والقهر، ورغم كل ما يحدث ابتسم دون شعور حينما رأى وأخيرًا تقرب ولده من سالار .
لم يكونا الإثنان أعداء من قبل، لكن العلاقة بينهما كانت فاترة بشكل غريب، فعلاقة نزار بأرسلان كانت أعمق من علاقته بسالار وهو لا يبتأس لقرب ولده من أرسلان، بل على العكس يسعد لوجود من يعتبره ولده صديقًا مقربًا له، وكذلك علاقة سالار بإيفان كانت أقرب من علاقته بنزار، والآن وبعد كل تلك السنوات يبصر وأخيرًا بذرة أمل بدأت تطرح في أرض علاقتهما ...
تنفس بصوت منخفض وهو يتمتم بكلمات شبه مسموعة :
_ ليبعد الله عنكما كل سوء، وليغفر الله لك يا الوليد، عسى الله يغفر لك بني، ويسامح والدتك على ما فعلت بنا، لأنني لن اسامحها يومًا ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس في ظلام الغرفة وهي تتنفس بصوت مرتفع بعض الشيء وقد تركتها كهرمان منذ دقائق طويلة مع تبارك بعدما وضعوا لها الاعشاب على قدمها وتحركوا بطلب من أزواجهن ..
ثواني وسمعت صوت الباب يُفتح وخطوات تتحرك داخل الغرفة، خطوات هادئة لا توحي بصاحبها، فتحت سلمى عيونها تبحث بين الظلام عن زائرها، لتغشى عيونها غيمة نعاس وارهاق جعلتها لا تبصر صاحب الخيال الذي يتحرك لثواني .
وحينما فركت عيونها وفتحتها ببطء مجددًا لم تبصر وجهًا، بل أبصرت زهورًا بهية ..نفسها الزهور التي اعجبتها في زيارتها الاولى لسبز وقطف لها أرسلان منها البعض .
رمشت دون استيعاب لما ترى، قبل أن ترفع عيونها ببطء صوب أرسلان الذي كان يبتسم لها بحب شديد، ولو اقسم لها أحدهم ذات يوم أن ارسلان الرجل الذي صرح في وجهها في أول لقاء لهما، بل وتركها تعود وحدها للقصر بكل تعجرف ولم يكن يفوت فرصة قبل أن يعبر عن سخطه وضيقه منها، سيصبح كهؤلاء الرجال الذين يقيظون زوجاتهم على الزهور لأنفجرت في الضحك ساخرة من الخيال الواسع للمتحدث ..
لكن يبدو أن حتى اعتى الرجال لم يصمدوا أمام تيار الحب ..
ولو أخبرها أحدهم أن ردة فعلها على تلك اللفتة سيكون دموعًا وليس بسمات تعبر بها عن امتنانها لظنته يمزح، فهي التي قضت حياتها بأكملها بين الزهور تتأثر الآن لرؤية القليل منهم فقط لأنه هو من قدمهم لها .
سقطت دموعها وهي تراه يبتسم لها بحنان يجلس على طرف الفراش وهو يتحدث بهدوء :
_ أحببتهم كثيرًا آخر زيارة لكِ هنا فاحضرت لكِ المزيد، أعتقد أن الملك بارق سيمنعني في المستقبل من دخول حدائق زهوره .
ضحكت سلمى من بين دموعها وهي تحاول الاعتدال في نومتها، ليساعدها هو بلطف ومن ثم قبل رأسها يضع الزهور على قدمها :
_ اخبرتني كهرمان أن الحروق اشتد وجعها عليكِ .
نظر لها بحب وهو يصفف خصلاتها بأنامله :
_ عساه العالم بمن فيه، عساه أنا ولا تتوجعي أنتِ لثانية سليمى .
امسكت سلمى كفه تقبلها بحب وامتنان على دعمه لها :
_ فقط قليلًا لا تقلق ارسلان .
تحدثت سريعًا وهي تغير دفة الحوار بعيدًا عن جروحها التي ترى كيف تؤثر عليه بالسلب وتتسبب له في حزن واضح .
_ إذن انتهيت من الاجتماع ؟؟
نفى برأسه وهو يتنهد بصوت مرتفع لا يعلم كيف يبعدها عنه، ولولا أن سالار ونزار سيكونان معها والله ما تركها تتحرك خطوة واحدة دونه .
_ بل بدأنا للتو، لكن قبل حدوث أي شيء علينا إبعادكم عن هنا .
_ ابعادنا ؟!
_ أنتِ وكهرمان وزوجة سالار وكذلك الأميرة توبة، علينا إبعادكم عن أي خطر قد يطالكم، لذا جئت اساعدك لتتجهزي للتحرك معهم صوب آبى .
نظرت له بعدم فهم ليبدأ هو يشرح لها بايجاز ما سيحدث، وهي فقط تستمع بعيون متسعة وقد بدأت ضربات قلبها تزداد رعبًا من القادم، الحروب لم تكن يومًا بمزحة، وهذا زوجها لن يشارك فقط، بل سيقودها .
_ حبيبتي لا تنظري لي بهذه النظرات، ولا تخافي والله سأكون بخير، ما كان الله ليخذلنا ونحن نعلي راية الحق، الله خير حافظ حلوتي .
اشتد قلق سلمى قبل أن تنفجر في بكاء حاد وهي ترتمي في أحضانه تجذبه لها برعب كبير :
_ أرسلان سأموت إن مسك سوء، لا تفعل ارجوك، اعتني بنفسك لأجلي..
_ ستكون المرة الأولى في حياتي التي أذهب بها لحرب واتوق للعودة، ستكون المرة الأولى التي امتلك بها شيئًا يدفعني للعودة مهرولًا، لذا اعتني بنفسك لأجلي سلمى وسأعود لأقيم لكِ زفاف يتحاكى به الجميع لأجلك حبيبتي .
ابتسمت له بحب وهي تهمس :
_ احببت هذه النسخة منك، أتساءل كيف تكون في الحروب، رأيتك سابقًا تقاتل كنت مرعبًا .
_ صدقيني ذلك أرسلان لا أحبك أن تبصريه، فأنتِ لكِ مني نسختي اللطيفة .
نظرت في عيونه وهي تهتف بلهجتها البرتغالية التي تسحره رغم أنه لا يفهمها لكنها تثير به مشاعر غريبة، حتى أنه فكر في مرة أن يجلسها أمامه لتتغزل به بتلك اللغة، ليس لأنه أحب اللغة فهو لطالما فضل العربية حتى على لغته الأم الفارسية، لكنه أحبها لأنها منها، وتليق على شخصيتها الشرسة الاخرى .
ابتسم وهو يسمعها تردد بلغتها وعيونها تلتمع بشكل غريب :
_ آه لو تدرك كم أن تلك النسخة منك مثيرة للغاية .
_ تتغزلين بي ؟؟
_ شايد ...
أطلق أرسلان ضحكة مرتفعة وهو يميل عليها يجذب رأسها من الخلف وهو يقربها منه بنفس الوضعية التي يتخذها كل مرة وكأنه يناطحها يهتف بنبرة لطيفة لا تلائم الوضعية التي يتخذها معها الآن .
_ اشکالی نداره، هرجور که دلت میخواد با من لاس بزن، من مال توام ( لا بأس تغزلي بي كيفما شئتي فأنا كلي ملك لكِ )
ابتسمت له وهي تهتف بعيون عاشقة :
_ دوستت دارم.
تنهد أرسلان بصوت مرتفع وهو ينظر لعيونها بحب وبسمة ساحرة ارتسمت على فمه وهو يضم وجهها بين قبضته ينظر لها نظرة وداع مؤقتة وكأنه يخزن أكبر قدر من محياها داخل ذاكرته لتكون معينًا ومحفزًا له للعودة :
_ من هم تو را دوست دارم.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت في طريقها للخروج من الجناح الخاص بها قبل أن يوقفها طرق الباب، ثواني أذنت للطارق فابصرت والدها يتحرك الداخل ببسمة صغيرة وهو يهتف بحنان يفتح لها ذراعيه :
_ حبيبتي .
تحركت توبة صوب احضان والدها وهي تلقي نفسها بينها ترتشف من حنانه ما يعينها على الثبات في ظل ما يحدث من حولها .
ظلت دقائق طويلة داخل أحضانه دون التحدث بكلمة واحدة، وهو فقط يضمها بحب شديد، يربت على ظهرها بلطف وحنان قبل أن يقرر قطع تلك اللحظات الصامتة ويهتف بصوت خافت :
_ ذلك اليوم الذي جاءني به أنمار طالبًا ايدك ابنتي لم أشعر للحظة واحدة بالراحة، لكنني ارتأيت أن آخذ رأيك وحينما أبصرت منك موافقة لم أجد بدًا من القبول ..
غشى عيون توبة ندم قاتل وهي تحاول تجاوز ذلك الجزء من حياتها ليكمل بارق والذي انتبه بنظراتها :
_ شعرت أن ذلك الرجل ليس الزوج الذي تخيلت نفسي ازفك إليه، ليس مبهرًا كفاية ليفوز بجوهرتي الغالية، لطالما حلمت أن اسلمك لرجل تحسدك النساء عليه ويعاملك معاملة تليق بأميرتي ..
ابتسم بحنان وهي تبكي دون صوت ولم تبصر أمام عيونها في هذه اللحظة سوى نزار وهو يبتسم لها ويستفزها، يحميها ويحيطها بوجوده طوال الوقت ...
صوته وهو ينطق " سمو الأميرة " كما لو أنه يدللها لا ينطق لقبها، أغمضت عيونها بقوة وهي تحاول الخروج من حالتها والتركيز مع والدها الذي أبصر شرودها ليبتسم وهو يبعدها عنه بلطف يمسك ذقنها بحب :
_ سبق وسألتك إن جاءك رجل مناسب فما رأيك وأخبرتني أنكِ يومًا لن تقبلي بتكرار التجربة مجددًا، ماذا إن كان ذلك الرجل هو نفسه الرجل الذي تمنيته لكِ، رجل دمث الاخلاق سيعتتي بكِ كما يعتني بجوهرة هشة، الرجل جاءني يجدد عرضه ويرغب بكِ زوجة له اليوم والآن فما رأيكِ .
شعرت توبة بالوجع وهي ترى سعادة والدها بذلك الرجل، لكن ماذا عن قلقها هي، هل تلقي بنفسها مرة ثانية بين أحضان رجل آخر غير ذلك الذي أحبته ؟!
_ أبي أنا فقط لا يمكنني أن....
_ حسنًا الأمر بيدك يا ابنتي لكن أنتِ لا تريدين احزان آزار صحيح ؟!
نظرت له توبة بعدم فهم :
_ العم آزار وما علاقة العمل ازار بـ
صمتت وشعرت وكأن قلبها هوى ارضًا والمكان يدور بها وقد صعب عليها أخذ أنفاسها بشكل طبيعي :
_ كيف لا علاقة له ؟! أوليس نزار ولده ؟! بالطبع سيحزن إن رفضتي ولده للمرة الثانية .
شعرت توبة في هذه اللحظة أن قدمها لم تعد تحملها وكادت تهوى ارضًا لولا يده والدها الذي امسكها بفزع يضمها له بخوف :
_ بسم الله، ما بكِ يا ابنتي، جسدك يرتجف ......
رفعت عيونها لوالدها وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي تهمس اسمه بصوت خافت مرتجف وكأن قلبها هو من ينطقه وليس لسانها :
_ نزار ....نزار تقدم لـ للزواج مني ؟؟
_ مرتين، الرجل جن يا ابنتي واقسم بالله ألا يتحرك خطوة ولن يذهب للحرب إلا حينما تصبحين زوجته، فماذا تريدين أنتِ ؟! أتشفقين على المسكين وتقبلي، أم نرفضه للمرة الثانية ؟!
نظرت له توبة ثواني بأعين متسعة ووجه شاحب وقد بدأ جسدها يرتجف، وفجأة انفجرت في بكاء حار لا تصدق ما تسمع، وقد منحت توبة والدها للتو اغرب رد لعروس حين أخذ رأيها في زواج، انفجرت في بكاء وهي تهتف من بين دموعها:
_ هل ....هل أنت صادق يا ابي، بالله عليك أخبرني أنني لا أحلم ؟!
ارتجف صدر بارق وهو يجذب ابنته بين أحضانه، وإن كان يعارض عقد القرآن في هذا الوقت ولو بنسبة صغيرة فهو الآن يقسم أن الحقير نزار لن يخطو خارج غرفته إلا حينما يزوجه ابنته حتى لو كان يرفض الأمر من الأساس، الحقير سرق قلب صغيرته لتهيم به لدرجة البكاء بعدم تصديق حينما علمت أنه تقدم للزواج منها .
_ نعم يا قلب ابيكِ، الرجل يكاد يهيم على وجهه بين الممالك لأجل أن توافقي عليه، وقد طلب عقد القرآن الآن .
حاولت توبة التنفس بشكل طبيعي من بين شهقاتها وهي تبتسم بسمة غير مصدقة :
_ أنا.... أنا... موافقة أبي .
ضحك بارق بحنان وحب :
_ نعم يا قلب ابيكِ هذا واضح حبيبتي، ماذا فعل بكِ ابن آزار هذا ؟؟ الآن يأتي ليسلبك مني ؟! أين كان كل تلك السنوات ؟!
نظرت توبة ارضًا بخجل وهي تعض شفتيها ليبتسم لها بارق بحنان وقد تنفس واخيرًا براحة، فهو ليس بالاعمى ليغفل عن عشق ابنته لنزار، لقد كادت تفقد وعيها من شدة البكاء حينما أبصرت حالته، توسلته وكانت على استعداد لتوسل العالم بأكمله ليسامحه .
تنفس بصوت مرتفع وهو يبتعد عنها يمسح دموعها بحنان ومن ثم انزل غطاء الوجه يمد يده لها بحنان:
_ جاهزة لنعطف على ابن آزار ونمنحه هدية العمر، توبتي الحبيبة ؟!
نظرت توبة ليد والدها ومدت له يدها المرتعشة وهي تمسك بكفه تخفض وجهها بخجل قبل أن تومأ بنعم .
ولم تشعر بما حدث سوى أنها ظلت مخفضة لرأسها طوال طريقها صوب الغرفة التي يقبع بها نزار تدخلها بصفة وستخرج منها بصفة أخرى، لم تكن تمتلك الجرأة لترفع عيونها لأحد حتى لو من وراء حجاب، فقط تسمع صوت الشيخ وهو يعقد القرآن ونزار يردد خلفه الكلمات بصوت جعل صدرها يرتجف ويقيم احتفالات في الداخل .
وطوال فترة تواجدها في الغرفة لم تنطق بكلمة واحدة سوى كلمة غردت بها لتصيب منتصف صدر نزار وهي تقول بصوت خافت :
_ أقبل ...
ومن بعدها اعلنهما الشيخ رسميًا زوج وزوجة ليسمع الجميع زفرة راحة خرجت من صدر نزار الذي هوى على المقعد وقد كان متحفزًا طوال الوقت، ظل ينظر لها دون أن يتمكن من رفع عيونه عنها حتى..
يبتسم دون تصديق ولشدة شروده بها لم ينتبه حتى لخروج الجميع من المكان ليتجهزوا للقادم تاركين له لحظات خاصة مع زوجته .
انتفض جسد توبة على صوت غلق الباب، رفعت عيونها بتعجب وهي تبحث عن الجميع لتبصر الغرفة فارغة إلا منها ونزار ..
فتحت فمها ولم تكد تنطق بكلمة حتى تلاشت جميع كلماتها واندثرت بمجرد أن شعرت بيده تمتد لجذبها صوب صدره بقوة يدفن رأسه في رقبتها وهو يطلق آهٍ طويلة وكأنه يتنفس واخيرًا بعد سنوات من الغرق .
_ قلبي ...سيتوقف، هل يمكن أن يموت المرء فرحًا توبة ...
رفعت توبة يدها تزيح الغطاء عن وجهها، ومن ثم رفعتها بسرعة تجذب رأسه لها أكثر بحب وهي تهتف بلوعة :
_ لا أراني الله بك سوء نزار، دامك الله لي ..
سقطت دموع نزار وكأنه لا يصدق أن الحياة من بين كل أحزانه اشفقت عليه ومنحته فرحة اخيرًا :
_ يا ويلي توبة، يا ويلي سيتوقف قلبي، اقسم بالله أشعر... أنه سيتوقف، لا أصدق... لا أصدق لقد ...كدت أموت شوقًا لضمة صغيرة منكِ .
سقطت دموع توبة على كلمته وهي تلف يد حول ظهره والثانية تضم بها رأسه، وقد ظنت أنها ستذوب من الخجل أمامه ولن تنطق بكلمة، لكن الآن بين أحضانه ذابت جميع الحدود التي وضعت لهما .
_ نزار ....
همهم نزار بصوت خافت، لتبتسم له بحب وهي تميل مقبلة رأسه تشعر بدموعه ووجه وقد جاءتها الفرصة اخيرًا لتواسيه:
_ انتهى كل شيء عزيزي، انتهى كل شيء .
_ لم يعد يعنيني من الحياة شيئًا، سوى أحضانك توبة .
صمتت وصمت وكأن كل منهما يرتشف اكسير حياته من الآخر، نزار واخيرًا يتنفس بعد أيام من التخبط، وهي واخيرًا تشعر بأنها وجدت شاطئها ومرساها بعد سنوات من محاربة الامواج .
" وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ {البقرة:216}.
ظنت توبة حينما اختطفها أنمار وابعدها عن بلادها أنها ستكون نهايتها، ونهاية حياة اعتادت عليها، ولم تدرك أن العسر يتبعه يسر، وأن بلائها كان يخفي بين طياته عوضها ..
نزار الذي ظهر لها من العدم في الجحر ينتشلها من بين أياديهم يدافع عنها بضراوة، يخفيها عن اعينهم جميعًا، يحبسها داخل كوخ صغير وجلس عليه حارسًا، يمرر كلماتها اللاذعة ويتجاهل مزاجها العكر، ويتغاضى عن حديثها اللاذع ببسمة صغيرة .
نزار الذي كان ظلها في ذلك الجحر، الرجل الذي كان رفيق الطفولة، وتلاشى بعدها من حياتها ببساطة ليصبح ضبابًا كما لو كان حلمًا طفوليًا جميلًا، لتضل في مراهقتها وشبابها بعده، الرجل الذي كانت تبصره في زياراته مع والده ولا يصدر منها سوى هزة رأس باردة وانحناءة احترام صغيرة وبسمة مرحبة وكلمات مقتضبة كـ " مرحبًا بك سمو الأمير" .
ذلك الرجل القريب الغريب يسكن الآن أحضانها يتنفس وكأنه إن ابتعد سيفقد حياته، ذلك الرجل الذي كانت تحييه بالأمس ببرود، الآن تضمه بحراره بعدما اضحى زوجها.
_ كم كنت احمقًا حينما لم أبصرك قديمًا، والله ما كنت تركتك يومًا أسفل سقف قصر سبز، لكنت اختطفتك من والدك واسكنتك قلبي ولو حاربت العالم أجمع.
ابتسمت توبة على كلماته وهي تردد بصوت خافت :
_ الله يؤخر كل شيء لوقته المناسب، فمن يدري ربما تزوجتك زواجًا مدبرًا باردًا، وما كان استمر أو تأقلمنا على بعضنا البعض .
_ لا أعتقد أنني سأكون من الغباء الذي يجعلني اتخلى عن أحضانك بعدما سكنتها .
_ كل شيء يأتي بوقته، ما ممرنا به سويًا هو ما جمعنا نزار .
ابتسم لها نزار بسمة صغيرة يتنفس براحة:
_ اشعر بالحقارة لقول ذلك، لكن لكم أنا ممتن لذلك الوسخ الذي ألقى بكِ في ذلك الجحر لأبصرك هناك !!!
تنهدت براحة وهي تحاول التنفس واخيرًا ومازلت لاتفهم كيف ومتى ولماذا، لكنها لم تكن لتضيع لحظاتها المحدودة معه في التساؤل لذا قررت الإستماع، ومن ثم يأتي الوقت لمعرفة كل هذا ..
_ حينما ينتهي كل هذا...سأقيم لكِ زفافًا يليق بكِ سمو الأميرة، سيكون بمثابة فرحتي الأولى في هذه الحياة .
نظرت له بتعجب ولم تكد تتساءل عن زواجه الأول ليقاطعها وهو يقبل باطن كفها :
_ لا يُحتسب، كل ما مر قبلك لا يحتسب .
صمت وهو ينظر لها بأعين ظهرت لمعة حب رغم نزرات الوجع التي تسكن عيونه، مدت كفها تربت على وجنته بهدوء وكأنها تواسيه بصمت، ليغمض عيونه بوجع :
_ دعيني فقط اطفأ نيران قلبي كي يصبح مسكنًا مناسبًا لكِ أميرتي...
ختم حديثه يتنفس بصوت منخفض ومن ثم همس لها بحب شديد :
_ تجهزي توبة سوف آخذك لزيارة مملكتك عزيزتي .
وقبل أن تتساءل عن مقصده سمع الإثنان طرق على الباب يتبعه صوت بارق الذي هتف بهدوء :
_ هيا نزار الجميع ينتظركما في الخارج للتحرك صوب آبى ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الوقت الحالي في سبز وتحديدًا على حدود الجحر :
كان يقود جيوش سبز صوب الجحر واصوات خطواتهم تقذف الرعب في القلوب، واعلام سبز ترفرف في المكان .
هذه المرة لم يكن بارق هو من يقودهم أو حتى قائد الجيوش، بل كان الرجل الذي عُرف قديمًا بين أقدم الملوك بشراسته ودمويته في التعامل مع أعداءه، لم تكن تأخذه رأفة في عدوه حتى لو اظهر استسلامًا أمامه .
توقف آزار أمام الجحر يحدق فيه بأعين مرعبة وهو يبصر الجنود يحتشدون أمامه على وشك التحرك في رحلة صوب الممالك الأخرى..
ابتسم آزار وهو يحرك سيفه:
_ ذاهبون لمكان ما ؟!
توقف قائد الكتيبة وهو ينظر خلفه للرجال بريبة من وجود جيوش سبز في هذا المكان وهذا الوقت تحديدًا ومن المفترض أن يكون الجميع مشغول بلملمة ما حدث بعد الانفجارات .
وقبل أن يصدر من قائدهم أي حركة أبصر الجميع سهمًا يستقر في صدره مسقطًا إياه ارضًا .
اتسعت الاعين بصدمة، وازار فقط هبط عن حصانه يخرج سهامه يلقي بها صوبهم دون تفكير ودون أن يبصر أين يصيب ومن يصيب، وحينما انتهى من مخزون السهام الخاصة به سحب سيفه وهو يتحرك صوبهم يقتلهم دون أن يرف له جفن، وقد كان هجومه عليهم بمثابة إشارة لرجال سبز للهجوم فالتحم الجيشين بشكل شرس وكانت الغلبة لهم إذ كانت اعداد جيوش سبز تفوق من تبقى من رجال أصلان عددًا وقوة .
آزار كان في هذه اللحظة لا يبصر أمامه سوى ولده الذي حُرم منه قبل أن يعلم حتى بوجوده، يمسك أحد الرجال من رقبته يهمس له بأنفاس حارة :
_ أين هو ... أين ولدي ؟؟ أين الوليد !!
ارتجف الرجل وهو يحاول النجاة من بين يدي آزار، لكن الأخير كان قد جن جنونه وهو يدفع سيفه في معدة الرجل بجنون :
_ تحــــدث أين هو ولدي ؟؟ أين هو تحدث ؟!
هتف الرجل ببكاء ورعب :
_ لقد ...لقد قُتل و...
_ أعلم أنه قتل أيها الوسخ، أين هو جثمان ولدي، أين هو جثمـــــــان ولــــــدي ؟!
ارتجف الرجل وهو يحاول التحدث بكلمة يشير بإصبع مرتجف صوب إحدى الجهات :
_ خلف ...في الغابة خلف المنازل بالقرب من مجرى المياه لقد الـــ....
لكن لم يُقدر لكلماته أن تكتمل فقد اغتالها آزار وهو يثقب معدته بسيفه ملقيًا إياه ارضًا دون اهتمام ثم هرول في طريقة صوب الجهة التي أشار لها الرجل، وهو يقتل كل من يعترض طريقه .
حتى وصل لمجرى المياه الذي تحدث عنه ذلك الرجل، يبحث بعيونه عن جثمان ولده، يدور بعيونه في المكان يرتجف قلبه من هول الموقف، ما تخيل يومًا في احلك أحلامه أن يفتش بلهفة فقط عن جثمان ولده .
فجأة تجمدت عيونه كما تجمد جسده وكل خلية به وهو يبصر جسد ملقة جانبًا كما لو كان خرقة بالية، سقط سيف آزار وقد امتلئت عيونه دموعًا وهو يجر قدمه بصعوبة صوب الجثة التي كانت ملقاة بشكل اوجع قلبه .
يهتف بحرقة وصوت مذبوح باكٍ :
_ بني .
خرّ آزار ارضًا جوار جثمان الوليد وهو يمرر عيونه عليه بأعين ممتلئة بالدموع قبل أن تتساقط وهو يميل عليه يجذبه بين أحضانه يصرخ باكيًا باسمه:
_ لمـــــــاذا ؟؟ لمــــــاذا يا الوليد لماذا ؟؟؟؟؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت صدمة أصلان كبيرة وهو يسمع كلمات أرسلان لترتجف يده يحاول أن يدرك ما يحدث حوله، لكن كلمات أرسلان حول والدته شلت تفكيره وقبل أن يخرج من دوامة صدمته ..
كانت جيوش الممالك بالكامل تطبق على جيوشه لينتفض منتزعًا سيفه من الغمد يلوح به في الهواء يجز عنق كل من يقترب منه .
هنا وبدأت الحرب الأخيرة ......
كان الأمر أشبه بالجحيم الدماء تتناثر والاشلاء تتطاير والاجساد تتساقط ارضًا واحدًا تلو الآخر .
كلٌ يحارب بكل ذرة غضب وقهر داخله، الكل جاء يحمل غصته في صدره، الكل يمتلك ثأرًا لم يبرد بعد.
حرب لأجل الشرف، حرب لأجل كل شهيد سقط، ولأجل كل حجر تدمر ...
سالار الذي هبط عن حصانه يتحرك بين الأجساد يحمل سيفيه وهو يسقط يمينًا ويسارًا كل ثانية جسدين، يضرب هذا يقدمه ويفصل رأس هذا، كان اشبه بآلة جز العشب، كل من يقترب منه يفقد رأسه.
بينما إيفان يحرك سيفه بحركات مدروسة يسقط هذا ويستدير ليسقط ذلك وقد كان البعض يستغل عدم انتباهه لاغتياله من الخلف، لكن إيفان كان يستدير في اللحظة الأخيرة لتكون الضربة من نصيبه .
أما عن أرسلان فقد كان في هذه اللحظة يقاتل كما لو أنها المرة الأخيرة التي ستتاح له فرصة حمل سيف، يتحرك بأعين ملتمعة بالغضب صوب أصلان الذي كان يسقط اعداد غفيرة من جيوشهم ..
ونزار الذي كان يقاتل بجنون لم يبصره احدهم عليه من قبل وقد كان طوال الوقت الحكيم الهادئ، لكنه فقط كان يقاتل وهدفه واحد معروف.... أصلان.
واخيرًا وصل له ليرفع سيفه وهو ينتوي الهبوط عليه بضربة قاسمة، لكن قبل أن يفعل شعر بضربة قوية تصيب ظهره ليطلق نزار صرخة مرتفعة ساقطًا ارضًا يحاول التحامل على نفسه.
في اللحظة التي استدار بها أصلان يبصره ساقطًا ارضًا ليبتسم بسمة واسعة :
_ ضعيف وضيع شأنك شأن أخيك، أتساءل إن كانت تلك سمة مشتركة بين أبناء الملك آزار ؟؟
رفع له نزار عيونه وقد كان جسده ضعيفًا عن المعتاد وهذا ما أثر على قوته، ينهض بصعوبة وهو يمسك السيف بين قبضته يحرك مبتسمًا بسمة ميتة :
_ الوضاعة ؟؟ سيد الوضاعة يتحدث عن الوضاعة، عجبًا، لكن ردًا على سؤالك .....
ختم كلماته وقد اخترق سيفه معدة أصلان بشكل غير متوقع جعل أعين أصلان تتسع بقوة، تمامًا كما حدث مع الوليد، نفس النظرة ونفس الصدمة ونفس الوجع الذي على نظرات أخيه، نفس النظرات التي بردت نيرانه وهو يميل عليه هامسًا بصوت خافت في اللحظة التي يسحب بها سيفه بتمهل وكأنه يمنح أصلان فرصته للشعور بنصل السيف يمر بكل جزء في جسده :
_ الضعف والوضاعة صفة لا تناسب سوى سلالتك، وأبناء الملك آزار هم اسيادك واسياد آباءك أيها الوسخ .
ختم كلماته يسحب السيف تاركًا جسد أصلان يهوى ارضًا يراقبه يصطدم بعنف في الأرض دون حركة واحدة وقد فقد أنفاسه في ثواني ..
ونزار تنفس واخيرًا براحة وقد اقتص لأخيه .
رماه بنظرات قصيرة قبل أن يشعر بمن يقترب منه من الخلف ليستدير يدافع عن نفسه بسرعة يندمج في قتال كانت شديدًا عليه خاصة في حالته السيئة هذه .
تاركًا جثة أصلان خلفه شاخصة الأبصار شاحب الوجه متجمد الجسد، وقد لفظ لتوه أنفاسه الأخيرة، أو ربما لا .........
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحرب لم تنتهي بعد والفوز مصير حتمي .
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .
اليوم الساعة ٩ بتوقيت مصر هيكون موعد نزول الغلاف الورقي لرواية مملكة سفيد في صفحة الدار ( مدينة الأدباء للنشر والتوزيع)
في انتظار رأيكم في الغلاف .
أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثالث وأربعون 43 - بقلم Rahma Nabil
الثاني والاربعون " قصــــاص "
لَا تَنسَوُا الإِبَاداتِ الجَماعِيَّة، فَإِنَّها تَتَكرَّرُ عِندَ نِسيَانِها!
- عَلِيّ عِزَّت بِيغُوفِيتْش، رحِمهُ اللّٰهّ.
صلوا على نبي الرحمة .
ـــــــــــــــــــ
كانت النظرات تحلق حول رأسها وهي فقط تقف أمام نافذة القصر تدعي الهم والقلق، كي لا يتوجه لها أحدهم بكلمة بعد ما ابصروه منذ ساعات قليلة، تبتلع ريقها تتذكر حينما وصلوا لقصر سبز مع سالار ونزار وتحرك كلاهما لقيادة الجيش ..
وقبل الرحيل مع الجيش ابصروا سالار الذي هرول بسرعة ليودع زوجته بحضن حنون وكلمات رقيقة هامسة، ومن ثم ابتعد عنها مبتسمًا برقة لو ابصرها أعداؤه لماتوا دون لمسة سيف .
لكن الصدمة الكبرى في هذه اللحظة كانت حينما أبصر الجميع بأعين متسعة اقتراب نزار منهم يرتدي زيّ الحرب الذي يتميز باللون البني يضع كامل اسلحته في ثيابه رغم جروحه وارهاقه الواضح على ملامحه، يخطو جهتهم بهدوء شديد، يقترب منهم وعيونه تدور عليها هي وحدها .
وتوبة المسكينة التي لم تجد فرصة اثناء طريقهم لتخرج من خجلها وتخبرهم أنها تزوجت نزار، كانت تقف في هذه اللحظة تنظر ارضًا، وكأنها إن لم تنظر لنزار سيتلاشى وينتهي الموقف .
لكن فجأة اتسعت عيونها وعيون من حولها وسمعت صوت شهقة خافتة وهي تشعر بيد نزار تجذبها صوبه ببطء قبل أن تستقر بين أحضانه وهي تفتح عيونها بقوة ترى تشنج سلمى خلفها وصدمة تبارك، وبسمة كهرمان المتعجبة والخبيثة .
ابتلعت ريقها وهي تحاول أن تتحدث بكلمة، لكن عجزت عن الأمر وهي بين يديّ الرجل الوحيد الذي تمنت منه نظرة واحدة .
همس لها نزار بحب وهو يطبع قبلة على رأسها بحنان مودعًا :
" ألقاكِ بخير حال أميرتي."
ختم حديثه وهو يمنحها غمزة صغيرة يبتعد مع سالار تاركًا قنبلته التي ألقاها بينهن، والأعين كلها تحلق حول توبة التي تنفست بصعوبة بالغة، ترى النظرات كلها تحوم حولها لتهرول بسرعة صوب الغرفة تدعي الإرهاق من السفر .
وها هي تقف أمام الشرفة تدعي الخوف كي لا يسألها أحدهم عن شيء .
أما عن سلمى كانت تضع قدم فوق الأخرى وهي تراقب ظهرها المواجه لهم تبتسم وهي تطلق كلمات ممازحة بصوت مرتفع لتبارك وكهرمان :
_ أدام الله لي شقيقك كهرمان، غازلني المرة الاولى حينما أبصر روحي على وشك الخروج من جسدي وبعد شهور من عقد القرآن.
ختمت حديثها تتنهد بصوت مرتفع :
_ الحياة غير عادلة ها؟! تتزوج في الصباح ويُتغزل بك في الظهيرة، أين أرسلان ليدرك أن وقت التغزل لا يحتاج أكثر من مجرد دقائق؟؟
أطلقت كهرمان ضحكة صاخبة وهي تنكز خصر سلمى بعدما أبصرت اهتزاز جسد توبة بشكل غير مستقر :
_ أنتِ ناكرة للجميل، أخي هذا لا رجل مثله، هو فقط ثقيل بعض الشيء .
_ أخوكِ، ثقيل ثقل الجبال كهرمان، لكن حتى الجبال تخر وتلين .
ختمت حديثها بغمزة عابثة لتبتسم كهرمان وهي تقلب الحوار لها وقد امتلئت عيونها فضولًا حول أخيها العاشق :
_ إذن اخبريني كيف هو الجبل حين يلين عزيزتي، لطالما اعتراني فضول كيف سيكون أخي وهو عاشق وكيف سيتحدث ؟!
ابتسمت لها سلمى بسمة جانبية وهي تحرك عيونها صوب ظهر توبة تزيح خصلاتها الشبه قصيرة للخلف تتحدث بكلمات ممازحة :
_ إذن موتي بفضولك، فهذا الارسلان العاشق ملكية حصرية لي، لا أحد سيعلم عن هذا الجانب من زوجي عداي، الله اصطفاني من بين نساء الارض لأحظي بجوهرة كأرسلان، وأنا لست على استعداد لمشاركة ذلك مع أحد، حتى لو كان ذلك الأحد هو شقيقته التي تمتلك جزءًا كبيرًا في قلبه.
نفخت كهرمان بضيق وهي تتمتم بحنق شديد :
_ حقيرة للغاية، اصبحتِ تتحدثين كأخي .
_ نعم، واحمدي ربك أنني لم اتخلص منكِ لاحتفظ بقلب شقيقك بالكامل لأجلي، فقط رأفة بالعزيز آرس فهو سيحزن إن قتلت له شقيقته لأنني أغار عليه .
ختمت حديثها تتحرك صوب النافذة حيث تقف توبة تاركة كهرمان تراقب ظهرها مبتسمة بصدمة كبيرة، قبل أن تنظر صوب تبارك التي كانت تتابع كل ذلك بهدوء :
_ هل سمعتي ما قالت ؟! الفتاة تهددني بالقتل لتتفرد بقلب أخي العزيز .
صمتت بغيظ شديد وهي تتذكر نفس الكلمات التي كانت ترددها منذ اسابيع قليلة على مسامع زمرد بمزاح وهي تهدد بالتخلص منها للتفرد بقلب إيفان، ابتسمت بحسرة وهي تهز رأسها بيأس :
_ آه منها الحياة، اليوم لك والغد عليك، هل تصدقين هذا تبارك، الأمس اهدد زمرد واليوم أُهدد .
نظرت لها تبارك ثواني قبل أن تقرر التحدث وهي تحرك اصبعيها في الهواء مضيفة عيونها بتفكير تحرك شفتيها وكأنها تتذوق شيئًا ما :
_ عايزة فول بالزيت الحار ....
أمام النافذة وعند سلمى وتوبة، توقفت سلمى تستند بظهرها على إطار النافذة تنظر بخبث لتوبة :
_ إذن قصي عليّ ما حدث يا ابنتي ؟؟ أنا أجيد الاستماع .
حركت لها توبة عيونها وهي تحاول ادعاء الضيق:
_ لم يحدث شيء، لقد تزوجني قبل سفرنا بساعة تقريبًا، ومن ثم لا شيء ..
_ تزوجك هكذا بلا سبب ؟! كنتِ تعرفينه من قبل صحيح ؟!
_ لا أعتقد أن الملك أرسلان كان يعرفك قبل الزواج ورغم ذلك تزوجك صحيح ؟!
رفعت لها سلمى حاجبها لتنهض كهرمان من الاريكة وهي تتحرك صوبهما تستغل انقلاب الحال على سلمى :
_ لا تقولي هذا عزيزتي، اخي تزوجها لهذه المرأة فقط ليؤدبها .
حركت سلمى عيونها صوب كهرمان بسخرية وهي تردد :
_ يؤدبني ؟؟ حقًا ؟؟
_ نعم أمثالك يا امرأة يحتاجون للتأديب، صاحبة لسان سليط، لا أتخيل في الواقع أول لقاء لكِ مع أخي، صحيح اخبريني كيف كان ؟؟ هل تزوجك بمجرد الوصول للبلاد أم ماذا ؟؟
أضافت توبة بفضول ورغبة في دفع الحديث بعيدًا عنها في الحقيقة :
_ سمعت إشاعات تقول إنه كان متزوجًا بها من قبل وقت طفولتها، وغادرت البلاد بعدما تم الزواج ومن ثم حينما حان الوقت عادت للبلاد لتلتقي بأخيكِ .
تشنجت ملامح سلمى من الكلمات التي سمعتها، وهي تفكر هل حقًا يظن الجميع أنها تزوجت أرسلان في طفولتهما ؟! والله لو أن الأمر حقيقيًا لكان تخلص منها في لقائهما الخاص بعد كل هذه السنوات .
وقبل التحدث بكلمة تذكرت أول لقاء لهما سويًا، حينما سمعت شهقة أرسلان ترتفع وهو يصرخ بصامد وصمود يلقي المعطف في وجهها بحدة، ومن ثم يصرخ في وجهها ويتركها تعود وحدها، كل هذا لأنها جاءته بثوب يتكون من بنطال وسترة، ماذا لو اطاعت شيطانها وخالد وارتدت ثياب قصيرة وجاءته بها، وكل هذا وهو غريب عنها، ماذا لو كانت زوجته كما تردد توبة ؟؟
تتخيل أنه كان سيقتلها ويوزع لحومها صدقة على روحها ومن ثم ينثر الورود على قبرها .
أو ربما اسوء .....
القاعة هادئة لا صوت يعلو دون أذنه وقد أمر الجميع بالصمت في انتظار أن تطل عليهم الواردة الحديدة، صوت الأنفاس المتسارعة يعلو في الإرجاء والترقب مشتعل ...
لا احد يدرك القادم، لكن عودة جلال بعد كل تلك الأعوام لعالمهم لا ينبأ بالخير، وهو فقط يتوسط العرش ينتظر أن يصلوا ليوضح لهم ما سيحدث .
ثواني ورأى الجميع أحد الحراس يدخل شاحب الوجه يخفض رأسه ارضًا وهو يتحدث بصوت متردد :
_ مولاي لقد ...لقد جاءت ...جاء هو والفتاة و....
صمت لا يعلم ما الذي يجب قوله لقد لجمت الصدمة لسانه في الخارج، ابتلع ريقه يشعر بأنه سينصهر من هول ما رأى .
وهو فقط يعتلي عرشه ينتظر أن ينطق أو تطل هي عليهم، ويا ليت ما انتظر لم يتحقق، إذ فجأة دُفع الباب بقوة ليطل عليهم جسد امرأة تتشح بالاسود بالكامل مبتسمة بسمة واسعة، لكن الفرق بين السواد الذي تتشح به والسواد المعروف لديهم أنها لم تحسن انتقاء ثيابها.
إذ طلت عليهم مرتدية بنطال قماشي واسع بعض الشيء مع سترة قصيرة لا تتجاوز نصف معدتها، يعلوها معطف أسود جلدي، وخصلاتها متحررة خلفها بقوة وهي تبتسم له هو تحديدًا تقول بكل برود تميل برأسها، قبل أن تمسك طرف معطفها بحركة تشبه الاميرات، تميل نصف ميلة كما امرها، أمرها أن تتعامل برقي وها هي تفعل، مالت ترفع عيونها له تقول بصوت متحدٍ جعل أعينه تشتعل بغضب مخيف وهي فقط قالت ببساطة :
_مساء الخير مولاي طلبتني؟!
كل ذلك تحت نظراته بعدما اخفض جميع الرجال في المكان نظراتهم بفزع من رؤيتهم لها بهذه الهيئة، وهو فقط نظر لها بشر، وهناك بسمة مختلة ارتسمت على فمه وهو يهتف بصوت جهوري في المكان هز جدران القاعة وقد أدرك الجميع أنها نهايتها لا محالة :
_ للخـــــــارج جميـــــعًــا، دعوني معها، فلدي حوار شيق اناقشه مع امرأتي .....
تحرك الجميع للخارج في لحظات تاركين القاعة فارغة إلا منهما، وهو فقط لم يحرك عيونه عنها، وهي فقط تراقبه ببسمة باردة، تراه يتحرك عن عرشه يشمر عن أكمامه حتى وصل لها يتوقف أمامها مبتسمًا بسمة لا معنى بها :
_ انرتي مشكى جلالة الملكة .
حركت عيونها عليه بهدوء شديد دون أن تتحدث بكلمة واحدة، وهو فقط يراقب مظهرها بملامح مشدودة :
_ لم يذكر والدك في رسالته شيء عن أنه سيرسلك لي راقصة .
اتسعت عيون سلمى بصدمة ولم تكد تتحدث كلمة واحدة حتى قاطعها وهو يتوقف أمامها:
_ لكن لا بأس، أنا سأنفذ وصيته واعتني بكِ واحفظك من الأعين جميعها ..
ابتسمت له سلمى بسمة صغيرة ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى شعرت به يغرز خنجره بها ويهمس بكلمات أخيرة قبل أن يتخلص منها ويستر جثتها بمعطفه الأسود:
_ داخل قبرك .
انتفض جسد سلمى على لمسة يد كهرمان وهي تشهق بفزع من تلك الأفكار التي قفزت لعقلها في لحظة حينما تخيلت ما كان من الممكن حدوثه لو طاوعت شياطينها، تقسم أنه كان ليتخلص منها في التو واللحظة حتى بإلقائها في مجرى المياه عساه يسحبها لعالمها وينتهي .
_ ما بكِ شاحبة الوجه كما لو أنكِ شبحًا للتو ؟!
ابتلعت سلمى ريقها من تلك الفكرة السخيفة، تبتسم بسمة مهتزة وهي تتمتم بصوت منخفض :
_ أخوكِ أشد سوءًا في غضبه من الأشباح كهرمان .
_ ماذا ؟!
_ لا شيء، ثم لقائي الاول مع شقيقك كان عاديًا يسوده الود والاحترام الشديد، ولا لم يكن زوجي حينها حمدًا لله على ذلك .
ابتسمت لها كهرمان بشك وقبل أن يتحدث احدهم بكلمة سمعوا صوت تبارك في الخلف تردد :
_ هو الغدا هنا الساعة كام بالضبط ؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت الحرب مشتعلة بعدما انقلبت الموازين في ثواني، وغرتهم ثقة أصلان في الفوز بعدما بذل كل ما يتملك في سبيل أن ينتهي الأمر بجلوسه على العرش وفنى ما يمتلك وخطط لكل شيء .
إلا أن الشيء الوحيد الذي لم يحسب له حسابًا، كان تعاونهم ....
تكاتفهم وتعاونهم كان الضربة الكبرى له في هذه اللحظة، فاجتماع أربعة جيوش على جيشه كان ضربة في مقتل وهو من استعد لدخول سفيد ليبصرها تحاول استعادة أنفاسها والنهوض بعد الانفجارات، ظن أنه يستطيع استغلال تشتتهم والتغلب على جيش سفيد وحدهم، ظن أن الشر آن له أن يكتب كلمته، لكن كلمة الله تعلو أي كلمة .....
زحف وهو يحاول الخروج من بين الأقدام والدماء المتناثرة، يتنفس بصعوبة، يجر جسده خارج هذه الحرب يجاهد للهروب، ليس بعد، هذه ليست النهاية التي سيستلم لها .
اغمض عيونه بوجع وهو يتذكر جثة الوليد الذي كان في نفس وضعه منذ أيام قليلة، يزحف يحاول النجاة بآخر أنفاسه قبل أن يوقفه، وهو يبتسم بسمة قذرة .
" إلى أين عزيزي الوليد ؟؟ انتهت صفحاتك في هذه القصة فلا تحاول التطاول وسلب كلمات إضافية لك"
رفع الوليد نظره بصعوبة يمنحه بسمة واسعة وقد أبى أن يرحل بهذه البساطة :
" بلى ستجدني في كل صفحة، ستجد اسمي يرافق اسم أخي، اخي الذي اثق أنه لن يدعك تحيا طويلًا "
مال عليه أصلان يراقبه بسخرية لاذعة يخفي صدمته :
" أخوك ؟؟ نزار ؟؟"
" نهايتك "
ابتسم له أصلان بسمة مخيفة قبل أن يخرج خنجرًا يحركه بين أنامله بهدوء أمام اعين الوليد الذي لم يهتز لثانية واحدة، بل كان يبتسم يردد بجمود :
" لا تخطأ الهدف هذه المرة فصدقني إن عشت سأريك ميتة لا يتمناها أي عاقل، وحتى إن قُتلت فسوف تموت ميتة ما سبقك بها أحد، خائف مرتجف جبان وحقير، لأن هذا ما أنت عليه بالفعل يا سليل الأوساخ."
ومن بعد كلماته لم يُسمع له كلمة ثانية بعدما حرك أصلان خنجره بسرعة يقطع آخر انفاس الوليد من الحياة ويسرع ميتته راحمًا إياه من الموت البطئ، بعدما ذبحه دون أن يرف جفنه ...
لكنه لم يقطع رأسه كما سبق وذكر لنزار .
تنفس أصلان يصعوبة وهو يشعر بمعدته المصابة تحتك بالصخور اسفله، تفادى بعض الضربات، ونالته بعضها لتزيد من وجعه اوجاعًا، واخيرًا ابتعد بشكل كافي عن الحرب، نهض بصعوبة يستند على الجبل جواره يجر أقدامه بصعوبة يهرب من المكان وهو يتنفس بصعوبة وقد وصلت اوجاعه عنان السماء.
ابتعد بشكل كافي يلقي بجسده بصعوبة فوق صهوة أحد الأحصنة وهو يتأوه بصوت مرتفع وقد سقطت دموعه من شدة الألم، يتنفس بصوت مرتفع يتحرك بالحصان بعيدًا عن الضوضاء وبعيدًا عن جميع الأعين مستغلًا حالة الفوضى في المكان .
أو ربما لا .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يا حبيب قلب أبيك .
سقطت دموع آزار وهو يلتقط جسد الوليد البارد الفاقد للحياة بين أحضانه، يضمه بحب شديد يقبل رأسه، وقد ارتجف قلبه كما ارتجفت كل خلية من جسده .
_ كنت سأ....والله كنت لأحبك بني، أنا أحببتك لأنك تحب ولدي فما بالك لأنك ولدي؟! لماذا....لماذا فعلت هذا ؟!
صمت يبتلع ريقه وهو يدفن وجهه بأحضان ولده يضم رأسه لصدره بحب شديد :
_ فقط اتمنى... أتمنى ألا تكون قد رحلت وأنت تحمل في صدرك أي غضب لي، أقسم بالله لم أكن أعلم أي شيء عنك، لو علمت ...ما تركتك لحظة واحدة .
قبل عيونه وهو يهمس بالكثير من الكلمات وقد تصدع قلبه من مظهر ولده يزيد من ضمه منفطر القلب وكلماته غير واضحة بسبب بكائه :
_ لا بأس يا بني، لا بأس، عسى الله أن يجمعنا سويًا، سأفني حياتي القادمة أدعو لك الله ولدي، وحينما نلتقي أمام الله، خذ حقك يا حبيبي لو كنت تمتلك مظلمة عندي، فقط ....ارقد في سلام يا الوليد، غفر الله لك يا بني، غفرك الله لك يا بني.
ختم حديثه يقبل جبين ولده، وهو يحاول التحرك وحمل جثمان ولده، لكن حدث وخانته قوته ولم يكد يتحرك حتى سقط من شدة ضعفه وقد أكل الحزن كامل قوته، ليسقط ارضًا وهو يحمل جسد الوليد بين أحضانه ينفجر في بكاء حار وهو يصرخ باسم ولده وقد أنهار كل تماسكه، يتنفس بصعوبة من بين بكائه ..
فقد حتى قوته في تحريك ولده يهتف بصوت عاجز للجنود حوله بصوت مقهور :
_ اعينوني على حمل ولدي ....اعينوني لحمل ولدي .
ركض له بعض الجنود وقد ارتجفت صدورهم من هول المشهد، يحمل أحدهم الوليد بين يديه بسرعة والآخر يساعد آزار للنهوض والتحرك خلف جثمان ولده .
آزار الذي لم تنكسر له هامة وعُرف ببأسه الشديد وشدته وجبروته، يتكأ بضعف على أحد الرجال بعدما استنزف كامل قواه في البقاء على قيد الحياة حين سماعه ما حدث .
تحرك بصعوبة خلف الجندي وهو يحدق في جسد الوليد بأعين ضبابية يهمس بكلمات متتابعة دون أن يتوقف ثانية :
_ رحمك الله بني...رحمك الله بني ...جمعني الله بك في الآخرة حبيبي ...رحمك الله بني .
تحرك مع الرجال ووضع جسد الوليد في صندوق إحدى العربات التي احضرها خصيصًا لنقل جثمانه، ورفض الصعود على حصانه وهو يصعد للعربة يهتف بصوت خافت :
_ سأستكين جوار ولدي ...
صعد وجلس جوار الوليد وهو ينظر لها ثواني يتنفس بصوت مرتفع يمسك بكفه وقد قرر أن تكون رحلته صوب آبى تعارف صغير له بولده ولو كان ذلك التعارف متأخرًا .
يتذكر حديث نزار حول توبته المتأخرة والتي لم تكتمل .
_ والدك فخور بك يا الوليد، مت بطلًا رجلًا تدافع عن أخيك، ميتة يُرفع لها الرأس، لم تمت ميتة خسيسة كالبعض، بل مت رجلًا، رجلًا لن يُذكر اسمه في الممالك أجمع سوى بالخير وسأعمل على ذلك ولو كلفني قطع كل لسان يذكرك بالسوء، وهذا أقل ما اقدمه لكِ بني .
ختم كلماته وهو يقبل كف الوليد مبتسمًا :
_ ما ....ما رأيك بسماع قصة والدك العجوز ريثما نصل لمنزلك الجديد بني ؟! لنعتبره تعارفًا متأخرًا بعض الشيء .
ـــــــــــــــــــــــــــ
أسفل سفح جبل قلعة سفيد .
كانت الحرب على أشدها وقد ارتفع صوت سالار الجهوري يصيح في الجميع بصوت هز الأبدان من موضعها :
_ حرمــــــــة بلادكــــم، ونسائـــــــكم، ودينــــــــكم، كانت حلًا لهم، فلا تأخذكم بهم شفقة ولا تدعوا منهم وغدًا إلا واقتصصتم منه.
وكأنه ألقى الوقود على النيران ففي ثواني زادت الفوضى أكثر وقد أصبحت جيوش الممالك مجردة من كل معاني الرحمة والإنسانية، وقد أعمى الغضب أعينهم بالكامل .
الجميع يقاتل في الأسفل ودانيار يسقط مع جيوشه كل من يقترب من القلعة والجبل وقد كان خط الدفاع لهم حسب الخطة التي وضعت .
بينما تميم كان يحمل سلاسله الحديدية يجز بها الأعناق جوار المعتصم الذي كان سيفه قد تحول للون الأحمر لشدة الدماء التي تسيل منه .
وايفان لم يكن نفسه إيفان المتعقل، بل اصبح وحشًا وتناسى كلماته بالرحمة والدعوة للتسامح بعدما أبصر دمار بلاده على أيديهم..
أما عن بارق فقد كان أكثرهم وعيًا وتعقلًا بما يحدث حوله، وربما أشدهم رحمة في هذه اللحظة، يقاتل ويصيب بضربات غير قاتلة مكتفيًا فقط باسقاطهم ارضًا ربنا يحتاجون أحدهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
في قلعة سفيد كانت تقف على باب القصر الداخلي وهي تحمل سيفها تحركه في الهواء وكأنها تنتظر فقط أن يمر من أمامها أحدهم لتخرج روحه بين يديها، ولا تدري أن جلستها بهذا الشكل المتحفز كانت أحد أهم الاسباب التي جعلت زوجها يخرج روح كل من يفكر في الاقتراب من القصر صوبها، فقط ليتفادى انخراطها في قتال لا طائلة منه .
زفرت زمرد بصوت مرتفع وهي تسمع أصوات الانفجارات وترى النيران والدخان يعلو السماء :
_ ماذا الآن ؟! أين القتال ؟! أين الحرب ؟! أين الاوغاد ؟!
ابتسمت برلنت والتي كانت لا تستمتع لها وهي تراقب السماء فوقهم وكأنها في عالم آخر غير ذلك العالم:
_ بسم الله عليك تميم، كل هذه المتفجرات من صنع يديه لزوجي، الحمدلله الذي افلح له ضرباته ...
نظرت لها زمرد بضيق وهي تمسح وجهها :
_ لو كنت أعلم أن الأمر سيكون بهذا الملل والله لذهبت معهم لآبى، أنا من تمنعت واصررت على البقاء هنا بحثًا عن الانتقام .
_ انتقام من من ؟! ألم تنتهي من قومك بعد ؟؟
ضيقت زمرد عيونها:
_ لا أعلم، أشعر فقط أن هناك البعض منهم مايزال بينهم، فأمثال قومي من الحشرات سريعة العدوى والانتشار، لذا احتمالية الانتهاء منهم في حرب واحدة لم تكن واردة لدي، بالطبع هرب منهم حشرة أو اثنتين وانتشروا في الباقيين .
نظرت لها برلنت بأعين مرتابة وهي تهمس بصوت منخفض :
_ احيانا اشعر بالريبة منك، كيف نجوتي من قومك وقذارتهم ولم تخرجي بشيء من إجرامهم.
على نظرات زمرد صقيع غريب قبل أن تتحدث ببساطة شديدة :
_ من أخبرك أنني لم اتأثر بوجودي معهم ؟! من الصعب الخروج من الوحل دون أن يلوثك البعض منه برلنت .
_ لا أفهم، أنتِ جيدة معنا و...نعم تغضبين بسرعة ولا تفكرين سوى بيدك لكن هذا للخير .
_ نعم هذا ما اتحدث عنه، أنا لا اتحكم بنشأتي الخشنة وتصرفاتي القذرة وتطلعي الدائم للقتل، ولولا أن الله رزقني برجل كدانيار يتحكم بي ويتقبل تصرفاتي، لما تحملني رجل في هذه الحياة، ماذا تتوقعين من فتاة وحيدة نشأت بين اكثر من عشرة صبية خشنين قذرين ؟!
اتسعت عيون برلنت بصدمة وقد كانت هذه أول مرة تدرك الأمر تقريبا تهتف بانشداه :
_ عشرة ؟!
_ توقفت عن العد من بعد العشرة في الواقع ربما أكثر.
_ يا الله وكيف تعاملتي معهم ونجوتي بينهم كلهم .
ابتسمت زمرد بسمة واسعة وهي تهتف ببساطة :
_ لم اضطر للتعامل معهم جميعًا، فقط بافل وهذا كنت اغلبه بلساني فيتلظى من الغضب ويستشيط حتى ينفجر في النهاية، والصغير اخوه الشقيق وهذا كنت ادهسه بحذائي، والاخ الخامس لنا وهذا الوسخ كنت اتجنبه قبل أن يقتله بافل، واخيرًا الاخ السادس وهذا الحقير كانت أمي تبعدني عنه لأنه كان مختل بعض الشيء .
_ هذه حياة غريبة لا أتمنى أن أحياها.
نظرت زمرد للسماء تراقب الدخان مبتسمة بسمة سوداء :
_ ولا أنا تمنيتها، عزائي الوحيد أنني كنت استمتع وأنا اراقبهم يقتلون بعضهم كالحيوانات وأنا اراقبهم .
ربتت برلنت على كتفها بحب قبل أن تجذبها لاحضانها بحنان شديد تهمس :
_ أنتِ اقوى امرأة في هذه الحياة صدقيني .
ابتسمت لها زمرد وهي تنظر صوب السماء تشرد بها وكل املها أن ينتهي هذا الكابوس ويعود السلام للممالك، سلام ما قبل عصور المنبوذين ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يتحرك بين الطرقات وهو يتنفس بصعوبة بعدما صَعُب على الحصان المواصلة بين طرقات سفيد الوعرة حول القلعة .
تنفس بصعوبة وهو يضع يده على جروحه وقد بدأت خطواته تصبح ابطء واصعب وكلمات الوليد حول ميتتة الشنيعة تتردد في أذنه، سقطت دموعه بعجز وهو يزيد من ضغطه على شفتيه، قبل أن يبدأ الضحك بشكل غريب وسط دموعه .
_ حتى لو كانت يا الوليد، يكفي أنني كنت اسوء من مر على خيالهم، سيتذكرونني ويستعيذون من وجودي.
ضحك ضحكة صغيرة بصعوبة، يتنفس مرة أخرى وقد بدأ يفقد الكثير من الدماء، يصبر نفسه بأنه أوشك على الابتعاد، ربما يهرب ويختبأ لأيام حتى تنتهي كل تلك الحروب، ومن ثم يرى ما سيحدث وما سيفعل .
أبصر من بعيد بداية غابات سفيد الشرقية ليبتسم بسمة صغيرة وهو يحدد نقطة اختفاءه.
زفر أنفاس راحة خرجت بصعوبة من صدره وهو يخطو صوب الغابة والتي بمجرد أن وطأ بها سمع صوت خطوات يلحق به، ولم يكد يستدير حتى سمع صوتًا يهتف بالقرب من أذنه في الخلف :
_ اشتقت للعم أرسلان ؟؟
اتسعت عيون أصلان بقوة وهو يحاول التنفس بشكل طبيعي، لكن كل ذلك توقف، سواء كان تنفسه أو حتى ضربات قلبه وهو يبصر أرسلان يتحرك بهدوء وهو يدور حوله يبتسم له بسمة ظهرت له في هذه اللحظة مريضة وهو يميل بجسده يهمس بصوت خافت :
_ تغادر الحرب هكذا دون رؤيتي ؟! وأنا كنت رفيقك الوحيد بينهم أصلان ؟!
تأتأ بصوت مقهور وهو يعتدل في وقفته :
_ حسنًا لا بأس، لم اتوقع الكثير من وسخ مثلك، ثم تريد الرحيل بهذه البساطة ؟! ماذا عن رسالتي لك، ووعيد امرأتي كذلك ؟؟ أنت لا تريد أن أعود لزوجتي دون شيء بيدي أو حتى هدية زفاف ؟! عيّبٌ والله .
نظر له أصلان وقد كان في حالة لا تسمح له بتحريك إصبع حتى، يشعر بكامل قواه على وشك خيانته، ومن العدم ابتسم يتذكر كلمات نزار حينما أخبره أن قوى الجسد تفنى وتخون، ذلك الحقير كان يعلم الكثير هو وأخيه.
ابتعد أرسلان عن الطريق من أمام أصلان يظهر له طريق الهروب وهو يتذكر حديث سلمى وكل كلمة نطقت بها باكية بين أحضانه.
* لقد ....لقد كنت اركض منه في الغابة وهو يركض خلفي حتى شعرت أن ضربات قلبي ستتوقف في أي لحظة *
تحدث أرسلان ببسمة غريبة :
_ أمامك الغابة ستركض بها وإن هربت مني فقد نجوت بروحك، وإن لم تفعل....
ترك كلماته معلقة وهو يدفعه لعيش كل لحظة رعب ووجع مرت بها سلمى وكلماتها ما تزال ترن بأذنه .
نظر له أصلان بعدم فهم ليحرك له أرسلان رأسه ببسمة صغيرة مشيرًا للطريق، تنفس أصلان بصعوبة وهو يشعر بأن استسلامه سيكون أسهل من الهرب في هذه اللحظة، والذي سيكون بلا فائدة، لكن غريزة البقاء حركت كل ذرة بجسده دون أن يشعر حتى وجد نفسه يهرول بشكل غريب على رجل مصاب بمثل إصابته.
يركض بجنون وهو يحاول أن يتمالك صرخاته المتوجعة .
وأرسلان يتابعه بعيونه وهو يركض قبل أن يبتسم يشعر بالراحة وهو يراه يركض ركض الوحوش في البرية بنفس الخوف الذي زرعه في زوجته سابقًا.
وفي ثواني كان يركض خلفه وهو يتنفس بغضب شديد يتوعد له بميتة شنيعة ..
زادت هرولة أصلان بشكل يائس وقد بدأت دموعه تهبط من شدة الوجع يحاول المقاومة، لكن فجأة شعر بجسده يصطدم بقوة في الارضية أسفله والصخور تحتك بجرجه ليصرخ صرخة رن صداها في المكان بأكمله.
وكلمات سلمى الباكية ترن في أذن أرسلان.
* وحينما...ظننت أنني هربت فجأة سمعت صوتًا في الخلف وقبل أن استوعب شعرت بجسد يصطدم بي مسقطًا اياي ارضًا بشكل مرعب لأشعر بجسدي يتحطم بالكامل*
سحب أرسلان جسد أصلان الذي بكى من الوجع الجحيمي الذي ملئ جسده في هذه اللحظة، وفي ثواني شعر بصفعة كانت اشبه بمطرقة تهوى على صدغة ..
* و ..لقد ....صفعني أرسلان...لقد صفعني بشكل....صفعني لدرجة شعرت بوجهي قد تخدر *
كانت يد أرسلان تهوى على وجه أصلان بلا توقف، قبل أن يمسك رأسه ويضربها بقوة في الشجرة خلفه ليسقط على إثرها ارضًا يحاول التمسك بآخر انفاسه، يرفع عيونه بصعوبة صوب أرسلان الذي ابتسم له بسمة مرعبة .
يقترب منه خطوات جعلت أصلان يحرك يده بوجع شديد يبحث عن شيء كالمحموم داخل ثيابه قبل أن يجده.
وجد يد أرسلان ترفعه من مقدمة ثوبه مقربًا إياه له، ليبتسم بسمة معلنًا بها نهاية اللعبة بينهما .
_ والآن عزيزي أصلان، أمنية أخيرة لك قبل موتك ؟!
نظر له أصلان ثواني قبل أن يبتسم بسمة لا معنى لها يهمس بصوت خرج بصعوبة مصحوبًا بدماء تتناثر من فمه بشكل مزري :
_ ما تطمح له لن يحدث، لن أسمح أن تكون نهايتي ...لن أسمح أن يذكر التاريخ أن نهايتي بعد كل هذه السنوات وكل ما فعلته على يدك أرسلان.
_ صدقني هذا شرف لا ارتضيه لأمثالك، أن يذكر التاريخ أنك مت على يدي لهو شرف لك أصلان.
ابتسم اصلان بسمة مختلة وهو يهمس من أسفل أسنانه التي يزيد من الضغط عليها بسبب وجعه الجحيمي في هذه اللحظة .
_ تبتغي تخليدًا في كتب التاريخ أنك أنت من قتلت أصلان الجعفري ؟؟ أنك أنت الملك القوي الذي تخلص من الشرير الحقير؟؟
كان أرسلان يقترب منه خطوات قذفت الرعب في صدر أصلان يهمس بصوت منخفض مخيف :
_ لا يهم كيف تموت، ففي النهاية الرابح هو من يكتب التاريخ عزيزي، حتى إن كتبت أنك مت دهسًا تحت أقدام خنزير فمن أين لك بلسان لتنفي الأمر.
مال بجسده وهو يستل خنجره من ثوبه يحركه أمام أصلان الذي كان يتحرك للخلف بجسده يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي يكبت تأوهاته التي بدأت تفلت من فمه دون شعور وارسلان فقط يتابعه مستمتعًا بهذه اللحظات:
_ رؤيتك تحارب للنجاة تستحق أن أترك حروبًا لأجلها وليس فقط حرب واحدة، تخيل ما سأفعله بك عزيزي أصلان الآن ؟! سوف اجعلك تتمنى الموت ولن تطاله .
ارتجف جسد أصلان وهو يتخيل كل طرق التعذيب التي قد يفعلها به أرسلان، وقد بدأ جسده يتراجع أكثر زاحفًا للخلف وأرسلان يتقدم منه كلما ابتعد خطوة واحدة فقط .
وقبل أن ينحني أرسلان على أصلان، أخرج الأخير واخيرًا خنجره المسموم والذي كان يحمله داخل ثوبه طوال الوقت، يلوح به في وجه أرسلان الذي ابتسم له بسخرية يسمع حديثه :
_ التاريخ سيذكرني، رغم انوفكم سيذكر التاريخ أنه في وقتٍ ما جاء رجل يدعى أصلان، حرق قلوب الممالك أجمع وترك أثرًا لا يمحى في كل منزل في الممالك، أثر سيتذكره كل رجل منكم حينما يراقب قبور من رحلوا من أسرته، سيذكر التاريخ أنني....ورغم كل ما فعلته بكم، لم ....
ابتلع ريقه بصعوبة وقد بدأت يده ترتجف :
_ لم ينل أحدكم شرف التخلص مني، لن امنحكم شرف ذكر اسمائكم جوار اسمي يا اوساخ .
ومن بعد هذه الكلمات اتسعت أعين أرسلان بصدمة وهو يرى أصلان يرفع خنجره، وقبل التراجع والدفاع عن نفسه وجد الحنجر يسلك طريقه صوب قلب أصلان نفسه، لينتشر السم بسرعة مرعبة في جسد الأخير، وتخرج روحه في اللحظة ذاتها .
تنفس أرسلان بصدمة مما رأى، ذلك المختل قتل نفسه فقط كي لا يقال أن هناك من نال شرف قتله ؟!
نال أصلان ميتة يستحقها وعلى يده، ميتة متوقعة من نرجسي مختل مثله لم يطمح لأنتصارًا بقدر ما طمح لسماع صدى اسمه في الارجاء ولو كان بالسوء .
كان يراقبه من الاعلى وهو يبصر وجهه الذي شحب بشكل مخيف وقد بدأ اللون الازرق يزحف على ملامحه، وعيونه شاخصة بشكل مرعب وبسمة واسعة مختلة مرتسمة على فمه .
ابتسم أرسلان بسمة جانبية وهو يميل عليه يهمس بصوت منخفض وكأن احدهم سيستمع إليه:
_ أحسنت أصلان، لو قضيتُ المتبقي من حياتي أفكر لك في ميتة قذرة، ما وجدت اقذر واخس من ميتتك هذه .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي ساحة الحرب كان سالار يبدو مرعبًا وهو يحطم كل من يقف أمامه، يدور بعيونه بين الجميع قبل أن تقع عيونه على أحد الرجال يتحرك صوب نزار بسيفه ليطلق صرخة مرتفعة محذرة، تبعها إخراج خنجره وهو يلقيه بقوة وبسرعة مرعبة في الهواء لتستقر في ظهر الرجل تزامنًا مع استدارة نزار يغرز سيفه في معدة الرجل جوار خنجر سالار وقد صُدم من صرخة سالار .
ثواني وسقط الرجل ارضًا ليرفع هو عيونه صوب سالار الذي ابتسم له بسمة صغيرة، ليرفع له نزار يده يلقي له بتحية الجنود لقائدهم احترامهم.
اتسعت بسمة سالار وهو ينظر حوله يراقب كفة الحرب تميل لهم، وايفان ينتهي من آخر رجال بهم مع المعتصم وبارق وباقي الرجال .
ضيق عيونه بإدراك يبحث عن أرسلان في الإرجاء متعجبًا اختفائه عن ساحة حرب وقد كانت له كالمنزل لا يفارقها إلا حينما يتأكد أنه حفر قبر آخر واحد فيهم .
شعر بالريبة والخوف وهو يدفع الأجساد بحثًا عنه، يدور بعيونه في المكان، لينتبه له إيفان الذي نظر له بعدم فهم .
ابتلع سالار ريقه يهمس بكلمة واحدة فقط مرتعبة :
_ أرسلان ؟!
وكانت الكلمة كافية لتقذف رعبًا في صدر إيفان كذلك ليحرك عيونه في المكان يبحث عنه بين الجميع وقد سقط قلبه ارضًا خوفًا أن يكون أحدهم قد غدر به في الحرب دون أن ينتبه له أحدهم.
ودون إرادة حرك عيونه على الجثث المتناثرة ارضًا وقد بدأ جنود الممالك يمسكون آخر من تبقى مستسلمًا، وايفان شعر فجأة بالحرارة تنبعث داخل جسده بالكامل وقد توقف قلبه للحظات وهو يركض كالمجنون يدفع الجنود جانبًا يصرخ بصوت مرتجف :
_ أرسلان .... أرسلان....يا ويلي أرسلان...ابتعد من وجهي أين أرسلان ؟!
كان يدفع الجميع دون شعور وسالار يبحث معه بشكل محموم ويحرك عيونه على الجثث مرتعبًا أن يجد جسد أرسلان بينهم، يدع ترتجف وهو يدفع الجثث جانبًا يكشف عن وجوههم ليتبين هويته .
_ أرســـــــــــــلان يا أخــــي..
انتشر الرعب بين الجميع فجأة وشعر المعتصم لثواني بقلبه يتوقف عن النبض وهو يلقي سيفه بوجه شاحب:
_ لا ...لا ...لا، ليس أنت...ليس أنت.
ارتجفت شفتيه وهو يهرول معهم للبحث عن أرسلان، ونزار يراقبهم بصدمة كبيرة وقد شعر في هذه اللحظة بقلبه يتوقف ليسقط ارضًا من شدة الوجع الذي أصابه يشعر بنفس المشاعر يوم فقد الوليد، لن يحتمل فقدان آخر، ليس أرسلان.
أخذ يحرك انظاره بصعوبة وقد شعر بوجع قلبه يزداد ليضغط عليه بكفه وقد أوشك قلبه على التوقف يطلق صرخة مرتفعة ركض على إثرها بارق وهو يصرخ باسمه فزعًا :
_ نـــــــــزار .
استدار سالار برعب صوب نزار مع صرخة بارق ليبصر الأخير ساقطًا ارضًا يضغط على قلبه بوجع، يهرول صوب ابن خاله يلتقط جسده بسرعة وهو يصرخ بأعين دامعة مرتجفًا صوب خيمة مهيار :
_ مهيـــــــار ساعـــــدني ....مهيــــــــــــار .
وايفان أخذ ينظر حوله بصدمة وقد ارتجفت يده يشعر بالمكان يُظلم حوله، أرسلان ليس هنا ونزار سقط ارضًا ينازع للحياة، هل خسروا رغم فوزهم ؟؟؟؟
سقطت دمعة مرتعبة منه .
وقبل أن يتسلل الوجع لقلبه ويسقط ارضًا سمع صوتًا خلفه يتحدث بعدم فهم :
_ ما الذي يحدث هنا ؟! هل انتهيتم بهذه السرعة ؟!
استدار إيفان بسرعة صوب الصوت ليبصر أرسلان يحمل فوق كتفه جثمان لا يدري لمن لكنه لم يهتم وهو يركض صوب أرسلان في اللحظة التي ألقى بها الاخير جثة أصلان ارضًا، كان يستقبل لكمة إيفان على فكه وهو يصرخ بجنون :
_ أيها الحقير هل تنتوي قتلي رعبًا؟! أين كنت ايها الوسخ ؟! تفعلها مجددًا أرسلان، تفعلها مجددًا أيها الحقير
اتسعت عيون أرسلان بصدمة مما يحدث :
_ كثرة جلستك مع سالار أثرت عليك كثيرًا إيفان.
جن جنون إيفان وهو يصرخ بصوت مرتفع :
_ لقد ...اصبتني بحالة من الجنون، اختفيت دون أي تنبيه وصرنا نبحث عنك بين الجثث كالمجانين، ونزار سقط ارضًا من فكرة أن سوءًا أصابك وأنت....
قاطع أرسلان كلماته وهو يهمس بعدم فهم وقد شحب وجهه :
_ ماذا ؟! نزار سقط ؟؟ ما الذي تقصده بسقط إيفـــــان ؟؟؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظر جواره يتأفف بضيق وهو يحرك السهم ارضًا يرسم به خطوط وهمية يردد كلمات حانقة :
_ هذا ليس عدلًا هل خافوا أن يغطي نوري عليهم في الحرب ؟! هذه أنانية.
حرك تيم عيونه بهدوء صوب خالد الذي لم يتوقف عن التذمر منذ عرف أن الجيوش خرجت لحرب دونه، والعجيب أنه كان يرفض قبلًا القتال او تلويث يده بالدماء كما يردد طوال الوقت، والآن حانق لأنه لم يذهب معهم ؟؟
_ فقط مرر يومي ولا تقسم رأسي نصفين من نحيبك خالد، أنا بالفعل اعاني بما يكفي، ثم هل تراني ذهبت ؟؟ ها أنا اقود المتبقي من الجيش لحماية العاصمة والقصر، إذن لا تفسد مزاجي أكثر من هذا و....
لكن كلماته توقفت في منتصف طريقها صوب الخارج حينما أبصر انتفاض جسد خالد وقد اتسعت بسمته بشكل غريب ينهض فجأة من مقعده في ساحة القصر وهو يتحرك ملتمع الأعين صوب إحدى الجهات.
ضيق تيم عيونه وهو يميل بجسده للأمام كي يبصر ما ينظر له خالد، لكن تراجع للخلف بسرعة حينما شعر بيده خالد تدفعه والأخير يردد بجدية :
_ ما الذي تفعله أنت ؟! تنظر لزوجة أخيك تيم ؟!
اتسعت عيون تيم بصدمة ولم يستوعب من الاساس ما يحدث يحاول الحديث ليوضح أنه حتى لا يعلم عمن يتحدث أو ما يحدث هنا .
لكن خالد رفع إصبعه في وجه تيم وهو يهتف بجدية واعين مشتعلة :
_ اسمع يا أخي، منذ اللحظة التي اتخذتك بها رفيقي حرمت على نفسي كل امرأة تنظر لها، فافعل المثل مع من يخصني من النساء ولا تمدن عيونك لهن .
كان يتحدث وهو يحرك إصبعه بجدية أمام وجه تيم الذي ينظر لإصبعه بعدم فهم متشنجًا، ومن ثم ابصر انصرافه دون كلمة إضافية .
ابتسم تيم بسمة صغيرة متشنجة وهو يميل برأسه محاولًا فهم ما يحدث في هذه اللحظة .
لكن لا شيء ...
هز رأسه بتعجب وهو يعود بعيونه صوب البوابة الرئيسية للقلعة يراقبها بهدوء وقد استطاع ذلك الخالد أن يقلب يومه .
فجأة أبصر البوابة الصغيرة الجانبية للقلعة تُفتح ويدخل منها جسد يتشح بالسواد ولم يظهر منه شيء لبعد المسافة بينهما .
نهض تيم وهو يتحرك بهدوء صوب ذلك الجسد يهتف بصوت جهوري قوي :
_ من أنت يا هذا اظهر نفسك ..
فجأة توقف الجسد وكأنه تجمد على كلمات تيم، والأخير تقدم خطوات قليلة صوب الجسد يتحسس سيفه على استعداد لجز عنقه في أي لحظة وبمجرد أن أصبح على مقربة من ذلك الجسد وفي منطقة تسمح له بالرؤية الواضحة أبصر جسد انثوي يلتحف بالسواء ولا يظهر منها سوى أعين محاطة بالكحل الأسود.
ضيق عيونه وهو يقترب أكثر يهتف بترقب :
_ من أنتِ سيدتي ؟؟ عرفي عن نفسك .
وهي فقط كانت متجمدة في موضعها لا تحسن تحريك يدها حتى لتعدل من وضعية لثامها، وضربات قلبها تعلو وبقوة تشعر بأنها على وشك السقوط ارضًا وهي تبصره ...نفسه الرجل الذي ابصرته منذ شهور طويلة ولم يفارق خيالها منذ تلك اللحظة .
فارسها الشهم ........
كانت تسير في الأسواق وهي تحمل الكثير من الحقائب وتركض بخطوات متعجلة كي تلحق بوقت الطعام والدواء لشقيقها، لكن السوق و الازدحام في هذه اللحظة لم يساعدونها على الإطلاق لتنتهي من هذا بسرعة .
فجأة وأثناء هرولتها تعرقلت أقدامها بصخرة أسفلها لتسقط كل ما كانت تحمله في يدها ارضًا وتتناثر الخضرات في الإرجاء، لكن من سوء حظها أو من حسنه أثناء مرور إحدى قوافل الجيش التي تراقب حركة الاسواق سقطت بعض الخضرات على البعض منهم ومن بينهم قائد القافلة .
تراجع تيم للخلف بسرعة وهو يشهق بصوت مرتفع ينظر لنفسه بصدمة وقد تدمرت ثيابه، رفع بعيونه لفهم ما يحدث ولم يكد يصرخ ظنًا أن أحد الاطفال يثير شغبًا، حتى أبصر امرأة ساقطة ارضًا ليتحرك بسرعة وهو يهتف :
_ بسم الله، هل أنتِ بخير آنستي ؟؟
تنفست بصوت مرتفع وهي تحاول أن تتمالك نفسها وألا تنهار، تراقب من أسفل رموشها كل ما عملت على شرائه وقد تدمر أسفل الأقدام، ضغطت بيدها على الأرضية أسفلها ترفع عيون حادة للمتحدث وكأنه هو من دمر كل شيء .
_ نعم، إن كان ضياع كل ما عملت عليه يعد خيرًا في نظرك، فأنا بخير حال يا سيد .
رمش تيم بصدمة من هجومها يحاول التحدث، لكنها لم تعطه فرصة وهي تنهض تنفض ثوبها الأسود، ومن ثم رفعت عيونها له تزيح غطاء الوجه لتمسح وجهها ليتصنم جسد تيم أمامها دون ردة فعل، قبل أن يبعد عيونه عنها، ويميل ارضًا بسرعة يحاول جمع كل ما لم يفسد منها في الحقيبة يمسح الطعام بثوبه، ومن ثم يضعه بالحقيبة تحت أعينها المصدومة من فعلته .
فعلى حسب زعمها أن جميع من ينتمي للجيش متكبر متغطرس، لكن يبدو أن صاحب العيون السوداء هذا يختلف عن الجميع .
انتهى تيم من جمع الطعام وهو ينهض بسرعة يعطها الأكياس، ومن ثم تحرك دون كلمة يختفي من أمامها ثواني تاركًا إياها عاجزة للمرة الأولى أمام أحدهم، تستشعر رقيًا لأول مرة، ضمت أكياس الطعام دون شعور وهي تنظر حولها تتحرك بسرعة بعيدًا عن المكان وهي ترفع لثامها مجددًا تخفي به ملامحها تتحرك بعيدًا عن الازدحام صوب منزلها، وبمجرد أن خطت لشارع جانبي سمعت صوتًا خلفها يهتف :
_ آنستي لحظة من فضلك .
توقفت أقدامها وقد تسببت نبرته الهادئة والرخيمة في زيادة ضربات قلبها، تستدير ببطء تراقبه يهرول صوبها يحمل كيسًا من نفس ما تدمر أثناء سقوطها يمده لها ببسمة رجولية لطيفة:
_ تفضلي ..
حركت عيونها صوب الكيس وقد تجمد جسدها بالكامل، ومن ثم رفعتها له ليتوتر تميم من نظرته يهتف بصوت منخفض :
_ تفضلي .
تبع كلمته وهو يضع الكيس في يدها دون انتظار أن تأخذه هي يهتف بحرج وهو يفرك رقبته :
_ هذا فقط....ربما ....هذا كي لا يفسد يومك لأجل بعض الخضروات و....كوني فقط بخير آنستي .
ومن بعد هذه الكلمات هز رأسه له بتحية واحترام وكأنه يحيي اميرة ورحل ببساطة تاركًا ايتها تواجه لأول مرة اعجابًا بتصرفات رجل، وليس أي رجل ..
رجل راقي لطيف قوي وبشوش، لا تعلم حتى اسمه .....
استفاقت من شرودها به وهي تسمع صوته يردد بجدية :
_ آنستي هل أنتِ بخير ؟!
ارتجف قلبها في موضعه وهي ترفع عيونها له ليهتز ثبات تيم لثواني يشعر أنه قد أبصر هذه العين من قبل يسمع صوتها يردد :
_ الملك .
_ ماذا ؟؟
_ جئت للتحدث مع الملك في أمر هام .
هز لها تيم رأسه وهو يتحدث بهدوء :
_ حسنًا آنستي اعتذر منكِ، لكن الملك ليس في البلاد في هذا الوقت تعلمين أن الحرب قائمة و...
_ إذن ربما يمكنك أنت أن تتلقى رسالتي نيابة عنه سيدي .
توقف تيم عن الحديث بتعجب من كلماتها وتصرفاتها يهز رأسه وهو يشير لها لنقطة مضيئة في منتصف الساحة بعيدًا عن هذا الظلام كي لا يثير الأقاويل والتأويل .
_ لا بأس بالطبع إن كان هنا ما يمكنني تقديمه لكِ فسأفعل .
سارت خلفه تسمع صوته يردد بهدوء شديد :
_ بالمناسبة أنا تيم قائد الجيش الثاني في القصر وسيسرني خدمتك سيدتي .
ابتسمت وهي تردد بصوت منخفض هادئ عكس طبيعتها ترفع يدها تزيح لثامها لشيء في نفسها :
_ دلارا ....اسمي هو دلارا........
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ركض بجنون صوب الخيمة التي ينصبونها عادة في المعارك لنقل المصابين وتدارك حالتهم بسرعة .
يدفع الجميع من أمامه بجنون، وهو يهتف باسم نزار بصوت مرتجف، يبحث بينهم عنه، وفكرة أن يخرج من هذه الحرب بفقيد آخر تقتله :
_ نــزار ... أخي.
تقدم بسرعة صوب فراش يقبع ارضًا عليه جسد نزار الذي كان يتنفس بصعوبة ومهيار يحاول تدارك حالته، وسالار يقف جوارهم، لكن ما إن سمع صوت أرسلان حتى استدار له يمرر عيونه على جسده ليتأكد أنه بخير، واخيرًا تنفس براحة يتحرك صوبه يجذبه صوب أحضانه يردد بصوت مرتجف :
_ أخي أنت بخير ..
تأوه أرسلان وهو يضم له سالار بقوة يربت على ظهره ربتات خفيفة حنونة:
_ أنا بخير ... بخير سالار لا تخف أخي، أنا بخير .
رفع عيونه صوب وجه نزار الشاحب وهو يتحدث بصوت مرتجف خائف:
_ نزار ....هل هو بخير ؟؟
ابتعد عنه سالار ببطء وهو ينظر صوب نزار الذي كان في هذه اللحظة ما بين اليقظة والحلم يهتف باسماء عدة منها الوليد ووالده وتوبة واخيرًا أرسلان..
ابتسم أرسلان وهو ينحني ارضًا راكعًا على ركبتيه يمسك كف نزار بين يديه، يربت عليها بحب :
_ أنا هنا أخي، أنا بخير أنا بخير .
حرك نزار عيونه في المكان يتنفس بصعوبة وقد ساعده مهيار منذ ثواني لتخطي جلطة قلبية كادت تودي بحياته :
_ لقد ....لقد وعدته أن اقتله بيدي ... آخذ بثأره بنفسي، لم ....هل ...مات ؟؟ أصلان....مات .
ابتسم له أرسلان وهو يتحدث بهدوء بعدما تنهد بصوت مرتفع :
_ لقد فعلت يا أخي، لقد فعلت وأخذت بثأر شقيقك، لم...لم ينهض أصلان بعد ضربتك نزار، لقد اقتصصت لشقيقك عزيزي، انهض وأرفع رأسك وسر بين الجميع مفتخرًا، مات أصلان وأنت من نال شرف تخليص العالم منه .
كذب ولا يندم على الأمر، يبصر عيون نزار الموجوعة، وإن كانت حقيقة موت أصلان على يده تطفئ نيران صدره فليكن إذن .
_ الآن انهض لتأخذ بنفسك عزاء أخيك بعدما انتقمت له من الجميع، الآن انهض نزار وأرفع رأسك، أخطأت من قبل، والآن مَحيت خطأك كأنه لم يكن أخي.
سقطت دموع نزار بقوة وهو يجذب له أرسلان يهمس بصوت موجوع :
_ أنت... أرسلان هل....هل سامحتني ؟!
ربت أرسلان على كتفه بحنان وحب :
_ لم اغضب يومًا منك ولم احملك يومًا ذنبًا لا يد لك به، لأسامحك، لقد ...فقط بحثت روحي عن شخص تصب عليه جام غضبه وعجزه وكنت أنت أحد هؤلاء الذين اختارتهم نزار، انهض يا أخي واستقم بهامتك فلن يحمل كفن أخيك غيرك، هو لم يحب في هذه الحياة شخصٍ مثلك .
سقطت دموع نزار وهو يتنفس وأخيرًا براحة وكأن صخور صلبة كانت مستقرة على صدره واخيرًا تم إزالتها، ابتسم دون شعور مغمضًا عيونه هامسًا كلمات قليلة قبل السقوط في غفوة من شدة الارهاق :
_ الحمدلله....
رفع أرسلان عيونه برعب صوب مهيار وقد تجمدت يده وشحب وجهه، ليبادر مهيار بالتحدث مبتسمًا بسمة صغيرة يضع بعض الاعشاب أسفل لسان نزار :
_ لا تقلق، هذا متوقع، تم ارهاق جسده بشكل كبير، وجروحه بليغة، والآن فقط منح جسده رفاهية الراحة .
هز أرسلان رأسه وهو يرفعها ببطء صوب سالار وايفان يتحدث بهدوء :
_ سنتحرك لآبى علينا أن نكون جوار الملك آزار ونزار في هذه اللحظة .
وايضًا لأجل الاطمئنان على سلمى، لكنه سرها في نفسه يشرد بوجه نزار، بينما إيفان هز رأسه يتحرك بهدوء صوب الخارج يهتف بصوت جهوري :
_ افرغــــوا الساحة من جثثهم، وأجمعوا شهدائنا سنصلي عليهم، قبل التحرك لآبى .
نظر جواره يبحث عن أحدهم قبل أن يهتف بجدية ولهفة :
_ يا المعتصم.
انتبه له المعتصم يتحرك صوبه بهدوء :
_ مولاي ..
فجأة تجمد حينما جذبه إيفان لصدره بحنان شديد وهو يتنهد بصوت مرتفع يهتف له بحب أخوي :
_ إيفان فقط يا المعتصم.... أنت بخير يا أخي؟! أبصرت أحدهم يصيبك بجرحٍ اثناء القتال، هيا تعال ليفحصك مهيار .
ابتسم المعتصم يحاول الاعتراض :
_ أنا بخير إيفان لا تقلق و.....
_ هيا يا المعتصم لا تعاند يا أخي، سيفحصك مهيار قبل التوجه لآبى دعني اطمئن عليك ارجوك .
ابتسم له المعتصم وهو يسير خلفه، بينما إيفان يتمسك بيده بقوة وحنان وقد كان المعتصم آخر من تبقى له من رائحة والدته بعد أخته، لذا احتمالية حدوث خدش لأيٍ منهما كان مرفوضًا .
بينما المعتصم يسير مع إيفان بهدوء وقد اعتاد طوال فترة بقائه في سفيد سابقًا بعدما علم حقيقة قرابته لإيفان، أن يلعب إيفان دور الأخ الكبير له ولو كان خفية في البداية ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أعان الله أخيكِ عليها لتلك المرأة كهرمان .
كانت هذه كلمات توبة وهي تجلس على اريكة بعيدة أسفل نافذة غرفتها وهي تراقب الفراش حيث تجلس سلمى تحمل بين كفيها كتاب وهي تضع قدم فوق الأخرى تقرأ منه بسلام نفسي كبير بعدما أفسدت سلام الجميع حولها عدا تبارك النائمة بسلام جوارها.
_ لا تقلقي عزيزتي، أخي ليس بالمسكين كذلك، يليقان ببعضها البعض، لا أعلم في الحقيقة لمن يجب أن ادعو الله أن يعينه على الآخر.
هزت توبة رأسها وهي تزن كلمات كهرمان في رأسها لتدرك في لحظات مقدار حماقتها لو سارت خلف إعجاب طفولي بأرسلان، ربما كان انتهى الأمر بينهما للطلاق، فلا تستطيع احتواء رجل بمثل عنفوانه وتجبره، ولا هو سيتمكن من تفهم لحظات غضبها ويستوعب إذاعة لسانها حين السخط.
الله دائمًا يخفي لنا ما نستحق .
وربما الذي بكيت في الامس لأجله، لو عرض عليك اليوم لرفضته بملء فاهك .
_ أنتِ محقة، لا أحد يليق بشقيقك مثلها ولا أحد يليق بها كشقيقك، الله ارسلها من عالمها آخر خصيصًا كي تكون له .
كانت تتحدث بشرود وهي تبتسم بسمة غير مرئية وعقلها يدور في نقطة شبه بعيدة، الله أرسل سلمى من عالم آخر لأجل أن ترافق أرسلان حياته، وارسلها هي للجحر كي تكتشف أنها طوال الوقت كانت أمام نصفها الثاني ولم تستوعب.
نظرت صوب سلمى وهي تبتسم تهتف بفضول :
_ إذن ما الذي تقرأه سلمى الآن ؟!
هزت كهرمان كتفها بعدم فهم تحرك عيونها صوب سلمى التي كانت مندمجة بشكل كبير فيما تقرأ مبتسمة بحنان شديد .
وهي تقرأ كتاب والدها للمرة الثانية والتي كان يقص به كامل حياة وطفولة أرسلان، للمرة الثانية تقرأه وكأنها تفعلها لمرتها الأولى.
هذه المرأة لا تقرأها بفضول من ذلك البطل الوهي في الكتاب الذي تركه لها والدها، بل تقرأه عشقًا في بطل الكتاب الذي أصبح واقعًا لأجلها، واقعًا ملموسًا قريبًا من الروح ...
بطل روايتها ذلك المسكين الذي كانت تتعجب أن يمر بكل ذلك وحده، ليحضرها الله من عالمها لعالمه فقط كي تربت عليه وتكون أقرب له من نفسه، تكون زوجته ....
ابتسمت وهي تتلمس حروف اسمه بشوق وحب شديد، وقد اضناها عشق لذلك الرجل الغريب ورأسها يعيد عليها أول لقاء بينهما وكل كلمة نطق بها ذلك اليوم....
"_ كيف تقبل بإحضارها بهذا المظهر صامد ؟؟ ما الذي دهاك أنت وشقيقك، هل افسدتك كثرة اختلاطك بهم ؟! أجننتم أين حجاب المرأة ؟!
- مــــــــــــاذا ؟؟
ومجددًا تجاهل أرسلان صيحة سول :
_ اقسم أنني لن امرر لكما هذا، سرتما بالمرأة كل هذا الطريق وجعلتموها عرضة لاعين الرجال بهذه الهيئة الـ ...الرجولية ؟! "
ابتسمت بسمة واسعة وهي تمسح وجهها ونظراته المستنكرة ما تزال تدور بعقلها ..
*"ارتدي المعطف يا امرأة كي استطع التحدث معكِ، واري شعرك خلف القلنسوة ."
فجأة انفجرت سلمى في الضحك وهي تتذكر ما فعله يها في أول لقاء لهما .....
"أنتِ لا تنتظرين أن اساعدك للصعود صحيح ؟!"
نظرت له ثواني قبل أن تهتف بسخرية :
" أوه لا بالطبع، فأنا بارعة في هذا كما ترى، لقد ولدتني أمي على ظهر حصان، أخبرك شيئًا، يمكنك الرحيل وأنا سألحق بك فأنا احفظ الطرقات هنا كراحة يدي ."
رمقها أرسلان بإعجاب مصطنع، ثم ابتسم يردد بهدوء وانبهار :
" هذا جميل، إذن ألقاكِ على بوابة القصر، السلام عليكم ..."
كانت ضحكاتها تعلو بقوة وهي تتذكر كل ذلك وكأنه بالأمس، يرحل وهي تحدق لظهره بصدمة كبيرة، يا الله ما اقرب الأمس، وما أبعد ذلك الارسلان عن خاصتها .
كانت توبة تتابع ما يحدث بعدم فهم :
_ كهرمان جُنت زوجة أخيكِ .
_ أوه جاء هذا متأخرًا حقًا .
وقبل التحدث بكلمة سمع الجميع صوت الجنود في الاسفل يعلنون وصول الملك ازار مع رجاله .
تحركت توبة قبل الجميع وهي ترفع جسدها للنافذة التي تعلو الاريكة تراقب منها موكب آزار تبحث به عن نزار، لكن خاب أملها وهي تعود بوجه حزين لتجلس، لكن فجأة تجمدت وهي تبصر آزار يهبط من عربة صغيرة والجنود يتحركون ليخرجوا جثة مغطاة الوجه لا يظهر منها شيء، وقد ارتص الجنود على جانبي الطريق يخفضون السيوف والرؤوس في مشهد حداد وصمت معروف حينما يرحل افراد الجيش او الأسرة الحاكمة.
لتشعر توبة في هذه اللحظة بتوقف ضربات قلبها وهي تهمس بصوت مرتجف :
_ لا...لا يمكن أن يكون ...لا يمكن أن يكون .
ومن بعد هذه الكلمات هرولت كالمجنونة خارج المكان لتتسع عيون كهرمان بصدمة وعدم فهم، وهي تتحرك خلفها بسرعة وسلمى ألقت الكتاب تلتقط حجابها وتلحق بهما في الممرات وقد شحب وجهها .
_ رحمتك يا الله .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
«يكتمُ ما كابدهُ قلبهُ
وتعجزُ الأعيُن كتمانهُ!».
هبط من العربة وهو ينظر للجنود حوله يتحركون صوبه بسرعة وقد أشار لهم بصوت قوي لا يدري من أين له به :
_ اخرجوا .....سمو الأمير من العربة وقفوا احترامًا لجثمان ولدي .
اتسعت أعين الجنود بصدمة مما سمعوا وتجمدت الأجساد وقد شحب الوجوه وامتلئت العيون دموعًا مما سمعوا .
الأمير نزار ؟؟
ركض جنديان بسرعة يخرجان الجسد بسرعة ليحملانه فوق الأكتاف وهم يتحركوا به بين صفين من الجنود وقد انزل الجميع سيوفهم والرؤوس احترامًا .
بينما ابتلع آزار غصته وهو يهتف بصوت مرتفع به نبرة بكاء واضحة :
_ اليـــــــوم فقــــــــدت آبـــــــــى أميرهــــا الو....
قبل إكمال جملته سمع صرخة تشق الاجواء وصوت توبة تصرخ بصدمة وقد هوى قلبها قبل جسدها ارضًا :
_ نـــــــــــزار ؟؟؟ لا لا ...
اتسعت عيون آزار وهو يركض صوب توبة بسرعة كبيرة يساعدها لتنهض وكهرمان التي مالت بسرعة تسندها، والأخيرة فقدت الإحساس بكل ما حولها تشعر بارتجافة أطرافها وهي تحدق في الجسد المحمول فوق الأكتاف بأعين دامعة تحاول النطق وقد شعرت فجأة بأنها فقدت القدرة على ذلك ودموعها تسير بلا توقف .
بينما آزار يحاول اجبارها على سماعه :
_ لا ...ليس نزار ...توبة هذا ليس نزار هذا ولدي الآخر، توبة اسمعيني .
بينما توبة فقط لا تنزع عيونها عن الجثة أمامها وعيونها شاخصة بشكل مرعب .
بينما ازار استقام وهو يهتف بصوت جهوري :
_ اليوم استشهد الأمير الوليد آزار وهو يدافع بشرف عن أخيه الأمير نزار، اكرموا أميركم يا رجال ....
ختم حديثه وهو يشير للجنود بالتحرك وقد علت الصدمة أوجه الجميع، ورغم ذلك لم يتحدث أحدهم بكلمة وهم يتحركون به صوب الغرفة المجاورة للمسجد لتجهيز دفنه .
بينما آزار نظر لتوبة يهتف بصوت قوي :
_ توبة اسمعيني هذا ليس نزار...نزار حي يا ابنتي ...نزار بخير لا تقلقي هو ...بخير ...ولدي الاصغر بخير .
رفعت له توبة عيونها الدامعة وهي تهتف بصوت مرتجف :
_ نزار ؟؟
_ لا هذا ليس نزار، هذا ...الوليد، هيا انهضي عزيزتي لا يجوز لملكة آبى المستقبلية أن تكون بمثل هذه الهشاشة يا ابنتي، تماسكي ...
سقطت دموع توبة قبل أن تنفجر في موجة بكاء متأخرة بسبب صدمتها تتحدث بصوت مرتجف :
_ نزار....يا ويلي قلبي سيتوقف ..هو بخير يا عم، اقسم بالله لي أنه بخير، بالله عليك أن تخبرني أنه بخير .
امسكها آزار من اكتافها وهو يساعدها لتنهض ينفض ثيابها وقد ارتجفت انفاسه حتى :
_ اقسم بالله أنه بخير لقد ....وصلتني أخبار نصرهم ...لقد انتصروا والحمدلله لم يمس أحدهم سوءًا القليل من الجروح المعتادة، والجميع في الطريق لهنا، ساعات ويصل الجميع .
رفع عيونه صوب كهرمان وسلمى يتحدث بتعب وقد شعر أن طاقته قد نفذت :
_ رجاءً ساعدنها للراحة .
اومأت كهرمان بحسنًا وهي تمسك توبة تضمها بحنان متحركة صوب القصر وسلمى خلفهم، لكنها توقفت ثواني تنظر لوجه آزار الذي كان كمن يحمل الجبال فوق كتفه، بوجه صلب غريب، لتهمس له بصوت منخفض :
_ لا يضير الجبال أن تجري الانهار بها احيانًا ، كما لا يضير الرجال البكاء احيانًا يا عم، افرغ اثقال قلبك بالبكاء ولا تكبت اوجاعك طويلًا فتنفجر داخليًا، فاليوم تبكي وغدًا تمسح دموعًا.
ختمت كلماتها تلحق بالجميع تاركة آزار خلفها وقد شعر أن قلبه مثقل لدرجة أن حتى التنفس كان صعبًا.
تحرك بأقدام مرهقة يبحث لنفسه عن ملجأ بعيدًا عن أعين الجميع، يسير بضعف محني الظهر حتى دخل غرفته يغلق الباب خلفه ينهار ارضًا يتنفس بصوت مرتفع قبل أن ينتهي به الأمر منفجرًا في بكاء حار يرثي به ولده، بكاء لم يبكه يومًا منذ وفاة شقيقته الصغرى .....
_ يا الوليد .... آه يا ولدي .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أَموتُ شَوقًا ولا ألقاكُمُ أَبَدًا
يا حَسرَتا ثُمَّ يا شَوقا ويا أَسَفا!
- العباس بن الأحنف.
كانت ساعات طويلة ...
حتى أبصرت جميع النساء ساحة قصر آبى تمتلئ بالرجال من كل حدب وصوب لأجل عزاء الأمير الوليد الذي رحل قبل أن يدركوا حتى وجوده كأمير .
الجميع يرتص والكفن أمامهم يراقبونه بأعين غائمة مما يحدث، ولا يُسمع في المكان سوى صوت الشيخ الذي نطق بصوت جهوري :
_ اليوم نودع أحد رجال آبى، الأمير الوليد، الذي رحل عن عالمنا وهو يدافع حتى آخر قطرة من دمائه عن الأمير نزار أخيه، الأمير وليد والذي علمه البعض منكم خائنًا، انتوى التوبة قبل وفاته وليكتبها الله في أعماله، الوليد لم يشرك بالله ولم يرتد وشهد أن لا إله إلا الله، أقام الصلاة رغم عصيانه، إذن في الإسلام هو مسلم ذلت أقدامه وهوى، وليس مشرك بالله، لذا ما علينا من حسابه شيئًا وهو بين يدي الله أمره برحمته وحده، ما علينا سوى الدعاء له .
ختم كلماته وقد بدأ يدعو له والجميع يردد خلفه عدا نزار الذي كان ينظر لهم بأعين دامعة لا يبصر شيء من بين دموعه، قبل أن يبصر الجميع يحملون كفن أخيه فتحرك سريعًا يلتقطه معهم وهو يجاهد نفسه ليتماسك ويتحرك به صوب قبور عائلته.
وخلفه الملك آزار والذي استعاد رباطة جأشه ونفسه بعدما خرج من حجرته، يسير مع الجميع خلف كفن ولده بوجه جامد وجسد مستقيم .
وارسلان يحمل مع سالار والمعتصم الكفن، الجميع يتحرك صوب القبور، ينظرون بشفقة صوب نزار الذي كان يسير بلا شعور بمن حوله ..
ومن الأعلى تراقبه توبة باكية على حالته وما يحدث، الآن فهمت حالته حينما كان يستيقظ صارخًا باسم الوليد باكيًا قبل أن يسقط في غيبوبته التي اختارها لنفسه .
_ لا تفعلي توبة، هو منهار فلا تنهاري فيسقط، كوني له جدار يتلقفه عزيزتي، سيحتاجك جواره في هذه اللحظة، هو غريق لن يبصر من الحياة سوى ظلامًا، فكوني له طوق نجاة ونور يجذبه للشاطئ .
نظرت توبة صوب سلمى لتنفجر في البكاء وهي تتذكر حالة نزار، لتتلقفها سلمى وهي تربت على كتفها بحب وحنان :
_ كل هذا سينتهي ...كل هذا سيمر بإذن الله عزيزتي.
وفي الأسفل وصل الجميع للمقابر وشرعوا بدفن الوليد وصوته يرن بأذن نزار وهو يلقي الرمال يواري بها جسد أخيه.
" لا تتركني وحدي نزار، أخاف الوحدة أخي"
أخذ يلقي الرمال عليه وهو يتابعه بأعين هادئة يبتسم بصعوبة وقد كادت غصته تخنقه :
_ لن تكون وحدك يا الوليد، لن تكون يا أخي سأكون طوال الوقت قريب منك، وسأدعو الله لك كما كنت تطلب مني، عهد عليّ أمام الله ألا افوت صلاة إلا وذكرتك بدعواي، ليرحمك الله أخي ليرحمك الله يا أخي ..
انتهوا من دفن الوليد وبدأ الجميع يرحلون واحدًا تلو الآخر، تاركين نزار لم يتحرك من أمام القبر يجلس يراقبه بأعين مرهقة ووجه شاحب .
_ نزار يكفي أخي، هيا يجب أن ترتاح .
همس نزار بصوت منخفض مرهق :
_ دعني سالار، أريد قضاء الليلة الأولى جواره، الوليد لا يحب الوحدة، سأجلس جواره اليوم، فقط اليوم كي لا يشعر بالحزن.
استغفر سالار ربه وهو يتنفس بصوت مرتفع لينظر له أرسلان مشيرًا له بعيونه يسحبه بعيدًا عنه، وهو يشير للجميع باللحاق به .
ومن ثم نظر للملك بارق وهو يهتف بصوت منخفض هامسًا له :
_ هل يمكنك إرسال الأميرة توبة له، ربما تستطيع اقناعة بالرحيل من هنا ؟!
تنهد بارق وهو يهز رأسه بهدوء، يسحب معه آزار الذي اضطر للرحيل ليهتم بجرحى الحرب وما حدث للبلاد، يودع قبر ولده بأعين باهتة على وعد بالعودة له مجددًا، لكن قبل الرحيل نظر لنزار مرة أخيرة وتحرك ليترك جواره شيء ما لم ينتبه له نزار حتى، ومن ثمّ رحل ببساطة.
أما عن نزار فظل جالسًا يراقب قبر أخيه وهو يقرأ الاسم مرات عديدة " الوليد آزار" ابتسم دون شعور يتحسس القبر بحنان:
_ اقتصصت لك أخي، عسى الله أن يجمعنا في الآخرة على خير ..
تحرك ليستند على إحدى الأشجار التي تظلل قبر الوليد يراقبه بأعين مرهقة، لكن وعلى عكس العادة في الأيام السابقة مبتسم الثغر، يشعر بالراحة بعدما اقتص له .
_ نزار .
استدار نزار صوب الصوت يبصر توبة تتوجه له بوجه شاحب واعين حمراء، استند على الشجرة خلفه وهو ينهض يلتقط جسدها بين أحضانه:
_ توبة .
_ هل أنت بخير ؟!
ابتسم نزار وهو يستكين بين أحضانها وقد شعر براحته تزداد يحدق بقبر أخيه :
_ لا أدري... لكنني على الأقل لست حزينًا كما كنت، خفت حزني والزمان خير معالج.
تنفست توبة واخيرًا براحة وهي تهمس له برجاء :
_ دعنا نرحل من هنا رجاءً..
_ فقط ... قليلاً احتاج للبقاء معه رجاءً ...
نظرت له بتردد :
_ إذن سأجلس معك.
ابتسم يمد يده لها جاذبًا إياها معًا يضمها بين أحضانه أسفل الشجرة، يراقب قبر أخيه بهدوء يهمس بصوت منخفض :
_ ليغمرك الله برحمته يا الوليد، ليغمرك الله برحمته أخي.
تنفس بصوت مرتفع وهو يضم له توبة ينتوي أن يقنعها لاحقًا بالرحيل وتركه وحده جوار أخيه اليوم، وفي خضم أفكاره فجأة وقعت عيونه على شيء مغلف بالاسود موضوع جواره، ليضيق ما بين حاجبيه يميل بنصف جسده يلتقط ذلك المغلف يقلبه بين يديه قبل أن يفك غلافه ويقرأ كلماته بصوت خافت ونبرة مرتجفة مصدومة :
" إلى أخي العزيز نزار ................"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نودع من هذه القصة فصل ونستقبل فصل جديد بالكامل، ربما يكون الأخير في حكايتنا ....
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .
أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الرابع وأربعون 44 - بقلم Rahma Nabil
الثالث والاربعون | أصوات السعادة |
الفصل إهداء لـ ( Nancy Sabry , Mony afr )
صلوا على نبي الرحمة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
" كنت مجرد طفل في العاشرة ما يزال يستكشف ما حوله لا يدرك حتى كيف يحرك أقدامه لفترة طويلة دون أن يزّل في منتصف الطريق، لطالما احتجت لمن يقف في ظهري لدعمي ومساعدتي، شخص يتلقفني إن سقطت، ويدفعني إن توقفت، وبشكل ما ظننت أن أبي قد يكون ذلك الشخص، وقد كان بالفعل، لكن ليس لي، بل لأخي الأصغر....."
تلمس نزار أحرف الوليد يستشعر مقدار القهر في كلماته وقد توجع قلبه لما عاناه منذ طفولته، سقطت دمعة منه دون أن يشعر وهو يكمل الكلمات بلهفة يبحث فيها عن طيف أخيه.
" وربما اشفقت أمي على صغيرها الوحيد المنبوذ وقررت ذات ليلة أن تصارحني بحقيقة أن الرجل الذي ظننته أبي طوال عشر سنوات، لم يكن، لم يكن أبي، بل كان زوجها، وهذا يفسر الكثير لي، وفي الحقيقة رغم بشاعة الواقع آنذاك إلا أنني لأول مرة ابتسم باكيًا براحة، راحة أن أبي لم يكن يكرهني أو يخجل من وجودي كما ظننت بطفولية، هو كان ينبذني لأنني لست ولده، كان سببًا أفضل من الاعتقاد أنني مكروه من أبي، لكن ما تبع تلك الحقيقة من حقائق صدمني، أبي لم يكن رجلًا عاديًا غدر بوالدتي لأجل الفقر مثلًا، أو تخلى عنها لأجل الضعف، بل كان أبي أكثر رجال مملكة آبى قوة وثراءً، كان أبي...الملك آزار "
" كانت حقيقة مرعبة ومفرحة بعض الشيء، أنا ابن الملك إذن يمكنني الذهاب والعيش بعيدًا عن كل تلك المعاناة معه في القصر والتنعم بحياة طبيعية في احضان والدي صحيح ؟! وللأسف لم يكن صحيحًا، إذ أن أمي بعدما ألقت حقيقة أبي في وجهي ألقت الحقيقة الثانية والتي كانت أنها لا ترغب في علاقة تربطني به، ولا ترغب أن أظهر من ماضيه لأفسد حاضره، وانا ؟؟ ماذا عن حاضري ومستقبلي ؟؟ ماذا عني ؟! ولماذا سيفسد وجودي حاضر أبي؟! هل يكرهني ؟! ألهذا ابتعد عن أمي ؟! هل كان حتى يعلم بوجودي وتجاهله ؟! أسئلة كثيرة نطقت بها عيني وابصرتها أمي، وتجاهلتها مرغمة، ويا ليتها لم تفعل "
تنفس نزار بصوت مرتفع وهو يلتقط كوب ماء مجاور له، يرتشفه دون تمهل يحاول أن يهدأ من ضربات قلبه، فالوليد الذي عرفه طوال حياته كان ذا قشرة صلبة لا توحي بمقدار هشاشته الداخلية .
أراد الفرار من الكتاب والمغادرة، أراد الرحيل بعيدًا عن الحقائق التي يعلم أنها ستقتله، لكنه يتذكر فجأة كلمات توبة التي تركته ينعزل بنفسه للمرة الأخيرة في غرفته ليخرج لهم بكامل قوته وتماسكه .
" فقط افعلها ولو للمرة الأخيرة نزار، خذ الحقيقة رشفة واحدة، وتحمل مرارتها لمرة واحدة، كي تستطيع تذوق الحلو مرة أخرى، انتهي مما يؤلمك وتأقلم مع حقيقة أن أخوك رحل من العالم، لكنه مايزال هنا في قلبك، وانظر إليه كان يحبك لدرجة أنه ترك لك اثرًا تتذكره به "
نظر نزار مرة أخرى صوب الكتاب بتردد يمسكه ويقلب بين صفحاته يبحث عن الكلمة التي توقف عندها، ومن ثم شرع يقرأ بعيونه ما خطت أنامل أخيه بحروف منسقة.
" وكانت العاشرة لحظة انقلاب لحياتي، أصبحت منعزلًا عن الجميع، أرى أنني لا استحق حب أحد، ولا أحد مهتم ليمنحني احتواءً حتى، زوج والدتي ومنذ علم بمعرفتي حقيقة زواج أمي الأول، أخذ يعاملني ببرود تام، كان يحب أمي كثيرًا ويدللها، لكن يبدو أن حبه لها لم يكن كافيًا ليتقبل ولدها من غيره، وفي الواقع حينما كبرت ربما أكون قد عذرته مرات فمن ذا الذي يتقبل رؤية ابن لمعشوقته من رجل آخر ؟! لذلك لم احزن منه يومًا، على الأقل لم يكن يضربني أو يصرخ بي او يعاملني بشكل سييء، فقط برود، ونظرات يخبرني بها أنه لا يتقبلني، وصدقني إن أخبرتك أنني نفسي لم أكن اتقبل نفسي، أما عن أخي العزيز فقد كان لطيفًا وحنونًا، حتى بدأ يكبر ويجد الغل لقلبه سبيلًا، لم يتوقف عن ترديد كلمات والده أنني لست ولده، ولم يتوقف عن اختلاق القصص حول أن أبي لم يتحمل وجودي أنا وأمي ونبذنا، وللحق كان وجود ذلك الشيطان الصغير في حياتي عامل كبير لكرهي لأبي أكثر، كان يبخ بي سمومًا، ويثير بي جنونًا قادرًا على دفعي لقتل أبي، وربما هذا ما فكرت به حينما تركت تلك القرية وتحركت مع الجنود طواعية للذهاب إلى قلعة آبى بحثًا عن التدريب هناك، ذهبت لأرى كيف هو أبي وكيف هو أخي العزيز الصغير الذي فضله عليّ أبي، ذلك الحقير الذي نال ما بحثت عنه طوال طفولتي ."
سقطت دمعة نزار وهو يبتسم دون شعور يقرأ كلمات الوليد بأعين ضبابية من الدموع وقد بدأ قلبه يتضخم بحب اكبر للوليد .
" وبعد أيام من وصولي للقصر وبحثي عنه بين الجميع بأعين حاقدة كارهة، وجدته أخيرًا، ذلك الحقير الوسخ الذي يضرب أخي الصغير، ولا تخف لم أكن لأسب طفل بمثل لطافتك نزار، تلك اللحظة التي رأيت بها طفلًا صغيرًا يسقطك ارضًا بعنف، كانت لحظة فارقة في حياتي، ففي حين أنني تخيلت نفسي مكان هذا الطفل اوسعك ضربًا، لم أتحمل رؤيتك ساقطًا ارضًا بأعين دامعة، لأندفع كالثور الهائج أضرب ذلك الصغير بقدمي في خصره ضربة لا أعتقد أن أثرها زال حتى هذه اللحظة، ومن ثم اندفعت لك، ودون شعور وجدت نفسي اطمئن عليك واناديك بأخي، وفي هذه اللحظة أنهارت تلك الجبال الوهمية من الحقد التي غذيت بها نفسي، أنهار كل شيء وأنا أراك تبتسم لي بامتنان وتنهض لتعانقني رغم فرق الطول بيننا آنذاك "
ابتسم نزار من بين دموعه وقد كانت ذكرياته لتلك الفترة مشوشة بعض الشيء، لكن لقاء الوليد لم يكن، ارتجفت يده وهي تقلب الصفحات يقرأ كلماته .
" أتذكر حينها جذبك لي لأقابل والدك، وابي كذلك، حينها نظرت لعيونه حاولت أن أبحث بها عن أي شر يغذي كرهي له، لكنني لم أجد سوى نظرات حنونة ويد تربت علي وهو يناديني بني، ولولا رباطة جأشي حينها لرميت نفسي بين أحضانه وبكيت أنني ولده فعلًا، ومرات كثيرة تمنيت لو أنني فعلت، لكن رؤيتي لعائلته الصغيرة السعيدة مكتملة دون دخولي للصورة حال ما دون ذلك، وشيئًا فشيء خفتت رغبتي لأخباره الحقيقة وتحولت رغبتي لأن أكون ولد آزار، إلى رغبة ملحة لأكون أخ نزار ... فأخذت اتقرب منك واتلقى منك اهتمامًا واحتواءً لم اتلقاه طوال حياتي، كنت الوحيد نزار، كنت الوحيد الذي أهتم بي في هذه الحياة الوحيد الذي ابتسم لي وساعدني كلما أسقطت نفسي في المشاكل، لا ازال أتذكر توسلك مرات ومرات لوالدك كي يعفو عن ذلاتي، ركضك خلفي في لحظات غضبي، وبقائك جواري في لحظات مرضي، وتتعجب أنني التصق بك وافعل أي شيء لحمايتك؟! أنت إن وجدت شيئًا يتمثل به حياتك ستحميه بكل ما تمتلك، وأنت يا أخي لم تتمثل بك حياتي، بل كنت حياتي والخيط الأخير الذي يربطني بأنسانيتي، لقد ....كنت أول من علمني الصلاة نزار، أول من تبعته في الركوع، أول من اطعمني بيده في مرضي، وحينما أصابني ذلك الوباء اللعين في شبابي، حينما كان الجميع ينفر من المصابين كنت أنت الوحيد الذي رفض تركي وحدي لأنك تعلم أنني لا امتلك سواك، وحينما أصاب أمي الوباء ذاته، لم توفر جهدًا للسفر لها بالعلاج"
" كنتَ ملاكًا لي، وكنتُ شيطانًا لأعدائك، نحن متعادلان أخي "
تلمس نزار الكلمات وهو يقبل الكتاب بحب شديد :
_ لم تكن يا أخي والله لم تكن شيطانًا، كنت ... ملاكًا يا الوليد، ملاكي الحارس يا أخي .
سقطت دمعة على الكتاب ليمسحها بسرعة قبل أن تفسد حروف أخيه يكمل قراءة بلهفة .
" ومع بداية شبابي بدأت اذل واحيد عن الحق، تعرفت على اصدقاء السوء وتشعب الفساد لدمي، جاء أخي وانضم للجيش وجرني معه للوحل، وكان شيطاني اقوى مني نزار ....لكنك ...حاولت واشهد لك بذلك، لقد حاولت مساعدتي وأنا كنت مستعدًا للتخلي عن فسادي، لكن يبدو أن الفساد لم يكن مستعدًا لتركي، ظننت أنني أصبحت بخير، لكن ...تلك الأقاويل التي بدأ يتناقلها الجميع عن استحقاق القائد سالار للمُلك عن الطبيب نزار، ليجن جنوني واتعهد ألا يحدث ذلك ولو وصل الأمر لقتل الجميع، أنا لم أتخلى عن مكانتي طواعية لأجل أن يسلبها أحدهم من اخي، كنت مستعدًا لسلك كافة الطرق لتضمن حقي وحقك أخي، وللأسف اخترت الطريق الخطأ وكدت اغرسك به معي، لكن حمدًا لله أنك لم تفعل، ولو كنت امتلك عقلًا لعرفت أن سالار الذي تخلى عن مُلك بلاده وبلاد أبيه لانه لا يصلح للحكم، ما كان ليحكم بلاد ليست بلاده، أخطأت وكان خطأي قاتل، والحمدلله أنك لم تفعل ولم تغرس معي أكثر، ذلك اليوم في هجوم مشكى، لم أكن أعلم بالأمر أنا كذلك، اقسم بالله لم اعلم سوى قبلها بساعات قليلة، ولم استطع أخبارك، خشيت أن ازج بك في أمر ستخرج منه بلا روح، خشيت أن آذيك، فأذيت شعبًا كامل بصمتي "
تحسس نزار الورق تحت أنامله، يبصر آثار دموع جافة تسببت في انكماش اجزاء من صفحات الكتاب يقرأ باقي كلمات أخيه.
" لقد كان الملك أرسلان رفيقًا مقربًا لك، لذا إن كنت تقرأ هذه الكلمات وجسدي يواريه التراب فأطلب لي منه غفرانًا يخفف من ميزان ذنوبي أمام الله نزار، لقد ...نويت التوبة بعدما ينتهي كل هذا، حينما أخرجك مما اقحمتك به سوف ... أترك كل ذلك وانعزل بحياتي عن كل ذلك الوحل، سأفعل يا أخي، لكن في البداية سأكمل دوري حتى النهاية، واحميك حتى آخر انفاسي، وصدقني ما أرتضيت لنفسي ميتة أكرم من موتي وأنا ادافع عن الشخص الوحيد الذي جعل لحياتي معنى، فلو حدث وكانت نهاية قصتي موت، فليكن للأجلك أخي، وحينها سأكون سعيدًا، سعيد مرتاح لا ينقصني في قبري سوى دعواتك لي فلا تنساني أخي، وإن مت لا توقف حياتك لأجلي وتأكد أنني سأكون مرتاحًا من كل ذلك، فقط كن سعيدًا ولا تضع تضحيتي هباءً أخي، كن سعيدًا فهذا ما سعيت لأجله حياتي، واعتبر أن سعادتك هي وصيتي الأخيرة، وتذكر أنه في يومٍ من الأيام كان هناك رجل يُدعى الوليد يراك العالم يا أخي ...."
اغلق نزار الكتاب قبل صفحاته الأخيرة يرفض أن ينتهي منه اليوم ويفتقد وجوده الأيام القادمة، رغم أنه لا يعتقد أنه سيمل من قراءته كل ثانية، يقبل صفحاته بحب مبتسمًا بسمة صغيرة لا معنى لها، ينظر للكتاب نظرة المنقذ، وقد وجده رجال سبز في الجحر وقت الهجوم .
_ رحمك الله يا أخي، رحمك الله يا حبيب قلب أخيك، عسى الله يتغمدك برحمته يا أخي، أديت رسالتك ونفذت ما أردت، ووصيتك لن تسقط يا اخي، لن يحدث طالما بي أنفاس......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ارسلان عزيزي ما الذي تفعله ؟! هذا لن يـ
قاطعها أرسلان وهو يشير لها بالصمت يمسك بين أنامله أطراف الحجاب الخاص بها وهو يلف حول رأسها بشكل مرتب وهي تتابعه بأعين شغوفة، تبتسم على شدة تركيزه على الأمر كما لو أنه يقوم بعملية جراحية .
وبعد ثواني وحينما انتهى جذب طرف الحجاب بشكل معين ولفه للخلف يرفعه فوق رأسها ينزله على رأسها كي تستخدمه كغطاء كما يفعل الجميع هنا، يحرك لها حاجبه مبتسمًا بفخر يجعلها تستدير صوب المرآة :
_ أخبرتك أنني أستطيع فعل ذلك بسهولة، لا حاجة لتنادي أحدهم لمساعدتك وأنا هنا، أنا ماهر في هذا، لم افني سنوات مراهقتي وشبابي هباءً .
نظرت له سلمى ترفع الغطاء عن رأسها مبتسمة على ملامحه الفخورة :
_ يبدو أن فترة تقربك من كهرمان اكسبتك الكثير، وهذه مزايا أن تكون أخًا لفتاة .
ابتسم لها بحب وقد كان ذلك حقيقة، ففي الفترة التي مرض بها والده اضطر هو لتولي مسؤولية كهرمان بالكامل ليخفف أعباء والدته، فتعلم لأجلها طريقة ربط الحجاب وعقد خصلات الشعر، تعلم كل شيء لأجلها...ومن داخله كان يفعل لأجل زوجته، يتخيل نفسه يدلل زوجته كما كان يدلل شقيقته .
أبصرت سلمى نظراته الشريدة لتبتسم وهي تفرقع أصابعها أمام عيونه، لينتبه هو لها مبتسمًا :
_ هل كانت والدتكِ تشبهك سلمى ؟!
ضيقت سلمى ما بين حاجبها بعدم فهم للسؤال المطروح فجأة بدون مقدمات، لكنها هزت رأسها بنعم تتحدث وهي تتذكر ملامح والدتها فاتنة البرازيل كما اعتاد والدها والجميع مناداتها، فقد كانت والدته نسخة أشد جمالًا وانوثه ودلال منها، ورغم أن والدتها كانت تنحدر من عائلة بالسلك الدبلوماسي، نصفهم يعمل في وظائف كبيرة شديدة الخطورة إلا أنها كانت مثال يحتذى به في الدلال والأنوثة، وبجسد يشبه العارضات .
_ نعم كانت، يقولون أنني نسخة صغيرة منها، عدا لون العيون فهذا ما فازت به جينات أبي، أمي كانت تمتلك عيون بلون العسل الصافي .
ابتسم لها أرسلان يهز رأسه وهو يتخيل الأمر يتحرك في المكان يخلع عنه سترته يتنهد بصوت مرتفع :
_ لا عجب إذن أن والدك هرب لأقاصي الأرض لأجلها، لا الومه في الحقيقة، تعجبت في الماضي أن يفعل والدك ذلك ويهرب من خدمته لبلاده، ويتخلى عن الجميع، لكن بالنظر لكِ، ولحالتي البائسة في حبي لكِ ....
ترك جملته معلقة وهو يقترب منها يميل بجسده أمامها وهي تراقبه بأعين منبهرة من التصاق ثوبه في عضلاته وملامحه الرجولية الخشنة التي ما تزال تحمل أثر معركته الأخيرة :
_ لو طُلب مني ترك حياتي خلفي لأجل الوصول لكِ، والله لدهستها أسفل أقدامي ولا التفت لها، وجئت لكِ ولو زحفًا على اعقابي .
شعرت سلمى بالاكسجين ينسحب فجأة من الغرفة وأن التنفس في هذه اللحظة أصبح صعبًا عليها، تبتلع ريقها بصعوبة، هذا الرجل والذي لا يمتلك نصف عبث رجال البرازيل كان يستطيع سلب أنفاسها بكلمة واحدة، الشيء الذي لم يستطع رجل فعله سابقّا وقد كان تغزلهم الرخيص يصيبها بالاشمئزاز .
رفعت عيونها تنظر لعيونه نظرة رقيقة جعلته يمد يده وهو يجذب رأسها له ينطاحها برأسه:
_ نعم ..هذه هي النظرة التي يمكنني احتلال عالمك بأكمله لأجلها .
ختم كلماته وهو يطبع قبلة سريعة على وجنتها هامسًا :
_ افسونگر زیبایی ها ( ساحرة الجمال )
تنفست بصعوبة وهي تهمس له بنفس الصوت والنبرة :
_ ملامح وجهك الآن لا تليق البتة مع كلماتك، سبحان من جعل قلبك بهذه الرقة والحنان أرسلان.
ابتعد أرسلان عنها قليلًا وقد انكمشت ملامحه برفض :
- أنا لست حنونًا أو رقيقًا سلمى، أنا هكذا فقط لأنني مع سليمى، ببساطة ....
ختم حديثه يتحرك من أمامها يخلع عنه سترته يتحرك صوب المرحاض وهي تتابعه بعيون منبهرة من مقدار الخشونة والرقة التي يمتلكها في نفس الوقت، الرجل كان الشيء ونقيضه، والله لو قضت حياتها تكتب مواصفات فتى أحلامها، ما أخرجته بهذه المثالية ..
وفي هذه اللحظة تذكرت كلمات نغمة التي كانت ترددها حول عدد النساء اللواتي تمنين منه نظرة، ورغم غضبها من تلك الفكرة إلا أنها في الحقيقة تعذرهن، فمن هذه التي تتمالك نفسها أمام أرسلان..
ولا تعلم هل كان بهذا الجمال والرجولة التي تراها، أم فقط عشقها الشديد له جعلها تبصر أوسم رجال عالمها وعالمه، والجميع جواره خاسر .
_ سأنتهي من حمامي ونذهب لتناول الطعام لأجل ادويتك ها ؟!
هزت رأسها بنعم وكأنه يبصرها من خلف باب المرحاض، تتحرك صوب المرآة تراقب طريقة لفه للحجاب لتبتسم دون شعور :
_ أيوجد شيء لا يستطيع هذا الارسلان فعله ؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن ثم أيام تبعتها أيام حتى اكتمل الشهر وتبعه شهر ثاني وثالث، ليحل شهر جديد وينتصف، وجاء فجر اليوم الخامس عشر من ربيع آخر جالبًا معه حياة جديدة للبعض وسعادة جديدة للبعض الآخر..
وكان من هؤلاء البعض ..
قائد جيوش مشكى وزوجته الصغيرة التي تتحضر في هذه اللحظة مع الجميع لأجل زفافها بعد سنوات طويلة من الوحدة، وبعد معاناة ربما لم تنتهي بقدر ما تجاهلتها، أخيرًا منحها الله مكافأة صبرها .
كانت تنظر للمرآة أمامها لا تصدق تلك الفتاة صاحبة البشرة النظيفة والشعر المصفف بعناية، هذه لا تشبه بأي شكل من الأشكال فاطمة الأخرى التي كانت تحمل من الاوساخ ما يثقل وزنها .
ابتسمت بسمة مهتزة تستشعر خليط عجيب من المشاعر تحاول أن تستوعب ما يحدث حولها، لتشعر فجأة بيد سلمى تربت على كتفها، ومن ثم رددت بأعين ملتمعة من شدة سعادتها :
_ تبارك الله، ماشاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ما هذا الجمال عزيزتي، من أين لكِ بهذا الحسن تبارك الله .
التمعت عيون فاطمة أكثر بدموع أشد كثافة وهي تسمع جملة سلمى، سلمى العزيزة التي لم تتركها الأيام السابقة بعدما عادت من سفرها مع الملك وابصرتها، لتبكي فاطمة في أحضانها وتقص عليها ما لاقته أثناء غيابها، وسلمى فقط تسمعها وتربت عليها بحنان، وقد أصدرت أن تقضي معها فاطمة جميع الأيام قبل زواجها بحجة أنها ستجهزها نفسيًا لحياة جديدة ...
والمعتصم، ذلك المسكين لم يجد سوى أن يقبل متلهفًا، لأجل صغيرته، تركها مع الملكة بنفسٍ راضية وهو مطمئن أنها ستكون بخير، وسلمى لم تقصر مع فاطمة أو إحدى النساء المنكوبات، إذ كانت تجمعهن يوميًا في إحدى حدائق القصر وتتحدث لهن ساعات طويلة محاولة تخفيف الأمر عنهن، وهذا جعلها تتقرب من الجميع خاصة زوجة زيان، نازين صاحبة القلب الطيب والضحكة المرحة رغم أنها لا تظهر الأمر ..
كانت أيام اقتربت بها سلمى من الجميع تساعد هذه وتلك، ورغم كل ذلك لم تكن تهمل وجود أرسلان البتة، وهو لم يكن يشتكي إن فعلت، يكفيه أنها تحيي معه بلاده وشعبه، وهو انشغل في أعمار البلاد مع الجنود وكان يختفي بالساعات الطويلة خلال اليوم .
وأخيرًا بعد أيام طوال من التحضيرات .
أتت لحظة زفاف الصغيرة فاطمة وقد أصر أرسلان أن يزوج المعتصم أولاً ويطمئن عليه ومن ثم يتفرغ لذاته، ولأنه حسب زعمه لم ينتهي بعد من أعمار بلاده ليطمئن بالشكل الكافي الذي يجعله يعتزل الجميع ويتزوج .
فجأة علت أصوات غريبة في المكان جعلت أعين سلمى تتسع ببسمة كبيرة وقد شعرت بتلك الأصوات مألوفة لها، اصوات من ماضي بعيد وطفولة بريئة كانت تقضيها مع والدها أمام التلفاز تتابع مع برامج عربية وأفلام عربية لتتعلم اللغة، أصوات معروفة بين العرب خاصة في الزفاف ....زغاريد، أو كما كانت تسميها " أصوات السعادة ".
وهكذا صوت لم يكن ليخرج من إحداهن غيرها، زوجة القائد، تبارك التي اقتحمت الغرفة مع باقي فتيات الممالك اجمعهن ..
كهرمان وزمرد وبرلنت وتبارك وأخيرًا توبة التي تحركت داخل المكان وهي تحمل بين يديها باقة زهور كبيرة قطفتها من حديقة والدها قبل الحضور حسب طلب سلمى .
تحدثت كهرمان بسعادة كبيرة :
_ يا ويلي، الله أكبر من كل عين حسود، تبارك الله فاطمة تبدين.....
_ مبهرة حبيبتي .
وكانت تلك زمرد التي وجدت وأخيرًا لقب يتماشى مع هيئة فاطمة في هذه اللحظة والتي كانت ترتدي ثوب مشكى التقليدي في الزفاف والذي كان يتميز بكثرة اللون الاخضر مع بعض المشغولات الذهبية به .
مسحت تبارك عيونها وأخذت تطلق اصوات زغاريد متتابعة نشرت بها بهجة في المكان بأكمله، تتحرك صوب فاطمة تضمها بأعين دامعة :
_ حبيبة قلبي مبارك يا عيوني، زي القمر تبارك الله .
ابتسمت فاطمة بخجل كبيرة وبرلنت تتحرك صوبها تمنحها هدية مغلفة صغيرة رغم أنها لا تعرفها بشكل مقرب إلا أن هيئة فاطمة البريئة كانت تجبر كل من يلتقيها بالتقرب منها وأن يحنو عليها .
_ هذه فقط هدية بسيطة أتمنى أن تعجبك، صنعتها مع زوجي خصيصًا لكما، مبارك .
نظرت فاطمة صوب العلبة بين أناملها بتعجب وهي تبصر جرى فخار جميلة بألوان مبهجة بها رسومات ورود رائعة ومخطوط عليها اسم فاطمة والمعتصم بشكل متداخل وبخطوط عربية بديعة جعلت فاطمة تشهق منبهرة، لتبتسم برلنت وهي ترى أن هديتها اعجبتها :
_ احضرتها لتضعي بها زهور الزفاف التي سيحضرها لكِ زوجك لتحتفظي أبد الدهر بإذن الله.
_ هذا ...هذا رائع... أنا....شكرًا لكِ .
ابتسمت لها برلنت بحنان وقد أقبلت كل فتاة تترك لها هدية خاصة بها وفاطمة تتابع ما يحدث حولها بأعين دامعة وكلمات سلمى لها في إحدى الليالي تتكرر في أذنها .
" فاطمة صغيرتي، الحياة لن تتوقف على احزانك، لا يمكنك أن تتجاهلي كل تلك الأبواب التي تُفتح أمامك فقط لأنكِ لم تبصرينها بسبب دموعك ووقوفك أمام بابك المغلق، انظري حولك عزيزتي، في هذه الحياة ما يستحق بسمتك وسعادتك، وإن لم تتمكني من تجاوز ماضيكِ، تجاهليه ..."
أفاقت من شرودها على صوت توبة وهي تتحرك صوب سلمى تضع أمامها الزهور :
_ لماذا طلبتي كل هذه الزهور سلمى ؟؟
ابتسمت سلمى وهي تتلقف منها الزهور وقد أخذت تحرك بين يديها تحمل بين يديها آلة حادة تقطع هذه وتقلم هذه، وهي تتحدث ببساطة :
_ نوع الزهور هذه تذكرني بفاطمة، وقد فكرت أن أميرة كفاطمة لا يجوز أن تُزف بلا تاج، لذا سأستغل خبرة سنوات طويلة في تشكيل الزهور لأجلها .
لم يفهم البعض ما تقصده سلمى وهن يتابعن مهاراتها في التعامل مع الزهور وتشكيلها وكأنها عجينة بين أناملها وبعد دقائق طويلة ابتسمت سلمى بسمة واسعة وهي ترفع أمام عيونهن تاج كبير مصمم بالكامل من الزهور يتوسطه زهرة " الفريسيا " نفسها الزهرة التي شبهت بها فاطمة سابقًا .
ترفع عيون ملتمعة صوب فاطمة التي كانت تتبابعها بصدمة واعين دامعة متسعة تبصر سلمى تقترب منها وتضع التاج أعلى رأسها بحب :
_ تبدين في غاية الجمال .
فجأة انفجرت فاطمة في بكاء حار وهي تلقي نفسها بين أحضان سلمى التي تلقتها بحب دامعة العيون وهي تربت على ظهرها بحنان وحب كبير :
_ حبيبتي عساها تكون بداية سعادتك الخاصة فاطمة، الله عوضك بالمعتصم فكوني عوض له حبيبتي .
مسحت كهرمان دموعها متأثرة وكذلك تبارك التي كانت تبكي مع الجميع وبرلنت وتوبة، جميعهن عدا زمرد التي ضمت ذراعيها لصدرها تبعد عيونها عنهم بعناد ترفض البكاء أمام أحدهم عدا زوجها :
_ لا تحاولن والله لن أبكي.
ضحكت كهرمان من بين دموعها، وهي تضرب زمرد على كتفها بحنق، بينما الجميع حلق حول فاطمة حينما سمعوا اصوات الصلاة تقام في الخارج، وهذا يعني قرب بدء مراسم الزواج بعد الصلاة .....
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك سريعًا خارج غرفته مهرولًا كي يلحق بالجميع لأجل زفاف المعتصم، يصفف خصلاته مستخدمًا اصابعه بعدما غافله الوقت وتأخر عن الجميع، لكن اثناء تحركه لمكان الزفاف حيث يجتمع الرجال توقفت أقدامه وهو يلمحها تتهادى بين الجميع وهي تبتسم بعيونها والتي لأول مرة تبتسم، ليتذكر ما حدث قبل أيام حينما جاءته لتخبره ما أرادت اخبار الملك به ....
" إذن ؟!"
رفعت عيونها له وقد على التوتر وجهها، قبل أن تبتلع ريقها وهي تخرج ورقة له تمد بها يدها له :
" هذه ...احضرتها للملك ربما يكون مهتمًا بمعرفة أن هناك من ينتوي له سوءًا "
نظر لها تيم بعدم فهم يختطف الورقة من يدها، ومن ثم فتحها بصعوبة وقد كانت شبه مهترئة يراقب ما خط بها بأحرف غير منتظمة وبعض كلماتها بالدماء ..
كانت تبدو كما لو أنها قائمة تحمل العديد من الأسماء بعضهم محذوف والبعض الآخر مازال في قائمة الإنتظار، والمحذوف كان ...الراحلين بالفعل .
رفع عيونه لها بعدم فهم لتشرع تقص عليه الأمر:
" هذه الورقة وجدتها أثناء تنظيف غرفة الضيف الذي كان يسكن منزلنا، بعد اختفائه بشكل مريب، كان رجلًا أحضره أبي بعدما وجده مصابًا في طريقه لسفيد، و...لم يكن يبدو شخصًا طبيعيًا على أية حال والورقة هذه تثبت الأمر، رأيت بها اسم الملك و....الملكة لذا جئت لأخبره كي يحذر "
" رجل ؟! هل تعرفين ما اسم هذا الرجل آنستي ؟؟"
رفعت عيونها له وقد ابتسمت عيونها دون شعور لملكية لقبها وإن كانت عادية في نظره فهي تعني الكثير لفتاة بائسة قضت أيام طويلة تحلم بفارسها المتمثل به .
" نعم لقد أخبرنا أن اسمه هو ... أنمار "
اتسعت عيون تيم بسرعة وبفزع كبير من ذكر اسم أنمار، وقد بدا الأمر واضحًا على وجهه، لتتعجب هي وتتحدث بصوت خافت :
" هل تعرفه ؟؟"
هز رأسه ولم يجيب سؤالها، بل ردها لها بسؤال آخر:
" هل سبق وتعرض لكِ أو لأحد أفراد أسرتك بالسوء ؟؟"
نفت برأسها وقد لمسها اهتمامه:
" لا لم يفعل، هو بالأساس لم ...لم يكن يجلس معنا كثيرًا، بل كان يشرد طوال الوقت "
هز رأسه يضغط على الورقة مقررًا اعطائها للملك بمجرد عودته، ومن ثم رفع عيونه لها يبتسم لها بامتنان :
" اشكرك للطفك آنستي، الملك لن ينسى لكِ هذا المعروف ".
نفت برأسها بخفة وهي تبتعد خطوات للخلف :
" لا بأس فعلت ما املاه عليّ ضميري، والآن اسمح لي بالذهاب "
وبالفعل تحركت من أمام تيم الذي أخذ يراقبها دون شعور، حتى قرر اللحاق بها، ونفذ دون تفكير، تحرك بسرعة خلفها كي يتأكد من عودتها سالمة بعد كل هذا الوقت لمنزلها، ولأجل رغبة في نفسه لمعرفة أين تسكن تلك الفتاة البهية صاحبة الاخلاق، ربما يفكر في المستقبل بكسر عزلته ....
أفاق من شروده على يد تجذب مرفقه وصوت خالد يتردد بلهفة :
_ما بك تيم الحقنا سيبدأ الزفاف
فزع منه تيم وركض معه وهو يراقب ما يرتدي خالد بعدم فهم، فقد كان يرتدي بنطال اسود قماشي وقميص أبيض مع سترة سوداء تشابه البنطال وحذاء اسود لامع مع ساعة يد سوداء، رفع عيونه لخالد يحاول معرفة ما هذه الثياب التي يرتديها .
أما عن خالد فشكر نفسه، بل وقبلها في المرآة على إحضاره لبذلته الثمينة معه تحسبًا لحاجته إليها وها قد كان، مع أنه كان يوفرها لزفافه بالجميلة حور، لكن لا بأس يتزوجها فقط ولو كان مرتديًا شوال .
وصل وأخيرًا صوب ساحة القصر حيث أقام الملك زفاف قائد جيوشه ودعى له جميع ملوك وكبار الممالك، وقد كان ذلك بعدما أذن له الملك آزار احترامًا لمصابه، يخبره أن يكمل زفاف المعتصم فتأخيره لن يعيد له ولده، وحياتهم لن تتوقف معتبرًا الوليد حي بينهم بالفعل .
ونزار يراقب ما يحدث مبتسم الفاه بهدوء شديد، رغم عيونه الذابلة، يتابع الجميع سعيدًا لسعادتهم، ومرتاح بحياته الجديدة بعدما أعاد له والده سمعته بين الممالك واكتسب احترام الجميع بعدما كانوا يحتقرونه، ومن ثم لم يفوت يومًا إلا وأخرج صدقات لأجل أخيه يشعر بالراحة كل يوم وهو يضع رأسه على وسادته وقد أدى صدقة أخيه لليوم وذكره في كل دعاء .
وهناك في منتصف الساحة كان المعتصم يرتدي ثوب اسود وهو يرقص مع إيفان الذي كان في قمة سعادته بزواج ابن خالته، يحرك يديه في الهواء وهو يراقب سعادة المعتصم الذي تبقى فقط أن يخرج له جناحين ويحلق في سماء مشكى .
وارسلان يحمل له الدف ويضربه بقوة، وهو يطلق كلمات أغنية تراثية قديمة تعلو في المكان، قبل أن يلقي بالدف صوب نزار الذي تلقفه بفزع ينظر لأرسلان بعدم فهم بينما الأخير غمز له وهو يحرك يديه في الهواء راقصًا ليضحك عليه نزار يهز رأسه بيأس من أرسلان الذي لم ييأس طوال الشهور السابقة في إفساد عزلته هو وسالار وتوبة العزيزة والتي كانت لا تفوت فرصة لتحضره من آبى خصيصًا لسبز لأجل اسباب تافهة كرؤية لون فستانها الجديد مثلًا .
خرج من شروده على أرسلان ينتزع منه الدف بعنف :
_ اعطني هذا أنت فاشل في قرع الدفوف، خذ أيها العجوز آزار اضرب أنت الدف لنا .
ومن ثم جذب نزار من كفه لمنتصف الساحة ليتلف حوله الجميع يشجعونه، حتى سالار الذي كان يرفض في البداية الرقص أو الغناء حتى، هبط للساحة يشاركهم الرقص وأصوات الرجال تعلو بصخب...
وآزار يراقب ما يحدث مع بارق ببسمة واسعة سعيدة، يدعو الله أن يعود له ولده بكامل روحه .
أما عند النساء فقط فقد كانت جميع الاعين متسعة مما يبصرونه ...
فسلمى التي تميزت بثوب تقليدي باللون الوردي مع بعض النقوش البيضاء، كانت ترقص رقصات غريبة، لكنها رائعة، تحرك خصرها بشكل غريب مثير للحق، وتحرك يديها في الهواء وتميل بخصرها تارة وتحرك نصفها العلوي تارة أخرى جاعلة الجميع يرمقها بصدمة .
وتبارك فقط تتابع بفم مفتوح ما يحدث لم يصدر منها سوى كلمة واحدة منبهرة :
_ شاكيرا ؟؟
نظرت لها برلنت بعدم فهم :
_ ماذا قلتي ؟!
استغفرت تبارك ربها وهي تجيب مبتسمة بصدمة وهي ما تزال تراقب جسد سلمى التي كانت تجذب أنظار الجميع لها بفضول :
_ لا ...لا شيء فقط تذكرت أحدهم.
_ صديقة قديمة ؟!
_ ها ؟؟ آه فعلا صديقة قديمة كانت معايا في مدرسة صفط اللبن الثانوية بنات .
أما عن سلمى فبعد فشل دروس الرقص وعدم اكتمالها مع كهرمان، قررت أن تستخدم دروس الرقص التي تلقتها في مدرسة مجاورة لمنزلها تقضي بها لحظات الفراغ إن امتلكت وقد كانت تتخلف عن نصف الدروس حتى تم طردها لعدم التزامها .
وبعد لحظات طويلة توقف وهي تلتقط أنفاسها تردد بصوت منخفض :
_ هذا وأنا لم أكمل دروسي، ماذا إن حضرت كامل الدروس؟!
تمتمت كهرمان بصوت خبيث وهي تبصر سلمى تقترب منها:
_ عوض الله أخي عن صبر ثلاثة عقود، سوف أخبره أن يرقيكِ بعد انتهاء كل هذا فأعين النساء تكاد تأكلك .
نظرت لها سلمى ثواني قبل أن تسمع صوت امرأة تهتف لهم أن الملك يستدعيهم للساحة لأجل إكمال مراسم الزواج .
وفي ثواني بدأت النساء يغطين وجوههن بالحجاب، ويتحركن صوب الخارج تتوسطهن فاطمة التي كانت تخفض رأسها وهي تشعر بكامل جسدها يرتجف تتمسك بيد سلمى والتي كانت تشعر بها وهي لا تتخيل نفسها تسير بنفس الطريق صوب أرسلان والجميع حولها، تقسم أنها كانت لتنهار أرضًا، ليس من هول الموقف، بل من بهاء زوجها الذي يقف جوار المعتصم في هذه اللحظة يرتدي ثوب ابيض مع بنطال اسود ..
ابتسمت على أفكارها الغبية وهي تحمد الله أن لا أحد يسمع أفكارها .
لكن فجأة ضحكت بصوت شبه مسموع كبتته بسرعة وهي تبصر ذلك المشهد العبثي أمامها، جميع الرجال يرتدون ثياب تقليدية وفي المنتصف يقف خالد يرتدي بذلة عصرية ليحطم بها الصورة المثالية للجميع .
_ سامحك الله خالد أفسدت المشهد بالكامل بغبائك .
وصلت فاطمة للمعتصم الذي تحرك صوبها بلهفة كبيرة يلتقط كفها بين يديه، وهو يجذبها صوبه وتراجعت النساء بعيدًا عن منطقة الرجال مجددًا وقد بدأ الجميع من النساء يتقدمن لتقديم الهدايا اولًا للعروس، لتراقب سلمى ما يحدث بعدم فهم، كانت المرة الأولى التي تراقب بها الضيوف يقدمون مجوهرات وأموال للعروس .
لماذا لم يخبرها أحدهم ؟!
وتبارك في هذه اللحظة التي أبصرت حركات سلمى المتوترة، أدركت أن المسكينة وقعت بنفس ما وقعت هي به سابقًا، نظرت صوب كهرمان تتحدث بصوت منخفض :
_ كهرمان ألم يخبر أحدكم سلمى بالعادات هنا ؟!
نظرت لها كهرمان بعدم فهم لثواني قبل أن تتحرك برأسها صوب سلمى، لتهتف بصدمة :
_ ماذا، لم يخبرها أخي ؟؟ لقد ... أنتِ رأيتي أننا وصلنا اليوم مباشرة على الزفاف لم يكن هناك وقت ولم يخطر ببالي أنها لا تعرف الأمر.
اخرجت كهرمان بسرعة قطعة من الحلي التي تحملها وقد تمثلت في اسورة جميلة الشكل وهي تلفها في قماشة حريرية تتحرك بسرعة صوب سلمى كي تمنحها لها لتقدمها إلى فاطمة .
لكن ما كادت تقترب منها حتى، حتى وجدت أخيها يميل على سلمى وهو يدس بيدها شيئًا ..
ابتسمت براحة وهي تعود بعيونها صوب تبارك تهز رأسها باطمئنان .
_ الحمدلله كان أخي على الأقل واعيًا للأمر ..
أما عند سلمى فقد شعرت فجأة بالخجل وهي ترى الجميع يقدم الحلى لفاطمة وهي ...لم تكن حتى تدرك الأمر، مدت يدها بسرعة تنزع إحدى أساور يدها، لكن فجأة شعرت بكف تمسك يدها، ومن ثم صوت هامس جوار أذنها:
_ تبدين بغاية البهاء حلوتي، محظوظ أنا.
رفعت سلمى عيونها لأرسلان الذي ابتسم لها غامزًا، يفتح يدها واضعًا بها سُرة حريرية ومن ثم اغلق كفها، يتحرك بعيدًا وهو يهمس لها كلمات أخيرة ممازحة رغم نبرته الجادة :
_ احرصي على ألا يبصر أحدهم طرفك دون غطاء سلمى ولو كانت امرأة، فلم ارقيكِ اليوم وقد انشغلت بالزفاف .
ختم حديثه بضحكة صغيرة وهو يتحرك صوب الرجال تاركًا سلمى تتابعه ببسمة غير ظاهرة بسبب غطاء وجهها، وهو يتحرك للرجال بهيبة تليق به، عادت تنظر ليدها ثواني قبل أن تضحك ضحكة خافتة وتسارع صوب فاطمة تقدم لها هديتها .
وقد اندمج الجميع في الأمر حتى تقدم كل من أرسلان وايفان وسالار ونزار يحملون بين أياديهم صندوقين صغير يحمل أرسلان واحدًا، وايفان آخر، تقدم إيفان يضعه على الطاولة أمام الجميع وهو يردد ببسمة صغيرة :
_ هذه الهدية من إخوة العريس .
ومن ثم وضع أرسلان ما بيده :
_ وهذه من عائلة العروس...
رفع لهم المعتصم عيونه بصدمة ليغمز له إيفان وهو يربت على ظهره بحنان، بينما فاطمة سقطت دموعها دون شعور وهي تراقب الجميع حولها سعداء لأجلها..
وقبل سقوط الجميع في حالة من الشجن والبكاء تأثرًا بما يحدث، انقذ أرسلان الموقف وهو يدفع صندوق إيفان جانبًا يعطي لصندوقه مساحة اوسع، يستقيم في وقفته :
_ دعك من هراء إيفان وسالار والعجوز آزار، هؤلاء لا ذوق لهم، بضعة حمقى لا تنتظر منهم شيئًا مميزًا، انظر لهديتي أنا ونزار والعجوز بارق بالله فن تبارك الله، لدي ذوق عالٍ كما تعلم يا المعتصم بالطبع .
كبت نزار ضحكته وهو يتذكر كلمات أرسلان حينما ذهبوا لإحضار الهدية بعدما قسموا بينهم هدايا عائلة العروسين.
" اسمع أيها العجوز وأنت الآخر نزار، لا يهمني ما تشترون فقط أحضروا شيئًا ملونًا لامعًا تحبه النساء ولنرحل من هنا "
تحدث نزار بصعوبة من بين ضحكاته وهو يهز رأسه:
_ آه صحيح، هذه حقيقة ..
ضحك بارق بصوت مرتفع وهو يسعل بقوة من بين ضحكاته، لينظر له أرسلان بتحذير :
_ علام يضحك هذا العجوز ؟؟
_ على ذوقك العالي ..
وكانت تلك كلمات إيفان قبل أن ينفجر في الضحك، لتنكمش ملامح أرسلان بغضب يتجاهلهم :
_ لن اتناقش معكم حقًا .
_ منذ متى هذا التعقل ؟!
_ منذ اليوم الذي أدركت فيه أن النقاش مع بعض الاوغاد مثلكم لن يعود عليّ سوى بتلويث لساني الطاهر .
أطلق سالار ضحكة صاخبة على ما يحدث، بينما المعتصم هز رأسه بيأس ينهض ليشكرهم جميعًا، على لطفهم معه ومع فاطمة .
وحينما انتهى الجميع أتى وقت تقديم مهر العريس الذي تحدث بصوت هادئ عاشق وهو يمسك يد فاطمة :
_ مهر زوجتي لا اقدمه هنا فهو شيء لم استطع حمله، لذا اعذروني جميعًا سأصطحب زوجتي لترى مهرها بنفسها، استمتعوا بالزفاف .
ختم حديثه وهو يأخذ من أرسلان شيء خفي، ومن ثم غمز له يمسك يده فاطمة ويتحرك بها بعيدًا عن الجميع تاركًا أرسلان يراقبه بحنان وبسمة قبل أن يستدير للجميع يردد بسعادة كبيرة :
_ وحتى يعود العروسان، تفضلوا جميعًا امنحوني شرف اكرامكم وتوجهوا مع الجنود صوب الصالات الجنوبية لتناول الطعام، ولن اتقبل من أحدكم اعتراضات ..
ختم حديثه يشير للجنود الذين تحركوا صوب الرجال ببسمات واسعة يقودوهم للصالات، والنساء تحركن مع العاملات ..
وارسلان نظر صوب اصدقائه ولم يكد يتحدث حتى وجد بارق يقترب من آزار يمسك يده وهو يجره معه :
_ ها هي فقرتنا المفضلة أيها العجوز لنتحرك صوب القاعة .
ضحك آزار وهو يهتف بمزاح افتقده منه بارق طوال الشهور السابقة:
_ لقد قمت بتجويع نفسي اليومين السابقين .
اتسعت أعين نزار وهو يراقب والده يهرول مع بارق صوب قاعة الطعام، وتحركت عيونه صوب الجميع بخجل ليضحك أرسلان وهو يربت على كتفه بهدوء أن هذا معتاد منهم ..
وبطرف عيونه أبصرها نزار تتحرك أمامه مع النساء ليشير لها بيده ورأسه صوب جهة معينة، لتتوقف توبة في سيرها وهي تبتسم بخبث من أسفل غطاء وجهها تستأذن من الفتيات وتتحرك بسرعة صوب الجهة التي أشار لها نزار ..
والجميع يراقبه بعدم فهم.
_ إذن ما الذي تنتظرونه أنتم ؟! هيا توجهوا لتناول الطعام .
نظرت له إيفان بحنق وسالار فقط هز رأسه بكسل وهو يتحرك بعيدًا عنهم:
_ اشكرك لست جائعــ
لكن لم يكمل كلمته بسبب يد أرسلان التي قبضت على مرفقه هو وايفان يسحبهم بالاجبار صوب قاعة الطعام :
_ قلت هيا للطعام، هل تريدون أن يقال في حقي أنني لا أكرم ضيوفي لأجل وغدين مثلكما ؟! خسئتم أنتم واشباهكم الاربعون، ستتناولون الطعام ولو كان بالاجبار.
كان يدفعهم وايفان يضحك بصخب :
_ وما ذنبي أنا ؟؟ كنت سأذهب على أية حال فأنا أحب الطعام هنا .
دفعهم أرسلان للقاعة التي يجلس بها باقي الملوك :
- هيا قبل أن ينتهي العجائز من الطعام، سأرسل لكم المزيد ..
ابصره سالار يرحل :
_ إلى أين أنت الطعام كثير والحمدلله، تعال لتأكل معنا أين إكرام الضيف يا هذا، تترك ضيوفك وترحل .
نظر له أرسلان بسخرية :
_ أي ضيوف هؤلاء يا عزيزي ؟؟ لم ارك يومًا تتصرف كضيف، بل أراك طوال الوقت تتصرف كما لو أنها بلاد والدك التي اورثها لك، على كلٍ دقائق قليلة اطمئن على شيء واعود لن اتأخر .
ختم حديثه وهو يغلق الباب خلفه يتحدث بصوت مرتفع وصل لهم في الداخل وهو يشير صوب الباب للجندي :
_ لا تسمح لأحدهم بالخروج حتى آتي أنا حسنًا ؟!
ومن ثم رحل تاركًا سالار يراقب الباب بصدمة كبيرة وهو يهمس بعدم تصديق :
_ هل سجننا الآن هنا ؟؟
ضحك إيفان بصوت مرتفع وهو يتحرك صوب طاولة الطعام :
_ حسنًا هذا سجن أحب قضاء الباقي من حياتي به ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن ما الذي ذكرك بي بعد كل هذه الغيبة سمو الأمير ؟؟ أراك عدت مشتاقًا ؟؟
كانت تلك كلمات توبة التي استقبلت بها نزار في إحدى شرف مشكى تضم يديها لصدرها بحنق، اقترب منها نزار بعدم فهم وهو يرفع غطاء وجهها كي يبصر تعابير وجهها ويعلم إن كانت جادة في كلماتها أو ماذا ؟!
لكن للأسف بالنظر لملامحها فنعم كانت جادة للغاية .
_ ماذا ؟! هل تمزحين معي يا امرأة؟! أي غيبة هذه ؟! لقد كنت معكِ في سبز ليوم كامل قبل يومين.
_ قبل يومين، وتقولها ببساطة وكأنك تمن عليّ بزيارة كل اسبوع.
اتسعت عيون نزار من كلماتها يقترب منها مبتسمًا بسمة صغيرة وهو يمسك وجنتيها بين يديه :
_ لينعم الله عليكِ بنعمة العقل حبيبتي ....
ضربت توبة يده تبعدها عن وجهها مبتسمة بسخرية :
_ والله أنت تسلمتني بكامل عقلي، وما تراه الآن هو سوء استخدام وتخزين سمو الأمير.
_ آه هكذا إذن ؟! إذا لا بد لي من تغيير بيئة التخزين، فالجو الربيعي في سبز يفسد الأعشاب سمو الأميرة ..
اتسعت عيون توبة من كلماته وهي تراه يتحرك يجلس على النافذة مشيرًا لها جواره وهو يبتسم لها بحنان، بينما هي ما تزال تحدق فيه بأعين متسعة :
_ أعشاب ؟؟ أعشاب نزار ؟! هل تعاملني معاملة اعشابك ؟؟ هذا بدلًا أن تصفني بالورد ؟!
_ بالله اسألك صدقًا أن تخبريني إن كنتِ ترين نفسك وردة ؟! حبيبتي أنتِ عشبة سامة وهذا والله ليس ذمًا بقدر ما هو مدحًا، فما اجمل من عشبة نادرة تكون سامة حين تريد وتكون علاجًا حينما تبتغي، أنتِ عشبة نادرة لا يجيد التعامل معها سوى خبير، وأنا حبيبتي خير من يعلم كيف يتعامل مع الاعشاب السامة مثلك تمامًا .
كانت ملامح توبة تتغير كل ثانية مع كلماته، احيانًا ابتسم وأحيان تلوي فمها باعتراض وأحيان أخرى ترفع حاجبها بشر، وحينما انتهى نزار من كلماته هزت رأسها له :
_ انتهيت ؟! إذن سأدعك سيدي الطبيب مع اعشابك، فغزلك هذا لم يؤثر بس مقدار شعرة حتى، والآن سأرحل ولا تأتيني لأسبوعين .
ومن بعد كلماتها أوشكت على التحرك بعيدًا عنها، لولا يد نزار التي أسرعت وامسكت بخاصتها، وفي ثواني جذبها لأحضانه وهو يستند على الشرفة :
_ ترحلين لأين سمو الأميرة!؟ والمسكين الذي يموت شوقًا لهمسة منك ؟!
_ دعه يتناول عشبة تسكن آلامه عزيزي .
ضحك وهو يزيد من ضمها وهي تحاول الإفلات منه، لكنه لم يسمح لها :
_ والله لا عشبة في هذه الحياة توازي تأثيرك عليّ توبة، يا امرأة حالتي أضحت خطيرة، أنا صرت اسير هائمًا على وجهي أبحث عنك بين الجميع.
رمشت وهي تحاول أن تفلت من بين يديه وقد كانت ضربات قلبها تعلو بقوة :
_ نزار هذا لا ...لا يمكنك أن تحتضني بهذه الطريقة هكذا و...
قاطع كلماتها وهو يتركها بهدوء :
_ نعم عندك حق لا يجوز احتضانك بهذه الطريقة هنا .
نظر حوله يتأكد أن المكان فارغء ثم مال فجأة على وجنتها يلتقط قبلة سريعة مبتسمًا بكل براءة :
- تقبلي اعتذاراتي وقبلاتي سموك .
اتسعت أعين توبة وقد مال نزار عليها يهمس لها بحب :
_ إذن عشبتي الجميلة ما رأيك لو رحمتي هذا المسكين وقبلتي ترك والدك العجوز وحده وجو سبز الربيعي، وأتيتي لزوجك الحبيب حيث جو آبى الشتوي الذي يناسب الأعشاب النادرة مثلك، وصدقيني سأعتني بكِ داخل قلبي .
رفعت توبة عيونها له وقد أحمر وجهها بقوة من كلماته :
_ ماذا ...ماذا تقصد ؟؟
_ لقد اخرنا الأمر طويلًا سمو الأميرة، وقد ذابت أقدام حصاني من السفر بين آبى وسبز، كما ذاب قلبي شوقًا، فما رأيك لو اتممنا الزواج بعد أيام ؟!
رفعت له توبة عيونها مصدومة من كلماته :
_ أيام ؟! هل تمزح ؟!
_ أيام هذه كرم مني، والله لولا أنني لا ارتضي لكِ إلا زفافًا يليق بكِ لأخبرتك أن كل شيء في الخارج والجميع حاضر وسنتزوج الآن ونرحل لمنزلي .
شعرت توبة بالصدمة من كلمات نزار وهي تتنفس بصعوبة ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى وجدته يضمها له مجددًا يستند برأسه على كتفها متنهدًا بصوت مرتفع :
_ توبة أرجوكِ ...
كانت كلمتين أخرج بهما كل تعبه وإرهاق روحه طوال الشهور المنصرمة، عانى الكثير حتى يتقبل حقيقة موت أخيه ويتأقلم أنه ليس جواره، ورغم أنه لم يعتد بعد الأمر، إلا أنه سلّم بالأمر ولم يتوقف لسانه عن الدعاء طوال الوقت السابق للوليد، ولا ينكر أن توبة كانت أحد الأسباب الذي تجاوز لأجلهم محنته، كانت تأتيه أيام طويلة تدعمه وتطعمه بالاجبار وتبتسم له بسمة كافية لتسقط الكثير من همومه عن كتفه.
ومن ثم حينما أصبح بخير بعض الشيء بدأ هو يذهب لها كل اسبوع لينال منها ما يكفيه لمواصلة أيام دونها، والآن فاض به الكيل وأصبح لا يطيق بعدًا.
ابتسمت توبة بحنان وهي تضم رأسه بلطف وحنان، ثم مالت تقبلها وهي تهمس :
_ تحدث مع أبي نزار، طالب أبي بحقك فيّ عزيزي .....
ــــــــــــــــــــــــــــ
_ يا امرأة لا تثيري جنوني عليكِ، اقسم بالله سلمى أنكِ إن كررتي ما فعلتي اليوم لأ....
صمت ثم نظر لها وهو يراها تحمل بين ذراعها موزي تفرك فروته بهدوء تبتعد عنه أكبر قدر ممكن، ليتحرك صوبها بسرعة يصرخ بها وهو ينتزع موزي من بين أناملها يضعه على الفراش :
_ توقفي بالله عليكِ عن تدليل ذلك القرد بهذا الشكل .
اتسعت عيون سلمى بصدمة من كلماته تنظر صوب موزي، ثم عادت تنظر له ببسمة غير مصدقة :
- هل جننت أرسلان ؟!
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وهو يعيد خصلاته للخلف، ومن ثم تحرك لينتهي مما جاء لأجله ينتزع صندوق الاعشاب عن الطاولة يتحرك لها مجددًا دون كلمة واحدة وقد بدا على ملامحه الغضب، يجلس ارضًا جوارها وهو يرفع أقدامها يبعد أطراف الفستان عنه، ومن ثم أخذ يضع لها الاعشاب كما جرت عادته طوال الشهور السابقة ولم ينس يومًا موعده أو يتجاهله مهما بلغت حجم التزاماته، كان يعود من العاصمة ركضًا يضع لها الاعشاب ويتأكد من تناولها الأدوية والطعام ومن ثم يهرول لينتهي مما يفعل، حتى أصبحت هي تعلم المواعيد وتأتي غرفتها تنتظره كل مرة .
راقبت غضبه وحزنه وهي تمد يدها تداعب خصلاته الكثيفة بحب :
_ ما بك أرسلان، كل ذلك لأنني رقصت ؟؟ كن نساء عزيزي .
تحدث أرسلان بصوت هادئ وهو ما يزال يبعد عيونه عنها :
_ النساء يمتلكن رجالًا سلمى، ولا ندري ربما تحدثت امرأة منهن بغير وعي أمام محارمها عن الزفاف وأشارت في حديثها بالصدفة عن الملكة التي كانت ترقص و....
صمت بغضب كبير من الفكرة يرفع لها عيونه معترضًا على أمر لم يحدث :
- سلمى أنا لست من ذلك النوع الغبي الذي قد تعميه غيرته، أنا اغار عليكِ من الجميع، أريدك بالكامل لي، لكنني رغم ذلك لا ادع غيرتي تتحكم بتعقلي، فوالله لو تركت لها القيادة لمنعتك خالد وقردك والنساء والاطفال الذين تساعدينهم، لكن هذا جنون وسجن وتخلف لا ارتضيه لأمرأتي.
تنفس بصوت مرتفع وهو يشرح لها الأمر :
_ اغار عليك بحدود، ولا اتناسى حدود الله في خضم غيرتي، فلن احرمك التحدث لأخيك بحرية وقد حلل الله لكِ ذلك، ومساعدتك لنساء مملكتي وأطفالها دين في رقبتي ليوم الدين، وسأكون حقيرًا إن أخبرتك ألا تساعديهم، لكن الرقص بين نساء الله اعلم بما في داخل كل واحدة منهن، شيء لا اقبله، لا أصيب إحداهن بجهالة معاذ الله، لكن نتقي الشبهات عزيزتي .
ابتسمت له بسمة هادئة وهي تهز رأسها بحسنًا :
_ لك ذلك جلالتك .
ارتفع حاجب أرسلان وهو ما يزال يدهن بها الاعشاب على أقدامها بتعجب من هذه الوداعة :
_ حقًا بهذه البساطة ؟!
_ نعم بهذه البساطة، فحينما تتحدث أنت بهذا الهدوء تجد ردي بهذه البساطة حبيبي .
ابتسم أرسلان دون شعور وهو يتنهد بصوت مرتفع، يجفف يده في قطعة قماشية جواره، ثم نهض يقترب منها وهو يميل بجسده :
_ إن كان الهدوء يؤتي ثماره معكِ، إذن لا ضير من أتباع تلك الطريقة في كل ما أريده منكِ .
ابتسمت له تهز رأسها مشجعة على الأمر، وقد تخطت بأرسلان الكثير والكثير حتى وصلت معه لهذه النقطة التي تدفعه فيها لنقاشها بهدوء ولطف .
وارسلان حبيبها كان في غاية البراءة ليتعامل معها كيفما تحب هي .
_ هيا قبليني.
أو ربما لا ....
رفعت له عينها بصدمة ليبتسم ببراءة كبيرة ويتحدث بهدوء أكثر وكأنه يمتلك الوقت بأكمله:
_ ها أنا طلبتها بهدوء، ألم تعديني بمنحي كل ما أطلبه بهدوء ؟!
رمشت وهي لا تستوعب كيف استخدم كلماتها ضدها، ابتعدت للخلف بريبة منه :
_ أرسلان أنت لست هذا النوع المتلاعب من الرجال ؟!
تشنجت ملامح أرسلان وهو يجذب يدها له :
_ نوع متلاعب ؟؟ أنتِ زوجتي، هل تمازحينني ؟؟
_ لا ... أنت فقط ...تحرّف كلماتي ...لقد هو ...
كانت تتحدث بتوتر ليبتسم لها أرسلان بلطف وهو يقترب منها يقبل وجنتيها بحنان تباعًا، ثم ابتعد، وبدأ يرتب لها ثوبها :
_ هيا انهضي لتناول الطعام مع الجميع، وابتعدي عن الأطعمة الحارة رجاءً .
هزت رأسها له بتخدر وهو ابتسم لها بحب كبير، ثم ساعدها لتنهض يعدل من وضعية حجابها، ومن ثم انزل الغطاء على وجهها يميل لها هامسًا بصوت منخفض وكأنه يخشى أن يستمع لهما موزي ويفسد ما يخطط هو له :
_ اليوم في شرفتنا حلوتي، انتظرك لتخطيط حفل زفافك ملكتي العزيزة .
ومن بعد هذه الكلمات مال قليلًا يضع يده على جهة صدره وهو يمد لها يده الأخرى برقي، جعلها تبتسم له وهي تمسك طرف فستانها تميل له بالمقابل ومن ثم وضعت كفها بين كفه وتحركت معه للخارج تستشعر قوة قبضه على يدها وكأنه يخشى أن تتلاشى من بين يديه .
وفي هذه اللحظة كانت سلمى تشعر أنها تمتلك العالم بأكمله.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى غرار سلمى، كان هو يبحث عن امتلاك العالم كذلك، لكن كيف وهو خسر جميع معاركه حتى هذه اللحظة وخسر كل شيء في الحياة، جنوده، مملكته وقوته، كل شيء سعى له في هذه الحياة خسره، خسارة لن يدعها تمر خاصة بعد كل ما ضحى به لأجل النصر ولم يصل له في النهاية .
ضحى بكل شيء في سبيل الملك والتسيد، كل شيء واولهم العائلة التي احتضنته ....
كان فتى صغير ضائع بين الغابات، ضعيف البنية، مبعثر الهيئة، عثرت عليه عائلة تتكون من رجل وامرأة وطفلة صغيرة على حدود سبز يبحث له عن مستقر، ملئ بالجراح ملقى جوار الطريق كالخرقة البالية ليسارع الرجل ويلتقطه من غياهب الجب ويأخذه معه صوب منزله ويعالجه ويهتم به كما لو كان ولدًا له .
استيقظ لينظر حوله وهو يحاول أن يفهم مكانه، لكن كل ما ابصره كانت وجوه قلقة وامرأة تتحسس جبينه بحنان :
" يا صغيري هل أنت بخير ؟؟"
نظر لها دون أن يتحدث بكلمة واحدة يتعجب تصرفات تلك المرأة والتي كانت تتصرف كـ.....والدة زمرد، كانت تبدو كأم، أم لم يمتلك يومًا مثلها .
حاول الجميع وقتها دفعه للحديث، لكنه لم يكن ينطق بكلمة واحدة، ولم يكن يتجاوب معهم بشيء، وحينما يسألونه عن عائلته لا يجيب، حتى قرر الرجل وبعد شهور طويلة من البحث عمن يفتقد ولدًا في المملكة أن يتكفل بتربيته وسط منزله ويعتبره ربيبه، فاختار له غرفة ملحقة بالمنزل لأجل الفصل بينه وبين ابنته، وقد كان أخذ يعتاد الحياة الهادئة مع هذه العائلة، وقد اندمج معهم جميعًا ...عداها هي ..
الصغيرة الحقيرة والتي كانت تذكره باسوء أعدائه، زمرد اخته، كانت تشبهها رغم لطافة هذه الفتاة، لكن ذنبها أنها كانت تشبه زمرد وتثير داخله غضب وكره كبير يجعله يتمنى لو نهض وخنقها بقبضتيه ..
ومع مرور الأشهر والسنون أخذ الرجل الصالح يصطحب معه أنمار لمجالسه مع كبار رجال المملكة ليكتشف أنمار أنه وضع يده على كنز كبير وأن هذا الرجل الغبي كان سلم الصعود للمُلك، وقد قدم له فرصة التقرب من الملك على طبق من ذهب وقد عرفه على الجميع أنه ولده .
وسنوات تتبعها سنوات كان أنمار يألف كل اخبار البلاد ويتقرب من كبار الرجال، ويقدم مقترحات ترفع رأسه ورأس والده بينهم، حتى وجاء ذلك اليوم الذي جن جنون أنمار به ...
يوم عاد من عمله بالقصر ووجد المنزل فارغ، تحرك به وهو يتنهد بصوت مرتفع، يتحرك صوب الباب المؤدي لغرفته الملحقة بالمنزل، ليستحم وينتظر الجميع، لكن فجأة وبمجرد أن فتح الباب ابصرها أمامه بملامح شاحبة واعين متسعة من الصدمة .
رفع حاجبه بعدم فهم :
" ما الذي تفعلينه في غرفتي ؟؟ "
توترت الفتاة وهي تحاول أن تخفي شيئًا خلفها وقد جذبت يدها المرتجفة وفمها المتوتر انتباه أنمار وهو يسمعها تردد كلماتها بصعوبة :
" لا ...لا شيء أمي طلبت مني أن....لقد أخبرتني أن انظف غرفتك و..."
قاطعها وهو يتحرك صوبها بغضب كبير وقد كان يكتب شياطينه عنها بصعوبة :
" وماذا ؟؟ ما الذي تخفينه خلف ظهرك أنتِ ؟؟"
حاول أن يلتقط يدها لتدفعه بقوة وهي تطلق صرخة مرتفعة تهرول بين طرقات المنزل باكية :
" لا تلمسني أيها الوسخ، سأخبر أبي بحقيقتك يا حقير، سأخبره لما تخطط فعله "
فجأة أصبحت ملامح أنمار هادئة بشكل مريب وهو يدرك الآن ما يحدث خاصة حينما لمح غلاف مذكراته الاسود، حسنًا كانت كتابة مذكراته فكرة سيئة لن تتكرر :
" أوه هكذا إذن ؟؟ ومن أين لكِ بلسان لتخبريهم بما علمتي ؟!"
نظرت له بعدم فهم وقبل الاستفسار عما يقصد، كان هو يخرج خنجره ويهرول لها بسرعة مرعبة يكمم فمهاء ومن ثم قتلها في ثانية ولم يرف له جفن حتى وهي هوى الدفتر من بين أناملها وشعرت بروحها تُسحب من جسدها وقد أدمعت عيونها وهي تنظر له بصدمة كبيرة .
كانت مراهقة لم ترد سوى إبعاده عن حياتهم، وهو أبعدها عن الحياة بأكملها، وكانت هذه أول مرة يقتل بها أنمار، لكنها لم تكن الأخيرة ...
استفاق من شروده على أصوات بعض النساء المتحركات صوب قاعة النساء إذ كان يقف في الطريق ينتظر مرورها ...
أخته العزيزة واحدى ضحايا قائمته السوداء .
ابتسم وهو يراها تتهادى مع النساء بخطوات قوية يبصرها وأخيرًا، شابة جميلة قوية كما والدتها، أخته والتي صدم بوجودها من بعض الأحاديث المتناقلة بين الجنود حول زوجة قائد رماة سفيد وأنها كانت ابنة زعيم المنبوذين.
زمرد العزيزة ها نحن نلتقي مجددًا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يضمها على حصانه والسعادة تكاد تقفز خارج حدقتيه، لا يسمع ولا يبصر في هذا العالم وتحديدًا في هذه اللحظة سواها، لا يدرك سوى أن فاطمة العزيزة أضحت وأخيرًا زوجته ..
كانت فاطمة تتمسك بيده التي تضم خصرها وهي تستند على صدره تستمع بالهواء الذي يحرك حجابها بحرية، قلبها يتراقص فرحًا بما يحدث ...
_ هل احلم يا المعتصم ؟؟ هل ... أنا بحلم جميل سأستيقظ منه لأجد نفسي ممدة على أرضية منزلي الباردة وحدي أناجي وهمًا ؟؟
قبل المعتصم رأسها بحب شديد وهو يهمس لها بكامل اللطف داخله :
_ حتى وإن كان حلمًا عزيزتي، سأجعله حقيقة لأجل عينيك فاطمة .
استدارت له فاطمة نصف استدارة وهي تهمس بصوت مرتجف :
_ كان كابوسي الأكبر طوال الفترة السابقة أن يكون كل ذلك ما هو إلا وهم من عقلي، والله يا المعتصم لم أكن سأبتأس، لن اقنط إن كان كل ما يحدث لي وهمًا، اقبل أن يكون كل من حولي وهمًا، إلاك يا المعتصم ..
ابتسم لها بحنان كبيرة وهو يميل مقبلًا جبينها بحنان يمسح دموعها برقة شديدة :
_ وإن كان العالم بأكمله وهمًا، فسأكون أنا الحقيقة الوحيدة عزيزتي ...
تنفست وأخيرًا براحة وهي تستند على صدره لا تنتبه أين يتحرك هو أو إلى المستقر، كل ما تعي به أنها باحضانه ومعه .
فجأة وجدته يمد لها شريطة ملونة يضعها على عيونها هامسًا حينما شعر بانتفاضتها:
_ فقط استكيني عزيزتي .
وقد كان، استكانت وتركت نفسها له يحركها كيفما يشاء، تشعر بحركة الحصان تبطئ شيئًا فشيء، وأخيرًا حتى توقف، هبط بهدوء وساعدها لتفعل المثل، ومن ثم أمسك كفها يساعدها للسير، حتى توقفت بها في مكان تجهل هويته، ومن ثم أمسك كفها يضع به شيء معدني شعرت بملمسه .
رفعت عيونها له بعدم فهم ولم تكد تتحدث حتى شعرت بأنفاس دافئة جوار أذنها وهو يهمس :
_ والآن أم بوبي حان وقت تسلم مهرك صغيرتي ..
ختم حديثه وهو يبتعد عنها يساعدها لنزع عصابة العين وهي ابتسمت تضحك بخفوت تتذكر لقبها الاول الذي حصلت عليه :
_ مازلت تتذكر ذ.....
فجأة ماتت الكلمات على طرف لسانها وهي تبصر أمامها منزل جميل هادئ وبسيط، منزل ....منزلها القديم لقد ....كان يبدو كما لو أن يدًا لم تدنسه يومًا، كان منزلها كما كان في طفولتها، لقد أعاده كما كان سابقًا .
بدأت الدموع تتجمع في عيون فاطمة وهي تراقب المنزل بأعين متسعة تقترب منه تحاول التنفس بشكل منتظم، وهو يراقبها مبتسمًا بحنان شديد، وهي فقط تنظر له، ومن ثم للمنزل بعجز وكأنها فقدت قدرتها على التحرك أو التفكير .
_ هيا عزيزتي افتحي منزلك .
ارتجفت يد فاطمة وكادت تهوى ارضًا لولا يده التي أمسكت بها وهو يدفعها بلطف صوب المنزل يحرك يدها لتفتح الباب، وقد كانت يدها ترتجف بين كفه، وحينما فتح المنزل استقبلها منزل طفولتها، مرتب بنفس الوان الحائط، ونفس المفارش التي كانت والدتها تفضلها، نفس النظام الذي اعتمدته والدته طوال سنوات حياتها، كانت تبصر طفولتها وحلمها وشبابها يُعاد للحياة بعدما تحول لرماد .
شهقت وهي تضع يدها على فمها ليبتسم لها المعتصم بحنان شديد :
_ هذا ...لقد عملت عليه الشهور السابقة وقد ساعدتني العمة الطاف في انتقاء أثاث مشابه وستائر وكل شيء، عساني اعيد لكِ بعض الدفء القديم، و...سيكون هذا منزلك حينما ترغبين بالعودة له تعودين، لكن معي فاطمة ...
نظرت فاطمة حولها وهي تتلمس الجدران والارائك، وهو يسير خلفها يراقبها تحدق بكل شيء بأعين ملتمعة وجسد مرتجف، وفجأة وقبل حتى أن يتوقع ما يحدث وجدها تهرول تلقي نفسها بين أحضانه تنفجر في بكاء قوي وهي تتحدث كلمات غير مفهومة .
_ يا المعتصم ....يا المعتصم أنا.... أمي... وأبي وأحمد...لقد ....أشعر بأنهم عادوا للحياة مع المنزل....أشعر بهم .... لأول مرة أشعر بهم حولي سعداء ....يا المعتصم أنا...
قطع كلماتها انفجارها في بكاء قوي، ليضمها المعتصم بقوة يقبل رأسها بحنان وهو يهدهدها بلطف شديد :
_ حبيبتي، لا تبكي عزيزتي، أنا هنا، وكل شيء سيكون أفضل مما سبق، هذا منزلك وقد لكِ، وعائلتك عند رب العباد في الجنة بإذن الله حبيبتي، انتهى كل ذلك فاطمة...انتهى كل الحزن حبيبتي .
رفعت فاطمة عيون باكية له وهي تهتف من بين دموعها بصوت مرتجف :
_ ذلك اليوم في السوق ...تتذكر ...يوم رأيتك أول مرة و... أخذت منك بعض الفاكهة ؟!
- تقصدين سرقتيها مني ها ؟؟
ضحكت فاطمة من بين دموعها وهي تهتف بصوت مرتجف يظهر به بقايا ضحكة تمسح دموعها بكم فستان زفافها :
_ ذلك اليوم ...كان ... أبصرت لأول مرة في حياتي رجل وسيم و... أردت اخذك معي المنزل طوال الوقت .
اتسعت عيون المعتصم من كلماتها وهي ضحكت على ملامحه تهز رأسها بنعم :
_ كنت ....رائعًا وكريمًا و... أنا أحب الاحتفاظ بكل شيء احبه، وأنا احببتك يا المعتصم .
تأوه المعتصم وهو يعتصرها بين ذراعيه يهتف بحب شديد :
_ يا قلب المعتصم، المعتصم كله لكِ وبيديكِ فاطم.
مالت فاطمة وأخيرًا تلقي أحزانها خلف ظهرها تستكين في أحضان سعادتها تتنهد وأخيرًا براحة ولأول مرة منذ سنوات طويلة .
_ عساك تكون طوال العمر يالمعتصم، عساك تكون .....
ــــــــــــــــــــــــ
_ حقًا ؟؟ هل تمزحين معي ؟!
أطلقت سلمى ضحكات صاخبة وهي تراقب زمرد ترتدي ثوب لها بعدما فسد ثوبها الاول بسبب سقوط بعض الطعام بالخطأ عليه من إحدى العاملات ..
_ لم أكن أعلم أنني افوقك طولًا بهذا القدر.
_ أي طول هذا يا امرأة ؟؟ أنتِ تماثليتي طول، لماذا ثوبك طويل بهذا الشكل المبالغ به ؟؟ ثم ما هذه الزهور التي تملئ الثوب، ما هذا التفاؤل الذي تعيشين به ؟!
_ ماذا تريدين أنتِ ؟! ثوب نسائي، ما الذي تريدين أن يكون به ؟؟ سيوف وخناجر ؟!
حركت زمرد الثوب بحنق شديد بين أناملها:
_نعم هذا افضل من هذا الحمق .
زفرت سلمى بضيق :
_ يا امرأة ما بكِ أنتِ، ارتدي الثوب ولنعد للباقيين لنكمل الزفاف .
التوى ثغر زمرد وهي تقلب بين فساتين سلمى تبحث عن شيء يلائم ذوقها :
_ أي زفاف هذا يا ابنتي، العروس نفسها هربت مع زوجها وأنتم هنا تحتفلون بخيبتكم .
ختمت حديثها وهي تنتزع فستان تحركه بين أناملها، ثم تحركت صوب المرحاض :
_ على الأقل لا زهور بهذا الثوب، سأغير الفستان واعود لاترحلي دوني .
_ لا لن أفعل هيا فقط انتهي .
ختمت حديثها تجلس على الفراش وهي تراقب باب المرحاض بهدوء تنتظر خروجها في الوقت الذي تجلس به سلمى على الفراش وهي تفكر في زفافها كما تحدث معها أرسلان، وقد اتخذت قرارا تعلمه به في المساء .
دقائق مرت وخرجت زمرد تتحرك صوب المرآة تعدل من وضعية الحجاب وتنتهي من وضع اللمسات الأخيرة على نفسها ومن ثم أشارت إلى سلمى ليتحركا خارج الغرفة .
تحركت سلمى ومعها زمرد صوب الجزء الخلفي للقصر حيث قاعة الاحتفال الخاصة بالنساء :
_ انصحك بالبحث عن منفذ آخر لشراء اثوابك عزيزتي فهي بشعة للغاية.
_ لم أتوسلك لترتدينها حبيبتي.
نظرت لها زمرد ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى وجدت فجأة أحد الجنود يتحرك صوبها بشكل غريب فتحركت للجانب كي تتفاداه، لكن الأخير كان يبدو مصممًا على الاصطدام بها، نظرت سلمى لما يحدث بتعجب :
_ ما الذي تفعله أنت ؟! هل أنت ثمل أم ماذا ؟!
لكن الجندي كان يتحرك صوب زمرد بشكل غريب وهو يخفي كامل وجهه أسفل لثام أسود، وعيون سوداء مرعبة هي فقط ما يظهر منه، يقترب منها باندفاع وبمجرد أن اقترب منهما أشهر خنجرًا وهو يندفع به صوب زمرد التي تجمدت ارضًا بصدمة وهي تبحث عن خنجرها بسرعة كبيرة، لتتذكر فجأة أنها تركته بثوبها الملوث في غرفة سلمى.
وقبل حتى أن ترفع عيونها أو تتحرك من المكان أو تتخذ أي ردة فعل وجدت خنجر الرجل يندفع لمعدتها في اللحظة التي أطلقت بها سلمى صرخة رنّ صداها في القصر بأكملــــــــه............
ــــــــــــــــــــ
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .
أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الخامس وأربعون 45 - بقلم Rahma Nabil
الرابع والاربعون | لأجل أميرة سبز |
بعتذر للتأخر في النشر بسبب عودتي من العمل متأخرة عن العادة بعض الشيء .
صلوا على نبي الرحمة .
قراءة ممتعة .....
ـــــــــــــــــــ
كانت صرخة هي ما سمعت زمرد قبل أن يندفع الادرينالين في جسدها بشكل مرعب جعلها دون حتى أن تدرك ما يحدث ترفع قدمها بسرعة تضرب الملثم في معدته بشكل كاد يتسبب في جعله يبصق امعائه .
أما عن سلمى فشعرت بيدها تنقسم نصفين وهي تترك الخنجر يسقط ارضًا وقد أصابت الضربة يدها ولا تدرك حتى كيف، فقبل دفع زمرد للخلف، شعرت بالضربة تصيب يدها هي .
و زمرد لم تتوقف حتى لتفكر بما يحدث، إذ مالت بسرعة تلتقط خنجره وهي تندفع صوبه صارخة بجنونه تنقض عليه بضربة لولا تدحرجه بعيدًا لاصابت قلبه بدلًا من ذراعه .
أطلق أنمار تأوهًا مرتفعًا وهو يبتعد بسرعة عن زمرد يبصر بعيونها توحشًا مرعبًا، توحشًا كان يبصره طوال الوقت في طفولتهم، لكن أقل حدة، الآن وقد نضجت نضج معها توحشها وأصبحت مرعبة بحق .
ابتسمت له زمرد بسمة مرعبة وهي تحدق في ملامحه التي ظهرت بعدما تحرك اللثام جانبًا :
_ لماذا لا أشعر أنك غريب يا هذا ؟! هذه الملامح القذرة تشبه وبشدة أحدهم، من يا ترى ؟!
ابتسم أنمار بسمة واسعة مقززة، وهو يجذب ثوبها بقوة صوبه حتى كادت تسقط لولا سلمى التي ركضت تسحب لها زمرد وتضربه في معدته ضربة اقوى جعلت صرخاته تعلو أشد وأشد.
بينما زمرد ظلت تنظر له نظرات غامضة وهي تشعر بأن ملامحه مألوفة وبشدة، تحدق به بأعين مرتابة، بينما الأخيرة ابتسم وهو يهمس كلمات بلغة فارسية كانت مجهولة لسلمى معلومة لزمرد التي اتسعت عيونها بصدمة كبيرة وشحب وجهها وهي تتراجع للخلف بسرعة، لكن وقبل أن تدرك ما يحدث كان هو ينتفض بسرعة يضربها في الجدار جوارها بشكل جعل صرخات سلمى ترتفع وهي تندفع صوبه تضرب رأسه في نفس الجدار بقوة وهي تحاول التحامل على وجع يدها .
تضربه بقدمها وهي تصرخ بصوت مرتفع تنادي الجنود عل أحدهم ينقذهما بعدما أبصرت وجهه حينما سقط اللثام عنه، هو نفسه ذلك الحقير الذي اختطفها سابقًا.
أنمار الوسخ؟! لم يمت بعد ؟! كم روحًا يمتلك هذا الخسيس ؟!
أما عن أنمار فقد شعر فجأة برأسه تدور وجبهته تتهشم بنفس اليد للمرة الثانية، بينما سلمى تراجعت تمسك كفها تكتم صرخة كادت تفلت منها بعدما اصطدمت يدها المصابة بالجدار أثناء ضربه به .
سقط جسد أنمار ارضًا وهو يحاول أن يتماسك وينهض، لكن الدوار كاد يغلبه وهو يشعر بالمكان حوله يدور بقوة، لم يكد يتمالك نفسه حتى شعر فجأة بخنجر يوجه على رقبته وصوت أخته العزيزة تردد .
_ يبدو أنك أبيت الموت إلا على يدي ... أخي الوسخ .......
اتسعت عيون سلمى وهي تحدق بوجه أنمار ومن ثم وجه زمرد تهمس بعدم فهم لما سمعت :
_ أخوكِ ؟؟
في اللحظة ذاتها أرتفع صوت جهوري في المكان يأتي من الجهة الشرقية لرجل يصرخ بنبرة مرعبة :
_ ما الذي يحدث هنــــــــــا ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ انتويتها ؟! الحمدلله ظننت أن روحي ستخرج ولن تنتهي وتتزوج .
رفع نزار عيونه صوب أرسلان يتحدث بعدم فهم وهو يبصر إصراره على تزويجه :
_ مازلت لا افهم سبب تمسكك بتزويجي، أنت تتحدث كما لم يتحدث أبي ؟! ما سبب ذلك يا ترى ؟؟
تحدث أرسلان ببساطة وهو يحرك كتفيه :
_ أخبرتك سابقًا لأنني لن اتزوج حتى يتزوج الجميع ويتبقى أنا للنهاية .
ضحك عليه نزار وهو يحرك رأسه بيأس ظنًا منه أنه يمزح :
_ أنت حقًا لن تتغير، طوال الوقت تمزح بهذا الشكل أرسلان.
لكن أرسلان والذي كان يتهمه بالمزاح كانت ملامحه في غاية الجدية وهو يرفع له حاجبه بسخرية شديدة، ليتحدث نزار بعدم فهم :
_ أنت لا تمزح ؟!
نظر صوب سالار وايفان:
_ هو لا يمزح ؟!
ابتسم له إيفان ينفي برأسه وهو يرتشف مشروبه الدافئ :
_ لا يا عزيزي، هو جاد أكثر مما كان أي وقت .
اتسعت عيون نزار بقوة وهو ينتفض من جلسته يهمس بعدم فهم :
_ لا تمزح ؟؟ هل أنت جاد أرسلان ؟! اخرت زواجك كل هذا لترى ما سأقدم مهرًا لزوجتي كي تحضر أكثر منه ؟! لماذا لم تسألني ببساطة لأخبرتك وانتهينا من هذا ؟؟
تشنجت ملامح أرسلان وهو يرفع كفه يضرب رأس نزار الذي تأوه بصوت مرتفع وهو يجلس مجددًا ينظر له بحنق :
_ ماذا ؟؟
_ أي مهر هذا أيها الأحمق؟؟ كيف اقيم زواجي على اطلال أحزانك ؟؟ وكيف اتخطى حرمة فقيد الملك آزار أيها الاحمق ؟! هل تراني بلا مروءة لهذه الدرجة ؟!
نظر له نزار بصدمة لكلماته وهو يستوعب الأمر متأخرًا، ينظر صوب سالار الذي يراقب ما يحدث ببسمة ساخرة صغيرة، وايفان يكبت ضحكاته، يدرك القادم، فارسلأن ليس من ذلك النوع الذي يعبر أمام الجميع عن مشاعره الحقيقية، الآن سيخرج بأي شيء يغطي به على اعترافه السابق، وها هو لم يخيب ظنه ...
_ وأيضًا لأنني أريد للجميع أن يتفرغ لزفافي لذا ستتزوج اولًا وتأتي لتحضر زفافي فأنا لن أعد زفافًا حقيرًا كما ستفعل أنت، فأنت لا تتوقع أن أقيم زفافًا مثلك عزيزي صحيح ؟!
نظر صوب آزار يردد بجدية :
_ لا إهانة أيها العجوز صدقني .
رفع له آزار حاجبه وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة وجدوا باب القاعة يُفتح بشكل مريب دون استئذان وأحد الجنود يردد بصوت لاهث :
_ مولاي ....قتـــال...في الجزء الـ....قتال في الجزء المخصص لقاعة النساء .
ابتلع ريقه يحاول تمالك نفسه في اللحظة الذي نهض بها أرسلان يرهف السمع ينتظر لسماع القادم بينما أرسلان اقترب من الجندي الذي ألقى في وجهه القنبلة وهو يكمل جملته المعلقة :
_ يبدو أن أحدهم تهجم على الملكة في طريقها للـــ....
فجأة صمت الرجل برعب وهو يشعر بجسد يصطدم في الباب مرة أخرى وأرسلان ينطلق بشكل مرعب يحطم الأرض أسفله يصرخ بصوت مرتفع :
_ أيــــــــــــــن هـــــم الجنود المكلفين بحراسة تلك المنطقة ؟؟؟
نظر إيفان لأثر أرسلان وهو يتنفس بصوت مرتفع ينظر صوب سالار يرفع يديه في الهواء :
_ هذا دورك أنت، اذهب وتدارك ما سيفعل في ذلك الرجل لربما كان الأمر سوء تفاهم، وأرسلان لن يتفاهم مع الرجل وهو يبدو كالثور، اذهب سالار وحاول أن تتحكم بــ
قاطعه الجندي وهو يحاول التحدث مرتعبًا من موته هذه المرة بعدما نجى من دفعة أرسلان:
_ هو مولاي ...في الحقيقة الأمر كان مع ...الملكة و....أعتقد أنني سمعت أن...سمو الأميرة زمرد في الأمر كذلك .
اتسعت أعين إيفان وهو يهتف بصدمة دون شعور :
_ تبًا ..
وفي ثواني كان يركض بجنون في الممرات وهو يسحب مع الجندي بعنف :
- امامي وارشدني صوب المكان، هيــــا ..
راقب الجميع رحيلهم لينظر آزار صوب سالار الذي كان يتابع ما يحدث ببرود ليتنهد بصوت مرتفع يمسح وجهه بضيق :
_ يا الله يا مغيث، لعنة الله على الكافرين، الآن بدلًا من أرسلان، سأكون في حاجة للتعامل مع أرسلان وايفان، وسيكتمل يومي إن علم دانيار بالأمر، هذا رائع .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ والآن أنا أعمل على قنبلة جديدة أكثر روعة من الأخيرة .
كان تميم يتحدث بجدية وهو يتناول بعض الفاكهة في طرقات قصر مشكى في طريقه مع دانيار صوب القاعة مجددًا .
لكن دانيار علق بهدوء :
_ لماذا تصنع الأسلحة تميم، انتهينا يا أخي منهم ..
_ أمثال هؤلاء يا أخي يتكاثرون بالهواء، لكن لا بأس اصنعها لنفسي، أو ربما يقرر الملك أرسلان في يوم أن يعلنها حربًا علينا بعد كل تهديداته تلك فنحتاجها .
كان يتحدث بمزاح وسخرية، في اللحظة التي أبصر بها أرسلان يركض صوبه بملامح مرعبة ليشحب وجهه وهو يتوقف يتحدث بريبة :
_ هل سمعني ؟؟ جلالة الملك أنا فقط كنت ....
لكن أرسلان تجاوزه دون كلمة واحدة ليتنفس تميم الصعداء ينظر صوب دانيار مبتسمًا :
_ كان هذا وشيكًا ظننته سمعني، على كلٍ كنت أخبرك أنه إن قرر الملك إيفان أن يرد على تهديـــ...
ومجددًا يقطع كلماته بسبب هرولة الملك إيفان في نفس الاتجاه الذي هرول له الملك أرسلان منذ ثواني اتسعت عيون دانيار وهو يشعر بالريبة تزداد .
وتميم راقبهم بعدم فهم :
_ حسنًا كان هذا مزاحًا، هل تحقق ؟!
تحدث دانيار وهو يراقب الأجواء:
_ أشعر بأن شيئًا سيئًا يحدث هنا و...
صدق حدسه وصدقه حينما أبصر سالار يتحرك بخطوات سريعة لنفس الجهة ليزداد الشك في صدره ويتحرك خلفه بسرعة :
_ هذا ليس جيدًا، ليس جيدًا البتة .
نظر تميم لأثر الجميع ثواني قبل أن يهرول خلفهم وهو ينادي دانيار أن ينتظره ليبصر ما يحدث في هذه اللحظة والذي استدعى أن يهرول الجميع بهذا الشكل مرعب ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في اللحظة التي سمع بها أنمار صوت الجندي خلفه دفع سلمى بقوة مسقطًا إياها ارضًا وهو يرفع حنجره ولم يكد يهبط به على زمرد حتى أبصر أحد الجنود يصرخ به بجنون وهو يهرول صوبه، ليجذب بسرعة زمرد يضع خنجره على رقبتها يبتسم لهم بسمة مريعة :
_ صدقني أنتم لا تريدون أن اتهور وانحر لكم رأس سمو الأميرة صحيح ؟؟
نظر له الجنود بريبة وهو ابتسم بسمة جانبية يواري بها ارتجاف جسده ويده وقد شعر بفداحة تصرفه، يشير لهم بالتراجع بالخلف وهو ما يزال يحمل خنجره على رقبة زمرد، وبالفعل بدأ الجنود بالتراجع .
بينما سلمى مازلت ساقطة ارضًا تعاني من وجع جسدها بالإضافة لوجع يدها، ترفع عيونها صوب زمرد تبصرها مقيدة بين يدي أنمار، حالة عاشتها سلمى مئات المرات مع الكثير من المختلين الذين كانوا يتخذونها درعًا، بشريًا، الأمر نفسه لكن الضحية ليست هي هذه المرة، بل زمرد .
تأوهت وهي تحاول الزحف بعيدًا تدعي الاستسلام، وهي تنظر صوب قدمه، وزمرد على عكس المتوقع كانت هادئة بشكل غريب، تدرك أن تهورها في هذه اللحظة لن ينالها منه سوى تدحرج رأسها أرضًا .
_ صدقني إن ظننت أنك ستنجو من هذا فأنت غبي ...
_ ربما لن أنجو عزيزتي، لكنني لم أكون الوحيد الهالك هنا ها ..
رفعت عيونها تنظر له :
_ أتسال كيف نجوت من عملية الإبادة التي شنها العزيز بافل ها ؟؟
_ تمامًا كما سأنجو اليوم عزيزتي .
ابتسمت له زمرد بسمة خبيثة وهي تحرك يدها دون أن يشعر صوب مرفقه، وقبل القبض على يده سمعت صوت هز اركان المكان بأكمله..
_ أيـــــــــهــــــا الوســــــــخ.
في اللحظة التي رفع بها أنمار عيونه لينظر صوب أرسلان، استغلت سلمى الأمر وضربت قدمه بقوة تسقطه ارضًا، ومالت زمرد تنتزع منه الخنجر، لكن أنمار تمالك نفسه في ثواني وهو يدفع زمرد بعنف صوب الجدار ويركض بسرعة هاربًا من المكان، لكن ليس قبل أن يدفع سلمى بغضب وحقد في الجدار .
وصل إيفان في هذه اللحظة يهرول صوب جسد أخته ليتأكد أنها بخير، يصرخ بالحراس أن يلحقوا به.
لكن فجأة أبصر أرسلان يهرول خلفه بشكل مخيف بعدما أبصر ما فعل بزوجته يصرخ بلهجة مرعبة :
_ أيها الخسيس الحقيـــــــر .
نظر له إيفان بصدمة وهو يناديه :
_ أرسلان دعه للحراس...ارســـــلان .
لكن أرسلان لم يكن يبصر في هذه اللحظة سوى هذا الحقير وهو يدفع زوجته بعنف صوب الجدار، هذا ولم يدرك أنه كاد يقطع كفها .
أخرج أرسلان حنجره وهو يحرك بين أصابعه يهرول خلف أنمار بشكل مرعب، وسرعة مخيفة، بينما الأخير يكاد قلبه يتوقف رعبًا وهو يهرول صوب السور الخاص بالقصر يناور الجنود ولم يكد يقفز على السور حتى شعر بخنجر يصيب قدمه مسقطًا إياه أرضًا.
أطلق صرخة رنّ صداها في المكان يسقط ارضًا في اللحظة التي وصل لها أرسلان يجذبه من ثوبه بشكل محموم قبل أن يُصدم من هويته بعدما انقشعت غيمة الغضب يهتف بعدم فهم :
_ الكائن أنمار ؟؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مهلًا هل كان الأمر متعلق بزوجتي ؟؟
كانت تلك أول ردة فعل صدرت من دانيار حينما وصل ووجد إيفان يطمئن على زمرد وهو يضمها له بحنان يحدثها بصوت منخفض، والأخيرة تبدو وكأنها كانت في حرب لتوها.
وهو فقط يقف يراقب الجميع بملامح محتارة ينتظر أن يسمع نفيًا، لكن كل ما أبصره هو نظرة زمرد التي رفعت له عيونها تنظر له بنظرة ذبحت قلبه ليطلق سبة وهو يتحرك صوبها ينتزعها من بين ذراعي إيفان يتحدث بصوت حاد وهو يتفحصها بعيونه بحرص :
_ من الذي فعل هذا زمرد وماذا فعل ؟؟ تحدثي حبيبتي من احزنك اقسم بالله اطعمه كامل سهامي في فمه .
نظرت له زمرد تهمس بنبرة شبه باكية وهي لا تصدق ما حدث منذ ثواني :
_ كان .... أخي.
رفع دانيار عيونه بسرعة صوب إيفان، لكن الأخير تحرك مع سالار بسرعة ليلحق بأرسلان وقد اطمئن على شقيقته مع زوجها .
أما عن زمرد رددت بصوت خافت :
_ ليس إيفان دانيار، ليس أخي بل....بقايا شعبي الوسخ .
نظر لها بأعين متسع، يحاول أن يستوعب ما يحدث لتردد هي بصدمة :
_ أخي السادس ...الوسخ أنمار.
اتسعت عيون دانيار بعدم فهم، لكن زمرد لم تكن تمتلك الوقت لتشرح وهي تتحرك صوب سلمى التي كانت تجلس ارضًا تحاول مقاومة الوجع الذي أصابها..
_ سلمى أنتِ بخير حبيبتي ؟!
رفعت لها سلمى عيونها مبتسمة تحاول أن تتمالك وجعها، تهز رأسها بنعم وهي تضغط على كفها بقوة تكتم دمائهما عن النزيف .
ولم تكد زمرد تتحدث بكلمة حتى سمع الجميع صرخة أرسلان باسمها وهو يهرول صوبها بلهفة وخوف شديد يلتقط جسدها بسرعة كبيرة بين أحضانه يهتف بلوعة :
_ سليمى، ما الذي فعله بكِ، هل أنتِ بخير؟؟ لقد دفعك ذلك الحقير للجدار، هل أصبتي عزيزتي ؟!
رفعت سلمى عيونها له مبتسمة، ذهب ليقتل الرجل، ومن ثم عاد يسألها ماذا فعل .
فتحت فمها لتطمئنه، لكن يبدو أن زمرد لم تستطع الصمت أكثر وهي تسكب وقودًا على نيران زوجها تردد بجدية :
_ ربما عليك الخوف على يدها أكثر من خوفك من أمر اصطدامها بالجدار .
نظر لها أرسلان بعدم فهم ثواني، ومن ثم حرك نظراته صوب كف سلمى :
_ ماذا بــــه ...يا الله، بسم الله عليكِ سلمى ما الذي حدث ليدك ؟؟ ما هذا؟ يا ويلي هذا....هذا جرح ....خنجر لقد ....
اشتعلت عيونه وهو ينظر لها يهتف بصوت لاهث من شدة غضبه :
_ هو من فعل هذا ؟!
ولم تكد حتى تنفي أو تؤكد سؤاله، حتى انتفض جسد أرسلان مقررًا العودة ليكمل عليه بعدما انتشله سالار من بين يديه بصعوبة، لكن سلمى أمسكت فجأة يده وهي تلقي رأسها على كتفه بسرعة تدعي التعب :
_ أرسلان ساعدني ارجوك أشعر بدوار مرعب، لقد ...ربما لأنني فقدت الكثير من الدماء يا الله.
اتسعت عيون أرسلان برعب وهو يمد يديه يحملها بسرعة كبيرة بين يديه يركض بها في القصر صوب المشفى تحت أعين زمرد التي كانت تتابع ما يحدث بصدمة، وجوارها دانيار وتميم لا يقلان صدمة عما يبصران في هذه اللحظة ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس بين أحضانه في الساحة الخلفية للمنزل والتي أعاد زوجها أعمارها وزرع بها بعض الأشجار التي ما تزال في طور النمو، ووضع بها أريكة يضمها عليها وهو يتنفس براحة شديدة وكأنه انعزل عن العالم .
يستمتع بكل لحظة يقضيها وهي بين أحضانه.
وفجأة وفي وسط ذلك الهدوء تساءلت فاطمة بصوت مرتفع قليلًا وكأنها تترجم أفكارها لصوت :
_ أنت.....لم تخبرني الكثير عنك يا المعتصم؟! كيف كنت وعائلتك ؟! حياتك ؟! قص لي عنك قليلًا .
كتم المعتصم ضحكة كادت تفلت منه، لكن فجأة وبمجرد أن أبصر نظراتها المرتقبة له ضحك بملء فاهه عليها، وهي فقط تتابعه بعدم فهم :
_ ماذا ؟!
_ حسنًا، يبدو أن هذا سؤال متأخر بعض الشيء ؟! أن تسألي عن حياتي وعني يوم زفافنا، الأمر مضحك بعض الشيء .
رمشت وهي تشعر بمنطقية حديثه، لكنها فقط لم تفكر يومًا في سؤاله عن حياته، لم تهتم سوى به هو فقط ولم تفكر في معرفة حياته أو أسرته أو أي شيء يتعلق به، كانت فقط تكتفي بوجوده .
ويبدو أنه أبصر شرودها ليجذب وجهها بين كفيه بحنان يقبل خدها بحب :
_ كانت حياة عادية قبل أن تملئها فاطمة بكل ما هو جميل .
_ إذن قص لي عن حياتك قليلًا .
تنهد المعتصم وهو يضمها لصدره يداعب خصلاتها الشقراء الحبيبة والتي انبهر بها منذ ابصرها أول مرة، يشرد بها وهو يتحدث ببساطة :
_ حسنًا كان أبي يعمل تاجرًا في مشكى، هو من الأساس من شعب مشكى، وفي إحدى رحلات التجارة له لسفيد ليبيع بعض بضائعه هناك أبصر والدتي، ومنذ الوهلة الأولى أُعجب بها، وأخذ يستغل كل فرصة تدفعه صوب سفيد حتى أدرك في لحظة أنه لا يستطيع المواصلة في هذه الحياة دونها .
تنهد وهو يحرك إصبعه بحنان على باطن كفها يراقب بسمتها الرقيقة وكأنها تشاهد مشهدًا رومانسيًا .
_ كانت والدتي الفتاة الصغيرة لوالدين عجوزين تعتني بهما، بسبب انشغال خالتي والتي كانت الأخت الكبرى بعملها في القصر لتعيل الجميع، لذلك عندما تقدم أبي للزواج منها قرر الاستقرار في سفيد لأجلها ولأجل أن تكون جوار جدي وجدتي، وبعد سنوات قليلة من زواجهما توفى جدي وتبعته جدتي وفي ذلك الوقت كانت خالتي قد تزوجت من الملك وانجبت إيفان، وبعدها بسنوات جئت أنا لأصبح رفيقهما الوحيد في هذه الحياة .
اتسعت عيون فاطمة بصدمة :
_ الملك إيفان ؟؟ يكون ابن خالتك ؟؟
_يا ويلي فاطمة أنتِ حتى لا تعلمين ابسط الأمور عني، نعم، ابن خالتي الأكبر، هذا ما اكتشفناه لاحقًا وقد ظننا أن خالتي فقدت طفلها بعد الولادة .
_ لا افهم شيئًا .
_ حسنًا هذه قصة طويلة، لكن اختصارًا لقصتي، خافت والدتي من أن يمسني أحدهم بسوء فابعدتني عن الجميع وعن العاصمة، لكن حينما بلغت سن المراهقة تطوعت دون علمها في الجيش، لأذهب هناك واتعرف على الجميع وتبدأ حكايتي في قصر سفيد، وتمر السنوات وافقد والدي واحدًا تلو الآخر، حتى استقر بي الأمر احيا في القصر وحيدًا .
تنهد بصوت مرتفع وكأنه وأخيرًا وصل للحظة المفضلة له في الحكاية، اللحظة التي غيرت مسار حياته :
_ حتى اختارني القائد سالار أن أكون قائد المقاومة هنا في مشكى للتحرر من المنبوذين، فدخلت البلاد متنكرًا وأخذت أجمع الشعب حولي وقدتهم في المعركة التي حررنا بها مشكى، ومن بعدها رشحني إيفان لأكون قائد جيوش مشكى واكون برفقة الملك أرسلان، وكذلك القائد سالار هو من زكاني لدى الملك أرسلان، و...ها أنا ذا .
كان يتحدث وهو شارد، قبل أن يحرك عيونه صوب فاطمة التي كانت ترفع رأسها وهي تحدق في وجهه ببسمة منبهرة واسعة :
_ أنت رائع حقًا .
_ أوه وأنتِ لطيفة وجميلة وكل الصفات الجيدة في هذا العالم فاطمي الحبيبة .
كان يتحدث وهو يميل عليها يداعب وجنتيها بحب شديد، وهي تضحك ضحكات صاخبة حينما بدأت يده تتحرك لمعدتها .
وفي ثواني .
المنزل الذي كان يضم على مدار الشهور الطويلة السابقة، صرخات وآنات وشهقات فاطمة، المنزل الذي ضم كوابيسها واوهامها، المنزل الذي أبت جدرانه ضمها فيدفئها في برد الشتاء، المنزل الذي كان قبرًا لسعادتها وسجنًا لأحلامها، أضحى فجأة في وجوده فردوسًا ...
استطاع المعتصم أن يحول كل كوابيس فاطمة لسراب، ورغم أنه لم ينتصر على مرضها بشكل كامل، إلا أن التعايش معه لا يضيره ولا يحزنه، بل يتقبله لأجلها...
وفي هذه اللحظات كان صدى ضحكات فاطمة هو ما يسمع بين الجدران، بعدما كانت أصوات بكائها وحيدة كل ليلة هي ما يرن صداه في المكان ..
دارت الأيام واتاها عوض الله متمثلًا برجل يبكي العالم لأجل ضحكة منها .
وكأن الله جاء به من سفيد خصيصًا ليكون يدًا تربت عليها، حضنًا يضم أحزانها ...
كان المعتصم بالله وكانت هي فاطمته ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنا بخير ..
لكن لا ردة فعل منه، فقط يجلس أمامها يراقب يد زوجة سالار وهي تضمد جراحها بأعين حريصة وكأنه يحفظ كل حركة تصدر من تبارك، بينما الأخيرة والتي تفاجئت بسالار يستدعيها للمساعدة في تضميد يد سلمى .
_ حسنًا ...هو ....
رفعت عيونها بخوف صوب أرسلان الذي كان ينتظر منها أي كلمة ويتابع باهتمام وكأنه ينتظر منها كلمة لا تعجبه حتى ينقض عليها ..
نظرت لسلمى وهي تحاول التحدث بما اكتشفته، قبل أن ينتفض جسدها على صوت أرسلان الذي نفذ صبره وازداد خوفه :
_ ماذا ؟! ما بها زوجتي سمو الأميرة، هل الأمر بهذا السوء ؟!
ابتلعت تبارك ريقها وهي تتحدث بصوت منخفض من شدة الرهبة لوجود ذلك الرجل أمامها ولا تدري لماذا لكن في هذه اللحظة رأت أرسلان وحشًا مخيفًا سينقض عليها رغم أنه لم يرفع صوته أو ينظر لها حتى :
_ مش هتكلم غير في وجود سالار ..
انكمشت ملامح أرسلان بعدم فهم وهو يحرك عيونه ما بين تبارك وسلمى التي بدأ القلق يتسرب لها رغم علمها أن الأمر لن يتعدى مجرد تقطيب للجروح، لكن قلق تبارك انتقل لها وهي ترى ارتعاش المسكينة تقسم أن زوجها إن أبصر خوفها هذا من أرسلان لن ينتهي الأمر إلا بقتال بين الاثنين ..
ربتت سلمى على كتف تبارك بهدوء وهي تحاول طمئنتها:
_ تبارك عزيزتي ما بكِ خائفة هكذا ؟! الأمر بسيط وأرسلان ليس بهــ..
فجأة انتفضت سلمى برعب وهي تتمسك بأحضان تبارك التي انكمشت بين ذراعيها على صوت أرسلان الذي وصل قلقه منتهاه :
- يا ويلي هل الأمر بهذا السوء ؟؟ ما بــــهــــا زوجـــــتــــي ؟؟
ابتلعت سلمى عيونها وهي تبصر مظهر أرسلان لتهمس بنبرة مرتجفة لتبارك:
_ نادي زوجك لينقذ كلينا تبارك، نادي أحدهم لينقذنا من هذا الوحش .
ارتجفت تبارك وهي تنظر بخوف حقيقي لأرسلان، تحاول الحديث بكلمات متماسكة، وقد قررت أن تتبع نصيحة سلمى وهي تتحرك ببطء عن الفراش تحاول الخروج من المكان لإحضار سالار وما كادت تخطو خطوتين حتى سمعت هتاف أرسلان المذهول من هروبها دون قول أو فعل شيء لزوجته الجريحة :
_ أنـــــتِ ...توقفي وعودي لمعالجــــ
لكن قبل إكمال جملته هرولت تبارك للخارج تصرخ ببكاء باسم سالار بشكل جعل عيون أرسلان تتسع وكذلك سلمى التي صُدمت من كل الخوف الذي تنظر به تبارك صوب أرسلان تتحدث بعدم فهم :
_ أرسلان بالله عليك ما الذي فعلته للفتاة ؟!
نظر لها أرسلان بصدمة ولم يستوعب بعد ما حدث، هل هو مرعب بهذه الدرجة؟؟ ومن يرتعب منه ؟؟ امرأة تحيا مع سالار تحت سقف واحد ؟! وكأن زوجها قط وديع ؟؟
_ استغفر الله هذه المرأة هل هي مجنونة ؟! ركضت دون معالجتك حتى ؟! سأذهب لإحضار زيان ذلك الحقير الذي يختفي كلما غفلت عنه .
تحرك بسرعة خارج الجناح وهو يشير لسلمى التي كانت تبارك قد ضمدت لها الجرح بشكل مبدئي :
_ فقط لا تتحركي سوف أحضر طبيبة القصر أو زيان ليـــ....
توقفت كلماته في منتصف الطريق وهو يبصر بمجرد أن فتح الباب تبارك تقف أمام الباب وهي تتحدث بصوت مرتجف وعلى جانب الباب يقف سالار الذي لم يتصدر المشهد تحسبًا أن يظهر جسد زوجة أرسلان من الباب وحفاظًا على حرمة امرأة صديقه .
انكمشت ملامح أرسلان بعدم فهم، يبعد عيونه عن تبارك بسرعة، بينما هي تحدثت بهمس لسالار :
- يمكنك الظهور ..
وأخيرًا أخذ سالار تصريحه بعدما تأكدت تبارك له أن سلمى ليست ظاهرة من مكانها، ليخرج سالار يقف خلف تبارك كالجدار يضم يديه لصدره ينظر لأرسلان بشر :
_ هل ابكيت زوجتي للتو أرسلان ؟؟
أبعد أرسلان عيونه عن تبارك ولم يفكر حتى بالنظر لها، وقد تشنجت ملامحه بعدم فهم يشير صوب نفسه بصدمة :
_ أنا ؟! مالي وزوجتك يا هذا ؟!
_ نعم هذا ما اسألك عنه بالتحديد، مالك وزوجتي يا حقير ؟! تبكيها ابكيك دمًا أرسلان.
_ أيها الــ
توقف قبل أن يخرج سبته وهو مايزال ينظر صوب سالار الذي سحب تبارك خلفه يتصدر المشهد لأرسلان، والاخير ضغط على شفتيه بقوة :
- احمد ربك أن زوجتك هنا ولولا أنني أخشى خدش حياء امرأتك لاسمعتك ما لا يسرك، ابتعد عن وجهي دعني أحضر مساعدة لزوجتي .
ولم يكد يتحرك حتى جذبه سالار جانبًا يشير لتبارك بعيونه للداخل لتهرول الأخيرة بسرعة تاركة سالار يتحدث بهدوء :
_ زوجتك ستحتاج لتقطيب جروحها فالجرح عميق للغاية، هذا ما أخبرتني به زوجتي، وهي ستساعدها لتقطيب الجروح، فقط اخرج من الغرفة ودعها مع زوجتك فأنت تخيفها .
ابتسم أرسلان بعدم تصديق وهو ينظر للخلف حيث تجلس زوجته وقد صدمه سالار بكلماته :
_ اخفيها ؟؟ أنا اخيف امرأة تحيا معك ؟! حقًا ؟!
جذب سالار أرسلان من ثوبه بغضب شديد وهو يهمس جوار أذنه :
_ أنت إن كنت تبتغي موتك، اريني دمعة من عيون زوجتي مجددًا .
وفي ثواني كانت لكمة تهبط فوق وجه سالار و أرسلان ينظر له ببسمة مرعبة :
_ هذه لتتذكر أنني لست ذلك الوسخ الذي يبكي النساء، أنا لا اتعامل مع النساء حتى، مالي بالنساء سوى شقيقتي وزوجتي أيها الحقير .
كان سالار يدرك كلماته جيدًا، لكن أن تأتيه زوجته دامعة بخوف من أرسلان تطلب منه الحضور معها كان كثيرًا للغضب، تنهد بصوت مرتفع يزيح الشيطان من بينهم وهو يربت عليه بحنان :
_ أدرك أرسلان ولا تظن لحظة أنني أخشى على زوجتي بوجودك أو وجود إيفان بالجوار، والله أأمنكم على زوجتي وأدرك أن احدكما لن يمد لها عينه بنظرة ولا اصبعًا بالسوء، لكن يا اخي لقد ...اخفتها لزوجتي وجاءت تبكي .
تنهد أرسلان يعتذر بخفوت :
_ مازلت لا أصدق أن زوجتك تخافني، لكنني آسف إن فعلت ما اخافها وابكاها، فأنا لو جاءتني زوجتي تبكي من أحدهم لقتلته؛ لذلك اعذرك .
نظر للخلف وهو يحدق بالباب بخوف ليجذبه سالار صوبه :
_ تبدو متوترًا يا أخي، ما بك ؟! إن شاء الله لا شيء خطير تعرضنا لجروح اخطر من هذه ومرت بكرم وستر الله أرسلان.
_ طعنة بصدري ولا خدش باصبعها سالار .
كانت كلمات قليلة أجاب بها سالار وهو يستند على الباب ينتظر أي كلمة قد تهدأ ضربات صدره، بينما سالار يراقبه ببسمة ولم يعلق أو يستفزه بشيء، فهو لو كانت تبارك بدل زوجته لفعل المثل، لا يلومه، بل يلوم ما يدور داخل صدورهم ..
ياالله قبل سنوات قليلة كان الجميع صخور لا تهتز، لكن الزمان لا يترك شيء على حالته....
_ ما رأيك بعدما تطمئن على زوجتك تأتي لقتال سريع معي ربما يخفف هذا من غضبك وتوترك ؟!
استدار أرسلان صوب سالار يرمقه بتعجب لثواني قبل أن ينفي برأسه رغبته في الأمر مصيبًا سالار بصدمة كبيرة وهو يبصر للمرة الأولى رفض أرسلان لقتال .
- لا أعتقد أنني أستطيع ذلك سالار قد اتهور واؤذيك في القتال .
اتسعت بسمة سالار بقوة يبصر وأخيرًا تحسن حالة سالار وعدم توجهه للقتال حين احتدام مشاعره، وقبل أن يعبر عن سعادته تلك أكمل أرسلان جملته السابقة بهدوء :
_ سأذهب لأنمار أفضل فلن اضطر للتحكم بنفسي حين ضربه .
ضحك سالار بصوت صاخب على كلمات أرسلان يهز رأسه بيأس :
- وأنا من ظننت أن الله قد من عليك بالعقل وسترفض القتال لأنك أصبحت مسالمًا ولا تريد استخدام القتال لتخفيف غضبك ..
ابتسم له أرسلان بملامح متشنجة لما يقال، ليهمس سالار بسخرية :
_ يبدو أن زوجتك فاتها القليل من الخصال أثناء رحلة تحويلك لإنسان طبيعي أرسلان، إذن انتهي من أنمار واحضره للقاعة فالحكيم العزيز إيفان يود التأكد أنه سيتوزع بعدل على الجميع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات قليلة وفي قاعة عرش مشكى .
_ لكل إنسان حق في تلقي محاكمة عادلة قبل الحكم النهائي عليه، ونحن هنا في هذه اللحظة للحكم على المدعو أنمار.
كان يجلس على مقعده وهو يتابع الهراء الذي يحدث أمام عيونه، يدور بنظراته بين الجميع دون قول كلمة واحدة، فقط يتابع حتى ينتهي حكيم الممالك من كلماته قبل أن ينطق هو حكمه، ينفخ بعدم اهتمام وهو ينظر لأنمار بشر وكأنه يتوعده بجوله ثانية من تحطيم عظامه حينما ينتهي كل هذا...
ابتسم سالار وهو يهمس له بصوت منخفض وهو يرى حالة أنمار أمامه:
_ جيد أنك رفضت قتالي في حالتك هذه .
ابتسم أرسلان بسمة جانبية وهو يهتف بصوت هامس مماثل :
_ سالار أخبر ذاك الحكيم أن ينتهي من كل هذا، الأمر لا يحتاج لكل ذلك، هي كلمة واحدة وتنتهي المحاكمة، هو يضيع وقتنا جميعًا .
وبالحديث عن الحكيم، كان إيفان ينظر لجسد أنمار الذي أصبح كالخرقة البالية في منتصف القاعة بعدما طلب له محاكمة عادلة كما الجميع.
_ جرائمك الكثيرة تخطت الحدود، انقلاب وتحريض على الخراب، قتل ودمار وخطف نساء، وتختمها بمحاولة حقيرة في قتل أختي و...
_ وخطفت زوجتي، وحاولت اذيتها كذلك وجرحت يدها جرحًا غائرًا أيها الوغد.
وكان هذا التدخل من أرسلان الذي تجاهل كل ما قيل منذ ثواني وكأنه يعرض أكثر جرائم أنمار بشاعة، وقد كان الأمر كذلك بالنسبة له في الواقع، فكل ما سبق وذكره ايفان كان في جانب، وأقترابه من زوجه في جانب آخر، ما يزال جرح كفها يصيبه بالجنون.
_ تخدع أحد رجال مملكتي وتدخلها وتقيم بأحد منازلها وتظن أنني لا ادري بالأمر ؟؟ تندس بين جنودي وتعتقد أنني لا أعلم ؟! عزيزي أنا فقط كنت انتظر انتهاء الزفاف لأتفرغ لك، وأرى ما تطمح له، لكن يبدو أنك تسرع من نهايتك .
ختم حديثه وهو يتذكر تحدث تيم له بخصوص ما علمه من إحدى نساء المملكة حول إقامة أنمار لديهم لفترة بحجة أنه رجل ضل طريقه في الغابة قبل أن يختفي تاركًا خلفه ورقة تحمل قائمة من يود التخلص منه، وحسنًا كان الأمر ليكون مضحكًا أن يجد اسمه في قوائم اعداء الخراف، لكن أن يجد اسم زوجته كذلك من بين الأسماء هذا ما أثار جنونه وجعله يرسل جنوده في المملكة بأكمله بحثًا عن الحقير أنمار، ليكتشف من يومين في النهاية أنه يتخفى أسفل سقف قصره.
تنهد إيفان وهو ينظر صوب زمرد التي كانت ما تزال تحدق فيما يحدث دون القدرة على الحديث حتى ومازالت لا تصدق ما تبصره، بعد كل هذه السنوات يعود الحقير أنمار من الموت لينتقم منها على ...اللاشيء .
_ حسنًا المظلمة لم تطالك فقط أرسلان، فأختي أحق الناس بثأرها من ذلك الرجل، ودانيار له كامل الحق في أخذ قصاص زوجته كما حقي أنا في أخذ قصاص اختي .
رفع أرسلان يده في الهواء بكل هدوء :
_ لا امنعكم حقكم والعياذ بالله إيفان، لم آكل يومًا حق أحدهم ولو كان في جيفة عفنة كأنمار، لذا سأصبر حينما ينتهي الجميع وآخذ ما يتبقى منه لي.
نظر له إيفان ثواني وهو يهمس بصوت منخفض جوار أذنه:
_ أرسلان حبًا بالله حاول ألا تظهر بمظهر المختل الآن هناك نساء في المكان .
نظر له أرسلان بعدم فهم، في ماذا أخطأ الآن، بينما إيفان أعتدل في وقفته وهو يهتف بجدية :
_ معاذ الله أن نظلم أحدهم، لكن ردًا على كل الجرائم التي ارتكبها ذلك الحقير أنمار، فلا حكم له لدينا سوى القصاص العادل، والقصاص العادل لا يتــــ....
_ الموت.
كانت كلمة خرجت من فم أرسلان الذي مال على أذن إيفان يهمس له بنفس الطريقة :
_ حبًا بالله إيفان حاول ألا تظهر بمظهر العادل الآن، هناك مختل قليل الصبر في المكان .
كان يشير في كلماته لنفسه، وهو ينهض يبتسم ببساطة يشير لجنوده لسحب أنمار من القاعة كي يسلمه اولًا لدانيار كي يأخذ قصاصه :
_ إذن وبما أننا انتهينا من هذه المحاكمة على خير وحققنا ما نطمح له جميعًا، أو ما يطمح له إيفان، اسمحوا لي يا سادة بالذهاب ريثما تنتهون من أنمار.
ومن بعد هذه الكلمات تحرك مبتسمًا للجميع يخرج من القاعة صوب غرفة سلمى كي يطمئن عليها بعدما سحبه إيفان بالقوة لأجل المحاكمة .
ونعم يشهد أرسلان أن شخصية إيفان لا يليق بها سوى الملك، عادل قوي وذو عقلية مرعبة، يدير سفيد بيد من حديد، أو عقل من حديد، ربما لهذا لم تسقط سفيد يومًا، بالإضافة لوجود قائد جيوش مخلص شديد البأس كسالار، الشيء الذي افتقده هو في فترة من الفترات وكان سببًا رئيسيًا في سقوط مشكى بعدما باعها كل قادتها للمنبوذين، لكن الآن انعم الله عليه بالمعتصم بالله وكذلك تيم .
_ آه حياة الملوك صعبة خاصة لو كانوا بعدل وحكمة وصبر إيفان، اعانه الله على حياته .....
ــــــــــــــــــــــ
_ إذن تريد إقامة زواجك من ابنتي خلال اسبوع واحد من اليوم ؟!
_ حسنًا أنا فكرت في ثلاثة أيام لكنني لم أرد استغلال كرمك كثيرًا كي لا اضغط عليك فترفض الأمر برمته جلالة الملك .
حرك بارق رأسه صوب توبة التي كانت تجلس جواره تنظر ارضًا تدعي الخجل كي لا يوجه لها أحدهم كلمة، لكن والدها لم يقتنع بما تفعل وهو يردد بعدم فهم :
_ هل ...هل أنتِ متأكدة يا ابنتي أنكِ تريدين إكمال باقي حياتك مع هذا الرجل ؟!
رفعت له توبة عيونها بسرعة ورعب حينما سمعت نبرة استنكار ورفض في صوت والدها، بينما آزار اعتدل في جلسته بعدما كان مسترخيًا في الشرفة الفسيحة يسمع الحوار بانتباه .
_ مهلًا وما به هذا الرجل بارق ؟؟ هل ينقص ولدي شيئًا ؟! ملك أبى وطبيبها وقائد جيوشها، أخبرني بالله عليك من أين لك بزوج ابنة كولدي ؟!
وقف بارق في وجه آزار وهو يبتسم ببرود وقد بدأت عيونه تلتمع بتحدي وكأنه يأبى أن يخسر ابنته لصالح رجل آخر، فانمار سابقًا كان مجرد رجل تقدم ورآه مناسبًا ولم يره يومًا خصمًا له، كما أنها كانت جواره طوال الوقت ولم تبتعد عنه .
_ هذه مميزات قد تغري أي أحد، وليس أميرة سبز عزيزي، أفق... فولدك لم يتزوج بأي امرأة، فهذه ابنتي أميرة سبز مبارزة بارعة مثقفة وجميلة، اجمل فتيات الممالك أجمع.
ابتسم نزار وهو ينظر لتوبة غامزًا لها ؛
_ اشهد بذلك مولاي .
استدار له بارق بغضب وهو يبعد وجهه عن ابنته :
_ أبعد عيونك عنها يا هذا .
_ ماذا ؟؟ هذه زوجتي .
أعاد بارق عيونه صوب آزار الذي تحدث بجدية بعدما ادار رأس ولده صوب توبة مجددًا بعناد :
_ أنت يا بارق ستكون والد زوجة حقير، ما بك هل سيأكل الولد ابنتك ؟!
اتسعت ابتسامة نزار ببراءة وهو ينظر صوب توبة بهيام، لتبعد الأخيرة عيونها بصدمة من تصرفاته، فبينما يكاد والديهما يفقدا علاقة الصداقة التي استمرت لعقود بسببهما يجلس هو ويتغزل بها بعيونه ودون نطق كلمة واحدة حتى .
حاولت أن تتحدث بكلمة لتوقف الحرب الناشبة حولهما، لتتفاجئ بجسد نزار الذي استغل حالة النقاش الحادة بين والده وبارق، ينتقل من مكانه لمكانها :
_ إذن سمو الأميرة أخبريني حول افكارك لزفافنا ؟!
نظرت له توبة بصدمة من كلماتها، نزار جن بالكامل، الرجل كان أكثر الرجال الجادين الهادئين والمتعقلين، هل حصلت على نسخة فاسدة منه ؟؟
_ هل تمزح معي ؟! أي زفاف هذا والحرب بين سبز وآبى على الابواب ؟!
سمعت ما يقال خلفها من فم الملك آزار، لتهتف بصدمة وهي تصرخ بوجه نزار :
_ والدك يهدد بإحضار جيوشه للقتال نزار، هل تمازحني ؟؟
_ حبيبتي هذا مزاح خشن فقط، أبي لن يقود جيوشه لسبز، سوف أحضرهم أنا لكِ بمهرك، والآن انتبهي لي وأخبريني حول لون الفستان الخاص به، أتخيلك بالذهبي ستكونين في غاية الروعة .
ارتفعت أصوات صرخات بارق وهو يصيح بجنون :
_ أنت وولدك لن تخطوا لسبز إلا على جثتي آزار، ومن الآن وحتى تعلم من ناسبت لن ينال ولدك نظرة واحدة من ابنتي حتى .
وفي الاسفل على الأريكة خلفه كان نزار يمسك يد توبة يقبلها بحنان شديد :
_ لا أصدق أنه بعد كل ما ممرنا به اصبحتي ملكي توبة، هذا حلم يتحقق اميرتي .
نظرت توبة خلفها بأعين متسعة، ومن ثم عادت بعيونها لنزار الذي كان يبدو وكأنه انعزل عن العالم حولهم، وصوت والد نزار يصدح في المكان بصرخات .
_ وهل ستُحرم على ولدي زوجته ؟؟ والله لن يحدث إلا على جثتي بارق .
_ معاذ الله أن احرم ما أحل الله، لكن شعرة من ابنتي لن يمسها حتى ارضى عن هذا الزواج وتدرك أنت وولدك قيمة ابنتي .
ضم نزار يديّ توبة بين كفيه وهو يستند عليهم بذقنه بحب كبير يهمس بصوت عاشق :
_ صدقيني لن تندمي لحظة واحدة على موافقتك هذه توبة .
مسح آزار وجهه بعنف وهو يزفر بغضب شديد :
_ أنت أيها العجوز الخرف ومتى أنكر أحدنا مكانة الأميرة توبة، والله مكانتها تعلو فوق مكانة ابنتي في البلاد، هذه أميرة سبز وملكة آبى ومن يحط من قيمتها أدفنه ارضًا، أنت من تبدو كغر تغار على ابنتك من ولدي، وهو ما أظهر لك يومًا نية بحرمانك منها .
ونزار كان يثبت حديث والده في هذه اللحظة وهو يهمس لتوبة بعشق :
_ فقط نتزوج ولن اجعلك تبتعدين عني خطوة واحدة ولو للذهاب إلى سبز حتى.
استغفر بارق ربه وهو يشعر أنه بالغ في ردة فعله :
_ استغفر الله، لم اقصد ذلك آزار، لكن ... أنت تمتلك فتاة وصدقني ستشعر بما أشعر أنا به حينما تدرك أنها ستبتعد عنك و....
توقف عن الحديث وهو يبصر نزار الذي كان يحتضن كف ابنته ويتحدث معها بصوت هامس ليصرخ بغضب شديد :
_ أنت أيها الحقير ابتعد عن ابنتي، أبعد ولدك عن ابنتي آزار..
جذب آزار ولده بغضب من ثيابه صوبه هامسًا :
_ أيها الحقير ما الذي تفعله ؟؟ تتغزل بالفتاة أمام والدها ؟! ألا عقل في رأسك ؟؟
كان يتحدث وهو يضرب على جانب رأسه بغيظ، بينما نزار غمز له بمزاح، ومن ثم حرك عيونه صوب بارق الذي جذب له توبة بغيظ :
_ تريد الحصول على ابنتي، إذن ابذل المزيد من الجهد لأجلها، أمامك اسبوع واحد فقط لتقنعني أنني لن اندم بزواجها منك .
وبهذا أعلن بارق موافقته غير المباشرة وهو يسحب توبة ويخرج من المكان، وتوبة قبل الرحيل استدارت للمرة الأخيرة تنظر صوب نزار الذي غمز لها ببسمة لتخجل وهي تبعد عيونها بسرعة عنه تحت أعين آزار الذي كان يراقب ما يحدث وهو يضم يديه لصدره :
_ سيرهقنا هذا العجوز يا ولدي .
_ يبدو هذا يا أبي، ما الذي سنفعله ؟!
_ نجاريه حتى ننتزع منه ملكة آبى، ومن ثم نردها له اضعافًا .
نظر له نزار ثواني قبل أن يبتسم بسعادة كبيرة وكأن الفكرة أعجبته .
_ والآن ماذا ؟!
_ الآن سنعود لآبى كي تجهز موكب زفافك يا ولدي ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أصوات أبواق الاحتفال يرن في كامل أنحاء المملكة وقد أعلن الملك بارق عن زواج ابنته من ابن الملك آزار، اتحاد مملكتين بحجم آبى وسبز كان شيئًا متوقعًا منذ زمن طويل، وقد ظن الجميع أنه بمجرد أن يشتد عود الأميرة توبة سيسارع الملك آزار ويزوجها لابنه الأمير نزار .
لكن ما حدث بعد ذلك كان مفاجئًا، إذ يبدو أن الله كتب لكلٍ منهما نصيبًا مع آخر، لكن تمر الايام وتعلو إرادة الله كل شيء، وتجتمع قلوب ما ظن أصحابها أن يتآلفوا يومًا .
فتحت سبز أبوابها أمام قوافل آبى التي بدأت تتدفق كالسيل منذ الصباح الباكر، قوافل يتقدمها نزار والذي قد جلب النفيس والغالي وبذل كل ما جمع طوال سنوات حياته من عمله بالجيش والمشفى وكل قرش اكتسبه يومًا ليحضر أثمن المهور للأميرة توبة .
يتحرك الموكب بين طرقات سبز والجميع يرحب بسعادة كبيرة، ونزار فقط يحرك رأسه له ببسمة واسعة وهو يضع يده جهة صدره بتقدير لترحيبهم ...
وخلفه تتحرك مواكب ما جمع لأجل توبة، يرفع رأسه صوب قصر سبز وهو يتطلع له بأمل واعين ملتمعة، ذلك القصر الذي يخفي خلفه مكافأة العمر .
سمع كلماته والده جوار أذنه وهو يهمس له بصوت شبه مسموع بسبب اصوات الشعب حوله :
_ حاول ألا يقتلك بارق اليوم بني، تحكم بنظراتك فنحن لا نريد أن يطعمنا ما احضرنا ويطردنا شر طردة من بلاده، والله لن الومه، فلو نظر أحدهم لشقيقتك نفس نظرتك لابنته أمامي لاطعمته سيفي.
ابتسم له نزار بسمة صغيرة وهو يهمس :
_ سأحاول .
صمت ثواني ثم تساءل بجدية :
- بالحديث عن صغيرتي، أين موكبها لا ابصره ؟!
أشار آزار بعيونه للخلف صوب الموكب الذي كان يتبعهم وقد أخرجت منه ابنته رأسها وهي تراقب ما يحدث حولها بسعادة كبيرة، ابتسم عليها نزار وهو يعود بنظراته للأمام يراقب ابواب القصر التي فُتحت أمامهم يستقبلهم الكثير من الرجال والذي يتقدمهم الملك بارق الذي فتح لهم ذراعيه يردد ببسمة :
_ أنرتم سبز يا رجال ...
هبط نزار عن حصانه سريعًا يتحرك صوبه يستقبله بالاحضان وهو يقبل رأسه باحترام :
_ السلام عليكم عم بارق، عساك بأفضل حال .
ضحك بارق وهو يبادل نزار الاحتضان يربت على ظهره بحب، فنزار كان الولد الذي لم يحصل عليه منذ طفولته وقد كان أقرب الرجال له بسبب كثرة زيارات آزار له معه، الرجل الذي تمناه سرًا لابنته ذات يوم، لكن حينما علم خبر زواجه تمنى له التوفيق وعلم أن الله سيحضر لابنته نصيبها ولو كان في أقاصي البلاد، وها هو يأتي به الله، الرجل نفسه الذي تمناه لابنته، يأتيه بالغالي والنفيس طالبًا ودها ..
تقدم آزار من بارق وهو يفتح له ذراعيه بسعادة كبيرة ليتلقفه الأخير بسعادة تفوق سعادته :
_ من يصدق بارق، بعد هذه السنوات يربطنا الله بعلاقة أشد وأقوى، لا أتخيل أن يأتي وقتٍ نتشارك به الحفيد ذاته يا أخي.
اتسعت بسمة بارق بشدة من التخيل، أن يمن الله عليه بحفيد ثاني بعدما فقد محمد، كان أمنية غالية يدعو بها الله بكل صلاة .
ترحم على حفيده وهو يرفع عيونه صوب آزار :
_ إن شاء الله يا اخي، هيا تعالوا لترتاحوا من السفر .
ختم حديثه ليشير آزار صوب رجاله بحمل الصناديق للداخل، وهو نظر صوب نزار الذي يتحرك بعيونه في كل مكان بحثًا عنها :
- هيا نزار .
تحرك نزار خلفه وضربات قلبه تضرب صدره بقوة في انتظار نظرة تروي شوقًا مضنيًا وقد حُرم منها طوال الأسبوع، تحديدًا حينما عادوا جميعًا من مشكى .
في الاعلى في إحدى نوافذ القصر المختفية بين الأشجار، كانت تقف هي تراقب ما يحدث وضربات قلبها تقرع بقوة، تشعر برغبة قوية في البكاء بسعادة، تنفست بصعوبة وهي تسمع صوت نغمة جوارها :
_ مازلت لا أصدق ما يحدث، الأمير نزار ؟؟ أنتِ حتى لم تنظري له مجرد نظرة فضول سابقًا، كيف ....هل أنتِ مجبرة على الزواج ؟!
ابتسمت توبة دون شعور وهي تراقب نزار الذي كان يرتدي ثوب يتكون من سترة بيضاء وبنطال بني اللون يبتسم للجميع بسمة ساحرة وهو يصافح ويرحب بالجميع وضحكاته تصدح في المكان لتزيد من وسامته.
_ نعم .
اتسعت عيون نغمة بصدمة من اعتراف توبة :
_ من ...هل والدك هو من اجبرك؟!
_ لا .
_ إذن من ؟؟
في اللحظة ذاتها أرتفع رأس نزار الذي لم يوفر فرصة للبحث عنها بين الشرفات، حتى التقط نظراتها لتتسع بسمة أكثر مظهرة غمزة صغيرة في باطن خده الأيسر، بسمة أطاحت بكل تماسك توبة :
_ قلبي ....
رمشت نغمة دون فهم وقد كانت تشتغل بالفضول ولأول مرة لا تشبع توبة فضولها، فجأة أبصرت توبة نزار يتحرك للداخل لتتحرك بسرعة راكضة من أمام نغمة دون كلمة، ونزار ما يزال يتابعها عبر النوافذ على طول الممر حتى استقرت في نافذة تطل على مدخل القصر تقف هناك وهي تتنفس بصوت شبه مسموع، قبل أن تشهق متراجعة للخلف بسرعة حينما رفع نزار كفه يطبع عليه قبلة، ومن ثم يرفع لها وكأنه يرحب بها، وأخيرًا وضعه جهة صدره غامزًا لها .
وهي فقط تراجعت للخلف تضع يدها على فمها تنظر حولها خوفًا أن يكون قد ابصرها أحدهم، ومن ثم هرولت بوجنة حمراء صوب غرفتها تختبئ بها عن الأعين...
ولم تدري أن تلك الأعين كانت تتابعها بصدمة واضحة وهي مجمدة أرضها بعدما أبصرت هذا المشهد تردد بعدم فهم :
_ هل كانت توبة ...هل هي تحبه حقًا ؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــ
ساعات قليلة وبدأت سبز تستقبل جميع الأفواج من أنحاء الممالك وقد كان أول الحضور موكب سفيد الذي كان به جميع رجال ونساء قصر سفيد .
وكانت توبة تقف في الاستقبال مع شقيقة نزار، ترحب بالجميع بسعادة وقد كان وجهها مشرقًا بشكل غير مسبوق، السعادة تملئ صدرها وهي تعانق هذه وترحب بهذه ..
تقودهم صوب مجلس النساء، بينما بدأ الملك بارق يستقبل إيفان وسالار وباقي الرجال ببسمة واسعة :
_ شرفتموني بحضوركم زفاف ابنتي يا رجال .
ابتسم له سالار وهو يعانقه بحب :
_ بل الشرف لمن يحضر مولاي .
ابتعد يتحرك صوب الملك آزار يعانقه بحب وسعادة كبيرة لأجله وقد كان قلبه يتراقص للسعادة التي تتلألأ في أعينه بعد شهور طويلة من الانطفاء .
_ مبارك يا عزيزي، عساه لنزار يملئ عليك قصر آبى بالاحفاد الذين تُقر بهم عينك .
_ آمين عزيزي، وعسى الله يسعدني بولدك القادم بني ..
ابتعد سالار عنه ببسمة قبل أن يتحرك صوب نزار الذي احتضنه بحب شديد وقد ساهمت الشهور السابقة في تقرب سالار منه بقوة، إذ لم يتركه سالار لأحزانه، بل ظل ملتصقًا به وكأنه يحاول ملء فراغ تركه الوليد بقلبه سابقًا .
_ مبارك يا اخي، عساها فرحة عمرك .
_ بارك الله بكِ وبأسرتك سالار، شكرًا لوجودك اليوم جواري أخي .
ابتعد سالار سربت على كتفه بحب :
_ طوال الوقت حتى يسترد الله أمانته.
_ أطال الله بعمرك يا قائد.
ومن بين الترحيب بالجميع أعلن حارس البوابة وصول موكب مشكى لبوابة القصر .
انتبه الجميع للبوابة ليبصروا أرسلان يتقدم الموكب يجاوره المعتصم مع تيم وخالد وفي الخلف موكب النساء، وموكب آخر كبير وصناديق كثيرة وكأن أرسلان جاء بالمهر لطلب عروس .
ضيق نزار ما بين حاجبيه بعدم فهم، يتابع توقف الموكب وترجل أرسلان من أعلى صهوة حصانه يتحدث ببسمة واسعة وهو يفتح ذراعيه للجميع وقد تألق بثوب ابيض اللون مع بنطال اسود بسيط دون أن يرتدي زيه الملكي ..
_ اشتقتم للعم ارسلان.
وشتان ما بين لهجته في هذه اللحظة ولهجته التي ينطق بها نفس الجملة في حروبه .
كان بارق أول من تحرك ليستقبله مرحبًا به، وقد أخذ يتنقل بين أحضان الجميع، حتى وصل للترحيب بنزار يضمه بقوة وهو يصيح بسعادة :
_ مبــــــــــارك لك يا اخي أن منّ الله عليك بالسعادة .
ضحك نزار وهو يستقبل عناقه بالمثل، بينما تحدث إيفان وهو يشير للرجال الذين بدأوا يحملون صناديق مشكى يتحركون بها للداخل :
_ ما هذا أرسلان، هل تشارك نزار بالمهر أم ماذا ؟!
نظر أرسلان خلفه يراقب رجال كثيرون يتحركون داخل القصر مع الصناديق، ثم عاد لهم بابتسامته يردد بهدوء :
_ هؤلاء طباخي قصر مشكى وهذه صناديق المكونات التي سيستخدمونها في تحضير مائدة الزفاف عزيزي.
اتسعت أعين الجميع بصدمة وتحدث نزار وهو يراقب ما يحدث بصدمة وقد شعر أنه لا يفهم شيئًا :
_ ماذا ...هذا .... أرسلان هذا ....
_ لقد وعدتك .
_ كنت ...امزح اقسم بالله كنت امزح .
غمز له ارسلان وهو يضم يديه لصدره :
_ وأنا لم أكن امزح نزار، لا أحيد عن كلمة نطقها فمي يومًا، مائدة زفافك لن يعدها سوى طباخي مشكى، لقد سحبت لك نصف طباخي القصر وتركتهم جياعًا هناك لتدرك مقدار تضحيتي .
أطلق إيفان ضحكات مرتفعة يضرب كتف أرسلان بمزاح :
_ احيانًا تكون .... إنسانًا أرسلان.
ضرب أرسلان كفه بضيق ممازح :
_ مع من يستحق يا عزيزي .
وقبل التحدث بكلمة تحرك بسرعة صوب الموكب الخاص بالنساء، يمد يده يلتقط خصر سلمى وهو يساعدها في الهبوط، ثم مال عليها يهمس بهدوء ولطف :
_ بخير سليمى؟! عساه الطريق لم يكن صعبًا .
ابتسمت له بسمة واسعة تنفي برأسها وهي تتمسك بكفه تربت عليها بحب :
_ كان سلسلًا آرس وقد هونت رفقة فاطمة الأمر كثيرًا .
هز رأسه يهمس بصوت منخفض :
_ تعلمين غرفتي صحيح؟؟ سوف أرسل لكِ طعامك وآتي لأجل ادويتك حسنًا ؟؟
_ أنا بخير أرسلان.
_ وأنا سأكون بخير حينما اطمئن أنكِ تناولي ادويتك سلمى .
هزت رأسها وهو مال قليلًا يرفع لها طرف فستانها، ومن ثم اعتدل يقودها مع فاطمة التي هبطت بمساعدة المعتصم، يشير لهم بالتحرك صوب عاملات القصر، يراقبها حتى غابت عن عيونه تحت أعين الجميع المصدومة ليكون تميم أول من يتحدث :
_ حسنًا لا أعتقد أنني قد اتأقلم مع هذا بسهولة .
وايفان ما كان ليفوت فرصته أبدًا في اثاره غضب أرسلان:
_ يا ويلي من حب أرسلان يا ويلي.
_ صدقني سيعجبك جنون أرسلان أكثر إن لم تصمت إيفان، ومن ثم أين هي جوهرتي أيها الحقير، هل تظن نفسك امتلكتها فقط لأنها زوجتك ؟!
نظر له إيفان ثواني قبل أن يهز رأسه بنعم مبتسمًا، ليرفع أرسلان إصبعه في وجهه :
_ خسئت أنت واشباهك الأربعون .
ختم كلماته ليرى أنه أصاب وترًا لدى إيفان وقبل التحدث بكلمة واحدة من إيفان وجد سالار يسحب أرسلان بين أحضانه صوب الداخل وهو يشير للجميع :
_ دعونا لا نضيع الوقت يا رجال ولنتحرك للأحتفال جميعًا، هيــــا .
أشار لرجالهم صوب موكب مشكى :
_ ساعدوا في انزال الموكب وقدموا يد المساعدة في الترتيبات يارجال فهذا زفاف الأمير نزار......
انتهى من كلماته لتعلو صيحات الاحتفال بين الجميع وقد بادر الكل بتقديم يد المساعدة في كل ما يحدث حولهم ...
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت سلمى مع فاطمة داخل قاعة الاحتفالات الخاصة بالنساء لتبصر الجميع يتزين ويحتفلون وأصوات الدفوف تعلو في الإرجاء وأصوات الغناء كذلك ..
وفاطمة تنظر حولها بابنبهار وكأنها لأول مرة تتعرف على هذا العالم تراقب الجميع بأعين مبتسمة واسعة، بينما سلمى تبحث عن الفتيات من بين الجميع، ترفع الغطاء عن وجهها وهي تتقدم صوب من تعرف من النساء واللواتي كن نساء سفيد بالإضافة لتوبة بالطبع .
في اللحظة التي خطت بها سلمى للمكان حتى بدأت الهمسات تعلو وهن يحدقن بها، وقد بدأت نغمة تشير عليها خفية للنساء وهي تعرفهن على المرأة التي فازت في النهاية بالرجل الذي كان محور احاديث البعض لفترة من الزمن ...
وفي الحقيقة كان أرسلان تحديدًا محور أحاديثهم دونًا عن الباقيين لما ابصروا منه من تجبر وقوة مرعبة، وحنان منافي لتجبره مع الملكة كهرمان، الشيء الذي كان يحفز فضول البعض ليعرفن إن كانت زوجته ستنال نفس المكانة المميزة وتعامل بشكل اسثنائي أم لا ؟!
وسلمى التي شعرت بتغير الأجواء حولها حركت عيونها بين الجميع ثواني قبل أن ترتسم بسمة جانبية وهي تبصر عيون نغمة تتحرك عليها .
_ هذه الفتاة لن تتوقف عما تفعل حتى احطم عظامها .
نظرت لها فاطمة بعدم فهم :
_ تتحدثين معي ؟؟
_ لا صغيرتي ليس أنتِ فاطمة، بل فتاة أخرى.
نظرت فاطمة حولها وهي تبحث عمن تقصد سلمى في اللحظة التي نهضت كهرمان وهي تتحرك صوب سلمى ببسمة واسعة :
_ زوجة أخي الحبيبة أتت، هذا يعني أن أخي في الخارج صحيح ؟!
ابتسمت لها سلمى وهي تستقبلها بالاحضان ترحب بها ممازحة:
_ اشتقت لكِ عزيزتي، ونعم أخوكِ في الخارج يسأل عنكِ، لكني لا تكثري من الاحضان فأنا أغار عليه حسنًا؟
أطلقت كهرمان ضحكة مرتفعة وهي تبتعد عنها مفسحة الطريق أمام تبارك التي اقتربت منها تعانقها بسعادة .
_ أوه تبارك الحبيبة اشتقت لكِ، كيف حالكِ عزيزتي ؟!
_ بخير الحمدلله حبيبتي، كيف حالكِ أنتِ ؟!
_ بخير لم يأكلني أرسلان بعد .
ختمت حديثها لتنطلق ضحكة كهرمان وهي تنظر لتبارك بعدم تصديق حتى هذه اللحظة أنها تخشى أخاها، ولم تصدق حينما أخبرتها أنها بكت بسبب نظراته فقط :
_ حسنًا الأمر مضحك آسفة..
_ مضحك لكِ، لقد اعمى الله عيونكِ أنتِ وزوجته عن قسوة ذلك الرجل، لم تبصرا كيف كان ينظر حتى .
ابتسمت سلمى وهي ترفع عيونها صوب نغمة التي كانت ما تزال تحدق بها بنظرات غريبة جعلتها تشعر أن الفتاة تخفي مشاعر لزوجها وقد خاب ظنها حينما علمت بزواجه منها :
_ هكذا هو أرسلان وحشي من الخارج لمن لا يعلمه حنون من الداخل لمن يخصه..
هزت تبارك رأسها باقتناع ولم تنتبه لنظرات سلمى، لكن كهرمان فعلت، وهي ترى نظرات نغمة تسود بشكل غريب تنتفض من مكانها وتتحرك للخارج ...
في اللحظة التي سمع الجميع صوت الاحتفالات يزداد بدخول توبة من باب جانبي بعدما ارتدت فستان قصير ومعها زمرد التي كانت تساعدها في التزين لأجل حفلة النساء وكذلك برلنت ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
اندفعت لغرفتها وهي تغلق الباب بقوة خلفها تتنفس بصوت مرتفع، تحاول أن تتمالك نفسها، قبل أن تسقط ارضًا تبكي غيظًا وحقدًا، هي والتي لم تهتم يومًا لرجل أو تفكر في أحدهم خوفًا أن تصبح يائسة كما توبة، أبصرت بعيونها توبة كم كانت غبية لتسلم مشاعرها دون مقابل لرجل لا يعلم عنها شيئًا حتى .
تأثرت توبة لا ريب بحديث النسوة عن أرسلان قديمًا، ومن بعدها ظنت أنها تحبه واقنعت نفسها أنها كذلك وليس مجرد انبهار، انبهار بحديث النسوة المعجبات بشخصية كشخصة الملك أرسلان كما غير من الملوك والرجال .
النسوة واللواتي كانت هي واحدة منهن، أحبته قبل الجميع، قبل توبة حتى، ولم تجرأ يومًا على التصريح بحبها، بل فقط كانت تعبر عن إعجابها السطحي به كما لو كان عاديًا، لتثير بكلماتها التي ظنتها عادية مشاعر توبة وتعترف لها أنها أحبت الرجل الذي تحب هي، فانسحبت دون كلمة تدرك أن لا فرصة لها أمام توبة، أميرة، جميلة ومثقفة، أين لها بفرصة أمامها...
كما أن توبة رفيقتها ولم تستطع أن تجرحها.
لكن حتى توبة بكل صفاتها هذه لم تجبر أرسلان على التوقف والالتفات لها، لم تفعل امرأة ذلك يومًا فما المميز فيها، ضحت به لأجل صديقتها، فلا هي طالته ولا صديقتها فعلت.
على الاقل أدركت توبة بعد هذه السنوات تفاهة مشاعرها الهشة تجاه أرسلان ووجدت من تحب حقًا وتمنحه كامل مشاعرها، عثرت على من تعطيه مشاعرها الحقيقة تاركة إياها على قارعة الطريق تحارب اللاشيء وتحصل على اللاشيء .
سقطت دموعها تتمنى للحظة لو أن مشاعرها كانت بهشاشة مشاعر توبة لأرسلان، تتمنى لو أنها كانت مثلها مجرد منبهرة بأحد الملوك .
تتمنى لو امتلكت نزار كتوبة ينسيها ما يوجعها.
مسحت دموعها بقوة ودون إرادة كانت تردد سؤالًا واحدًا لا ينفك يدور برأسها:
_ لماذا ...لماذا هي من بين الجميع ؟؟ ما الذي ...بها وليس بي، هي ليست أميرة وليست ....
فجأة صمتت وهي تنفجر في بكاء حار بعجز تدفن رأسها بين أقدامها وقد أدركت خسارتها بالفعل، خسرت الرجل الوحيد الذي تخلت عنه قديمًا مئات المرات، والآن للمرة التي لا تعلم عددها عليها التخلي عن حلمها مجبرة .
انسحبت قديمًا لأجل صديقتها، ولأنها كانت تعلم أن لا منافسة بينها وبين أميرة كتوبة، الآن ماذا عن تلك الفتاة لم تكن أميرة حتى ؟!
_ ما الذي ابصره بها وافتقدته أنا ؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تشعر أنك بخير أرسلان؟!
تنهد أرسلان بصوت مرتفع وهو يرفع عيونه لها يجلس ارضًا يساعدها في وضع الاعشاب على قدمها وقد بدأت الحروق تترك أثرها الشبه ملموس، يبتسم بسمة صغيرة :
_ بخير حلوتي، لماذا تقولين عكس ذلك ؟؟
_ لأنني أرى حزنًا تحاول مداراته خلف نظرات هذه أرسلان .
كانت تتحدث وهي تتلمس وجنته بحنان، ليبتسم هو لها بسمة صغيرة يقبل كفها ومن ثم تحدث بصوت مختنق :
_ كل ...شيء بخير .
_ هل سنعود لهذه الدائرة المغلقة أرسلان ؟؟ أرجوك لا تفعل هذا مجددًا.
مسح أرسلان كفه في قماشة نظيفة جواره ومن ثم تحرك يجلس على الفراش بجانبها ينظر ارضًا وكأنه يحارب نفسه للحديث، وهي فقط تعطيه كامل الوقت، قبل أن تربت على قدمها ليفهم ما تريد ويضع رأسه هناك يضم نفسه لها يهمس بصوت منخفض :
_ فقط ....غدًا ....
صمت يبتلع غصته وهي لم تتحدث بكلمة تمنحه كامل وقته ويدها تداعب خصلاته بحنان، تميل تطبع قبل صغيرة على رأسه بحب، وهو همس بصوت مختنق بغصة بكاء :
_ غدًا ...ذكرى نكبة مشكى و....استشهاد والدتي .
ختم كلماته وهو يدفن رأسه بمعدتها وكأنه يخفي عنها قهرته وحسرته، الذكرى تجلده كل عام وتصيب جزءًا اسودًا في ذاكرته، جزء يتمنى لو يتخطاه، لكن كل عام في نفس الموعد تتجدد جروحه مجددًا وكأنه يتلقى الضربة للمرة الأولى.
وسلمى لم تتحدث لثواني وقد تجمدت يدها تدرك أنه حتى وإن أظهر العكس فهو لم يتخطى بعد ما حدث له، مالت تهمس بأذنه :
_ إذن ننتهي من الزفاف غدًا ونذهب لزيارتها، عرفها عليّ أرسلان فأنت لم تعرفني عليها سابقًا .
رفع عيونه لها وقد كانت حمراء وكأنه يكبت بها صرخات وآنات، لتبتسم له بحنان وهي تضم وجهه بين يديها :
_ محظوظة تلك الأم لحصولها على ولد مثلك، اتمنى أن يمن الله عليّ بطفل بمثل قلبك هذا أرسلان.
ابتسم لها أرسلان بسمة مكسورة :
_ أشعر في ...كل عام بنفس الوقت أشعر بنفس العجز الذي شعرت به يومها، لم اتمكن من حمايتها أو حماية شعبي .
_ لم تفعل ماذا ؟؟ عزيزي لقد طُعنت حتى الموت وكتب الله لك الحياة بمعجزة رأفة بقلبي الذي كان سيتوه دونك في هذه الحياة، دافعت عنهم حتى كادت روحك تغادر جسدك، ماذا كنت لتفعل أكثر أرسلان، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والدتك استشهدت وهذا شرف لا يناله الكثير حبيبي، لذا فقط ادعو لها بالرحمة ولا تحمل نفسك حملًا لا علاقة لك به، أنت فعلت ما استطعت وأكثر...
نظر لها بأمل وكأنه يتعلق بكلماتها، لتميل هي تقبل عيونه بحب شديد تهمس بلطف أمام وجهه :
_ ابتسم عزيزي فأنت فعلت ما استطعت، والدتك بين يدي الله، وغدًا تلقاها في الفردوس بإذن الله، تأكد بأن والدتك حتى آخر لحظاتها كانت تفخر بالحصول على ولد قوي مثلك، حتى لحظة موته لم يحني رأسه أو يظهر خوفًا، بل قُتل مرفوع الرأس ومن الظهر حينما فشلوا في قتله من الأمام.
ضحك أرسلان ضحكة صغيرة يهمس لها وهو يمد يده يغرزها بين خصلاتها :
_ مازلت حيًا سلمى ..
شاركته سلمى الضحك وهي تطبع قبلة صغيرة أخرى على عيونه :
_ نعم هذه رحمة الله بي، فوالله لو أنني ظللت هذه الحياة دونك لأصبت بالجنون .
_ لا تندمين على تركك حياتك والمجئ للعيش هنا سلمى ؟؟
_ لو سمينا تلك الأيام الباهتة قبلك حياة، فلا ...لا أندم لحظة واحدة، بل أندم على عدم رؤيتك مسبقًا، والوم أبي أن حرمني نعمة مرافقتك منذ طفولتك وعشقك في كل لحظة أرسلان.
ابتسم وهو يتنهد بصوت مرتفع يرفع رأسه عن قدمها وقد سمع صوت الدفوف تضرب بقوة في الخارج دلالة على بدأ الاحتفالات :
_ كان ليتغير الكثير، إن امتلكت سليمى في طفولتي....
ابتسمت له وهو قبل وجنتها بحب :
_ هيا حبيبتي تجهزي سأنتظرك بعد نصف ساعة أمام الباب حلوتي، سأذهب الآن للمساعدة مع الجميع إن احتاجوني .
هزت رأسها له موافقة تراقبه يتحرك بحب يغلق الباب خلفه بهدوء، تضع يدها على قلبها مغمضة عيونها براحة كبيرة، ومن ثم نهضت تجهز ثوبها الذي احضرته سابقًا بمساعدة أرسلان والذي رأته للمرة الأولى يبدي رأيه في شيء غير السيوف والسهام .
ابتسمت وهي تتذكر ملامحه المقتضبة وهو يراقب الجميع حوله في السوق قبل أن تشرق ملامحه حينما أرته ثوبها وكأنه تحول يهمس بسعادة ولطف :
" يشبهك كثيرًا سليمى"
بدأت تتجهز وهي تبحث عن حذائها وقد قررت ارتداء حذاء مسطح تراقب كف يدها المقطب تفكر في استدعاء من يساعدها، ربما فاطمة أو تنتظر أرسلان ليساعدها في الحجاب كعادته .
ومن بين أفكارها سمعت طرقًا على باب غرفتها لتبتسم وهي تتحرك صوبه ظنًا أن فاطمة أو إحدى الفتيات جئن لمساعدتها .
لكن بمجرد أن فتحت الباب تجمدت وهي تبصر نغمة تقف أمامها بهيئة غريبة واعين حمراء مريبة تتحرك داخل الغرفة تدفعها للداخل ومن ثم أغلقت الباب بقوة خلفها .............
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النهاية تقترب، وصفحات الكتاب أوشكت على الإنتهاء.
دمتم سالمين .
دمتم سالمين .
أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل السادس وأربعون 46 - بقلم Rahma Nabil
الخامس والأربعون | مهر غريب |
قبل القراءة صلوا على نبي الرحمة ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجمدت سلمى لثواني وهي تبصر مظهر نغمة التي تقف أمامها بهيئة لا توحي بالخير ولثواني تخيلتها تمد يدها تنتزع خنجرًا وتطعنها به، وحسنًا بعد كل ما مرت به في هذا العالم ستكون تلك نهاية مخيبة للآمال، فهي بعد كل ما تعرضت له تخيلت أن تكون نهايتها على يد تنين اسطوري، أو ربما رميًا بالسهام، أي شيء سوى الموت بخنجر امرأة تصرفت معها بلؤم .
_ حسنًا هذا كله ليس لأنني عاملتك بشكل سييء في لقائنا الأخير صحيح ؟!
ابتسمت لها نغمة بسمة جانبية وهي تبكي دون شعور دموع جعلت سلمى تشفق عليها وهي تهز رأسها تقول بنبرة حاولت جعلها هادئة:
_ حسنًا، أنا في العادة لا اتعامل مع أحدهم بهذه الطريقة لكنكِ أنتِ من بـ.....
_ لماذا أنتِ ؟!
كانت كلمة خرجت من نغمة تبعها انفجار في البكاء وهي تشعر بقلبها يتصدع من الوجع، هي أحبته قبلها هي من تلظت بنيران عشقه ليالٍ، تخلت عنه مرة واثنتان ظنًا أنها لا تليق به، فهي ليست أميرة وليست من عائلة حاكمة تليق به وفي النهاية ....يتزوج امرأة تساويها في المكانة وربما أقل، فهي شقيقة لقائد جيوش سبز وتمتلك مكانة في القصر بعد مكانة الاميرات، وهي ....لقد علمت أنها من عالم المفسدين، لا تنتمي لهم بأي شكل من الاشكال، حتى والدها تخلى عنهم ونبذهم، لماذا جاءت هي بعد كل تلك السنوات، لماذا ؟؟؟
ولا تدري أن سؤالها ذلك نطقته بصوت مرتفع على مسامع سلمى التي لم تفهم ما يحدث، لكن هي لم تكن مغفلة لدرجة ألا تدرك أن المعركة هذه تدور حول زوجها ..
استنكار نغمة لها كزوجة للملك والتقليل منها في كل مرة تبصرها، لا يوحي سوى أن الفتاة أمامها إحدى ضحايا زوجها الذي لم يكن يدري حتى أنه مرغوب وكان يرى نفسه مرعبًا يخيف النساء، وحمدًا لله أنه لم يكن يدرك الأمر حتى ......
_ ولماذا لا ؟؟
سقطت دموع نغمة أكثر وهي تهتف بصوت مرتفع وقد شعرت أن كل اسوار اللامبالاة التي كانت تضعها أمام قلبها لتخفي خلفها حبها الميئوس منه لملك لن تصل له لو زحفت له :
_ لأنني أنا من أحبه قبلك، أنا من ... أنا الحمقاء نفسها التي كانت تهواه كما الأنفاس وتتحدث عنه طوال الوقت بلا هوادة حتى جعلت صديقتها المقربة تحبه بسبب حديثي عنه، أنا هي تلك الحمقاء التي قضت ليال طويلة تبكي استحالة الوصول له، أنا نفسها المرأة الغبية التي أحبت رجل لا يدرك حتى أنها تحيا معه في هذا العالم .
كانت سلمى تسمع ما يقال وهي تنظر لها نظرات باردة رغم اشتعالها الداخلي، تشعر بالنيران تلتهم كل خلية بها، وبشكل أو بآخر أدركت تلك الصديقة التي تتحدث عنها، رغم ذلك ابتسمت بسمة باردة وهي تردد بهدوء :
_ خسارة رجل كأرسلان سيئة، نعم أنا أعلم ذلك، لكن ماذا قدمتي له لتناليه من الأساس ؟! غير النظرات المنبهرة به، والإعجاب الغبي بشخصيته كملك ؟! أنتِ فقط احببتي الجزء الظاهر من أرسلان، وأنا احببت الجزء الخفي منه، وهذا الفرق بيننا.
صمتت وهي تراقبها بهدوء تبصر اشتعال عيون نغمة بشدة، لكنها لم تهتم وهي تكمل بجدية :
_ أما عن لماذا أنا تحديدًا ؟؟ لا أعلم ربما هي دعوات والدي الصالحة بأن يرزقني الله برجل ليس كأي من الرجال، فرزقني الله بأرسلان .
ابتلعت نغمة ريقها، بينما سلمى اقتربت منها تهمس بصوت منخفض، تقترب اكثر منها حتى أصبحت على بعد قليل وصوتها خرج كما لو أنها ترغب في تنويمها مغناطيسيًا :
_ كيف علمتي أنكِ حتى احببتي أرسلان ؟! ربما مثل لك أرسلان شيئًا غير تقليديًا عن الرجال حولك فانجذبتي له ببساطة، أخبريني نغمة، إن جائكِ رجل قوي ذو بأس وسيم ينحني له الرجال قبل النساء، رجل يكون أرسلان لاشيء جواره، هل ستفضلين أرسلان عليه ؟؟
صمتت نغمة وشردت وهي تفكر في سؤال سلمى الذي طرحته، تتخيل أن يأتي رجل يغطي نجمه نجم أرسلان، رجل يفوق أرسلان في كل شيء، هل تفضل أرسلان عليه حتى في هذه الحالة ؟!
_ أرأيتي ؟! أنتِ تفكرين ؟؟ إذن هناك احتمالية لذلك ؟! حبيبتي إن احبتتي رجل فلا يمكنكِ حتى أخذ لحظة واحدة للتفكير في شيء كهذا .
انتفضت نغمة على جملة سلمى والتي ابتعدت عنها تضم ذراعيها لصدرها بهدوء وبأعين جامدة قالت :
_ كان يمكنني التعاطف مع حالتك نغمة، امرأة بائسة فقدت حب حياتها الذي بكته ليالي، كان يمكنني التعاطف معكِ لو كان ما بكيتيه هو حبًا لرجل، وليس لما يمكن أن يمنحه الرجل لكِ، أنتِ لم تحبي أرسلان، بل احببتي ما يمكن أن يمنحه لكِ أرسلان، واشك أن مشاعر كتلك لم تراودك تجاه الملك إيفان مثلا أو ربما القائد سالار ....
ارتجفت نغمة ثواني وابعدت عيونها عن سلمى، التي ابتسمت لها وهي تكمل :
_ وردًا على سؤالي السابق الذي طرحته عليكِ، إذا جاء رجل ينافس أرسلان بأسًا وقوة، هل سأختار أرسلان كذلك ؟!
صمتت وهي ترى انتباه نغمة لها لتضحك سلمى ضحكة صغيرة وهي تجيب إجابة لم تتوقعها نغمة :
_ حبيبتي لا يوجد رجل ينافس أرسلان بأسًا في عيوني من الأساس.
أشارت صوب الباب بهدوء :
- والآن إن كنا انتهينا من هذا النقاش تفضلي للخارج، وادعي ربك أن يرزقك بمن يستطيع أن ينسيكِ رجال العالم .
نظرت نغمة بيدها ومن ثم رفعت عيونها صوب سلمى ولم تكن تدري المشاعر التي تمتلكها في هذه اللحظة لها، إن كانت حقدًا، أم خجلًا، أم حتى حيرة .
كادت نغمة تتحرك قبل أن توقفها سلمى بكلمات قليلة :
_ ونعم إن أردتي نصيحتي نغمة، توقفي عن كونكِ مثيرة للشفقة توقفي عن النظر لنفسك على أنكِ أقل من التقرب لشخصٍ بعينه، امنحي نفسك قدرها عزيزتي، حينها سيمنحكِ الآخرين قدركِ.
ضغطت نغمة على يدها بقوة وهي تنظر ارضًا تشعر أنها تعرت أمام سلمى تندفع بسرعة صوب الباب تفتحه بقوة وهي تركض للخارج، لكن فجأة وجدت جسدًا صلبًا أمامها كادت تصطدم به، لولا انحراف الجسد بسرعة من أمام الباب ...
رفعت عيونها بسرعة لتبصر أرسلان يحيد بعيونه عنها وهو يرفع يديه في الهواء يتجنب أي ملامسة معها، لتسقط دمعة من عيونها وهي تشعر بنيران داخلها وكلمات سلمى حول أنها لم تحب أرسلان حقًا تدور داخل عقلها وتجلدها .
هل فعلت ؟؟
ابتعدت من أمام أرسلان باكية تاركة إياه ينظر لباب غرفة سلمى، ويتحرك داخلها بسرعة وهو يهتف بعدم فهم :
_ سليمى ؟!
رفعت سلمى عيونها له وهي تراه يتحرك أمام عيونها بملامح قلقة محبة، لتفكر في ثواني ماذا لو كانت إحدى المنكوبات في عشق أرسلان، ولم تطاله.
هل كانت لتتجاوز الأمر وتدرك أنها لم تحبه ذلك الحب يومًا، وتهوى غيره كـ"توبة"؟!
أو تصل لحائط سد ترتكب كل ما هو خاطئ فقط لتصل له كـ " سراي " .
أم تحارب بيأس لأجله، وتبكيه ليالٍ كـ " نغمة " ؟!
والإجابة كانت أنها لو بعد كل تلك المشاعر التي تكنها له ولم تصل له تقسم أنها كانت لتموت حسرة قهرًا ولم تكن ستمتلك وقتًا لتتجاوز، أو تمتلك عقلًا لتفكر في مكائد، أو حتى تمتلك روحًا لتحارب .
_ سليمى .....
أغمضت سلمى عيونها وهي تشعر بكف أرسلان يضم وجنتها بحنان مبتسمًا بقلق لأجلها :
_ أنتِ بخير ؟!
رفعت عيونها له تهمس له بصوت مرتجف :
_ أخبرني أنك تحبني أرسلان.
رمش أرسلان بعدم فهم، وهو يبتسم لها بسمة صغيرة :
_ حقًا ؟!
_ فقط أخبرني، أنك من بين الجميع تحبني أنا.
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وهو يجذب رأسها صوبه ينطاحها وهو يبتسم لها بحب :
_ من الجميع ؟! سليمى حبيبتي لا أرى في الحياة من النساء سواكِ ؟؟ ولو أردتِ اعترافًا فوالله ما عاد قلبي يميز من المشاعر سوى حبكِ .....
شعر بها تتنفس براحة ولا يدرك السبب لكنه فقط همس لها بصوت منخفض :
- سليمى بعد ثلاثة عقود من اليأس وجدتكِ، فلا تحسبين أن القلب يفرط بكِ بسهولة، والله لو اضطررت لمحاربة عوالم لأجلك لفعلتها ولا استسلم حتى انالكِ.
ضحكت سلمى ضحكة صغيرة وهي تضمه بحب :
_ حسنًا كان هذا أكثر مما طلبت .
_ اطلبي قطرة، امنحكِ غيثًا سليمى .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع بداية اليوم التالي بدأت تجهيزات زفاف الأمير نزار والأميرة توبة، والجميع يتحرك بقصر الملك بارق كخلية نحل لتجهيز ساحة القصر للزفاف .
وفي غرفة الأميرة توبة كانت جميع النساء مجتمعات، الكل يتحرك ليساعد في تجهيز العروس، وخاصة سلمى التي كانت تمسك أحمر الشفاه الخاص بها وهي تضع منه لتوبة التي حينما أبصرت نفسها في المرآة اتسعت عيونها .
_ ما هذا ؟!
ولا يبدو الأمر كما لو أنهن في الممالك لا يعلمن عن التزين شيئًا، لكن توقفت حدود معرفتهن على بعض الزينة الطبيعية المستخلصة من الزهور والاعشاب، وهذا اللون الأحمر الصناعي الذي وضعته سلمى على شفاه توبة لم يكن يشبه بأي شكل من الأشكال اللون الطبيعي المستخلص من بعض الزهور والذي كان يعطي الشفاه رونقًا لطيفًا، ليس كهذا .
كانت توبة تحاول معرفة ما يحدث :
_ ما هذا ؟! هل ....يا ويلي هذا ...
صمتت لا تجد وصفًا ملائمًا لما ترى، بينما تبارك ضحكت ضحكة صغيرة وهي ترى انبهار توبة مما وضعت سلمى :
_ الفساد على حق الله، عشان يتأكدوا أننا مفسدين بكل ما للكلمة من معنى.
غمزتها سلمى غمزة صغيرة وهي تشير على حقيبة اليد الصغيرة التي احضرتها سابقًا معها من البرازيل :
_ هذا وهي لم تبصر باقي ادوات الزينة .
رفعت توبة يدها في وجه سلمى وهي تحاول الحديث :
_ لا أرجوكِ يكفي هذا الشيء، نزار قد يرتكب بي جريمة إن أبصر المزيد من الزينة على وجهي .
هزت لها سلمى رأسها بحسنًا، ثم أمسكت حقيبتها تلقيها جانبًا وهي ترفع يدها :
_ حسنًا لا بأس، يكفي أحمر الشفاه، والآن دعونا ننتهي من تسريحة الشعر و...
_ أنا سأقوم بها .
كانت تلك كلمات نغمة التي تدخلت بلا مقدمات مع ملامح لم تكن ودودة بالمرة، لكن سلمى لم تهتم أو تمحي حتى بسمتها تقول بنبرة هادئة عادية :
_ أوه نعم شكرًا لكِ نغمة، أنا لن استطيع المساعدة في ذلك على أية حال، فيدي مصابة كما ترين .
ختمت حديثها تلوح بيدها في الهواء وهي تتراجع تمنح لنغمة الفرصة لتتقدم وتبدأ في ترتيب خصلات شعر توبة تحت أعين الجميع .
وزمرد تقف جوار سلمى تتحدث بصوت منخفض وهي تضم يديها لصدرها :
_ هذه الفتاة أشعر بشيء مريب متعلق بها .
نظرت لها سلمى ثواني، قبل أن تعود بعيونها صوب توبة ونغمة التي كانت تساعدها في تسريحة شعرها ببسمة واسعة سعيدة :
- لا تقلقي زمرد، نغمة ألطف من أن تحملي همها...
تحدثت بنبرة غريبة جعلت زمرد تنظر لها بشك، لكن سلمى لم تضف شيئًا على حديثها وهي تتحرك صوب فاطمة تساعدها في ترتيب حجابها تاركة زمرد تراقبها بأعين ضيقة وشك .
_ هذه الفتاة ليست بريئة أبدًا ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكما جرت العادة كان جميع الرجال مجتمعين بساحة سبز على ضربات الدف وأصوات الغناء، وقد تألق سالار في الغناء بصوت جهوري قوي، فقط لأجل زفاف ابن الخال .
والملك آزار لأول مرة منذ فترة طويلة يشارك بالرقص وهو يحرك يديه وكتفيه في الهواء مع الملك بارق والذي كان يحيا زفاف ابنته وكأنه الأول، سعيد للغاية أن أكرم الله ابنته برجل كنزار، رجل لم يتمنى سواه زوجًا لأبنته، فهو من بين الجميع كان الهادئ والحنون والمتفهم، فأين سيجد رجلًا لابنته مثله، وها هو الله وبعد سنوات منحه ما يريد بأغرب الطرق، فقد جاءه نزار يتوسله الوصال ويبذل الغالي والنفيس فقط لأجل نظرة من ابنته ....
أما عن نزار نفسه، ففي هذا اليوم لم يكن هناك انسان على هذه الأرض يماثله سعادة وبهجة، كان قلبه يتراقص سعادة وجسده يرقص فرحة مع سالار وايفان، وعقله كلما وصل لفكرة أنه وبعد ساعات سيرحل من سبز يمسك بين يديه توبة يشعر أنه سيبكي من الفرحة .
فجأة ومن بين رقصاته أبصر بطرف عيونه أرسلان الذي كان يقف جانبًا يصفق، لتتلاشى بسمته وهو يعلم ما يحدث، ينظر صوب والده الذي هز رأسه بخفوت يتحرك صوبه يناظره بتفهم وبسمة حنونة :
_ أرسلان لم نكن مضطرين لإقامة الزفاف اليوم لقد ....
نظر له أرسلان بهدوء وهو يبتسم بسمة صغيرة يكبت بها وجعه وهو يربت على كتف الملك آزار يدرك ما يقصد، لكن هو من أصر على إقامة الزفاف في موعده .
فبعد تحديد الموعد أدرك الجميع ما يمثله هذا اليوم وتوجه آزار صوب أرسلان هذه المرة يعتذر منه وقد قرر مع بارق تغيير موعد .
" لا عم آزار أرجوك، رحم الله من رحل من أهل مشكى، غدًا نوزع صدقاتهم، لكن اليوم ساعدني لأتجاوز نكبته"
وما بين اعتراض من بارق وآزار والجميع، وإصرار من أرسلان تم الزواج في اليوم المخطط له وكلمات أرسلان ترن بهدوء :
" قبلت بإقامة زواج المعتصم بعد أشهر قليلة من رحيل ولدك، فمن أنا لارفض فرحة أخي بعد سنوات من رحيل أمي ومن معها، افرح يا عم واقم الأفراح فالبكاء على رحيلهم لن يعيدهم"
استفاق آزار على صوت أرسلان الذي كان يبتسم بسمة صغيرة :
_ ماذا؟! أنا فقط استريح قليلًا ومن ثم سأ....
وقبل إكمال كلماته كان نزار يجذبه لمنتصف الساحة وهو يجبره على الرقص والاحتفال معهم، وأرسلان المسكين لم يكن يمتلك سوى الرقص والابتسام للجميع ليمرر يومه يمني نفسه بجلسه هادئة بعد كل هذا بين أحضان زوجته يشكي لها همومه لتربت على رأسه بحنان وتخبره أنه لا بأس.
ومن بين الجميع كان إيفان أول من لاحظ ملامح أرسلان الذي كان كمن يجبر نفسه على الابتسام، لكنه لم يتحدث وهو ينتظر حتى ينتهي كل هذا وينفرد به .
في النهاية الحياة تستمر وكل مر يمر ..
ــــــــــــــــــــــــــــ
_ لن ترقصي قليلًا ؟!
كانت تلك جملة كهرمان التي أبصرت سلمى تكتفي بالتصفيق والتشجيع عكس زفاف فاطمة والتي لم توفر فرصة لتظهر فرحتها .
_ حسنًا، كنت اتمنى في الحقيقة، لكن أخوكِ سيقتلني إن فعلت .
_ ومن سيخبره بذلك؟! لا تقلقي لا أحد هنا سيـــ
قاطعتها وهي تتحدث بهدوء وبساطة وبسمة واسعة :
_ أنا سأفعل .
نظرت لها كهرمان بحنق وهي تعض على شفتيها بضيق لتبتسم لها سلمى بسمة صغيرة وهي تهز كتفيها بيأس :
- اعتذر عزيزتي لا أخفي شيئًا عن آرسي .
قالت ما قالت وتحركت صوب فاطمة والجميع وهي تطلق صافرات تشجيع وتصفق تاركة كهرمان تراقب أثرها بصدمة كبيرة مبتسمة بعدم تصديق :
_ ماذا نادت أخي للتو ؟! آرسي ؟؟! أرسلان ؟؟؟
نهضت توبة وقد قررت الرقص بعض الوقت، توسطت القاعة وهي ترقص رقصات تقليدية بسعادة كبيرة، بينما الجميع يصفق لها ..
وما هي إلا ثواني حتى تحركت لها كهرمان وبرلنت وكذلك زمرد، وبدأت الفتيات يشاركنها الرقصة بحماس شديد والجميع يشجع بقوة ..
وسلمى تراقب ما يحدث بانبهار شديد وعيونها ملتمعة اسمع صوت تبارك جوارها وهي تردد ببسمة :
- جميل ها ؟؟ كانت هذه ردة فعلي الاولى حينما أبصرت الرقصة للمرة الأولى، أخبرتني برلنت أن هذه رقصة تقليدية في الممالك اعتاددت النساء تأديتها في مناسبات مختلفة .
نظرت لها سلمى وهي تحرك رأسها بانبهار:
_ رائعة نعم، بل مبهرة .
نظرت صوب فاطمة وهي تهمس بحماس :
- هل تستطيعين رقص هذه الرقصة فاطمة ؟!
نظرت لها فاطمة ثواني قبل أن تومأ برأسها، ولم تكد تتحدث بكلمة حتى عاجلتها سلمى وهي تردد بحماس شديد :
_ جيد إذن تعلميني ؟!
ابتسمت لها فاطمة وقد كانت هذه المرة الأولى التي تشعر بها أنها تتقن شيئًا ما، لدرجة أن يطالبها أحدهم بأن تعلمه هذا الشيء، ولشده حماسها هزت رأسها بسرعة :
_ نعم يمكنني .
_ إذن اتفقنا ..
وبمجرد أن انتهت النساء من الرقصة سمع الجميع صوت إحدى النساء تدعوهن للتوجه صوب الساحة لتقديم هدايا العرس ..
توقف قلب توبة لثواني وشعرت بقدمها تتجمد ارضًا، ولثواني فقط أرادت رفع طرف فستانها والركض بعيدًا تختبئ بغرفتها بعيدًا عن الأعين..
ابتلع ريقها وهي تتراجع خطوات للخلف، ويبدو أن كهرمان أدركت نيتها، إذ أمسكت مرفقها بسرعة تبتسم بسمة واسعة تهمس لها :
_ إلى أين يا عروس ؟! ماذا عن زوجك ؟؟
نظرت لها توبة وهي تحاول التحدث وتبرير ما تريده، لكن كهرمان مدت كفها تنزل الغطاء الخاص بتوبة أعلى وجهها ومن ثم تتتحدث بصوت شبه مرتفع :
_ افتحوا الطريق للعروس يا نساء ...
وفي ثواني تحركن النساء للجانب تاركين طريقًا ممهدًا لتوبة لتتحرك به، والأخيرة تشعر بضربات قلبها تكاد تتوقف، وهي تنظر ارضًا تخشى رفع عيونها فتتجمد بالخطأ من نظرات أحدهم.
والنساء يتحركن معها بهدوء حتى وصلوا وأخيرًا لمنتصف الساحة حيث الجميع ينتظر العروس .
ونزار يقف ينتظرها أن تقترب وبمجرد أن أصبحت على بعد خطوات صغيرة منه، ابتسم بسمة واسعة يتحرك صوبها بسرعة وهو يلتقط كفها بين أنامله يقربها منه هامسًا بصوت منخفض :
_ ها نحن ذا سمو الأميرة....
رفعت توبة عيونها له، ليبتسم بسمة واسعة غامزًا لها، ومن ثم سحبها بهدوء صوب المقاعد يجلسها بهدوء ولطف، ثم بدأ الجميع يتوافدون لتقديم الهدايا .
ونزار فقط يجلس جوارها لا ينزع عيونه عنها وكأنه للتو فقط أبصر ملامحها عن قرب، وتوبة فقط تحاول تلاشى النظر به تنشغل مع النساء اللواتي بدأن يقدمن الهدايا لها .
فبدأت واحدة تلو الآخر تتقدم مع هديتها، حتى وصل الدور للملك آزار الذي اقترب يمد يده بصندوق خشبي صغير مبتسمًا :
_ هذا نصف الذهب الخاص بزوجتي قسمته عليكِ وعلى ابنتي الأخرى قسمة العدل يا ابنتي، عسى الله أن يمنحك السعادة .
ختم حديثه وهو يربت على كفها بحب، ثم همس لها بصوت منخفض وصل واضحًا لنزار الذي التوت تعابير وجهه بضيق وهو يسمع صوت والده يهمس بحنان لزوجته :
_ إن اغضبك نزار يومًا أخبريني فاجعله شريدًا لا يجد له مملكة تستقبله، حسنًا ؟؟
ابتسمت له توبة بسمة واسعة، ليزفر نزار بصوت مرتفع وهو يجذبها جواره يضم يدها بحب بين كفه يهز رأسه لوالده بضيق مصطنع :
_ أدامك الله لي مولاي، لا أعلم كيف كانت ستتفاقم مصائبي مع زوجتي دونك..
ضحك آزار وهو يضرب كتفه بمزاح خشن :
- فكر في مضايقتها فقط وأقسم أن ارسلها لوالدها ولن تبصر لها طرفًا .
_ أنا ولدك مولاي ...
_ وهي كذلك ابنتي .
ابتسمت له توبة بحب وهي تمسك كفه تقبله باحترام وتقدير :
_ أدامك الله لي مولاي .
ابتسم لها آزار بحب وهو يربت عليها بحنان، ومن ثم تحرك وقد شرع الباقون يقدمون لها الهدايا، وبارق الذي اقترب من ابنته دامعة العيون يمسك بين يديه صندوق ذهب عائلته بأكملها وقد كانت ابنته الوحيدة التي لها حق أخذهم :
_ لا أصدق أنني اقول هذا، لكن ....ستشتاق سبز وجدرانها وملكها لأميرتهم توبة فلا تطيلي الغيبة ابنتي .
يكن توبة وهي تلقي نفسها بين أحضان والدها الذي ضمها يقبل رأسها بحب، يده ترتعش وقد جرفته مشاعره، لتميل توبة تقبل يده بحب وهي تهمس بحب شديد :
_ فوق رأسي جلالة الملك، والله لا انساكم ولو بخروج روحي وكيف أنسى رفيقي الأول والوحيد أبي..
ابتسم لها بارق بحب وهو يضمها له بحنان .
بينما آزار يراقب ما يحدث وهو يهمس لولده بصوت مسموع للجميع وبمزاح :
_ ذلك العجوز يبكي زوجة ابني يبتغي إفساد الزفاف كي لا تذهب معك يا بني .
رفع نزار حاجبه وهو يجاريه في الحديث :
_ لا تقلق مولاي، دعهم يفرغون مشاعرهم، فهي لن تبصر رفيقك لوقت طويل .
رفعت توبة عيونها له بصدمة ليغمز لها بحب، وضحكات بارق رنت في المكان :
_ لا بأس آتيكم أنا بجيوشي احطم المملكة فوق رؤوسكم، إذ يبدو أن امثالك ووالدك لا ينفعكم سوى اسلوب أرسلان.
وأرسلان الذي كان يقف جانبًا يراقب ما يحدث باستمتاع التوت ملامحه بسخرية :
_ أوليس هذا أرسلان الذي كنت تسخرون منه طوال الوقت، الآن أصبح له مدرسة تتبعونها جميعًا ؟؟
ضحك إيفان وهو يجذب أرسلان بين أحضانه من كتفه بحب يربت عليه :
_ لا غنى لنا عنك يا أخي، أخبرني بالله عليك ما معنى الممالك دون أرسلان ؟!
_ لا شيء .
ضحك سالار بصخب على رد أرسلان الذي لم يتواضع حتى أو يتظاهر بذلك ..
اكمل الجميع تقديم الهدايا، حتى انتهوا وحان اخيرًا لحظة تقديم هدية الزوج .
انتبه الجميع لنزار الذي نظر حوله ثواني وهو يتحدث ببساطة :
_ حسنًا فكرت كثيرًا في أكثر من مهر، وكدت أقدم لكِ بعض المصوغات الذهبية المميزة، لكنكِ بالفعل ستحصلين على الكثير اليوم، لذا قررت أن أخرج عن المألوف قليلًا ....
ختم حديثه يشير بكفه صوب إحدى الجهات لتتحرك أعين الجميع صوب الجهة لتتسع الأعين تباعًا، فابتسم نزار يكمل حديثه السابق :
_ أو ربما كثيرًا ....
فتحت توبة فمها بصدمة وهي تبصر ما احضر لها نزار وشعرت برغبة عارمة في البكاء وهي تتذكر ذلك اليوم الذي جاءها يزورها في قصر والدها وأخذها في جولة على حصانه..
" حقًا خيول الجليد ؟؟ هل تمزحين معي ؟!"
" لا لا أفعل، لطالما تمنيت منذ طفولتي أن أحصل على واحد من أحصنة الجليد هذه، لكن أنت تعلم أنها نادرة ولا يوجد منها سوى أعداد قليلة في اسطبل مشكى ."
نظر لها وهو يبتسم بعدم تصديق :
" خمسة فقط يمتلكها أرسلان وقد ورثها من والده، وصدقيني أرسلان يمكنه قتلي ببساطة ولا يمنحني واحدًا، فهي إرث تمتاز به مشكى "
ضحكت توبة بصوت مرتفع وهي تدرك هذه الحقيقة، فلطالما اشتهرت مشكى بخيول الجليد والتي سُميت بهذا الإسم لتشابه لونها شديد البياض مع خصلات زرقاء بالثلوج وقد كانت فصيلة مهجنة نادرة امتلكها الملك بيجان سابقًا وورثها منه أرسلان.
" أعلم ذلك، أنت فقط سألت إن حلمت يومًا بشيء ولم أحصل عليه، واخبرتك، حسنًا أنا احببت الخيول منذ طفولتي وكانت هذه إحدى أحلامي المستحيلة .."
استدارت توبة بسرعة صوب نزار وهي تراقبه بأعين دامعة غير مصدقة لا تظهر من خلف غطاء وجهها، تشعر بقلبها يكاد يتوقف من الصدمة، لقد ... أحضر لها الحصان الذي عاشت حياتها تحلم فقط برؤيته عن قرب .
وربما كان شيئًا غبيًا للبعض، لكنه كان شغفًا لها .
اقترب منها نزار وهو يبتسم لها بحنان يضم كفها بين كفه يهمس بحب شديد :
_ أحدهم احضر قصر لزوجته والآخر منزل والآخر ساق لها نص ذهب مملكته، وأنا أحضر حصانًا، أبدو مثيرًا للضحك ها ؟؟
همست توبة بصوت باكي غير مصدق :
_ هذا ....يا ويلي نزار هذا ...كيف ....لقد ....
ابتسم لها بعشق :
_ أحضر لكِ ما تتمنين ولو كان من بين انياب أسد... أو أنياب أرسلان بمعنى أدق.
سقطت دموع توبة أكثر وهي تسمعه يردد :
_ لقد كلفني الأمر الكثير، أرسلان لم يكن ليتخلى عن أحد الأحصنة بسهولة.
استدارت توبة بعدم تصديق تحدق بالحصان بأعين ملتمعة والجميع حولها يراقب بانبهار، وأرسلان يربت على الحصان بلطف وهو يتحدث لنزار بجدية :
_ اعتني به جيدًا، ولا تنسى ما وعدتني به في المقابل ..
قلب نزار عيونه ثم تنهد بصوت مرتفع :
_ حسنًا لم أنسى، مازلت عند وعدي .
نظرت له توبة بعدم فهم وهي تسأله بعيونه عما وعد به أرسلان مقابل التخلي عن جزء لا يتجزأ منه، لكن نزار فقط ابتسم بامتنان لأرسلان وهو يشير لتوبة بحماس على الحصان، يساعدها للصعود على ظهره، ومن ثم صعد خلفها وهو يشير بتحية الجنود لسالار، ومن ثم نغز الحصان يتحرك به بسرعة وسعادة كبيرة .
بينما أرسلان نظر صوب سالار بحنق شديد ليطلق سالار ضحكات صاخبة وهو يرى نظرات أرسلان المغتاظة :
_ ما بك، كان هذا عمل لوجه الله .
_ لوجه الله ؟؟ لقد منحته حصان نادر لا يقدر بثمن، وتخبرني لوجه الله، يمكنني منحه صدقة لوجه الله، لكن اقسم إن لم يفعل ما وعدني به لانتزعنه منه ولن يهمني أي شيء آخر.
ارتفعت ضحكات إيفان الذي تحرك مع الجميع صوب قاعات الاحتفال :
_ أنت يارجل لا تفعل خيرًا أبدًا ..
_ الخير أفعله مع المساكين وليس مع أمثالكم.
ختم حديثه وهو يدفع إيفان في كتفه بحنق وهو يتحرك بحثًا عن زوجته بعيونه كي يتأكد أنها تناولت ادويتها قبل تناول الطعام يسمع صوت إيفان خلفه يردد بضيق :
_ متى تتوقف عن كلماتك السامة هذه، لا أعلم كيف تحكم بلادًا بمثل تصرفاتك هذه أرسلان؟؟ والغريب أنك تحكمها بشكل جيد .
استدار أرسلان اثناء تحركه وهو يبتسم بسخرية يغمز له قبل أن يستمر في سيره وهو يحرك يديه في الهواء :
_ دعك من مشكى يا عزيزي، بلادي احكمها كيفما اشاء، ولا أظن أن شعبي يعترض على وجود ملك مثلي، في الحقيقة اعتادوا وتأقلموا لدرجة أن ملك مثلك لن يصلح مع شعبي، احتفظ بأنفك في سفيد إيفان....
ختم حديثه وهو يلقي له ببسمة مستفزة، جعلت أعين إيفان تتسع وسالار يضحك بصوت مرتفع .
زفر إيفان بضيق وهو يضرب كفيه ببعضهما البعض متعجبًا :
_ لا أصدق حقًا أنني يومًا ما بكيت ليالٍ حينما ظننته رحل عن هذه الحياة .
_ نعم وستبكي سنوات أخرى إن رحل حقًا إيفان .
همس إيفان بفزع وهو ينظر لظهر أرسلان :
_ أطال الله بعمره ..
تحدث سالار ببساطة وهو يربت على كتفه بهدوء :
_ أنت لا تشبه أرسلان، وهو لا يشبهكك وربما هذا سبب تجمعكما، اختلاف كل منكما عن الآخر ربما يكون سبب ترابطكما، ثم هذا أرسلان منذ كان طفل ولم يتغير مقدار شعرة .
ختم حديثه وهو يتحرك بعيدًا عن إيفان:
_ سأذهب لأطمئن على زوجتي والقاكما في قاعة الاحتفال ...
رجل تاركًا إيفان يبتسم بسمة واسعة بهدوء يهز رأسه باقتناع ومن ثم تحرك هو الآخر يبحث عن زوجته بين الجموع وقد اشتاق لرؤيتها .
وبالفعل ابصرها تتحرك مع بعض النساء صوب قاعة النساء، ليتحرك جانبًا يبتعد عن طريق النساء ويبعد عيونه عنهم حينما أبصر نظراتها له ...
أشار لها بيده، لتتحرك كهرمان صوبه سريعًا وهي تبتسم بسمة لم تظهر بسبب غطاء الوجه، وفي الحقيقة كان من الوارد ألا يتعرف عليها أحدهم بسبب غطاء الوجه، لكن إيفان ما كان ليغفل يومًا عن زوجته وكل قطعة ترتديها .
بمجرد أن وصلت له كهرمان ابتسمت بلطف وهي ترفع طرف فستانها :
_ جلالة الملك ناديتني ...
اتسعت بسمة إيفان وهو يلتقط كفها الذي رفعت به طرف ثوبها يقبل باطنه بهدوء وحنون :
_ اشتقتك كهرمان، ألم تفعلي ؟!
نظرت كهرمان حولها وهي تطمئن أن لا أحد حولها، ومن ثم رفعت غطاء الوجه تنظر له بأعين عاشقة :
_ اشتقت وفاض الشوق إيفان ...
مال إيفان مرة ثانية على كفها يقبله بحب وهدوء شديد :
_ يا رحيم، سُحبت كل الكلمات المعسولة من شقيقك، وتفردتي بها أنتِ .
أطلقت كهرمان ضحكة منخفضة، وهي تميل عليه هامسة :
_ ليس لأن أخي لا يتحدث معك بكلمات معسولة، فهذا يعني أنه لا يستطيع قولها جلالتك ...
نظر لها بعدم فهم لتغمز له تهمس بهدوء :
_ أخي يحتفظ بكل كلماته المعسولة لأحدهم جلالتك، ولا أعتقد أنك هذا الأحدهم ..
_ مالي وكلمات أخيكِ كهرمان، من بين كل الكلمات والله ما ابتغيت يومًا سوى سماعك أنتِ جلالتكِ .
نظرت له كهرمان مطولًا بأعين ملتمعة، ومن ثم ابتسمت بسمة واسعة وهي تردد بحب شديد :
_ حسنًا هذا نقاش أحب مناقشته بين أحضانك أسفل ضوء القمر مولاي، لا أعتقد أن هذه الوقفة تليق بمثل كلماتك إيفان.
هز لها إيفان رأسه بحب شديد وهو يضغط على كفها بحنان :
_ إذن اليوم مساءً في شرفة غرفتنا ؟؟
انزلت كهرمان غطاء وجهها تردد بصوت منخفض وهي تسحب طرف ثوبها تميل بلطف :
_ انتظرك من الآن إيفان......
ومن بعد هذه الكلمات تلاشت ساحبة معها كل أنفاس إيفان وانتباهه يبتسم دون وعي، لا يتخيل أنه بعد كل سنوات اعتزاله النساء وبحثه عن زوجته وشريكة حياته، كانت في النهاية تقبع أمام عيونه دون أن يبصرها حتى ..
_ كانت طوال الوقت أمام عيوني، يخفيها أرسلان عن الجميع خوفًا من سرقة جوهرته، أو جوهرتي....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مهجتي الحبيبة انظري ما الذي احضرته لكِ .
كانت تلك كلمات سالار الذي ما إن اقتحم غرفته أخذ يبحث عن تبارك بأعين متلهفة، ليبصرها تخرج من المرحاض بسرعة بخصلات شبه مدمرة وهي تنظر له بلهفة رغم هيئتها الرثة تبتسم بلطف :
_ ماذا أحضرت لي ؟!
ترك سالار ما كان يحمل بين كفيه على الطاولة وهو يتحرك صوب تبارك بأقدام متلهفة يتنفس بحنق :
_ يا ويلي تبارك ما الذي حدث لكِ؟؟ يبدو الأمر كما لو أنكِ نجوتي للتو من معركة، وخصلاتك لم تفعل.
كان يتحدث وهو يلملم خصلاتها بحنان شديد يربت عليهم بحب، وقد كانت جميع الخصلات متناثرة بشكل غير مرتب تمامًا، والبعض يصيب عيونها حتى .
ابتسمت له تبارك بحب :
_ مجرد حالة قيء مؤقتة وتعاملت معها .
نظر لها بقلق وقد كان القيء المستمر لتبارك يوميًا شيء يؤرق مضجعه :
_ هذا لا يطمئنني تبارك، الأمر يتكرر يوميًا وهذا ... أنا قلق، هل نحتاج لاستشارة طبيب ؟؟
_ ماذا ؟! لا ...سالار حبيبي أنا حامل مش عندي مغص، فالموضوع طبيعي يا عيوني مالك كده، هل هذه مرتك الأولى في التعامل مع امرأة حامل.
كانت تتحدث وهي تحرك يديها أمام وجهه بجدية وهو يتابعها بعدم فهم حتى أنهت جملتها بسؤالها ذلك فابتسم بسخرية :
_ حبيبتي هذه أول مرة اتعامل مع امرأة في المطلق، أنا اختبر بكِ كل شعور لأول مرة تبارك عزيزتي.
اتسعت بسمة تبارك بقوة وقد أثرت بها هذه الكلمات تتحرك صوبه تفتح ذراعيها له بتأثر وحب، ليميل هو يلتقطها بين أحضانه بحب شديد يرتب خصلاتها، يميل عليها يقبل رأسها بحب شديد .
_ إذن هذا ليس خطرًا صحيح ؟!
وكانت تبارك في هذه اللحظة لا تعي حتى ما يحدث تقضي افضل لحظات حياتها بين أحضان زوجها الدافئة ترتشف من دفئه وحنانه ما يعينها على قضاء بعض الساعات بعيدًا عنه .
_ ماذا ؟؟
_ هذا القيء الصباحي المستمر ليس شيئًا يستدعي قلقي ؟! إن كان ذلك الاحمق مهيار لا يستطيع مساعدتك بالأمر يمكننا استشارة زيان طبيب مشكى هو جيد فقد كان معلم مهيار في فترة من الفترات، أو ربما يساعدنا نزار في بعض الأعشاب التي قد تـــ.....
ابتعدت عنه تبارك وهي تضم يديه تربت عليهما وكأنها تعامل طفلًا :
_ سالار حبيبي، أنا بخير حال، هذا شيء طبيعي في الحمل حبيبي، ثم أنا كذلك كنت اعمل ممرضة وأدرك كل هذه الأمور واتعامل معها، لا حاجة لاستشارة أطباء الممالك أجمع فقط لأنني اعاني من غثيان صباحي أثناء حملي ..
_ حسنًا أنا لا أحب رؤيتك تعانين كل صباح من هذا الأمر، أعتقد أن نزار قد يستطيع صنع شيء يساعدك في الأمر، هو يجيد اللعب بالاعشاب .
ضحكت تبارك وهي تهز رأسها بموافقة، فإن كان نزار يستطيع تخليصها من هذا الشعور المؤرق كل صباح ستكون شاكرة له .
_ حسنًا لا بأس.
_ إذن سأذهب للبحث عنه لاخبره.
وقبل التحرك أمسكت تبارك يده بسرعة وبأعين متسعة رددت :
_ استنى رايح فين هو مش نزار ده هو نفسه العريس اللي كان فرحه انهاردة ؟! هتروح تسحبه من فرحه وعروسته عشان يعملي شوية اعشاب ؟؟
نظر لها بعدم فهم وكأنها تتحدث بلغة غير مفهومة رغم عدم إدراكه لبعض الألفاظ إلا أنه كان يفهم عرض الجملة بشكل عام :
_ ماذا في ذلك !!
_ ماذا في ذلك؟ بالله عليك سالار هل تمزح معي، اليوم زفاف الرجل، دعه مع زوجته ومن ثم يمكنك أن تجبره على صنع اعشاب لي .
نظر لها باعتراض ولم يكد يتحدث لتسارع :
_ إذن ربما يستطيع ار......
صمت وهي تجذبه بعيدًا عن هذا الحوار تبتسم بحماس ادعته :
_ إذن أخبرتني أنك أحضرت لي شيئًا، ما الذي احضرته ؟!
نظر لها ثواني بغير رضا، ورغم ذلك أبتسم بسمة واسعة وهو يميل يلتقط بعض الفواكه التي تتميز بها سبز يمد يده بها لها :
_ هذه بعض الفواكه الغريبة واللذيذة التي تتميز بها سبز أحضرت لكِ البعض .
نظرت تبارك بانبهار لشكل الفواكه ومن ثم نظرت لسالار مبتسمة :
_ هذا رائع هل أحضرتها خصيصًا لي سالار ؟؟
ابتسم سالار وهو يتحدث بجدية وهو يفصصها :
_ لا لقد أخذت البعض من أرسلان بعدما تركته هو يذهب لإحضارها لزوجته، ومن ثم أخذت منه البعض لكِ ولصغيري .
رمشت تبارك تحاول فهم هذا الجانب من زوجها، فهذه المرة الأولى التي يتحدث بها سالار بهذه الطريقة عن شيء أخذه من أحدهم، وفي الحقيقة كانت شخصية سالار مع اصدقائه شيء لن تفهمه تبارك ابدًا، فالرجل في الحروب شيء، ومعها شيء، ومع رفاقه شيء آخر...
_ اخذتها منه ؟؟
_ نعم هو منحها لي بطيب نفس .
_ هل تكذب سالار ؟؟
_ معاذ الله أن أفعل، أنا لا اكذب هو منحها لي بطيب نفس بعدما أجبرته في البداية على منحي البعض لأنني لا يمكنني الذهاب وإحضار البعض بنفسي لأجل الاعتناء بكِ.
صمت ثواني ثم ابتسم بسمة صغيرة وهو يكمل :
_ ولأن الملك بارق سيغضب إن علم أنني وأرسلان افسدنا له أشجار فاكهته هذه، لذا هو بالفعل افسدها إذن ليشارك معي البعض ونقلل من الأضرار على أشجار الملك بارق .
_ خربتوا جنينة الراجل وماشيين تقطفوا في الفاكهة بتاعته ؟؟
_ ماذا ؟؟
_ ماذا ايه أنتم جايين بخسارة على الملك بارق والله .
_ لا تقلقي هو لن يغضب مني، بل من أرسلان فهو من قطف الفاكهة، في الواقع هو يفعل الأمر ذاته منذ كان طفلًا ويأتي مع والده، كان يذهب لقطف بعض الفواكه لنا جميعًا ومن ثم يُوبخ لوحده .
_ حقًا ؟! هل تلقون برفيقكم في المشاكل ؟؟
_ لا هو كان يحب لعب دور الشرير منذ طفولته، وكان يردد أنه طالما هناك من سيعاقب فليكن هو، في النهاية جميعنا سنتناول الفاكهة، ثم هو يليق به دور الشرير وسيصدق الجميع الأمر، ولن يصدقوا إن كان إيفان الهادئ أو سالار العاقل .
_ عاقل طبعًا يا حبيبي .
ابتسم لها سالار بسمة واسعة ظنًا أنها تمدحه، لتهز تبارك رأسها بيأس وهي تلتقط الفاكهة منه تراقبها بعدم فهم :
_ هل اتناولها مباشرة أم احتاج لتقشيرها أو ماذا ؟!
ابتسم ينتزع منها الفاكهة وهو يجهزها لها لتناولها وقد كانت تتميز باللون البنفسجي اللامع، تراقبها بأعين ملتمعة، وبمجرد أن مد سالار يده لها بقطعة لتتناول، مالت تتناولها مباشرة من يده لتتسع بسمته بحب وهو يبصر عيونها تلتمع بشكل مريب وقد بدا كما لو أنها تتناول فاكهة من الجنة .
_ هذه ....هذه ...الذ فاكهة اتناولها في حياتي بأكملها.
_ أخبرتك أنها رائعة .
هزت رأسها بنعم وبدأت تتناول من يده كل الفاكهة التي أحضرها وهو يتباعها بحب وحينما انتهى نظرت له تردد بصوت هادئ :
_ هل هناك المزيد ؟؟
نفى برأسه وهو يفكر بجدية :
_ لا هذه فقط، إن أردتي المزيد يمكنني الذهاب وإحضار البعض لكِ ؟!
_ ستفعل بنفسك ؟؟ أخبرتني أنك يومًا لم تحضرها بنفسك .
غمز لها بحب :
_ افعلها للمرة الأولى لأجلك، في الواقع أنا اجرب كل شيء للمرة الأولى معكِ عزيزتي .
نظرت له تبارك بأعين عاشقة، قبل أن تلقي بنفسها بين أحضانه، وهو يضمها حريضًا إلا تمس يده ثوبها فيفسده ببقايا الفاكهة على أصابعه .
وهي فقط تنفست تردد بحب :
_ نفس الشيء معك سالار اجرب معك الكثير لأول مرة، وأولهم عشقي لك ...
مال سالار برأسه على خاصتها يستريح هنا مبتسمًا بحب :
- هذا الشيء الوحيد الذي لم أكن لأقبل أن تجربيه مع غيري مهجتي. ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لا أفهم ما تقولينه سليمى، تحدثي بلغة افهمها .
رفعت سلمى حاجبها وقد تلقت للتو ردة الفعل التي كانت تتوقعها منه، تبتسم بسمة صغيرة وهي تتناول بعض الفاكهة التي أحضرها لها .
_ حسنًا لقد تحدثت بالعربية للتو، إن لم تفهمني يمكنني أن أحدثك بالبرتغالية، لكن لا أعتقد أنك تتقنها على أية حال .
تنفس أرسلان وهو يحاول أن يتمالك نفسه :
_ تريدين العيش خارج القصر حتى زفافنا ؟؟ اعلميني إن فهمت بشكل خاطئ رجاءً .
_ لا حبيبي ماشاء الله عليك، فهمتها بشكل صحيح .
هز رأسه بهدوء ومن ثم وضع باقي الفاكهة أمامها يبتسم بلطف :
_ في أحلامك عزيزتي .
_ وما الأحلام سوى واقع مؤجل عزيزي .
ابتعد عنها أرسلان بضيق وغضب شديد يفتح فمه استعدادًا، للصراخ، لكن صوت بعيد همس له أن الصراخ مع هذه المرأة في شيء تريده لن يؤتي ثماره، لذا استعمل خطته البديلة، يزفر بصوت مرتفع ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة :
_ سليمى حبيبتي أمر خروجك من القصر لمكان آخر بعيدًا عن عيني سيكون بموتك أو موتي، لذا عزيزتي انسي ذلك تمامًا .
_ حقًا أرسلان، هل تستعمل معي طريقة الهدوء باستخدام نفس الكلمات التي كنت ستسخدمها وأنت تصرخ، أنت حتى لم تحاول انتقاء كلمات أكثر رقة مثلًا .
_ لكنني لم أصرخ.
_ لكن نفس الكلمات استخدمتها للتو .
فجأة انتفض جسدها وهي ترى الطاولة تتطاير بعدما صدمها أرسلان بقدمه صارخًا بغضب وضيق :
_ سليمى أنت لن تتركيني وتغادري، لن أسمح لكِ بالرحيل .
_ ألم تكن أنت من أخذت تردد أنك لن تكون من هذا النوع الذي يخنق زوجته بغيرته و...
وقبل إكمال كلماتها اقترب منها أرسلان يمسك بذراعيها بحنان رغم غضبه الكبير في هذه اللحظة من فكرة ابتعادها عنه لوقت ما :
_ سليمى أنتِ لن تبتعدي عني، وأنا لست مستعدًا لقضاء أيامي وحيدًا مجددًا بعدما اعتدت رفقتك حسنًا، ضعي هذا في رأسك حبيبتي .
نظرت له بأعين حزينة وهي تهمس بصوت منخفض حاولت به مس الجزء الحنون داخل قلب أرسلان:
_ أريد الشعور بشعور الفتيات هنا أرسلان، أن تأتي لمنزلي على حصانك، وتطلب ودي وتزفني من منزلي للقصر، هل هذا كثير عليّ أرسلان.
تنهد أرسلان بصوت مرتفع وهو يقبل عيونها بلطف كما تحب هي أن تفعل معه :
_ والله ليس كثيرًا حلوتي، وإن كان كثيرًا يصبح قليلًا لأجلك ...
ابتسمت بسمة واسعة ولم تكد تتحدث بكلمة إضافية حتى قاطعها بلطف :
_ لكن هذا أكثر من قدرتي، إن أردتي أن آتيكِ واطلب ودك، فدعيني اخرج أنا من القصر وأنتِ ابقي به حسنًا ؟؟ اخرج أنا وابقي أنتِ وآتيك بخيول مشكى كلها إن أردتي، لكن لا تخرجي من قصرك سليمى .
تنهدت سلمى وهي تمد يدها بلطف تربت على وجنته بحب تتذكر كلمات ديلارا لها تحاول أن تخبره بلطف ما تريده :
_ أرسلان أنت لا تفهم ما أريد، هذا حق عائلتي عليّ، أن تأتيني هناك وتطلب ودي، لذا أرجوك....
تنهد أرسلان بصوت مرتفع :
_ نحن لن نصل لحل هنا صحيح ؟؟
_ فقط أنت من ....
نهض أرسلان يقطع كلماتها وهو يردد بصوت حاد صارم وقوي :
_ سليمى عزيزتي، أطلبي المستحيل اجعله ممكنًا لأجلك، لكن ابتعادك عني أو مغادرة القصر هذا ما لم اقبله ولو كان السيف على رقبتي، هنا وانتهى النقاش .
ختم حديثه يتحرك بقوة خارج الغرفة تاركًا إياها تراقب أثره بغيظ شديد وضيق أشد ولم تكد تنفخ أو تصرخ، حتى فتح الباب مجددًا وطل هو برأسه:
_ وتناولي كامل طعام وأدويتك.
ومن ثم اغلق الباب بعنف كبير جعلها تنتفض وهي تنظر للباب بخوف كما لو أنه سينقض عليها منه .
تنفس بصوت مرتفع وهي تهز رأسها:
_ حسنًا طالما أنك اخترت الطريقة الصعبة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابتسم يراقبها تتحرك بسعادة في الحديقة أمامه وقد كان أحب شيء على قلبه هو مراقبتها تغدو كالفراشة في المكان، تنفس بصوت هادئ يحاول أن يسحب نفسه من شروده بها والانتباه لما يحيطهم مخافة أن يقترب رجل من هذه المنطقة ويبصر ما يحب مشاركته مع غيره في زوجته .
_ حسنًا فاطمة يكفي، هيا سنعود الغرفة لترتاحي فامامنا سفر بعد ساعات قليلة .
_ لكن يا المعتصم الازهار هنا جميلة للغاية، دعنا نستمتع قليلًا قبل الرحيل رجاءً.
_ لقد استمتعنا بما يكفي فاطمة هيا فالشمس تزداد حدة وهذا ليس جيدًا عليكِ .
توقفت فاطمة عن الدوران وهي تتحرك صوبه بهدوء شديد تهز رأسها بطاعة، ومن ثم أمسكت يده وهي تردد بصوت منخفض مشيرة لما يحيط بها :
- ما رأيك يا المعتصم، حديقة كهذه تحيط بمنزلنا؟! يمكنني مساعدتك في زراعتها إن أردت وتكون لنا فقط سيكون هذا رائعًا و....
توقفت فجأة عن الحديث وهي تبصر بعض النساء يتحركن بالقرب من الحديقة يتحدثن بصوت خفيض، واحداهن تحمل طفل صغير بحنان بين ذراعيها تداعبه بحب وتضحك له .
صمتت فاطمة فجأة وهي تحدق بالنساء بشكل جعل المعتصم يستدير باحثًا عما سلب جل اهتمامها بهذا الشكل، ضيق عيونه يحاول فهم ما تدور حوله افكار فاطمة .
_ ماذا ؟!
_ هذه .... المرأة هناك أنها.....
صمتت ثواني وكأنها تفكر في الأمر، قبل أن تتحدث بصوت منخفض هامس بعض الشيء :
_ المرأة تشبه أمي كثيرًا .
نظر لها المعتصم بسرعة ليبصر كافة ملامحه المشرقة تنطفأ فجأة وقد تحولت ملامحها بشكل غريب للحزن :
_ هيا لنرحل من هنا .
نظر لها المعتصم دون فهم، فبعدما كانت تقفز في كل مكان بنشاط، وتلتمع كنجمة في ليلة مظلمة، فجأة أضحت تنافس ظلام الليلة وخفت نورها.
خفت نور فراشته وتقوقعت حول نفسها لتعود لبدايتها كيرقة مجددًا، نعم لم يتوقع أن تعالج بسهولة ويسر وفرقعة إصبع، لكنه يرفض العودة خطوات للخلف بعدما تقدم خطوة واحدة .
_ حقًا، يبدو أن جمالك هذا متوارث عزيزتي.
نظرت له فاطمة بأعين ضبابية من الدموع لا تعي حتى ما يتحدث بشأنه، بينما المعتصم أمسك يدها وهو يتحرك صوب النساء وهو ينادي بصوت منخفض .
_ عفوًا سيداتي إن ازعجتكم .
توقفت النساء بعدم فهم ينظر صوب الصوت وقد بدأت أعين الجميع تتساءل عما يريد المعتصم مدركين أنه من غير سكان سبز بسبب اختلاف نظام الملابس الخاصة به عن خاصتهم .
_ نعم ؟! تفضل ؟؟
ابتسم لهم المعتصم باحترام يحاول تلاشي النظر مباشرة لأعينهن، مشيرًا صوب فاطمة ببسمة صغيرة :
_ هذه زوجتي اللطيفة، لقد ابصرتك للتو و..هي ترى أنكِ تشبهين والدتها الراحلة كثيرًا لذا أحبت إلقاء التحية عليكِ.
حركت السيدة عيونها صوب فاطمة وهي تنظر لها بلطف وحنان شديد تضم بين ذراعيها صغيرها تهمس ببسمة واسعة :
_ حبيبتي ليرحمها الله.
نظرت فاطمة بتوتر صوب المعتصم وهي ترتجف جواره لا تدرك ما يجب فعله، تحاول أن تختفي خلفه حتى تتلاشى النظرات حولها وقد بلغ التوتر منها مبلغه، لكن المعتصم جذبها بهدوء جواره يبتسم للسيدة بلطف :
_ أعلم أنه سيكون طلبًا غريب؟ا بعض الشيء عليكِ، لكن ...هي ستحب معانقتك فهذا سيذكرها بوالدتها.
وبالفعل كان طلبًا مريبًا للمعتصم، حتى أن فاطمة تجمدت وهي تحدق به بأعين متسعة، والسيدة نظرت له بتوتر، لكن المعتصم والذي يتذكر بكاء فاطمة له كل ليلة له أنها حتى لم تودع عائلتها ولم تعانقهم للمرة الاخيرة، خاصة والدتها والتي لم يُعثر على جثة لها بين الرماد، فقدت فاطمة حتى فرصتها الأخيرة في الوداع معها .
ارتجفت يد فاطمة وهي تنظر للمعتصم بأعين دامعة، بينما الأخير سارع يجذب الطفل من بين كفي السيدة يتحدث بلطف :
_ هاته أنا سأحمل هذا الصغير اللطيف .
نظرت له السيدة بتوتر ولم تعلم ما يجب فعله، وهو فقط نظر لها برجاء، لتلين نظراتها وهي تنظر بحب وحنان صوب فاطمة، نظرات سحبتها لسنوات بعيدة حينما كانت ترميها والدتها بنفس النظرات .
ودون كلمة سحبتها السيدة لأحضانها بحب شديد وهي تربت على كتفها تهمس لها بحنان :
_ حبيبتي ليرحم الله والدتك صغيرتي، هي ستحب أن تكوني سعيدة في حياتك صدقيني، لذا حاولي أن تحققي لها آخر أمنياتها صغيرتي .
وفاطمة فقط ترتجف بين ذراعي المرأة لا تدرك ما يجب فعله، نظرت صوب المعتصم والذي كان يحمل الطفل يهدهده بحب وهو يبتسم لها بلطف شديد يشير لها بعيونه أن تغتنم فرصتها حتى وإن لم تكن والدتها حقًا، لكنها الحياة منحتها فرصة عناق طيف والدتها متمثل بامرأة تشبهها .
وفاطمة في هذه اللحظة مدت يديها ببطء تضم السيدة وهي تستكين بين أحضانها بهدوء غريب وفقط دموع بلا صوت هي ما يبصر الجميع.
أخذت السيدة تربت على ظهرها بحب وهي تردد كلمات حنونة لها، لم تصل حتى لفاطمة، فقد كانت الأخيرة في هذه اللحظة تودع والدتها التي لم تمنحها الحياة فرصة وداعها بعدما تلاشى جسدها بالحريق .
تودعها باكية مرتجفة، قبل أن تبتعد بهدوء عنها تتنفس بصوت مرتفع تهمس بصوت منخفض :
_ شكرًا لكِ، ليديمك الله ويطيل عمرك لتبصري صغارك كبارًا .
ابتسمت لها السيدة وهي تلتقط طفلها من بين أحضان المعتصم تودعها بكلمات لطيفة بعدما تعرفت عليها .
وبمجرد أن رحلت كانت فاطمة تراقب أثرها بأعين منتبه وهي تمنح ظهرها للمعتصم، ومن ثم فجأة استدارت بسرعة تلقي نفسها بين أحضانه وهي تبكي بصوت مرتفع :
_ لقد ...عانقتها...عانقتها يا المعتصم بعد ...شهور طويلة من مناجاة طيفها ...لم ...لا أصدق.
ابتسم المعتصم ولا يدري هل كان تصرفه المريب ذاك صحيحًا أو لا، لكنه أسعد فاطمة إذن ليكون كيفما كان ...
_ هل تشعرين أنكِ افضل صغيرتي ؟؟
_ أشعر بنفسي ....حرة ...أشعر بنفسي اخف، هذا ..رغبتي المدفونة داخلي لعناق والدتي أشعر بها وقد خففت ثقلًا عن صدري، هذا شعور رائع.
ختمت كلماتها بسعادة كبيرة جعلت بسمة المعتصم تتسع أكثر:
_ هذا رائع، إذن نكمل جولتنا في الحديقة لساعة إضافية؟
نظرت له بأعين ملتمعة قبل أن تمسك كفه وهي تشده خلفها للحديقة تردد بصوت سعيد مبتهج بشكل مريب :
_ حسنًا، سيكون هذا رائعًا .
وفي النهاية علم المعتصم طريقة التعامل مع فاطمة، العلاج لا يكمن في الخوف من مرضها، بل يكمن في التصالح معه، وتجاهله احيانًا .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف بحصانه أمام شلال في أطراف المملكة يضمها له بحنان وهو يهمس بسعادة كبيرة :
_ إذن ها نحن ذا سمو الأميرة .
هبط يساعدها للترجل عن صهوة الحصان يضم خصرها بحنان حتى شعر بها استقرت ومن ثم جذبها بهدوء صوب إحدى الأشجار التي تقع على حافة البحيرة التي يصب بها الشلال، يستظل بها معها وهو يجلسها أمامه ومن ثم رفع غطاء وجهها بحب :
_ الآن سمو الأميرة...دعيني أحيا أجمل لحظات حياتي ..
ابتسمت له توبة وهي تنظر بعيونه تحاول أن تستوعب ما يحدث أمامها، هذه هي وهذا نزار ...زوجها .
وكم كانت الكلمة غريبة عليها، خاصة بعد كل ما مرت به طوال الفترة السابقة معه، اتسعت بسمتها تتذكر كل ما عاشته في الشهور السابقة معه .
حادثة خطفها لتجد نفسها في اليوم التالي تُباع لبعض الفاسقين والسكارى، وأحدهم يتهجم عليها بالضرب قبل أن يتدخل رجل ذو مروءة بشكل عجيب على رواد المكان يجذبها لتحتمي به وهو يصرخ بالجميع مدافعًا عنها، حتى انتهى الأمر بأنها أصبحت مُباعة لذلك الرجل الحقير الذي يدعي الفضيلة..
وللعجب لم يحاول ذلك الحقير أن يضايقها لحظة، بل ساعدها وعمل حارسًا لها طوال الوقت واوقع نفسه في مصائبها ليسحبها منها، وتحمل لذاعة لسانها رغم أنه لم يكن لحظة..ذلك الحقير الذي تخيلته، كان ومنذ اللحظة الأولى...
الأمير نزار صاحب الأخلاق العالية والمتعقل الهادئ ..
ونعم لحظة كشف حقيقة خطتهم لها جعلتها تنهار أمام نزار وهي تصرخ في وجهه بجنون لا تصدق أنه خدعها كل تلك الشهور تحت غطاء العاصي الباحث عن التوبة .
" لا مهلًا أنا لا افهمك، أنت بالطبع لا تقصد ما وصل لي في هذه اللحظة صحيح ؟؟ "
صمتت ثواني ثم اقتربت منه وهي تنظر داخل عيونه وهو يحاول أن يحيد بعيونه عنها، بينما هي تجبره على النظر لها :
" لقد شعرت أنك تخفي شيئًا عني، وظننت بحمقٍ أن... أنك تفعل كل ذلك فقط لتطلب غفرانًا عما حدث وقت نكبة مشكى، لأكتشف الآن أنك لم تشارك حتى في نكبة مشكى وأن تعاونك معهم من قبلها حتى ؟؟ حقًا نزار ؟!"
رفع نزار عيونه لها يحاول أن يجبرها على سماعه، لكنها اصمتته وهي ترفع اصبعها في وجهه تصرخ بشكل جعله يتراجع للخلف خوفًا من تهورها :
" اصمت لا تتحدث بكلمة واحدة حول حماقتك لشعورك بشعور الذنب الغبي لأنك لم تصل في الوقت المناسب"
كانت تتنفس بعنف قبل أن ترفع عيونها له وتندفع صوبه بشكل جعله يتراجع بسرعة للخلف وهي تهتف بعيون مشتعلة :
" ماذا إن فعلت ها ؟! ماذا إن وصلت في الوقت المناسب يا عبقري زمانك يا قاهر المنبوذين ؟؟ هل كنت ستحاربهم وحدك أيها العظيم ؟! "
كان نزار يضم يديه لصدره خوفًا من حالتها وهي تنظر له بشر وكأنها تنتظر منه اجابه، وحينما لم تحصل على واحدة رددت وهي تضغط على أسنانها:
" ماذا كنت تنتظر من وصولك مبكرًا لتحمل كل ذلك الذنب بعدم فعلك للأمر، اعطني إجابة منطقية واحدة تشفع لك أمام عيوني أيها الـ "
صمتت وهي تحاول أن تمسك لسانها، وهو يراقبها مبتسمًا بسمة صغيرة يجيب ببساطة :
" ربما وصلت قبلهم واحذر أرسلان.."
صفقت توبة وهي تهتف بانبهار مصطنع :
" تصل قبلهم وتحذر أرسلان هذا رائع، هذا يلزمك معرفة الأمر قبلها بيوم على الأقل للتجهز لهكذا هجوم، وأنت لم تفعل ما سبب تحميل ذاتك ذنبًا، يا رجل لقد كنت اغرز كلمات سامة بقلبك كلما لمحت وجهك، ألم تحزن يومًا ؟؟ ألم تشعر أنه يكفي غباءً لهذا الحد ؟!"
" لا بأس حبيبتي أنا اغفر لكِ كل شيء، اتقبل كلماتك برحابة صدر"
ضربته توبة على صدره بغضب ليتأوه بصوت مرتفع وهو ينظر لها بحنق، بينما هي تنفست بصوت مرتفع تفكر في شيء كانت تأبى التحدث بها بصوت عالي، لكنها فعلت في النهاية :
" ماذا ...ماذا عن زوجتك السابقة لماذا ..لماذا لم تخبرها بالأمر، ربما كانت قدرت موقفك ووقفت جوارك و...."
قاطعها بهدوء وهو يتحدث بكلمات ربما كانت لتقتله سابقًا، لكنها الآن لا تعني له سوى وجع قديم على وشك الشفاء منه :
" زهور لم تحبني يومًا لاتمسك بها توبة، هي حتى لم تمنحني فرصة تبرير نفسي أمامها، حتى أن أبي ذهب للتحدث معها يومًا ولم تمنحه الفرصة، بل سارعت تطالب بتحريرها مني، وأنا لن اتمسك أو أبرر لأمرأة ترفض قربها مني، هي لم تكن زوجة سيئة، لكنني أنا من لم أكن الزوج الذي تطمح له، لذا حين تأتيك فرصة التحرر لن تفكري في سماع تبريرات سجانك توبة"
رفعت عيونها له وهي تبصر برودة ملامحه لتتنفس الصعداء وقد خافت أن تبصر حزنًا أو حسرة، ونعم كانت حقيرة في هذه اللحظة، لكنها لن تقبل أن تشارك زوجها مع امرأة أخرى ولو تمثلت هذه المشاركة في مجرد مشاعر حسرة .
" لا بأس ما شفع لكِ عندي، أن كل ما فعلته وما شعرت به من حمق وشعور بالذنب هو ما جرك للجحر حيث ابصرتك هناك، وأدركت أنه بحياتي هناك رجل يُدعى نزار "
" رجل يدعى نزار عاشق لامرأة تسمى توبة "
خرجت من أفكارها على صوت نزار الذي كان يتحدث بكلمات لم تصل لها، فابتسمت تردد بصوت منخفض :
_ ماذا قلت ؟!
_ الكثير عزيزتي، أين كنتِ يا ترى ؟!
_ في ماضي قريب.
- وهل هذا الماضي يتعلق بي .
_ يتعلق برجل يدعى نزار .
اتسعت بسمة نزار وهو يهز رأسه:
- محظوظ هذا النزار، إذن أخبرك ما رأيك بنزول البحيرة !!
_ هل تمزح معي ؟!
_ لا لا أفعل، هيا سنجرب شيئًا جديدًا المكان فارغ تمامًا .
وقبل الإجابة عليه وجدته يميل بسرعة وهو يضمها بين أحضانه ويركض بها بسرعة صوب البحيرة وقبل حتى خروج صرخة من فمها كان جسدها يصطدم بالمياه بقوة .
لتعلو صرختها في المكان بأكمله:
_ سأقتـــــلـــــك نـــــــزار ....سأقتــــــلــــك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشكى وبعد مرور عدة أيام...
كان يتحرك بين طرقات القصر الخاص به ينتهي من تجهيز كل شيء يتعلق بزفافه الذي حدده بعد خمسة أيام، وهو يتحدث مع المعتصم :
_ أريد زهورًا كثيرة .
_ لقد اوصيت على بعض الزهور مولاي و....
_ الكثير من الزهور يا المعتصم وليس بعض .
هز المعتصم رأسه وهو يتحرك مع أرسلان في الممرات يراقب بعيون ملتمعة جزء القصر المدمر وقد كاد العمال ينتهون من إعداده بالكامل، والبلاد بعد دمارها الأخير بدأت تنهض وكامل المنازل بدأت تُجدد .
ونصف ما تم صرفه في الأمر كان من أموال أرسلان التي ورثها عن أجداده، دفع أكثر من نصف مبلغ إعمار البلاد .
وقف أرسلان في الشرفة وهو يراقب غروب الشمس مبتسمًا بسمة شاردة وصورة ضبابية له وهو يقف في نفس الشرفة منذ شهور طويلة يبكي اطلال بلاده .
_ تتذكر ذلك اليوم يا المعتصم حينما وقفت بهذه الشرفة وأخبرتك أنه يومًا ما ستعود مشكى ...
ارتفعت أعين المعتصم ببطء يراقب البلاد وقد بدأت تعود لروقنها وتعود لتصبح من أقوى الممالك، الجيش بالفعل أصبحت اعداد الجنود به تمثل نصف الشعب تقريبًا والخراب بدأ يُمحى من الإرجاء.
ابتسم المعتصم وهو يراقب أرسلان بسعادة شديد يردد وقد ظهر الفخر في نبرته :
_ كان ذلك شبه مستحيلًا في هذه الفترة مولاي، لكنه حدث بفضل الله اولًا، ومن ثم رحمته على أهالي مشكى أن رزقهم بملك مثلك، أنت يا مولاي تستحق أن يخلد اسمك بالتاريخ ..
اتسعت بسمة أرسلان وهو يتنفس وأخيرًا براحة :
_ لا اطلب أن يُخلد اسمي في التاريخ بقدر ما اطلب أن يُخلد في أذهان شعبي يا المعتصم، لا أطالب سوى دعمهم لي ودعواتهم، لا أطالب بالكثير، فقط أطالب أن تخلو صفحتي أمام الله من أي مظلمة يتعرض لها أحدهم في شعبي .
التمعت عيون المعتصم بشكل غامض وهو يهز رأسه بإيجاب، ومن ثم فتح فمه للتحدث بكلمات أخرى، لكن فجأة كل حالة الهدوء والتأمل هذه تلاشت وحل محلها لحظة انفجار حينما انتفض جسد أرسلان يهمس كلمة خافتة لم يعلم منها المعتصم سوى أنها سبة من ملامحه، وقبل التساؤل حول ما حدث وجد أرسلان يختفي من أمامه بشكل مرعب وهو يركض بين ممرات القصر بشكل مخيف لو ابصره أحدهم لتلاشى المرور أو التنفس حتى جواره .
راقبه المعتصم حتى اختفى من أمام عيونه ومن ثم تحرك بعيدًا عن النافذة يدرك بشكل أو بآخر أن جنون الملك في هذه اللحظة يتعلق بشخص واحد ...جلالة الملكة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت بهدوء صوب البوابة الصغيرة التي تقبع جوار البوابة الرئيسية للقصر، ترتدي فستانها الخاص وهي تتحرك مستغلة انشغال بعض الحراس بتنفيذ بعض الأمور التي اوكلتهم هي لهم وساعدتها العزيزة فاطمة في ذلك .
تنهدت براحة وهي تعبر الباب بهدوء وسعادة ولم تكد تخطو خطواتها الثانية خارج الباب حتى تعرقلت قدمها في صخرة صغيرة كادت تسقطها ارضًا لولا أن تمسكت بها يد قوية امتدت تمسك يدها، ومن ثم ضمت خصرها يساعدها في النهوض بهدوء ولم تكد تتحدث بكلمة أو تستدير حتى لصاحب اليد، حتى سمعت همسة صغيرة تتردد جوار أذنها بلطف :
_ بسم الله عليكِ حبيبتي، إلى أين الرحال حلوتي، أيهون عليكِ العم أرسلان؟؟؟؟؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكلمات الأخيرة ...والوداع يقترب .
وكم يؤسفني ذكر الوداع .......
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .
أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل السابع وأربعون 47 - بقلم Rahma Nabil
ما قبل الأخير | أحضانها موطنٌ |
كانت ثواني تنفست بها الصعداء قبل أن تزل قدمها وتشعر بجسدها يتهاوى ارضًا تحضر كل خلية منها لأستقبال احضان الأرضية الصخرية الصلبة أسفلها تعد نفسها للمزيد والمزيد من الجراح التي ستغطي مناطق أخرى لم تصل لها مصائب الفترة السابقة، لكن قبل أن يحدث أي من هذا سمعت همسة جوار أذنها ويد قوية تضمها :
_ بسم الله عليكِ حبيبتي، إلى أين الرحال حلوتي، أيهون عليكِ العم أرسلان؟
ونعم قد تخطأ قبضة يده القوية وكلماته، لكنها لا تخطأ أبدًا نبرته تلك، ابتلعت ريقها وهي تستدير صوب أرسلان ببطء تبصر نظراته له التي يشوبها الغيظ والغضب .
_ إلى أين سلمى ؟؟
نظرت له سلمى ثواني وهي تقلب الأفكار داخل رأسها تدرس ردات فعلها وردة المتوقع على كل رد لها، فأرسلان العزيز بهذه الملامح أمامها إن لم تعطه ردًا ينتظره منك فتقسم أنها ستُسحب للسجن الآن وهذه المرة لن يخرجها إلا بعد يومين على أقل تقدير ..
_ إلى اللامكان عزيزي آرس .
رفع أرسلان حاجبه بسخرية وهو يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي، ثم نظر لها ببسمة واسعة يدفعها بخفة لنفس البوابة التي خرجت منها للتو يردد ببساطة تفوق بساطتها السابقة :
_ أوليس قلبي أولى بوجودكِ من اللامكان سليمى ؟!
نظرت سلمى لدفعته لها، وملامحه الحادة ونبرته الجادة، ونظرات الحارقة، لتشعر أن الكلمات لا تليق مع هذا الموقف لتبتسم بسخرية وهي تنقاد لدفعاته وكأنها أسير حرب يقاد صوب محبسه :
_ حسنًا كانت هذه كلمات في غاية الرومانسية سأحب سماعها بين أحضانك في الشرفة أرسلان وليس في هذه الوضع، لذا ربما اليوم مساءً إن رضيت عنك سريعًا يمكنك ترديدها مجددًا بنبرة أشد حنانًا ودفئًا وستلتمع عيناي كما لو أنني أول مرة اسمعها .
ابتسم أرسلان بسمة واسعة وهو يدفعها أمامه:
_ ترضين عليّ ؟؟ عساني أنا أرضى عنكِ، إلى أين تحسبين نفسك ذاهبة ؟؟ هذه المرة الثالثة التي أمسك بكِ على بوابة مختلفة، هل تريدين أن أحضر صخور بناء واغلق كامل مداخل القصر بأكمله سلمى ؟!
_ أو ابسط، دعني أفعل ما اريد أرسلان.
_ لا .
تنفست بصوت مرتفع وهي تتوقف فجأة ليتوقف هو بسرعة وهو يبتعد للخلف بسرعة بعدما كاد يصدمها بقوة ، ينظر لها بأعين متسعة بالخوف عليها من صدمة منه قد تؤذيها، وهي نظرت له بحاجب مرفوع تردد بصوت غاضب :
_ صدقني هذا العالم لا يسير على أهوائك جلالة الملك احيانًا سيكون من الجيد أن تخالفك الحياة مرات عديدة .
ابتسم لها بسخرية ولم يكد يتحدث كلمة واحدة حتى رفعت اصبعها في وجهه دون شعور :
_ أنا هنا لست طوع أوامر جلالتك عزيزي، أنا امرأة مستقلة، في أي زمن نحن ؟؟ زمن الاستعباد والسبايا؟! هذا زمن الحرية والاراء جلالة الملك، وأحمد ربك أنك لست في عالمي وإلا اقسم أنني كنت سأقلب عليكِ منظمات حقوق المرأة اجمعها .
رمش أرسلان وهو ينظر لها بعدم فهم، ومن ثم حرك عيونه صوب إصبعها يراقبه بضيق يتحدث بنبرة شبه جادة يحاول أن يكون لينًا :
_ تقلبين عليّ ماذا يا امرأة ؟؟
_ منظمات حقوق المرأة.
_ وما هذه الأشياء ؟!
رمشت وهي لا تفهم كلماته، وهو يراقبها بجدية ينتظر اجابتها ليحدد إن كان انقلاب ذلك الشيء عليه سيزعجه أم سيكون خفيف الوزن مثلًا فيتحمله دون تأفف .
_ هذه منظمات لحفظ حقوق المرأة وتطالب بها في عالمي ..
_ وهل تحتاج المرأة في عالمك للمطالبة بحقوقها ؟! ألا يعلم الأشخاص هناك المعنى لكلمة حقوق، منذ متى يطالب الناس بحقوقهم ؟؟ لماذا تحتاج المرأة لتقيم تلك الأشياء لأخذ حقوقها ؟! هل رجال قومك عديمي مروءة ؟؟
نعم هم كذلك، ربما ليس الجميع، لكن الأغلبية الساحقة كذلك، وعلى الجانب الآخر هناك نساء متجبرات يسلبن الرجال حقوقهم، في الحقيقة، كانت حقوق المرأة في عالمها هي أصغر الصغائر التي قد تؤرقها مقارنة بكل الفساد هناك، لكنها بالطبع لن تخبره، فلا تريد أن يجن زوجها ويسحب جيوشه ويتحرك ليحرر عالمها من أفكارهم الغبية، رغم أن هذه فكرة جيدة في الحقيقة.
هل لو كان أرسلان من عالمها ليكون بمثل تلك التصرفات والأخلاق ؟!
كلمات رددتها في رأسها بنبرة تائهة وكأنها تحاول إدراك أنه ليس من عالمها، ليس من عالمها ؟؟ وكأنها للتو استوعبت أنها أحبت وتزوجت رجل ليس من عالمها .
ويلي هل تحققت احلام الطفولة الحمقاء التي كانت توافيها كل ليلة عن الارتباط بمصاص دماء أو مستذئب قوي متجبر يقيم حربًا لأجلها ؟!
لكن أرسلان لم يكن ...لم يكن مستذئب أو مصاص دماء حتى، لكنها تقسم أنه أشد بطشًا ورعبًا منهم حينما يتحول في الحروب .
_ هل يمكنك أن تقيم حربًا لأجلي أرسلان ؟!
تعجب أرسلان من تحول دفة الحديث فجأة لا يستوعب ما خرجت به من العدم في هذه اللحظة، وسؤالها كان مفاجئًا لكنه أجاب وهو يهز كتفه بكل بساطة :
_ لا أظن أن أي من أسباب حروبي السابقة ينافس زوجتي اهمية، لذا نعم اقيم حروبًا لأجلكِ واحتل بلادًا لعيونك سليمى.
اتسعت بسمة سلمى بقوة وهي تنظر حولها بسرعة تطمئن لعدم وجود أحدهم في المكان قبل أن تقترب منه تقبل وجنته بسعادة، ومن ثم ابتعدت عنه تضم يديها لصدرها بسعادة كبيرة :
_ أحلامي تتحقق بك يابني، نعم لا تستطيع التحول لذئب أو يمكنك اخراج انياب كمصاص دماء، لكن ملامحك هذه أشد رعبًا من كل ذلك، لذا اكتفيت بك حلمًا آرس.
وأرسلان المسكين يقف أمامها يتابعها لا يدري هل يتجاوز عن قبلتها على الملأ، ام يحاول فك طلاسم كلماتها حول الذئاب ومصاصي الدماء وما هذه الأشياء هو سمع عن المستذئيين من كتب الأساطير التي كان يراها مقززة، لكن ما هذا مصاص الدماء ؟!
_ ما معنى مصاص الدماء ؟!
التمعت عيون سلمى وهي تتذكر كل أفلام مصاصي الدماء التي شاهدتها سابقًا وكل الكتب التي غرقت بها عنهم في فترة إدمانها لكل الخوارق قديمًا، تتحدث بصوت هائم شارد في احلام خيالية قديمة لبطلها المغوار :
_ أوه هذا شخص له انياب كبيرة يشرب بها الدماء وله قدرات خارقة سرعة عالية وبشرة شاحبة بعض الشيء وعيون ثاقبة وشخصية قوية و.....
_ شرب الدماء حرام سلمى .
وكانت كلمات نطق بها أرسلان فجأة لتهوى سلمى من غيمة أحلامها الطفولية القديمة الأسفل السافلين، ترفع عيونها له بعدم إدراك :
_ ها ؟؟ ماذا ؟!
_ كيف يشرب الدماء ؟! هذا حرام، "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ" .
رمشت سلمى بعيونها تحاول أن تفهم ما يقال، ونعم هي كانت تعلم الآية بالفعل، لكن هذه كتب وشخصيات أحبتها و....
شعرت بالتشوش في أفكارها وهي تراه يتحدث بجدية أمامها ليس وكأنه يتناقش معها في شخصيات خيالية طفولية ابتدعها بعض الأشخاص في القرن التاسع عشر .
_ ثم شرب الدماء هذا شيء مقزز، سبحانه الله لا يحرم شيء إلا وكان به مفسدة للجسد، تناول الدم بكميات كبيرة يؤدي إلى خطر زيادة نسبة الحديد في الجسد، وبالتالي يؤدي إلى التسمم.
ونعم هذا أرسلان زوجها الذي عاش وترعرع بين السيوف يقف الآن يحلل شغفها بشكل علمي، ليس وكأنه عالمًا كبيرًا في الأحياء .
وهذا يؤدي بها لسؤال دار فجأة في عقلها .
_ ما هي دراستك أرسلان ؟؟
نظر لها أرسلان بعدم فهم :
_ ماذا ؟!
_ دراستك ما الذي درسته، لكل إنسان شغف يدرسه، ما هو شغفك ؟!
فتح أرسلان فمه وكاد ينطق بكلمة القتال والحروب لكنها سبقته تقطع عليه طريقه :
_ عدا القتال والحروب .
نظر لها ثواني وقد فاجئته بالسؤال، فعندما كان يسأله أحدهم عن وظيفته أو هوايته أو حياته كان يحصرهم في الكلمتين اللتين استثنتهما هي، لم يهتم أحدهم لمعرفة ما يقبع خلف درع حروبه.
نظر لها ثواني وهو يتذكر دراسته القديمة يبتسم بحنين وكأنه لم يتخيل يومًا أن يعود لتلك النقطة من شخصيته :
_ الطب وصناعة الأدوية .
شهقت سلمى بعدم تصديق ليبتسم هو لها يردد بهدوء :
_ نحن لا ندفع بالاطفال طوال الوقت للقتال سلمى، بعض النظر عن طفولتي والتي كانت استثناءً على كل ذلك، لكننا نكون حريصين على حصول الصبي قبل انضمامه للجيش على دراسة ينتفع وينفع بها .
صمت يشرد في حياته :
_ رغم أنني قضيت نصف عمري في القتال والحروب إلا أنني لم اترك شغفي يبهت ودرست الطب وكنت أسهر ليالي طويلة على كتب الاعشاب والطب بالأعشاب وغيرها، ودرست الطب لفترة طويلة من حياتي، وقد كان هذا السبب الرئيسي لقربي من نزار قديمًا وقد كان يشاركني نفس الشغف ونستشير بعضنا البعض في أمور كثيرة، قبل أن....تنحصر حياتي في أمور المملكة وغيرها من الشؤون فأضطررت للتخلى عن شيء لافسح المجال لشعبي في حياتي، بالطبع لن اتخلى عن القتال، وبالتالي تخليت عن الطب .
كانت سلمى تراقبه وهي متسعة الأعين، تشعر أنها لا تعلم عن أرسلان شيئًا تهمس دون وعي :
_ أنت طبيب ؟؟
_ كنت .
_ لكنك ....لكنك لم ....حينما أُصبت كان يمكنك ...كان يمكنك علاجي ورغم ذلك تلجأ لطبيب آخر و...هل تمزح أرسلان؟!
نظر لها أرسلان بملامح غير مفهومة وأبى أخبارها أنه لا يحب معالجه من يخصه خوفًا من ارتجاف يده واذيته، وأنه طوال الوقت كان يساعد في تطبيب جراح الجيش ويقف جنبًا إلى جنب مع زيان يعالج هذا وذاك، لكنه يومًا لم يفكر في التجرأ والاقتراب من جروح من يخصه فهو لا يتحمل أن يدخل مشاعره في العلاج فيضعف وقد سبق وتلقى ضربة حينما فشل في علاج والده قديمًا، ويعلم أنها إرادة الله فوق كل شيء لكنه لم يتخطى بعد .
لذا اختار الكذب للمرة هذه المرة وهو يجيب ببساطة يخفيها أسفل نظرات توتره من تعري حقيقته التي دفنها أمام زوجته .
_ هذا لأنني نسيت هذه الأمور تقريبًا.
ابتسمت له بسمة تخبره أنها لم تصدقه تجذب وجهه بين كفيها وهي تهمس بإصرار :
_ قد ينسى الإنسان من يحب وقد ينسى نفسه حتى، لكنه لا ينسى شغفه أرسلان، حتى وإن نسى ....
حركت كفها تلتقط كفه تتحسسها بحب :
_ يدك لن تنسى ما تعلمته يومًا .
نظر لها أرسلان ثواني قبل أن يبعد عيونه عنها :
- دعينا من هذا الأمر و....
_ لا أرسلان ليس دعينا أنت لا يمكنك ترك حلمك بهذه البساطة، يمكنك ....يمكنك الدراسة لفترة واسترجاع ما تعلمته وتمارس شغفك في أوقات كثيرة، لا تدفن ما تحب فتبهت أرسلان ارجوك، هل يمكنك أن تحقق لي هذا الطلب الصغير ؟!
نظر لها ولعيونها وللرجاء القابع في عيونها، لكنه تنفس بصوت مرتفع يحاول الابتعاد عن هذا الحديث، ولا يعلم السبب لكنه لم يكن مرتاحًا للتحدث في شيء توجع لغلقه قديمًا .
_ هيا لترتاحي عزيزتي فلدينا الكثير لنجهزه لزفافنا سلمى .
ختم حديثه يجذب كفها خلفه وهي تسير تدرك أن زوجها يحتاج للكثير والكثير من المحاولات ليتجاوز ما تخلى عنه، ليعود لصورته الكاملة في طفولته، وهي تقسم أنها لن يهنأ لها بال إلا حينما تعيده لما كان عليه يومًا قبل أن تجرفه تيارات الحياة بعيدًا عن مراسيه....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أين كنتِ نازين ؟!
شهقت نازين بصوت مرتفع وهي تضع يدها على صدرها برعب بعدما سمعت صوت مفاجئ في الغرفة التي دخلتها للتو، استدارت صوب الصوت لتبصر زيان يقف في منتصف الغرفة يحمل بين يديه كعكة كبيرة مغطاة بالفواكه التي كانت تلطخ وجهه وثوبه وحوله بعض الزهور والشموع وقد كانت هذه فكرة الملكة لمساعدته في خلق جو رومانسي يحتفل به مع زوجته بذكرى زواجهما ..
_ ما الذي ...ما الذي تفعله في الظلام أنت ؟؟ لقد كدت توقف قلبي زيان ما بك ؟؟
رمش زيان بعدم فهم وهو يتحرك صوبها يتحدث بضيق بعض الشيء :
_ لقد كنت انتظرك لأجل مفاجئتك .
_ مفاجئتي ؟؟ لقد كدت توقف ضربات قلبي منذ ثواني و....ثم ما هذا الذي تحمله أنت وما الذي فعلته بنفسك ؟! زيان لقد لطخت ثوبك بشكل صعب .
نظر زيان صوب ثوبه :
_ حسنًا هذا كان بسبب العنب لقد أكثرت منه .
نظرت له نازين ومازالت لا تفهم وللتو فقط انتبهت للشموع والزهور حولها :
_ ما هذا ؟؟ زيان هذا ...
صمتت وهي تحاول أن تستوعب ما يحدث في المكان قبل أن تسمع صوت زيان يردد بسعادة وهو يشير حوله بحماس شديد :
_ هذه ذكرى زواجنا عزيزتي لقد اعددت كل شيء بنفسي حتى قالب الحلوى .
حركت نازين عيونها صوب الحلوى لتبصر شكلها المزري وكأن زيان صنعها باستخدام قدمه، ومن ثم حركت عيونها على هيئته المزرية التي توحي بمقدار ما مر به في سبيل اعداد شيء ليسعدها، وهي لم تحرمه من بسمة واسعة تهتف بصوت سعيد وعيون لامعة :
_ يا ويلي زيان ما هذا الجمال عزيزي، سلمت يمناك يا قلبي.
اقتربت منه تنتزع منه الحلوى تضعها جانبًا تدعو الله أن ينساها في خضم الاجواء الشاعرية هذه تقترب منه تضم وجهه بين يديها تمسح لطخات العنب عن وجهه :
_ زيان هل كنت تصنع الحلوى بوجهك؟!
ابتسم زيان لها وهو يتحدث بحماس شديد :
_ تذوقت البعض، هيا تعالي لتبصري هديتي .
سحبها بسرعة صوب الخزانة الخاصة بملابسها، وهو يقربها له بحنان يدفعها أمامه يتحدث بسعادة كبيرة :
_ افتحيها.
نظرت له بعدم فهم قبل أن تفتح الخزانة تحاول فهم ما يحدث، وقبل أن تعبر عن حيرتها بأي كلمات كانت شهقتها تسبقها وهي تتراجع للخلف بصدمة كبيرة تنظر صوب زيان لا تصدق ما تبصرة تحدق فيه بعدم فهم .
_ هذا ...زيان هذا ...هذا ....
صمتت وقد كانت الكلمات صعبة عليها وزيان ابتسم يراقب باستمتاع نظراتها الملتمعة وصوتها قديمًا قبل زفافهم يرن في أذنه حتى الآن.
" فستان الزفاف ليس سيئًا، لكنني تخيلت فستان أشد روعة من هذا زيان، مثلًا فستان ابيض مطرز بالزهور كالاميرات والاساطير، تخيل أن افعلها وأكون الأولى التي تزف بالورود وترتدي الورود ؟!"
سقطت دموع نازين وهي تركض للفستان بسرعة تضمه لها تراقب الزهور التي تملئه بشكل بديع، تتحرك يدها عليها بأعين ملتمعة لا تصدق ما تبصر، فستان زفاف كما ...تخيلت، بعد كل تلك السنوات من زفافها تنال حلمها .
استدارت صوب زيان الذي كان يتمتع بذلك المشهد وقبل أن يعي ما يحدث سمع صرخة سعيدة منها وهي تندفع صوبه بشكل جنوني أدى لسقوطه بقوة ارضًا لتعلو صرخات أخرى في المكان مختلفة تمامًا عن صرختها السعيدة .
ونازين تلك المسكينة التي كانت تحيا حلمًا متأخرًا كانت تصرخ سعادة وهي تنكب على زيان تقبل وجهه بفرحة كبيرة تضمه بحب :
_ لقد فعلتها زيان، فعلتها، كيف ....كيف فعلت هذا ؟!
اغمض عيونه بقوة وهو يكتم تأوهه بصعوبة، وقبل حتى فتح عيونه والتحدث سمع همستها التقريرية :
_ هل هي الملكة ؟! لا بد أنها هي، فهي من تستطيع صنع مشغولات بالزهور، لقد رأيتها تصنع تاجًا لفاطمة وكذلك باقة زهور لبعض النساء، ذكرني أن اشكرها .
_ يا ابنتي أنتِ إن لم ترحمي فقرات ظهري وتنهضي من فوقي الآن، سأكون أنا ذاتي ذكرى لكِ، ابتعدي نازين سأموت .
انتفضت نازين من فوقه حينما استوعب ما حدث فجأة تعدل من ثوبها وهي تراقبه ينهض يتمسك بظهره، تنتظر أن يستقر ويهدأ تضم يديها لصدرها بحماس شديد وحينما أبصرت أنه أخيرًا نهض وأصبح بخير _ حسب ما ترى هي _ :
_ إذن سأذهب لارتدائه والعودة للمكان، وأنت تخلص من قالب الحلوى هذا ريثما اعود .
ختمت حديثها تنطلق صوب الخزانة تحمل الفستان لأحضانها تركض صوب المرحاض تاركة إياه يراقبها باستنكار ويده ما تزال تمسك ظهره وكأنه يخشى سقوطه ارضًا :
_ مهلًا هذا كان جارحًا، لقد هربت من العمل لساعتين مبكرًا فقط لعمل هذا القالب الذي تريدين التخلص منه .
_ لو أنك قضيت الساعتين في الاستغفار لكان خير لك عزيزي .
نظر زيان صوب باب المرحاض المغلق بحنق شديد وغضب أكبر، قبل أن يتلاشى كل هذا وهو يضحك بخفوت سعيد بل يكاد يطير من السعادة أن روح زوجته قد عادت وأخيرًا .
تنفس بصوت وهو يدرك أن كل ذلك لم يحدث إلا حينما شفت صدرها من ذلك الوسخ قبل تسليمه للملك بارق .......
" زيان توقف عن هذا، تمالك نفسك ما بك ؟؟ منذ متى وأنت بهذا التهور ؟؟ دع التهور للمعتصم واحتفظ بتعقلك"
اتسعت عيون المعتصم والذي كان يمسك يد زيان يمنعه من الاندفاع صوب السجن لقتل أنمار، وأرسلان يقف أمامه يلقنه دروس في كيفية التحكم بغضبه وهو غاب عن هذه الدروس من الأساس .
زفر أرسلان وهو يمسح وجهه ينظر صوب طريق السجن وقد انتهى الجميع مما يريد من أنمار يفكر في زيان والذي جاءه يومًا يخبره أن قصاصه من أنمار سيأخذه ولو على جثته .
" ما الذي تريده أنت زيان ؟؟ تريد قتل الرجل لتصغرني أمام الملك بارق بعدما تعهدت له أن يتسلمه قطعة واحدة ها ؟؟"
وزيان الذي لم يذكر شيئًا عن تقطيع أنمار كان يراقب ما يقول أرسلان بملامح بلهاء وكأن أرسلان يعبر عن رغبته التي يرغب برؤيتها :
" اسمعني جيدًا لأنني لا احب هذه التصرفات الغبية المتهورة في مملكتي، أنت ستدخل هذا السجن تفعل به ما تشاء على أن تحتفظ به قطعة واحدة "
نظر له المعتصم بصدمة وهو يفلت زيان بعدم وعي، وصدمة زيان لم تكن تقل عن صدمة المعتصم، لكن المعتصم تجاوز سريعًا وهو يدرك أن أرسلان ليس ذلك الرجل الذي تتوقع منه تهدئة أو تعقل أو حكم قد تساعد في إطفاء نيران غضبك، وقد جرب ذلك بنفسه حين حرضه على إلياس العزيز الذي يقبع الآن في سجن طويل لن ينتهي قريبًا داخل اسوء سجون مشكى.
أرسلان كان من ذلك النوع الذي يحب مساعدة من حوله في إطفاء نيرانهم وهو في الأساس بركان ثائر .
تنفس زيان بصوت مرتفع وهو ينظر صوب أرسلان ثواني قبل أن يسحب أرسلان المعتصم بعيدًا عن طريق زيان يتحدث بجدية :
" تعالى هنا يا بني دع الولد يعتمد على نفسه، دعه يستعيد ذكريات الجيش وقد تيبست عضلات جسده من طحن الأعشاب، هيا زيان هي فرصة واحدة لتشفي صدرك وصدر زوجتك، خذ قصاصك يا اخي واذهب لتسعد قلب زوجتك "
نظر له زيان ثواني قبل أن ينطلق بالمدفعية لا يبصر أمامه سوى ضباب، سوى دمار منزله، جثث أبناءه، قبورهم، تعذيب زوجته لكل هذا الوقت، لا يبصر سوى قصاصًا له ..
راقبه أرسلان ببسمة صغيرة وهو يشفي صدور من حوله واحدًا تلو الآخر، الآن زيان ومن ثم جميع النساء اللواتي نجين من الجحر والله ليجعلهن يبصرن اذلالًا لأنمار لا يتبعه إذلال...
_ كيف أبدو ؟؟
رفع زيان عيونه ببطء وقد خرج من شروده على اجمل المناظر التي يقسم أنه يستطيع أن يقضي حياته بالكامل يتأملها .
تنفس بصعوبة وهو يراقب مظهر نازين أمامه مبتسمًا بسمة صغيرة لا تعبر عن نصف مشاعره، يتحرك صوبها ببطء وشفتيه ترتجف وكأنه لا يجد أي كلمة تعبر عما يكتم لها من مشاعر .
تأوه وهو يهمس باسمها :
_ نازين يا ويلي تبدين ....ساحرة حبيبتي، كنتِ ومازلتِ والله يشهد عليّ أن عيني هذه لم تبصر من النساء من ينافسك بهاءً، هذا إن أبصرت نساء غيرك في هذا العالم .
سقطت دموع نازين وهي تتحرك صوبه راكضة وهذه المرة تعلم زيان من خطأ المرة السابقة، وقد استعد ولم يكن الامر على حين غفلة، يتلقفها بين أحضانه يدور بها بسعادة وهي تضم رقبته بحب تهمس جوار أذنه :
_ ألا أن الحياة خارج أحضانك جحيمًا زيان .
_ والحياة بين أحضانك فردوس نازين .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أطلق المعتصم صرخة مرتفعة تداركها فورًا وهو يضع يده على فمه بسرعة قبل أن تصل صرخته للجنود بالقرب منهم، يحرك عيونه برعب وصدمة يحدق بالسيف المستقر في الجدار جواره على بعد شعرة واحدة بعدما ألقته فاطمة عليه بغرض عرض مهارتها في تقطيعه دون ترك أي أثر لجرمها .
ابتلع ريقه وهو يبعد عيونه عن السيف بصعوبة يحدق بعيون فاطمة التي لم تكن تناسب ما تفعله، تلك النظرات البريئة المستكينة كيف ...كيف كادت تقطع رأسه للتو ؟؟ كيف فعلتها ؟؟
_ هل نجحت ؟! هل كنت جيدة ؟!
_ في التخلص مني ؟؟ نعم كنت أكثر من جيدة، فاطمة كدتي تقطعين اذني للتو .
نظرت له بعدم فهم وهي تقترب منه تدقق النظر بأذنه:
- ما تزال في مكانها .
_ هذا بفضل الله ورضاكِ علينا عزيزتي .
ابتسمت له ولم تلتقط سخريته، وهي تجذب السيف مرة ثانية بحماس شديد تتحرك لمنتصف الساحة التي كان يعلمها بها القتال منذ أيام موفيًا بوعده الذي قطعه عليها .
_ إذن هل نكمل ؟؟
_ نكمل ماذا ؟!
_ قتال .
_ فاطمة هل تستغلين أنني أخشى اذيتك لتقطعيني ؟!
_ لا أريد تقطيعك يا المعتصم أريد فقط أن اصبح ماهرة .
_ أنتِ بهذه الطريقة ستصبحين جزارة حبيبتي وليس ماهرة .
نظرت له بحزن ليتنهد بصوت مرتفع وهو يرفع سيفه بهدوء يحرك في الهواء يحاول أن يذكر نفسه أنه سبق وعلم الكثيرين غيرها، لماذا الأمر صعب هذه المرة بهذا الشكل ؟!
ونعم الإجابة كانت لأنه الآن يعامل زوجته وعالمه الذي مجرد خدش به سيحيل سنوات عمره لجحيم، وليس رجل خشن يريد أن يجعله جامدًا يتحمل الحروب والقتال ومجرد خدش لن يعني له الكثير.
_ ارفعي سيفك هيا .
اتسعت بسمة فاطمة بقوة وهي ترفع سيفها تقلده بمهارة شديدة، وهو يراقبها ببسمة يراها وقد كانت طالبة نجيبة، تحرك صوبها يوجه ضربه جانبية لتصدها بمهارة فتتسع بسمة المعتصم .
يضربها ضربة لليمين وأخرى لليسار بحركات بطيئة وقد كان اليوم يعلمها كيفية تحديد من أين تأتيها الضربة حسب نظرتها ليد العدو .
وبمجرد أن تأكد أنها تلتقط الحركات بسرعة ابتسم يخبرها بهدوء يتجهز بجدية وقد علت نظراته شيء من التحفز وكأنه يراقب عدوًا يتمختر أمامه :
_ إذن بما أننا انهينا الجزء التعليمي، لنبدأ بالجزء التطبيقي .
وقبل أن تعي فاطمة ما يقصد كان المعتصم يرفع سيفه بقوة يهبط به صوبها في ضربة ارتجفت فاطمة وهي تصدها بسرعة وقد كانت صدتها تلك ردة فعل من جسدها في الأساس لا تعي هي بها .
حركت عيونها بعيدًا عن السيفين وهي تنظر في وجه المعتصم بأعين متسعة قبل أن تلقي السيف ارضًا وقد امتلئت عيونها دموعًا وهو يراقبها بعدم فهم، لتنظر له بلوم وعتاب غير مفهوم تتحرك بعيدًا عنه بسرعة بعدما ألقت في وجهه كلماتها الأخيرة :
_ كدت تقتلني يا المعتصم .
نظر المعتصم السيف بين كفه بصدمة وهو يحدق في أثرها، يقتلها ؟؟ لقد كان حريصًا ألا يقترب منها السيف بشكل كبير حتى، وهي كادت تجز عنقه منذ ثواني والآن هي من تركض باكية ؟!
تحرك بسرعة بعدها وهو يبحث عنها يزفر بضيق وقد تأكد من سوء الفكرة، تأكد من أن فكرة تدريب زوجته كان اسوء الأفكار التي خرج بها عقله على الاطلاق، ليته ما تحدث ولا نطق بهذه الكلمات يومًا .
وصل للغرفة الخاصة به يفتحها بسرعة بحثًا عنها، لكن فجأة وجد نفسه عاجزًا عن ذلك بعدما اكتشفت أنها مغلقة من الداخل .
_ ماذا ؟؟ فاطمة ؟! افتحي الباب .
_ غادر من هنا يا المعتصم، لا ارغب في الجلوس معك الآن، ليس بعدما حاولت التخلص مني منذ قليل .
تشنجت ملامح المعتصم بقوة وهو يشعر بالبلاهة، ينظر حوله بحثًا عن أحد يراقب ما يحدث له، ليطمئن أن لا أحد.
يقترب من الباب يهمس بصوت متيقن أنه وصل لها خلف الباب مباشرة حيث تجلس .
_ افتحي هذا الباب فاطمة وتوقفي عن كل ما تفعلينه هذا يا امرأة...
نظرت فاطمة للباب من الجانب الآخر، تجلس على الفراش بهدوء وهي تراقب الباب بتجبر غريب عليها، وقد بدا أن القطة الصغيرة خرج لها اظافر .
فجأة انتفضت عن الفراش وهي تسمع صوت ضربة قوية على الباب والمعتصم يردد بغضب :
_ حسنًا لا تفتحي الباب ابقي طوال الوقت وحدك بالداخل .
اتسعت عيون فاطمة بصدمة وخوفه، وهي تنتفض عن الفراش تفتح الباب بسرعة قبل رحيله تتحدث بلطف وهي تنظر له بأعين حزينة :
_ ستتركني وحدي هنا يالمعتصم ؟؟
توقفت اقدام المعتصم وهو ينظر لها بتعب، ومن ثم تحرك صوبها يجذبها من ثوبها كما لو أنه أمسك بلص يدخلها الغرفة، ومن ثم اغلق خلفها يتحرك صوب الخزانة وهو ما يزال يجذبها بنفس الطريقة وهي تسير معه تتابعه دون كلمة .
والمعتصم يخرج لها ثوبًا مريح يخلع عنها الحجاب، ومن ثم يفك لها فستانها ويساعدها في ارتداء ثوب النوم، يتحرك هو للأنتهاء كذلك من ثوبه ومن ثم عاد وجذبها من ثوبها بنفس الطريقة يلقي بها على الفراش وتبع جسده بها، يجذبها لاحضانه ومن ثم رفع الغطاء فوقهما يربت عليها مقبلًا رأسها بحنان :
_ هيا نامي عزيزتي انتهي اليوم ...
نظرت له فاطمة لا تفهم ما يحدث، لكنها رغم ذلك كانت تشعر بالإرهاق والنعاس واحضان المعتصم كانت أكثر من محفز لذلك، لذا سقطت في النوم مبتسمة براحة، والمعتصم يراقبها بحب وقد أبصر على مدار الأيام السابقة تحسنًا واضحًا في حالتها ...
تنفس بعمق وهو يغمض عيونه بسعادة وراحة :
_ وأخيرًا ....
ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كيف حال عشبتي عسى أجواء أبى تليق بكِ ومناسبة لنموك .
أبعدت توبة عيونها عن النافذة تستدير مبتسمة بسمة واسعة تستقبل بها نزار بعدما استدعاه الملك في أمر خاص بالمملكة، تتحرك صوبه تردد ببسمة واسعة :
_ المكان جميل كثيرًا نزار، لقد أبصرت للتو بحيرة لامعة في الأسفل، هل يمكننا الذهاب للجلوس عندها بعض الوقت ؟؟
نظر لها بحنان وهو يهز رأسه موافقًا :
_ طالما أنكِ طلبتي بهذا اللطف ...
فرد كفه أمامه بكل رقي وهدوء داعيًا إياها لتسبقه وهي راقبته ببسمة ترفع طرف ثوبها تميل له بلطف، ومن ثم تحركت صوبه ليتمسك بكفها وهو يصحبها معه في جولة مسائية بعدما خلت الطرقات من قاطني القصر .
وهي تسير معه تستمتع بالهدوء والليل .
وحينما وصلوا بعد دقائق للبحيرة جلست توبة على أطرافها تحدق بالمياه بأعين غائمة وهي تبتسم بسمة غريبة يتباعها هو دون أن يقاطع شرودها، ودقائق تلتها أخرى، ونزار اكتفى بها حياة في هذه اللحظة وفي كل لحظة .
وبعد صمت طويل أفاقت توبة وهي تبصر نظراته لها تبتسم بسمة صغيرة :
_ ماذا ؟؟
_ هل نسيتني ؟؟ أراكِ وقد شردتي بالبحيرة عني .
_ بل ناجيتها عنك .
نظر لها بعدم فهم لتمسك كفه تجذبها لحضنها وهي تميل عليه تشير صوب البحيرة بهدوء مبتسمة. :
_ في الجزء الخلفي لقصر سبز كانت هناك بحيرة صغيرة اعتدت الجلوس جوارها لكتابة مذكراتي في مجلد صغير، مجلد سجلت به كيف أريد أن يكون زوجي في المستقبل .
ابتسمت وهي تنظر له :
_ غريب أنني كنت بهذا الغباء ولم ابصرك من قبل نزار .
نظر في عمق عيونها يطيل النظر حتى شعر أن ثانية أخرى للنظر في عيونها تفصله عن النجاة أو الغرق في تأملها، لذا ابتسم بسمة صغيرة يتحدث بجدية :
_ وهل تراكِ ذكرتي اسمي في كتابك ؟؟
_ تريد الحقيقة ؟؟ لم أفعل سوى مرات معدودة حينما كنت اذكر ذلك الطفل الذي أراد أن يتزوجني فقط لأجل خصلات شعري اللامعة .
نظر لها نزار ثواني وكأن ما قيل محي من رأسه ليبتسم فجأة حينما ضربت ذكرى شبه بعيدة عقله .
_ وقد حققت رغبتي عزيزتي وها أنتِ ذا بشعرك اللامع زوجتي وبين أحضاني، لكنني مازلت حانق على ذلك الكتاب الذي ضم اسمك ولم يفعل باسمي .
_ لا تحنق عزيزي، فإن لم يكن اسمك ضمن محتويات كتابي فتأكد أنه عنوان الكتاب الآن .
اتسعت بسمة نزار بقوة وهو يشعر بالراحة يضمها صوبه يهتف لها بصوت رقيق حنون :
_ منذ تلك اللحظة التي نبض بها قلبي لكِ للمرة الأولى، علمت أنني ظفرت من الحياة بكِ توبة، ما دونك دون عزيزتي ...
التمعت عيون توبة وهي تردد بكل ذرة صدق وعشق داخلها وقد أدركت منذ فترة طويلة تلك الحقيقة :
_ أنت نزار كنت الأول في كل شيء، كل شيء واعنيها، وطأت داخل صدري اماكن لم يصل لها غيرك و....
_ لن أسمح أن يحدث على أية حال .
ضمها بلطف يجذبها وهو يشرد معها بنجوم الليل التي تنعكس بالبحيرة أمام عيونهم، وقد انتهى كل ما يؤرقهم في هذه الحياة .
_ أخبرتني أنك ستذهب غدًا لزيارة الوليد .
هز رأسه يقبلها بلطف :
_ نعم قصرت معه ولم أزره لثلاثة أيام بسبب انشغالي في الوقت الأخير، لكن لا بأس غدًا أراضيه .
_ هل يمكنك المجئ معك؟!
_ إذا أردتِ، فلا بأس.
_ نعم أريد..
صمتت وصمت هو حتى تحدث بصوت منخفض وهو لا يود سحبها من هذه الأجواء الهادئة صوب تلك النقطة من الحديث، لكنه مجبر .
_ قبل قليل أخبرني والدي أن....حكم الاعدام في حق أنمار سيُنفذ فجر الغد، تريدين الذهاب لسبز لرؤ....
_ لا، لا أريد أن أفعل.
قاطعته دون أن تبعد عيونها عن البحيرة أمامها وهي تبصر آخر لقاء معه حين جاء من مشكى لسبز مكبلًا يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن يعالجونه للحكم عليه .
_ لقد تخطيت هذا الجزء من حياتي ووعدتك المرة السابقة أنها ستكون المرة الأخيرة التي أسمح لنفسي فيها بالتفكير في هذا الخسيس وكل ما يتعلق به، لم أعد اهتم بأي شيء يخصه حتى لو كان انتقامًا، نلت انتقامي بما حدث له، ونلت مكافئتي بزواجي منك .
وعم صمت آخر من بعد كلماتها وهي تضم نفسها لنزار رافضة حتى تذكر تلك اللحظات التي تحولت بها وكادت تقطع وجه أنمار بأظافرها وهي تصرخ بأنه قتل طفلها، ولولا وجود نزار في ذلك الوقت لكانت قطعته أشلاء بلا مبالغة، أو انهارت ارضًا كالجثة .
جملتها ما تزال ترن بعقل نزار وهي تصرخ بروح مذبوحة .
" ما الذي فعله لك، كان صغيرًا...كان طفلًا، كان ولدك أيها الخسيس، لا سامحك الله، لعنة الله عليكم أيها الشيطان، والله لأخذن حقه منك أمام الله يا وسخ "
ومن بعد انهيارها طلبت من الجميع ألا يتحدث أحدهم عنه أمامها.
كان لها ما تريد، وكان لنزار ما يريد ....
نزار الذي أبى مغادرة سبز مع زوجته قبل أن يأخذ من أنمار ما يرغب به .
"إذن أين هو ؟؟"
رفع له أنمار عيونه وهو لا يرى بها بشكل جيد بسبب تضخم مرعب بها يحاول التنفس بشكل طبيعي لكن يبدو أن الكسور التي أصابت ضلوعه حالت ما دون ذلك .
" لا أعلم من تقصد وحتى إن علمت تعتقد أنني قد ابوح لك بشيء تريده ؟؟ "
ابتسم له نزار بسمة صغيرة وهو يتحرك يجلس أمامه بهدوء يراقبه بأعين ضيقة جعلت أنمار يدرك أنه جاء ليكمل وصل التعذيب التي يتلقاها على يد كل من يبصره .
" لا تحاول صدقني فضرباتك لن تكون اسوء مما نلت بالفعل ."
وبسمة نزار لم تتزحزح أو تختفي أو حتى تتلاشى لثانية واحد، بل ظل ينظر له بهدوء شديد وهو يدس يده داخل جيوبه:
" أنا لا استخدم قوى الجسد أنمار، فقوى العقل يؤلم أكثر عزيزي ."
ختم حديثه وهو يتساءل بجدية وعيون أنمار تتحرك على يده بريبة وحزر، لكن نزار لم يهتم وهو يكمل كلماته بنبرة مخيفة :
"أين هو جثمان محمد ؟؟ "
رفع له أنمار عيونه بعدم إدراك وكأنه لا يفقه عمن يتحدث، وقد بدا أن كثرة عدد ضحاياه أنسته من يتحدث عنه أنمار لذا تحدث وهو لا يفهم ما يريد :
" عزيزي قتلت الكثيرين بهذا الاسم، أي واحد تقصد ا....."
قطع كلماته صرخة جنونية هزت جدران السجن، بل وربما القصر بأكمله حينما شعر أن قطعة جمر مشتعلة التصقت جلده المصاب، ولم يكن ذلك سوى الاعشاب المطحونة التي أخرجها نزار وسكبها على قدمه بغضب صارخًا :
_ محـــــــمـــــد ولـــــــــدك أيها الوســــخ، أين جثمان الفتى ؟؟
بكى أنمار بوجع وقد شعر في هذه اللحظة أن كل لحظات المه السابقة لا تساوي لحظة واحدة من ذلك الوجع الجحيمي الذي يشعر به يحاول فرك قدمه لإبعاد الاعشاب عنه :
_ هذا .....أوقفه....أوقفه هذا ....
_ نعم هذا ...هذا ما سيملئ جسدك خلال ثواني يأكله، حتى عظامك ستذوب إن لم تتحدث بمكان جثمانه .
عض أنمار شفتيه بوجع مريع وقد شعر أنه سيفقد أنفاسه خلال ثواني بسبب الوجع، لم يكن يعترض على الموت وهو سيناله على أية حال، لكن بهذه الطريقة التي سمع عنها كثيرًا ولم يجربها، كانت اسوء موتة قد يحظى بها سجين يومًا ..
" ميتة مشكى" كما أطلق عليها البعض، بعض الأعشاب التي يطحنها أرسلان ولا يعلم بها غيره، توضع على الجرح كفيلة بإعطاء السجين أبشع وجعٍ قد يحظى به رجل يومًا، وأرسلان لم يكن يمنح أحدهم سر هذا المسحوق خوفًا أن يستخدم بشكل خاطئ، وهو لم يكن يستخدمه إلا في حالات نادرة لاستخراج الاعترافات من مجرمين خطيرين حول خطط المنبوذين قديمًا، وربما لهذا كان يفلح طوال الوقت في دك كل حصن اختبئوا به، حتى أصبح كابوسًا قديمًا لهم، وأول هدف في قائمتهم .
_ أنا أنتظر ....
_ أوقفه ..فقط أوقفه .
_ سيتوقف حين تتحدث بما أريد.
تساقطت دموع أنمار بقوة وهو يرفض الحديث يشعر بروحه ستخرج، لن يريحهم، سيتركهم بقلوب محترقة بهذا الشكل ولن يريح أحد بموته، لكن وقبل أن يعاند فيما يريد صرخ صرخة شقت صدره وكاد يلفظ بها روحه خارج جسده حينما نثر نزار المزيد من الاعشاب على باقي جروح يده ليصرخ دون قدرة على التنفس :
_ بحيرة .....بحيرة سبز الجنوبية ...جوار البحيرة الجنوبية عند الشجرة العملاقة، أسفلها...دفنته أسفلها.
كان يصرخ وهو يبكي ويصرخ بصوت مرتفع :
_ والآن أوقفه ...أوقفه أرجوك.
نهض نزار ينظر له بهدوء، ومن ثم نظر للأعشاب بيده يتحدث بهدوء :
_ تعلم أن أرسلان لا يمنح هذه الأعشاب لأيٍ كان؟ يبدو أنك غالٍ عند الرجل كثيرًا .
توقف عن الحديث ومن ثم ابتسم بسمة واسعة :
_ واستغلالًا لكرمه واستخسارًا لباقي الاعشاب، أنا مضطر لهذا ..
ختم حديثه وقبل أن يتجرأ أنمار على التساؤل عما يتحدث عنه كانت باقي الاعشاب تتناثر على أجزاء جسده بالكامل ونزار يبتسم له بسمة سوداء يتذكر كل ما فعله بتوبة وولدها وما فعله ببارق، يراقبه يتلوى من الألم لينفض ثيابه بهدوء ويخرج من المكان يشير للحارس أمام الباب :
_ دعه هكذا عشر دقائق ومن ثم أوقف الأمر.
ومن بعدها تحرك في طريقه للبحيرة الجنوبية لأنتشار باقي رفات محمد ودفنه وتكريمه جوار ملوك وأمراء سبز ....
_ بالمناسبة لم تأتني الفرصة لشكرك بالشكل اللازم .
انزل نزار عيونه صوب توبة التي كانت تحدق فيه ببسمة صغيرة وحب، ليبتسم هو لها بسمة مشابهه :
_ هذا لأنك لا تحتاجين لشكري على أي شيء فكل ما أفعله معكِ، اقل من واجبي نحوكِ عزيزتي .
تنفست توبة بصوت مرتفع وهي تضمه بقوة تهمس بعشق :
_ لماذا لا يكون كل العالم نزار ؟؟
_ لأنه ليس كل العالم توبة .....
ــــــــــــــــــــــــــ
_ حسنًا زوجك مجنون وانا لا أصدق أنه رضي عني مؤخرًا ولم يعد يطالبهم بتعذيبي في التدريبات لذا لا .
_ هذا يعني أنك تتخلى عني لود صحيح ؟!
فكر خالد ثواني ودارت افكار عدة داخل رأسه وكأنه يبحث عن تعريف آخر أو كلمة أخرى يصف بها ما سيفعل، صفة لا تظهره بهذه القذارة، شيء يحسن من موقفه أمام أخته وفي النهاية تنهد يقول ببساطة :
_ نعم اتخلى عنكِ عزيزتي، إذا أردتي الرحيل من هنا افعليها وحدكِ، يمكنك أخذ موزي معكِ إن أردتِ فهو لا يحب زوجك على أية حال .
ختم حديثه يشير صوب موزي الذي كان يجلس على حافة الفراش يتناول الكثير من الفاكهة باستمتاع قبل أن يبصر إصبع خالد موجه له وكذلك الأنظار ليعتقد أن الهدف من هذا الإنتباه هو سلب فاكهته، لذا أصدر صرخة معترضة حانقة يتحرك صوب النافذة وهو يضم بين أحضانه الفاكهة بكل حب .
وخالد ابتسم يهز رأسه ببساطة :
_ أو ربما لا، هذا يوصلنا لنتيجة نهائية، أما أن تتوقفي عن حماقتك وتنزعي فكرة ترك القصر هذا قبل الزواج، أو تذهبي وحدكِ، وفي كل الحالات لا تتأخري فالزفاف بعد يومين وأبي سيصل قبل الزفاف بيوم .
هزت رأسها وهي تشعر بنيران داخل صدرها مما يحدث، طلبها كان بسيطًا ولم تبالغ فيما تريد، تريد أن يزفها أرسلان من منزل عمها، وهو يرفض خروجها من القصر وابتعادها عن عيونه .
_ حسنًا إذن أنت من اختار .
تحركت عن الفراش وهي تحمل حقيبتها تتحرك للخارج، لكن فجأة توقفت وهي تحمل بعض الفاكهة المتناثرة في المكان تضرب بها موزي الذي أطلق صرخة فزعة، ومن ثم تحركت صوب خالد تلقيه بقطعة تفاح شبه ممضوغة بواسطة موزي سابقًا .
_ تبًا لكما سويًا .
خرجت من الغرفة غاضبة وهي تأكل الأرض أسفلها تتوعد لمن يقف في وجهها هذه المرة، الأمر في البداية كان مجرد فكرة، لكنها تحولت من بعدها لاصرار بسبب عناد أرسلان، تحداها وتقسم أن تجعله يندم .
_ إلى أين جلالة الملكة بهذه الحقيبة ؟؟
توقفت أقدامها وهي تبتسم ببرود مستديرة صوب أرسلان الذي كان يتحرك مع بعض رجاله في الممرات تتحدث ببساطة :
_ سأرحل عن هنا مولاي حتى وقت الزفاف، سأذهب لمنزل عمي كما اتفقنا .
اقترب منها أرسلان وهو ينظر لعيونها الظاهرة من اللثام :
_ أوه نعم اتفقنا؟؟ أحب رؤيتك تفعلين بالمناسبة .
_ هل تتحداني ؟!
_ لا أفعل
ابتسمت بتكبر وهي تتراجع برأسها تنظر له من علياها ولم تكد تنبث بكلمة واحدة تخبره أنه لن يستطيع حتى وإن أراد، فليست هي من ترضخ لأوامر من احدهم.
لكن فجأة وهي تحلق في السماء بكل تكبر أطلق عليها هو سهمًا أطاح بها ارضًا وهو يبتسم ببساطة موضحًا :
_ أن اتحداكِ هذا يعني اعتراف صريح مني أنكِ ترتقين للمستوى الذي يؤهلك لتجابهيني، وأنا لن امنحك مثل هذا الشرف يا امرأة .
اتسعت عيون سلمى تهتف ببسمة مصدومة من طريقته وقد شعرت فجأة أنها تكلم النسخة التي قابلتها أول مرة لتنطق دون شعور :
_ هل تمزح معي ؟!
_ في العادة لا امزح مع النساء إلا من يخصني منهن، وبما أنكِ كذلك، فلا لا أفعل في الحقيقة الآن .
ختم حديثه يتحرك من أمامها بكل بساطة وببسمة مستفزة يشير للجنود كي يلحقوا به وهو يكمل حديثه كما لو لم تكن موجودة :
_ إذن كما قلت سابقًا سوف ننتشر في ....
قاطعته هي مجددًا تتحدث في منتصف الممر وهي تقف بكل قوة وغضب من تجاهله لها :
_ شاكرة للطفك على موافقتك مولاي، عمي سيقدر هذا اللطف حقًا .
توقف عن سيره قبل أن يزفر بضيق وملل يشير لها بعدما مسح وجهه بغيظ :
_اذهبي لغرفتك سيدتي ودعيني انتهي من عملي .
_ لن أذهب لغرفتي، بل سأرحل من هنا .
هز رأسه دون اهتمام وهو يعود للحديث مع الجنود :
_ حسنًا، لكن لا تتأخري فلن نؤخر موعد العشاء لاجلك مرة أخرى .
ختم حديثه يتحرك بهدوء تحت أعين الجنود المصدومين منه، وقد على صوت أحدهم بتردد شديد لتدخله :
_ مولاي لقد....لقد تحركت الملكة بالفعل صوب بوابة القصر، ماذا إن رحلت ؟؟
توقف في سيره ينظر له ببسمة صوب ذلك الجندي يجيب ببساطة كبيرة كسابق حديثه :
_ ستكون المحاولة الرابعة والعشرين التي تفشل فيها لهذا الاسبوع، دعها تتمهم خمسة وعشرين.
أنهى حديثه يكمل عمله، بينما هي تحركت بالفعل صوب البوابة الخاصة بالقصر تتمسك بالحقيبة تردد كلمات عديدة غاضبة ولم تكد تبلغ البوابة حتى سمعت صوتًا في الخلف يناديها .
_ جلالة الملكة .
توقفت خطوات سلمى وهي تستدير ببطء صوب المتحدث والتي كان إحدى الفتيات اللواتي يقطن أسفل قصر مشكى لمساعدتهن في تخطي ما حدث .
تقدمت منها الفتاة تمسك بين يديها طفلها الصغير والذي تحرك صوب سلمى ببسمة واسعة يحمل زهرة جميلة اللون يهديها لها بحب شديد :
_ هذه لكِ مولاتي .
اتسعت بسمة سلمى بقوة وهي تنظر للصغير ومن ثم نظرة صوب حور وهي تداعب خصلات العزيز " عابد " تجلس أمامه تتلقف منه الزهرة وهي تبتسم له بحب شديد :
_ العزيز عابد، لو كان جميع الرجال بمثل لطفك ورقيك هذا لما عانت امرأة يومًا، محظوظة زوجتك عزيزي .
اتسعت بسمة عابد بقوة يخفي وجهه بخجل في قدم حور التي ضحكت وهي تضم رأسه لها بحب :
_ لا أعتقد أن عابد سيفعل ويخونك جلالة الملكة فهو وفي لكِ، أخبرني أن أطلب منكِ انتظاره لحين يكبر وهو سيتزوجك .
تشنجت ملامح أرسلان الذي كان يتحرك صوبهما يتأكد أنها لم تغادر بجدية هذه المرة، ليتجمد مكانه مما سمع، الفتى الصغير يتغزل بزوجته ويقدم لها زهورًا ويطالبها أن تنتظره لتصبح زوجته ؟!
_ حقًا الآن سينافسني طفل على زوجتي ؟؟
تحرك صوبهم وهو يهتف بجدية ونبرة هادئة يبعد عيونه عن حور بعدما ألقى السلام عليهم :
_ هل اقاطع شيئًا هامًا ؟!
ابتسمت حور تجيب باحترام شديد وهي تخفض عيونها ارضًا تحدق بعابد الذي ما يزال يناظر سلمى بإعجاب بعدما تعلق بها طوال فترة علاجه .
_ لا فقط عابد أراد اهداء الملكة زهرة والقاء التحية عليها .
ابتسم أرسلان بلطف وهو يراقب عابد بلطف ظاهري يمد كفه ليداعب خصلاته، ودون أن ينتبه أحدهم دفعه بخفة للخلف وهو يردد ببسمة :
_ لطيف هذا العابد .
انحنى على ركبتيه أمام عابد يتحدث ببسمة مريبة :
_ شكرًا لاسعادك زوجتي عابد، اقدر لك هذا، وعرفانًا بجميلك هذا، سأخصص لك مكانًا بالصفوف الأولى يوم زفافي بالملكة عزيزي .
كان يتحدث بنبرة جهلت حور ما يقبع خلفها وظنتها لطيفة مهتمة، لكن سلمى والتي تعلم زوجها جيدًا اتسعت عيونها تبتسم بعدم تصديق وهي تمد يدها بسرعة تجذب أرسلان لينهض ويبتعد عن الفتى وهي تردد :
_ اه صحيح، هذا عابد العزيز بالطبع سيكون أول الحاضرين ...
_ لزفافنا ...نعم سيكون أول الحضور بالطبع .
نظر له عابد وهو يخفي وجهه في قدم حور التي ابتسمت تستأذن بالرحيل وهي تجذبه بعيدًا عن الجميع وأرسلان ما يزال يوجه نظرات محذرة له جعلته يهرول أمام حور .
_ يا ويلي أرسلان ألا يوجد كائن حي ترحمه من نظراتك تلك، لقد اخفت الصغير للتو .
_ هذا الصغير قدم لكِ زهور منذ ثواني يطالبك بانتظاره ليتزوجك .
تحدث سلمى وهي لا تصدق ما يتحدث به :
_ هذا طفل أرسلان.
_ ذكر، طفل ذكر أي رجل مستقبلًا .
_ لا حالتك هذه خطيرة اقسم بالله أن عقلك هذا ليس طبيعيًا .
تحدث وهي تتحرك بعيدًا عنه وقبل أن تخطو خطوة واحدة في المكان أمسك بها بسرعة يبتسم وقد علم أنه وصل بها لحافة صبرها يضحك بملء فاهه :
_ إذن ما لكِ لا تشفقين عليّ جلالتك وتعالجيني، اعتبريني أحد مرضاكِ عزيزتي .
نظرت له بعدم فهم ليهمس لها بحب :
_ سلمى اشفقي عليّ وتوقفي عن اللعب على أوتار صبري فأنا لست من ذلك النوع، واجاهد لأكون لأجلك .
تنهدت سلمى بصوت مرتفع :
_ هذا كثير أرسلان، موزي والطفل .
_ تعلمين أنني امزح صحيح ؟!
_ لقد اخفت الطفل .
- اقسم أنني سأراضيه، لا أريد أن يخافني الاطفال، فقط ترفقي أنتِ بي .
تنهدت بصوت مرتفع وهي تنظر له تتحدث بقلة حيلة تهز رأسها له :
_ ما المطلوب مني جلالة الملك ...
_ أن تنسى كل شيء وتستعدي لزفافنا بعد يومين عزيزتي، يومين سلمى، يومين فقط ويدرك كل انسان وطفل وقرد في هذه المملكة أنك ملكية خاصة لرجلٍ واحد فقط وهذا الرجل هو " أرسلان بيجان " .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" موكــــــــب سفــــــيـــد افتحــــوا الابـــــــــواب "
فُتحت أبواب مشكى بسرعة ليتحرك للداخل موكب كبير يضم جميع رجال ونساء سفيد بلا استثناء، فبعيدًا عن علاقة النسب التي تربط المملكتين، إلا أن علاقة أرسلان لرجال سفيد كانت أعمق من مجرد صداقة، كانت علاقة إخوة نشأت منذ الطفولة .
والآن ذلك الطفل الذي أحب أن يلعب دور الشرير في جميع القصص ويتحمل كل اللوم عن الجميع، فقط كي لا يحزن أحد، الطفل الذي كان يجذبك دون إرادتك حتى لتصبح رفيقًا له طالما أنه أحبك، اليوم هذا الطفل والذي نضج وأصبح رجل حرب ذو بأس وتجبر، اليوم يتزوج هذا الرجل .
اليوم يتزوج أرسلان بيجان ....
الخبر الذي جعل مشكى أشبه بساحة احتفال ضخمة، طوال الطريق صوب القصر أبصر الجميع موائد تُفرش في الطرقات وزينة معلقة على الابواب وأنوار تُنشر في الأجواء، اليوم كان كما لو أنه احتفال وطني لجميع قاطني مشكى .
ابتسم إيفان يهبط عن حصانه ليكون أول من يستقبل أرسلان بالاحضان والسعادة كادت تتسبب في خروج أجنحة له، يجذب أرسلان بقوة لأحضانه بسعادة كبيرة يردد بنبرة مبتهجة :
_ مبــــــــارك يا أخي، عسى الله يرزقك بسعادة العالم أجمع، والله لا أصدق ما ابصره، اليوم وزعت على سكان سفيد بأكملهم هدايا احتفالًا بهذا الحدث العظيم النادر .
أطلق أرسلان ضحكة مرتفعة وهو يضم له إيفان بحب شديد يربت على ظهره :
_ لا حرمني الله هذه اليد ولا وجودك إيفان، لا أراني بك سوءًا .
ابتسم إيفان براحة وهو يبتعد عنه تاركًا إياه يرحب بالباقيين، لينظر أرسلان صوب سالار الذي كان يقف جانبًا يراقبهم ببسمة سعيدة يرقيهم من كل عين ابصرتهم، أبصر أرسلان وهو يفتح له ذراعيه مرددًا بحب :
_ ألن تبارك لي يا قائد ؟!
تحرك سالار صوبه وهو يجذبه بقوة صوب أحضانه يربت عليه بسعادة غامرة، مطمئنًا وأخيرًا أن أرسلان لم يعد وحيدًا، أرسلان وجد له عائلة، عادت حياة أرسلان أفضل مما سبق .
_ مبارك عزيزي، الممالك أجمع تحتفل لأجلك أخبرني الملك آزار أن نزار يوزع الحلوى في آبى على الجميع احتفالًا بزفافك، يرد لك وليمة زفافه .
أطلق أرسلان ضحكات صاخبة وهو يهتف بجدية :
_ اقترح جعل يوم زفافي عيد وطني في جميع الممالك، لا أظن أن هناك مناسبة تفوق زفافي أهمية لتكون عيدًا للجميع .
حرك إيفان كتفه بهدوء مبتسمًا :
_ والله لا تُرد لك كلمة يا أخي، فقط ارسل لي كل عام بعض الأموال واقيم لك احتفالات لذكرى زفافك في ربوع سفيد .
_ حقير مادي.
ضحك إيفان بقوة ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت من الخلف يردد :
_ هل سأبقى في الأعلى كثيرًا جلالة الملك .
التمعت عيون أرسلان يتجاوز الجميع بسرعة كبيرة صوب كهرمان التي أخرجت رأسها من العربة وهي تهمس :
_ كيف حال عريسنا ؟!
_ يموت شوقًا لكِ حبيبتي .
ختم حديثه وهو يمد يده بسرعة يمسكها من خصرها وهو يساعدها لتهبط بحنان شديد، وبمجرد أن مست الأرض مالت برأسها تمسك طرف فستانها ولم تكد تمنحه تحية، حتى أمسك أرسلان يدها بسرعة يمنعها من الأمر يضمها لصدره :
_ لا تفعلي حبيبتي، العالم هو من ينحني لأجلك جوهرتي، اشتقت لكِ منذ آخر مرة أخذك ذلك اللص إيفان من هنا .
ابتسمت له كهرمان وهي تستمع بأحضان أخيها وقد شعرت بقلبها يرفرف من السعادة لدرجة كادت تبكي كالام التي تبصر بعيونها زفاف ولدها الحبيب ..
_ رحلنا اثنين وعدنا ثلاثة، اتمنى ألا تمانع في وجود ضيف اضافي في حفلك أخي.
وأرسلان لثواني لم يفهم وقد ظن أنها تتحدث عن إحضار ضيف معهم :
_ ما الذي تتحدثين عنه كهرمان، هذا منزلك تحضرين من تشاءين اخرج منه وتبقين وضيوفك عزيزتي، سأرسل لتجهيز غرفة له و....
قطعت كهرمان كلماته وهي تتحدث ببسمة تتوسط وجهها الباكي تمسك يده وهي تتحدث بصوت ضعيف من بين ضحكتها :
_ لا أخي لا تتعب نفسه هو لا يحتاج لغرفة إضافية، ربما في المستقبل نعم، سيحب صغيري أن يحصل على غرفة لطيفة جوار غرفة خاله .
_ حسنًا لا بأس إن كان هــــ...
فجأة تجمد أرسلان وهو يراقب كهرمان أمامه بصدمة لا يبصر وجهها بسبب الغطاء فلم يتبين إن كان ما تتحدث به حقيقة، هل فهم بشكل صحيح ؟؟
نظر صوب إيفان بوجه شاحب ليهز له إيفان رأسه رغم أنه لم يسمع الحوار بسبب تحدث كهرمان بصوت منخفض لكنه فهم من ملامح أرسلان.
أما عن أرسلان فأطلق صوتًا مصدومًا تبعه صرخة وهو يهتف بعدم تصديق وقد التمعت عيونه بدموع لا يصدق ما يسمع :
_ هل ....هل ...يا ويلي ...هل ....كهرمان سأكون خالًا ؟؟
كان قلب أرسلان يرتجف بقوة وهو يراقب شقيقته التي بكت بسعادة وهي تضم وجهه بين يديه ليجذبها أرسلان بقوة صوب صدره وهو يحمد ربه وقد كان جسده بأكمله يرتجف بسعادة، يشعر أنه امتلك العالم في هذه اللحظة وكأن طفله هو القادم، وفي الواقع لا يعتقد أن طفل صغيرته سيختلف عن طفله .
أبعدها عنه بسعادة وهو يهتف بصوت مرتجف :
_ سأذهب ...سأذهب لاخبر سلمى بهذا، سوف ...تسعد كثيرًا .
ختم كلماته وهو يهرول بسرعة يشير لجنوده بوجه باسم سعيد :
_ تيم أرشد الرجال صوب الغرف وتأكد أن لا شيء ينقصهم، سوف اعود بسرعة، سوف اعود ...
هرول بين الممرات بسعادة كبيرة ولا يستوعب ما يحدث، هو حتى لا يدرك ما يفعل، فهو بمجرد أن علم أول شخص فكر أن يشاركه سعادته كان سلمى .
وصل لغرفتها وفتحها بسرعة ولهفة شديدة وهو يصرخ باسمها:
_ سليمى...سليمى.
انتفضت سلمى والتي كانت تراقب الملابس أمامها تضع يدها على قلبها وهي تنظر له بعدم فهم :
_ أرسلان ما الذي.......
فجأة اتسعت عيونها وصرخت برعب وهي تراه يرفعها عن الأرض يدور بها بسعادة ويصرخ بعدم تصديق :
_ سأصبح خالًا سلمى ...سأصبح خالًا، كهرمان ...هي حامل ...لقد أخبرتني للتو يا ويلي جسدي يرتجف سعادة .
اشرق وجه سلمى ببسمة واسعة وهي تضم وجهه بين يديها تميل عليه تقبله :
_ مبارك لك حبيبي، ستكون اجمل واروع والطف خال في هذه الحياة، سعيدة كثيرًا لأجل كهرمان .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلت قوافل آبى وسبز للساحة ليكون أرسلان في استقبال الجميع، يرحب بهم بالاحضان، وقد كان أول من يهرول له هو نزار الذي عانقه بقوة .
_ لا حق لأحد أن يقيم زفاف بعد زفافك أرسلان .
أطلق أرسلان ضحكة مرتفعة :
_ أنرت مشكى أخي، أقدر ترك عش زوجيتك بعد اسبوع لحضور زفافي .
_ ماذا افعل وحقير هنا رفض أن يتحلى ببعض الصبر ريثما تنتهي أيام زفافي .
_ فقط احمد ربك أن ترتيبات ما افعل استغرقت اسبوعًا وإلا كنت أقمت زفافي بعدك بساعة .
تحرك صوب بارق وآزار يفتح أحضانه وهو يردد بسعادة :
_ عجائز الممالك المقربين لقلبي، ألا حلت البركة على مشكى بوجودكم ..
انكمشت ملامح بارق وآزار بغيظ خاصة بارق الذي كان ينظر له كما لو أنه عدو في هذه اللحظة ليطلق أرسلان ضحكة مرتفعة وهو يجذب بارق لاحضانه:
_ أنسى أيها العجوز ولا تدع سواد القلب يحيل بيني وبينك .
ابتسم له بارق وهو يبارك له وكذلك آزار الذي ربت عليه وهو يهمس :
_ مبارك لك زواجك بني، استعد لتعلم أن كلمة امرأة أشد حدة من السيف.
ختم كلماته وهو يبتعد عنه يغمز له ببسمة، ليضيق له أرسلان عيونه وقبل التحدث بكلمة وجد المعتصم يقترب منه ببسمة واسعة وهو يردد بحماس شديد واضح على وجهه :
_ جلالة الملك عليك رؤية هذا .
نظر له أرسلان بعدم فهم وقبل أن يتحدث بكلمة كان المعتصم يهتف بصوت جهوري مرتفع ملئ بالحماس :
_ افتـــــــحوا الابــــــــــواب .
في اللحظة نفسها خرج الجميع للساحة يبصرون ما يحدث بعدما ارسل لهم المعتصم .
وكذلك جميع النساء وقفن في الشرفات يراقبن ما يحدث بعدم فهم .
رددت تبارك وهي تراقب ما يحدث في الاسفل :
_ هل هذا مهر سلمى !!
نظرت لها سلمى بعدم معرفة وهي تحرك كتفها بجهل.
راقب الجميع البوابات التي بدأت تُفتح لتكشف خلفها عن جمع غفير من شعب مشكى يحملون الزهور والكثير من الصناديق المغلفة بأوراق ملونة، يقفون باكثر ثيابهم تألقًا وافواه مبتسمة وبمجرد أن فُتح الباب أخذ الجميع يهتف باسم الملك أرسلان ويدعون له بالكثير من الدعوات ..
وأرسلان الذي لم يكن يفهم ما يحدث نظر حوله للمعتصم الذي ابتسم بسمة واسعة :
_ أصر شعب مشكى على أن يباركوا لك بأنفسهم، الشعب بأكمله كبار وأطفال وشباب، نساء ورجال الجميع هنا، فرصة رائعة ليحتل أحدهم مشكى ...
ختم حديثه بمزاح وأرسلان لا يعي ما يحدث فقط نطق بأنشداه :
_ لماذا ؟؟
_ لماذا هذا ما سيخبرونك به هم، أنا فقط ساعدتهم لترتيب وصولهم حتى بوابة القصر .
رفع أرسلان عيونه صوب شعبه وهو يراقبهم وذكرى بعيدة ترن بأذنه " ارحل"، نفس الموقف ونفس المكان، مع وجوه مختلة وبسمات متناثرة وكلمات أخرى رنانة جعلت صدر أرسلان يرتجف وهو يسمع أحدهم يهتف بصوت جهوري .
" أطــــــال الله بعمـــــــر الملك أرسلان، الملك الاعظم في تاريخ مشكى بأكملها"
ومن بعد كلمته ضجت " آمين" بينهم، وأرسلان يراقبهم بعدم تصديق وعيونه امتلئت دموعًا وقد شعر أن....حياته لم تكن عبثًا، أنه حتى وإن قصر يومًا فهو أدى أمانته أمام الله وأمام الجميع .
نظر صوب المعتصم بأعين ملتمعة من الدموع التي أبى أن تهبط أمام الجميع، ثم عاد بنظراته للجميع وهو يبصرهم كلٌ يحمل ما استطاع من هدايا، وأرسلان فقط يراقبهم ببسمة ممتنة .
وفجأة من بين الجمع تحدث شيخ مشكى ذلك الرجل ذو النبرة الهادئة، الرجل الذي لم يتراخى يومًا ولم يسقط بعدما فقد عائلته واحدًا تلو الآخر، وآخرهم حفيده وعكازه في هذه الحياة .
_ أنا يا مولاي عشت في مشكى سنوات وعقود طويلة، عاصرت بها الكثيرين من الملوك، وأبي عاصر أجدادك وكان يقص لي حكايات عن الأسرة الحاكمة، عاصرت جدك ووالدك وأخيرًا أنت، وأقسم بالله وليشهد الله على كل كلمة انطقها، ما رزق الله مشكى خير منك ليحكمنا، الله يا مولاي ارسلك رحمة لنا وبنا، الحياة ضاقت علينا والله برحمته ارسلك سببًا للفرج، أنا شيخ ولم يتبقى لي في هذه الحياة الكثير لأقلق بشأنه، والله أراد لي الموت مرتاحًا أن شعب مشكى في مأمن من غدر الحياة طالما أنك تحكمنا.
مال أرسلان يمسك كف الشيخ يقبله باحترام :
_ أطال الله بعمرك يا عم .
ربت الشيخ على رأس أرسلان الذي استقام يسمع صوت الشيخ يردد بهدوء :
_ لذا نحن قررنا جميعًا ألا يذكر تاريخ ولا كتاب اسمك إلا ورافقه " أعظم ملوك مشكى " ليمنحك الأمر جزء من حقك يا ولدي .......
ارتجف أرسلان من الكلمة وهو يرفع عيونه للشعب الذي أخذ يهتف بإسمه بصوت مرتفع، وهو فقط يقف بينهم لا يصدق ما يبصر، يقف بينهم ولم يكن حتى يرتدي معطفه الملكي أو غيره، كان بثوب من اللون الابيض عادي، بدا وكأنه جزء من الشعب ..
وهكذا كان طوال الوقت، أرسلان الذي سلب الحكم من والده بالقوة لأجل شعب مشكى، ها هو اليوم يحصد ما زرع قديمًا، حب شعبه وتقديره .
كانت لحظة واحدة اغمض بها أرسلان عيونه بسلام يتنفس وأخيرًا براحة وهو يهتف داخل نفسه :
_ فاللهم إني أشهدك أني أديت رسالتي، فأعني على ما تبقى منها حتى تقبض روحي .
فتح عيونه يبتسم لهم بسعادة كبيرة يتنفس بصوت مرتفع :
_ شعب مشكى الحبيب، اليوم جميع أفراد الشعب مدعوون لزفافي، الجميع لساحة القلعة، ووالله لن أقبل عذرًا لأحدِ، ستشاركونني سعادتي، ومن يرفض أن يشرفني ببقاءه، فسجون مشكى موجودة ليقضي بها ليلته .
ختم حديثه ليطلق إيفان ضحكة صاخبة وهو ينظر لسالار المتشنج جواره مما يفعل أرسلان :
_ يجبرهم على أن يكونوا ضيوفه، هذا الرجل لا يعلم معنى السلام .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والاحتفالات عند النساء كانت تختلف عن الجميع، إذ أجلس الجميع سلمى في المنتصف وبدأوا ينتشرون حولها منهم من يضع بعض الخلطات على شعرها، والبعض يساعدها في تعطير جسدها بالزهور .
وكهرمان تدور بين الجميع بنشاط وسعادة وهي تتأكد أن كل شيء جاهز للزفاف وفرحتها بأخيها انستها الإرهاق الذي تعاني منه منذ أيام طويلة..
ربما تؤجل كل ذلك حينما ترى إيفان فتخبره أنها متعبة، وفي الحقيقة إيفان لا يقصر منذ علم خبر حملها، بمجرد أن سمع الخبر كاد يبكي سعادة وهو يدور في القصر يصرخ أن يوزعوا الهدايا على الجميع فرحة بها .
أما عن زمرد فكانت تجلس في أحد الأركان وهي تقلب الفساتين بين أناملها تختار لنفسها واحدًا مع برلنت التي قالت :
_ فساتين من هذه زمرد، متى احضرتي كل هذا ؟؟
ابتسمت زمرد بسخرية :
_ كل هذا ماذا يا ابنتي هذه كلها فساتين العروس اشترتهم، سوف ابحث عن واحد مناسب منهم فأنا أحب هذه الفساتين الخاصة بمشكى .
راقبتها برلنت بصدمة ..
في اللحظة التي أعلن الحارس في الخارج أن كسوة العروس وصلت ..
نظرت سلمى صوب كهرمان بعدم فهم تنتظر منها أن تخبرها ما يحدث، لكن كهرمان كانت مشغولة وهي تتحرك صوب البوابة تبلغ النساء بتغطية وجوههن..
وبالفعل بدأ الجميع يغطي الوجوه وتحركت كهرمان مع ديلارا و امرأتين للباب يأخذن ما احضر الملك من كسوة الزوجة، وقد كانت فتحة الباب صغيرة بالكاد تسمع بمرور الصناديق الصغيرة، أخذت ترصها جوار الباب، ومن ثم أغلقته وهي تتحرك صوب سلمى تشير لها ببسمة :
_ هيا سلمى تعالي لتبصري ما احضر لكِ أخي.
رمشت سلمى بعدم فهم :
- أخوكِ فعل ماذا ؟؟
_ أحضر لكِ كسوة العروس، هذه إحدى طقوس الزواج هنا في مشكى العريس ملزم بإحضار الكسوة وفستان العرس .
نظرت سلمى صوب فاطمة بتعجب :
_ لكن ...لم ...فاطمة لم أرى ذلك في زفافها .
ابتسمت فاطمة وهي تجيبها ببساطة :
_ المعتصم ارسلهم لي قبل الزفاف بأيام.
أضافت كهرمان وهي تزيح غلاف الصناديق :
_ نعم تأخر أخي بسبب فستان الزفاف، أوصى عليه خصيصًا لأجلك .
ختمت حديثها وهي تخرج فستان من اللون الاخضر المرصع بقطع صغيرة لامعة كالألماس يضيق حتى الخصر ومن ثم يتسع للأقدام، شهقت سلمى بانهبار وهي تراقب الفستان، حتى كهرمان نفسها لم تكن تستوعب ما ترى وشكت للحظات أن من احضر هذه الثياب هو شقيقها .
_ أرسلان هو ...من احضر لي هذا ؟؟
_ لا أعلم حقيقة .
كانت تلك إجابة كهرمان لتتحرك لها سلمى تتلقف الفستان بين أناملها بعدم تصديق وبسمة واسعة ارتسمت على فمها .
_ هذا رائع للغاية، هذا ...
فجأة توقفت وهي تبصر زمرد تمسك ذيل الفستان تضيق عيونها بتفكير ومن ثم أشارت لبرلنت التي كانت ما تزال تنتقي فستان لزمرد بأمر من الأخيرة :
_ حسنًا برلنت لا ترهقي نفسك لقد وجدت الفستان الذي سأرتديه للزفاف .
ختمت حديثها وهي تنتزع الفستان من بين أنامل سلمى التي كانت ما تزال يدها معلقة في الهواء وكأنها تحمل الفستان، تراقب ما تفعل زمرد وهي تردد بحنق :
_ لماذا كل ثيابك بهذا الطول هل أصاب زوجك العمى يا ترى ؟؟
وقبل إضافة كلمة أخرى كانت سلمى تنتزع منها الفستان بقوة وهي تضمه لصدرها بحماية أم لطفلها :
_ هذا فستاني أنا...ملكي، أحضره لي زوجي، اذهبي وجدي لكِ واحدًا، ثم أوليست ثيابي حمقاء غبية لا تعجبك .
_ نعم هذه حقيقة لم اغيرها، لكن هذا اعجبني لأنه ليس ذوقك ربما .
ولم تكد تتلمسه لتستفز سلمى، لتضمه الأخيرة وهي تصرخ راكضة به صوب المرحاض تهتف بصوت رج المكان :
- أبدًا هذا فستاني أنا وحدي .
أغلقت الباب خلفها بقوة لتطلق زمرد ضحكات مستمتعة على ما تفعل وهي تراقب الجميع ينظر لها بقلة حيلة من أفعالها لتردد بعدم فهم :
_ ماذا ؟!
_ لن تتغيري زمرد، هيا ساعدنني يا فتيات في تجهيز الحذاء المناسب والحجاب والغطاء، تبقى القليل قبل أن يأتي أخي ليأخذ العروس ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ساعات قليلة حتى كان أرسلان يتحرك صوب غرفة زوجته وهو يشعر بضربات تسابقه صوب بابها يشعر بقلبه سيتوقف وجواره أنورين وجلال الذي حضر لأجل الزفاف .
لكن كان أول من اقترب من باب الغرفة هو خالد والذي تعهدت له سلمى أن يكون هو من يزفها، فلا شخص عاش معها وعلمها بقدر أخيها الحبيب خالد، خالد الذي أصبح رجل آخر رغم احتفاظه بجزء صغير من لود القديم إلا أنها تفتخر أن الكثير من صفاته الغبية بدأت تتلاشى .
طرق خالد الباب يستأذن بهدوء قبل أن يُفتح الباب ويتحرك للداخل يبصر أخته تقف في منتصف الغرفة ليتنفس بعنف وهو يرتدي بذلة سوداء راقية للغاية وعلى كتفه موزي يرتدي بذلة نفس الشكل وقد أوصى بها خالد والده في رسالته قبل أسابيع له والتي ارسلها مع صامد وصمود في رحلتهما الأخيرة لعالمه...
تنفس وهو يردد بانبهار :
_ انظر يا موزي سول الحبيبة كبرت وأصبحت أكثر النساء روعة وجمالًا، وأكثر عروس مبهرة في هذه الحياة .
مسح دمعة كادت تهبط منه وهو يتحرك صوبها يمد يده لها يردد بصوت مختنق من التأثر:
_ شكرًا لانكِ منحتني هذه اللحظة الرائعة سلمى ...
_ لا أحد يستحقها سواك خالد .
ختمت حديثها وهي ترفع يدها تربت على خده بحنان لينهار خالد باكيًا وهو يضمها له بحب شديد :
_ مبارك حبيبتي مبارك سلمى، أنا اليوم أكثر رجال الأرض سعادة، واكثرهم حظًا بكِ، والله لا أتخيل أنني كنت لأعيش حياة تخلو منك .
_ لا تقلق عزيزي فأنا لا اخطط لتركك ترحل، سأزوجك حور لتثبت جذورك بمشكى وتبقى جواري .
ضحك خالد من بين ضحكاته:
_ فقط ليني قلبها تجاهي هي وابن شقيقتها، والله لن تجد في هذه المملكة رجل بمثل وسامتي وأناقتي، اخبريها أنني اوصيت أبي وأحضر لي بذلة الزفاف .
ضحكت سلمى وهي تراه يبتعد يمسح دموعه، ومن ثم مد يده لها يردد ببسمة واسعة :
_ لنتحرك إذن قبل أن يقتحم زوجك المكان ويحطمه فوق رؤوس الجميع .
ابتسمت له تنزل غطاء الوجه وهي تتحرك مع خالد للخارج وخلفها الجميع يراقب ببسمة وتبارك دون شعور اطلقت زغرودة مرتفعة بسعادة كبيرة .
وزمرد تتابع ما يحدث ببسمة واسعة، وكهرمان ركضت بسرعة كي تبصر وجه أخيها وتشهد معه هذه اللحظة ..
وأرسلان كان يقف مع الرجال في الخارج يحاول تمالك نفسه، قبل أن يسمع صوت خلفه يستدير ببطء، ليحبس أنفاسه دون شعور منه حين أبصرها تتحرك ببطء مع خالد صوبه، تراجع الباقيين للخلف تاركين له الفرصة ليستقبل زوجته .
ابتسم وهو يراها تقترب منه خطوة تلو الأخرى، يقسم أن هذه الثواني كانت عمرًا له، تنفس بصوت مرتفع أخيرًا وكأنه يلتقط أولى أنفاسه خارج محيطٍ غرق به لأيام .
يمد يده لها ينتظر الشعور بملمس كفها بين كفه القوي، وبمجرد أن شعر بها بين كفيه ضغط عليه بقوة رغم لينه، وهو يقربها منها ببطء ينظر لها وكأنها الشيء الوحيد في المكان وفي الحقيقة قد كانت له.
مد يده يرفع غطاء الوجه ببطء يكشف عن وجهها يبصر اجمل شيء ابصره في حياته، ويقسم بالله أنه لن يبصر افضل من هذا المشهد يومًا .
ابتسم بسمة وهو يتنفس بصعوبة، وهي فقط تنتظر أي ردة فعل له قبل أن ترفع عيونها له تهمس ببسمة ممازحة :
_ أراك وقد صمت الآن مولاي، هل تفكر في التراجع؟؟ صدقني بمجرد أن تخطو لهذه الحياة فلا فرار لك مني، أجبني طالما مازلت امتلك قلبي وتمتلك روحك .
ابتسم أرسلان وهو يخرج شيء من ثوبه والذي تميز باللون الاسود مع ثوب علوي من اللون الابيض المختلط بالاسود ...
يمسك كفها يضع به خنجره وهو يبتسم لها بسمة واسعة يفتح الخنجر وهو ما يزال بكفها، يوجهه صوب صدره يهمس بعشق :
_ فقط امنحيني قلبكِ، أو خذي روحي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قَد كُنتُ غَريبًا أَبحَثُ عن وَطَنٍ، وَكانَت غَريبَةً مِثلِي.. وَالتَقَينا؛ فَأنِستُ بِها أُنسَ الغَريبِ بِالغَريبِ.
-المَنَفلُوطِي.
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .
أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثامن وأربعون 48 - بقلم Rahma Nabil
الخاتمة¹ | مهر مُنتظر |
وقِيل في معنى الزَّواج، أن تَختار مَن يستحقُّ الاطّلاع علىٰ عيُوبكَ، فيَقبلها ثمّ يَستُرهَا!
- الرّافعي.
الفصل اهداء للجميلة " زينب محمود " و " رضوى عمرو ".
صلوا على نبي الرحمة ..
قراءة ممتعة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
"فقط امنحيني قلبكِ، أو خذي روحي ."
صمت كبير لف المكان حولهما وكلمات أرسلان يرن صداها في المكان وفي صدرها، ارتجفت يدها التي امسكها أرسلان وهو مايزال ينظر في عيونها مبتسمًا، لترد له البسمة بأخرى أشد رقة وهي تبعد الخنجر عن صدره ببطء تهمس بصوت منخفض :
_ كيف امنحك ما تملك بالفعل مولاي ؟!
التمعت عيون أرسلان بشكل قوي وقد شعر في هذه اللحظة أنه ينال مكافأة صبره طوال تلك العقود، والله لو كان يعلم طوال تلك السنوات أن مكافأة كفاحه وصبره ستكون" سلمى " لقابل مصائبه ببسمة واسعة، وصدر رحب .
سحب يده يدس خنجره في ثوبه، ومن ثم مال بنصفه العلوي نصف ميلة وهو يخفض رأسه ببطء يضع يده اليمنى جهة قلبه يردد بصوت حاني :
_ مرحبًا بكِ زهرة في حياتي القاحلة المقفرة سليمى .
اتسعت بسمة سلمى وكادت أن ترفع طرف ثوبها لتنحني بالمثل، لولا يد أرسلان التي امسكتها بسرعة يضم كفها بحنان :
_ لا تفعلي رجاءً.
ختم كلماته وهو يلتقط كفها يضغط عليه بحنان شديد، وهي تنظر له بأعين ملتمعة، تتحرك معه بهدوء، بينما اصطف جنوده على الجانبية باحترام والنساء في الخلف وبمجرد أن خطى الإثنين خارج بوابة القصر صوب ساحة الاحتفال، فجأة انتفضت سلمى وهي تبصر الكثير والكثير من وريقات الزهور تهطل عليها كما السيل من الاعلى .
وأرسلان يتحرك معها ببسمة واسعة وهي تراقب ما يحدث حولها بأنفاس مخطوفة، وصوت قديم من ذاكرتها يرن بأذنها.
" أوتعلم لود، أنا لا أحب هذه الأشياء التقليدية التي تبدو في ظاهرها سخيفة، لكن حتى تلك السخافة تستهويني أحيانًا، أن يمطرني زوجي بالزهور يوم زفافي سيكون لهو شيء تقليدي ....رائع "
رفعت سلمى عيونها بسرعة صوب خالد متأكدة أنه هو من أخبر أرسلان بذلك لتبصر التماع الدموع بعيونه وبسمة واسعة ترتسم على فمه، لتبتسم بحنان وحب وهي ترفع كفها تلوح له بامتنان .
وهو هز رأسه يراقبها وقد فشل في كبت دموعه، لا يصدق أنها تُزف الآن لشخص يحبها وتحبه، أخته الحبيبة التي كان قد بدأ ييأس أن تميل لرجل في عالمهم، والغريب أنها لم تفعل، بل سافرت عبر العوالم لتحصل على رجلها الخاص .
حركت سلمى عيونها تراقب العم جلال وعمها وديلارا وعثمان وجميع من تعلم تبتسم لهم بحب، وعلى عكس المتوقع لم تكن وحيدة يوم زفافها، الجميع حولها ينقصها فقط والديها .
ارتجفت يدها بخفة، ليميل عليها أرسلان هامسًا بحنان :
_ بخير سليمى ؟؟
_ أكثر مما كنت في أي وقت ارسلان، لقد ... أنت حققت لي حلمًا .
ابتسم لها بحنان هامسًا بصوت منخفض :
_ ليطيل الله بعمري وافعل دائمًا .
توقف في المنتصف، حيث تتحرك هي صوب قاعة النساء مع الباقية، ينظر لها بحب :
_ إذن حلوتي ألقاكِ بعدما ينتهي الاحتفال، وحتى ذلك الوقت احتفظي بروحي واحسني الاهتمام بها .
ختم كلماته وهو يمسك كفها يميل عليه يقبل باطنه، ومن ثم ترك يدها بهدوء تسحبها كهرمان التي كادت تطير في هذه اللحظة من شدة سعادتها لسعادة شقيقها .
وأرسلان نظر لها بحب يغمز لها لتبتسم كهرمان وهي ترفع يدها له بقبلة، ومن ثم غادرت وهي تشير للنساء كي يتبعنها .
بينما إيفان يقف جوار أرسلان يضم يديه لصدره :
_ حقًا ؟؟ حتى يوم زفافك أيها الوغد ؟! ألن تترك زوجتي وشأنها ؟!
_ أترك زوجتك ؟؟ أترك الحياة ولا أترك شقيقتي أيها الحقير .
ختم حديثه وهو يتحرك صوب منتصف الساحة، يرفع يديه يستعد للرقص حيث يتجمع الرجال للأحتفال، ولم يكد يتحدث بكلمة أو ينضم لهم، حتى أبصر أمامه جسد يقف جانبًا يراقب الجميع بأعين حريصة وكأنه يخشى أن يُسحب في دوامة الرقص دون أن يشعر .
وفجأة صدح هتاف أرسلان وهو ينطلق صوب ذلك الجسد يهجم عليه دون مقدمات :
_ العجوز شهــــــــدان ؟؟؟؟
وفي ثواني قبل أن يستوعب العريف ما يحدث كان جسده يسقط ارضًا بقوة وفوقه أرسلان الذي احتضنه بقوة ولم ينجو من العريف شيء سوى بومته التي طارت بسرعة قبل السقوط .
والعريف كاد قلبه يتوقف مما حدث وهو يصرخ بصوت مرتفع يحاول دفع أرسلان عنه :
_ أيها الحقير ابتعد عني، اقسم بالله لم أكن أرغب بالحضور، لكنني أُجبرت على ذلك، ابتعد عني تبًا للجميع، أحضروا حصان سأعود لسفيد ولو سيرًا على الأقدام.
أطلق أرسلان ضحكة مرتفعة وهو يضمه بقوة لا يصدق وقد كان العدو الأول للعريف بعدهم هو الزفاف وأي تجمع بشري يزيد عن خمسة أشخاص، لذا كان يعتزل في مكتبته حينما يحين زفاف أحدهم قبل أن يجبره سالار أو إيفان على الخروج ومشاركتهم الاحتفال بالاجبار.
نهض أرسلان وهو يضحك بصوت صاخب يساعده في النهوض :
_ اعذرني لم اصدق حين ابصرتك.
نفض العريف يده، ومن ثم حدق في وجهه بضيق شديد في الوقت الذي استقرت به البومة مجددًا على كتفه ليضربها بعنف :
_ تهربين مجددًا بمجرد أن اقترب مني، هذا بدلًا من مهاجمته ايتها الحقيرة ؟؟ والله ليتك لم تعودي أيتها الحقيرة .
تشنجت ملامح أرسلان وهو ينظر صوب البومة وكأنه يتحداها مشيرة لها :
_ تهاجمني؟؟ هذه ؟!
تراجعت البومة وهي تتحرك من الكتف المواجه لأرسلان صوب الكتف الآخر، والعريف يراقبها بضيق يضربها بقوة لتطير خوفًا منه :
_ لا فائدة ترجى منكِ لو أنني أحضرت لي دجاجة انتفع ببيضها لكان خيرًا لي .
أطلق أرسلان ضحكات مرتفعة قبل أن يشعر بيد المعتصم تجذبه لمنتصف الساحة ليشارك الرجال الرقص، وفي هذه اللحظة لو كان هناك أحدهم ينافس أرسلان سعادة فقد كان حتمًا إيفان الذي انطلق صوبه يجذبه لأحضانه بقوة، يرفع يده وهو يطلق صيحات سعيدة وسالار يراقبهم ببهجة، قبل أن يجذبه إيفان لهم ويجذب نزار والمعتصم وتيم وخالد والجميع .
حتى أن آزار وبارق أخذوا يرقصون بجنون مع ضربات الدف خلفهم والجنود ورجال الشعب تقريبًا الجميع في ساحة قلعة مشكى يشاركون في الحدث العجيب الذي حدث في هذه اللحظة .
الجميع يراقب الملوك وقادة الجيوش وقد اختلفت صورتهم في هذه اللحظة عن صورتهم في الحروب وهم ملطخين بالدماء، ليتضح للبعض في النهاية أن هناك جزء آخر في حياتهم لم يعلموا عنه شيء .
هناك جانب آخر للصورة غير واضحًا لهم .
وأرسلان ولأول مرة يرفع صوته بالغناء بصوت قوي جهوري، الصوت نفسه الذي لطالما نادى بالحرب وبث كلمات قوية في جيشه وقت القتال، ها هو يشدو بقوة كلمات تراثية فارسية لأنشودة تتردد طوال الوقت في الزفاف .
في هذه اللحظة كان أرسلان يرقص بكل خلية من جسده، لا يصدق أنه وصل لهذه اللحظة من حياته، وفي الواقع هو طوال الوقت كان على يقين أنه سيأتي يومًا ويكرمه الله بزوجة يحبها ولو كان لأنه تعهد بحب زوجته، لكن كرم الله فاض وغطى كامل توقعاته ولم يرزقه فقط بامرأة يحبها لأنها زوجته .
بل رزقه بامرأة يحبها لأنها سليمى ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والأمر لم يختلف كثيرًا عند النساء، حيث فاطمة قد تجمعت النساء في منتصف الساحة يؤدون رقصة الأغصان ومعهن فاطمة، التي كانت تتحرك بسعادة بالغة وكأن شقيقتها هي من تزف اليوم .
وسلمى فقط تقف جانبًا تصفق لهن بحماس شديد، حماس ازداد مع زيادة حدة الرقصة لدرجة أن سلمى رفعت إصبعًا واطلقت صفير حاد قوي مرتفع جعل الجميع ينظر صوبها بتعجب، وتبارك أبت إلا أن تشاركها الإحراج، فاطلقت ضحكة مرتفعة وهي تضم شفتيها بين اصبعيها تطلق صفيرًا مشابهًا، وقد نفعتها مهارة استيقاف الحافلة أو السيارات .
نظرت لها سلمى وهي تضحك قبل أن تشعر بفاطمة تجذبها لتشاركهن الرقص، ورغم أنها لم تحفظ سوى حركات محدودة من تلك الرقصة إلا أن ذلك لم يمنعها من مشاركتهن وقد تحولت القاعة الخاصة بالنساء لساحة احتفال تنافس ساحة الرجال في الخارج .
ابتسمت كهرمان وهي ترتكن على الجدار تتنفس بسرعة كي ترتاح من المجهود الذي بذلته، تتذكر تحذيرات إيفان لها ألا ترهق نفسها لأجل حالتها .
لكن كيف لا تفعل وهذا زفاف أرسلان والدها وشقيقها ورفيقها وحبيبها الاول، الشخص الذي ضحى بنصف حياته لأجلها، الشخص الذي لولاه بعد لطف الله عليها لما صمدت في هذا العالم ثانية واحدة، هي كانت تحيا وتقاوم لأنها تعلم أنها إن سقطت فسيكون هناك أرسلان ليتلقفها ومن ثم يقيم جحيمًا على الجميع انتقامًا لسقوطها.
" اتعلم الرقص فقط لاجلك اخي، انتظر زفافك وسأرقص لك واغني حتى تفنى انفاسي أخي"
" لا أراني الله بكِ سوءًا حبيبتي، ثم الأمر ليس بهذه البساطة، في الحقيقة اتخيل في بعض الأحيان أنني لن أبصر هذا اليوم قريبًا أو ربما أبدًا، أخشى أنني سأكمل حياتي وحيدًا كهرمان "
" لا تقل هذا أخي، بالله أن نصف نساء الممالك يتمنين رجل مثلك و..."
" يخافونني كهرمان، نصف النساء يخافونني حبيبتي "
" هذا ما تظنه أنت أخي، ألا تبصر هيئتك في المرآة أخي، أنت رائع من الداخل والخارج اخي، والكمال لله وحده بالطبع، انتظر ليأتي ذلك اليوم وتجد زوجتك صدقني اقسم أنني سأقيم احتفالًا يفوق احتفالي بيوم زفافي "
ابتسم لها أرسلان بحب وهو يجذبها لأحضانه:
" لا تحملي هم زفافك اتركي هذا عليّ أنا "
" سترقص لأجلي أخي ؟؟"
" بل سأبكي فراقكِ حبيبتي "
ضحكت كهرمان وهي تضرب كتفه ظنًا أنه يمزح، ولم يكن في الواقع .
والآن ها هي تقف في قاعة نساء مشكى الخاصة بالاحتفالات والتي شهدت زواجات واحتفالات كثيرة، الآن جاء الوقت لتشهد زفاف ملكها ..
وبعد ساعات قليلة ارتفع صوت امرأة من الخارج وهي تردد بصوت مرتفع كي يسمعه الجميع من بين الضجيج :
_ وقت تقديم الهدايا يا نساء، تجهزوا فالملك ينتظر عروسه .
شعرت سلمى فجأة بالمكان حولها يدور وبأن صوت أنفاسها المرتفع مسموع لها وللجميع حولها، ولثواني ارتجف جسدها حينما شعرت بيد كهرمان تضم مرفقها بحب وهي تنزل غطاء الوجه لها :
_ هيا عزيزتي أخي لن يصبر طويلًا، يكفيه ثلاثة عقود في انتظارك سلمى .
ختمت حديثها ليضحك البعض حولها، وتتحرك معهم سلمى وهي تشعر بأن كل خطوة تخطوها تقربها من حياة جديدة، لا تدري إن كانت ستستطيع التأقلم عليها أم لا، لكن كل ما تعلمه أنها لا يمكنها التأقلم مع حياة تخلو منه هو .
ذلك الرجل الذي يتوسط الرجال في الساحة وهو يراقبها ببسمة واسعة وملامح هادئة وسيمة يمد يده لها بحب شديد، ينتظر أن تصل له، وحينما شعرت بتلامس كفيهما جذبها أرسلان له بهدوء كبير وهو يتنفس براحة شديدة وكأن حياته توقفت عند هذه اللحظة، لحظة تمنى أن تستمر أبد الدهر، ها هو وعلى مرأى ومسمع من الجميع يعلن سليمى رفقة عمر وانيسة الدهر .
مال لها يهمس بصوت منخفض :
_ اليوم أُصنف نفسي أكثر رجال الأرض حظًا لأمتلاكي سليمى...
رمشت سلمى من أسفل الغطاء ولم تكد تبدي أي ردة فعل حتى شعرت بقبلة تهبط على جبينها لتبتسم وتتنهد براحة كبيرة وهي تشعر بصدرها يرتفع بوتيرة سريعة تهمس بصوت منخفض :
_ فاق حبي لك الحدود أرسلان، أنا الآن شاكرة لوصية أبي التي ألقت بي بين أحضانك هنا .
اتسعت بسمة أرسلان وهو يميل على أذنها يهمس بصوت خافت :
_ ليست وصية عزيزتي، بل قلبي هو من ارادك واتخذ الوصية حجة، فوالدك أوصاني فقط بالاعتناء بكِ ومساعدتك لتتأقلمي على المكان، ثم تركك لتتولي مسؤولية نفسك .
صمت يراقب تحرك رأسها بحركة توشي بصدمتها ليكمل همس :
_لكنني كنت أكثر الاوغاد أنانية لأحتفظ بكِ لنفسي، رافضًا أن يتولى غيري مسؤولية مساعدتك أو اسعادك .
رفعت وجهها له ليبتسم بسمة واسعة وهو يبتعد عنها يسحبها بهدوء صوب المقاعد التي تتوسط الساحة لتبدأ مراسم الزفاف .
وقد كان أول من تقدم ليقدم الهدايا هو خالد والذي كان يراقبها بأعين دامعة وبسمة واسعة، يحمل بين يديه صندوق هدايا ملون مع شرائط ملونة تلقفتها سلمى وهي تبتسم تشكره بحب دون حتى أن تعلم ما تحتويه الهدية، وخالد فقط تحدث بصوت به غصة بكاء :
_ هذه ...هذه مزهرية تشبه تلك التي حطمها موزي من قبل والتي كانت ترجع لوالدك، لقد احضرتها لكِ منذ أشهر قبل مجيئي هنا ونسيت جلبها معي، واحضرها أبي وهو قادم، فقط اتمنى أن...تعجبك .
نظرت له سلمى ثواني وهي تضع الهدية جانبًا، ثم نهضت تضمه بسرعة باكية بسعادة ليبادلها خالد العناق وهو يبكي بتأثر .
خالد الذي رغم كل أفعاله كان أقرب لها من نفسها منذ طفولتهما، شاركها حياة لا تعلم من كان ليفعل إن لم يكن هو موجودًا، أخوها، وصديقها، ورفيق طفولتها وشبابها، العزيز خالد .
وأرسلان يراقب ما يحدث بهدوء يقدر تلك اللحظة، وقد جربها سابقًا، لا يزال يتذكر ارتكانه للجدار ذات يوم يبكي رحيل صغيرته، ابتسم بحنان وهو ينهض يربت على كتف سلمى :
_ لِمَ البكاء سليمى، أين سيذهب هو، سيظل معكِ هنا ولن يبتعد وسترينه كل ثانية ليكدر حياتي وحياتك حبيبتي.
رفعت له سلمى وجهها وهي تردد بصوت باكي :
_ حقًا لقد قال إنه سيعود مع العم جلال أرسلان.
ضمها أرسلان بحب وهو يقبل رأسها بحنان :
_ سأحب رؤيته يحاول ذلك عزيزتي، والله يقيمن في سجون مشكى ولا يخطو خطوة تبكيكِ .
اتسعت بسمة سلمى بقوة وهي تنظر صوب خالد الذي تشنج بصدمة، وفي الواقع هو كان مترددًا بشأن الرحيل وقد وجد ذاته بين الجميع هنا ولأول مرة يكون صداقات دون غرض من وراء ذلك، بل ووجد المرأة التي يبتغيها رفيقة لحياته .
وحين ذكرها تحركت رأسه بين الجميع صوب الموقع الذي كانت تتوسط والذي يتابعه منذ جاءت مع النساء، يبتسم لها بحب ليبصرها تخفض رأسها بخجل شديد، ونعم ربما كل الايام السابقة وكل مرة قفز فيها أمام عيونها دون مقدمات ساهمت لبناء مكانة له داخل صدر حور والتي تتلقى الاهتمام هي والصغير لاول مرة، تختبر صدق المشاعر لأول مرة .
وخالد في هذه اللحظة قرر أنه اكتفى من محاولة التقرب هذه، ليقسم بينه وبين نفسه أنه لن يقترب منها مرة أخرى إلا حينما يتأكد أنها ستكون له وحلاله....
ومن بعد خالد جاء جلال يقدم هديته، والعم انورين الذي لم يتقبل الأمر مائة بالمائة، ما يزال حانقًا على كل ما يحدث، لكنه قرر مجاراة النهر .
وديلارا التي رغم كل ما حدث وكل ما جرى بينهما، بدأت تتقرب منها في الآونة الأخيرة .
في الحقيقة ديلارا كانت تتخذ معرفتها وقرابتها بالملكة ذريعة لتكون جوار تيم وتراه أكثر الوقت، لتقترب وبدون شعور من سلمى وتعلم أنها خسرت الكثير ببعدها عنها.
ضمتها وهي تهمس بصوت خافت حنون :
_ مبارك حبيبتي عساها فرحة العمر .
ابتسمت سلمى بحب شديد وهي تربت على كتفها تحرك عيونها صوب تيم الذي كان ينظر لديلارا بطرف عيونه ومن ثم همست :
_ العقبى لكِ عزيزتي .
خجلت ديلارا وهي تبتعد عنها تنحني جانبًا تاركة الباقيين يقدمون هداياهم، وعيونها لا تتحرك عن تيم تحاول ألا تطيل النظر به كي لا تلفت الإنتباه .
لكن أثناء محاولتها لعدم لفت انتباه أحدهم، لفتت انتباهه هو، ليبعد عيونه عن محدثه ينظر صوبها بهدوء وهي ورغم وجود غطاء يخفي وجهها شعرت بالتوتر الشديد وهي تلف رأسها في الاتجاه المعاكس بسرعة تحاول أن تتمالك نفسها .
_ يا ويلي لقد ابصرني، ما هذه المصيبة؟
أما عن تيم فقد ابتسم بسمة واسعة وهو يراقبها ورغم غطاء وجهها إلا أنه تعرف عليها من حركاتها المتوترة ووقفتها، يحرك عيونه بعيدًا عنها يدور بها بين الجميع حتى توقفت عند أحدهم يقترب منه بخطوات بطيئة وهو يجاور ذلك الرجل .
أما عن ديلارا فقد أخذت ترفع عيونها شيئًا فشيء تبحث عنه بين الجميع، ليشحب وجهها فجأة حينما أبصرته يجاور عثمان ووالدها يتحدث لهم بهدوء .
شعرت بأن نهايتها اقتربت وأن أقدامها فقدت قدرتها على حملها وستسقط ارضًا من هول الموقف، وفي خضم أفكارها وهي تبحث لنفسها عن مخرج مما يحدث أبصرت عيون عثمان تُثبت عليها وهو يرمقها بنظرات غامضة جعلتها تبعد وجهها، بل وتبتعد هي ذاتها عن المكان بأكمله..
ومن بين كل تلك الأحداث حان وقت تقديم إيفان مع كهرمان هداياهم، ليتقدم الاثنان يضعون ما بأيديهم على الطاولة وتبعهم سالار وكذلك تبارك ومن ثم الباقيين واحدًا تلو الآخر، حتى فاطمة التي اقتربت تضع مغلفًا بالون الازرق تردد ببسمة واسعة :
_ أتمنى أن يعجبك .
بادلتها سلمى البسمة بأخرى :
_ طالما أنه منك فاضمن لكِ أنه اعجبني منذ هذه اللحظة .
اتسعت بسمة فاطمة بقوة وهي تنظر بسعادة صوب المعتصم الذي ابتسم لها بحب .
أبصرت سلمى من بين الجميع رجل يقترب منهم بوجه يبدو مريحًا للنظر مع لحية بيضاء وهيبة تناسب عمره، وملامح تظهر عليها الحكمة، كان يتحرك صوبهم يحمل بين يديه حقيبة هدايا كما الجميع، لتبتسم بلطف وهي تنظر صوب أرسلان بتعجب من هوية هذا الرجل وقد شبهته في نفسها بحكماء العصور القديمة .
لكن كل تلك الصور الفلكلورية الملائكية التي رسمتها في ذهنها تلاشت حين فتح الرجل فمه يلقي ما بيده على الطاولة حانقًا وكأنه حزينًا لا أنه لا يستطيع أن يلقيها في وجه أرسلان .
_ خذ، زواج ميمون، عسى أن يأخذك الزواج منا ولا نبصر وجهك البهي في سفيد .
اتسعت عيون سلمى بقوة وهي تنظر له بصدمة من كلماته، ومن ثم تحركت بعيونها صوب أرسلان بغية مواساته على فظاظة العجوز، لكن بسمة أرسلان الواسعة الجمتها، ومن ثم انفجر في الضحك كما الجميع حولها وهي لا تفهم، هل أصبحت الوقاحة تضحك .
بينما أرسلان حاول أن يظهر بمظهر جدي يتنحنح بصوت هادئ، وأشار للرجل يعرفها عليه بكل جدية :
_ هذا يا عزيزتي عريف سفيد، كبير عجائز الممالك الاربع، يقود حزب الملك آزار وبارق، مؤسس نظرية فناء البشرية، ومؤلف كتاب الفوائد العشر للأنعزال عن البشر.
كانت سلمى تنظر له بعدم فهم، ونبرة الجدية في حديث أرسلان أخبرتها أنه لا يمزح، بينما هي تشنجت تحرك نظراتها بين العريف وارسلان الذي أكمل بجدية سرعان ما تلاشت وهو ينفجر في الضحك دون قدرة على إمساك ضحكاته :
_ ولقد خصص لي فصلًا كاملًا في كتابه تحت عنوان ( صحة الأبدان في الابتعاد عن أرسلان) .
ختم حديثه ليطلق إيفان ضحكة مرتفعة يتذكر ذلك الكتاب الذي كان للجميع نصيب منه، حتى سالار لم ينجو من الأمر، لكن الفرق أن العريف خصص له فقط صفحتين مخبرًا إياه أنه يوفر صفحاته لباقية البشر.
يتعجب أن يمتلك ذلك العجوز وقتًا لتأليف كتاب يهجيهم به .
كبت سالار ضحكته بصعوبة يحاول ألا يظهر للعريف تأثره بكلمات أرسلان، وهو يربت على كتف العريف :
_ أرسلان عيب عليك تتحدث عن العم شهدان بهذا الشكــ...
وللأسف خنقته ضحكاته وقطعت كلماته، لينفجر وهو يبصر وجه العريف، يميل على إيفان يدفن وجهه في كتفه ضاحكًا، بينما العريف فقط رمقهم بضيق وغضب :
_ والله كتاب واحد لا يكفيكم، فقط تنتهي عصوركم واحرق كل كتب التاريخ التي ذكرت اسمائكم، حتى لا يتبقى لسلالتكم سوى كتبي الخاصة .
والضحكات كانت الرد الوحيد عليه وهو فقط لوى ثغره بضيق ينظر حوله بحثًا عن البومة :
_ أنا المخطئ لأنني جئت زفاف هذا الوقح .
ولم يكد يتحرك حتى انقض عليه أرسلان يضمه بحب :
_ والله لا تفعل أيها العريف، تبقى أنت ونرحل، نمزح معك .
والعريف فقط يدعي الحنق والضيق، بينما سالار اقترب يقبل رأسه بحنان وايفان يحاول أن يستسمحه .
في حين أن البومة التي كان يبحث عنها منذ ثواني كانت تقبع أسفل موزي الذي جلس على جناحها بغضب بعدما أفسدت عليه جلسته، وهي تحاول الإفلات منه مصدرة صوتًا تلاشى في صخب الزفاف.
لكن موزي فقط ظل جالسًا لا ينتوي الحراك في الواقع، يتناول طعامه بكل هدوء ليس وكأن طير مسكين يكاد يفقد جناحه أسفله الآن.
أقبل الباقيين لتقديم الهدايا حتى حانت اللحظة التي ينتظرها الجميع، اللحظة التي سيبصر بها الجميع مهر أرسلان لزوجته، المهر الذي أخذ يتغنى أمام الجميع أنه لم ولن يأتي أحدهم بمثله .
_ إذن عزيزي نحن ننتظر ؟!
حرك أرسلان عيونه صوب سالار وهو يبتسم بسمة صغيرة مستفزة يحاول بها تلاشي الأمر، فهو نعم كان يستفزهم فقط لمجرد الاستفزاز، لكنه لم يكن ينتوي مشاركة مهره لزوجته مع أحد:
_ تنتظر ماذا سالار، على حسب ما أعلم هذا المهر لزوجتي عزيزي .
اتسعت بسمة إيفان وهو يتدخل في الحديث :
_ الأمر مسألة شخصية الآن أرسلان وقد اصبت الجميع بصداع حول المهر الذي ستقدمه لزوجتك، والآن نحن جميعًا ننتظر .
زفر أرسلان بضيق شديد :
_ أنتم حقًا لا تطاقون، ثم أنا مهري ليس هنا، وانا لا أريد أن ارهقكم و...
_ لا بأس عزيزي نمتلك أحصنة تنقلنا حيث نشاء لا تحمل أنت همًا لنا .
نفخ أرسلان بقوة وقد كان يأبى أن يشاركه أحدهم هذه اللحظة، فهو في وجود الرجال سيكون من الصعب أن يستقبل سعادة امرأته أو حتى يبصر لمعة عيونها ويستمتع بكل لحظة وهو يشاهد ردة فعلها .
لذا قرر أن يشاركهم جزء صغير من هديته ويحتفظ بجزئه الخاص لهما فقط، زفر بصوت مرتفع وهو يخرج من جيب سترته ورقة يمدها صوب إيفان بملامح حانقة غاضبة، ليتعجب إيفان الأمر وهو ينتزع منه الورقة بريبة يقرأها يحاول فهم ما يحدث .
وسالار الذي لأول مرة يأكله فضوله اقترب يكاد يدخل وجهه في الورقة يقرأ ما خُطّ به، قبل أن تتشنج ملامحه، يحرك عيونه صوب أرسلان الذي كان يضم يديه لصدره :
_ هذا ....هذا ....ما هذا ؟؟ ما معنى هذا ؟! زهرة سلمى ؟؟ماذا تقصد ؟!
حركت سلمى رأسها بعدم فهم لجملة سالار، لينتزع أرسلان الورقة بقوة من بين أنامل إيفان وهو يهتف بجدية يتحسس الورقة بحنان وكأن قبضة إيفان افسدتها :
- هذا إقرار رسمي من الملك بارق أن يتم تغيير اسم الزهرة التي اعجبت زوجتي لتحمل اسمها، ومن الآن وصاعدًا سيتم ذكرها في كتب النباتات باسم زوجتي، وسيتم تغييرها في الكتب القديمة لتحمل اسم زوجتي .
اتسعت عيون سلمى وهي تنظر بصدمة كبيرة صوب أرسلان وقد شعرت أنها تهزي، هل كان أرسلان من الجنون ليفعل ذلك ؟! هل هذا ممكنًا حتى ؟؟ يغير اسم نبتة في الكتب ؟؟
هراء ..
وكأن إيفان سمع أفكارها لينطق بنفس السؤال وهو ينظر صوب بارق :
_ ماذا ؟؟ تغير اسم الزهرة؟ هل هذا ممكن ؟؟
هز أرسلان كتفه بهدوء وبسمة واسعة باردة :
_ لا أعلم ولا اهتم، اردته وأخذته، وبالطبع لا ننسى جهود العزيز نزار ليقنع حماه العزيز، وكذلك الملك بارق الذي قبل برغبتي بطيب نفس و...
_ لم أفعل لقد أجبرتني على ذلك .
_ شكرًا لك على كل حال، شكرًا لكم جميعًا لمساهمكتم في جعل حفل زفافي افضل بوجودكم ومساعدتكم لي في هذا اليوم واخص بالشكر رفاقي الاحباء، والملك بارق مجددًا .
ختم حديثه وهو يتحرك صوب بارق يضمه بقوة والاخير يقاوم بحنق شديد لا يصدق أن أرسلان أجبره على الأمر حقًا .
" أنت تمزح معي صحيح ؟؟"
" لا لا أفعل، أنا بالفعل أريد تغيير اسم هذه الزهرة ليصبح باسم زوجتي "
" هذا ليس منزل أرسلان و ليس حصان أو غيره لتغير اسمه، ومن ثم هناك الكثير من الكتب التي تدون بها هذه الزهور والنباتات و..."
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها .
" نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك "
" أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان "
" حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته "
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها .
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
"اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و..."
" لك كامل الوقت يومين لا أكثر وتسلمني إقرار منك أنك ستغير اسم الزهرة ليصبح باسم سلمى وبطيب نفس "
خرج بارق من أفكاره على صوت أرسلان الذي كان يضمه بحب :
_ أنت لم تعد تحمل ضغينة لي صحيح ؟!
نظر له بارق بضيق ليقبل أرسلان رأسه بقوة وهو يضمه له بشكل جعل بارق يضحك دون شعور يربت على ظهره بحب شديد، لا يبتأس وقد رد له جميل اسعاد ابنته بما تحلم يوم زفافها رغم معرفته أن مكانة هذه الأحصنة تعني أكثر من مكانة الزهرة لسبز :
_ مبارك لك بني .
اتسعت بسمة أرسلان وهو يبتعد عنه يهتف بجدية وبسمة واسعة :
_ إذن اعزائي هذه بلادكم وهذا قصركم، والجميع يتعامل كما لو أنه في منزله الخاص، استأذنكم لساعات قليلة ريثما اسلم زوجتي مهرها واعود لكم .
وقبل التحرك تحدث نزار بعدم فهم :
_ أولم تفعل بالفعل ؟؟
غمز له أرسلان، ومن ثم سحب كف سلمى التي ما تزال مجمدة من الصدمة في مكانها وهي تحرك عيونها بين الجميع وكأنها تستكشف إن كان محيطها حلمًا أو لا .
ولم تشعر بأرسلان الذي حملها فوق حصانه بهدوء شديد وهو يطمئن أنها بخير، يصعد خلفها يردد بهدوء :
_ السلام عليكم جميعًا.
ومن بعد هذه اللحظة اختفى أرسلان بهدوء من أمام أعين الجميع تاركًا إياهم يتابعونه بصدمة والكل يتساءل عما يمتلك أرسلان في جعبته لزوجته، وإن لم يكن تسمية الزهرة التي تحبها زوجته باسمها مهرًا فما يمكن أن يكون مهرها ؟؟؟
اقترب إيفان من كهرمان وهو يتساءل بجدية :
_ تدركين ما يتحدث عنه شقيقك ؟!
_ حسبتك تفعل، لقد كنت اعتمد عليك إيفان لتخبرني بما يحدث الآن.
هز كتفيه بجهل وقد على الفضول أوجه الجميع، وقبل أن يفكر أحدهم في شيء تحدث المعتصم وهو يشير للرجال ليبدأوا في تقديم الضيافة للجميع .
لتتسع بسمة إيفان بقوة وهو ينظر صوب سالار بخبث ليدرك سالار ما يفكر به إيفان، فإن كان هناك من يعلم ما يفعل أرسلان في هذه اللحظة فهو المعتصم بلا شك ...
والمعتصم كان يقابل الجميع ببسمة يرشدهم مع الجنود صوب قاعات الطعام والاحتفال، قبل أن يشعر فجأة بيد تهبط على كتفه ولم يكد يستدير ليبصر صاحبها يد أخرى على كتفه الثاني .
فجأة أبصر إيفان وسالار يتحركان أمامه يبتسمان بسمة صغيرة وقد باشره إيفان بالتحدث بهدوء :
_ إذن يا المعتصم أخبرتنا ما الذي يخطط له ملكك ؟
نظر لهم المعتصم بصدمة ولم يكد يتحدث بكلمة حتى مال عليه سالار ببسمة واسعة :
_ المعتصم تذكر يا بني من معلمك الاول، وتذكر أيضًا أنني لم اعلمك يومًا الكذب، لذا كن حريصًا ألا تفعل الآن وتخيب أمل معلمك .
_ وابن خالتك .
شعر المعتصم أنه محاصر في هذه اللحظة بلا فكاك، أخذ ينظر حوله يبحث عمن ينقذه متسائلًا أين يكون تيم أو زيان حينما يحتاج لهم ؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن هذه الحلوى من صنعك ؟! حقًا زيان ؟! هل تعتقدني حمقاء لهذه الدرجة ؟؟
التوى ثغر زيان وهو يسحب يده التي كانت تحمل الحلوى وقد بدا أنه غير رأيه في الأمر:
_ حسنًا لا أعتقد أنكِ تستحقينها بعد كل كلماتك السامة هذه، لقد قضيت ساعات طويلة لصنع حلوى العنب المفضلة لكِ و....هذا ما القاه منكِ ؟؟
وقبل التحرك مبتعدًا يدعي الحزن أمسكت نازين بيده بسرعة مبتسمة بسمة واسعة :
_ لا لا تتوقف أنا آسفة لم اقصد اقسم لك، الأمر فقط أنك لم ....لم تكن تفقه شيء في الطبخ أو الحلوى وبالأمس كنت ....
صمتت وهي تردد بحنان وحب :
_ صدقني اتناوله ولو كان سمًا يكفي أنك كنت تفكر في وأنت تصنعه لأجلي .
صمتت وهي تبتسم له بسمة صغيرة ليزفر زيان بضيق وهو يعترف على مضض :
_ ساعدني في ذلك المعتصم .
رفعت حاجبها بعدم تصديق ليكمل هو بضيق أكثر :
_ وساعدته زوجته في الأمر.
ضحكت فجأة بصوت عالي وهي تقترب منه تلتقط طبق الحلوى بسعادة كبيرة تدعي أن شيئًا لم يكن بعدما تأكدت أنها لن تموت مسمومة بإحدى محاولات زوجها في صنع حلوى لها :
- أوه زيان ... أنت أكثر الرجال لطفًا صدقًا .
ابتسم زيان ويبدو أن نسي أو تناسى ما قالت منذ ثواني وادعى داخله أنها تمدحه من أعماق قلبها، يمنحها الحلوى وهو يجالسها في إحدى الحدائق يراقبها ببسمة صغيرة يتخيل كيف كانت حياته دونها وكيف أصبحت معها، يا الله كان شاردًا تائهًا ويقسم باغلظ الايمان أنه لو مرت قرون رزقه الله العيش بها ما دق قلبه يومًا لأحد كما يدق لها الآن، حبه الاول والأخير.
ابتسم وهو يراها تتلذذ مما تتذوق وبسمته تتسع بقوة أكبر كلما أبصر منها انبهارًا بالطعم .
_ تبدين ....جميلة وأنتِ سعيدة نازين .
رفعت نازين عيونها له بفم ممتلئ وهي تحاول التحدث، لكن توقفت الكلمات كلها داخلها وهي تراه يمسك كفها بين خاصته يضمه بحنان لصدره يراقب عيونها مستمتعًا بنظراتها وهي فقط تشعر أن الطعام توقف في منتصف حلقها .
_ احيانًا أشعر أنني اتخيلك من شدة يأسي لقربك نازين، كان عودتك لي حلمًا، أخشى أن أستيقظ منه .
ابتسمت له نازين وهي تبتلع ما بفمها ومن ثم اقتربت منه تهمس بصوت منخفض :
_ إذن استمر في الحلم فلن أغادر عقلك وواقعك زيان، فصدقني أنا لا اخطط لتركك قريبًا .
_ لا تفعلي رجاءً .
ابتسمت له بسمة واسعة سرعان ما تلاشت وهي تتذكر وتردد بهدوء :
_ هل سوف ...تذهب لزيارة الاطفال .
نظر لها يحاول أن يستشف مشاعرها في هذه اللحظة، ليضمها صوبه بحنان :
_ إن كان الأمر ما يزال صعبًا عليكِ سوف نؤجـ
_ لا أرجوك لا تفعل، أنا...اشتاق ...اشتاق لصغاري زيان .
كبت زيان حزنه خلف تعابير حنونة وهو يضمها له، الله اختبر صدره في اقرب الناس له، واعاد له زوجته مكافأة صبره، لكنه سبحانه وتعالى اصطفى صغاره ليسبقونهم للجنة، لذا تنهد بصوت مرتفع .
_ وهم كذلك يشتاقون لكِ حبيبتي لقد ...طلبوا مقابلتك .
_ إذن اليوم ؟؟
همهم بصوت منخفض وهو يكبت دموعه ومازال مشهد اكفانهم لا يغادر رأسه يتنفس بصوت مرتفع كي يخفف حدة غصته :
_ نعم عزيزتي اليوم سنقضي...سهرة عائلية، أنا وأنتِ وصغارنا نازين ...........
ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ فقط اهدأ أيها الجشع، سوف اتركك لتناول ما تشاء من الطعام، ساعدني لأجد مدخلًا لها، ومن ثم انصرف حيثما تريد لا اهتم .
صمت يتأفف :
- أصبحت تزن نصف طن موزي، كتفي يأن أسفل أقدامك أيها السمين الحقير، كدت تخنق بومة ذلك الساحر العجوز ولولا رحمة الله بنا لحولني قرد أجرب مثلك .
أطلق موزي صوتًا محتجًا وهو يحاول الإفلات من قبضة خالد، لكن الأخير تمسك فيه باستماتة، يتحرك صوب منطقة الاطفال حيث تجلس هي تعتني بصغير شقيقتها .
_ اسمعني ايها الاحمق صاحب الفرو الكثيف، لقد بذلت الكثير والكثير من أموالي في سبيل الحصول لك على بذلة تشبه خاصتي مهتمًا أن تظهر في كامل أناقتك في هكذا مناسبة، متوقعًا منك عرفانًا بالجميل، لذا أنت ستأتي وترقص أمام ذلك الطفل وتفعل ما يمكن للقرد فعله حتى تضحكه .
ختم جملته وهو يتنفس بصوت مرتفع وكأنه كان في سباق، وموزي يرمقه ثواني بعدم فهم، قبل أن يتحرك به خالد صوب عابد يتحدث بلطف شديد :
_ مرحبًا عبيد .
رفع الطفل عيونه لخالد حانقًا :
_ أنه عابد .
_ اه صحيح أيًا يكن، هل يمكنك أن تأخذ هذا القرد الغبي لتلعب معه بعيدًا ريثما انتهي من التحدث مع خالتك في أمور خاصة بالكبار ؟؟
نظر له عابد لا يفهم ما يقصد، ومن ثم حرك عيونه صوب حور التي كانت تتابع بأعين متسعة وصدمة من بساطة الحديث الخاص بخالد .
وقبل التحدث بكلمة لعابد، أغرى الفتى حمل القرد واللعب به، لذا وافق ينهض وينفض يديه من الرمال، يحمله عن كتف خالد بصعوبة، يركض به بعيدًا يطلق ضحكات مرتفعة، وخالد يتابعه بعيونه مبتسمًا .
_ انتبه لبذلة هذا السمين فهي ثمينة .
تنهد وهو يعود بعيونه صوب حور يجلس أمامها بهدوء يهتف بصوت هادئ لطيف :
_ مرحبًا ..
حركت حور عيونها له بخجل ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى قاطعها هو بعد تنهيدة مرتفعة يردد بجدية :
_ أعلم أن جلوسي معكِ بهذا الشكل هنا ليس افضل ما يمكنني فعله، وصدقيني ستكون المرة الأخيرة التي أفعل بها هذا .
ازدادت ضربات قلب خوف بقلق لأول مرة تشعر بتوتر كبير لفقدان الشخص الوحيد الذي كان يهتم لأمرها وعابد بعد الملكة، ورغم أنه كان يستمر في القفز أمام وجهها كل ثانية إلا أنها ودون شعور اعتادت وجوده وصخبه، كان صخبه يغطي على صوت آهاتها الداخلية .
فجأة شعرت براحة كبيرة وهي تسمعه يكمل جملته السابقة :
_ ستكون الأخيرة وأنا لا اعني لكِ شيئًا، وأنتِ إن وافقتي سيكون لنا لقاءات أخرى أكثر، لكن وأنتِ زوجتي فما رأيكِ ؟؟
رمشت وهي تحاول أن تتحدث، لكن لسانها بدا كما لو أنه التصق بحلقها، تحاول ايجاد كلمات تنجدها من هكذا موقف .
لكن هو أدرك ما تمر به فابتسم يردد بجدية :
_ لا بأس أدرك أن الأمر كان مفاجئًا وبلا مقدمات لكنني أريد استغلال وجود أبي هنا ليحضر عقد قراننا وامنحك كامل الوقت قبل زفافنا لتعتادي وجودي، فما رأيك ؟؟
توترت حور بشدة وهو ابتسم ينظر لها بحنان يبصر موافقة في عيونها لا ينطقها فمها، لذا نهض وهو ينفض ثوبه بهدوء يردد بلطف :
_ خذي كامل وقتك واعطني ردك، سأنتظرك .
كاد يرحل لكنه توقف فجأة يستدير لها لتتسع عيونها بتفاجئ وهو ابتسم يردد بهدوء وقد فشل في كبح جماح لسانه رغم كل ما تعلمه في هذه المملكة :
_ صحيح يليق بكِ اللون الازرق، مبارك تحرركِ من الأسود حور ...
ومن بعد هذه الكلمات تلاشى طيف خالد تاركًا حور تناظر أثره ببسمة واسعة ووجه احمر من شدة الخجل وضربات قلب تعلن موافقتها على عرضه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ماذا ؟؟ تخلى لها عن أرضه الخاصه ؟!
كانت جملة ايفان المصدومة وهو يحدق بوجه المعتصم، بينما المعتصم كان يحاول أن يشرح لهم ما يحدث، لكن حتى هو والذي كان يساعد مع بعض عمال القصر في إعداد المكان للملكة لا يعلم الكثير لأن الملك بمجرد تجهيز القليل فيه بدأ ينتهي من كل شيء بنفسه وحده .
_ نعم لقد حولها تمامًا فأصبح... أصبح... أصبح كل شيء إلا ما كان عليه سابقًا، لقد تخلص من كل شيء قديم بها وقد قام بتجديدها ليناسب الملكة .
صمت ثواني وهو ينظر لهم يفكر إن كان يمكنه قول ذلك لهما، لكنهما سيعرفان عاجلًا أو آجلًا، يضيف قائلًا .
_ كما أن الملك، هو ...لم يختصها هي فقط بالتغييرات .
_ ما الذي تعنيه بالتحديد يا المعتصم ؟؟
_ حسنًا يبدو أن الملك لم يستطع رفض طلب لها وهي سبق وطلبت منه شيء يخصه هو، ورغم رفضه في البداية إلا أنه فعلها .
تبادل سالار وايفان النظرات بعدم فهم والريبة تحوم حول رؤوسهما، كل يفكر فيما يمكن أن يكون أرسلان قد وصل له في غايته نحو إسعاد زوجته اليوم .
وكان أول من خرج من شروده هو إيفان مبادرًا بالسؤال :
_ وما الذي...فعله يا ترى ؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــ
كانت تقف وهي تحدق في المكان أمامها بأعين متسعة وفم مفتوح بصدمة كبيرة، تراقب ما فعل أرسلان وجسدها يرتجف من الصدمة، استدارت حول نفسها تراقب ما فعل أرسلان...
المنطقة الخلفية بالكامل والتي كانت تضم ملجأه سابقًا أصبحت حديقة زهور ضخمة منظمة بشكل بديع، نصف الزهور بها هي الزهرة التي احبتها واهداها هو لها سابقًا .
سقطت دموع سلمى دون تصديق، تستدير للخلف تبصر أرسلان يقف مباشرة جوار البوابة الخشبية التي كانت ملونة بألوان الزهور تحمل اسم ( حديقة سلمى ) .
اتسعت بسمة أرسلان وهو يتلقى منها ما كان يطمح له، التماع عيونها بسعادة، لكن ما لم يتوقعه هو دموعها، تحرك لها يهتف بعدم فهم :
_ سليمى ما بكِ، لم يعجبك ما اعددت لكِ ؟!
وضعت سلمى يدها على فمها وهي تكتم بكائها تبتسم دون شعور بين دموعها، قبل أن تنزع يدها عن فمها وتضمه بهما وهي تهتف بسعادة كبيرة :
_ قلبي سيتوقف سعادة أرسلان، هذا ....هذا اعظم....هذا أروع ما قد اتلقاه طوال حياتي، لقد ....كيف ....كيف فعلت كل هذا؟!
ابتسم أرسلان بحب شديد وهو يضمها لصدره يقبل رأسها بحنان قبل أن يحملها وهو يدور بها بين الحديقة وكأنه يحقق حلمه هو وليس حلمها .
وحينما ساعدها لتستقر ارضًا نظر لها يبتسم بمشاكسه :
_ أحدهم أخبرني سابقًا أنه عليّ أن اجتهد لأعلم ما يرضي الطرف الآخر وما يحبه، وأنا اجتهدت وبذلت جهد والله لم ابذله في وضع خطط الحروب، فعلت كل شيء احببتيه، جُبت كامل الممالك في الأيام السابقة لأرى إن صادفتِ شيئًا من قبل وأعجبك .
هبطت دموع سلمى وهي تضم وجهه بين يديها تقبل عيونه بحنان :
_ هذا أكثر مما كنت انتظر والله لو أنك أحضرت لي زهرة واحدة فقط من تلك الزهور وقدمتها لي ببسمة لكانت أعظم ما حصلت عليه لأنه منك أرسلان .
_ ومقامك لديّ ليس زهرة، بل حديقة وستكون قليلة على مقامكِ.
وسلمى في هذه اللحظة كانت خرساء أمام كلماته، وكان ردها الوحيد الذي تمتلكه هو أن تترك قبلة رقيقة فوق عيونه تهمس له بصوت منخفض :
_ إذن هل فقط الزوج هو من يقدم مهرًا هنا، كيف تعبر المرأة للرجل الذي تحب عن كم تعشقه وتهيم به ؟؟
ابتسم أرسلان بسمة صغيرة وهو يميل جزئيًا يضم خصرها قبل أن يرفعها لتصبح في طوله تقريبًا بعدما كانت تقف على أطراف أصابعها طوال الوقت لتصل له :
_ لا نطلب من النساء أن يقدمن شيء، بل هن ملكات نحن من نسعى لنيل رضاهن مولاتي .
_ لكنني أصر أن امنحك شيئًا أرسلان.
_ امنحيني قلبك إذن سليمى.
_ معك كلي أرسلان.
_ إذن نلت ما أبتغي من الحياة .
ضمت سلمى رقبته بحب شديد وهي تميل على كتفه تهتف وضربات قلبها تلقي بصداها على صدر أرسلان الذي ابتسم يضمها له بقوة مخافة أن تزل من بين يديه .
_ هذا أكثر مما تمنيت يومًا أرسلان، سأحيا المتبقي من حياتي سعيدة لأجل هذه اللحظة .
_ نحن لم ننتهي بعد مولاتي .
نظرت له بعدم فهم، ليتحرك بها بهدوء في ممر ممهد بين الحديقة صوب المبنى الخاص به الذي كان يلجأ له كلما ضاقت به الحياة، يشير عليه لتحرك عيونها صوبه تحاول فهم ما يقصد، قبل أن تتسع عيونها بقوة تقرأ ما خط على البوابة بخط عربي منمق .
( الطبيبة سلمى )
حركت عيونها صوب أرسلان وهي تشعر أن ما يحدث مجرد حلم لها، وهو فقط ابتسم يراقبها بأعين ملتمعة، وقد كان غرضه الاول اسعادها والثاني ألا يشعرها لحظة أنها تخلت عن شيء لأجله، فإن لم يستطع تركها تعود لعالمها وما كانت تفعل، إذن سيحضر لها ما كانت تحبه هناك، الزهور والعيادة لتجمع بها النساء وتساعد بها من يحتاج مساعدة .
_ أرسلان هذا ...هذا ...كثير لقد ....يا ويلي أرسلان هذا .....هذا ....مكانك الخاص الذي تختلي فيه بنفسك كيف .... الآن أين سـ... يا ويلي لم يكن عليك ذلك .
كانت تشعر أنها بهذا الشكل كلفته الكثير، كلفته راحته وعزلته، لقد كان المكان يعني له الكثير، طوال الوقت يأتي ليجلس به حينما تضيق به الطرقات .
_الآن أين ستختلي بنفسك بعيدًا عن الجميع ؟؟
_ معكِ، سآتيكِ لأختلي بنفسي بعيدًا عن الجميع معكِ، وهذا افضل من مجرد جدران وحجارة لو تعلمين.
نظرت له بصدمة وهو لم يدع لها الفرصة للتحدث يتركها لتقف أمامه، ثم سحب يدها يدخلها للمنزل الذي حوله بالكامل ليصبح عيادة متكاملة لمساعدتها فيما تحب يشير هنا وهناك يعرفها على كل شيء، وهي فقط تراقبه لا تعي شيء مما يقول، فقط شاردة به وبكل همسة تخرج منه، شاردة بملامحه وهيئته .
فقط تتنفس وتراقبه ولا تفعل أكثر من ذلك .
وهو فقط يشرح لها كل شيء بحماس شديد وشغف :
_ ومن ثم هناك بوابة خارجية للعيادة بعيدًا عن الحديقة، كي اضمن الخصوصية لكِ ولزهورك، والبوابة الداخلية التي تطل على حديقتك خاصة بكِ .
كانت سلمى تتابعه ببسمة، لينظر لها بهدوء يبتسم ظنًا أنها سعيدة لأجل فكرته يترقب بحماس جوابها :
_ أعجبتك ؟؟
_ أحببته .
ولم يعي حتى أنها تتحدث عنه يكمل بشغف :
_ جيد والآن الجزء الاخير والأهم .
نظرت له بعدم فهم ليسحب كفها بهدوء وهو يشير صوب باب داخلي في العيادة جعلها تنظر له تحاول فهم ما يحدث، ليفتح أرسلان الباب الذي أظهر جواره ممر طويل في نهايته غرفة كبيرة مجهزة بكامل ما قد يحتاجه شخص لصنع الأدوية .
أشار أرسلان على باب آخر في الغرفة :
_ هذا الباب الخارجي لغرفتي الخاصة، وهذا الذي دخلنا منه سيكون الداخلي والذي لن استخدمه كثيرًا تحسبًا لوجود نساء معكِ، فقط أنتِ يمكنكِ استخدامه حينما تحتاجين لي، ووضعت ممرًا بيننا لأجل حرمة النساء .
نظرت له وهي ما تزال جاهلة بما يتحدث به، تنتظر توضيحًا .
وهو يراقبها ينتظر ردة فعل وأخيرًا تحدث حينما أدرك أنها لا تعي ما يقصد يتحدث بأعين ملتمعة وكأنه سعيد أكثر منها لأجل هذه الخطوة :
_ أولم تخبريني أنكِ ترغبين أن أعود لممارسة شغفي مجددًا ؟؟
نظرت له ثواني وكأنها لا تفهم بعد ما يرنو إليه، وفي ثواني فقط، شعرت بضربة إدراك على رأسها لتشهق بصوت مرتفع وهي تهتف بغير تصديق :
_ ســــ...ستفعل ماذا ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع .......
لم ننتهي بعد، مازالت هناك بعض المشاهد التي علينا أن نحياها معهم .
الفصل كان طويل أكثر من اللازم ولم أكن سأستطيع نشره بالكامل لذا نشرت الجزء الاول اليوم، وربما غدا انشر الثاني إن وجدت ترقبًا منكم .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل التاسع وأربعون 49 - بقلم Rahma Nabil
الخاتمة ² | لأنها سُليمىٰ|
الفصل اهداء لكم جميعًا، لكل من شاركنا الرحلة، ولكل من غاص معنا بتفاصيلهم، شكرًا لكم ...
صلوا على نبي الرحمة .
وللمرة الأخيرة هنا " قراءة ممتعة "
ـــــــــــــــــــــــ
ومازال الحصار، بل زاد على المعتصم الذي شعر أنه يُستجوب كما لو كان مجرمًا، والله لا ينقصهم سوى ربطه بمقعد وتحطيم عظامه حتى يكشف كل ما يعلم عن أرسلان.
_ماذا فعل ؟؟ أرسلان سيعود لممارسة الطب مجددًا ؟!
كانت تلك جملة سالار المتشنجة وهو يسمع ما قال المعتصم وقد كان الأخير هووالشخص الذي يساعد أرسلان في تجهيز كل شيء خاص به وبالملكة، بينما إيفان ما يزال صامتًا وكأن الصدمة لم تزل بعد عنه .
_ هذا الحقير، لقد ...لقد توسلته منذ سنوات ليفعل ورفض رفضًا قاطعًا.
وضع سالار يده على فمه وكأنه يرغب في كبت ضحكته، يراقب وجه إيفان، يتذكر كم عانى قديمًا حينما علم من أرسلان أنه سينبذ دراسته لأجل الحكم، لقد توسله بكل ما للكلمة من معنى ألا يفعل، وقد كان أرسلان وقتها بارعًا في دراسته، اخبره أن هذه خسارة لهم، لكن أرسلان أصر وهو يردد بهدوء أن هناك الكثيرين يمكنهم فعل ذلك، لكن هو فقط من يستطيع إدارة بلاده وإخراجها من ظلامها.
وحينما طالت صدمة إيفان انفجر سالار في الضحك وهو يهتف من بين ضحكاته:
_ لا تحزن إيفان، لكن أنت لست زوجته لينفذ لك كل ما تتمنى عزيزي.
ختم حديثه ينفجر في ضحكات صاخبة مع المعتصم الذي حاول أن يدعي الجدية في البداية قبل أن تفلت منه ضحكات متفرقة.
وايفان يتابعهم بغيظ شديد :
_ هذا الحقير .
تحدث سالار من بين ضحكاته :
_ الوغد فعلها وأحضر لزوجته مهرًا لم يسبقه به أحدهم، حسنًا لننظر للجانب الإيجابي، لقد اعادت لنا ملكة مشكى جزء من روح أرسلان، وأنا أثق برحمة الله بنا ومفعول ملكة مشكى، أنه في غضون سنوات قليلة ستعيد لنا أرسلان بالكامل .
نظر لهم المعتصم بسخرية وهو يردد بينه وبين نفسه :
_ هذا إن لم تفعل بالفعل ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخيرًا وصل لها وهو يمسك يدها بسرعة قبل أن تهرب مرة أخرى، يجذبها صوبه وهو يتحدث بأنفاس لاهثة وبصوت حانق :
_ مابكِ توبة، بالله عليك ما بكِ ؟! لقد جُبت قصر مشكى بأكمله بحثًا عنكِ حتى كادت انفاسي تتلاشى، أين اختفيتي فجأة بهذا الشكل ؟؟
نظرت له توبة بملامحه محتقنة وقد بدا أنها تكبت بكاءً، والحسرة تملؤ وجهها بشكل جعل أعين نزار تتسع بقوة، يقترب منها بسرعة يطمئن عليها بعيونه قبل أن يهتف بلوعة :
_ توبة؟؟ ما الذي حدث لكِ ؟؟ هل ...هل هناك من ازعجك .
سقطت دمعة من عيون توبة دون شعور وهي تنظر له بوجع ليطلق نزار تأوه مرتعب يجذبها بين أحضانه بسرعة دون أي مقدمات حتى أنه نسي أين يقف، لم يهتم سوى بمعرفة سبب قهر وحزن زوجته الواضح ؟؟
يربت عليها بحنان وهو يحاول أن يفهم منها ما يحزنها، وهي فقط تبكي بشهقات مرتفعة تتمسك به لا تتحدث بكلمة واحدة تطفأ نيران صدره المشتعل .
_ توبة بالله عليكِ تحدثي فإن لم تفعلي فصدقيني عقلي سيرسم لي اسوء الأفكار بحثًا عن سبب بكائك هذا .
تحدثت توبة وهي تتمسك بثيابه بقوة :
_ لقد .....لقد ....
توقفت وكأنها لا تجد ما تعبر به عن دواخلها، أو ربما كانت شهقاتها اقوى لتفعل، نظرت له برفض وكأنها تخبره أنها لا تستطيع ذلك، تنأى بعيونها عنه .
ونزار الذي يعلم من نظرتها هذه أنها لن تتحدث ولو قُطعت، فقد كامل صبره ليتحرك بها بهدوء صوب غرفتهم وهي فقط ما تزال تبكي، تركها دون كلمة واحدة وخرج يغلق الباب خلفه بقوة يبحث عمن يساعده وهو يدرك تحديدًا اين سيجد هذا الاحدهم .
يتحرك وهو لا يبصر أمامه سوى سواد، وحينما أبصر والده تحرك له يتحدث بجدية :
_ أبي أين " مِهرماه " ؟!
رفع آزار عيونه صوب نزار بعدم فهم، ولم يكد يتساءل بكلمة حتى وجد نزار يندفع بسرعة صوب إحدى الجهات حينما أبصرت شقيقته الصغرى وهي تتحرك بلهفة مع بعض النساء .
توجه لها وهو يخفض عيونه بعيدًا عن النساء يهتف بصوت قوي :
_ مِهرماه، تعالي هنا .
توقفت مهرماه وهي تنظر صوب أخيها بخوف، ومن ثم حركت عيونها بين الجميع لتبصر والدها يتحرك خلف نزار يراقبهم بعدم فهم .
اقتربت مهرماه من شقيقها بتردد، تهتف باحترام وخوف من ملامحه الحادة والتي كانت نادرًا ما تظهر معها :
_ نعم أخي ؟؟
مال نزار بجسده وهو يحاول التحكم بملامحه ونبرة حديثه أمام شقيقته :
_ لقد تركتكِ مع توبة، ما الذي حدث في غيابي عنها؟؟ لقد وجدتها باكية، هل هناك ما حدث ويجب أن اعلمه ؟!
نظرت له مهرماه بتردد وهي تحرك عيونها بينه وبين والدها، تفكر باللجوء لوالدها كي تحتمي به، ولم تكد تفعل حتى وجدت آزار نفسه يتدخل بالحديث بعدم فهم :
_ هناك من ابكى توبة؟ من هذا الذي ستفقده والدته اليوم ؟؟
لم ينزع نزار عيونه عن شقيقته وهو يتحدث بإصرار :
_ هذا ما ستخبرنا به مهرماه، صحيح صغيرتي؟
نظرت لهم مهرماه بخوف شديد وهي تحاول الحديث بكلمات منسقة:
_ لقد ...جعلتني توبة أعدها أنني لن ...لن أخبر أحدهم .
اشتد جنون نزار وهو يثق الآن أن ما حدث لم يكن بسيطًا البتة، فإن كان لم تكن شقيقته لتخشى بهذا الشكل وما كانت توبة طلبت اخفاء الأمر .
_ مهرماه إن لم تتحدثي فصدقيني ستكون قطيعة بيننا لفترة لن تسرك .
وهذا كان أقصى ما تخشاه مهرماه أن يقاطعها نزار وهو كان الوحيد الذي تعلم من الاصدقاء، لتسقط دموعها بقوة وهي تنظر لوالدها تترجاه :
_ أبي أرجوك، توبة ستغضب مني إن تحدثت، هي ...لا تريد لنزار أن يعلم حتى لا تثر مشاكل هنا وتفسد الزفاف أو ...
قاطعها آزار بصرامة وهو ينظر لها بحدة وصوت ذو نبرة شديدة قلما يستخدمها مع مدللته الصغيرة :
_ مهرماه تحدثي وإلا لن تكون قطيعة من طرف شقيقك فقط .
سقطت دموع مهرماه وهي تهتف بصوت مرتجف خوفًا من والدها وشقيقها :
_ لقد ....كانت تساعدني و...كانت ترافقني للمرحاض بعدما فسد حجابي لتساعدني لكن في الطريق استوقفنا رجل ...هو ....لقد تحدث معها بكلمات احزنتها، لكنها لم تصمت اقسم أنها ردت الكلمات له ورحلنا.
اشتدت عيون نزار بشكل مرعب، وقد بدا أنه تحول، رجل يتعرض لزوجته؟؟ ظن أن الأمر ربما اقتصر على حديث بعض النسوة، لكن أن يتجرأ رجل ويعطي لنفسه الحق ويتحدث لزوجته أو حتى يستوقفها هذا ما لم يتخيله .
اشتعل جسده بالكامل وهو يشعر برغبة عارمة في نزع عنق ذلك الرجل يهتف بصوت كما لو جاء من الجحيم :
_ مهرماه صغيرتي، هل سبق وقابلتي ذلك الرجل أو تعرفتي عليه ؟؟
نظرت له مهرماه برعب وهي تتحرك صوب والدها تتمسك بمرفقه، تطلب مساعدته، ليربت الأخير بلطف على كتفها :
_ صغيرتي أخبري شقيقك إن تعرفتي على ذلك الرجل ؟!
_ هو ..لقد ....هو قريب ....لقد ابصرته من قبل مع زهور...واخبرتني أنه قريبها
ضيق نزار عيونه وقد خمن في هذه اللحظة هوية الحديث الذي يمكن أن يكون قد اغضب زوجته، رفع عيونه صوب والده يتحدث بجدية :
_ هل لزهور أقارب في مشكى هنا ؟؟
صمت آزار ثواني وكأنه يراجع كل ما يعلمه قبل أن يتحدث بتذكر ولم يكن متأكدًا من الأمر:
_ نعم سيف الدين ابن خالتها الأصغر، انتقل لمشكلى منذ سنوات حسب ما اتذكر .
اسودت عيون نزار وهو يمسك يد مهرماه يتحرك بها بسرعة تاركًا آزار يراقب ما سيحدث مدركًا أن ولده سيحيل المكان لجحيم، يشكر ربه أن أرسلان غادر وإلا كان نسي زفافه وشارك ولده جنونه .
تنفس بصوت مرتفع يتحرك بسرعة يبحث عمن يمكن أن يساعد لتهدأة الأمور إن تفاقمت ..
أما عند نزار فلم يكن يعلم من أين سيبدأ يتحدث لشقيقته يسألها أين ابصرته وفي أي اتجاه رحل، يبحث عنه بين الجميع ويسأل كل من يقابله عن " سيف الدين" هذا حتى وأخيرًا وصل لجماعة من الجنود يحتفلون في أحد جوانب القصر ليتحدث هو بهدوء :
_ هل هو واحد منهم عزيزتي ؟؟
رفعت مهرماه عيونها تبحث بين الجميع حتى اهتدت للرجل نفسه، تهز رأسها بنعم ترفع يد مرتجفة تشير صوب الرجل ليتأكد نزار من هويته يترك يد شقيقته :
_ شكرًا صغيرتي والآن عودي للاحتفال، هيا .
_ نزار أرجوك ....
_ لا تقلقي صغيرتي فقط سأتحدث معه وأخبره كيف يضع حدودًا بينه وبين أي امرأة أخرى.
ترك يدها يدفعها بخفة بعيدًا وهي رحلت بسرعة قبل أن يغضب منها نزار، والأخير بمجرد أن أبصر اختفائها حتى تحرك بهدوء صوب الجمع يربت على كتف سيف الدين متحدثًا ببسمة صغيرة وصوت هادئ يسحبه بعيدًا خشية أن يفسد زفاف أرسلان:
_ أتسمح لي بكلمة جانبًا سيف الدين ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ عفوًا سيدتي هل ضللتي الطريق؟
توقفت فاطمة في طريقها بعدما كانت تتبع بعض النسوة صوب قاعة الرقص والاحتفال ببسمة واسعة، لكن ذلك الصوت أوقفها تستدير صوب المتحدث بوجه مبتهج تتحدث بسعادة :
_ المعتصم .
_ فاطمة حبيبتي .
_ هل جئت لتحتفل معنا ؟؟
تشنجت ملامح المعتصم لا يفهم ما تتحدث به :
_ احتفل معكم ؟!
_ نعم نحن في طريقنا لقاعة الاحتفالات، انضم لنا .
ابتسم المعتصم وهو ينظر صوب الجهة التي تشير لها وقد كانت نفسها الجهة المؤدية لقاعة النساء، يهز رأسه وكأنه يفكر جديًا في الأمر :
- يبدو عرضًا لطيفًا، لكنني في الحقيقة أحب أن احتفظ برأسي لوقت أطول فوق كتفي حبيبتي .
نظرت له بعدم فهم وهو تحرك بعيدًا عن الجدار الذي كان يستند عليه يمسك يدها يجذبها له وهو يضحك بصوت مرتفع على ملامحها :
- انضم لمن وأين ؟؟ عزيزتي هذه قاعة النساء هل تريدين أن تُقطع رأسي، ومن ثم ماذا سأفعل معكن هناك اضرب الدف ؟؟
نظرت له ثواني قبل أن يشتد احمرار وجنتيها وقد أدركت للتو ما قالت وكأنها شردت ولم تنتبه أنها تتحدث مع زوجها .
ازدادت ضحكات المعتصم أكثر وهو يضمها له يداعب وجنتها بحب :
_ جئت فقط اطمئن أن كل أمورك جيدة .
_نعم كل شيء رائع هنا لقد رقصت كثيرًا في الداخل .
_ إذن تستطيعين الرقص ؟!
_ بالطبع لقد تعلمت منذ طفولتي .
_ وأنا من ظننتك بريئة صغيرة وخفت خدش حياءك بطلبي لرؤيتك ترقصين ؟؟
نظرت له وهي تضيق عيونها وكأنها لم تلتقط طلبه الخفي، وهو علم أنها لم تفعل لذا جعله ابسط لها وهو يهتف بجدية :
_ ما رأيك أن نقضي اليوم في منزلك ؟!
_ منزلنا .
ابتسم لها بحب وهو يقبل رأسها بحنان شديد :
_ بل هو منزلك عزيزتي، اليوم مساءً حينما ينتهي كل هذا، يناسبك ؟؟
تحمست فاطمة بقوة وهي تهز رأسها بنعم ليتركها المعتصم ببطء، يساعدها لترتيب ثوبها وحجابها، يبتسم لها بحب :
_ يا ويلي عسى ألا تصيبك عينٌ بالحسد فاطم .
رمشت فاطمة بحب وهو مال يقبل باطن كفها :
_ إذن سمو الأميرة اليوم ألقاكِ لنذهب سويًا لمخبئنا السري بعيدًا عن هذا العالم ؟؟
_ هل أحضر معي سيفي ؟؟
كانت جملة قطعت بها فاطمة الجو الشاعري الذي بناه هو في ثواني، فبعدما كان يجهز لليلة شاعرية بينهما ها هي زوجته الحبيبة تخطط لقلبها حرب ستنتهي بغضبها منه واتهامه أنه يحاول التخلص منها بعدما يلمسها سيفه بالخطأ.
خرج من شروده على ملامحها المتحمسة وهي تضم كفيها برجاء وتبتسم له ببراءة، ليتنهد وهو يردد مبتسمًا مغلوبًا على أمره:
_ لا بأس احضري معكِ سيفك .
أطلقت فاطمة صيحة سعيدة وهي تميل بسرعة تقبل خده، ومن ثم ضمته بحب قبل أن تودعه وتلوح له راكضة صوب القاعة :
_ لا تنسى سأنتظرك اليوم مساءً حسنًا، لا تنسى يا المعتصم .
فرك المعتصم رأسه وهو يتنهد بصوت مرتفع :
_ نعم أنا من سينسى صحيح .....
ــــــــــــــــــــــــــــ
_ ماذا ؟؟ أنا ؟!
_ لا بل عثمان أخيكِ، جاء الرجل يطلب يد شقيقك.
كبت عثمان بسمته وهو يتحدث بمزاح :
_ حسنًا أنا موافق فهذا رجل لا يعوض لو تعلم يا أبي، وسيم ذو اخلاق كما أنه قائد الجيش الثاني، الرجل لا يرفض .
اشتعل وجه ديلارا بخجل شديد وهي تشعر بضربات قلبها تعلو، لا تصدق أن ما تسمعه حقيقة، هل ...هل طلب وصالها لتصبح زوجته .
خافت أن تكون قد أخطأت الأمر، لذا تساءلت مجددًا :
_ هل هو ...من هو أخي ؟؟
_ القائد تيم يا قلب اخيكِ، قائد جيوش مشكى الثاني، أعتقد أنكِ ربما قابلتيه سابقًا .
اتسعت عيونها تنفي عنها التهمة بسرعة وهي تهز رأسها:
_ أنا؟ لم يحدث أنا...اسمع عنه للمرة الأولى منك الآن، لا ادري حتى كيف يكون .
وكلمة كاذبة صاخبة رنت داخل أذنها، لتبتلع ريقها تحاول أن تتمالك رعشة يدها وشقيقها يراقبها ببسمة حاول اخفائها .
ووالدها يسمع بهدوء ما يحدث دون أن يتدخل في شيء، ومازال ذلك الحائط من العداء بينه وبين ابنته، الحائط الذي بناه هو بنفسه بعدما غادرهم وترك أعباء الحياة فوق كتفها هي تعتني بنفسها وشقيقها، لتشعره هي بعجزه وتقصيره الذي كره رؤيته في عيونها وبالتالي كره رؤيتها هي كذلك تمامًا كما سبق وحدث مع والدتها.
انتفض من مقعده حينما سمع صوتها توجه له الحديث للمرة الأولى :
_ ما رأيك أنت ؟!
نظر لها بعدم فهم ظنًا أنها تتحدث مع عثمان، لكن عيونها كانت موجه لها ليشعر يالريبة وهو يشير على نفسه :
_ هل تتحدثين لي ؟؟
وديلارا التي كانت تطبق في هذه اللحظة نصائح سلمى، شعرت بالتوتر وكأنها تتحدث مع رجل غريب وليس والدها :
_ نعم ما رأيك أنت..... أبي ؟؟
انتفض قلب أنورين يشعر بصدمة من الكلمة التي نطقت بها، ينظر صوب عثمان بأعين متسعة مصدومة والأخير لا يقل صدمة عنها، بلل انورين شفتيه يحاول الحديث :
_ أنا....في الواقع أنا لم ....الرجل لا يرفض كما قال أخوكِ .
ابتسمت له بسمة صغيرة جعلته يراقبها بصدمة، وهي تهز رأسها تخفضها ارضًا تبتلع ريقها وهي تهمس بصوت منخفض :
_ إذن...ربما نعطه فرصة .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومع انتصاف اليوم بدأت الاحتفالات تزداد بين طرقات المملكة، الجميع يحتفل، وقد أضحت الأجواء أكثر بهجة ..
عدا غرفة واحدة كانت تغرق بالظلام، وصاحبتها تغرق بنفس الظلام وهي تحدق بالسقف تتذكر ما قيل لها منذ ساعات قليلة .
" أنتِ أميرة، لكنكِ لم تحصلي على قطرة واحدة من نبل الأمراء لتبني حياتك على اطلال حياة امرأة أخرى غيرك، كان من الممكن أن تعود زهور للأمير بعدما تدرك الحقيقة، لكنكِ بفعلتك قطعتي عليها أي فرصة لإعادة حياتها كما كانت "
" أولم تخبرك المرأة الأخرى أن حتى عودة الأمير لما كان عليه، لن تغنيها عن حرية تسعى لها، لا تضحكني وتخبرني أن السيدة زهور اقنعتك بأن الحائل الوحيد بينها وبين الأمير هو ما ارتكب نزار "
نظر لها سيف الدين بعدم فهم وقد بدا أنه لا يعلم شيئًا عن زهور التي ابتعدت بالكامل عن حياة نزار ولم تعد أو تفكر في العودة حتى :
" صدقيني أنتِ لا تعلمين شيئًا، الجميع يعلم كم كان نزار عاشقًا لزهور وهي كذلك كانت تعشقه وأنتِ...مجرد دخيلة "
شحب وجه توبة وهي تحاول تمالك نفسها كي لا تصرخ به وتنسى كل ما تربت عليه :
" وهذه الدخيـــلة هي ملكة آبــى المستقبلية، فاعلم قدر نفسك وأنت تتحدث لها، ومن ثم لن يضيرك أن تتحدث لقريبتك لتدرك منها نوع العشق الذي كانت تكنه لسمو الأمير "
كادت ترحل لكنها توقفت فجأة تنظر له بشر مستعر :
" ونعم سيفيدك تعلم بعض المروءة كي تتعلم ألا تتطاول عن النساء "
ختمت حديثها وهي تتحرك تاركة إياه واقفًا مكانه وكلماته ما تزال ترن داخل أذنها، مسحت دمعة كادت تفر منها، تشعر بالباب يُفتح ببطء .
ادعت النوم وهي تجذب الغطاء عليها رافضة أن تظهر أي شيء أمام نزار، يكفيها انهيارها الغبي بين أحضانه منذ ساعات .
ونزار فقط ودون كلمة واحدة مال يضم جسدها لاحضانه يتحرك بها ببطء صوب الشرفة يجلس بها على أحد المقاعد هناك يربت عليها بحنان وهو يراقب الاضواء الخاصة بالاحتفالات في ربوع المملكة .
أما عنها فظلت تدعي نومًا هربًا من المواجهة، ليبتسم وهو يراقب الاضواء الملونة أمامه يهتف ببساطة ولطف :
_ إذن سنقضي الليل تدّعين النوم هربًا مني ؟! أعلم أنكِ مستيقظة، معدل ضربات قلبك لا يمكن أن تكون بأي شكل من الأشكال معدل طبيعي لإنسان نائم توبة.
فتحت توبة عيونها ببطء وهي تنظر له من أسفل رموشها لتبصر وجهه وبسمته وهو ينظر لها وقد كانت عيونه أشد التماعًا من الأضواء التي تملئ المملكة في هذه اللحظة ..
_ حينما يزعجك أحدهم لا أحب أن تهربي منه ومني، بل سأكون سعيدًا لاشرح له كيف يتعامل مع اميرتي وملكة آبى .
نظرت له ثواني قبل أن تهمس بصوت منخفض :
_ هل علمت ؟؟
_ وهل كنتِ تنتظرين مني تجاهل شيء ابكاكِ؟! لا استحقك إن فعلت توبة .
هبطت دمعة من عيونها ليميل بسرعة يقبل عيونها هامسًا بصوت حنون :
_ لعنة الله على من أسقط منكِ دمعة ولو كان أنا توبة، لا تبكي حبيبتي لقد ... أخذ ما يستحقه.
_ ما الذي فعلته معه ؟! لم يكن عليك ...
_ بل كان عليّ، ومن ثم لا تشغلي عقلك هذا سوى بي فقط .
وتوبة كانت فقط تراقبه مرتعبة من فكرة أنه تسبب في مشاكل لنفسه مع أحدهم.
لكنه فقط مال لها يطبع قبلة حنونة على وجهها :
_ لا تفكري في الأمر، انتهى تخطينا هذا الفصل من حياتنا وقد أوضحت بالفعل للعزيز سيف رأيي في حديثه .
نظرت له بحب وهي تحاول التحدث بما يؤرقها ورغم أنه أكد لها مئات المرات قبلًا إلا أن قول أحدهم أنه كان يعشق زهور ومازال شيء أوجعها دون إرادتها .
وقبل التحدث تراجعت، لا تريد أن تفسد حياتها بزج امرأة أخرى بها ولو عن طريق بضع كلمات متشككة .
ابتسم وهو يستشف نظراتها الحزينة يستند بجبينه على خاصتها وهي ما تزال ممددة بين أحضانه :
_ محظوظ ذلك القلب الذي من بين الجميع نال عشق امرأة مثلك توبة، وقسم بالله إنه لن يفعل ويعشق أخرى ولو كان السيف على رقبتي .
نزلت دموع توبة وهي ترفع يدها تضم رقبته ليبتسم هو بسمة واسعة بحب وهو يرفع جسدها له أكثر يسند رأسها على كتفه يربت عليها بحب وهو يراقب السماء التي بدأت تُنار بالكثير من الانوار الملونة والكثير من المصابيح التي يطلقها شعب مشكى في الهواء.
وتوبة اتسعت عيونها بانبهار مما ترى، ساعدها نزار لتقف على أقدامها وهي تقترب من سور الشرفة ليحيطها هو من الخلف يميل بذقنه على كتفها يراقب معها الانوار :
_ أعجبتك ؟!
_ هذا ... رائع.
_ إذن احضر لك الكثير من أرسلان وكل ليلة أطلق بعض المصابيح لأجلك.
اتسعت بسمة توبة وهي تستشعر لأول مرة في حياتها راحة وهدوء وكأنها يومًا لم تعرف معنى أن يحبها رجل أو تحب هي رجل، تختبر كل شيء لمرته الاولى مع نزار، الرجل الذي رافقها نصف طفولتها ونبذها مراهقتها وشبابها، ليأتيها وهو رجل ناضج يضمها له زوجة .
كانت تركض خلف مشاعر وهمية، بينما الله يخبئ لها من الحياة درر .
_ ماذا كان سيحدث إن لم نلتقي بالجحر نزار ؟؟
_ كنت لألقاكِ في سبز أو ربما في مشكى أو في سفيد أو حتى آبى، لا يهم في أي بقعة ألقاكِ فالنتيجة كانت لتكون واحدة .
صمت وهو يزيد من ضمها يهمس لها بحب :
_ وجودكِ بين أحضاني توبتي .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تمطي حصانها بكل مهارة تحسد عليها، وهذا بعد أيام تدريب قليلة، ليدرك المعتصم في هذه اللحظة أن زوجته لو تدربت منذ طفولتها كما تتدرب الاميرات لقادت جيوشًا إن أمكن.
_ خسر جيش مشكى محاربة عظيمة فاطمة .
نظرت له فاطمة وحجابها يتطاير خلفها وهي تضحك بصوت مرتفع وسعادة كبيرة لا تظهر سوى في عيونها الظاهرة من خلف اللثام، تراقب الطريق أمامها تفتح ذراعيها للهواء براحة كبيرة وكأنها تنقي جسدها من كل حزن أصابه يومًا ..
والمعتصم يراقبها باهتمام خوفًا أن تزل في أي لحظة :
_ فاطمة هل تعلمتي امتطاء الخيل قبلًا ؟؟
نظرت له فاطمة ثواني وكأنها تحاول التذكر :
_ أبي علمني القليل في مراهقتي وكذلك أخي كان يسمح لي بعض الأوقات أن أفعل لكنني توقفت منذ توفاهم الله .
_ رحمة الله عليهم .
ابتسمت له بحب، وهي تقترب بحصانها له، تهتف بمشاكسة وسعادة كبيرة وهي في طريقها معه صوب منزلهم الخاص الذي صنعه هو لها ليكون ملجئًا لهما .
_ إذن تريد مسابقتي؟
نظر لها ثواني وقبل التحدث بكلمة رفعت يدها وهي تشير للطريق:
_ ألقاك عند باب المنزل يا المعتصم .
وفي ثواني اختفت فاطمة بحصانها بسرعة مرعبة جعلت المعتصم يتصنم في مكانه لثواني وقد شعر أنه يحلم، يراقب أثر تحرك فاطمة لتعلو نظراته الصدمة قبل أن ينغز حصانه بقوة يلاحقها وقد بدأت بسمة ترتسم على فمه بحماس شديد .
يطلق صيحة عالية وهو يلاحقها ومن يبصرهما يظن أنه يلاحق مجرم خطير ...
وعلى اضواء المصابيح الملونة وأصوات الاحتفالات التي تملئ المملكة كان زوجته الخجولة الصغيرة تعدو أمامه كمهرة جامحة، وهذه النسخة من فاطمة، أحبها وبشدة .
نظرت فاطمة خلفها صوب المعتصم والذي كان يتعمد تركها تهزمه إن كانت مكافأة تخاذله ابتسامة منها .
هو يُهزم وهي تبتسم، ومن ثم يسعد هو ..
ضحكت فاطمة تراقبه، ثم عادت بنظراتها صوب الطريق وهو زاد من سرعة حصانه صوبها بشكل جنوني، وفاطمة فقط تراقب طريقها باهتمام وحماس شديد .
لكن فجأة شعرت بجسدها يرتفع عن الحصان ويسقط بين أحضان المعتصم الذي ضمها له يهمس بحب :
_ أحب أن نكمل طريقنا سويًا فاطم .
نظرت له فاطمة بفم ملتوي وهي تستكين لأحضانه تشعر بالراحة والسعادة تتغلغل لصدرها :
_ هذا لأنك شعرت بخسارتك تقترب .
_ عزيزتي أنا خسرت منذ أيام طوال، عن أي خسارة تتحدثين أنتِ الآن؟؟
ابتسمت فاطمة وهي تراقبه لتتسع بسمتها اكثر وهي تراقب منزلهم يلوح في الأفق.
أطلق المعتصم صفيرًا للحصان الآخر ليتوقف، يوقف خاصته جوار المنزل ينزل بسرعة ومن ثم رفع كفه وهو يجلس على ركبته يهمس بحب :
_ سمو الأميرة ...
أمسكت فاطمة بكفه وهي تهبط بمساعدة قدمه التي وضعها كمسند لها، وهي ترفع طرف فستانها تحيا اللحظة كأميرة له.
وحينما استقرت ارضًا ابتسمت له تطلق ضحكة صغيرة وهي تردد :
_ شعرت بنفسي أميرة للحظات .
_ والله في عيوني لا يستحق أحدهم حمل اللقب بعدك صغيرتي .
نظرت له تبتسم له بحب، وهو أمسك يدها يميل نصف ميلة :
_ إذن سمو الأميرة اسمحي لي بمشاركتك هذه الليلة وآخذك لحلم من احلامي .
هزت رأسها له وهي تردد بهدوء :
_ سمحت لك عزيزي .
ضحك وهو يجذب يدها خلفه وهي تهرول معه صوب المنزل، تشعر يروح جديدة تبعث داخل جسدها، ورغم أنها لم تشفى بعد من أصوات عقلها وما تزال تبصر خيالات حولها، إلا أنها تدرك كيف تبعد تلك الخيالات ..
بوجود المعتصم .
اوهامها تخشى المعتصم .....
دخلت معه المنزل تتحرك معه بسرعة صوب الحديقة الخلفية والتي جهزها لها المعتصم، فبمجرد أن خطوا بها اتسعت عيونها من عدد الزهور التي تم زراعتها بها والأضواء الملونة التي تتناغم مع مصابيح السماء في هذه اللحظات .
دارت حول نفسها وهي تبتسم بعدم تصديق .
وهو يراقبها بسعادة .
_ هذا ...المعتصم هذا، أنت.....يا ويلي هذا جميل للغاية .
_ الجميل للجميل عزيزتي .
تنفست بصوت مرتفع وهي تتحرك حول نفسها بسعادة كبيرة، قبل أن تلقي نفسها بين أحضانه وهو ضمها له يرفعها عن الأرض وهي فقط تتنفس براحة كبيرة، تتخيل لو لم تخرج ذلك اليوم من منزلها وتقابله، لربما قضت الباقي من عمرها ملقاه كالخرقة البالية بين جدران المنزل المتهاوية تناجي طيف والدتها، أو ربما ماتت من حسرتها دون أن يشعر بها أحدهم.
رفعت عيونها صوب المعتصم تراقبه وحب أعين ملتمعة وبشدة، لتتلاشى بسمتها قليلًا، تبصر خلفه والدتها، أو بالأحرى طيف والدتها تقف من بعيد وهي تراقبها ببسمة قبل أن تتلاشى فجأة .
وفاطمة فقط تنظر صوب تلك الجهة بأعين متسعة، لا تؤتي بردة فعل لدقيقة أو اثنتين، وحينما تلاشى طيف والدتها ابتسمت بسمة صغيرة وهي تعود بعيونها صوب المعتصم الذي كان يراقبها ببسمة صغيرة .
_ حتى مخاوفي تخشاك يالمعتصم .
نظر لها بعدم فهم، لكنها فقط هزت رأسها وهي تبتسم له بحب ترفع عيونها صوب الأضواء التي ملئت السماء تهتف بصوت سعيد :
_ إذن أخبرتني أنك تريد قضاء الليلة معي ؟؟
_ بل العمر فاطمة .
تنهدت فاطمة براحة وهي تستكين بين أحضانه وهو يجلس على أحد المقاعد يضمها له، ليعلو الصمت ثواني قبل أن تهتف:
_ إذن ؟؟
_ إذن ؟؟
_ ألم تكن تريد أن ارقص لك رقصتنا التقليدية ؟!
اتسعت عيون المعتصم بصدمة وهو ينظر لها وكأنها يراقب شيئًا عجيبًا، أما عنها فابتسمت تغمز له :
_ تستطيع ضرب الدف ؟؟
ضحك المعتصم بعدم تصديق وهي نهضت ترفع يدها وهي تحرك كتفها بهدوء على أصوات الاحتفالات والدفوف في الخارج وهو يراقبها بعدم تصديق .
وفاطمة تغني بصوت مرتفع وهي تحرك جسدها بمهارة كبيرة، وثوبها يتطاير حولها مع الاضواء خلفها لتمنح في هذه اللحظة للمعتصم اجمل مشهد قد يبصر طوال حياته ..
تمنحه مكافأة حياته ...وجودها بها .
واتضح أنه ليس فاطمة فقط من تحتاج لوجود المعتصم، بل المعتصم من كان في أشد الحاجة لوجود فاطمة في حياته .
وُجد المعتصم بالله لأجل فاطمة، وكانت فاطمة لأجل المعتصم .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ والله لو كنت استطيع لصفعت نفسي مئات الصفعات أنني يومًا كدت ارفض واعاند للمجئ هنا، بالله أين كنت سأعثر على رجل مثلك في عالمي أو حتى عالمك ؟!
ختمت حديثها وهي تضم وجنتيه بحب شديد، وهو أجابها ببساطة مبتسمًا .
_ لن تفعلي ببساطة لأنه لا يوجد رجل مثلي .
_ والله صدقت جلالة الملك، والله صدقت، أي رجل هذا الذي يشبه الملك أرسلان العظيم ؟!
_ استغفر الله يا ابنتي العظمة لله وحده، أنا عبد مسكين خلق الله مني نسخة واحدة فقط وقد كنتِ هذه المحظوظة التي فازت بالنسخة الوحيدة .
_ هذه دعوات أبي لي والله كان كل يوم يجلس بعد صلاته يدعو الله أن يرزقني بالزوج الصالح التقي الوسيم الغني، وقد تجمعت دعوات أبي كلها بك .
_ والله لو علمت هذا لجئت آخذك منذ سنوات طويلة موفرًا على العم رائف وجع ركبتيه لأجل تلك الدعوات .
هزت سلمى رأسها موافقة بنعم توافقه الحديث، قبل أن تنفجر في الضحك ويشاركها أرسلان به وهما ما يزالان داخل العيادة الخاصة بسلمى، حوار عبثي لا يليق بالاجواء التي يحاول أرسلان إقامتها منذ الصباح .
اقترب أرسلان منها وهو ما يزال يضحك يضمها له بقوة وهي ضمت نفسها له تهتف بصوت خافت بسبب ضحكتها :
_ هل كنت ستأتي لأخذي حقًا ؟؟
_ لو علمت أنني سأجد بكِ روحي والله لقطعت عوالم لأجلك.
_ هذا رومانسي أرسلان، لا يليق بالشخص الذي قابلته أول مرة .
اتسعت بسمة أرسلان بقوة وهو يتذكر ما حدث أول مرة حينما ابصرها :
_ آه لا تذكريني أن زوجتي قطعت تلك المسافة بثوب اخرق وبدون حجاب مع الاحمقين صامد وصمود.
ابتسمت له وهي تهز حاجبيها له :
_ لكنني لم أكن زوجتك وقتها، كما أن تلك كانت ثيابي العادية .
_ أنتِ زوجتي منذ أول نفس لكِ بهذه الحياة سلمى، كان فقط أمرًا مؤجلًا، لكن حتميًا، ثم هل تسمين ثياب المفسدين هذه ثياب، كنتِ ترتدين بنطال كالرجال، ألا فساتين للنساء في عالمك ؟؟
التمعت عيون سلمى بقوة وهي تقول بهدوء :
_ جيد أنك تطرقت لهذه النقطة، بلى نمتلك فساتين للنساء في عالمي، تود رؤية واحد ؟؟
نظر لها بعدم فهم للمعة عيونه، لكنه رغم ذلك هز رأسه بنعم يراقبها تنظر حولها قبل أن تتساءل بجدية :
_ أخبرتني أن لا أحد يمكنه المجئ هنا أو رؤيتنا صحيح ؟!
هز رأسه بنعم :
_ نعم تعلمين أن هذا كان مكاني الخاص لا أحد يطأه البتة أو يقترب منه وقد احطته بسورٍ لأجلك كذلك .
_ إذن انتظرني في الخارج وسأريك الفساتين التي ترتديها أغلبية النساء في بلادي .
ورغم نظرتها التي جعلته يشعر بالريبة وقد وسوس له صوت داخلي أن ما سيراه سيصيبه بالصدمة، لكن رغم ذلك هز رأسه يتركها متحركًا للخارج تاركًا إياها تراقبه بخبث ...
أما عنه فقد خرج يراقب الحديقة والمصابيح تحيط بها بشكل بديع وقد انعكست الأضواء على الزهور حوله، سعيدًا بما فعل لأجلها وقد كان يغيب ساعات طويلة بحجة المساعدة في إعمار البلاد ويأتي ليساعد في تجديد المكان وكذلك المساعدة في البلاد .
توقفت عيونه على بوابة الحديقة ليتحرك يغلقه بهدوء يحتاط من أي شيء قد يحدث وهو لا يعلم ما الذي تحضر له زوجته .
لكن قلبه يخبره أنه شيء لن يحب أن يشاركه به أحدهم.
مرت دقائق طويلة قبل أن يسمع صوتها يأتي من جهة باب العيادة، رفع عيونه بهدوء صوبها وقبل أن ينطق بكلمة تجمدت الكلمات على طرف فمه، كما تجمد كامل جسده وهو يبصر أمامه.....
حسنًا هو فقد حتى قدرة وصف ما يراه، لا يفهم حتى ما الذي يراه الآن.
زوجته تقف على بوابة العيادة ترتدي فستان أسود يلتمع قماشه بشكل غريب، وقطع كبير من القدم يظهر جانب قدمها وكأن أحدهم شقه بسيفه في خضم معركة حامية، والفستان يضم جسدها حتى أصبح كما لو كان جلدًا ثانيًا، ورغم أنه لم يكن قصيرًا، إلا أنه لم يكن يخفي شيئًا كذلك .
أرسلان كان يراقبها وهي تفرد خصلاتها التي تنافس الفستان سوادً، تقترب منه بخفة وبسمة واسعة تشكر العم جلال لاحضاره وتشكر نفسها لأرتداءه أسفل فستان زفافها الفضفاض، حسنًا كان يضايقها بعض الشيء في الحركة، لكن نظرات أرسلان في هذه اللحظة تستحق .
اقتربت منه حتى توقفت أمامه تميل برأسها تحرك حاجبها ترفرف بخصلاتها واعينها ترسل له نظرات مغوية:
_ إذن مولاي ...ما رأيك ؟!
وأرسلان ظل يراقبها بأعين متسعة لدقائق طويلة وكأنه فقد النطق، يفتح فمه دون القدرة على التحدث، يحرك عيونه عليها، وكان أول ما نطق به بعد صمت هو :
_ لعنة الله على كل فاسقٍ عديم مروءة ساهم في صنع ذلك الثوب .
رمشت سلمى لا تستوعب ما نطق أرسلان لثواني والأخير يحرك عيونه عليها، وقد جعل الفستان من زوجته فتنة لها أقدام، زادها فتنة على فتنتها، يا ويلي هل هذا ما يرتديه شعبها ؟!
تحدثت سلمى تحاول أن تفهم ما يحدث :
_ ماذا هل يحتاج الثوب شيء اضافي ؟؟
_ نعم يحتاج ثوبك ثوبًا يستره .
رفعت عيونها بعدم فهم :
_ ماذا ؟! ما الذي يحتاجه ؟؟
_ في الواقع ليس الثوب فقط، بل بلادك، بلادك تحتاج فتحًا اسلاميًا عزيزتي.
وسلمى ما تزال تنظر له بصدمة كبيرة قبل أن تنفجر في الضحك على كلمات أرسلان تستند على مرفقه وهي تضع رأسها على صدره ضاحكة :
_ أنت لست طبيعي حقًا .
_ أنا ؟؟ أنا لست طبيعي ؟؟ والله الفاسقين في عالمك والذين ساهموا في صنع تلك الفتنة هم من ليسوا طبيعيين، هل ...هل هذا ثوب النوم ؟؟ أخبريني أن هذا ثوب نوم هناك رغم أنني اشك بذلك، فمن ينام في هذا الثوب الذي يشبه التابوت الضيق ؟! أنتِ تسيرين به كاسيرة حرب ملتفة بالحبال .
كان يتحدث وهو يضم يديه لجسده يحاول تقليد وضعيتها .
أما عنها فقد كانت تضحك بصوت مرتفع :
_ تابوت ؟؟ يا ويلي أرسلان هل تعلم كم يكلف صنع مثل هذه الأثواب .
_ لا أعتقد أنها أثمن من الرجولة يا ابنتي :
ازدادت ضحكاتها وهي أمسكت وجهه بين يديها تهتف بحب شديد :
_ يا ويلي منك أرسلان.
_ بل يا ويلكِ أنتِ من أرسلان إن كنتِ ترتدين مثل تلك الثياب هناك سلمى .
هزت رأسها وهي تطمئنه بهدوء :
_ لا حبيبي لا تخف لم يسبق لي أن ارتديت مثل هذه الأثواب الضيقة أو القصيرة، كانت تقتصر ثيابي على الفساتين الأخرى التي تعلمها، لكن هذا ....هذا احتفظت به لأجلك فقط .
نظر لها وهي ابتسمت تزيد من ضم وجهه تهتف بحب وكأنها تعامل طفل صغير :
_ اقسم أنه لو كان ردة فعلك غير هذه لشككت بك أرسلان.
نظر أرسلان حوله رغم معرفته أن لا أحد سيبصرهم هنا لكنه لم يكن مرتاحًا وقبل الحديث بكلمة وجد سلمى تمد يدها له :
_ والآن سيدي ستشاركني في رقصة زفافنا هنا أنا وأنت على أصوات الرياح حولنا وجمهورنا الوحيد هو الزهور .
نظر أرسلان ليدها بعدم فهم، وهي أجبرته على رفع كفه ليضعها بكفها، ومن ثم أمسكت كفه الآخر تضعه على خصرها نظرت لعيونه ببسمة :
_ والآن جلالة الملك أهديك قلبي وهذه الأغنية، استمع لها بقلبك رجاء وليس باذنك فصوتي سييء.
وارسلان لا يفهم ما تريد فقط يتبعها حيث تريد .
شرعت سلمى تغني له كلمات إنجليزية رومانسية هادئة بصوت ربما ليس الافضل لكنه كان كافيًا ليجعل أرسلان يهيم بها وهو يبتسم لا يفهم ما يحدث، لكنه فقط يراقب حالتها مبتسمًا .
توقفت سلمى عن التحرك والغناء وهي تهمس له بصوت خافت :
_ تحرك معي آرس .
_ كيف ؟!
_ ضمني وتمايل، افعل مثلما أفعل...
ومن بعد هذه الكلمات استرسلت في الغناء بنبرة خافتة لا يسمعها سواه وهي تتمايل معه تحقق حلمها بزفاف اسطوري ينتهي برقصة زفاف تقليدية على إيقاع أغنيتها المفضلة، ولو كان بصوتها .
وأرسلان لا يعي في هذه اللحظة من الكون سواها .
المصابيح الملونة فوق رؤوسهم والزهور تحيط بهم والليل يشاركهم احتفالهم.
ابتسمت سلمى وهي ترفع كفها تسنده على صدره لتشعر بضربات صدره تزيد تحت كفها .
تميل عليه تضمه أكثر وتصمت الكلمات لتعلو اصوات القلوب، وأرسلان فقط يضمها له بحب وحينما شعر بها تصمت، شرع هو يكمل بكلمات عربية فصيحة لبعض الأشعار التي جعلتها ترفع عيونها له بصدمة وبسمة واسعة وهو يضم وجهها بين كفيه .
فَدَعانِي حُبُّ سَلْمَى
بَعْدَ ماذَهَبَ الجِدَّةُ مِنِّي والرَّيَعْ
خَبَّلَتْني ثُمَّ لمَّا تُشْفِنِي
فَفُؤَادِي كلَّ أَوْبٍ ما اجتَمَعْ
ودَعَتْنِي بِرُقاهَا، إِنَّها
تُنزِلُ الأَعْصَمَ مِن رَأْسِ اليَفَعْ
- سويد بن أبي كاهل اليشكري
التمعت عيون سلمى وقد كانت هذه مرتعا الأولى التي تسمع بها شعرًا عربيًا فصيح، ومن أرسلان.
_ هذا ...لي ؟؟
_ منذ علمتك وأنا بت انقب عن اسمك بين الاشعار، ووالله لو يمنحني الله فصاحة اللسان لأغرقتك من الاشعار أحسنها .
تضخم قلب سلمى في هذه اللحظة لترتفع على أطراف أقدامها تضم رقبة أرسلان بقوة :
_ كلماتك تكفيني أرسلان..
اتسعت بسمة أرسلان بقوة وهو يرفعها عن الأرض يضمها بقوة، وهو يتنفس بصوت مرتفع.
وبعد دقائق طويلة استمر بها العناق، ابتعد بهدوء عنه، وجلست ارضًا بعدما انتهت الرقصة التي كانت تحلم بها تضم قدميها وهي تشير لأرسلان أن يضع رأسه عليها بين زهورها، وأرسلان لم يتساءل أو يتعجب، بل مال يحقق حلمه .
هي تجلس بين الزهور وهو يسند رأسه على قدمها وهي تداعب خصلاته بحنان، تنفس أرسلان يغمض عيونه براحة كبيرة، تراقبه بحب كبير تميل عليه تهمس :
_ هل أخبرتك سابقًا أنني أحبك أرسلان.
_ أنا أحب سماعها طوال الوقت .
_ إذن...لتعلم أنني أهيم بك عشقًا أرسلان بيجان .
فتح عيونه يراقبها بحب يمد يده يداعب خصلاتها يهمس ببسمة هائمة :
_ أعتقد أنني احتاج لسنوات تماثل سنوات عمري لإيجاد لفظٍ يعبر عن مشاعري لكِ، ولن أفعل سليمى.........
مالت سلمى تقبل عيونه ومن ثم رفعت عيونها صوب السماء وهو يراقب معها الاضواء والاحتفالات التي أقيمت لهما، لتتسع بسمته يعلم يقينًا أنه لو مرت عقودًا أخرى، لن ينسى يومًا اللحظة التي ارسل الله له زوجته من عالم آخر فقط لتشاركه حياته تلك .
ابنة رائف والتي كانت يومًا مسؤولية ثقيلة غير مرغوب بها، أضحت في هذه اللحظة حياة لا غنى عنها .
أضحت امرأة يفعل المستحيل فقط لتبتسم، ليس لأنها فقط زوجته التي تعهد بحبها، بل لأنها سُليمىٰ....
وهكذا هي الحياة، يأتي الله لك بشريكك ولو كان في أقاصي البلاد، ولو كان في عالم غير عالمك، يأتي به الله ويؤلف بين قلوبكم، يأتي به الله ليربت على قلبك، ليضمك في حزنك، يأتي به الله ليكمل حياتك وتكمل أنت حياته، يكون لك رفيقًا في وحدتك ونورًا في ظلامك، وتكون له يد تعينه على الحياة، فمن كان يتخيل أن الملك أرسلان ذلك الحجر، ســيلين ويخضع يومًا لسلمى الطبيبة النفسية صاحبة محل الورود ؟؟
ولو كان أمامك طوال الوقت لا تعي حتى بوجوده، فستكون لحظة واحدة، لحظة واحدة يتحول بها هذا الشخص من مجرد شخص في حياتك، لحياتك في شخص، شخص تشعر معه أنك لم تحيا قبلًا وأن حياتك بدأت من هذه اللحظة التي أدركت أن كامل أنفاسك بين قبضتيه، فها هو أمير آبى وقد لان بعد سنوات وانحنى لأميرة سبز.
ولو كنت تسجن نفسك بين أربعة جدران، ولو كانت تلك الجدران وهمًا، فسيأتي الله بمن يحارب اوهامك ليضحى واقعك، سيأتي الله بمن يطارد مخاوفك ليكون أمنك، وتكون مؤنسه، وهكذا كان المعتصم قائد لجيوش مشكى، ومحاربًا لمخاوف فاطمة ...
ولو كنت غريبًا من ذلك الجانب من العالم حيث المفسدين، فأنت وبعد رحلتك معهم أضحيت من شعب الممالك .
لا يهم لأي مملكة تنتمي .
أو لأي ملك تحتكم .
لا يهم من أي بلاد أنت.
فبعد رحلتك الطويلة معنا، أصبحت من شعب الممالك، أصبحت أحدهم، جزء منهم، وربما تغادرهم الآن، لكنك ستعود لهم مجددًا لا يهم إن كان اليوم أو غدًا، لكن مصيرك أن تعود .
فمن يخطو ويحيا بين جدران الممالك الأربع، لا فرار له منهم ......
والآن نودع وبكامل الاسف طرقات مشكى ونمنح الممالك نظرة أخيرة قبل المغادرة صوب عالمنا .
وتذكروا إن أردتم العودة فأبواب الممالك ما تزال مفتوحة .
تمت بحمد الله .
٢٨ اغسطس ٢٠٢٥ مـ
٦ربيع الاول ١٤٤٧ هـ
ولا تنس أن تترك كلمة تعود لها كلما اشتقت للمالك .....
ونلقاكم في الحلقة الخاصة، لا أدرى متى وأين، لكن ربما حينما يشتد بنا الشوق لهم يعودون ......
دمتم سالمين
رحمة نبيل
أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الخمسون 50 - بقلم Rahma Nabil
حلقة خاصة .
أرسلان في عالم المفسدين .
صلوا على نبي الرحمة .
ملحوظة :
الحلقة خاصة عن أسد مشكى، لا وجود لأبطال سفيد البتة وقد كتبت لهم سابقًا حلقة خاصة في العيد السابق، والحلقة تدور بشكل أكبر عن أرسلان وباقي شخصيات مشكى.
الحلقة فقط ترفيهية كوميدية، وإجابة لسؤال ( ماذا لو جاء أرسلان لعالمنا ؟!)
قد تظهر بعض التصرفات والمظاهر الغربية في الحلقة لا تعبر عنا كبعض الاحتفالات الغربية وأسلوب الملابس ودونها، وجب ذكرها لمنطقية الأحداث، لكنها ونعلم جميعًا أنها لا تعبر عن مجتمعنا .
ـــــــــــــــــــــــ
بعض القرارات تؤخذ في لحظة غضب، والبعض في لحظة حماس، وأخرى في لحظة لهفة، وكل ما سبق ذكره من القرارت نهايته واحدة ....ندم كبير يجعلك تود لو تخلع ما ترتديه بقدميك وتهبط به فوق رأسك.
وهذا ما كان يشعر به في اللحظة التي اصطدمت بإذنه كل تلك الأصوات الغريبة والموسيقى العالية والضوضاء المريبة، ندم لا يعلو فوقه شيء سوى رغبته في إسعاد زوجته، ولولا أن القرار كان يقبع في قائمة :
" محاولات جعل سليمى أسعد امرأة في الحياة" لكان أرسلان تجاهل كل ما يحدث وركض في طريق عودته صوب الممالك مجددًا .
لكن نظرة لوجه زوجته التي تنفست بصوت مرتفع وبسمة صغيرة ملئت فمها، جعلته يتراجع عن أفكاره، بالله لأجل هذه البسمة يقيم حربًا وليس فقط يتحمل شعبها الغريب .
_ يا الله، مرت سنوات طويلة لم نأتي بها لهنا يا أخي، تتذكر آخر مرة جئنا هنا منذ سبع سنوات ؟؟
تنهد صامد بحنين وهو يجيب صمود ويحرك عيونه في المكان بحنين :
_ اه يا أخي تغيرت اليابان بشكل كبير .
كانت سلمى في تلك اللحظة تتأمل بلادها ببسمة واسعة سرعان ما تلاشت وهي تردد بعدم فهم :
_ اليابان ؟! هذه البرازيل، ومن ثم أنتم أتيتم لتأخذوني منذ سنة تقريبًا، ما بكم ؟!
رمش صامد يدور بعيونه بين طرقات المكان يحاول تذكر آخر مرة أتى مع جلال لأصطحاب تلك الفتاة :
_ لا عجب أنها اسوء من اليابان .
بينما صمود ابتسم بسمة واسعة :
_ اه صحيح لقد اتينا هنا لنأخذك من قبل، في طريقنا لمنزلك شاهدت فوضى عارمة تعم الطريق، يعاني شعبك من مشاكل مع الوان الملابس بالمناسبة .
حركت سلمى عيونها بتشتج على ملابس الاثنين والتي كانت باللون الاصفر اللامع بعض الشيء .
بينما ضيق صامد عيونه بتفكير :
_ نعم ذلك الشيء لاحظته، لقد أبصرت تلك المرة رجل يرتدي ثوب بألوان الطيف تقريبًا، كان ذلك مريعًا، حسنًا هذه البلاد بكل ما فيها مريع، عدا تلك الفطائر التي تذوقناها آخر مرة، كانت لذيذة .
ابتسمت سلمى بسمة مرتابة، سعيدة أن لا أحد هنا يدرك ما يحدث بالفعل حولهم، نعيم الجهل الذي يحيا به شعب الممالك هو افضل شيء لهم لينجو من كل تلك القاذورات التي تحيط بهم .
كادت تتحدث، لكن أرسلان أوقفها وهو يردد بنبرة خافتة مرعبة بعض الشيء :
_ صدقوني لن يكون هناك شيء ألذ بالنسبة لي في هذه اللحظة من قطع رؤوسكما إن لم تتحركا أمامي بهدوء الآن، دعونا نبتعد عن هذه الضوضاء فأنا أكاد افقد عقلي .
رفعت سلمى عيونها صوب أرسلان ثواني تتأمل هيئته الجامدة والمختلفة عمن يحيطه من الرجال، إذ بدى أنه يمتلك هالة مخيفة عمن يحيط به، يرتدي ثوب اسود بالكامل يتكون من بنطال وسترة بنفس اللون، وخصلات يجمعها للخلف بشكل مبعثر، وهي فقط لم تكن تملك سوى أن تتأمله لثواني مبتسمة، قبل أن تنتفض على صوت هديره في صامد وصمود :
_ اخرجوني من هذا الثقب الاسود قبل أن افقد آخر ذرات صبري .
فجأة وقبل أن يعلق أحدهم بكلمة وقد ضم صامد قدم صمود بخوف من ملامح أرسلان، وجدوا زوجته تقترب منه وهي تتمسك بيده في حنان تربت على كتفه بهدوء شديد تمارس بعض سحرها الأسود عليه ملقية عليه تعاوذيها :
_ أرسلان، فقط ثواني وينتهي كل هذا وتبصر منزلي حيث الهدوء، ألا تريد أن ترى أين نشأت؟!
وارسلان في هذه اللحظة نسي كل ما كان يغضبه وما آثار استياءه وهو يبصر نظراتها الملتمعة بحماس، يحاول الهدوء كي لا يفسد عليها زيارتها التي تتطلع لها، واضعًا في اعتباره أن مكب النفايات هذا هو موطنها وعليه احترامه لأجلها...فقط لأجل سليمى .
_ بلى أريد ذلك .
تشنجت ملامح صامد وصمود بقوة وهم يبصرون خمود بركان أرسلان فجأة وكأنه لم يكن، حتى أنهما تراجعا للخلف مخافة أن يكون كل ذلك فخًا كي يأمنوا له ويقتربوا منه، ومن ثم ينفجر في وجوههم .
_ هذه سلمى اتضح أن سحرها اقوى من سحر زوجة القائد، انظر لقد أخمدت غضب الملك.
كانت هذه كلمات صمود الذي مال بنصف جسده على شقيقه يهمس بها، بينما صامد يضيق عيونه بريبة :
_ فقط لو اعلم أي نوع من التنويم يستخدمونه، اقسم بالله أن ....
قطع كلماته صوت ارتفاع موسيقى صاخبة في المكان جعلت أعين سلمى تتسع وهي تستدير ببطء تدعو الله ألا يصدق ظنها، وبالفعل حدث وأبصرت ما كانت تخشاه ...
مسيرة احتفالية خاصة بالكرنفال الاحتفالي السنوي والذي يضم الكثير من الأشياء التي ....
حسنًا الاشياء التي لا تريد لأرسلان أن يبصرها، فملابس قومها في مثل هذه الاحتفالات، وخاصة ثياب "السامبا" هي شيء يصنفه أرسلان وشعبه بالرزيلة والفسق.
فتح صامد فمه باندهاش مما يرى؛ رجال ونساء يرتدون ثياب عارية والكثير من الريش الملون يخرج من اجسادهم، ليشهق متحدثًا بانبهار ويبدو أن عقله لا يستوعب ما يرى :
_ سبحان الله لقد نبت للمرأة ريش ملون.
حدق صمود فيما ينظر له شقيقه واعينه متسعة بشفقة :
_ ترى ما الذنب الذي ارتكبته في حياتها لتتحول إلى دجاجة ؟!
شعرت سلمى برغبة في البكاء والضحك في نفس الوقت، كيف لم تتذكر، كيف لم تدرك أن هذه الفترة هي فترة الاحتفال السنوي لشعبها ؟
تنفست بصوت وهي تستدير صوب أرسلان الذي كان يعطي ظهره لكل ذلك الصخب وكأنه يدرك أنه لن يحب ما سيبصره، لكن فجأة شعر بالفضول الشديد حينما سمع قصة تلك المرأة المسكينة التي تحولت لدجاجة، لذا كاد يستدير ليبصر المعجزة المتمثلة خلفه، لكن فجأة صرخت سلمى وهي تقفز تخفي عيونه تجبره على عدم النظر .
وهو تراجع بفزع مما تفعل، أما عنها فأخذت تجذب وجهه لها :
_ لا لا تفعل، لا تنظر .
لم يفهم أرسلان ما يحدث وقد تسببت تصرفات زوجته في زيادة فضوله، يحاول ابعاد يدها عن وجهه و الاستدارة:
_ ما الذي ...سلمى ما بكِ ؟؟
_ لا تنظر أرسلان هذا ليس ....لقد ... صدقني لن يعجبك ما سترى .
ولم يكد يتحدث أرسلان بكلمة حتى أبصر الجميع شاحنة جوارهم وقد صدح صوت بوق السيارة في الأجواء بشكل جعل أرسلان يكرمش ملامحه بضيق .
وما كاد يستدير خلفه ليصرخ بصاحب السيارة والتي لم يكتشف بعد هويتها وقد أبصر منها الكثير في الارجاء، سمعوا صوت جلال يهتف بجدية وهو يخرج برأسه من النافذة :
_ هيا سلمى اصعدوا للسيارة قبل ازدحام الطرق بالكاد وصلت لكم قبل بدء الاحتفال وإغلاق الطريق العام .
اتسعت بسمة سلمى بقوة تنظر بسعادة وراحة شديد صوب أرسلان، تجذب يده صوب السيارة تفتح الباب الخلفي، تحاول دفع أرسلان قبلها والأخير لا يفهم ما يحدث، وفجأة وأثناء دفعه وقعت عيونه بالخطأ على رجل شبه عاري يضم امرأة شبه عارية ويراقصها بشكل قذر في الطرقات .
اتسعت حدقتيه وابعد عيونه بصدمة وقد اشتد احمرار وجهه وهو يشير لهم وقد بدا أنه فقد النطق :
_ هذا ....هذا لقد ....الرجل والمرأة.....يا ويلي ....في الطرقات....
كان صامد وصمود يتابعان ما يحدث يقلبان كف بالأخرى بحسرة، وصامد يردد بحنق :
_ وتتساءل ما الذنب الذي ارتكبته المرأة؟! انظر يا اخي الرجل يكاد ....
فجأة انتفضت الأجساد على صوت أرسلان والذي صرخ ووجه يكاد ينفجر مما أبصر في ثواني :
_ كـــــفـــــــى...لا ...تذكر هذا الـــ... هناك نساء هنا أيها الحقير .
ختم حديثه يشير بطرف عيونه على سلمى التي دفعها بسرعة لداخل السيارة وكأنه يخشى عليها أن تبصر ما أبصر للتو، ليس وكأنها لم تكن تحيا بين ذلك .
ابتسمت له سلمى بسمة صغيرة مترددة تشير لأرسلان أن يقترب ليتحركوا، وهو فقط توقف ينظر لها بملامح مشدودة يحاول محو تلك اللقطة السريعة من رأسه، لم يكد يتجاوز كل ذلك ويصعد، حتى وجد جسد صمود يندفع بسرعة يصعد في المقعد جوار زوجته، يردد براحة :
_ حمدًا لله كادت قدمي تدمى من السير الطويل، انظر صامد هذه السيارة بها هواء بارد.
استدار صوب سلمى يهتف بنزق وضيق :
_ أخبريني هل من المألوف أن يمتلكن نساء قومك ريشًـ....
وقبل إكمال جملته شعر بجسده يُسحب من السيارة للخارج بسرعة مرعبة وصوت أرسلان يصدح بجنون وهو يجذبه صوبه ينفث في وجهه انفاس حارقة :
_ ماذا تظن نفسك فاعلًا ؟!
نظر له صمود برعب وهو ساقطًا ارضًا يحاول التحدث :
_ لقد ...
_ هذه المرأة وحتى نعود للمملكة، لا يقتربن أحدكم منها مقدار لا أسمح أنا به، فهمتما ؟!
حرك إصبعه عليهما، ليهز الإثنان رؤوسهما بسرعة كبيرة، وهو زفر بصوت حاد ينظر صوب سلمى التي كانت تجلس في الداخل تمسح وجهها بنفاذ صبر منه، يدخل جسده بعنف جوراها وكأنه يقفز على ظهر حصان، حتى أن السيارة تحركت بقوة، واتسعت عيون سلمى تتمسك بمقبض الباب جوارها تردد برعب :
_ يا منجي يا الله .
زفر أرسلان وهو يغلق الباب يشير لصامد وصمود بالجلوس في الأمام، ولم يكد أحدهما يعترض بنصف كلمة، حتى رماهما بنظرة حادة فركضا يحشران جسديهما في الأمام بسرعة دون كلمة إضافية .
بينما جلال لم يتحدث بكلمة واحدة يقود سيارته صوب منزل سلمى بهدوء .
بينما الأخيرة تراقب الخارج ببسمة حنين، قبل أن تميل على كتف أرسلان بهدوء ليبتسم لها الأخير يربت على خصلاتها بحنان شديد ينأى بعيونه عن الخارج، يشغل نفسه بتأمل الشيء الوحيد الذي يحل ويحلو له تأمله ...سليمى .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنت أيها الاحمق عديم الفائدة، هل ستظل جالسًا لي بهذا الشكل طوال اليوم ؟؟ أخبرتك أن تذهب لأي مكان ريثما انتهي من تنظيف المنزل .
تنهد راجيش بصوت مرتفع، يعلم أي نوع من النقاشات سينشأ في هذه اللحظة، نفس النقاشات التي تثيرها والدته طوال الوقت كلما أبصرت وجهه جالسًا في المنزل بدلًا أن يذهب للتسوق وإحضار زوجة برازيلية تمنحه جنسيتها .
_ ماذا افعل أمي ؟! هذه اجازتي.
_ نعم إجازتك والتي يمكنك استغلالها في الذهاب للتسكع في الحانات، أو التعرف على بعض رفاق السوء وربما النساء، لكن ماذا أفعل وقد أنجبت قديسًا؟ أين تحسب نفسك يا هذا ؟! أبالمدينة الفضيلة أنت أيها القذر ؟!
_ يا أمي بربك لقد ....
وقبل إكمال جملته، تحركت له والدته، تميل عليه تجذبه بعيدًا عن الأريكة تتحرك به صوب الخارج وهو يصرخ بها أن تدعه وشأنه، بينما هي تصرخ في المقابل به :
_ اذهب وتسكع واحصل على بعض من الرفقة السيئة أيها الاحمق، هكذا تصل للنساء، كن رجلًا سيئًا، فالنساء يحببن الرجل السييء، اشرب السجائر واحتسي الخمر وارتدي ثياب سوداء جلدية، ماذا فعلت لك استقامتك أيها الوغد المحترم؟!
_ ما الذي تتحدثين به امي ؟! تطمحين لفسادي !!
_ بل أطمح لحفيد يضمن لنا مستقبلنا بالبلاد أيها الأحمق.
فتح راجيش فمه يصرخ وهو يحاول الإفلات من بين يدي والدته التي دفعته بقوة خارج المنزل ليتدحرج جسده ويصطدم بشيء يجهل هويته، لكن كل ما يعلمه في هذه اللحظة أن ذلك الاصطدام كاد يحطم رأسه ويفتت جمجمته .
تأوه يبتعد عن ذلك الجسد ليبصر فجأة جسد رجل يرمقه ببرود شديد، وعلى فمه ترتسم شبه بسمة صغيرة وهو يهتف بنبرة هادئة باردة غير مفهومة له :
_ انتبه أين تسقط .
رمش راجيش بعدم فهم وهو ينظر خلفه صوب والدته التي كانت عيونها تتحرك على ذلك الضخم بعدم فهم، ومن ثم نظرت لولدها بتساءل :
_ هل استأجرت رجال حراسة لي واخيرًا راجيش ؟! بعد كل هذه السنوات من الجدال معك أخيرًا نفذت رغبة واحدة من قائمة رغباتي ؟؟
نظر لها راجيش بعدم فهم ولم يكد يشرح لها عدم معرفته بهذا الرجل، حتى اندفعت والدته تقف أمام أرسلان الذي كان يحمل بين يديه حقيبة متوسطة الحجم يراقب تلك العجوز التي أخذت تدور حوله بشكل غريب والريبة تعلو ملامحه .
فجأة توقفت أمامه بشكل قريب، جعل أرسلان يتراجع للخلف وهو يضيق عيونه بحنق هامسًا بحنق :
_ يبدو أنه ليس فقط الرجال الوقحين هنا، النساء كذلك هكذا واسوء.
والسيدة لم تفهم كلمة من كلماته تميل برأسها وهي تضيق عيونها تمررها على جسده بتقييم قبل أن تصيح بضيق وصوت مرتفع مزعج :
_ ما اللغة التي يتحدث بها؟؟ هل أحضرت لي حارسًا لا افهم لغته؟! وما كل هذه العضلات ؟؟ أخبرتك مجرد حارس خفي لا يشعر به أحدهم في الجوار .
كانت تتحدث وهي تنظر صوب ولدها، مشيرة لذراع أرسلان، الذي حرك عيونه ببطء ينظر لذراعه ولا يفهم ما الخطأ به لتشير له المرأة بهذا الشكل، لكن لم يكد يرفع عيونه صوب راجيش ليوجه له كلمة حتى شعر بيد والدته تستقر على ذراعه ضاغطة عليها بشكل جعل عيونه تتسع بصدمة، وهي تتحدث وعيونها ما تزال على راجيش :
_ أنها حقيقية، ظننتها مطاط، بالله ما الذي كان سيحدث لو أنك حصلت على مثل هذه العضلات النساء يحببن الـ.....
وقبل إكمال كلمتها كان جسدها يندفع بسرعة بعيدًا عن أرسلان الذي نفض يدها بعنف صارخًا بشكل جعلها تطلق صرخة في المقابل وهي تركض صوب راجيش تضم يديها لصدرها برعب .
وارسلان ينفض ذراعه بغضب وضيق وكأن لمستها لسعته، يرفع عيونه صوبها بشكل جعل السيدة تشعر بالرعب وهي تختفي خلف ولدها تهمس بصوت منخفض :
_ هل ...هل أحضرت لي رجلًا ممسوسًا؟! لا شيء تفعله بشكل صحيح بالكامل أيها الاحمق .
_ أفعل ماذا أمي؟؟ هذا الرجل لا أعرفه حتى، احاول أخبارك منذ وصل أنني لا أدرك من هو وأنتِ تتفحصينه بشكل فج .
رمقته والدته بحنق وغضب ضاربة كتفه بضيق :
_ إن لم تكن تدرك هويته ولم تحضره هنا ليصبح حارسًا لي، إذن من هذا ؟؟
_ حارس لمن ومِن مَن أمي ؟؟ تتصرفين وكأنكِ وزيرة هنا، أمي لا أحد يعرفك هنا سواي وأبي وحتى أبي غادر البلاد هربًا من بطشك، أي حراسة هذه التي تسألينني إياها ؟؟ نصف سكان المنطقة يخشونك، والله أفكر بجعلك أنتِ حارسة شخصية .
_ إن لم يكن هذا حارسًا لي، إذن من هذا ؟!
صمت راجيش بعدم فهم يتحرك مع والدته للخلف وكأنهما يتخذان لهما ساترًا من هذا الرجل الغريب ذو الملامح المقتضبة .
وارسلان فقط تجاهلهما ينظر بهدوء صوب الدرج ينتظر وصول سلمى، التي لم تتأخر أكثر وهي تصل مبتسمة :
_ آسفة للتأخر آرس، ودعت العم جلال وقد ذهب معه صامد وصمود لليوم .
كان صوت سلمى التي انضمت للحديث بلا مقدمات، تتحرك صوب أرسلان ببسمة واسعة، قبل أن تبصر بطرف عيونها والدة راجيش التي اتسعت عيونها بصدمة من هيئة سلمى الجديدة مع تلك الفساتين الواسعة والحجاب الذي يغطي رأسها.
بينما راجيش ابتسم بسمة صادقة يتحدث دون انتباه لكلماته التي انسابت منه دون شعور وبشوق لشخص كان لطيفًا معه طوال الوقت :
_ يا ويلي سلمى هذه أنتِ؟؟
وقبل أن تمنحه سلمى ردة فعل، كانت يد أرسلان تتحرك بسرعة كبيرة، ينزل غطاء الوجه عليها بسرعة مرعبة وكأن يده تصرفت دون أن يشعر، كما أن الرؤية انقطعت عن راجيش الذي أبصر ذلك الجدار يقطع الطريق بينهما يضم يديه لصدره وهو يميل برأسه في هدوء مريب :
_ هل نطقت اسم زوجتي منذ ثواني ؟؟
رمش راجيش بعدم فهم يحاول أن يجيبه على ما لا يدرك، يحرك عيونه بينه وبين سلمى، لكن يد أرسلان أعادت وجهه له وهو يجذبه من ثيابه يتحدث بصوت خافت محذر :
_ سنتمترًا تجاه زوجتي، يقربك كيلو متر من جحيمك .
وراجيش لم يفهم ما يقال، يحاول النظر صوب سلمى التي ابتسمت بسمة صغيرة وهي تبعد يد أرسلان عن صوب راجيش تضحك ضحكة صغيرة مرحبة تخفي بها ما قال زوجها تشكر ربها أن لا أحد فهمه، تلوح بيديها :
_ مرحبًا راجيش، كيف حالكم ؟؟
وفجأة شعرت بضربة خفيفة من كف أرسلان على كفها وهو يحذرها بعيونه جاذبًا إياها مجددًا خلفه وعيونه تطلق تحذيرات :
_ لا تلوحي له سلمى، وتحدثي بلغة افهمها ولا تتساهلي بالحديث مع الرجال .
نظرت له سلمى بحنق تفرك كفها، تهمس له بصوت منخفض :
_ لكنهم لا يفهمون العربية أرسلان، احاول فقط تحسين ما فعلت منذ ثواني .
_ لا يهمني أن يفهمك الآخرون، ويجب ألا يهمك الأمر كذلك، فقط أنا من يجب أن يفهمك هنا سلمى، ثم من أخبرك أنني أريد تحسين ما فعلت ؟! دعي الأمور بسوءها ولا تتدخلي .
كان يتحدث بهمس وبنبرة جادة جعلت سلمى تبتسم له من خلف الغطاء بلطف تتحدث وكأنها تعامل طفلًا، فهي تدرك كيف تكون حالة أرسلان حينما يستشعر خطرًا حولها من الذكور :
_ أنا فقط كنت أرحب بهم آرس .
_ ألا لعنة الله على آرس هذا إن سمح لكِ بذاك الهراء، ترحبين برجل يا امرأة؟! أجننتِ؟!
_ هذا راجيش أرسلان .
كانت كلمة بسيطة وهي تشير صوب راجيش خلف ظهره أرسلان الذي استدار ينظر لراجيش بهدوء من أعلى لاسفل قبل أن يعود لها بعيونه يجيبها بهدوء :
_ ما هذا الراجيش ؟؟ يبدو لي رجلًا سلمى .
اتسعت عيون سلمى من رده وقبل التحدث بكلمة وجد أرسلان تلك السيدة تندفع صوب زوجته تهتف بنبرة مبتهجة كلمات لا يدرك منها شيئًا، لكنها وأثناء حديثها كانت تشير كل ثانية لذلك الرجل أو ذلك الراجيش كما قالت زوجته، تشير له ومن ثم تكمل حوارها، وبسمتها واسعة، بينما سلمى كانت تهز رأسها مجاملة وبشكل واضح ولا يزال لا يدرك تحديدًا ما تطلبه تلك السيدة من زوجته .
لكنه شيء يتعلق بالراجيش الذي يقف جانبًا يتابع بهدوء .
كانت كلما رفعت السيدة خان غطاء وجه سلمى أنزله هو بعناد، فترفعه السيدة وينزله هو بضيق، ولم تكد السيدة ترفعه المرة الرابعة تقريبًا حتى أمسك أرسلان الغطاء بقوة ينظر للمرأة محذرًا بصوت مرعب لولا أنها لا تفهم كلماته :
_ تجرأي على رفعه مرة أخرى وأقطع يدكِ .
شهقت سلمى بقوة وهي تمسك يده بسرعة وكأنها تخشى أن ينفذ تهديده، بينما السيدة لا تفهم ما قيل :
_ ماذا قال هذا الرجل للتو ؟!
_ لا ...لا شيء هو فقط ...يخبرك أنه تشرف بالتعرف عليكم.
وارسلان ما يزال يمسك غطاء وجه زوجته بعناد ويحدق بشر في وجه العجوز .
_ ماذا تريد هذه المرأة الوقحة منكِ سلمى ؟!
رفعت سلمى عيونها مصدومة صوب زوجها الذي لا ينتقي كلماته قبل التحدث بها، تحمد ربها أن السيدة لا تفهم العربية :
_ أرسلان هذا ...لا يمكنك قول هذا، هذه وقاحة.
_ لا بل هذه حقيقة.
نظر صوب السيدة يهمس بجدية :
_ أنتِ وقحة يا امرأة.
تنفست سلمى بصوت مرتفع :
_ أرسلان لا يجوز هذا، حمدًا لله أن السيدة لا تفهم العربية .
_ إذن تولي مهمة ترجمة ذلك لهذه الوقحة، أخبريها رأيي بها وبأنني أراها وقحة متبجحة .
زجرته سلمى بغيظ:
_ أرسلان..
_ ماذا ؟؟
تنهدت سلمى وقد ارادت أن تنتهي من كل هذا، تود الراحة بعد رحلة طويلة صوب بلادها :
_ سيدتي اعذريني أشعر فقط بالتعب من السفر، لذا اسمحي لي بالراحة قليلًا .
_ لا بأس زوجة ابني، خذي وقتك سننتظرك على العشاء فراجيش لا يخرج من المنزل تعلمين هو ملتزم ورجل صالح وحلم فتيات كثيرات، لكن ماذا نفعل وولدي مفتون بامرأة واحدة .
ختمت جملتها ببسمة واسعة وغمزة، جعلت سلمى تبادلها البسمة باخرى صغيرة وهي تجذب يد أرسلان صوب المنزل تخرج مفتاحها بسرعة كي تزج بجسد زوجها للداخل قبل أن يحرق راجيش ووالدته بعيونه.
وما أن فعلت حتى تنفست الصعداء وهي تنظر صوب أرسلان الذي ضم يديه لصدره ينظر لها بحنق شديد وهي فقط تشعر بالضغط بسبب كل ما مرت به في طريقها لهنا، تشعر لثواني بالندم، الندم الشديد لإحضار قنبلة موقوتة كزوجها لعالم كعالمها.
_ يا الله واخيرًا .
أبصر أرسلان ارهاقها الواضح وهي تتحرك صوب الأريكة تلقي جسدها عليها تتنفس الصعداء، تحمد ربها مئات المرات أن زوجها لا يفهم ما قالت والدة راجيش وإلا تقسم بالله أنه كان ليقطعهما شرائح .
أغمضت عيونها تحاول أن تسترخي لثواني قبل أن تنهض لترى ما ستفعل وما تريد من منزلها، لكن فجأة ومن بين افكارها التي كانت تحاول ترتيبها، شعرت بأنامل تعبث بحجابها، يساعدها لفكه، ومن ثم مد يده ينزع رابطة شعرها يحرر خصلاتها بهدوء وهي تتابعه بعيونها التي كانت ملتمعة تبتسم بسمة صغيرة له .
مال يطبع قبلة صغيرة على رأسها بحنان، ومن ثم همس بصوت منخفض :
_ أنتِ بخير سليمى ؟!
_ نعم، أفضل بكثير أرسلان.
ابتسم لها بحنان، ومن ثم نهض ينظر حول نفسه، يتحرك في المنزل بحرية وكأنه ولد وترعرع في المكان وهي تراقبه بأعين مرهقة، ولم تملك حتى القوة لتتساءل عما يفعل، فقط تركته يستكشف المكان حوله، تسقط في غفوة قصيرة دون شعور .
ومن بين غفوتها شعرت بعد دقائق طويلة بجسدها يطوف في الهواء، لتبتسم براحة شديدة تميل برأسها على صدر أرسلان الذي شعرت به قريب منها، وهو فقط قبل رأسها بحب يتحرك بها صوب الغرفة التي وجدها أثناء بحثه في المكان ونظفها قدر الإمكان لتصلح لنومها، وضعها على الفراش بحنان يضع فوقها غطاء خفيف مقبلًا وجنتيها بحب شديد :
_ نومًا هنيئًا حلوتي .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مملكة آبى :
_ يقولون أن كثرة الاعشاب تفسد الجسد سيدي الطبيب .
رفع عيونه عما كان يفعل يمنحها بسمة واسعة، قبل أن يعتدل في جلسته يمنحها كامل انتباهه :
_ ومن قال هذا يا ترى ؟؟ .
_ أنا من أقول ذلك، فكثرة الاعشاب تعني كثرة العمل وكثرة العمل تعني ابتعادك عني، وابتعادك عني مفسدة لجسدك نزار .
ارتسمت بسمة صغيرة على فم نزار قبل أن ترن بقوة في الارجاء وهو يتحرك من مقعده صوبها بهدوء :
_ أي كثرة عمل هذه توبة؟؟ يا امرأة أنا اجلس مع اعشابي ربع الوقت الذي اقضيه برفقتك .
_ وتحسب الوقت في بعدها أيضًا ؟؟ والله جيد، لا تطيق صبرًا لتركض صوب معملك وكأنني اسجنك جواري .
جذبها له نزار بحب حتى أصبحت بين أحضانه تقريبًا يهمس بصوت منخفض وهو يميل بوجهه عليها :
_ هذه حقيقة سمو الأميرة، أنا سجينك منذ اللحظة التي ابصرتك بها .
رفعت عيونها تطيل النظر لعيونه وقد التمعت خاصتها تشعر بضربات قلبها تعلو أكثر :
_ لا يبدو هذا و....
_ نزار هل ارسلت بخطاب لإيفان بشأن الأسلحة التي نحتاجها ؟؟
انتفض جسديهما سويًا بفزع حين سمعا صوت ازار يصدح في المكان، حتى أن توبة أبعدت نزار عنها بسرعة وهي تقف جانبًا تضم يديها أمامها بكل براءة، ليس وكأن أحدهم أمسك بهما في وضح مخل .
بينما نزار نظر لها متشنجًا بعدم فهم لحركتها، يرفع عيونه صوب ازار الذي لم يفهم ما يحدث :
_ نعم...نعم ابي ارسلت بالفعل، وننتظر الرد .
_ جيد اهتم بالأمر بنفسك فأنا سأذهب في رحلة استجمام مع الملك بارق و....مرحبًا بنيتي كيف حالك ؟!
كانت جملته الاخيرة متعجبة وقد أدرك للتو وجودها يبتسم بسمة صغيرة يحاول بها أن يحسن من صورته بعدم دخل بهذه الطريقة الوقحة دون استئذان، ولم يكن يدرك وجودها في المكان .
أما عنها نظرت ارضًا تتلاشى النظر في وجهه :
_ بخير عم ازار عساك اليوم بأفضل حال .
ابتسم لها ازار بحب :
_ طالما أنكِ تنيرين قصرنا عزيزتي، والآن ادعكم لاذهب وانسق الرحلة مع العجوز والدك ..
هزت له توبة رأسها ببسمة وبمجرد أن خرج تنفست الصعداء تحت أعين نزار الذي لم يكن يفهم ما يحدث :
_ توبة، أنتِ زوجتي .
رفعت عيونها له لا تفهم عرض تلك الجملة الغريبة وإن كانت استفهام او تقريرًا تهز رأسها:
_ نعم .
إذن ما لك انتفضتي بهذا الشكل حينما دخل أبي، اقسم أنني ظننت حية قد لدغتك .
ارتفعت يد توبة تنغز بها كتف نزار بحنق :
_ هذا يسمى احترامًا سمو الأمير، تريد لوالدك أن يبصرك تعانقني بهذا الشكل هنا خارج غرفتنا .
_ مشكلتك أن يبصرنا أبي متعانقان ؟؟ أم أن يبصرنا متعانقان خارج غرفتنا ؟
اشتعلت عيون توبة بقوة وهي تصرخ في وجهه وقد شعرت بالغيظ منه :
_ أنت غير محتمل حقًا، ليته يعلم أي الرجال أنجب، لقد خُدعت بك نزار .
ختمت كلماتها تتحرك بعيدًا تاركة نزار الذي نظر لرحيلها بعدم فهم لكل هذا الغضب الغير مبرر من وجهة نظره :
_ أبي يعلم أي نوع من الرجال أنا، لماذا إذن ساعدني في تسريع الزفاف، لقد خشي أن يُفتضح بين الممالك .
توقفت أقدام توبة قبل أن تخرج من معمله تنظر له بعدم تصديق، ليهز هو كتفه ببراءة شديدة :
_ والدك لم يكن سيصمت إن اختطفتك في النهاية .
_ يا ويلي نزار، هذا ليس أنت.
اتسعت بسمته وهو يتحرك صوبها بخفة :
_ حسنًا هذا أنا وذلك أنا الفرق مع من أنا عزيزتي .
ختم حديثه بغمزة وهو يتجاوزها متحركًا صوب رفوف الاعشاب يحصل على بعض الأعشاب له، ثم التفت يغمز لها :
_ بالتأكيد لن اعامل الرجال في الجيش والرجال في العموم، كما اتعامل معكِ عزيزتي، أم تريدين أن اعاملك أنتِ كما اعاملهم ؟؟
_ وكيف تعاملهم يا ترى سمو الأمير ؟!
مر نزار جوارها وهو يضم قوارير الاعشاب لصدره يتحدث بجدية كبيرة :
_ تمامًا كما لا أحب أن تُعامل امرأتي.
ومن ثم ودون أن تستوعب ما يحدث مال عليها يلتقط قبلة سريعة، يتحرك في طريقة بكل جدية وكأنه لم يفعل شيء تاركًا توبة تناظر طرفة بعدم فهم وصدمة من تصرفاته .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن فهمت يا عديم الفائدة؟!
_ ماذا ؟!
وفجأة شعر بضربة قوية تهبط فوق رأسه وصوت والدته يصدح في المكان بقوة :
_ ماذا ماذا أيها الاحمق، منذ ساعة تقريبًا وأنا أحدثك وأنت كالحمار تنهق ولا تفهم .
تذمر راجيش بقوة من إهانة والدته له :
_ أمي لا تتحدثي لي بهذه الطريقة وهذه النبرة رجاءً .
_ أي نبرة هذه ؟! وهل سمعت نبرة بعد؟! اقسم سأسمعك الرعد إن لم تنفذ ما اقول، هذه فرصتنا وقد عادت العزيزة سلمى واخيرًا، والله لو عبرت البرازيل لن تجد فتاة بمثل حسنها .
تشنجت ملامح راجيش بسخرية كبيرة يسمع والدته تسرد على مسامعه كيف يوقع سلمى المسلمة في حبه، وهو الهندوسي .
تمتم راجيش بسخرية :
_ تتحدثين كما لو أنها تتوسل قربي وأنا من اترفع عن الأمر
ارتسمت بسمة جانبية ساخرة أوسع يراها تشير صوب الباب الخاص بمنزلهم :
_ نفذ ما أقول وإلا لن تبصر المنزل مرة ثانية .
_ تريدين مني أن ارتدي ثياب مغرية لها وأحضر لها زهور حمراء واذهب للتودد لها ؟! ثياب مغرية؟؟ بالله ما الذي تقصدينه بهذه الكلمة إذ أشعر بالريبة منها .
_ نعم هذا ما ستفعل يا عزيزي، لديك اعتراض على حديثي ؟؟
مسح راجيش وجهه يحاول ألا يصرخ في وجه والدته بشكل يتسبب لها في مشاكل صحية كالمرة الأخيرة التي رفض بها أن يخرج في موعد مع فتاة أمريكية من أصل برازيلي .
_ حسنًا أمي، دعيني أوضح لكِ ما تجاهلتيه منذ دقائق طويلة، سلمى عادت بشكل مختلف عن عادتها، الفتاة عادت ومعها رجل ضخم يماثل ضعف حجمي، وأعتقد أنه زوجها، لذا لا فرصة لي حتى في غيابه، سلمى وإن كانت تريد الارتباط بي ما كانت لتنتظر كل هذا .
مالت والدته أمامه تضيق عيونها عليه :
_ هذه مجرد اعذار تضعها لنفسك تبرر بها ضعف حيلتك أمام الفتاة يا عزيزي، الرجل الحق لا يخشى الاعتراف للفتاة التي يحب أنه يحبها .
_ لكنني لا أحب سلمى .
أطلق تأوهًا مرتفعًا بمجرد انتهاء كلماته بعدما سقطت يد والدته على رأسه، ليفرك رأسه يحاول أن يتنفس بصوت مرتفع يهدأ وجهه، وهي فقط راقبته بضيق :
_ والآن ؟!
تنهد بقيلة حيلة يحاول أن ينجو من بين براثنها بعقل :
_ فقط أخبريني ما عليّ فعله عسى أن يقتلك الرجل وننتهي.
ــــــــــــــــــ
فتحت عيونها ببطء شديد تتأوه من وضعية رقبتها بعد نومة عميقة حظيت بها في المكان، تحاول الانفصال عن ذلك الحلم السييء الذي ابصرته، اعتدلت شيئًا فشيء تنظر حولها وهي تتثائب تبحث بعيونها عن أرسلان في أرجاء الغرفة، لكن لا شيء، لا أثر ولا صوت له .
فركت وجهها بتعجب تنادي عليه :
_ أرسلان... أرسلان أنت هنا ؟؟
نهضت عن الفراش تتحرك في المكان لتصطدم فجأة بشكلها في المرآة، ترتدي بيجامتها التي كانت تنام بها سابقًا، وغرفتها حولها منظمة تقريبًا كما اعتادت، توقفت فجأة تشعر بيدها ترتعش مبتسمة بسمة مصدومة :
_ هذه مزحة صحيح ؟!
أرجعت خصلات شعرها للخلف تتحرك في الغرفة بجنون، تنظر حولها تحاول إدراك ما تبصر، ومن ثم وبلا مقدمات اندفعت خارج الغرفة تصرخ بجنون باسمه وهاجس أو صوت خبيث همس لها في رأسها أن كل ذلك كان ...حلمًا .
كاد قلبها يتوقف، لا يعقل أن كل ما عاشته مع أرسلان حلمًا.
حلمٌ؟؟ بالله تموت ولا تعود لحياتها قبله .
_ أرسلان ؟!
كانت تناديه وهي تتحرك في المنزل تبحث عنه بعيونها وقد كانت تشعر بشعور سييء حينما أبصرت نفسها وحيدة، شعور داهمها بالخواء ولثواني فقط ..شعرت بالخوف .
خوف شديد أن يكون كل ما مر بها في تلك الشهور السابقة مجرد حلم فقط .
ابتلعت ريقها ترتجف يدها وهي تدور حول نفسها تهمس باسمه وفكرة صغيرة في رأسها تضئ .
" أيعقل أن كثرة قراءتها لقصته جعلتها تنشأ قصة له برأسها تكون هي بطلتها ؟!"
عند هذه الفكرة ارتجفت تبكي دون شعور وقد استند على الجدار خلفها تتهاوى ارضًا تدفن وجهها بين يديها، لا يعقل هذا ...
أين ذهب، أين ذهب وتركها وحدها ؟؟
_ أرسلان... أين أنت ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يا رجل هل جننت، ما الذي فعلته لكل هذا ؟؟ لقد سألتك فقط إن كان هذا منزل الآنسة سلمى وأنت...
اشتدت قبضة أرسلان حول رقبة الرجل يهمس بتحذير رغم عدم فهمه لما يقول هذا الرجل الغريب :
_ أخبرتك ألا تنطق اسم زوجتي على لسانك أيها الحقير، من اين لك بمعرفة اسمها يا هذا ؟! من أنت وماذا تريد منها ؟!
والرجل المسكين كان يشعر أنه سيتبول من شدة الرعب من نظرات أرسلان، هو فقط طرق الباب ولم يكد يكمل جملته في رغبته لمقابلة سلمى حتى وجد رقبته بين يدي الرجل الذي لا يفهم حتى كلماته .
_ أخبرتك أنني محصّل الضرائب، وسلمى رائف عليها الكثير من الضرائب المتأخرة وقد أخبرنا حارس البناية أنها عادت اليوم .
_ مجددًا تذكر اسم زوجتي ؟؟ .
كانت كلماته الأخيرة هامسة قبل أن يترك الرجل يتدحرج أمامه قبل أن يخرج خنجرًا من حزامه يشهره في وجه الرجل الذي شحب وجهه بقوة .
نفس اللحظة التي خرجت بها السيدة خان مع راجيش الذي تألق بثوب اسود جلدي لجذب نساء البرازيل في موسم التزاوج حسب أقوال والدته، لكن بمجرد عبور باب منزلهم ابصروا ما يحدث.
شهقت بها والدة راجيش وهي تعود ركضًا مع ابنها للمنزل يختبئان خلف الباب يطلان برأسيهما على الرجل وارسلان، لا يتجرأن حتى على الاقتراب من هذا المجنون .
همست السيدة وهي تراقب بأعين متسعة ما يحدث :
_ يا قدير من أين أحضرت سلمى هذا المجنون، سوف يقتل محصل الضرائب بين يديه .
لطم راجيش برعب مما يرى :
_ كل هذا وهو فقط محصل ضرائب، ماذا إن علم رغبتي بالزواج منها ؟؟ أخبرتك أنه زوجها ولم تصدقي .
_ لم نتأكد بعد من الأمر، ربما كان شقيقها فقط .
في اللحظة التي ختمت بها كلماتها أبصرت جسد محصل الضرائب يتدحرج ارضًا وصوت صياح أرسلان يعلو في المكان .
وراجيش فقط يردد برعب :
_ شقيق من ؟! الرجل يكاد يتناول محصل الضرائب فقط لأنه يطلب منه مقابلة سلمى، يا ويلي ماذا إن علم أنكِ تريدين مني الزواج بها .
فجأة ارتفع رأس أرسلان صوب المنزل الخاص بهم لتنطلق صرخة مرتعبة من فم والدته وهي تغلق الباب بسرعة في وجهه، تستند عليه بظهرها وكأنها ستمنعه دخول المكان .
بينما أرسلان أبعد عيونه عن الباب يعيدها صوب محصل الضرائب الذي كان يزحف بعيدًا عن المكان لينجد روحه، في الوقت الذي فتحت به والدة راجيش الباب مجددا تنظر لما يحدث في الخفاء مع ولدها .
وما كاد أرسلان يلحق بمحصل الضرائب، حتى سمع صوت هامس مرتجف خلفه باسمه .
_ أرسلان ؟؟
اعتدل أرسلان في وقفته يستدير لها بهدوء شديد يحاول أن يظهر بمظهر جاد هادئ متعقل، ولم يكد يرسم بسمة على فمه :
_ سلــــ...
صمت واتسعت عيونه في اللحظة التي أبصر بها مظهرها ببيجامتها المنزلية وخصلاتها المبعثرة وعيونها الباكية وهي تنظر له .
_ يا الله ....
ركض صوبها بسرعة يجذبها لأحضانه، يخفيها عن أعين الجميع، يحمل بيد واحدة من خصرها واليد الثانية يضم به رأسها لصدره يتحرك بسرعة داخل المنزل يغلقه بقوة في وجه الجميع دون اهتمام، فقط كل ما يشغل باله هو إخفاء طرف زوجته عن أعين الرجال في الخارج .
وبمجرد أن اطمئن أن لا ذكر في الجوار يبصر طرفها انزلها بسرعة ينظر لها بأعين مشتعلة يستعد للصراخ في وجهه :
_ ما الــــــذي كــــ....
لكن فجأة تلاشى غضبه وهدأت ملامحه بشكل سحري وهو يهمس بصوت حنون هادئ، ليس وكأنه نفس الشخص الذي كاد يتناول رجل في الخارج للتو :
_ سليمى حبيبتي ما الذي يبكيكِ؟!
أما عن سلمى فقط اكتفت بالقاء رأسها على صدره وهي تنفجر باكية لا تصدق تلك الفكرة المجنونة التي كادت تودي بها لحافة التعقل، يا الله لو كان صدق حدسها واكتشفت بعد كل هذا أنه مجرد حلم جميل بناه عقلها رأفة بها .
وارسلان لم يتحدث بكلمة فقط ضمها بحنان يقبل رأسها بلطف يداعب خصلاتها :
_ من أحزنك حبيبتي فابكيه المتبقي من عمره؟!
أما عن سلمى فقط ضمته بقوة وهي تزيد من بكائها، وهو فقط لم يستطع سوى أن أخذ يربت عليها بحنان وحب :
_ أنتِ تفعلين هذا لاتناسى أمر ذلك الغريب الذي كان يتساءل عنك ويريد مقابلتك ؟!
رفعت عيونها الباكية عن صدره تنظر له بعدم فهم :
_ غريب يريد مقابلتي ؟!
هو رأسه يعيد خصلات شعرها للخلف بحنان :
_ نعم، لقد أخذ يردد اسمك وهو ينظر داخل المنزل بوقاحة وكأنه يبحث عن شيء، كان يريد اقتحام المنزل وأنتِ نائمة لكنني منعته.
وسلمى لم تفهم من هذا الرجل الذي كان يرغب في اقتحام منزلها، لكنها فقط هزت رأسها:
_ ربما أحد المرضى الذين كنت اعالجهم .
_ وهل من العادة أن يزورك مرضاكِ في المنزل سلمى ؟!
_ لا أرسلان، لكنني فقط اخمن فمن يمكن أن يرغب في اقتحام منزلي سواهم ؟؟
_ دعكِ منه ومن الجميع وأخبريني ما بكِ ؟!
رفعت عيونها له، ليبتسم بحنان :
_ ما الذي أبكاكِ حلوتي ؟!
_ لقد ....فقط مر بخاطري كابوس .
_ أي كابوس هذا ؟!
نظرت لعيونه وأطالت النظر تهمس بصوت خافت :
_ ظننت أنك كنت حلمًا أرسلان.
ـــــــــــــــــــــــــــ
يتبع..........
تكملة الحلقة غدًا باذن الله، وهذا ما قرأتموه جزء صغير جدا مما حدث، الافضل ينتظركم.
دمتم سالمين
رحمة نبيل