بارت 9 من الجزء الثاني من "بريئة يونس" كان يجلس أمام باب غرفة العمليات، وقلبه يؤلمه منذ أن رآها بهذه الحالة. إنه يلعن نفسه مرارًا، فبسبب غبائه وإرادته أن يوقع بجابر أُصيبت هي. كان يجلس قرب الكرسي القريب من الباب، وكأن روحه لا تريد الابتعاد عن روحها. كان يحرك قدمه بسرعة نتيجة التوتر والخوف، فهي في الداخل منذ ساعة ولم يخرج أي ممرض بعد. شعر بيد توضع على كتفه، نظر ووجده صديقه رائد الذي كان معه في المهمة.
-اهدي. هتبقي كويسة. -ما شوفتش كانت عاملة إزاي. كـ... كنت حاسس إنها تلجة في إيدي. -اهدي. ادعي لها. وإن شاء الله هتبقي بخير. -إن شاء الله. لمح طيف خاله وزوجة خاله وهما قادمين مسرعين نحوه بعد أن اتصل رائد بهم، فهو غير قادر على الكلام. تحدثت روح بفزع على فلذة كبدها: -فين بنتي؟ حصل لها إيه؟ عملوا فيها إيه؟ تحدث كريم وهو يحاول أن يهدئ من ذعرها وبكائها: -اهدي يا روح مش كده. إن شاء الله هتبقي كويسة. -أنا...
عايزة بنتي. يا كريم... هاتلي بنتي! ضمها إليه يحاول أن يهدئها ويهدئ نفسه أيضًا. فقد أخبره رائد أنها في غرفة العمليات ولم يعرف السبب بعد، فقد هرع مسرعًا إلى هنا. -تعالي اقعدي. خدي نفسك براحة. أجلسها على مقعد وبدأ يحرك يده على ظهرها بحنان. أما آدم فقد كان يتابع في صمت وهو ينظر إلى باب العمليات ينتظر خروجها بفارغ الصبر. يقسم داخله أن ينتقم من ذلك المدعو جابر، فقد آذى أحب فتاة إلى قلبه.
مرت ساعات أخرى. كان أيمن يحاول أن يتصل بآدم ليعرف سبب تأخره ولكنه كان يغلق الاتصال ولا يرد، فهو غير قادر على الكلام. نهض بعد أن طفح به كيل الانتظار. كان يتوجه نحو باب غرفة العمليات عندما أوقفه رائد. -أنت رايح فين؟ -هما اتأخروا أوي. بقالهم أربع ساعات. -اهدي. ما ينفعش تدخل. هتعطلهم وخلاص. سحبه رائد ليعود للجلوس مرة أخرى. كان قلبه يود الاطمئنان عليها وأخذها في حضنه. كان والدها يدعوان لها بالشفاء العاجل، وأن تخرج بخير.
وأخيرًا بعد طول صبر خرج الطبيب ولكن... مهلًا تعابير وجهه لا تبشر بخير. نعم فهو يحمل أخبارًا ليست سارة لهم. اتجه نحو آدم بلهفة. -أخبارها إيه يا دكتور؟ ألقى الطبيب نظرًا عليهم ثم تنهد وأخيرًا نطق تلك الكلمات. ******* في فيلا يونس: -لسه أخوك مش بيرد. أنزل أيمن السماعة من على أذنه بيأس ممن يراقبه. -لاء والله يا ماما. -طب هطمن عليه أنا بقى إزاي. جاءت ماري تركض إليهم. -أنتي لسه مش نمتي؟ -آدم فين؟ مش هيحكي لي حدوتة.
تحدث أيمن: -تعالي يا مرمر أحكي لك أنا. رفعت ذراعها لكي يحملها، حملها على ذراعه. -روحي نامي يا ماما. الصبح إن شاء الله هنعرف هو فين. -ماشي. أما أطلع أشوف أبوك ده. بيخلف وينسى والله. -ههههه. الله يعينك عليه. صعد بماري إلى غرفتها. وصعدت أسيل إلى زوجها. كانت واقفة خلف الجدار تتابع ما يحدث. حدثت نفسها بهمْس قائلة: -كلهم ناموا كده كويس. نزلت براحة إلى مكتب يونس. ومن حظها أنه كان غير مقفول بالمفتاح.
دخلت وأضاءت كشاف هاتفها وبدأت تبحث عن أي ورق قد يكون مفيدًا، فقد اتصل بها جابر منذ لحظات وأخبرها أن آدم لن يعود من عمله لأنه مشغول وطلب منها استغلال الفرصة المناسبة والبحث عن أي شيء ينهي شركة يونس. -أنا مش لاقية حاجة. كل ورق وملفات مش مهمة. لفت نظرها الخزانة التي بالغرفة وبها أوراق. تقدمت نحوها ببطء. حاولت فتحها ولكنها كانت مغلقة. همست بغضب: -أوووف. كنت عايزة أخلص. كانت ستبحث عن المفتاح عندما سمعت صوت أيمن وهو
نازل يدندن من على السلالم: -أيوة أنا عارف إن كلامي عنها كتير... أصل حكايتي معاها حكاية حب كبير... ده أنا من يوم ما سابتني وقلبي ما همهوش مرتاح... أسكت ليه ده أنا بس بقول اسمها برتاح. كانت جوليا تنظر إليه من فتحة باب المكتب وتتمنى أن يبتعد حتى تخرج. وما أن دخل المطبخ حتى خرجت وأغلقت الباب بهدوء. وما أن استدارت وتحركت خطوتين: -جوليا. أنتي بتعملي إيه في مكتب بابا؟ -أ... أيمن... أ... أنا كنت... ******** تحدث أخيرًا
الدكتور: -المريضة الإصابة كانت جت في العمود الفقري. وشكلها أخذت الطلقة وهي بتجري. شهقت روح: -يا خبر. حد كان ضارب عليها نار؟ هدأها زوجها: -اهدي يا روح. كمل يا دكتور. -الحمد لله إحنا قدرنا نشيل الرصاصة ونعوضها عن الدم اللي فقدته. زفر الجميع بارتياح وحمدوا الله. ليفاجئهم بقوله: -بس... في احتمال كبير... وأنا ما أقدرش أجزم لسه إنه ممكن يحصل. تحدث آدم بخوف: -إيه هو يا دكتور؟ -ما أقدرش أقول قبل ما هي تفوق. تحدث كريم:
-وهي هتفوق أمتى؟ -هي دلوقتي هتتنقل أوضة عادية. وهتفوق على الصبح إن شاء الله. تحدثت روح ومازالت الدموع في عينها: -ممكن أشوفها يا دكتور؟ -أمممم... حاليًا لاء. ثم غادر الدكتور وعاد إلى عمله. وبالفعل تم نقل ماسة إلى غرفة عادية. -روح أنت يا خالي. كده كده مش هينفع نشوفها دلوقتي. -أنا هفضل معاها. تحدث رائد: -روح ارتاح أنت. ما تقلقش يا عمي. بعد تنهدات استسلم كريم وأخذ زوجته وعادوا إلى المنزل. *********
-كنتي بتعملي إيه يا جوليا في مكتب بابا؟ -أ... أيمن... أ... أنا كنت... قاطعه رن هاتف أيمن الذي أجاب فورًا لأنه شقيقه. استغلت جوليا هذا وصعدت إلى الأعلى ودخلت غرفتها. متمنية أن ينسى أيمن ما حدث. في الأسفل: -ده ماما قلقانة عليك. -مش هعرف أجي خالص. -ليه؟ حكى له عما حدث. -لاء حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهي كويسة دلوقتي؟ -ممنوع حد يدخلها قبل ما تفوق. -ماشي خير إن شاء الله. هبقى أجيلك الصبح.
-ماشي. وابقى قول لماما عشان ما تقلقش عليا. -حاضر. ويا آدم. -إيه؟ -ما تحملش نفسك المسؤولية. -اطلع نام يا أيمن. ********* في الصباح الباكر: كان بجوارها بعد أن سمح له الطبيب بالدخول لها لأنها على وشك الإفاقة. كانت كريم وروح موجودين وأسيل ويونس وأيمن. وماري كانت مع رائد الذي أخبرهم أنه سيبقى معها في الفيلا. بدأت تفتح عينها وكان هو يمسك يدها. -حمد لله على سلامتك يا عمري. -أ... آدم... أ... أنا... فين؟ -أنتي في المستشفى.
تقدم والدها: -حمد لله على سلامتك يا حبيبتي. -الله... يسلمك... يا بابا. تحدثت روح: -حاسة بإيه؟ -كويسة... بس... مش حاسة بـ... رجلي خالص. بهتت وجوههم وأولهم آدم... الذي نهض ليحضر الطبيب. ******** كانت جالسة في غرفتها فليس لديها جامعة اليوم. -أممم... النهاردة يوم ممل كده ليه؟ تحدثت ضحى: -مالك؟ -ملانة. -طب قومي ساعديني في الترويق. -عارفة... مبقتش ملانة. -ههههه... قومي يا بت. سمعت صوت عمر وكان يتحدث في الهاتف: -بجد...
حصل ده أمتى... ربنا يشفي... أنا جاي. أغلق هاتفه ووضعه في جيبه. تحدثت ضحى: -في إيه يا عمر؟ -ماسة. -مالها؟ -في المستشفى... وكانت في العمليات إمبارح. -يا الله... طب استني هاجي معاك. -ماشي... خليكي أنتي هنا يا رغد. -بس أنا عايزة أروح... دي صاحبتي. -خليكي بس عشان الزحمة... يلا يا ضحى. ******* قام الطبيب بفحصها... ثم وجه أنظاره للواقفين. -ممكن نتكلم بره؟ خرج الطبيب وكريم وآدم وأيمن ويونس... وبقيت روح وأسيل مع ماسة.
تحدث آدم: -خير يا دكتور؟ -اللي كنت متوقعه طلع صح. -وهو؟ -للأسف مش هتقدر تمشي على رجليها تاني. نزلت الكلمات عليهم كالصاعقة تشقهم نصفين. لم يشعر آدم بنفسه غير وهو يمسك بملابسه ويصرخ فيه بقوة: -آآآيه اللي أنتي بتقوله ده... يعني إيه مش هتمشي تاااني... يـعني إيه؟ حاول أيمن إبعاد شقيقه عن الدكتور: -اهدي يا آدم... الدكتور ما لهوش ذنب... سيبه. أبعد أيمن آدم عن الطبيب. تحدث الدكتور بشيء من العصبية بسبب فعلته:
-الطلقة جت في العمود الفقري وده أثر بشكل كبير على الحبل الشوكي... وبسبب كده مش هتقدر تحرك رجليها. كان آدم يود الانقضاض عليه مرة أخرى... لا يريد سماع ذلك... ما معنى أن حبيبته لن تسير مرة أخرى... عقله يرفض أن يرضخ لتلك الفكرة. تحدث كريم ودموعه على وجهه: -يعني... ما فيش أمل إنها تمشي تاني؟ صمت الطبيب قليلًا ثم تحدث: -لسه هنشوف... ممكن نعمل لها عملية لزرع حبل شوكي جديد... بس برضه هنستنى فترة... ممكن من خمس لست شهور...
وبرضه نسبة نجاح العملية ضئيلة. هز رأسه بيأس... ابنته لن تسير مجددًا. -شكرًا لك يا دكتور. -هبعت ممرضة بكرسي متحرك لها... هي ممكن تمشي على آخر الليل. غادر الطبيب. نظروا جميعًا لبعضهم بحزن. ربت يونس على كتف صديقه بمواساة: -شد حيلك... خير إن شاء الله. -إن شاء الله... بس أنا... مش هقدر أقولها... ولا روح هقولها إزاي بس؟ تحدث آدم: -أنا هقولها. هز رأسه بالموافقة. دخلوا إلى الغرفة. ********
كانت روح تطالع زوجها الذي كان يبدو حزينًا. تحدثت روح: -هـ... هو الدكتور قال لكم إيه؟ أشار لها كريم بالخروج معه لكي يخبرها. وكذلك يونس أشار إلى أسيل وأيمن بالخروج. بقي آدم واقفًا أمامها عاجزًا عن إخراج الكلام... ولكنه أخبرهم أنه سيقول لها. -آدم... أنت بتبص لي كده ليه؟ اقترب منها وجلس على الكرسي أمامها. -أنت مسكتهم صح؟ نظر لها وإلى خوفها بسبب ما حدث. -ما تفكريش في اللي حصل... أنا هتصرف. تنهدت براحة بعد ما عاشت في رعب.
-أنا... هخرج أمتى... لأني مش بحب قعدة المستشفيات. لم يرد عليها. صمته هذا جعلها تتوتر وتتذكر أن الطبيب لم يخبرها بنتيجة الفحص. -آدم... هـ... هـ... هو الدكتور. قالك إيه؟ نظر إلى عينها التي يتحرك بؤبؤها من الخوف. قالك إيه؟ أنا كويس. لم تكمل جملتها عندما وجدت الممرضة تدفع كرسيًا متحركًا وهي تدخل الغرفة. بقيت عينها معلقة بين الكرسي وبينه، ليعمل عقلها في جميع الاتجاهات. لتهتف وسط دموعها: ده... ده ليا... صح؟
أشار آدم للممرضة بالمغادرة. آدم رد عليا... ده ليا؟ هو أنا مش همشي تاني؟ آداادم... أنا مش همشي تاني! لتُمسك بيدها ملاءة السرير وتبكي بحرقة. ماسة... اهدئي. كان يقترب منها ليهدئها، لكنها هتفت بحزن وألم وغضب شديد: كله بسببك... رجعت ليه؟ كنت مرتاحة... كنت مرتاحة! اطلع بره... بره... مش عايزة أشوفك! ليخرج ليترك لها المجال لتهدأ. ********* كانت جالسة وحدها في المنزل قلقة على صديقتها التي ذهبت والدتها لرؤيتها، وهي بقيت هنا.
أووف... طب محدش رن عليا ليه يطمني؟ بابا وماما مش بيردوا... وأكيد ماسة مش هتقدر ترد. خطر ببالها شخص. أيوه صح... أكيد هيرد. لتُسرع تلتقط هاتفها من على الطاولة وتتصل بأيمن. ******* كلي يا ماري ومتغلبنيش معاكي. لم ترد عليه، تنهد بحزن، فبسبب ما حدث لها في المدرسة وهي بقيت صامتة تمامًا لا تتحدث، ساءت حالتها وبقيت تظل بغرفتها جالسة على فراشها حتى تنام. جلس أمامها. ماري... ماري بصيليلي. رفعت أنظارها له.
وعد مني ولو أكلتي الطبق ده... هجيبلك عصير. برتقالي. ابتسم لأنها تجاوبت معه. أحلى عصير برتقال... يلا كلي... افتحي فمك يلا. بدأت تأكل. دخلت مرة حينها. أكلت؟ هز رائد رأسه. طب الحمد لله دي مأكلتش حاجة من امبارح. هي شطورة وبتسمع الكلام. نظر لها وابتسم. مش كده يا ماري؟ هزت رأسها ببراءة. هروح أنا أشوف الأكل لو عايز حاجة قول لي. ماشي يا خالة. ******* في المستشفى سمع صوت شهيقها عبر الهاتف. ده بجد يا أيمن؟ والله...
ادعيلها ربنا يشفيها. يارب... يعني بجد عليها؟ ابقي كلميها كمان شوية وواسيها. حاضر. يلا مع السلامة. سلام. أغلق هاتفه، وتوجه حيث يوجد شقيقه في حديقة المشفى. كان واقفًا ويضع يده في جيوب بنطاله... وينظر إلى الفراغ. آدم. انتبه على صوت شقيقه. آدم ما تحملش نفسك فوق طاقتها. ابتسم بسخرية. ما أحملش نفسي فوق طاقتها إزاي وأنا السبب في اللي هي فيه؟ يعني ما كانش متـ... أنا ضحيت بيها مقابل أمسك واحد... كان ممكن يقتلها.
كانت بقى لها فترة مُتهددة وأنا مش عارف... أنا إزاي كده؟ كانت هتروح بسببي... أنا غبي جدًا. كان شقيقه سيتحدث عندما سمعوا صوت صراخ وكان صوت صراخ زوجة خاله. هو إيه اللي بيحصل؟ أنت لسه هتسأل؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!