كعادتها هذا اليوم كل أسبوع، نزلت في الصباح الباكر تركض على الشاطئ وتضع سماعات الأذن. بعد مرور أكثر من ساعة، توقفت تلتقط أنفاسها بصعوبة. جلست على رمال الشاطئ تنظر للسماء شاردة. الحزن يخيم على قلبها منذ سنوات. لقد ذاقت مرارة فقدان حبيبها أولاً، ثم شقيقها، أقرب ما لها بتلك الحياة، لكنه تركها ورحل. تعالى رنين هاتفها باسم "فريدة". أجابت على الفور قائلة بحب: "فريدة، وحشاني أوي." فريدة (جدة سفيان) باستنكار:
"كدابة ومش مصدقاكي. آخر مرة شوفتك فيها كان إمتى يا بت انتي. حتى المكالمة مش بتتصلي إلا فين وفين." ميان بحزن: "هشوفك إزاي بس يا فريدة. ما انتي عارفة إن مش هقدر أدخل الفيلا عندكم عشان سفيان ما يضايقش. حتى مش بحب أتصل عشان ما أعملش ليكي مشاكل معاه." فريدة بحدة: "بس يا بت مشاكل مع مين. طب هو حر يخبط دماغه في أي حيطة. هو هيفرض اللي عايزه عليا ولا إيه. ده أنا فريدة، يعني كلامي يمشي عليكي وعليه، انتي وأي حد في العيلة دي."
ميان بابتسامة: "طبعاً يا ديدا، بس برضه بلاش نعمل مشاكل." فريدة بصرامة: "اسمعي يا بت، انتي تقومي دلوقتي تلبسي وتجيلي، ولو اتكلم نص كلمة حسابه معايا." ميان باعتراض: "يا فريدة مش... فريدة بصرامة: "سمعتي أنا قلت إيه."
ثم أغلقت الهاتف وتركت الأخرى في حيرة من أمرها. لا تريد الذهاب وترى غريمتها التي حصلت على ما حلمت طوال حياتها أن تحصل عليه. لا تريد رؤية من فازت بقلب حبيبها، ومن حملت اسمه، ومن عاشت لحظات السعادة والحب التي حلمت أن تعيشها هي. لا تريد أن تذهب وترى سارقة أحلامها. لا تريد! *** يتناول الإفطار برفقة والدته التي من الحين للآخر تنظر له بتوتر، تريد قول شيء ثم تعود وتصمت. يسألها بهدوء: "قولي اللي عايزة تقوليه يا أمي."
تسأله بتوتر: "مش هتتضايق ولا تكسفني في اللي هطلبه منك." يقبل يدها بحب قائلاً: "انتِ تؤمري يا ست الكل، واللي عايزاه هيحصل." ابتسمت له قائلة بتوتر: "كنت بكلم خالتك النهارده وعرفت إنك رجعت، فطلبت مني وأصرت إننا نروح نتغدى معاهم بكرة، وحلفت مية يمين وأنا معرفتش أرفض." صمت للحظات ثم قال بكل بهدوء: "طب وفيها إيه يا أمي. بكرة هخلص شغل بدري ونروح سوا." ابتسمت قائلة بحنان: "تسلم لي يا حبيبي." يسأله بتردد:
"سيلين اتطلقت دلوقتي يا بني، يعني الطريق قدامك مفتوح. لو جوازك منها هيسعدك اتجوزها. انت بتحبها و... قاطعها قائلاً بهدوء: "سيلين ماضي يا أمي وانتهى. وبعدين لو لسه بحبها زي ما بتقولي، مبقتش تلزمني. عيشت من غيرها السنين دي كلها وهعرف أعيش الباقي من غيرها. الحياة مش بتقف على حد. مش انتي اللي قولتيلي كده يوم جوازها." سألته بحزن: "مبقتش تلزمك عشان مطلقة." نفى برأسه قائلاً:
"لأ، مطلقة أو أرملة، ده ما يفرقش معايا. بعد اللي رفضها واللي حصل منها زمان، يخلي علاقتي بيها كابن خالة قبل ما أكون بحبها، ما ترجعش زي ما كانت زمان." تنهدت قائلة بحزن: "البنت حالتها تصعب ع الكافر. أمها مش رحماها خالص، على طول بتسمع كلامها بالكلام ومحبوسة على طول في البيت، ونزلت تشتغل من يومين بس عشان تهرب من وش أمها اللي قومت الدنيا وقعدتها لما عرفت إنها ناوية تشتغل." ردد ببرود، و بداخله يتمزق حرفياً حزناً عليها:
"هي اللي اختارت زمان وعملت في نفسها كده." سألته بصدمة: "انت شمتان فيها." عاتبها قائلاً: "إيه اللي بتقوليه ده يا أمي. دي بنت خالتي مهما حصل. أنا أقصد إن كل واحد بيحصد نتيجة اختياره. هل ده معناه إني شمتان فيها." استأذن منها ثم دخل، غادر المنزل ليتهرب من ذلك الحديث الذي لا يروقه. ***
بمنتصف اليوم، شعر سفيان ببعض الإرهاق، فقرر العودة للمنزل ليرتاح ويتناول الغداء برفقة زوجته وجدته. قبل أن يدخل للداخل، توقف عندما رأى سيارة نرمين تدخل من بوابة الفيلا. انتظرها حتى تترجل منها، وما إن اقتربت منه، قبلته من وجنته قائلة بابتسامة: "حبيبي، رجعت من الشغل النهارده بدري ليه. انت كويس صح." أومأ لها قائلاً بابتسامة وحب: "مفيش يا حبيبتي، شوية إرهاق مش أكتر." "تحب أطلب الدكتور."
نفى برأسه بصمت، ثم حاوط خصرها وخطا الاثنان للداخل. لتتساءل نرمين وهي ترى فريدة تجلس برفقة فتاة تعطيهم ظهرها: "عندنا ضيوف؟! فريدة بابتسامة صفراء لم تصل لعيناها: "دي ميان بنت خالة سفيان وعمار." اشتعل الغضب بأعين سفيان، بينما ميان التفت للخلف، وما إن رأت سفيان الذي حاوط خصر زوجته، أما الأخرى كانت تنظر لها بغرور. نظرت ميان بأعين سفيان بلوم وعتاب، كأنها تقول: "لماذا فعلت هذا بي يا حبيب قلبي؟
جعلتني أحبك وأهيم بكَ عشقاََ. تركتني بمنتصف الطريق عالقة. تركتني ورحلت ولم تعلمني كيف أعيش دونك. لم تعلمني كيف أتوقف عن حبك مثلما فعلت أنت؟ " 💔 كاد سفيان أن يصرخ ويعلن عدم رغبته من تواجدها هنا، لكن نرمين سبقته قائلة بترفع: "آه بنت خالته، بس الصراحة يا فريدة هانم، أنا مستغربة إزاي تدخليها هنا، وحضرتك عارفة إن سفيان مش بيقبلها ولا بيقبل أي حد من عيلتها." كورت ميان قبضة يدها بغضب قائلة:
"أياً كان اللي بيني وبين ولاد خالتي، مش مسموح ليكي إنك تتدخلي فيه يا... قولتيلي اسمك إيه." نرمين بسخرية: "ابن خالتك اللي مش بيعترف بيكي ولا بقرابتكم. اسمي نرمين، يعني أعتقد اسمي بالنسبة لكِ ما يتنسيش، لأني فزت بقلب حبيبك الأول وقدرت أخطف قلبه اللي إنتي فشلتي توصلي ليه."
ابتلعت ميان غصة مريرة بحلقها، تنظر لسفيان بعتاب، لا تملك غيره. ليس بيدها شيء سوى أن تعاتبه، لكنه لم يبالي وأحاط خصر زوجته أمامها، ينظر لداخل عينيها بتحدي. فريدة بحدة: "أنا اللي اتصلت بميان وعزمتها ع الغدا." سفيان بحدة: "لكن أنا مش عايزها في بيتي، لا هي ولا أي حد ليه علاقة بالعيلة دي. ويا ريت تخليها تغور بره البيت ده، لأن وجودها فيه بيلوثه."
ودت أن تصفع نفسها ألف مرة على مجيئها لهنا. أغلقت عيناها وفتحتها عدة مرات، تمنع نفسها بصعوبة من البكاء. التقطت حقيقتها وكادت أن تغادر، لكن أوقفتها فريدة ممسكة بيدها قائلة بغضب: "سفيان، إنت بتقول إيه. إنت بتطرد الضيفة بتاعتي من بيتي." سفيان بغضب ولم يعي ما يقول: "البيت ده بيتي وبيت مراتي، ووجود البني آدمة دي هنا مش مرغوب." وذلك تحت نظرات نرمين المتحدية والـشامتة، بينما فريدة توسعت عيناها بصدمة من كلمات حفيدها.
صرخت ميان عليه بغضب: "إنت اتجننت يا سفيان، خلاص فوق لنفسك. اللي بتكلمها دي جدتك، ميصحش كده." عاتب نفسه قبل أن تقول هي تلك الكلمات، لكنه جادل قائلاً بغضب وسخرية: "مبقاش غيرك إنتي عشان تعرفيني الصح من الغلط."
قالها ثم اقترب من فريدة يود الاعتذار منها وتقبيل يدها، لكنها ابتعدت عنه تنظر إليه بخيبة أمل. بينما ميان لم تتحمل الإهانة وخرجت من الفيلا سريعاً، تستند على سيارتها ودموعها تنساب من عيناها بصمت. لحظات وخرج سفيان الذي لم يتحمل رؤية جدته تناظره هكذا. تفاجأ بها أمامه تبكي، كاد أن يتخطاها، لكنها توقفت أمامه قائلة بدموع وألم: "أنا مش غبية، مش غبية عشان أصدق إنك تقطع علاقتك بيا وبعيلتي عشان شوية تخاريف متدخلش عقل أي حد."
تمسكت بسترته من الأمام قائلة بتوسل ودموع: "كرهتني ليه وبعدت عني؟ قولي السبب يا سفيان، من حقي أعرف. ريح قلبي." تمسك بيدها التي تقبض بها على سترته قائلاً بجمود، رافضاً التأثر بدموعها الكاذبة: "صدقيني، آخر همي إني أريحك." ثم دفعها بعيداً وغادر، تاركاً إياها حزينة، حائرة، الألم ينهش قلبها يوماً بعد الآخر. بينما كانت تقف نرمين من خلف الزجاج تشاهد ما حدث بالخارج وهي تبتسم بمكر. بينما فريدة صعدت لأعلى، ومعها الخادمة، وما إن
أغلقت الباب أمرتها بصرامة: "جهزي الشنط، كل حاجة خاصة بيا لميها." بينما هي بدأت في ارتداء ملابسها واستعدت لتغادر تلك الفيلا لتذهب لمنزل زوجها الراحل الذي كانت تقيم به قبل أن يزدهر عمل زوجها وتتحسن حالتهم المادية، عازمة على الخروج من تلك الفيلا وعدم الرجوع لها نهائياً. ***
عاد قبل موعد الغداء بوقت ليس بالقصير، ليبدل ملابسه، ثم يصطحب والدته لمنزل خالته. تخلص من ملابسه الرسمية الخاصة بالعمل، أخرج من الخزانة قميصاً دون النظر إليه، لكنه توقف للحظة عندما رأى لون القميص البترولي، يتذكر كلماتها جيداً عندما رأته يرتدي ذلك اللون الذي يحبه، وعلى العكس هي تكرهه للغاية: "قصي، إيه اللون ده؟ من قلة الألوان يعني؟ ده لون مش حلو خالص ومش حلو عليك." أجابها حينها بغرور زائف وهو ينظر لهيئته بالمرآة:
"بس يا بت، هو انتي بتفهمي حاجة؟ ده لون شيك كده، كل البنات اللي في الشركة عينهم طلعت قلوب أول ما شافوني لابسه." نكزه بذراعه قائلة بغيظ: "بنات سا. بتاع البنات. خالتي عندها علم بالموضوع ده إن ابنها بيفرح بلمة البنات حواليه، وتلاقيك طبعاً مقرطسنا كلنا وتقعد تعاكس البنات." قرص وجنتها بأصبعيه قائلاً بغمزة ومرح: "سيلو ابن خالتك بيتعاكس، ما يعاكسش." تمتمت بغيظ: "نينيني. ليه توم كروز وأنا معرفش." نفى قائلاً بمشاكسة:
"تؤ، أحلى منه." تذمرت قائلة وهي تضع يدها على خصرها: "نص الغرور اللي عندك ده." ضحك بخفوت، لتتابع هي بضيق: "متلبسش اللون ده تاني، أنا مش بحبه ومش بحب أي حد يلبسه." ثم تابعت بإعجاب: "عارف، اللون الأسود والأبيض والأزرق بيبقوا تحفة عليك أوي، وبتطلع فيهم قمر وابن ناس." ضحك قائلاً بمرح: "يعني لو لبست اللون ده مش هبقى ابن ناس." أومأت له بابتسامة، ظناً منها أنه اقتنع بكلامها، ليقول هو بضحك:
"هخلعه ومش لابسه تاني. قفلتيني منه يا بومة." نظرت له قائلة بغيظ: "أنا مش بومة. الحق عليا بنصحك باللي يليق عليك." داعب أنفها بأصبعيه قائلاً بمشاكسة وحب جعلها تبتسم بسعادة: "طب خلاص، فكي التكشيرة دي. مش هلبس اللون ده تاني عشان ما أشوفش التكشيرة دي." عاد للواقع وهو ينظر للقميص الذي بيده. ذكرياته معها جميلة لا يشوبها شائبة، لولا ما فعلته. 💔 ***
بعد وقت، كان يقف أمام منزل خالته يحمل بيده باقة ورد، ووالدته تحمل بيدها علبة شوكولاتة فاخرة. ضغط بأصبعه على زر الجرس وهو يرسم الثبات على ملامح وجهه. فتح زوج خالته الباب قائلاً بابتسامة بشوشة: "أهلاً بالغالي." أخذت خالته سميحة الباقة من يده حتى يستطيع أن يحتضن زوج خالته قائلاً بحب: "نورت بلدك يا غالي يا بن الغالي." قصي بابتسامة وحب لذلك الرجل: "بنورك يا عمي، ليك وحشة والله."
رحبت به خالته بحفاوة ودخلوا جميعاً للداخل. وهي للآن لم تأتِ. مر وقت قصير وخرجت ترتدي فستاناً باللون الأزرق، وفوقه حجاب باللون الأبيض. لم ينظر لها، وتصنع انشغاله بالحديث مع زوج خالته. بينما هي توقفت مكانها للحظات عندما رأته يرتدي ذلك اللون. عادت للوراء بذاكرتها لتتذكر نفس المشهد. لمعت عيناها بالدموع. لقد خسرت قصي الصديق والأخ قبل الحبيب. لتلك الدرجة أصبح لا يهمه ما تحب وما تكره. ماذا كانت تنتظر بعدما فعلت أن يركض إليها؟
صافحته قائلة بحزن: "إزيك يا قصي." قصي بهدوء: "الحمد لله يا سيلين، انتي أخبارك إيه." سيلين باقتضاب: "الحمد لله." جلسوا جميعاً يتحدثون سوياً بمواضيع مختلفة. كان قصي متجاهلاً سيلين تماماً، مهما حاولت والدتها جذب انتباهه لها وأن تشركهم في حديث، ينهيه هو ببعض كلمات مقتضبة. لتردد سيلين بداخلها بحزن وندم: "يا ريت لو تقدر تسامحني. صحيح الواحد مش بيعرف قيمة الحاجة غير لما تروح من إيده." انتبهت لوالدتها تقول باستنكار وحزن:
"شوفت اللي حصل لبنت خالتك يا قصي. بعد سنة جواز من المخفي اللي اسمه راغب والويل اللي شافته معاه، طلقها." نظرت لوالدتها بغضب. ماذا سيظن هو وخالتها بها؟ قصي باقتضاب، رغم أن فضوله يكاد يقتله ليعرف ماذا فعل ذلك الحقير بها: "ربنا يعوضها بالأحسن منه إن شاء الله." نظر كمال لزوجته بغضب ويتوعد لها بداخله، خاصة حين أكملت بمكر وكذب: "يارب يا بني. سيلين لما عرفت إنك جاي عملتلك الأكل اللي بتحبه كله."
ابتسم قصي بزاوية شفتيه، فهو يعلم تمام العلم أن خالته تكذب، ويعلم بماذا تفكر. كمال بابتسامة لم تصل لعيناه ونظرات حادة: "جهزي الغدا يا سميحة يلا." "حاضر، ثواني ويكون جاهز." مر وقت وتناول الجميع الغداء، وبعدها جلسوا يتناولون الحلوى التي أعدتها سميحة، ولكنها نسبت لـابنتها، والجميع يعلم ما تحاول فعله. أخذ كمال يتوعد لها فقط ليغادر الجميع.
تعالى رنين جرس المنزل. ذهبت سيلين لتفتح الباب، فتفاجأت بوجود عمتها وابنتيها الاثنتين. ابتسمت بتصنع قائلة: "أهلاً يا عمتي، اتفضلي. تعالي يا أمل انتي ونهى." فتحت بابتسامة صفراء وهي تدخل: "طبعاً يا حبيبتي، اتفضلي ده بيت أخويا الغالي."
بادلـتها سيلين نفس الابتسامة ودخلت خلفهم. تأفأف قصي بداخله، فهو لا يطيق تلك المرأة وبناتها أبداً، كذلك الجميع، ومن بينهم شقيقها، بسبب أفعالهم، لكنه مجبور لتحملها، فهي أولاً وأخيراً شقيقته الصغرى. فتحت بابتسامة واسعة: "قصي، ليك وحشة يا بني. كل دي غيبة؟ قعدتك في بلاد الغرب عجبتك ولا إيه؟ بس العيب مش عليك، العيب ع اللي كان السبب في سفرك. منه لله بقى." والدة قصي بحدة:
"متدعيش على حد يا فتحية. ابني مكنش مهاجر، دول سنتين كان بيتابع فيهم شغله ورجع، مش حكاية." اغتاظت فتحية وابتسمت لها اصفراراً، لتسألها سميحة (والدة سيلين) بابتسامة صفراء: "صحيح يا فتحية، إيه سبب الزيارة دي؟ بقالك شهرين يعني مش بنشوفك." فتحة برفعة حاجب: "ده بيت أخويا يا حبيبتي، أزوره في الوقت اللي أنا عايزه. مش كده يا أخويا." كمال بضيق: "تنوري في أي وقت يا فتحية." فتحة وهي تنظر بشماتة لسيلين:
"المهم، كنت جاية أبشركم. نهى بنتي جالها عريس، ما شاء الله عليه. لا سجارة ولا كاس ولا ليه في الحاجات دي. ويعرف ربنا، دكتور وعنده عيادة وشقة كاملة من مجمعه. إن شاء الله الخطوبة بعد أسبوع. مستنياكم." كمال بابتسامة لم تصل لعيناه، لأنه يعلم تمام العلم أنها شامتة بابنته: "مبروك يا فتحية، عقبال أمل إن شاء الله." فتحة بابتسامة: "إن شاء الله. تسلم يا خويا. عقبال سيلين. مع إن أشك...
صمتت سميحة بكمد وغيظ، لتتدفع والدة قصي عن سيلين التي كورت قبضة يدها بغضب وتحارب حتى لا تنهمر دموعها وتخذلها أمام الجميع. بينما قصي يراقبها بحزن أخفاه تحت قناع وجهه اللا مبالي. "ليه فتحية؟ مالها سيلين؟ ناقصة إيد ولا رجل عشان متشوفش نصيبها مع حد تاني؟
دي ألف مين يتمناها. ده حتى ابنك واحد منهم، وسميحة قالتلي إنه لحد النهارده شاريها وعايزها وبيجري وراها عشان بس تديله ريق حلو. هي بس سيلين اللي مش بتفكر في موضوع الجواز ده دلوقتي. ومتنسيش إنك زمان كنتِ مطلقة واتجوزتي تاني وخلفتي ولد وبنتين. الحياة مش بتقف يا حبيبتي." ثم تابعت بحدة: "عندك بنتين يا فتحية على وشك جواز، فبلاش تشمتي." فتحة بلوية فم وهي تحرك يدها بالهواء: "كلام إيه اللي بتقوليه ده؟ معقول هشمت في بنت أخويا؟
ربنا ما يجعلنا من أهل الشماتة يا حبيبتي." نظرت لها كوثر وسميحة بضيق وصمتوا. بينما تدخل كمال مهدئاً الوضع. كان قصي شارد، فضوله يأكله من الداخل، يريد معرفة ما فعل ذلك الحقير ليـوصلها لتلك الحالة. أفاق من شروده على أمل قائلة برقة مبالغ فيها: "صحيح يا قصي، إنت هتستقر ولا هتسافر تاني." قصي ببرود دون النظر لها: "هستقر." أمل بسعادة: "أحسن حاجة والله. مفيش حاجة تستاهل إنك تسيب بلدك عشانها."
قالت الأخيرة وهي تنظر لسيلين، فرد عليها قصي ببرود وهو ينظر للساعة بيده: "أنا بس اللي من حقي أحدد الحاجة دي تستاهل أو لا، مش انتي." تحرجت أمل من رده فصمتت ولم تتحدث. مر وقت قصير وغادرت فتحية وبناتها. وما إن أغلق الباب، هبت سميحة من مكانها صارخة بغضب: "شايف يا كمال؟ شايف بنتك واللي عملته فينا؟ خلتنا نسمع الإهانة من اللي رايح واللي جاي وتلقيح الكلام. ادي آخرة اللي خدناه من خلفة البنات." كمال بغضب وشدة:
"سميحة، اخرسي خالص. سامعة." لم تصمت وتابعت معنفة ابنتها التي دخلت بنوبة بكاء مرير: "راحت اتجوزت ولد صايع وزبالة وخلتنا ندخل الأقسام على آخر الزمن. طلقها ورماها. ده أنا كان عندي تموت أهون من إني أسمع كلام من الرايح واللي جاي بسببها." كوثر بحدة: "بس يا سميحة، ما يصحش كده." سيلين بكل ألم ودموع، مخرجة تلك الكلمات التي تحملها بداخلها:
"حرام عليكي بقى. ارحميني. أنا بنتك مش واحدة لقياها في الشارع. كل شوية كلام الناس، كلام الناس يولعوا الناس. الناس اللي عاملة حسابهم دول مش بيعملوا حاجة غير إنهم يتكلموا وبس. ارحميني بقى. مستنية إيه منهم إذا كان انتي مش رحماني وجاية عليا زيهم. انتي اللي المفروض أمي، بترمي عليا بالكلام وعمرك ما دافعتي عني زي ما حصل من شوية، وخالتي اللي قالت اللي المفروض انتي تقوليه. مستنية منهم إيه؟
مستنية منهم يعملوا اللي انتي نفسك مش بتعمليه. أنا بكرهك وبكره نفسي لأني عندي أم زيك. كل اللي بتعمليه فيا ده عشان محمد مات، ياريتني أنا اللي مت وهو اللي فضلك، مع إن متأكدة إنه بموته ارتاح منك." قالت ما قالت ثم ركضت خارج المنزل. سرعان ما التفتت كوثر قائلة لقصي بقلق: "اجري وراها يا قصي، لتعمل في نفسها حاجة." بالفعل، هو قد ركض خلفها بقلق، والحزن ينهش قلبه عليها. بينما كمال، ولأول مرة، رفع يده على زوجته، صفعها قائلاً
بغضب: "القلم ده يمكن يفوقك ويخليكي تعقلي بقى يا سميحة. انتي إيه؟ مش بتحسي ولا عندك قلب لحد إمتى هتفضلي تحاسبي بنتك على ذنب مش ذنبها؟ لحد إمتى هتفضلي معيشانا في النكد ده؟ خسرتي محمد زمان، ولو فضلتِ على كده هتخسريني أنا وبنتك، وهتفضلي لوحدك." تركها وذهب لغرفته، جسده بأكمله ينتفض من الغضب والحزن على ابنته. بينما سميحة انهارت تبكي بقوة بين أحضان شقيقتها. ***
يبحث عنها بعينيه يميناً ويساراً، إلى أن وجدها أخيراً تسير بنهاية الشارع. ركض قصي خلفها حتى يلحق بها قبل أن تعبر الطريق السريع بحالتها تلك، لكنه تأخر، فقد لمح تلك السيارة تأتي مسرعة، بينما هي قد خطت بقدمها للأمام. !!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!