تحميل رواية «أسد مشكى "ما بعد الجلاء "» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرحبًا أراك وقد عدت مشتاقًا لرفقتنا، ترقبت عودتنا كما فعلنا نحن، فكم يعز علينا تركك وقتًا طويلًا في عالم المفسدين خاصتكم.. لذا هلم واقترب من الحدود بين عالمينا فها هي أبواب وجهتك التالية تُفتح امامك على مصرعيها ، ولا ليست سفيد، أعلم انك ربما تشتاق لصوت أبواب سفيد، لكن دعني أخبرك أن رحلتك مع شعب سفيد انتهت وتم دعوتك بشكل رسمي لتحيا حياة أخرى، وعالم آخر قريب من سفيد لكن بنكهة مشكى وملك مشكى .... الآن وجهتنا التالية هي " درة الممالك " مشكى العزيزة تلك البلاد التي عاشت انهيارات اكثر مما ذاقت رخاءّ،...
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رحمة نبيل
الثاني والثلاثون | كان ولم يكن |
قبل القراءة أحب أبلغكم، إن أي سؤال ممكن يدور في عقلكم هتعرفوا إجابته قريبًا جدا، لكن صبرًا ولا تتسرعوا في الحكم .
الفصل إهداء لصديقتي العزيزة " تويتي "، إهداء بلا سبب تحت التهديد ...
صلوا على نبي الرحمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت ثواني فقط يتهادى بها للخارج وكأنه يسير في حدائق قصر والده، دون أن يحمل همًا لشيء، يسير بهدوء قبل أن يبصر الجميع يركض بشكل غريب أمامه، لكنه لم يهتم لشيء يرفع عيونه لهم ببرود يلقي عليهم سلامًا بسيطًا، ومن ثم انطلق يكمل طريقه صوب خارج القصر تاركًا خلفه موقد نيران مشتعل .
ثواني فقط ثواني قبل أن ينقض عليه أرسلان والذي كان في أوج غضبه يجذبه من ثيابه، وهو يصرخ في وجهه بجنون:
_ أيها الحقير لقد فاض الكيل منك ومن أفعالك، هذه المرة لن احسب حسابًا للعجوز آزار وسأخلص الممالك أجمع منك ومن شياطينك أيها الخائن الــ
وقبل إكمال كلماته وإخراج روح نزار بين قبضته، كان إيفان يتدخل وهو يجذب جسد أرسلان للخلف :
_ لا تفعل أرسلان، استحلفك بالله ألا تفعل.
لكن الأخير لم يكن يعي بكلمات إيفان ولا يبصر أمامه سوى سواد ودمار وخراب، يصرخ بجنون وغضب مرعب:
_ قسمًا برافع السموات أنني لن ارحمك هذه المرة نزار، ليس هذه المرة وسأجعل جسدك هذا بقايا جسد رجل .
سحب إيفان أرسلان للخلف بصعوبة شديدة وقد كان يبدو كما لو أنه يتمسك بالأرض أسفله، ونزار يحاول التنفس بشكل طبيعي يستند على الجدار خلفه والمعتصم يحيط به مخافة أن يهرب.
تحدث إيفان وهو يصرخ في وجه نزار بغيظ شديد :
_ ألم تجد خير من هذا الوقت لتظهر في وجه هذا الرجل؟! هو كالثور ينتظر راية حمراء وجئت أنت تلوح بها .
نفض نزار ثيابه بضيق شديد وهو يحاول الوقوف بشكل جيد يجيبه بملامح غاضبة وبشدة :
- هو طوال الوقت ثور .
التمعت عيون أرسلان بغضب شديد سرعان ما تلاشى وحل محله الصدمة والرعب حينما نطق إيفان ببساطة شديدة :
_ فاتك ترويض هذا الثور على يد زوجته .
وبمجرد انتهاء كلماته حتى انتفض جسد أرسلان يصرخ برعب شديد وهو يدفع إيفان بعيدًا عنه يهرول في الطرقات :
- يا ويلي سلمى ...
ومن ثم توقف ثواني يشير صوب نزار بشر :
- ضع هذا الرجل في أي مكان لحين أعود له .
ومن ثم اكمل طريقه بكل بساطة .
نظر إيفان لاثره وهو يشير صوب المعتصم الذي كان يتابع الحوار العبثي هذا بعدم فهم، ومن ثم قال إيفان بهدوء شديد :
- فقط أبعد هذا الرجل عن الممر قبل أن يبصره أرسلان مجددًا .
_ هل ... هل أعيده للسجن ؟!
_ لا ضعه في أي غرفة حتى ينتهي كل هذا ويعود الملك آزار لينظر ما سنفعل معه لهذا النمرود .
قلب نزار عيونه بغضب شديد من كلمات إيفان، بينما المعتصم يحاول فهم ما يحدث، لكن لا أحد يتحدث ولا أحد يفسر، تحرك إيفان خطوات كي يلحق بارسلان، لكنه توقف مجددًا ينظر صوب نزار يرفع إصبعه في وجهه هامسًا بنبرة مخيفة حادة:
_ أقسم بالله نزار إن حاولت الهرب كعادتك سأكون أنا من يتخلص منك ومن أفعالك الحقيرة تلك .
ختم كلماته يرحل تاركًا نزار يراقب رحيله بهدوء شديد وهو يضم يديه لصدره، ينظر صوب المعتصم الذي كان يراقب ما يحدث ببلاهة شديدة، يسمع صوت نزار وهو يتحدث بعد تنهيدة طويلة :
_ إذن دعنا نرحل من هنا .
ـــــــــــــــــــــــــــ
خلف صوت الرصاصة صمت ينافس صمت القبور ليلًا، لا أحد يتنفس بصوت مرتفع حتى مخافة أن تصيبه سلمى بضربة من تلك الآلة الغريبة التي تحملها بين أناملها، الكل يراقبها بأعين متسعة .
وزمرد تراقب بأعين منبهرة .
ابتسمت لهم سلمى بسمة صغيرة وهي تتحرك تشير للجميع بالمسدس تهتف بهدوء شديد:
_ سيوفكم ارضًا.
نظر الرجلين لبعضهم البعض بتردد، قبل أن يرمي أحدهم السيف ارضًا رعبًا مما يمكن أن يصيبهم منها إن اعترض أحدهم، وتبعه الثاني لتكمل هي كلماتها بهدوء أشد:
_ والآن ضعوا أيديكم حيث يمكنني أن أراها.
نظر لها الجميع بعدم فهم لتهمس لها زمرد وهي تشير صوب أيدي الرجال :
_ ألا تبصرين ايديهم ؟!
نظرت لها سلمى ثواني لتدرك أن جملتها لم تكن مفهومة لهم، وقد ترجمتها ترجمة حرفية ولم تعلم كيف تُنطق بالعربية، لكنها قالت مجددًا وهي تلوح بالمسدس في الهواء :
_ أعني أيديكم للأعلى فوق رؤوسكم وانبطحوا للأسفل .
فعل الرجال ما طلبته سلمى لتبتسم كهرمان وهي تراقب ما يحدث باستمتاع، بينما فاطمة كانت ما تزال مصدومة لا تدرك حتى ما حدث للرجلين اللذين تلقيا ضربة من آلة سلمى، لكنها كانت تتابع بهدوء وترقب للقادم .
وحينما انتهى الرجلين مما أمرت سلمى به ابتسمت برضا شديد، ومن ثم هتفت ببساطة :
_ هذا جيد والآن ابقوا بهذا الوضع حتى أرى ما يمكنني فعله بكما .
نفخت زمرد بسخرية وهي تشير للرجلين بضيق :
_ ما هذه الالعاب ؟! وما هذه الوضعية السخيفة، هل نحضرهم لاستقبال قنبلة أعلى رؤوسهم ؟! سوف اقتلهم وننتهي .
نظرت لها سلمى برفض شديد وهي تمسك بمرفق زمرد برفض شديد لما تقول :
_ لا يمكنك ذلك، لا يحل العنف كل شيء، لذا توقفي عن اتخاذه طريقة لحل مشاكلك هذا ليس جيدًا على صحتك النفسية .
نظرت زمرد ليد سلمى التي تمسك ذراعها ثواني قبل أن ترفعها وتحركها على الرجلين اللذين أصابتهما رصاصات سلمى منذ ثواني، ومن ثم عادت بنظراتها الساخرة صوب سلمى تميل برأسها وهي تجذب ذراعها :
_ ابعدي جناحك هذا عن يدي، وانظري حولك يا ابنتي، هل أنتِ عمياء ؟! لقد ثقبتي للتو رأس الرجلين وصنعتي نفقًا بجحم حبة بندق برأس كل منهما.
أبعدت سلمى يدها عن مرفق زمرد وهي تبتسم لها بسمة صغيرة خجلة، تحاول تبرير ما فعلت منذ ثواني :
_ كان الأمر فقط أنني اضطررت لذلك، لم يكن اختيارًا وضعت به فاخترت العنف، هذا يختلف .
أشارت زمرد صوب الرجلين ارضًا :
- نعم والآن أنا مضطرة كذلك للعنف هذا ليس اختيارًا لعلمك .
- وما الذي يجبرك وقد جردتهما من اسلحتهما ؟!
أشارت زمرد لعقلها وهي تهمس بجدية :
_ عقلي، صدقيني إن لم افعل ذلك لن أنم ليلًا لكثرة الكوابيس التي ستأتيني، لذا دعيني افعل ما أريده كي أنام هانئة البال....هيا اعطني ثاقب الرؤوس هذا واخبريني أي جزء يجب أن اضغط عليه كي افجر رؤوسهم ؟؟
اتسعت عيون سلمى من بساطة الحديث لتتأكد في هذه اللحظة أن كهرمان لم تكن تمزح سابقًا حينما اخبرتها أن زمرد ليست بهذا اللطف وأنها كانت مجرمة سابقًا، كانت تعتقدها تمزح معها، لكن بالنظر لوجه زمرد وبساطة الطريقة التي تتحدث بها عن القتل أدركت أنها أبعد ما تكون عن المزاح .
في هذه اللحظة وقبل أن تقرر سلمى أن تردع زمرد عن فعل شيء اقتحم أرسلان المكان بسرعة وهو يصرخ بفزع، يمرر عيونه على كهرمان يتأكد أنها بخير، يدرك أن شقيقته تدري جيدًا كيف تقاتل وتحمل سيفًا تقطع به من يقترب منها أربًا دون رحمة وهو من عكف على تدريبها، لكن زوجته المسكينة لا يمكنها سوى القتال باليد وهذا سيكون انتحارًا ضد رجال بأسلحة، لذا اقترب منها يهتف بخوف :
_ سليمى أنتِ بخير !!
تنفست سلمى الصعداء واخيرًا الصعداء حينما أبصرته بخير رغم كل الدماء التي كانت تغرق ثيابه، يتحرك صوبها وهو يعتذر منها :
_ أنا آسف أنا المخطئ في هذا، كان عليّ تأهيلك لمثل هذه اللحظات وتعليمك المبارزة لتدافعي عن نفسك، أنا آسف.
تحدثت زمرد بسخرية لاذعة :
_ والله بل واجب عليك تأهيل المحيطين بها ليتعاملوا معها .
نظرت صوب كهرمان التي كانت تراقب شقيقها وقد وجد اخيرًا ما يخاف عليه، ويحميه ويعطيه جزء من روحه ليحيي به الجزء الآخر.
لكن فجأة استفاقت على صوت زمرد زهي تردد بسخرية:
_ تراه مسكينًا، ويراها وديعة، وفي الحقيقة كان الإثنان جزارين مختلين، ليعين الله شعبكما عليكما .
دخل إيفان المكان وهو يتحرك صوبهما يطمئن على زمرد وكهرمان وهو يمرر عيونه عليهما بحنان شديد، يخرج منديل من جيبه يمسح الدماء التي تغرق وجه زمرد بفزع شديد كي يتأكد إن كانت دماءها أو لا.
لتمسك زمرد يده بلطف وهي تقبلها بحب :
_ لا تخف أخي ليست دمائي .
ضحكت كهرمان بخفة وهي تربت على ذراع إيفان بحنان :
_ تعلم أختك إيفان، لقد أثقلت في القتال .
ضم إيفان يد كهرمان بحنان شديد :
_ تفعل ما تشاء كهرمان الأهم أن تكون سالمة في النهاية .
نظر لها بحب هامسًا بصوت خافت يطمئن عليها :
_ وكذلك أنتِ جوهرتي .
ابتسمت له بحب قبل أن يقتحم دانيار المكان يطمئن على الجميع من زوجته، ليسمع صوتها وهي تتذمر :
- أين كنت دانيار، تأخرت وفاتنا المشاركة في مشهد لقاء ما بعد الحرب مع الجميع، قصرت رقبتي والجميع يطمئن على زوجته وأنت لست هنا .
تنهد دانيار باطمئنان حينما ابصرها تقف بخير، ثم تحرك لها ينبث بلطف:
- أتمنى أن تكوني استمتعي زمرد .
ابتسمت له زمرد قبل أن يسمع الجميع صوت أرسلان يهتف بقلق :
_ هل أصابك أحدهم بسوء ...
أجابته زمرد بسخرية وهي تشير لجثة الرجلين ومن يجلس ارضًا ينتظر مصيره :
_ بل زوجتك هي السوء بحد ذاته .
حرك أرسلان عيونه بعدم فهم صوب ما تشير له زمرد، ليبصر الاجساد ارضًا بوضع غريب وميتة غريبة، والبعض يرفع يده وهو يجلس منبطحًا وكأن المعلم يعاقبه لعدم إتمام الواجب، ليتحدث بعدم فهم :
_ ما....ما الذي حدث هنا ؟!
رفعت له زمرد عيونها تهتف وهي تشير صوب سلمى ساخرة معلقة على جملة أرسلان برغبته تعليم زوجته الدفاع عن النفس :
- اقترح مولاي أن تبدأ في تعليم الجميع كيفية الدفاع عن النفس ضد تلك المشعوذة التي تزوجت بها .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهدوء كان كل ما يمكن الشعور به وسماعه في المكان بأكمله، بالإضافة إلى أصوات تنفس الصغير الذي غفى على أقدام حور وقد بدأت تداعب خصلاته بحنان، وخالد يجلس جوار الباب وهو يحمل بين يديه بعض السهام تحسبًا لأي هجوم .
فجأة شرد بها وهو ينظر لها بإعجاب شديد، رغم أن جزء قليل فقط هو ما كان يظهر من ملامحها، إلا أن ذلك الحنان المنبثق من عيونها الجميلة جذبه ورسم لها صورة أشد جمالًا في عقله لها .
حرك عيونه صوب الصغير يبتسم بلطف :
- شقيقك الصغير ؟!
_ لا بل طفلي ..
انقطعت أنفاس خالد في تلك الثانية وشحب وجهه بقوة وهو يحاول إدراك ما قيل منذ ثواني، طفلها ؟؟ كيف يكون ؟!
ابتلع ريقه بصعوبة يحاول إخراج كلمات موزونة لا تظهر خيبة أمله ولا صدمته :
_ طفلك ؟؟ تبدين صغيرة لتكوني أم .
- وهل كان العمر عائقًا يومًا أمام الامومة ؟!
ختمت حور كلماتها وهي ترفع عيونها في وجهه ثواني، ثم اخفضتها تنظر صوب الصغير وخالد ألتزم الصمت ثواني وقد فشل زحفه صوبها قبل حتى أن يقترب من حصونها، شيء مخيب للآمال ومحبط .
_ وأين زوجك يا ترى ؟؟
لم تجبه حور، بل فقط رفعت عيونها وهي تقول :
- هل سنظل هنا للأبد ؟؟ أريد الخروج، أشعر أن الأمر في الخارج قد انتهى بالفعل، لذا دعنا نخرج .
نظر لها ثواني، ثم هز رأسه لها، وتحرك صوب الباب يشير لها بالبقاء :
- فقط ابقي هنا حتى اتأكد أن كل شيء اصبح بخير و...
وقبل إكمال جملته وجد الباب يُفتح بقوة ليتراجع صارخًا بفزع وقد فاجئه الرجل الذي فتح دون سابق إنذار .
انتفض جسد حور لصراخ خالد وهي تضم جسد الطفل تحمد ربها أن صرخة خالد لم توقظه مفزوعًا، تراقب ما يحدث بأعين متسعة .
وخالد أخرج سهمًا يلوح به أمام ذلك الرجل الذي تعجب وجودهما في غرفة الأسلحة:
_ من أنتما وماذا تفعلان هنا ؟؟
فتحت حور فمها للتحدث، لكن اوقفها خالد وهو يسد الرؤية عنها وقد احتل الفراغ بينها وبين الرجل :
_ اسمع يا هذا، مرورك صوب الفتاة خلفي سيكون على جثتي، إذا كنت تريد العبور لها، فعليك بالتخلص مني اولًا .
ختم كلماته وهو يضع السهم داخل القوس بسهولة، ومن ثم رفعه في وجه الجندي الذي كان يراقب ما يحدث وعلامات استفهام كثيرة تحلق فوق رأسه؛ أكبرهم، من هذا الرجل الغريب ؟؟؟؟
في تلك اللحظة جاء رجل ثاني يحمل بعض الأسلحة، يحرك عيونه في المكان بعدم فهم :
_ ماذا يحدث هنا ؟!
هز الرجل كتفه بعدم فهم وهو يشير صوب خالد :
_ لا أعلم ما يحدث وهذا الرجل الغريب يردد كلمات مريبة، لا أعلم كيف جاءوا لمخزن الأسلحة.
لوح خالد بالسهم في وجوه الاثنين محذرًا :
_ تحدث ببطء يا هذا فأنا لا أفهم هذه الكلمات السريعة، واحذرني فأنا قد أبدو وسيمًا وراقيًا، لكن خلف غطاء الرقي هذا يقبع مجرم على استعداد لتحطيم هذا المكان فوق رؤوس الجميع إن اقترب أحدكم مني .
ضرب أحد الرجلين يد بالاخرى وهو يدفع خالد جانبًا، يضع الأسلحة في مكانها :
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، شفاك الله وعفاك يا أخي، أنصحك بالتزام الصلاة والذكر، وسيشفيك الله بأمره من هذا الجنون .
نظر لهم خالد وهم يتحركون لرص الأسلحة دون حتى الإهتمام به وهو يقف في منتصف الغرفة يحمل السهم، بينما حور تضم لها الصغير في ركن الغرفة ترمش بعدم فهم لما يحد ويقال .
استدار لها خالد ينظر لها ثواني قبل أن يبتسم ببلاهة :
_ المساكين من شدة الخوف يتصرفون ببلاهة عير محسوبة .
رفعت له حور حاجبها، ليتحرك صوبها، ينحني بسرعة يلتقط جسد الصغير بين أحضانه بشكل طبيعي وكأنه اعتاد فعل الأمر:
_ دعينا نخرج من هنا قبل أن يفيقا من صدمتهما .
ختم جملته يتحرك بسرعة للخارج وهو يحمل الصغير وحور تراقب أثره بأعين متسعة مصدومة، قبل أن تهرول خلفه كي تأخذ منه الصغير:
_ أنت ما بك ؟؟ أعد لي طفلي أيها المختل .....
ـــــــــــــــــــــــ
اتسعت أعين أرسلان وهو يحرك عيونه على ما
فعلت زوجته، يحاول فهم ما حدث، ومن ثم رفع عيونه صوبها لتمنحه سلمى في هذه اللحظة أكثر بسماتها لطفًا ونظراتها وداعة وهي تضم كفيها أمامها تحمل بينهما مسدسها، ورغم ذلك حاولت ألا يؤثر وجود المسدس على صورة الملاك البرئ الذي تحاول رسمه .
بينما زمرد هزت رأسها وهي تقول باقتناع :
_ والله صدقتها .
أما عن أرسلان فكان ما يزال يحدق بهت بملامح غير مفسرة يشير صوب الجثث :
- أنتِ من فعل هذا ؟!
ابتسمت له تهز رأسها بنعم، ومن ثم أشار أرسلان على الرجلين الذين يجلسان ارضًا في انتظار حكمه :
_ وهذا ؟!
ومجددًا هزت رأسها، ليشير على جثث أخرى لتنفي بسرعة وهي تدافع عن نفسها أمامه:
- لا هؤلاء لم أفعل لهم شيئًا اقسم، كانت كهرمان أو زمرد.
وافقتها زمرد وهي تشير صوب أحد الرجال ارضًا بفخر :
_ نعم هذه الجثة هي صنع يدي ، وهذا هناك لكهرمان، يمكنكم رؤية الفرق بالطبع، بين من يقتل بحب ومن يقتل بعدم احترافية .
تحركت أعين الجميع صوب زمرد التي لم تفهم سبب نظرات أحدهم .
ليزفر أرسلان بصوت مرتفع يمسح وجهه بقوة :
_ حسنًا، لن نتناقش الآن في الجثث وصنع يد من هي، الآن تحركوا جميعًا خارج هذا المكان حتى يتم نقل الجثث بعيدًا وتنظيفه فلا يمكنكم الجلوس في مثل هذا المكان طويلًا ورؤية هذه الجثث ..
أشار لهم دانيار بسخرية كبيرة :
_ نعم صحيح، لا يمكنهم رؤية صنع أيدهم، هذا سيضر بنفسيتهم .
استدارت له زمرد بحنق شديد :
_ ماذا تريد أنت ؟! أن أصاب بحالة نفسية صعبة الشفاء وأنا اجلس ساعات بين كل هذه الدماء ؟! اارجل يخشى حدة المشهد على أعيننا وأنت لا تبالي.
تأتأت بصوت مرتفع، قبل أن تنظر له من أعلى لأسفل بحنق شديد، تمسك يد كهرمان ومن ثم تحركت لتجذب فاطمة والتي كانت صامتة بشكل غريب وهي تراقب الجميع بأعين شاردة وبعدم إدراك وكأن دوامة ابتلعتها .
ألقت زمرد نظرة أخيرة على سلمى :
_ أنتِ الحقي بنا ودعيهم ينتهون من عملهم عسى أن يرتاح السيد دانيار.
ختمت حديثها وهي تتحرك خارج الغرفة تاركة دانيار يراقبها بأعين متسعة مصدومة يحاول إدراك الخطأ الذي ارتكبه من الأساس، ليتنهد بصوت مرتفع يمسك الاحياء منهم يخرجهم معه صوب السجن.
بينما إيفان نظر نظرة صغيرة صوب أرسلان، ثم استأذن بهدوء يخرج من المكان تاركًا له الوقت ليطمئن على زوجته، وتحرك هو لينتهي من الاهتمام بكل شيء وتوابع الهجوم...
وبمجرد أن خرج آخر شخص من المكان ..
مال رأس أرسلان بهدوء حتى استقر على كتف سلمى التي رفعت كفها تضم رأسه بحنان شديد وهي تميل عليه برأسها ويدها تداعب خصلاته التي كانت هائجة بشكل يحكي عن المعركة التي خاضها .
وأرسلان فقط يتنفس بهدوء يحاول إيجاد سلامه على اكتافها، يلقي سيفه ارضًا للمرة الثانية لأجلها، ومن ثم رفع كفيه يستبدل سيفه بخصرها، يضمه بحنان مناقض لمسكته السيف سابقًا، واخيرًا وجد أرسلان روحه الهائمة بين أحضانها لسلمى .
ومرت الدقائق طويلة بينهما على هذا الوضع، أرسلان يرتشف منها راحة وسكينة افتقدها طوال ثلاث عقود عاشهم فوق هذه الأرض، وسلمى تستمد آمانًا عاشت عمرًا تنبش عنه بين غدر الحياة .
استكان أرسلان لها، وامنت سلمى بين أحضانه....
واخيرًا وبعد دقائق اضافية، سمعته سلمى، يهمس بصوت منخفض مرهق :
_ متى الخلاص سليمى ؟!
ابتسمت سلمى بحنان وهي تطبع قبل صغيرة على رأسه والتي ما تزال مستقرة على كتفها :
_ قريب أرسلان، قريب يا عزيزي .
_ وإن لم يكن قريب فهل تكوني ؟!
نظرت له سلمى بعدم فهم، ليرفع رأسه هامسًا بحب :
_ كوني خلاصي من شياطيني، ونجاتي من نفسي سليمىٰ.....
«شخص واحِد فقط؛
تستطيع أن تقولَ أمامه أنك مهزوم
ولا تجرحك حِدة الكلمة، مهزوم، ولا تجرحك شفقَة النظرة، مهزوم، ويميل رأسُكَ على كتفه ببساطة»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف سالار فجأة قبل بلوغ حدود آبى وقد شعر بالخطر يتحرك حوله والأصوات تختفي بشكل مريب ..
نظر له آزار بعدم فهم :
- سالار ما بك و...
فجأة صمت حينما شعر بنفس شعور سالار، وقد بدأ جهاز الانذار يصدح داخل عقله بضراوة منبهًا إياه لخطر قريب .
بينما سالار ضيق عيونه بتفكير يحركها بين الاحراش وكأنه يخضعها لأستجواب عما تخفيه بين أشجارها الكثيفة، يدرك في اعماقه أن هناك شيء غريب يحدث حوله .
_ هذا فخ ..
همهم سالار ردًا على جملة آزار وقد شعر بالمثل، وكم كان ممتعًا لسالار التعامل مع شخصٍ بمثل عقل أصلان، ذلك الحقير يدرك جيدًا كيف يلاعبهم .
أخرج سيفيه يشهرهم في الهواء يردد بصوت شبه مسموع :
_ الحمدلله أن اطال الله في عمري لارى خنزيرًا يفكر .
فجأة وقبل أن يجيبه آزار ظهر العديد من الرجال يخرجون من بين الأشجار يرفعون سيوفهم في الهواء أمام سالار وازار ومن معهم .
وانبثق صوتٌ من بينهم يردد بهدوء شديد:
_ مرحبًا يا رجال مر وقت طويل ها ؟!
رفع سالار عيونه صوب جسد أصلان الذي خرج من بين الرجال، ليبتسم له بسمة هادئة صافية لا تظهر أيًا مما يدور داخله .
_ والله أنت الاعلم مني أصلان، فأنا بالتأكيد لا أحسب الأيام في بُعدك لاخبرك إن كان مر وقت طويل أم لا، لكن يبدو أن الخوف الساكن في جوفك كان له الفضل في جعلك تعد الأيام في انتظارنا .
_ أوه لكم اشتقت لكلماتك الحكيمة سالار، مازلت كما أنت.
هبط سالار عن حصانه بهدوء شديد وهو يتحرك صوب أصلان الذي لم يهتز له شعره واحدة :
_ منذ متى وتساوت المقامات بيننا أصلان ؟! أراك تناديني بسالار وكأنك رفيق قديم لي ؟؟
_ أولم نكن ؟!
_ انقطع الخير بيني وبينك حينما قررت التخلي عن نفسك لصالح الخنازير أصلان.
ادعى أصلان كل الحزن داخل صدره وهو يتنفس بصوت مرتفع وبشكل يدل على خيبة الأمر والضيق :
_ خسارة حقًا ...
_ لا بأس عليك اعتياد الخسارة بشكل عام فهناك الكثير منها ينتظرك.
اتسعت بسمة أصلان بشكل مريب ثم همس بصوت خافت وصل واضحًا لسالار :
_ لا بأس سأنتظرها على عرش سفيد إذن.
نظر له سالار ببرود وهو يضغط على سيوفه يتجهز للقتال قبل أن يلقي أصلان بقنبلته:
_ ألم أخبرك ؟؟ بينما تشرفني أنت والملك آزار في مصيدتي المتواضعة تلك، ويلملم أرسلان ما يحدث داخل مملكته مع إيفان، هناك جيش آخر يتوجه لسفيد ويحكم سيطرته عليها، وهذا ما اسميه أنا بالحرب الباردة.
_ أوه حقًا ومن أين ستحضر جسدًا يجلس على العرش أصلان ؟!
نظر له أصلان بعدم اهتمام وهو يرسم أكثر الملامح الباردة والمستفزة اعلى عيونه، بينما سالار أكمل:
_ فبينما ينتهي أرسلان من بقايا ذكورك، ويتخلص تميم من نصف جيشك، أكون أنا دفنتك بأرضك .
_ سنرى بهذا الشأن، من يدري ربما يخرج رجالي منتصرين في كل الحالات، إما بسفيد، أو ربما بغنيمة ثمينة، كزوجتك مثلًا ..........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإِنسانُ يتألَّم بالوهَمِ أكثر مما يتألمُ بالحقيقة.
- الرّافعي.
تحرك بين الممرات بعدما انتهى من حبس نزار في إحدى غرف القصر، يبحث بعيونه وبكل اللهفة داخله على زوجته، لكن وقبل أن يعثر عليها فجأة توقف في منتصف الطريق حينما أبصر جسد إلياس يقطع طريقه .
_ جيد أنني وجدتك، هناك من يريد لقائك و...
دفعه المعتصم جانبًا دون اهتمام يتجاهله كليًا وهو يهرول بعيدًا عنه دون كلمة واحدة تاركًا إلياس يراقبه بأعين متسعة من تصرفه معه، يحاول إدراك ما حدث منذ ثواني .
ليشتعل وجهه بالضيق الشديد وهو يتحرك خلف المعتصم بإصرار وكأنه لا يبصر حالة الدمار التابع للمعركة التي يغرق بها القصر أو البلاد، إذ كان إلياس لا يبصر أبعد من أنفه ولا يرى غير غايته ورغبته الوحيدة التي بنى كامل حياته عليها وليس على استعداد ليخطط لحياة جديدة متخليًا عما بناه سابقًا .
تحرك المعتصم صوب غرفته كي يبحث عن فاطمة وبمجرد أن دخلها وجد الصمت يملئها حتى شعر أنه يكاد يختنق بهذا الصمت المريب، وأدرك في ثواني أن فاطمة ليست في هذا المكان .
سقط قلبه رعبًا خشية أن يكون أذى قد صابها، وتحرك مهرولًا خارج المكان يبحث عنها بين ممرات القصر وقد هداه عقله أن يبحث لدى الملكة لربما يكون قد ابصرها أحدهم .
وفي طريقه لجناح الملك توقف حين سماعه صوت بكاء مرتفع يدركه جيدًا، توقفت أقدامه وتباطئت حركته شيئًا فشيء، حتى استقر أمام جسد صغير مكوم في أحد الممرات وحوله العديد من الاشخاص الذي لم يبصر منهم أحدًا وهو يركض مفزوع صارخًا باسمها :
_ فاطمــــة .
في تلك اللحظة وقبل وصول المعتصم بثواني وبمجرد خروج زمرد مع فاطمة، شعرت بها تتوقف فجأة، نظرت لها بعدم فهم وهي تدعوها لإكمال المسير، لكن فاطمة ظلت مكانها تأبى التحرك خطوة تهمس كلمات منخفضة غير مفهومة.
اقتربت منها زمرد تهمس بحنان:
- فاطمة ما بكِ ؟!
نظرت لها فاطمة بأعين دامعة ووجه شاحب غريب :
_ أريد المعتصم ...
نظرت لها ثواني وهي تحاول فهم ما تقصد قبل أن تخمن بلطف وهي تحاول إمساك يدها مجددًا :
_ المعتصم هذا زوجك ؟!
لكن فاطمة جذبت يدها بعيدًا عن زمرد بعنف وهي تتراجع للخلف مرة ثانية تهتف دون إدراك لما حولها :
_ أريد المعتصم، أين هو ؟؟
أخذت تنظر حولها بحثًا عن مصدر أمان واحد لها، لكن المحصلة كانت صفر، لم تدرك منهم أحدًا، ولم يتعرف عقلها على أحدهم ليبدأ جدار الحماية الذي كان يفرضه حولها بالانهيار أسفل تيارات القلق والخوف .
وابتعدت فاطمة للخلف باكية وهي تهتف باسم المعتصم وامها، وقد بدأ جسدها يرتجف وهي تهتف باسم المعتصم متراجعة للخلف دون أن تنظر أين تخطو، وانتهى بها الأمر ساقطة ارضًا لتطلق كهرمان مرتعبة وهي تهرول صوبها ترفع طرف ثوبها كي تستطيع الجلوس ارضًا جوارها .
_ بسم الله، ما بكِ فاطمة، اهدأي عزيزتي زوجك ربما في الخارج وسيعود .
لكن فاطمة فقط نظرت حولها بأعين ضبابية وقد بدأت دموعها تتساقط دون التحدث بكلمة، والوجع الذي سكن عيونها في تلك اللحظة جعل دموع زمرد تسقط دون شعور وهي تبصر نفس نظراتها حينما سجنت في سجون أخيها، نفسها نظرات الرعب والقلق، لكن الفرق الآن أن سجن فاطمة أشد من سجون أخيها، كانت الصغيرة سجينة عقلها .
فجأة ظهر رجل يركض في المكان وهو يهتف باسم فاطمة برعب، يركض صوبها وهو يلتقط جسدها دون كلمة واحدة بين أحضانه.
وكأن وجود المعتصم في هذه اللحظة كان بداية لتحرير مخاوف فاطمة وانهيارها، إذ في ثواني ودون كلمة واحدة انفجرت في البكاء داخل أحضانه، تتمسك بثياب المعتصم وهي تردد كلمات غير مفهومة :
_ في الداخل، كان في الداخل ....الجميع في الداخل والحريق يأكل كل ما يقابله، لقد كاد يقتلني ....والحريق ... أبي وأحمد يا المعتصم .
بالنسبة للجميع كانت كلمات فاطمة غير مفهمومة ولا معروفة لهم، لكن للمعتصم، كان يعلم ما تقصده من كل حرف يخرج من شفتيها، يربت عليها بحنان شديد :
_ لا تبكي عزيزتي أنا هنا، ولن اسمح لشيء بالحدوث، لا تبكي فاطمة لا سوء سيمسك عزيزتي، أنا هنا .
نظرت كهرمان للمشهد أمامها، وقد قررت أنه عليهما الرحيل، امسكت بكف زمرد تجذبها بعيدًا، بينما الاخيرة عيونها معلقة بفاطمة وقد آلمها قلبها على كل تبصره من انهيارها ..
لكنها في النهاية رحلت بهدوء مع كهرمان تدعو أن تعثر فاطمة على مخرج لها من السجون التي تضع بها نفسها .
دقائق مرت وهو يضم له فاطمة والعجز يرسم خطوط واضحة على وجهه، وفي لحظة يأس شعر المعتصم أن حياته وزوجته ستفنى بين الاحزان..
لكن رحمة الله به تجلت في الثانية التالية يسمع صوت يأتي من نهاية الممر ينادي باسم فاطمة، ولم يكن ذلك الصوت سوى سلمى والتي بطريقة ما علمت ما حدث وهرولت صوبهم .
ابتعد المعتصم عن فاطمة وهو ينظر لسلمى بتوسل وكأنه يخبرها بنظراته أن تغيث زوجته وتنقذها قبل أن تبتلعهما مخاوفها .
بينما سلمى فقط جلست على أقدامها وهي تتحدث بكلمات كثيرة نصفها لم يصل لفاطمة، والنصف الآخر حاولت دفعه بالقوة داخل عقلها ...
_ فقط تنفسي فاطمة تنفسي وانظري حولك عزيزتي، لا احد هنا ولا نيران، فقط انظري نحن في القصر حيث لا شيء سييء سيطولك، المعتصم هنا وأنا هنا والجميع حولنا، هيا انظري حولك هيا ...
رفعت فاطمة عيونها لسلمى ودموعها تسقط بخوف وجسدها يرتجف، بينما فاطمة فقط ضغطت على كفها تتحدث بصوت حنون :
_ كل هذه مجرد أحلام، كل ذلك ماضي صغيرتي، لا شيء هنا ولا نيران ستبتلعك، انظري لي، هل تشعرين بحرارتها ؟؟
نظرت لها فاطمة ثواني وسلمى استرسلت في كلماتها:
_ هل تشعرين بحرارة النيران هنا ؟! هل تسمعين أصوات صرخات حولك الآن ؟!
نظرت لها فاطمة ثواني بأعين زائغة تحاول التنفس بشكل طبيعي وهي تنظر حولها بأعين ضبابية بسبب دموعها، قبل أن تبتلع ريقها، تشعر بسلمى تمسك كفها تمدها في الهواء رافعة إياها أمام عيون فاطمة :
_ هل تستشعر كفك أي حرارة !؟
حركت فاطمة عيونها صوب كفها وهي تحاول فهم ما يحدث، ثم نفت برأسها، بينما سلمى ابتسمت لها بحنان :
_ والآن انظري جوارك من هذا ؟!
حركت فاطمة عيونها ببطء صوب المعتصم تهمس بصوت منخفض :
_ المعتصم ..
_ نعم المعتصم، اسمعيني فاطمة حيثما يكون المعتصم يكون واقعك عزيزتي، المعتصم الآن هنا، إذن لا حريق ولا دماء، هذا واقعك حبيبتي.
كان أرسلان في الخلف يتابع ما يحدث ورغم عدم فهمه للأسلوب الذي تتبعه زوجته والكلمات التي تبدو للغير في منتهى البساطة، إلا أنه انبهر حينما أبصر هدوء فاطمة واستيعابها ما يحدث حولها، وكأنها لم تكن تحتاج سوى لتأكيد صغير أنها بخير وكل شيء حولها بخير .
ابتسمت سلمى وهي تربت على رأسها بحنان، تنظر صوب أرسلان الذي ابتسم لها بحنان، ومن ثم همست لها وقد قررت أن تكمل معها جلساتها المنقطعة :
_ ما رأيك بالمجئ معي والجلوس في شرفتي ؟! زرعت بعض الورود الجديدة تعالي لترينها .
نظرت فاطمة للمعتصم الذي رسم بسمة صغيرة بصعوبة بالغة على فمه، وهو يشير لها برأسه أن تذهب معها، فنهضت فاطمة بهدوء تتحرك مع سلمى التي كانت تمسك يدها بحنان .
تاركة المعتصم جالسًا ارضًا يتابعها بأعين جامدة بعض الشيء قبل أن يشعر بيد أرسلان على كتفه يربت عليه بحنان :
- ستكون بخير يا أخي.
رفع له المعتصم عيونه يبتسم بسمة صغيرة، وقبل التحدث بكلمة أبصر الجميع إيفان وهو يتحرك في الممر بشكل مرعب وملامح مخيفة وقد بدا أن الذئب الوديع كشر عن أنيابه، وهذا نادر الحدوث في العادة .
لحق به أرسلان محاولًا فهم ما يحدث ليصدمه الرد حينما قال إيفان ببسمة مرعبة :
_ يبدو أن العزيز أصلان لن يهدأ له بال إلا حينما يبصر شياطيني، لقد تحركت جيوشه لسفيد وتميم هناك يقود باقية الجيش وحده ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت جملة واحدة نطق بها أصلان على مسامع سالار ليكون رد الاخير عبارة عن خنجر صغير استقر جانب معدة أصلان دون حتى أن يستوعب الاخير ما يحدث .
ابتسم سالار بسمة مخيفة وهو يميل على أصلان هامسًا بشكل مخيف يسحب خنجره بكل بساطة من معدة الأخير:
_ أنت لن تحب الخوض في احاديث معي خاصة في هذه الجزئية، قد اجادلك بردود تزهلك، واسمعك من الألفاظ اعذبها، لكن حينما يصل بنا النقاش لزوجتي فسلاحي فقط من يتحدث.
رفع سالار خنجره الذي كان غارقًا في دماء أصلان، يمسحه بتقزز في ثوب الأخير وبسمة صغيرة ترتسم على شفتيه :
_ لا تقلق لن تقتلك الضربة، فقط ستتسب بوجع قاتل يجعلك تتمنى لو كانت الضربة قاتلة، لكنك ستحيا في نهاية الأمر، وهذا ليس رحمة مني، بل لأن الحقير أرسلان جعلنا نقسم واحدًا تلو الآخر بأغلظ الإيمان أن لا أحد سيقتلك، وأنا يا عزيزي ما أعتدت أن احنث بقسمي .
ختم كلماته يراقب وجه أصلان الذي كان يحاول اظهار جمود واخفاء وجعه عن وجه سالار، لكن غلبه الألم وهو يضغط على جرحه يتراجع ببطء قبل أن ينهار أسفل أقدام سالار، وكاد أحد رجاله يتقدم من سالار لقتاله، لكن أصلان ليس بالغبي ليلقي برجاله في قتال مع سالار ودون قيادته، هو سيحتاج لكل يد في المستقبل، لذا أشار لهم بالانسحاب وهو يرسم بسمة بصعوبة على فمه يتحدث بسخرية :
_ إذن اسمح لي باستغلال هذا الكرم السالاري والرحيل الأن، وتذكر أن لنا لقاء قريب يا عزيزي .
ابتسم له سالار بسمة واسعة وهو يشير له بيده ليتحرك بعيدًا عنهم، لكن ما كاد أصلان يتحرك مع رجاله حتى سمع صوت سالار يردد ببرود شديد وبسمة أشد برودًا :
_ وحدك ...
رفع له أصلان عيونه بعدم فهم وقد كان يتماسك بصعوبة في هذه اللحظة الا ينهار أمامه:
_ لقد اقسمت عليك أنت فقط وليس على رجالك، لذا إن أردت الخروج من هنا، فغادر وحدك ....
ختم كلماته بنبرة مظلمة مخيفة تبعها جحيم مستعر بقيادة آزار على رجال أصلان.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الوقت ذاته كان تميم يتوسط ساحة العاصمة في سفيد وهو يحمل سلاسل حديدية يطيح بها كل من اقترب منه، يقود جيوش سفيد للتخلص ممن دخل خلسة للبلاد ..
_ كل الصلاحيات متاحة لكم يا رجال، الأهم أن توصلنا لنتيجة واحدة، التخلص منهم، ولكم حرية اختيار الطريقة .
كانت تلك الكلمات التي نطقها تميم قبل أن ينقض على كل من يقابله يطيحه ارضًا وهو يبتسم ينتزع منهم السيوف يراقبها بسخرية لاذعة:
_ تقتلونا بأسلحتنا يا اوغاد ؟!
ختم كلماته وهو يطيح رجل آخر ارضًا وقد كانت الاعداد كبيرة بشكل غريب على مثل هؤلاء الشرذمة ..
أما عن قصر سفيد فقد كانت تقف في النافذة تراقب المكان في الاسفل بأعين هادئة تسمع صوت برلنت خلفها :
_ هل تعتقدين أن كل شيء سيكون بخير تبارك ؟؟
_ إن شاء الله سيكون برلنت، لنأمل ذلك .
ابتعدت عن النافذة وهي تشعر بالتوعك الشديد والتعب يكاد يهزمها، إذ فجاة شعرت بالظلام يبتلعها بالكامل وهي تكاد تسقط ارضًا لولا يد برلنت التي امسكتها بسرعة وهي تصرخ بخوف :
_ يارب يا رحيم، تبارك ما بكِ، تحركي معي صوب الفراش ارجوكِ، تحركي معي .
لكن تبارك في هذه اللحظة كانت فقط تجاهد لفتح عيونها وهي تشير صوب جزء من الغرفة، تتبعت برلنت عيونها لترى أنها توقف تشير صوب الخزانة التي تجاور السرير :
_ ماذا ؟؟ ماذا يوجد هناك .
_ الدواء ...
كلمة نطقت بها بصعوبة لتتركها برلنت بهدوء ارضًا تتحرك بسرعة كبيرة صوب الخزانة تفرغ ما بها حتى وجدت عقاقير طبية لتتحرك بها مجددًا صوب تبارك تهمس لها بخوف :
- ماذا افعل تبارك ارشديني لأساعدك .
مدت لها تبارك يدها وهي تنزع منها الدواء ومن ثم تناولته، وما هي إلا ثواني حتى بدأت تشعر بجسدها يسقط في موجة ارهاق كبيرة وقد كان آخر ما همست به هو اسمه ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الوقت الذي كان رجال سفيد يتجهزون للتحرك من مشكى صوب سفيد، سمع إيفان صوت الصقر الخاص بسفيد يصدح في المكان بصخب، ليرفع رأسه يحدق به يدور في السماء وكأنه يبحث عن مرسى له، ليطلق إيفان صفيرًا مرتفعًا ينبه الصقر لمكانه، وما هي إلا ثواني وهبط يستقر على مرفق إيفان يحمل رسالة في قدمه، انتزعها إيفان منه بسرعة وهو يمرر عيونه عليها، وثواني فقط حتى تنفس الصعداء وابتسم بسمة صغيرة :
_ كل شيء تحت السيطرة ...
صمت ثواني وهو ينظر لأرسلان يفسر له أكثر:
_ تمكن تميم من احتواء الهجوم وقتل ما استطاع وأسر الباقيين لحين عودتي .
_ بهذه السهولة ؟!
_ نعم بهذه السهولة، وهذا ما يقلقني، أصلان ليس احمقًا ليخاطر بهذا العدد من رجاله لأجل لا شيء، هنا وفي سفيد وكذلك آبى، لقد خاطر بالكثير من رجاله ولأجل ماذا ؟!
وقد كان هذا السؤال هو نفسه ما يدور برأس أرسلان، إذ كان على يقين أن ما فعله أصلان ليس هباءً الرجل يعلم جيدًا ما يفعل ومتى يفعل، وهذا الهجوم الذي شنه على الثلاث ممالك في وقت واحد لا يشي إلا بكارثة يجهز لها ويطهوها على نار هادئة.
رفع عيونه لإيفان يبصر أن الآخر يفكر في نفس ما يفكر به، وقد أصابه هذا الأمر بحيرة أكبر .
لكن وقبل أن يفكر أحدهم بصوت مرتفع فيما يحدث، او يعلن عن شكوكه، أعلن حارس القلعة وصول وفد من آبى .
انتفض إيفان يبصر بأعين متسعة تحرك الملك بارق فوق حصانه داخل قلعة مشكى، ولم يكن أرسلان أقل صدمة من إيفان يهمس ببسمة واسعة وسعادة :
_ الملك بارق ...
توقف وفد آبى بقيادة بارق، ليهبط الأخير بهدوء وحذر وقد كان ما يزال يعاني من بعض توابع السم الاخير .
اقترب منهم بارق بهدوء شديد ورغم ذلك مانت مشيته لا توحي إلا بقوة رغم كل ما ألمّ به خلال الأيام السابقة .
راقبه الأثنان وهو يتحرك صوبهما بخطوات رزينة، وحينما اقترب منهما ابتسم يفتح ذراعيه لهما، ليكون أرسلان أول من يلقي بنفسه بين أحضانه بلهفة ولوعة يهتف بسعادة طاغية :
_ عم بارق، حمدًا لله على سلامتك، الحمدلله الحمدلله على سلامتك يا عم .
ضمه بارق بحنان شديد وهو يربت على ظهره، لطالما وجد بارسلان ولده الذي لم ينجبه، كما وجد به أرسلان بعضًا من حنان والده الذي كان ينقب به في أبيه .
تنفس واخيرًا براحة وهو يهمس :
_ الحمدلله أنك بخير، لا أصدق أنني أراك واقفًا أمامي الآن..
ابتسك له بارق بحنان وهو يشدد من احتضانه :
_ وأنا كذلك اشتقت لك أرسلان.
جذب إيفان أرسلان بعيدًا عن بارق وهو يضمه بحب مرحبًا :
_ دعني أرحب به كذلك يا رجل .
ضمه بارق ضاحكًا وهو يربت عليه :
- تعالى يا بني، اشتاق بارق العجوز لكم جميعًا، عسى أن الكثير لم يفوتني .
ابتعد عنه إيفان وهو ينظر لأرسلان الذي ابتسم بسمة جانبية يهتف بسخرية خفيفة :
_ لا تقلق فاتك عمر بأكمله مولاي، عمر يوازي سنواتك الكثيرة التي عشتها يا عجوز .
ضربه إيفان بخفة موبخًا، ليضحك بارق بصوت خافت :
- مازلت كما أنت أرسلان لا لاجم للسانك ولا يدك .
اتسعت بسمة إيفان الساخرة وقد كان يتحين الفرصة ليرد ضربات أرسلان السابقة له :
_ أوه، سيصدمك مولاي أن أرسلان بالفعل وجد من يلجم يده ويهذب لسانه، وبدلًا من السبات اضحى يلقي اشعارًا، زوجته جاءت لتغيره من رجل كهف لشاعر .
نظر له أرسلان بشر بينما اتسعت عيون بارق بعدم فهم :
_ زوجته ؟!
ابتسم له أرسلان باستفزاز :
_ ألم أخبرك أن الكثير فاتك أيها العجوز .
فجأة أبصر الحميع جسد يتهادى خارج الهودج الذي كانت الخيول تجره داخل القلعة، ولم يكن ذلك الجسد سوى لتوبة التي سارت مرفوعة الرأس تأبى أن تنحني أمام أحدهم، تدرك أن الجميع هنا يلومها لما فعلت وما أجرمت به، تنتظر نظرات اتهام ونفور .
لكن وعلى عكس توقعها، لم يرفع أحدهم نظره لها بالسوء، بل اخفضوا أنظارهم، ومال أرسلان برأسه مرحبًا بصمت، بينما إيفان اكتفى بتحية صغيرة :
_ مرحبًا سمو الأميرة.
هزت لهم توبة رأسها وهي تمسك طرف ثوبها تميل قليلًا ومن ثم اعتدلت تنظر حولهم وكأنها تبحث عنه بين الممرات، وكأن نزار سيكون حرًا وينتظر وصولها ليتسقبلها .
ابتسمت من خلف غطاء وجهها بسخرية لاذعة، وهي تنظر صوب والدها الذي امسك يدها بحنان يجذبها معه :
_ نطمع في كرمك أرسلان، أريد منك توفير غرفة كي ترتاح ابنتي.
هز له أرسلان رأسه يجيب بنبرة هادئة يظهر بها احترامه الكبير للملك بارق :
- سبق واخبرت سمو الأميرة أن الأرض أرضها مولاي، فلا يستأذن أحدهم ليحصل له على مكانِ في أرضه، أي غرفة تريدها سمو الأميرة لها بالطبع .
ابتسم له بارق وهو يشير لابنته بالتحرك، لتودع الجميع بهزة رأس دون كلمة واحدة حتى، تتحرك بروح باهتة في المكان تبحث عن كيف العزيز الغائب تتمنى أن تصطدم به ولو صدفة ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما عنه فقد تم سجنه في غرفة صغيرة لا تحتوي سوى فراش وخزانة ومرحاض صغير وطاولة طعام ضئيلة الحجم بالكاد تكفي لجلوس شخص واحد .
لكن نزار نبذ كل ذلك وهو يجلس في ركن الغرفة في الظلام يراقب نافذته بأعين جامدة وماضي بعيد يمر به، حيث بدأ كل شيء .
" والدك يحب سالار أكثر منك وهذا ما يعلمه الجميع نزار "
رفع نزار الصغير عيونه صوب رفيقه في درس الاعشاب الذي كان يداوم عليه، ينظر له بعدم فهم :
" هذا غير صحيح، أبي يحبني وكذلك يحب سالار، لكنه يحبني أكثر، أنا ولده الوحيد "
التوى ثغر المراهق الذي كان يرافقه يشير بعيونه صوب ما يفعل نزار ساخرًا :
" أنظر لنفسك ولما تفعل، والدك لا يبتغي طبيبًا، بل يبحث عن ولي عهد قوي جسور كسالار والذي اضحى من أشد الجنود هنا رغم السنوات القليلة بينكما، والدك حينما يريد تسليم العرش لأحدهم بالطبع لن يكون ولده اللطيف الصغير الذي يتلاعب بالاعشاب، الحكم لن يُدار بالطب "
كانت كلمات كبيرة على مجرد مراهق، لكن ذلك الشاب والذي كان في السابعة عشر من عمره، يتدرب صباحًا مع سالار في الجيش، ثم يأتي لدروس الاعشاب مساءً ليرضي والدته، كان يردد ما يراه ويردده الجميع بدورهم .
نظر نزار للأعشاب بين أنامله بأعين حزينة، لا يفهم ما يحدث، لكنه فقط ترك كل شيء وتحرك من المكان دون أن يجيب نداء احدهم، يبحث عن والده بعيونه والحزن يملئ صدره، وكم كانت لحظات حزنه وضعفه مدخلًا مناسبًا للشيطان ..
وأثناء بحثه عن والده سمع صوته يصدح من جهة ساحة التدريب ليتحرك صوبها بلهفة سرعان ما تلاشت حينما أبصر والده يقاتل سالار في الساحة ثم سقط ارضًا يضحك بقوة وقد تحرك له سالار يساعده للنهوض، ثم بدأ ينفض الغبار عن ثوبه ليبتسم له آزار بحنان يضمه بحب شديد .
صورة ومشهد حُفر في عقل نزار الصغير ليحتفظ به المتبقي من حياته دون شعور ...
ومن بعد ذلك اليوم بدأ نزار يلتصق بوالده ويصر عليه أن يعلمه المبارزة كسالار، يطلب منه أن يجعله مقاتلًا بارعًا منه، بحثًا عن نظرة فخر داخل عيون والده .
لم يبتغي ملكًا يومًا، لكن كان يبتغي مكانة في قلب والده لا ينافسه أحد عليها، ولا حتى سالار ....
ولولا غشاوة الغضب ونار الحقد التي تعمي عيون نزار، لابصر كيف ينظر له والده طوال الوقت بحب وحنان .
حاول سالار خلال السنوات التي قضاها معهم أن يتقرب من نزار، والذي كان ينبذه بشكل غريب، مما جعل سالار يبتعد عنه بالمثل دون اهتمام لما يفعل، حتى جاء الوقت ورحل لسفيد كي ينضم لجيشهم هناك .
كانت لحظة انتصار وسعادة غامرة لنزار، الذي شعر أن الحياة واخيرًا تمنحه فرصة التفرد بقلب واهتمام والده .
وبدأ نزار يكبر يومًا تلو الآخر ليتناسى خلال تلك الأيام هذه الافكار السخيفة، وبدأ يدرك أن سالار يومًا لم يبتغي حكمًا، ولم يهتم بملك آبى، او تسيد قلب والده، وأن كل أفكاره القديمة كانت مجرد أفكار طفولية لا أساس لها .
شبّ نزار واضحى طبيبًا ماهرًا وقائد جيوش قوي، يقود جيوش آبى، وخلال ذلك تعرف على الوليد ورفاقه، وهذه كانت بداية انحدار آخر في حياة نزار ...
خرج نزار من أفكاره وهو ينهض من مكانه يدور في تلك الغرفة المظلمة يبحث بها عن بقعة ضوء، لكن الغرفة كانت مظلمة ظلام يماثل حياته .
اغمض عيونه وهو يضحك بقوة، ضحكات لا معنى لها سرعان ما انقلبت لشهقات مرتفعة وجمل كثيرة من ماضيه تتردد في آذانه ...
" نزار والدك يحبك، لكن إن وضع في اختيار يومًا بينك وبين سالار سيختار الأخير، لذا عليك بالحفاظ على حقك في آبى، وأنا أدرك الطريق لذلك ..."
" لم أحبك يومًا، ربما اعتدت وجودك، لكنني لم أحبك،
لطالما أحببت غيرك وأُجبرت عليك، لذا وفر علينا هذه اللحظات والتي ستجرحك وحررني "
" لم أعتقد أنني سأصل للحظة التي اخجل فيها من كونك ابني نزار، كسرت ظهري وخيبت أملي بك أيها الحقير..."
تنفس بصوت مرتفع وهو يتحرك صوب النافذة يفتحها بقوة وكأنه على وشك الاختناق والكثير من الذكريات التي ظن أنه دفنها تمر أمام عيونه، فتح النافذة واخيرًا يسحب نفسًا عميقًا يحاول أن يغلب تلك الذكريات..
وفجأة خرج طوق نجاته من بحار ظُلمته، ليتمثل له على هيئة " توبة "، المرأة الوحيدة التي سكنت جزءًا لم يطئه أحدهم طوال حياته، المرأة الوحيدة التي سكنته في اللحظة التي لم يعد قلبه بها صالحًا للعيش، بل وحولته جنة .
ابتسم دون شعور وهو يراقبها تتهادى من أمام عيونه صوب المبنى الخاص بغرف مشكى، يتابعها بهدوء بأعين شغوفة، طيفها الذي اصبح رفيقًا له في أحلك لحظات حياته، وآه فقط لو تمنحه الحياة فرصة صغيرة، آه لو ترضى عنه الحياة يقسم أنه ما كان تركها تبتعد عنه ثانية واحدة .
اتسعت بسمته رغم الحزن الذي ملئ عيونه وهو يبصرها وقد اختفت وتلاشى طيفها .
ولم يدرك نزار أنها لم تكن طيفًا، بل كانت حقيقة ملموسة....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات ...
_ لا أصدق أن كل هذا حدث اثناء غفوتي .
التوى ثغر أرسلان بسخرية لاذعة وهو ينظر في عيون الملك بارق :
_ غفوة من مولاي؟! لقد كانت ميتة صغرى واعادك الله لنا بمعجزة .
نظر له إيفان بحاجب مرفوع وتوبيخ صامت، ليهز أرسلان كتفه بعدم فهم :
_ ماذا ؟! لقد سأل وانا أجبت.
ضحك بارق ضحكة صغيرة وهو يستمتع بما يحدث أمامه يشعر بالحياة بعد شهور من الموت كما قال أرسلان.
ضرب إيفان كتف أرسلان بغيظ شديد ليرميه الأخير بنظرة مشتعلة وقبل التحدث كلمة واحدة، فُتح الباب معلنًا عن وصول آزار الذي هرول بشكل محموم صوب بارق يجذبه لأحضانه بخشونة وقد كاد ينفجر في البكاء من السعادة .
_ بارق أنت لم تمت بعد الحمدلله .
انحنى ثغر أرسلان في بسمة كبيرة وهو يميل برأسه صوب إيفان الذي قلب عيونه بضيق شديد يتمتم بصوت غير مسموع :
_ لولا معاشرتي لك وأنت طفل لقلت أنك ابنه لآزار لا يعقل ألا تكون تلك الجينات بكما غير متوارثة .
اطلق أرسلان ضحكات مرتفعة وهو ينظر صوب آزار الذي كان يأبى ترك بارق يخرج من أحضانه يربت عليه بحنان شديد وحب أشد.
اقترب أرسلان من إيفان يهمس له :
_ أنظر للملك آزار كيف يضم له بارق رافضًا أن يتركه من أحضانه وهو فقط نام بالفراش لعدة أسابيع، وأنت أيها الحقير عانقتني ثواني معدودة بعدما عدت من موتة طويلة.
تأتأ بضيق وهو ينظر لإيفان من اعلى لأسفل بحنق شديد جعل إيفان ينظر له بصدمة، قبل أن يبتسم له هامسًا بسخرية :
_ لا بأس في ميتتك القادمة سأعطيك حضنًا يستمر لساعات .
_ نعم سأضمك معي بنفس القبر، فلن أرحل واتركك تهنأ بالحياة بعدي أيها الـ ....
صمت فجأة ومن ثم تأفف :
_ استغفر الله جلستي معك تفسد اخلاقي بالكامل .
ختم حديثه يبتعد عنه بشكل جعل أعين إيفان تكاد تخرج من محجريهما، يبتسم بعدم تصديق .
بينما سالار يقف بعيدًا يرحب ببارق رافضًا الاقتراب منهما كي لا يفقد اعصابه بسببهما، يدعي أنه لم يأت بعد .
_ إذن ما الذي حدث ؟؟ عدتم بسرعة وهذا شيء ...مريب .
كانت تلك جملة أرسلان التي نطق بها بمجرد أن استقر الجميع على المقاعد وكم كان الأمر عبثيًا، هجوم هنا ومن ثم لا شيء، هجوم على آبى ومن ثم لا شيء، هجوم على سفيد وايضًا لا شيء .
_ لم يدخل أحدهم لآبى وهذا ما تأكدت منه، لقد كان فخًا ليبعدنا عن مشكى وكذلك عن سفيد .
_ ربما كان مجرد استنزاف للقوات أو....
تحدث إيفان وكأنه التقط حروف سالار التي على وشك النطق بها :
_ تمهيد لدس أعوانه في جميع الممالك، لنفكر في الأمر سفيد ومشكى وآبى وسبز لا مملكة سلمت منه اليوم إلا وزرع بها جيش للقتال و...
قاطعه أرسلان فجأة وهو يفكر بصوت مرتفع :
_ هذا ليس ما يجب أن تفكر به إيفان، بل كيف ومتى استطاع الدخول لكل هذه الممالك رغم الحراسات على الحدود، إلا لو كان بالفعل يمتلك ما يعاونه على ذلك داخل كل مملكة .
ونعم كان حديث أرسلان في هذه اللحظة أكثر ما يدور داخل عقول الجميع، دخول الرجال بهذه السهولة للأربع ممالك سقطة في حكمهم، وكأن جميع حدودهم مفتوحة لهم .
_ يبدو أننا نحتاج لشن حملات تطهير للجيوش والبلاد .
كانت تلك الجملة التي نطق بها آزار وهو يراقب ملامح الجميع حوله، لتعلو كلمات المعتصم يشارك واخيرًا بعد صمت طويل من جهته هو ودانيار :
_ سبق واستجوبت أحد الرجال الذين اكتشفت وجودهم داخل الجيش وما علمته منه أنه هنا منذ اشهر وهناك الكثير مثله، وهذا يعني أن الأمر ليس اليوم ولا البارحة، بل منذ شهور ومع كل هجمة تُشن تزداد اعدادهم، حتى يصل بهم الأمر لأن تصبح جيوشنا بأكملها من رجالهم .
ضم أرسلان كفه وهو ينظر للجميع بعيون ونظرات وصلت واضحة الجميع، حتى أن آزار زفر بقوة وهو يضرب الطاولة:
_ ليس مجددًا أرسلان...
ابتسم له أرسلان وهو يشير على الجميع حوله :
_ لا حل غير هذا، سبق وسبقناهم بخطوات مولاي، والآن نحن نتراجع علينا أن نعلم ما يكنون وما يخططون له، ولا حل غير هذا .
نظر الجميع لبعضهم البعض نظرات غامضة لم يفهم منها المعتصم او دانيار شيئًا، قبل أن ينهض أرسلان يستند بيده على الطاولة وهو يأمر المعتصم بهدوء شديد :
_ أحضر ذلك الحقير نزار يا المعتصم .
نظر المعتصم حوله بتردد قبل أن ينهض يهز رأسه بطاعة وتحرك بهدوء خارج المكان تاركًا الكل ينظر لبعضهم البعض، وازار ينظر صوب أرسلان بشر، بينما الأخير فقط ينظر صوب الباب ينتظر دخول نزار يدعي عدم انتباهه بنظرات آزار.
قطع بارق كل ذلك الصمت يردد بهدوء شديد وهو يضم كفيه أمامه:
- كان نزار هو من ساعدني للشفاء من السم الذي وضعه لي ذلك الوسخ أنمار.
نظر الجميع له ليخبرهم بارق ما حدث بهدوء شديد .
وقبل أن يجيب احدهم الملك بارق بكلمة فتح الباب ودخل المعتصم يقود أمامه نزار الذي تحرك داخل المكان بملامح جامدة لا توحي بشيء، يراقب الجميع بأعين لا توحي بالنيران داخل صدره .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يجلس في أحد أركان الغابة وهو يختبأ بين الأشجار يحاول أن يتلاشى أي دورية تمشيط للمنطقة، يكتم تأوهاته من الوجع الذي تلبس جسده، وبعد ساعات طويلة اخيرًا قرر أنمار الخروج من جحره .
يجر أقدامه على حدود مشكى يبتسم بسمة واسعة خبيثة :
_ أحيانًا تكون الفوضى ذات فائدة كبيرة .
صمت ثواني قبل أن يكمل :
_ بل لطالما كانت الفوضى ذات فائدة لمن هم مثلي .
تحرك داخل الغابة وهو يشعر بالتعب يتمكن منه، وقد فقد كامل طاقته وقوته في الطريق، شعر بعدم قدرته على استكمال المسير ليجلس جانبًا وقد جف ريقه وقد كاد يموت عطشًا .
دقائق او ربما ساعات جلس أسفل الشجرة وهو يتنفس بصعوبة، قبل أن يسمع اصوات جواره وأحدهم يهزه بخفة :
_ هل أنت بخير يا أخي ؟! تبدو متعبًا .
فتح أنمار عيونه بصعوبة وهو يحاول تمييز الوجوه حوله، لكن فشل في ذلك وكل ما استطاع النطق به بصعوبة هو كلمات معدودة:
_ ماء... أريد ماء .
أخرج أحدهم قارورة كان يعلقها في حقيبته وهو يمدها صوب أنمار، ليمسكها الاخير مختطفًا إياها من بين أنامل الرجل بلهفة شديدة، يرتشف كل ما بها وقد كاد يفقد روحه عطشًا .
واخيرًا ترك القارورة يتنهد براحة وهو يغمض عيونه، يستند رأسه على الشجرة خلفه مبتسمًا بهدوء، لولا صوت الرجل الذي هتف بتعجب :
_ هل أنت بخير يا أخي ؟؟
تشنجت ملامح أنمار وهو يرفع عيونه للرجل بسخرية من تلك الكلمة التي نطقها، لكن فجاة تحدث أحد الرجال في الخلف :
_ هل ضللت الطريق أو ما شابه ؟! كيف وصلت لهنا ؟!
فتح انمار عيونه بلهفة شديدة وقد ارتسمت بسمة خبيثة غريبة على شفتيه يجيب :
_ نعم صحيح، لقد ضللت الطريق فهلّا ساعدتموني في الوصول للعاصمة ؟؟؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن أنتِ لن تمنحيني واحدة من تلك الآلات العجيبة ؟!
داعبت سلمى خصلات فاطمة والتي سقطت في نومة عميقة بعد ساعة تقريبًا من الحديث معها بشتى الأمور، ترفع عيونها صوب زمرد :
_ مسدس تقصدين ؟!
_ نعم ثاقب الرؤوس، أريد واحدًا لي، سأدفع لكِ مقابله ١٠٠٠ قطعة ذهبية .
ارتفع حاجب سلمى بسخرية شديدة :
_ لا حاجة لي بذهبك عزيزتي، أنا ملكة مشكى وامتلك الكثير من هذه العملات.
صمتت ثواني تنظر صوب كهرمان تسألها بجدية :
_ أليس كذلك ؟!
ابتسمت لها كهرمان بسمة واسعة :
_ نعم كذلك، لديكِ الكثير من الذهب هذا غير مهرك الذي سيقدمه لكِ أخي قبل إتمام الزواج .
_ مهر ؟!
هزت كهرمان رأسها تبتسم بسمة لطيفة:
_ هدية تقدم من الزوج للزوجة قبيل الزواج، وفي الحقيقة، هي حق أكثر منها هدية .
التمعت عيون سلمى مما سمعت تهمس بلهفة :
_ وهل سيقدم لي أرسلان المثل ؟!
مالت زمرد على كهرمان تتحدث بصوت مرتفع وقد قصدت أن تصل الكلمات لسلمى لثير حنقها :
_ هذا الفتاة جشعة، عليكِ تحذير شقيقك منها .
_ مهلًا أنا لست كذلك، أنا فقط احببت فكرة أن يهديني أرسلان شيئًا من اختياره .
صمتت وقد أعاد لها عقلها صورة تلك الزهور التي قطفها بنفسه من حدائق سبز فقط لأنها اعجبتها، وقد كانت هديتها الاثمن قبل أن تفقدها قبيل اختطافها .
نغزت كهرمان زمرد بحنق :
_ توقفي عن هذا، ثم يحق لزوجة أخي أن تتدلل .
ابتسمت لها سلمى بخجل شديد وهي تعيد خصلاتها للخلف وقد التمعت عيونها الخضراء ببريق خاطف، بينما زمرد قلبت عيونها بضيق :
_ لا يهم، متى ستحضرين لي ثاقب الرؤوس ؟!
تنهدت سلمى بصوت مرتفع :
_ إن شاء الله حينما تنبت لي أجنحة واعود لعالمي احضر لكِ واحدًا .
_ إذن اعطني خاصتك حتى تحضري لي واحدًا .
زفرت سلمى بصوت مرتفع وهي تهمس بملل :
_ يا ويلي منكِ زمرد .
_ هكذا دون سمو الأميرة ؟! يا امرأة متى تساوت الرؤوس ؟!
نظرت لها سلمى بسخرية، وقبل أن تتحدث بكلمة واحدة سمع الجميع صوت طرق على باب الجناح الخاص بسلمى حيث تجمع الجميع، ومن بعدها ارتفع صوت الحارس يهتف بجملته معلنًا عن هوية الطارق:
_ سمو الأميرة توبة أميرة سبز.....
ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ لم يخبرني أحدهم أنني سأحل ضيفًا على مجلس اشراف الممالك .
رفع أرسلان حاجبه وهو يتنفس بصوت مرتفع وقد كانت رؤية وجه نزار تحرك داخله الجزء الحقير به :
- فقط حاول ألا تكثر كلماتك نزار فأنا لن اتحمل لك أكثر من خمس كلمات في هذه الجلسة ومن بعدها سأحطم عظامك .
رفع نزار حاجبه بسخرية شديدة:
_ اعتذر من جلالتك .
_ هذه ثلاث كلمات، تبقت اثنتان فحاول استخدامهم بحكمة .
قلب نزار عيونه بسخرية يسمع صوت إغلاق الباب خلفه وقد تحرك المعتصم ليقف خلفه وكأنه ينتظر منه حركة غدر ليخرج سيفه ويجز عنقه .
لتتسع بسمة نزار وهو ينظر صوب أرسلان:
- لم يكن هذا استقــ..
وقبل إكمال جملته تحرك أرسلان من مكانه ينقض على نزار بالضرب دون أن يمنحه حتى فرصة التنفس من بين ضرباته، كان يضربه والجنون يعميه وهو يصرخ في وجهه بكلمات كثير غير مترابطة :
_ أيها الحقير من تظن نفسك أنت ها ؟؟ تتصرف بعقلك دون العودة لأحد؟! هل تعلم ما حدث لوالدك في غيابك أيها الوسخ ؟!
ختم حديثه وهو يسقط نزار ارضًا بشكل جعل الأخير يطلق تأوهًا مرتفعًا، يتنفس بصوت مرتفع يمسك جسده يحاول الاعتدال، بينما تحرك سالار يجذب أرسلان بعيدًا عن نزار صارخًا بغيظ :
_ أرسلان ما بك أنت ؟! ليس هذا ما اتفقنا عليه .
ابتعد أرسلان يكبت شياطينه بصعوبة وهو ينظر بكامل الغضب صوب نزار الذي كان يستقبل ضرباته دون رد من جهته وكأنه يعاقب نفسه بهذا الشكل، يعطي كامل الحق لأرسلان، هذا رجل خسر شعبه ووالدته وتدمرت بلاده ولم تنهض بعد، وكاد يموت ذلك اليوم .
رفع رأسه بصعوبة صوب أرسلان ينظر في عيونه بأسف، وهو يهمس ببكاء وعجز والدماء تغطي وجهه :
_ أنا.... آسف حاولت إنقاذ والدتك ذلك اليوم ولم ...استطع ...اقسم أنني حاولت لقد ...علمت متأخرًا ما حدث ...
بكى بصوت مرتفع وهو يتذكر تلك الليلة والتي كانت الجحيم بعينه عليه :
_ اقسم أنني حاولت لكنني لم استطع، تأخرت كثيرًا ولم أصل إلا حينما تحول ملجأ النساء لرماد و..... أخبروني أنهم تخلصوا من جثتك وذهبوا لحرقها، آسف اقسم أنني آسف....
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يبتسم بوجع وروح مذبوحة وهو يتذكر الطريقة التي قُتلت بها ولولا رحمة الله به لكانت كهرمان كذلك واحدة من النساء اللواتي ذهبن ضحية خيانة مستشارة .
أبعد أرسلان عيونه عن نزار وقد كانت تلك المواجهة الأولى مع نزار بعدما حدث له، وقد رفض أن يلقاه مئات المرات، إذ لم يتجاوز بعد ما حدث .
ونزار رغم كل ما مر ما يزال يلوم نفسه على ما حدث، سقطت دموعه دون شعور وهو يهمس بصوت منخفض لا يهتم للدماء التي تسيل على وجهه:
_ وصلت متأخرًا، لم ...
صمت ولم يقو على الحديث بكلمة إضافية، ليتحرك له سالار يميل عليه وهو يساعده لينهض، يضمه له بقوة وحنان مربتًا على كتفه لينهار نزار في هذه اللحظة وهو يتذكر تلك اللحظة التي وصل بها لقصر أرسلان يوم الهجوم على مشكى .
دخل القاعة الخاصة بالعرش ليجدها خالية إلا من جثة أرسلان الملقية في منتصف المكان وهو يهزي بكلمات غير مفهومة، نظر نزار حوله بسرعة قبل أن يركض صوبه وهو يجذب رأسه على قدمه بلهفة :
_ أرسلان يا أخي أنا آسف، لم أكن أعلم اقسم بالله لم أعلم، لكن و.....
أمسك أرسلان كفه وهو يهمس بصوت جاهد بكل ذرة قوة داخله في إخراجه، يحاول الحديث بصوت مسموع وقد أدرك أن الموت قادم لا محالة :
_ أمي وأختي....نساء القصر، لقد ..... أخبرني أنه سيتخلص منهم، ساعدهم نزار، وصيتي لك أمي وشقيقتي، ساعدهم .
_ فقط دعني اساعدك في البداية، دعني اخرجك من هنا واعالجك، يمكننا انقاذك و...
دفع أرسلان يده بحدة وهو يهمس بوهن :
_ دعني وساعدهم، لقد ...سيحرقهم أحياء، ساعدهم ودعني، أذهب وساعدهم، اوصيك بهم نزار، هم في الملجأ الغربي في الطابق السفلي، انقذهم .
نظر له نزار ثواني بتردد قبل أن يجبره أرسلان بقوة على الرحيل، لينهض وهو يركض بين الجميع في الممرات يراقب خرابًا وموتًا، ودمار بدأ يعم المكان، انهارت مشكى وتهاوى ملكها .
أخذ يهرول على الدرج وهو يدعو الله أن يصل وينقذهم، يرتجف لا يبصر أمامه شيء ولا يسمع كلمة واحدة حوله، واخيرًا وصل للمخبأ للغربي، لكن متأخرًا ...
احترق الملجأ بمن به وتحولت النساء لرماد، شهق نزار بصدمة وهو يهوى ارضًا يصرخ بصدمة مما يبصر أمامه، كل هذا بسببه، كل هذا بسببه ...
نظر نزار لوجه أرسلان والذي بدا كما لو أنه يحيا الوجع نفسه في هذه اللحظة، شحب وجهه وانكمشت ملامحه بألم قوي يهمس بصوت منخفض :
_ فقط ....فقط قم بواجبك دون الاصطدام بي بشكل مباشر .
سقطت دموع نزار أكثر.
ينظر ارضًا، ليشعر بيد تجذبه من أحضان سالار، ولم تكن سوى يد والده الذي صفعه بقوة يصرخ في وجهه بغضب شديد :
_ ماذا أخبرتك أنا؟؟ هل تتحداني نزار وتسير خلف عقلك ؟؟ كيف تهرب مع ذلك الحقير وليد؟؟ اخبرتك فقط أن توقع به لا أن تهرب به وتعرض نفسك للخطر، تستمر في خذلاني مرات ومرات .
نظر نزار ارضًا بخزي وهو يحاول الحديث ويبدو أن والده لن يغفر له ذلته الأولى ابدًا .
_ أهدأ يا أبا نزار، لا بد وأن له حجة لغيابه كل ذلك .
_ أي حجة تلك ؟! أيام طويلة لا أعلم عنه شيء بعدما هرب من السجن ولم اعلم عنه سوى تلك الرسائل التي يرسلها من وقت للآخر .
ابتلع نزار ريقه وهو يتحدث بصوت منخفض :
_ كنت احاول أن.... أن اكفر عن ذنبي أبي .
_ وماذا فعلت أنت ؟؟ ذهبت للجحر وماذا فعلت ؟؟ فقط بضع رسائل وبضع اسرار بسيطة وماذا طالك ؟! كدت أفقدك أيها الحقير .
ابتسم له نزار بسمة صغيرة وهو ينظر يطرف عيونه صوب الملك بارق يهمس بصوت خافت :
_ في حياتي المليئة بالآثام، كان هذا الإثم هو أعظم آثامي أبي، فلولا ذهابي هناك ما عثرت على توبتي ...من ذنبي .
كاد يكتفي بكلمته الأولى، لولا أن شعر بنظرات الجميع ليكمل الجملة بكلمات تظهر اعتيادية مقصده .
شعر دانيار بالغباء يتلبسه وهو يسمع ويبصر كل ما يحدث الآن أمامه ليقرر مقاطعه كل هذا ينطق بما يجول داخل عقله وعقل المعتصم الذي اكتفى بالإستماع دون التدخل.
_ هل هذا يعني أن الأمير نزار كان منذ البداية حليفًا لكم ؟!
نظر له إيفان يجيب بسخرية :
_ من أين تعتقد أننا كنا نحصل على المعلومات بخصوص بافل وما يفعله، وكيف تظن أننا كنا نتقدم عليه في كل مرة خطوات كثيرة ؟؟ بالطبع لم نكن نعلم الغيب .
همس المعتصم دون القدرة على كبت فضوله :
_ بافل؟؟ هذا يعني أنه....منذ البداية وهو حليف لكم ولم يكن يومًا ...خائنًا؟؟ كيف ؟؟ والسجن واعتراف الرجال و...
صمت دون أن يستطيع التحدث بشيء ليلقي سالار كلماته في وجه الجميع وهو ينظر صوب نزار الذي نظر ارضًا بخزي :
_ بل كان، ولم يكن .....
ـــــــــــــــــــــــــ
كان ولم يكن ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رحمة نبيل
الفصل إهداء للجميلة" لارا محمد" عسى جميع أيامك تكون سعيدة .
لا تنسوا التعليق برأيكم والتفاعل على الفصل .
صلوا على نبي الرحمة .
ـــــــــــــــــــــــــــ
ماضي بعيد حيث بدأ كل شيء ...
كان الشيطان والذي اقسم على أن يضل العباد من بعده، متعهدًا ألا يسكن جهنم وحده، أفضل من يستغل لحظات ضعف كل انسان ليتسرب لحياته مفسدًا إياها، فيقنعك أنك فقير مقهور رغم تقواك، والآخر غني مرفه رغم فسوقه، أي عدل هذا ؟!
أنت مريض لا حول لك ولا قوة، رغم انك عشت حياتك بشكل صحي حريصًا على سنوات عمرك، وغيرك ممن عاش حياته لهوًا ولعبًا، يتمتع بصحة تتمناها كل ثانية .
وهكذا كان يستغل كل مدخل قد يفتح له بابًا يعبر منه صوب نقاط ضعف التي قد تسحبك سحبًا للمعصية، يستغل كل خطوة تبتعدها عن ربك ليقربك من جماعته .
وكان مدخل نزار في ذلك الوقت " غيرة " ...
غيرة بدأت فطرية على والده الذي كان أقرب ما له في هذه الحياة، قبل أن يأتي من يقاسمه الاهتمام والحب، بل ويمنحه أكثر مما اعطاه هو، أو ربما هذا ما ظنه هو وزينه شيطانه، واستغله شياطين الإنس..
كان يتحرك بين الطرقات الوعرة في الجبال يسير مع الوليد وبعض رفاقه الذين كان يقضي معهم بعض أوقاته بعد التدريب، لا يصدق أنه وافقهم وأتى معهم لهذا المكان، بل وتحدث لبافل وسلم له روحه وبلاده على طبق من ذهب .
أتى معهم ليبيع نفسه لبافل وجماعته ويتعاون معهم لأجل....، لأجل لا شيء، لا يدري نزار مرأبه مما يفعل الآن، وكأنه حينما استمع للوليد ووافقه بعد صدمة كبيرة من اكتشاف حقيقة خيانتهم لوالده، كان مخدرًا حينما تبعهم، اعمى الغضب عيونه وغطى الحقد بصيرته ليسير خلف سراب لن يطاله منه سوى الهلاك له ولغيره .
فبدلًا من تسليم الخونة لوالده بمجرد معرفتهم، ركض ينضم لهم، ويسلم خطط الملوك وبعض الأسلحة لبافل على طبق من ذهب دون شعور حتى منه، ليستفيق بعد كل هذا في صدمة عظيمة من فعلته .
فجأة شعر نزار بتوقفهم ليفتح عيونه ويبعد الغمامة التي اعمته طوال طريق العودة من مخبأ بافل، يرى أنه وصل اخيرًا للقصر .
تنفس بعمق وكأنه كان يغرق يسمع صوت الوليد جواره يربت على كتفه بتشجيع :
" صدقني لن تندم يا صديقي، منذ اليوم وستكون الكلمة العليا لك في هذا المكان، غدًا ألتقى بك لنتفق على ما سيحدث في الخطوة القادمة، آن الأوان لنغير تاريخ الممالك يا أخي "
نظر له نزار بأعين ضبابية وتعجب وكأنه لا يعي ما يقول الوليد، أي تاريخ هذا ؟؟ هو لا يطمح لتغيير شيء، هو لا يبتغي شيئًا عدا أن يكون مقربًا من والده كما كان سالار .
لا يبتغي سوى الاهتمام ممن يحيطه والحب، والتقدير لما يحب، أن يحبه الجميع فقط لأنه نزار وليس نزار المحارب أو نزار ابن الملك، أن يشجعه الجميع على ما اختار وأحب لا أن يجبر على أن يسلك طريق الحروب والمبارزة لينال إعجابًا، اختار الطب ليجد أنه ليس كافيًا ليجذب اهتمام الآخرين له، فذهب للمبارزة، فوجد أنها ليست كافية كذلك، ليقف في المنتصف ضالًا تائهًا، أي الطرق يسلك يبحث عن مرشد يساعده، لكنه بدل من ذلك وجد من يضله .
تحرك بلا وعي صوب غرفته وهو يشعر بأختناق شديد، يسير بين الممرات وكأنه كان بحلم، بل كابوس لا نهاية له، ما الذي فعله وكيف فعل، أين كان وأين وصل ؟!
هل حقًا سلم البلاد وكل ما يخطط له الملوك لبافل ورجاله ؟! هل هو بهذه القذارة حتى ؟؟ ربما كان كذلك طوال الوقت ولم يعي .
دخل غرفته يسمع صوت زوجته يهدر من بعيد بكلمات لم تصل له، جلس على مقعد أمام الفراش بأعين شاخصة لا يدرك ما يحدث حوله، لتمل زوجته بعد دقائق حينما شعرت أنها تتحدث مع جدار أصم، واختارت النوم بضيق وغضب .
بينما هو ظل جالسًا مكانه لا يتحرك، لا يشعر بالوقت ولا يفقه ما يحيطه، وعقله لا ينفك يفكر فيما فعل، وكأن أحدهم كان يتحكم به، وفجأة أفاق على واقع مرعب، واقع صُنف به أمام نفسه خائنًا .
لا يدري نزار كم من الوقت ظل جالسًا على نفس جلسته وكم من الساعات قضى بهذه الوضعية شاخص الابصار، لكن اشعة الشمس التي ازعجت عيونه انبأته أن الوقت كان اطول مما ظن .
نظر حوله يحاول أن يستوعب الحياة وما يحدث، المفترض أن اليوم هو إجتماع لوالده مع الجميع في سفيد لمناقشة ما يحدث بالممالك بعد هجمات المنبوذين الاخيرة، ومن المفترض أن يلعب هو دور الخائن في هذه الجلسة .
وقد كان .
فبعد ساعات طويلة تحرك مع والده صوب المملكة ليستقبلهم الجميع استقبال حافل خاصة سالار الذي بمجرد أن أبصر والده يخطو لقاعة الاجتماع حتى اقبل يضمه بحب ووالده يبادله الحب بما يفيض عنه، وهو فقط يراقب ما يحدث .
ولثواني شعر أن سالار يستحق ذلك، عكسه، فماذا قدم هو لهم مقابل ما قدم سالار ؟؟
افكار أخرى يستغلها الشيطان ليدخل مجددًا لروحه، يستغل ضلال روحه اسوء استغلال .
ولم يشعر سوى بيد أرسلان الذي ربت عليه بهدوء وهو يهمس له ببسمة واهتمام وقد كان ارسلان في الواقع أكثر الجميع تقربًا منه، منذ الطفولة وهو يصادق الجميع ويقربهم منه، كان أكثرهم صداقة له، وكذلك أشدهم كرهًا .
" ما بك نزار؟! تبدو شاحبًا، هل أنت بخير ؟!"
هز نزار رأسه بنعم هزات صغيرة، ومن ثم تحرك بصمت صوب المقعد الخاص به يراقب جلوس الجميع، ومن ثمّ بدأ كلٌ يلقي بأوراقه على الطاولة ويصرح بما يخطط له تحت أعين نزار الذي كان يراقب الجميع بدقة شديدة، ونبضات قلبه تعلو شيئًا فشيء .
حتى سمع والده يهتف بجدية :
" هذا الأمر دعوه لي، سأتولى مع رجالي تأمين حدود الساحة وقت الحرب، ولن اسمح لأحدهم باختراق جدار الدفاع الخاص بجيشي، فلن يجدوا ثغرة واحدة ينفذوا منها صوبكم "
" بل سيفعلون "
كانت كلمات قليلة نطق بها نزار بصوت ميت وهو ينظر أمامه بلا تعابير وقد بدأت قبضته تشتد، قبل أن ينظر في عيون الجميع بتردد شديد، يدور بينهم يراقب عدم الفهم والتعجب، حتى وصل لعيون والده الذي كان يترقب باقي جملته .
تحدث آزار بعدم فهم :
" هل تشكك في قوة دفاع والدك نزار ؟!"
ابتلع نزار ريقه بصعوبة :
" العفو مولاي، بل ....بل اشكك في قوة الفتنة والخيانة أبي"
" وأنا لا أاوي الخائنين بني، جيشي كله رجال و..."
قاطعه نزار بصوت مذبوح وقد بدأ جسده بأكمله يرتجف، قضى ليلة جحيم البارحة وهو يشعر بنيران تشتعل داخل صدره مما فعل، سلم الجميع لبافل بعدما كان منقاضًا خلف شياطينه .
" بلى تفعل مولاي"
نظر الجميع لبعضهم البعض بعدم فهم قبل أن يتحدث إيفان بشك وهو ينظر لملامح نزار :
" نزار مابك ؟؟ هل تعرف شيئًا نجهله نحن ؟؟ أعلمت بخيانة أحدهم في جيش الملك آزار ؟!"
هز نزار رأسه بنعم وقد تساقطت دموع دون شعور يهمس بنعم مذبوحة ونبرة باكية جعلت الجميع حوله يتعجبون لينطق سالار بعدم فهم وريبة :
" من ؟؟"
" أنا....."
دقائق طويلة مرت بعد هذه الكلمة، دقائق لم ينطق بها أحدهم كلمة، وقد شخصت الأبصار، دقائق طويلة لم يسمع بها نزار صوت تنفس أحدهم حتى .
وهو فقط كان يدفن رأسه ارضًا يضغط على كفه بتوتر يتحدث بكلمات سريعة قبل أن يضعف ويتراجع ويدمر الجميع بسبب شياطينه :
" لقد ...البارحة ...لقد كنت ....معه ...مع بافل ....لقد أخبرته عن بعض الثغرات في الممالك و خطة ...خطة .."
صمت ثواني وقد شعر أنه لم يعد بإمكانه التنفس أو المواصلة، تساقطت دموعه أكثر يهتف من بينها بصعوبة :
" اقسم بالله أنني حتى الآن لا أدرك كيف حدث كل هذا، لم أشعر بنفسي وأنا أتلو عليه كل ما خططتم له و...."
فجأة صمت مجددًا، لكن هذه المرة لم يكن بسبب غصته او شهقاته، بل بسبب صفعة قوية جعلت رأسه تستدير وصوت آزار يهدر في المكان بشكل مرعب ولم يفكر حتى أن والده يمازحه، فنظرات وبكاء نزار توحي أن كل ما نطق به حقيقة مجردة :
" أيهـــــــــــا الوســـــــخ الخائـــــــــن، أيهـــــــــا الحقيــــــــــر، تبيعنا ؟؟ ولمـــــن يا وسخ ؟! لمــــــــن ؟!"
كان يتحدث وهو يتوالى بصفعات قوية على وجه نزار الذي استقبل صفعات والده بصدر رحب دون أن يعترض او يدافع عن نفسه بكلمة والده، ولولا تدخل أرسلان يجذب آزار بعيدًا عنه لكان الأخير جز عنق ولده في هذه اللحظة بعدما استل سيفه من غمده .
جذبه أرسلان بالقوة للخلف وهو يصرخ بخوف مما يحدث أمامه :
" لا يا عم لا تفعل استحلفك بالله، لا تفعل هذا ولدك "
حاول آزار الإفلات من أرسلان وهو يصرخ بجنون :
" هذا خائن وليس ولدي، خنزير مثلهم، يسلم رقابنا لذلك الوسخ، لماذا ؟! ما الذي وعدك به ؟! ما الذي منحه لك ولم أفعل "
نهض نزار يتحرك أمام والده يجلس على ركبتيه يحني له رقبته وكأنه يسلمها له، يتحدث من بين شهقاته بكلمات غير مفهومة :
" أقسم بالله يا أبي أنني لم أكن أشعر بما أفعل، لم أكن أشعر، كان شيطاني أقوى مني، استغل ...استغل حقدي و....لا لم يستغل شيء، بل أنا يا أبي من كنت ضعيفًا أمام وسوسته ووسوسة نفسي الامارة بالسوء، أتوسل إليك إما أن تقتنلي وتريحني من عذاب ضميري أو تسامحني "
ابتسم له آزار بسخرية لاذعة:
" اسامحك ؟؟"
بصق آزار في الهواء بشكل مهين :
" لا اسامح الخائنين يا حقير "
في هذه اللحظة تمنى نزار أن لو ترك أرسلان والده ليقتله، أنهار ارضًا باكيًا بندم بدأ يشق صدره، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت وشعر أن لا ملجأ له ..
لولا يد أحدهم التي انتشلته من ضياعه، رفع عيونه بتردد ليبصر سالار الذي نظر له بغموض ورغم نظرات الاستنكار التي تلتمع في عيونه إلا أنه همس بصوت جامد:
" تماسك ولا تنهار، لم تكفر عن ذنبك بعد لتفعل "
نظر له نزار ثواني يبعد عيونه عنه وهو ينظر لآزار الذي كان ورغم الصلابة التي يظهرها يتحرك بصعوبة صوب أحد المقاعد، يده ترتجف وهو يتمسك بالمقعد يجذبه ليجلس عليه بضعف، وبارق جواره يحاول تهدأته .
شعر آزار بنفسه يكاد يسقط ميتًا من شدة قهره، ينظر لولده يبحث عن تقصيره ليوصله لتلك المرحلة، بينما نزار تحدث بصوت منخفض حرج بصعوبة بسبب بكائه:
" أنا آسف، فقط ...سامحني أبي، أقسم أنني سأفعل أي شيء لتثق بي مجددًا "
ابتسم آزار بسخرية تتخللها حسرة وقهر لا حد لهم، وقد سقطت دمعة من عيونه أخفاها عن الجميع عدا نزار الذي أبصرها لينهار ارضًا من بشاعة ما يحدث، يتمنى لو أنه داخل كابوس الآن فيستفيق منه ويهرول ليسجد شكرًا لله أنه ما يزال طاهرًا، أن جسده لم يتدنس بنجاسة اعداء الله، وعند هذه الحقيقة ارتفعت أصوات بكائه ينهار أكثر وأكثر.
ليتدخل في هذه اللحظة صوت إيفان والذي كان يراقب ما يحدث يتحدث بصوت العقل :
" الحمدلله أنك استفقت قبل فوات الأوان نزار، كما أن أمر الخطة يسير بإذن الله، نضع غيرها وهذا قد يكون لصالحنا أن نضللهم بخطة جديدة، في اسوء الأحوال إن لم نجد خطة جديدة نتبع خطة أرسلان التي يستخدمها كل حرب ولا تفشل يومًا "
نظر الجميع صوب أرسلان الذي ابتسم يوضح خطته المتبعة ببساطة :
“ نبيدهم عن بكرة ابيهم "
هز سالار رأسه باقتناع بعض الشيء، بينما نزار نظر صوب والده يتحرك له وهو ينحني أمامه جالسًا على ركبتيه يتوسله الغفران:
" والله لن افعلها مجددًا وإن فعلتها، اقتلني ولن اعترض، أنت إن أردت قتلي الآن، اقسم لن اعترض كذلك "
لم يتحدث له آزار بكلمة ولم ينظر له حتى وقد بدا في حالة رثاء لنفسه وعمره الذي فناه في تربية ولده ليكون جزاؤه في النهاية طعنة لم يحسب لها حسابًا .
" ومن أخبرك أننا لا نريدك أن تفعلها مجددًا ؟؟"
نظر الجميع صوب أرسلان الذي ابتسم بخبث :
" لدينا الكثير من الأعين لدى بافل، لكن بالله عليكم هل يضاهي كل هذا عين تكون ملتصقة به طوال الوقت، ومن افضل ليمثل دور تلك العين من أمير متمرد حقير يسعى لملك لا يفنى ولنزع والده عن العرش وقد اعماه الحقد على الجميع، والله لو كان الأمر بيدي لفعلتها بنفسي وكنت تلك العين، لكنني لن أكون مقنعًا سوى في دور الملك، لكن نزار ملامحه الهادئة والطيبة هذه تصلح لتكون قناع لشخص حقير وسخ "
نظر الجميع صوب أرسلان بصدمة من كلماته، ليبتسم لهم الأخير بخبث شديد وقد بدا أن خطته بدأت تقنعهم...
وهنا كانت نقطة تحول نزار من خائن بحق إلى خائن لمصلحة الممالك، رغم الخسائر التي تكبدها الجميع بعد إعلان نزار ثغرات الممالك، إلا أنهم تغاضوا عن الأمر لأجل نزار والملك آزار.
ومن هذه اللحظة اصبح الجميع متقدمين خطوات عن بافل ورجاله، وكانت جميع خطوات بافل لديهم قبل أن يفكر بها، وطوال شهور طويلة، حرص نزار على كسب ثقة وود بافل وإبعاد كافة الشكوك عنه، وقد نجح بعض الشيء، بغض النظر عن شك بافل به قليلًا، إلا أنه كان يتناسى كل شكه حينما يأتيه نزار بأخبار عن الملوك ...
كانت جميع خطط بافل تُطرح على طاولة الملوك قبل أن يفكر بها بافل حتى، عدا خطة واحدة ...
"نكبة مشكى "
كان في طريقه عائدًا من رحلة صيد مع أحد رجاله، لينشأ بينهم حوار هادئ، سرعان ما انقلب عن حديث حول المستقبل بعدما يحصلون على المملكة بالكامل لها ويحكمونها، اخذوا يحلمون احلام يقظتهم على مسمع من نزار الذي كان فقط يهز رأسه شاردًا قبل أن تصطدم جملة برأسه وقد باح بها أحدهم دون شعور .
" واليوم سنخطو خطوتنا الأولى صوب الحكم بعدما تسقط مشكى "
نظر له نزار بعدم فهم :
" تسقط مشكى ؟؟"
نظر له الرجل بعدم فهم يهتف بجدية :
" نعم اليوم ستسقط مشكى بالكامل بعدما يقتحمها رجال بافل بمساعدة رجالنا بالطبع، وكل ذلك تحت قيادتك بالفعل، أوليس لهذا طلبت خروجنا لرحلة صيد لأجل التمويه عن دورك في الهجوم "
شعر نزار في هذه اللحظة بأن قلبه سقط ارضًا وقد ارتجف كفه، ينظر حوله بعدم فهم، كيف حدث ذلك، كيف لم يخبره الوليد بما يقول هذا الرجل ؟؟ كيف لم يعلمه بل ويستخدم رجال المملكة تحت اسمه.
فجأة ودون مقدمات غير نزار وجهته يعود ادراجه صوب حدود مشكى والتي كانت اقرب له من آبى، لم يكن يفكر بشكل سليم ولم يدرك ما يجب فعله، كل ما رآه أمامه أنه عليه تحذير أرسلان مما سيحدث، لم يفكر في الاستعانة بوالده ولا بجيشه، لُغيت عقلانيته ولغى عقله، وتصرف برعب غير محسوب .
ساعات قليلة حتى وصل لمشكى بعد أذان الفجر تقريبًا ولم يكد يدخلها حتى أبصرها رمادًا أمامه ليشهق برعب وقد توقف قلبه لثواني :
" رحمتك يارب "
ارتجف جسده وهو يسرع بخيله بسرعة ولم يخطر بباله سوى أن يتدخل ويأمر رجاله الذين انضموا لجيش بافل بتحريض من الوليد وأخيه، بالتوقف، حتى وإن عني ذلك كشفه .
وصل حتى القصر والخراب هو ما يقابله في البلاد بأكمله، لا حراس ولا جنود ولا شعب بالكاد جثث متناثرة هنا وهناك، مجزرة بكل المقاييس وكان هو يد غير مباشرة في نشوب تلك المجزرة، لو أنه علم منذ البداية، لو أنه كان أكثر حرصًا وانتبه لكل ما يحدث من حوله، لو أنه وصل مبكرًا واوقف الرجال .
افكار تتصارع داخل رأس نزار الذي نصب نفسه في هذه اللحظة قاتلًا لا فرق بينه وبين من ارتكبت يده هذه المجازر .
تحرك داخل القصر بسرعة يبحث عن الوليد بأعين غاضبة وشكل مرعب وكأن جنون أصابه، يبحث هنا وهناك والجميع يراقبه ظانين أنه يبحث معهم عن الناجين ليتخلص منهم .
حتى كانت الطامة الكبرى لنزار...
أرسلان في منتصف القاعة ساقطًا أرضًا يصارع الموت ويلفظ أنفاسه الأخيرة، هنا وأنهار يركض له صارخًا برعب باكيًا :
" أرسلان يا أخي أنا آسف، لم أكن أعلم اقسم بالله لم أعلم، غافلوني وخدعوني، لم أقصد هذا و....."
أمسك أرسلان كفه وهو يهمس بصوت جاهد بكل ذرة قوة داخله في إخراجه، يحاول الحديث بصوت مسموع وقد أدرك أن الموت قادم لا محالة، طعنه بافل وطعنه مهران بعدما أخبره بما فعل بنساء القصر جميعهن، ورحلوا تاركين إياه يحارب الموت وينزف حتى آخر قطرة :
" أمي وأختي....نساء القصر، لقد ..... أخبرني أنه سيتخلص منهم، ساعدهم نزار، وصيتي لك أمي وشقيقتي، ساعدهم ."
" فقط دعني اساعدك في البداية، دعني اخرجك من هنا واعالجك، يمكننا انقاذك و..."
دفع أرسلان يده بحدة وهو يهمس بوهن :
" دعني وساعدهم، لقد ...سيحرقهم أحياء، ساعدهم ودعني، أذهب وساعدهم، اوصيك بهم نزار، هم في الملجأ الغربي في الطابق السفلي، انقذهم ."
نظر له نزار ثواني بتردد قبل أن يجبره أرسلان بقوة على الرحيل، لينهض وهو يركض بين الجميع في الممرات يراقب خرابًا وموتًا، ودمار بدأ يعم المكان، انهارت مشكى وتهاوى ملكها .
أخذ يهرول على الدرج وهو يدعو الله أن يصل وينقذهم، يرتجف لا يبصر أمامه شيء ولا يسمع كلمة واحدة حوله، واخيرًا وصل للمخبأ للغربي، لكن متأخرًا ...
احترق الملجأ بمن به وتحولت النساء لرماد، شهق نزار بصدمة وهو يهوى ارضًا يصرخ بصدمة مما يبصر أمامه، كل هذا بسببه، كل هذا بسببه، لو أنه لم يتهاون ولم يستخف ببافل لما حدث هذا، لو أنه لاحظ ما يحدث حوله جيدًا ما حدث هذا، لو أنه وأنه ما كان كل هذا .......
عاد ركضًا صوب أرسلان لا يبصر طريقه من شدة البكاء وكثرة الدموع، ركض برعب لينقذ أرسلان ويتوسله الصفح بعدما فشل في آخر اختبار له .
لكن حينما وصل لم يجده، اختفى أرسلان من المكان وقد كانت آثار جره على الارضية واضحة بسبب دماءه المتناثرة، سقط نزار في هذه اللحظة يراقب وأمام عيونه نتائج فشله، خذل الجميع وقبلهم نفسه .
تهاون وهانت البلاد، كان شريكًا للمنبوذين بتهاونه دماء اهل مشكى ونساء القصر تسيل من كفيه كذلك......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فُتح الباب يظهر من خلفه جسد توبة التي ابتسمت بسمة صغيرة للجميع، تهمس بصوت مسموع لهن :
_ اتمنى ألا يكون وجودي هنا مقاطعًا لأي أحاديث .
رفع الحميع أعينهن لها وقد بدا أن كل يفكر في وجودها هنا بمشاعر مختلفة عن الآخر، فسلمى كانت مشاعرها محايدة لا تدرك ما يجب أن تشعر بوجود تلك المرأة التي لا تعلم عنها الكثير هنا .
وكهرمان تبتسم لها بلطف وترحيب، وزمرد تنظر لها بتقييم وكأنها تبحث بها عن خصم جديد أو ماشابه حتى تثبت العكس .
_ بالطبع لا، انضمي لنا توبة .
ختمت جملتها وهي تنظر صوب سلمى تستأذن منها بصمت أن تستضيف توبة في جناحها، لتهز سلمى رأسها وهي ما تزال تربت على خصلات فاطمة بلطف شديد .
_ تبدين شاحبة عن المرة الاخيرة سمو الأميرة.
جلست توبة على المقعد أمام الفراش جوار الجميع، تنظر لوجه سلمى التي طرحت سؤالها للتو تبتسم بسمة صغيرة :
_ لم أعلم أنكِ تتابعين حالتي بهذه الدقة جلالة الملكة .
ابتسمت لها سلمى بسمة جانبية ولم تمنحها جوابًا سوى كلمات صغيرة لا معنى لها تقريبًا للجميع، لكن لتوبة أصابت نقطة في اعماقها :
_ أحيانًا يكون البوح بالحزن اسهل من كتمانه داخلك، كثرة كتمان ما يؤرقك سيولد انفجارًا لن تخرجي منه سالمة، لذا الأفضل أن يعبر الإنسان عما يسكن دواخله بشكل مستمر، سواء كان هذا الشعور هو حزن أو فرح أو حتى غضب .
نظر لها الجميع بعدم فهم عدا توبة التي ابتسمت بسمة مهتزة تراقب يدها التي تداعب خصلات فاطمة بحنان :
_ احيانًا لا تمتلكين حرية الاختيار، فيكون كتمان ما يؤرقك هو السبيل الوحيد للتعايش معه .
_ حسنًا هذه الكلمات الكبيرة والتي لا أفقه منها شيئًا لا تعجبني، فأما أن تتطوع واحدة منكما لشرح ما يقال أو تتوقفن عن الأمر برمته وببساطة .
هزت سلمى كتفها بهدوء :
_ لا شيء زمرد فقط نتناقش في أمور تخص النفس البشرية .
نفخت زمرد بعدم اهتمام :
_ وهل اشتكت لكما النفس البشرية لتهدرا دقائق ثمينة كان يمكن استغلالها بشكل افضل، لتتناقشوا في أمرها؟ ثم ما الذي يستدعي النقاش بهذه الالفاظ الكبيرة فيما يخص البشرية، البشر إما صالح فيعيش بسلام، أو طالح فأقتله .
_ يا ويلي من تفكيرك.
ىفعت لها زمرد حاجبها بسخرية :
_ هذا التفكير هو ما جعلني أحيا وانجو حتى اليوم، وهو ما جعل هذه الأميرة المدللة تنجو كذلك وإلا اصبحت طعامًا لاخوتي لعنة الله عليهم اجمعين وجعلهم حطبًا لجهنم فاللهم أمين .
رفعت كهرمان كفها للسماء تهتف بجدية :
_ آمين ..
اتسعت أعين سلمى بصدمة مما سمعت منذ ثواني من كلمات زمرد، تحاول أن تعي ما قيل، هل دعت لتوها على اخوتها ؟؟
_ حسنًا مهما فعلوا لا أعتقد أن الدعاء عليهم بهذا الشكل مقبول حتى هم اخوتك في النهاية.
نظرت لها زمرد ثواني قبل أن تطلق ضحكة صاخبة وهي تتحدث بصعوبة من بيت ضحكاتها :
_ الدعاء عليهم ؟؟ حبيبتي الدعاء على اخوتي هو أكثر افعالي رقة معهم، كهرمان أخبريها ما فعلته بأخوتي لعنة الله عليهم .
_ قتلت منهم من استطاعت، والباقيين سلمتهم للموت .
هزت زمرد رأسها وهي ترفع كفها في الهواء تهمس بجدية وفخر :
_ وكله بقبضة يدي المباركة هذه، قسمًا لو بُعثوا من جديد لأعدت قتلهم مرات ومرات .
شعرت سلمى بالريبة وهي تجذب فاطمة وتعود للخلف بعيدًا عن زمرد التي رمقتها بسخرية لاذعة :
_ لا تخافي عزيزتي، فأنا لا أعض اللطفاء، أنا لم يسبق وأن اذيت أحدهم، سوى اخوتي وأبي ونصف قومي، ورجال اخي كذلك فقط، وهم ليسوا لطفاء بالمناسبة...
_ أنتِ مريبة، هل هذا طبيعي حتى ؟؟ ثم ألم تخبريني كهرمان أنها شقيقة زوجك، هل هذا يعني أنها قتلت أشقاء زوجك .
التوى ثغر كهرمان باشمئزاز، وكذلك زمرد التي انكمشت ملامحها تهتف :
_ أعوذ بالله، ما كان لأخي أن يرتبط بهؤلاء الحثالة لا من قريب أو بعيد، أخي هذا جنتي على هذه الارض، ومن تبقي لي في هذه الحياة هو وزوجي .
_ وأنا ؟!
تدخلت كهرمان بكلمتها تشعر بالضيق لنسيان زمرد لها فيمن يخصونها، لتشعر بضربة صغيرة على كتفها :
_ أنا اتحدث عن الرجال يا ابنتي ما بكِ، أنتِ وتبارك وتلك الغبية برلنت ...
صمتت تنظر لسلمى التي نظرت لها بأعين بريئة، جعلتها تزفر :
_ هذه السلمى المستفزة، والصغيرة فاطمة كذلك .
نظرت صوب توبة التي كانت تتابع كل هذا بهدوء شديد:
- تريدين الإنضمام لهم كذلك ؟!
ابتسمت لها توبة بلطف لتضيف زمرد اسمها للقائمة:
_ حسنًا سأغلق القائمة على هذا ولن أصادق شخص آخر فأنا لن اتحمل امرأة أخرى في حياتي معكن.
ضحكت كهرمان بصوت مرتفع وهي تبصر حيرة سلمى التي ما تزال تلتمع في عيونها لتهتف بجدية :
_ ما الذي تعلمينه سلمى عن نكبة مشكى ؟!
_ ليس الكثير، فقط بعض الاحاديث المترامية .
_ إذن دعيني أخبرك القصة منذ البداية واعلمك ما قصدناه باخوة زمرد ...
تابعت زمرد تكمل على جملتها :
_ لعنة الله عليهم أجمعين.......
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كان سالار يقص على دانيار والمعتصم ما حدث خلال الفترة المنصرمة، تحت نظرات نزار الجامدة، وملامح أرسلان الباردة بشكل غريب .
_ وهكذا من بعد يوم الهجوم هذا قررنا أن تستمر اللعبة حتى نسقط بافل، وقد أجاد نزار لعب دوره طوال تلك الفترة، بل وادعى بين جنوده الخائنين أن هجوم مشكى كان بمباركته، حتى سقط بافل وكاد نزار ينسحب ونعلن للجميع ما حدث وقد سجنا نزار بالفعل تمويهًا لغيابه وتجهيزًا لأنسحابه ...
صمت وهو ينظر لنزار مكملًا :
_ لولا تسلل أحد الرجال لنزار في السجن وأخبره ألا يقلق وأن بافل ليس سوى ستار يختبئ خلفه العقل المدبر، هنا تراجعنا وقررنا استمرار نزار فيما يفعل وقد كان إعلان إعدامه بين الجميع مجرد تحفيز لخروج المجرم، فقط مجرد تحفيز ليكشف الرجال عن أنفسهم ونحقق معهم عن هوية ذلك الحقير وخطته، ومن ثم تنتهي مهمته عند تلك النقطة، لكن كان لنزار رأي آخر...
تحدث آزار مكملًا بضيق شديد :
- خالف أوامري وخالف الخطة وهرب مع ذلك الحقير للجحر دون أن يعطيني إشارة حتى لما سيفعل ولم يصلني به سوى بضع رسائل تخبرنا باقتضاب ما يحدث ومنها علمنا أمر أنمار وغيرها من الأمور.
كانت كلماته تخرج بضيق وغضب وقد ازدادت عصبيته بسبب مخالفة نزار أوامره، بينما نزار كان يسمع كل ما يحدث بهدوء شديد دون ردة فعل، لم يشعر للحظة واحدة بالندم لمخالفته أوامر والده، بل كان يسعى خفية للغفران، يسعى ليريح صدره ويخفي اصوات الصرخات التي تصدح في أذنه كل مساء كلما تخيل أنه كان يمكنه إيقاف مذبحه وتأخر .
احساس التقصير يطارده وكل شعور ذنب بينه وبين نفسه لم يدعه لحظة، بل سياط الندم ما تزال تجلده في صحوته ونومه، والده وأرسلان وشعبه وبلاده، كل ما حل بهم كان بسبب أو بآخر بسببه .
والغضب الذي كان يظهره آزار لم يكن لحظة ادعاء، بل ما يزال صدره غائرًا بغضب شديد على عصيان ولده له للمرة الثانية .
رفع نزار عيونه صوب أرسلان الذي لم يتجاوز بعد تلك الحادثة، لم يتجاوز بعد رحيل والدته وإن أدعى عكس ذلك، لم يتجاوز كل ذلك، وغضبه من نزار ليس لأجل ذلك يعلم يقينًا أن الأمر لم يكن بيده، ربما تخاذل قليلًا، لطنه لم يكن المذنب الأول، رغم أنه كان يتمنى لو أنه استطاع المساعدة .
لكن غضبه كله لأجل عصيانهم والاختفاء دون حتى اتفاق مسبق بشكل أربك جميع مخططاتهم، وما بين هذا وذاك ما تزال هناك غصة صغيرة داخل صدره تمنعه التعامل معه بشكل طبيعي، دون إرادته ما تزال ضبابية تلك اللحظات تراوده، ما يزال توسله لنزار بمساعدة الجميع يرن داخل أذنه، يحاول تخطي كل ذلك، لكن يبدو أنه حتى وإن رغب في نسيان الماضي، فلن يستطيع.
وما بين الرغبة في النسيان والقدرة على النسيان بحار طويلة لا يألف سباحتها ولا يبصر لها من يابسة، ينتظر علّ طوق نجاة ينتشله يومًا ...
_ إذن بما أن كل شيء اضحى واضحًا، هلّا عدنا لما نفعل ؟!
وكان ذلك صوت إيفان الذي تدخل في الحديث يدعو الجميع للجلوس، ليتحرك الكل بالفعل للجلوس ويختار نزار أقرب مقعد جوار الملك بارق والذي أبتسم له بلطف يهتف بصوت حنون:
_ شكرًا لمساعدتي بني، اخبرتني توبة كل شيء فعلته لأجلها ولاجلي، أنا مدين لك بالعمر وما يزيد عليه يا بني ..
ختم حديثه ليربت نزار على يده بحنان وملامح شبه جامدة يهمس بصوت خافت وهو ينظر أمامه دون أن يهتدي لنقطة يعلق بها بصره :
_ لا داعي لشكرك ملك بارق، أنت بمثابة أب لي، ثم لا دين لي عندك أنا و....
فجأة صمت دون مقدمات وهو ينظر للملك بارق بشكل جعل الأخير يتعجب، والجميع يترقب، وقد علت الدهشة وجوههم حينما نطق .
_ بل في الحقيقة أنا اقبل دينك هذا ملك بارق، لكنني لا أطالبك بحياتك، بل أثمن من ذلك ...
اتسعت أعين الجميع بصدمة ليهتف آزار في ولده بغيظ وغضب شديد ضاربًا الطاولة بجنون من وقاحة ولده :
_ نزار ما الذي تهزي به أنت ؟!
لكن نزار لم يتراجع وقد على التصميم عيونه وهو يهتف بقوة في وجه الملك بارق وكأنه يطالبه بحق معترف به لأجله:
_ زوجني ابنتك ملك بارق ........
ـــــــــــــــــــــــــــ
صدمة كبيرة سقطت فوق رأس سلمى حينما أدركت حقيقة بواطن الأمور، ومن ثم حركت عيونها صوب زمرد تنظر لتلك المرأة وهي تتخيل أن أحدهم مر بكل ما مرت به، والله لكان جُن ...
تنفست بصوت مرتفع تقول :
_ زمرد، بخصوص اخوتك ...
_ لعنة الله عليهم أجمعين.
تمتمت سلمى ببسمة واسعة :
_ اللهم آمين....
صمت الجميع وساد صمت طويل بين الجميع حتى قطعته فاطمة التي فتحت عيونها وقد بدا كما لو أنها كانت مستيقظة طوال الوقت تختف بصوت خافت :
_ لماذا توقفتم الحديث ؟؟
نظر لها الجميع ثواني بعدم فهم لتكمل هي ببسمة صغيرة :
_ اصوات الحديث حولي تصمت أصوات رأسي.
ربتت سلمى على رأسها بهدوء وهي تميل مقبلة جبهتها تهمس لهت بصوت منخفض:
_ كلما ارتفعت أصوات رأسك، ارفعي اصوات قلبك، يمكنك اغماض عيونك بهدوء شديد، واسحبي شهيقًا، واخرجيه ببطء وفكري في اشياء وأصوات تجعلك سعيدة، كضحكة المعتصم أو صوته مثلًا .
اتسعت بسمة فاطمة بقوة وقد كانت هذه الكلمات بمثابة مسكن قوي المفعول لأوجاعها .
وقبل أن تتحدث واحدة من الموجودات بكلمة، ارتفع طرق الباب يعقبه إعلان الحارس بهوية القادم :
_ السيد خالد ....
صمت الحارس ثواني قبل أن يعلن بصوت خافت بعض الشيء حانقًا :
_ والسيد موزي، يطلبان الإذن للدخول .
ارتفع حاجب سلمى تردد بسخرية :
_ السيد ؟! حقًا ؟؟
تنهدت سلمى بصوت مرتفع وهي تبعد فاطمة بلطف عنها، تشير للجميع بالبقاء في غرفة النوم، وتحركت لبهو الجناح الخاص بها، تفتح الباب تستقبل خالد الذي اندفع لها يتحدث بلهفة :
_ أنتِ بخير سول ؟! سمعت أن هجومًا شرسًا نشب في المكان، ما بال هذا القصر وهذه البلاد ؟؟
_ يااه خالد الآن تذكرت، انتهى الأمر حتى أن جثث المعتدين بدأت بالتحلل .
_ للتو تفرغت من اعمالي هنا لآتي واطمئن عليكِ .
_ أعمالك ؟؟ حقًا ؟!
_ نعم لقد كنت اقوم بواجبي لحماية المساكين .
_ كدت اصدقك.
_ عليكِ ذلك، على كلٍ ليس هذا ما جئت لأجله.
ارتفع حاجب سلمى تترقب ما يريده اخوها :
_ نعم ما الذي جئت لأجله مصطحبًا مع السيد موزي والذي لم أعد ابصره في الجوار.
رفع موزي رأسه لها وقد كان فمه ممتلئًا بالطعام ليقفز على كتفها يستقر هناك حيث مسكنه الادفء، وهي تبتسم له، بينما تحدث خالد :
_ حسنًا هو من اصر على أن يلقبه الرجل بالسيد، تعلمينه عنيد في مثل هذه الأمور.
تنهد بصوت مرتفع :
_ على كلٍ، كتت أريدك أن تساعديني في بعض الأمور هنا في هذا المكان الغريب .
_ اساعدك ؟؟
_ نعم، هناك فتاة هنا أود منكِ معرفة كل ما يتعلق بها و....
اوقفته سلمى عن الاسترسال في الحديث وهي تردد بسخرية :
_ فتاة ؟؟ هنا ؟! ما شأنك بنساء هذا المكان، خالد إياك وأن ترتكب أي فعل احمق فأنا أمنع عنك أرسلان بصعوبة من الأساس، والنساء في هذا المكان عبارة عن خطوط حمراء تسير على أقدام فتجرأ وتخطى إحدى هذه الخطوط لتُقطع قدمك شطرين .
_ يااه ما بكِ، افترضتي بي سوء النية فورًا، رغم أنني ويشهد الله لا اقصد سوى الخير، كل ما في الأمر أن هذه الفتاة كانت من ضمن المساكين الذين حفظت أرواحهم خلال الهجوم واردت الاطمئنان عليها بعد مساعدتي لها .
قلبت عيونها بسخرية تدرك أخاها جيدًا أكثر من أي شخص :
_ خدمة ما بعد البيع ها ؟؟
_ شيء من هذا القبيل، إذن ما رأيك ؟؟
أشارت سلمى صوب الباب متحدثة بصرامة:
_ غادر المكان .
_ لن تساعديني ؟!
_ للخارج لود .
نفخ خالد بضيق شديد وهو يتحرك صوب الخارج خطوات قليلة :
_ اصبحتي لا تطاقين منذ جئتي هنا، هيا موزي لنبحث لنا عن ملجأ آخر بعيدًا عن هذه المرأة.
لكن موزي استمر في تناول طعامه فوق كتف سلمى التي ابتسمت باستفزاز لخالد، بينما الاخير رمقه بصدمة :
_ موزي ؟؟ هذا لم يكن اتفاقنا يا صاح، تعاهدنا على النجاة في هذا العالم سويًا .
اطلقت سلمى ضحكات خافتة وهي تراقب ملامح أخيها بعدما القى عليه موزي بقايا فاكهته ردًا على كلماته :
_ يبدو أن موزي نسي العهد أخي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صمت طويل عم المكان ولم يقطعه سوى صوت حانق خرج من اعماق حنجرة آزار الذي شعر بقرب انفجاره، يراقب ولده بأعين متسعة ينتظر أن يظهر أي تعبير يشي بمزاحه، فلم يكن هذا الوقت بأي شكل من الأشكال وقتًا مناسبًا لما طرح ولده منذ ثواني .
أما عن بارق فاستمر بالتحديق في وجه نزار، ومن ثم حرك عيونه صوب آزار:
_ آزار هل يمزح ولدك معي ؟!
_ ليته فعل بارق، لكن يبدو أن الكثير فاتنا خلال هذه الشهور ..
رفع نزار حاجبه:
_ عفوًا منكم أنا لا أقصد أي مقاطعة أو شيء آخر، لكنني لا امزح و....
صمت ثواني ثم أكمل بجدية :
_ يمكنكم اعتبار الأمر شرط صغير لفعل أيًا كان ما تريدونه مني .
فتح أرسلان فمه وقد ارتسمت الحدة واضحة على فمه :
_ هل تساومنا لـ ...
قاطعه إيفان وهو يمسك ذراعه بهدوء يقمع جيوش غضبه :
_ لا يفعل، صدقني لا يفعل والله لا يفعل أرسلان، الرجل فقط يتحدث بعفوية ويطلب طلبًا أخيرًا قبل أن يلقي نفسه بالتهلكة لأجلنا.
نظر له نزار وعلم من كلماته أن ما يريدونه به لن يكون يسيرًا :
_ طمئنتني، طمئن الله قلبك جلالة الملك .
ضيق أرسلان عيونه بهدوء وهو يراقبه وكأنه يحذره الاقتراب منه :
_ وما المطلوب منا الآن كي نحقق امنيته الاخيرة ؟!
_ امنيتي الأخيرة ؟! ما الذي تخططون له بالتحديد ؟!
_ سنلقيك بالجحيم عسى أن تخرج منه سالمًا غانمًا كي تقر عين الملك آزار.
زفر آزار بصوت مرتفع :
_ أرسلان بالله عليك تعامل كما لو أن لا شيء حدث وساعدنا لنمرر ما يحدث، واعدك بعدما يعود ولدي سآخذه بعيدًا عنك .
نظر نزار بعناد صوب أرسلان وقد كان ما يحدث قاسيًا عليه رغم ما يظهره من عدم اهتمام، أرسلان والذي كان اقربهم له الآن يتعامل معه بعدائية تقتله ليصبح وحيدًا منبوذًا، ويدرك أنه محق فيما يفعل فهو وإن كان محل أرسلان لعاش المتبقي من عمره غاضبًا عليه :
_ لكنني لا أريد ذلك أبي، لقد خططت من الأساس أن أقيم زفافي في مشكى، تدرك أن لا مملكة تضاهيها بالطعام، وسيكون طباخين القصر أفضل من يشرف على مأدبة طعامي .
اطلق أرسلان صوتًا ساخرًا يظهر بسمته الجانبية للجميع:
_ أتظن طباخي قصري خدم في قصر والدك ؟؟ خسئت أنت واشباهك الاربعين ومن يشابه اشباهك د .
صمت ثواني قبل أن ينظر صوب آزار يتحدث بجدية معتذرًا :
_ معذرة منك ملك آزار لا أقصد إهانة لشخصك، أنا فقط أهين ولدك ليس إلا.
ابتسم له نزار بسمة صغيرة لطيفة وكأنه يستعطفه الموافقة، لكن أرسلان لم يفعل سوى أن ابتسم بسمة أخرى مستفزة يتحدث بهدوء شديد وسخرية :
_ ثم أنت ترى ما يحدث بأم عينيك، لم يعد لدينا غلال كافية لنتكفل بمثل هذه المناسبات، اصبحنا فقراء والله الغني يا بني، لذا أنا من سآتي لآبي وأحضر معي شعب مشكى لتناول طعام زفافك، أو ربما تناول طعام المآتم الخاص بك .
_ لا قدر الله، عسى أن يطيل الله بعمري حتى أحيا ليوم زفافي.
تدخل بارق بعدما وجد أن الأمر بدأ يتمادى لتحضيرات الزفاف وهو جالس لا يفقه ما يحدث :
_ هل تمزحون معي ؟؟ أنتم الآن تتحدثون وترتبون زفاف ابنتي في وجودي وبدون موافقتي حتى ؟!
تحدث نزار بسرعة خشية أن يغضب عليه بارق ويرفض طلبه :
_ العفو جلالة الملك، نحن فقط نمزح ليس إلا.
تحدث أرسلان بجدية وهو يضم كفيه أمامه بهدوء :
_ أنا لا امزح .
زفر نزار بقوة وقد شعر برغبة عارمة في الصراخ بوجه أرسلان، لكنه يعلم يقينًا أن شياطين أرسلان قد تحيل المتبقي من حياته جحيمًا، وهو لا يود أن يقضي حياته في جحيم أرسلان، بل يأمل في العيش داخل نعيم توبته .
لكن هل يتقبل مكافأة كمثلها وقربها، وهو ما يزال يحمل بين اكفته عصيانًا وذنبًا كبيرًا ؟!
_ جلالة الملك ...
_ اسمع نزار أنت مثل ولدي رغم كل ما فعلت مازلت أراك، ذلك الشاب الهادئ والعاقل والحنون .
التوى ثغر أرسلان بسخربة، بينما بارق أكمل بهدوء شديد وهو يربت على كتفه وقد بدأت ضربات قلب نزار ترتفع خوفًا من سماع الكلمات التالية التي ستخرج من الملك بارق .
وقد كان ...
_ أنا لا أعتقد أن زواجك من ابنتي سيكون القرار الصحيح خاصة في هذا الوقت .
حرك أرسلان رأسه بموافقة :
_ والله عين العقل .
التفت نزار بشر صوب أرسلان ليبتسم له الأخير بهدوء :
_ أنا فقط امتدح الملك على فطنته .
تنهد بارق ولم يكد يكمل حديثه حتى سمع صوت
نزار يقاطعه بلهفة :
_ جلالة الملك ارجوك، أنا لا اطالبك بها في التو وفي الحال.
" رغم أن هذا حلم يلازمني طوال الوقت" أسرّ نزار جملته داخل صدره يتسلح بالصبر والحكمة وقد أدرك أن طريقه صوب توبة ملغمًا بالكثير من العوائق .
_ أنا فقط اطالبك بوعد أنه حينما ينتهي كل هذا، عدني أنه...ستعطني فرصة إثبات حسن نيتي وصدق طلبي .
نظر له بارق ثواني بتردد ليتدخل آزار وهو يتحدث بضيق يحاول ألا يظهر تعاطفًا أو لينًا مع ولده خاصة بعد غضبه منه:
_ ما بك بارق اعطه فرصة لنرى ما سيفعل، الشاب لا يطلب الكثير فقط فرصة وإن لم يعجبك ما سيحدث فأرفض وانتهينا .
هز نزار رأسه بنعم وقد التمعت عيونه بقوة ينتظر أي حركة إيجاب من الملك بارق تخبره بقبول ولو كان قيد التنفيذ .
زفر بارق بصوت مرتفع :
_ دعنا ننتهي ومن ثم اعرض عليها الأمر، فقط ننتهي من كل شيء، فعرض مثل هذا العرض عليها اليوم قد يكشف الأمر برمته ونحن لن نخاطر بخروجه خارجنا .
هز نزار رأسه برضا وقد كان ذلك الوعد أكثر ما يتنمى يتنفس بصوت مرتاح، وقبل التحدث بكلمة سمع صوت سالار ينطلق اخيرًا في المكان :
_ إذا كان الجميع انتهى، دعونا نبدأ في الاجتماع الخاص بنا ....
ـــــــــــــــــــــــ
_ تبارك هل أنتِ بخير ؟!
فتحت تبارك عيونها بصعوبة شديدة تبصر ضبابًا حولها، وقابلها اثناء دوران عيونها في المكان عيون برلنت والتي كانت تنظر لها بهلع شديد :
_ ما الذي حدث ؟!
_ سقطتي دون مقدمات، ظننت أن سوءًا أصابك و...
صمتت ثواني ومن ثم تابعت باهتمام بعدما رأت عيون تبارك التي بدأت تزوغ :
_ تبارك هل تسمعينني ؟؟
_ سالار ...
مالت برلنت أكثر وهي تحاول أن ترهف السمع لما تقول تبارك:
_ لا اسمعك ماذا قلتي ؟؟
_ سالار، أريد الذهاب له برلنت، أريد الذهاب له الآن أرجوكِ .
نظرت لها برلنت بعدم فهم وهي تحاول التحدث، بينما تبارك شعرت تهزي بكلمات غير مفهومة :
_ أريد الذهاب له برلنت اخبري تميم أن يساعدني في ذلك .
نظرت لها برلنت ثواني وكأنها تتأكد من وعيها، لكن تبارك فقط نظرت لعيونها تهمس باصرار وقد شعرت أن لا حياة لها ولا أمان بعيدًا عن سالار، ورغم معرفتها أنه سيغضب حينما تتحرك دون وجوده، إلا أنها أصرت على ما تريد :
_ اخبري تميم ارجوكِ برغبتي واجعليه يجهز موكب، فأنا لن أبيت ليلتي بعيدًا عن سالار .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ اخبرتك أن تبعدي ذلك الكائن ذو الشعر الوبري عني، وإلا اقسم أن اجعلك تبكين عليه ما تبقى ما حياتك .
ربتت سلمى على كتف موزي بحنان، بينما الأخير أخذ يحدق في تلك المرأة التي تصرخ بشر وقد وضعها على القائمة السوداء الخاصة به والتي تتضمن ( أم راجيف، سكان الحارة بلا استثناء / بائع الفاكهة الذي يصرخ به عند سرقة فاكهته / أرسلان/ واخيرًا زمرد صاحبة الصوت الصاخب )
كانت زمرد تصرخ به، وفي المقابل يصرخ هو بها بصوت مزعج وهو يحمل بقايا موزة كاد يهرسها بين أصابعه يهددها بجعل وجهها هدف موزته القادم .
والأخيرة تنظر له بشر مماثل :
_ جرب أن تفعل ما يدور بعقلك يا أجرب وسترى ما سأفعل بك ..
تراجع موزي للخلف خطوات قليلة وهو يرمقها بغيظ شديد، يحشر بقايا الفاكهة في فمه، بينما زمرد ابتسمت بسمة جانبية ساخرة جعلت سلمى تراقبها متسعة الأعين:
_ حسنًا هذا مذهل، هذه المرة الأولى التي يتراجع بها موزي عن نيته .
_ لا تقلقي لقد تعاملت عقدين من حياتي مع قرود فقط، مع كامل الاحترام للقردة وسلالاتهم .
صمتت ثواني ثم تحدثت بملل شديد :
_ جسنًا انتهينا من الحديث، ماذا تفعلون أيضًا في هذا المكان عدا التحدث طوال الوقت ؟؟
حدقت بها سلمى دون فهم، لتتحرك زمرد عن الفراش وهي تهتف بجدية تضع الحجاب أعلى رأسها :
_ من تأتي لقتالي ؟؟
نظر الجميع لبعضهم البعض بعدم فهم، فقد جاءت هذه الحالة لها دون مقدمات، ولم تكد واحدة تفتح فمها حتى أشارت زمرد باصبعها على توبة لتنتفض توبة بتفاجئ وهي تبصر إصبع زمرد عليها :
_ أنتِ، أنتِ اميرة لذا لابد أنكِ تعلمين جيدًا كيف تقاتلين بالسيف ؟!
_ نعم أعلم لكن ...
وقبل أن تكمل جملتها جذبتها زمرد دون تفاهم حتى تشير للباقية بحماس شديد، وقد كانت المبارزة افضل ما تجد زمرد نفسها به، شيء تخرج به كافة طاقتها السلبية، شيء يشعرها أنها حية ....
نظرت سلمى صوب كهرمان التي ابتسمت بلا سبب :
_ والآن ماذا ؟!
_ الآن سنشهد منافسة شرسة بين سفيد وسبز يا ابنتي.......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن أنتم تريدون مني الخروج من هنا والعودة صوب الجحر بقدمي ؟! أوليس هذا ما أُعاقب عليه الآن بالفعل؟ أنني ذهبت هناك منذ البداية ؟!
هز له سالار رأسه ببساطة :
_ نعم والآن نخبرك أننا نريدك أن تذهب، فأنت بالفعل صنعت لنفسك مكانة بينهم هناك، كما أن وجود رفيقك هناك سيساعدك في الدخول عكس أي شخص آخر سيواجه مشكلة في ذلك، كما أن طريقة إحضارك من سبز وجرك بهذا الشكل أمام الوليد لن يدع لديه شك أنك تعمل لحسابنا .
ختم حديثه يشير صوب أرسلان الذي اتسعت بسمته بقوة وهو يضع يده جهة صدره يردد بجدية :
_ لا داعي لشكري على ذلك، كان ذلك من دواعي سروري حقًا، وإن أردتم يمكنني جره مرة أخرى من هنا للجحر بنفسي، سيكون هذا شرف لي .
زفر نزار بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه يخرج من جيب ثوبه رسالة مطوية وهو يلقيها أمامهم وقد كانت نفسها الرسالة التي أعطاها له الرجل قبل أن يقتله :
_ هذه رسالة أرسلها لي الوليد مع الرجل يخبرني بها أنه ينتظرني للعودة، لكنني قتلته ورفضت ظنًا أنكم ستغضبون من عودتي .
سحب أرسلان الرسالة يقرأها بهدوء قبل أن ينفخ بضيق يلقيها على الطاولة :
_ ما هذا الخط البشع ؟!
سحب إيفان الرسالة يبتسم له باستفزاز وهو يراقب كلمات الوليد :
_ نعم ينافس بشاعة رسمك في الحقيقة .
نظر له أرسلان بضيق ليبتسم لهم سالار بتحذير مبطن :
_ هل سنبدأ الآن ؟!
ختم كلماته يسحب الرسالة من بين أنامل إيفان يراقب حروف الوليد بهدوء وانتباه :
_ جيد، هذا سيمهد لك الطريق لأجل الدخول، ستعود للجحر تبحث عن الوليد وتخبره أنه أثناء هربك مع ذلك الرجل تم الإمساك بكما وقُتل الرجل بشكل أو بآخر على يد......
صمت ثواني وكأنه يفكر في الأمر قبل أن يشير لأرسلان:
_ أرسلان على سبيل المثال، يمكنك جعله شرير قصتك هو لا يمانع .
حرك أرسلان رأسه بسعادة كبيرة وكأن سالار أعطاه للتو دور البطولة في مسرحية ما، وقد التمعت عيونه بقوة :
_ نعم لا بأس أحب أن أكون الشرير في قصص الأوساخ، يمكنك أن توصفني بأنياب وقرون حمراء إن أردت.
ضحك نزار عليه بخفة يهمس بصوت شبه مسموع :
- صدقني لا تحتاج لتلك الاوصاف لتظهر بصورة الشرير، ماشاء الله سمعتك مرعبة أكثر من كل ذلك .
_ اللهم ادمها نعمة علينا، ما الإنسان إلا سُمعة ولسان عذب يا بني .
تحدث آزار بعد صمت طويل وهو يراقب الجميع يتفقون على أرسلان ولده للجحيم :
_ لكن هذا لن يكون آمنًا، أنتم تلقون به بين غياهب الجب .
نظر له أرسلان وقد أدرك ما يدور بخلده في هذه اللحظة :
_ لا تقلق ملك آزار، كل شيء سيكون بخير، ثم أنا رحمت ذلك الغبي رفيقه ومنعت نفسي عن قتله في الهجوم فقط لأجل هذا، وولدك بسبعة أرواح سيكون بخير لا تقلق .
_ يعجبني ثقتك بي .
تمتم أرسلان بصوت منخفص وصل واضحًا لنزار وهو يبتسم له بسمة مخيفة :
_ هذه ليست ثقة، أنا فقط أصمت العجوز عن إفساد خطتنا .
اتسعت عيون نزار وسالار الذي نظر له بشر، لكن أرسلان لم يهتم وهو ينظر للجميع بجدية :
_ إذن نحن متفقين على إرسال ذلك الــ ....نزار صوب الجحر لمعرفة ما يخطط له أصلان ؟!
صمت الجميع ثواني وكأنهم يفكرون بشكل دقيق أكثر في الأمر لتتسع بسمة أرسلان دون اهتمام :
_ جيد إذن، والآن الخطوة الأخيرة قبل التحرك للجحر .
نظر له الجميع بترقب لينظر هو بشكل مرعب لوجه نزار وقد التمعت عيونه بطريقة مخيفة جعلت نزار يعود للخلف خطوات بمقعده رغم جلوسه على بعد مناسب من أرسلان الذي تحدث بجدية :
_ لا يمكنك الذهاب لهم بهذا الشكل .
_ بهذا الشكل ؟! ما الذي تقصده ؟!
أشار أرسلان على وجهه بجدية :
_ هكذا بوجه صاف وشعر مصفف، والله لا أقبل أن يقال في حقي أن الملك أرسلان لا يعلم كيف يكرم ضيوفه داخل سجونه، ثم لأجل الواقعية والاقناع، هل تعتقد أنهم سيصدقون وجودك عندي هذه الأيام بهذه البشرة الصافية الخالية من أي شوائب ؟؟
نهض عن مقعده يشمر اكمامه وهو يتأتأ بهدوء شديد :
_ هذا مرفوض، هذه سمعة يا بني وأنا لا أقبل أن يظن بي هؤلاء القذرين الحسنى، دعني أفسد صورتي في عيونهم .
ابتعد نزار عن مقعده حينما أبصر الجدية والإصرار في عيون أرسلان:
_ والله أن لا صورة فاسدة في عيونهم بقدر فساد صورتك، أقسم أن الرجال هناك لا يمقتون أكثر منك بين الجميع .
_ لا تقلق ستكون يدي خفيفة، بعض الضربات الصغيرة، ولا تقلق سأحرص على أن تُشفى قبل زفافك، واعدك أن أقدم لك وليمة زواجك هدية من مشكى .
نظر إيفان بترقب صوب ما يحدث، بينما سالار استعد للنهوض والفصل بينهم، وبارق فقط يراقب ما يحدث منتظرًا القادم .
بينما آزار ينفخ بغيظ شديد مرددًا بضيق :
_ هذا أرسلان لن يصمت أو يرتاح خاطره إلا حينما يقطع سلالتي عن هذا العالم .
ابتسم أرسلان بلطف شديد وهو يقترب من نزار الذي أخذ يبحث عن خنجره في ثوبه ولم يكد يخرجه ليدافع عن نفسه حتى تلقى لكمة قوية في وجهه اسقطته ارضًا .
لترتفع صرخته الغاضبة في المكان، بينما أرسلان أشرف عليه من الأعلى وهو يميل عليه هامسًا ببسمة هادئة بريئة :
_ فقط حاول ألا تحرك وجهك كثيرًا كي لا تفسد عملي .
رفع له نزار عيونه يبتسم بغيظ متحدثًا من بين أسنانه:
_ تبًا لك أرسلان، أيها الحقير، جيد أنني تركتك تموت ذلك اليوم، وجعلتك تخسرك روحك الأولى يا وسخ .
ختم كلماته لينظر له أرسلان ثواني بملامح هادئة لا تشي بشيء، ينظر حوله ثواني للجميع، ثم رفع يده في الهواء يبتعد عنه مشيرًا صوب جسد نزار الملقى ارضًا :
- ها انظروا إلى ذلك القذر الحقير الذي يتلفظ بألفاظ سيئة لا تليق بجلسة رفيعة المستوى كجلستنا هذه ملقيًا سبات على مسامع العجائز ؟! أتعجب كيف سيأمن العجوز بارق على ابنته مع قذر مثل هذا الرجل يتلفظ بمثل تلك الالفاظ القذرة ؟؟
اتسعت بسمة إيفان بعدم تصديق يهز رأسه باهتمام :
_ في طريقك لاستنكارك السبتين اللتين اطلقهما نزار نطقت أكثر من أربع سبات في جملة واحدة، أحييك أرسلان فعلت ما عجز عنه الكثيرون .
حرك أرسلان يده في الهواء بغضب شديد يعترض على كلمات إيفان برفض شديد :
_ لقد اقلعت بالفعل عن السب ولم يعد لساني النقي هذا ينطق بكلمة سيئة إلا على الاوساخ والقذرين أمثال أصلان وانمار وألفين آخرين، الآن جاء هذا الرجل من حيث لا أدري ليفسد تقوتي ويعكر صفو لساني، شيطان، هذا شيطان .
فجأة قاطع ذلك الاجتماع الجاد والهام صوت طرق خفيض على الباب، تبعه صوت أحد الرجال وهو يتحدث بجدية :
- سيدي لقد انتهى الجميع من تحضير الطعام، والآن نحن في انتظاركم....
وفي ثواني وبعدما كانت الوجوه حادة والجلسة مشدودة، انفرجت الملامح ونهض الجميع ببساطة.
ابتسم آزار وهو ينهض ينفض كتفه بهدوء وكأنه ينفض غبارًا متجاهلًا ما يحدث مع ولده في الوقت الحالي :
_ واخيرًا جاء وقتنا المفضل بارق، هيا بنا .
ابتسم له بارق ينهض يلحق به وهو يشير له صوب الخارج برقي :
_ من بعدك ملك آزار.
ابتسم له آزار وهو يربت على كتف رفيقه الأقرب والذي عادت روحه بعودته:
_ ما تزال راقيًا كما كنت، النصف موتة التي خضتها لم تغير بك الكثير، سبحان من يحيي الميت .
ومن بعد تلك الجملة اختفى صوت الإثنين، تاركين خلفهم الجميع يتبادلون النظرات في صمت، يقطعها إيفان الذي أعلن انسحابًا مبكرًا من الحرب النفسية تلك، يخرج من المكان دون اهتمام، تبعه سالار الذي ابتسم بسمة صغيرة يصفف خصلاته بأصابعه، ومعه دانيار الذي استأذن بصمت، وفي النهاية لم يتبق سوى المعتصم وارسلان ونزار .
ولم يكد الأخير يفتح فمه، حتى قاطعه أرسلان مبتسمًا بكل ذرة استفزاز يمتلكها :
_ يا المعتصم ...
_ مولاي ؟!
_ خذ هذا المجرم إلى السجن رجاءً .
اتسعت عيون نزار بصدمة مما يفعل ليتحدث أرسلان بهدوء وبراءة وكأنه يبرر له ما يفعل :
_ هذا لأجل الحبكة المنطقية عزيزي، لا ضغينة، أو...نعم هناك ضغينة ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى غرار معركة الرجال في الاعلى كانت معركة النساء في الاسفل تقودها العزيزة زمرد ضد ... الجميع، فقد بدا كما لو أنها تشن حربًا على الجميع في هذه اللحظة .
تتحرك حول توبة وهي تلوح بسيفها، بينما الأخيرة تقبض على سيفها بجدية كبيرة تضيق عيونها بترقب شديد، تبتسم لزمرد والتي بمجرد أن أبصرت بسمة توبة حتى شعرت بها إشارة لأشعال الحرب فانقضت عليها بقوة، لكن توبة ورغم أنها لم تحمل سيفها سوى القليل من المرات آخرها في ذلك الجحر، إلا أنها لم تكن بالمنافس الهين، وفي الوقت ذاته لم تكن منافس قوي يستطيع التغلب على زمرد والتي لم تترك سيفها منذ ولادتها .
أخذ القتال يشتعل أكثر وأكثر حتى شعرت كهرمان أن زمرد ثواني وستدحرج رأس توبة أسفل اقدامهن .
_ حسنًا هذا ليس جيد البتة، علينا إيقاف زمرد قبل أن تقتل توبة وتتسبب في حرب بين سفيد وسبز، وزوجي المسكين من سيكون عليه التعامل مع الأمر.
اتسعت بسمة سلمى أكثر، بينما فاطمة تراقب ما يحدث بأعين متسعة غير مصدقة أن امرأة يمكنها القتال بهذه المهارة كالرجال تهمس بصوت منبهر :
_ هذا رائع، أنا... أريد أن أفعل مثلها، أريد أن اقاتل مثلها .
نظرت لها كهرمان بصدمة وقد ظنت أن الصغيرة ستهلع مما ترى.
ولم تدرك أن فاطمة أول عهدها بالقصر كان في ساحة القتال تقلد حركات المعتصم وهي تحمل عصا .
_ الرحمة يا رب، أين سقطت أنا ؟! لا عاقل وحيد بكن ؟؟
استدارت لها سلمى تلقيها ببسمة غريبة اخبرتها دون التحدث بكلمة، أنه لا ...لا عاقل وحيد بينهم .
_ أنا يعجبني ما يحدث الآن تمامًا مثل فاطمة ؟؟
_ يا فتاة ما بكِ ؟؟ لا عاقل بكم سوى تبارك والله، مالنا نحن النساء بالسيوف، نحن خلقنا للدلال والرقة والغناء والرقص وغيرهم من الأمور اللطيفة .
التمعت عيون سلمى بشدة وهي تهمس بحماس شديد :
_ الغناء والرقص ؟؟ احب هذا، هل تستطيعين الغناء ؟!
هزت لها كهرمان رأسها بنعم وهي تعود بعيونها صوب القتال :
- نعم علمتني أمي كل تلك الاشياء، في الحقيقة كانت أمي في منافسة شرسة طوال الوقت مع أخي لتزرع بي رقة توازن الخشونة التي يزرعها بي أرسلان .
_ وارسلان ؟!
_ مابه أرسلان ؟!
_ ما رأيه حول تلك الأمور!؟ اقصد الغناء والرقص ؟؟ ألم يكن يمانع ؟!
_ لماذا سيمانع، أخي لا يتدخل بمثل أمور النساء هذه، فرغم أنه يحاول أن يزرع بي قوة وبأس يدرك أنني في النهاية فتاة لي على نفسي حق .
اتسعت بسمة سلمى بشكل غامض وهي تنظر أمامها تبصر توبة الساقطة ارضًا تصارع للنهوض دون أن تجز زمرد عنقها :
_ هذا جيد، إذن كيف ترقصون هنا، هل لديكم مطربين وأغاني محمسة و....
قاطعتها كهرمان وهي تهتف بعدم فهم :
_ ماذا ؟؟ لا أفهم ما تقولينه، نحن ننشد على طرق الدفوف ونرقص عليه، هذا كل شيء .
_ يبدو هذا جيدًا أيضًا، إذن أيمكنك أن تعلميني ذلك ؟!
نظرت لها كهرمان متجاهلة اصوات الصراخ التي بدأت تشتعل حولهم وقد نهضت توبة تضرب زمرد في معدتها بقوة مسقطة إياها ارضًا بخشونة، وفاطمة تراقب بأعين ملتمعة متحمسة وبشدة ...
_ إذن لا بأس، اخبريني متى تكونين متفرغة وسأعمل على تعليمك ما تريدين .
ختمت كلماتها وهي تبعد عنها جسد توبة التي سقطت عليها تمنح كامل تركيزها لسلمى التي ابتسمت لها تؤمي بايجاب، ومن ثم نظرت صوب فاطمة تتحدث بحنان :
_ وأنتِ فاطمة تريدين تعلم الأمر كذلك ؟؟
_ لا أنا أريد أن أتعلم القتال مثلهما .
زفرت كهرمان بضيق :
_ جيد وجدت زمرد لنفسها قرين .
نظر الحميع صوب القتال والذي بدأ كما لو أن توبة قد بدأت تثور وتحترق داخليًا أكثر وأكثر وتزداد شراسة وكأنها في حرب حقيقية ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك ببطء داخل البيت الصغير الذي يقبع في أحد اسواق مشكى، بعدما سار لساعات وربما لأيام صوب مشكى مع تلك القافلة التي توقف لأجله في الغابة .
نظر ارضًا بهدوء شديد يبتسم بسمة صغيرة يدعي بها خجل كبير، وقد سمع صوت الرجل ينادي بصوت مرتفع غاضب :
_ أين تلك الفتاة ؟؟ أنتِ أيتها الكسولة عديمة الفائدة أين أنتِ ؟؟ أين ذهبت ؟؟
تحدث الآخر بصوت خجل من الموقف برمته:
_ أشعر أن وجودي في المكان لن يكون لائقًا خاصة بوجود امرأة هنا ياعم، أنت وأكثر الله من خيرك فعلت واجبك ويزيد واوصلتني لمشكى، سأرحل أنا كي لا أثقل عليك أكثر.
امسك به التاجر رافضًا رحيله بهذا الشكل وهو بهذه الحالة من الضعف والارهاق :
_ والله لن يحدث، لن ترحل من هنا حتى تستعيد صحتك، هذا اكرام ضيف .
صمت ينظر حوله ثواني قبل أن يتحرك صوب الداخل :
_ توقف هنا حتى أجد تلك الفتاة أو......
وقبل إكمال جملته أبصر ابنته تخرج من غرفة جانبية وهي تمسك بين يديها صينية الطعام شبه فارغة، تنظر صوب والدها بعدم فهم، ومن ثم نظرت لضيفه والذي كان رث المظهر مبعثر الهيئة، تحاول فهم ما يقبع خلفه :
_ ماذا ؟؟ من هذا الرجل ؟!
رفع والده عيونه لها زاجرًا :
_ هذا ضيفي يا فتاة، لذا تأدبي وتحدثي بشكل يليق بكونك فتاة محترمة .
اشتعلت عيون الفتاة بقوة ظن إهانة والدها المبطنة، ومن ثم نظرت لهم من أعلى لأسفل ولم تكد تتحرك متجاهلة الإثنين حتى سمعت صوت والدها يقول بجدية :
_ ديـــــــــلارا .
توقفت ديلارا تغمض عيونها بضيق شديد تستدير صوب والدها وضيفه تردد بصوت حانق:
_ ماذا ؟؟
_ اذهبي وحضري طعامًا لضيفنا ...
صمت ينظر صوب الرجل وقد أدرك فجأة أنه لم يعلم اسمه وقد غفل عن تلك النقطة طوال الوقت :
_ لم تخبرني اسمك يا سيد .....
صمت ينتظر من ضيفه إكمال جملته، ليبتسم له الرجل بهدوء واحترام شديد يغض طرفه عن ديلارا وهو يتحدث بصوت رخيم :
_ أنمار سيدي ...اسمي أنمار.........
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
ذروة الحرب، ومن يطفئها؟!
دمتم سالمين .
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رحمة نبيل
الرابع والثلاثون | نقطة الصفر |
سأكون بانتظار تعليقاتكم على الفصل بعد القراءة، عسى أن ينال إعجابكم....
قبل القراءة صلوا على نبي الرحمة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتحرك بين الممرات مع المعتصم الذي كان يجذبه من ثوبه بخفة أمام الجميع صوب السجون، بعدما تم وضع الخطة واتفق الجميع على كل شيء .
ونزار يسير مخفضًا عيونه ارضًا دون أن يرفعها في وجه احدهم، يهمس بضيق وهو يشعر بقبضة المعتصم تشتد شيئًا فشيء على ثوبه :
_ تدرك أنه لا تحتاج لاتقان الدور بهذا الشكل صحيح ؟!
ابتسم المعتصم بسمة صغيرة جانبية يهمس بصوت وصل واضحًا لنزار :
_ نعم أدرك، لكن هذه أوامر الملك و....اوامري كلها آخذها من الملك وليس أنت سمو الأمير، لا ضغينة صدقني .
ابتسم نزار بضيق شديد وهو يتحرك بين ممرات القصر يهمس بصوت حانق :
_ عسى أن يخرجني الله سالمًا من بين يديّ مولاك، إذ يبدو أنه لن يغفر ما حدث قريبًا .
عند التطرق لهذه النقطة شعر المعتصم بحيرة :
_ مازالت لا أفهم سبب غضبه منك حتى الآن..
_ الخذلان يا المعتصم، الخذلان اسوء ما يمكن أن يمر به أحدهم، وأنا خذلت أرسلان وتخاذلت عن دوري، واخبرتهم ما لا يجب عليهم معرفته.
تنهد بصوت مرتفع وقد شعر بعدم قدرته على الاستكمال في هذا الأمر، يمرر عيونه بعيدًا عن المعتصم يدعي عدم الاهتمام لما يحدث حوله، لكنه ما يزال حتى هذه اللحظة يشعر بالخذلان تجاه مشكى وشعبها .
لو كان فطنًا لكان أدرك أن هناك ما يدور خلف ظهره، لو أنه كان سريع البديهة لتحرك ليحضر المساعدة بدل من الذهاب وحده، لو كان يزن الأمور لأنقذ أرسلان وانقذ البلاد قبل فوات الأوان، ولو كان يعلم ما كشف ثغرات البلاد لبافل...
أثناء تحركه بهدوء مع المعتصم صوب السجن حيث اتفق أن يكون بوابته للخروج متخفيًا، توقفت فجأة أقدامه عن الحركة وتجمد جسده بالكامل وهو يبصرها أمامه وقد خرجت من أحلامه لتتمثل على هيئة خطفت كل ذره من كيانه، تتهادى أمامه بكل رقة وهي مبتسمة بسمة مشرقة .
بسمة سرعان ما انتقلت له ليبتسم باتساع يتابعها بأعين ملتمعة يتمسك بسور الشرفة يحدق بحلمه المتجسد على هيئة امرأة فاتنة تتحرك بين طرقات المملكة .
كان حلمًا جميلًا في غاية الواقعية لدرجة أنه ابصرها ترفع عيونها له مبتسمة بسمة واسعة سرعان ما تلاشت بصدمة كبيرة وقد اتسعت عيونها وشحب وجهها .
أما عنها فكانت تسير مع الفتيات تضحك على كلمات كهرمان وحوارها الشيق مع زمرد، ومن بين ضحكاتها وقعت عيونها على طيف فجأة جعلها ترفع عيونها بتعجب لتتسع عيونها وتشعر بتوقف انفاسها وهي تبصر نزار يقف في شرفة أحد الممرات يراقبها ببسمة حالمة شاردة وما يزال المسكين يظنها طيفًا ...
وهي فقط توقفت تنظر له دون أن تنزع عيونها عنه وقد شعرت فجأة بضربات قلبها تكاد تتوقف من صدمتها، نعم جاءت للمكان علها تبصره مرة ولو بالخطأ، لكنها لم تتوقع أن تفعل .
ظلت أقدامها متيبسة لا تشعر بأحد حولها وهي تراقبه يقف هناك مبتسمًا لها بسمة غريبة، يراقب حلمه البعيد غير عالمًا أنها واقعٌ.
تحركت عيون المعتصم ببطء صوب ما ينظر له ليتعجب حينما يرى بعض النساء ليبعد عيونه وهو يجذب نزار بعيدًا عن سور الشرفة :
_ اقسم أنه لن يهدأ لك بال إلا حينما يعلق الملك رأسك على بوابة مشكى، تنظر بكل تبجح في النساء، تحرك معي .
نظر له نزار بعدم فهم ليتحدث المعتصم بجدية وهو يجذبه بعيدًا عن الشرفة وكأنه ينتزعه من حلمه الوردي صوب واقع رمادي :
_ أدري أنك بالفعل طلبت ودها للأميرة توبة، عسى أن يجمع الله بينكما بالخير، لكن لا يجوز اختطاف النظرات لها بهذا الشكل و...
توقف نزار عن الانقياد لجذب المعتصم وقد تيبس جسده يهمس بصوت شبه مسموع :
_ هل ...تعني أنها...هي هنا ؟؟ هل كانت الأميرة توبة تقف في الأسفل حقًا ؟؟ هل تبصرها كذلك ؟؟
رقع المعتصم حاجبه بعدم فهم وهو يجذبه من مرفقه بقوة حينما أبصر بعض الجنود يمرون بجانبها، يهمس بصوت خافت يرسم ملامح حادة على وجهه :
_ هي ليست شبحًا كي لا ابصرها، لقد كنت تحدق بها لدقائق طويلة، ولا تدرك أنها موجودة؟!
شعر نزار بالصدمة تتلبسه وقد بدأت ضربات قلبه ترتفع يهمس لنفسه ببسمة واسعة :
_ هي ليست وهمًا ؟؟
دخل به المعتصم للسجن وهو يدفعه صوب أحد الأبواب يزجه به بهدوء شديد ثم اغلق الباب يلقي المفتاح بشكل متواري له غامزًا :
_ اتمنى أن تعجبك ضيافتنا سمو الأمير..
ختم حديثه يشير للحراس على السجن بجدية وصرامة شديد :
_ لا تغيب عيونكم عنه .
تحرك للخارج ليلتقط نزار المفتاح بخفة يخفيه داخل ثيابه كما هو متفق عليه مع الجميع، يرفع عيونه صوب الباب ببسمة صغيرة :
_ لا أعتقد أن زيارة قصيرة غير متفق عليها ستزيد من الأمور سوءًا ها ؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــ
_ إذن كل شيء بخير معكن ؟؟
ابتسمت إحدى النساء باتساع لنازين التي كانت طوال الوقت تبذل كل ما بوسعها لتساعدهن في التأقلم مع الحياة تلك دون أي مشاكل، ورغم كل ما تفعل وما يبذل الجميع حولهن من مجهود إلا أن البعض لم يتخطى بعد ما حدث .
فتيات يأخذن جانبًا دون التحدث بكلمة واحدة أو حتى التفاعل مع محيطهن، وهذا ما كان يتسبب في إحباط نازين .
خرجت من شرودها على صوت حور التي تحدثت ببسمة صغيرة :
_ نحن بخير حال نازين، شكرًا لكِ .
داعبت نازين خصلات الصغير عابد والذي كان يسكن أحضان حور نائمًا بعمق :
_ كيف حال الصغير ؟!
نظرت حور لعابد تتنهد بصوت شبه مرتفع :
_ أعتقد أننا نبلي بلاء حسنًا، لكن...الصغير لم يتخطى بعد قتل والدته ..... أمام عيونه .
ختمت جملتها تستشعر بغصة قوية تستحكم حلقها، وقد أعادت لها الكلمات ذكرى قتل " ياقوت" أمام عيونها والصغير .
نظرت لها نازين وهي تشعر بالحزن، وودت لو امتلكت القدرة لتمسح ذاكرة جميع النساء والاطفال هنا، بداية بنفسها .
سمعت صوتًا لإحدى العاملات تردد اسمها بهدوء :
_ الطبيب زيان ينتظرك في الخارج .
رفعت لها نازين عيونها، لتبتسم حور وهي تضم عابد لها بلطف :
_ اذهبي لرؤية زوجك نازين، أنتِ تقضين معنا وقتًا أطول مما تفعلين معه، وهذا جحود لحق زوجك، تمسكي بالحياة الواقعية طالما كانت وردية نازين ولا تهربي منها لمجرد أنكِ اعتدتي السواد عزيزتي .
نظرت لها نازين بأعين شاردة وهي تحاول أن تنفذ ما تسمع، لكن منذ عادت تقريبًا وهي تحاول تجنب زيان، تحاول تجنب الحقيقة التي قد تلتمع خطئًا داخل عيونه، تحاول البحث عن واقع مزيف بين من اعتادت على العيش بينهن، وتنبذ واقعًا سعيدًا يناديها مخافة أن يجذبها ذلك الواقع خارج دائرة كانت تحمي بها نفسها .
تحركت ببطء صوب الخارج وهي تحاول أن تدعي اللامبالاة، وبمجرد أن خرجت أبصرت زيان يقف جانب الغرفة ينتظرها، رفعت عيونها له ولم تكد تفتح فمها بكلمة واحدة، حتى وجدته يرفع سلة فاكهة أمامها مبتسمًا بسمة واسعة :
_ هذا موسم حصاد العنب، أحضرت لكِ ما يكفيكِ وصديقاتك .
حركت نازين عيونها من يده التي تحمل السلة، صوب السلة نفسها وقد شعرت أن فجوة زمنية سحبتها فجأة صوب ماضي بعيد تشتاق له وبشدة ..
صوت نازين وهو يغلق باب منزلهم بقوة يناديها بصوت صاخب يلقي اغراضه على الطاولة متحركًا صوب المطبخ وهو يصيح بسعادة :
" نازين تعالي وانظري ماذا وجدت أثناء طريق العودة للمنزل ؟!"
ختم حديثه يطل عليها برأسه مبتسمًا بحماس يرفع السلة في الهواء :
" العنب يا ابنتي، جاء الموسم المفضل لنا "
التمعت عيون نازين بحماس شديد، ورغم ذلك شاكسته بمزاح :
" أنت لا تحب العنب زيان، كيف يكون موسمك المفضل؟؟"
" نعم لكنكِ تفعلين، وهو يساهم على تحسين مزاجك السييء، ويمثل عنصرًا مهمًا لمساعدتي في مراضاتك حين الغضب، بالله كيف لا يكون الموسم المفضل لي ؟! هذا هو الحليف الأول لي، وقد جاء بعد انتظار شهور "
سقطت دموع نازين دون شعور وهي تنظر صوب العنب ترسم بسمة واسعة تناقض دموعها بصعوبة :
_ يبدو هذا ....رائعًا، شكرًا لك ....زيان .
كان زيان يدرك جيدًا ما تمر به ويعلم أنها تحتاج للوقت لتخرج من فقاعتها، لذا ترك كامل الوقت، مع الاحتفاظ بوجوده جوراها، ومساعدتها في الخروج من كل هذا دون أن تشعر حتى أنه يفعل، وقد كانت هذه نصيحة صغيرة تلقاها من الملكة حينما عاد لها في أمر زوجته ....
ما يزال يتذكر وجه الملك حينما طلب منه أذنًا في التحدث مع الملكة في أمر يخصه ..
" زيان أنت تدرك أنك تعني لي الكثير، وأن أبي رحمة الله عليه كان يحبك، فلا تجعلني الحقك به "
" مولاي أنا... صدقني ليس هذا ما قصدته، أنا فقط ...احتاج مساعدتها في شيء اعتقد أنها تدركه أكثر مني و...."
صمت ثواني ثم قال بتردد :
" أريد طلب مساعدتها فيما يخص زوجتي، هي ...لم تعد ...."
صمت وقد أبى التحدث بكلمة عن زوجته مع أحدهم ولو كان الملك، لذا ابتلع باقي كلماته والتي لم يكن أرسلان ينتظرها في الحقيقة، بل تفهم الأمر يتنهد بصوت مرتفع :
" حسنًا زيان ..."
خرج زيان من شروده على صوت نازين التي همست بصوت منخفض :
_ هل ...تناولت طعامك ؟!
وهذا تطور ملحوظ، تسأله عن طعامه وتهتم، والله أكثر مما يتمنى، ابتسم لها باتساع وكاد يجيبها كما هو المعتاد أنه بخير ولا تحمل همه، لكن فجأة رن صوت سلمى في رأسه وهي تخبره .
" اجذبها لحياتك، اجعلها تشاركك يومك دون شعور، ليس بشكل مباشر، لكن تظاهر أن الأمر طبيعي، لا تجعل الأمر يبدو كما لو أنك تجبرها على العودة لمشاركتك حياة طبيعية، أجعل الأمر يبدو تلقائيًا عفويًا منك، مثلًا أدعي المسكنة."
ابتسم زيان بسمة صغيرة وهو ينظر لوجه زوجته، ثم تنهد بصوت حاوله إظهاره مرهق :
_ لا لم أفعل بعد، لم امتلك الوقت لأفعل، لكن لا بأس ربما حينما انتهي من عملي ابحث عن شيء لاتناوله هذا إن لم اسقط على الفراش من شدة التعب .
وهذه كانت لحظات إعجاب أبداها زيان لنفسه وحياها على ما فعل منذ ثواني، ففي ثواني نظرت نازين صوب الغرفة للنساء، قبل أن تعود له تتحدث بجدية :
_ لا يمكنك ذلك زيان، أنت تهمل نفسك بالفعل، هيا تعال سأرى ما يمكنني أن أعد لك ليسد رمقك، و...كل يوم سأفعل الأمر نفسه كي لا تهمل ذاتك حسنًا ؟!
ختمت حديثها وهي تجذب يده معها، وهو نظر لها نظرة يتيم مسكين وجد من يعطف عليه اخيرًا بعد سنوات من الوحدة والاهمال، يخرج تنهيدة مصطنعة :
_ حسنًا لا بأس، أنا اشعر بالجوع على أية حال .
نظرت له نازين ثواني واستشعرت فداحة ما كانت تفعل، كانت تهمله بكل الطرق الممكنة وتغمس ذاتها داخل مجتمع النساء، بينما هو لا يوفر فرصة واحدة ليعتني بها ويظهر حبًا .
نظرت له بأسف:
_ إذن تعال معي سأعد لك طعامًا تحبه ..
ختمت حديثها تجذب يده معها، وهو سار خلفها يبتسم بسمة عاشقة يهمس بصوت لم يصل لها :
_ لكنني أحبك أكثر نازين ...
ـــــــــــــــــــــــــ
وصل الحميع صوب جناح سلمى لتبدأ كهرمان في تنفيذ وعدها بدروس الرقص للجميع، لكن ما أن خطى الجميع للجناح حتى نظرت لهم توبة بتردد وهي تهمس بصوت شبه متوتر :
_ سوف ... أذهب فقط لاطمئن إن كان أبي قد أخذ دواءه أم لا واعود لحين تتجهزون .
ومن بعد تلك الكلمات تحركت بسرعة دون كلمة او حتى انتظار رد من أحدهم تاركة الجميع يجلس بحيرة مما يحدث، عدا سلمى التي ابتسمت بسمة جانبية وهي تتذكر نظراتها أثناء تحركهم للغرفة .
نظرت لكهرمان وهي تتحدث بهدوء :
_ إذن سأذهب لأرتداء ثياب مريحة تناسب ما سنفعل واعود سريعًا .
تحركت صوب الخزانة الخاصة بها وتوقفت أمامها ثواني قبل تختار ما تريد وتتحرك صوب المرحاض الخاص بها والجميع في الخارج ينتظرها.
عدا زمرد التي تحدثت بهدوء :
_ سأذهب لدانيار أتأكد أن كل شيء بخير معه .
ومن بعد هذه الكلمات اختفت تاركة فاطمة وكهرمان سويًا لتبتسم فاطمة بسمة صغيرة لكهرمان التي بادلتها البسمة بأخرى رقيقة حنونة، قبل أن تتحدث بخجل :
_ هل يمكنني أنا كذلك الذهاب لأطمئن على المعتصم ؟!
اتسعت بسمة كهرمان وقد شعرت أن الفتاة تستأذنها، لكنها فقط زادت من بسمتها وهي تشير لها على باب الخروج لتهرول فاطمة بشوق كبير للخارج تاركة كهرمان تراقب أثرها ببسمة واسعة على براءتها ..
نظرت للمكان حولها وهي تفكر في التحرك لرؤية إيفان كذلك وقد استبد بها الشوق لزوجها العزيز، لكن ما كادت تتحرك عن مقعدها حتى سمعت طرق على الباب وصوت شقيقها يصدح بهدوء :
_ سليمى أنتِ بالداخل ؟!
ابتسمت كهرمان بسمة صغيرة وهي تنظر صوب المرحاض ثواني، ومن ثم نهضت تتحرك صوب الباب تفتحه فجأة ليتراجع أرسلان مخفضًا رأسه دون أن ينتبه أن كهرمان هي من فتحت الباب.
ولولا كلمتها التي نبهته للامر لظل مخفضًا رأسه.
_ السلام عليكم أخي...
اتسعت بسمة أرسلان يرفع رأسه بهدوء صوب كهرمان وقد التمعت عيونه بنظرات يخصها بها طوال الوقت :
_ السلام عليكم عزيزتي، ما أسعد يومي لرؤية وجهك البهي جوهرتي .
ختم كلماته وهو يضم كهرمان له بحنان شديد، ثم رفع عيونه لها يربت على رأسها بحب :
- كيف هي أحوالك حبيبتي ؟؟
_ سعيدة أخي، سعيدة لأجلك.
جذبها أرسلان لصدره يضمها بحب شديد وهو يربت عليها :
_ عسى السعادة لا تفارق قلبك حبيبتي، كيف تجري امورك مع إيفان، إن فعل لكِ شيئًا يمكنك الجلوس هنا واعيده لبلاده وحده .
ابتعدت عنه كهرمان بصدمة :
_ أخي بالله عليك .
ضحك أرسلان بصوت مرتفع وهو يضرب رأسها بإصبعه :
_ على الأقل اخفي لهفتك عن عيوني أنا اغار.
نفخت كهرمان وهي تفرك رأسها بحنق مصطنع :
_ وأنا من ظننت أنك ستنشغل بزوجتك عني قليلًا ؟! يمكنك الغيرة على زوجتك وتدليلها وإبعاد الجميع عنها أخي واتركني لزوجي .
ضم أرسلان يديه لصدره يبتسم ببساطة شديدة :
_ ومن قال أنني لا أفعل ؟! زوجتي ملكية خاصة احتفظ بكامل الحقوق فيها وحدي .
_ أعانها الله، سوف أذهب لتفقد زوجي لحين تنتهي زوجتك من تجهيز نفسها .
نظر لها أرسلان وهو يستقيم في وقفته بترقب :
_ ستخرجون ؟!
_ بل سنرقص .
ختمت حديثها تغمز له بخبث وهي تتحرك بسرعة خارج الغرفة تاركة أرسلان ينظر لها بأعين متسعة بصدمة من كلماتها، وما هي إلا ثواني حتى اتسعت بسمته قليلًا وقد استحسن عقله لأول مرة الأمر..
_ لِمَ لا أشعر بالانزعاج من هذا الأمر يا ترى ؟!
سمع صوت إغلاق باب غرفة زوجته في اللحظة التي فُتح بها باب المرحاض لتطل عليه زوجته التي كانت تجفف خصلاتها وتتحرك داخل الغرفة تردد بهدوء :
_ آسفة للتأخر فقط فتيات، أردت الانتعاش كي أكون بكامل نشاطي و...
توقفت عن الحديث حينما أبصرت حذاء رجالي مستقر أمام عيونها، لتبعد المنشفة عن شعرها ببطء ترفع عيونها شيئًا فشيء على جسد زوجها الذي تدرك كل جزء به وتحفظه عن ظهر قلب، لتصل اخيرًا لوجه أرسلان الشاحب وعيونه المتسعة ...
والاخير، هذا المسكين الذي تلقى للتو صدمة حياته وهو يبصر زوجته بثياب... أو ببقايا ثياب، تتكون من بنطال رجالي من اللون الاسود قصير لا يغطي كامل قدمها، بل بالكاد يتخطى ركبتها و...شيء غريب لا يكاد يغطي معدتها وبلا اكمام أو أكتاف حتى .
صدمة تلقاها أرسلان جعلته شاحب الوجه، لتقتنص منه سلمى في هذه اللحظة ردة فعل فشل أعتى الرجال على استخراجها من أرسلان حتى في أشد الحروب ضراوة .
استطاعت وبكل بساطة وبثوب قصير أن توصل أرسلان لمرحلة صدمة لا يتحرك بعدها .
ألقت المنشفة على المقعد أمامها، وهي ترفع رأسها له تجمع بسرعة خصلات شعرها الرطب في ربطة عشوائية لم تساعد بأي شكل من الاشكال في تخفيف وطئة ما يحدث على أرسلان، الذي ما يزال يحدق فيها بنفس التعابير المصدومة والباهتة مما يرى .
أما عنها ابتسمت ببساطة ترحب به رغم صدمتها وتوترها لثواني :
_ مرحبًا أرسلان متى أتيت ؟؟ وأين الفتيات ؟!
_ وأين ثيابك ؟؟
أبعدت سلمى خصلاتها الأمامية عن عيونها وهي تخفض نظرها صوب ثوبها، ومن ثم رفعت عيونها له تبتسم وهي تتحدث ببساطة:
_ ماذا تقصد ؟؟
_ هل كنتِ ستخرجين عارية بهذا الشكل أمام الجميع ؟؟
فغرت سلمى فمها بصدمة :
_ عارية ؟؟
وحينما لم يجيبها وهو ما يزال يراقبها بملامح متشنجة يتخيل أن تبصرها الفتيات بهذه الهيئة الـ.... عارية .
_ هل تمزح معي؟! هذه ثياب منزلية، ثم ماذا في الأمر و....
_ رجاءً سيدتي لا تتجرأي وتصفي بقايا القماش هذه بكلمة " ثياب " حتى، هذه وقاحة أكبر من وقاحتك للخروج بهذا الشكل أمام الجميع.
نظرت سلمى له بتشنج قبل أن تدور بحدقتيها حولها ساخرة :
_ وقاحة ؟! أمام الجميع ؟؟
_ الفتيات جميعهن كن هنا وكن سيبصرن ما ....ما أبصره أنا الآن.
نظرت له سلمى تضم ذراعيها لصدرها ترفع حاجبها وهي تقف أمامه بقوة :
_ وإذن ؟؟
رفع لها أرسلان عيون مشتعلة بالغضب صارخًا بغضب جعل جدران الغرفة تهتز بهما، ولولا رباطة جأش سلمى في التعامل مع حالات الغضب هذه لكانت هرولت تبحث لها عن ساتر منه، وفي الحقيقة كانت ستفعل لولا أنه يحدق بها بهذه الأعين الغاضبة التي أيقظت داخلها تمردًا وهو يصرخ :
_ سلمــــى هل تمزحين معــــي، تظهرين جســــدك لهن ؟!
صُعقت سلمى من صراخه بهذا الشكل وعادت للخلف، ليشعر أرسلان بأنه تجاوز حده في الغضب، لذا ابتلع ريقه وهو يمسح رأسه يحاول أن يهدأ ومازالت نبرته تحمل غضبًا واضحًا :
_ سلمى ما هي عورة المرأة للمرأة ؟! تعلمين صحيح ؟!
وسلمى التي كانت تدرس الإسلام منذ طفولتها حتى المراهقة قبل أن تنشغل في حياتها الخاصة، ومن ثم تعود للتعلم في أواخر حياة والده، لم يسبق أن تصادمت مع تلك الكلمات، أو ربما حدث دون أن تقف عند تلك المعلومة .
رفع أرسلان إصبعه وهو يشير لمعدتها الظاهرة يتحدث بصوت مهتز بعض الشيء ليخرج منه حادًا دون إرادة :
_ ما بين الركبة والسرة، هذه عورة المرأة للمرأة سلمى .
رفعت سلمى حاجبها وهي تضم يديها لصدرها تهمس بجدية وهي تتابع نظراته وملامحه بأعين حادة :
_ تعلم أنني لا أعاني مشاكل بالسمع صحيح ؟!
نظر لها بعدم فهم لتتحدث هي ببرود وكأنها توبخ طفلًا :
_ لو تحدثت بهدوء ونصحتني لم أكن سأرفض حديثك أرسلان.
رفع رأسه لها يحاول فهم ما تريده، لتقترب منه سلمى ببطء وهي تبتسم له بسمة غريبة، ترفع يدها وهي تمسك طرف سترته السوداء تهمس له بصوت منخفض جعل الأخير ينظر لعيونها وكأنه مسحور :
_ هذه الحياة مشاركة عزيزي آرس، ليست سيد وجارية، نتناقش بهدوء وتنصحني بهدوء، دون صراخ في وجهي وتوبيخي، فأنا ما زلت أخط طريقي في هذه الحياة، حسنًا ؟!
ختمت حديثها وهي تقترب منه بوجهها لتتسع عيون أرسلان وهو يسمعها تهمس جوار أذنه :
_ كن آرس جيد عزيزي .
انتهت تربت على كتفه بهدوء وبسمة حنونة وكأنه تلقن ولدها درسًا وهذا تحديدًا ما وصل لارسلان الذي ابتسم بسخرية وقبل أن تبتعد جذبها من مرفقها يقربها منه مجددًا :
_ هل عاملتني للتو كما الاطفال ؟! حقًا سلمى ؟!
_ حينما تتصرف مثلهم تتلقى معاملتهم أرسلان، هذا ما يحدث .
ضغط أرسلان على ذراعها ضغطة صغيرة وهو يهمس لها بصوت خرج كالفحيح محذرًا وقد رسم له عقله الكثير والذي لن يعجب سلمى إن أطلعت عليه :
_ لست طفلًا لتتحدثي لي بهذه الطريقة لأنني فقط غرت على زوجتي، أنا حتى في طفولتي لم أكن طفلًا سلمى، فلا تتعاملي معي بهذا الشكل فأنا لا استسيغه ولا اتقبله من أيًا كان .
_ حتى أنا ؟؟
_ خاصة أنـــــــتِ .
تحدث بكلمة يعني بها الشرق، ووصل لها المعنى غربًا .
فأرسلان يرفض أن تراه زوجته كطفل، يرفض أن يتخلى في حياة من تهمه من النساء عن دور جدار يرتكنون له، رافضًا أن يظهر في موقف الضعيف بأي شكل، رافضًا أن يتعرى من صلابته أمام زوجته ولو فعل مرة، يأبى أن يظهر ضعفًا لأحد ولو نزف داخليًا حتى فنى، إذ يبدو أن أرسلان لم يتخطى بعد ما بناه والده داخل عقله منذ طفولته، يخشى أن تتغير صورته الصلبة في عيونها بعدما صرح لها بعض مشاعره الداخلية، اقصى مخاوفه أن يحدث ذلك .
وسلمى لم ترى سوى رفضه لها أن تلعب دورًا لمساعدته في الخروج من ظلامه، رفضه لأن تصبح يدًا تحنو عليه من غارات الزمن، رفضه لتصبح في حياته أكثر من مجرد امرأة أُجبر عليها، امرأة لم يعترف لها يومًا بحبه مباشرًا صريحًا وكأنه يستثقل الكلمة، أو يراها لا تستحقها .
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تهز رأسها بحسرة تنظر لعيونه نظرات مخذولة مقهورة من كلماته :
_ اعدتنا لنقطة الصفر أرسلان، والتي يبدو أنني توهمت بكل حمق أنني تخطيتها، سامحك الله .
جذبت يدها بقوة من بين أنامله، تعطيه ظهرها وهي تتحرك صوب الخزانة الخاصة بها بخطوات غاضبة، ليس من أرسلان بقدر نفسها التي شعرت في هذه اللحظة بالاختناق والرغبة في الصراخ بوجهه، لدرجة أن يدها كانت ترتجف بغضب شديد وهي تفرغ الخزانة لا تبصر أمامها لشدة الغضب تصرخ دون حسبان وحقيقة أنه ربما لا يحمل لها أرسلان ما تحمله هي له تقتلها .
_ إن كنت ترفض دوري في حيــاتك أرسلان فأنا كذلك لا اتقبل أن تلعب دور المسؤول عليّ، أخرج رجاءً فأنا أريد تبديل ثيابي .
اتسعت عيون أرسلان في هذه اللحظة وشعر بقبضة تعتصر رقبته حتى اصبح التنفس صعبًا عليه، ابتلع ريقه بصعوبة وهو يقف كالطفل المذنب في الغرفة، يود الرحيل ثأرًا لكرامته بعدما طردته بشكل غير مباشر، ويرفض الرحيل تاركًا إياها بهذه الحالة، رافضًا نزعها له من حياتها بهذا الشكل بعدما اعتاد فكرة وجودها.
بعدما صارت هي وجوده .....
نظر لظهرها ثواني يحاول التحدث، لكنه توقف في النهاية يتراجع بهدوء بعدما ردد بكلمات قليلة :
_ جئت أخبرك أن الطعام جاهز في غرفة النساء، بدلي ثيابك وتعالي لتتناولي الطعام .
ضحكت سلمى من بين دموعها التي هبطت دون شعور وهي تعطيه ظهرها، تتحدث بصوت ساخر :
_ هذا لكرم منك مولاي، أحرص ألا تزيده كي لا اعتاده واطمع بالمزيد، والذي لا يمكنك تقديمه بالمناسبة، على كلٍ شكرًا لك لا أريد تناول الطعام تناولت للتو ما يكفيني.
ضغط أرسلان على كفه بقوة من تلك الكلمات وهو ينظر لظهرها بغضب وكم ود لو صرخ أنه على استعداد لتقديم ذاته قربانًا لها حتى، لكن حتى الكلمات خانته في هذه اللحظة ليصرخ صرخة غاضبة وهو يضرب الطاولة بقدمه مسقطًا إياها ارضًا صائحًا بصوت غاضب جهوري :
_ أنــــــتِ يا امرأة..... أنــــتِ ...حسنًا لا تأكـــلي .
صمت بعجز وقد أبى التحدث في غمرة غضبه كي لا يزيد الطين بلة، ليطلق صرخة أخيرة وهو يتحرك خارج الغرفة مغلقًا بابها خلفه بقوة، تاركًا سلمى خلفه تنظر للباب بدموع كثيفة، تسقط ارضًا بين الثياب جوار الخزانة تدفن رأسها بين يديها بضيق :
_ يا ويلي أرسلان، متى نخرج من تلك الهوة ؟؟ متى تسمح لنا بالتنفس خارج ظلامك...
أخذت تلوم نفسها على ما قالته وفعلته، كيف تجاوزت حدها بهذا الشكل في التعامل معه وهي أكثر من يعرف ما يدور داخله و....
توقفت عن افكارها وهي توبخ نفسها على أفكارها تلك، فهي إن سمحت له أن يرسل لها نصائحه بالصراخ فلن يتوقف يومًا عن الصراخ.
مسحت دموعها بسخرية تضرب الثياب بغيظ :
_ هذا الارسلان يحتاج لتأديب، معدوم الأدب هذا ..
نظرت حولها بأعين دامعة وهي تفكر في القادم، إذ يبدو أن أرسلان يحتاج لسلك درب آخر أكثر وعورة حتى تصل لجوهره ..
_ لكنه ...يستحق وأكثر سول، يستحق وأكثر عزيزتي، لا بأس يا ابن بيجان يبدو أنني استهونت بوحوش ماضيك.
ختمت حديثها تربت على كتفها وكأنها تواسي نفسها في اللحظة التي سمعت بها صوت طرق على باب غرفتها، مسحت دموعها بسرعة وهي تهتف بصوت حاولت جعله طبيعيًا :
_ من ؟؟
_ لقد أرسلني الملك بطعامك مولاي، يخبرني أن اجعلك تأكلين كل ما احضرته لكِ، يخبرك أنه وضع لك كل ما تحبين .
ضحكت سلمى وهي تمسح دموعها تتحرك من مكانها تتوجه صوب الباب، لكن فجأة رن حديث أرسلان في عقلها، لتعود وتختطف أول ما وقع عيونها عليه تغطي به جسدها، فاتسعت بسمتها بشدة حينما تلمست معطف أرسلان الاسود والذي تمتلك منه الكثير في خزانتها ترفض أن تحررهم بعيدًا عنها .
ارتدته تتحرك صوب الباب تفتحه بهدوء مبتسمة بلطف في وجه الفتاة التي بادلتها البسمة :
_ السلام عليكم مولاتي، أين أضع الطعام.
ابتسمت لها سلمى تتحدث بهدوء :
_ اشكرك عزيزتي، لا أريد تناول الطعام، لا اشعر بالجوع الآن، لذا اعيديه رجاءً عسى أن يستفاد به غيري .
نظرت لها الفتاة بحيرة :
_ لكن الملك اخبرني أ....
_ أخبريه أن الملكة اخبرت جلالتك بالفعل أنها تناولت الكثير قبل قليل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقف أمام قاعة الطعام وهو ينظر لبداية الممر ينتظر أن يبصرها تعود من غرفة زوجته رافضًا أن يتناول الطعام حتى يطمئن أنها فعلت، لكن تلاشى حماسه وحل مكانه غضبًا قاتلًا من نفسه حينما لمحها تعود بالطعام لم يُمس وهي تخبره الجملة التي ارسلتها معها سلمى .
شعر أرسلان بالضيق يخنقه وهو يشير برأسه للعاملة لتتحرك صوب قاعة النساء تساعد الجميع، وهو ظل واقفًا وقد فقد رغبته في تناول الطعام أو حتى فعل شيء ..
نظر لبداية الممر بتردد حيث بدأ الجميع يتوافد على القاعة، ليتحدث آزار بتعجب وهو يلمح أرسلان يقف هذه الوقفة :
_ ما الذي تفعله هنا أرسلان ؟! لا تخبرني أنك هبطت عن برجك العاجي لتلعب دور المستضيف الكريم والمتواضع، تستقبلنا على أبواب القاعة .
رفع له أرسلان حاجبه بسخرية لاذعة وهو يدفع باب القاعة على مصرعيه :
_ لماذا ألا تستطيع فتح الباب بنفسك أيها العجوز، ثم منذ متى تكبرت عليكم، أنا طوال الوقت استقبلكم في قصري بكل كرم واتحملكم دون كلمة واحدة وهذا بحد ذاته تواضعًا مني معكم.
اطلق بارق ضحكة مرتفعة على ملامح آزار الذي أحمر وجهه وهو يرفع إصبعه في وجه أرسلان:
_ أنت لن تهدأ إلا حينما تجمعنا ساحة حرب، إذ يبدو لي أنك لم تتلق التربية اللازمة لتحترم كبار السن .
نظر أرسلان لإصبع آزار بضيق شديد وقد أمسك لسانه عن قول كلمة حادة احترامًا لسن آزار، لكنه لم يمنع نفسه وهو يرفع يده ينزل إصبع آزار بضيق :
_ لا أحب أن يرفع أحدهم إصبعه في وجهي آمرًا، ومن ثم بعد الصلاة نتجمع في الساحة الخلفية أيها العجوز واريك كيف تكون الحرب، دون أن تختبأ خلف درعك ورجالك .
اتسعت أعين بارق وهو يرى أن الأمر بدأ يأخذ منحنى خطر، فما اسوء من تنافر الاشباه، سوف يسقط الاثنان القصر أعلى رؤوس قاطنيه .
فجأة صدح صوت إيفان بهدوء وهو يبصر الجميع على باب قاعة الطعام:
_ ما الذي يحدث هنا؟! هل جدّ شيء ؟!
لكن أرسلان لم ينزع عيونه عن آزار الذي ابتسم بسمة مرعبة :
_ جهز كفنك يا فتى فلن ارحمك ...
اتسعت بسمة أرسلان بشكل يشابه بسمة آزار، لتتسع أعين إيفان الذي نظر بقلق لبارق :
_ ما الذي يحدث هنا ؟؟
تحدث بارق ببساطة وهو ما يزال يراقب الإثنان:
_ أرسلان سيحارب آزار بعد الصلاة اليوم، قرر الاثنان اطلاق حملة جديدة لتخفيف الضغط عن الاعداء وقتل بعضهما البعض .
نفخ إيفان بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه بضيق يدفع أرسلان من أمامه بغضب يدخل للقاعة وقد شعر بفقدان الشغف لفك الحرب هذه :
_ أبتعد عن وجهي، هيا ملك بارق لنأكل قبل أن يبرد الطعام..
نظر بارق في أثر إيفان بصدمة ثواني، قبل أن يهز رأسه باقتناع ويتحرك خلفه بسرعة، تاركًا الإثنان في الخارج ما يزالان يحدقان في بعضهما البعض وكأن من يخفض نظره أولًا سيكون خاسرًا في المعركة الأولى...
وفي الداخل جلس بارق رفقة إيفان وقد رفع الأخير رأسه يتحدث بتفكير :
_ أين هو سالار ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرج من غرفته بعد ساعات هدوء قضاها مع ذاته في الداخل قبل أن يعود ويكمل حياته الرتيبة الرمادية بعيدًا عن نصف روحه الذي تركه في سفيد ولا يطمئنه عنها سوى بعض الرسائل القليلة التي يرسلها كل بضعة أيام.
_ اسوء من الحرب فراقك تبارك .
ولم يكد يخرج من الممر الخاص بغرفته حتى أبصر دانيار الذي اوقفه ببسمة :
- جيد أنني وجدتك يا قائد، هناك من ينتظرك على بوابة قصر مشكى .
رفع له سالار رأسه بعدم فهم، ولم يكد يستفسر حتى سمع صوت دانيار يبتعد وهو يردد بجدية :
_ موكب من سفيد طلب أن تكون أنت في استقباله سيدي، اعذرني سأتحرك لتناول الطعام قبل أن يجير عليه الباقيين .
ختم حديثه بضحكة صغيرة تاركًا سالار بنظر لاثره بعدم فهم، لكنه تحرك بهدوء صوب بوابة القصر وهو يلقي تحية على من يقابله ببسمة صغيرة، حتى وصل للبوابة ينظر صوب الجنود وقد اقترب منه أحدهم يردد بهدوء :
_ موكب من سفيد سيدي وقد رفض قائد الموكب الدخول إلا في وجودك لأستقبالهم، الغريب أن أحدهم لم يمنحنا علمًا مسبقًا بقدوم موكب من سفيد .
شعر سالار بالريبة الشديد وتحركت يده صوب سيفه يتجهز لأي غدر وقد عمل عقله سريعًا يحلل الموقف يدور بعيونه في المكان وكأنه يدرس المكان وجاهزيته لأي هجوم محتمل :
_ افتح الابواب يا بني .
تحرك الرجل ينفذ أوامر سالار بسرعة وطاعة، فأرسلان لطالما أخبر رجاله أنه إن كان لغريب عن مشكى كلمة وأمر على رجاله فسيكون إيفان أو سالار .
ثواني وبدأت أبواب مشكى تُفتح تكشف عما خلفها، فابصر سالار العديد من رجاله الذين يعلمهم تمام العلم ليخفف القبضة عن سيفه وهو يرفع حاجبه بعدم فهم، يبصر ابتعاد رجاله كاشفين عن هودج خلفهم وقد أشار أحدهم صوب الهودج يتحدث بجدية :
_ جئناك بأمانتك بأمر من القائد تميم سيدي فتسلمها منا رجاءً كي نعود لسفيد بأسرع وقت .
رفع لهم سالار حاجبه وقد بدأ قلبه ينبض بعنف وهو يتحرك صوب الهودج وعقله توقف لثواني عن تحليل محيطه، حتى توقف أمام الهودج يدرك داخله ما سيبصره خلف ستاره، وقد صدق حدسه إذ كان أول وجه قابله حينما أبعد الستار وجهها ...
وأول ما سمع هو صوتها وهي تهمس بصوت خافت وبسمة واسعة ودموع مشتاقة :
_ السلام عليكم يا قائد...
اتسعت بسمة سالار دون وعي منه وهو يبعد خصلات شعره عن وجهه بسرعة يمنح نفسه أكبر قدر ممكن من الرؤية وهو يهمس اسمها بصدمة :
_ تبارك ؟؟
ابتسمت له تبارك وهي تمد يدها له كي يساعدها في النزول:
_ انتظرتك طويلًا، حتى غرقت بشوقي، فقررت انقاذ نفسي وجئتك سالار .
أمسك سالار كفها برقة وحنان شديد، يطبع قبله صغيرة على باطن كفها، ومن ثم دون كلمة، مد يده يمسك خصرها يساعدها في النزول، ومن ثم امسك يدها بقوة يجذبها جواره متحدثًا لقائد الموكب :
_ أوصلت الأمانة وتسلمتها، اشكرك .
ابتسم له القائد وهو يهز رأسه باحترام، ينظر لرجاله :
_ إذن انتهى دورنا، علينا العودة لسفيد لمؤازرة باقية الجيش مع القائد تميم، اسمح لنا بالرحيل .
نفى سالار برأسه وهو يشير لرجال مشكى :
_ تريد أن يقتلني أرسلان ولن الومه، حينما يعلم أنني اعدتكم دون تلقي ضيافة مشكى، والله يشن حربًا على سفيد ونحن لا ينقصنا جنونه الآن، ارتح وخذ ضيافتك وأحمل المؤن التي تلزمكم في السفر وعد .
كاد الرجل يفتح فمه يعترض على الأمر باحترام، لولا كلمات أرسلان التي صدحت في الخلف :
_ سمعت ما قال سالار ؟! نفذ وإلا أمرت رجالي بأسركم رهائن جميعًا الآن وستنالون واجب ضيافتكم بالاجبار.
ختم حديثه يشير بعيونه لرجاله الذي تحركوا لمساعدة رجال سفيد في ربط الاحصنة وانزال الهودج وترتيب الأمور الخاصة بهم .
بينما هو نظر صوب سالار مبتسمًا لأجله وقد أبصر وجهه الذين أضاء حين رأى زوجته، اخفض عيونه وهو يميل برأسه في هدوء شديد وتحية راقية :
_ سمو الأمير، انرتي مملكة مشكى...
نظرت له تبارك وهي تلتصق في سالار تتعجب هدوء ورقي أرسلان الذي سمعت ورأت عنه الكثير بنفسها، هذا الرجل كيف يكون بهذا الرقي الآن ؟!
وفي الحقيقة كانت نظرة تبارك السطحية لأرسلان، هي نفسها نظرة الجميع السطحية لسالار، فلا هم ابصروا ما رأت هي بسالار، ولا أحد أبصر ما عثرت عليه سلمى داخل أرسلان.
ولو أُخبرت تبارك أن الرجل الذي تخشى حتى مجرد النظر له، لا يختلف عن زوجها شيئًا في طباعه الخشنة، لشهقت واستغفرت ونفت، الشيء ذاته مع سلمى التي لم تكتشف أن هناك بعد من يفوق لين وحنان زوجها ...
ابتسم له سالار يجذب تبارك له وهو يستأذن منه ليردد أرسلان والذي تلقى خبر وجود موكب من سفيد فتحرك ليستقبله بنفسه :
_ سأرسل لكما الطعام حتى غرفتك .
شكره سالار بامتنان وهو يسحب تبارك بعيدًا عن الجميع وقد شعر برغبة قوية في ضمها ليروي ظمأ شوقه، تاركًا أرسلان يراقبه ببسمة صغيرة يدعو الله أن يديم سعادته .
_ أدام الله سعادتك يا أخي.
تنهد بصوت مهموم وهو يتذكر ما حدث مع سلمى :
_ وألحقنا بك.......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ توقفي عن كلماتك هذه وتحلي ببعض الأخلاق واخرجي للمسكين في الخارج ببعض الطعام .
نظرت ديلارا صوب شقيقها بصدمة مشيرة لوالدها بعدم فهم :
_ هل سمعت ما يقول والدك عثمان؟! يدخل علينا برجل غريب ويخبرنا أن نستضيفه بيننا .
_ ألا تعلمين أي شيء عن كرم الضيافة يا فتاة ؟!
_ أي كرم ضيافة هذا ؟؟ رجل غريب لا نعلم له من شيء وتثق به بهذا الشكل ؟!
_ يبدو مسكينًا ضل طريقه..
ابتسم أنمار الذي كان يجلس في الخارج يراقب النافذة وهو يرتشف بعض العصير ببرود شديد يراقب المارة في الخارج :
_ نعم يا عم مسكين للغاية، انتزعوا مني رجالي وسجنوني في سجوني، لا انجح لهم الله بيعة .
ختم حديثه يكبت ضحكة صغيرة كادت تفلت من كلماته لنفسه، ينظر ليده التي كانت ممتلئة بالجروح، ومن ثم حرك عيونه في المكان يردد بضيق :
_ وكأنني اطيق الجلوس في هذا المكان القذر معكم، لم أهرب من حياة المتشردين سابقًا لأحيا في هذا المنزل .
وبالحديث عن حياة المتشردين عاد أنمار بأفكاره صوب نقطة من حياته ظن أنه دفنها وتجاوزها منذ سنوات وعقود طويلة، نقطة ما كان يحبذ العودة لها ...
أن تولد ابنًا لأحد المنبوذين لهو اسوء ما يمكن أن تقدمه الحياة لك، وأن تولد ابن قائدهم هو السوء بحد ذاته .
فما بالك بأن تولد ولدًا بين الكثير والكثير من الابناء حتى أنك لا تدرك كم أخًا تمتلك، فوالده العزيز لم يكن يحسب الأمر، فكلما نالت امرأة إعجابه احضر له بذرة فاسدة منها وكأنه أخذ عهدًا على نفسه أن يكون جيشًا من أبنائه، فانجب منهم ما لا يُحصى عدده .
ومن بين كل هؤلاء كان هو ...أنمار الصغير المنبوذ بين المنبوذين، المستضعف بين الجميع، يُضرب ويوبخ لاتفه الأمور، والجميع يشاهد ويصفق، يشاهدون الحقير بافل وهو يتخلص منهم واحدًا تلو الآخر، وهو لم يكن بقوة بافل أو محظوظًا بأم تحميه كما زمرد ..
كان أشدهم نحسًا حتى في الأم التي خرج من رحمها، امرأة جاحدة لم تهتم له ولم تنظر له وكأنها تخشى أن ترى صورة أبيه في وجهه، وما ذنبه هو ؟! ما ذنبه هو إن وقعت بقبضة ذلك الرجل وأصبحت إحدى نسائه ؟؟
نشأ على مبدأ القوي يأكل الضعيف، وهو لم يجد أضعف منه سوى زمرد ليجد بها متنفسًا عن ضيقه ويستمر في مضايقتها كلما سنحت له الفرصة، لكن حتى تلك المتعة الصغيرة انتهت حينما تلقى ضربات من يد والدتها، المرأة التي تمنى في قرارة نفسه لو كانت والدته هو، ولا ينسى ضربات زمرد نفسها وسخريتها منه وكرهها له وللجميع .
عاش بينهم حتى ضاقت به نفسه وقرر هجرهم والبحث عن حياة أخرى خارج جحرهم، ليهرب في ليلة مظلمة ولا يعتقد أن والده شعر به او تذكره حتى، ربما ظن أن بافل تخلص منه حتى .
هرب وترك لهم المكان بأكمله وهو ما يزال في بداية مراهقته لا يدري عن الحياة سوى اسوء ما بها، ليصطدم في طريق هروبه بالعائلة التي غيرت حياته وانتشلته من ظلام والده لنورهم، ليكون عرفانه بالجميل لهم ....قتلهم.
أفاق من شروده على صوت الذي انقذه وهو يهتف بهدوء مربتًا على ظهره مشيرًا على بعض الطعام أمامه:
_ تناول طعام يا بني فأنت تبدو ضعيفًا .
ابتسم له أنمار بمسكنة شديدة وهو يرفع عيونه صوب ديلارا التي تحركت خارج غرفة شقيقها لغرفتها، تلقيه بنظرة سوداء في طريقها ومن ثم رحلت لتتسع بسمته يتناول الطعام بهدوء مرددًا بنفسه :
_ يبدو أن الجلوس في هذا المنزل القذر ليس بهذا السوء في النهاية ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لا افهمك أخي أنت تتحدث بكلمات غير مترابطة ولا افهم منها شيئًا .
نظر أرسلان بضيق حوله وهو يزفر بقوة، بينما إيفان يراقب ما يحدث باستمتاع شديد في انتظار أن ينطق بها أرسلان صراحة .
ليشير له الاخير بضيق :
_ أنت أخرج من هنا أريد التحدث مع اختي وحدنا .
وإن ظن أنه بهذا الشكل سيخجل إيفان ليرحل مكسور الخاطر فقد نسي من يكون إيفان بالتحديد، فقد أرجع إيفان ظهره للخلف بهدوء شديد وهو يهتف ببرود :
_ هذه غرفتي وهذه زوجتي، وإن كان هناك من يجب أن يرحل فهو أنت.
استشاط أرسلان بقوة وهو يشعر بدمائه تفور داخل اوردته، من جهة زوجته الغاضبة ومن جهة برود ايفان وهذا ما لا يتحمله ليوم واحد .
_ إيفان لا ينقصك يومي، لا تزيدها عليّ كي لا اضعك على القائمة بعد العجوز آزار.
اتسعت عيون إيفان بصدمة وبسمة غير مصدقة :
_ مهلًا هل حذفتني من القائمة لتضيفني لها من الاساس ؟!
اشتد غضب أرسلان أكثر ليتحرك صوب إيفان وقد نفذت ذرات صبره المتبقية :
_ حسنًا أنت من جنيت على نفسك ...
وقبل التحرك صوبه اوقفته كهرمان التي امسكت مرفقه وهي تربت عليه بحنان تردد بصوت خافت تشعر بالحزن لأجل الحيرة الظاهرة في عيون شقيقها :
_ ما بك أخي، تبدو ...حزينًا حائرًا .
استدار لها أرسلان بأعين منطفئة وهو ينظر لها بحزن واضح في مقلتيه :
_ سلمى غاضبة مني .
_ سبحانه المنتقم، أخذ حقي منك دون أن احرك إصبعًا حتى .
حدجته كهرمان بنظرة شرسة ليرفع إيفان كتفه بعدم اهتمام يبرر كلماته تلك :
_ لا تنظري لي بهذا الشكل أنتِ بأم عينيكِ ابصرتي ما كان يفعل معي، والله هذه استجابة دعوة مؤمن خرجت من اعماق قلبي، إذ دعوت أن يقتص الله لي منه ويرزقه بزوجة لها أخ يماثله، لكن تدابير الله تفوق احلامنا، وجعله هو بنفسه العائق أمام نفسه ....
ختم جملته يطلق ضحكة مرتفعة، لينهض أرسلان يتحرك له غاضبًا :
_ أنت أيها الحقير، كنت محقًا حينما رفضت تزويجك أختي، انظري إلى تصرفاته، انظري هذا هو الرجل الـ
_ انتبه إلى الفاظك عزيزي صدقني أنا فقط اعذر أفعالك لأنك في ضيق، ومن ثم ماذا تنتظر مني أو من زوجتي .
رمته كهرمان بنظرة مشتعلة ولم تكد تتحدث كلمة واحدة تعترض فيها على حديثه حتى تابع إيفان بجدية وهو يشير لارسلان:
- الشخص الوحيد الذي يمكنه مساعدتك في شأنك هو نفسه من اوقعك به، نفسك أرسلان، لا أحد منا يدرك زوجتك بقدرك ولا أحد يعلمها مثلك، لذا أنت فقط من يمكنه إيجاد الحل لما أوقعت به نفسك بغبائك أيها الاحمق المتسرع .
كان أرسلان يستمع لكلماته بهدوء شديد وهو يفكر فيها بجدية، قبل أن تتسع عيونه فجأة في نهاية الجملة ويرفع رأسه لإيفان الذي ابتسم له بسمة مستفزة .
_ اشكرني لاحقًا يوم زفافك حينما تصل إليه بسلام .
رماه أرسلان بنظرات حانقة، لكنه رغم ذلك لم يتحدث بكلمة وهو يتحرك من المكان يفكر فيما يمكن أن يفعله ليسترضيها، لكن قبل ذلك تحرك حيث المطبخ ليرسل لها طعامًا للمرة الثالثة هذا اليوم ...
وبمجرد أن خرج نظرت كهرمان صوب إيفان بلوم :
_ لم يكن عليك التعامل معه بهذا الشكل إيفان، فأنت تعلم كم هو حساس تجاه التعبير عما يؤرقه .
تشنجت ملامح إيفان بسخرية :
_ كهرمانتي المسكينة أنا أعلم أرسلان قبل أن يصبح شقيقك حتى، وأدرك جيدًا أنه لن يستمع لكلمات أحدهم إن لم تكن بهذا الشكل، هو لن يتلقى نصيحة من أحدهم إلا إن أُلقيت في وجهه بشكل لا تظهر أنها شفقة عليه .
نظرت له ثواني بشك وعدم اقتناع، ليمنحها إيفان بسمة صغيرة لطيفة وهو يرفع كفها يقبله بحنان:
_ كهرمان حبيبتي، أرسلان شقيقي وقطعة من قلبي، رفيقي الأقرب الذي مهما تجادلت معه وتحدثت معه بشكل لئيم وعاملني هو باستفزاز، فوالله لا أقبل له سوى السعادة، فلا تظنين لحظة أنني قد انبذ أرسلان حينما يحتاج ليد العون، والآن هو لا يحتاج سوى لمساعدة نفسه .
ابتسمت له برقة وحب حينما أبصرت صدق مشاعره تجاه شقيقها، تفكر كيف شكت لحظة في الماضي أنه قد يكون عدوًا لأرسلان .
أبصر إيفان بسمتها ليهمس هو لها بحب :
_ ما أسعدني برؤية بسمتك جميلتي، أولست أكثر الرجال حظًا لأنال جوهرة ثمينة مثلك، خبيث ذلك الارسلان اخفاكِ في كهفه عن عيوني لسنوات، لكنني في الواقع لا الومه البتة فلو أبصرتك من قبل والله ما تركتك لحظة بين جدران مشكى .
ابتسمت له كهرمان ليتنهد إيفان بصوت مرتفع وهو يميل برأسه مقتربًا منها يتحدث بصوت خافت مرهق :
_ متى ينتهي كل هذا كهرمان ونعود للديار، فكم اشتقت لمحياكِ بين حدائق سفيد ..
مدت كهرمان كفها تلامس وجنته بحنان شديد وحب :
_ عن قريب إيفان، غدًا ينتهي كل هذا ونعود لسفيد سويًا .
_ عساه يكون قريبًا بين أحضانك حبيبتي ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتحرك بين الممرات بأعين متيقظة وهو يبحث عنها هنا وهناك، يسأل كل من يمكن أن يبصرها إن كانت تقاطعت طرقهم أم لا، لكن لا أحد استطاع أن يدله عليها .
توقف المعتصم بعجز في المكان يحاول أن يهدأ يتحرك مرة ثانية صوب غرفة الملكة وهو يدعو من اعماق قلبه أنها هناك، ولم يكد يقترب من الباب حتى سمع صوت خلفه يردد بهدوء :
_ هذا أنت يا رجل، أخذت ابحث عنك من ذلك اليوم لكنك اختفيت، أين كنت سألت عنك زين، لكنه لم يجيبني ربما غار أن اصادقك واهمل صداقتي معه .
نظر المعتصم صوب خالد الذي تحرك صوبه بعدم فهم يحاول معرفة ما يريد، لكنه هز رأسه بعدم إدراك لما يحيطه، يطرق باب غرفة الملكة وخالد جواره يحمل فوق كتفه القرد الخاص بالمكلة :
_ أنت هنا أمام غرفة شقيقتي، يبدو أنك لم تنسها بعد، صدقني زوجها المتجبر لن يكون سعيدًا بهذا كما أنني لا اقبل أن تـ...
نظر له المعتصم وهو يهمس بصدمة من حديثه :
_ أنت عمن تتحدث ؟؟ توقف عن هذه الاحاديث الغبية، أنت ستتسبب في جز عنقي لغبائك .
رمش خالد بعدم فهم وهو يراه يطرق الباب بإصرار، وما هي إلا ثواني حتى فتحت لهم سلمى الباب ترتدي ثوب الصلاة الخاص بها تحدق بهما بعدم فهم، لكن المعتصم لم يمنحها حتى فرصة التفكير فيما يحدث .
_ فاطمة، هل ابصرتيها ؟؟
استدارت له سلمى:
_ نعم كانت معي ومع الفتيات منذ بداية اليوم، لكنها فجأة اختفت ولا أدري أين فأنا تركت الفتيات للأنتهاء من بعض الأمور معها، ربما كهرمان أو زمرد تعرفان مكانها، لكن لماذا هل هي ....
وقبل إكمال كلماتها تركها دون استئذان حتى ولأول مرة يتصرف بوقاحة، لكنه لم يكن يعي حتى ما يفعل يهرول صوب جناح الملك إيفان عساه يجد سلواه هناك .
بينما خالد استدار صوب سلمى يتحدث بجدية :
_ من هذه فاطمة ؟؟ وماذا يحدث هنا ؟!
_ هذه زوجته، ومن ثم ماذا تفعل أنت هنا ؟؟
ابتسم خالد يشير صوب موزي :
_ قررنا أنا وموزي أن نبيت معكِ ليلتنا، مرت سنوات منذ فعلنا ذلك .
رفعت حاجبها تبتسم ساخرة :
_ خالد نحن لم نفعل هذا منذ كنا صغار .
_ إذن آن الأوان لنفعل الآن.
ختم حديثه يدفعها داخل الغرفة وهو يغلق الباب خلفه:
_ أنا لي حق بكِ كما ذلك المتجبر زوجك، وكذلك موزي المسكين الذي اهملتيه لأجله، والآن اجلسي كي اقص لكِ عن ملاكي ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الوقت المقرر له والمخطط له، والذي كان المعتصم قد أعد له بتخفيف الحراسة عن الباب الخلفي للقصر، يعطي نزار الفرصة ليهرب دون أن يعيقه شيئًا، ويسير في طريقه بكل بساطة.
لكن وهل يفعل نزار ؟!
بالطبع ليس بعدما ابصرها تتهادى أمام عيونه واقعًا وليس مجرد خيال من عقله المريض ...بها .
تحرك بين الممرات يدعو الله أن تكون قد استقرت في الغرفة نفسها التي وجدها بها المرة السابقة، يدعو أن يبصرها مرة أخيرة قبل التحرك لمصير بائس لا يعلم له من نهاية .
وصل لبداية الممر وهو ينظر حوله، ومن ثم اقترب من الباب يطرقه بهدوء يختفي جانبًا تحسبًا إن لم تكن هي المجيب .
لكن يبدو أن الحياة اشفقت على نزار وما يحياه وقررت أن تمنحه ولو لمرة واحدة ما يرجو، ذلك الضال الضائع بين طرقات الحياة لا يدري له من مرسى ولا يبصر له من شاطيء.
ابصرها تخرج من الغرفة تنظر حولها بحثًا عن الطارق، وقد شعرت بوجوده في المكان، لتعلو خفقاتها، تترك الباب وهي تبتعد عنه بهدوء تبحث بين الممرات بعيونها عنه، حتى أبصرته يختبأ في أحد الممرات الجانبية البعيدة، لتشهق بصوت منخفض هامسة اسمه :
_ نزار ؟؟
_ مر وقت طويل سمو الأميرة...
سقطت دموع توبة وهي تتحرك صوبه تهمس بصوت متلهف :
_ نزار أنت بخير، لم يؤذك أحد صحيح ؟؟ أنا آسفة، اقسم أنني لا أدري كيف حدث، وجدت فجأة أرسلان يقف أمامي يبلغني بمعرفته اخفائي لك، ووالله كنت على استعداد لقتلي ولا انطق بمكانك، لولا أنه اقسم لي أنه لن يمسك بسوء وسيسلمك لوالدك .
صمتت تبتلع ريقها وهي تهمس من بين دموعها بصوت حزين مقهور :
_ أردت لك الاستقرار، لربما يغفرون لك ما فعلته إن علموا ما فعلته لأجلي وأجل أبي، أنا... آسفة نزار .
كان نزار يتابعها وهي تتحدث بكلمات كثيرة متتابعة دون أن تأخذ فرصتها حتى للتنفس، يبتسم بسمة واسعة شاردًا بها :
_ لا بأس أتقبل كل شيء طالما كان منكِ، ولو كان موتًا توبة .
_ يا ويلي نزار لا تتحدث بهذا الشكل و...
نظرت فجأة حولها وكأنها تستوعب ما يحدث :
_ أنت هنا؟ لقد ... ألم يسجنك أرسلان ؟!
_ لقد هربت .
_ يا ويلي، ما الذي فعلته نزار لا يمكنك ...
قاطعها بهدوء وهو يقترب منها خطوات صغيرة :
_ ستكون المرة الاخيرة التي أهرب بها توبة .
توقف قلب توبة وشحب وجهها بشكل مرعب وقد شعرت بتوقف أنفاسها:
_ ماذا ... ماذا تقصد ؟! ما الذي تنوي فعله نزار، أتوسل إليك لا تتهور و...
_ لم أفعل، بل سأصلح كل ما فعلته سابقًا، سأذهب لهم، لأصلح ما سبق وافسدت، سأحقق ما حلمت به منذ شهور طويلة، أريد أن افعل لأنام بسلام، ولأحيا بسلام .
ختم حديثه ينظر لعيونها ثواني والأخيرة تراقبه بعجز عن الحديث، تنظر للأرض وكل ذرة بجسدها تدعوها لإيقافه، كل همسة داخلها تصرخ بردعه عما ينتوي :
_ لا تفعل نزار .
_ سأفعل توبة، ليس لأجلي فقط هذه المرة، بل لأجل قلبي وروحي كذلك .
_ إن عدت فلا اعتقد أنهم سيسمحون لك بالعودة مجددًا، أرجوك نزار أنا...يمكنني مساعدتك لتبدأ حياتك بعيدًا... بعيدًا عن كل هذا...يمكنني أن أبعدك عن هذا كله إن أردت و....
_ وأنا لن اقبل بالمزيد من البعد توبة وقد نفر قلبي هذا البعاد، آن الاوان ليسكن قلبي ولن يحدث إلا بعدما أفعل ما أردته منذ شهور طويلة.
كانت ضربات قلبها تزداد وهي تشعر بما يخفيه خلف كلماته، لكنها أبت الاقتراب مما يقصد ونفض الغبار عنه، تهمس بصوت خافت وبشدة :
_ إذن هذه النهاية ؟!
_ بل البداية سمو الأميرة.
رفعت نظرها له بتعجب ليهمس لها بحماس رغم عدم احتياجه لها، لكن كل ثانية يقضيها جوارها حاجة ملحة له :
_ ما رأيك بمساعدتي لمرة أخيرة سمو الأميرة ؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انعزل بها عن الجميع داخل غرفته والتي كان ينأى بها عن قصر مشكى بالكامل شاكرًا لأرسلان مساعدته في الحصول عليها واحترام رغبته بالابتعاد عن الجميع وضوضائهم، فالضوضاء الوحيدة التي يتقبلها كانت منها .
ضمها له بحنان :
_ اليوم فقط كنت اتلظى بنيران شوقي لكِ وادعو الله أن ينتهي كل هذا لأعود لكِ .
ابتسمت له تبارك بسمة حنون وهي تستكين لأحضانه بحب شديد :
_ القلوب عند بعضيها يا قائد ..
ابتسم بسمة صغيرة يغمض عيونه باستمتاع وقد رفض أن يفتح عيونه ويسحب نفسه من بين احضانها حتى يرتوي بالكامل، وآه لو تدري تبارك أنه يشحذ قواه داخل أحضانه ليقوى على مجابهة العالم .
وتبارك احترمت صمته، بل واستكانت لذلك الصمت براحة شديدة، واستمر الأمر لدقائق طويلة .
_ اريحي قلبي واخبريني أنكِ كنتِ تهتمين بادويتك تبارك ؟؟
_ نعم، كنت سالار لا تقلق .
هذا إن استثنينا آخر مرة سقطت منذ يوم بعدما كادت تسحبها غيبوبة مرضية تودي بحياتها، لكن هل تخبر سالار بذلك ؟!
لا لم تفعل خاصة وهي وحدها معه في هذه الغرفة المنعزلة عن أي مساعدات خارجة قد تلتجأ لها حينما يجن جنونه، فهي تتذكر جيدًا آخر مرة علم بها أنها كادت تسقط ارضًا بسبب نسيانها للدواء لفترة طويلة ما يزال صدى صرخاته يرن بأذنها .
" قسمًا برافـــــع السمـــاوات تبـــــارك إن حــــدث وأهملـــتي ادويتـــك مجــــددًا فستكون قطيعـــة بينـــنـا إلى أن يبرأ صدري ولن يفعل، لست على إستعداد لخسارتك فقط لأنكِ امرأة مهملة، والله لن أسامح أي أحد يصيبك بضرر ولو كان ذلك الأحد هو نفسك "
_ عزيزتي أنتِ بخير ؟؟
استفاقت تبارك من شرودها على كلماته لترفع عيونها له تبتسم بسمة صغيرة له تبعد صدى كلماته عن عقله، وإن كانت ما تزال لا تصدق أن من أخرج تلك الكلمات القاسية ذلك اليوم هو نفسه سالار الذي يعاملها كقطعة زجاج يخشى أن تتحطم أسفل قبضته الخشنة .
_ نعم بخير، فقط كنت شاردة .
نظر لها بحاجب مرفوع :
_ شاردة فيمن ؟؟ هذا ليس جيدًا أن تشردي في وجودي تبارك .
كان يتحدث وهو ينزع حجابها بهدوء وبسمة حنونة، قرل أن تتوقف يده عن الحركة وهو يسمع صوتها تهمس بصوت هائم بملامحه :
_ كنت أفكر إن كان طفلي القادم سيشبهك، أعتقد أنه عليّ تكثيف النظر لوجهك خلال الشهور القليلة القادمة سالار..........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقف خلف باب غرفتها وهو يراقبه بصدمة كبيرة لا يصدق ما يصل له في هذه اللحظة، يبتسم بعدم تصديق، وهو ينظر حوله وكأنه يبحث عن تنين مجنح او سمكة طائرة او شيء خارق للطبيعة يشير إلى أنه يحلم .
لكن لا شيء، كل شيء كان طبيعيًا وصوتها الذي يصدح من خلف الباب كان أكثر شيء يجذبه للواقع وهي تردد .
_ آسفة فأنا لا أسمح للغرباء بدخول غرفتي في مثل هذا الوقت من الليل، أنا امرأة يا سيد ولا يمكنني أن اغامر بسمعتي بهذا الشكل .
_ هل ...هل جننتي يا امرأة ؟! أنتِ زوجتي .
كانت كلمات أرسلان تخرج مصدومة منها لتتسع بسمة سلمى أكثر وأكثر وهي تهتف :
_ لا اعتقد ذلك، لقد اوضحت لي مكانتي بالفعل منذ ساعات، ولا أتذكر أن أيًا مما نطقت به أوحى لي بهذه الحقيقة، وإن كنت تتحدث عن تلك العهود التي نطقتها عليّ قبل أن يعلننا الشيخ زوجين، فما هي إلا كلمات في الهواء لا تعلم عنها شيئًا جلالة الملك .
شعر أرسلان بالجنون وهو يحاول أن يتحلى بالهدوء ليراضيها :
- حسنًا سليمى أنا.....
_ لا جلالة الملك، لا أسمح لك بانتزاع الألقاب بيننا، فما بالك بتدليلي ؟؟ احتفظ بحق تدليلي لمن أكون له اقرب من روحه، وليس مجرد رجل غريب ينأى بنفسه عني .
جن جنون أرسلان وهو يضرب الباب بقدمه في عنف جعل سلمى تتراجع للخلف وهي تكبت شهقتها بيدها تراقب الباب بأعين متسعة مرتعبة تخشى أن يحطمه أعلى رأسها.
وفي الخلف خالد يختبأ أسفل الفراش تحسبًا أن يحطم أرسلان الباب أعلى رؤوسهم جميعًا وجواره موزي الذي أخذ يطلق صرخات صاخبة ليكمم له خالد فمه بقوة :
_ أصمت أيها الاجرب لئلا ينتهي منها ويكمل علينا .
لم يكد يختم كلماته حتى سمع صوت أرسلان يتحدث بصوت مرتفع صارخ :
_ سلمى افتحي هذا الباب كي لا احطمه أعلى رأسك، ادخليني ودعينا نتحدث كأي اثنين عاقلين .
_ إثنان عاقلان ؟؟ عمن تتحدث جلالة الملك ؟!
سمعت سلمى سبة تخرج من أرسلان، لتتسع عيونها بصدمة تصرخ بصوت موبخ :
_ أنت يا سيد ألزم حدودك .
_ حدودي هذه سأدهسها واحطمها إن كانت حائلًا بيننا سلمى .
_ ارحل من هنا يا سيد ولا تضطرني للتصرف بشكل لن يعجبك .
اقترب أرسلان من الباب يتحدث بسخرية :
_ حقًا وما الذي ستفعلينه يا ترى ؟؟
ابتسمت سلمى بخبث وهي تراقب الباب تضم يديها لصدرها ببرود شديد :
_ سأترك لك القصر بأكمله لتحطم ما تشاء فيه .
_ حقًا، وإلى أين ستذهبين يا ترى ؟!
_ ارض الله واسعة مولاي .
تنفس أرسلان أنفاس ساخنة لشدة غضبه، والفكرة نفسها تودي بتعقله ادراج الرياح، وفكرة أن تتركه أو يفقدها ويعود لحياته قبلها، كانت جحيمًا أكبر من جحيم حياته السابقة :
_ سأجعلها اضيق لكِ من سم الخياط سلمى، فلا يبقى لك في تلك الارض سوى دياري .
فجأة تراجع للخلف حينما فتحت الباب بقوة ليبصرها تطل عليه بفستانها المميزة بالورود وهي تحدق به بأعين مشتعلة وبسمة غريبة ترفع له حاجب واحد :
_ ومن أخبرك أنني سأخضع لأنانيتك ونرجسيتك مولاي ؟؟ أنا وإن أردت الرحيل فستستيقظ غدًا لتجد القصر فارغ مني .
اقترب منها أرسلان حتى أصبح يفصل بينهما شعرة فقط يهمس بصوت محذر :
_ حاولي فقط .
التمع التحدي بعيون سلمى بشكل خطير وقد أقسمت أنها هي من ستعيد تربيته لهذا الأرسلان وتعلمه كيف يكبت غضبه ويتحدث بشكل لائق ويفكر بكل كلمة قبل أن ينطقها :
_ إذن قف وراقبني أفعل..........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لقد رحلت بحثًا عنك، كان هذا آخر ما قالته أنها ستذهب لتطمئن عليك..
كامت كلمات كهرمان ترن في عقله وهو يتحرك بحصانه بأقصى سرعة عنده صوب المقابر حيث وجدها آخر مرة، يدعو الله أن يجدها هناك، وقد أصبح قاب قوسين أو أدنى من الإنهيار، يدعو الله أن يكف عنهم الحزن والفواجع وقد تحمل ما لا يتحمل بشر .
لكن مهما كان ما تحمله، لن يصل لنصف ما تحملته هي .
هبط عن حصانه وهو يدفع البوابة الحديدية للمقبرة يتحرك داخلها بسرعة كبيرة، وهو ينظر حوله بحثًا عنها، ينادي باسمها وصوته قد بدأ يتهدج من رعبه :
_ فاطمة... عزيزتي أنتِ هنا ؟! فاطمة.
لكن الصمت كان الرد الوحيد، لكنه طمئن نفسه أن هذا كان الرد نفسه سابقًا قبل أن يجدها ترتكن صوب الجدار و....
توقف أمام الجدار والقبر الخاص بعائلتها يبصر فراغًا قاتلًا، استدار حول نفسه يبحث بأعين ضبابية عنها .
وقد خرج صوته ضعيفًا مرتجفًا :
_ فاطمة ....ليس مجددًا فاطمة، والله لم أعد اقوى على ما تفعلينه بي .
فجأة وبلا مقدمات انفجر يصرخ بصوت مرتفع كالمجنون بين القبور وقد أصبح في حالة من اللاوعي يصرخ بكلمات لا يقصدها ولا يدركها حتى، لكن قلة حيلته ويأسه هم من كانوا يتحدثون:
_ طفح الكيل فاطمة، طفح الكيل، أنا استسلم، تبًا لكِ، تبًا لكِ و.......
توقف عن الصراخ وهو ينظر حوله وقد بدأت دموعه تتساقط يهمس بغضب شديد يضرب الجدار بقدمه :
_ تبًا لكِ فاطمة، وتبًا لقلب من بين الجميع لم يحب غيرك، ليتني أُصبت بالعمى وما ابصرتك يومًا .
ختم حديثه وهو يعيد خصلاته للخلف بقوة، يطلق صرخات غاضبة وقد بدأ صدره يحترق من شدة خوفه ووجعه، قبل أن يركض خارج المقابر يغلق بابها خلفه بشكل مدوي، لا يهتم لأي شيء يصعد للحصان وهو يتحرك لمنزلها للبحث عنها بأعين غاضبة مرعبة :
_ هذه المرة لن اسامحك...لن اسامحك ولن امررها لكِ حتى وإن اضطررت لتكبيلك بالفراش سأفعل ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان جسدها مكبلًا وفمها مكممًا ملقاه في الصندوق الخلفي لعربة تُجر بواسطة احصنة كثيرة .
لا تعي لشيء حولها ولا تسمع شيء سوى صوت حوافر الحصان التي تصطدم بالارضية أسفلها، وأصوات الكائنات الليلة التي تصدح، وملمس شيء لزج يسقط على وجهها، ورؤية ضبابية لا تظهر لها سوى ظهر رجل يظهر لها من النافذة الصغيرة التي تطل على صندوق العربية .
حاولت الحديث بكلمات قليلة تلفت بها انتباه ذلك الرجل، لكن كان فمها مكمم كما يدها، حاولت أن تحرر نفسها مرات ومرات حتى يأست، واخيرًا استسلمت للضعف والإرهاق وقد سقطت رأسها على ارضية العربة ....
وفي الإمام كان هو يقود خيوله لجر العربة خارج حدود مشكى صوب موطنه، يبتسم بسمة صغيرة يتنفس الهواء براحة :
_ واخيرًا فاطمة، اخيرًا سيتحقق حلمي، لن
اسمح لأحد بإبعادي عن حلمي مهما كان من، حتى ولو كان ذلك الشخص هو زوجك نفسه .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يراقبها وهي تتحرك في المنزل تنتهي مما تفعل، ومن ثم دخلت غرفة أخيها تغلق الباب بعنف في وجهه بعدما منحته نظرة قاتلة من عيونها، جعلت عيون انمار تلتمع بالاعجاب الشديد، فلطالما كانت النساء القويات نقطة ضعفه، لذا انجذب لتوبة ونازين وكذلك زوجة أرسلان، يعشق النساء المتمردة، وينفر من الضعيفات مثيرات الشفقة .
_ أنا اعمل ما بين سبز ومشكى، احضر أعشاب من سبز لمشكى لبيعها في السوق واحيانًا تستمر رحلاتي لشهور طويلة.
نظر له أنمار يدعي اهتمامًا بحكايات العجوز، بينما داخله يتلوى مللًا ويصرخ طلبًا للرحمة، ولولا ما يمكن أن يحدث له إن فعل، لكان أخرج خنجره وطعنه وانتهى .
_ أعانك الله يا عم فطلب الرزق هذه الأيام ليس بالهين، خاصة إن كنت تسعى بمفردك على عائلة بأكملها.
تنهد الرجل وهو يمسح وجهه بعجز :
_ منذ إصابة عثمان وأنا اشعر بظهري وقد قُسم نصفين، لكن أمر الله قد نفذ الحمدلله على كل حال .
_ ألا اخوة لك ليعاونوك ؟!
سؤال بسيط أراد به إظهار اهتمام بأحاديث العجوز وعيونه تبحث عن ابنته الشرسة، ليبتسم أنورين بسخرية شديدة وهو يتذكر شقيقه :
_ بلى كنت امتلك واحدًا، رائف أخي العزيز والذي كان ذو نفوذ قوية في المملكة يساعدني بكل ما أريده، قبل أن تغريه حياة المفسدين ويقرر البقاء هناك، نبذني وترك عائلته وراء ظهره، ولم يكتفي بهذا، بل إنه لم يثق بي كفاية ليضع ابنته في عهدتي واوصى بها لرفيقه .
هز له أنمار رأسه يدعي شفقة وعيونه تتحرك مع ديلار التي خرجت من غرفة عثمان تتحرك صوب المطبخ، لا يهتم لما يقول الرجل، يبتسم وهو يتخيل نفسه يمتلكها، شأنها شأن من سبقها من النساء، ودون شعور كان يحذو حذو والده مع من تنال إعجابه من النساء .
ولولا خطته التي يسعى لها لكان أسرها لنفسه .
فجأة سمع أنمار كلمات متطايرة تصطدم بإذنه ليعطي كامل انتباهه للعجوز يضيق عيونه بتفكير :
_ ماذا قلت للتو ؟؟
هز انورين رأسه يهتف بجدية :
_ اخبرتك أنني كنت انتوي تزويج عثمان لها لكن لم يشأ الله أن....
اوقفه أنمار وقد شعر ببوابة سحرية تُفتح أمام عيونه وهو يهمس بشغف غريب واعين ملتمعة :
_ لها من ؟؟ هل ما ذكرته منذ ثواني حول هوية ابنة شقيقك صحيح ؟!
رفع الرجل حاجبه :
_ تقصد تلك الفتاة الدخيلة ؟؟ نعم كما سمعت بالتحديد، ابنة أخي تلك المتمردة فضلت الملك على بني، نفسها زوجة الملك أرسلان......
هنا وأدرك أنمار أن الحياة تفتح له أحضانها باتساع ترحب به بين رغدها، لا يعقل أن يكون بمثل هذا الحظ، فرصة جديدة تُقدم له على طبق من ذهب ليقتص من أرسلان وهذه المرة سيلعبها بالطريقة الصحيحة، وسيكون حليفه في هذه اللعبة هو العجوز ...
_ وأنت يا عم ألم تفكر يومًا بلم الشمل مع ابنة شقيقك ؟؟؟؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
نقطة صفر... أم بداية معركة ؟!
كلها حروب عليه خوضها، والنهاية حتمية .....
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رحمة نبيل
الخامس والثلاثون | الهروب الأول|
(قال النبيﷺ: مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ)
افضل العبادات في شهر ذي الحجة:
- صوم الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة
- الاكثار من التكبير والتهليل والاستغفار
- صوم يوم عرفة (اليوم التاسع من ذي الحجة)
- الصدقة. قال تعالى: ( مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّـهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )
عيدكم مبارك وتنعاد عليكم الأيام بالخير.
صلوا على نبي الرحمة .
واستمتعوا بآخر الفصول الهادئة قبل فتح أبواب الـ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يسير معها في الطرقات الخاصة بمشكى والتي كان المعتصم قد أمنّها بالفعل بنفسه سابقًا، لكن دون أن يشعر به أحدهم بذلك، ليظهر كما لو أنه كان من البراعة ليهرب وحده .
والآن يدعي نزار أنه يتبع توبة وهي من ترشده صوب بوابة الخروج من المكان وتوصله للخارج بأمان.
مرشدته الساحرة التي أخرجته من أسوار مشكى المتينة.......
_ هيا اتبعني، لا أحد في هذا الممر .
ابتسم لها نزار يتحدث بشرود وهو يسير خلفها :
_ آه الحمدلله أن الهمني طلب مساعدتك، الله وحده يعلم ما كان سيحدث لي لو خرجت من هنا وحدي، او قابلت أحدهم .
استدارت له توبة تنظر له ببسمة داعمة، وهي تجيب ببساطة رغم القلق والضيق لما تفعل، فهي الآن تساعده في الهروب مجددًا وتساهم للمرة الثانية في إبعاده عن توبته، وتلقيه بين التهلكة ليبحث بنفسه عن غفرانه .
توقفت فجأة في أحد الممرات وهي تنظر له ثواني قبل أن تردد بجدية :
_ نزار ....لِمَ لا .... أرجوك تراجع عما تخطط له، أنا قلقه ألا نخرج سالمًا هذه المرة، صدقني سأتوسط لك لدي أبي والجميع واخبرهم أنك من ساعدني و...
توقفت عن الحديث ثواني قبل أن تندفع تردد بجدية:
_ وسأخبر أرسلان أنك أنت من ساعدني لندله على مكان زوجته حين اختطفها أنمار، عد معي رجاءً، ساعدني لأساعدك ..
نظر لها نزار ببسمة صغيرة يتابع كلماتها، ويسعده الخوف الذي يبصره على وجهها في هذه اللحظة، ولو كان الأمر بيده وتوقف عند حدود غفران يطلبه لنفسه، لتخلى عن غفرانه لأجل توبته، يقسم لو أن الهروب للجحر كان لأجله وبإرادته لتخلى عن كل ذلك لأجل تلك النظرة وهذه الكلمات .
_ الله خير حافظ سمو الأميرة، فقط تذكريني بالخير دائمًا و...انتظريني توبة .
_ أنت لا تساعد في طمئنتي نزار، ما الذي تنتوي له ؟؟
ابتسم لها وهو يشير بعيونه صوب الطريق :
_ الخير بإذن الله، دعينا نكمل الطريق كي لا نتأخر فيكشفنا أحدهم، اسبقيني لتأمني لي الطريق.
ولو كانت توبة تفكر قليلًا فيما يحدث حولها، لأدركت في هذه اللحظة أن هذا الهدوء واليسر كان مريبًا ومرعبًا أكثر من وجود حراس في هذا الوقت وفي هذا المكان .
لكن يبدو أن خوفها على نزار في هذه اللحظة لغى كل عقلانية قد تتسم بها .
ونزار ذلك العاشق يسير خلفها هائمًا، كما لو كانت تجذبه ملقية عليه تعويذة سحرية، الفتاة لم تكن تبذل أي جهد حتى لتبهره، يكفيه أن تبتسم لتلتمع عيناه .
نعم تمامًا كما تفعل الآن بمجرد أن أبصرت نفسها تقف معه على بوابة القصر الخلفية دون أن يحيل أحدهم بينهم وبين الحرية.
استدارت بسعادة كبيرة وهي تهتف دون تصديق :
_ لقد ...فعلناها...يا ويلي نزار فعلناها، لقد ...لقد ساعدتك في الهرب من حصون مشكى، هذا .....شيء يُخلد في التاريخ .
ونزار رغم معرفته أن خروجهم بسلام الآن كان في المقام الأول بتخطيط ومباركة من أرسلان نفسه، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بتوبة، فليحترق أرسلان:
_ نعم وكل هذا بفضل الله أولًا، وفطنتك ثانيًا، لولا وجودك معي الله وحده يعلم ما كان سيحدث، ربما فاجئني أحدهم دون توقع وسقطت بين ايديهم مجددًا .
اتسعت عيون توبة وهي تتخيل ما كان سيحدث لو تحقق ما قاله :
_ لا قدر الله، جيد أنني كنت معك وساعدتك .
جاراها نزار بالكلمات :
_ الحمدلله .
نظرت حولها وهي تطمئن أن كل شيء آمن :
_ اعتقد أن بوابة الخروج من جدار القلعة هناك من هذه الجهة، هل ارشدك لها لأطمئن أكثر.
اوقفها نزار عن التحرك وهو يمد ذراعه يقطع طريقها صوب الجدار الخاص بالقلعة :
_ إلى هنا وانتهى دورك سمو الأميرة، أنا سأباشر من هنا وحدي، ولا تقلقي كل شيء مُخطط له .
توقفت ونظرت لذراعه ثواني قبل أن ترفع عيونها له تنظر له بتردد كبير :
_ هل ...ستكون بخير ؟؟
_ سأكون .
_ عدني ؟؟
_ لا أعد بما لا أطيق حمله سمو الأميرة، يكفيني وعدًا واحدًا معلقًا في رقبتي والله وحده يعلم كيف سأنفذه .
كان الخوف يرعد داخل صدرها وهي تنظر له من خلف لثامها، تتحدث دون وعي :
_ أي وعد تقصد ؟؟
_وعد قطعته على نفسي، عسى الله يمنحني القوة لأن انفذه .
_ كن بخير نزار رجاءً.
ابتسم لها بسمة صغيرة:
_ عساني أكون بخير كي أعود واطالبك بدينك .
ضيقت ما بين حاجبيها بعدم فهم لكلماته :
_ دين ؟!
_ تدينين لي بحياتك، لي طلب لا يُرد ... تتذكرين ؟؟
فجأة لمعت في عقلها ذكرى قريبة تشعر بها بعيدة لتبتسم بسمة صغيرة :
_ فقط عد بسلامة ولك مني طلبًا لا يُرد سائله نزار .
_ أرى أنكِ بدأتي تتواضعين معي هذه الفترة، هل هذا لأجل الوداع ؟؟
_ عساه ألا يكون وداعًا، لعلّ الله يكتب لنا لقاء آخر..
ابتسم لها وهو يرفع اللثام وأخيرًا فوق وجهه يتجهز للرحيل :
_ إذن هل أجدك في انتظاري إن كان لنا لقاء ؟؟
كان يتحدث وهو يتحرك بعيدًا ينظر لها منتظرًا أن تمُنّ عليه بكلمات تروي ظمأه وتشدد من عوده وتقويه على ما سيلقي به نفسه .
_ فقط عد بخير نزار .
_ هذا ليس جوابًا سمو الأميرة.
امتلئت عيون توبة بدموع منعتها بصعوبة وهي ترسم بسمة واسعة على فمها:
_ جوابي سأمنحه لك حينما تعود سمو الأمير.
_ سأعتبر هذه إجابة بنعم، وأنكِ ستنتظريني توبة .
قاومت توبة حتى آخر لحظة الاعتراف باهتمامها به، هذا إن تواضعت مشاعرها واكتفت بوصفها بكلمة فقيرة كـ " اهتمام" ليته كانت اهتمامًا، فتفقده، ويا ليت كان شغف فيبهت .
يا ليت ويا ليت، لكن ما الأماني إلا رغبات مكبوتة مقيدة بالحياة، تنتظر الخلاص .
سقطت دمعة فشلت في كبتها كما فعلت بمثيلاتها :
_ فقط.... أنا....كن بخير نزار.... لأجلي ارجوك.
كانت كلماتها الأخيرة خافتة فلم تصل له، أما عنه ابتسم بسمة واسعة وهو يرفع يده يضعها على قلبه في بادرة بدت كما لو أنه يؤدي لها تحية، لكنه في الحقيقة كان يوصيها بقلبه .
_ السلام عليكم سمو الاميرة .
ومن بعد هذه الكلمات تلاشى خيال نزار بين الظلمات تاركًا توبة تتابعه بعيون دامعة، تحاول الابتسام وعدم الركض خلفه تترجاه البقاء والعودة :
_ وعليكم السلام...نزار .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ الصبر ليس فقط مفتاح الفرج يا عزيزي، بل هو دليلك للوصول إلى قمة النصر، لذلك كانت نهاية كل من سبقني هي الدفن في التراب .
ختم أصلان كلماته وهو يعتدل ينظر لوجه أحد رجاله يتحدث بجدية كبيرة وهو يراقب جرحه الذي عالجه منذ ساعات بعدما نجى بصعوبة من طعنة سالار:
_ نحن لم نخسر دزرينة من جيوشنا لأجل تحطيم كل شيء في غمضة عين، لأن البعض منكم لا يطيق صبرًا لرؤية ما اخطط له .
نظر الرجال لبعضهم البعض وقد بدأ الضيق يحتل النفوس من كل ذلك الانتظار فمنذ لحظة اقتحام الممالك والجميع يترقب لخطة أصلان التي يدفنها داخل نفسه ولا يدركها سواه هو وعدد ضئيل للغاية من رجاله .
فجاة أبصر الجميع الوليد يتحرك صوب الحجرة بملامح سوداء وما تزال بقايا أثر المعركة مرسوم على وجهه .
يجلس في ركن الحجرة دون كلمة واحدة، ليبتسم له أصلان يضيق عيونه :
_ أراك تعيسًا يا الوليد، كل هذا لأن صديقك لم يعد معنا .
رفع له الوليد عيونه بغضب شديد :
_ صديقي هذا هو نفسه الشخص الذي ضحيت بالكثير من رجالي في الممالك لأجله أصلان فلا تنس ذلك .
_ وإلا ماذا يا الوليد ؟؟
نظر له الوليد بعدم فهم لثواني من انحراف الحديث لجهة أخرى، هو فقط كان يذكر أصلان بما عاد لأجله، لكن يبدو أن أصلان كان يمحي كل من يشتم منه رائحة عصيان ولو كانت بعيدة، هو ليس باحمق ليغامر بما وصل له، ليس قبل أن يبصر الممالك رماد ...
_ عما تتحدث أنت ؟!
ابتسم له أصلان يجيب ببساطة:
_ أخبرتني أنك جئت لأجل إنقاذ رفيقك فقط، وأنا أخبرك ماذا لو لم أفعل ؟!
اشتعل وجه الوليد في ثواني وهو يقترب خطوات سريعة من أصلان يهتف بصوت قوي غاضب :
_ وإلا كما انقلبت عليهم لأجل رفيقي سأفعل لأجله مرة ثانية وهذه المرة لن يكون انقلابًا على الممالك أصلان.
صمت يهتف بصوت خافت محذر لا يصل سوى له وقد بدأت نبرته تتحول بشكل مخيف :
_ ماذا تظن أنت ها ؟؟ تعتقد أن اليومين اللذين قضيتهما هنا سيؤهلانك لتفرض سيطرتك على هؤلاء الخنازير ؟؟ عزيزي أنا هنا قبل أن تدرك أنت أن هناك ما يُسمى منبوذين، نجوت من كل إبادة حصلت للمنبوذين، أتظن أنك قد تمسني بسوء .
اشتعلت عيون أصلان وقد أبصر أمام عيونه ما يخشاه، الوليد لم يكن بالهين، كان ثعبانًا استطاع إيقاع من حوله دون أن يُمس سوى بخدوش قليلة فقط .
تنفس أصلان بصوت عالي، وهو يبصر ابتعاد الوليد مبتسمًا بشر :
_ وللعلم ما ضاع في الهجوم الأخير مجرد عدد قليل ممن اتحكم أنا بهم، لم افني سنوات عمري داخل المستنقع هباءً عزيزي، يلزمك سنوات طويلة لتصل لما وصلت أنا له .
ختم حديثه وهو يشير له بإصبعه محذرًا :
_ تذكر ما اخبرتك به، فكما مكنتك من دخول الممالك بجيوشي بكل يسر، سأجعلك تدخل قبرك بيسر أكبر.
ابتسم وهو يتحرك مبتعدًا عنه مرددًا :
_ فقط تضرع لربك أن يعود ذلك الرجل مع رفيقي سالمًا، وإلا لن تضمن ردة فعلي، فأنا لا اغامر برجالي هباءً أصلان.
راقب أصلان ابتعاد الوليد ببطء وهو يدرك في هذه اللحظة أن المنافس الأول له في الجحر لم يكن ذلك الاحمق أنمار بأي شكل من الأشكال، بل كان أصلان تلك الحية التي تختبأ في جحر صغير تنتظر اللحظة المناسبة لتخرج وتلدعك .
وهو ما سمح يومًا بوجود يد عليا عليه في أي مكان، ولن يسمح الآن كذلك .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك خارج منزلها بملامح جامدة وبشدة، وجه قد اشتد شره، وبدا كما لو كان لوحًا صخريًا لا روح به، يسير دون كلمة، وقد حدث ما خشى منه، فاطمة تركته للمرة الثانية ..
اغمض عيونه بقوة يحاول أن يتمالك نفسه وهو يتحرك صوب حصانه، ومن ثم انطلق للقصر بجمود كبير وقد اصبحت الحياة أمامه باهته.
_ ليتني لم اقابلك يومًا فاطمة، على الأقل لم أكن سأتذوق حياتي معكِ فأفتقدها حين رحيلك، ليتكِ تركتني جاهلًا معنى النعيم في وجودك والجحيم في غيابك .
ظل شاخص الأبصار أمامه دون كلمة إضافية، حتى وصل للقصر بهدوء شديد، يقود حصانه بكل بساطة صوب الاسطبل، ومن ثم وكأن لا شيء حدث تحرك بكل يسر داخل القصر وهو يشمر اكمامه ينتوي تغيير ملابسه والذهاب للتدرب عله ينسى ما يحدث معه .
لكن في طريقه توقف حينما سمع صوتًا خلفه يهتف :
_ المعتصم...
توقف قلبه وتوقف جسده بالكامل وهو يهتف داخل عقله أنها ليست هي، ليست هي فاطمة، وياليتها كانت .
استدار ببطء يرسم بسمة صغيرة محترمة على فمه يميل برأسه نصف ميلة :
_ جلالة الملكة .
_ لقد بحثت عن فاطمة في غرفتها لأجل طعامها، لكنني لم أجدها، هل كانت معك في الخارج، فقط أعطها هذا الطعام و...
قاطعها المعتصم ببساطة شديدة ينفي برأسه ومايزال يحمل نفس البسمة :
_ لا لم تكن، كنت وحدي .
اتسعت عيون سلمى بعدم فهم وقلق :
_ ماذا ؟؟ كيف ؟! لقد بحثت عنها في كل مكان وليست هنا، وأنت سألتني عنها وظننت أنك وجدتها و....هل يعقل أنها في غرفتك، هل يمكنك التأكد رجاءً و...
قاطعها المعتصم بهدوء شديد ونبرة ثابتة بشكل مريب :
_ لا ليست في غرفتي، هي ليست في القصر بأكمله، وليست في مكان، لقد ...رحلت، ولولا أنكِ تقفين أمامي الآن تسألين عنها لظننت أنها سراب ابتدعه عقلي فقط ليمرر أيامي التي أحياها وحيدًا .
اتسعت بسمته بقوة :
_ جيد أنني مازلت احتفظ بعقلي بعد كل شيء .
كانت سلمى تتابع ما يقول وهي ترى نظراته الغريبة وحركات جسده الأغرب وكلماته المريبة :
_ هل ...هل أنت بخير ؟؟ ما الذي تتحدث عنه ؟؟ كيف تتحدث بهذه البساطة وزوجتك مفقودة و...
وللمرة الثانية قاطعها المعتصم ببساطة شديدة:
_ هل كانت حقًا ؟؟
نظرت له سلمى بعدم فهم وخوف من حالته ليبتسم وهو يفسر مقصده :
_ هل كانت زوجتي حتى ؟؟ لا أعتقد..
تنهد بصوت مرتفع وهو يراقب المكان حوله :
_ لا أعتقد أن وقوفنا بهذا الشكل في هذا الوقت لائقًا، لذا استأذنك مولاتي، تصبحين على خير .
ختم كلماته يتحرك بكل بساطة من أمام سلمى التي كانت تراقبه بصدمة كبيرة وهي تحاول إدراك ما يحدث حولها في هذا المكان .
أما عن المعتصم فدخل غرفته ببساطة وهو يخلع عنه معطفه يلقيه جانبًا، ومن ثم تحرك يخرج ثوب القتال مقررًا التدرب طوال الليل وقد أهمل الأمر مؤخرًا، ربما لأنه أصبح حرًا من ربط فاطمة له، الآن يمكنه ممارسة حياته بشكل طبيعي قبل وجود فاطـــ
عند هذه النقطة من الأفكار أنهار المعتصم ارضًا، أنهار وقد كبت مشاعره بشكل ولد إنفجارًا مدويًا، أنهار يصرخ ويبكي بوجع كبير .
يستوعب ببطء أن حياته أصبحت خالية من فاطمة، بل إنه لم يعد يمتلك حياة من الأساس.
رحلت فاطمة ورحلت معها روح المعتصم ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غادر أراضي قلعة مشكى أخيرًا وبدأت رحلته في التوجه لحدود سبز، يودع القصر بأعين مشتاقة وقبل حتى التحرك، تنفس بلوعة من مفارقتها، ولم يكد يستدير ليواصل مسيرته .
حتى انتفض جسده للخلف بصدمة وخوف بسبب إنطلاق صوت في الاجواء بشكل غير متوقع، يضع يده على قلبه بصدمة يراقب ذلك الجسد المستند على الشجرة أمامه يضم يديه لصدره بكل برود ويبتسم باستفزاز :
_ لم اعهدك رقيق المشاعر بهذه الطريقة، والله يا بني كدت أبكي لنظرتك التي تودع بها جدران مشكى هذه، لم أكن أدرك أنك تحمل هذه المشاعر العميقة لمشكى .
كان نزار ما يزال في مرحلة الاستيعاب يحاول التنفس بشكل طبيعي بعدما كاد أرسلان يوقف قلبه منذ ثواني .
في حين أن الأخير يبتسم له بشكل مريب :
_ أفكر في منحك مكانة كبيرة داخل مشكى بعد عودتك كي لا تفارقها مجددًا..
صمت ثواني ثم أكمل:
_ سجين دائم.
نفخ نزار بضيق شديد وهو يتحرك بعيدًا عن أرسلان ومشكى وقد أدرك أن أرسلان أبى ألا تمر ليلته على خير، وأن يكون آخر وجه يبصره هو وجهها .
_ اشكرك افضل أن أكون جثة متعفنة في الجحر على أن أكون سجينًا في مملكة تحكمها أنت.
_ بالتفكير في الأمر فأنت محق، من اعتاد الوحل يصعب عليه العيش في الحدائق.
توقفت أقدام نزار عن التحرك وهو يستدير ببطء صوب أرسلان يرمقه بشر :
_ ألا يمكنك تمرير الليلة أرسلان، لا تفسد مزاجي برؤية وجهك هذا، هيا عد لقصرك ودعني اقضي ما تبقي من ليلتي الأخيرة حرًا بمزاج صافي لا يفسد وجودي .
_ هذا جزائي لأنني الوحيد الذي فكر في توديعك ؟؟ والدك لم يفعلها يا فتى .
_ وأنت تأخذ مكانة والدي الآن ؟!
اتسعت عيون أرسلان بفزع من تلك الفكرة :
_ معاذ الله أن أنجب فتى مثلك، لا ينقصني أن يكون ولدي مثلك .
_ أنا أشفق عليه منذ الآن أرسلان، أن يمتلك الشخص والدًا مثلك لهو شيء مثير للحزن والشفقة والله .
اتسعت بسمة أرسلان بقوة قبل أن يطلق ضحكة صاخبة بددت سكون الليل من حولهم :
_ أنت تفعل بالفعل، والدك الملك آزار تتذكر ؟؟
صمت نزار فجأة يدرك ما قال أرسلان قبل أن يضحك بقلة حيلة :
_ لحظة إدراك، أنني هذا الشخص المثير للحزن والشفقة، إذن سيكون هناك ما اتشاركه مع ولدك .
_ لا تجمع صغيري في جملة واحدة أشعر أنك تلوث براءته لطفلي قبل حضوره حتى .
_ براءة ؟؟ لا أعتقد أن هذه كلمة قد ترتبط بك أو بنسلك بأي شكل من الأشكال، حتى أطفالك سيكونون مثلك أرسلان.
اتسعت بسمة أرسلان بقوة يهتف بجدية:
_ محظوظون هؤلاء الأطفال .
_ لن ننتهي الليلة، أنا سأرحل من هنا فلدي طريق طويل صوب الجحر .
ولم يكد يتحرك خطوة حتى تراجع للخلف بسبب إلقاء أرسلان حقيبة متوسطة الحجم عليه، ليؤدي ذلك لإسقاطه ارضًا بقوة يتأوه بصوت مرتفع .
_ هذه حقيبة طعام للطريق، وضعت لك قارورة مياه كذلك وبعض الاعشاب للجروح .
نهض نزار بصعوبة بسبب وجع ظهره، يفركه وهو يرفع نظره لأرسلان يتحدث من بين تأوهاته:
_ كم أنت أرسلان طيب القلب حقًا ..
_ لا بأس بتدليل الخراف قبل الذبح عزيزي .
اتسعت عيون نزار وهو ينهض بصعوبة يهمس من بين أسنانه وانفاسه قد بدأت ترتفع بقوة :
_ تبًا للذاعة لسانك .
تحرك أرسلان دون اهتمام به، يفك عقدة الحصان الذي يربطه على الشجرة خلفه، يسلم اللجام لنزار الذي نظر له بعدم فهم ليبتسم له أرسلان:
_ بالطبع لن اتركك تذهب للجحر سيرًا نزار .
التمعت عيون نزار وهو يتنفس بقوة، يرفع عيونه بامتنان لأرسلان الذي أكمل حديثه قبل أن يشكره نزار حتى :
_ هذا سيؤخرك ويؤخرنا مما يؤدي لتأخير زفافي، لذا لا بأس بمساعدتك لننتهي من هؤلاء الخنازير، لأجل الورد يُسقى العُليق .
ضغط نزار على اللجام بين قبضته يتمتم بغضب شديد :
_ عُليق ؟؟ إن كنت عليقًا فأنت صبار أرسلان.
ختم حديثه وهو يرميه بنظرة مغتاظة يتحرك بقوة بعيدًا عن المكان يحمل حقيبة الطعام ويجر حصانه، وقبل أن يختفي من أمام أرسلان توقف ثواني يهتف بجدية وهو ينظر لوجه أرسلان الذي كان يتابعه باهتمام:
_ رغم كل ما حدث لك، ورغم كل ما فعلته، ورغم جميع محاولاتك، فلن تستطيع أن تدفن حنانك أرسلان، بدليل أنك الوحيد الذي اهتممت بمساعدتي الآن، ولا تظن أنني صدقت حججك حول تدليل الخراف أو تعجيل زواجك يا أخي.
ختم حديثه بكلمات بسيطة :
_ ألقاك بخير حال إن كتب الله لي النجاة أرسلان، السلام عليكم .
رحل دون أن ينتظر ردًا تاركًا أرسلان ينظر لأثره يهتف بصوت خافت شارد :
_ تصحبك السلامة نزار ......
ــــــــــــــــــــــــــ
ومن بعد اليل الاسود الذي مر على الجميع، كلٌ بحالٍ غير الآخر، أعلن الصباح وجوده بفرض سطوته على السماء وقد انتشر النور في الإرجاء..
تحرك بين الممرات وهو يراقب الجميع ويتحدث معه بعض المستشارين له بجدية:
_ جيد إذن نحن نتقدم، أريد بحلول الاسبوع القادم أن ننتهي من إصلاح جميع الاراضي الشمالية لأجل زراعتها.
ابتسم له المستشار وهو يومأ برأسه، بينما أرسلان أكمل سيره يتحدث بجدية :
_ المحصول الأول تم حصده صحيح ؟؟
هز الرجل رأسه مجددًا ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى سمع صوت أرسلان يردد ببساطة :
_ إذن انشر نصفه في الاسواق بنصف سعره، وخصص ربعه لأجل بيت المسلمين، وربع قم بتخزينه حتى ينفذ ما بالأسواق.
توقف الرجل وهو ينظر لأرسلان بعجز :
_ لكن مولاي، هكذا سيكون هناك عجز في المحصول القادم، فنحن إن بعناه بنصف السعر لن نتمكن من تحصيل المبلغ المطلوب لأجل زراعه المحصول القادم و...
توقف أرسلان كذلك ينظر للرجل ببساطة:
_ لا تقلق لن يحدث عجز، هم يدفعون نصف السعر أو ما يقدرون عليه، والنصف الثاني ادفعه من مالي الخاص، فقط أفعل ما أمرتك به حسان.
ابتسم له المستشار بسمة مقدرة :
_ حسنًا، لك ذلك مولاي .
وقبل أن ينسحب حسان ليتولى أمور الزراعة كما أمره الملك، اوقفه أرسلان بنبرة جادة محذرة :
_ حسان ... أريدك المرور بنفسك على الاسواق لتتأكد أن لا تاجر سيتاجر بأرواح الشعب، وأن الاسعار التي ستُعرض لهم هي ما أبلغتك بها، الحرب والجوع قد يفسدا النفوس، اعطوا التجار المحاصيل بربع الثمن وتباع بنصف الثمن، ومن لا يستطيع بيت المسلمين مفتوح للجميع.
_ حسنًا أنا فقط أفكر في حل صغير، لماذا لا نوزع النصف على الجميع وبهذا نتجنب كل هذا .
تنهد أرسلان بصوت مرتفع وهو يشرح وجهة نظره لحسان والتي قد يعارضه بها البعض، لكنها خطة النجاة التي خرج بها من الظلمات سابقًا وستبعها مجددًا :
_ نحن يا حسان نحاول النهوض بالشعب والبلاد وإعمارها، إن اعطينا الشعب كل شيء مجانًا هذا سيدفع البعض للتواكل، الأمر كدائرة، رجل يعمل ويشتري ليحيا، عمله هذا إعمار للبلاد، تخيل أن نعطيه ما يريد دون الحاجة لبذل جهد ؟؟ نحن بهذا الشكل نخبره بشكل غير مباشر أن أجلس في منزلك ونحن سنحضر لك ما تريد دون أن ترهق نفسك، وإن جلسوا هم في المنازل ؟! البلاد من يعمرها ؟؟
التمعت عيون حسان بإعجاب شديد بما يفكر به أرسلان، والأخير أكمل ببساطة :
_ لا نزيل الاحمال عنهم فيتواكلوا، ولا نزيدها عليهم فيقنطوا، نحن نخففها عنهم، علّ الله يخفف عنا يوم الحشر يا صديقي، ومن لا يقدر يأخذها مجانًا، هل الأمر واضح لك ؟؟
_ أنت عبقري مولاي، سياستك منطقية بشكل مرعب ..
_ الحياة تعلم الكثير يا صديقي .
ختم حديثه يربت على كتف حسان يتحرك بعيدًا عنه صوب جناح زوجته بعدما انتهى مما يجب فعله في هذه الساعات يفكر في استغلال الساعة التي يتفرغها في محاولة فتح حديث معها وجعل المياه الراكدة بينهما تعود لصفوها .
طرق الباب ينتظر ردها وهو يستعد ليتحدث معها بلطف لا يدري من أين سيحضره، لكنه سيفعل، وهدوء لا يدرك كيف يدعيه، لكنه سيفعل، سمع صوت الباب يُفتح، ليسحب نفس عميق وهو يرفع وجهه بهدوء:
_ سليمى نحتاج للتحد.....
فجأة توقفت كلماته في حلقه وهو يبصر أمامه خالد يفرك عيونه بنعاس ويتثائب بكسل شديد :
_ هل جهز الفطور ؟؟
رمش أرسلان لا يستوعب مايرى أمامه :
_ ماذا... ماذا تفعل أنت هنا، وأين هي زوجتي ؟؟
استند خالد بكسل على الباب يجيبه ببساطة مستفزة :
_ ماذا أفعل هنا؟؟ كنت نائمًا، وأين هي زوجتك؟؟ لقد رحلت منذ الصباح، والآن أجبني على اسئلتي، أين هو الفطـــ....
فجأة قطع أرسلان كلماته وهو يجذبه من ثوبه صوبه يهمس بصوت مرعب خافت :
_ حدد بالضبط ما تقصد بكلمة " رحلت "، أين رحلت يا هذا ؟؟ أين زوجتي ؟؟
نظر له خالد بصدمة وعدم فهم لتلك الملامح التي تعلو وجهه :
_ هييه أنت دعني، اخبرتك أنها راحلة ولا أدري لأين، لقد استيقظت على صوتها في الصباح وهي تردد أنها ستترك القصر لبضعة أيام حتى تؤدبك .
اشتعل وجه أرسلان بقوة وقد شعر بغضبه يكاد يفجر المكان حوله، يترك خالد بعنف ليتراجع الأخير للخلف يتماسك بصعوبة لئلا يسقط أرضًا.
بينما أرسلان شعر بنيران تشتعل بصدره وقد أسود وجهه بشكل مرعب حتى أنه لم يدرك لشدة غضبه أن خالد كان نائمًا بجناح زوجته.
همس بصوت مخيف يتحرك صوب الحراس الذين كانوا يناوبون على البوابات طوال اليوم :
_ الويل لكم جميعًا إن مسّ زوجتي سوءًا ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن يا ...تاج صحيح ؟؟
ابتسم تاج بسمة واسعة، وهو يحدق في تلك المرأة المختلفة بانهبار شديد واحترام أكبر:
_ نعم سيدتي اسمي تاج الدين، أنا قائد الحرس في هذه المنطقة .
اتسعت بسمة سلمى وهي تسير معه بهدوء تراقب الاسواق حولها :
_ لي الشرف في السير معك سيد تاج، أخبرني إذن هل اقتربنا من المنزل ؟؟
_ نعم اقتربنا كثيرًا من هنا لو سمحتي سيدتي .
ابتسمت سلمى وهي تسير خلفه تراقب رجل راقي في هيئة مراهق، الأمر الذي أثار تعجبها، إذ يبدو لها الصبي ناضج أكثر من الكثير من الرجال في عالمها من الأساس.
كانت تراقب الاسواق بهدوء شديد وهي تسير مرتدية ثوبها المعتاد منها مع حجاب بسيط وفوقهم ترتدي معطف أرسلان تخفي به نصف وجهها .
تتعجب لماذا يحدق بها الجميع بهذا الشكل، ويبدو أن تاج لم يكن فقط ناضجًا، بل فطن كذلك، إذ قال ببسمة:
_ معطف الملك.
نظرت له بعدم فهم ليوضح ما يقصد :
_ الجميع يحدق فيكِ بفضول لأنكِ ترتدين معطف الملك، من المتعارف هنا، أن الرجل لا يمنح معطفه أو عباءته إلا لمن يقع تحت حمايته وأهل منزله، يمكنك القول أنها بمثابة إشارة واضحة للجميع أن هذه المرأة تنتمي بشكل أو بآخر للرجل الذي منحها عباءته .
توقفت أقدام سلمى بصدمة كبيرة وهي تحدق في ظهر الصغير بعدم فهم، تحاول ترجمة كلماته، تنظر لمعطف أرسلان بأعين زائغة.
أرسلان منحها المعطف منذ أول مرة ابصرها بها، وقبل حتى أن يفكر في الزواج بها، هل ...ربما كان مضطرًا بسبب ثوبها، لكن بعد ذلك؟! كان يمكنه ببساطة أن يدفعها صوب غرفتها لتغطي نفسها، لكنه كان يكتفي بمنحها معطفه في كل فرصة .
همست بصوت منخفض دون شعور :
_ لقد ....البسني أرسلان معطفه الملكي ذات مرة، يوم عقد القرآن.
توقفت أقدام تاج وهو يستدير لها بانبهار :
_ ارتديتي المعطف الملكي ؟؟ هذا ...رائع، يبدو أنكِ تعنين الكثير للملك ليمنحك معطفه الملكي، لم يسبق أن فعل أحد الملوك هذا الأمر مسبقًا سوى الملك آزار حسب ما أخبرني أبي، سبق ومنح معطفه ذات مرة لزوجته لشدة حبه لها فالمعطف الملكي لا يُزين أكتاف أحدهم سوى الملوك، ولا يُنزع منهم إلا حينما يتنحون عن العرش تاركين مكانتهم لمن يتبعهم، فوصف البعض الأمر بأن من يمنحه الملك معطفه وكأنما يمنحه مكانته وأكثر بشكل ضمني .
تجمد جسد سلمى وهي تفكر في كلماته برأس يدور من الصدمة، تفكر كل هذا يقبع خلف فعل بسيط ؟!
ختم تاج كلماته وهو يتحرك أمام سلمى وهو يلقي التحية على كل من يقابله، وهي تسير خلفها تستكشف الكثير مما جهلت من هذا المراهق.
التي لم تستطع الصمت أكثر تتساءل للحصول على المزيد من المعلومات:
_ وهل هذا الأمر يختلف عن ارتداء المعطف العادي ؟؟
ضحك تاج الدين وهو ينحرف بها في شارع ضيق صغير :
_ بالطبع أن يمنحك رجل معطفه هو إشارة منه على أنه يحيطك بحمايته كما اخبرتك، وكما يفعل الملك الآن بوضعه معطفه الخاص عليكِ، لكن أن يمنحك ملكٌ معطفه الملكي لهو أمر اكبر بكثير في تاريخنا حيث تناقل الجميع حكايات عن هذا الأمر كما أخبرتك.
فتحت سلمى فمها للتحدث، لكن فجأة توقفت وهي تشعر بجسد يصطدم بها بقوة كبيرة، مسقطًا إياها ارضًا دون اهتمام، رفعت عيونها لصاحب ذلك الجسد ترمقه بحدة، لتبصر فتاة شابة في منتصف عقدها الثالث تقريبًا ترمقها بنظرات غريبة، ولم تعتذر حتى، بل اكتفت بأن تشملها بنظرة سوداء، ومن ثم تحركت بعيدًا وهي تتم ببعض الكلمات :
_ هذا ما ينقص البلاد، بالإضافة للدمار، تأوي المفسدين كذلك .
اتسعت عيون سلمى تبتسم بعدم تصديق لما سمعت، تستدير صوب الفتاة التي رمتها بنظرة ساخرة وكأن سلمى تسير بخمسة أذرع، بينما الأخيرة تتابعها بعدم فهم .
_ هيييه أنتِ ما بكِ توقفي هنا وتحدثي بصوت مسموع.
زفر تاج الدين بحنق وهو يحدق بظهر الفتاة :
_ لا عليكِ منها جلالة الملكة، اتبعيني كدنا نصل لمنزل فاطمة.
سارت خلفه سلمى وهي ما تزال ترمق أثر الفتاة بعدم فهم، فهذه المرة الأولى التي تبصرها، ثم كيف تعرفت عليها أنها غريبة عن هذا المكان، حاولت أن تتناسى تلك الفتاة وهي تتحرك خلف تاج الدين تنظر للمكان حولها وقد كانت البلاد في حالة إعمار، إذ استقامت العديد من المنازل التي كانت قد ابصرتها مهدمة آخر مرة، ابتسمت وهي ترى أن مشكى تعود واخيرًا للحياة ...
_ وصلنا، هذا هو منزل فاطمة.
ختم حديثه يشير لمنزل فاطمة، نفسه المنزل الذي جائته مسبقًا لكنها نست الطريق، والآن تبصره مجددًا، لكن اسوء من المرة الاولى، فقد كانت آثار الحروق ظاهرة أكثر وأشد وطئًا .
_ ما الذي حدث هنا تاج، هل ...يبدو المنزل اسوء مما أبصرته مسبقًا .
_ نعم فقد تعرض المنزل منذ فترة قصيرة لحريق آخر، هذه الفتاة فاطمة مسكينة حقًا .
شعرت سلمى بقلبها يغور في صدرها وهي تقترب من المكان بتردد تشكر تاج بهدوء لمساعدتها، ليرحل الأخير مبتسمًا :
_ إن احتجتي لشيء، تعلمين مكان محل والدتي، أنا هناك اراقب الاوضاع طوال الوقت، وداعًا .
ختم حديثه يهرول بعيدًا عن سلمى التي كانت شاردة بجدران المنزل دون وعي، تقترب منه شيئًا فشيء تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي .
_ أعان الله قلبك فاطمة .
دخلت المنزل بأقدام مترددة وهي تبحث في كل مكان عن فاطمة على أمل أن تكون قد عادت البارحة، قلبها يضرب صدرها بخوف :
_ فاطمة صغيرتي، أنتِ هنا ؟!
لكن لم يصلها سوى صمت خانق في الإرجاء، وبعد دقائق طويلة من البحث في المنزل، تراجعت للخارج وقد قررت البحث في الجوار عنها .
خرجت وهي ترفع القلنسوة الخاصة بمعطف أرسلان، لكن فجأة توقفت يدها حين أبصرت جسد يتحرك أمامها، جسد تدرك أنها رأته مسبقًا، حاولت تذكر أين أبصرت هذه الفتاة سابقًا، لكن ذاكرتها لم تسعفها في الأمر، ورغم ذلك لم تهتم وهي تتحرك بعيدًا عن المنزل وكل ما تهتم له في هذه اللحظة هو إيجاد فاطمة حتى اضطرت لطرق جميع الأبواب بحثًا عنها ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ اليوم سيُقام عزاء زوجة أخيكِ قبل زفافها .
زجرت كهرمان زمرد بأعين محذرة وهي تراقب الوضع في الأسفل، حيث ساحة القصر، إذ كان أخوها يتجهز ليحتل مملكة أو يحيلها لرماد بحثًا عن زوجته المتمردة .
_ أوليس هذا متأخرًا بعض الشيء ؟!
نظرت كهرمان بعدم فهم لزمرد، لتكمل الأخيرة موضحة :
_ أعني أن تهرب ويذهب للبحث عنها، ويعاندون ويصرخون وبلا بلا بلا، كل هذه الأفعال متأخرة على علاقتهم، أعتقد أن الأمر كان ليكون منطقيًا لو أقبلت سلمى على الهروب منذ اللحظة الأولى التي أدركت فيها أنها مقدرة لأخيكِ، لكن لا بأس أن تهرب متأخرًا، خير من ألا تهرب .
تنفست كهرمان بصوت مرتفع تحاول أن تتمالك نفسها قدر الإمكان فما يحدث الآن مريب، وغير مفهوم، البارحة فقط كان كل شيء بخير بينهما وكانت سلمى تنتوي تعلم الكثير لأجل أخيها والآن...
_ أفتحــــــوا البوابــــــــــات .
قاطعتها صرخة أرسلان لتنتفض من مكانها بشكل مخيف وهي تنظر صوب الأسفل تدعو الله أن يمرر ما يحدث دون أي مشاكل .
_ يا ويلي من ثورتك أرسلان، ليمرر الله ما يحدث على خير .
_ هذا سيكون ممتعًا نوعًا ما، إلا إن قرر أخوكِ إفساد المتعة والعثور على سلمى بسرعة قبل أن يتلظى بنيران شوقها .
نظرت لها كهرمان من أسفل رموشها بقلة حيلة :
_ يتلظى بنيران شوقها؟! بل سلمى هي من ستحمص بنيران غضبه، فقد لينجدنا الله منه ........
ـــــــــــــــــــــــــ
مع بداية الصباح وصل واخيرًا إلى حدود الجحر بعد قضاء ساعات الليل بأكمله في رحلته بين مشكى وسبز، وصل واخيرًا ليكون أول ما استقبله وجه أصلان والذي وصله أخبار وجوده قبل حتى أن يصل هو .
ابتسم أصلان بسمة جانبية وهو يضم يديه لصدره يراقب اقتراب نزار منهم، حتى توقف حصانه أمامهم.
ردد الأخير بسخرية وهو يراقبه:
_ مات في الجحر خنزيرًا فاستراح الناس من أذاه، فخلف الخنزير وسخًا فاق في القذارة أباه.
_ حسب ما أتذكر أنك كنت طبيبًا نزار ولست حكيمًا .
_ حسنًا يمكنك القول أن هذه إحدى مميزاتي الكثيرة، أنني فنان شامل من جميع النواحي.
ابتسم له أصلان وهو ينظر حوله ثم تحدث ببساطة دون اهتمام بكلماته :
_ أراك وقد عدت مجددًا، خير ؟!
_ صدقني لم يدفعني لهذا المكان، سوى أن لا مكان لي سواه، ليس حبًا فيه وبالطبع ليس شوقًا لقاطنيه، بل إن سمح لي الزمان لهربت لآخر العالم من رؤيتكم..
رفع له أصلان حاجبه بسخرية، هذا بالتحديد ما يثير ريبته، كيف يعود باقدامه وهو لا يطيق حتى النظر في وجوههم ؟!
_ تمتلك من الشجاعة ما يجعلك تأتيني بأقدامك وتتجرأ على اهانتي، شجاع أكثر مما توقعت نزار، ظننتك لم ترث من والدك سوى عيونه، اتضح أنك تمتلك نفس التهور .
_ نعم نحن عائلة لا قيود تحجمها، والآن ستدعني أدخل أم أعود لأبحث لي عن مكانِ آخر بعيد عن مكب النفايات هذا ؟؟
وقبل أن يجيبه أصلان بكلمة وقد كان الشك يساوره حول وجوده في هذا المكان خاصة بعد أسره من قبل جيش مشكى، لكن قطع كل ذلك اندفاع الوليد والذي ما إن بلغه خبر تواجد نزار حتى هرول يستقبله بالاحضان .
هبط نزار عن حصانه يستقبل الوليد ببسمة صغيرة، بينما الاخير يضمه بسعادة كبيرة :
_ الحمدلله أنك بخير، خفت ألا تصل سالمًا، أرسلت لك أحد الرجال لكي يخرجك أرى أنه نجح .
هز له نزار رأسه:
_ نعم استطاع استغلال انشغال الجميع بصد الهجمات واخرجني، لكن في الطريق للخروج كدنا نكشف فطلب مني الذهاب وهو سيضللهم، ولا أدري إن كان حيًا أم لا .
ردد الوليد براحة لرؤية نزار بخير :
_ لا يهم المهم أنك بخير و...
توقف حين أبصر نظرات أصلان، ليمسك بمرفق نزار وهو يجذبه معه للداخل :
_ تعال سنتحدث في منزلي .
ومن بعد هذا سحبه دون اهتمام بمن حوله، ونزار لا يفهم ما يحدث هنا، ولا ما الذي يدور بين الوليد واصلان، إذ أنه لو كان يمتلك أصلان أي نية صغيرة في طرده شر طردة، فقد تلاشت هذه النية بعدما أبصر الوليد وهذا شيء عجيب سيكون سعيدًا بمعرفة سببه.
تحرك معه ينظر لظهر أصلان يفكر بالقادم والذي يخفي له مستقبل مجهول والسؤال الذي يدور في عقله الآن.
كيف سيعلم خطتهم من الأساس واصلان يثق بالذئاب الضالة، ولا يثق به ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ساعات تدور بين الاسواق لا تدري لها من مخرج وكأنها دخلت متاهة دون أن تشعر، أين هي وماذا تفعل وماذا ستفعل، لا تعلم، حتى لا تستطيع الوصول للنقطة التي التقت فيها قبلًا بتاج .
توقفت في المنتصف وقد قررت أن توقف أي عربة وتسألها أن تقلها صوب القصر، لكن ببساطة لا أحد توقف إذ كانت جميع العربات خاصة بالتجارة وحمل البضائع .
زفرت بصوت مرتفع وهي تتحرك صوب أحد البائعين تسأله بثوت خافت ولطف :
- مرحبًا، إذا سمحت كيف أصل للقصر هنا ؟!
نظر لها الرجل ببسمة صغيرة وهو يهتف بلطف رغم التعجب البادي على ملامح وجهه إلا أنه لم يتدخل في المرأة أمامه يجيبها ببساطة :
_ عليكم السلام يا ابنتي، منطقة القصر ؟؟ نعم هو قريب من هنا مسافة عشر دقائق تقريبًا من هذا الإتجاه .
ختم حديثه يشير صوب أحد الاتجاهات، لتبتسم بشكر وامتنان، تتحرك حيث أشار الرجل، تتنهد براحة وقد قررت أنها اكتفت لليوم، ويبدو أن أرسلان كذلك قد تأدب فهي منذ ساعات وهي خارج القصر، ستعود الآن ويكفيه ما غابته منذ الصباح .
تحركت لجهة القصر كما وصف لها الرجل .
وبعد لحظات من اختفائها، عمت الفوضى في السوق بسبب انتشار حراس الملك وقد تحرك أرسلان بين الجميع يبحث عنها بأعين مشتعلة بالغضب يخفي خلفه أمواج من الرعب، يدعو الله أن تكون بخير .
_ هددت ونفذت ما قالته، هذه المرأة...
كتم صرخة غاضبة كادت تخرج من فمه وقد بدأ يسأل عنها جميع الباعة في السوق .
أما عنها فقد تحركت صوب الجهة التي وصفها العجوز وهي تتنهد بحزن تفكر في مكان فاطمة تتمنى أن تعود للقصر وتجدها هناك .
ظلت تسير دقائق طويلة حتى اصطدمت وأخيرًا بمبنى شاهق الارتفاع في غاية الرقي والفخامة تنطق كل حجارة به بالبزخ، قصر كبير ضخم يحتل حيزًا كبيرًا من الأرض أمامها، كان رائعًا نعم، لكنه لم يكن المقصود البتة .
_ مهلًا هذا ليس قصر أرسلان ؟؟ هل ارشدني الرجل لمكان خاطئ .
تراجعت وهي ترى أن العجوز أخطأ في الوصف واوصلها لقصر غير الذي كانت تبحث عنه .
وما ادراه أنها تسأل عن قلعة مشكى ؟؟
خطت للخلف كي تبتعد عن ذلك القصر وتعود للسوق مجددًا، لكن لم تكد تفعل حتى تجمدت أقدامها بصدمة وصوت صرخات مدوية تنطلق من داخل ذلك القصر .
ونعم ربما لو كانت حمقاء فضولية لكانت هرولت الأن صوب القصر بخوف كي تستكشف وتعلم سبب الصرخات، لكن لا هي ليست كذلك وقد علمها عملها أن الجهل احيانًا يكون ابسط الطرق للنجاة، وهي في هذه اللحظة اختارت الجهل سبيلًا، تهرول بعيدًا قبل أن يطالها أذى لم تطلبه.
_ حسنًا كنت سأكون سعيدة باستكشاف ما يحدث، لكنني لا أفضل الموت في هذا الوقت من العام..
تحركت مبتعدة عن الأذى، والاذى أبى الابتعاد عنها، إذ فجأة سمعت صوتًا صاخبًا خلفها يصرخ بصوت مرتفع بكلمات كثيرة غير مفهوم منها شيئًا سوى اسم واحد استطاعت التقاطه من بين كل الكلمات " أرسلان" .
ابتسمت سلمى بسمة حانقة وهي تستدير ببطء صوب القصر، تراقبه بأعين ملتمعة وصوت الفضول والخوف على أرسلان يحثها على الاقتراب من القصر واستكشاف ما يحدث، لكن صوت العقل بها اوقفها :
_ أوه هل سنرضخ الآن للمصائب ونركض خلفها كأي بطل غبي لفيلم سخيف يلقي بنفسه بين المشاكل لأجل فضوله، ظننت أننا اذكى من هذا سول.
صمتت ثواني وهي تراقب القصر، ومن ثم تحركت صوبه بسرعة كبيرة وهي تتحدث بصوت خافت :
_ نعم أذكى من هذا، لكن ليعلنهم الله إن أرادوا بأرسلان سوءًا، سيفقدون الرجل عقله بسبب الاعيبهم، ماذا سأعالج أنا به وهم يستمرون في إنتاج أمراض نفسية كل ثانية داخله .
ختمت حديثها تتحرك بمهارة للقصر وهي تبحث لها عن مدخل، لكن يبدو أنه كان محصنًا بشكل جيد، ولم تستطع الدخول، تراجعت للخلف تنظر لجدرانه بغضب شديد، لكن من بين موجة غضبها أبصرت فجأة ما جعل عيونها تتسع وهي تختبأ بسرعة خلف أحد جدران القصر بعيدًا عن الأعين تراقب ما يحدث بأعين متسعة وقد أبصرت العديد من الرجال يتحركون خارج القصر بأوجه مغطاه يحملون حقائب كبيرو بعض الشيء .
وقد بدأ أحدهم يتحدث بالفارسية لتعجز عن فهم الكثير من كلماتهم عدا القليل فقط والذي لم يكن مبشرًا بالمرة .
ابتلعت ريقها وهي تحاول جاهدة ترجمة ما تسمع منهم، لكن القليل فقط ادركته والباقي لم تفهم منه شيئًا لتهتف بالبرتغالية حانقة:
_ ليتني استمعت لأبي وتعلمت الفارسية كذلك، تبًا لكم تحدثوا بالعربية حتى ..
فجأة توقف أحد الرجال وردد العديد من الكلمات لم تفهم منها شيئًا عدا شيء واحد جعل جميع حواسها تنتبه بقوة وهي تردد بصوت خافت وعدم فهم :
_ منتصف هذا الشهر ؟!
وعند هذه النقطة أبصرت سلمى الرجال يتحركون بعيدًا عن القصر لتبتعد هي عن الأبصار وهي تراقبهم حتى اختفوا بشكل تام من المكان، وهي ظلت مكانها تتنفس بعنف شديد تحاول أن تتماسك، مدركة أن وجود هؤلاء الاشخاص في هذا المكان وهذه الصرخات، ليست نذير خير البتة .
_ ما الذي يحدث في هذه البلاد ومن هؤلاء وما غرضهم الخفي، وما هذا القصر المريب ؟! أشعر أنني تم الإلقاء بي داخل أحد افلام الغموض والمغامرة .
ابتعدت عن القصر وهي ترميه بنظرة غامضة، تتحرك بعيدًا عنه بسرعة قبل أن يحدث ما لا يُحمد عقباه، تهرول في الاتجاه الذي ظنت أنها جاءت منه، لتكتشف في نهاية المطاف وبعد هرولة لدقائق أنها....
_ مرحى يا سول، يبدو أن أرسلان لن يكون الوحيد الذي سيتأدب من هروبك اليوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
استيقظت على صوت ضوضاء حولها تحاول إبصار مصدر ذلك الصوت والذي كان غريبًا عليها، رفعت رأسها بصعوبة وقد شعرت بها تيبست بسبب جلستها غير المعتدلة، أو ربما لم تكن جلسة .
تأوهت بوجع وقد أدركت أن ما تسبب في ألم عظامها لم يكن جلستها، هي لم تنم جالسة كما ظنت، بل كانت مكبلة في عربة قديمة .
عند هذه الحقيقة انتفض جسد فاطمة وهي تحاول الصراخ، تحرك جسدها بقوة حركات تسببت في إعلام السائق بأستيقاظها .
فجأة شعرت بحركة العربة تتوقف، وصوت يهدر من الجزء الامامي لها بصوت سعيد :
_ فاطمة جيد أنك استيقظتي، لقد كدنا نصل لوجهتنا عزيزتي، ها نحن ذا .
اتسعت عيون فاطمة بقوة وحاولت أن تتحدث، لكن خاب رجائها وقد كانت القماشة أعلى فمها تمنعها، سقطت دموعها بضعف وهي تلقي رأسها على أرضية العربة مجددًا تناجي ربها، تنادي المعتصم بعجز وصوت الرجل في الأمام يصفر ويغني بسعادة.
_ لا تقلقي فاطمة حبيبتي كدنا نصل لسفيد، اقسم لكِ أنني سأحسن التعامل معكِ ولن أدع أي سوء يمسك عزيزتي .
سقطت دموع فاطمة أكثر وأكثر وهي تضرب العربة بقدمها تحاول الفكاك، لكن لا حياة لمن تنادي، لم يتحرك الرجل في الأمام خطوة واحدة.
وبعد حركات كثيرة مزعجة توقف واخيرًا بعربته على جانب الطريق، ومن ثم تحرك صوب العربة بغضب شديد يفتح بابها لتبصر اخيرًا صاحب الصوت، وتتسع عيونها وقد تعرفت عليه، حاولت التحرك وهي تصرخ صرخات مكتومة، بينما الرجل تحرك صوبها يجذب جسدها له بشكل جعل الأخيرة تتلوى بين يديه وقد أحمر وجهها بشكل مرعب لشدة البكاء والمقاومة وقد بدأت انفاسها تتلاشى .
لكنه لم يهتم ولم يبصر سوى مستقبله الذي رتب له يقترب منه، يراقبها بحب شديد وجنون تمكن من كل ذرة بجسده :
_ توقفي عن المقاومة فاطمة انتهينا، انتهينا من ذلك الفصل في حياتك، تبقى فقط أنا وأنتِ، فاطمة وإلياس.
اشتد بكاء فاطمة وهي تحاول الإفلات منه، لكنه أجبرها عن التوقف وهو يجذب رأسها له يطيل النظر في عيونها لا يبصر خوفها أو يشعر بارتجاف جسدها، بل ما ابصره كان انعاكس حبه لها، لم يرى الهلع الذي كاد يفقدها الوعي، بل فقط أبصر مستقبلًا مشرقًا تمامًا كما خطط .
مستقبل لا يفسده وجود دخيل .
_ اششس لا تقلقي حبيبتي، سوف يكون كل شيء بخير فاطمة، كل شيء سيكون بخير، حينما نصل للمنزل سأريكِ غرفتك، غرفتنا سويًا ها ؟؟ وسأحضر لكِ كل ما تتمنين، أقسم أنني عملت لسنوات بلا توقف لأجل أن اعوضك كل ما تطلبين .
ارتعش جسد فاطمة وقد اوشكت على السقوط في حالة من اللاوعي وقد بدأ عقلها يمارس لعبته المفضلة ..
الهروب من الواقع..
اقترب منها إلياس يستند برأسه على خاصتها يهمس بنبرة تملك وعشق :
_ لن يستطيع أحدهم أن يفرق بيننا ما تبقى من حياتنا، انتهى كل شيء واصبحتي لي ومعي ..
رفعت له فاطمة عيون مرتجفة وقد اشتد احمرارها بسبب البكاء، تراقبه برعب تدعو الله في صدرها أن ينقذها من ذلك المجنون .
فجأة ومن بين كل ما يحدث انتفض جسد إلياس على غرار جسد فاطمة حينما سمع الإثنين صوت قوي جهوري يهتف :
_ لماذا تقف هذه العربة على الحدود بهذا الشـــكل ؟؟
اتسعت عيون فاطمة بقوة وهي تصدر اصواتًا مكتومة تحاول أن تصدر حركة كي ينقذها أحدهم، لكن لم تكد حتى تحرك جزء واحد من جسدها حتى شعرت برأسها تصطدم بقوة في جدار العربة، لتسقط من فورها ارضًا ويلقي عليها إلياس بعض الأغطية والصناديق الفارغة مما تسبب في إخفاء جسدها بالكامل.
ومن ثم استقام يبتسم بسمة واسعة في وجه رجال الحدود في سفيد يهمس بجدية وهو يشير للعربة ويده تفرك رأسه يتأوه بشكل مصطنع وكأنه هو من اصطدم :
_ لا شيء سيدي فقط سقطت الصناديق الخاصة بي فكنت احاول ترتيبها .
نظر له الحارس بشك وهو يشير بيده :
_ أعطني تصريح الدخول رجاءً.
ابتلع إلياس ريقه وهو يحاول أبعاد الرجل عن العربة مشيرًا بيده إلى مقدمة العربة :
_ أنها.... أنها في الأمام سيدي اتبعني رجاءً.
وبالفعل تحرك معه الحارس بعدما أغلق إلياس بوابة العربة وهو يتنفس الصعداء مبتسمًا بسمة واسعة وعيونه تنطق بالخبث، يمني نفسه بمستقبلًا مشرقًا له ولفاطمة واخيرًا ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل من أبواب القصر والجمود هو ما يمكن أن تبصره على عيونه، انتهى لتوه من جولته لتفقد أمور البلاد والحدود .
وهذا ما كان يظهر للجميع، لكن ما كان يبطنه هو، أنها كانت محاولة أخيرة ليبصر طيفها ويراها، تنهد بصوت مرتفع وقد بدأ يشعر بالعجز واليأس يقيدان كلتا يديه، أين يمكن أن تذهب، قلب العاصمة رأسًا على عقب ولا أثر لها، سأل كل من يمكن أن يكون قد أبصرها ولو صدفة، والنتيجة واحدة ...
لا أثر لفاطمة، اختفت زوجته وهو لا شيء يفعله .
الغضب كان كل ما يشعر به داخله، غضب وعجز يجعله يرغب في إشعال قرية كاملة .
_ يا المعتصم، ها أنت ذا ...
توقف المعتصم بحصانه وهبط منه بهدوء يشير لأحد الجنود بأخذه، ومن ثم تحرك صوب دانيار بابتسامة غريبة بعض الشيء :
_ السلام عليكم دانيار .
_ عليكم السلام، بحثت عنك بكل مكان لأسلمك الرجال، لقد انتهيت من معسكر التدريب الذي اقمته لهم، وحان وقت رحيلي الآن.
_ ستعود لسفيد ؟!
هز رأسه يردد ببسمة صغيرة :
_ بل سنعود جميعًا، لقد انتهى دورنا هنا ...مؤقتًا على الأقل، والآن حان الوقت ليعود كلٌ لبلاده حتى تحين اللحظة المنشودة، وايضًا لننقذ ما تبقى من سفيد من بين يدي تميم .
ابتسم له المعتصم بسمة واسعة وهو يربت على كتفه :
_ أتمنى لكم رحلة موفقة، نلتقي على خير بإذن الله .
_ إن شاء الله، سأتحرك أنا في البداية مع بعض الرجال والملك سيبقى هنا حتى يطمئن على الملك أرسلان ومن ثم سيلحق بنا .
_ يطمئن على الملك أرسلان ؟! ما الذي تتحدث عنه ؟؟
_ أوه يبدو أنك لم تكن واعيًا لما يحدث هنا، لقد جن جنون الملك أرسلان منذ الصباح بسبب اختفاء زوجته، لقد أقام الدنيا وحتى الآن لم تقعد، فقط لنأمل أن سوءًا لم يمسها حتى لا يخرب البلاد فوق خرابها خرابًا .
اتسعت عيون المعتصم بقوة وهو يهمس بعدم فهم :
_ جلالة الملكة اختفت ؟؟ ما الذي يحدث هنا هذه الأيام؟؟؟؟
صمت ثواني ومن ثم خمن بصوت مرتفع :
_ هل يعقل أن اختفاء النساء أمر مدبر ؟؟؟
_ ماذا لا أفهم ما تقول ؟!
نظر له المعتصم ثواني قبل أن يهز رأسه بشكل غريب ومن ثم هرول بعيدًا عنه داخل القصر يهتف يكلمات غير مفهومة تاركًا دانيار يراقبه بعدم فهم ...
ــــــــــــــــــــ
في الوقت ذاته كان يسير آخر حاملًا زوجته متحركًا بها داخل منزله مبتسمًا بسعادة يردد كلما أبصر أحدهم يرمقه وبكل فخر وسعادة :
_ هذه فاطمة قريبتي وزوجتي .
ومن ثم تنهال عليه المباركات لتزيد سعادته أكثر وأكثر وكأن تلك المباركات ما هي إلا اعتراف من المجتمع، أنها اضحت كذلك بالفعل .
دخل المنزل وهو يضمها بين يديه بحنان حتى وصل بها للفراش يضعها عليه برقة شديد خوفًا أن تتأذى، ومن ثم مال عليها يبعد حجابها كي يتركها ترتاح في نومتها، لكن بمجرد أن لمس حجابها انتفض جسده مبتعدًا بصدمة حينما أطلقت فاطمة صرخة عالية آتية من عمق روحها، تنتفض كالملسوعة على الفراش بشكل جعل إلياس يخشى عليها أن تضر نفسها، وانطلق يحاول تهدئتها، لكن ما كاد يصل لها حتى وجدها فجأة تهب واقفة عن الفراش وهي تصرخ وتبكي تنادي اسماء عدة، لكن جميع شياطينه تراقصت أمامه حنيما رددت بكل قهر اسم غريمه .
_ يالمعتصـــــــــــــــــــم .
وعند هذه النقطة ودون وعي منه أو شعور حتى رفع كفه وهو يهبط على وجنتها بصفعة رنّ صداها في الإمكان بأكمله، لتترك الصفعة فاطمة، فاقدة لكل إشارات الحياة .........
ــــــــــــــــــــــ
كان يجلس أمام الوليد وهو يحاول الوصول لأي معلومة قد تساعده فيما جاء لأجله، لكن الوليد لم يكن يفعل سوى أنه يدفع الطعام أمامه كلما تحدث بكلمة وكأنه دجاجة تغذي صغارها .
زفر نزار بصوت مرتفع يتناول بعض اللقيمات يخفف بها اصرار الوليد على اطعامه ويعين بها جسده على القادم، يتحدث بكلمات حاول إخراجها بنبرة طبيعية :
_ لم أتوقع أن أخرج من بين يدي أرسلان ظننت أنني سأقضي المتبقي من حياته بين سجون مشكى.
_ وعدتك أن اخرجك أخي، ولم أكن لأحنث بوعدي ولو عني ذلك أن اضحي بالكثير من رجالي واساعد الحقير أصلان في خطته .
ابتلع نزار الطعام في فمه وهو ينظر له بجدية وقد ضاقت عيونه بعض الشيء :
_ أي خطة هذه ؟! ما الذي ينتوي عليه أصلان ؟!
ونعم كانت المباشرة خير وسيلة لمعرفة ما يدور حوله، فلا هو يمتلك الصبر الكافي ليمهد الأمر للوليد ولا الوليد يمتلك الوعي الكافي لإلتقاط فضوله المريب .
رفع له الوليد رأسه ومن ثم حرك كتفه في إشارة لجهله ما يحدث، ليعقد نزار حاجبيه بعدم فهم :
- لم افهمك ؟!
_ لا اعرف، لا أحد هنا يعلم ما يخطط له هذا الرجل سواه هو .
_ ماذا ؟! أتخبرني أنك خاطرت بكل شيء لأجل خطة لا تعلمها من الأساس .
ردد الوليد بصدق شديد جعل ملامح نزار تتشنج بصدمة :
_ بل فعلته لأجل تحريرك، تعهدت له ببعض رجالي في الممالك وأخبرته عن بعض الثغرات مقابل تحرير وهو تولى الباقي .
_ أيها الأحمـــــــــــق، هل تخبرني الآن أنك ساعدت الرجل وضحيت بكل رجالك لأجل لا شيء؟؟ ماذا إن كانت خطته التي تساعده بها تشمل التخلص منك ليها الغبي .
رمقه الوليد بتفكير وكأن هذه الفكرة لم تخطر بباله، ونعم الوليد يكون متسرعًا غبيًا في كثير من الأحيان، لكنه في هذه الحياة يضحي بكل ما يمتلك لأجل من يحب، ونزار كان آخر من تبقى له من عائلة وأصدقاء.
_ أردت فقط انقاذك بأي ثمن ..
_ تبــــــــًا لك يا الوليد .
تنفس بعنف وهو يبعد خصلاته عن عيونه يفكر في طريقة للوصول بها إلى ما يخطط له أصلان بأي ثمن.
_ أخبرتني أنك اقتحمت الممالك بسبب بعض الثغرات، أي ثغرات تلك ؟؟
نظر له الوليد ثواني قبل أن يزفر بصوت مرتفع:
_ نفسها الثغرات التي أخبرتها سابقًا لبافل.
تجمد نزار وشحب وجهه، ما تزال أثر فعلته يطارده، وسيظل يطارده حتى الممات، كانت لحظة والندم عمرًا.
الثغرات التي استغلها بافل لدخول مشكى سابقًا، كانت هي نفسها المعاون لأقتحام الممالك، ورغم محاولات الملوك والجميع لسد هذه الثغرات، إلا أنهم يجدون بشكل أو بآخر طريقة لأقتحامها .
_ أوه إذن الفضل لي في هذه الضربات ؟!
نظر له الوليد طويلًا ولم يتحدث بكلمة، يدرك مقدار مقت نزار لما يحدث وقد كان طوال الوقت يحاول الانسلاخ عن هذه القذارة التي تحيط به، لكنها تأبى تركه .
استفاق نزار على صوت الوليد وهو يردد بجدية :
_ لم ادرك خطته لكنني أعلم أنه يحضر لضربة ستسقط الاربعة ممالك وبحركة واحدة، ضربة واحدة سيشتت بها صفوفهم ومن ثم يستغل كل ذلك ليفرض سطوته، وهذا قريب ... أقرب مما تتوقع .
_ أخبرتني أن لا أحد هنا يدرك خطته ؟!
_ لا أحد باستثناء من نفذ الجزء الأول بها، والذي تتوقف حدود معرفته على النصف الأول من الخطة.
_ وهذا الشخص هو ....
صمت وهو ينتظر رد الوليد الذي هز رأسه يتحدث بصوت هادئ بعض الشيء :
_ حربيّ اليد اليمنى لأصلان وابن عمه والذي بالمناسبة لم يعد حتى الآن من تلك المهمة .
_ أي أنه....
ترك نزار كلماته معلقة ينتظر إجابة الوليد والذي لم يخيب ظنه وهو يردد بجدية:
_ ما يزال طليقًا في الممالك بانتظار إشارة بالتنفيذ .....
ــــــــــــــــــــــــ
_ فقط ارشدني للطريق وأنا سأكمل وحدي .
رفع الرجل عيونه لها يبتسم بسمة واسعة لا تدري ما يخفي هو خلفها، أو ربما أدركت الأمر إذ سرعان ما تحولت عيونها بشكل غريب وهي تهمس بصوت هادئ وبسمة غريبة:
_ سؤال بسيط لا يستدعي منك أن تدور بعيونك بهذا الشكل .
_ ربما كان السؤال بسيطًا، لكن صاحبته لم تكن بسيطة بأي شكل من الأشكال.
رفعت سلمى قدمها قليلًا عن الأرض، ثم وبخفة ودون أن يتوقع الرجل أصابت ضربتها ساقه بقوة ليختل توازنه بسرعة وهو يطلق تأوهًا شبه مرتفع، يمسك قدمه بسرعة، وسلمى تنظر له من الأعلى ببساطة مبتسمة بسمة صغيرة :
_ ليتني استطيع قول الشيء نفسه عن عقلك .
زفرت وهي تبعد عيونها عنه بنفور تتحرك بعيدًا عنه دون إنتظار أي كلمة منه، بينما الأخير حرك عيونه معها بانتباه شديد ينهض بسرعة كبيرة وقد حرك جسده خلفها ولم يكد يخطو خطوة إضافية حتى شعر بيد تمسك به وشخص يتحدث بجدية :
_ إلى أين ؟!
_ ماذا ؟!
_ ماذا أنت هل نسيت ما جئنا لأجله ؟؟
_ نعم لكن لا بأس ببعض الغنائم .
حذره الرجل بعيونه بقوة وهو يتهف من أسفل أسنانه يجذب الشاب له بضيق وغضب :
_ الغنائم تفوز بها بعد حربٍ أيها الحقير ونحن لم ننتهي بعض، فلا يسيل لعابك على كل امرأة تبصرها .
نظر الشاب صوب ظهر سلمى التي ابتعدت عنه بشغف كبير مبتسمًا :
_ لكن حربيّ هذه ليست أي امرأة، هذه ...
_ امرأة كأي امرأة، لذا كف عن الحديث وتحرك صوب موقعك .
زفر الشاب بضيق شديد يتحرك بعيدًا عن حربي الذي رماه بحنق، وسرعان ما حرك عيونه صوب الجهة التي سلكتها سلمى يشرد في طيفها قبل أن ترتسم بسمة غريبة أعلى فمه ....
ــــــــــــــــــــ
_ مولاي لا شيء هنا لقد قلبنا الأسواق والعاصمة رأسًا على عقب ولا شيء .
كان الجندي يتحدث بصوت هادئ جاد وهو ينظر لظهر أرسلان الذي لم تتحرك شعرة واحدة في جسده يراقب المكان أمامه بأعين مظلمة ظلام ينافس الظلام الذي بدأ ينتشر في المكان، ونعم هو قضى ساعات النهار تقريبًا يبحث عنها ولم يصل لطرفها حتى .
حرك رأسه للجندي وهو يرفض الرحيل تاركًا إياها وحدها بين الطرقات في مدينة لا تفقه عنها شيئًا، يغمض عيونه بضيق شديد وهو يرفع يده يشير للجنود :
_ عودوا للقصر إذن واستريحوا، فعلتم ما استطعتم.
_ نحن لم نتعب مولاي، نحن فقط نتساءل إن كانت هناك اركان أخرى تطلب منا البحث بها أو...
_ لا بأس أعلم كل ذلك، اشكركم لجهودكم، لكن انتهى دوركم، ليعد كلٌ لأسرته، أنا سألحق بكم .
نظر له الجندي بتردد ورفض للرحيل، لكنه الملك أمر وانتهى الأمر، عاد صوب الجنود يخبرهم بأوامر الملك وقد بدأ البعض يتحرك بالفعل مبتعدين عنه تاركين أرسلان ما يزال يقف على جانب الطريق يراقبه بأعين مشتعلة .
وقد اشتعل صدره بالجنون من فكرة أن تكون قد تأذت وأنه كل ذلك الوقت لم يصل لنتيجة بسبب أنه يبحث في الإتجاه الخطأ، هل يعقل أن أحد المندسين داخل بلاده ابصرها وتعرف عيها و...
عند هذه الفكرة وقبل أن تكتمل الخطة داخل عقله انتفض جسده وهو يستدير للمتبقي من جنوده بسرعة وقد أحمر وجهه بغضب شديد :
_ انتظروا لا ترحلوا .
توقف من تبقى من الجيش برعب وهم ينظرون صوب الملك الذي كان غضبه في هذه اللحظة مرعبًا يحاولون معرفة ما حدث فجأة بعدما أمرهم بالرحيل .
أما عنه تحرك صوبهم بلهفة يردد وقد أصابته الفكرة الأخيرة بالجنون، واحتمالية اختطاف زوجته قطع الشعرة التي تربط بين تعقله وتهوره .
_ لا ترحلوا وتجهزوا الآن، سوف نتحرك صوب الحدود بسرعة لمنع أي عربة أو شخص من الخروج، الملكة قد أُختطفت ر.....
_ لن اختلف معك بالأجرة يا عم فقط اوصلني حيث أريد وسأجعل زوجي يمنحك ما تطلب هو يمتلك الكثير من الأموال على ما أتذكر.
توقفت كلمات أرسلان بسبب انطلاق الجملة الأخيرة في الارجاء والتي ربما لم يسمعها الكثيرون، لكنها وصلت له واضحة بشكل كبير، يسمع صوتها المميز يصطدم بأذنه، فتح عيونه ببطء وهو يستدير صوب الخلف، يراقبها تصعد على ظهر عربة نقل بضائع تجرها بعض الأحصنة، تتحدث مع السائق وهي ترشده بهدوء شديد ليس وكأنها لا تعلم أين يقع القصر .
والوضع كان كالتالي .
سلمى تركب عربة بضائع بلا سقف تجرها العديد من الأحصنة وتتهادى على الارضية الترابية أمامهم، وتمر بأرسلان وجنوده الذين كانوا يتابعون ما يحدث بأعين متسعة وملامح الفهم تعلو وجوه الجميع...
مرت العربة من أمام الجميع وقد تحركت كل الأعين معها تباعًا، حتى أن صاحب العربة ألقى السلام على الجميع بهدوء شديد، وسلمى تجلس بكل اريحية تتناول بعض الفواكه التي اشترتها منذ قليل بعد خروجها من تلك المتاهة التي كانت بها.
ترفع عيونها بعدم اهتمام صوب الجميع تحرك رأسها لهم بتحية كما فعل السائق، لكن فجأة توقفت الفاكهة في منتصف حلقها حتى كادت تختنق وهي تراقب الجميع بصدمة .
وسريعًا اعتدلت في جلستها بفزع تنزل الغطاء على وجهها في تخفي متأخر بعض الشيء، تنظر أمامها بسرعة تدعي الجهل وهي تشير لسائق العربة :
_ أسرع يا عم، أسرع قليلًا وسأجعل زوجي يزيد لك من اجرتك، أسرع أكرمك الله .
نظر لها الرجل بعدم فهم ولم يكد يتحدث بكلمة حتى أبصر جنود المملكة يركضون خلف العربة بشكل مرعب وقد صعد الملك على حصانه يلحق بهم بشكل مخيف ليشحب وجه الرجل :
- يا رحيم يا الله، ما الذي يحدث هنا ؟! لماذا يركض الجنود خلف العربة بهذا الشكل ؟؟ ما الذي يحدث من هؤلاء ؟!
نظرت سلمى خلفها لتلمح نظرات أرسلان التي تكاد تحرقها هي والعم والعربة والاحصنة كذلك :
_ هذا ؟! هذا زوجي وجنوده...
نظر الرجل لسلمى بعدم فهم يهتف برعب :
_ زوجك...زوجك كيف هل .... أنتِ زوجة الملك؟! أنتِ الملكة ؟؟
ابتسمت له سلمى وهي تراه يبطأ العربة بسرعة وهي تشعر أن النهاية اقتربت :
_ لم تخبريني أنكِ زوجة الملك، ظننتك زوجة أحد الحنود أو العاملين بالقلعة ؟!
_ حسنًا أحب أن اتواضع مع الجميع.
توقف الرجل بالعربة في الوقت الذي توقف جواره أرسلان بحصانه يهبط منه بشكل مخيف جعل الاخيرة تهبط عن العربة بسرعة وهي تركض صوبه، وقبل تقدم أرسلان خطوة واحدة منها وجدها تهرول صوبه وهي تزفر براحة تحرك يديها في الهواء ببساطة :
-أرسلان الحمدلله أنك هنا، لن تصدق ما حدث لي اليوم، شيء يفوق الخيال، جيد أنك عثرت عليّ، دعنا نعود للقصر الأن، أحضرت لك بعض الفاكهة الطازجة معي.
ختمت كلماتها ترفع حقيبة الفاكهة وهي تتحرك صوب حصان أرسلان، بينما الاخير ما يزال ثابتًا مكانه جامد الملامح يراقب ما يحدث أمامه بعدم فهم .
توقفت سلمى بعد خطوات قليلة وهي تشير صوب الرجل صاحب العربة :
_ نعم واعطي العم أجرته فأنا أخبرته أنك غني ستمنحه أجرًا سخيًا، فلا تخجلني .
توقفت أمام الحصان وهي تنظر له بعجز، ثم استدارت لأرسلان تهتف ببسمة وجدية :
_ هلًا ساعدتني في الصعود رجاءً ؟؟
استدار أرسلان صوبها وهو ما يزال يمنحها نظرات عدم فهم متتالية، قبل أن يكبت كلماته وهو ينظر لجنوده يشير لهم بعيونه أن يتحركوا، ومن ثم تحرك صوب الرجل صاحب العربة وأعطاه الكثير العملات كي لا يخجل زوجته العزيزة التي وعدته بمبلغ سخي .
واخيرًا تبقت هي، آخر مصائبه لهذا اليوم ........
اقترب منها بهدوء ودون كلمة واحدة يساعدها في الصعود على صهوة حصانه، ومن ثم تبعها يصعد خلفها بهدوء شديد، لتتململ هي بحنق مصطنع رافضة وجوده على نفس الحصان معها ومازال غضبها منه يطفو :
_ الأحصنة كثيرة، ألا يمكنك أن تجد لك حصانًا آخر و...
قاطع كلماتها اشتداد يده على خصرها وهو يمسك اللجام هامسًا بصوت منخفض بدا مخيفًا كالفحيح، مما جعل جسدها يرتجف قليلًا وقد شعرت أن جحيمها على يد أرسلان قد بدأ والآن :
_ هش فقط اهدأي لم يحن وقت التحدث بعد سليمى .........
ــــــــــــــــــــــــــ
الكوارث تعلن عن نفسها بصرخة، لكن الفواجع تباغتك قبل حتى أن تفكر في الصراخ .
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .
بعتذر عم، لأنه سيكون الخميس ( وقفة عرفات) ونحن في العشرة الأوائل نتعلق في كل دعوة وكل دقيقة فراغ كب ندعو، لذا دعونا نستغل هذه الأيام المباركة ونتفرغ للعبادة ومن ثم لنا عودة في الخميس التابع للعيد مباشرة .
اعتذر لهذا القرار، لكنني في العادة اوقف الكتابة في مثل هذه الأيام ورغم ذلك أبيت إلا أن انشر فصل اليوم كي لا أثقل عليكم الغياب .
واستعدوا فالعودة ستكون .........
عيدكم مبارك جميعًا.
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رحمة نبيل
السادس والثلاثون " حرب نفوس "
صلوا على نبي الرحمة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبر حصانه بوابة القلعة وهو ما يزال يتمسك بخصرها بشكل حريص خوفًا أن تفلت منه في لحظة وتسقط، بينما سلمى تنظر أمامها بهدوء شديد وبسمة صغيرة وكأنها لم تتسبب في إعلان حالة استنفار منذ بداية اليوم في القصر .
توقف أرسلان بحصانه في الساحة وهبط منه بغضب واضح على ملامحه، ينظر لها بملامح حانقة شرسة، ولم يكد ينطق بكلمة واحدة، حتى قالت ببسمة هادئة بشكل عجيب :
_ ساعدني رجاءً .
رمش أرسلان بعدم استيعاب للحظات قبل أن يمد يده دون وعي لها، لتتمسك هي بها وتهبط بكل حرص ورقي، وحينما استقرت ارضًا بمساعدته، نظرت له بامتنان تهز رأسها له :
_ شكرًا لك مولاي .
وهي كلمات فقط قبل أن ترفع طرق ثوبها وتتحرك تاركة إياه دون كلمة إضافية، تاركة إياه يراقبها بملامح متشنجة، تتهادى أمامه وكأن شيئًا لم يكن، وهو فقط يقف في منتصف الساحة يحدق في ظهرها يحاول إدراك ما حدث منذ ثواني .
بينما سلمى ابتسمت بسمة خبيثة وهي تتحرك صوب جناحها، وقد انتهى يومها الأول في الخارج، بينما أرسلان يحدق في ظهرها بشر مستطر بعدما استوعب ما فعلت منذ ثواني .
لم يظهر أيًا من داواخله أمام احدهم، بل حافظ على ملامحه المحايدة، يشير صوب أحد الرجال ليأخذ حصانه إلى الاسطبل ومن ثم بكل بساطة سار خلفها بخطوات ظهرت للبعض هادئة، لكنها كانت في داخلها تخفي غضبًا ونيرانًا، لو أخرجها لن تتمكن سلمى من التحكم بها ولو استخدمت جميع ما تعلمت طوال سنوات دراستها .
تحرك في الممرات لا يهتم بمن يحيطه أو بأحد ولا يبصر سوى غرفتها التي تلوح أمامه كراية حمراء، وصل وهو يمد يده بقوة ليفتح الباب، لكنها توقفت في الطريق يتنفس بصوت مرتفع، ومن ثم تماسك يتذكر أنه لا يستطيع اقتحام غرفتها بهذا الشكل، يطرق الباب بهدوء لا يظهر ما يضمره .
وحينما سمع صوتها يأذن له بالدخول وكأنها تعلم الطارق ...وقد كان .
فتح الباب بعنف يغلقه خلفه بشكل مفزع، ومن ثم تقدم صوبها بخطوات تحطم الارض أسفله والنيران تخرج من أذنيه، ليتلاشى كل ذلك في ثواني وهو يبصرها تتوقف أمامه وهي تعطيه ظهرها تهمس برقة :
_ هل تساعدني في فك تلك الربطة في شعري، فهي تزعجني ولا استطيع فكها .
فجأة انمحت ملامح الغضب عن وجه أرسلان، واعتلى وجهه نظرات هدوء غريبة وعدم فهم، ونسي لثواني ما حدث يمد يده بهدوء ليفك ربطة شعرها والتي كانت معقودة بشكل غريب .
وهي أمامه تعطيه ظهرها تبتسم بسمة متوارية .
وارسلان محوّر كامل تركيزه في العقدة أمامه وكأنه يضع خطة لحرب ضروس، يضيق ما بين حاجبيه وهو يتساءل بجدية كبيرة :
_ من عقد الربطة بهذا الشكل الغريب ؟؟
_ لم أجد من يساعدني في عقدها فخرجت مني بهذا الشكل .
همهم وهو يولي كامل انتباهه للربطة لتميل سلمى برأسها عليه أكثر تهمس بصوت منحفض :
_ دعني أساعدك قليلًا .
رفع أرسلان عيونه لها بعدم فهم لثواني، ليُصدم فجأة من قربها منه، فابتسم بدون وعي والتمعت عيونه دون شعور :
_ تبارك الله ...
وانقلب السحر على الساحر .
فبعدما قررت أن تستخدم سلمى سحرها ورقتها لتخمد نيران أرسلان، اشعل هو نيران شوقها وحبها المتواري له، شعرت بضربات قبلها تزداد وهي تراه يطيل النظر بها، قبل أن يهمس لها بجدية وبسمة غريبة :
_ سبحان من أحلّ لي تأملك سُليمى .
كل هذا ويأبى نطق كلمة بسيطة، يغازلها في سطور ويأبى فمه نطق كلمة، الرجل سيوصلها لمرحلة بعيدة من الجنون، ابتلعت ريقها تشرد به دون شعور بالزمن حولها، قبل أن تراه يبتعد عنها ببطء يرفع يده في الهواء، ثواني قبل أن تدرك ما يحدث وتنظر إلى يده تراه يمسك طرف عقدة شعرها يبتسم لها بسمة جانبية :
_ انتهينا من عقدة شعرك، والآن حان وقت عقدة حياتي .
_ أي واحدة بالتحديد، فحياتك ملغمة بالكثير منها أرسلان.
_ أكبرهن سلمى ... أنتِ.
مالت سلمى برأسها ترفع حاجبها:
_ تصفني بعقدة ؟؟ هذا غير منصف لشخص قضي حياته في حل عقد الغير .
_ وتعجزين عن حل عقدتي .
_ كما لو أنك تسمح لي ؟!
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه مغمضًا عيونه يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي، ومن ثم فتح عيونه ينظر لها بجدية :
_ حسنًا سلمى، نحن لن ننتهي من هذا صحيح ؟؟ ما فعليته لا يُغتفر أن تقضي نصف يومك، بل يومك بأكمله في الخارج دون أي شعور بالمسؤولية لذلك الرجل الاخرق الذي كاد يحطم قصرًا ذلك شامخًا لقرون من الزمن .
تحركت سلمى في أرجاء المكان وهي تخلع معطفها تبعثر خصلاتها من الضفيرة التي كانت تقيدها، سالبة بذلك اهتمام أرسلان دون حتى أن تشعر بما تفعل :
_ ننتهي ؟! متى بدأنا لننتهي مولاي ؟! هل تعي أنك لم تتحرك من بعد نقطة الانطلاق حتى ؟! نا حدث اليوم كان... إلى ماذا تنظر الآن ؟!
توقفت سلمى عن التحدث بعدم فهم وهي تنظر له بتعجب من نظراته الشاردة تلك، تنظر لعيونه تحاول معرفة ما يدور داخل عقله .
بينما أرسلان سحب تركيزه بصعوبة من خصلاتها لوجهها ليركز عليها، لكن الأمر لم يكن أفضل حال مما سبقه، يحاول أن يتذكر سبب وجوده هنا من الأساس لتضربه ذكرى آخر ساعات جحيم قضاها قبل العثور عليها .
لتشتعل فجأة عيونه مرة أخرى بلا مقدمات :
_ أين كنتِ سلمى ؟!
رمشت سلمى تحاول أن تفهم معنى سؤاله المفاجئ وسببه .
_ ماذا ؟!
_ اليوم ..طوال اليوم أين كنتِ يا امرأة ؟؟ هل تحاولين دفعي للجنون لأنكِ نجحتي بالفعل .
رفعت سلمى إصبعها في وجهها وهي تردد ببسمة غير مصدقة :
_ أنت يا رجل هل تصدق نفسك ؟؟ من سيدفع من للجنون ؟! أنا جئت ووجدتك هكذا فلا ترمي التهم جزافًا و...
_ أفضل أن تحتفظي بكامل يدك جوارك اثناء الحديث سلمى .
نظرت له بعدم فهم ليرفع يده وهو ينزل إصبعها بضيق شديد وقد قبض عليه بلين ولطف يناقض ملامحه :
_ لا ترفعي إصبعك في وجهي مجددًا.
ابتسمت سلمى وهي تتراجع للخلف بصدمة :
_ أنت....هل أنت جاد ؟!
_ نعم، وصدقيني هذه أكثر ردة فعل هادئة لطيفة أصدرتها في حياتي تجاه شخص يرفع إصبعه في وجهي .
_ والله وسام شرف على صدري، الملك أرسلان لم يقطع إصبعي لأنني رفعته في وجهه اثناء الحديث، هل يجب أن أكون شاكرة لهذا التميز مولاي ؟؟
_ لا أريد شكرًا أريد سببًا لمغادرتك القصر .
ضمت سلمى يديها لصدرها وهي تردد بهدوء شديد :
_ لا سبب، أردت ففعلت .
_ هكذا إذن ؟؟
_ نعم، هل أنا في سجن ؟!
رفع أرسلان يديه في الهواء يستنكر كلماتها :
_ استغفر الله، سجن ماذا يا ابنتي، هل تسمين ما أفعله معك سجنًا، هذا جحود وظلم، السجن شيء آخر عزيزتي ...
بعد دقائق لم تعلم سلمى عددها كانت تقف متسعة الأعين مصدومة وبقوة وهي ترى أرسلان يخرج المفتاح من مكانه بعدما اغلق القضبان عليها، ينظر لها بهدوء شديد يراقبها ببسمة صغيرة مشيرًا للسجن الصغير الذي وضعها به والذي كان يخصصه لعقاب الجنود حينما يخطئون وقد افرغه خصيصًا لأجلها.
_ هذا هو السجن، الآن نعم أنتِ في السجن .
شعرت سلمى أنها ما تزال تحلم وهي تنظر حولها بعدم فهم تحاول إدراك ما يفعل أرسلان، بينما الأخير سحب أحد المقاعد ووضعه أمام القضبان يجلس عليه واضعًا قدم فوق الأخرى مبتسمًا لها بسمة سعيدة لا تناسب الاجواء يضم يديه لصدره :
_ ولأزيدك شرفًا سأكون حارسك في هذا السجن .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ساعدني أرجوك فقط حاول مساعدتها لتفتح عيونها .
كان يتحدث بكلمات غير مفهومة وهو يشير صوب جسد فاطمة الفاقد للحياة أمامه وبأعين زائغة يرشد لها الطبيب الذي يقطن بنفس الحي .
_ من هذه ومن فعل بها هذا إلياس ؟!
توترت ملامح إلياس وهو يهمس بخوف شديد لفقدانها بعد كل ما حدث :
_ هذه ....قريبتي وزوجتي، تزوجنا في مشكى منذ يوم واحد وجئت بها هنا و....
صمت قبل أن ينهار باكيًا برعب :
_ فقط ساعدها أرجوك ساعدها لا أريد فقدانها.
أبصر الحكيم حالته المزرية، ومن ثم حدق بجسد فاطمة وهو يتحرك صوبها يحاول أن يفحصها بشكل حذر، يرفع يده ليفتح عيونها، يمد يده أسفل رأسها كي يموضعها بشكل مناسب للفحص، لكن فجأة شعر بشيء لزج أسفل قبضته، ضيق عيونه بعدم فهم يسحب يده بهدوء شديد قبل أن تتسع عيونه وقد ابصرها مضجرة بالدماء، وبالطبع ليست دماءه .
_ يا الله الفتاة تنزف من رأسها، ما الذي حدث لها يا بني ؟! الفتاة شاحبة شحوب الأموات .
سقط إلياس جوار فراشها وهو يتمسك بيدها، يناجيها بكلمات منخفضة ورعب جلي :
_ لا تكوني لئيمة بهذا الشكل فاطمة، ارجوكِ افيقي، نحن لم ....لم تمنحيني الفرصة لإثبات مقدار حبي لكِ حتى، أرجوكِ لا تفعلي بي هذا، لا تفعـــــــلــــي بــــــــي هــــــــذا .
كان يصرخ في نهاية جملته وهو يضغط على يدها بقوة جعلت الحكيم يستشعر خطبًا في المكان، يسحبه بعيدًا عنها بقلق :
_ ابتعد عنها، هل جننت ابتعد إلياس الفتاة لا تحتمل ما تفعله أنت الآن تماسك وأدعو الله أن ينجيها .
اقترب منها الحكيم بسرعة وبدأ يفحصها ويفحص تنفسها، تحت أعين إلياس الذي كان يراقب بأعين زائغة ونصف وعي، ليبتعد الرجل عنها في النهاية وهو ينظر لإلياس:
_ الفتاة حالتها الصحية سيئة للغاية لا يمكنني معالجتها هنا، نحتاج لنقلها إلى مستشفى الحي و...
انتفض جسد إلياس بقوة يأبى تنفيذ ما يقول هذا الرجل :
- لا لن يحدث ويأخذها أحدهم مني، هي ...هي زوجتي و...و لن أسمح لأحدهم أن يسلبني إياها بأي شكل، سيتم ...معالجتها هنا أمام عيوني، سواء استطعت ذلك أو لا فسأحضر لها أكبر أطباء المملكة، حتى لو اضطررت إلى اللجوء لأكبر أطباء البلاد..
ختم حديثه ينظر بإصرار للعجوز الذي هز رأسه بيأس وشرع يقنعه بضرورة إرسالها للمشفى لتجنب أي مخاطر عليها، بينما هو يرفض بإصرار وضراوة .
وهي ....في عالم آخر تصارع ماضيها وتتمسك بحاضرها وتفتش عن مستقبلها والذي كان يقبع في عيون باسمة حنون وقبضة يد لطيفة وكلمة واحدة تأسرها منه ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ فاطمة ..
تنهد بصوت مرتفع وهو يرفع عيونه للرجال أمامه يتدربون بقوة وجدية دون تواني، وهو يراقبهم بأعين مهتمة مدققة، وعقله معهم، لكن قلبه نفر الحياة دونها وهجره تاركًا جسدها خاويًا من أي نبض .
تنهد بصوت مرتفع يستمع لصوت جواره يهمس بجدية :
_ سيدي أنت بخير ؟!
رفع له المعتصم عيونه وقد كانت الإجابة على طرف لسانه بلا، لا محبوسة يتمنى الصراخ بها، لكن لا المكان ولا المكانة يسمحان له .
_ نعم، أنا كذلك تيم، ماذا هناك ؟!
_ لقد وصل وفد جديد للإنضمام إلى الجيش، هذا الوفد الثالث هذا الاسبوع .
ابتسم له المعتصم سعيدًا بما يحدث، فبعدما كان الجميع في البداية يأبى الانضمام للجيش، بدأت الحماس والرغبة في الدفاع عن البلاد واعلائها تملئ الصدور أجمعها..
_ جيد سأذهب لتفقدهم بنفسي .
وقد كان هذا ما نص عليه الإتفاق، فإما أن يكون الملك بنفسه حاضرًا لتفقد الدفعات الجديدة أو المعتصم، وذلك في إطار التنقيب عن الرجال المندسين بين الجيش .
تحرك المعتصم بجدية وخطوات هادئة مع تيم وهو يراقب المكان حوله عله يبصرها ولو طيفًا في المكان، يتعهد بإكمال بحثٍ لم ينتهي بعد التدريبات، فهذه كانت حياته منذ يوم، يعمل ويبحث، يبحث ومن ثم يعمل .
توقف في الساحة الأمامية للقصر يبصر عدد من الرجال ينتظرون، ليمرر المعتصم نظراته بينهم بهدوء قبل أن يمنحهم بسمة صغيرة مرحبة :
_ مرحبًا بكم يا رجال، أنرتم قصر مشكى وعما قريب بإذن الله جيش مشكى .
ختم حديثه يمرر عيونه بين الجميع وهو يتحدث بجدية :
_ سعيد لمعرفتي أنكم هنا بإرادتكم الحرة دون أي إجبار أو ضغوطات خارجية، فقط لحماية البلاد، ومن يرى عكس ذلك فباب القصر مفتوح له والملك سيتكفل له بعملٍ يقيه وأسرته شر الحاجة.
صمت وهو يدور بين الأعين يبحث بها عن متردد، فكم جاءهم رجل مجبر ليحصل على مرتب الجيش ويعين به أسرته، رغم عدم رغبته في الانضمام للجيش، ومنذ ذلك الحين أعلن أرسلان قراره أن من يكمل يكون لأجل البلاد، ومن ينسحب فهو متكفل به وعمله.
ابتسم حينما لم يجد بينهم مؤيدًا لكلماته، ومن ثم شرع يتحدث بما هو متفق عليه من البداية :
_ جيد إذن الجميع هنا بإرادة حرة وليس مقيدًا أو مجبرًا، الآن دعونا نقسمكم، من منكم يجيد أي نوع قتال فليتحرك إلى اليمين رجاءً.
ظل منتظرًا إلى أن تحرك رجلين فقط لليمين ليهز لهم المعتصم رأسه بتقدير، ومن ثم نظر للباقيين :
_ هذا يعني أن الباقيين لا يدركون في القتال شيئًا ؟!
هز الباقيين رؤوسهم ليمنحهم المعتصم بسمة صغيرة :
_ لا بأس فلا نطلب منكم في البداية الكثير، سوف يتولى القائد تيم تعريفكم على المحيط هنا و اخباركم جدول التدريبات ومن ثم يعود بكم لي لنبدأ أولى تدريبات اليوم، لكن قبل ذلك اطلب منكم رجاءً اللحاق بي .
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عن ساحة القصر العامة صوب ساحة القتال الرئيسية حيث الجميع، والكل خلفت يسيرون التؤدة يراقبون الأجواء حولهم يفكرون في القادم وكيفية النجاة بين كل هؤلاء الرجال الأشداء، فقد ابصروا جنودًا كالآلات .
توقف بهم المعتصم في جزء شبه منعزل عن ساحة القتال وهو يشير لهم جميعًا بهدوء شديد :
_ اخلعوا ثيابكم العلوية رجاءً، سيتم فحص الجميع للتأكد من عدم وجود أي إصابات خطيرة قد تمنع وجوده معنا .
ختم حديثه وهو يشير جواره صوب رجل يضم يديه لصدره ذو عضلات قوية بارزه من ثوبه الأبيض العلوي والذي ابتسم للجميع معرفًا عن نفسه :
_ مرحبًا أنا زيان، طبيب القصر والجيش، تشرفت بكم .
ختم زيان كلماته وهو يشمر أكمامه بهدوء شديد يبتسم لهم، ومن ثم أشار لهم بعيونه صوب الثياب ليبدأ البعض بخلعها دون اهتمام، والمعتصم يراقب بهدوء شديد واهتمام أشد، يبصر تردد البعض وعدم اهتمام البعض بالأمر .
ابتسم المعتصم بسمة غريبة وهو يبصر عدد خمسة رجال يراقبون الجميع برفض، وتردد في خلع ثوبهم، نظر صوب زيان الذي تنفس بصوت هادئ وهو يتحرك صوبهم بهدوء شديد ليبدأ بفحصهم وهو ينظر صوب المعتصم الذي كان يتابع بهدوء قبل أن يتحرك جهة الخمسة رجال بهدوء شديد .
_ إذن كل شيء بخير معكم ؟!
رفع أحدهم نظره للمعتصم بتردد وقد كان يبدو شاب في بداية عقده الثالث :
_ نعم ... أنا فقط ...لا ...لقد ...هل يمكنني إجراء هذا الفحص في مكان آخر فهذا المكان ظاهر للجميع.
_ لا بأس بذلك بالطبع، هذه غرفة تبديل الملابس يمكنك إجراء الفحص بها، ومن ثم عليك الاعتياد في المستقبل فالحرارة هنا شديدة بعض الشيء وستجبرك دون طلب منا على التدرب دون ثوب علوي بما لا يظهر عورتك بالطبع .
ختم حديثه وهو يشير صوب تيم :
_ تيم ساعد اخوتك وارشدهم صوب الغرفة الخاصة بتدبيل الثياب .
وبالفعل قام تيم بإرشاد الرجال صوب غرفة تبديل الثياب لينتظروا زيان هناك، وقد بدأ الاخير يفحص الجميع بدقة بحثًا عن أي إصابات أو علامات قد ترشده لأي شيء غريب بهم .
وبعد دقائق طويلة انتهى ليتوجه صوب الغرفة مع المعتصم الذي تحدث بهدوء :
_ ثلاثة هذه المرة .
_ وكيف عرفت فخمسة رفضوا الأمر..
_ يمكنني التفريق بين التردد والخوف زيان، الشاب الذي تحدث كان مترددًا، وآخر كان كذلك، بينما هناك ثلاثة كانت أعينهم زائغة وكأنهم يبحثون لهم عن مخرج من هنا .
ختم حديثه وهو يفتح باب الغرفة ليتجمد جسده مما أبصر في هذه اللحظة وتحركت يده بهدوء صوب خنجره وقد احتدت نظراته بقوة :
_ تبًا لكم ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان موكب سفيد يستعد للرحيل تباعًا لدانيار الذي رحل سابقًا الجميع مع زوجته صوب سفيد ..
خرج سالار من القصر وهو يضم بين كفيه يد زوجته باهتمام شديد وقد كان حريصًا حتى على كل خطوة تخطوها .
_ سالار أنا بخير اقسم لك .
_ عساكِ دائمًا عزيزتي، لم أقل عكس ذلك .
_ لكن تعاملك معي بهذا الحرص يقول ذلك سالار .
نظر لها سالار بعدم فهم، لتشير بعيونها صوب يده التي تمسك يدها، ويده الآخرى التي تضم خصرها بقلق أن تذل اثناء مشيتها .
_ أنا فقط اساعدك في السير بشكل جيد، ماذا ألم أفعل ذلك سابقًا ؟؟
رفعت حاجبها بسخرية وهي تجيبه بهدوء :
_ لقد كنت تعلم سابقًا أنني أستطيع المشي وحدي .
نظر لها بصدمة قبل أن ترتسم بسمة بسيطة على وجهه وهو يعود لمسكها بنفس الطريقة متحركًا صوب الهودج الخاص بها :
_ إذن يمكننا البدء في ذلك منذ اليوم عزيزتي .
قلبت تبارك عيونها وهي تتحدث بهمس خافت :
_ أنت تفعل هذا لأجل طفلك سالار صحيح ؟؟ لا تفعل هذا لزوجتك .
وسالار المسكين والذي لم يكن يدري بعد ما سينتجه عقل تبارك وهرموناتها المستجدة على جسدها، أجابها بكل براءة ولطف :
_ لكِ ولطفلي ..
_ أنت لم تفعل هذا من قبل حينما كنت وحدي دون طفلك يا قائد، وتفعله الآن وأنا احمله، إذن فالمبرر الوحيد أنك تفعله لأجل طفلك .
توقف بها سالار جوار الموكب يبتسم بعدم فهم لها :
_ ماذا ؟؟ لا أفهم ما تقولينه لكنني ...
_ أنت فقط تهتم لطفلك سالار أكثر من اهتمامك بي، أنا حتى لا أتذكر أنك اهتتمت بي يومًا مثل هذا الاهتمام.
كامت تتحدث وهي تبعد عيونها بحزن عن سالار الذي اتسعت عيونه بصدمة وقد أخذ يراجع عقله في كل اتهاماتها :
_ لم أفعل حقًا ؟!
_ يا ليتني كنت ابنتك أو حربًا لتهتم بي سالار، خسارة والله .
ختمت حديثها تتحرك صوب الموكب كي تصعد له وقد أنهت النقاش بينهما عند هذه النقطة، وهو يراقبها بصدمة .
وتبارك تحاول الصعود للموكب بصعوبة، لكنها لم تستطع ولم تكد تستدير صوبه لتطلب المساعدة حتى شعرت بيده تضم خصرها بلطف يعاونها لذلك، ومن ثم مد يده يخلع حقيبته التي يحملها فوق ظهره يضعها لها وهو يتحدث بجدية :
_ طعام ومياه لأجلك عزيزتي، لأجلك تبارك حسنًا .
قال جملته الأخيرة وهو يضغط على كلماته لتبتسم له تبارك بسمة صغيرة تمسك كفه تقبلها بحب :
_ أكثر ما يعجبني بك أن لا " نكد " تمكن يومًا من هز شعره بك .
_ وما علاقة مزاجك السييء بشعري تبارك ؟؟
_ معجب كما الجميع يا قائد.
اتسعت لها بسمة سالار وهو يمد يده لها يربت على وجنتها بحب غامزًا :
_ جيد الآن تعادلنا مولاتي، فكل عضو بي صريعًت لكِ .
هامت عيونها به، ليبعد يده عنها بهدوء ومن ثم اغلق الستار في انتظار وصول الملكة لتجاورها الهودج، يتحرك لبداية الموكب يتحدث بصوت مرتفع جهوري يناقض صوته الحنون الهامس منذ ثواني وكأنه تحول :
_ تجهزوا يا رجال .
ومن بعد هذه الكلمات ابتسم سالار دون شعور وهو ينظر حوله بسعادة كبيرة ووالله لو أقسم لهم أحدهم يومًا أن فرحته بطفله الأول ستنافس سعادته بفوز حرب كبيرة لظن أنه يبالغ، لكن أي مبالغة وهو ما يزال حتى الآن يشعر بنفس شعوره لحظة نطقت تبارك كلماتها معلنة بداية حياة جديدة نفخها الله برحمها .
ابتعد ببطء عنها وهو يحدق فيها بعدم فهم فتبارك لطالما كانت تهزي بالأمر طوال الوقت متمنية الحصول على خصلاته في أولادهم، لكن هذه المرة لفت انتباهه كلماتها :
_ شهور ؟!
_ نعم، لكنني لا أستطيع أن أجزم كم شهر تحديدًا، على أية حال هي شهور ونعلم كيف يبدو الصغير .
_ صغير ؟!
ابتسم دون وعي يردد بصوت خافت:
_ صغيري ؟!
هزت له تبارك رأسها وهو ما يزال في حالة من اللاوعي يهمس بسعادة يتخيل نفسه يحمل صغيرًا بين كفيه :
_ سيكون الأمر رائعًا .
نظر لكفوف يده :
_ أن تحمل يدي والتي اعتادت حمل السيوف نطفة صغيرة منكِ، لهو شعور جميل أتمنى تجربته، عسى الله أن يقر عيني به .
_ إن شاء الله سيحدث بعد شهور سالار .
رفع لها سالار عيونه بعدم فهم لتدرك تبارك في هذه اللحظة أن سالار لم يستوعب بعد الحقيقة التي تحاول إخباره بها :
_ سالار هل سمعت ما قلت ؟!
ابتسم لها سالار يربت على رأسها بحنان :
_ نعم عزيزتي سأدعو الله في كل صلاة أن يرزقنا بطفل يمتلك مثل شعري فقط لأجلك والله، عساه يكون قريبًا .
قلبت تبارك عيونها وهي تهمس بضيق وصوت خافت شبه مسموع :
_ امممم بدائي وهيتعبنا، شكلك ملكش في أم التلميحات .
تنفست بعمق وهي تنظر في وجهه مبتسمة بضيق تضرب كف بالآخر في حركة شعبية بعض الشيء:
_ أنا حامل يا سالار اتمنى تكون الرسالة وصلت .
رمش سالار بعدم استيعاب وهو ينظر لها محاولًا ترجمة كلماتها في عقله، وهي تراقبه بصدمة لتأخر احتفالاته بالخبر المترقب :
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، ده كله وأنا بقولك بالكلام أمال لو طاوعت عقلي ولمحت ليك بالافعال هيحصل ايه؟!
وسالار فقط يراقبها دون كلمة، فقط أعين متسعة وفم فاغر :
_ يا جدع اديني ردة فعل لاغيني، اقولك حامل تقولي مش مصدق وداني، أرني الانبهار يارجل لقد قطــ....
فجأة توقفت عن الحديث وهي تبصر التماع عيون سالار بقوة وقد شعرت فجأة أن وجهه اشرق بشكل لم تبصره منذ يوم زفافهم حينما أبصرها بفستانها .
ردد كلمات غير مرتبة :
_ أنتِ ....تبارك أنتِ... تحملين... طفلي ؟!
ابتلع ريقه قبل أن ينفرج فمه عن بسمة واسعة يصيح بعدم تصديق يختطف تبارك بين ذراعيه بقوة :
_ يا ويلي تبارك سأصبح أبًا، أنا سأصبح أبًا ...
وكما حملها فجأة تركها فجأة وهو يتحرك في المكان دون استقرار وبشكل غريب جعلها تنظر له بعدم فهم ليتحرك صوب المرحاض بلهفة شديدة، وهي تتابعه بعدم فهم :
_ إلى أين سالار ؟!
_ سأقيم الليل تبارك حمدًا لله على زحام نعمه، ىا أصدق سأصبح أبًا، سأصبح أبًا .
انتفض جسده انتفاضة غير محسوسة حينما سمع صوتًا جواره يردد بهدوء :
_ سيدي لقد تجهزنا للرحيل، فقط ننتظر الملك والملكة...
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ انتهيتِ كهرمان ؟!
رفعت كهرمان عيونها صوب إيفان الذي ابتسم لها بحب يتابعها بشغف كبير، لتتحرك صوبه وهي تقول بجدية وهدوء :
_ نعم إيفان، دعنا نتحرك فكم اشتقت لسفيد، رغم حزني لترك مشكى.
_ كم أنا سعيد أن سفيد تركت مكانًا بقلبك .
_ وطني كما مشكى إيفان.
ابتسم لها بحب وهو يمد لها يده لتضع كفها به، وهو مد كفه الآخر ينزل غطاء رأسها يتحرك بها للخارج، يسير بها في ممرات القصر وهي تناظر القصر حولها بأعين مشتاقة حتى قبل الفراق .
_ تعتقد أن مشكى ستعود لما كانت عليه إيفان؟!
أجابها إيفان بهدوء شديد وهو ينظر معها لربوع القصر الذي بدا وكأنه يستعيد رونقه السابق :
_ لا أعتقد، بل أنا متأكد عزيزتي، أخوكِ عنيد ذو رأس يابسة لن يرتاح له بال حتى يفعل كما فعل سابقًا بعدما تسلّم البلاد من بعد والدك .
ابتسمت له كهرمان قبل أن تتسع بسمتها أكثر بشكل غريب تهمس له بصوت وصل واضحًا :
_ غريبة هي الحياة إيفان، منذ أشهر طويلة كنت أسير بين هذه الممرات أتأمل المكان أتخيل أن أسير بها يومًا مع زوجي الذي سيتمكن من انتزاعي من بين مخالب أخي، وتخيلت وقتها أنني سأتزوج شخصًا يشبه أرسلان فلا يفل الحديد إلا الحديد، لكن أنظر إلى ما حدث ؟؟ تزوجت نسخة معادية لنسخة أخي.
ضحك إيفان بصوت مرتفع وهو يضم كفها بحنان يداعبه بإصبعه، وهو يميل عليها هامسًا :
_ أحيانًا لا يحتاج الحديد لحديد مثله ليُفل عزيزتي، ثم كنت على استعداد لقتال أخيكِ عقود، كي أعلن انتصارًا في النهاية، وافوز بمكافأة ثمينة، وما أثمن من أميرة مشكى .
رفعت له كهرمان رأسها بتكبر ذكره بكبرياء أرسلان، ورددت بمزاح معه :
_ وملكة سفيد..
ضحك إيفان وهو يقبل كفها بحنان :
_ يليق بكِ وأكثر عزيزتي .
ابتسمت له بحب وهي تهمس بجدية وصدق :
_ صدقني إيفان، لو كنت بشخصك قد تمثلت لي في جندي بسيط حتى، لحاربت كذلك لأجلك، لا يعنيني المكانة التي سأنالها لزواجي بك، بقدر ما يعنيني بقائي معك .
_ أتخيل لو كنت جنديًا، ربما كان سينتهي بي الأمر مختطفًا إياك من بين براثن أخيكِ .
_ لا أعتقد أن أخي كان سيمانع حتى لو كنت جندي .
سخر منها إيفان يدرك جيدًا أن أرسلان لم يكن ليمانع زواج شقيقته بجندي لأجل مكانته، بل كان سيمانع لأجل الممانعة فقط .
_ نعم كان سيقتله فقط .
_ أنت تظلم أخي كثيرًا .
_ بل أخوكِ يظلم بلاد بشعبها عزيزتي.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس أمام السجن بهدوء شديد وهو يمسح سيفه يعطي له كامل انتباهه، رغم عيونه التي كانت تخونه وتتحرك صوب تلك المرأة التي تتحرك في السجن أمامه بشكل غريب .
قبل أن تتوقف وهي تنظر له ثواني تقترب من القضبان تهمس بصوت غريب :
_ تعتقد أن قضبان السجن هذه ستكون رادعًا لي ؟؟ هل تمزح معي أرسلان ؟؟ أنا قضيت خلف القضبان أكثر مما قضيت في منزلي.
رفع لها أرسلان عيونه مبتسمًا :
_ لا بأس إذن بقضاء ساعات اضافية من حياتك خلفها.
استشاطت سلمى من طريقته في معاقبتها، ضربت القضبان بغضب شديد وهي تصرخ بغيظ منه :
_ أنت يا رجل مستفز و...أخرجني من هنا أرسلان وإلا لا تلومن إلا نفسك .
نظر لها بسخرية :
_ وإلا ماذا ؟؟ هل هددتني للتو سلمى ؟!
نظرت له دون رد، ثم تحركت بهدوء في المكان تراقبه بنظرات لم تخفى على أرسلان الذي انتفض جسده فجأة حينما أبصرها تخلع حجابها تحرر خصلاتها، ومن ثم فرشته ارضًا، وجلست عليه بهدوء شديد.
بينما هو نهض عن المقعد يقترب منها محذرًا :
_ ما الذي تفعلينه ؟؟ ارتدي حجابك سلمى .
_ الجو خانق هنا .
نظر أرسلان حوله بضيق شديد :
_ ليس كذلك، ارتدي حجابك فلا يمكنك خلعه خارج غرفتك .
نظرت له سلمى ببسمة صغيرة :
_ بلى يمكنني، للتو فعلت ألم ترى ؟! ثم ألم تفرغ لي السجن للحصول على خدمة عالية المستوى، إذن لا بأس.
مسح أرسلان وجهه ولم يكد يفتح فمه للتحدث حتى تكلمت سلمى بجدية كبيرة وهي تنظر له ببراءة :
_ آه منك يا أرسلان أعدت لي ذكريات عديدة جميلة بين جدران سجنك هذا .
نظر لها أرسلان بعدم فهم ولم يكد يعلق على كلماتها، حتى فجأة انتفض عن مكانه حينما خلعت معطفها تضعه جانبها وقد ظلت مرتدية ثوب بلا أكمام لكن الحمدلله كانت تغطي سرتها هذه المرة.
ألقت المعطف جوارها تحت أعين أرسلان الذي انتفض عن مقعده يتحرك صوبها بخطوات مهرولة صارخًا بصدمة وهو ينظر حوله :
_ ما الذي تفعلينه أنتِ، هل جننتي ؟! ارتدي هذا الـ...ارتديه سلمى .
استند على القضبان وهو يراقبها تستند بدورها على الجدار خلفها، تتنهد بحنين وتتحدث دون اهتمام باشتعال أرسلان في الخارج :
_ اه يا آرس من هذه الأيام، كنت أدخل السجن لتهتز الأرض من اسفلي، أدخل على المريض من هنا فتبدأ أقدامه بالارتعاش من هنا، أتدري في إحدى المرات حينما كنت أعالج أحد المسجونين فجأة نطق بغضب ..
_ أنتِ يا امرأة ارتدي معطفك هذا .
_ لا لم يقل هذا، بل قال أنه لولا أنني جميلة لكان تخلص مني و...
قاطعها أرسلان وهو يندفع صوب القضبان يمد يده وهو يصرخ بجنون وقد اشتعل جنونه وهو يتخيل أحدهم يجلس أمام زوجته ويغازلها بهذا الشكل :
_ أنـــــــتِ ...أنــــتِ يا امرأة...سأقتلك، سأقتلــــــك...
نظرت له بهدوء وهي تبتسم بقلة حيلة :
_ تقتلني كيف من خلف القضبان ؟!
اخرج أرسلان المفتاح من جيبه وهو يفتح السجن ويندفع داخله بشكل جعل سلمى تتحرك بسرعة وهي تركض بعيدًا عن عيونه تهرول في أنحاء السجن وهي تصرخ وهو خلفها يصرخ بغضب بدوره، حتى أمسكها ولم يكد يفعل لها شيئًا حتى صُدم لها تعضه بقوة، ومن ثم استغلت صدمته تركض صوب باب السجن تخرج منه جاذبة الباب خلفها واغلقته بسرعة مبتسمة بسمة واسعة وهي تنزع المفاتيح من الباب .
_ آه منه الزمان مولاي، آه منه، والآن...
سحبت المقعد تجذبه أكثر للقضبان تجلس أمامه وهي تضع قدم فوق الأخرى، تنظر له بهدوء ومن ثم أبعدت خصلاتها للخلف:
_ والآن سيد أرسلان أخبرني ألا تغرنك حياة الهدوء بعيدًا عن الصراخ .
وعكس ما توقعت أسود وجه أرسلان بشكل مريب وهو يقترب من القضبان بخطوات رشيقة يقف خلفه وهو يميل برأسه لها مبتسمًا بسمة خطيرة وكأنه يجاريها:
_ وهل سألقاكِ في تلك الحياة الهادئة سيدتي ؟؟
ارتفع حاجب سلمى وهي تبتسم له بسمة مماثلة :
_في جميع حيواتك مولاي ستكون مضطرًا للتعامل مع امرأة تسمى سلمى.
_ ما تصفينه الآن سيدتي ليس اضطرارًا، وجودك حاجة سليمى .
اتسعت بسمتها وهي تضع قدمًا فوق الأخرى، تراقبه ببسمة وهو يتابعها برأس مرفوعة يقف بكل قوته داخل السجن دون أن تهتز له عضلة، وربما سيكون غريبًا، لكن في هذه اللحظة كان أرسلان مثير خلف القضبان بهذه الوقفة القوية والملامح الحادة .
تقسم أنه لو كان في عالمها كان سيكون رجل عصابات يُهاب، أو ربما رجل اعمال في غاية الذكاء .
ونعم كانت امرأة محظوظة لتحظى برجل مثل أرسلان، اقتربت من القضبان وكل خطوة تقربها أكثر منه حتى أصبحت أمامه:
_ لم تجب سؤالي بعد جلالة الملك، متى تكتفي من حياة الصخب هذه وتقرر الإنضمام لي في حياة هادئة؟؟
نظر لها أرسلان طويلًا ولم يجبها لتشعر أنها تنتظر مستحيلًا منه، تنفست بضيق وهي تبتعد عنه، لكن ما كادت تفعل حتى شعرت بيد أرسلان تقيدها جواره يجذب جسدها صوب القضبان يهمس لها بصوت خافت :
_ يمكنني التخلي عنه لأجلك سلمى، إن كان الصراخ يزعجك لهذه الدرجة سأكمل حياتي اهمس، لكن أبعد من رغبتك هذه لن احقق .
_ ليس فقط الصراخ أرسلان، بل كذلك الظلام الذي يبتلعك .
ابتسم لها بسمة غريبة وهو يميل على أذنها هامسًا :
_ ليس الظلام هو من يبتلعني عزيزتي، بل أنا من أجبر الظلام على أن يحيطني .
رفعت عيونها له وقد شعرت بالاختناق من جملته :
_ وهذه ليست حياة أتمناها أرسلان.
_ لكنها حياتك في النهاية، سواء قبلتي أو ابيتي سلمى .
_ لا شيء يُفرض عليّ جلالة الملك .
فجأة تركها أرسلان بشكل مفاجئ يحرك المفاتيح أمامها بهدوء يتحرك صوب الارضية يلتقط معطفها وحجابها، ومن بعدها توجه صوب الباب يفتح القضبان بكل بساطة، ومن ثم خرج منها، يقترب منها، ودون كلمة جعلها ترتدي المعطف ومن ثم رفع الحجاب يضعه فوق رأسها بشكل مرتب .
_ لا بأس احيانًا تفرض علينا الحياة ما لا نرتضيه .
ختم جملته يقبض على يدها بحنان مناقض لكلماته ومن ثم تحرك بها خارج المكان وهي تسير خلفه تنظر لظهره بإصرار أكبر تهمس بكلمات غير مسموعة :
_ لكنني من الحياة لم ارتضي بسواك أرسلان....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت خلف والدها وهي تخفي وجهها خلف الغطاء الخاص به، لتتوقف مع والدها أمامه، شبيه الغائب الحاضر في ذهنها .
نزار كبير رغم اختلاف الطباع، لكن تجمعهما الملامح .
_ سأشتاق لك أيها العجوز، عسى أن ننتهي من هذه لتعود سهراتنا الجميلة .
ابتسم له بارق وهو يتحرك ليضمه له بحب :
_ لنا لقاء قريب آزار.
ضمه آزار بحب شديد قبل أن يربت على ظهره بارق بجدية :
_ أسحب رجالك من بلادي آزار فقد عدت وانتهينا .
_ حدث قبل أن تطلب أخي.
ابتسم له بارق بسمة صغيرة وهو يبتعد عنه، لينظر آزار صوب توبة بأعين أخرى، يراقب الفتاة التي يدرك يقينًا أنها سلبت لبّ ابنه وجعلته مجنونًا هائمًا يبحث عنها في جميع الاوجه .
_ في النهاية أحسن الاختيار .
نظرت له توبة بعدم فهم ليبتسم لها آزار بهدوء :
_ سعيد لرؤيتك بخير يا ابنتي، كوني دائمًا ولنا لقاء قريب جدًا عساه يكون كما نتمنى جميعًا.
زفر بارق بضيق وهو يرفض عرض الأمر في الوقت الحالي على ابنته، لكن يبدو أن ابنته لم تهتم سوى للحديث الودي مع الملك آزار والذي قررت استغلاله اسوء استغلال وهي تهمس بجدية :
_ ملك آزار، بخصوص ...بخصوص الأمير نزار .
نظر لها آزار باهتمام، لتحيد هي بنظرها سريعًا صوب والدها خجلة، ومن ثم نظرت ارضًا تفرك يديها :
_ لطالما كنت مثله الأعلى، ولطالما أحبك، كان على استعداد للتضحية بنفسه فداءً لنظرة فخر منك .
أبعد آزار عيونه عنها، بينما هي ابتسمت بسمة صغيرة تكمل همسها بنبرة خجلة :
_ هو يحبك فلا تقسو عليه رجاءً.
اخفى آزار بسمته وهو يسمع نبرتها التي فشلت في إخفاء نبرتها العاشقة بها، يهمس لنفسه :
_ واخيرًا سينال ولدي حبًا يستحقه، عساها تكون فرحة العمر صغيري.
تنهد بصوت مرتفع وهو ينظر لها بحب أبوي:
_ ليقدم الله الخير يا ابنتي .
نظر حوله يبصر موكب سفيد وقد تجهز وقد بدا أن الحميع يهجر مشكى، كلٌ لبلاده قبل التجمع مجددًا .
_ أين هو أرسلان ليس ظاهرًا في المكان، هل يترفع عن توديعنا، ذلك المتكبر .
_ والله أن شدة تواضعي معكم أيها العجوز هو ما جعلك تطمع في المزيد، ولولا أنني لم اتفرغ لنفذت لك وعدي بقتالٍ، لكن ساعتك لم تحن بعد .
رفع الجميع رؤوسهم صوب أرسلان الذي تحرك للساحة مع زوجته والتي كانت قد ارتدت فستان طويل تخفي وجهها خلف الغطاء .
اقترب أرسلان من الجميع مبتسمًا وهو يودعهم بأحضان لطيفة:
_ تصحبكم السلامة مولاي، عساني ألقاكم بالخير دائمًا .
ضمه آزار بحب شديد وهو يربت على كتفه بحنان يهمس داخل أذنه بصوت خافت :
_ كن بخير واعتني بزوجتك، وانتبه لها يا بني فقد اصبحت روحك معلقة بها، نصيحة من شخص عاش حياته متمردًا على الحياة قبل أن تأتي من تخضعه دون رغبته .
ختم حديثه يغمز له، ليتحرك أرسلان بعيونه صوب سلمى التي بدأت تودع تبارك التي نزلت من الهودج لتودعها بعدما رحلت دون الجلوس معها مرة واحدة حتى، وكهرمان التي أخذت توصيها صبرًا بأخيها، ليشرد بها دون شعور يبتسم، قبل أن يسمع صوتًا خلفه :
_ آه منه الحب يا أخي انظر ماذا فعل برجال أشداء، أنه لأمرٍ عسر ها ؟!
استدار أرسلان صوب سالار الذي اقترب منه يضمه لأحضانه، يربت عليه بقوة وحنان :
_ احفظ لسانك وأحسن التصرف اخي، فلن نجد في هذا العالم امرأة أخرى تتحملك .
رفع أرسلان حاجبه وكبت جملة في عقله " ومن أخبرك أنني سأقبل بأي امرأة أخرى ؟؟" لكنه ترفع عن التحدث بهذه الكلمات أمام أحدهم، يبتسم له بسمة صغيرة قبل أن ينتقل لتوديع بارق، ومن ثم واخيرًا إيفان الذي أخذ يوصيه كما الجميع بأن يحسن التصرف .
زفر أرسلان بضيق :
_ ما بالكم جميعًا تتحدثون كما لو أنكم تتركون طفل صغير لا يحسن التصرف، ما بالكم أنتم ؟!
_ هذا لأننا نعلمك جيدًا أرسلان، ونعلم ما تفعله في الجميع حولك، لذت نوصيك أن تهدأ وتتعامل بتريث .
ابتسم أرسلان بسخرية وهو يتذكر ما فعلت به سلمى منذ ثواني، يسخر منهم وهو يردد بصوت خافت :
_ والله المفترض أن توصونها هي وليس أنا، لا ينقصني سوى أن اعامل كالصغار .
ابتسم سالار يتحدث بهدوء :
_ والله اكسبني التعامل معك خبرة ستعينني على تربية صغيري القادم .
التوى ثغر أرسلان بضيق ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع الجميع جملة إيفان والذي التقط المعنى المبطن بها :
_ صغيرك القادم ؟؟؟
عند الفتيات :
_ آسفة عزيزتي المرة القادمة تكون زفافك إن شاء الله وحينها لكِ مني وعدًا بقضاء اسبوع كامل معكن .
ربتت عليها سلمى بحنان :
_ لا بأس تبارك، مبارك لكِ عزيزتي عسى أن ينشأ الصغير بعافية وسعادة حبيبتي .
تحدثت كهرمان وهي تمسك يد سلمى برجاء :
_ سلمى حبيبتي لن اوصيكِ أخي، تحمليه وصدقيني ستجدين خلف الصخور جوهرة لا تقدر بثمن .
ابتسمت لها سلمى تربت على كتفها :
_ لا تقلقي عزيزتي اعتدت نحت الصخور، واخوكِ صوان وليس صخرة، لكن لا بأس نحن أهل لها .
فجأة وقبل أن يتحدث أحدهم انتفضت الأجساد على صرخات الرجال المهللة لينظر الجميع لهم بعدم فهم، لكن تبارك لمحت احتفالهم بسالار لتبتسم بفهم
ثواني وارتفعت اصوات الاستعداد للتحرك وتوجهت النساء للموكب وبقيت سلمى واقفة عند البوابة تودعهن بنظرات لطيفة تشعر بالفراغ يبدأ في احتلال صدرها بعد رحيلهن وقد اعتادت وجودهن.
والآن هي وحدها بلا رفقة، وفاطمة مختفية ولا أحد يساعد ...
وعلى ذكر فاطمة استدارت صوب أرسلان تنظر له باهتمام تتحدث بلا مقدمات :
_ أرسلان لقد اختفت فاطمة........
ــــــــــــــــــــــــــ
يقف على باب الغرفة يراقب الرجال الثلاثة يرفعون خناجرهم على الإثنين الآخرين وامامهم تيم يظهر لهم خضوعًا مصطنعًا، كي لا يتسبب في أذية أحدهم.
كشفوا نفسهم حينما اشتد بهم الخوف، ومنذ متى كان الأمن رفيقهم، فهؤلاء من المرتدة والمنبوذين كُتب عليهم التشتت والخوف أبد الدهر .
أشار أحدهم بعيونه صوب يد المعتصم التي كانت على وشك استلال خنجره، ليرفع الأخير يده في الهواء مبتسمًا .
بينما تحدث أحد الرجال وهو يشير بحنجره محذرًا ونبرته خرجت مهتزة بشكل واضح وقد أعلنوا هزيمة مبكرة قبل حتى بدء المعركة، ألقوا الأسلحة قبل أن يحملوها :
_ ابتعدوا عن الباب الآن، دعوا لنا مساحة للذهاب من هنا، هيا ابتعدوا..
أبتعد المعتصم عن الباب بسرعة مشيرًا لزيان بالمثل، ومن ثم أشار لهم بهدوء ليخرجوا مبتسمًا بسخرية :
_ ومن اجبركم على المجئ منذ البداية ؟! أنتم من جئتمونا دون دعوة من طرفنا، لكن لا بأس، هيا يمكنك المغادرة.
سحب الرجل رهينته بين يديه أكثر وهو يتحرك به صوب الباب وعيونه تطلق مئات التحذيرات للمعتصم :
_ لا يتحركن أحدكم مقدار خطوة واحدة حتى نخرج نحن من هنا.
وصل للباب أخيرًا وقد كاد يتنفس الصعداء متحدثًا بجدية :
_ أنا احذركـــ....
وقبل إكمال جملته كان زيان يمد قدمه بهدوء ومازالت يده مرفوعة في الهواء، يراقبهم يتساقطون فوق بعضهم البعض بشكل مضحك وقد ارتسمت بسمة مستهزئة على شفتيه .
بينما المعتصم مال يسحب منهم السلاح، ومن ثم رفعه عليهم يتحدث بنبرة مخيفة وبأعين سوداوية :
_ والآن تحركوا امامي بلا كلمة واحدة .
نظر الرجال لبعضهم البعض بتردد وقد بلغ الخوف منهم مبلغه، ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة واحدة حتى انتفضت الأجساد على هدير المعتصم وهو يضرب أحدهم في خصره :
_ قولت تحركـــــــــوا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقف بعيدًا عن الأعين يراقب القاصي والداني لا يدع أي شخص يتخطى مجال الرؤية أمامه، يتابع الجميع بأعين دقيقة وبالأخص العزيز أصلان والذي كان سيد اهتمامه في هذه اللحظة.
يراقبه وهو يتمرن بقوة تمارين قاسية وبالمثل يفعل بجنوده حوله، وعقل نزار يكاد يتوقف محاولًا الوصول لخطته اللعينة التي تقبع في عقله .
لكن لا شيء، طوال الساعات السابقة لم يصل لشيء سوى أنه وبفضله فسيتعين على الممالك مواجهة مريض كأصلان بخطة لا يعلمون عنها شيئًا .
فجأة رفع أصلان عيونه وكأنه شعر أنه مراقب، لكن وعلى عكس المتوقع لم تهتز شعرة واحدة لنزار وكأنه لا يهتم إن أمسك به أصلان يراقبه أو لا .
اتسعت بسمة أصلان وهو يعتدل وقد كان جسده ممتلئًا بالعرق يجففه بهدوء ومن ثم تحدث بصوت وصل لنزار واضحًا :
_ لطالما عرفنا أن القتال لأصحابه والتخاذل لأصحابه، فالبعض لا يستطيعون شيء سوى خلط بعض الأعشاب وطحن بعض النباتات .
ارتفع حاجب نزار بسخرية وهو يتحدث بصوت ساخر يماثل سخرية أصلان يتحرك صوب الساحة يشمر أمامه بهدوء، ومن ثم حمل أحد السيوف يحرك بين أنامله بمهارة عالية :
_ قوى الجسد فانية يا عزيزي بمجرد ميكروب صغير قد يطيح بها، لكن قوى العقل باقية حتى تفنى روحك، فما بالك بمن امتلك كليهما ؟؟
جذب أصلان سيف بقوة من مكانه يطيل النظر بنزار الذي حرك إصبعه بخفة على السيف وكأنه يختبر مقدار حديته، ومن ثم رفع عيونه صوب أصلان فجأة:
_ ما رأيك إذن أن تجرب مبارزة يد طاحن النباتات ؟؟
رفع أصلان السيف في الهواء يتخذ وضعية القتال متحفزًا لكل حركة، وفي ثواني لم يدرك أحدهم ما يحدث حتى، أشتعل القتال بينهما وقد بدأت الأجساد تبتعد بريبة عن ساحة التدريب التي تحولت في ثواني لمعركة حامية بين نزار قائد جيوش آبى وربيب يد الملك آزار، واصلان القائد السابق لجيوش سبز وربيب يد أحد المزارعين .
أخذ الضربات تتقاذف من هذا لذاك والاعين تراقب باتساع وحماس شديد، حتى كادت تخرج من المحاجر .
حرك نزار السيف بين يديه بمهارة شديدة، قبل أن يهوى بضربة لولا انتباه أصلان لكانت جزت عنقه، لذا فقط أصابته ضربة في كتفه .
تراجع أصلان للخلف وهو ينظر للدماء التي تفجرت من ذراعه وقد اشتعلت عيونه، يبلل شفتيه بأعين تلتمع بالشر .
أما عن نزار فلم يضيع فرصته ليسخر منه يراقب جرحه باهتمام مصطنع :
_ اوه لست آسفًا، ذكرني أن اطحن لك بعض الاعشاب النافعة، فتلك اليد ماهرة في ذلك كما تعلم .
ختم كلماته وهو يحرك أصابعه في الهواء أمام وجه أصلان الذي ضغط على جرحه بقوة، قم رفع عيونه صوب نزار الذي حرك السيف بين أنامله بهدوء :
_ نكتفي بهذا القدر لليوم ؟!
فجأة أصابته ضربة جانبية تسببت في جرح سطحي في خصره، ليطلق ضحكة مرتفعة لا تتلائم مع ما يحدث يكمل بكل جدية :
_ حسنًا إن كنت تصر .....
ومن بعد تلك الكلمات هجم على أصلان بضربات قوية متتابعة، كان يردها الاخير بالمثل، لتشتعل المعركة بين الإثنين أكثر وأشد والجميع يتابع باعين متسعة مرتعبة مما يتنتهي عليه المعركة .
في الثانية التي وصل بها وليد ليراقب ما يحدث بصدمة كبيرة :
_ والله لن يهنأ لك بال حتى تتخلص من حياتك نزار ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
يتحرك بين ممرات القصر بملامح واجمة جامدة مخيفة وبخطوات واسعة تحرك صوب قاعة القصر، وخلفه تحاول سلمى أن تتدارك خطواته وتلحق به، لكنه لم يكن يمنحها الفرصة حتى .
دخل القاعة بقوة وهو يتحدث لجنوده بقوة وصرامة:
_ ارسلوا للمعتصم ...حــــالًا .
تحرك صوب عرشه يجلس عليه بهدوء، وسلمى وصلت وأخيرًا صوب القاعة تتنفس بصوت مرتفع وهي تحاول التقاط أنفاسها.
_ ما بك ؟! ما الذي اتفقنا عليه نحن ها ؟!
_ لم نتفق على شيء .
رفعت سلمى حاجبها بغيظ شديد وهي تهتف من أسفل أسنانها:
_ أرسلان بالله عليك، لا تصعبها علينا.
_ أنا لا افعل، بل أنتِ من تفعلين في الحقيقة، ما الصعب في تقبلي هكذا دون ارهاق نفسك بتغييري، أنا أوفر عليّ وعليكِ مجهودًا.
تنفست سلمى بصوت مرتفع وهي تغمض عيونها، ومن ثم فتحتها بهدوء شديد وهي تقف في منتصف القاعة تهتف بصوت هادئ وبسمة مسالمة:
_ لا مولاي، لن أفعل ولن اتقبلك هكذا، لن احشر نفسي في ظلامك، فلما لا تخرج أنت لنوري ؟!
أشار لها أرسلان بضيق :
_ على أي أساس تصنفين حياتي مظلمة وخاصتك مضيئة، لمَ ليس العكس ؟؟
نظرت له بصدمة من كلماته تبتسم بعدم تصديق وهي تقترب من العرش :
_ بالله عليك ما تقول ؟؟ هل تصدق نفسك حتى ؟! ماضي وحروب وسيوف ودماء وقتال من أين يأتيك النور حتى ؟!
وقف أرسلان مقابلها وكأنه يناطحها :
_ مجرمين وقتال ومعارك، من أين يأتيكِ النور حتى ؟!
نظرت له سلمى ثواني وهي تضيق عيونها بتحدي، قبل أن تهمس بصوت قوي :
_ سأثقب سقف منزلي لتدخل منه الشمس أرسلان، سأفتح به فتحة كبيرة ليخترق النور عتمتك.
_ لا بأس سيدتي يمكنني نزع السقف بأكمله لأجلك إن كان يمثل لكِ أزمة لهذه الدرجة .
صرخت سلمى بصوت مرتفع :
_ ها أنظر، أنظر إليك، دون تفكير لجأت للعنف .
_ أي عنف هذا أنا اساعدك في حل مشكلتك مع السقف .
نظرت له ببلاهة شديدة :
_ هذا ....هذا ما فهمته ؟؟ أنني أعاني مشاكل مع السقف ؟! حقًا أرسلان ؟!
هز لها أرسلان كتفه ببسمة صغيرة ولم يكد يتحدث كلمة حتى اقتحم الحارس المكان يتحدث بهدوء واحترام:
_ مولاي القائد المعتصم ليس بالقصر .
أبعد أرسلان عيونه عن سلمى يحدق في الجندي وهو يهمس ضاغطًا على أسنانه بغضب :
_ أين ذهب هذا المعتصم ؟؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يقف معهم بملامح جامدة غريبة لا تمت للمعتصم بأي صلة، يراقب ملامح حرس القصر جهة الجنوب بعدما تفرغ لتوه من التحقيق بالفعل مع كل حراس البوابات الأخرى.
_ إذن لا بد أن زوجتي العزيزة تمتلك مهارة الاختفاء، فلا واحد منكم جميعًا أبصرها تخرج من هنا، إذن لابد أنها تبخرت أو ماشابه .
نظر الحراس لبعضهم البعض وقد كان الجميع يراقب ملامح المعتصم الذي يتحدث ببساطة وبساطة كبيرة تجعلك تعتقد أنه ربما يمزح، لكنه لم يكن البتة.
فجأة انتفضت الاجساد حينما صرخ وقد فقد صوابه، يصرخ ويردد أنه لن يهتم ولتذهب للجحيم، لكنه يلحقها لذلك الجحيم إن كان سيجمعهما، يبحث عنها في جميع الطرقات الفارغة عله يصطدم بها صدفة .
_ هل أعمى الله أبصاركــــم ؟! هذه امـــــرأة... انـــسان وليست حشرة لتخرج من أسفل أقدامكم دون شعور، بالله عليـــــكم .
ختم حديثه وهو يطلق صرخة عاجزة، يعز عليه الجلوس هنا وهي الله وحده يعلم ما حدث معها، تنفس بصوت مرتفع وهو يميل مستندًا على ركبتيه يركز في الأرض أسفله وقد بدأ اليأس يتمكن منه ولولا وجوده على مرأى ومسمع من الجميع لسقط ارضًا يرثي نفسه وزوجته التي لم تحيا يومًا واحدًا سعيدًا منذ ولدتها أمها إلا يوم ولادتها نفسه .
_ آه يا فاطمة آه..
نظر له الحراس بشفقة وهم يعلمون شعور أن يقف المرء عاجزًا عن تأدية دوره في حماية من يخصه، أولم يحيوا هذا الشعور من قبل حينما سلبت البلاد من بين أيديهم دون أن يتمكنوا حتى من رفع إصبعًا ؟!
ابتلع المعتصم ريقه يحاول تمالك نفسه، ومن ثم استقام وهو ينظر لهم بجدية يحاول تنظيم أنفاسه بشكل يسمح له بإخراج كلمات متوازنة، ومن ثم مسح خصلاته وهو ينظر لهم متسائلًا وكأنه يدرس الأمور حوله :
_ العربات، هل خرجت أي عربات في ذلك الوقت ؟؟
نظر الجميع لبعضهم البعض، قبل أن يتحرك أحدهم وهو يردد بجدية وهدوء رغبة في المساعدة قد استطاعته:
_ سوف احضر الدفتر الخاص بالعربات .
نظر له المعتصم بأمل بدأ ينتعش داخل صدره ولم يكد الرجل ينتهي من جمع ما يريد المعتصم حتى وجد المعتصم أحد الرجال يهرول صوبه بسرعة :
_ سيدي أنت هنا ؟؟ الملك يبحث عنك في كل مكان .
نظر له المعتصم بأعين مخيفة بعض الشيء، ومن نظر للرجال يهتف بجدية :
_ حينما يعود رفيقكم دعوه يحضر لي كافة التفاصيل عن العربات لجميع البوابات وليس الجنوبية فقط رجاءً.
ختم حديثه وهو يتحرك بعيدًا عنهم، لكنه فجأة توقف ينظر لهم ثواني بتردد ومن ثم تحدث بجدية :
_ وأنا.... أعتذر إن تماديت في الحديث معكم .
تحرك بعد كلماته تلك صوب الملك وهو يفكر فيما سيفعل، عليه التصرف بذكاء وليس تهور، وأول تلك الخطوات ليصل لها هو معرفة كيف يمكن أن تخرج من القصر دون أن يشعر بها أحدهم ؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس مبتسمًا باتساع لا يهتم بكثرة الضربات التي تلقاها أثناء المعركة الحامية التي خاضها ضد أصلان، طالما أنه أعطى أصلان ضعف ما نال هو من ضربات .
شعور عارم بالسعادة وهو يبصره يبصق دمائه أمامه وقد بدأت عيونه تشتد وتزداد قتامة، لكن نزار فقط نظر له بابتسامة متسعة ومن ثم ألقى سيفه يتحدث بهدوء :
_ مر عليّ علني أجد لك بعض الاعشاب لتخفف من جروحك، ولا تتعرض للشمس كثيرًا فهذا سيضر بجروحك .
ختم حديثه وهو يفرد ذراعيه بهدوء شديد في الهواء مبتسمًا بسما واسعة، ومن ثم استقام يتحرك بعيدًا عنه تاركًا أصلان يصارع ارضًا بحثًا عن سيفه كي ينهض وينقض عليه .
وها هو الآن يجلس في المنزل بجروح كثيرة أمام الوليد الذي كان يتابعه بملامح مصدومة مما فعل وقد بدأ الحنق يسيطر عليه :
_ ألا يمكنك على الأقل أن تدعي الطاعة والمسالمة .
_ لا، لا يمكنني .
نفخ الوليد وهو يتحرك صوبه متحدثًا بجدية:
_ اسمعني نزار المرة السابقة كدنا نموت بسبب ما فعلنا وهذه المرة أصلان لن يهمه شيئًا، وإن كان الأمر بيده لقتلنا بالفعل، لكنني أحرص على جعله يحتفظ بنا لأطول وقت ممكن .
رفع له نزار رأسه وهو يفكر في كلماته بجدية :
_ وما المقابل يا ترى ؟؟
نظر له أصلان بعدم فهم ليهمس له نزار بسخرية وغضب من تصرفات الوليد:
_ ما مقابل احتفاظه بنا أحياء حتى الآن يا ترى ؟!
زاغت عيون الوليد وهو يحاول الابتعاد بنظره عن نزار، وقد بدأ الاخير يشعر أنه لا يخفي خيرًا له، نهض يقترب منه هامسًا بتحذير .
_ وليد لا تحترف الحقارة يا أخي فتضل وتهوى أقدامك.
نفى الوليد ما يدور في رأس نزار يهتف بجدية :
_ صدقني لا أعلم ما يخطط له، لا أعلم سوى أنه..
سينفذ ما يخطط له منتصف هذا الشهر واليوم ....لقد دعا رجاله لأجتماع ضروري اليوم وخمنت أنه قد يكشف لهم الخطوة القادمة له .
التمعت عيون نزار بقوة بينما الوليد يتابعه يدرك أن نزار يتشبث في أي حبال قد توصله للبر، يتحين الفرص ليحصل على رضى الممالك ومن بها، يعتقد أنه بتسليمه للجميع سيصل لغفرانهم أو يكفر عن ذنبه السابق .
وأد الوليد التماع عيون نزار وهو يهتف بجدية :
_ وبالطبع نحن لسنا من المدعوين على هذا الإجتماع.
نظر له نزار ثواني قبل أن يردد بجدية وبسمة واسعة:
_ من ذكر شيء عن الدعوة يا الوليد ؟؟؟؟؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس في نافذة الغرفة التي يحتلها داخل منزل أنورين وهو يرتشف بعض المشروب الدافئ الذي حصل عليه بعدما رمته ابنة انورين بشر لو خرج وتمثل على أرض الواقع لكان نيرانًا تحرق .
ابتسم دون اهتمام يتابع الطرقات الشبه فارغة أمامه بأعين شاردة بشكل واضح، ولم يستفق سوى على صوت أنورين خلفه لتنقلب ملامحه بضيق شديد :
_ ليتلطف بي الله من هذا العجوز الممل .
رسم بسمة واسعة وهو يستدير صوب انورين ولم يكد يتحدث بكلمة حتى انتفض الإثنان بشكل مرعب على أصوات صراخ قوية في الخارج وصيحات مرعبة .
انتفض انورين يخرج من منزله ركضًا صوب الصوت، بينما هو جذب وشاح يخفي ما استطاع من وجهه وهو بتحرك خلفه بسرعة .
في اللحظة التي بدأ الجميع يخرج من دياره والأصوات تعلو والصرخات تزداد قوة .
ركضت ديلارا برعب وعثمان يتسند على كل جدار يقابله وقد انفض الجميع للخارج وبدأت أصوات الصرخات تعلو من جميع المنازل تقريبًا وأحدهم يردد في منتصف الساحة كلمات غير مفهومة، يحمل بين يديه امرأة فاقدة لكل معاني الحياة يصرخ بجنون وهيستيرية مرعبة :
_ ابنتي، قتل ابنتي، من تبقى لي في الحياة استكثروها عليّ، سمموها .
بدأت الأصوات تعلو من حوله والكثير يسقط ارضًا وكأن وباء انتشر فجأة بين الشعب، حتى أن البعض بدأ يبتعد عن المصابين برعب .
الزعر انتشر بين الشعب والكل يصرخ ويستغيث للمساعدة، ولا أحد بجيب خوف الاقتراب والإصابة بذات الوباء .
أنمار فقط يراقب ما يحدث بعدم فهم، يشعر بالريبة والتي تأكدت حينما سمع صوت ينطلق من بين الجموع الغفيرة:
_ كل هذا بسبب الغلال التي وزعها الملك على الجميع، أراد التخلص منا ليخفف من مسؤولياته، والله قلت أنه لا يفعل شيئًا لوجه الله، والده وتخلص منه لأجل الملك فما يضيره ببعض الفقراء مثلكم لن يمثلوا سوى المزيد من الأعباء على مملكته.
صمت لينطلق صوتًا جهورًا منه وهو يضيف على جملته السابقة بكل غضب :
_ لا عجب أن يستغل ضعفكم وصمتكم ويقتل المزيد منكم حتى يحصل على شهيد من كل بيت .
كان الرجل يتحدث بكل قهر وقد أحمر وجهه، بينما الجميع نظر له باستنكار رافضين تصديق ما يهزي به هذا الرجل، لكن البعض من أتباعه بدأ يسانده في كلماته ويشعلون الفتنة، والبعض ممن غلبهم الشيطان انقادوا خلفه وقد اشتعلت أعينهم بالقهر والحسرة يصرخون بالقصاص ممن كان سبب فقدانهم احبتهم.
وأنمار يراقب الرجل الذي اشعل الفتنة منذ البداية يحاول تذكر أين ابصره قبل أن تتضح له ملامحه ليهمس بصدمة :
_ حربيّ ؟؟
فجاة بدأت بسمة واسعة ترتسم على فمه وهو يراقب ما حوله وقد اندفع عدد لا بأس به من الشعب ورجال أصلان صوب القصر غاضبين مستنفرين .
بينما ظل الكثير ممن احتفظ بعقله يراقبون ما يحدث بعدم تصديق يحاولون قمع رؤوس الفتنة، لكن الفتنة كانت أشد وطأة، وكانت لها اليد العليا هذه المرة.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ طلبتني مولاي ؟!
_ سيد المعتصم حمدًا لله أنك أنرت القاعة بطلتك، أرسلت القاصي والداني للبحث عنك، على حد علمي كانت زوجتك هي الضائعة ولست أنت.
رفع له المعتصم عيونه وقد اشتدت ملامحه شرًا يحاول الحديث بكلمة، لكن أرسلان رمقه بنظرات حادة يتحدث بنبرة ساخرة سوداوية وهو ينظر بطرف عيونه صوب سلمى التي كانت تراقب ما يحدث دون تدخل :
_ جلالة الملكة هلّا تركتينا بمفردنا رجاءً، فهناك كلمات لا أحبذ اطلاقها على مسامعك .
فتح المعتصم عيونه بصدمة كبيرة، ليس من جملة أرسلان التي أطلقها منذ ثواني، بل من سلمى التي تحركت صوبه تهمس له بكلمات جعلت وجه الأخير يشتد غضبًا بشكل مريب .
ومن ثم ابتعدت عنه تبتسم برقة لا تناسب ملامح أرسلان التي تبعت جملتها، أما عن أرسلان نظر لها بأعين أشد شراسة مما كان ينظر للمعتصم منذ ثواني يهمس لها بصوت وصلها هي دون غيرها :
_ أنتِ يا امرأة تحتاجين لجلسة تأديب مكثفة..
ابتسمت له سلمى وهي تضرب كتفه بخفة ممازحة، تنبث بجدية كبيرة:
_ موعدنا في السجن مولاي، اسمح لي بالرحيل .
رمقها أرسلان بسخرية لاذعة وهي تميل لتحمل طرف فستانها برقي، ومن ثم استقامت تتحرك للخارج قبل أن تتوقف بهدوء تستدير نصف استدارة وبنبرة جادة اردفت:
_ وتذكر ما قلته مولاي، اسمحا لي بالانصراف..
تحركت خارج القاعة تاركة المعتصم يراقب ما يحدث بعدم فهم وصدمة من صمت أرسلان أمام زوجته ووداعته الظاهرة هذه .
لكن بمجرد أن خرجت سلمى من مجال رؤية أرسلان حتى اشتدت ملامحه وعلت الجدية وجهه :
_ والآن سيد المعتصم شرفني بما لديك.
حاول المعتصم أن يستوعب ما يدور حوله ينظر صوب أرسلان الذي هبط عن مقعده يتحرك نحوه، والأخير يتابعه بترقب وكأنه ينتظر قدره .
وحينما توقف أمامه تحدث بجدية :
_ أتراني احمقًا يا المعتصم ؟؟
اتسعت عيون المعتصم بقوة وهو يسارع لنفي حديثه بكلمات متلهفة:
_ العفو مولاي، من يقول هذا ؟!
_ افعالك يالمعتصم، أن يختفي أحد أفراد شعبي ولا يتم إعلامي بالأمر لهو استهزاء بي.
_ أنا....
صمت المعتصم بعجز وقد احتار في التحدث بما يعلم فهل يخبره بشكه الأول أنها سارت خلف عقلها وربما لا يكون الأمر اختطاف، أو يكتم علة زوجته بينه وبين نفسه، وقد أبت نفسه بالفعل أن يتحدث فيما يخص حالتها مع أحدهم.
رفع عيونه له وقد اشتعلت بغضب شديد يحاول أن يتحدث بكلمات مرتبة لا تتسبب في إطاحة رأسه بغضبٍ من أرسلان.
_ مولاي الأمر وما فيه أنه.....
فجأة اقتحم أحد الجنود المكان وهو يتحدث بسرعة كبيرة معتذرًا :
_ مولاي أعتذر عن المقاطعة لكن هناك ما يجب أن تعلمه .
نظر له أرسلان بترقب وهو يحاول معرفة ما يريد، لكن فجأة سقطت الصاعقة أعلى رأسه حينما هتف الرجل بصوت مرتجف بعض الشيء :
_ هناك حشود من الشعب تقف أمام القصر تطالب بــ...بـ
_ بماذا يا بني تحدث .
كانت كلمات هادئة باردة لا تحمل أي ذرة مشاعر وهو يدرك أن القادم لن يسره بأي شكل من الاشكال وقد صدق حدسه حينما سمع الجندي يكمل بأعين ملتاعة :
_ رحيلك .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واشتعلت الحرب ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رحمة نبيل
#السابع_والثلاثون | علام ضاع العمر يا ولدي ؟|
«يترُكُ المرءُ
جُزءاً مِنهُ ثمنَ كُلِّ تجربة،
لِذا يحنّ حينَ ينظُرُ إلى صورِ الطّفولةِ،
حينَ كانَ إنساناً كامِلاً»
**********
الفصل إهداء للجميلة Nody Mohamed بمناسبة يوم ميلادها، عساه يكون سعيدًا كما المتبقي من حياتك جميلتي...
قبل القراءة صلوا على نبي الرحمة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك بخطوات قوية عكس انهياره الداخلي، يسير رافعًا رأسه دون أن ينحني ولو لثانية واحدة حتى .
ما تزال كلمات الجندي يرن صداها بقوة داخل أذنه، شعبه الذي ضحى بحياته بأكملها وافنى عمره لأجلهم وذاق من الأهوال ما تشيب له الرؤوس لأجل مصلحتهم، يطالبه الآن بالرحيل .
ارتسمت بسمة غريبة على فمه، بسمة جانبية ساخرة وهو يتحرك صوب بوابة القصر دون أن يفكر ثانية واحدة، كان جنوده يحيطون به خوفًا أن يؤذيه أحد الرجال في الخارج تحت وطأه غضبهم .
لكن أرسلان فقط منعهم رافعًا كفه لهم، يشير لهم بعيونه لفتح الباب.
بدأت البوابة تُفتح شيئًا بشيء كاشفة عن جموع غاضبة، واعين تكن له من الكره ما ينافس ولائهم سابقًا، راقبهم بملامح جامد واعين مختنقة وسؤال واحد لا ينفك يتردد بأذنه في هذه اللحظة ..
" علام ضاع العمر يا ولدي ؟؟"
لا شيء ....
ابتسم بسمة صغيرة يواجه بها الحشود أمامه وهو يرحب بهم بهدوء وتماسك يُحسد عليه رغم تعجبه النظرات وكأنه يقف أمام غرباء وليس أمام شعبه الذين يعلمهم تمام العلم:
_ شعبي العزيز، طلبتم لقائي، وأنا لبيت النداء، أوامركم للعبد الفقير إلى الله ...
وكلمة واحدة انطلقت من فم أحد الرجال لتصيب صدر أرسلان في منتصف قلبه بالتحديد " أرحل من هنا "
حرك أرسلان عيونه بينهم وقد بدأ البعض منهم يكرر الكلمة بلا هوادة، وكأنهم مبرمجين على تلك الكلمة، منحهم بسمة صغيرة، وهو يرفع يده بكل هدوء يفك عقد معطفه الملكي ليتدحرج ارضًا أسفل أقدامه، ومن ثم رفع لهم كفيه في الهواء :
_ لا بأس لكم ما تريدون، بالتوفيق في إحياء مشكى .
ختم كلماته بكل بساطة وهو يتحرك تاركًا الجميع في صدمتهم من سهولة فعلته وكأن لا شيء يعنيه، وفي الواقع أرسلان في هذه اللحظة لم يكن يعنيه شيء، سبق وبذل الكثير وجزاؤه .....لا شيء.
تابع المعتصم ما يحدث بوجه شاحب وقد شعر بأن ضربات قلبه كادت تتوقف، وقد أسود المستقبل فجأة أمام عيونه يبصر دمار وخراب البلاد من بعد أرسلان، فإن كان هناك سبب من بعد رحمة الله بهم أن تبقى البلاد قائمة حتى هذه اللحظة، فهو وجود ملك كأرسلان ينحت الجبال بكفيه لأجلها.
نظر صوب أرسلان وهو يتحرك صوبه بسرعة يلتقط معطفه عن الارض يلحقه كي يمنعه ما يفكر به، حتى لو وصل به الأمر ليتوسله أمام الجميع.
أما عن أرسلان لم يكد يتحرك داخل القصر حتى صاح أحد الرجال بصوت مرتفع مقهور وكأنه ابى أن تنتهي هذه المسرحية بهكذا مشهد ختامي بسيط، إذ بدا أن أمله في الدمار كان أكبر مما حدث:
_ بهذه البساطة مولاي، بعدما تخلصت من اطفالنا؟؟
توقفت أقدام أرسلان وهو يضيق ما بين حاجبيه بعدم فهم يستدير لهم يحاول معرفة ما يقصده، ليصرخ بوجهه أحدهم بجنون :
_ ترسل لنا غلال مسممة للتخلص منا وتخفيف مسؤولياتك ؟؟ أنت أكثر ملوك هذا العالم حقارة .
_ خســــــئـــــــت أنـــــت وكل من تجرأ ونطـــق بكلمة سوء في حق الملك .
ولم تكن تلك الجملة صادرة من فم أرسلان الذي كان يتابع ما يحدث بصدمة دون القدرة على الرد حتى، بل صدرت من سلمى والتي أبصرت كل شيء من شرفتها تهرول صوب بوابة القصر تصرخ في وجوههم وقد فاض بها الكيل من هؤلاء البشر والذين كلما ضاقت بهم الحياة ألقوا بمصائبهم على أكتاف أرسلان.
_ الأ لعنة الله على عديمي الفائدة الذين كلما أصابتهم وخزة شوكة ركضوا يبكون أن الملك هو من نثر الأشواك في طريقهم ؟! هل تصدقون الهراء الذي تتفوهون به أيها الحمقى .
نظر لها أرسلان بصدمة ومازال ما سمعه يعقد لسانه ويلجمه عن الرد، وكل ما يدور في عقله هو مصيبة تسمم الغلال...
ارتفع صوت سلمى وهي تتقدم أرسلان تدافع عنه أمام الجميع بقهر وغضب جحيمي وهي تتذكر ما تعرض له في طفولته لأجلهم ولأجل البلاد، القهر كان يشتعل داخلها أكثر وأكثر حتى شعرت بعدم قدرتها على الصراخ بصوت مرتفع أكثر:
_ يسمم الغلال ؟؟ بالله عليكم من الوسخ الغبي الحقير الذي اقترح هذه الافكار الحمقاء ؟؟ يسمم غذاء تعب في زراعته شهور لأجل التخلص من بعض الاغبياء مثلكم ؟!
صمت الجميع وعم صمت قاتل بينهم بعد كلمات سلمى القاسية، والأخيرة لم تكتفي وهي تشير حولها على الجنود والذين كانوا متحفزين بشكل مخيف :
_ كان من الأوفر له أن يأمر رجاله بقتلكم ولم يكن سيكلفه الأمر سوى بعض مساحيق التنظيف لمسح دمائكم عن السيوف، لكن أن يسمم الغلال ؟؟ من صاحب هذه الفكرة الحمقاء ها ؟؟
كان أرسلان في هذه اللحظة ورغم كل ما يدور داخل عقله، لا يستطيع التغاضي عن دفاعها المستميت عنه في هذا الوقت، ربما كانت المرة الأولى التي يمثل بها أحدهم خط دفاع له وهو من أعتاد أن يكون كذلك لجميع من حوله .
لكن سلمى كانت تنظر للجميع بتحذير وهي تحرك إصبعها في وجهها:
_ تحلوا ببعض التعقل وابحثوا حولكم عمن يمكن أن يفعل ذلك بكم، فلو كان الملك يريد التخلص منكم، فما غايته من إعمار البلاد إن كان سيبيد شعبها؟؟ يورثها لأبنائه ؟؟
نظر الجميع لبعضهم البعض وقد بدأ حربيّ يشير لرجاله بالأنسحاب من بين الجميع، تحت أعين أنمار والذي كان يتخفى بين الحشود يراقب ما يحدث يبحث عن فرصته لدخول القصر .
أما عن سلمى ابتسمت بسخرية :
_ والله لو كان بيدي، لحكمت أنا البلاد وسيكون أول قرار أصدره هو أن يتم تقطعـ
وقبل إكمال كلماتها سحبها أرسلان بسرعة يدفن رأسها في صدره يمنعها من إكمال كلماتها هامسًا بتحذير:
_ اشش لا تزيدي من الطين بلة يا امرأة .
حاولت أن تبعد رأسها عن صدره بصعوبة، بينما هو ضغط عليها حتى كاد يخنقها يحذرها بصوت هامس:
_ لنا حساب لاحقًا سليمى، دعيني ألملم مصائبي ومن ثم اتفرغ لأكبرهن...
ختم كلماته وهو ينظر لها بحدة مصطنعة تتوارى خلفها نظرات امتنان وسعادة خفية لدفاعها عنه، يرفع عيونه للجميع وقبل التحدث وصله صوت أحدهم وهو يهتف بسخرية :
_ الملك لا يستطيع الرد لا هو ولا جنوده فيصدر امرأته المشهد تدافع عنه و...
_ جلالــــــة الملكــــــة .
كانت كلمة حادة خرجت من أرسلان الذي جذب جسد سلمى بقوة يخفيها خلفه وهو يمنعها عن أعين الجميع يتحدث بصوت جهوري كي يصل للجميع:
_ سماحي لكم بقول ما تريدون منذ دقائق ورضوخي لرغبتكم بتركي العرش، لا يعني أنني سأصمت على حرفٍ يقال في حق امرأتي، أسامح في عرش مشكى وحكمها ولا أسامح في حق زوجتي ولو بنظرة.
صمت يدير عيونه بين الجميع كي يتأكد أن رسالته قد وصل للجميع:
_ اقطعه أربًا لمن يفعل ولن تأخذني به رحمة، قد أتجاوز عن حقي، لكن حق زوجتي انتزعه من أعينكم.
ختم كلماته بشراسة ومن ثم ابتسم لهم وهو يجيب سؤال الرجل :
_ ومن ثم ردًا على سؤالك، فما كان رد جلالة الملكة عليكم تصديرًا للنساء نيابة عني، فلساني كالسوط اجلد به من يقترب مني ولله الحمد، لكنني في العادة اترفع عن التُرهات، وزوجتي العزيزة لا يهون عليها أن تسمع هذه الحماقات عني وتصمت فهي مخلصة لزوجها، شيء ربما لا تعلمون عنه الكثير فأختلط عليكم.
قطع تلك الاحاديث صوت قوي رغم ارتجاف نبرته وقد بدأ الجمع ينفصل للجانبين مفسحًا الطريق أمام المتحدث والذي لم يكن سواه " شيخ مشكى "
استند على عصاه يسير بصعوبة وخلفه جمع غفير من الرجال يفوقون المتمردين عددًا يردد بصوت منخفض :
_ لا تسمع لناكري الجميل مولاي، فالاعمى فقط من لا يبصر افضالك على مشكى وشعبها، واعذرهم فبعض الرجال انساهم الزمان أصولهم وما تربوا عليه .
ختم حديثه ينظر للرجال المتمردين والذين كان نصفهم تقريبًا رجال أصلان، والنصف الآخر ممكن أتبع شيطانه.
وافق الرجال خلف الشيخ كلام الأخير وهم يهتفون بشعارات ودعوات لأرسلان.
_ نعم مولاي لا تستمع لهم نحن جميعًا ندرك قدرك ونعلم من أنت، لا تستمع لمعدومي العقول .
نظر لهم أرسلان بامتنان للحظة وشعر ببصيص أمل صغير أن حياته لم تذهب هباءً يتنهد بصوت مرتفع :
_ لا بأس إذن، إن نسوا من أنا اذكرهم..
ختم حديثه وهو ينتزع معطفه من المعتصم بهدوء شديد ينفضه ومن ثم ارتداه ينظر لهم ببساطة وهو يهتف بجدية وبسمة صغيرة :
_ ها نحن ذا عدنا مجددًا أعزائي، استئتم لتركي الحكم طبقًا لرغبتكم قبل محاكمة عادلة؟؟ إذن لكم ما تريدون .
صمت يدير نظراته في المكان قبل أن يهتف بقوة :
_ حـــــــراس، احضروا الجميـــــع لقاعـــة الـــحكـــم .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسطح على فراشه يتنفس ببطء وكأن رائحتها تعبق الأجواء حوله تمده بسبب للحياة، وكأنه يخشى أن يسحب رائحتها بالكامل، ومن ثم يشرد بعيدًا عنها يتلمس رائحتها كما طيفها .
عيونها ونظراتها، صوتها وبسمتها، كانت المرأة تمثل له فتنة كبيرة يستعيذ بالشيطان كلما سُحب لبحارها.
إن كان أحب زوجته السابقة، فما الذي يحياه الآن مع توبة؟! لماذا هي ولماذا الآن ؟! وكأنه اكتشف وجودها في الحياة للتو .
تنهد بصوت مسموع يستغفر ربه وقد انتوى النهوض ليتوضأ ويصلي يصرف عنه شيطانه الذي يزين له تخيل امرأة لا تحل له، والندم يأكله أكلًا أنه لم يصر على الملك بارق أن يزوجها إياه.
اغمض عيونه يفركها بقوة وما كاد يبعد أصابعه عن عيونه حتى شعر بجسده يرتجف وينتفض بسبب لمسة حنونة على صدره، لمسة جعلته يرتعب من فكرة أن أوهامه بدأت تتجسد في واقعه .
فتح عيونه بفزع بعدما التصق بظهر الفراش بعيدًا عن تلك اليد التي تخيل لثواني، بل لحظات قليلة جدًا أنها تعود لسارقة القلب وسالبة الروح، لكن حينما استوعب ما يحدث حوله أبصر امرأة تظهر من زينتها أكثر مما تخفي، تبدي للرائي ما لا يسمح لخياله بالتصور ...
تبتسم له بسمة ساحرة رقيقة مع ملامح وجه جميلة وللغاية يعترف، لكنها كانت في هذه اللحظة قمئة ومثيرة للإشمئزاز لدرجة ظهرت ملامح التقزز تعلو وجهه بصراحة لم يحاول حتى إخفائها وهو يتحدث بشر ينطلق من نظراته :
_ ما ...ما الذي تفعلينه هنا يا امرأة ؟؟ من ادخلك ومن أنتِ ؟؟
ابتسمت الفتاة برقة ولطف شديد حتى شك نزار لثواني أنها ملاك نقي طاهر هبط بالخطأ في هذا المستنقع، لترتسم بسمة ساخرة على فمه من هيئتها وكلماتها وقد كان كل منهما نقيض الآخر.
_ أنا قمر رأيتك تسير هائمًا وحيدًا حزينًا ففكرت بالمجي لأؤنس وحدتك سيدي، هذا ما حثني عليه قلبي
_ صاحبة واجب أنتِ يا قمر، أولم يخبرك قلبك هذا أنني لا اغتر بمثل هذه الاغراءات الفاشلة الحمقاء وأنه لو كان أرسل لي دجاجة مع بعض الأرز لإغرائي لنجح بدرجة أكبر مما فعل الآن بإرسالك؟!
توترت الفتاة وهي تتقهقر خطوات صغيرة للخلف تحاول التحدث بكلمات مترددة:
_ مـ..ماذا؟؟ عمن تتحدث ؟!
_ قلبك يا طيبة القلب.
هكذا تحدث وبكل سخرية يتحرك عن الفراش يجذب الغطاء من أسفلها بعنف حتى كاد يسقطها ارضًا يلقي به على وجهها نابثًا بصوت جامد :
_ غادري الغرفة .
أبعدت قمر الغطاء عن وجهها وهي تحاول التحدث بكلمات غير مرتبة :
_ أنت لماذا تتعامل معي بهذه الخشونة ؟!
تحدث نزار بغضب بدأ يظهر على ملامحه بعدما فشل في إخفائه :
_ خشونة؟! الخشونة هذه ستبصرينها إن لم تختفي من أمام وجهي، وأخبري ذلك الخنزير أن آخر باب يسلكه لي هو النساء، فهو لا يتعامل مع أحد كلابه الذين يسيل لعابهم لرؤية أجساد نساء .
شحب وجه الفتاة وهي تتحرك عن الفراش وتوترت تحاول التحدث بكلمات تبرأ ساحتها وتحسن من موقفها، لكن أي تحسين هذا وهي أتته بقدميها ودون أمر من أحدهم، انبهرت بقوته وملامحه الخشنة، بسمته ونظراته وكل كلمة كان ينطق بها جذبتها كما الفراشة للنيران .
_ أنا لم ...لقد ...لقد أجبرني على فعل ذلك .
نعم ليعتقد أنها أُجبرت على ذلك بدلًا من معرفة أن الشيء الذي أجبرها على ذلك هو شيطانها، لربما يخفف هذا من نظرات الاحتقار التي تعلو وجهه في هذه اللحظة .
_ لقد جعلني افعلها مرغمة و...
صمتت تدفن وجهها بين كفيها باكية بصوت منفطر تحت نظرات نزار المتعجب والذي كان يبحث في وجهها عن شيء يشي بالقهر وهو يتحدث بهدوء متحركًا صوب باب المنزل يفتحه على مصرعيه يتوقف جواره :
_ ما الذي جعلكِ تستمرين في البقاء هنا، لماذا لم ترحلي مع النساء حينما رحلن بالفعل سابقًا ؟!
توترت المرأة وهي تبعد عيونها عنه، ليبتسم لها نظار بسمة صغيرة ساخرة، يشير صوب بابه بهدوءه :
_ اذهبي وأخبري من ارسلك أنني لا أحيد عما أريد لأجل امرأة، عليه بذل المزيد من الجهد، والآن للخارج.
نظرت له المرأة بصدمة وهي تحاول التحدث بكلمة لتبرأ ساحتها، لكن حتى تلك الكلمة لم يسمح بها نزار وهو يشير لباب المنزل .
تحركت الفتاة صوب الباب بخطوات متباطئة، وحينما وصلت له رفعت عيونها تنظر له، لكنه ترفع بنظراته عنها، لتتحرك هي بعيدًا عن المنزل تاركة إياه ينظر بعيدًا شاردًا وبمجرد أن شعر بها تخرج من المكان حتى صفع الباب في أثرها بحدة يتمتم بكلمات غاضبة .
_ هذا ما ينقصني يلقي بجواريه عليّ، مقزز .
تمدد على الفراش ولم يكد يتنفس الصعداء حتى شعر بيد تهزه بهدوء، لينتفض ضاربًا إياها بعنف شديد جعل صاحبها يتأوه متراجعًا بغضب وهو يصرخ:
_ أيها الحقير ما بك؟؟
اعتدل نزار في جلسته وهو يراقب الوليد الذي ضم كفه لصدره بغضب شديد ووجع، ليبتسم له بسمة صغيرة :
_ هذا أنت ؟!
_ من يأتيك غيري هنا ؟!
_ جميع المصائب بما في ذلك أنت يا الوليد.
كاد يعود للتسطح على الفراش، لكنه توقف عن الفكرة وهو يبتعد حانقًا رافضًا النوم مرة ثانية، يتحرك في المكان يلتقط زجاجة المياه يرتشف منها بهدوء وهو يراقب المكان في الخارج وعقله يدور في نقطة واحدة، كيف سيصل لخطة أصلان؟!
جاءه الجواب على هيئة جملة من الوليد يتحدث ببساطة وهو يحدق في ظهره بجدية كبيرة :
_ بعد دقائق يبدأ إجتماع أصلان مع رجاله........
ـــــــــــــــــــــــــــ
تحرك داخل القاعة يتبعه الجميع وخلفهم الحراس يحرصون على عدم تحرك أحدهم خطوة بعيدًا عن القاعة حتى يصدر الملك عكس ذلك .
أما عن أرسلان فقد توقف في منتصف القاعة يراقبهم بأعين جامدة، يتحرك بها بين الاوجه حتى توقفت على جسد زوجته التي كانت تقف في أحد الأركان تضم يديها لصدرها بترقب وكأنها تنتظر أن ينبث أحدهم بكلمة فتنقض عليه تقطعه أربًا .
ابتسم أرسلان بسمة صغيرة يشير لها بعيونه أن تقترب منه، لتعتدل في وقفتها بتوتر ترمش بعدم فهم، وارسلان فقط حرك لها رأسها يدعوها للأقتراب، فتقدمت منه سلمى ببطء لا تفهم ما يحدث، وبمجرد أن أصبحت أمامه حتى خلع أرسلان معطفه بهدوء يحتويها به، ومن ثم أمسك يدها يقودها صوب عرشه يجلسها عليه بلطف، ومن ثم استدار يراقب الجميع ببسمة صغيرة وكأنه بما فعل يثبت كلماته التي نطقها في الخارج ويرسل رسالة صريحة بمكانة زوجته في القصر .
والآن بعدما خلع معطفه ظل بثوبه الذي يتكون من بنطال اسود قماشي وسترة واسعة بعض الشيء من اللون الأخضر يتحدث بهدوء شديد :
_ والآن اعزائي تريدون محاكمة؟؟ لكم ما أردتم، ولأنني ملك ظالم حقير كما سبق ولمّح البعض في حديثه، إذن دعوني أخبركم أنني سأكون القاضي في هذه المحاكمة كذلك مكملًا سلسلة الظلم.
صمت ثواني ثم راقبهم ببسمة:
_ دعونا نجمع أطراف الخيوط ليأخذ كل ذي حقٍ حقه .
نظر جواره يتحدث بصوت مرتفع :
_ تيم، أجمع لي جميع من امتد إصبعه في هذه الغلال بداية من الوزير ومساعديه وحتى التجار، وخذ وقتك لدينا الوقت بطوله حتى لو استمرت المحاكمة اسبوع كامل .
انتهى من كلماته يشير بعيونه صوب تيم، ومن ثم مال يهمس للمعتصم الذي كان يجاوره بكلمات لم تصل لغيره، ومن ثم أشار بعيونه له، نظر المعتصم جواره للرجال يتحرك بهم صوب الخارج كي يحضر من أمر الملك بحضوره، وارسلان فقط يراقب الجميع بعيونه وقد بدأت عيون البعض تتحرك بتوتر في المكان وكأنهم يبحثون لهم عن مخرج، ومن بينهم أنمار الذي كان يلعن في هذه اللحظة فضوله الذي جعله يسير خلفهم، الآن علق مع أرسلان بسبب مصائب الحقير أصلان ورجاله.
زفر بصوت منخفض وهو يندس بين الجميع وكأنه يبحث له عن ركن يخفي به جسده .
وعيون سلمى تتحرك بين الجميع وكأنها تدرس ردات فعلهم تراقب التوتر الذي بدأ يعلو في المكان بين البعض والخوف الشديد الذي ظهر على أعين البعض الآخر.
تحرك أرسلان حتى توسط الساحة يواجههم ببسمة صغيرة :
_ الآن اعزائي اسمعوني حججكم واتهاماتكم .
لكن كلمة واحدة لم تصدر من أحد أمامه، ليبتسم بسخرية لاذعة:
_ لا اسكت الله لكم حسًا، تحدثوا فهذا ما جئتم لأجله، أردتم خروجي ورحيلي، واخبرتكم أنني سأفعل، لكن ليس وأنا أحمل فوق اكتافي ذنبًا كقتل نفس بريئة بغير نفس، سأرحل لأنني أريد وليس لأنني مخطئ، فإن كان هناك خطأ هنا في هذه اللحظة، فهو تصرفكم .
ارتفعت الهمسات بين الجميع وقد بدأ الخزي يظهر على وجوه البعض، وارسلان يراقبهم ببرود شديد :
_ أفنيت عمري في محاولة للقيام والنهوض بالبلاد، لم أطلب منكم تمجيد لما أفعل أو حتى شكر، لم افعل كل ذلك لأجلكم، بل فعلته كي لا أُسأل أمام الله يوم الحشر عنكم، وعن ولايتي عليكم، كي لا انكس رأسي حينما أُسأل عن مسؤوليتكم .
أشار لنفسه وقد شعر بالنيران تحترق داخل صدره ولحظات حياته تمر أمامه بلمحة مرارة على حياة لم يحياها كما يجب :
_ لقد ...لقد عزلت أبي عن الحكم وصمت عن اتهامات البعض منكم حينما وصفتموني بالجاحد الذي طمع في الحكم، فقط كي لا تسقط البلاد بيد المنبوذين، انقلبت على أبي كي لا تهوى البلاد أكثر مما كانت عليه وانتم تتذكرون جيدًا حال البلاد في آخر فترات حكم أبي بعدما تشعب الفساد بين رجال المملكة.
تنفس بصعوبة بسبب غضبه الذي ارتفع أكثر ثم أكمل بصراخ :
_ أفنيت شبابي وطفولتي لأجلكم، ظلمتموني ووصفتموني بألقاب لا افتخر بها حتى، وتغاضيت عنها، وفي النهاية لم أنتظر منكم شكرًا او عرفانًا بالجميل، فقط انتظرت منكم تقبلًا لي ومساعدة و....
توقف يتنفس بصوت مرتفع بعدما شعر في هذه اللحظة أن كل ما افناه في حياته كان هباءً منثورًا .
صمت يبتلع غصته وهو يحدق بعيونهم والخذلان يزين نبرته :
_ تخليت ولأول مرة في حياتي عن كبريائي و... لأول مرة طالبت بمساعدة الممالك الأخرى لأجلكم، الغلال من سبز والاسلحة من سفيد والثياب من آبى، دهست كبريائي أسفل أقدامي لأجلكم، كي لا أُسأل أمام الله عنكم وأنتم....
ابتسم بقلة حيلة يتنفس بصوت مرتفع :
_ والله أنني اتمنى لو تمنحوني حريتي وترحموني لوجه الله وتطلقون سراحي لأترك لكم العرش، اقسم بالله العظيم إن تقدم منكم رجلٌ الآن وقال أنه قادر على حكم البلاد وفعل ما فعلته ولو نصفه حتى، لتخليت له عن البلاد في هذه الثانية .
نظر الرجال لبعضهم البعض بتردد وقد بدأ الخزي يعلو نظراتهم، والبعض ينظر أرضًا بخجل لفعلته، ولم يجرأ أحدهم على التقدم خطوة واحدة، ليبتسم أرسلان بسمة صغيرة باهتة .
_ هذا ما توقعته، لا أحد يلقي بنفسه للتهلكة .
كل ذلك وسلمى تنظر للجميع نظرة غاضبة ساخطة، كأم تلقي بنظرات حانقة صوب ضارب طفلها، ولو كان الأمر بيدها لأطلقت لسانها عليهم، انتبهت لخطوات أرسلان الذي بدأ يتحرك صوبها بهدوء، ثم نظر نظرات موجوعة ولم يكد يتحدث كلمة وةحدة،
تحرك بخطوات قوية عكس انهياره الداخلي، يسير رافعًا رأسه دون أن ينحني ولو لثانية واحدة حتى .
وحينما وصل لها نظر لعيونها ولم يكد يفتح فمه للتحدث بكلمة، حتى شعر بيد سلمى تضم كفيه بين خاصتها حنان كبير تهمس له بصوت منخفض بكلمات احتاج لسماعها في لحظات انهياره :
_ أنت أروع ملك في التاريخ، ولو مُنحت الفرصة لحذفت صفحات كاملة من التاريخ واكتفيت بذكر اسمك أرسلان، وتبًا لمن يقول عكس هذا .
نظر أرسلان ليدها ثواني قبل أن يرفع عيونه عنها يحدق بملامحها بأعين ملتمعة، وقد بدأت بسمته ترتسم على فمه يهمس بصوت منخفض يرفع كفها يقبل باطن خاصتها بحنان شديد، وقد كان ظهره هو ما يظهر للجميع في الخلف.
_ ولو كانت حياتي كتابًا لأكتفيت أن يتزين بأحرف اسمك وكفى باسمك حياة سليمى .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
راقبها تتحرك داخل القاعة بعدما انصرف جميع مستشاريه والذين انتهى معهم من الاجتماع للتو .
يحرك لها عيونه حتى استقرت أمامه، وقد كان وجهه شاحبًا مرهقًا كروحه، خسر حفيده وكاد يخسر ابنته وبلاده .
وآه من مرارة الغصة التي تستحكم حلقه كلما تذكر أنه خسره دون حتى أن يحتضنه للمرة الأخيرة، أشار على المقعد أمامه:
_ اجلسي توبة .
نظرت له توبة بتردد قبل أن تجلس بهدوء على المقعد تراقبه بأعين هادئة تنتظر تحدثه، وهو فقط اطال النظر لها دون كلمة واحدة لوقت طويل بعض الشيء قبل أن يتحدث بجدية :
_ اخبريني يا ابنتي ما مدى تقبلك لفكرة الارتباط برجل الآخر هذه الفترة، أو حتى لاحقًا؟!
شحب وجه توبة لثانية قبل أن تشعر بقلبها يكاد يتوقف من صدمة وهول ما سمعت، والدها أحضر لها زوج آخر بهذه السرعة، ابتلعت ريقها تحاول الحديث وقد علقت الكلمات في حلقها .
_ أبي أنا... أنا لا ....
ارتجف قلبها من فكرة أن تعايش التجربة لمرة ثانية مع رجل لا تعلم عنه شيء، رجل غيره ...
_ أبي لست ... أنا لست مستعدة لأي ارتباط في الوقت الحالي .
تدرك في قرارة نفسها استحالة ارتباطها بنزار، لذا إن لم يكن هو، لن يكون غيره، وهي تعلم أنه لن يكون بأي شكل من الأشكال، لذا تنفست بصوت مرتفع ترفع رأسها لوالدها الذي كان يراقبها باهتمام ودقة :
_ لست مستعدة لخوضها على الاطلاق، لا اريد...لا اريد الارتباط لقد اغلقت هذا الباب منذ فقدت طفلي وحياتي واكتشافي ما فعل الرجل الذي سبق واخترته ليجاورني حياتي كشريك بها، لذا لست مستعدة أبدًا لخوض التجربة مجددًا .
ضيق والدها عيونه يلمح حزنًا وتوترًا متواريًا خلف نظرات الرفض التي تظهرها :
_ أبدًا ؟!
ابتلعت غصتها وهي تهتف بصوت مذبوح :
_ نعم أبدًا .
هز رأسه متفهمًا ما تمر به في هذه الآونة وقد علم أن هذا سيكون ردها، يعلم يقينًا أن تخطي ما مرت به لن يكون هينًا، لذا سينتظر لربما يبرأ جرحها عما قريب وتمنح نفسها فرصة العيش خارج هذه القوقعة، خاصة أنه كان يبصر نظرات ملتمعة متوارية حينما يُذكر اسم نزار .
_ إذن سأبلغه رفضك .
رفعت رأسها لوالدها بتعجب من كلماته:
_ تبلغه ؟! هل هناك ما حدث ولا اعلمه ؟!
شاب نظراته بعض الغموض والخبث وهو يربت على كتفها بحنان شديد :
_ لا تهتمي، أردت فقط معرفة رأيك في الأمر بشكل عام، ومن يدري ربما يأتيكِ من يغير رأيك ويدفعك للموافقة .
ابتسمت بحسرة وهي ترى أنها لم تكن من المحظوظين في أمور القلب والحب، المرة الأولى لم يُكتب لها أن تقترب حتى من قلب أرسلان والثانية لم يقدر لها أن تقترب من نزار .
والسؤال الذي يدور في صدرها منذ أول خفقة لنزار، هل سبق وأن أحبت أرسلان يومًا أم أنه فقط كان مجرد نجمة بعيدة لامعة اعجبها ضوءها، وقد تأثرت بحديث من حولها حول قوته وتجبره وبأسه على الأعداء وحنانه في الوقت ذاته على شقيقته ومن يعنيه من النساء، شعور داخلي جعلها تتمنى لو اختصها ذلك الرجل القوي بحنانه فتكون استثناءً على جميع النساء .
تعلقت بشعور جديد أحبت تجربته، ولم تفعل، والآن مشاعرها الغير مشروطة لنزار تصفعها لتفيقها من وهم قديم ظنته حبًا، فإن كان ذلك حبًا فما بال مشاعرها لنزار ؟!
انتبهت لوالدها الذي كان يراقبها باهتمام شديد، تمنحه بسمة صغيرة وهي تنظر لكفها شاردة :
_ لا أعتقد ذلك أبي.
هز لها بارق رأسه وهو يهتف بجدية :
_ دعيها لرب العباد وهو يدبر أمرك يا ابنتي .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ما تفعله ليس سوى تسريع لموتك وموتي نزار.
رمى نزار الوليد بنظرات محذرة وهو، يتحرك ببطء شديد حول ذلك المنزل الذي يقبع به إجتماع أصلان مع رجاله، يبحث عن ثغره للوصول إليه.
_ فقط اصمت وليد، وإن لن تساعدني فقط ارحل بهدوء ودعني لما أفعل رجاءً .
_ ما تفعله لن يجدي نفعًا .
استدار له نزار وهو يضربه بقوة على رأسه بضيق، ومن ثم جذبه صوبه متحدثًا بضيق :
_ بدلًا من التحدث والتسبب بصداع نصفي لي، جد لنا ثغرة تدخلنا للمكان يا سيد الثغرات، أم أنك لا تجد سوى الثغرات التي تدخلك للممالك لتشعرني بالمزيد من الذنب ؟!
ختم كلماته يضربه بغيظ في كتفه، ليتأوه الوليد بضيق، يبعد يد نزار عنه، ومن ثم نظر حوله ثواني يتنفس بصوت مرتفع :
_ فقط ابقى هنا وأنا سأجد لك مدخلًا، لكن بالله عليك لا تتصرف بحماقة تودي بك وبي للهلاك، لا أصدق أنك خرجت حيًا من تحت يد أرسلان ليتخلص منك أصلان.
رفع له نزار حاجبه بضيق :
_ فقط تحرك وخلصني من كل هذه الخطب العصماء في الحفاظ على روحي ولا تلعب دور أمي يا الوليد وإلا خلصتك من حياتك التي لا تعلم ما تفعل بها وتلقي بنفسك في أي كارثة تمر من أمامك.
زفر الوليد بضيق وهو يتحرك بعيدًا عن نزار الذي عاد بنظراته صوب المنزل والذي يقبع على بعد خطوات منهم، يراقب الوليد يتحرك صوب الباب الجانبي للحراس هناك يتوقف أمامهم وهو يتحرك بكلمات لم تصل له، يشير في جهة ما .
واستمر الأمر طويلًا حتى كاد نزار ينام من شدة ملله، لكن فجأة أبصر إشارة الوليد له بالتقدم، لتتسع عيونه وهو يتحرك صوبه بريبة شديد، فقد كان ما يزال هناك جنديين عند باب المنزل، لكن حينما وصل أشار له الوليد يتجاهل وجود الجنديين:
_ هيا انتهي مما تريد لنرحل .
نظر له نزار بعدم فهم ومن ثم نظر للجنود بتسائل ليبتسم له الوليد ببساطة، بسمة جعلت نزار يبتلع ريقه بريبة :
_ حسنًا كدت أصدق أنك ساحر تستطيع دخول أي مكان .
ضحك الوليد ضحكة صغيرة وهو يميل على نزار هامسًا بصوت منخفض :
_ ميزة أن تقضي الكثير في الوحل فتعلم كيف يفكر الخنازير..
_ لم أرى يومًا خنزيرًا بمثل ذكائك يا الوليد .
ختم نزار كلماته وهو يربت على كتف الوليد ضاحكًا يتحرك داخل المكان، تاركًا الوليد في الخارج يرمقه بغضب شديد، قبل أن يتنفس بصوت مرتفع، ينظر حوله يراقب المكان .
وفي الداخل تحرك نزار يخفي ملامحه وهو يحاول أن يتخفى عن الأعين المحيطة به وقد كان المكان هادئًا بشكلٍ مريب، لا انوار في المنزل سوى ذلك المنبعث من الغرفة التي يجتمع بها أصلان برجاله .
ابتلع ريقه يتحرك صوبهم بخفة حتى اصبح أمام الغرفة مباشرة يرهف سمعه محاولًا التقاط أي كلمة قد تفلت من أسر الجدران حوله .
وما كان الأمر سوى ثواني قليلة من الصمت حتى ارتفع صوت في الارجاء يهتف :
_ ولماذا منتصف مُحرم بالتحديد ؟! ثم الليلة هي ليلة الخامس عشر من محرم، أي بعد قليل من الساعات، الآن تخبرنا ؟!
_ ليس لشيء، موعد كغيره، هذا اليوم ستكتمل الصفوف وتنتهي الاستعدادات، لذاك رتبت الأمر عليه وايضًا كي يصبح تاريخًا مميزًا ليكون ذكرى نكبتهم .
ضيق نزار عيونه وقد بدأت دقات قلبه تتصارع وهو يحاول التوصل لما يتحدثون عنه، إذ يبدو أن ما يخطط له أصلان سيكون القاسمة لتماسك الممالك.
ابتهل لربه أن يذكر أحدهم أي شيء متعلق بخطة أصلان او حتى يلمح لها .
لكن لا شيء فقط غموض وكأنهم أنفسهم لا يعلمون ما يتحدثون عنه .
شعر نزار بغضب كبير يتلبسه وقد شعر برغبة عارمة في اقتحام المكان وانتزاع ما يريده منهم بالقوة، لكن آخر ذرات تعقله منعته الأمر وهو يتنفس بصوت منخفض يحاول أن يتمالك نفسه .
_ اللعنة عليك أصلان، تحدث بما جئت به أيها الوسخ .
أما عن أصلان في الداخل فقد كان يجلس مراقبًا الجميع حوله باهتمام شديد، ليباغته أحد الرجال متسائلًا :
_ إذن من سينفذ ما تخطط له ؟! هل هو حربي باعتباره الموجود في الوقت الحالي داخل حدود الممالك ؟؟
شرد أصلان وصمت وكأنه لا ينتوي الرد، قبل أن يتحدث بهدوء :
_ لا تشغل عقلك بمن ينفذ، المهم أن يُنفذ ..
صمت ثواني وهو يطيل النظر للرجل يتحدث بهدوء :
_ فثط أشغل عقلك بما سنفعله نحن، فما سيحدث في ذلك اليوم ليس الخطة الأساسية، بل التمويه للخطة .
_ تفجير الممالك ليس الخطة ؟! إذن ما هي الخطة يا ترى ؟!
كانت جملة ساخرة خرجت من فم أحد الرجال لتصيب نزار في مقتل، وهو يشعر بالمكان يدور حوله وقد سقطت الكلمات أعلى رأسه كالصاعقة، تفجير الممالك ؟؟ سيفجرونها ؟! كيف ومتى ومن سيفعل ؟؟ أسئلة كثيرة دارت داخل عقله يحاول إيجاد إجابة لها، لكن الحصيلة صفر .
ابتلع ريقه يرهف السمع لكلمات أصلان ردًا على الرجل :
_ الوصول للحكم المطلق..هذه هي الخطة .
اتسعت البسمات وقد بدأت الأحلام تتطاير في الغرفة، وكلٌ يمني نفسه بمنصب عالٍ، وأموال طائلة، وحاشية ونساء.
تراجع نزار حينما استشعر قرب انتهاء الحوار، ينظر حوله بحثًا عن مخرجًا يهرول خارج المكان وهو يحاول التنفس والتفكير في القادم، هل يرسل لهم رسالة بما وصل له، أم ينتظر حتى يجمع ما يكفيه من المعلومات ؟!
وبمجرد أن خطى خارج المكان استقبله الوليد مبتسمًا :
_ إذن مــ
لكن في هذه اللحظة لم يكن نزار يبصر أمامه من شيء يهرول بعيد عنه وقد استقر على إرسال رسالة لهم يبلغهم بما وصل له، يحثهم على البحث من جهتهم في حين ينتهي هو من جهته فالأمر لا يبدو مزحة، ولا يبدو بعيدًا، بل بعد ساعات يبدأ اليوم الذي حددوه...
يدعو الله داخل صدره ألا ينجح لهم بيعة ولا يجبر لهم خاطر، رحمة بشعوب لا تعلم ما يحاك لأجلها في الخفاء ...
_ لعنة الله على أعوان ابليس، لعنة الله عليك أصلان.......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أخبرتك أن حالتها لن تتحسن هنا، ساعدني لنخرجها من منزلك لمشفى القصر، الفتاة تحتضر .
نظر إلياس برعب صوب وجه فاطمة والتي لم تعي بعد ما يحدث حولها ولم تستفق حتى هذه اللحظة، كان يمتلك أملًا خافتًا أن تستيقظ ولا يحتاج لإخراجها من منزله، اقترب منها وهو يتحسس وجهها بخوف شديد وبيد مرتجفة سار مع ملامحها.
ابتلع ريقه بصعوبة يرفع عيونه صوب الحكيم والذي كان يتابعه بغضب مرعب :
_ إلياس يا بني هذه زوجتك تحتضر، ما بالك تعاند فيما يخص صحتها هل جننت ؟؟
رفع إلياس نظراته صوب الحكيم وكأنه يفكر جديًا في الأمر لينفض الرجل يديه بغضب وهو يردد بصوت حانق :
_ يا فتى اتقي الله، المرأة شاحبة شحوب الاموات ولا تتحرك، وأنت تصر أنها ستفيق، ولم تفعل، لا امتلك المزيد لأقدمه لك، هنا وانتهى دوري .
ختم كلماته يتحرك بعيدًا عن المنزل تاركًا إلياس يراقب فاطمة برعب باكيًا عليها، يميل بالقرب منها يقبل جبهتها وهو يهمس بصوت منخفض خائف:
_ عزيزتي فاطمة لا بأس، سوف ...سوف أساعدك في ...سوف تصبحين بخير عزيزتي لا تخافي.
نظر حوله وكأنه يبحث عن شيء ضائع قبل أن يعود بنظراته لها يهتف بصوت منخفض :
_ سأفعل أي شيء لتصبحي بخير عزيزتي، حتى لو كان الذهاب بكِ لآخر البلاد وليس فقط قصر سفيد .
ختم كلماته يطبع قبلة صغيرة على كفها، ومن ثم تأكد من إحكام الغطاء عليها، يتحرك خارج الغرفة يفكر في تحضير طعام علها تستيقظ جائعة وكم يتمنى أن تصبح بخير قبل الذهاب للقصر .
نظر لها نظرة أخيرة وقد اتخذ قراره، من اليوم وحتى صباح الغد إن لم تستيقظ، سيتحرك بها لمشفى القصر .
تنهد بتعب ووجع كبير يغلق الباب بهدوء خلفه.
أما على الفراش فبمجرد أن سمعت صوت إغلاق الباب، حتى فتحت عيونها ببطء وهي تنظر صوب الباب ببسمة صغيرة ووجه شاحب باهت لشدة الإرهاق، تقاوم الدوار الذي أصابها، تمني نفسها بمساعدة ستنالها حينما تخرج من هذا المنزل، ستبحث عن الجنود في قصر سفيد وستبلغ الملك ليساعدها، فلا تعتقد أن العجوز سيتمكن من مساعدتها ضد إلياس.
وقد ترددت كلمات إلياس السابقة في أذنها وهو يعد الحكيم أنه سيذهب بها للقصر إن لم تستجب للعلاج، وهي لم يكن أسهل عليها من ادعاء المرض والذي أصابها بالفعل .
نظرت للسقف وهي تهمس بصوت منخفض :
_ أين أنت يا المعتصم ؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
فُتحت الأبواب على مصراعيها، يتحرك للداخل تيم بملامح جامد يتبعه الكثير من الرجال، وقد صنع له الجميع طريقًا ليمر من بينهم .
وصل واخيرًا لمنتصف القاعة وخلفه يقف العديد من الرجال ليبتسم بسمة صغيرة وهو يشير للملك لمن خلفه من الرجال :
_ مولاي الوزير وجميع معاونيه.
حرك أرسلان عيونه بهدوء صوب الوزير والذي كان لا يفهم ما يحدث في المكان وقد جاء به تيم دون أن يمنحه حتى فرصة إدراك ما يجري في المكان.
تحرك تيم جانبًا يترك للملك الفرصة للتحدث والتحقيق معهم، وارسلان فقط اكتفى بالنظر لهم ثواني قبل أن يهز رأسه لهم مرحبًا بصمت .
ولم يتحدث أحدهم بكلمة واحدة يكسر بها الصمت، وقد كان أرسلان في هذه اللحظة يراقب الجميع بأعين غامضة لا تشي بما يدور داخل صدره .
فقط يراقب ينتظر شيء لا يعلمه غير، لتمر دقائق دون أي جديد حتى بدأ الجميع في التململ بضيق وملل، وارسلان فقط يراقب بصبر يُحسد عليه .
يضم يديه لصدره وهو يراقبهم بهدوء شديد، قبل أن تمر دقائق أخرى ويبصر الجميع تحرك المعتصم داخل المكان وخلفه الكثير والكثير من الرجال يتحدث بهدوء واحترام :
_ مولاي، جميع تجار العاصمة هنا كما أمرت.
وقف الرجال خلف المعتصم بهدوء واحترام شديد وقد تحدث أحدهم بنبرة واثقة رزينة :
_ أمرت بمجيئنا مولاي، فاللهم خير .
راقبهم أرسلان بهدوء قبل أن يبتسم لهم بسمة صغيرة يرحب بهزة رأس فيهم، ومن ثم تحرك بعيدًا عن العرش يقترب من موضع وقوف الجميع يراقبهم بأعين غامضة قبل أن يتحدث بهدوء وهو يشير للتجار بيده :
_ تفرقوا رجاءً، اتركوا مسافة بينكم .
نظر له البعض بعدم فهم، والبعض الآخر بفضول وترقب للقادم، وارسلان فقط يراقبهم منتظرًا أن ينفذوا أوامره، وسلمى فقط تتابع ما يحدث بهدوء شديد تنتظر الخطوة التالية لزوجها .
أما عن أرسلان فقد كان ينتظر أن ينفذ التجار أوامره، ليتحدث أحدهم اخيرًا بعدما شعر بالريبة :
_ هل ...هل صدر منا شيء خاطئ مولاي ؟!
_ لا، لا شيء فقط نفذوا ما طلبته رجاءً.
نظر التجار لبعضهم البعض، قبل أن يتفرقوا بعيدًا عن بعضهم البعض، ينظر أرسلان لهم، ومن ثم نظر صوب الوزير يتحدث بهدوء شديد :
_ الغلال التي أمرت بتوزيع نصفها، هل تأكدت من صلاحيتها قبل التوزيع ؟!
هز الوزير رأسه بنعم يدافع عن نفسه بهدوء ظنًا أن تهمته في هذه اللحظة هو الإهمال:
_ نعم مولاي، لقد أشرفت بنفسي على توزيعها على التجار المقيد اسمائهم في دفاتر المملكة وراقبت حركة البيع في أول يوم، ومن ثم أناب عني المستشارين .
هز له أرسلان رأسه ومن ثم نظر للتجار الذين اصطفوا أمام الجميع، يتحدث لتيم :
_ هل أحضرت جميع التجار يا المعتصم، متأكد أنك لم تغفل عن أحدهم ؟؟
_ الجميع هنا مولاي .
ابتسم أرسلان وهو يشير للشعب بهدوء شديد :
_ أعتقد أنكم تتذكرون بالفعل من اشتريتم منه الغلال وتعاملتم معه، تفعلون صحيح ؟!
هز البعض رؤوسهم بثقة والبعض الآخر لم تصدر منه حركة ومازالت الريبة تعلو وجوههم في انتظار ما سيصدر من أرسلان.
بينما الأخيرة أشار صوب التجار المرتصين بجدية :
_ إذن ساعدوني لنجد رأس الضُر الذي اصابكم وليوجه كلٌ إصبعه على التاجر الذي ابتاع منه الغلال المسممة.
اتسعت أعين التجار بصدمة كبيرة وقد بدأت حركة قلق ورعب تدب بين صفوفهم والبعض يحاول التحدث مدافعًا عن نفسه، لولا يد أرسلان التي رفعها يمنع الجميع من نطق كلمة واحدة .
يبتسم مشيرًا لشعبه بهدوء شديد :
_ الغلال خرجت دون شائبة تشوبها من مخازننا، إذن فالعيب إما يكون من التاجر او المستهلك ذاته، تحركوا واشيروا على التاجر الذي ابتعتم منه الغلال، أم أنكم لا تتذكرونه ؟؟ لا يعقل أن تنسوا وجه الرجل الذي كُلف بمنطقتكم ليوزع عليها الغلال .
نظر صوب الوزير وكأنه يتأكد مما يقول :
_ حسب معرفتي أن كل منطقة بالعاصمة لها محل خاص يقبع في بدايتها به تاجر يتسلم من الغلال ما يكفي حاجة المنطقة التي تقع تحت أمرته صحيح ؟!
هز الوزير رأسه بنعم، وقد كان ذلك النظام هو المتبع منذ عقود طويلة، فبغض النظر عن المحال الصغيرة التي تقبع في كل ركن من أركان العاصمة والبلاد بأكملها، كان هناك مخزن رئيسي يشرف على توزيع الغلال التي يضخها القصر للشعب بأسعار مخفضة، وأحيانًا يوزع ذلك المخزن ما يفيض عن حاجتهم للمحال الصغيرة، إذن إن كان هناك أي شيء قد حدث خارج القصر فسيكون بدايته المخزن والذي يديره التجار الرسميين له.
نظر أرسلان صوب الشعب ينتظر منهم حركة تدل على سماعهم لكلماته، وبالفعل تقدم بعض الرجال يدورون بعيونهم بين التجار ليستقر كل واحد على تاجر مختلف، ومنهم من اجتمعوا على أحدهم والتوتر يعلو في الإرجاء، بينما بعض الأفراد لم يتحركوا من أماكنهم أو حتى خطوا صوب التجار، كل ذلك وارسلان يراقب ما يحدث يبحث بعيونه عن أكثر شخص اجتمع عليه الرجال .
وبعد دقائق طويلة انتهى الأمر بالجميع يقف البعض عن التجار مشيرين لهم، والبعض الآخر يراقب دون أن يأتي يحركة واحدة، والبعض يتابع ما يحدث .
وارسلان فقط نظر للرجال يتأكد بهدوء :
_ متأكدون أن هؤلاء هم من ساهموا في توزيع تلك الغلال عليكم ؟!
هز أحد الرجال رأسه يتحدث بقهر شديد :
_ نعم مولاي، وكيف انسى وجه من تسبب في سلب ابنتي من بين احضاني ؟!
_ وأين هي الآن ؟؟
انكمشت ملامح الرجل بعدم فهم ليتبع أرسلان كلماته يردد بهدوء :
_ أين هي ابنتك الآن ؟! تركتها ملقاة تنازع الموت لتأتي مطالبًا برحيلي ؟!
رمش الرجل وهو ينظر حوله بعدم فهم وقد ألجم سؤال أرسلان لسانه، لكن أرسلان لم يهتم وهو ينظر للباقيين يتأكد منهم أن هؤلاء هم التجار الذين باعوهم الغلال الفاسدة، وحينما حصل على تأكيد من الجميع، صاح بصوت جهوري رن صداه في الأجواء:
_ حــــــــــراس، ألقــــــــوا القبض عليهم ...
وفي ثواني انتفض الاجساد وهم يبصرون الحراس يهرولون صوب التجار، يتابعون ما يحدث، لكن الصدمة كانت أن الحراس لم يأسروا التجار، بل أسروا المتمردين ممن اوشوا بهم ..........
وعم الصمت فجأة وكأن صاعقة ضربت المكان ولا أحد يفهم ما يحدث في هذه اللحظة .
وسلمى تتابع ما يحدث بأعين متسعة وبسمة مصدومة وملامح متشجنة تتمتم ببرتغالية دون شعور :
_ Você é um enganador. ( أيها المخادع )
تابع أرسلان نظرات الرجال المصدومين من أسرهم ببسمة صغيرة ثم ردد ببساطة كلمات أصابت الجميع بصدمة وقد أدركوا أنه ليست جميع الالعاب ستنطلي على أرسلان.
_ لا يعقل أنكم لم تتعرفوا على تجار الحي الخاص بكم، هذا غريب صحيح !!
تحدث أحد الرجال وهو يحاول الأفلات من يد أحد الجنود:
_ لكننا ...تعرفنا عليهم للتو، هذا هو البائع الذي باعني الغلال المسممة، هل تحاول أن تخفي أفعالك بأسرنا والجميع شاهدون؟! أي وقاحة تمتلك مولاي ؟!
_ أنا حتى هذه اللحظة احترم مكانتي أمام الجميع كملك وإلا لأريتك كيف تكون الوقاحة و...مهلًا أنا الآن لست ملكًا بالفعل.
صمت ثواني وكأنه يستوعب ما يحدث، ومن ثم تحرك صوب الرجل يسقطه ارضًا بعدما أسقط لكمة قوية أعلى فكه يردد ببسمة واسعة :
_ سأكتفي بهذه ردًا، احترامًا لكبار السن والأطفال والنساء، وحينما انفرد بك، سأريك كيف تكون الوقاحة.
تحدث أحد رجال أصلان والذين كانوا بالفعل متنكرين بين الشعب يحاول أن يتحدث بكلمات متماسكة ويده ما تزال اسيرة الجنود :
_ نحن لم نفعل سوى ما امرتنا به، تعرفنا على التجار.
_ من أخبرك أن هؤلاء تجار ؟!
تحدث الرجل وهو يشير صوبهم محاولًا الحديث بكلمات متماسكة وقد شعر بالحيرة وعدم الإدراك يبوح في الأجواء :
_ أنت للتو أخبرتنا أنهم تجار و....
قاطعهم أرسلان ببسمة واسعة مستفزة :
_ وقد كذبت، هؤلاء ليسوا تجار، بل هم جنودي عزيزي ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يتحرك أمام بوابة القاعة يراقبها من بعيد وكأنه يبحث لعيونه عن مدخل ليسد رمق فضوله الذي يأكله اكلًا، لكن لا شيء ظهر له، سمع صوتًا معترضًا من رفيقه الذي كان مستقرًا على كتفه ليزفر خالد بصوت مرتفع :
_ أهدأ وتوقف عن التحرك، واصمت أصوات اعتراضاتك تلك ودعني أعلم ما يحدث .
ردد موزي بعض الأصوات المحتدة وهو يود التحرك بعيدًا عن كتف خالد يبحث له عن مرتعًا آخر بعيدًا عن هذا المكان، لكن خالد والذي كشف نيته امسك بفخذه قبل القفز يلصقه بكتفه حانقًا :
_ ابقى هنا أيها المتخاذل، دعنا نعلم ما يحدث ونرحل ببساطة، لن أتركك ترحل ولن اتحرك حتى أعلم ما يحدث هنا و....
فجأة تلاشى اعتراضه وتلاشى إصراره وتلاشت معهم نيته في التعسكر أمام بوابة القاعة ليعلم ما يحدث، وهو يبصرها تتحرك في الحديقة المقابلة لممر القاعة، تلاعب صغير ببسمة واسعة جعلت خالد يفتح فمه ببسمة بلهاء ينفض موزي عن كتفه مسقطًا إياه ارضًا دون اهتمام، ومن ثم تحرك صوب الحديقة هائمًا على وجهه .
وموزي يجلس ارضًا يردد أصوات مرتفعة مزعجة لم يهتم لها خالد حتى ولم يعرها أي انتباه، يكمل طريقه ببسمة واسعة وحينما استقر في الحديقة ردد بانبهار وقد أبصر مجددًا وجهها دون غطاء :
_ حور ...
رفعت حور عيونها عن عابد تحركها في الإرجاء بحثًا عن صاحب الصوت لتصطدم في وجه خالد المبتسم والذي اقترب منها دون وضع أي اعتبارات لأي حدود يجب فرضها بينهما ضاربًا بكل ذلك عرض الحائط:
_ ليلة رائعة ها؟! تبدو السماء اليوم صافية مع كل هذه النجوم المتلئلئة، لكن يبدو أن إحداهن سقطت ارضًا ليغشى نورها نور جميع النجوم .
حدقت به حور قبل أن ترفع عيونها صوب السماء والتي كانت خالية تمامًا من أي نجوم، ومن ثم عادت بنظرها مجددًا له تبتسم بسخرية، أما عنه فلم يهتم بأي شيء قدر اهتمامه بها :
_ إذن أخبريني ما يدفع فتاة جميلة مثلك للسهر وحدها في هذا الوقت ؟!
يتحدث ويتغزل ويفتتح أحاديث كثيرة، وحور فقط صامتة لا تصدر كلمة واحدة تراقبه بعجز عن فهم تفكير هذا الرجل .
واخيرًا وبعد صمت تحدثت بصوت منخفض :
_ ماذا تريد أنت ؟!
ابتسم لها وهو يجلس ارضًا جوارها يراقبها بأعين مسحورة بها :
_ جيد أنكِ انتقلتي لصلب الموضوع، أعلم أنكِ لا تطيقين صبرًا لمعرفة سبب مجيئي لذلك سأريحك وأخبرك أنني لا اعلم، أنا فقط أحب الجلوس رفقتك واعلم أن هذا خطأ، أنتِ امرأة متزوجة وهذا خاطئ، لكن ما حيلتنا تجاه قلوبنا ؟!
كانت تسمعه وهي تشعر بالبلاهة من كلماته، بينما هو لم يرحمها وهو يسقط على مسامعها كم أن الحب موجع في حالتهما، لكن ما حيلة قلبيهما وقد كُتب عليهما لعنة الحب وستلاحقهما حتى قبريهما .
_ هل أنت احمق ؟!
كان هذا الرد الوحيد الذي صدر منها بعد كل ما سمعت منه، وهو فقط فتح عيونه بصدمة من ردها وكأنه لم يتوقع هكذا رد بعدما يقتحم على الفتاة جلستها الهانئة ويردد كلمات غريبة على مسامعها وكأنها عاشقين غدرت بهما الحياة .
نهضت تنفض ثيابها وهي تحدق فيه بضيق، تشير لعابد أن يقترب :
_ أي حب محرم هذا وأي زوج؟! هل جننت أنت ؟!
رفع عيونه لها بلهفة:
_ لا تخبريني أنكِ مطلقة ؟!
اتسعت عيونها بصدمة أكبر من إصرار ذلك الرجل على موقفه، هزت رأسها بيأس وهي تتحرك من أمامه تردد كلمات حانقة منه ومن تصرفاته وهو فقط يتابعها بعدم فهم حتى شهق فجأة يردد بإدراك :
_ أيُعقل ؟؟ هي أرملة ؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن بعد كلمات أرسلان حدث كل شيء بسرعة إذ تم سحب الرجال الذين القوا بالتهم جزافًا على جنوده باعتبار أنهم التجار الذين باعوهم الغلال المسممة، سُحبوا جانبًا ليواجه أرسلان المتبقي من المعترضين والذين لم يتحركوا لتوجيه التهم .
_ حينما يرغب أحدهم في إسقاط بلاد لا يسقطها بالأسلحة وقد جرب الأمر مسبقًا معهم وفشل، بل سيحاربهم بالنفوس والعقول، وأنتم بضعف إيمانكم وقلة بصيرتكم كنتم لقمة سائغة في أفواه هؤلاء الملاعين، يصرخون برحيلي فتكون اصواتكم صدى لهم، يلوحون برايات الاعتراض فتكون اكفتكم أول من يرفرف بالراية، ولم تفكروا بتعقل لثانية واتبعتم الصوت الأعلى .
ختم حديثه يشير صوب الكثير من المندسين ولم يتبقى من المعترضين سوى القليل فقط وقد اكتشفوا للتو أن الصوت الأعلى لهم كان لمندسين، على الخجل أوجه الجميع وقد شعروا بتسرعهم، ليتحدث أحدهم بقلة حيلة :
_ لكن...لقد ...سقطوا أمام عيوني وابنتي لقد ...
صمت ولم يستطع التحدث بكلمة واحدة وقد شعر ببطلان كافة الحجج ليدرك أرسلان ما يدور داخل عقل الشيخ في هذه اللحظة، يتحرك صوبه بهدوء شديد يربت على كتفه :
_ لقد أرسلت الجنود لسحب الغلال من التجار وكذلك أرسلت قافلة طبية لعمل معاينة كاملة لجميع من تناول الغلال، ادرك ما تشعر به، لكن ليس بالضرورة أن تلقوا بمصائبكم امامي، فأنا وإن أردت بكم سوءًا، ما حاجتي لإعمار البلاد وتكبد كل ذلك العناء، وما حاجتي لزراعة غلال وتكلف خسائر كثيرة فقط للتخلص منكم، يمكنني بكل بساطة ترككم للموت جوعًا، فهذا سيكون أوفر لي .
ختم كلماته ببسمة جعلت الرجل ينظر ارضًا بخجل، بينما رفع أرسلان عيونه صوب وزيره يردد بجدية :
_ أنت المسؤول أمامي عن معرفة كيف وصل السم للغلال، ومنذ اليوم وصاعدًا لن تخرج حبة ذرة واحدة للأسواق قبل التأكد أنها خالية من أي سوء .
رفع عيونه صوب المندسين يتحدث بهدوء :
_ أما عنكم فما زلنا نمتلك الكثير لنتحدث به سويًا، خذوهم للسجون حتى أنظر في أمرهم.
وبالفعل جرهم الحراس للخارج تحت صيحاتهم وأصوات الاعتراض منهم والاستنكار، وكلٌ يصرخ يحاول الإفلات.
وبعد دقائق وحينما خلت القاعة منهم، حرك أرسلان عيونه بين الجميع، ثم هز كتفه ببساطة:
_ الآن وقد انتهت المحاكمة، وباعتباري ملك حقير ظالم، فسيتحتم عليكم تحمل وجودي على عرش مشكى حتى نخرج من هذا النفق المظلم وحينها امنحكم مشكى على طبق من ذهب تفعلون بها ما تشاؤون ولا شأن لي .
كان يتحدث بكلمات بسيطة وكأن الأمر لا يعنيه رغم مرارة حلقه، وقد رفضت كل ذرة داخل صدره ما ينطق به، فمشكى كانت بلاده وبلاد أجداده، الآن يأتي للتخلي عنها بكل بساطة .
ابتلع ريقه بهدوء ولم يكد يتحدث بكلمة حتى ارتفع صوت رجل وهو يتحدث بلهفة مقاطعًا كلمات الشيخ الذي كاد يعترض :
_ لكن ...مولاي نحن لا ...لا يمكننا أن نفعل ذلك و...هذه مشكى لن يحكمها غيرك، ليس بعد كل هذه السنوات .
ترددت الكلمات في الإرجاء بالموافقة والتأييد وارسلان يتابعهم بهدوء دون كلمة واحدة، ينظر خلفه بهدوء وبأعين ضبابية صوب سلمى التي ابتسمت له بمؤازرة .
ليتنهد أرسلان بصوت مرتفع وهو يتمنى أن ينتهي اليوم على خير وقد اثقل كل ما حدث كاهله يشعر بعدم قدرته على التنفس بشكل سليم وقد قرر في قرارة نفسه أن ينعزل بذاته بعيدًا عن الجميع وفي ثواني وحينما أبصر المعتصم يتولى الأمور من حوله لتهدئة الجميع وتولي أمور التحكم في الأمور نيابة عنه حينما أبصر ما يمر به، حتى تحرر أخيرًا ينطلق بعيدًا عن الجميع بعد نظرة أخيرة صوب المعتصم الذي اقترب منه يربت على كتفه بحنان اخوي كبير :
_ هونها تهون مولاي .
ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة باهتة :
_ تهون، عساها تهون قريبًا يا المعتصم.
ابتسم المعتصم بسمة لم تصل لعيونه حتى فما يدور داخل صدره من حروب وشعور قوي بالعجز يقتله ويمنعه من الابتسام حتى، لكن رؤية أرسلان يتوجع تؤلمه أكثر، ليربت عليه وهو يضغط على كتفه بمؤازرة:
_ بإذن الله تكون مولاي، ومتى استعصى عليك شيئًا، دعها لرب العباد يدبرها .
ابتسم اخ أرسلان بسمة صغيرة يبتلع ريقه مرددًا بصوت منخفض :
_ ساعد...ساعد الملكة لتصل لغرفتها بسلام وضع حراس عليها وتأكد أنها لا تحتاج لشيء .
ومن ثم رحل بكل بساطة رافضًا أن يستدير لها حتى كي لا تبصر حزنه أو تطلع على اعمق نقاطه السوداء داخل صدره، وهو يعلم ذاته بمجرد أن ينظر لعيونها قد ينهار ارضًا يطالبها بمساعدة لتحرير روحه ..
لكن سلمى والتي علمت ما يدور بخلده تحركت عن العرش تهبط بسرعة خلفه، ليتحرك لها المعتصم ينفذ أوامر الملك يهتف بجدية :
_ مولاتي رجاءً را....
قاطعته سلمى بإصرار وقد اسودت نظراتها مقررة أن اليوم سيكون الاخير لها في المحاولة مع أرسلان، فإما أن يرضخ لها ويعترف بها شريكًا لحياته في الضراء قبل السراء، أو تكون النهاية بينهما .
_ ليس اليوم يا المعتصم، ليس اليوم ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت عربته داخل بوابات قصر سفيد وهو ينظر حوله بهدوء وجواره استقر الحكيم والذي أصر على اصطحابه وعدم تركه ليتأكد أنه اوصل فاطمة لمشفى القصر حتى طبيب القصر .
زفر إلياس أنفاسه بغضب وتوتر وهو يتوقف بالعربة على جانب المشفى الخاصة بالقصر يهبط عنها وهو يتحدث بحنق دون شعور :
_ ربما كنت تستطيع مساعدتها دون الحاجة للمجئ هنا يا عم، أنا لا أرتاح للتعامل في الخارج مع أحد غريب ولا أثق في أحد لمعالجة زوجتي .
نظر له الحكيم ولم يجبه أو يناقشه في شيء وهو لم يتوقف منذ تحركهم من المنزل عن الحديث وقد رفض الحكيم أن ينتظر إلياس للصباح مصرًا على إحضارها للمشفى في أسرع وقت .
تحرك تاركًا إياه يردد بجدية :
_ سأُعلم الطبيب بوصولنا، لقد أرسلت له رسالة مسبقة بالفعل ..
ومع هذه الكلمات تركه يتحرك صوب المشفى كي ينادي الطبيب، تاركًا إلياس يراقب فاطمة النائمة بشحوب بجزن يتحسس وجهها بحنان :
_ لا بأس، سأفعل أي شيء لاجلك حبيبتي، فقط كوني بخير لأجلي فاطمة.
قاومت فاطمة إبعاد يده عنها، وهي تدعي الإغماء، بينما هو يراقبها بحب دون القدرة على إبعاد عيونه عنها، ولم يستفق سوى على صوت انطلق خلفه :
_ مرحبًا .
استدار إلياس ببطء صوب المتحدث ليواجهه شاب وسيم يبتسم له بلطف معرفًا عن نفسه وهو يمد له يده :
_ أنا الطبيب مهيار، طبيب القصر .
نظر إلياس صوب يده ثواني قبل أن يصافحه بهدوء يشدد قبضته على يد الاخير متحدثًا بغيرة مشتعلة :
_ أنت من ستفحص زوجتي ؟؟
نظر له مهيار بتعجب، ومن ثم نظر ليده يسحبها من بين كفه مجيبًا بهدوء :
_ لا، لقد أرسلت لمن سيساعدها، أنا سأشرف فقط على حالتها، وسيشرف أحدهم على فحصها وعلاجها بالشكل المطلوب لا تقلق .
نظر له إلياس ثواني قبل أن يهز رأسه ببساطة، ومن ثم أبصر جسد انثوي يقترب منهم بهدوء دون أن يظهر منها شيء حتى توقفت أمامهم تردد بنبرة رقيقة :
_ السلام عليكم .
ابتسم مهيار وهو يشير صوب المرأة معرفًا الجميع عليها :
_ ها هي المسؤولة عن مساعدة زوجتك قد أتت، سمو الأميرة تبارك ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تسحب خارج الجحر وهو يحمل بين كفيه رسالة كتب بها كل ما يريد إيصاله للمالك، ولأن سبز كانت الاقرب له والاقرب للجحر، فقد وقع اختياره عليها وتحرك بخفة صوب الحدود الخاصة بالجحر يوصل الرسالة للملك بارق ليحذرهم مما ينتوي أصلان.
ظلام الليل كان ستار له يختفي بين جنباته، يعلم جيدًا يكيف يخرج دون أن يشعر به أحدهم وكيف يوصل رسالة بكل بساطة، وقد فعلها سابقًا بالفعل .
لكن في خضم أفكاره وهو يشجع نفسه على الانتهاء من الأمر بسرعة، نسي أن الجحر هذه المرة لا يقع تحت امرة أنمار العزيز، بل كان وللأسف الشديد تحت حكم أصلان...
الرجل الذي استحق من بين الآلاف من الجنود أن يحمل لقب قائد جيوش سبز بأكملها عن جدارة.
كانت أنفاس نزار بطيئة وكأنه يخشى أن يسمع أحدهم صوت أنفاسه، وبمجرد أن وصل للحدود الخاصة بالحجر حيث تقبع ثغرتهم التي أخبره بها ملك الثغرات " الوليد" بدأت أنفاسه تعلو وتعلو وهو يهرول بشكل جنوني خارج المكان بسرعة كبيرة يتحرك في طرقات محفوظة، يبحث بين الاشجار عن الحصان الذي تركه استعدادًا لهذه اللحظة .
وبالفعل بمجرد وصوله للشجرة التي ربط بها الحصان، حتى ازدادت هرولته وانفاسه، وما إن صعد فوق ظهره حتى نغزه بسرعة يتحرك في طريقه لأبى والتصميم يعلو نظراته والرعب يسكن قلبه .
يحمل بين يديه رسالته التي خط بها كل ما وصل له، لكن ما كاد الحصان يتجاوز عدد خطوات معدودة حتى شعر به نزار يتهاوى مطلقًا صهيل مرتفع حطم سكون الليل وقد بدى أن الحصان ينازع الموت .
وقد كان، فما إن تحرك بخيله حتى أصاب الحصان سهمًا أسقطه ارضًا بعنف شديد مما تسبب في ارتفاع صرخة نزار والتي كانت مصدومة أكثر منها متألمة ..
لم يشعر سوى بجسده يتدحرج بعنف كبير مع الحصان ارضًا، وقد كان ثقل الأخير يقبع فوقه، ليكبت نزار صرخة أخرى كادت تخرج من فمه يحاول سحب جسده من أسفل الحصان وقد بلغ من الوجع مبلغه، لكن كل محاولاته توقفت تمامًا حينما شعر بظل يخفي ضوء القمر عنه .
رفع عيونه ببطء شديد وقد علم في نفسه من يكون صاحب الظل، وصدق حدسه حينما أبصر بسمة أصلان الذي همس له بصوت بدا كالفحيح :
_ ليس من الآمن التحرك في غابات سبز في مثل هذا الوقت المتأخر سمو الامير خاصة في وجود بعض الاشخاص السيئين في الإرجاء، تمامًا مثلنا ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبواق الحرب انطلقت، أو ربما تلك فقط اصداء متأخرة، وربما الحرب كانت قد بدأت بالفعل دون أن نعي ذلك، والآن فقط ابصرنا نيرانها ....
دمتم سالمين.
رحمة نبيل .
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رحمة نبيل
الثامن والثلاثون| الخامس عشر من مُحرم |
فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا تَعِيشُ بِذِكْرِهِ
فَالْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا حَدِيثٌ يُذْكَرُ.
صلوا على نبي الرحمة .
قراءة ممتعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رفع عيونه ببطء صوب المرأة التي توقفت أمامه يرمقها بتردد، ورغم أن لا أحد في المكان توجه له بما يشعره بالامر، لكن في هذه اللحظة كان إلياس لا يشعر بالراحة في هذا المكان، وشعر لوهلة بالندم على المجئ .
نظر صوب فاطمة ثواني وكأنه يفكر في الهرب بها من المكان، وبالفعل كان على وشك فعل الأمر، لولا تحدث تبارك بهدوء شديد حينما أبصرت شحوب ملامحه واعزت قلقه الظاهر على زوجته كما سمعت من مهيار :
_ لا تقلق يا سيد ستكون زوجتك بإذن الله بخير، فقط ساعدنا لنأخذها إلى الداخل حتى نــ
_ لا ....
كلمة واحدة قاطع بها إلياس حديثها لينظر لها بتردد وقد أدرك ما فعل منذ ثواني .
أما عن تبارك فحدقت به بعدم فهم، ومن ثم نظرت جوارها لمهيار الذي تحفزت ملامحه وهو يرمق الرجل بريبة، ليتدخل الحكيم في هذه اللحظة وهو يحاول أن يحسن بعض الشيء من صورة إلياس التي يقسم أن يفسدها كل ثانية.
_ اعذريه سمو الأميرة هو لا يقصد أي إهانة بالطبع، هو فقط متوتر ويكاد يُجن منذ ما حدث لزوجته، المسكين تزوج لتوه ليُصدم بحالتها، هيا ...هيا يا ولدي أحمل زوجتك للداخل كي نساعدها هيا .
نظر لهم إلياس برفض ولم يكد ينطق كلمة إضافية حتى سمع صوت الحكيم يردعه عن أي تراهات ينطق بها، ومن ثم زجره بنظراته موبخًا:
- تحرك وأحضر زوجتك كي تطمئن عليها إلياس وتوقف عن قلقك هذا، سمو الأميرة هنا لتساعدك.
نظر لهم إلياس ثواني برفض ظاهري جعل تبارك تشعر بالريبة منه، لكنها تماسكت فماذا يمكن أن يفعل وهو في قلعة سفيد ؟!
ابصرته يتحرك بهدوء صوب العربة يسحب منها جسدًا صغيرًا مغطى بالكامل من رأسه لأخمض قدميه، ومن ثم نظر لهم يتحدث بصوت خافت:
_ إلى أين ؟؟
أشارت له تبارك بهدوء صوب المشفى الخاص بالنساء :
_ من هنا رجاءً أول غرفة تقابلك على اليسار وأنا قادمة لفحصها .
هز رأسه برتابة وتحرك يحملها بين يديه وهو يحدق في وجهها بحزن والهم يرسم خطوطًا واضحة فوق معالم وجهه، ليسلب تعاطف وشفقة تبارك عليه وهي تبصر مقدار معاناته لأجل زوجته، تنهدت بصوت مرتفع تراقب الحكيم وهو يتحرك ليسحب العربة بعيدًا عن الساحة، ولم يتبقى سوى هي ومهيار .
_ هذا الرجل مريب بشكل كبير .
استدارت تبارك صوب مهيار تحدق فيه قليلًا قبل أن تعود بعيونها صوب الطريق الذي سلكه إلياس:
_ ظننت أنني الوحيدة التي لاحظت الأمر، على كلٍ أعتقد أن هذا بسبب مرض زوجته، أعانه الله.
صمت مهيار وهو ما يزال يحدق في الطريق :
_ لا أدري ربما، على كلٍ سأرافقك للمشفى وانتظرك حتى تنتهين من فحصها وأعلم ما سنفعل معها، الحكيم أخبرني أن غيبوبتها مستمرة منذ يوم وأكثر، وهذا مقلق خاصة أنه أشار إلى أنها تعاني نزيفًا قويًا في الرأس.
_ وما سبب النزيف يا ترى !!
_ لم يخبرني، لكننا سنعرف ذلك بعد ثواني .
همست تبارك بصوت منخفض :
_ تبدو الفتاة صغيرة، جسدها وهن وبشدة ربما لم تتحمل الأمر وكان هذا سبب الإغماء .
_ دعينا نتأكد بأنفسنا، هيا لنلحق بهم .
سارت معه تبارك وهي تفكر في حالة تلك المسكينة التي سقطت ضحية الإعياء بعد زواجها بقليل من الايام كما أشار الحكيم :
_ مسكينة، عسى الله أن ينجيها من أي سوء ويتلطف بقلوب من يحبها ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هونها عليك يا أخي.
تنفس المعتصم بصوت مرتفع وهو ينظر حوله بعجز بعدما تحرك مع زيان صوب العاصمة كي ينتشل المتبقيين من المندسين ويساعد في نقل المصابين من التسمم، وايضًا يبحث عنها بين الطرقات .
وزيان يراقبه كالمجنون يدور بعيونه في المكان يناجي الجدران يسألهم عن " فاطمة" ولو استطاع لحدثهم يستعطفهم بحالته، يشعر بانقباضة صدر، يخشى أن تكون قد أُصيبت بأذى يفقده إياها.
_ والله لن تهون بسواها زيان، أنا حياتي أصبحت....لم تعد هناك حياة من الأساس.
همس الكلمات الأخيرة بروح خالية من أي علامات توحي بوجوده بينهم في هذه الحياة يدور حول نفسه يراقب الجنود منتشرين في الإرجاء وزيان يتابع نقل المصابين للعربات.
_ اصبر وما صبرك إلا بالله، ستعود فلا مكان لها سواك حسب ما أعلم، كنت كل عائلتها وما لها سواك .
دار المعتصم بعيونه في المكان يهتم بقهر :
_ لست بحالٍ أفضل منها زيان، فما لي سواها، ثم أنا اشعر يقينًا أن الأمر لم يكن بإرادتها، هذه المرة هي ليست بخير، اقسم بالله أن انقباضة صدري تكاد تخنق خفقاته و....
فجأة توقف عن التحرك بشكل غريب وقد اتسعت عيونه بقوة يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي، وزيان يراقبه بقلق وخوف يضغط على كتفه بتسائل :
_ ما... مابك يا المعتصم هل أنت بخير ؟! ما بك ؟!
ابتلع المعتصم ريقه بصعوبة وهو يحاول التحدث بشكل طبيعي، ثم نظر صوب زيان يهمس بصوت مختنق وكأنه فقد قدرته على الحديث :
_ لا ....لا ...هي ...هي لها عائلة، هي لديها عائلة.
تعجب زيان من كلماته يحاول فهم ما يقصد، بينما المعتصم ارتجف بقوة وقد شعر بالمكان يدور حوله وهو يكتشف الآن ما اغفله في خضم رعبه وقلقه عليها وسخطه على حالها، يهتف بحرقة :
_ لديها عائلة، لديها عائلة...
تراجع بظهره بعيدًا عن زيان الذي حاول معرفة ما يقصد المعتصم، لكن الأخير لم يمتلك حتى الوقت بالتوضيح وهو يسارع صوب حصانه يمتطيه، ومن ثم انطلق به بشكل مرعب وعيونه قد بدأت تشتد بشكل مخيف، ينظر أمامه والجحيم يرافقه ..
دقائق طوال استمرت لنصف ساعة حتى وصل للقصر ليترجل عن الحصان بسرعة كبيرة يتحرك صوب الجنود المداومين على حراسة البوابات يصرخ بنبرة هلعة وهو يقتحم غرفة المراقبة :
_ اعطني دفاتر المغادرين من القصر لليومين السابقين.
نظر له الرجل والذي انتفض عن مقعده برعب من مظهر المعتصم والذي كان أحمر العينين مبعثر الخصلات، وكأنه يخفي قاتل خلف قناع اللطف والهدوء.
ولم يكد يستفسر حتى ضرب المعتصم المقعد أمامه بجنون :
_ اعطني ذلك الدفتر اللعين .
تحرك الرجل بسرعة يحضر له ما طلب، بينما المعتصم يقف في مكانه وكأنه يقف على جمر، كيف كيف غفل عن الأمر، كيف غفل عن وجوده المفاجئ واختفائه المفاجئ ؟!
عاد له الرجل بالدفتر لينتزعه المعتصم من بين أنامله يقلب صفحاته بسرعة للتاريخ الذي اختفت به فاطمة وما يليه، يمرر عيونه على الكلمات بسرعة كبيرة وبسبب توتره لم يستوعب نصف المسجل أمامه من شدة لهفته وكأن ضباب مشاعره غطى عيونه، ليظل يقرأ مرة واثنتان وثلاثة بعجز .
رفع عيونه بعجز شديد ينظر للرجل أمامه وقد شعر أنه لا يستطيع القراءة، فقد قدرته على التحكم بكافة أطرافه، يمد يده بالدفتر صوب الرجل يتحدث بصوت خافت مرتجف :
_ هل .... أخبرني إن خرج في هذا اليوم شخص يُدعى إلياس فأنا لا ابصره جيدًا ؟
نظر له الجندي بشفقة، يمسك الدفتر وأخذ يفحصه بشكل محموم واهتمام شديد، حتى رفع رأسه بلهفة كبيرة وهو يشير صوب تاريخ ووقت معين يجاوره عدة اسماء يهمس بأمل :
_ هذا هو سيدي ؟!
اقترب منه المعتصم وهو يركز على الاسم يحاول أن يمحو غشاوة عيونه التي تغطيها بقوة وفكرة أن تكون زوجته كل ذلك الوقت بين يدي ذلك المختل تنحر المتبقي من تماسكه، ابصر اسم إلياس يتموج أمام عيونه وجواره وقت الخروج نفسه الوقت الذي اختفت بعده فاطمة...
انهار المعتصم وقد تأكدت ظنونه، يهتف بصوت مرتجف :
_ هل ...هل فتشتم العربة ؟؟
نظر له الجندي ثواني دون رد ليدرك المعتصم رده فتكون ردة فعله هو ضربة قوية لكل ما وقع أمامه يصرخ بجنون:
_ لعنة الله عليه إن كان السبب، ليلعنه الله إن مسها، لعنة الله عليه، كيـــــــــــف ...كيــــــــف خرج وأنتم جالسون دون تفتيش، كيف؟!
تنفس بعنف وقد شعر بجسده يشتعل بنيران الغضب ينظر حوله بجنون يفكر من أين سيحضره الآن، كل ما يعرفه عنه أنه يسكن سفيد ...
ابتلع ريقه وقد همس بإصرار وقهر :
_ لا بأس....لا بأس، حتى لو اضطررت لقلب سفيد رأسًا على عقب سأفعل ...سأفعل ......
ـــــــــــــــــــــــــ
تجلس في الشرفة الخاصة بها ارضًا تراقب السماء بأعين منطفئة، تضم قدميها لصدرها وهي تستند برأسها عليها شاردة لا تشعر بما يدور حولها .
تشعر أنها في كابوس، ما تزال حتى هذه االحظة تبكي طفلها، ترثي نفسها، صغيرها الذي لم تبكيه لحظة على مرأى أحدهم، كانت الجدران هي أكثر من يشهد انهياراتها عليه .
القهر في نفسها يزداد، تتخيل ما حدث معه قبل موته، شعوره الذي شعره اثناء قتله، صدمته أن الفاعل والده، لم تعرف كيف قُتل ولا تريد أن تعلم كي لا تصاب بنوبات هلع، ويرافقه موته أثناء كوابيسها، تكفيها أحلامها التي تسيل منها دماؤه .
_ في الجنة يا صغيري، كنت ....رجلي ورفيقي، مت رجلًا صغيري، أثق أنك كنت ستكون رجلًا قويًا للغاية لاتشبه والدك في شيء، لكنها رحمة الله بك أن رحمك من خزي حمل اسمه المتبقي من حياتك، يكفيني أنا أن احمل خزي الزواج بهكذا رجل .
اغمضت عيونها وهي تحاول إبعاد صورته عنه عيونها واصواته الهامسة لها ما تزال تتردد وهو يلقي على مسامعها كلمات حادة كل يوم ليحطم منها أكثر وأكثر ظنًا أنه سيحصل على فتات من تحطيمها يجيد تشكيلها لاحقًا، ولم يعلم أنه سينال شظايا تقطع كفيه وتخضبهما دماءً .
" ماذا تظنين نفسك أنتِ يا امرأة ؟؟ تتحدثين بهذه الوقاحة و...."
" أميرة سبز "
كانت كلمات باردة قاطعته بها وهي تنظر له بهدوء وملامح جامدة للغاية، وهو يراقبها بشر، لتهتف هي دون أن تعطيه فرصة التحدث حتى :
" من أظن نفسي ؟! أميرة سبز، والسؤال هنا هو من تظن نفسك انت ؟؟ اعطني شيء يميزك عدا كونك زوجي أنمار"
ختمت حديثها وهي تبتسم له بسمة مستفزة تراقب وجهه الذي اشتد احمراره وقد وصل لحافة غضبه يكاد ينفجر مما يحدث .
فجأة تراجع جسد توبة ساقطًا على الفراش خلفها بقوة حينما تلقت منه صفعة تبعها صرخته المرتفعة:
" أنا ابن المستشار الأول للملك أيتها الـ****، وإن ظننتي أن زواجي منكِ ميزة تضاف لي، فزواجي منكِ شفقة مني على حالتك البائسة أيتها الولهانة"
رفعت عيونها له ترمقه بشر قبل أن تنتفض صارخة في وجهه:
" لا بائس في هذه الغرفة سواك أيها الـحقير، تلقي زوجتك بالسوء جزافًا أيها الحقير، أنا الأميرة توبة تتهمني بشرفي يا عديم الشرف والنخوة، وأنت تبطش كالحيوانات أينما وجدت امرأة ؟؟"
بصقت ارضًا وهي تهتف بصوت غاضب وقد التمعت عيونها بالشر :
" كلماتك هذه آخر كلماتك ستنطقها وأنا على اسمك، فلن أحيا ثانية واحدة مع نصف ذكر، سأكون ملعونة إن سمحت لك بلمسي مجددًا أيها الحقير "
ختمت كلماتها ترفع حجابها تضعه على رأسها وهي تتحرك بسرعة كبيرة خارج الجناح وقد قررت قرار لا عودة فيه، لن تظل زوجته يومًا إضافيًا ليس بعد ما فعل، لكن ما كادت تصل غرفة والدها حتى أبصرت حالة الاستنفار بالقرب منها لتهتف بهلع ورعب :
" أبي ؟؟؟"
تنهدت بصوت مرتفع تسحب نفسها من تلك الذكريات السيئة تحاول أن تبعد كل ذلك عن عقلها، كل ما مرت به من بعد ذلك اليوم وسقوط والدها في غيبوبة لا تنتهي، وتعاون الجميع مع أنمار ليتسلم أمور البلاد دون الرجعة لها ..
أبعدت كل ذلك عن رأسها وهي تبدل صورة أنمار التي تشعرها بالاختناق، بصورة أخرى جعلتها تبتسم دون وعي وهي تهتف باشتياق وخوف:
_ نـــــــــــــزار .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ نزار ...نزار هل تسمعني ؟! نزار يا أخي هل تسمعني أرجوك اجبني .
أصوات تأتيه من بعيد وشعور قوي بالوجع يسكن كل جزء من جسده، عظامه يشعر بها متحطمة، ووجع كبير في يديه وهو يشعر أنهما ستخلعان من مكانهما .
فتح عيونه بصعوبة ليبصر أمامه وجه الوليد وهو ينظر له بخوف يهتف بكلمات لا تصل له، فقط همس دون وعي :
_ أنا عطش ..
هتف الوليد بسرعة وهو يحاول تحريره من القيود التي تربطه بالحائط بعدما تم الإمساك به في محاولة لتسريب خطة أصلان وتم سجنه في هذا المكان وتعذيبه دون رحمة .
_ فقط دعني اساعدك للخروج من هنا، كان ....كان قرارً خاطئًا منذ البداية، دعنا نخرج من هنا .
رفع نزار له عيونه بصعوبة وهو يحاول التحدث، لكن الوليد لم يمنحه فرصة وهو يسارع في فك أسره، ومن ثم حمل جسده أعلى ظهره يتحرك به بسرعة كبيرة من المكان، سرعة لا تناسب حمله لوزن نزار، لكنه كان يدرك أنه إن لم يخرجه في هذه اللحظة من الجحر فلن يستطيع الخروج ولن يسامح هو نفسه لتعريضه للخطر .
يتحرك وهو يبكي بخوف عليه، لا يزال يتذكر كلمات أحد رجاله الذين يعملون تحت أمرته في الجحر وهو يهتف له بلهفة :
" سيدي لقد أمسك أصلان بالامير نزار وقد كان في حالة يرثى له وأخذه للسجون ولا يبدو أنه ينتوي له خيرًا "
تحرك يحمل فوق ظهره نزار وهو يسير خلف اثنين من رجاله الذين يؤمنون له الطريق، يهمس كلمات غير مفهومة على مسامع نزار :
_ لو علمت أن سيري في هذا الطريق سجعلني أخسر الشخص الوحيد المتبقي لي في الحياة ما وطأته، فقط لا تتركني يا أخي.
كان يهذي بكلمات غريبة ونزار يعي لكل ما يحدث، لكن الوجع في جسده جعله عاجزًا عن الرد بكلمة واحدة .
وصل به الوليد لمكان غريب لأول مرة يبصره ومن ثم وضعه على الحصان وهو يربت على ظهره يهمس :
_ لا بأس يا أخي، لن اسمح لأحدهم باذيتك ليس وأنا حي .
_ إذن سيكون وأنت ميت يا الوليد..
توقفت يد الوليد عن التربيت على ظهره نزار الذي لم يتمكن حتى من فتح عيونه لينظر إلى المتحدث والذي كان يدركه فقط من صوته، حاول رفع رأسه حتى وفشل، ولم يصل لمسامعه سوى صوت الوليد وهو يهمس له :
_ اذهب لسبز واختبأ هناك هي اقرب لك، اختفي عن الوجود وعش حياتك يا أخي وتذكرني في دعواك لعل الله يغفر لي .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت أمام ملجأه وهي تتنفس بصوت مرتفع وكأنها تحاول شحذ قواها لمواجهته تدرك أنه الآن في أكثر لحظاته قهرًا وضعفًا، وبدراسة شخصية زوجها العزيز، فهذه واحدة من اللحظات التي يرفض كليًا مشاركتها أحدهم، لكنها ليست أحدهم .
مدت يدها تفتح مقبض المنزل الذي يجلس به خلف القصر، لكنها تفاجئت به مغلقًا، ضيقت ما بين حاجبيها وحاولت فتحه مرات عديدة وفشلت، لتتنفس بشكل عميق وهي تطرق الباب بهدوء :
_ أرسلان أنت في الداخل افتح هذا الباب .
لكن لا رد، لا صوت وصل لها يخبرها أن هناك أي أحد في الداخل، فقط هدوء الليل المريب والقمر الذي يتوسط السماء منبئًا ببداية الأيام البيض التي تتوسط الشهور الهجرية، وتحديدًا منتصف مُحرّم .
نظرت صوب القمر ثواني وكأنها تذكرت فجأة شيئًا، كلمات متناثرة بالفارسية عن شيء سيحدث في منتصف الشهر، منتصف الشهر ؟! أي غدًا ؟! أم اليوم حيث الليلة الأولى من نصف الشهر ؟
طرقت الباب مجددًا بجدية وصوت متلهف :
_ أرسلان افتح هذا الباب هناك ما احتاج لاخبارك إياه، افتح ودعني ادخل رجاءً، أرسلان هل تسمعني حتى ؟! أرسلان افتح هذا الباب ارجوك، لا تفعل هذا بي وتنبذني بعيدًا عن حياتك، أرسلان اترجاك....
وفي ظلام الحجرة في الداخل .
يجلس بهدوء مستندًا على الجدار برأسه وهو يراقب السماء التي كانت واضحة له من زجاج شرفته برتابة ظاهرية، واحتراق داخلي، ومائة فكرة وصوت يترددون في عقله، هل هو مجبر على ذلك؟! هل هو مجبر أن يحيا حياته مقيدًا بهذا الشكل ليتم في النهاية الطعن به وبشرفه، ما الذي جناه من كل هذا ؟!
سقطت دمعة على وجنته وشعور القهر والمرارة يملئان صدره، الخذلان يتغذى على قلبه وقد اكتفى، اكتفى من كل ذلك، يشعر بفقدانه القدرة على المواصلة في كل هذا، يتساءل إن كانت هناك نهاية لكل ما يحدث له، نهاية سعيدة في مكان بعيد عن هذا.
مكان كبير ملئ بالزهور الملونة وهي تجلس في منتصفه تنتظره ليلقي بنفسه بين أحضانها ويغفى على قدمها بهدوء شديد ويلقي بالدنيا وما فيها خلف ظهره .
تنهد براحة من مجرد التخيل، وقد كان في عالم بعيد لا يسمع شيء مما تقوله سلمى في الخارج، يحيا معها داخل عقله غير واعيًا لشيء .
شعر بالضيق يتمكن من قلبه مجددًا والشيطان يوسوس له بكلمات جعلته ينتفض من مكانه يصرخ بصوت مرتفع يحطم ما حوله بشكل محموم يتنفس بقوة، يندفع بعيدًا عن المكان صوب المرحاض وقد شعر بتحكم الأفكار السوداء به، قرر الصلاة كي يبعد كل ذلك عن عقله، قرر البحث عن سكينته في المكانة الذي كان متأكدًا أنه سيجدها فيها .
كل ذلك ولم يخترق قوقعته صوت سلمى الذي ارتفع برعب من الخارج وهي تزيد من طرقها على الباب تهتف باسمه مرتعبة مما قد يفعل بذاته .
_ أرسلان لا تفعل هذا بي، افتح هذا الباب وأقسم أنني لن أتحدث معك بكلمة واحدة، فقط أكون جوارك ولو صامتة، لا تعزلني وتبعدني عنك أرسلان، أرسلان أرجوك.
ختمت كلماتها بنبرة باكية خافتة وهي تنهار ارضًا تستند على الباب تهتف بصوت مختنق باكٍ :
_ أتوسل إليك لا تفعل بي هذا، لعنة الله على عالم يحزنك أرسلان، إن نبذك الجميع، فأنا مازلت أريدك، ما زلت أريدك ولو رفضك الجميع، مازلت اتقبلك ولم يعد لي غيرك .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات طويلة من كل ذلك :
الاجساد تتحرك في الظلام بشكل غريب، ظلال وهمسات واستنفار غريب داخل العاصمة في مشكى، ليس فقط مشكى بل كانت الحركات منتشرة في الاربع ممالك .
الاصوات تتهامس والاعين ترسل إشارات معروفة متفق عليها .
فجأة وفي ظلمة الليل وفي لحظة واحدة، منتصف الليل وبداية منتصف الشهر، ارتفعت أصوات مفاجئة ضجت في المكان.
ولم يكن ما يحدث يقتصر على مجرد أصوات صاخبة ايقظت الأموات من قبورهم، بل كانت جحيمًا فُتح على الجميع، انفجارات متتابعة بدأت تدوي في أرجاء الممالك الاربعة وفي أماكن معينة مدروسة بدقة .
وفي ثواني تحول الليل الهادئ لنهار من شدة النيران التي اندلعت عقب الانفجارات .
وقد بدأت اصوات الصرخات تعلو في المكان وكلٌ يلوذ بحياته وحياة ذويه، منهم من يمسك بيد طفله ويركض به، والبعض يهرول في الطرقات يحاول إطفاء نيران جسده، وهذا يصرخ هلعًا وهو يحمل يين كفيه جسد ابنته المحترق.
انتشرت الفوضى في الممالك في ثواني وقد بدا وكأنها إبادة جماعية لسكان الممالك ..
سفيد :
انتفض جسد سالار بسرعة وهو يركض بسرعة في الطرقات بعدما انطلقت أبواق الانذار تضج في القصر، لا يبصر أمامه سوى دخان ونيران بدأت تملئ سماء سفيد يردد بصوت مرتفع :
_ يا الله يا مغيث يا الله يا مغيث ..
كان الجميع يركض يحاول تدارك ما يحدثه، وقد كان أول من ينطلق خارج القصر هو إيفان الذي هرول يمتطي أول حصان قابله، عيونه متسعة بفزع وكأنه يبصر اشباحًا أمامه، يتحرك بحصانه بسرعة صوب أصوات الانفجارات التي بدأت تزداد تغطي على أصوات الصرخات، قلبه يكاد يتوقف وهو يتنفس بصوت سريع يبصر الجميع حوله يهرولون للمساعدة .
فجأة توقف على بداية الطريق المؤدي لساحة العاصمة وقد انعكست النيران في عيونه لتسبب له صدمة جمدته في مكانه، يهمس بصوت مرتعب وقد شحب وجهه :
_ يا الله رحمتك بنا ...
انتفض على صوت سالار الذي كان يصرخ بصوت جهوري في الجميع وقد قفز عن حصانه دون توقفه حتى يبصر عجز الجميع عن التصرف وقد كانت البحيرات تبعد عن مكان الانفجارات وكأنهم اختاروا أماكنهم بعناية :
_ الآبار، استعينوا بمياه الآبار، والبعض يركض لسحب مياه من البحيرة التي تتوسط المشرق، تحركوا قبل أن تلتهم النيران المزيد من المساكن .
استفاق إيفان من صدمته وهو يهبط عن حصانه يهرول بسرعة صوب المنازل يساعد الجنود في إخراج الناجيين منها وقد عمت الفوضى في المكان وهو يصرخ بصوت مرتفع :
_ للقصر ليتوجه جميع الناجين صوب القصر، الجميـــــع يتحــــرك للقصـــــر الآن........
آبى :
_ أبي هل مازلت مستيقظًا ؟!
نظر آزار خلفه بعدما سمع صوت ابنته، يمنحها بسمة حنونة مشيرًا لها أن تقترب لتجاوره شرفة غرفته :
_ هذا السؤال الذي يجب أن أسأله أنا لكِ صغيرتي، ما الذي تفعلينه مستيقظة حتى الآن ؟!
_ لا شيء كنت فقط أقرأ بعض الكتب في المكتبة وقد طار النوم من عيوني .
صمتت ثواني وكأنها تمتلك ما تتحدث بها، لكنها مترددة في كيفية طرحه :
_ أبي هو ...هل ...هل سيعود أخي قريبًا ؟!
ابتسم لها آزار بحنان وقد كانت ابنته واحدة من القلائل في قصره الذين يعلمون حقيقة نزار وقد أبى أن يفسد في عيونها دور البطل الذي ترى بها شقيقها، أبى أن يكسر صورة ابنه في عيون شقيقته ولو كان كذبًا .
_ إن شاء الله حبيبتي سيعود قريبًا، فقط دعينا ندعو الله أن يعيده لنا بخير حال .
اقتربت منه وهي تستند على صدره تردد بصوت حزين بعض الشيء:
_ اتمنى فقد ...اشتقت له كثيرًا .
ابتسم يقبل خصلاتها بحنان مربتًا عليها بلطف :
_ وهو كذلك اشتـ...
فجأة علقت الكلمات في حلقه حينما أبصر السماء المظلمة تتحول لنهار من شدة النيران التي ارتفعت في المكان عقب صوت إنفجار قوي، انتفضت ابنته صارخة بين يديه ليضمها له آزار وهو يهمس بصدمة كبيرة جمدته في أرضه :
_ بســــــــــم الله.......
سبز :
تحركت بين الممرات تحمل يين يديها الاعشاب الخاصة بوالدها وهي تسرح بها وكأنها تحكي لها عن صاحبها، تشكو لها شوقها له .
أبعدت عيونها عنها وهي تسير صوب الغرفة تتوقف أمامه تمد يدها لطرق الباب، لكن وقبل أن تفعل انتفض جسدها تطلق صرخة مرتفعة تزامنًا مع ارتفاع أصوات الانفجارات في الخارج .
اتسعت عيونها وهي تركض بسرعة ورعب في الممر حتى وصلت للنافذة التي تقبع في نهاية تبصر منها ما يحدث بأعين فزعة مرتعبة، وقد ارتجف صدرها لتسقط طبق الاعشاب ويتهشم أسفل أقدامها، تراجعت بخوف للخلف وهي تحاول أن تتماسك .
ركضت في الممر بسرعة وهي تصرخ باسم والدها :
_ أبـــــــي، أبـــــي ..
كان الخوف يعلو ملامحها وهي تسمع أبواق الإنذار تدوي في المكان وأصوات الصرخات تزاحمها الأجواء .
توقفت أمام باب غرفة والدها ولم تكد تطرقها حتى أبصرت جسد بارق يندفع من المكان بسرعة وهو يصرخ بصوت جهوري :
- اذهبي للملجأ الغربي توبة، خذي نساء القصر واذهبي للملجأ الغربي ..
ومن بعد تلك الكلمات تلاشى جسد بارق وهو يهرول مع جنوده للبحث عن المتسبب في الأمر تاركًا إياها تراقبه بأعين دامعة خائفة وبقوة ..
مشكى :
انتفض جسد سلمى بقوة وهي تنظر حولها بعدم إدراك لما يحدث وقد غفت دون شعور من التعب أمام باب المنزل الذي استقر به أرسلان، لكن ما بال الأرض أسفلها ناعمة بهذا الشكل .
فتحت عيونها تحاول إدراك المحيط بها، لتبصر غرفتها وفراشها وموزي جلس أمامها يتناول بعض الطعام ملوثًا المكان بأكمله وخالد معه يتحدث له بكلمات غير مفهومة .
نظرت لهم سلمى دون إدراك وهي تقسم أنها كانت أمام ملجأ أرسلان، كيف جاءت هنا ؟!
_ أنت من احضرني هنا خالد ؟!
رفع خالد عيونه لها وهو يتنفس الصعداء :
_ واخيرًا استيقظتي ؟! لقد خفت عليكِ كثيرًا منذ عاد بكِ زوجك شاحب الوجه يحملك بين ذراعيه، الغريب أنه سمح لي بالبقاء معكِ أنا وموزي شريطة ألا نتسبب في ايقاظك، وها أنتِ فعلتي دون تدخل أحدنا.
ختم كلماته ببسمة وهو ينظر لها، بينما هي نظرت له بعدم فهم تفكر في الأمر قبل أن يحمر وجهها بقوة حينما أدركت أنه لم يسمح لها بالدخول في النهاية واحضرها هنا بكل بساطة، كانت هذه الفرصة الأخيرة التي وضعتها له بالحسنى والآن استنفذ كل تحضرها ولطفها معه ، طفح الكيل....
انتفضت عن الفراش تتحرك بقوة خارج المكان وهي تحمل معطفها ولم تكد تضعه على جسدها حتى اهتز جسدها بقوة تطلق صرخة تزامنًا مع ارتفاع اصوات صرخات موزي وخالد الذي فزع من الصوت المرعب الذي ارتفع في الخارج.
وضعت سلمى يدها على صدرها بخوف تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي، لكن اصوات الانفجارات التالية لم تكن تساعد في الأمر بأي شكل من الاشكال، ركضت صوب النافذة تراقب منها ما يحدث تحاول فهم ما جرى في الخارج، لتبصر الجحيم وقد تمثل لها على أرض الواقع .
لأول مرة تبصر مشهدًا كهذا بعدما كانت تبصره من خلف الشاشات، الآن تراها واقعيًا كما لم يكن يومًا، واقعًا يعايشه شعب بشكل يومي تقريبًا .....
شهقت برعب وهي تتراجع للخلف ولم تكد تنطق بكلمة حتى سمعت صوت صرخات أرسلان وهو يلقي بالتعليمات للجميع وصوته الجهوري يصل لها في غرفتها :
_ سيارات الخزانات، احملوها وتوجهوا بسرعة صوب العاصمة، افتحوا خزانات المياه في العاصمة، افتحوا كامل الخزانات حتى لو اغرقتم العاصمة، تحركـــــــــــــــوا ..
وارسلان عكس الجميع، وبعد نكبة مشكى الأولى أخذ يحمي بلاده ويضع في كل منطقة خزان مياه عملاق يستمد حمولته من البحيرات والبحار التي تحيط مشكى، وكأنه كان يخشى أن يمر شعبه بما يؤرق نومهم مجددًا...... وقد كان وللأسف الشديد أنه كان.
تحرك فوق حصانه بسرعة كبيرة صوب العاصمة وسلمى تراقبه بأعين متسعة وخوف بدأ يتغذى على ثباتها لتتحرك دون وعي وبسرعة صوب الأسفل.
أرسلان ليس في حالته الطبيعية وليس في كامل عافيته النفسية بعد كل ما مر به، لا تستطيع تركه يلقي بنفسه في التهلكة ..
تحرك خالد بسرعة من فوق الفراش وهو يلحق بها مرتعبًا أن يمسها سوء، لكن ما إن خرج خلفها ليلحق بها أبصر تيم وهو يركض مع بعض الرجال يصرخ لهم بتعليمات كثير فهم منها أنه يطالبهم بمساعدة النساء وإبعادهم مع الاطفال صوب الملجيء .
نظر صوب بوابة القصر حيث اختطفت أخته أحد الأحصنة ورحلت، ومن ثم نظر صوب احد المباني التي كان يرتفع منها بكاء أطفال وصرخات كثيرة .
كاد يهرول خلف سلمى لينفطر قلبه بشدة حينما سمع صوت أحد الأطفال وهو يصرخ باكيًا :
- لا أريد أن أموت كأبي، لا أريد أن احترق مثله.
ارتجف جسد خالد بقوة وهو يهرول بسرعة صوب الصغير يلتقطه من الارض بقوة لأحضانه، ومن ثم تحرك بسرعة صوب الأطفال يقودهم أمامه بلهفة :
_ هيا يا صغار تعالوا معي، هيا تعالوا معي، هيا .
كان يقودهم بعيدًا عن كل تلك الضوضاء وقد أبصر تيم ينظر له بامتنان يشير صوب أحد الجهات :
_ خذهم لهذه الجهة ستجد هناك ملجأ مؤمن، ساعدهم يا خالد أرجوك .
هز خالد رأسه بالايجاب وهو يتحرك بسرعة محركًا الصغار معه وهو يردد لهم بكلمات هامسة مطمئنة، يحاول بث الطمئنينة بصدورهم مشفقًا عليهم أن يبصروا كل ذلك في هذا العمر مدركًا أن الصغار لن يتخطوا كل ذلك بسهولة، هذا إن فعلوا من الأساس.....
ـــــــــــــــــــــ
كانت سرعة حصانها مرعبة بالنسبة لأمراة لم تمطيه سوى مرات تعد على أصابع اليد الواحدة، لكن في هذه اللحظة كان خوفها على أرسلان، يفوق رعبها من وضعها الراهن .
تتحكم بالحصان بصعوبة كبير ولا تعلم حتى كيف توقفه، كل ما تعلم هو أنها يجب أن تكون جوار أرسلان في هذه اللحظة وتساعده .
أبصرت حصان المعتصم يتحرك بسرعة أمامها لتتبعه بسرعة تضاهي سرعته وهي تنغز خاصرة الحصان، وقد اشتد خوفها مما يحدث وأصوات الصرخات في المكان حولها أصابها بالرعب والخوف حتى كادت تنهار لثواني لولا تماسكها وهي تهمس لنفسها بكلمات خافتة .
ابتلعت ريقها تتوقف فجأة بالحصان في إحدى الطرقات حينما أبصرت النيران التي بدأت تلتهم المكان حولها بشكل مخيف، حاولت التنفس بشكل طبيعي، تبلل شفتيها وهي تراقب ما يحدث بأعين مصدومة.
هي والتي لم تعش بمشكى سوى شهور شعرت بالقهر وقد اوجعها قلبها مما ترى، فما بالكم به وهو الذي وهب كل قطرة دماء بشرايينه لهذه البلاد .
حركت عيونها في الجميع تبحث عنه بخوف واضح، تبصر هذا يركض يحمل دلو مياه، وهذا يحمل طفل ويخرج به من منزل محترق .
وزيان يركض بجنون مع بعض الجنود يحمل المصابين بعيدًا عن الحرائق، كان يركض في الطرقات وكأنه اعتاد الركض طوال حياته، حتى أنه واثناء ركضه اصطدم دون شعور في صخرة ليسقط ارضًا بقوة يطلق تأوهًا مرتفع، لكنه عاد ونهض بسرعة غريبة يتحامل على نفسه وهو يسارع لنقل باقي المصابين .
انهارت سلمى وهي تبصر ما يحدث أمامها، وقد بدأ تنفسها يعلو بقوة تبحث عن مصدر امانها بين الجميع، لتبصره واخيرًا وهو يحمل دلاء المياه في كلتا يديه مع جنوده ويركض بها بين الطرقات محاولًا إدراك ما يمكن إدراكه.
جاءت لتساعده، لتدرك فجأة أنه طوال الوقت كان هو من يساعدها دون أن تشعر، ظنت أنها تدعمه لتعلم أن وجوده كان أكبر داعم لها في حياتها .
تراقب الجميع يتنقل هنا وهناك للمساعدة لما يمتلكون، وهي فقط تتابع ما يحدث بعيونها ولا تعلم ما تفعل، هبطت عن الحصان بشكل غير صحيح تمامًا تسبب في سقوطها، لكنها لم تأبه تفرك ركبتها بوجع، ثم تحركت في المكان تنظر حولها بتيه قبل أن تتحرك وتساعد في إخراج النساء وقد كانت تركض هنا وهناك تحمل طفل هذه وطفل هذه وتضعهم بالعربات التي تحملهم صوب القلعة، تساعد هذه العجوز وتعين هذا الشيخ .
وقد كان جسدها يرتجف مما ترى ورائحة الحريق تكاد تخنقها، تحاول مساعدة من يمكنها مساعدته وهي تقابلهم بلطف ونبرة رقيقة.
_ لا بأس تمسكي بي....دعني اساعدك يا عم هيا....امسكي يدي يا صغيرتي لنخرجك من هنا.
امسكت بيد طفلة صغيرة تسحبها بسرعة بعيدًا عن الحريق، لكن الصغيرة بكت وهي ترفض التحرك تصرخ متمسكة بالأرض أسفلها مشيرة صوب المنزل :
_ أمي بالداخل، لن أرحل دونها، لن أرحل.
نظرت لها سلمى وهي تنظر للمنزل الذي كان الحريق يلتهم جزء منه وفي طريقه للجزء الآخر:
_ لا بأس صغيرتي دعينا نخرجك من هنا، ومن ثم نخرج ماما و...
_ لا لا ... أنتِ لا تفهمين، أمي لا تستطيع السير، هي مريضة لا تستطيع التحرك ساعديها أرجوكِ، ساعديها لم أعد امتلك سواها وقد رحل أبي.
نظرت لها سلمى بصدمة قبل أن تحملها بسرعة وبالاكراه تركض بها صوب العربة تضعها هناك وهي تهمس لها بجدية :
_ ابقي هنا سوف أحضر لكِ والدتك حسنًا؟؟ اجلسي هنا ولا تتحركي.
همست بحنان، ومن ثم تحركت بسرعة صوب المنزل ولم تبصر السيدة التي مرت بجانبها وهي تتكأ بصعوبة على بعض نساء حارتها، أخذت السيدة تسير بصعوبة حتى وصلت للعربة مع جيرانها لتبصر ابنتها التي بكت بسعادة وهي تلقي نفسها بين أحضان والدتها المتعبة :
_ أمي حمدًا لله أنكِ هنا، لقد أرسلت لكِ الخالة لتخرجك لم أرحل دونك .
ابتسمت لها والدتها بتعب شديد ولم تكن تعي كلماتها، فقط ربتت على كتفها بحب، لتلقي الصغيرة نفسها بين أحضان والدتها تستمد منها الحنان .
وقد غفلت أنها للتو أرسلت سلمى لحريق لن تخرج منه بناجٍ وربما لن تخرج هي ناجية حتى .
تحركت سلمى بسرعة تبحث عمن يساعد في الأمر، لكنها أبصرت الجميع وقد كان مشغولًا بإطفاء الحريق، تحاول ايقاف هذا وذاك، ولا أحد يملك وقتًا للتوقف ثانية وسماع ما تريده، الجميع يهرول ليساعد بما أُمر به، نظرت صوب المنزل بعجز وهي تفكر في التراجع، لكن المرأة المريضة بالداخل وابنتها في الخارج وحدها، هل ستتحمل العيش بذنب طفلة فقدت امها وكانت تمتلك هي فرصة المساعدة ؟!
ألا يكفيها ذنب ياقوت الذي ما يزال يخنقها، تحركت بعد دقائق تردد داخل المنزل وقد شجعها أنه لم يكن قد احترق بالكامل.
اندفعت بسرعة صوب المكان وهي تغلق اذنها عن أي أصوات قد تلقي الخوف في صدرها وتمنعها الأمر، ومن بين تلك الصرخات كانت صرخة جندي وهو يبصر أمرأة تلقي بنفسها بين النيران ليهرول لها صارخًا بجنون :
_ مـــــا الذي تفعلينه، توقفي سيدتي، لا أحد بالداخل ..
لكن كانت صرخته متأخرة وقد دخلت سلمى بالفعل، اتسعت عيون الجندي بصدمة أكبر وهو يسمع همسة رفيقه من الخلف وقد انتبه على صرخاته منذ ثواني وتعرف على هوية سلمى في ثواني متحدثًا بصدمة بالغة :
_ هــــــــل هـــــــذه الملكــــــــة ؟؟؟
كان أرسلان يتحرك مع رجاله يطفئون الحرائق وينقلون المصابين لجهة بعيدة حيث زيان وفريقه الطبي يسعفونهم، أرسلان يهرول بين الجميع وهو يبصر خرابًا آخر ووجع آخر يحاول تدارك ما يحدث، يراقب للمرة التي لا يعلم عددها دمار بلاده وخراب ما كاد أن يصلحه .
تراجع وهو يتنفس بصوت مرتفع يردد بصوت مختنق :
_ إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا، اللهم أجرنا في مصيبتنا .
أخذ يراقب يعيونه الجنود وهم يتداركون الوضع ويخرجون كل السكان ويفرغون المكان، استطاعوا الخروج دون ضحايا رغم بشاعة الإصابات، انقذوا الارواح وخسروا المنازل .
اغمض عيونه وهو يراقب تحرك جنوده بعيدًا ببعض الناجيين يسمع صوت المعتصم وهو يركض صوبه يتحدث يصوت مرتفع :
_ مولاي الحمدلله لم نفقد ضحايا اخرجنا الجميع في الوقت المناسب وقد كانت الانفجارات بعيدة عن المنازل، لكن الحرائق الناتجة عن الإنفجار تسببت في خراب الكثير من المنازل والغلال وكذلك الكثير من الإصابات .
تنهد أرسلان براحة جزئية وقد حمد ربه أن خطط الاخلاء التي سبق ووضعها بعد نكبتهم قد أتت ثمارها :
_ لا بأس يا المعتصم، لا بأس، خسارة الأملاك تُعوض، غدًا نبنيها مجددًا كما فعلنا سابقًا، فقط حاولوا إطفاء الحرائق كي لا تمتد للمــ
_ مــــــــــــولاي، مــــــــولاي، إنهـــــــا المــلكـــــة، الملكة ألقت بنفسها في أحد المنازل المشتعلة تبحث عن ناجين و....
كانت مجرد كلمات هلعة نطق بها الجندي، لكنها كانت بمثابة قنبلة أخرى سقطت عليهم، لكن من بين الجميع لم تصب سوى أرسلان الذي شحب وجهه وارتجف جسده وهو يستدير بسرعة مرعبة صوب الجندي يهتف بعدم إدراك وقد دارت الأرض أسفله يتحدث بصوت مرتجف لأول مرة على مسامع جنوده :
_ ملكة ؟! أي ملكة تقصد أنت ؟؟
وكأن مشكى تمتلك ملكة غيرها؟! لكن عقله أبى تصديق ما سمع، وماذا ستفعل سلمى هنا، ولماذا ستلقي بنفسها في منزل محترق ؟! هو تركها آمنة في فراشها ليعود ويجدها هناك سالمة تنتظره ليعتذر لها، ويترجاها ألا تتركه وحده .
_ الملكة... الملكة، زوجتك مولاي.
وقبل أن يتبع جملته بجملة أخرى اندفع جسد أرسلان بجنون صوب الجهة التي أشار لها الجندي، يهرول كالمجنون وهو يدفع الجميع من أمامه يصرخ بلوعة مناديًا باسمها وقد توقف قلبه عن الخفقان .
ركض وركض حتى وصل لمنزل شبه محترق بالكامل يحاول جنوده إطفاء الحرائق باستماتة، والبعض يحاول الدخول، لكن النيران كانت تأكل كل ما يقترب منها، وارسلان يراقب كل ذلك بجسد مرتجف وقد شعر بالخوف يشل جميع أطرافه يراقب المنزل أمامه وقد انعكس اشتعاله داخل عيونه بعجز أصابه لثواني .
لكن سرعان ما خرج من حالة العجز تلك وهو يسمع صوت أحدهم يصرخ بجملة أبصر بها دمار حياته " الحريق يزداد شراسة، والملكة بالداخل، ليحضر أحدكم المزيد من المساعدات"
الملكة بالداخل .
الملكة بالداخل.
الملكة بالداخل .
المرأة الوحيدة التي سلم لها حياته، في الداخل، داخل الحريق ؟!
وعندما ضربت هذه الحقيقة مراكز الإدراك أطلق أرسلان صرخة مرتعبة يأمر جنوده باطفاء الحريق، وهو يركض كالمجنون صوب المنزل يلقي بنفسه بين ألسنة اللهب وصوته لا يتوقف عن النداء باسمها، وقد كان قاب قوسين أو أدنى من إلقاء نفسه بين أحضان الحريق لولا يد المعتصم الذي جذبه برعب بعيدًا عن المنزل يصرخ بخوف :
_ لا مولاي لا تفعل الحريق شديد، لا تفعل سوف نخرجها، أرجوك لا تفعل، سنخرجها، انتظر فقط ثواني ارجوك.
نظر أرسلان صوب المعتصم نظرة جمدت دماء الآخر داخل عروقه، لكنه لم يتحرك وقد عاونه تيم وبعض الجنود يجذبونه بعيدًا عن الحريق وارسلان يقاومهم بشراسة وهو يصرخ بهم :
_ دعوني، زوجتي بالداخل، اتركوني، هل جننتــــم ؟؟ زوجتي داخل الحريق، زوجتي بالداخل، والله لن اسامحكم والله إن مسها خدشٍ واحد لأحيلن حياتكم اجمعين لجحيم اسوء مما تبصر أعينكم الأن، اتركــــــــوني زوجتي بالداخل.
_ أرجوك مولاي فقط تمالك نفسك سوف نخرجها، لكن لا يمكننا فقدناك..
دفع أرسلان المعتصم بعيدًا وهو يلكمه بقوة صارخًا بجنون :
_ سأقتلك يا المعتصم قسمًا بالله سأقتلك إن لم تبتعد من أمام وجهي .
ختم حديثه يحاول جذب نفسه من بين أذرع جنوده، لكن الرعب الذي على وجوههم في هذه اللحظة والخوف الشديد من خسران قائدهم وملكهم كان أقوى من أي خوف أو رعب .
جن جنون أرسلان وهو يحاول الإفلات بيأس وقد بدأت صرخاته تزداد ونبرته ترتجف وهو يصرخ بهم :
_ دعــــوني لعنة الله عليكم اجمعين، دعوني زوجتي تحترق بالداخل، والله العظيم لأحيلن مشكى جحيمًا فوق رؤوس الجميع إن لم تتركوني، لأكونن أنا عدوكم أجمعين .
تحدث المعتصم بارتجاف :
_ نحن نتدارك الوضع مولاي، أرجوك فقط اصبر سوف نخرجها، لكننا لا نستطيع المغامرة بك ومشكى لا ....
جن جنون أرسلان ليتحدث دون وعي كلمات ما كان ليفكر بها حتى في حالته الطبيعية، ولسان خوفه من فقدانها هو من يتحدث :
_ ألا لعنة الله عليك وعلى مشكى، أنا أتنازل عنها وعنكم وعن الجميع، فقط لا أطلب منكم سواها، لم اطلب يومًا سواها، حتى الشيء الوحيد الذي اخترته بإرادتي الحرة تسلبوني إياه.
بُهت المعتصم وهو يدرك أن أرسلان محق هو أناني، لكنه مجبر على أن يكون، إن سقط أرسلان سقطت المملكة وستضيع بشعبها وتتدمر بالكامل، سيضيع شعبه بأكمله إن مس أرسلان سوء، ورغم ذلك تذكر أنه يومًا ألقى بنفسه في النيران لأجل فاطمة وسيفعلها مجددًا إن تطلب الأمر، نظر بعجز لأرسلان يدرك أنه سينفذ تهديده إن مسها سوء، لذا هز رأسه وهو يأمر الجميع بتركه .
لكن هذه المرة هم من رفضوا تنفيذ أوامره ليجن جنون المعتصم كذلك وهو يتحرك صوبهم يصرخ في وجوههم بترك الملك .
_ مابكم أنتم؟؟ هذه أوامر الملك أيها الحقير، دعه تيم هل جننت لعصيان أوامر الملك؟؟
وارسلان لم يفكر كثيرًا أو ينتظر لينتهي هذا النقاش، وهو يخرج خنجره ويصيب أول شخص أمامه وقد كان نفسه تيم الذي تراجع للخلف بصدمة ممسكًا ذراعه، يبصر أرسلان يضرب جميع من يمسك به وهو يهرول صوب المنزل المشتعل يضرب بابه بقدمه يلقي بنفسه بين النيران وقد أخذ عهدًا على نفسه، إما أن يخرج بها، أو يلحق بها ....
ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ إيفان أبتعد، إيفان ابتعد ما بك ..
كانت صرخات سالار ترتفع في المكان بأكمله، بينما إيفان يركض حاملًا بين ذراعيه طفل شبه محترق وهو يصرخ بصوت مرتفع :
_ الاطفال في الداخل سالار، الكثيرون هناك، تحركوا واخرجوا الصغار .
تحركت عيون سالار صوب المنزل الذي خرج منه إيفان، قبل أن يركض بسرعة وهو يشير لبعض الرجال بلحاقه، يتحرك بسرعة كبيرة ينقذ ما يمكن انقاذهم، وايفان يركض بشكل جنوني يحمل الاطفال ويخرجهم للعربات قبل أن يشعر فجأة بنيران تحرق ظهره ليطلق صرخة مرتفعة رن صداها في المكان ..
اتسعت عيون سالار وهو يبصر أحد الاجزاء المتداعية تهبط فوق ظهر إيفان ليطلق صرخة كما لو أنها سقطت فوقه هو، يهرول صوب إيفان يضرب الاجزاء المحترقة بقدمه يجذب إيفان بعيدًا عنها وهو يضمه له بخوف شديد يساعده للخروج من المنزل هاتفًا في الرجال حوله :
_ اسرعوا واخرجوا الأطفال اسرعوا وأخرجوهم من هنا .
تحرك بسرعة يسند إيفان الذي كان يتأوه بوجع يحاول أن يتماسك :
_ لا بأس سالار أنا.... أنا بخير ...بخير ....فقط اتركني وتولى الأمر، أخرج الصغار من الملجأ الخاص بهم، اخرجهم قبل أن يمس أحدهم سوء .
اجلس سالار في مكان بعيد عن النيران وهو يقطع سترته ينظر للحروق التي ملئت ظهره بشكل كبير :
_ أهدأ لقد حدث ما تريد اخرجناهم، أهدأ، نحن نتدارك الوضع .
أبعد إيفان عيونه عن سالار الذي أخذ يقيم جروح ظهره، ومن ثم نظر لبلاده بأعين ضبابية من الدموع يهمس بصوت موجوع على بلاده وشعبه وقد سقطت دمعة دون شعور منه وصوته خرج محملًا بغصة قهر وبسمة لا تلائم الوضع ارتسمت على فمه :
_ أتضح أن أرسلان كان اقوانا طوال الوقت، لم يكن يبالغ حينما مازحنا بأنه اشدنا بأسًا، هو كذلك بالفعل، كان....كان جبلًا ليتحمل رؤية بلاده لشهور تعاني مما نعانيه نحن في ساعات ولم ينهار ارضًا، أعانه الله واعاننا.
نظر له سالار ثواني قبل أن يحرك عيونه صوب المنازل التي بدأت نيرانها تخفت بعدما تداركوا الوضع بصعوبة ولمدة ساعات، يجلس بهدوء ارضًا يراقب الادخنة المتصاعدة واطلال المنازل بأعين شاردة :
_ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ليتلطف الله به وبنا جميعًا، إنا لله وإنا إليه راجعون.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سبز .
كانت تقف في الساحة وهي تساعد في نقل الصغار والنساء المصابين صوب المشفى تساعد في إيواء اللاجئين من الحريق للغرف ترشد هذا وذاك وقد أوشكت على السقوط ارضًا تنهار مما ترى، لم تكد البلاد تنهض بعد عودة والدها لهم حتى أنهارت مجددًا .
سقطت دموعها وهي تحمل أحد الاطفال تتحرك به صوب المشفى تضعه على الفراش وهي تهمس له بكلمات لتهدأ بكاءه، تساعد الاطباء في علاج من تستطيع المساعدة .
ومن ثم تحركت صوب الساحة وقد كان خوفها على والدها قد بلغ مبلغه، أخذت تدور بين المصابين تساعدهم وعقلها يدور حيث والدها وباقي الشعب .
_ اللهم أجرنا يا الله .
_ سمو الأميرة مصاب آخر أتى، لكن حالته تبدو اسوء بكثير ..
نظرت توبة صوب العاملة وهي تتحرك بسرعة معها صوب البوابة الخاصة بالقصر تشير للعاملين بالمشفى أن يلحقوا بها بحامل لحمل المصاب، اقتربت بسرعة وهي تتحدث بصوت مرتفع لأحد النساء معها :
_ رجاءً اطلبي منهم تجهيز مبنى الضيوف لاستقبال باقي الحالات، لقد كادت المشفى تمتلئ بالجرحى .
ختمت حديثها وهي تشير للرجال بحمل المصاب والذي كان ساقطًا ارضًا تقترب منه بحذر تحاول تقدير حالته، والرجال اقتربوا يعدلون من وضعية جسده يحملونه على الحمالة، لكن بمجرد أن كُشف وجهه لتوبة شعرت بانقطاع الهواء عن رئتيها، تراجعت للخلف وقد سُحبت الحياة من جسدها فجأة، تبصر كابوسها وقد تمثل على أرض الواقع ..
_ نـ ..نزار ؟؟
كلمة مرتجفة هي كل ما استطاعت مغالبة صدمتها لإخراجها، تبصره أمامها دامي الجسد مبعثر الهيئة وكأنه تعرض لعذاب لمدة أيام متتالي، ارتجف جسدها كله وهي تقترب منه هامسة بنبرة باكية مصدومة :
_ نزار؟ كيف ؟؟ كيف هو ...كيف جاء هنا كيف ؟!
ابتلعت ريقها وهي تراقبه منهارة وفي ثواني انفجرت في بكاء قوي وهي تقترب منه بلهفة شديدة تهمس باسمه بنبرة مرتعبة :
_ نزار ؟! يا ويلي نزار ما الذي حدث لك، نزار تحدث لي، نزار أرجوك.... من فعل هذا بك ؟!
كانت تخرج كلماتها باكية بصعوبة وأحد الجنود حولها أدرك هوية الرجل يهتف بصوت منخفض :
_ لا نعلم ما حدث، لكننا وجدناه فجأة يتقدم من البوابة منهكًا قبل أن يسقط ارضًا مصابًا بجروح بليغة .
كانت توبة تسمع وهي تشعر بالوجع يتمكن منها وكأن جروحه ترسل صدى بين جنبات صدرها هي، انهارت ارضًا جوار صدره تبكي بصوت مرتفع :
_ نزار أرجوك لا تفعل بي هذا، ليس أنت، أرجوك ليس أنت أرجوك نزار .
_ سمو الأميرة هل نحمله للمشفى ؟؟
لكن توبة كانت حالتها يرثى لها لا تعي شيء سوى أنه الآن ممد أمامها لا حول له ولا قوة لا تدري ماذا حدث معه وكيف ولماذا، أو حتى طريقة وصوله لهنا .
تحدق في وجهه بوجع وهي ما تزال تتوسله التشبث بالحياة لأجلها .
أما عنه فقد كان في عالم آخر يحيا سوادًا ابتلعه بالكامل وآخر لحظات وعيه وإدراكه تمر أمام عيونه بسرعة كبيرة ودموعه تسقط جانب عيونه دون أي وعي أو شعور منه .
رفعت توبة عيونها للسماء وهي تبصر ما يحدث تهتف بصوت مرتفع موجوع :
_ يا الله رحمتك بنا يا الله .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إلى أين زمرد توقفي.
امسكت تبارك زمرد بصعوبة وملامحها تنطق بالقلق تحدق في تبارك بعدم فهم هاتفة :
_ إلى أين ؟! هل تمزحين معي بعد ما ذكرتيه منذ ثواني ؟!
ابتلعت تبارك ريقها وهي تحاول الحديث، بينما كهرمان تقف جوارها بأعين ملتمعة بالشر رغم كل ما يحدث في الارجاء، وصلتهم أنباء خمد الحرائق .
وبعدما شعروا بالهدوء يسود الأجواء ألقت تبارك جملتها التي أثارت جنون زمرد وهي تهب منتزعة خنجرها تصرخ :
_ تخبرينني أن الفتاة في المشفى مريضة وحدها تستغيث من رجل حقير اختطفها، هل تمزحين معي ؟!
_ نعم لكن هناك ...نحن لسنا متأكدين من الأمر حتى هي لم تقل سوى كلمات معدودة لا أدري إن كانت صحيحة أم يُهيأ لها ؟!
صمتت تبارك وهي تتذكر رؤيتها لفاطمة ممددة لا حول لها ولا قوة على الفراش وقد شعرت بالشفقة والحزن عليها، لكنها قررت علاجها بهدوء والمغادرة على أية حال لتطمئن على الباقيين، ومن تعود لها لاحقًا حين تستفيق ، لولا كلمات فاطمة التي جمدتها في ارضها ..
كانت تبارك تفحص الفتاة وهي تنظر لها بشفقة كبيرة تربت عليها بحنان وتضمد جروح رأسها، وحينما وجدت أنها انتهت تحركت بهدوء بعيدًا عنها كي تخبر مهيار ما تحتاج له الفتاة، لكن فجأة شعرت بيد تمسك مرفقها وصوت هامس يخرج من الفتاة المتسطحة على الفراش .
توقفت تبارك ترمش بعدم فهم وهي تتحرك صوب فاطمة مجددًا وما تزال تشعر بأنها مألوفة بشكل ما، لكن كلماتها التالية أصابتها بصدمة أكبر :
_ ساعديني رجاءً، لقد ...الرجل في الخارج ليس ....لقد ....اختطفني من زوجي .
أفاقت تبارك على صوت كهرمان التي كانت تتحدث بصوت العقل :
_ لا يمكنك الذهاب هكذا والهجوم عليه وأخذ الفتاة بكل بساطة زمرد .
رمشت زمرد ثواني وكأنها لا تفهم ما يقال تردد ببساطة تحرك كتفيها بهدوء :
_ بلى يمكنني ذلك، بل وازيدك من الشعر أبيات، سوف احطم عظامه حتى يكتفي .
تنفست كهرمان وهي تمسك يد زمرد التي كانت تنتفض بغضب منذ سمعت أن هناك امرأة مقهورة في الإرجاء:
_ زمرد دعينا نفكر، لننتظر حتى يعود إيفان ونسلمه له ويحاكمه للتأكد من الأمور من جميع الأبعاد.
جذبت زمرد يدها من يد كهرمان وهي تمنحها بسمة واسعة :
_ أعان الله أخي على ما يحدث، لا يكفيه حقير كهذا يضيع عليه وقته، ثم أنا أميرة كذلك ويمكنني أن أحكم وحكمي هو أنه مذنب، رفعت الجلسة.
ختمت حديثها تتحرك وهي تجذب خنجرًا من ثوبها والشر ينطلق من عيونها تتوجه صوب المشفى حيث تلك المظلومة المقهورة تفكر في أكثر من طريقة إبداعية للتخلص منه، وخلفها تهرول كهرمان وتبارك التي ندمت على أخبارهم، لكن الفتاة كانت صغيرة ورقيقة وأثارت تعاطفها وبشدة .
ابتلعت ريقها وهي تتحرك خلف زمرد داخل المشفى، تبصر زوج الفتاة أو من يدعي أنه زوجها يقف أمام باب الغرفة مع الحكيم يتحدث معه بصوت منخفض وكلمات وصلت لهم :
_ عندما تأتي تلك الطبيبة فقط أخبرها أن تعطني الاعشاب وأنا سأهتم بمتابعة علاجها في المنزل .
زفر الحكيم وقد وصل لقمة غضبه من إصرار إلياس الخانق على أخذ زوجته والرحيل، وما كاد يتحدث بكلمة حتى سمع صوتًا خلفه يردد بسخرية :
_ لا بأس سنعطيك الأعشاب لتعالج بها ذاتك في المنزل، لكن لا أعتقد أن الطبيب مهيار بهذه المهارة التي تمكنه من صنع دواء يعالج ما سأفعله بك .
رفع إلياس عيونه صوب الصوت ليبصر امرأة بملامح حادة تحدق في وجهه بشر مستطر جعله يضيق عيونه بعدم فهم، لكن زمرد لم تهتم وهي تقترب من باب الغرفة تدفع جسد إلياس جانبًا بخنجرها مرددة بهدوء :
_ هيا تحرك بعيدًا عن هذا الباب وعد لمنزلك على أقدامك طالما يمكنك ذلك .
رمقها إلياس بعدم فهم أكبر :
_ هل جننتي ؟! من هذه المرأة وما دخلك بي ؟!
تحركت كهرمان وهي تحاول الحديث بصرامة وملامح جامدة :
_ اسمع يا سيد لقد علمنا أنك اختــ
لكن فجأة توقفت عن الحديث تفتح عيونها بصدمة وهي تشعر بيد زمرد تزيحها جانبًا تفسح لنفسها رؤية واضحة لوجه إلياس:
_ انتظري أنتِ يا ابنتي، لنرى ما يريد هذا الحقير المتبجح، فوق أنك تخطف الفتاة تقف وتتبجح أمامنا يا وغد ؟!
شحب وجه إلياس بقوة وقد بدا أن المكان حوله بهت فجأة، يحاول تمالك نفسه كي يتحدث بنبرة طبيعية لا تظهر توتره ورعبه الداخلي من اكتشاف ما فعله :
_ اخــ ...اختطاف ؟!
سخرت منه زمرد بقوة :
_ نعم اخــ...اختطاف، الفتاة في الداخل ما علاقتك بها يا هذا ولا تقل أنها زوجتك كي لا اشرحك لقطع متناثرة في الإرجاء.
تنفس بصعوبة بسبب نظراتها وهو يحاول التحدث بكلمات متماسكة .
وفي الداخل كانت فاطمة تجاهد لتنهض عن الفراش وقد كان الوهن قد تمكن منها بالكامل، تسمع أصوات النقاش في الخارج مكتومة بعض الشيء، لكن هذه كانت فرصتها الوحيدة للفرار من هذا السجن الذي صنعه لها مختل .
تحركت تستند على الجدار تبكي من شدة الوجع الذي يدور داخل رأسها، تحاول التحدث ونداء من بالخارج، لكن صوتها أبى أن يخرج، وصلت وأخيرًا صوب الباب تستند عليه بصعوبة، وهي تحاول جذبه لكن شدة ضعفها حال دون ذلك، لتتنفس بصوت مرتفع وهي تطرق على الباب بقوة ..
طرقات عالية على الباب جعلت أعين الجميع تتحرك صوبه ليشتد شحوب وجه إلياس وهو ينظر صوب وجه زمرد التي ابتسمت له بسمة مخيفة وهي تتحرك صوب الباب، ولم تكد تفتحه حتى شعرت بيد إلياس يمسك يدها مانعًا إياها، وكانت فقط ثانية لا أكثر حتى رن صدى صفعة زمرد على وجهه في المكان وهي تهتف من أسفل أسنانها:
_ إياك ولمسي يا هذا .
ومن بعد تلك الكلمات دفعته بظهره خنجرها وهي تحذره بعيونها :
_ ابتعد من أمام الباب هيا ..
وبالفعل دفعته بقوة وهي تفتح الباب بسرعة كي تساعد تلك المسكينة تتحدث بجدية :
_ هيا اخرجي ولا تخشى شيئـ ....
لكن قطع كلماتها سقوط جسد هزيل عليها وقد كانت فاطمة تستند على الباب بارهاق شديد وبدا أنها بذلت كافة قوتها في التحرك من الفراش للباب .
وزمرد التي لم تستوعب ما يحدث مالت بسرعة تلتقط جسد الفتاة بين أحضانها برعب تضمها خشية السقوط ارضًا :
_ بسم الله ما بــ......فاطمــــــــــــــة ؟؟؟؟؟
كانت تلك كلمة نطقت بها زمرد وقد كان دورها هذه المرة لتتلقى صاعقة فوق رأسها تحمل بين يديها جسد الصغيرة فاطمة وقد كانت تبدو كما لو أنها فقدت الحياة .
اتسعت عيون كهرمان التي هرولت صوب فاطمة تهتف اسمها بعدم فهم، وزمرد أخذت تحدق بالصغيرة التي امتلكت قطعة من قلبها بلطفها ورقتها سابقًا، اشتد احمرار وجهها وهي ترفعه صوب إلياس الذي تراجع للخلف وقد فقد النطق حينما أبصر نظرات زمرد له ..
ولم تكن مجرد نظرات تلك التي وجهتها زمرد له، بل كانت مقدمات لنهايتـــــه ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ نزار تماسك، نزار أرجوك...نزار فقط تماسك ارجوك .
كان صوت توبة وهي تتحرك خلف الجنود الذين يحملون جسده يتردد في عقله دون القدرة على فتح عيونه، حتى أنه لم يكن قادرًا على تحريك إصبعه، وصوت صرخات توبة باسمه تداخل مع اصوات قريبة باسمه كذلك، الصوت الاخير الذي اخترق وعيه قبل أن يدفعه الوليد بعيدًا عن الجحر ورجال أصلان.
سقطت دموعه بقوة وقد شعر أنه عاد لتلك اللحظة، حينما كان فوق الحصان يراقب بأعين ضبابية ما يفعل الوليد وهو يحارب وحده رجال أصلان يمنعهم من الوصول إليه، شيئًا فشيء بدأ وعيه يعود له وهو يحاول التحرك لمساعدة الوليد الذي سقط ارضًا وتلقى طعنة قوية في جسده، انتفض جسد نزار عن الحصان بقوة وهو يحاول التحرك يهبط من فوقه بصعوبة يتحرك صوب الوليد، بينما الأخير نهض بصعوبة يحمل سيفه .
في اللحظة ذاتها التي تدخل رجال الوليد يدافعون عنه، رفع الوليد عيونه صوب نزار يتحدث بصراخ ووجع :
_ نزار عد ...امتطي حصانك وأبتعد عن هنا و....سامحني...سامحني وأخبره أن يسامحني .
نظر له نزار بعدم فهم وقد كان جسده محطمًا من شدة الضربات التي تلقاها، يتقدم من الوليد، بينما الأخير تحرك صوبه بسرعة يتحامل على طعنته، يدفع نزار لحصانه بسرعة قبل أن يشتد الحصار عليهم ويتساقط رجاله .
_ هيا أرحل من هنا، أرحل ولا تنظر خلفك، ارحل أرجوك.
يدفعه ونزار يتمسك بيده يرفض ترك كفه :
_ تعال معي يا الوليد لن اتركك هنا، سيقتلك يا أخي لا تبق تعال معي، سأ...ستكون معي للنهاية يا رفيق هيا .
_ نزار لا تكثر من الحديث وأرحل ...
وقبل إكمال كلمات الوليد اتسعت عيونه بقوة وقد شعر بروحه تخرج حينما أحس بنصل حاد يخترق معدته .
نظر للأسفل ببطء، بينما نزار امتلئت عيونه بدموع كثيفة وقد خاف وارتعب حتى أن يهبط بنظراته للاسفل حيث اخترق السيف الجسد، اشتدت كثافة الدموع وهو يبصر ملامح الوجع على وجه الوليد أمامه، لتتحرك عيونه اخيرًا بصدمة صوب السيف الذي اخترق جسد الوليد .
أما عن الوليد فرفع عيونه صوب نزار وقد امتلئت بالدموع، بينما نزار ما يزال يحدق فيه بصدمة كبيرة، خرج منها بسرعة يلتقط جسد الوليد قبل السقوط، ليكون السقوط من نصيبهما سويًا، يضم نزار الوليد له وهو يهمس بهلع وهزيان :
_ الوليد، يا أخي أنت بخير، أنت بخير، سأعالجك، سأعالجك لا تخف، والله سأفعل، فقط ...تحرك ...تحرك معي لنخرج من هنا، هيا سأعالجك وتتوب كما اخبرتني .
كان يتحدث بسرعة وهو يحرك يده على جرحه يحاول كتم دماءه في اللحظة التي تدخل فيها أحد رجال الوليد يسدد ضربة قاتلة لمن طعن الوليد.
ونزار فقط ينظر للوليد برعب قبل أن يبكي بصوت مرتفع يضم له جسد الوليد والذي رغم كل ما فعله معه، إلا أنه لم يشعر يومًا أنه يكرهه، بل ضحى بحياته مرات ومرات لأجله، ورغم كل ما فعله قديمًا إلا أنه سامحه حينما رأى منه مساعدته ومعاونته له ونصره ولو بروحه .
_ يا أخي لا تفعل بي هذا ...لا تفعل يا الوليد ليس الآن اتوسل إليك، تب لترافقني للجنة يا الوليد أرجوك، تماسك .....
رفع الوليد نظره ينظر في وجه نزار باكيًا بقوة وقد امتلئت عيونه بالرعب :
_ أنا .... خائف...نزار أنا خائف.
بكى نزار وهو يضمه مرتعبًا :
_ لا ..لا تخف أخي ستكون بخير ...ستكون بخير والله سأبذل حياتي لعلاجك هيا انهض معي أتوسل إليك.
_ سامحني ..سامحني ارجوك وا....ادعو لي يا نزار، ادعو لي أن يغفر الله لي ما فعلته، لم ...فعلت ...فعلت كل ذلك لأنك كنت أحق منه بالمُلك، خفت أن يأخذه منك، وأنت... أنت... أنت أخي ... الأحق بآبى .
سقطت دموع نزار وهو يبكي بصوت مرتفع :
_ لا تتحدث، ارجوك فقط تماسك لنخرج من هنا، هيا حاول التحرك معي أرجوك لا تتركني، لم ...لم تتب بعد يا الوليد، لم تستغفر الله بعد، لا تفعل هذا بي، أردتك أن ترافقني في الجنة يا أخي، أردتك أن تفعل .
بكى الوليد برعب وخوف :
_ ادعو لي يا أخي، وا... أخبر أبي أنني.... لقد فعلت كل شيء لاجلك أخي... أنت.... أخي الأصغر... أخي.
شعر نزار بشحوب يتمكن من وجه الوليد، ليبدأ في هزه بخوف يتحدث برعب :
_ انطق الشهادة يا الوليد، انطق الشهادة يا أخي أرجوك يا الوليد..
ابتسم الوليد وقد عجز عن نطقها وهو الذي لم ينطقها يومًا في حياته، يأتي الآن ويتعلق بها في مماته؟!
ثقل لسانه وزاغت أبصاره وهو يحدق بنظرات اخيرة في وجه نزار .
_ سألتني لماذا افعل كل هذا لأجلك ؟!
_ توقف عن الحديث، فقط ...ساعدني لاخرج بك..
لكن الوليد كان ينظر له بأعين دامعة لا يعي ما يقال له يكمل وقد بدأت روحه تنازع للخروج من جسده :
_ لأنك... أخي...الصغير...لقد ... كنت احميك لأنك أخي... أخي الصغير الذي....لم يدرك يومًا من أنا، لقد ...لقد ... أمي كانت الزوجة الأولى له....تركها دون العلم بأنها تحمل بي ...تركها ولم يدرك أنه يمتلك ولدًا من صلبه ...تركها وتركني ولم ....لم يتبقى لي من عائلتي سواك... أنت فقط أخي... أخي من أبي، أردت حمايتك بحياتي ولم يتبقى لي سواك .
اتسعت عيون نزار وهو يشعر بقلبه يكاد يتوقف وقد كانت دموعه تهبط دون شعور والوليد ينطق آخر كلماته :
_ أرحل نزار ... أهرب ولا تدع تضحيتي تضيع ...لا تدعه يتمكن منك أخي، وسامحني ...سامحني لما اوصلتك له أخي... أنا... أسف .
لم يشعر نزار بعدها بنفسه سوى وأحد الرجال يسحبه بسرعة كبيرة يلقي به فوق الحصان مجبرًا إياه على التحرك وهو ما يزال يحدق بجثة الوليد الذي فقد آخر انفاسه برحيله، وقد كانت عيونه شاخصة عليه وكأنه يحدق به .
وحديثه الأخير يتردد في أذنه.
الوليد أخوه من والده ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عَذابُ الهَوى لِلعاشِقينَ أَليمُ ....
وَأَجرُهُمُ يَومَ المَعادِ عَظيمُ...
فَوَاللَهِ لا ذاقوا الجَحيمَ وَإِن جَنَوا ....
فَحَسبُهُمُ أَنَّ الغَرامَ جَحيمُ....
- صفي الدين الحلي
وهي كان كل ما يتعلق بها جحيم، الإقتراب منها والابتعاد عنها، لكن الجحيم الأكبر كان شعوره في هذه اللحظة أنه على وشك فقدانها، شعور نافس المه ألم طعنات عديدة قبل أن يُلقى بجسد الدامي في النيران حيًا .
يدور حول نفسه وهو يصرخ باسمها بجنون وقد كانت يده ترتجف برعب، ترتجف رجفة من أدرك الموت، ولأول مرة يبكي أرسلان خوفًا، للمرة الأولى في حياته بلغ من الخوف مبلغه حتى بكى مرتعبًا يهمس بغصة بكاء واضحة .
_ سلمـــــــــــــى ....سلمــــــــــى .
أخذ يدور في المنزل وقد أوشكت الحريق على ابتلاعه بكل ما فيه، ولم يكد يتحرك للداخل أكثر حتى سمع صوت نداء خافت متوجع، تحرك بسرعة صوبها وهو يدور بعيونه في المكان وقد كاد يصاب بالعمى لشدة الدخان الذي دخل عيونه.
تنفس بصعوبة وهو يبحث عنها مناديًا بصوت متوجع باكٍ :
_ أين.... أين أنتِ سلمى، سلمى ..
_ أرسلان.
سار أرسلان بسرعة خلف همستها التي وصلته، يتحرك في المكان بحثًا عنها حتى توقف جسده فجأة ثواني، ومن ثم انتفض بشكل جنوني يصرخ باسمها يراها ساقطة ارضًا وهناك قطعة أثاث صخمة ساقطة على قدمها .
ركض يلتقط جسدها بسرعة مرتعبًا وهو يبعد عنها الأثاث ينفضه بخوف، ومن ثم جذب له جسدها والذي كان قد نال نصيبه من النيران .
رفعت سلمى عيونها له تبتسم بسمة صغيرة وقد بدأت دموعها تتساقط :
_ ظننت أنني سأموت دون أن أبصرك .
ضمها له أرسلان بقوة مرتعبًا وهو يهمس بنبرة مرتجفة باكية:
_ اللعنة علـ...لن ...لن تفعلي، لن تتركيني، لن تفعلي .
ضمها وهو يتحرك بها صوب الخارج بسرعة كبيرة وقد كاد قلبه يتوقف والنيران تحيط به وانفاسه تكاد تختفي من صدره، لكن روحه التي تسكن بين كفيه دون حركة أجبرته على الاحتفاظ بوعيه، يضم رأسها لصدره كي لا تستنشق المزيد من الدخان، يبحث لهم عن مخرج، وحينما اكتشف أن الباب الامامي كان مستحيلًا أن تقترب منه، تراجع بسرعة يبحث بعيونه عن نافذة، اتقع عيونه على جزء شبه متهاوي في المنزل لشدة الحريق، ابتلع ريقه يضمها له مقررًا استخدام جسده كدرع لها، يجذبها لصدره بقوة يحاول إخفاء كل جزء منها بجسده، ومن ثم اندفع بظهره صوب ذلك الجزء من المنزل لينهار بالكامل تحت وطأة جسده ويخرج أرسلان بسرعة كبيرة وقد امسكت النيران بكتفه ..
لكن كل ما كان يبصر أمام عيونه هو جسد زوجته الساكنة ولم يشعر بكيف خرج ولا بمن أحاط به يلقي عليهم اغطية لإطفاء تلك النيران التي طالت ثوبه، ولا شيء، لم يشعر بشيء سوى بنفسه يهوى ارضًا يجذب جسدها لصدىه بقوة وهو يتنفس بصعوبة يضمها إليه، وكأن ضمته لها سبيل النجاة من الموت .
يهمس بكلمات متقطعة وهو يتحرك بها لأحد الأركان :
_ لا تفعلي هذا سلمى، لا تفعلي بي هذا، ليس الان، ليس بعدما اوقفت حياتي عليكِ بالله عليكِ، سيكون خذلانك عظيمًا، من بين كل خذلان تعرضت له في حياتي سيكون خذلانك قاسمًا لي.
كانت سلمى تحدق فيه دون قدرة منها على الحديث وقد أصاب جسدها ما صاب من الجروح تبتلع ريقها بصعوبة وهي تربت على وجهه بحنان رغم الوجع المنتشر في جسدها :
_ لا بأس، لا بأس ستكون بخير، ستكون بـ
_ لن أكون دونك، والله لن افعل، لم أكن يومًا بخير دونك، لم أكن كذلك سلمى لقد ....تنفست واخيرًا يوم وجدتك، فلا تحرميني أنفاسي ارجوكِ .
كان يتحدث وهو يزيد من ضمها ودموعه تهبط دون شعور وهي تحاول الحديث ومغالبة تعبها الظاهر :
_ ار... أرسلان.
بكى دون شعور يهمس من بين غصته يضم رأسها لصدرها :
_ ألا روحه سليمى........
كانت كلمة صغيرة خرجت من بين شهقاته وهو يضمها يشعر بجسدها ينتفض بين يديه وقد ازداد ارتجاف جسده أكثر وأكثر، أما عنها فقد ابتسمت بسمة باهتة تهمس همسات أخيرة قبل السقوط في هوة سحيقة :
_ أنت أكثر رجال العالم وسامة لو تعلم، تستحق أن تكون الأسعد في هذه الحياة، ما بها الحياة قاسية على رجل بمثل حنانك ولطفك؟؟
ومن بعد هذه الكلمات سقطت يدها جوارها لينهار أرسلان في البكاء يضمها أكثر وأكثر وهو يقبل عيونها بعشق هامسًا بغصة بكاء :
_ والله لن تكون الحياة اقسى منكِ، إن تركتيني وحدي ستكون ضربتك اقسى ما تليقت طوال سنوات حياتي، والله ان اسامحك ما حييت سلمى ...
قبل وجهها وهو يرويه بدموع تسيل خوفًا كم فقدان روح بعثت بجسده بعد سنوات من الموت :
_أنتِ.....روحي سلمى، فلا تتركي رجل مسكين تعلقت روحه بكِ، ليس الان وليس بعدما بنيت حياتي على وجودك، ليس بعدما أحببتك سلمى، ليس بعدما أحببتك سليمى أرجوكِ...........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَحَلَّتْ سَوَادَ القَلبِ، لا أَنَا بَاغيًا
سِواهَا، ولا عَنْ حُبِّهَا مُتَرَاخِيَا!
-النَّابغَة الجَعدِي.
دمتم سالمين.
رحمة نبيل .
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رحمة نبيل
التاسع والثلاثون| آغازِ پایان |
الفصل اهداء للجميلة Rawan Samir بمناسبة ذكرى ميلادها، عسى جميع ايامك سعيدة غاليتي....
صلوا على نبي الرحمة .
ــــــــــــــــ
لم تدرك كهرمان ما تبصره في هذه اللحظه فقد كانت فاطمة هي المرأة الأخيرة التي قد تتخيل أن تجدها في هذا الوضع بعدما قصت لهم تبارك ما حدث .
راقبت وجه فاطمة الشاحب كالأموات بين يديّ زمرد التي شددت على ضم الصغيرة برعب تناظرها بأعين متسعة مصدومة مما ترى، وقد لاحظت كهرمان سابقًا تأثر زمرد بفاطمة وكأنها تبصر داخل فاطمة نفسها الهشة التي لم تسمح لها بالخروج بسبب حياتها .
لم تدرك كهرمان ما يحدث إذ فجأة وجدت جسد فاطمة بين أحضانها بعدما ألقتها لها زمرد واندفعت بشكل مرعب صوب إلياس تجذب جسده تضربه في الجدار خلفه بجنون مسقطة إياه ارضًا، ومن ثم أنكبت عليه بالضربات المتلاحقة وهي تصرخ بكلمات وسبات لا تتذكر أنها اخرجتها منذ تركت قومها .
_ أيها الوسخ الحقير ما الذي فعلته بها أيها الوسخ، ما الذي فعلته بها ؟!
ختمت كلماتها وهي تضرب معدته بقدمها بقوة، ومن ثم استقامت تنظر للحكيم الذي كان يحدق فيما يحدث بأعين متسعة مرتعبة مما يحدث .
صرخت في وجه الرجل وقد ظنت أنه شريكٌ له في هذه الجريمة في حق الصغيرة فاطمة:
_ وأنت...
تراجع الحكيم للخلف بسرعة مرتعبًا يرفع يديه في الهواء ينفي عنه تلك التهمة التي تحط من قيمته:
_ اقسم بالله أنني لا اعلم ما يحدث ولا أدرك ما فعل لقد...اختفى لأيام في مشكى لزيارة عائلته قائلًا أنه ذاهب ليحضر ابنة عمه ويتزوجها و.....عاد بها بهذا المظهر الشاحب وطلبني لمساعدتها.
تأوه اليأس بصوت مرتفع وهو يحاول التحدث :
_ هي زوجـ
لكن ضربة زمرد في منتصف معدته حال ما دون إكمال باقي جملته، ليكتم الأخير صرخة كادت تخرج منه وقد تناثرت دماؤه في المكان .
_ أصمت ولا تسمعني صوتك أيها الحثالة، لم انتهي منك بعد ..
نظرت صوب الحكيم مجددًا وهي تتساءل بأعين مشتعلة بالشر :
_ إذن هو زوجها ؟!
_ هذا ما قاله هو نعم .
تأوه اليأس بصوت منخفض وقد سقطت دمعة منه وهو يناظر فاطمة ساكنة بشكل فطر قلبه، يهمس باسمها بلوعة وهو يمد يده لها :
_ فاطمة صغيرتي ...
نظرت له كهرمان بشر تسحب فاطمة بعيدًا بمساعدة تبارك التي لم تكن تفهم ما يحدث في المكان، لكن يبدو أن الجميع هنا يعلم فاطمة عداها هي، ساعدت كهرمان لأخذ فاطمة صوب فراشها داخل الغرفة والاطمئنان عليها .
ربتت كهرمان على رأسها بحنان تقبله بلطف :
_ لا تخافي عزيزتي كل شيء سيكون بخير ..
نظرت لها تبارك تحاول فهم ما يحدث :
_ تعرفونها ؟!
هزت لها كهرمان رأسها:
_ نعم، هذه فاطمة تعرفنا عليها في مشكى، هي صديقة سلمى و...زوجة قائد جيوش مشكى حسب ما أعلم.
اتسعت عيون تبارك بصدمة وقد شعرت بعدم الفهم يطفو في الأجواء مشيرة للخارج باستنكار وقد بدا أن عقلها قد توقف عن العمل بشكل طبيعي في خضم ما يحدث حولها :
_ قائد جيوش مشكى ؟! هو ليس ذلك الرجل الذي ضربته زمرد في الخارج، صحيح ؟!
_ تبارك حبيبتي هذا ليس زوجها، هذا الرجل اختطفها من زوجها ما بكِ ؟!
اومأت تبارك بنعم وكأنها تذكرت الآن كيف بدأ كل ذلك من الاساس، تنظر صوب كهرمان، ومن ثم لفاطمة وهي تحاول معرفة الخطوة القادمة:
_ الآن ماذا ؟!
ارتفعت فجأة صرخات مريعة للرجل في الخارج وكأنه يتعذب، وبالفعل كان كذلك .
شهقت كهرمان وهي تركض للخارج :
_ الآن سنحاول إخراج الرجل من تحت يد زمرد، ومن ثم نرى ما نفعل لاحقًا معه حينما يعود إيفان والجميع.......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هو بخير ؟؟
_ لا أعلم في الحقيقة سمو الأميرة، لكن ... إصاباته بليغة، لقد....يبدو أنه تعرض لتعذيب أو ما شابه، لنأمل أن تندمل الجروح الخاصة به وألا يزداد وضعه سوءًا .
ختم الطبيب حديثه وهو يتحرك خارج الغرفة ليتابع عمله مع مصابي الحريق، تاركًا توبة تقف على باب الغرفة تحدق بجسد نزار الساكن بشكل خانق على الفراش .
سقطت دموعها بوجع وقد شعرت في هذه اللحظة بالندم الشديد، الندم بدأ يأكل داخلها مخلفًا وجع لا يحتمل بها .
_ كل هذا بسببي، كل هذا بسببي نزار، أنا آسفة... أنا آسفة لو ...لو لم اساعدك لتهرب صوب ذلك الجحيم مجددًا، لو أنني اجبرتك على الهرب لمكان آخر.
أنهارت ارضًا جوار باب غرفتها وهي تطلق شهقات مرتفعة وقد بدأت غصات بكائها تعلو حتى شعرت بأن روحها على وشك الخروج مع شهقاتها .
تراقب وقد آمنت في هذه اللحظة بأن ما تحمله لنزار تخطى مجرد مشاعر امتنان وانبهار برجل رأت منه الخير أكثر مما أبصرت فيه شر ...
هي أحبته... أحبت نزار كما لم تحب أحدهم قبله .
_ لا تفعل بي هذا نزار، يكفيني فقدانًا لتنضم لهم، يكفيني وجعًا، انهض و....فقط كن بخير لأجلي أتوسل إليك.
اغمضت عيونها بوجع تدفن رأسها بين قدميها وقد أخذ عقلها يعيد عليها لحظاتها معه وبسماته وكلماته، مطالبته لها بالانتظار لتنفذ له وعدها بطلب لا يرد، وداعه الأخير وكأنه يعلم أنه لن يعود .
وعند هذه الفكرة انفطر قلب توبة وهي تشهق بصوت مرتفع وقد بدأت أصوات بكائها تعلو أكثر وأكثر في المكان:
_ أرجوك.... أرجوك نزار ... أنا أرجوك ألا تفعل بي هذا..
أما عن نزار فقد كان في عالم آخر يحيا مرارة أخرى..
_ أنا مستعد للتضحية أكثر لأجلك نزار فأنت أخي.
نظر نزار بضيق صوب الوليد يرفع كفه يضرب جانب رأس الوليد بغضب :
_ هل جننت يا الوليد، تفعل كل ما هو سييء لأجلي، يا رجل اقطع علاقتك بي إن كانت تدفعك لمثل هذه الطرق القذرة، أو لماذا لا تساعدني بشرف على الأقل، لماذا تلجأ دائمًا لمثل هذه الاساليب القذرة .
التوى فم الوليد وهو يبعد عيونه عن نزار، ينظر للنافذة يحاول أن ينتفس بشكل طبيعي، يدرك أنه محق، هو لا يفعل شيء صحيح في حياته هذه سوى مساعدته، وحتى هذا يفعله بالطريقة الخطأ، لكن ماذا يفعل وهو اعتاد أن يتخذ السوء منهجًا في حياته ؟! أو بشكل أدق غزرت أقدامه في السوء حتى أصبح من الصعب العودة للصواب .
اقترب منه نزار يربت على ظهره بهدوء وحنان، فرغم كل ما صدر سابقًا ويصدر الآن إلا أنه لا ينكر بأي شكل من الأشكال، أن الوليد ومن بعد فضل الله عليه، كان أحد أسباب نجاته حتى هذه اللحظة، كان يسير خلفه طوال الوقت وكأنه حارس شخصي له، يرفض أن يدعه يقابل بافل وحده، يرفض رفض قاطع زجه في أي هجمة من هجمات المنبوذين قديمًا، وهذا ما علمه لاحقًا .
الوليد لم يخبره بخطة بافل في احتلال مشكى سابقًا، خوفًا من أن يزج نزار نفسه في الأمر ويطاله أذى، رفض أن يقحمه في الأمر هذا فيتأذى أو يكره ذاته لاحقًا .
_ يا الوليد أنت بمقام أخي ويعز عليّ أن اتركك للضلال والكفر، عد يا أخي لصوابك وتذكر والدتك التي تعبت لتنشأك نشأة سليمة فحدت عن الطريق الصحيح .
استدار الوليد ينظر له بحزن وخزي :
_ وهل تعتقد أن يتقبل الله توبتي بعد كل هذا ؟!
_ استغفر ربك يا الوليد الله يعفو عن السيئات ويتقبل التوبة عن عباده، فقط تب قبل فوات الأوان .
صمت ثم نظر للرسالة التي تقبع على فراشه وقد حان وقت التحرك ليوصلها إلى ملك سبز، تنهد بصوت مرتفع :
_ سوف اخرج لاستنشق بعض الهواء و...
_ أنت ذاهب لتحذرهم فلا تكذب نزار أنا أعلم أنك تساعدهم في الخفاء .
توقف قلب نزار مما سمع وقد شعر أن المكان يدور من حوله، هل يعقل أن الوليد اكتشف خدعته، لكن فجأة تنفس الصعداء حينما سمع صوت الوليد يهتف بجدية :
_ اعلم أنك تسعى لنيل غفران جراء ما فعلت سابقًا، وأنا لا الومك في البحث عن حياتك القديمة، على الأقل هذا يشعرني بشعور افضل حينما أراك تحيا كما كنت قبا أن أدمر حياتك ظنًا أنني اصلحها بغبائي .
ابتله نزار ريقه وهو ينظر للوليد، ليبتسم الأخير له بحزن :
_ فقط ...لا تنساني يا أخي، فأنا لا امتلك غيرك في هذه الحياة، ربما إن عشت اهرب لاعيش شريدًا في أحد الصحاري أو غيرها حينما ينتهي هذا، ربما ازهد عن الحياة واعتكف بعيدًا عن الجميع و....لكن لا تتركني وحيدًا فقط أسأل عني كل فترة ولو كانت عقودًا .
تحرك نزار بسرعة صوب الوليد يجذبه لعناقه بقوة وهو يربت عليه بحزن لنبرته التي زادته قهرًا عليه وقد كان شيطان الوليد اقوى منه :
_ سوف تعود معي ...سوف ... آخذك معي ...سأطلب غفرانًا لك وتعود معي، لن اتخلي عنك يا أخي لا تقلق .
سقطت دموع الوليد وقد كانت تلك مرة من المرات النادرة التي أبصر بها نزار دموع الوليد، لينفجر الاخير في بكاء حار :
_ صدقني لن ارفض ولو قبلتني آبى سجينًا لها، لكن لا تدعني وحدي فأنا... أخشى الوحدة يا أخي، خذني معك نزار .
ضمه نزار بقوة وهو يربت عليه ليس وكأنه هو الكبير، بينما الوليد يضمه بخوف شديد، وكأنه يمنحه عناق الوداع الأخير ..
ولم يدرك أحدهما أنه كان كذلك بالفعل ..
كان وداع لا يدري أحدهما عنه شيء، رحل الوليد وهو يدافع عن نزار للمرة الأخيرة، عاش حياته يدافع عنه ومات لأجله، كان أخوه أمام عيونه طوال الوقت، كان معه طوال الوقت يحيطه بحمايته ويحارب شعوب وقبائل لأجله، وهو فقط لا يدري عنه شيئًا ..
انتفض جسد نزار وهو يشهق بصوت مرتفع وقد ازدادت دموعه بقوة، وصوته يهتف بكلمات غير مفهومة جعلت جسد توبة ينتفض من مكانه وهي تتحرك له تهتف بلوعة :
_ نزار ....نزار أنت بخير ؟!
لكن كل ما صدر من نزار هو شهقات متتالية واسم لم ينفك يردده بلا هوادة .
كررت توبة الاسم بعدم فهم لما يحدث :
_ الوليد ؟؟؟؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الجميع يقف مراقبًا لما يحدث أمامهم وقد كان ذلك المشهد أشد وطئًا عليهم من الحرائق التي خمدت منذ ثواني وكادت تلتهم المنازل .
الملك منهار ارضًا يضم بين أحضانه زوجته ..باكيًا متوسلًا لها أن تنهض .
أما عن أرسلان ففي هذه اللحظة لم يهتم بشيء أو بأحد، لأول مرة يكون انانيًا ويهتم بحياته فقط، حياته هو فقط، حياته التي تقبع بين يديه تنازع الحياة لتحتفظ بأنفاس إضافية.
سقطت دموعه وهو يضمها هامسًا ببكاء ورعب :
_ بالله عليكِ لا تفعلي، أقسم بالله الذي لم أقسم به يومًا كذبًا، أنني لأجلك على استعداد لمحاربة نفسي، سأكون مثلما تريدين، سأتخلى عن كل ما يغضبك بي فقط ...كوني معي، لا تتركي يدي وقد وجدت اخيرًا من يمسكها سلمى ...
سقطت دموعه وهو يضمها لاحضانه أكثر والمعتصم يراقبه بتأثر قبل أن يقترب بسرعة منه يحاول إخراجه من صدمته تلك ويدفعه للتحرك من المكان لعلاجها :
_ مولاي ...
_ لا تفعلي سلمى، أرجوكِ لا تفعلي ..
مال المعتصم يجلس خلف أرسلان بعيدًا عن جسد زوجته الذي كان يضمه لصدره بقوة وكأنه يبتغي دسها بين اضلعه :
_ مولاي أرجوك لنرحل صوب القصر .
وارسلان ما يزال يضمها ينتظر منها بادرة تطمئن قلبه أنها لم تتخلى عنه لأجل كونه شخصًا سيئًا .
_ لست سيئًا سلمى، فلا تتركيني كما الجميع، والله لن أكون سيئًا سأتخلى عن كل ما يغضبك بي .
_ مولاي أرجوك نحتاج لمعالجة الملكة، دعنا نعود للقصر لنعالجها، ساعدها أرجوك.
توقف أرسلان عن الحديث وهو يرفع عيونه صوب المعتصم ينظر لوجهه نظرة ضبابية وكأنه لا يبصره بشكل جيد، ومن ثم عاد للنظر إلى سلمى، يجذبها لصدره أكثر وكأن ذلك ممكنًا، ثم همس بصوت منخفض :
_ معطفي ...احضر لي معطفي يا المعتصم لقد ...لا أعلم أين ألقيت به، ابحث لي عنه رجاءً.
أدرك المعتصم ما يبتغيه أرسلان وهو ينأى بعيونه عن سلمى، ينتزع معطفه الخاص ولم يكد يمده لأرسلان الذي نظر لعيونه نظرة رافضة :
_ معطفي يا المعتصم...
ابتلع المعتصم ريقه وهو يتحرك بعيدًا عن أرسلان يبحث عن معطفه، بينما الاخير يضم له جسد زوجته يخفيه عن الأعين، يشعر بالحقارة لرفضه معطف المعتصم في هذا الوقت، لكنه يقبل أن يكون حقيرًا على أن ترتدي زوجته ثياب تحمل رائحة رجل آخر.
دقائق مرت حتى عاد له المعتصم ينفض معطفه ومن ثم قدمه له، ليلف به أرسلان سلمى، ومن ثم نهض يتحرك بها بين الجميع برأس مرفوع ليس وكأنه هو من كان يبكي منذ ثواني أمام الجميع على زوجته .
وصل بها صوب حصانه، يستدير ببطء صوب المعتصم، ومن ثم نظر للعاصمة أمامه بهدوء ورثاء يهتف بنبرة ميتة :
_ لا بأس، لا بأس، نعيد اعمارها مجددًا ومجددًا، لكِ يوم تنهضين به مشكى، نهضة لا يتعبها سقوط بأمر الله، اجمع جميع من تضرر يا المعتصم واحضرهم للقصر سنتكفل بهم ريثما نعيد البلاد لوضعها .
صمت ومن ثم تحدث بصوت منخفض وصل للمعتصم وكأنه الجحيم، صوته كان كأجراس إنذار تنبأ بقرب النهاية، أو ربما النهاية نفسها :
_ حذرتهم سابقًا أنني اتهاون بأي شيء عدا زوجتي وبلادي، انتهي من لملمة كل ذلك يا المعتصم وأعلن حالة استنفار في البلاد، آن أوان أخذ ثأر كل قطرة دماء أُريقت في بلادي، وكل حجر سقط في مشكى ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ الرحمة أرجوك الرحمة .
كلمات لو كانت نطقت من فم آخر وعلى مسامع آخر ربما ...ربما كانت أتت بثمارها المرجوة، وربما كان المتحدث نال الرحمة التي يرجوها .
لكن ليس عندما يكون المتحدث أحد المتسببين في خراب بلاده، وليس المستمع هو آزار الذي ارتسمت بسمة مرعبة على فمه وهو يخرج خنجرًا من ثوبه يطلقه في ثواني ليصيب ذراع الرجل لتعلو صراخته في المكان .
ابتسم بسمة صغيرة يتحدث بهدوء:
_ رحمة ؟؟ هذه كلمة قطعت كل صفحة ذُكرت بها في قاموسي، رحمتك هذه تنالها عندما تنتقل للرفيق الأعلى فهو ارحم على عباده مني، أما أنا فمجرد قذر متجبر لا يغفر لمن يتخطى حدود وضعها لنفسه .
مال أمام الرجل بهدوء يهمس له بنبرة مخيفة :
_ والآن ما رأيك لو تتحدث بما يخطط له سيدك ؟! لربما يتسبب هذا في تفكيري بتخفيف طريقة موتك .
رفع الرجل عيونه لآزار يحاول أن يفتح فمه مجددًا لتوسله لكن آزار منعه بهدوء :
_ ولا تضع وقتي بالتوسل لشيء لن تناله فأقصى ما اقدمه لك ميتة رحيمة .
سقطت دموع الرجل وهو ينظر له برعب :
_ لقد ...هو فعل الشيء ذاته مع نفس الممالك ليضلل على ...دخول جيوشه للبلاد، لقد ...هو يخطط لاستغلال ما يحدث ويتحرك للممالك في اليومين القادمين وسيبدأ بسفيد، وأقسم أنني لا أعرف أكثر مما أبلغتك به الآن، هذا اقصى ما وصلت له .
_ وأنا لا احنث وعدي يا بني .
ختم آزار كلماته في اللحظة التي اخترق بها الخنجر معدة الرحل ليسقط ارضًا تحت أقدام آزار يراقبه الأخير بملامح جامدة، قبل أن يتحرك وينظر للدمار الذي أصاب البلاد، وعلى حسب قول الجثة التي تقبع خلفه فهو لا يمتلك فرصة النهوض بالبلاد، ولا فرصة للتفكير في إعمارها، ربما يفكر في ذلك حينما ينتهي منهم جميعًا، حينها وحينها فقط يمكنه أن يعمرها على رفاتهم ...
_ أرسل رسالة لجميع الممالك واطلب إجتماعًا عاجلًا يا بني، دقت طبول الحرب ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لا أظن أنه من الحكمة ترك البلاد في هذا الوقت إيفان.
كانت تلك كلمات سالار وهو يتحرك في ممرات القصر خلف إيفان الذي كان يتعامل بشكل شرس مرعب منذ أن أبصر ما حدث في البلاد منذ ساعات قليلة.
و إيفان فقط ابتسم بسمة غريبة عليه :
_ انتهى وقت الحكمة عزيزي سالار، حان وقت اليد، سنترك كل من تميم ودانيار في البلاد ونتحرك لسبز، حان وقت وضع نهايتهم .
ختم حديثه ينظر صوب تميم ودانيار ليهز كلٌ رأسه بالطاعة، بينما سالار احترم كلمات إيفان ولم يتناقش أكثر معه في قرارته، فهو يثق في عقليته الإدارية، كما يترك له إيفان كل ما يتعلق بالتخطيط للحروب وغيرها من الغزوات .
كان الجميع في طريقهم لقاعة الاجتماعات قبل أن يقطع طريقهم أحد الجنود الذي تحرك صوبهم بسرعة بمجرد أن أبصرهم يتحدث بجدية :
_ مولاي حمدًا لله على سلامتكم كنت انتظر عودتكم لاخبرك بما يحدث .
نظر له إيفان بريب :
_ ما يحدث، وما الذي يحدث هنا؟! هل أصاب أحد النساء سوء أو تضرر أحدهم؟!
نفى الجندي برأسه ومن ثمّ رفع عيونه صوب دانيار الذي ارتاب من نظراته يهمس بقلق لنفسه :
_ نظر لي، إذن الأمر متعلق بمصيبتي التي اخترتها لنفسي، سترك ورضاك يا الله .
_ أنها سمو الاميرة مولاي .....
ضرب دانيار قدمه بقوة يهتف دون شعور :
_ والله كنت أعلم، بالطبع سمو الأميرة، من غيرها يا ترى ؟! أمي رحمة الله عليها ؟!
رماه إيفان بشر وهو يعيد نظراته للجندي يتحدث بجنون :
_ تحدث يا رجل ما بها أختي هل سأسحب الحديث منك !!
توتر الجندي مبتلعًا ريقه بصعوبة يشير جهة المشفى :
_ يفضل أن ترى بنفسك....
في المشفى :
كانت كهرمان تحاول جذب زمرد عن الرجل بصعوبة وقد استطاعت ذلك لمرة قبل أن يفتح ذلك الأحمق فمه مجددًا ويستفزها بكلماته أكثر فيجن جنونها وتنقض عليه مرة ثانية بالضرب .
هنا ونفذ صبر إلياس وفي لحظة غفلت عنه زمرد التي كانت تحاول الفكاك من كهرمان لتوسعه ضربًا، نهض بسرعة يتحرك لها يرفع يده صافعًا إياها بقوة جعلت شهقات الجميع ترتفع وعيون زمرد تتسع بصدمة كبيرة .
نفسها اللحظة التي خطى بها الجميع لممرات المشفى ليبصر دانيار ما حدث مع زوجته، وايفان ما نال أخته.
وهي لحظات فقط حتى اندفع الاثنان بجنون صوب إلياس، إيفان يجذب زمرد بسرعة لاحضانه يطمئن عليها، ودانيار لم يكن لديه الوقت ليفعل وهو يمسك بجسد الرجل يوسعه ضربًا كالمجنون وهو يصرخ به وقد برزت عروقه بشكل مخيف :
_ تمتد يدك لزوجتي أيها الوسخ، عليك اللعنة، اقسم أنني سأحطم عظامك بالكامل أيها الحقير ...
كان الجميع قد أبصر ما فعل إلياس ولم يبصروا ما فعلت زمرد أو ما أصاب وجه إلياس حتى، لم يبصروا سوى أن هناك رجل صفع زمرد .
أما عن زمرد فقد استكانت لأحضان إيفان بوداعة وهي تنظر بحزن صوبه تبكي دون شعور :
_ لقد صفعني أخي .
_ اقطع يده زمرد، تُقطع يده حبيبتي ...
هنا وانفجرت زمرد في البكاء داخل أحضان إيفان، ليضمها وقد اسودت عيونه يراقب إلياس الذي كاد دانيار يخرج روحه بين كفيه خاصة مع ارتفاع شهقات زوجته .
وتبارك تراقب ما يحدث بتشنج وقد انقلب المشهد في ثواني، تنظر لكهرمان التي كانت تبتسم بصدمة مما يحدث .
تحرك سالار صوب تبارك يتأكد أنها بخير حينما أبصر وجودها في المكان لتعلو عيونه نظرات مترقبة وهو يسألها بشك :
_ هل لمسك هذا الرجل ؟!
نفت تبارك برأسها وهي تتحدث بصوت منخفض :
_ لم يفعل سالار، في الحقيقة زمرد لم تمنحه الفرصة ليفعل .
نظر لها بعدم فهم، ومن ثم حرك نظراته صوب دانيار الذي كان كمن تلبسه عفريت، يشير بعيونه لتميم :
_ تميم امسك هذا المجنون قبل أن يقتل الرجل بين يديه .
وبالفعل تحرك تميم صوب دانيار بسرعة يبعده عن إلياس، واخيرًا تساءل إيفان عما يحدث :
_ ما الذي يحدث هنا، ومن هذا الرجل ؟! ليفهمني أحدكم كيف بدأ كل هذا رجاءً ؟!
رفعت زمرد عيونها عن صدر إيفان تصرخ وهي تشير صوب الرجل وقد محت كل ملامح المسكنة التي كانت مرتسمة على وجهها منذ ثواني :
_ هذا الحقير اختطف فاطمة من زوجها .
ارتفعت ملامح عدم الفهم على وجوه الجميع وقد تحدث دانيار وهو يقترب منها بتحفز وكأنه ينتظر إشارة منها لينقض مجددًا عليه :
_ فاطمة من ؟! وزوجها من؟! ماذا فعل هذا الوسخ تحدثي .
نظرت له زمرد بحزن وهي تقترب منه تهمس بصوت به غصة بكاء مشيرة صوب إلياس ليجن جنون دانيار مجددًا من ملامحها الحزينة :
_ فاطمة صديقة سلمى ...
نظر لها الجميع بعدم فهم مجددًا وقد كانت كما لو أنها تتحدث بكلمات متقطعة غير مفهومة، بينما كهرمان تدخلت توضح لهم الأمر أكثر، إذ يبدو أن غضب زمرد وصل لعقلها فأذابه :
_ فاطمة زوجة قائد جيوش مشكى، المعتصم، هذا الرجل اختطف زوجة المعتصم وادعى أنها زوجته ...
اتسعت عيون الجميع وقد حلقت حول إلياس بصدمة كبيرة، وسالار رماه بنظرات سوداء مخيفة قبل أن ينتفض جسد البعض على صرخة إيفان المرعبة :
_ حـــــــــــــراس، احضروا هذا الوسخ لقاعة العرش وارسلوا رسالة لقائد جيوش مشكى بالحضور ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك يهبط عن حصانه وهو يضمها له برقة وقد عز عليه أنها في حالة لا وعي، يبتسم متذكرًا المرة السابقة التي كانت معه على صهوة حصانه وارادت أن تهبط عنه ..
" ساعدني رجاءً "
نظر لها بأعين عاشقة وملامح مبتسمة دون وعي، يكفيه أن ينظر لها فقط ليبتسم، يكفيه أن يشرد بها ليذوب في ملامحها..
تحرك بها بسرعة صوب غرفته وهو يتحدث بجدية كبيرة لأحد رجاله :
_ احضر الطبيبة بسرعة رجاءً..
دخل بها الغرفة يضعها على الفراش، ومن ثم بدأ يتحرك يساعدها لخلع حجابها، وكذلك الحذاء الخاص بها، فك لها خصلات شعرها ينثرها خلفها كي لا تزعجها يلاحظ اطرافها التي تدمرت بالكامل من الحريق، يتحرك صوب المرحاض غاب به لثواني، ومن ثم خرج نظر لها ثواني يحمل بين يديه قماشة قطنية أخذ يبللها وبعدها يمسح ملامحها بحرص وحنان ..
ومن ثم حينما انتهى مال عليها يقبل عيونها برقة شديدة، وقد بدا في هذه اللحظة أنه ما يزال مصدومًا مما حدث، وعقله لا يحسن التفكير في ردات فعله .
_ ليت العالم كله، ولا شعرة منكِ سليمى .
اعتدل في جلسته حينما صوت طرقات على باب غرفته، سمح للطارق بالدخول حينما سمع صوت الطبيبة، يشير لها بالتقدم وهو يهتف بنبرة حاول جعلها متماسكة :
_ فقط أخبريني متى ستفيق رجاءً .
كان تقريرًا منه أنها ستفيق، لم يكن يسألها إن كانت بخير أو لا، يسألها فقط أن تخبره متى ستفتح عيونها، وكأن أي خيار عدا ذلك كان غير مقبولًا .
_ حسنًا هل يمكنك التحرك جانبًا رجاءً كي افحصها ؟!
لكن أرسلان كان فقط يراقب سلمى ينتظر أن تفتح عيونها، وكأن حياته مرهونة للحظة يبصر عيونها، تنهدت الطبيبة بصوت مرتفع وهي تتحرك كي تنتهي مما جاءت لأجله، بينما أرسلان ما يزال جالسًا ينتظر أن تنتهي .
لا يشعر بها ولا بخروجها وعودتها بعد دقائق تحمل بعض الاعشاب تطحنها وتضعها في فم زوجته، وبعد نصف ساعة تقريبًا سمعها تتحدث بهدوء :
_ حسنًا يبدو أنها استنشفت الكثير من الادخنة وهذا ما أدى لحالتها تلك، منحتها بعض الاعشاب التي تساعد على توسيع مجرى تنفسها وتساهم في تحسين حالة الرئة على أمل أن تستجيب لهم في أسرع وقت لنكمل باقي الفحوصات و....
صمتت ثم قالت وهي تشير لجزء ظاهر من قدم سلمى :
_ لقد أُصيبت ببعض الحروق البليغة في قدمها، لقد أحضرت الاعشاب لأضعها لها و...
_ أنا سأفعل .
_ ماذا ؟!
_ أشكرك حضرة الطبيبة، أنا سأساعدها في وضع تلك الأعشاب .
مدت له الطبيبة يدها بتردد:
_ آه حسنًا، لا بأس في ذلك، تفضل، يفضل وضعها مرتين يوميًا و...قد تترك جروحها أثرًا على جسدها و...
_ لن يسبب لها هذا ألمًا ؟؟
_ ماذا ؟؟
_ هذه الجروح التي قد تترك أثرًا هل ستظل يؤلمها ؟؟
رمشت الطبيبة تحاول أن تستوعب ما يحدث :
_ لا، بمجرد استقرار حالتها ستأخذ وقتها للشفاء ومن ثم لن تشعر بألم، لكنه سيترك أثرًا مزعجًا على جسدها قد يتسبب لها في ...
_ لا بأس إذن، طالما أنه لن يؤلمها فلا بأس .
صمت ثواني وهو يتساءل دون شعور :
_ هل سيحزنها الأمر ؟!
_ ماذا ؟!
كانت الطبيبة تشعر بالبلاهة الشديدة وهي تحاول أن تدرك ما يدور داخل عقل الملك، أما عن أرسلان فقد أفاق على نفسه يحاول أن يظهر أمامها بمظهر جاد :
_ لا بأس، أشكرك للمساعدة، يمكنك الذهاب لمساعدة الباقيين وآسف لازعاجك .
تحركت الطبيبة بريبة صوب الخارج وهي تنظر لتصرفات الملك والتي كانت غريبة عنها، بينما هو راقبها حتى خرجت ليتنفس بصوت مرتفع يدفن وجهه بين كفيه :
_ يا ويلي سلمى، افيقي قبل أن أفقد عقلي أرجوكِ، لم أتوسل لأحدهم في حياتي عداكِ، أرجوك سلمى أنا أرجوكِ لا تقتلي آخر ذرة تربط بيني وبين انسانيتي، سأكون حقيرًا لا يُحتمل إن حدث لكِ شيئًا.
انتفض جسده على طرق الباب في الخارج، لكنه رفض الانسلاخ عنها، ليس وقلبه لم يستكين بعد بمحياها، كان غير قادر على التحرك بعيدًا عنها وكأنه تجمد جوارها يرتقب منها نظرة أو بسمة تطمئنه ليتحرك ويباشر حياته من حيث توقفت قبل رؤيتها فاقدة للحياة.
لكن الطرق في الخارج لم يسمح له بكل ذلك إذ استمر يعلو وصوت الجندي يتردد في المكان :
_ مولاي صقر سفيد جاءك برسالة .
رفع أرسلان رأسه ببطء، ينظر صوب سلمى ثواني بقلق وخوف، لكنه في النهاية مال يطمئن أنها بخير مقبلًا خدها بحنان :
_ لن اتأخر..
خرج من المكان وقد ارتسم على وجهه أكثر الاقنعة صلابة وجمودًا، يغلق الباب خلفه بهدوء يلتقط من الجندي الرسالة ومن ثم تحدث بصوت منخفض :
_ شكرًا لك .
تحرك الجندي تاركًا أرسلان يراقب رحيله بأعين ضبابية ..
ومن ثم فتحها بهدوء يفض رموزها التي لا يفهمها سواه وعدد قليل من الرجال حتى إذا ما وقعت بالخطأ في يد آخر غيرهم .
مرر عيونه على الكلمات أمامه قبل أن تشتد قبضته على الرسالة بغضب أكبر ودماؤه بدأت تغلي كالمراجل في عروقه.
_ كانت شعرة بينكم وبين صبري، وقطعتموها .
تحرك بين ممرات القصر بأعين سوداء بشكل غريب وكأنه ليس في عالمهم، حتى وصل لقاعة الاجتماعات ينظر لأحد الجنود:
_ بمجرد وصول القائد المعتصم أرسله لي .
ومن بعد كلماته تلك دخل للقاعة يغلق على نفسه وهو ينتزع خارطة الجحر من مكانها يفردها أمامه، ومن ثم أحضر قلمًا واخذ يخط بعض الخطوط عليها ويده مشتدة بغضب قبل أن تلين قبضته فجأة حينما توقفت عند جزء صغير بالخارطة .
زهور سلمى التي خطتها أناملها سابقًا، وفي ثواني تلاشى جنونه وكأنه كان في حالة لا وعي يتحسس الخريطة أمامه بشرود، قبل أن يجلس على المقعد خلفه يتنفس بصوت مرتفع :
_ صبرًا سليمى، صبرًا غاليتي، فقط انتهي منهم وأعدك بنسخة كالنسمة مني، لكِ كل ما تتمنينه فيّ، فقط انتهي من كل هذا .
_ مولاي القائد وصل ..
ثواني وسمع صوت فتح أبواب القاعة وصوت خطوات المعتصم يقترب منه، لم يستدر أرسلان، بل انتظر حتى وصل له المعتصم وتوقف خلفه يردد بهدوء :
_ طلبت رؤيتي مولاي ؟!
_ كل شيء بخير يا المعتصم ؟!
_ نعم تداركنا الوضع، والاصابات ليست بالجللة فقد تصرفنا بسرعة ولله الحمد، فقط هنا ثلاث رجال وطفل صغير هم من ....تأذوا بشكل مريع .
تمتم أرسلان بصوت خافت بـ " اللهم أجرنا في مصيبتنا" ومن ثم هتف بصوت مسموع :
_ تدرك ما ستفعل مع ذويهم صحيح .
_ تكفلت بالأمر مولاي لا تقلق .
نهض أرسلان وهو يهز رأسه:
_ تجهز للتحرك صوب سفيد لتوصل رسالتي لإيفان .
نظر له المعتصم بعدم فهم :
_ أوصل رسالة؟! لكن مولاي هذا ليس دوري، هناك من يمكنه ذلك غيري أنت والبلاد تحتاجون لوجودي الآن، يمكن لتيم حتى الذ....
_ هناك أمانة سيسلمها لك إيفان يا المعتصم، امانتك لن يتسلمها غيرك يا أخي.
ردد المعتصم بعدم فهم :
_ امانتي ؟؟
_ زوجتك، هي في سفيد ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ توبة ؟!
صُدم بارق حينما أبصر ابنته تهيم بين ممرات القصر بأعين ذابلة مرهقة وكأنها خرجت لتوها من مواجهة مع موت محتم، هرول صوبها بخوف وهو يهتف اسمها مجددًا برعب يلتقط جسدها قبل السقوط ارضًا :
_ بسم الله، حبيبتي ما بكِ؟؟ ما بكِ توبة ما الذي حدث لكِ ؟؟
رفع عيونه يدور بها حوله في الممرات يبحث بعيونه عن المتسبب فيما حدث لها، ومن ثم عاد لها ينظر لعيونها الباكية ووجهها الشاحب :
_ ما بكِ حبيبتي ؟! ما الذي حدث لكِ ؟؟ هل ...أذاكِ احدهم و...
انهارت توبة باكية في أحضان والدها وقد دمرها كل ما مرت به اليوم وخُتم اليوم بما حدث لنزار الذي يرقد كالجثة الهامدة في الداخل لا يعي بشيء حوله :
_ هو يموت .... يموت يا أبي، هو كذلك سيموت كطفلي، سيتركني كذلك.....سيموت مثله ....لقد .... أنه يناظع أنفاسه الأخيرة في الداخل، الطبيب أخبرني أنه يموت أبي، اقسم بالله أنني سأموت بعده .
كان بارق يسمع كلماتها دون فهم يحاول إدراك مقصدها ومن تقصد بكلماتها :
_ من ؟؟ من تقصدين يا ابنتي ؟!
كان يتحدث وضربات قلبه تتصارع بقوة ينظر لها بعدم فهم، لكن نظراتها تلك توحي أنها تخسر حياتها مع ذلك الشخص في الغرفة التي تشير عليها .
انهارت توبة وهي تحاول الحديث من بين شهقاتها بصعوبة، تحاول التحدث وتفشل مرات عديدة، حتى نطقت اخيرًا اسمه بانهيار :
_ نــ...نــ...نزار .
نطقت اسمه لتنهار باكية دون وعي وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي، لكنها فشلت ليجذبها بارق لاحضانه وعيونه متسعة بصدمة من كلماتها، تحرك بها يجلسها على أول مقعد متاح :
_ فقط ابقي هنا ريثما اطمئن من كل شيء حسنًا ابقي هنا سأراه و....
أمسكت توبة يده وهي تتوسله باكية:
_ أرجوك أبي، أرجوك اعفو عنه، أرجوك لتغفر له وأخبر الملك آزار أن يغفر له أرجوك أبي، أنا أرجوك اغفروا له ما فعل .
نظر لها بارق بأعين تلتمع دموعًا على شاب اعتبره ابنًا منذ يوم ولادته يربت على يدها متحدثًا بصوت خافت :
_ عساه هو يغفر لنا يا ابنتي، عليكِ أن تطلبي منه هو أن يغفر لنا، ولندعو الله أن يكون بخير وإلا..سيقيم آزار قيامتنا وسيحيل هذه الأرض لرماد ولن الومه .
ختم حديثه يتحرك صوب غرفة نزار التي كانت تشير لها توبة، تاركًا الأخيرة تراقب أثره بأعين متعجبة وعدم الفهم يلوح على وجهها، تحاول فهم ما يقصد والدها، لكن حصيلة ادراكها في النهاية كانت صفرًا .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ المعتصم يا بني اسمعني وتوقف عن تهورك هذا لا أعلم من أين اكتسبت كل هذه الخصال السيئة ؟! كنت إنسانًا مسالمًا حينما جئت هنا، الله وحده يعلم مع من كنت تقضي وقتك لتكتسب منه كل هذه الأمور السيئة ؟!
كانت تلك جملة أرسلان التي نطق بها وهو يمسك مرفق المعتصم الذي كان يلقي بالسرج فوق صهوة الحصان، ليستدير متشنجًا وهو ينظر لأرسلان وكلماته الاخيرة تثير به تهكمًا وسخرية .
_ لا أدري حقًا ممن اكتسبتهم ؟؟ ربما من جلستي مع زيان؟!
_ إذن قلل جلساتك معه، وأنا سأنصح خالد بالمثل لا ينقصنا مختلين في القصر .
قلب المعتصم عيونه من كلمات أرسلان والذي كان يتحدث بجدية كبيرة، ومن ثم تنهد بصوت مرتفع :
_ ما الذي تريدني أن افعل وأنت تخبرني أن زوجتي الآن في سفيد وقد عثروا عليها مخطوفة وأنا هنا ابحث عنها كالمجنون كل يوم وكل ليلة، مولاي أنا لم أنم ساعات متتالية اكثر من أربع ساعات منذ رحلت أنا كنت أهرب في المساء للبحث عنها، و بحثت عن ذلك الوسخ في كل مكان هنا ولولا ما حدث لكنت الآن في سفيد، ما الذي تتوقعه مني حينما أعلم ما فعل في زوجتي في النهاية ؟!
_ تقتله ...
رمش المعتصم بعدم فهم ليقترب منه أرسلان يهتف بكلمات سوداوية بسيطة للغاية:
_ تقتله، اختطف امرأة لا تحل له وتصرف في أمرها دون رضاها، إذن اقتله ..
صمت ثواني ثم قال بجدية كبيرة وهو يقترب من المعصتم يتحدث بنبرة مرعبة وعيونه تطلق شرارّا وكأنه اعلن الحرب على الجميع :
- اسمع يا بني ما سيحدث ..
ومن ثم بدأ يطلق على أذنه ما سيحدث وكأنه يعلم بالتحديد ما سيواجهه :
_ستجد إيفان يطالبك بعقد جلسة حكم عليه كي يعطي كل ذي حقٍ حقه وووووو...فقط تجاهله لذلك الحكيم، وأخبره أنك أخذت أوامر مباشرة مني بأن يكون الحكم عليه في مشكى، وذلك حقك لأن المتضرر من مشكى فلا يحق له الحكم عليه في سفيد .
ابتسم يربت على كتف المعتصم مؤازرًا إياه شاعرًا بالنيران التي كانت مشتعلة داخل صدره، وقد أبصر بعيونه جنونه في البحث عن زوجته، لذا قال ببساطة وجدية خالصة :
_ أحضره لي وأنا سأعطيك حق الحكم عليه بما تريد، وإن رفض إيفان اخبره أنني سأمر بجيشي عليه قبل التوجه لأصلان، حسنًا يا أخي !؟
التمعت عيون المعتصم بامتنان شديد قبل أن يلقي نفسه باحضان أرسلان يضمه بقوة وحب اخوي كبير، بينما أرسلان ضمه بحب وهو يربت على ظهره يهتف بجدية وقوة :
_ لا عاش من تسبب لك بخدشٍ يا أخي، احضره ولك مني وعدًا بترك الحكم في يدك، وهذا حقك لأجل زوجتك وعرضك الذي استحله لنفسه .
ضم المعتصم نفسه أكثر لأرسلان الذي ابتسم له وهو يهمس :
_ فقط أوصل رسالتي واحضر امانتك وذلك الخسيس وعد سريعًا، فلا استنغى عن وجودك كثيرًا يالمعتصم فأنت يدي يا أخي.
تأثر المعتصم بكلمات أرسلان، يبتعد عنه مبتسمًا بامتنان :
_ لك ذلك مولاي، من الأساس لم أعد استطيع البقاء بعيدًا عن مشكى لوقت طويل، لمشكى ولملك مشكى، هنا حياتي وعائلتي مولاي ...
_ إذن اذهب لتحضر عائلتك وعد سريعًا يا اخي، فأنت لا تود تفويت العروض التي سيقيمها الملك أرسلان هنا ها ؟!
ختم حديثه بغمزة ليضحك المعتصم هامسًا بنبرة سوداوية :
_ بالطبع لا أريد مولاي، سأكون أول المشاركين في العرض .
ختم حديثه يودع أرسلان بكلمات صغيرة ومن ثم تحرك لحصانه يتحرك بسرعة مرعبة وخلفه بعض الجنود، يغادرون بوابة مشكى تحت أعين أرسلان الذي تنفس بصوت مرتفع ينظر للسماء بأعين ضبابية لا تظهر ما يخفيه خلف نظراته .
_ اقتربت يا حمقى .
تحرك من بعدها للداخل يتوجه صوب غرفتها وقد غاب عنها أكثر مما خطط، تنفس بصوت مرتفع يضغط على مقبض باب غرفته ولم يكد يفتحه حتى سمع أصوات غريبة في الداخل .
ضيق ما بين حاجبيه وهو يفتح الباب ببطء يبصر جسد خالد يدور في المكان وفوق كتفه يوجد موزي يطلق اصواتًا مبتهجة .
رمش بعدم فهم يتابع حركات خالد :
_ ينام في هذا المكان الجميل ويترك لي غرفة متواضعة ؟؟ هذا إجحاف في حقي ومكانتي كمهندس مرموق في ربوع البرازيل .
مال أرسلان برأسه قليلًا يتابع ما يحدث دون فهم، ما الذي يحدث في المكان، وكيف يتجرأ هذا الخالد على اقتحام غرفته وازعاج زوجته و....
زوجته ؟؟ أين هي ؟؟
انتفض جسده برعب وهو يبحث عنها بعيونه في المكان وقد أبصر مكانها فارغًا على الفراش، توقف قلبه وهو يهتف باسمها بصوت مرتفع :
_ سلمى ...يا ويلي سلمى أين هي ؟؟
كان يصرخ باسمها صراخًا هستيريًا، لينتفض خالد برعب وهو يضم له موزي يحاول التحدث بكلمة، بينما أرسلان جن جنونه وهو يتحرك في المكان يبحث عنها مشيرًا للفراش :
_ كانت هنا، هي مريضة، كيف ... أين رحلت ... أين هي ؟؟ كيف تركتها ترحل أنت ؟؟
أشار خالد بيد مرتعشة صوب المرحاض وهو يهمس بصوت متوتر :
_ لقد أفاقت منذ ثواني وطلبت دخول المرحاض و....
لم يهتم أرسلان بسماع باقي كلماته يتحرك بسرعة صوب المرحاض يطرق عليه برفق كي لا يفزعها :
_ سلمى حبيبتي أنتِ في الداخل ؟!
اتسعت عيون خالد وقد التقطت أذنه الكلمة، يميل ببطء على كتفه الأيمن حيث يرقد موزي :
_ حبيبتي ؟؟ هل فاتنا شيء موزي ؟!
لكن أرسلان لم يكن يعي ما يحدث حوله فقط كل ما يراه هو زوجته المريضة التي نهضت لتوها بعد ساعات من بقائها في الفراش دون حراك .
وبقدر لهفته كان خوفه .
حاول استراق السمع على ما يحدث في الداخل، لكن لا شيء وصل له وكأن لا حياة داخل المرحاض .
_ سلمى أنتِ بالداخل صحيح ؟؟
_ أخبرتك أنها بالداخل لقد دخلت أمام عيوني واسأل موزي و...
توقف عن الحديث حينما زجره أرسلان بنظراته صارخًا وقد بدأ يفقد عقله :
_ اصمــــــت لا تثر جنوني، هي لا تجيب ولا يوجد أي صوت في الداخل، ألم تفكر في مساعدتها أو الاطمئنان عليها حتى ؟؟
شحب وجه خالد وكأنه لم يفكر في تلك النقطة يتحرك صوب المرحاض في اللحظة التي بدأ بها أرسلان يدفع الباب بقوة حتى تحطمت اقفاله تحت وطأة ضرباته العنيفة .
وبمجرد أن فُتح الباب شهق أرسلان متراجعًا للخلف بصدمة مما أبصر يهتف دون وعي :
_ يا رحـــــيم ...
فزع خالد من ردة فعل أرسلان ليقترب بسرعة بخوف، لكن فجأة تجمد حينما رنت صرخة أرسلان في المكان وهو يوقفه في مكانه :
_ لا تقتــــــــــــرب، لا تفـــــعــــــل، اخرج من المكان، اخرج الآن.
نظر له خالد بفزع رافضًا :
_ ماذا ؟! بالطبع لا، هذه أختي سأ....
_ للخارج أخبرتك للخارج خالد، لا يمكنك رؤيتها الآن هيا أخرج من المكان .
شعر خالد بقلبه يهوى من هول الغضب المرتسم على وجه أرسلان يدرك أن ما حدث لشقيقته داخل المرحاض مروع ليتسبب في كل هذا الغضب لأرسلان .
_ لكن هي ...
تحدث أرسلان بنبرة موجوعة اجبرت خالد على الرضوخ :
_ أرحل الآن، وسأخبرك متى تعود للأطمئنان عليها، أدرك أنها اختك وتخاف عليها، لكن أرجوك أرحل الآن.
_ فقط أخبرني أنها بخير .
نظر أرسلان لسلمى مجددًا يهمس بصوت غريب :
_ هي كذلك ..
ابتلع خالد ريقه وهو يدرك أنه يجب الرحيل وترك خصوصية لهما، لذا امسك موزي يجذبه معه للخارج تاركًا أرسلان يراقب سلمى في المرحاض، ومن ثم تحرك بسرعة يحضر أحد قمصانه ومنشفة جافة، يقترب من المرحاض أكثر.
توقف أمامه ثواني يراقبها بأعين مكسورة، كُسر مرات عديدة، كُسر في كل ما يحب، والآن جاء الوقت ليكسروه في زوجته .
طرق الباب بهدوء يهتف بصوت شبه مرتجف :
_ سلمى هل أدخل ؟!
وسلمى كانت ما تزال على حالها تنظر أمامها دون شعور بالمكان حولها وقد بدا أنها ما تزال تعاني من توابع ما حدث .
تنحنح أرسلان يتحرك للداخل يعلق الثياب، ومن ثم شمر اكمامه يتقدم منها يبصرها تجلس في ارضية المرحاض المبتلة وحولها خصلات شعرها التي قصتها بشكل عشوائي مزقه، بينما جسدها لا يستره سوى قطع صغيرة من الملابس تظهر جميع حروقها، وقد خمن من ملامحها ما أصابها حينما أبصرت كل ذلك .
حاول الابتسام وهو يمد كفه لها يدير وجهها صوبه يراقبها بحب وهي فقط نظرت لعيونه تبتسم بسمة ميتة :
_ احترقت جميع خصلاتي ولم يتبقى لي سوى القليل، كنت مجبرة على قصهم، لقد ....كنت أحبهم كثيرًا .
حرك أرسلان عيونه في الارجاء يحاول مقاومة دموعه على حالتها، يبتسم بصعوبة وهو يردد بصوت حاول جعله متماسكًا :
_ لا بأس لننظر للجانب المشرق في الأمر.
رمقته بعدم فهم، ليمد أرسلان يده يمسك خصلاتها التي اصبحت تصل لكتفها بالكاد، ومن ثم أشار لشعره الذي كان يعقده خلفه يفك ربطته ممازحًا :
_ نالك شرف امتلاك خصلات بطول خصلاتي يا امرأة، أي شرف تحملين الآن ؟!
نظرت له سلمى ثواني قبل أن تبتسم ثواني، وتضحك بلا شعور على كلماته، قبل أن تتلاشى ضحكاتها وتتحول لدموع صامتة وهي تنظر لوجه أرسلان تهتف بضعف وكأنها تشكو ما يحزنها :
_ لقد ... أحببتهم كثيرًا، كنت أكره أن اقص خصلاتي أرسلان لقد ....
صمتت تنفجر في البكاء وهو فقط جذب رأسها لصدره يربت عليها بحنان :
_ لا تبكي عزيزتي، لا تبكي الأهم أنكِ معي تحدثيني وتتنفسين وتطربين أذني بصوتك، لا يهمني أي شيء عدا ذلك، حتى لو كنتِ صلعاء بالكامل لا يهمني .
ضحكت سلمى دون شعور في أحضانه تهتف بصوت مكتوم :
_ لم تحصل على امرأة صلعاء، لكنك حصلت على امرأة مشوهة أرسلان..
أبعدها أرسلان عنه بعنف يمسك وجهها يجذبه لوجهه وكأنه سيناطحها وقد كانت طرقه للتعبير عن حبه مريبة بقدر غضبه :
_ أي مشوهة هاته، أنتِ يا امرأة ما فائدة مرايا الغرفة إن لم تبصري حسنك ؟؟ هل يمكنكِ أن تكوني أجمل من الآن حتى ؟!
_ نعم كنت أجمل من الآن، لكنك لم تبصرني .
_ لا عجب أنني كنت اعمى .
_ وأحمق .
_ نعم أعمى وأحمق.
جذبها يستند على جبهتها هامسًا بصوت منخفض حنون :
_ سليمى ... أي إنسان يبصر بهائك هذا ولا يذوب ارضًا من حسنك، فهو احمق وحقير وأنا أكبر احمق حبيبتي، إذ أنني أبصرت ذلك وترفعت عن الذوبان أمام حسنك .
_ هل اصبحت شاعرًا فقط لتراضيني ؟! لا تقلق أرسلان أنا...طبيبة نفسية وأدرك كيف اتخطى كل هذا، نعم سأحزن دون إرادة مني، لكنني سأتخطى هذا بعد فـــ
_ أشششش، فقط اصمتي وامنحنيني فرصة الحديث يا امرأة فلا ندرك متى تنفك عقدة لساني مجددًا لأخبرك ما أريد أخبارك إياه.
أبعدها عنه برقة كبيرة، وهو ما يزال يأسر وجهها بين كفيه الخشنين، يميل مبتسمًا يتأمل بها بشرود وكأنه يجهز لكلماته، أما عنها كانت تحاول أن تركز معه لولا خصلاتها القصير التي تتحرك فتفسد مزاجها .
زفر أرسلان وهو يلملم خصلاتها بين كفيه يجمعهم في رابطة شعره الخاصة :
_ جيد ؟؟ والآن اعطني كامل تركيزك رجاءً.
نظرت ليده ومن ثم لعيونه تهتف بمشاعر مختلطة لا تستطيع تحديدها :
_ تخيلت كل شيء في حياتي، أي مشهد شاعري قد يحدث بين اثنين تخيلته، إلا أن يمنحني زوجي رابطة شعره لأجل ربط شعري بها، هذا ....غريب ولطيف نوعًا ما .
_ هل تزعجك رابطة شعري ؟؟ هي نظيفة فأنا لم احارب بها لذا هي ليست ملوثة بالدماء أو غيرها .
انكمشت ملامح سلمى باشمئزاز، ليطلق أرسلان ضحكات مرتفعة وهو يراها تجاهد لتنزع رابطة شعره وهو امسك يدها :
_ امزح معكِ اقسم أنني امزح ما بكِ، ثم هل يزعجك فكرة امتلاكي لشعر طويل بعض الشيء ؟! اقصه لأجلك.
اتسعت عيونها وهي ترفض بسرعة:
_ لا إياك أن تفعل هذا ...هذا يمنحك مظهرًا ساحرًا مهيبًا أرسلان، لا تقصه .
_ جيد، فأنا لا أحب قص شعري كثيرًا، والآن...
صمت ينظر لها بهدوء قبل أن يتحرك بجسده يحضر لها المنشفة يجفف جسدها باهتمام وهي تتابع ما يفعل وقد أخرجها دون شعور منه من حالتها التي كادت تسحب لها منذ ثواني، راقبته يساعدها بلطف لتنبث دون شعور :
_ أنت ...تصلح لتكون طبيبًا نفسيًا صدقني .
توقفت يد أرسلان وأحضر قميصه يلبسها إياه بلطف، ثم مال وحملها بين ذراعيه يضمها لصدره مقبلًا خصلات شعرها :
_ لا أعتقد أنني اجيد الأمر، لا أستطيع أن اعالج أحدهم من مرضي نفسي، لكنني ماهر في جلب الامراض النفسية للأخرين .
ختم حديثه يتركها على الفراش، ثم جلس ارضًا أمامها يمسك بين يديه الاعشاب التي وصفتها لها الطبيبة يراقب قدمها بحرص، ومن ثم أخذ يمرر الأعشاب على قدمها، يرفع عيونه لها بعد ثواني هامسًا :
_ إلا أنتِ، يمكنني أن أكون طبيبًا نفسيًا لأجلك إن أردتِ، لا امانع البتة، طالما أنني سأنال مكافئتي برؤيتك تبتسمين سليمى .
_ هل أثر الحريق على عقلك أرسلان ؟؟
_ حسنًا هذا ليس ردًا انتظرته بعد كل تلك الكلمات التي نطقتها لتوي .
_ لهذا بالتحديد أسألك منذ متى اصبحت شاعرًا ؟؟ تنطق بكلمات كهذه؟؟
تشنجت ملامح أرسلان وهو يكمل تمرير الاعشاب على قدمها ناظرًا لعيونها :
_ منذ متى يا ناكرة الجميل ؟؟ حقًا ؟؟ لقد كنت اغرقك بأعذب الكلمات طوال الوقت، هل تنكرين غزلي لكِ الآن ؟؟
_ حقّا فعلت ؟!
انتهى أرسلان ينهض من مكانه، يتوجه صوب ذراعيها يكشف عنهما قميصه ومن ثم أخذ يدهن ذراعيها بهدوء قبل أن يهمس بصوت خافت بعض الشيء وملامح حنونة وهي فقط تراقب وجهه القريب منها بهيام واضح :
_ نعم، تذكري فقد اخبرتك الكثير سليمى، ربما شيء واحد فقط لم أخبرك إياه طوال الفترة السابقة رغم أنني كنت احمله في صدر مذ أول لحظة ابصرتك تقريبًا .
شردت به سلمى دون شعور تحاول استخلاص كلماته وقد كان قلبها يطرق بقوة :
_ ما ...ما هو ؟؟
_ أنني أهيم بكِ عشقًا سليمى .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تقف على باب الغرفة الخاصة به تراقب والدها وهو يطمئن عليه بقلق واضح وكأنه على وشك فقدان أحد ابنائه وليس رجل صُنف خائن للجميع، هل يعقل أن والدها يفعل له ذلك من باب رد الجميل حينما ساعده في غيبوبته ؟!
تحركت للداخل تراقب والدها بأعين متعجبة وشك ملئ قلبها، تسمع كلماته للطبيب وقد شاب نبرته خوف واضح :
_ إذن سيكون بخير ؟!
_ لا يمكننا الجزم بهذا مولاي، فقط ننتظر أن تمر هذه الليلة بخير ومن ثم نختبر اجهزته الحيوية للتأكد أن كل شيء معه بخير .
حرك بارق عيونه صوب نزار يهز رأسه، ولم يلاحظ خروج الطبيب أو حتى اقتراب توبة منه وهي ترمقه بعدم فهم :
_ ما الذي يحدث هنا أبي ؟؟
نظر لها بارق بعدم فهم، أو بالأحرى ادعاء عدم الفهم، يبتلع ريقه وهو يبعد عيونه عنها وكأنه يتهرب من حقيقة ستؤذيها :
_ ما الذي يحدث توبة ؟! أليس هذا ما طلبتيه أنتِ بالفعل ؟!
_ طلبته ؟! طلبت منك مسامحته ومساعدته أبي، لكن قلقلك هذا لأجل طلبي كذلك ؟!
نظر لها باعتراض ولم يكد يتحدث بكلمة حتى قاطعته هي بصرامة :
_ أبي ما الذي يحدث ؟! هل ...هل ... قلقك هذا ليس طبيعيًا، أنت تكاد تبكي خوفًا، وما معنى أن يسامحكم هو او غضب الملك آزار، ما معنى كلماتك التي رددتها في الخارج ؟!
_ ما هو غير الطبيعي بقلقي؟! هذا ابن رفيقي وأنا من ربيته و...
قاطعته توبة بعدم تصديق لما يتحدث به والدها وقد شعرت بشكوكها تتأكد وهي تبصر توتر والدها الواضح :
_ ابن رفيقك الذي تبرأ منه ؟؟ والده تبرأ منه أبي وهذا ما نعمله جميعًا بسبب خيانته لكم و...
صمتت ثواني تقترب من والدها وكأنها تستوعب شيئًا ربما غفلت عنه سابقًا أو ربما انتبهت له ولم تفكر أو تتوقف عنه كثيرًا :
_ أو ربما لم يفعل ؟؟ هروبه بكل بساطة من سجون ....هروبه من سجون أرسلان للجحر، كل هذا ....لا ...لا أحد يستطيع اختراق سجون مشكى أو حتى خداع أرسلان والهروب بكل بساطة إلا إذا سمح هو له .
صمتت تبتسم بعدم تصديق وقد شعرت بالحيرة وعدم الفهم تدور حولها :
_ هل ....هل غفرتم له مقابل أن يلقي بنفسه في التهلكة ؟؟ أن يعود للجحر ؟! لهذا كان مصممًا ؟! لأجلكم ؟!
اتسعت عيون بارق من استنتاج ابنته، بينما هي اكملت بفزع وكأنها كانت عمياء طوال الوقت :
_ حينما ...ابصرته في مشكى كان ...يسير بين الطرقات بكل بساطة غير محاط بالكثير والكثير من الرجال كما يفترض أن يكون و.... أبي هل ...هل القيتم به لمصيره مقابل أن تسامحوه وأنا... أنا ساعدتكم بكل غباء ؟؟
نظر لها بارق بعدم استيعاب لجملتها الأخيرة لا يفهم مقصدها لتهبط دموعها ساخرة من نفسها :
_ لقد جاءني يطلب مساعدتي للهروب من مشكى و...
نظرت صوب نزار وهي تنظر له بأعين دامعة ووجع كبير، تشعر بالذنب يقتلها :
_ لقد ... لقد ساعدته ليعود لهم بنفسي شجعته بصمتي و...هذا بسببي أبي و...
_ لا يا ابنتي ليس بسببك، أنتِ لا تفهمين شيئًا .
_ إذن أخبرني... أخبرني أبي ما يحدث ولا تدعني في غياهب الجهل اطفو بحثًا عن مرسى لي، أنت لا تدرك مقدار الوجع حينما أتذكر أنني من فعل به هذا .
مسح بارق وجهه بقوة وهو ينظر صوب جسد نزار ثواني قبل أن يتنهد بصوت مرتفع :
_ اسمعي، فقط اهدأي وستعلمين كل شيء .
فتحت توبة فمها بلهفة ولم تكد تتحدث كلمة حتى قاطعها والدها رافعًا كفه في الهواء :
_ ليس الان توبة، فقط دعينا ننتهي وينهض هو ليخبرك لما حدث بنفسه، سيكون هذا أفضل و...
ولم يكد يكمل كلماته حتى بدأت همهات تعلو من فم نزار، همهات أخذت ترتفع شيئًا فشيء حتى فزع الجميع على صرخات نزار باسم الوليد ليركض بارق بسرعة يحاول التحكم بتشنجات جسد نزار يصرخ في توبة التي تصنمت مكانها بصدمة :
_ توبة اذهبي لتحضري الطبيب بسرعة، تحركــــي، احضـــــــري الطبيب ....
ــــــــــــــــــــــــــــ
تجمدت سلمى مكانها وهي تنظر لعيونه بعدم تصديق، وهو فقط ظل يحدق بها ينتظر منها أي ردة فعل تطمئنه، أي كلمة منها تخبره أنه مرغوب لديها .
_ حسنًا صمتك هذا لم يكن ردًا اتوقعه، توقعت تهليلات واحتفالات وشكر وامتنان، هل ....هل تقبلين بي وبحبي ؟!
حاولت سلمى الخروج من صدمتها لتتحدث له بأي كلمة تعبر عما يدور داخل صدرها من انفجارات في الوقت الحالي، ورغم سهولة الكلمات لم تستطع سوى الخروج بكلمات متقطعة لا معنى .
_ أرسلان.... أنا.... أنت لا ....
_ أنا ماذا حبيبتي اخبريني ؟!
وهذا كثير فبعد أشهر عجاف سقاها من المياه غيثًا، وهذا خطر عليها، وضعت يدها على وجهها تتحسس حرارته وقد عجزت عن النطق :
_ يا ويلي أرسلان أنا لا ... لا ... أعني...فقط أريد أن...
صمتت وقد كان الأمر أكبر من قوة تحملها وهي من كانت فصيحة اللسان سابقًا لا أحد يستطيع إجبارها على الصمت إن لم تود هي ذلك .
ابتلعت ريقها بصعوبة وهو مد يده يضم كفها بحنان :
_ ماذا تريدين ؟؟ يمكنكِ أمري إن أردتِ وسيكون مجابًا .
_ أنا أحلم بالطبع، فارسلان لن ينطق هذه الكلمات ولو وضعت سيوف على رقبته، أنت...لا تسمح لأحدهم برفع صوته في وجهك فما بالك بأمرك هل تمازحني؟؟
ضحك أرسلان بصوت هادئ وهز يهز رأسه موافقًا كلماتها والتي كانت صحيحة مائة بالمائة، لكن ورغم أنه اظهر لها مئات المرات أنها استثناءً عن الجميع، إلا أنها لم تصدق الامر حتى الآن.
رفع يده يجذب وجهها بين كفيه مرددًا بجدية وهو شارد في عيونها بحب شديد :
_ أنتِ الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يمتلك حقًا بي ليخبرني ما يريده في اي وقت يرغبه، لذا لكِ تصريح مني بأمري بكل ما تريدين حُلوتي، و أنا أتعهد لكِ بالسمع و الطاعة، على أن تتعهدي لي بقلبكِ .
ابتسم وهو يراقب احمرار وجهها واتساع عيونها ليبتسم بسمة صغيرة عاشقة :
_ عادل بما يكفي ها ؟؟
_ لــ...لمــ...لماذا الآن ولماذا أنا ؟؟
أسئلة كثيرة دارت داخل عقلها في هذه اللحظة ليهز هو رأسه ببساطة ليس وكأنه ينطق في هذه اللحظة ما لم يتخيل يومًا أن يفكر به حتى، وعيونه تلتمع بالحب :
_ ربما لأنني أدركت مؤخرًا أنكِ ذلك الوطن الذي عشت عمرًا شريدًا أفتش عنه بين الطرقات، الوطن الذي أدركت منذ لحظتي الأولى بين أحضانه أنني على استعداد لبذل كل ذرة دماء في سبيله سلمى.
وما كاد يتم كلماته حتى كانت سلمى ترمي نفسها بين أحضانه وهي تبكي بعدم تصديق من الصدمة، واخيرًا ما انتظرته طويلًا أتاها افضل مما تخيلت .
_ يا ويلي أرسلان، قلبي سيتوقف من ...سيتوقف من هول ما تقول ..
_ عسى أن تتوقف قلوب أعدائك حبيبتي، لا أراني الله بكِ وخز شوكة سليمى .
سقطت دموع سلمى أكثر وهي تضم نفسها بين احضانه تهمس بصوت منخفض باكٍ، وقد شعرت أنها واخيرًا قد نالت ما تتمنى ويزيد ..
_ أرسلان أنا.... أنا أحبك، أرسلان أنا أحبك...
ابتسم أرسلان بقوة وهو يتنفس براحة واخيرًا وكأنه كان يغرق وللتو ابصر السطح وتنفس براحة .
ضمها بقوة وهو يهمس بكلمات حنونة :
_ لطالما رددت ممازحًا أن كل من اعرفهم محظوظون لأمتلاكهم شخص مثلي بحياتهم، كنت مسكينًا مُغيبًا، أي حظ هذا وهم لا يمتلكون سليمى ..
ضحكت سلمى من بين دموعها وهو يمازحها بحب :
_ ولن يفعلوا، أنتِ حظي ونعمتي في هذه الحياة والتي سأكون في غاية الأنانية لأشاركها مع أحدهم حتى موزك ولودك، وحتى دلالة الملكية هذه لن تنسب لكِ مجددًا .
ضحكت سلمى من بين دموعها وهو مد يديه يمسح دموعها بحب ومن ثم مال يقبل وجنتها هامسًا بصوت منخفض :
_ عسى الله أن يمنّ على العبد الفقير برؤية ضحكاتك كل يوم .
ابتعد عنها يبتسم بحنان، ثم ربت على خصلاتها بحنان، لينتبه إلى خصلاتها غير المرتبة :
_ دعيني اساعدك في ترتيب خصلاتك هيا .
_ حسنًا حاول ألا تكثر من تدليلك هذا حتى أعتاد فلا اضمن أن يتحمل قلبي هذه الكلمات كثيرًا أرسلان.
ابتسم لها بحب وهو يتحرك يبحث عن مقصه الخاص ومن ثم عاد يشير لها لتستدير وهي ابتسمت تمازحه :
_ إذن سأكون من المحظوظين القليلين الذين يقص الملك أرسلان خصلاتهم .
_ لا بأس بالتواضع معكِ عزيزتي، أنتِ فقط دون الآخرين...
ومن ثم شرع يقص لها خصلاتها بحنان شديد وهي فقط تستمتع بهذه اللحظات من الهدوء والصفاء، وبمجرد انتهاءه طبق قبلة حنونة على خصلاتها التي أصبحت أكثر ترتيبًا .
ومن ثم ساعدها لترتاح على فراشها يهمس بصوت منخفض :
_ والآن حلوتي ارتاحي ولا تفكري بشيء سوى بلون فستان زفافنا الذي سنقيمه عقب الانتهاء من كل هذا والذي سيكون بالاخضر كما اعتدنا هنا حسنًا ؟!
نظرت له بريبة من كلماته ولكنه لم يسمح لها حتى بالتفكير في أيٍ كان ما يرهق تفكيرها يبتسم لها بحنان يجذب الغطاء عليها :
_ فقط استرخي واستمتعي بما يحدث.
حدقت فيه بعدم فهم، ليبتسم لها وهو يميل مقبلًا وجنتها بحنان وقد التمعت عيونه بنظرات مخيفة :
_ حان وقت تنفيذ وعيدكِ الذي ألقيتيه على مسامع العزيز أصلان، تتذكرينه ؟!
نظرت له بعدم فهم لثواني قبل أن تتذكر فجأة توعدها له حينما صفعها بأن الصفعة سيردها زوجها اضعافًا .
أما عن أرسلان هز رأسه وكأنه يؤكد على ما يدور في رأسها، ومن ثم خطى بعيدًا عنها يغلق الباب خلفه بهدوء ينظر للحراس على بابها بصرامة :
_ لا يتحركن أحدكم من أمام غرفة الملكة ولا أحد مسموح له بزيارتها عدا اخيها والقرد ولا أحد آخر حتى وإن كان قرد آخر رفيق لقردها، سمعتم؟!
هز الحراس رؤوسهم، بينما أرسلان تحرك من أمام غرفتها لتتلاشى نظراته الحنونة بشكل مخيف وهو يلتقي تيم في الممرات والذي هتف بجدية ولهفة :
_ مولاي ... لقد...كانت الانفجارات في جميع الممالك، تضررت الممالك بأكملها بما حدث .
كان أرسلان يستمع لما يحدث بهدوء دون أي تعابير تذكر على وجهه، فقط يسمع كلمات تيم الذي شرع يكمل كلماته :
_ الإجتماع في سبز بعد ساعات قليلة .
_ إذن جهز القافلة يا بني سأتحرك الآن.
تحرك تاركًا تيم وهو يهرول بين الممرات، لكن فجأة توقف على صوت أرسلان الذي أضاف بهدوء :
_ وتيم ....جهز موكبًا للملكة كذلك، سوف اصطحبها معي .
ختم كلماته يكمل طريقه صوب القاعة الخاصة بالاجتماع يجمع منها المخطوطات وكل ما سيحتاجه في الأمر.
_ آغازِ پایان " بداية النهاية"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يدور بين طرقات القصر لا يصدق أنه وصل لهذه النقطة، كانت فكرة عبقرية أن يندس بين شعب أرسلان حتى يتمكن من دخول المكان والتغلغل به .
لكن التحرك داخل القلعة كان كالمشي حافيًا على حقل من الأشواك، عليك الحذر في كل خطوة تخطوها فلا يوجد موضع قدم يخلو من رجال أرسلان.
فجأة سمع أصوات بعض الجنود يقتربون ويتحدثون بأصوات شبه مرتفعة .
" فقط تجهزوا فالملك سيتحرك بعد ساعة واحدة لسبز"
آخذ يتلو على الجميع دورهم في هذه القافلة المتوجهة صوب سبز ومن ثم انفض الجمع، كلٌ لينتهي مما وكل له.
وانمار يراقب بعيون ملتعمة وقد أضاءت فكرة ما عقله، ليبدأ التحرك خلف الرجال يبحث عن فرصته للتغلغل بينهم، حتى ابصر واحدًا يبتعد عن الجميع مرددًا أنه سيودع عائلته ويعود إليهم سريعًا .
اتسعت بسمة أنمار أكثر وقد وجد الثغرة التي ستدخله للجيش، يراقب الرجل بهدوء شديد يتحسس خنجره الصدأ الذي يخفيه بين ثيابه :
_ خذ وقتك إذن في توديعهم فقد تكون فرصتك الأخيرة لتفعل....
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
ساعات الليل مرت بسرعة حتى كاد الصباح يطل بنوره على المملكة، في اللحظة التي كان الجميع موجود داخل قاعة محاكمة سفيد .
الفتيات وبعض الجنود وإلياس ومعهم فاطمة التي افاقت منذ ساعة واحدة تتابع ما يحدث وما يقال أمامها.
حيث تحرك صوبها إلياس بمجرد أن ابصرها يصرخ باسمها مبتسمًا دون شعور بسعادة كبيرة :
_ فاطمة عزيزتي أنتِ بخير حبيبتي ؟؟ كاد قلبي يتوقف من الخوف عليكِ حينما ابـ....
ولم يكد يقترب منها خطوة واحدة حتى اوقفه خنجر زمرد الذي اشهرته أمام معدته مباشرة، فلو كان تقدم مقدار خطوة واحدة كان الحنجر اخترق معدته ليخرج من الجهة الثانية لظهره .
حرك إلياس عيونه على الخنجر قبل أن يرفعها صوب زمرد باستنكار، ومن ثم نظر جهة فاطمة التي كانت تتعلق بزمرد وكأنها والدتها يهمس بصوت مقهور موجوع:
_ فاطمة ...هذا ... أنا إلياس.
اخفت فاطمة عيونها في جسد زمرد وهي ترتجف بقوة وزمرد رفعت عيونها له ولم تكد تصرخ في وجهه تبعده عنهم حتى رن صوت إيفان في المكان :
_ للخلف ولا تقترب خطوة او تتحرك حتى أئذن لك، ولا تثقل مصائبك واحدة.
رفع له إلياس عيونه باستنكار وكأنه قد نسى في خضم ادعائه الحقيقة :
_ ما الذي يحدث مولاي ؟؟ لا أفهم شيئًا مما يحدث، ما سبب وجودي هنا وزوجتي ؟؟ لقد جئت لعلاجها.
_ زوجتك إذن ؟!
_ نعم زوجتي، هي تعاني من بعض الإرهاق وتمر بحالة نفسية وجسدية صعبة مؤخرًا بعدما فقدت عائلتها، فأتيت لعلاجها هنا حسب نصيحة الحكيم ولا أدري ما يحدث الآن.
رفع إيفان حاجبه وهو يحركه على الجميع وقد أدرك أن إلياس لا يفقه حقيقة علمهم بهوية فاطمة الحقيقية لذا قرر مجاراته :
_ أين أوراق زواجك منها ؟!
بُهتت ملامح إلياس وهو يبتلع ريقه بتوتر يحاول إيجاد كلماته :
_ لم ...لم أحصل بعد عليهم لقد وعدني الشيخ أن يخرجهم ويوثقهم في مشكى، ومن ثم سأمر عليه لتسلمهم، لقد تزوجتها في مشكى .
_ هل هذا صحيح سيدتي ؟؟
كانت كلمات إيفان موجهة صوب فاطمة والتي كانت يعلم حقيقتها، لكنه ابى إلا أن يدفعها للتحدث بالحقيقة بنفسها .
وفاطمة فقط تتمسك بزمرد وكهرمان تنظر لها بشفقة ومن ثم نظرت لإيفان وكأنها تستعطفه أن يتجاوز هذا الجزء، لكن إيفان نظر صوب فاطمة باصرار :
_ سيدة فاطمة هل حقًا ما يقال ؟! هو زوجك ؟!
سقطت دموع فاطمة وهي تهمس بكلمات غير مسموعة لتقرب زمرد أذنها منها تحاول استشفاف ما تقوله فاطمة لتسمع صوتها يردد بارتجاف :
_ المعتصم ... اريد...المعتصم .
رفعت زمرد عيونها للجميع وهي تقول بقوة :
_ تقول لا ليس زوجها، وزوجها يسمى المعتصم وليس هذا الحقير .
ختمت حديثها وهي تلقي إلياس بنظرات مرعبة، لكن الأخير لم يهتم وهو يندفع صوب فاطمة دون شعور وبجنون حينما سمع اسم المعتصم :
_ ما الذي تهزين أنتِ به ؟؟ هذه زوجتي أنا... فاطمة حبيبتي اخبريهم أنكِ زوجتي حبيبتي، هيا تحدثي لا تخافي أنا هنا معكِ .
كان يتقدم منهم بلهفة وفاطمة تبكي وترتجف أكثر، ولم تكد زمرد تمنعه الاقتراب حتى شعر بقبضة تجذب ثيابه للخلف، نظر ليبصر سالار يرمقه بتحذير:
_ الزم مكانك ولا تتجرأ على الإقتراب خطوة واحدة لا نسمح نحن بها .
صرخ إلياس وقد جن جنونه في هذه اللحظات يصرخ بصوت مرتفع :
_ ما الذي تريدونه أنتم ؟! هل تريدون حرماني إياها ؟؟ هذه زوجتي اخبرتكم، لماذا لا تصدقون ؟؟ عقد الزواج في مشكى إن أردتم احضره لكم واحضر لكم شهودًا .
ابتسم له إيفان حينما حرك عيونه على النوافذ التي تطل على الممرات في الخارج :
_ لا بأس، لا داعي لترهق نفسك بالأمر، أنا احضر لك شاهدًا من مشكى الآن.
نظر له إلياس بعدم فهم واوشك يتساءل عن مقصد إيفان من كلماته، لكن كل ذلك تجمد كما تجمدت الكلمات على باب فمه حينما سمع الحاجب يعلن بصوت قوي .
_ قائــــد جيــــوش مشــــكى القائـــد المعتصـــم بــــالله وصــــل مـــــــــــولاي .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بداية النهاية، والكلمة الأخيرة لمن ؟؟
دمتم سالمين.
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رحمة نبيل
الأربعون |السادس عشر من محرم |
صلوا على نبي الرحمة .
ـ&&&&&&&&&&&&&
توقفت الأصوات في القاعة بالكامل وتحولت الأنظار كلها صوب البوابة التي فُتحت لتظهر خلفها جسد المعتصم الذي بدا كما لو أنه يجهز نفسه للأنقضاض على ضحيته .
ومنذ وطأ القاعة لم تتحرك عيونه لأحدهم، ولأول مرة لم يرحب بمن حوله ولم يتحدث بكلمة، فقط تحرك وعيونه مثبتة على جسد واحد فقط، يبتسم بسمة غريبة لا تليق بما يجب أن يشعر به في هذه اللحظة .
كانت عيونه لا تتحرك عن إلياس الذي شعر في هذه اللحظة بأن كامل حياته انتهت عند هذه النقطة، ابتلع ريقه وهو يتراجع للخلف يراقب عيون المعتصم الذي لم ينزع عيونه عنه لثانية فقط ويده تتحرك بهدوء شديد يتحسس سيفه .
عيون حمراء.
عروق بارزة .
هيئة رثة .
شعر مبعثر.
ملامح جامدة وجسد مشدود .
إشارات كثيرة واضحة ترسل للأعمى تحذيرات متتالية بتجنب المعتصم في هذه اللحظة وتجنب الإحتكاك به .
ولم يكد يتقدم خطوة إضافية صوب هدفه حتى تجمد جسده فجأة وتلاشى كل ما سبق ذكره، لتلين ملامح المعتصم بسرعة مرعبة وتعلو نظرة حنونه رقيقة وجهه حينما سمع صوتًا اشتاقه بجنون وهو يهمس بلهجة وكلمة كادت روحه تخرج من جسده مطالبة سماعها ولو في أحلامه حتى .
_ يا المعتصم...
استدار المعتصم صوب فاطمة والتي كانت تختبئ منذ ثواني بين أحضان زمرد وكهرمان، لكن بمجرد أن ابصرته، حتى تحررت من خوفها وهرولت صوبه تتلمس به ملاذها الأمن :
_ يا المعتصم أنت هنا ؟!
ابتسم المعتصم بحنان يتلقفها بسرعة بين أحضانه وقد بدأت يديه ترتجفان وهو يجذبها لصدره وكأنه لا يصدق أنه يلمسها مجددًا بعد كل هذه الأيام.
_ يا قلب المعتصم أنتِ فاطم .
كان يهمس لها بكلماته وهو يضمها يميل برأسه قرب أذنها يتنفس بصوت واضح وهو يتحدث بكلمات متقطعة :
_ فاطم...صغيرتي... كدت... أموت شوقًا ورعبًا عليكِ حبيبتي، يا ويلي اشعر أنني...للتو فقط تنفست فاطمة.
ضمت فاطمة نفسها له وهي تهمس اسمه ببسمة سعيدة لعودتها له وكأنها نست كل ما مرت به فجأة حينما ابصرته أمامها :
_ يا المعتصم أنا.... أنا كنت ... يا المعتصم
فجأة انفجرت في موجة بكاء حارة دون مقدمات بعدما كانت تبتسم منذ ثواني له، تهتف بكلمات متقطعة من بين دموعها وكأنها لا تصدق أنها الآن في ملجئها الأمن، تصف له كل ما مرت به الأيام السابقة بكلمات شبه متقطعة بسبب البكاء:
_ لقد .... كنت في السيارة وهناك قطعة قماشية في فمي ولم استطع الصراخ أو حتى التنفس و....لقد ...ضربني يا المعتصم حينما أخبرته أنني أريد رؤيتك ...لقد ....اخرجني من هنا أرجوك، أريد العودة للمنزل معك يا المعتصم لا تتركني هنا أرجوك أخرجني الآن.
ختمت حديثها بوجه اشتد احمراره بسبب شدة البكاء وقد فشلت عن التنفس بسبب حدة الشهقات، ليبعدها عنه المعتصم وهو يحاول أن يساعدها في التنفس بشكل طبيعي :
- حسنًا أنا هنا فاطمة....حبيبتي انتهى كل هذا ...هيا انظري إلي، لن أرحل دونك أبدًا، سوف نعود سويًا للمنزل حيث ينتظرك الجميع، كل من يحبك ينتظرك هناك عزيزتي .
رفعت فاطمة عيونها الباكية له، ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة ليقاطعها المعتصم بجدية :
_ هل يمكنك الذهاب مع الملكة الآن ريثما أودع الملك إيفان والحق بكِ ؟؟
تمسكت فاطمة بثوبه، وهي تبكي بانهيار ترفض وهي تهز رأسها نافية رغبتها في الابتعاد عنه ولو خطوة مرتعبة أن يتكرر ما حدث ويبعدها أحدهم قسرًا عنه .
_ لا أرجوك لا تفعل، لا تتركني مجددًا يا المعتصم هو سـ...
_ فاطمة أرجوكِ اسمعيني، لن يحدث شيئًا، فقط سأتحدث للملك ونرحل سويًا لمشكى حسنًا حبيبتي ؟؟
همست بضعف وهي تتوسله خائفة من أن يكون كل هذا مجرد وهم من عقلها الباطن وقد عادت لعادتها القديمة لتنكر حاضرها..
باحت بخوفها له وهي تهمس بصوت منخفض ...
_ اخشى.... أن....تبتعد ..فأدرك أنك مجرد وهم ...المعتصم ارجوك.
ربت عليها المعتصم ومال يهمس لها كلمات قليلة لطيفة وهو يربت على ظهرها بحنان وكم اوجعه خوفها من عقلها وما يريها إياه حينما تشتد بها العواصف:
_ بروحي أن يمسك سوء مرة أخرى فاطم، مرة ولن تتكرر، صدقيني لن تتكرر عزيزتي .
ضم وجهها بلطف بين كفيه، ومن ثم أشار لكهرمان يطلب مساعدتها بصمت، لتتحرك كهرمان تمسك مرفق فاطمة تردد بحنان:
_ فاطمة أرجوكِ .
ولم تحتاج فاطمة للمزيد من الكلمات لترضخ لكلمات المعتصم وتتحرك مع كهرمان للخارج والمعتصم يراقبها بهدوء حتى شعر بها وقد ابتعدت، ثم عاد بنظراته صوب الجميع، يحركها بينهم حتى استقر على إلياس وهنا بدأت شياطين المعتصم تطفو على السطح وتعلن عن وجودها أمام الجميع.....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ساعات بعدما تلقى خطاب من بارق حتى وصل لسبز كي يتجهز للحرب القادمة، ورغم أن بلاده لم تنهض بعد من نكبتها الأخيرة إلا أنه اقسم أنه لن يهنأ له بال ويمس حجر واحد من بلاده حتى يبيدهم عن بكرة أبيهم ..
دخل برجاله لقلعة سبز وهو يبصر بقايا ما حدث الليلة السابقة يظهر على الوجوه حوله وأعداد الأشخاص المتوجهين للمشفى .
هبط يقابل بارق الذي كان ينتظره في منتصف الساحة يرحب به بين أحضانه:
_ عساك بخير آزر .
ابتعد آزار عن أحضان بارق بعدما ربت عليه يردد بملامح واجمة :
- ليس قبل أن انتهي من كل هذا، لم يصل أحد ؟!
نفى بارق رأسه وهو يبتلع ريقه يحاول الحديث مستغلًا تأخر الباقيين :
_ لا ليس بعد، لكن ....هو ... آزار ريثما يصل الآخرين، تعال لـ .
نظر له آزار بعدم فهم منتظرًا أن يكمل حديثه :
_ آتي لماذا بارق ؟؟ كل شيء بخير صحيح ؟!
مسح بارق وجهه وهو يتذكر حالة نزار التي ساءت فجاة وهو يصرخ ويبكي في غفوته ويهزي بكلمات غير مفهومة قبل أن يسقط مجددًا في غيبوته .
_ أنه...
تنفس بارق بصوت مرتفع وهو يرفع كفه في وجه آزار بهدف أن يهدئه قبل حتى تحدثه بما يريد، وازار فقط يراقب كفه ينتظر أن يتحدث وقد بدأ القلق يتسرب لصدره اكثر وأكثر.
_ أنت لا تساهم في تهدئتي بارق لا تثر جنوني أنت الآخر، والله لا ينقصني شيء لقد فاض الكيل و.....
_ إنه نزار .
توقف آزار عن الحديث فجأة بصدمة وهو ينظر لوجه بارق بعدم إدراك :
_ نزار ؟! مابه ولدي بارق هل وصلتك رسالة منه ؟!
نفى بارق برأسه وهو يحاول الحديث ليجن جنون آزار وقد فاض كيله يصيح بصوت جهوري مرتعب :
_ بارق ما بك لا تثر جنوني اقسم بالله العلي العظيم أنني الآن على استعداد للذهاب وتناوله لذلك الوسخ الذي كنت تأويه أسفل قصر حيًا، والله اقطعن لحمه واكله باسناني لو مس ولدي بســ.....
_ نزار ...هو هنا...لقد ...هرب من الجحر وجاء للقصر .
شحب وجه آزار وهو ينظر لبارق وكأنه ينتظر أن يكمل كلماته التي تركته معلقًا بين الصمود والانهيار.
وبارق أشفق عليه وعلى نفسه من تحمل توابع ما سيقول، ليمسك بيده يجذبه خلفه وازار سار دون كلمة واحدة وكأن صمته وهدوءه في تقبل ما يريد بارق سيضمن له سلامة ولده .
أما عن بارق جذبه بهدوء صوب الغرفة التي يقبع بها نزار وهو يتنفس بهدوء يحاول أن يمرر ما يحدث ليهونها على رفيقه .
وحينما وصل لباب الغرفة والذي كان مفتوحًا، ابصر آزار جسد توبة التي انكمشت على نفسها في أحد أركان الغرفة تدفن رأسها بين قدميها باكية دون أن تعي بمن حولها .
نظر لها آزار بفزع وهو يجذب يده من بين كف بارق:
_ توبة ؟! ما بكِ يا ابنتي هل أنتِ بخير ؟!
ازدادت شهقات توبة بقوة ليحرك آزار رأسه بهدوء صوب بارق يتحدث وهو يشير له صوب ابنته المنهارة دون أن يهرول لمعرفة السبب، لكن أثناء تحركه بعيونه صوب بارق ابصر جسدًا بعلو الفراش الذي يتوسط الغرفة، جسد لا يمكن أن يخطأه بأي شكل من الأشكال .
نظر صوب بارق بصدمة، ومن ثم عاد بعيونه صوب ولده الذي يتوسط الفراش بملامح مدمرة وجسد لا يظهر لكثرة جروحه، تحرك صوبه بأقدام مرتجفة يهمس بصوت خرج مختنق :
_ بني ؟؟؟
اقترب منه بخطوات مرتجفة وهو لا يشعر بمن حوله، يطيل النظر بوجهه يبحث بين كل تلك الجراح عن ولده العزيز، لكن كل ما حصل عليه هو بقايا جسد طفله الصغير .
_ نزار ؟؟؟ نزار يا قلب ابيك من ....متى حدث ....كيف يا بارق ...كيف وماذا ...
كان يتحدث بعجز وهو يتحسس وجه نزار وقد بدأ جسده يرتجف كما يديه يشعر بالصدمة وقد تملكت منه، وبارق يدرك أنه ما يزال في صدمته وحينما يستفيق سيحطم البلاد فوق رؤوسهم .
جلس ارضًا على ركبتيه أمام الفراش يهمس بكلمات غير مسموعة سوى لطفله، قبل أن تتجمد يده ويستدير صوب بارق باعين مرعبة :
_ بارق ما الذي حدث لولدي ؟؟ كيف وصل هنا وهو بهذا الـ ....
صمت بعجز عن إيجاد كلمات تعبر عن حسرته وقهره الذي يحياه في هذه الحياة، نهض يتحرك صوب بارق وهو ما يزال يردد الكلمات بوجع كبير وبارق يقف في منتصف الغرفة بأعين حمراء مستسلم لهزات آزار له وهو يصرخ بوجع من الوضع الذي يرى به ولده :
_ ما الذي حدث له بارق ؟؟ ما به ولدي ... إنه...كالجــ ... لا يسمعني حتى ؟!
ارتفعت اصوات بكاء توبة في المكان ليلتفت لها آزار وكأنه استوعب فجاة وجودها في المكان ينظر لها ثواني وهو ما يزال يتنفس بصوت مرتفع قبل أن يترك مرفق بارق ويهرول صوبها بلهفة يجلس على عقبيه أمامها مرددًا بصوت شبه باكٍ :
_ توبةيا ابنتي ما به نزار ؟؟ أخبريني ما به ؟؟ أرجوكِ تحدثي، ليفعل أحدكــــــم قبل أن يجن جنوني ..
رفعت عيونها له وهي تتحدث بصعوبة من بين دموعها:
_ لا....لا أعلم لقد ...جاء مع المصابين منذ ساعات في حالة سيئة وقد اخبرني الجنود أنهم وجدوا جسده منهار على مقربة من بوابة القلعة وكأن احدهم ألقاه وهرب، و..منذ ذلك الحين لا يستجيب لأحد و...
صمتت تبتلع ريقها ليحثها هو بعيونه أن تكمل كلماتها، وفعلت وهي تنظر صوب جسد نزار تهمس دون ادراك لما يحدث حتى :
_ ومنذ ذلك الحين لا يفعل سوى أنه يستيقظ يصرخ باسم ومن ثم يعود لغيبوبته .
_ يصرخ باسم ؟؟ اسم من ؟؟
سقطت دموعها وهي تهمس بصوت مرتجف :
_ الـــ.....الوليد .
شحب وجه آزار وهو يتراجع للخلف ينظر صوب ولده مرددًا الاسم بخفوت وقد شعر بقلبه يكاد يتوقف من صدمة ما وصل له تفكيره :
_ الوليد هو من فعل هذا بولدي ؟!
ومن بعد هذه الكلمات لم يبصر آزار أمامه سوى ماضي بعيد حين جاءه ولده يومًا مع فتى يكبره في العمر وهو يخبره بسعادة أنه وجد رفيقه الأقرب..
" هذا الوليد يا أبي...صديقي الجديد، لقد ساعدني في الخارج اليوم، هيا يا الوليد سلم على أبي."
رفع آزار عيونه صوب الوليد يحدق فيه بدقة قبل أن يبتسم له بحنان يربت على كتفه بلطف يميل كي يصل لطوله :
" مرحبًا يا الوليد، شكرًا لمساعدتك طفلي بني "
والوليد فقط حدق فيه طويلًا دون ردة فعل لثواني قبل أن يبتسم بسمة صغيرة ويهز له رأسه بلا حديث .
تعجب منه آزار ونظر صوب نزار الذي همس بحماس :
" هو لطيف، لكنه خجول صحيح يا الوليد ؟!"
ختم كلماته وهو يرفع قبضته للوليد يحييه بها لينظر الوليد ثواني صوب قبضته تلين نظراته بحنان، يرفع يده يضربها بيد نزار يتحدث بلطف :
" صحيح يا أخي.."
ومن ثم أبصر نزار يجذب الوليد من يده خلفه وهو يصيح بكلمات حماسية حول الوقت الذي سيقضيانه سويًا، والوليد فقط تحرك خلف نزار ببسمة واسعة عكس تلك المقتضبة التي كان يوجهها له منذ ثواني .
سنوات مرت وأيام ولم يفترق ولده عن الوليد، بل زادت علاقتهما، وقد تقدم الوليد للجيش بطلب من نزار الذي أحب لرفيقه أن يكون معه بنفس المكان، والوليد لم يفكر ثانية وهو يتقدم لجيش آبى يثبت كفاءته ويزداد اقترابًا من ولده، وقد شعر آزار أنه خلال هذه الفترة كان الوليد يعمل حارسًا لولده أكثر من كونه جنديًا في الجيش، قبل أن يكتشف خيانته ...
انتفض جسد آزار من افكاره البعيدة على صوت بكاء وصراخ بدأ يشتد من جهة ولده، نظر صوب الفراش ليبصر ارتجاف جسد نزار بنفس الحالة التي وصفتها له توبة، هرول صوبه وهو يجذبه لاحضانه باكيًا يحاول احتواء ارتجاف جسد ولده الذي كان يبكي مرددًا اسم الوليد بلا توقف ...
_ ما الذي حدث لك يا بني، ما الذي فعله بك الوليد، ماذا فعل بك ؟؟؟
لكن نزار لم يكن يعي ما يقال أو يحدث، فقط استكان في أحضان والده وهو يتنفس بصعوبة ومازالت اللحظات الأخيرة لأخيه تعاد أمام عيونه، لفظه أنفاسه الأخيرة بين يديه، نظراته الشاخصة وهو يُجذب بعيدًا عنه .
_ أخي.....يا الوليد .
ـــــــــــــــــــ
_ أرسلان هذا لن ....
_ رجاءً سلمى فقط افعلي ما أريده دون جدال، انهضي وساعديني لنحضرك، سوف نتحرك بعد دقائق قليلة .
امسكت يده قبل حملها وهي تهتف بصوت خافت متوسل :
_ أرسلان ارجوك هذا لن يفلح، وجودي معك ما هو إلا تشتيت لك وأنا الآن لن أكون سوى حملًا عليك صدقني .
_ وجودك بعيدًا عن عيوني سيكون حملًا اكبر من وجودك معي، هذا إذا صنفنا وجودك حملًا من الأساس، فأنا آخذك معي حاجة لي قبل أن تكون لكِ .
ختم حديثه وهو يميل لحمل جسدها بين يديه يتحرك بها صوب المرحاض بعدما جهزه لها، وهي تنظر له بشرود تتحدث بصوت مشفق عليه من مشقة حمل همها طوال رحلة المفترض أن يعطي لها كامل تركيزه .
_ يمكنك أن تذهب ولا تقلق اقسم أنني سأكون بخير، سيهتم بي خالد .
توقفت أقدام أرسلان في المرحاض وهو يضعها برفق يساعدها في فك خصلاتها وهو يتحدث بجدية دون حتى أن ينظر لها :
- حينما تفقدينني بالكامل، يمكنك وقتها أن تعتمدي على رجل غيري سلمي.
اتسعت عيون سلمى من كلماته تمسك كفه وهي تقبله دون شعور :
_ لا تقل هذا أرسلان، ادامك الله في حياتي، أنا فقط لا أريد أن....
تنفس يمنعها عن الحديث :
- سلمى انتهينا، لن أتركك وحدك هنا في البلاد، لن آمن على تركك بعيدة عن عيوني، ولن ارتاح لأعتناء غيري بكِ .
ختم حديثه وهو يميل لتحسس المياه، ومن ثم اعتدل لها ينظر لها بحيرة، قبل أن يمسك كفها بحنان شديد يرفعه له لتبتسم وهي تنظر له بحنان تستعد لاستقبال قبلاته الرقيقة على باطن كفها، لكن أيا ليت جميع الأماني تتحقق....
حمل كفها يرفع له يتأكد أن لا جروح به قبل أن يغمسه في المياه الدافئة جوارها وهو ينظر لعيونها بانتباه :
_ درجة حرارة المياه مناسبة لكِ صحيح ؟!
حركت سلمى عيونها بين يدها المغمورة في المياه وبين نظراته الجادة تنتظر أن يضحك، ومن ثم ينتشل كفها ويقبله كما حلمت منذ ثواني .
_ ماذا ؟!
_ ماذا ماذا ؟! المياه حبيبتي هي لطيفة هكذا ؟! أنا في العادة احبها أشد سخونة لكنني خشيت أن يتحسس جسدك من المياه الحارة أو تتأذى جروح قدمك، إن لم تكن مناسبة أزيد من برودتها لكِ .
ابتسمت بعدم تصديق وهي ترفع كفها الحر تضم به وجنته بحنان جعله يبتسم لها بلطف، ومن ثم ربتت عليه :
_ لا أرسلان لا اريدها أشد برودة، يكفيني أنت عزيزي، دع لي شيئًا دافئ في حياتي حتى وإن كان المياه التي سأستحم بها .
هز أرسلان رأسه لثواني دون أن يستوعب ما قالت، يمسك كفها الذي يضم وجهه يقبل باطنه دون شعور محققًا لها حلمها دون قصد حتى :
_ حسنًا لا بأس.
اعتدل ومن ثم خرج من المرحاض يحضر لها المنشفة والملابس وهي تتابعه بعدم تصديق مبتسمة بصدمة قبل أن تضحك ضحكات خافتة :
_ الرجال مساكين حقًا .
فجأة عاد لها أرسلان يحمل بين يديه اثنين من فساتينها ذات الزهور التي كانت تتنقل بهم بين ووردها في محلها العزيز الذي أجرته قبل رحيلها ليعتني به احدهم في غيابها، فلا ذنب لزهورها أن تذبل فقط لأنها كانت ذاهبة في رحلة مؤقتة وستعود سريعًا .
كان هذا قبل أن تكتشف سلمى أنها تركت زهورها العزيزة، لتأتي هنا وتعتني بنبتة نادرة تحمل لها حياة بين وريقاتها .
وها هي نبتتها العزيزة التي تنافس الصبار قسوة من الخارج، والبتلات رقة من الداخل يحمل لها ثوبيها ينتظر أن تختار ما تحب :
_ وجدت هذين يبدوان في غاية الرقة و....هما يشبهانك، لكنني محتار أيهما أختار، ماذا تحبين أنتِ ؟!
_ أنت.
رفع عيونه لها بعدم فهم، وربما كانت مثل تلك الكلمات المتوارية والغزل الملتوي ليفلح مع أرسلان لو أنه تعامل مسبقًا مع مثل هذه الأمور أو جربها، لكن المسكين كان يختبر معها مشاعر دخيلة على حياته، وايضًا ربما كان المنشأ سيساهم أكثر لو كان نشأ في طرقات البرازيل بين النساء وليس بين طرقات مشكى بين السيوف والحروب .
أبصرت سلمى نظراته تلك لتشعر بقلبها يتضخم بحب ذلك البدائي الذي حتى لا يتفهم الغزل الرخيص الذي احضرته من عالمها معه، ولن يفهم إلا إن ألقت أبيات من الشعر في وجهه .
ضحكت تتحرك صوبه تقبل وجنته بحب ولم تتمكن من تمالك نفسها أمامه:
_ لماذا لا تختر لي آرسي ؟!
ابتسم أرسلان من تدليلها له، ثم رفع فستان من اللون الأسود به زهور بيضاء صغيرة يردد بجدية :
_ هذا سيكون جميلًا، أحببت الاخضر كذلك، لكن هو يشبه عيونك وقد تحسدك عين دون شعور، وكذلك الاسود سيكون جميلًا، ذكريني فقط أن ارقيكِ قبل التحرك .
ختم حديثه بنبرة جادة لتطلق سلمى ضحكات مرتفعة وهي ترتمي في أحضانه تضم نفسها له بقوة، يا الله تتخيل لو أنها رفضت وصية والدها ولم تأت هنا، أو رحلت بعد مجيئها بأيام ولم تصبر، كيف كانت ستحيا دونه ؟!
_ أرسلان أنت....لطيف للغاية .
وارسلان في الحقيقة لم يكن يبتأس من الوصف أبدًا، فهو ومنذ اللحظة الأولى كان يبتعد بجانبه القاسي عن زوجته، يرفض أن تبصر منه جانبًا لا يحب أن يظهره أمام نساءه، لذا أن تراه لطيفًا معها لهو ...شيء رائع يحبه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هل نتدخل ؟!
كانت هذه كلمات إيفان وهو يراقب ما يفعل المعتصم أمامه وقد اوشك على تقطيع جسد إلياس بكل ما للكلمة من معنى بعيدًا عن المبالغات.
لكن سالار ابتسم وهو ما يزال يقف جانبًا يضم يديه لجسده يراقب ما يحدث باستمتاع:
_ لا أعتقد أن أحدنا كان ليحب أن يقاطعه أي كان في مثل هذه اللحظات إيفان، ثم هذا المعتصم تلميذي النجيب يدرك متى يبدأ ومتى يتوقف، لا تقلق لن يحرقه غضبه لقد نشأ على يديّ .
فجأة سمع الجميع صوت تكسير عظام مرتفع وقد رنت صرخات إلياس في المكان بشكل تقشعر له الأبدان، لولا أن الأبدان التي كانت تحيط به كانت لرجال حرب اعتادوا سماع صرخات اسوء ورؤية مشاهد أكثر رعبًا .
مال إيفان برأسه صوب سالار ساخرًا من كلماته الأخيرة، ليرفع سالار يده يتبرأ مما يحدث في هذه اللحظة :
_ لا تنسى أنه قضى مع أرسلان عام، هذا تأثير أرسلان على الرجل لا علاقة لي بما يحدث، لكنه يعجبني إن سألتني رأيي، في الحقيقة بعض تصرفات أرسلان الحقيرة تعجبني كثيرًا .
تنهد إيفان بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه :
_ ليعينني الله عليك وعليه وعلى آزار في القادم، لا اعلم كيف سأسيطر على جنونكم .
رفع عيونه صوب دانيار وهو يشير له بعيونه تجاه المعتصم يطلب منه بصمت التدخل، لكن دانيار نظر له برفض لحظي وكأنه يتوسله أن ينتظر أكثر، لكن إيفان زفر بصوت مرتفع وهو يشير بيده في إشارة واضحة صوب المعتصم .
تحرك دانيار صوب المعتصم والذي كان في عالم آخر يفرغ طاقته السلبية وكل قهره وما عاناه الأيام السابقة بجسد إلياس، يصرخ بكلمات متداخلة يستهدف يده التي مست زوجته بالسوء .
حاول دانيار التحرك صوب المعتصم ليصرخ الأخير:
_ لا أحد يوقفني، لا أحد يقترب .
كان يصرخ دون وضع اعتبارات لأحد ولأول مرة ينسى مع من يتحدث، ليرفع دانيار يديه في الهواء وهو يحرك رأسه صوب الملك ليهتف سالار ببسمة حينما سمع زفرات إيفان:
_ دعوه حتى تنصرف روح أرسلان عن جسده ويعود المعتصم سالمًا ويتوقف وحده .
تدخل إيفان وقد شعر بأن الامور تزداد سوءًا ولا يمكنه أن يترك المعتصم يقتل الرجل بيديه بهذا الشكل .
_ المعتصم توقف عما تفعل ..المعتصم توقف ....المعتصـــــــــم .
وأخيرًا أفاق المعتصم لنفسه يتنفس بصوت مرتفع ينظر للجميع بعدم فهم قبل أن تتحرك قدمه لتضرب إلياس للمرة الاخيرة في معدته، ولم تصدر عن إلياس حركة وهو لا يعي اساسًا شيء وقد فقد الوعي .
_ حسنًا يا المعتصم تركتك تقتص لزوجتك ولنفسك، لكن علينا أن نقيم محكمة و....
_ لا ..
كانت كلمة واحدة خرجت من المعتصم قاطع بها كلمات إيفان الذي اسودت عيونه بشكل مخيف ليتراجع المعتصم ويدرك وقاحته أمام الملك، يميل برأسه معتذرًا :
- المعذرة مولاي لم أقصد أن اقاطعك، لكنني أطلب منك حقي في محاسبته بنفسي وفي مشكى، الرجل أخطأ بي وأنا من شعب مشكى، إذًا الحق في الحكم عليه لمملكة مشكى واعتذر على ذلك لكنه سيأتي معي لمشكى.
ابتسم إيفان عكس المتوقع وهو يشتم رائحة أرسلان في الأجواء :
_ هذه ليست كلماتك يا المعتصم، هذه كلمات أحد الآخر.
هز سالار رأسه بتسلية يعجبه ما يحدث في الواقع :
_ نعم أحد بشعر طويل واعين بنية ووجه بملامح مقتضب، ولسان لاذع تحديدًا .
اعتذر منهم المعتصم وقد كان يكن احترامًا خاصًا لإيفان وارسلان:
- اعتذر عن وقاحتي حقًا، لكن هذا رجاء مني مولاي .
راقبه إيفان ثواني وهو يحرك عيونه صوب إلياس قبل أن يهتف بجدية وتأني :
- لك ذلك، الحكم بيدك وبيد ملكك يا المعتصم، كنت المجني عليه ولك الحق في الحكم بما يطفئ نيران صدرك، سالار ضع هذا الخسيس في عربة مغلقة وأرسله مع المعتصم لمشكى، فبها ملك عادل لا يرحم أحدًا .
ختم حديثه بسخرية لاذعة وهو يدرك ما سيفعل أرسلان، يربت على كتف المعتصم وهو يضع نفسه محله، يتخيل أن يمس أحدهم زوجته ويتعامل أمام الجميع بوقاحة كما لو أنها زوجته ويستحلها لنفسه، ولن يبالغ إن قال أنه كان سيأمر بقطع رأسه على مرأى ومسمع من الجميع ليكون عبرة لكل خسيس يستحل النساء لنفسه .
أضاف بهدوء :
_ بعدما نقتص منه بالطبع على صفعه للأميرة زمرد.
نظر جواره صوب سالار، ومن ثم تحدث بهدوء يذكر سالار بالرسالة التي جاء بها المعتصم :
_ تجهز سنتحرك لسبز بعد ساعة واحدة، تميم أنت ودانيار ستظلان في البلاد، تميم سيأخذ الجنود وينتشرون في العاصمة للتأكد أن لا مصابين غفلنا عنهم، ومحاولة إيجاد من زرع هذه القنابل، وتميم... أنت المسؤول أمامي لتدرك نوعية هذه المتفجرات ومن أين قد يحصلون عليها .
صمت يوجه كلماته صوب دانيار :
_ دانيار أنت ستعتني بأمور البلاد ريثما أعود وتهتم بمن لجأ للقصر، سالار ستكون معي في الرحلة.
ختم كلماته يتحرك خارج المكان ليتجهز والجميع يتابعه بهدوء وبمجرد أن خرج تحرك المعتصم بسرعة ليضرب إلياس مجددًا ولم يتحدث أحدهم بكلمة وقد رحل الملك بالفعل .
في حين أن إيفان ابتسم بمجرد أن خرج من المكان يسمع صوت ضربات وكلمات المعتصم الغاضبة تعلو يهز رأسه بيأس .
_ اصابتك عدوة أرسلان يا المعتصم، حسرة على هدوئك ورباطة جأشك .....
ــــــــــــــــــ
كان ما يزال يجلس على الفراش وهو يضمه بجنان يربت على كتفه وظهره، ونزار ما يزال يهزي باسم الوليد، ويردد كلمة أخي حتى شعر آزار أن ما يتعلق بوليد ليس خيانة أو غدر من الوليد البتة، فولده يناجي الوليد كما لو أنه يناجي روحًا ضائعة.
_ لماذا رحل ؟؟ لقد ...تخلى عني ...ضحى بنفسه لأجلي..
كان يهزي بكلمات عدة استطاع منها آزار أن يستشف ما حدث تقريبًا ليدرك أن ولده في هذه الحالة بسبب رثاءه لما حدث للوليد، ورغم تعجبه مما يحدث إذ كان الوليد مجرد خائنًا إلا أنه لم يستطع سوى أن يكون ممتنًا للوليد بالكثير، حيث حفظ له روح ولده بعد رحمة الله به.
كان يربت على ولده ولم يكد ينطق بكلمة يواسي بها ولده حتى تجمدت يديه من كلمات نزار الذي نطق بها باكيًا دون وعي .
_ أخي...لقد كان أخي ولم أعلم إلا لحظة موته بين ذراعي، مات أخي بين يدي دون أن أعلم أنه كان أخي، مات دون أن ينطق الشهادة حتى، كان ...سيتوب ...والله كان سيفعل .
تجمد جسد آزار بعدم فهم يبعد عنه نزار الذي لم يكن يعي أي شيء مما يحدث حوله ينظر بأعين ضائعة وروح مرهقة في الوجوه وهو يكرر نفس الكلمات:
_ كان أخي ولم أعلم إلا لحظة موته بين يدي، كان يحميني لانه أخي...
صمت وقد هبطت دموعه بقوة وهو يهتف ببكاء حاد :
_ كان أخي....مات أخي.
ارتجفت يد آزار وهو يمسك وجه نزار بين يديه يهتف بنبرة خافتة خرجت بصعوبة من بين شفتيه :
– ماذا....ما الذي...نزار ما الذي تهزي به أنت ؟؟ ما الذي تقوله أنت هو ....بني ما الذي تقصده، أنت لا أخ لك سوى سالار ما الذي تتحدث به أنت ؟! عمن تتحدث ؟؟
بكى نزار بقوة ينفي برأسه وهو يتحدث بصوت متقطع بسبب شهقاته :
_ كان ...الوليد أخي... أخي الأكبر لقد ....هو أخي لقد كان طوال الوقت أخي...كان جواري دون أن أفعل، لقد كان أخي من دمي.
اتسعت عيون آزار وقد سقطت يده عن وجه نزار وشعر بالأرض تميد به ينظر صوب بارق بصدمة وهو لا يفهم ما يسمع، أي اخ هذا؟؟ هو لا يمتلك ولد غير نزار وزوجته لم تتزوج غيره حتى مماتها، وهو لم ...
فجأة شعر بزلزلة داخل صدره وهو يهمس بكلمة مرتجفة :
_ جالا ؟؟
صُدم بارق من كلمات آزار وهو يقترب منه يتحدث بصوت متعجب :
_ ما الذي يحدث هنا آزار هل ... كانت جالا تحمل طفلك حينما طلقتها ؟!
نفى آزار برأسه بقوة وهو يهتف بنبرة قوية والصدمة قد شلت جسده :
_ لا ...اقسم بالله لم تكن ...لم أكن لأدعها ترحل وهي تحمل طفلي لم أكن سأقبل بتطليقها و... أنت تعلم بارق لقد ...كان الأمر...هي من طلبت مني ذلك...هي من أرادت ذلك و....لم تكن اقسم لك .
_ أو...لم تخبرك ببساطة.
صدمة أخرى تسقط فوق رأس آزار الذي شعر بالدنيا تدور حوله، بعد هذه السنوات من طلاقه لزوجته الثانية يكتشف أنها كانت تحمل ولده ؟!
يتمنى لو كان افتراضه ذلك خطأ ليس إلا.
جالا؟؟
المرأة التي تزوجها قديمًا عرفانًا لوالدها الذي كان يعمل مستشارًا له والذي اوصاه بها كي يحميها من عائلته، ليتزوجها على والدة نزار والتي رضخت للواقع بقلب مقهور وهجرت قصر زوجها لأيام...
كانت جالا امرأة صبورة حكيمة وطيبة القلب، قضت قرابة العشرة أشهر زوجة له، لتأتيه يومًا حينما أبصرت حالته المتشتتة بينه وبين زوجته الأولى تطالبه بطلاقها، تطالبه بتحريرها وتحرير ذاته .
ما يزال يتذكر كلماتها وهي تبتسم له بلطف :
" دعنا نتحدث بواقعية مولاي، أنت لم تحبني يومًا، و...الحمدلله أنني لم أفعل، واعتذر على قول ذلك، لكنني احترمك لدرجة أنني اشفق عليك أن تعاني في حياتك بسببي، وايضًا لا أريد لنفسي أن تتعلق بك، وافسد لك حياتك، لقد أوصلت رسالتك واضحة للجميع ولا اعتقد أن عائلتي ستكون بالغباء الكافي ليمسوني بسوء وقد أعلنت أمام الجميع صراحة أنني انتمي لك، حتى لو كنت طليقتك، لذا حررني وحرر روحك وحرر زوجتك من أحزانها، والله أنني احسدها على قوتها، امرأة أخرى لم تكن لتقبل بمشاركتك مع سواها مولاي، سأرحل وأنا أحمل لك كامل الاحترام والعرفان، لذا أرجوك طلقني ..."
ورغم محاولات آزار في منعها، إلا أنها أصرت وأخبرته أنها لن تكون مرتاحة ولن تنام قريرة العين يومًا إلا حينما تتحرر، وقد كان لها ما تريد لتختفي جالا بين ليلة وضحاها من المكان وقد نقلت محل اقامتها وانقطعت اخبارها، وآخر ما توصل له لاحقًا أنها عثرت لها على شريك حياة يحبها وحصلت منه على طفلين ...
طفلين كان أحدهما ولده ؟؟؟؟؟
سقطت دموع آزار وقد ارتجف جسده من الفكرة يهتف بصوت باكي من ذلك الإحتمال :
_ لماذا ؟؟ لماذا جالا؟؟ لماذا ؟؟ لماذا جالا؟ سامحك الله....سامحك الله...سامحك الله جالا...سامحك الله .
كان يردد كلماته وهو يبكي لا يصدق أنها فعلت به كل هذا، حرمته ولده، حرمته من ابنه البكر، لم تشفق يومًا عليه أو على ولده لتأتي وتخبره بذلك، يعلم يقينًا أنها ابتعدت كي لا تفسد حياته، لكن هل ظنت أن ولده سيفسد حياته ؟!
بدأت شهقات آزار ترتفع في المكان وهو بجسده بالكامل يرتجف :
_ كان... أمام عيوني طوال الوقت؟ الوليد ؟؟ كيف ...كيف لم أعلم ؟؟ كيف ؟؟؟؟
اقترب منه بارق يضمه بقوة وهو يتماسك بصعوبة وقد بدأت الغرفة حوله تصبح خانقة، ابنته تبكي بصدمة في أحد الأركان، ونزار منهار على فراشه، وازار يهزي بين ذراعيه باكيًا يرثي ولده .
_ اليوم حصلت على ولدي، واليوم فقدته ...فقدته يا بارق، فقدت ابني البكر يوم علمت به ...فقدته و...
فجأة توقفت كلماته حينما تذكر كلمات نزار حول موت الوليد ليستدير له يهتف بصوت خافت :
_ نزار...ما الذي حدث للوليد، نزار ؟؟
رفع نزار عيونه لوالده وقد كان وجعه النفسي في هذه اللحظة أشد وطأة من الجسدي، رمق والده بأعين حمراء لشدة البكاء ليبتعد آزار عن بارق يميل على ولده يجذبه لاحضانه بقوة ولا يدري أيهما أشد جرحًا، ولا من يواسي من ؟؟
فلكلٍ جرحه الذي يبحث له عن مسكن في الآخر.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع بداية شروق الشمس كان يقف على بداية مملكته الصغيرة والتي يسعى بكل ما يمتلك ليوسعها، اتسعت بسمته يتنفس عبير الصباح الأول براحة كبيرة .
_ كم من الرائع أن تجلس فوق أكوام من أحزان الجميع، شعور رائع أن تكون الوحيد المبتسم بين وجوه كثيرة عابسة، والأجمل أن تكون انت المتسبب في هذا العبوس ..
ختم كلماته يتنفس بصوت مرتفع مغمضًا عيونه يفتح ذراعيه يستقبل اشعة شمس يوم جديد براحة كبيرة وقد وصلته اخبار نجاح خطته .
_ سيدي ... ما التالي ؟!
فتح أصلان عيونه بهدوء وهو ينظر للسماء، ثم استدار نصف استدارة ينظر لعيون المتحدث :
_ الضربة الأخيرة يا عزيزي، الحجر الاخير الذي يهدد بتماسك الجدران .
نظر له الرجل بعدم فهم، ليبتسم له أصلان بهدوء شديد وهو يتحرك يراقب الجحر القذر بأعين غامضة وكأنه يفكر داخل عقله في القادم، قبل أن يتحدث بجدية :
_ تجهزوا، اليوم مساءً نضع نهاية الممالك .
ابتلع الرجل ريقه :
_ وما... ما الذي سنفعله بالتحديد ؟!
نظر له أصلان بغموض ولم يكن قد صرح من قبل عن خطواته، ليس قبل أن يخطوها بيوم، بل فقط كان يكتفي بإخبارهم بها قبل حدوثها بوقت لا يكفي أي جاسوس ليرسل أي أخبار عنهم .
_ ستعلم في الوقت المناسب .
_ ومتى يكون الوقت المناسب ؟!
ابتسم له اصلان بسخرية وهو يشير بعيونه :
_ سأخبركم عنه في الوقت المناسب .
ومن بعد تلك الكلمات تحرك تاركًا الرجل ينظر في أثره وقد علت عيونه نظرات تقدير وانبهار مما يفعل أصلان، رغم ضيقه في بعض الأحيان، لكنه لم يسبق أن تعامل مع رجل بمثل عقليته وهذا بحد ذاته يجبرهم على السير خلفه دون التساؤل عن كيف ولماذا .
_ يبدو أنه حانت لحظتنا .....
ـــــــــــــــــــــــــ
مع بداية غروب شمس اليوم، كانت قافلة مشكى التي يقودها أرسلان قد وصلت بالفعل لحدود سبز .
توقف أرسلان فجأة بشكل آثار انتباه الجميع، ليحرك أرسلان نظراته صوب الطريق يشير لهم بمواصلة الطريق صوب القصر :
_ يمكنك اكمال الطريق وأنا سألحق بكم بعد قليل .
نظر الرجال لبعضهم البعض بعدم فهم، لكن أرسلان لم يهتم كثيرًا بتوضيح ما يريد، فقط هبط عن حصانه، يشير للسائق الذي بقود عربة الهودج الخاصة بسلمى ليتوقع .
ومن ثم تحرك صوب الهودج يرفع الستار جزء صغير لتهتف له سلمى التي نظرت له ببسمة :
_ وصلنا ؟!
_ لا فقط اقتربي .
نظرت له بعدم فهم، لكنها لم تجادل كثيرًا، فقط تحركت صوبه، تمسك بيده التي مدها لها، وقبل أن تتساءل عما يريد كان يجذبها له بحنان يخرجها من العربة بعدما انزل الحجاب يغطي وجهها، ومن ثم رفع قلنسوة معطفه فوق حجابها لتزفر بضيق :
_ كان يمكنك حملي في تابوت ووفرت على نفسك كل هذا أرسلان .
_ بعيد الشر عنك عزيزتي، لا أراني الله بطرفك سوء، هيا تعالي .
امسك يدها يحملها برقة يرفعها صوب حصانه وهي لا تفهم ما يحدث، أما عنه صعد خلفها يمسك اللجام يضمها عليه بلطف له، ومن ثم أمر رجاله بهدوء شديد :
_ نصف ساعة وسألحق بكم ..
ومن بعد هذه الكلمات اختفى من أمامهم وسلمى فقط تتابع ما يحدث، وهو فقط مال عليها يهمس بصوت حنون :
_ اسمحي لي حلوتي أن آخذك في جولة سريعة داخل أحلامي..
رفعت عيونها له ترمقه من خلف غطاء وجهها، ليبتسم لها بحنان وهو يعود بعيونه صوب الطريق، يكمل توجيه خيله صوب إحدى الجهات، أبصرت سلمى المنازل تبتعد شيئًا فشيء وقد بدأت الاراضي الزراعية تفرد سيطرتها في الإرجاء، وعيون سلمى تتسع بانبهار بكل الزهور التي بدأت تنعكس في عيونها بألوانها الزاهية .
دقائق قليلة حتى توقف أرسلان بحصانه، وهبط من حصانه يحملها لتهبط كذلك، ومن ثم سحبها برقة داخل محاصيل الزهور التي كانت تشتهر بها سبز يسحب كفها بحب شديد لمنتصف الحقول يحقق حلمه الذي كان ينام كل يوم على أمل رؤيته واقعًا .
حقل كبير من الزهور تتوسطه هي بثوب رقيق مثلها، تبتسم له بحب وتراقب بأعين ملتمعة، وليحقق آخر جزء من حلمه تحرك صوبها يرفع غطاء الوجه عنها، يبصر ردة الفعل التي أرادها، بسمة واسعة وعيون لامعة .
_ أرسلان هذا ....هذا ....يا ويلي قلبي يكاد يتوقف من البهاء حولي .
أخذت تدور في المكان بعدم تصديق لكل تلك الزهور التي تبصرها، تشعر أنها عادت بروحها صوب محل الزهور خاصتها تتنقل بينه بسعادة وراحة .
كل هذا وارسلان يتابعها بشغف يشبع عيونه من رؤيتها بهذه الهيئة :
_ أعجبك ؟!
_ اعجبني ؟؟ هل تمزح معي ؟! لقد سلب قلبي ارسلان .
_ محظوظ هذا البستان .
رفعت سلمى عيونها صوبه تبتسم له بامتنان شديد، ومن ثم تحركت تلقي نفسها بين أحضانه بحب كبير تتنفس براحة وسعادة وقد أثرت بها لفتته، أكثر من رؤية هذه الزهور :
_ أرسلان...شكرًا لك .
_ تدللي حلوتي، فقط ليمنحني الله العمر المديد فأهبه للعبادة ومن ثم اسعادك فقط .
ابتعدت عنه قليلًا تهمس بصوت مرتجف من مشاعرها التي ثارت داخل صدرها :
_ صدقني رغبتك في اسعادي، هي سعادة بحد ذاتها أرسلان، أن تبحث عما أحب وتفعله، هذا يعني لي الحياة ...
شعر أرسلان بالفخر من نفسه لهذه اللفتة الصغيرة، كان فخورًا أنه أسعدها، كالطفل الذي ينال الثناء من والدته حينما يحسن التصرف .
نظر حوله وكأنه لا يعلم ما عليه فعله من شدة سعادته، لكنه وبعد دقائق من الصمت الطويل وجد اخيرًا لسانه ينطق بكلمات معدودة:
_ إذن حينما ينتهي كل هذا واعود من الحرب سليمى، هل ...تتزينين لأجل زفافنا ؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فُتحت ابواب مشكى تستقبل موكب سفيد بقيادة إيفان ويتبعه سالار، وفي الخلف موكب كهرمان التي أصرت على المجئ للتأكد من سلامة أخيها، وتبارك التي أبت ترك سالار رغم رفض الأخير بسبب حالتها.
تنهد سالار وهو يرمق الموكب بضيق ويزفر بصوت مسموع، ليتبعه إيفان بالشيء ذاته، وقد بدا أن وجود النساء في هذه الرحلة وفي هذا الوقت تحديدًا لم يكن مرغوبًا من الجميع، لكن أي إرادة يمتلك رجال سفيد أمام أعين نسائهم ؟؟
_ يبدو أن أرسلان وصل قبلنا .
ختم إيفان كلماته وهو يحدق بأعلام مشكى السوداء التي تلوح في الأفق.
_ جيد أنه جاء هنا على الأقل، والله تخيلت أن يخدعنا جميعًا ويقنعنا أنه سيأتي للأجتماع ومن ثم يذهب للهجوم وحده .
ضحك إيفان وهو يهبط عن حصانه:
_ اشياء يستطيع أرسلان فعلها وببساطة.
هبط سالار وهو يتحرك مع إيفان صوب بارق الذي كان ينتظرهم في منتصف الساحة بعدما أبلغه أحد الرجال بوصول الموكب الخاص بسفيد، يبتسم لهم بسمة بدت لأعين إيفان باهتة كما لو أن الزمن اجار عليه .
اقترب منهم بارق يرحب بأعين منطفئة :
_ مرحبًا انرتم سبز ..
_ مرحبًا ملك بارق، عساك بخير حال أنت والجميع.
هز له الملك بارق رأسه دون تعليق، فقط أشار على أحد الجهات ببساطة :
_ تفضلوا من هنا رجاءً .
نظر له سالار بشك وحدق بايفان الذي كان يشاركه نفس الريبة، لكنهم ساروا خلف بارق على أية حال وقد تحدث سالار بجدية :
_ إذن وصل الجميع ؟!
_ لا ليس جميعهم، فقط آزار في الداخل، أرسلان أرسل جيشه ولا يعلمون أين اختفى مع زوجته وقد أخبر جنوده أنه سيلحق بهم، أما عن آزار فهو ...
صمت ولم يدري ما يخبرهم به، أن آزار بلا روحه في الداخل ينازع ليستقيم وينهض، لكن كُسرت هامته بعد ما علم كل ما حدث مع ولده البكر، كما أن حالة نزار لم تكن تساعده البتة.
وصمت بارق كان ثقيلًا على النفوس، مثيرًا للريبة في النفوس، إذ بدأت اجراس الانذار تنطلق في عقول الاثنين خلفه يفكر كلٌ منهما فيما يملء الفراغ الذي تركه بارق بعد ذكر اسم آزار، فراغ لا يشعران أن خيرًا يملئه .
_ ماذا عن خالي ملك بارق؟
كانت جملة سالار الذي تململ في وقفته بضيق وقد شعر برباطة جأشه تنحل، يحدق بظهر بارق الذي يقودهم بين الممرات حيث لا يعلمون وجهة محددة لهم، ولم ينتبهوا حتى لموضع أقدامهم.
فجأة توقف بارق في المكان يشير لأحد الأبواب المغلقة، قبل أن يفتحها مظهرًا لهم مشهدًا لو أخذ أحدهم يقسم لهم أيام وليالي أنهم سيبصرونه، لرموه بالباطل والكذب ...
شحب وجه سالار وهو يردد بذهول وقد ارتجفت كلماته :
_ خــ....خالي ؟؟
كانت كلمة سالار متعجبة مذهولة وقد تجمد ارضًا كما تجمدت الدماء بعروقه حينما أبصر مظهر كلٍ من آزار ونزار .
استدار صوب الملك بارق وكأنه يتوسله توضيحًا لما يرى، فأن يبصر الملك آزار الذي اعتاد من طفولته أن يدعمه منهارًا، ويشاهد يده التي اعتادت أن تسنده مرتجفة، والأعين التي اعتادت تشجيعه منكسرة، لهو الموت بحد ذاته .
ابتلع ريقه يحرك بنظراته بين الجميع يسألهم تفسيرًا لما يحدث .
لكن كل ما صدر عن بارق هو تنهيدة غريبة أثارت ريبة سالار أكثر:
_ هو ...سيخبرك حينما يستفيق، فقط .... أردت أن.... أردت منك أن تساعده، فآزار الآن يمر بوقت عصيب هو ونزار .
ضغط سالار على شفتيه بقوة وقد بدا كما لو أنه يقاوم بعض الكلمات، يتحرك بهدوء داخل المكان يراقب أعين خاله الشاخصة وكأنه رأى لتوه موته، وجسد نزار المدمر وكأن نجى لتوه من ميتة وشيكة .
وصل حتى الفراش حيث يضم آزار ولده بقوة مرتعبًا أن يتلاشى هو الآخر من بين أحضانه، رفع سالار بده وربت بهدوء على كتف آزار وبصوت هادئ ردد :
_ خالي أنت... بخير ؟!
ثواني لم يحصل فيها سالار على ردة فعل تذكر حتى شعر باليأس أن يصدر عن خاله أي رد يوحي بادراكه لما يحيط به، وقبل أن يتخذ أي خطوة أخرى، ابصر عيون آزار ترتفع له يردد بنبرة باكية لأول مرة يسمعها منه، وقد بدا أن هامة ذلك الرجل الذي اعتاده شامخًا قد تحطمت بالكامل :
_ ولدي ....لقد ...لقد قتلوا ابني سالار .
فجأة انفجر في بكاء حاد وهو يضم له نزار أكثر:
_ قتلوا ابني سالار .
اتسعت أعين سالار وتوقف قلبه فجأة وتحركت عيونه صوب نزار وقد بدا أن الروح سُحبت منه، يدور بعيونه على جسد نزار بنظرات مرتجفة وكأنه يبحث عن تأكيد على كلمات آزار، لكن ما كاد يتحدث بكلمة حينما شعر بأنفاس نزار الرتيبة ..
ليقاطع آزار أفكاره وهو يردد بصوت مرتجف :
_ ابني البكر، قتلوه قبل.... أن أعلم حتى، قتلوا ولدي سالار ....قتلوا الوليد .......
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الطريق نحو مشكى سلسلًا عكس ما توقع، وكيف لا يكون وهي قضته في النوم ولا يدري أكان هربًا من واقعًا ثَقُل عليها، أم اطمئنانًا لعودتها اخيرًا .
وسواء أكان هذا أو ذاك، فلم يكن المعتصم يهتم سوى بالنتيجة الملموسة، ألا وهي وجود فاطمة بين ذراعيه تتنفس أنفاسه وتستكين بأحصانه، ووجود إلياس في صندوق صغير في الخلف محاط ببعض رجال مشكى وسفيد الذين جاءوا معه لتأمين السجين حسب أوامر إيفان .
_ فاطم حبيبتي ...هل ستظلين نائمة طوال الوقت.
تململت فاطمة بين ذراعيه تردد كلمات غير مفهومة ختمتها باسمه ورسمت بسمة صغيرة على فمها وهي تحاول أن تستكين مجددًا، تتمتم بكلمات غريبة غير مفهوم منها سوى اسم المعتصم، ليبتسم الاخير وهو بسمع لها تشدو اسمه بين احلامها .
_ لا بأس إذن بالنوم طوال الوقت، إن كنتِ سترددين اسمي بين احلامك.
ختم حديثه يقبل رأسها بحنان لتبتسم هي من بين حلمها، وهو ابتسم لها يكمل الطريق بهدوء شديد .
لتستمر الرحلة ساعات قليلة أخرى قضاها المعتصم في تأمل فاطمة وشكر الله لعودتها قبل أن يفقد عقله وروحه تباعًا .
أما عن فاطمة فقد انفصلت عن واقعها بحلم جميل بعيد عن هذا العالم، حلم حيث جاءها المعتثم وانقذها من ذلك الكابوس ومن ثم حملها بين يديه وأخذها بعيدًا عن الجميع.
ولم تدرك أن كل أحلامها تلك كانت واقعًا بالفعل، فبمجرد وصولهما لمشكى هبط المعتصم يحملها بين كفيه يتحرك بها غرفته، ومن ثم مددها بكل لطف على الفراش، وجلس أمامها ببساطة يراقبها ببسمة واسعة وكأنه اكتفى بها حياة....
_ فاطم حبيبتي هل تسمعيني ؟؟ إذا كنتِ فاعلمي غاليتي أنني ويشهد الله لم اتنفس بشكل طبيعي سوى في وجودك، فاطمة لقد .... أنا كنت قاب قوسين من الجنون، جبت طرقات مشكى أسأل عنكِ كالاجذب، لقد ...كدت أصاب بالجنون وأنا ابحث عنك في جميع الوجوه التي تقابلني .
تنفس بصوت عالي ومن ثم مال يلتقط كفها يتلاعب فيه بأنامله يهمس بصوت شارد مرتعب من القادم ومن تأثير ما حدث عليها، يدرك أنها حتى الآن ما تزال تحت تخدير عقلها لها، كي لا تدرك بشاعة ما مرت به .
_ أنا فقط لست ...لست على استعداد للعودة إلى نقطة الصفر، لا أدري إن كنت حتى تخطيتها معكِ أم مازلنا عندها، لكنني فقط أتمنى لو ...
سقطت منه دمعة دون شعور وهو يهمس بصوت منخفض:
_ فقط اتمنى لو يحنو عليّ الزمان ويشفق على اوجاعي و...يتركني انعم بحياتي معك، والله العظيم لا أطلب الكثير فاطمة، فقط حياة عادية، حياة عادية تتمثل ببسمتك، والله لا اطلب الكثير فاطمة .
ختم كلماته وهو يمسك كفيها بين يديه يبكي بصوت خافت وقد بدأ عقله يتنفس اخيرًا ويزيح ركام أحزانه ويفرغ كل طاقته السلبية التي كان يسير بها الأيام السابقة، يفرغ شحنات خوفه وغضبه دون شعور .
أما عن فاطمة ففي هذه اللحظة كانت المعركة المعتادة مع عقلها كما الآونة الأخيرة على أشدها، صور كثيرة تمر على عقلها، صور لطفولتها، شبابها، حياتها مع عائلتها، صور كثيرة متلاحقة ...
تركض هنا وهناك تضحك مع أحمد شقيقها، صرخات والدها على أحمد ألا يرد لها الضربة ولا يمس مدللته، تذمر والدتها من تدليل والدها لها، طاولة طعام تجمع بينهم جميعًا واحاديث كثيرة تدور، ضحكات ومشاكسات، حياة مثالية كانت تحياها بين جنبات عائلتها...
ضحكات... مشاكسات... أحاديث دافئة.
كل ذلك تلاشى مع ارتفاع أصوات الصرخات، كل الامان الذي كانت تحيا به تسرب بمجرد أن حطم الموت أبواب أمنهم، كل ذلك اختفى مع اختفاء منزلها وتحوله لرماد، كل ذلك دُفن مع عائلتها أسفل التراب .
ولم يتبقى من حياتها القديمة سوى أطلال وبقايا فاطمة ....
شابة لم تفقه في حياتها سوى عائلتها، لتجد نفسها فجأة وحيدة بلا عائلة بلا معيل، وقد أشفق عليها عقلها من كل تلك المعاناة، فحبسها داخل جدران زجاجية تعكس حياة قديمة سعيدة، سجنها داخل ماضيها وصنع لها وهمًا تتمسك به، نسج لها واقعًا بخيوط الماضي، شيء تتمسك به لتحيا بعدما كادت تفقد عقلها من هول ما حدث لعائلتها أجمعين في يوم واحد .
كان يوم واحد ...بل لحظة واحدة فقدت بها الجميع أمام عيونها، والذنب ؟؟
حتى الآن لا تدرك ما ذنبهم حتى ليستحقوا ميتة كهذه فقط لأن أحدهم استحل لنفسه دماء قومها ...
كان كل شيء يسير على ما يرام وهي تحيا في عالم اسود مع طبقة رقيقة من اللون الوردي الذي دهن بها عقلها محيطها..
قبل أن يأتي هو ليمثل لها واقعًا سعيدًا ورديًا، ينتشلها من غياهب الوهم لطرقات الواقع، من ماضيها لحاضره ..
استبدل الوهم بنفسه، واصبح هو واقعًا تتمسك به للنجاة .
وكأن معاناتها السابقة كانت أشد وطئًا من معاناة تهرب منها، عقلها حينما اصطدم بما حدث له اضطر للخروج من اوهامه والتمسك بواقع قد ينقذه من ظلماته الحالية، يخرج من وهم لن ينفعه، والاستغاثة بواقع يدرك أنه سينقذه .
_ المعتصم ..
مال المعتصم عليها بلهفة يتمسك بكفيها بين يديه بحب وحنان شديد مبتسمًا بحب كبير :
_ حياته يا فاطمة، هل أنتِ بخير حبيبتي ؟!
نظرت فاطمة حولها وكأنها تبحث لها عن اشارة تعلمها أنها خرجت من ذلك الكهف المعتم واخيرًا .
_ أنت هنا ؟! أنت حقيقة ؟؟
استند المعتصم على جبينها بحب شديد هامسًا :
_ حتى وإن كان كل ما يحيطك وهمًا، تأكدي بأنني سأكون الحقيقة الوحيدة بين كل تلك الأوهام حبيبتي .
نظرت له ثواني قبل أن تهبط دموعها وتهمس بصوت موجوع :
_ كنت ...مرتعبة ألا أراك مجددًا .
_ ما كنت لاسمح بذلك حبيبتي والله لولا ما حدث بمشكى لكنت قلبت سفيد رأسًا على عقب حتى وجدتك، لم أكن سأنام يومًا هانئًا سوى معكِ فاطم.
تنفس بصوت مرتفع يهمس بحب لها :
_ حبيبتي تأكدي أنني يومًا لن أسمح لشيء أن يعترض طريقًا يوصلني لكِ ....
_ المعتصم.
_ نعم ؟؟
مدت يدها وهي تمسك خده بحب شديد وقد كانت مرة من المرات النادرة التي تتخذ فيها فاطمة الخطوة الأولى تجذب وجهه لها تقبل خده بحب شديد هامسة:
_ فقط كن جواري، وضمني لك، لا تدعني ابتعد عنك أبدًا، لا تسمح لي بالابتعاد، ولا تسمح لأحدهم أن يقصيني عن حياتك حتى لو كان ذلك الاحدهم اوهامًا من عقلي، أو عقلي نفسه ...
ابتسم لها المعتصم بحب شديد يداعب خصلاتها التي تسحره كلما أبصرها، ومن ثم رفع عيونه يضعها في عيونه :
_ لن يحدث طالما رزقني الله بأنفاس تتحرك داخل صدري عزيزتي .
صمت ثواني يطيل النظر بها :
_ وأنتِ صغيرتي عليكِ مساعدتي في حمايتك .
نظرت له بعدم فهم لتتسع بسمته أكثر:
_ هل تتذكرين أول مرة جئتي بها للقصر ؟؟
هزت رأسها بنعم ليكمل وهو يميل أمام وجهها ينظر داخل عمق عيونها :
- ذلك اليوم أبصرت بكِ تلميذة نجيبة ستتقن دروس القتال بسرعة كبيرة، فما رأيك ؟؟
اتسعت عيون فاطمة بعدم تصديق :
_ تعلمني أنا... القتال ؟!
_ أوليس هذا واجبًا على الأميرات ؟؟
شعرت فاطمة بصعوبة في تنفسها وهي تتحدث بصوت متقطع :
_ أميرات ؟؟
_ اجملهن فاطمة، فهل تكونين تلميذتي ؟!
التمعت عيون فاطمة بقوة وقد كانت لمعة عيونها وتلك السعادة الطاغية التي ملئت وجهها أكبر وأصدق من كلمة " نعم"، معلنة بذلك طريقًا آخر للعلاج .
فإن لم تستطع الهروب من ماضيك، تجاهله ....
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الجميع يتحرك في القصر يساعدون بكل ما يستطيعون وخاصة النساء اللواتي بدأن إعداد الطعام ليستوعب الوافدين للقصر بعد ما حصل في الساعات الاخيرة من الليلة السابقة .
وقد كانت توبة على رأس هؤلاء النسوة تساعد في تقسيم الأعمال والاشراف، وتشاركهن إن احتجن لذلك، رغم كل الجراح التي تسكن قلبها منذ شهدت ما حدث مع نزار ووالده .
كانت ساعات قليلة قبل يستدعيها والدها لتستقبل كهرمان وتبارك وترشدهن لغرفهن في القصر، وتركت باقي النساء يعملن بهدوء .
على رأسهن رفيقتها الوحيدة منذ الطفولة والتي كانت الأقرب لتوبة وكاتمة اسرارها " نغمة" الأخت الصغرى للقائد زبير، والتي ترعرعت مع توبة بنفس القصر وتدرك كل شيء عنها، أولهم عشقها الميؤوس منه الملك أرسلان.
فجأة توقفت أقدام نغمة في منتصف الساحة بعدما كانت في طريقها للمطبخ تحمل سلة الخضراوات، تبصر حصان يتحرك لداخل القصر يحمل فوق ظهره عشق صديقتها المستحيل و... امرأة اخرى بين أحضانه ؟؟
اتسعت عيون نغمة بعدم فهم وهي ترى أرسلان يهبط عن الحصان بسرعة كبيرة، ومن ثم مد يده ينزل المرأة التي لم تبصر حتى وجهها برقة شديد، يرفع قلنسوة معطفه الخاص فوق رأسها رغم تغطية وجهها بالغطاء .
تنفست نغمة بصدمة وهي تحاول فهم ما يحدث، تبصر إمساك أرسلان بالمرأة وكأنه يخشى أن تتسرب من بين أنامله، يتحرك ببطء وهو ينظر لقدمها كل ثانية وكأنه يخشى أن تخطو فوق شوكة بالخطأ.
شعرت نغمة بالقهر على رفيقتها التي شهدت على معاناتها قديمًا، وقد كانت تسمع منها كم احبته لأرسلان، وكانت كل ليلة تتفنن في ذكر محاسنه وحنانه وقوته، ابتلعت ريقها تراقبه بعدم فهم، تهمس بصدمة كبيرة :
_ هل ...تزوج ؟!
فجأة أبصرت شقيقها يندفع بسرعة صوب الملك أرسلان يرحب به ببسمة واسعة واحترام شديد :
_ جلالة الملك أنرت سبز .
ابتسم له أرسلان يهز رأسه بهدوء :
_ اشكرك زبير، كيف حالك.
_ الحمدلله بخير مولاي، أرسلني الملك لاستقبالك يعتذر منك لانشغاله ببعض الامور في الداخل ووالله ما كان ليتخلف يومًا عن الترحيب بك لولا ما يشغله .
شعر أرسلان بريبة من كلماته :
_ عساه خير زبير، ثم لست بضيفًا او غريبًا لتبرر لي الأمر، لكن ما الذي يحدث هنا ؟؟
انقلبت ملامح الزبير بشكل غريب جعل أرسلان يتأكد من حدوث ريب، فنظر حوله بهدوء ثم قال :
_ هل يمكنك إحضار إحدى النساء لترشد زوجتي لغرفتها رجاءً ؟؟ سوف أذهب لمعرفة ما يحدث هنا .
ما كاد الزبير يعترض مطالبًا إياه بالراحة اولًا، حتى اعترض أرسلان على كلماته :
_ اسرع زبير فزوجتي مريضة لا تتحمل الوقوف طويلًا .
كانت كلمات جادة آمرة ليتنهد زبير وهو يتحرك لينادي إحدى العاملات، لكن فجأة وقعت عيونه على شقيقته التي كانت تقف على مقربة منهم تتابع ما يحدث بفضول سيقتلها يومًا .
_ نغمة اقتربي .
انتفض جسد نغمة وهي تنظر حولها برعب وكأنه تم الامساك بها بالجرم المشهود تتحرك بقدم مرتجفة صوب زبير :
_ نعم اخي..
_ رجاءً ساعدي جلالة الملكة وارشديها لغرفة الملك في الجناح الشرقي.
رمشت نغمة وهي تنظر صوب سلمى التي لم تصدر كلمة واحدة منذ وطأت القصر، تحترم وجود أرسلان ليتدبر اموره .
ظلت تحدق فيها ثواني قبل أن يلكزها زبير بضيق من تصرفاتها هامسًا:
_ تحركي يا فتاة ما بكِ .
_ آ...آسفة شردت بعض الشيء، تفضلي معي.
هزت سلمى رأسها ونظرت صوب أرسلان تشير له لينحني صوبها يسمعها تهمس له ببعض الكلمات الصغيرة، لتبصر نغمة في هذه اللحظة معجزة تتجسد في حياتها لأول مرة وهي ترى ذلك الجلف المتجبر يبتسم ابتسامة صافية رقيقة على كلمات المرأة الهامسة .
ومن ثم اعتدل ينظر لها بحب شديد لم يحاول حتى أن يخفيه :
_ أوامرك جلالتك ...
ابتسمت سلمى بسمة واسعة لم تظهر من خلف الغطاء، لكن أرسلان شعر كما لو أنه رآها، يربت على كفها بحنان، ومن ثم همس لها :
_ لن اتأخر حبيبتي، سأرسل لكِ طعامًا تناوليه وارتاحي ريثما انتهي أنا حسنًا ؟!
هزت له سلمى رأسها ومن ثم حركت رأسها صوب زبير بتحية راقية، وتحركت صوب نغمة تهتف بصوت هادئ رقيق :
_ هيا .
رمشت نغمة وهي تنظر لها بفضول شديد كاد يدفعها لرفع الغطاء عن وجهها لتبصر وجه المرأة التي اوقعت الصخرة خلفها .
لكن صوت الزبير والذي كان قد وصل لقمة حنقه من تصرفات شقيقته جعلها تنتفض وهي تتحرك مع سلمى ترشدها لجناح أرسلان المعروف داخل حدود القصر، كيف لا وهي كانت تجلس أمامه ساعات طوال مع توبة في مراهقتهما ينتظران لحظة واحدة فقط يطل عليهما لتروي الاخيرة شوقها له .
سارت وهي تنظر كل ثانية صوب سلمى وكأنها تحاول اختراق الغطاء لتبصر وجهها، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ من الذي فعل هذا به ؟؟ كيف ...ما الذي حدث ليتحدث أحدكم ؟! وما الذي يهزي به خالي، الوليد من هذا ؟؟ الوليد نفسه رفيق نزار ؟! كيف ...ابنه ؟؟؟ هل ...ما الذي يحدث هنا ؟؟
رفع آزار رأسها وهو ينظر لسالار الذي بدأ يفقد صبره ولأول مرة بعد ما أبصر من انهيار الجميع، أفكار كثيرة سوداء خطرت بعقله، نزار مصاب بشكل مريع وازار منهار بشكل مخيف، والمكان مشتعل والممالك شبه متدمرة ..
هل فعلها اصلان ونجح في اصابتهم بضربة قاضية؟
نظر صوب إيفان وقد انعكس سؤاله واضحًا في عيونه، ليدرك إيفان ما يفكر به ويربت على كتفه بهدوء وكأنه يبعد كل ذلك السواد عن عقله يتحدث بصوت هادئ رغد ما يموج داخله من براكين، لكن في وسط هذا الانهيار كان عليه هو أن يكون أشدهم تماسكًا .
_ ملك آزار ما قلته لا يحتمل التأويل، لذا رجاءً وضح لنا ما حدث لنعلم الخطوة القادمة، دعنا نقف على أرض صلبة فالحرب وشيكة ونحن مشتتون وهذا ليس في صالحنا أبدًا، أخبرنا رجاءً ما يحدث .
_ نعم هذا بالتحديد ما أريد معرفته، ما الذي يحدث هنا ؟؟؟
وكانت الجملة الأخيرة صادرة من أرسلان بعدما اقتحم الغرفة الخاصة بنزار والتي ارشده لها زبير .
نفخ إيفان وهو يمسح وجهه وقد زاد وجود أرسلان في المكان الحريق اشتعالًا، فالأن عليه أن يتدارك غضب الجميع بمن فيهم أرسلان..
_ هذا ما ينقصني يا الله .
لم يهتم أرسلان الذي سمعه يبعده بضيق يقترب من الفراش :
_ ابتعد أنت عن وجهي، دعني أنا سأفهم ما يحدث هنا و......
فجأة توقفت كلماته على طرف لسانه وهو يبصر جسد نزار الذي كان متسطحًا على الفراش بشكل مزري وكأنه جثة هامدة، فقد أرسلان النطق يحدق في الجميع حوله وكأنه يسألهم عما يفعل نزار هنا في هذه الحالة .
تحرك صوب نزار بعدم فهم يجلس ارضًا جوار الفراش يهمس بصوت منخفض مرتجف وقد اوجعه وصدمه مظهره :
_ نزار ؟؟ أنت....هنا ؟؟ ما الذي....من ...
نظر حوله للجميع وكأنه قد عجز عن إخراج جملة واحدة سليمة، لكن لم يبصر الأجوبة التي ينتظرها في عيونهم، بل وجد عجزًا وجهلًا جعله يعود لنزار بعيونه يتحدث بهمس :
_ نزار يا أخي ما الذي ...ما الذي حدث لك، هل ... أصلان من فعل هذا بك ؟!
ولاول مرة يتفاعل نزار مع محيطه وهو يدور برأسه صوب أرسلان ينظر له ثواني بأعين جامدة، قبل أن تبدأ دموعه بالتساقط من عيونه يهمس بصوت متحشرج من الوجع:
_ لقد ....أنتقم الله لك مني في والدتكِ، فقدتها بسببي، ففقدت أخي أرسلان، أقتص الله لك مني ولكل من رحل بسببي، اقتص الله لك مني .
ختم حديثه ينهار في بكاء مرير لينتفض أرسلان يجذبه لاحضانه بسرعة وهو يهتف بكلمات متتابعة وقد بدا كما لو أنه يصرخ في وجهه:
_ صه...أصمت أيها الحقير، أي قصاص هذا، والله ما كان لي يومًا قصاصًا عندك، لا تتحدث بهذا الشكل، لا أراك الله سوءًا نزار، لا أراك الله سوءًا، لا اذاقك الله ما ذقته نزار .
أنهار نزار بين أحضان أرسلان باكيًا بصوت مرتفع وهو يضم نفسه له يصرخ بوجع:
_ ذقته أرسلان، لقد ذقته، مات أخي بين احضاني، مات في اليوم الذي علمت به أنه أخي، مات دون حتى أن يمتلك فرصة التوبة، والله كان سيتوب، والله كان سيتوب .
سقطت دموع ارسلان وهو يضمه له بقوة، رغم عدم فهمه لما يتحدث به نزار وهو ينظر حوله، يسأل عمن يتحدث نزار ومن أخوه هذا، لكن في هذه اللحظات كان الصمت أبلغ من مائة سؤال .
ونزار وانهياره في هذه اللحظة كانوا أشد من محاولة فهم ما يحدث، تحرك سالار يجذب له آزار يربت على ظهره بحنان يهمس بصوت خافت حنون وعيونه تدور على وجه نزار بحزن لأجله:
_ استعن بالله في وجه أحزانك يا أبا نزار، استعن بالله وتوكل عليه عزيزي .
_ الوليد .
نظر له سالار بعدم إدراك لما يقال، ليكمل نزار بصوت منخفض :
_ نادني ابا الوليد ولو ...لمرة واحدة .
عند هذه النقطة انهاردة آزار، وهو يردد اسم الوليد وكأنه يناجيه ليستمر الأمر لدقائق طويلة لم يستطع أحدهم قطعها، وصمتوا حدادًا على من رحل دون حتى أن يدركوا وجوده، ولو أن الوليد يومًا صارحهم بحقيقته والله ما كانوا ليترددوا في الترحيب به بينهم .
لكنه اختار البعد أيًا كانت أسبابه، لكنه رحل وانتهى الأمر.
دقائق أخرى مرت حتى بدأت اصوات الشهقات تهدأ وبدأ الصمت ينتشر في المكان، ولم يقطع أحدهم هذا الصمت سوى سالار الذي ردد بصوت منخفض بدت النيران فيه مشتعلة :
_ أصلان أثقل من ميزانه عندنا، واسرع من نهايته، كل هذا يجب أن ينتهي اليوم قبل الغد .
رفع الجميع عيونهم لسالار ليبتسم الاخير بسمة مخيفة وكأنه جاء هنا يحمل بين اكفته نهاية أصلان وقد خطط لكل شيء ..
_ اصلان فعل كل هذا لسببٍ، تضليلنا لأجل دخول الممالك مستغلًا الفوضى، لا بد أنه الآن بجيوشه في الطريق لنا ..
كانت هذه كلمات آزار الذي تماسك اخيرًا وعادت ملامحه تتلون بالغضب والسواد القاتم وقد أصبح انتقامه من اصلان الآن أكبر، انتقامًا لدينه وبلاده واخيرًا ولده الذي قتله بدم بارد .
نظر الجميع صوب آزار ليبدأ الاخير باخبارهم بكل ما نطق به الرجل قبل قتله، لتغيم عيون أرسلان بشكل مخيف قبل أن يرسم بسمة صغيرة غريبة على فمه ينظر لنزار الذي كان يتابعهم بأعين شبه متيقظة :
_ ألا تريد القصاص لأخيك نزار ؟!
انتبه نزار لكل كلمة ينطق بها أرسلان وقد اشتعلت عيونه بجنون وبراكين وقد كانت هذه اجابة غير مباشرة على سؤال أرسلان.
أما عن آزار فقد هب معارضًا ما يفكر به أرسلان:
_ أنت لا تنتوي بزج ولدي مجددًا بينهم أرسلان صحيح ؟! لن اضحي بولدي مرة ثانية يكفيني خسارة واحدة ..
_ ومن قال أنني سأفعل ملك آزار، أنا لست حقيرًا لهذه الدرجة كي ألقي بنزار بينهم مجددًا، نزار أخي كذلك وثأرك ثأرنا جميعًا، لا تقلق ليس هذا ما سعيت له بسؤالي ذلك .
ضيق إيفان عيونه بخبث وهو يبتسم وقد لمح لمعة عيون أرسلان بعدما سمع من نزار كل ما حدث معهم في الجحر، وقد استشف ما يقصد أرسلان فهو نفسه ما دار بعقله حينما سمع كلمات نزار حول الوليد وما فعل لأجله..
تحدث نزار بصوت مخيف :
_ بلى، لن أترك ثأري وكذلك....جثمان أخي أريد إحضاره ودفنه هنا بيننا، لن اتركه لهم يلقونه لحيوانتهم، أخي سيُكرم بدفنه في مقابر آبى وسآخذ عزائه بنفسي بعدما آخذ قصاصه .
ابتسم له أرسلان بهدوء :
_ إذن لك ما تريد .
نهض وهو يشمر اكمامه، ثم نظر لهم بهدوء :
_ في هذه اللحظة التي نتحدث بها، تزحف جيوش أصلان صوب سفيد ليدخلها مستغلًا تشتتنا ونحن ...سنتركه يفعلها .
نظر له البعض بعدم فهم :
_ نتركه يفعلها ؟؟
_ نعم نتركه يفعلها، دعوه يحقق ما يريد ويحتفل بانتصاره .
صمت ثم نظر للجميع ببسمة صغيرة وقد اتسعت بسمة سالار بقوة يردد بهدوء وهو يحرك سيفه أمام عيونه :
_ لحظتان يتوقف بهما الإنسان عن النظر حوله، لحظة انكساره، ولحظة انتصاره ...
أكمل ايفان وقد اكتملت الصورة في عقله لما يريد الجميع فعله :
_ إذن امنحوه انتصارًا وهميًا، يكون بداية تشتت ونهاية لهم، نهاية أبدية بلا رجعة .....
أخذ الجميع ينظر لبعضهم البعض نظرات غامضة وقد بدا أن الخطة اتضحت للجميع وأدركوا ما يريدون دفع أصلان له .
واخيرًا همس أرسلان بنبرة مرعبة سوداء :
_ الخامس عشر من محرم كانت نكبة لنا، والسادس عشر من محرم ستكون إبادة لهم .......
ـــــــــــــــــــــــــــ
لحظة انتصار ولحظة انكسار... فأيهما تكون ؟!
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثلاثون 30 - بقلم رحمة نبيل
الحادي والاربعون | الحرب الأخيرة|
الفصل اهداء للجميلة ( Jana Sayed )
قبل القراءة صلوا على نبي الرحمة .
ـــــــــــــــــــــــ
مع بداية مغرب اليوم السادس عشر من محرم، كانت جيوش أصلان التي جمعها من شتات الارض تتجمع أمام الجحر والأخير يقف مراقبًا الجميع بأعين تلتمع بالخبث والفخر مما وصل له، ما كان ليقبل يومًا أن يوضع اسمه في كتب التاريخ في الهامش جوار اسمائهم، ويشار له بأحدهم..
هو أصلان الجعفري ما كان ليسمح أن يُهمش دوره بهذا الشكل، لذا إن لم يُذكر في التاريخ...سيحرقه .
جمع جيوشه وحدده وجهته التي سينطلق لها مع بداية فجر اليوم الجديد ....سفيد العزيزة .
فسقوط سفيد، المصدر الاول للأسلحة وثاني اقوى الجيوش مع جيش مشكى يسهل عمله في دخول باقي الممالك، حتى وإن لم يستطع دخول مملكة أخرى بعد سفيد فيكفيه أن يكون ملكًا لسفيد ....
كانت عيونه تسبح في بحار بعيدة واحلام اضحت قاب قوسين أو أدنى منه، حتى أن يده كانت ترتجف من شدة الحماس ...
نظر لحدود سبز التي تلوح في الأفق والتي كان يدرك أن الخروج منها اسهل من شربة ماء في هذه اللحظة تحديدًا بعدما دمر العاصمة وآثار الذعر بينهم فسحبوا كل جندي لتدارك ما يحدث داخل الممالك .
رفع يده في السماء وقد شعر في هذه اللحظة بقلبه ينتفض من الحماس وغروره يتغذى على ما فعله بالجميع، مد كفه وكأنه على وشك الإمساك بالشمس التي أوشكت على الغروب، لكن صبرًا غدًا لن يمسك فقط بالنجم بل سيسطع اسمه مثلها وينافسها إشراقة.
_ ها نحن ذا يا رجال، على بعد خطوات من التحكم بهذا العالم القذر وتحطيم قوانين الممالك المتعنتة أسفل أقدامنا، انتهت عصور الاسلاف وها نحن نخط عصور جديدة بأيدينا نحن ..
تهليلات انطلقت بقوة بعد كلماته وقد بدأ الجميع يصرخ ويهتف باسمه في حماس كبير وقد وصلوا لنقطة أبعد مما كانوا يتخيلون .
_ الآن خطوات قليلة فقط نخطوها وحرب أخيرة نخوضها ومن ثم ....يأتينا النصر زاحفًا على عقبيه .
التمعت أعين الجميع بحماس شديد وقد لاقت كلمات اصلان صداها المرجو داخل الصدور وحركت البحار الراكدة في صدورهم .
فهؤلاء المنبوذون والذين نجوا من حروب كثيرة قديمًا، وحملات أرسلان التطهيرية لعرقهم النجس، ظنوا أن عصرهم انتهى بموت بافل قديمًا، ليعود أنمار ويحيي بهم املًا خافتًا أشعل داخل صدورهم رغبة بالعيش والعودة لممالك سبق ونُبذوا منها ..
نصفهم منبوذين والنص الآخر مرتدين خائنين ملوا حياة الشرف واحبوا حياة الخسة والضعة ..
وبعدما خرجوا مجبرين من وطنهم بعدما نبذت نفوسهم الخير والالتزام فأنتُبذوا بالمقابل، ما كانوا ليضيعوا فرصة تحيي داخلهم شعلة التمرد والانتقام الذي برد منذ خرجوا صاغرين من بلادهم، واصلان كان فرصتهم .....
_ الآن...ودعوا حياتكـــــــم القذرة هذه ورحبوا بحياة أخرى أشد بهاءً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنتِ زوجة الملك كيف حدث هذا ؟!
توقفت سلمى في منتصف الغرفة بعدما كانت تلتفت حولها تستكشفها باهتمام مبتسمة للزهور التي كانت منتشرة بشكل مبهج، لكت فجأة اخترقت مسماعها كلمات الفتاة لتستدير صوب الفتاة ببطء..
تنظر لها بعدم فهم، للتحدث الاخيرة بصوت خرج بذبات لم ترتح لها سلمى البتة :
_ أتعلمين ما كان يقال عن الملك أرسلان هنا ؟!
هزت لها سلمى رأسها بهدوء وقد رأت أن تتجنب الحديث معها فهي أدركت من نبرتها وكلماتها ونظراتها ما تريد الوصول له، تحرك عيونها في المكان وهي تخلع معطف أرسلان تظهر فستانها الذي اختاره الأخير لها بنفسه .
تبتسم بسمة صغيرة وهي تبعد الغطاء عن وجهها والحجاب عن شعرها مظهرة خصلاتها التي تخطت كتفها بعض الشيء تهتف بصوت خافت :
_ لا أهتم بالثرثرات، وبالطبع لن أحصل على معلومات زوجي من الثرثرلات، لذا لا أريد أن أعلم اشكرك عزيزتي .
ختمت حديثها تستدير صوبها ببسمة صغيرة تشكرها بلباقة ورقي :
_ وصحيح اشكرك لمساعدتي في الوصول لغرفتنا أنا والملك....
كانت تضغط على حروفها بقوة وهي تنظر في عيون الفتاة التي اتسعت عيونها وهي تبصر سلمى والتي كان جمالها...مختلف عنهم.
لون بشرتها المميز والذي كان كمن لفحته الشمس فنال لونًا ذهبيًا مقارب لأشعتها، وعيونها الخضراء التي تحيطها رموش كثيفة وشعرها الأسود المسترسل خلفها رغم قصره و...لحظة اعتراف أن الفتاة أمامها جميلة نعم، لكن في الممالك هناك من هن أجمل منها، توبة جميلة للغاية وتصنف من اجمل نساء الممالك.
فلماذا هي بالتحديد من تزوج بها أرسلان ؟؟
_ من أي مملكة أنتِ ؟!
كانت فضولية وكان هذا أكثر ما تكرهه سلمى، لكنها قررت أن تكون لطيفة مع الفتاة لآخر لحظات صبرها :
_ من مشكى .
_ لا أتحدث عن مملكة زوجك، بل عنكِ من أي مملكة أنتِ ؟!
هزت لها سلمى كتفها تجيب ببسمة باردة لا توحي بأي شيء يدور داخلها :
_ مملكة أرسلان بيجان .
رمشت الفتاة بعدم فهم لما قالت سلمى في هذه اللحظة، بينما الأخيرة تحركت تخلع عنها فستانها وقد اكتفت بالثياب التي ترتديها أسفل ثوبها الطويل ..
_ أنا أنتمي حيث ينتمي زوجي، بالإضافة إلا أنني ابنة مشكى والدي من مشكى لذا نعم أنا من مشكى ...
شردت بها الفتاة وهي تفكر في شيء جعل سلمى ترفع لها حاجبها وكأنها تتعجب مكوثها كل ذلك الوقت ولم تكد تفتح فمها تتحدث بكلمة تتسائل بها عن سبب وقوفها بهذا الشكل، حتى قاطعتها الفتاة بشك كبير :
_ لكن لون بشرتك غريب لا يشبه لون بشرة الاشخاص بمشكى، يبدو كما لو أن شمسًا تركت أثرها عليك او أنكِ مكثتي سنين في أسفل اشعة الشمس لتنالي هذا اللون، النساء هنا ببشرة بيضاء ناصعة وقليلات هن من يمتلكن بشرة سمراء، لكن لون بشرتك مريب .
رفعت سلمى يدها تتحسس بشرتها بهدوء وقد ارتفعت السخرية داخل صدرها لا تدري أكانت كلمات الفتاة سخرية منها أم انبهارًا من لون بشرتها المميز الذي ورثته من والدتها ؟؟
_ آه هذه نتاج التعرض لفترة طويلة من نيران عشق زوجي، لفحتني شمس أرسلان فاكتسبت لوني هذا منها .
على الغباء وجه الفتاة لتقلب سلمى عيونها ولم تكد تتحدث بكلمة واحد حتى همست الفتاة بشرود وكأنها تفكر بصوت مرتفع :
_ كان الملك أرسلان من أكثر الرجال الذين تحوم النساء حوله ولم يلتفت يومًا لأحداهن، إحدى الأميرات من على استعداد لفعل أي شيء وتنال منه نظرة، ما السبب ليفعل ذلك بالذات معكِ؟؟ هذا محير كثيرًا .
اتسعت عيون سلمى بصدمة من كلمات الفتاة والتي تقابلها للمرة الاولى، لكن يبدو أن الاخيرة لم تدرك بعد أن افكارها الداخلية تمثلت في كلمات مسموعة لسلمى، التي شعرت بكم الوقاحة المتسربة من الفتاة ودون شعور ابصرت نظرات الفتاة التي تحركت عليها وكأنها تقيمها حتى توقفت عيونها فجأة على حرق صغير يظهر من طرف بنطالها .
ولثواني اهتزت حدقة سلمى التي لم تتأقلم بعد مع حروقها، ولم تكد تتحدث بكلمة تخرج بها تلك الفتاة من الغرفة حتى سمعت صوت طرقات خفيفة على باب الجناح يتبعها صوت رقيق .
_ جلالة الملكة .
ابتسمت سلمى وهي تتحرك صوب الباب وقد ادركت صاحبة الصوت تشعر بوصول حبل نجاتها من الفتاة التي تحدق بها بعداوة غريبة وهي لم تقابلها سوى منذ دقائق فقط .
فتحت الباب بسرعة تستقبل الواردة بترحيب حار :
_ توبة .
نظرت لها توبة ببسمة صغيرة تستقبل بها ترحيب سلمى بسعادة شديدة وقد شعرت بالراحة من تعامل سلمى معها دون أي توتر بينهما :
- اعتذر لعدم وجودي في استقبالك و...نغمة ؟! هذه أنتِ هنا ؟؟
كانت كلمات متعجبة من وجود نغمة في جناح الملك أرسلان وزوجته وهي تقف بهذه الراحة، لكن تعجب توبة لم يكن شيئًا أمام صدمة نغمة التي أبصرت الاريحية في التعامل بين الاثنتين، كيف وهي تدرك أن توبة تهيم بزوج الفتاة، لقد كانت مهووسة به لدرجة أنها تزوجت لأجل فقط أن تعف نفسها عن التفكير به .
_ توبة هذه ...هذه تعرفينها ؟؟
تعجبت منها توبة وهي تحرك عيونها بين الفتاتين في اللحظة التي دخلت بها كهرمان ومن ثم تبارك اللواتي لحقن بتوبة لمعرفتهن بوجود سلمى في المكان .
_ هذه ؟؟
كانت كلمة مستنكرة خرجت من فم سلمى التي ضمت يديها لصدرها وقد وصلت واخيرًا لحافة صبرها مع هذه الفتاة الغريبة تتحدث بنبرة هادئة لا توحي بغضبها الكامن داخلها .
_ لا أحبذ استخدام مثل هذه الاشارات النكرة التي لا توفي من يقف أمامك حقه.
توترت نغمة وهي تبصر نظرات الجميع لها وقد شعرت فجأة برغبة في البكاء من الخجل، لكن سلمى لم تهتم وهي تتحدث معها بأكثر نبراتها سقيعًا :
_ اشكرك لمساعدتي في مغرفة غرفة زوجي، استطيع المواصلة من هنا وحدي .
وكان هذا آخر ما قالته على مسامع نغمة التي هبطت دموعها بقوة ورحلت خجلة بعدما اعتذرت من الجميع تحت أعين توبة المصدومة ونظرات كهرمان المتعجبة من تصرفات سلمى .
وكان أول من خرج من صمته هي توبة التي تحدثت بهدوء واحترام شديد :
- سلمى اقدر مكانتك صدقيني، لكن ما كان عليكِ التحدث معها بهذه الطريقة .
ابتسمت لها سلمى بهدوء وهي تتحرك في المكان ببساطة ولم تتحدث لثواني بشكل آثار تعجب الجميع منها، حتى جلست على أحد المقاعد وقد بدأت حروق قدمها تثير وجعًا مرعبًا بجسدها بعدما تلاشى تأثير الاعشاب المخدرة التي وضعتها لأجل الطريق .
_ معاملتي لأحدهم ما هو إلا انعكاس لمعاملته عزيزتي .
شعرت كهرمان بأن هناك ما فاتهم قبل المجئ هنا، لذا على عكس المتوقع منها تحركت صوب سلمى تتحدث بجدية ونبرة خطرة :
_ هل ازعجتك الفتاة سلمى ؟؟!
_ فقط لم ارتح لكلماتها وطريقتها في الحديث معي، بالطبع لن أكون سعيدة وهي تسخر من اختيار أخيكِ لي رغم أن الجميلات يحفونه من جميع الاتجاهات.
كان رد غاضب عبرت به سلمى بشكل متواري عما حدث، لذا تنهدت توبة بصوت منخفض وهي ترحب بسلمى للمرة الثانية ومن ثم استأذنت الرحيل لتنتهي من بعض الأمور العالقة .
وقد خرجت مباشرة صوب غرفة نغمة مصممة على معرفة ما حدث معها ومع سلمى قبل مجيئهم، فهي تدرك أن سلمى ليس من ذلك النوع العدائي الذي يجلد بلسانه من يقابله .
وبمجرد أن خرجت توبة تحدثث كهرمان بهدوء :
_ أدرك أن هناك سبب دفعك لـ .....يا ويلي سلمى ما هذه الحروق ؟؟؟؟؟؟
كادت سلمى تتحدث لها خاصة حينما أبصرت اندفاع تبارك لها بسرعة وهي تبادلها نظرات القلق، لكن قطع كل ذلك صوت طرق على باب الجناح وصوت أحد الجنود يخبرهم بوصول الطعام....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت ساعات طويلة قضاها الجميع داخل غرفة نزار بعدما خرج سالار لدقائق قليلة، ومن ثم عاد وأُغلق الباب من بعدها ولم يخرج أحدهم إلا على مشارف الفجر، ساعات طويلة ولا يدرك أحدهم فيما قضوها في الداخل، لكنهم يدركون أن ما سيحدث حينما يخرجون لن يعجب أحدهم.
وقد كان ..
كان أول الخارجين من المكان هو أرسلان الذي تحرك بسرعة مرعبة في الممرات وعيونه تطلق شرارات ونظرات مخيفة غامضة تنطلق من عيونه .
ابتسم بسمة غريبة وهو يتحرك صوب رجاله يتحدث بجدية كبيرة وهو يشير لقائد الموكب الذي تبعه :
_ تجهز فسوف أرسل معكم الملكة صوب المملكة، ستذهبون أنتم ومعكم الملكة وتحمونها بأرواحكم إن اضطررتم لذلك، فهمتم ؟!
هز الجميع رؤوسهم بطاعة كبيرة ومن ثم تحرك هو من أمامهم صوب جناحه ليتحدث مع زوجته قبل رحيلها لمشكى، يبعدها عن كل ما سيحدث في الساعات القادمة، يبعد زوجته عن الحرب قدر استطاعته هو لن يتحمل أن يمسها سوءًا ..
كل ذلك كان يحدث على مرأى ومسمع من أنمار الذي كان يجلس جانبًا يتلاشى أي احتكاك مع أي جندي من رجال أرسلان كي لا يسرع من هلاكه .
لكن بمجرد أن سمع كلماته ابتسم بسمة غريبة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ماذا تقصدين أنتِ، لقد تزوجت الرجل الذي كنتِ تتمنينه كل ثانية و....
قاطعت توبة نغمة بحدة وغضب من كلماتها وكأنها تخشى حتى أن تخون نزار بذكر مشاعر هشة تجاه رجل آخر، مشاعر أخرى حمقاء طفولية ظنتها يومًا حبًا .
_ نغمة انتهينا، لقد انتهى كل هذا، صدقيني كانت حماقة لا أحب تذكرها، الملك أرسلان لا يعني لي أكثر من كونه الملك أرسلان الذي احترمه كأخ أكبر.
_ ماذا ؟! هل تهزين أنتِ ؟! منذ متى كل هذا !!
_ منذ اللحظة التي أدركت بها أنني لم أحبه يومًا نغمة، لم أحب أرسلان يومًا، وبكامل الأسف أنني اضعت أيام طوال أبكي انبهارًا برجل أبصرت منه ما لم أبصر في غيره، لكن الحمدلله أن عادت لي بصيرتي لأدرك أن...
" هناك من استطاع احتلال قلبي بالكامل كما لم يفعل غيره حتى أرسلان" جملة كتمتها توبة داخل صدرها لأول مرة تخفي مشاعرها عن رفيقتها .
تنهدت بتعب :
_ نغمة أنتِ اخطأتي في حق الملكة، وأقسم بالله أي امرأة أخرى لم تكن لتكتفي بصرفك بهذه الطريقة، لو كنت مكانها لأمرت بفصل رأسك عن جسدك.
اتسعت عيون نغمة :
_ ماذا ؟!
_ ماذا أنتِ تقللين من قيمتها وتسخرين من لون بشرتها وتتعجبين تزوج الملك بها، ولم تدركِ مع من تتحدثين أنتِ .
صمت تصرخ بضيق من رفيقتها :
_ نغمة هذه .. ملكة مشكى، استوعبي ما فعلتي وانصحك بالاعتذار لها .
ختمت حديثها وهي تتحرك خارج الغرفة، لكن ما كادت تخرج حتى توقفت مجددًا لتتكلم بصوت منخفض :
_ وكذلك انصحك بنسيان ما كنت اهزي به في غمرة سكري بمشاعر كاذبة قديمًا، ولا تذكري الأمر مجددًا وهذا رجاء مني نغمة، فأنا لا احب تذكر غبائي القديم .
خرجت من الغرفة بمجرد أن انتهت من كلماتها تاركة نغمة تقف في المكان تحدق بالباب المغلق بصدمة كبيرة ..
بينما توبة تحركت في الممرات صوب غرفتها تفكر في الحصول على بعض الوقت مع نفسها كي تتماسك قبل التحرك والذهاب للأطمئنان على نزار ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن بعد تلك الساعات تبعها ساعات أخرى طويلة مرت عجيبة مريبة على الجميع....
حركات غريبة وتصرفات غريبة كانت تصدر من الملوك في الساعات التي سبقت مساء اليوم .
مواكب الاميرات كلها بدأت تخرج من قصر آبى وقد شرع كلٌ يخرج زوجته ومن يخصه من النساء من سبز وقد كانت بؤرة الخطر الأكبر تتمثل بها باعتبارها مركز تجمعهم، وكذلك سفيد هدفهم الأول..
موكب تلو الآخر يخرج من قصر سبز والأعين تتابع ما يحدث وقد أعلن الملك بارق حالة استنفار في البلاد وانطلقت أبواق الحرب تعلو في سبز .
في الوقت ذاته كانت أبواق الحرب تدوي في بقاع الممالك أجمع وقد أدرك الجميع أنها النهاية .
فالحرب لم تنتهي بعد، والفوز لهم مصيرًا حتميًا ..
وفي الجحر .
كان أصلان يتابع استعدادت رجاله يستقبل بداية اليوم الجديد ببسمة واكل كبير .
ومع أذان فجر يوم جديد ...
كانت الحرب الأخيرة تعلن عن نفسها بقوة بين ربوع الممالك الأربع .
تحرك أصلان بجيوش وأعداد غفيرة صوب سفيد وهم يدكون الأرض أسفلهم وكأنهم يعلمون القاصي والداني بقربهم ...
أصلان يتقدم الجيوش على حصانه وقد كانت بسمته تزداد اتساعًا كلما أبصر سفيد تلوح في الأفق، كلما اقترب خطوة واحدة من سفيد اقترب حلمه منه اشواطًا، يدرك يقينًا أن إيفان وسالار في هذه اللحظة ما يزالان بسبز، وكذلك أرسلان...
أما عن نسائهم فهن في أمانته لباقية اليوم حتى ينتهي كل هذا، أو حتى تنتهي حياتهن ..
اتسعت بسمته بقوة وهو يتذكر الأخبار التي وصلت له قبل ساعات قليلة حينما بشره أحد رجاله أن جميع الملوك ابعدوا نسائهم عن سبز وسلموهم للجنود ...جنوده الأحباء ورربما هن الآن يتلقين ضيافة مشرفة مع بعض رجاله في الجحر ....
وستكون هذه بطاقته الاخيرة التي يستخدمها أمامهم..
وهذا ما حدث، ففي اللحظة ذاتها التي كان أصلان يزحف بجيوشه صوب سفيد، كان رجاله يتحركون مع النساء بعدما تعدوا على المواكب الخاصة بالملكات في الطريق وقتلوا من قاومهم واخذوهم صوب الجحر ..
والآن على مشارف سفيد توقف هو ورجاله يحدقون بأسوارها في طمع وجشع، غامت عيون أصلان بمشاعر عدة قبل أن ترتسم بسمة واسعة غير مبررة على فمه وهو يهتف بصوت مسموع ..
_ وصفوكم بالذل ونبذوكم من ديار أنتم أحق منهم بها، والآن يا رجال حانت ساعتهم واتتكم لحظة انتقامكم على طبق من ذهب، أتضيعونها ؟؟
فجأة رجت الإرجاء صيحات وتهليلات قوية كادت تسقط اسوار سفيد لحدتها، الجميع يهلل ويهتف بالنصر وقد اشتعل الحماس في الصدور، لا يبصرون أبعد من نصرهم الوشيك .
أما عن أصلان فقد ابتسم بسمة أخيرة قبل أن تتلاشى ويهتف بجدية وصوت صاخب رن في الأجواء حوله بقوة :
_ إذن دكــــــــــــوا حصون سفيد....لا تزروا منهم فردًا، اغسلوا سفيد بدمائهم .
وبمجرد أن نطق تلك الكلمة اندفعت جيوش أصلان صوب الجدار الذي يحيط سفيد من الخارج يندفعون للبوابات يحطمونها تحت وطأة دفعهم في دقائق معدودة ...
ومن بعدها فُتح الجحيم على كل من بسفيد .
اندفع أصلان بجيوشه للبلاد يعيث الخراب بكل خطوة يخطوها داخل البلاد، يحطمون كل ما يقابلهم ويدمرون كل ما يقف في طريقهم .
اندفعت النشوة والحماس داخل الصدور وهم يبصرون تقدمهم السلس صوب القلعة الخاصة بسفيد، كانت الصدمة من يسر ما يحدث تعمي العيون عن غرابة وسهولة دخولهم البلاد .
وطوال طريقهم في العاصمة لم يبصروا مقاومة من شخص واحد حتى، لم يوقفهم أحد ولم يعترض طريقهم أحد، وهذا ما لم يدركوه في غمرة نصرهم التي تحيط بهم وتغشي عيونهم .
واصلان فقط الوحيد الذي كان متحفزًا بشكل غريب، يراقب المكان حوله يترقب مريب ينتظر حركة غريبة لينتفض برجاله، هو متيقن أن لا أحد يدرك خطته بالتوجه لسفيد بعدما أشاع أنه سيتوجه لسبز اولًا، إذن ما هذا السكون الغريب ؟؟
فجأة ومن بين أفكاره التي كانت تدور برأسه وحينما وصل لمنطقة قريبة من سفح الجبل الذي يقبع على قمته قصر سفيد توقف بجيوشه حينما سمع صوتًا مريبًا .
رفع كفه في الهواء يوقف تقدم رجاله وقد بدأت عيونه تدور في المكان على جميع الاتجاهات بحثًا عن مصدر الصوت .
وقبل أن يتحدث بكلمة واحدة اتسعت عيونه حينما أبصر سهمًا يخترق صدر الرجل الذي يقف تحديدًا جواره، تصلب جسد أصلان وهو يرفع عيونه ببطء صوب الطريق أمامه، لكن فجأة تراجع بقوة للخلف حينما أبصر سهمًا آخر يتوجه صوب الرجل من الجهة الأخرى جواره .
لتعم فجأة فوضى عارمة في المكان حينما أبصر الجميع راميين سهام سفيد يملئون الجبل أمامهم وخلفهم تعلو اعلام سفيد يتقدمهم دانيار الذي ابتسم بشكل مرعب وجواره يقف تميم الذي مد يده بشيء صغير، يلوح به في الأفق وفجأة القاه في الهواء بقوة لتتحرك عيون الجميع بترقب صوب ذلك الشيء الذي ألقاه تميم، وقبل محاولة فهم ما يحدث .
كان دانيار يحمل يضع خمس سهام في قوسه، ومن ثم أمسك شعلة يشعل بها السهام وفي ثواني اطلقهم صوب الكرة التي ألقاها تميم في الهواء، وما هي إلا غمضة عين وكانت سماء سفيد تسقط أمطار كالنيران على الجميع أسفل الجبل لتعلو صرخات الرجال برعب مما يحدث .
ابتسم دانيار بسمة واسعة :
_ كان الأمر يستحق تفجير قصر سفيد مئات المرات تميم .
راقب تميم نتيجة قنبلته العزيزة التي كلفته سنوات طويلة وتفجيرات أكثر ليصل لهذه النتيجة، يردد ببسمة جامدة:
_ جميلة ها؟؟
كان أصلان يراقب ما يحدث وهو يختبأ خلف درعه وقد بدأ جميع رجاله يحتمون بالدروع يتجنبون النيران التي بدأت تسقط عليهم من السماء، وحينما هدأ الأمر رفع أصلان عيونه لهم وقد بدأ صدره يرتفع بشكل مرعب يبتسم لهم بسمة صغيرة .
وقبل أن يتحدث بكلمة يأمر جنوده بالتراجع للخلف حتى ينفذ هجمته المخطط لها وقد كان يعلم ما سيلاقيه منهم واستعد لكل خطوة .
رفع يده في إشارة معروفة وهو يشير لهم بالتراجع لتنفيذ خطته بالمراوغة .
أبصر فجأة أعلام سوداء تلوح في الأفق وأعداد غفيرة تتقدم صوبهم يحملون أعلام مشكى، يتقدمهم المعتصم الذي كان يتشح بالسواد ولا يظهر منه سوى عيونه .
تراجع أصلان بجيشه للشرق وهو يمرر عيونه على جيوش مشكى التي تتقدم صوبهم بشكل مخيف وكأنهم اشباح جميعهم يتشحون بالاسود.
وفي ثواني كانت أعلام آبى تلوح في الأفق وجيوش ابى تسد مخرجهم الثالث من الشرق، لكن الصدمة الأكبر كانت أن من تقدم جيوش آبى هو سالار و ...نزار .
نزار الذي كان في هذه اللحظة قد تناسى سوء حالته الصحيه وكل جروحه، فنيرانه أشد من وجعه، ونيرانه لن تنطفأ إلا حينما يبصر جسد أصلان يتقطع أمامه..
يراقبه وعيونه لا تبصر في المكان سوى أصلان فقط، وجواره يقف الوليد وهو يبتسم له .
كان يراه، يرى جسد أخيه وهو يلوح له بيده مبتسمًا، اشتدت ملامح نزار بشكل مفزع وقد غامت عيونه بدموع مقهورة يضغط على سيفه بقوة، يتنفس بصوت مرتفع وقد أقسم بربه ألا ينتهي هذا اليوم إلا حينما يقتص لأخيه ..
وعلى عكس المتوقع اتسعت بسمة أصلان بقوة :
_ أوه ما زلت حيًا ؟؟ أنت عنيد حتى أكثر من أخيك .
صمت وهو يبصر عيون نزار التي كانت حمراء بشكل مرعب، وهو ينظر له بهدوء قاتل ..
أما عن أصلان فلم تسمح له نفسه أن ينحني حتى أو يظهر خوفًا على مرأى منهم، لذا إن كان محتمًا عليه أن يموت، فليحطمهم قبل أن يفعل .
_ كان الوليد عنيدًا حتى وقت موته، ظل يتشبث بالحياة بعناد غريب .
انتفض صدر نزار بقوة وقد اهتزت عيونه ليدرك أصلان أنه أصاب وترًا داخله :
_ نعم كان مايزال حيًا حينما رحلت، ظل يتنفس بعناد، كان ليعيش بعد تلك الطعنة فهي لم تكن بهذا السوء على أية حال كانت فقط مؤلمة، وأنا....لم يهن عليّ تركه يتعذب بهذا الوجع طويلًا نزار، فقدمت له خدمة لا اقدمها للكثيرين.....الموت الرحيم، فصلت رأسه عن جسده بالكامل لأتاكد أنه لن يتألم بعدها أبدًا .
سقطت دمعة من عيون نزار دون شعور رغم ملامحه المنقبضة، اندفع القهر في صدره وملئ قلبه، ورغم كل ما يدور في داخله إلا أن لا شيء انعكس على ملامحه سوى غضب ...غضب مرعب كان ينبأ بعاصفة قادمة.
_ والآن اعزائي لا تعتقدوا أنكم انتصرتم، فحتى لو فزتم في معركة، فالحرب لم تنتهي، يكفي أنني إن غادرت سأترك لكم أثرًا مني، كل منزل احترق وكل جثة سقطت وكل حجر انهار من المنازل وكل عزيز فقدتم ....
قال الكلمة الأخيرة وهو ينظر صوب نزار ومن ثم أكمل:
_ كل هذه انتصارات لن تُمحى ولن يُمحى أثرها ولو عشتم اعوامًا فوق اعوامكم .
ختم حديثه وهو يبصر بطرف عيونه وصول الملوك جميعهم عدا ازار وقد تقدم كلٌ جيشه ..
والصمت حل على الجميع، وقد تحول سفح جبل سفيد لساحة حرب ستكون الأخيرة.
أخرج أرسلان سيفه بهدوء من غمده وهو يلوح به في الأفق في إشارة منه بالاستعداد، وبالفعل بمجرد أن أخرجه سمع الجميع اصوات استلال السيوف يعلو في المكان ..
أما عن سالار فقد ابتسم بسمة صغيرة وهو يخرج سيفيه يحركهم في الهواء وكأنه يجهز مطحنة ستقطع كل من يقترب منه .
يجواره إيفان الذي شدد قبضته على سيفه وهو يتابع المكان بأعين باردة كالصقيع مخيفة .
وبارق جوارهم يحمل بين يديه سهامه وفي غمده استكان سيفه براحة ..
بينما أصلان فقد أخرج سيفه وهو يحرك عيونه في أوجه الجميع يهتف بصوت غريب :
_ هذه الحرب إن انتهت بخسارتي، فلن تكون خسارة لي وحدي اقسم لكم بذلك، وفي هذه اللحظة التي تحيطونني بها، يحيط رجالي بنسائكم وممالككم ........
صدر صوت ساخر من حنجرة أرسلان الذي تحدث بصوت حاد وصل لمسامع الجميع :
_ في هذه اللحظة التي نحيطك بها يكون الملك ازار قد أحاط بالحجر وقطع أطراف رجالك الذين كانوا ينتوون التحرك للمالك، ونفسها هذه اللحظة التي نحيطك بها تتجهز النساء لأجل زفافي الذي سنستخدم به دمائك لكتابة دعواته .........
صمت أرسلان ثواني وهو يبصر نظرات الاستنكار التي هربت من عيون أصلان، ليهتف له بسخرية :
_ هل ظننت بكل حمق أننا سنسمح للنساء بالسفر مع الجنود؟! المواكب التي أخذها رجالك للاستمتاع بمن فيهن لم يكن بهم أي من نسائنا بل كان بها.....
صمت قبل أن يلقي كلمته ببسمة واسعة :
_ والدتك يا قلب والدتك.
اتسعت عيون أصلان وقد سحهب وجهه بعدم ينظر في وجه أرسلان الذي ازدادت بسمته اتساعا :
_ وهذه ليست سبة معتادة مني، بل كانت والدتك بكل ما للكلمة من معنى.......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل ساعات طويلة من كل ذلك ...
تحرك سالار في المكان وهو يستمع لكلمات أرسلان الذي بدأ يرسم الخطة وهو فقط يستمع بهدوء شديد قبل أن تتسع بسمته بشكل غريب، وهو يتحدث بصوت خافت :
- يبدو هذا جيدًا لي، لكن دعني أضف بعض لمساتي السحرية .
ابتسم له أرسلان بمزاح :
_ أحب لمساتك حينما تعلو تلك النظرة المختلة عيونك، على الأقل هناك من يفكر بشكل صحيح في سفيد بعيدًا عن حياة الحكماء .
قلب إيفان عيونه بسخرية وملل، بينما سالار بدأ يعرض وجهة نظره ويضيف بعض النقاط على حديث أرسلان لتعلو نظرات الجميع الانبهار .
ويتحدث بارق بموافقة :
_ يبدو هذا ... أكثر من مناسب لي، إذن سأتحرك بجيوشي صوب الجحر و...
تحدث آزار والذي كان صامتًا بروح منطفأة وثأر مشتعل:
_ أنا من ...سيذهب للجحر، لا أحد سيذهب هناك سواي، سوف اذهب لأنتشل جثمان ولدي لأكرم مثواه .
نظر له بارق ثواني بحزن شديد عليه ولأول مرة يبصر انكسارًا في عيون آزار وقد بدا أنه فقد جزءًا من روحه لن يستعيده بسهولة .. أو ربما أبدًا .
تنهد سالار بوجع لأجل خاله وهو ما يزال لا يصدق ما سمعه منذ ثواني ونيران صدره مشتعلة بقوة :
_ إذن تقود جيوش سبز وتذهب أنت خالي، لا نريد أن نثير الشكوك لخروجك من هنا وإحضارك جيوش آبى، ونزار ...
صمت وهو ينظر صوب نزار :
_ أنت ستظل هنا و....
_ لن يحدث، أنا من سأقود جيوش آبى، لن انسحب من حرب تطفأ نيران صدري .
تعجب الجميع من كلماته ليتحدث أرسلان بصوت يحاول جعله هادئ قدر الإمكان:
_ نزار أنت ما تزال خائنًا في عيون الجميع، كيف تقود رجالًا لا يرونك سوى خائنًا ؟؟
نظر له نزار وهو يدرك أن أرسلان محقًا، فهو لم يبرأ ساحته أمام الجميع بعد، ما يزال حقيرًا في أعينهم، لكنه ورغم كل ذلك لن يتخلى عن حربه ولو اضطر ليذهب وحده ويقود جيشًا لا يتكون سوى منه .
أبصر سالار أفكار نزار التي كانت واضحة بشكل كبير على ملامحه ليشفق عليه، ورغم أنه لم يكن بهذا القرب من نزار إلا أنه يومًا لم يتوقف عن اعتباره شقيقًا له، لذا تحرك صوبه يضغط على كتفه بمؤازرة .
_ سأذهب معك .
رفع له نزار عيونه بصدمة ليبتسم له سالار وهو سربت على كتفه :
_ سأذهب معك لسحب جيوش أبى وأخبر الجميع أن لا قائد لهم سواك أخي.
هز إيفان رأسه بموافقة وقد كان هذا هو الحل الأسلم، فجنود ابى لو كانوا يثقون ويطيعون أحدهم غير الملك آزار وسابقًا نزار، فهو سالار ...
ابتسم له نزار بإمتنان، ليهز له سالار رأسه بدعم قبل أن يعلو صوت أرسلان الهادئ والقلق في باطنه :
_ الآن الجزء الأهم...ماذا عن النساء ؟!
نظر له الجميع بهدوء ليتحدث سالار باقتراح :
_ اقترح أخذهن لآبى فسبز الآن خطرة وكذلك سفيد، وربما مشكى أو آبى، لكن آبى سيكون أفضل لوجودي ووجود نزار معهن في الطريق وكذلك هي الأقرب لنا هنا .
_ خروج المواكب سيثير الشكوك وقد يخمنون معرفتنا نيتهم، وربما يتسبب هذا في تعرضهم للخطر.
كان هذا صوت إيفان الذي خرج عن صمته يوضح لهم الصورة، لكن صمته لم يطل إلا وخرج لهم بالحل الفوري وهو يبتسم بسمة خبيثة غريبة :
_ ربما يمكننا استخدام المواكب كتضليل جيد لخروج نزار وسالار مع النساء .
نظر له الجميع بعدم فهم ليبدأ هو بشرح فكرته بإرسال المواكب فارغة معهم، في الوقت الذاتي الذي يتحرك به سالار ونزار مع النساء من الطريق الخلفي للقلعة .
لكن أرسلان ما كان ليمرر خطة كهذه دون وضع لمسته :
_ إذن ألا هذا الوسخ أصلان عزيزًا .
نظر له الجميع بعدم فهم، لكن بارق تحدث بهدوء وهو يفكر :
_ بلى والدته تقطن في أحد الأحياء في سبز هنا هذا ما علمته مؤخرًا بعد بحث طويل خلفه، كان الحقير يخفيها عن الأعين.
اتسعت بسمة أرسلان بخبث شديد ليشعر الجميع بريبة من أفكاره المريبة والغريبة التي يخرج بها في كل ثانية .
وقد كان فلم يبخل عليهم أرسلان بخطته وهو يسمعهم ما فكر به، وبعد دراسة الأمر من جميع النواحي، وتأمين المرأة لضمان أن سوءًا لن يمسها وفقط ستكون بطاقة لتحطيم أصلان .
اتفق الجميع على ما سيحدث وخرج سالار لينفذ أول خطوة وهي أنه أرسل رسالته لسفيد مع بعض الجنود الذين يثق بهم، يعلم بها دانيار وتميم أن يفرغوا العاصمة ويأمنوا على شعبها ويزيلوا الجنود عن الحدود ويتجهزوا للحرب .
وكذلك ارسل بعض رجاله بالمثل للمعتصم في مشكى والقائد في أبى، كما أرسل البعض لإحضار والدة العزيز أصلان ووضعها في قصر سبز لحين ينتهي كل هذا، وحينما تأكد أن كل شيء تم كيفما يريد عاد لهم ليكمل الخطة التي وضعوها، لكن بمجرد دخوله سمع صوت بارق يهتف بجنون :
_ نزار لا تثر جنوني أي زواج هذا الآن ؟؟ هل ستتزوج ابنتي والحرب على الابواب .....
رفع سالار حاجبه وهو يغلق الباب خلفه بهدوء يتابع ما يحدث ببسمة غريبة ونزار كان الاصرار يملئ عيونه وهو يردد كلماته :
_ لن اخطو خطوة واحدة خارج هذه الغرفة إلا حينما يسبق اسمي اسم ابنتك ملك بارق ..
اشتعلت عيون بارق بقوة وهو يحدق بآزار :
_ أيها الحقير ما بك صامتًا، تحدث لولدك آزار لقد جن و....
_ هو محق بارق زوجه لابنتك، هل ترى أن بني لا يليق بها أو ما الذي يدفعك للرفض .
حرك بارق عيونه بينهم بعجز وكأنه يحاول الحديث بواقعية بسبب رفضه لهذا الزواج لهذه الطريقة، يتنفس وهو يحاول اخراج كلماته :
_ هي ....ابنتي لم تتعافى بعد مما حدث لها ازار كيف ...ازوجها بهذه الطريقة وبهذا الشكل وقد أنهت عدتها بالكاد ...لا يمكنني أن أجبرها على هذا و....
_ عم بارق اسمعني، أنا.... أنا نلت ما يكفيني حتى الآن، ولن ...لن أرحل من هنا إلا حينما تكون توبة زوجتي أمام الله والجميع، وبعدما ينتهي هذا كله اقسم أقيم لها زفافًا تتحدث عنه الممالك وأحضر لها مهرًا لم يقدم لغيرها من قبل .
التوى ثغر أرسلان بسخرية وهو يضم يديه لصدره بضيق عيونه بهدوء عليهم :
_ نعم وافق أيها العجوز وسنقيم زفافه في مشكى قبلي حتى .
رفع إيفان حاجبه بعدم تصديق :
_ لهذه الدرجة ؟؟ تدعه يتزوج قبلك وأنت عقدت القرآن قبله لقد ظننت أنك لن تنتظر لتتزوج بها .
زفر أرسلان بضيق يشير صوب نزار بغضب :
_ ماذا افعل وهذا الحقير لم يتذكر أنه يريد التزوج سوى الان ؟! سأتركه ليتزوج قبلي حتى أرى ما سيقدمه لزوجته، لأتأكد أن لا أحد سيقدم افضل مني ..
ختم حديثه وهو يبعد عيونه بحنق عن الجميع وقد بدا في هذه اللحظة كشخص عنيد يبحث بين أعمال الآخرين ليقيمهم ويصنع الأفضل.
ضحك سالار بصوت مرتفع على ما يحدث وقد أدرك مقصد أرسلان، بينما نزار لم يهتم بكل ذلك :
_ إذن ما رأيك عم بارق ستزوجني ابنتك ؟!
_ هي الآن ليست ...
_ اسألها، ارجوك اسألها هي ....فقط خذ رأيها.
نظر لهم بارق ثواني بضيق قبل أن يندفع من الغرفة بسرعة تاركًا الجميع خلفه يحدق في ظهره بعدم فهم، نظر أرسلان صوب نزار بضيق :
_ انظر كيف أغضبت العجوز ونحن بحاجة لجنوده الآن ؟؟ هل انتهت الحياة أم وصلنا للقيامة أيها النذل لتصر بهذا الشكل على الزواج وكأن لا غد .
رماه نزار بغضب لينفخ أرسلان وهو يتحرك خارج الغرفة ينتوي الذهاب لإخبار رجاله بالتجهز لنقل الملكة .
أما عن آزار نظر لولده بحنان يتقدم منه يجذبه لأحضانه بحب وكأنه يبحث بين أحضانه عن مسكن لأوجاعه في هذه اللحظة .
وسالار يتابع ما يحدث مع إيفان الذي تنهد يستأذن منهم لإخبار زوجته بما سيحدث تاركًا الثلاثة خلفه وحدهم يحاولون أن يلملموا جروحهم ...
اقترب سالار من نزار يجلس جواره من الجهة الأخرى وهو ينظر ارضًا بصمت تاركًا نزار شاردًا في اللاشيء، قبل أن يقرر التحدث وأخيرًا بصوت مختنق:
_ ربما لم تأتني الفرصة لقول ذلك يومًا، لكنك ... أخي نزار منذ يوم كنتَ رضيعًا صغيرًا هشًا أبكي لحمله بين يدي حتى وأنا لا امتلك القدرة على ذلك مدعيًا بين الجميع أنك أخي وأنا من أحق بحمله فقط ....لم ...لم أفكر يومًا في هذه الحياة أن....اقترب من مكانتك لدى خالي، من الأساس أنا لا أستطيع ذلك حتى إن أردت، أنت...
صمت وهو يرفع رأسه بعد ثواني :
_ أنت أخي نزار، وربما كان الأمر منذ البداية خطأي أنني ومنذ نبذتَ صحبتي ترفعتُ عن الاقتراب منك بكبر احمق ونسيت أنك في النهاية أخي، اعماني الشيطان بكبرياء غبي عن رؤية ما يحدث معك ووحدتك طوال تلك الأيام و....
_ لم أكن وحيدًا كان أخي معي طوال الوقت .
كانت جملة اعتراضية خرجت من نزار دون شعور وهو يدافع عن وجود الوليد طوال الوقت معه، الوليد ومنذ طفولته كان الصديق الأول والاوفى له، كان على استعداد للتضحية بحياته لأجله وقد فعل بالفعل .
نظر سالار صوب أصابعه شاردًا بندم وقد التمعت عيونه بشكل غريب يهتف بصوت مختنق يدرك أن الطريق بينه وبين نزار ليس بهذا اليسر :
_ نعم كان .....كان معك الوليد رحمة الله عليه، عسى أن يتغمده الله برحمته ويتقبل توبته .
رفع له نزار عيونه دامعة وقد شعر لوهلة بأمل يتساءل بصوت مختنق بغصته :
_ هل ...يتقبل الله توبة لم تتم سالار ؟!
نظر سالار لعيونه ثواني يبصر معاناة وألم وقد كان أشبه بسكين يبحث له عن منفذ هواء صغير .
_ لقد قلت أنه انتوى توبته قبل الموت صحيح ؟!
هز نزار رأسه بلهفة وهو يهتف باكيًا :
_ نعم لقد ...انتوى اقسم بالله فعل لقد ....كان سيسلم نفسه لأبي ويُحاكم على كل ما فعل كان ينتوي التوبة، لقد صلى معي مرة بعد انقطاع طويل، كان ينتوي، لكنه ....أدركه الموت قبل كل ذلك .
ابتسم له سالار بحنان وهو يربت عليه بلطف :
_ الوليد لم يكن مشركًا بالله ولم يكن كافرًا، كان يعلم أن الله موجود ويقر بوجوده، هو ضل وذل وزين له الشيطان أعماله وحاد عن طريق الحق وارتكب في نفسه وغيره الكثير، لكنه في النهاية ندم وانتوى توبة لم يبلغها، لذا حكم الدين في الأمر أن أمره كله لله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فقط أكثر له من الدعاء .
بمجرد انتهاء كلمات سالار رنت جملة الوليد في أذن نزار وهو يهتف له بوجع :
" لا تنساني يا اخي، ادعو لي الله أن يغفر لي، فقط تذكرني نزار "
سقطت دموع نزار عند هذه الذكرى وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة بسبب بكائه وقد أدرك سالار أنه يدعو لأخيه، اقترب منه أكثر وهو يفتح أحضانه له بتردد، يمد يده له للمرة الأولى، خطوة تأخرت كثيرًا، لكنه لن يتردد لحظة أخرى.
نظر نزار لذراعيه ثواني بأعين باكية قبل أن يلقي نفسه بها وهو ينفجر في بكاء حاد، وسالار يضمه له بحب يربت عليه ويقبل رأسه بحنان وقد أخذ يقرأ عليه بعض آيات القرآن عن الصبر يربت بها على قلبه ..
كل ذلك تحت أعين آزار الذي كان يجلس جوارهم يراقب ما يحدث بأعين غائمة بالحزن والقهر، ورغم كل ما يحدث ابتسم دون شعور حينما رأى وأخيرًا تقرب ولده من سالار .
لم يكونا الإثنان أعداء من قبل، لكن العلاقة بينهما كانت فاترة بشكل غريب، فعلاقة نزار بأرسلان كانت أعمق من علاقته بسالار وهو لا يبتأس لقرب ولده من أرسلان، بل على العكس يسعد لوجود من يعتبره ولده صديقًا مقربًا له، وكذلك علاقة سالار بإيفان كانت أقرب من علاقته بنزار، والآن وبعد كل تلك السنوات يبصر وأخيرًا بذرة أمل بدأت تطرح في أرض علاقتهما ...
تنفس بصوت منخفض وهو يتمتم بكلمات شبه مسموعة :
_ ليبعد الله عنكما كل سوء، وليغفر الله لك يا الوليد، عسى الله يغفر لك بني، ويسامح والدتك على ما فعلت بنا، لأنني لن اسامحها يومًا ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس في ظلام الغرفة وهي تتنفس بصوت مرتفع بعض الشيء وقد تركتها كهرمان منذ دقائق طويلة مع تبارك بعدما وضعوا لها الاعشاب على قدمها وتحركوا بطلب من أزواجهن ..
ثواني وسمعت صوت الباب يُفتح وخطوات تتحرك داخل الغرفة، خطوات هادئة لا توحي بصاحبها، فتحت سلمى عيونها تبحث بين الظلام عن زائرها، لتغشى عيونها غيمة نعاس وارهاق جعلتها لا تبصر صاحب الخيال الذي يتحرك لثواني .
وحينما فركت عيونها وفتحتها ببطء مجددًا لم تبصر وجهًا، بل أبصرت زهورًا بهية ..نفسها الزهور التي اعجبتها في زيارتها الاولى لسبز وقطف لها أرسلان منها البعض .
رمشت دون استيعاب لما ترى، قبل أن ترفع عيونها ببطء صوب أرسلان الذي كان يبتسم لها بحب شديد، ولو اقسم لها أحدهم ذات يوم أن ارسلان الرجل الذي صرح في وجهها في أول لقاء لهما، بل وتركها تعود وحدها للقصر بكل تعجرف ولم يكن يفوت فرصة قبل أن يعبر عن سخطه وضيقه منها، سيصبح كهؤلاء الرجال الذين يقيظون زوجاتهم على الزهور لأنفجرت في الضحك ساخرة من الخيال الواسع للمتحدث ..
لكن يبدو أن حتى اعتى الرجال لم يصمدوا أمام تيار الحب ..
ولو أخبرها أحدهم أن ردة فعلها على تلك اللفتة سيكون دموعًا وليس بسمات تعبر بها عن امتنانها لظنته يمزح، فهي التي قضت حياتها بأكملها بين الزهور تتأثر الآن لرؤية القليل منهم فقط لأنه هو من قدمهم لها .
سقطت دموعها وهي تراه يبتسم لها بحنان يجلس على طرف الفراش وهو يتحدث بهدوء :
_ أحببتهم كثيرًا آخر زيارة لكِ هنا فاحضرت لكِ المزيد، أعتقد أن الملك بارق سيمنعني في المستقبل من دخول حدائق زهوره .
ضحكت سلمى من بين دموعها وهي تحاول الاعتدال في نومتها، ليساعدها هو بلطف ومن ثم قبل رأسها يضع الزهور على قدمها :
_ اخبرتني كهرمان أن الحروق اشتد وجعها عليكِ .
نظر لها بحب وهو يصفف خصلاتها بأنامله :
_ عساه العالم بمن فيه، عساه أنا ولا تتوجعي أنتِ لثانية سليمى .
امسكت سلمى كفه تقبلها بحب وامتنان على دعمه لها :
_ فقط قليلًا لا تقلق ارسلان .
تحدثت سريعًا وهي تغير دفة الحوار بعيدًا عن جروحها التي ترى كيف تؤثر عليه بالسلب وتتسبب له في حزن واضح .
_ إذن انتهيت من الاجتماع ؟؟
نفى برأسه وهو يتنهد بصوت مرتفع لا يعلم كيف يبعدها عنه، ولولا أن سالار ونزار سيكونان معها والله ما تركها تتحرك خطوة واحدة دونه .
_ بل بدأنا للتو، لكن قبل حدوث أي شيء علينا إبعادكم عن هنا .
_ ابعادنا ؟!
_ أنتِ وكهرمان وزوجة سالار وكذلك الأميرة توبة، علينا إبعادكم عن أي خطر قد يطالكم، لذا جئت اساعدك لتتجهزي للتحرك معهم صوب آبى .
نظرت له بعدم فهم ليبدأ هو يشرح لها بايجاز ما سيحدث، وهي فقط تستمع بعيون متسعة وقد بدأت ضربات قلبها تزداد رعبًا من القادم، الحروب لم تكن يومًا بمزحة، وهذا زوجها لن يشارك فقط، بل سيقودها .
_ حبيبتي لا تنظري لي بهذه النظرات، ولا تخافي والله سأكون بخير، ما كان الله ليخذلنا ونحن نعلي راية الحق، الله خير حافظ حلوتي .
اشتد قلق سلمى قبل أن تنفجر في بكاء حاد وهي ترتمي في أحضانه تجذبه لها برعب كبير :
_ أرسلان سأموت إن مسك سوء، لا تفعل ارجوك، اعتني بنفسك لأجلي..
_ ستكون المرة الأولى في حياتي التي أذهب بها لحرب واتوق للعودة، ستكون المرة الأولى التي امتلك بها شيئًا يدفعني للعودة مهرولًا، لذا اعتني بنفسك لأجلي سلمى وسأعود لأقيم لكِ زفاف يتحاكى به الجميع لأجلك حبيبتي .
ابتسمت له بحب وهي تهمس :
_ احببت هذه النسخة منك، أتساءل كيف تكون في الحروب، رأيتك سابقًا تقاتل كنت مرعبًا .
_ صدقيني ذلك أرسلان لا أحبك أن تبصريه، فأنتِ لكِ مني نسختي اللطيفة .
نظرت في عيونه وهي تهتف بلهجتها البرتغالية التي تسحره رغم أنه لا يفهمها لكنها تثير به مشاعر غريبة، حتى أنه فكر في مرة أن يجلسها أمامه لتتغزل به بتلك اللغة، ليس لأنه أحب اللغة فهو لطالما فضل العربية حتى على لغته الأم الفارسية، لكنه أحبها لأنها منها، وتليق على شخصيتها الشرسة الاخرى .
ابتسم وهو يسمعها تردد بلغتها وعيونها تلتمع بشكل غريب :
_ آه لو تدرك كم أن تلك النسخة منك مثيرة للغاية .
_ تتغزلين بي ؟؟
_ شايد ...
أطلق أرسلان ضحكة مرتفعة وهو يميل عليها يجذب رأسها من الخلف وهو يقربها منه بنفس الوضعية التي يتخذها كل مرة وكأنه يناطحها يهتف بنبرة لطيفة لا تلائم الوضعية التي يتخذها معها الآن .
_ اشکالی نداره، هرجور که دلت میخواد با من لاس بزن، من مال توام ( لا بأس تغزلي بي كيفما شئتي فأنا كلي ملك لكِ )
ابتسمت له وهي تهتف بعيون عاشقة :
_ دوستت دارم.
تنهد أرسلان بصوت مرتفع وهو ينظر لعيونها بحب وبسمة ساحرة ارتسمت على فمه وهو يضم وجهها بين قبضته ينظر لها نظرة وداع مؤقتة وكأنه يخزن أكبر قدر من محياها داخل ذاكرته لتكون معينًا ومحفزًا له للعودة :
_ من هم تو را دوست دارم.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت في طريقها للخروج من الجناح الخاص بها قبل أن يوقفها طرق الباب، ثواني أذنت للطارق فابصرت والدها يتحرك الداخل ببسمة صغيرة وهو يهتف بحنان يفتح لها ذراعيه :
_ حبيبتي .
تحركت توبة صوب احضان والدها وهي تلقي نفسها بينها ترتشف من حنانه ما يعينها على الثبات في ظل ما يحدث من حولها .
ظلت دقائق طويلة داخل أحضانه دون التحدث بكلمة واحدة، وهو فقط يضمها بحب شديد، يربت على ظهرها بلطف وحنان قبل أن يقرر قطع تلك اللحظات الصامتة ويهتف بصوت خافت :
_ ذلك اليوم الذي جاءني به أنمار طالبًا ايدك ابنتي لم أشعر للحظة واحدة بالراحة، لكنني ارتأيت أن آخذ رأيك وحينما أبصرت منك موافقة لم أجد بدًا من القبول ..
غشى عيون توبة ندم قاتل وهي تحاول تجاوز ذلك الجزء من حياتها ليكمل بارق والذي انتبه بنظراتها :
_ شعرت أن ذلك الرجل ليس الزوج الذي تخيلت نفسي ازفك إليه، ليس مبهرًا كفاية ليفوز بجوهرتي الغالية، لطالما حلمت أن اسلمك لرجل تحسدك النساء عليه ويعاملك معاملة تليق بأميرتي ..
ابتسم بحنان وهي تبكي دون صوت ولم تبصر أمام عيونها في هذه اللحظة سوى نزار وهو يبتسم لها ويستفزها، يحميها ويحيطها بوجوده طوال الوقت ...
صوته وهو ينطق " سمو الأميرة " كما لو أنه يدللها لا ينطق لقبها، أغمضت عيونها بقوة وهي تحاول الخروج من حالتها والتركيز مع والدها الذي أبصر شرودها ليبتسم وهو يبعدها عنه بلطف يمسك ذقنها بحب :
_ سبق وسألتك إن جاءك رجل مناسب فما رأيك وأخبرتني أنكِ يومًا لن تقبلي بتكرار التجربة مجددًا، ماذا إن كان ذلك الرجل هو نفسه الرجل الذي تمنيته لكِ، رجل دمث الاخلاق سيعتتي بكِ كما يعتني بجوهرة هشة، الرجل جاءني يجدد عرضه ويرغب بكِ زوجة له اليوم والآن فما رأيكِ .
شعرت توبة بالوجع وهي ترى سعادة والدها بذلك الرجل، لكن ماذا عن قلقها هي، هل تلقي بنفسها مرة ثانية بين أحضان رجل آخر غير ذلك الذي أحبته ؟!
_ أبي أنا فقط لا يمكنني أن....
_ حسنًا الأمر بيدك يا ابنتي لكن أنتِ لا تريدين احزان آزار صحيح ؟!
نظرت له توبة بعدم فهم :
_ العم آزار وما علاقة العمل ازار بـ
صمتت وشعرت وكأن قلبها هوى ارضًا والمكان يدور بها وقد صعب عليها أخذ أنفاسها بشكل طبيعي :
_ كيف لا علاقة له ؟! أوليس نزار ولده ؟! بالطبع سيحزن إن رفضتي ولده للمرة الثانية .
شعرت توبة في هذه اللحظة أن قدمها لم تعد تحملها وكادت تهوى ارضًا لولا يده والدها الذي امسكها بفزع يضمها له بخوف :
_ بسم الله، ما بكِ يا ابنتي، جسدك يرتجف ......
رفعت عيونها لوالدها وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي تهمس اسمه بصوت خافت مرتجف وكأن قلبها هو من ينطقه وليس لسانها :
_ نزار ....نزار تقدم لـ للزواج مني ؟؟
_ مرتين، الرجل جن يا ابنتي واقسم بالله ألا يتحرك خطوة ولن يذهب للحرب إلا حينما تصبحين زوجته، فماذا تريدين أنتِ ؟! أتشفقين على المسكين وتقبلي، أم نرفضه للمرة الثانية ؟!
نظرت له توبة ثواني بأعين متسعة ووجه شاحب وقد بدأ جسدها يرتجف، وفجأة انفجرت في بكاء حار لا تصدق ما تسمع، وقد منحت توبة والدها للتو اغرب رد لعروس حين أخذ رأيها في زواج، انفجرت في بكاء وهي تهتف من بين دموعها:
_ هل ....هل أنت صادق يا ابي، بالله عليك أخبرني أنني لا أحلم ؟!
ارتجف صدر بارق وهو يجذب ابنته بين أحضانه، وإن كان يعارض عقد القرآن في هذا الوقت ولو بنسبة صغيرة فهو الآن يقسم أن الحقير نزار لن يخطو خارج غرفته إلا حينما يزوجه ابنته حتى لو كان يرفض الأمر من الأساس، الحقير سرق قلب صغيرته لتهيم به لدرجة البكاء بعدم تصديق حينما علمت أنه تقدم للزواج منها .
_ نعم يا قلب ابيكِ، الرجل يكاد يهيم على وجهه بين الممالك لأجل أن توافقي عليه، وقد طلب عقد القرآن الآن .
حاولت توبة التنفس بشكل طبيعي من بين شهقاتها وهي تبتسم بسمة غير مصدقة :
_ أنا.... أنا... موافقة أبي .
ضحك بارق بحنان وحب :
_ نعم يا قلب ابيكِ هذا واضح حبيبتي، ماذا فعل بكِ ابن آزار هذا ؟؟ الآن يأتي ليسلبك مني ؟! أين كان كل تلك السنوات ؟!
نظرت توبة ارضًا بخجل وهي تعض شفتيها ليبتسم لها بارق بحنان وقد تنفس واخيرًا براحة، فهو ليس بالاعمى ليغفل عن عشق ابنته لنزار، لقد كادت تفقد وعيها من شدة البكاء حينما أبصرت حالته، توسلته وكانت على استعداد لتوسل العالم بأكمله ليسامحه .
تنفس بصوت مرتفع وهو يبتعد عنها يمسح دموعها بحنان ومن ثم انزل غطاء الوجه يمد يده لها بحنان:
_ جاهزة لنعطف على ابن آزار ونمنحه هدية العمر، توبتي الحبيبة ؟!
نظرت توبة ليد والدها ومدت له يدها المرتعشة وهي تمسك بكفه تخفض وجهها بخجل قبل أن تومأ بنعم .
ولم تشعر بما حدث سوى أنها ظلت مخفضة لرأسها طوال طريقها صوب الغرفة التي يقبع بها نزار تدخلها بصفة وستخرج منها بصفة أخرى، لم تكن تمتلك الجرأة لترفع عيونها لأحد حتى لو من وراء حجاب، فقط تسمع صوت الشيخ وهو يعقد القرآن ونزار يردد خلفه الكلمات بصوت جعل صدرها يرتجف ويقيم احتفالات في الداخل .
وطوال فترة تواجدها في الغرفة لم تنطق بكلمة واحدة سوى كلمة غردت بها لتصيب منتصف صدر نزار وهي تقول بصوت خافت :
_ أقبل ...
ومن بعدها اعلنهما الشيخ رسميًا زوج وزوجة ليسمع الجميع زفرة راحة خرجت من صدر نزار الذي هوى على المقعد وقد كان متحفزًا طوال الوقت، ظل ينظر لها دون أن يتمكن من رفع عيونه عنها حتى..
يبتسم دون تصديق ولشدة شروده بها لم ينتبه حتى لخروج الجميع من المكان ليتجهزوا للقادم تاركين له لحظات خاصة مع زوجته .
انتفض جسد توبة على صوت غلق الباب، رفعت عيونها بتعجب وهي تبحث عن الجميع لتبصر الغرفة فارغة إلا منها ونزار ..
فتحت فمها ولم تكد تنطق بكلمة حتى تلاشت جميع كلماتها واندثرت بمجرد أن شعرت بيده تمتد لجذبها صوب صدره بقوة يدفن رأسه في رقبتها وهو يطلق آهٍ طويلة وكأنه يتنفس واخيرًا بعد سنوات من الغرق .
_ قلبي ...سيتوقف، هل يمكن أن يموت المرء فرحًا توبة ...
رفعت توبة يدها تزيح الغطاء عن وجهها، ومن ثم رفعتها بسرعة تجذب رأسه لها أكثر بحب وهي تهتف بلوعة :
_ لا أراني الله بك سوء نزار، دامك الله لي ..
سقطت دموع نزار وكأنه لا يصدق أن الحياة من بين كل أحزانه اشفقت عليه ومنحته فرحة اخيرًا :
_ يا ويلي توبة، يا ويلي سيتوقف قلبي، اقسم بالله أشعر... أنه سيتوقف، لا أصدق... لا أصدق لقد ...كدت أموت شوقًا لضمة صغيرة منكِ .
سقطت دموع توبة على كلمته وهي تلف يد حول ظهره والثانية تضم بها رأسه، وقد ظنت أنها ستذوب من الخجل أمامه ولن تنطق بكلمة، لكن الآن بين أحضانه ذابت جميع الحدود التي وضعت لهما .
_ نزار ....
همهم نزار بصوت خافت، لتبتسم له بحب وهي تميل مقبلة رأسه تشعر بدموعه ووجه وقد جاءتها الفرصة اخيرًا لتواسيه:
_ انتهى كل شيء عزيزي، انتهى كل شيء .
_ لم يعد يعنيني من الحياة شيئًا، سوى أحضانك توبة .
صمتت وصمت وكأن كل منهما يرتشف اكسير حياته من الآخر، نزار واخيرًا يتنفس بعد أيام من التخبط، وهي واخيرًا تشعر بأنها وجدت شاطئها ومرساها بعد سنوات من محاربة الامواج .
" وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ {البقرة:216}.
ظنت توبة حينما اختطفها أنمار وابعدها عن بلادها أنها ستكون نهايتها، ونهاية حياة اعتادت عليها، ولم تدرك أن العسر يتبعه يسر، وأن بلائها كان يخفي بين طياته عوضها ..
نزار الذي ظهر لها من العدم في الجحر ينتشلها من بين أياديهم يدافع عنها بضراوة، يخفيها عن اعينهم جميعًا، يحبسها داخل كوخ صغير وجلس عليه حارسًا، يمرر كلماتها اللاذعة ويتجاهل مزاجها العكر، ويتغاضى عن حديثها اللاذع ببسمة صغيرة .
نزار الذي كان ظلها في ذلك الجحر، الرجل الذي كان رفيق الطفولة، وتلاشى بعدها من حياتها ببساطة ليصبح ضبابًا كما لو كان حلمًا طفوليًا جميلًا، لتضل في مراهقتها وشبابها بعده، الرجل الذي كانت تبصره في زياراته مع والده ولا يصدر منها سوى هزة رأس باردة وانحناءة احترام صغيرة وبسمة مرحبة وكلمات مقتضبة كـ " مرحبًا بك سمو الأمير" .
ذلك الرجل القريب الغريب يسكن الآن أحضانها يتنفس وكأنه إن ابتعد سيفقد حياته، ذلك الرجل الذي كانت تحييه بالأمس ببرود، الآن تضمه بحراره بعدما اضحى زوجها.
_ كم كنت احمقًا حينما لم أبصرك قديمًا، والله ما كنت تركتك يومًا أسفل سقف قصر سبز، لكنت اختطفتك من والدك واسكنتك قلبي ولو حاربت العالم أجمع.
ابتسمت توبة على كلماته وهي تردد بصوت خافت :
_ الله يؤخر كل شيء لوقته المناسب، فمن يدري ربما تزوجتك زواجًا مدبرًا باردًا، وما كان استمر أو تأقلمنا على بعضنا البعض .
_ لا أعتقد أنني سأكون من الغباء الذي يجعلني اتخلى عن أحضانك بعدما سكنتها .
_ كل شيء يأتي بوقته، ما ممرنا به سويًا هو ما جمعنا نزار .
ابتسم لها نزار بسمة صغيرة يتنفس براحة:
_ اشعر بالحقارة لقول ذلك، لكن لكم أنا ممتن لذلك الوسخ الذي ألقى بكِ في ذلك الجحر لأبصرك هناك !!!
تنهدت براحة وهي تحاول التنفس واخيرًا ومازلت لاتفهم كيف ومتى ولماذا، لكنها لم تكن لتضيع لحظاتها المحدودة معه في التساؤل لذا قررت الإستماع، ومن ثم يأتي الوقت لمعرفة كل هذا ..
_ حينما ينتهي كل هذا...سأقيم لكِ زفافًا يليق بكِ سمو الأميرة، سيكون بمثابة فرحتي الأولى في هذه الحياة .
نظرت له بتعجب ولم تكد تتساءل عن زواجه الأول ليقاطعها وهو يقبل باطن كفها :
_ لا يُحتسب، كل ما مر قبلك لا يحتسب .
صمت وهو ينظر لها بأعين ظهرت لمعة حب رغم نزرات الوجع التي تسكن عيونه، مدت كفها تربت على وجنته بهدوء وكأنها تواسيه بصمت، ليغمض عيونه بوجع :
_ دعيني فقط اطفأ نيران قلبي كي يصبح مسكنًا مناسبًا لكِ أميرتي...
ختم حديثه يتنفس بصوت منخفض ومن ثم همس لها بحب شديد :
_ تجهزي توبة سوف آخذك لزيارة مملكتك عزيزتي .
وقبل أن تتساءل عن مقصده سمع الإثنان طرق على الباب يتبعه صوت بارق الذي هتف بهدوء :
_ هيا نزار الجميع ينتظركما في الخارج للتحرك صوب آبى ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الوقت الحالي في سبز وتحديدًا على حدود الجحر :
كان يقود جيوش سبز صوب الجحر واصوات خطواتهم تقذف الرعب في القلوب، واعلام سبز ترفرف في المكان .
هذه المرة لم يكن بارق هو من يقودهم أو حتى قائد الجيوش، بل كان الرجل الذي عُرف قديمًا بين أقدم الملوك بشراسته ودمويته في التعامل مع أعداءه، لم تكن تأخذه رأفة في عدوه حتى لو اظهر استسلامًا أمامه .
توقف آزار أمام الجحر يحدق فيه بأعين مرعبة وهو يبصر الجنود يحتشدون أمامه على وشك التحرك في رحلة صوب الممالك الأخرى..
ابتسم آزار وهو يحرك سيفه:
_ ذاهبون لمكان ما ؟!
توقف قائد الكتيبة وهو ينظر خلفه للرجال بريبة من وجود جيوش سبز في هذا المكان وهذا الوقت تحديدًا ومن المفترض أن يكون الجميع مشغول بلملمة ما حدث بعد الانفجارات .
وقبل أن يصدر من قائدهم أي حركة أبصر الجميع سهمًا يستقر في صدره مسقطًا إياه ارضًا .
اتسعت الاعين بصدمة، وازار فقط هبط عن حصانه يخرج سهامه يلقي بها صوبهم دون تفكير ودون أن يبصر أين يصيب ومن يصيب، وحينما انتهى من مخزون السهام الخاصة به سحب سيفه وهو يتحرك صوبهم يقتلهم دون أن يرف له جفن، وقد كان هجومه عليهم بمثابة إشارة لرجال سبز للهجوم فالتحم الجيشين بشكل شرس وكانت الغلبة لهم إذ كانت اعداد جيوش سبز تفوق من تبقى من رجال أصلان عددًا وقوة .
آزار كان في هذه اللحظة لا يبصر أمامه سوى ولده الذي حُرم منه قبل أن يعلم حتى بوجوده، يمسك أحد الرجال من رقبته يهمس له بأنفاس حارة :
_ أين هو ... أين ولدي ؟؟ أين الوليد !!
ارتجف الرجل وهو يحاول النجاة من بين يدي آزار، لكن الأخير كان قد جن جنونه وهو يدفع سيفه في معدة الرجل بجنون :
_ تحــــدث أين هو ولدي ؟؟ أين هو تحدث ؟!
هتف الرجل ببكاء ورعب :
_ لقد ...لقد قُتل و...
_ أعلم أنه قتل أيها الوسخ، أين هو جثمان ولدي، أين هو جثمـــــــان ولــــــدي ؟!
ارتجف الرجل وهو يحاول التحدث بكلمة يشير بإصبع مرتجف صوب إحدى الجهات :
_ خلف ...في الغابة خلف المنازل بالقرب من مجرى المياه لقد الـــ....
لكن لم يُقدر لكلماته أن تكتمل فقد اغتالها آزار وهو يثقب معدته بسيفه ملقيًا إياه ارضًا دون اهتمام ثم هرول في طريقة صوب الجهة التي أشار لها الرجل، وهو يقتل كل من يعترض طريقه .
حتى وصل لمجرى المياه الذي تحدث عنه ذلك الرجل، يبحث بعيونه عن جثمان ولده، يدور بعيونه في المكان يرتجف قلبه من هول الموقف، ما تخيل يومًا في احلك أحلامه أن يفتش بلهفة فقط عن جثمان ولده .
فجأة تجمدت عيونه كما تجمد جسده وكل خلية به وهو يبصر جسد ملقة جانبًا كما لو كان خرقة بالية، سقط سيف آزار وقد امتلئت عيونه دموعًا وهو يجر قدمه بصعوبة صوب الجثة التي كانت ملقاة بشكل اوجع قلبه .
يهتف بحرقة وصوت مذبوح باكٍ :
_ بني .
خرّ آزار ارضًا جوار جثمان الوليد وهو يمرر عيونه عليه بأعين ممتلئة بالدموع قبل أن تتساقط وهو يميل عليه يجذبه بين أحضانه يصرخ باكيًا باسمه:
_ لمـــــــاذا ؟؟ لمــــــاذا يا الوليد لماذا ؟؟؟؟؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت صدمة أصلان كبيرة وهو يسمع كلمات أرسلان لترتجف يده يحاول أن يدرك ما يحدث حوله، لكن كلمات أرسلان حول والدته شلت تفكيره وقبل أن يخرج من دوامة صدمته ..
كانت جيوش الممالك بالكامل تطبق على جيوشه لينتفض منتزعًا سيفه من الغمد يلوح به في الهواء يجز عنق كل من يقترب منه .
هنا وبدأت الحرب الأخيرة ......
كان الأمر أشبه بالجحيم الدماء تتناثر والاشلاء تتطاير والاجساد تتساقط ارضًا واحدًا تلو الآخر .
كلٌ يحارب بكل ذرة غضب وقهر داخله، الكل جاء يحمل غصته في صدره، الكل يمتلك ثأرًا لم يبرد بعد.
حرب لأجل الشرف، حرب لأجل كل شهيد سقط، ولأجل كل حجر تدمر ...
سالار الذي هبط عن حصانه يتحرك بين الأجساد يحمل سيفيه وهو يسقط يمينًا ويسارًا كل ثانية جسدين، يضرب هذا يقدمه ويفصل رأس هذا، كان اشبه بآلة جز العشب، كل من يقترب منه يفقد رأسه.
بينما إيفان يحرك سيفه بحركات مدروسة يسقط هذا ويستدير ليسقط ذلك وقد كان البعض يستغل عدم انتباهه لاغتياله من الخلف، لكن إيفان كان يستدير في اللحظة الأخيرة لتكون الضربة من نصيبه .
أما عن أرسلان فقد كان في هذه اللحظة يقاتل كما لو أنها المرة الأخيرة التي ستتاح له فرصة حمل سيف، يتحرك بأعين ملتمعة بالغضب صوب أصلان الذي كان يسقط اعداد غفيرة من جيوشهم ..
ونزار الذي كان يقاتل بجنون لم يبصره احدهم عليه من قبل وقد كان طوال الوقت الحكيم الهادئ، لكنه فقط كان يقاتل وهدفه واحد معروف.... أصلان.
واخيرًا وصل له ليرفع سيفه وهو ينتوي الهبوط عليه بضربة قاسمة، لكن قبل أن يفعل شعر بضربة قوية تصيب ظهره ليطلق نزار صرخة مرتفعة ساقطًا ارضًا يحاول التحامل على نفسه.
في اللحظة التي استدار بها أصلان يبصره ساقطًا ارضًا ليبتسم بسمة واسعة :
_ ضعيف وضيع شأنك شأن أخيك، أتساءل إن كانت تلك سمة مشتركة بين أبناء الملك آزار ؟؟
رفع له نزار عيونه وقد كان جسده ضعيفًا عن المعتاد وهذا ما أثر على قوته، ينهض بصعوبة وهو يمسك السيف بين قبضته يحرك مبتسمًا بسمة ميتة :
_ الوضاعة ؟؟ سيد الوضاعة يتحدث عن الوضاعة، عجبًا، لكن ردًا على سؤالك .....
ختم كلماته وقد اخترق سيفه معدة أصلان بشكل غير متوقع جعل أعين أصلان تتسع بقوة، تمامًا كما حدث مع الوليد، نفس النظرة ونفس الصدمة ونفس الوجع الذي على نظرات أخيه، نفس النظرات التي بردت نيرانه وهو يميل عليه هامسًا بصوت خافت في اللحظة التي يسحب بها سيفه بتمهل وكأنه يمنح أصلان فرصته للشعور بنصل السيف يمر بكل جزء في جسده :
_ الضعف والوضاعة صفة لا تناسب سوى سلالتك، وأبناء الملك آزار هم اسيادك واسياد آباءك أيها الوسخ .
ختم كلماته يسحب السيف تاركًا جسد أصلان يهوى ارضًا يراقبه يصطدم بعنف في الأرض دون حركة واحدة وقد فقد أنفاسه في ثواني ..
ونزار تنفس واخيرًا براحة وقد اقتص لأخيه .
رماه بنظرات قصيرة قبل أن يشعر بمن يقترب منه من الخلف ليستدير يدافع عن نفسه بسرعة يندمج في قتال كانت شديدًا عليه خاصة في حالته السيئة هذه .
تاركًا جثة أصلان خلفه شاخصة الأبصار شاحب الوجه متجمد الجسد، وقد لفظ لتوه أنفاسه الأخيرة، أو ربما لا .........
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحرب لم تنتهي بعد والفوز مصير حتمي .
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .
اليوم الساعة ٩ بتوقيت مصر هيكون موعد نزول الغلاف الورقي لرواية مملكة سفيد في صفحة الدار ( مدينة الأدباء للنشر والتوزيع)
في انتظار رأيكم في الغلاف .