يبحث عنها بعينيه يمينًا ويسارًا إلى أن وجدها أخيرًا تسير بنهاية الشارع. ركض قصي خلفها ليُلحق بها قبل أن تعبر الطريق السريع بحالتها تلك، لكنه تأخر. فقد لمح تلك السيارة تأتي مسرعة، بينما هي قد خطت بقدمها للأمام. ركض مسرعًا بكل ما يملك من قوة، جاذبًا إياها من يدها حتى استقرت باحتضانه قبل أن تصدمها السيارة.
ليكون الوضع كالتالي: تحاوط هي خصره بيدها وتدفن رأسها باحتضانه، تبكي بألم وحزن، بينما هو يحاوطها بيده. صوت أنفاسه اللاهثة من الركض والخوف هو الصوت الوحيد الذي يصدر منه، لكنه بالطبع لم يطغَ على صوت بكائها العالي الذي يمزق القلوب. تمتمت بحزن وشهقات عالية: "س... سيبتني." أفاق على حاله، فأبعدها عنه برفق قائلًا: "يلا خليني أروح." نفضت رأسها عدة مرات قائلة ببكاء: "مش راجعة البيت ده تاني." تنهد قائلًا
بحزن: "سيلين، يلا أرجوكي، كفاية دموع وامشي معايا ع البيت. أبوكي وأمك زمانهم قلقانين عليكي." صرخت عليه بدموع وغضب: "قول بابا عشان أصدقك. أما هي، كل اللي بتعمله فيا ده وتقولي قلقانة عليكي؟ دي كانت بتقتلني كل يوم بكلامها." بالبطيء، تمسكت بمقدمة قميصه قائلة ببكاء وحزن: "سيبتني ليه وسافرت؟ بعدت عني ليه وأنت عارف إن ماكنش ليا غيرك؟ بعدت ليه وأنت عارف إنك الوحيد اللي بأمن ليه في حياتي؟ سافرت ليه؟
قالتها وهي تنظر لوجهه الذي مهما حاول أن يبدو جامدًا، إلا أنه فشل وظهر الحزن بوضوح عليه: "مش أنتِ اللي كنتِ عايزة كده. كنتِ عايزاني أبعد." صرخت عليه بقهر: "عمري ما كنت عايزة تبعد وعمري ما حبيته." تابعت ببكاء يفطر القلوب: "أنا كنت مغيبة، كنت مصدومة لما جيت وقلتلي إنك بتحبني وعايز تتجوزني." سألها بسخرية: "إيه اللي يصدم في كده؟
صرخت عليه بغضب ودموع: "اللي يصدم إن كنت متخيلة إن اللي بتعمله معايا ده كله بدافع الأخوة والصداقة وبس. عمري ما تخيلت إن ممكن ده يكون حب. أنا لحد يوم الفرح مكنتش مستوعبة اللي بيحصل، مكنتش مستوعبة أنا فين ومين ده، وإنك سافرت خلاص ومش هشوفك تاني." صره عليها بغضب: "كفاية كذب." نفضت رأسها قائلة بدموع: "مش بكذب يا قصي، أنا مش بكذب." قبض بيده على كتفيها وأخذ يحركها بغضب: "اومال مين اللي قالتلي ابعد عني وعن حياتي؟
مين اللي جات في نص شغلي تصرخ عليا ابعد عنها وعن خطيبها وأسيبكم في حالكم؟ بكت ولم تجب. أكمل هو بغضب: "مين اللي جات وعملتلي فضيحة بين الموظفين تتهمني فيها بصفات عمرها ما شافتها مني؟ مين اللي رفعت إيدها وكانت عايزة تضربني؟ مين اللي بكل برود بعتتلي دعوة فرحها كغريب وقاصدة توجعني بيها؟ مين اللي اتهمتني وقدمت بلاغ فيا إن اعتديت بالضرب على خطيبه؟ دفعها للخلف قائلًا بغضب وسخرية: "ما تردي، مين اللي عمل كده؟ أنتِ ولا خيالك؟
لم تجب واكتفت بدموعها. فسحبها من يدها لداخل سيارته أسفل منزل خالته، وصعد ليأخذ والدته. أخذ الإذن من والدها حتى تبقى معهم عدة أيام حتى تهدأ. فوافق الآخر بعد إصرار من والدته حتى تبقى معها، وأن قصي سيبقى في منزله المقابل لشقتها. أما أن نزل للأسفل بمدخل البناية، ربتت والدته على كتفه قائلة بفخر: "خير ما فعلت يا بني، تقعد عندنا أحسن ما تقعد عند حد غريب." أومأ لها بصمت واصطحبهم للمنزل وهو يتجاهل سيلين طوال الطريق.
كان قصي بغرفته يلملم أغراضه حتى يغادر للشقة المقابلة له. بينما بغرفة سيلين، انتفضت مكانها عندما شعرت بيد تلمس جسدها بجرأة. انتفضت قائلة برعب ما إن أبصرت الفاعل: "راغب! انتفضت تضم الغطاء لجسدها تحجبه عن عينيه التي تناظرها بكل وقاحة، قائلة بخوف وفزع: "انت بتعمل إيه هنا؟ اقترب منها هامسًا بغل وشر: "جاي آخد روحك يا حلوة." انتفضت قائلة بخوف وهي تنظر حولها: "متقدرش، بابا مش هيسيبك، وكمان... قاطعها قائلًا
بمكر وخبث: "قصي، حبيب القلب مش كده؟ نظرت له بخوف، فقال بتوعد وشر: "وحياة أمك هحرق قلبك عليه." قالت بدموع وهي ترتجف حرفيًا بفزع: "لو قربت منه هقتلك." ضحك بخبث قائلًا: "الأيام بينا يا حلوة، وبكرة تشوف." ثم اقترب منها قائلًا بنبرة بثت الرعب بأوصالها وهو يلعق شفتيه بطريقة مقززة: "دلوقتي بقى خلينا في موضوعنا ده. أنا جايلك مخصوص يا حلوة ومش همشي غير لما آخد اللي عاوزه منك."
تملك منها الرعب وأخذت تحرك رأسها بنفي قائلة بصراخ عالٍ يصم الآذان: "قصي! ركض قصي بخوف على إثر صراخها، ثم فتح باب الغرفة بدون تفكير. ليجدها تنام على الفراش، تحرك رأسها يمينًا ويسارًا، وجهها متعرق بشدة وتهذي بكلمات غير مفهومة، يبدو أنها ترى كابوسًا. أغلق الباب على الفور عندما انتبه لما ترتدي، وتوجه لوالدته التي خرجت هي الأخرى من غرفتها الآن بعدما استمعت لصراخها. أخبرها أن تدخل تجعلها ترتدي شيئًا ليدخل يطمئن عليها.
بالفعل، توجهت لها تجذبها لأحضانها بحنان، والأخرى ترتعش بخوف. مسحت كوثر بيدها على رأسها وأخذت تتلو آيات من القرآن الكريم حتى تهدأ. وبالفعل بدأت الأخرى تسكن بين يديها. فأعطتها كوثر كوب الماء قائلة برفق وحنان: "اشربي يا بنتي." ارتشفت منه سيلين وهي تشعر بتعب شديد، وبداخلها تحمد الله ألف مرة أن كل ذلك لم يكن سوى كابوس. أعطتها كوثر إسدالًا خاصًا بالصلاة قائلة: "البسي ده يا بنتي، قصي بره عايز يدخل يطمن عليكي."
أومأت لها بخجل والتقطته منها ترتديه بحرج، بينما كوثر طلبت من قصي الذي كان يقف بقلق كبير أمام باب غرفتها يريد الاطمئنان عليها بالدخول. تحكم بنفسه متصنعًا الهدوء قبل أن يدخل للغرفة، قائلًا بهدوء: "عاملة إيه دلوقتي؟ اخفضت وجهها بحرج قائلة: "كويسة. أنا آسفة سببت ليكم إزعاج من أول يوم. أنا بكرة هرجع البيت." قاطعتها كوثر قائلة بعتاب: "إيه اللي بتقوليه ده يا بنتي؟
ده بيت خالتك يعني بيتك ومفتوح لك في أي وقت. أنتِ هتقعدي معايا لحد ما تزهقي مني. الواد قصي بيروح الشغل، ما بيرجع غير بليل، نقعد أنا وأنتِ نسلي بعض." أومأت لها سيلين بامتنان. فقال قصي ببرود ظاهري: "أنا كده اطمنت عليكي. بعد إذنك يا أمي، خلي نرجس تنقل باقي الحاجة بكرة على شقتي." سيلين بحرج: "أنا آسفة لأني... قاطعها قائلًا بجدية: "زي ما سمعتي يا سيلين، ده بيت خالتك يعني بيتك، مش مضطرة تتأسفي. تصبحوا على خير."
ثم غادر المنزل بأكمله متوجهًا للشقة المقابلة لهم، ملقيًا بجسده على الفراش يتنهد بألم. ليتها لم تفعل ذلك به، ليتها اكتفت بأنها حطمت قلبه عندما أحبت آخر. بل فعلت ما جعل قلبه غير قادر على الغفران لها بيوم من الأيام. عاد عمار للفيلا ليتفاجأ بفريدة غير موجودة. هي ترفض إخباره السبب، وشقيقه أيضًا كان سفيان يشعر بالخجل من نفسه أن يخبر شقيقه بما فعله. كلاهما يرفض الحديث، وهو يشعر بالحيرة. باليوم التالي، كان الثلاث شباب
(سفيان وعمار وقصي) يعملون بداخل مكتب سفيان. فجأة، فتح باب المكتب ودخل منه شاب. وقفوا جميعًا له قائلين بابتسامة سعيدة: "يزن! يزن بابتسامة: "واحشيني يا شوية اندال، ما بتسألوش." ضحك سفيان قائلًا: "ما كانش أسبوع اللي مشفناش بعض فيه." يزن برفعة حاجب وهو ينظر لقصي: "طب والبه اللي لما رجع مفكرش يرفع سماعة تليفون وندل من يومك." قصي بمرح وهو يحتضنه: "ليك وحشة يا يويو."
يزن بغيظ: "احترم نفسك أهلك وبطل الاسم الزفت ده، بدل ما أديك بوكس يرجعك ألمانيا من تاني." قصي بصوت نسائي: "يا وحش يا قاسي." ضحكوا عليه بقوة. فقال عمار بحماس: "طب بالمناسبة دي، يلا نروح نتغدى كلنا سوا." يزن بابتسامة: "تعالوا نروح المطعم اللي كنا بنروح ليه أيام زمان." رحب سفيان وقصي بذلك، وبالفعل توجهوا للمطعم جميعًا.
خرجت الثلاث فتيات من المحاضرة. كانت همس تقص عليهم ما حدث وأنها أنهت خلافها مع يزن. لاحظ الاثنان شرود ميان الذي يلازمها منذ أن التقوا في الصباح. سألتها ليان بقلق: "مالك يا ميان؟ سرحانة في إيه؟ نفضت رأسها قائلة: "مفيش." تابعت لتغير مجرى الحديث: "عندنا محاضرات تانية؟
همس بنفي وحماس: "لأ، هي محاضرة واحدة بس اللي علينا النهاردة. تعالوا نستغل اليوم ونخرج مع بعض، نروح المول نتسوق شوية وندخل سينما، وبعدها نتغدى في مطعم السمك اللي ع البحر اللي متعودين نروح له." صفقت لينا بيدها بحماس، بينما ميان اعتذرت: "أنا مليش مزاج أعمل حاجة." همس بإصرار: "الكلام ده عند طنط عليا في البيت. إحنا خارجين وأنتِ هتيجي معانا بمزاجك أو غصب عنك، ويلا بقى بلاش كآبة وحياتك."
لم تدع لها همس مجالًا للاعتراض، وسحبتها من يدها هي ولينا لسيارتها متوجهين لذلك المول للتسوق. بعد وقت طويل، كان الثلاث فتيات يجلسون على تلك الطاولة الموجودة بجانب سور قصير من الخشب مزخرف، وخلفه الشاطئ مباشرة. كان المنظر جميلًا يأسر القلوب. ميان بتعب من كثرة المشي: "مش قادرة أمشي خطوة زيادة." همس بتعب هي الأخرى: "أنا كمان والله وجعانة أوي." لينا هي الأخرى: "أنا هموت من الجوع، مش عارفة اتأخروا علينا في الأكل ليه."
همس وهي تشير برأسها ناحية الباب: "بصوا كده مين اللي دخل المطعم." نظرت ميان لما تشير، صدمت بشدة عندما رأت سفيان برفقة عمار وقصي ويزن. ابتسم قصي ما إن رآها، وكذلك عمار الذي بقى مثبتًا نظراته على لينا. بينما سفيان تهجم وجهه على الفور، ويزن أصابته الدهشة عندما توجه قصي ناحيتهم، وكذلك عمار. بادر عمار بالحديث قائلًا لميان بمرح وعيناه لازالت مثبتة على لينا: "ميمونة، واحشاني." ميان بغيظ
وهي تتجاهل النظر لسفيان: "مش هرد عليك." قصي بابتسامة واشتياق: "أخبارك إيه يا ميان؟ ميان بابتسامة وحب أخوي: "أخبارك أنت إيه يا قصي؟ عاش من شافك. كل دي غيبة بره مصر؟ كاد أن يرد، لكن يزن تحدث قائلًا بهدوء: "انتوا تعرفوا بعض؟ أومأت ميان قائلة بهدوء: "مظبوط يا دكتور. عمار يبقى ابن خالتي، وقصي زي أخويا بالظبط." تعمدت عدم ذكر اسم سفيان، مما جعله يشعر بالغضب، لكنه تظاهر بالبرود ليسأل قصي: "تعرفي يزن منين؟
ميان بهدوء: "دكتور يزن بيدرس لنا أنا وهمس ولينا في الجامعة." قالتها وهي تشير لهمس ولينا اللتان التزما الصمت تتابعان ما يحدث بهدوء. عمار بمرح: "اوعى تكون أنت الدكتور اللي دمرت عربيتهم مع التلت مصايب دول." حمحت لينا بحرج، وتهربت همس وميان بأعينهن. ليضحك يزن بخفوت قائلًا: "آه يا أخويا، وبرحمة أبوك لهتحاسب أنت ع المشاريب." عمار بخوف زائف: "أنا مالي يا عم، هما اللي قالولي أعمل كده." يزن بسخرية: "وانتي يا بطة؟
أي حد يقولك حاجة تعمليها؟ عمار متصنعًا الأسى وبنبرة مضحكة: "آه يا أخويا، ما أنا غلبان وعلى نياتي." ضحكت لينا بخفوت لتسرق نظرة إعجاب من أعين عمار الذي يراوده شعور دائم منذ أن رأى تلك الفتاة أنها من يبحث عنها لتكون شريكة حياته وقلبه. يعلم أن كل ما يقول ضرب من ضروب الجنون، فهو التقى بها مرة واحدة والآن الثانية. كيف له أن يفكر هكذا؟ عمار بتساؤل: "بتعملوا إيه هنا؟ صح؟ همس بسخرية: "بنلعب. تلعب معانا؟
ثم تابعت بتهكم: "قاعدين في مطعم يبقى بنعمل إيه؟ أكيد بنطفح." عمار بغيظ: "بت انتي ابرمي لسانك الطويل ده وخليه جوه بوقك، يخربيت كده بلاعة واتفتحت. ما كانش سؤال." همس بغيظ: "سؤال غبي زي... قاطعها قائلًا بحدة: "زي إيه؟ ابتسمت بتصنع ولم تجب. ليقول قصي بابتسامة: "ممكن نتغدى سوا كلنا، ولا هنضايقكم؟ نفى الثلاث فتيات بإحراج. كاد أن يعترض سفيان، لكن عندما جلس الثلاثة جلس هو الآخر مرغمًا.
جاء النادل أخيرًا بالطعام لهم، وبعد وقت قصير جاء الطعام الذي طلبه الشباب. عمار وهو ينظر للينا وهي ترتدي ذلك القفاز الشفاف تحاول بشتى الطرق أن تقشر تلك السمكة التي بيدها، لكنها تفشل. سألها بمرح: "مش بتعرفي تعمليه؟ نفضت رأسها بحرج قائلة بصوت حزين: "بابا الله يرحمه كان هو اللي بيعملها."
كان الجميع منشغلين بالأحاديث الجانبية، فلم ينتبه أحد لما يقولوا. لذا بصمت، أخذ من يدها السمكة وبدأ هو بتقشيرها ويضع واحدة تلو الأخرى بصحنها. ابتسمت له قائلة بخجل وحرج: "شكرًا، تسلم إيدك." ابتسم هو الآخر قائلًا: "بالهنا والشفا." لاحظ الجميع ما فعل معها، بينما سفيان كتم بداخله ضيقه. ما فعل شقيقه وما يراه بعينيه ويعرف نهايته، لكنه اكتفى بالصمت كباقي الجالسين.
رفعت ميان رأسها صدفة لتجد ذلك الشاب يدخل من باب المطعم برفقة امرأة ورجل كبار بالسن. على الفور، خمنت أنهم والداه. فقالت سريعًا: "يا بنات شوفوا مين هنا. أياد ووالده ووالدته تقريبًا." التفتت لينا وهمس لحيث أشارت برأسها، فرآهم. أياد متوجهًا لهم برفقة والديه قائلًا بابتسامة وهو يصافحهم بحرارة، وخاصة ميان التي لم يخفض عينيه عنها: "أخباركم إيه وعاملين إيه في الدراسة؟ همس بابتسامة: "بخير. أنت عامل إيه يا أياد؟
رد عليها بابتسامة ثم أشار لوالديه قائلًا: "أعرفكم والدي ووالدتي." ردت والدته بابتسامة ودودة: "أهلًا يا بنات. مين فيكم ميان؟ ميان بابتسامة بسيطة: "أنا ميان، ودي همس ودي لينا." ابتسمت قائلة: "أهلًا يا حبايبي. ده أياد ملوش سيرة غيركم، وخصوصًا أنتِ يا ميان."
تَحَنَّحَت ميان بحرج ولم تجب. اشتعلت عينا سفيان بغضب وغيره. ظن أنه تخلص منها، لكن لما عاد يراوده هذا الشعور الآن. بينما عمار لم يكن بحال أفضل منه وهو يرى لينا تتحدث وتبتسم لذلك الشاب. فقال بابتسامة زائفة: "مش تعرفونـ... ميان بابتسامة: "أياد كان زميلنا في الجامعة واتخرج. والده ووالدته... ثم أشارت بيدها للجالسين قائلة: "عمار ابن خالتي، وقصي ابن عمه، ودكتور يزن بيدرس لنا في الجامعة وصاحبهم."
تصافح الجميع، بينما سفيان كان يكوّر قبضة يده بغضب كبير وهو يراها تصافح ذلك المدعو أياد، تبتسم له، والآخر يناظرها بكل هذا الحب الظاهر للعيان. استأذن منهم هو وعائلته وغادر لطاولة فارغة بالداخل. همس بمكر وهي تشرب من كأس العصير الذي أمامها، قاصدة إثارة غضب سفيان والثأر لميان: "من كام يوم أياد كلمني وكان عايز رقم والدك. قالي إنه عايز يتقدملك، بس للأسف رقم أونكل رأفت مش معايا." سعلت ميان قائلة
بحرج وهي تنظر لهمس بحدة: "احم، بعدين نتكلم في الموضوع ده." عمار بابتسامة سعيدة ومكر هو الآخر: "إيه ده؟ هو معجب بميان؟ همس بابتسامة: "قول بيموت فيها. ده كان يحضر معانا المحاضرات بتاعتنا بس عشان يشوفها، وكان الفراغ اللي بين المحاضرات بيقضيه معانا." سفيان بغضب: "نسيب الأكل بقى ونفضل نتكلم في سيرة الأستاذ؟ همس بمكر: "طب ده مضايقك في حاجة؟ جز على أسنانه بغيظ ولم يجب. بينما عمار وقصي يبتسمون بتشمّت.
أتت رنين هاتف لينا، أجابت عليه وقامت بتشغيل مكبر الصوت. سرعان ما انتفضت عندما استمعت لصوت الخادمة تقول ببكاء وخوف: "ست لينا، والدتك تعبت واغمى عليها. كلمنَت الدكتور وجاي." ركضت خارج المطعم، وخلفها الجميع بقلق بعدما دفع أحد الشباب الحساب.
وصلت لينا لمنزلها، ثم صعدت لأعلى مسرعة وخلفها الجميع. لتجد باب المنزل مفتوحًا على مصراعيه. دخلت هي والجميع لتجد رأفت والد ميان الذي استنجدت به الخادمة ليساعدها، يخرج برفقة الطبيب. فهرعت إليه تسأله بقلق ودموع: "ماما مالها؟ الدكتور بعملية: "ضغطها كان عالي. يا ريت تهتم بأكلها وتنتظم بمواعيد الأدوية بتاعتها، وإن شاء الله تبقى كويسة."
غادر الطبيب. أما لينا فركضت للداخل لكي تطمئن على والدتها وهي تبكي بقوة. فخرجت عليا والدة ميان من الغرفة بعد لحظات لتتفاجأ بسفيان وقصي وعمار، الذي ما إن رآها اقترب منها معانقًا إياها باشتياق قائلًا: "وحشتيني أوي يا خالتو." بادلته الاحتضان باشتياق هي الأخرى. أما رأفت فنظر لسفيان بضيق وقال لميان بجدية: "ميان هتفضلي الليلة دي مع لينا، ماشيين؟ ميان بهدوء: "حاضر يا بابا، أنا أصلًا كنت ناوية على كده."
همس بجدية: "أنا كمان هستنى معاكم، هتصل أستأذن بابا." أومأ لهم رأفت بصمت، بينما اقترب قصي وعمار مصافحين إياه، وتعرف على يزن متجاهلًا سفيان تمامًا مثلما تجاهله. حتى عليا التي تحدثت معها تجاهلها وتجاهل الرد عليها، مما جعل غضب رأفت يزداد تجاهه ويمقته أكثر بعدما كان يعتبره ابنًا له بيوم من الأيام.
بعد أقل ربع ساعة، غادر الشباب ومن بينهم عمار الذي شعر بالضيق والحزن لأجل لينا، والغضب من شقيقه الذي منذ سنوات وهو يتصرف خطأ ويخسر جميع أحبابه. بمنزل عاصم الشريف، بعد أن أغلق الهاتف مع همس التي كانت تأخذ منه الإذن لتبقى اليوم عند لينا، وصلته رسالة على هاتفه. ما إن قرأها شعر الصدمة والخوف تملك من قلبه، فقد كانت تنص على صورة لابنته من أحد المطاعم
اليوم ومكتوب أسفلها: "عندك اللي تخاف عليه يا سيادة اللوا، روحها قصاد اللي عندك." كانت سيلين تجلس برفقة كوثر أمام شاشة التلفاز تتابع بشرود، عقلها شارد بما حدث قبل سنوات. لم تفق من شرودها سوى على صوت كوثر قائلة: "سيلين يا بنتي، معلش نص ساعة كده وخذي العشا لقصي، هو هيرجع متأخر وإحنا هنكون نمنا، فخذيه الشقة عنده وهو يبقى يسخن."
أومأت لها وبصمت أخذت الطعام ومفتاح المنزل الثاني الذي بحوزة خالتها. وضعت الطعام بالمطبخ، كادت أن تغادر، لكن تفاجأت به يفتح باب المنزل. ما إن رآها سألها بتعجب: "بتعملي إيه هنا؟ أجابته بحرج: "خالتو قالتلي أحطلك العشا في المطبخ." أومأ لها بصمت. كاد أن يدخل لغرفته، فأوقفته قائلة بحزن وألم: "مفيش أمل نرجع زي زمان يا قصي؟ التفت لها قائلًا بسخرية: "مفيش حاجة بترجع زي الأول يا سيلين، اللي اتكسر عمره ما بيتصلح." اقتربت خطوة
إليه قائلة بدموع وصدق: "بس أنا... أنا بحبك والله بحبك. مش من دلوقتي، من زمان. كنت فاكرة إن اللي بحسه ناحيتك أخوة، مكنتش أعرف إنه حب." قاطعها قائلًا بجمود: "تمام. وبعد ما عرفتي، وبعد اللي قولتي، مستنية مني إيه؟ مستنية أقول إيه يا سيلين؟ بكت بصمت،
ليسألها بسخرية: "مشاعر الأخوة اللي كنتِ حساها، خليتك تقدري اللي بينا والعشرة قبل ما تعملي اللي عملتيه زمان فيا أنتِ وخطيبك. أنتِ ما اهتمتيش بأي حاجة زمان يا سيلين، دستي وكملتي ومعملتيش اعتبار لأي حاجة." اقترب منها قائلًا بسخرية مريرة: "أنتِ باللي عملتيه خسرتيني كأخ وكصديق وحتى كحبيب. اللي جابرني أتعامل معاكي هو للأسف إنك بنت خالتك." كاد أن يغادر، فتوقف عندما سمعها تتمتم بخفوت: "غصب عني، كنت مجبورة."
التفت إليها قائلًا بغضب: "كفاية كذب بقى، إيه اللي يجبرك تعملي كده؟ مفيش أي سبب تقدري تقنعيني بيه، ولا فيه سبب يخليني أرجع أعاملك زي الأول." صرخت عليه بقهر: "سفيان، ابن عمك هو اللي قالي أعمل كده! توسعت عيناه بصدمة مما قالت، لتتابع هي
سرد عليه ما حدث منذ سنوات: "هو اللي بعت ناس ضربوا راغب وطلب منه يقدم بلاغ فيك. بعدها قالي أجلك الشركة وأبهدلك وسط الموظفين، وقالي أقولك كلام يجرح. وهو اللي قالي أبعتلك دعوة الفرح. كل اللي حصل كان من تخطيطه هو. سفيان اللي قالي أعمل كل ده!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!