الفصل 15 | من 43 فصل

رواية بعينك اسير الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
21
كلمة
6,817
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

-مش هطلقك. قالها سفيان بصرامة لنرمين التي يتعالى صدرها ثم ينخفض من شدة الانفعال والغضب. غادرت من أمامه بغضب لغرفة الثياب، تضع ملابسها بأهمال بداخل حقيبة جذبتها بعنف من فوق الخزانة، أخذ يخرج ما تضعه قائلاً برجاء: -حقك تعملي أكتر من كده، بس المرة دي اعذريني غلطت عارف، بس فريدة كانت هتموت.

-حاجة هايفة، عارف إنك حاسة نفسك قليلة عشان اتجوزت عليكي، بس ده مش حقيقي، انتي غالية أوي، وافتكري دايماً إني اخترتك انتي بإرادتي وهي اتفرضت علي. لأول مرة تكون صادقة معه بمشاعرها: -حاسة بنار جوه قلبي يا سفيان. نعم تشعر بنيران، لكنها أبداً ليست غيرة، بل حقد وغِل منها، من خطفت قلب سفيان وزاهر، مهما أنكر فهي تعرف تمام المعرفة أنه عشق تلك الفتاة! جذبها لأحضانه قائلاً بحزن وشفقة عليها:

-مش دي اللي تغيري عليا منها، انتي ضفرك بمية واحدة من عينتها، تخلص بس المحنة دي وفريدة تقوم بالسلامة، وهطلقها. سألته بدموع: -مش هتقرب منها صح؟ أومأ لها قائلاً: -مستحيل. شدت من عناقه قائلة: -اوعدني. ابتسم بخفوت مقبلاً جبينها قائلاً: -اوعدك يا حبيبتي. *** -مالك يا رأفت ساكت ليه؟ قالتها عليا وهي تراقب صمت رأفت وميان الغير معتاد، والأخرى تنظر لوالدها بترقب لردة فعله على ما حدث. ميان بخوف وتوتر: -بابا أنا... أنا آسفة.

قطبت عليا جبينها بعدم فهم وتوتر من الجو المشحون بين الاثنان، فقالت بضيق: -فهموني حصل إيه؟ رأفت بتهكم وصوت غاضب: -مش تباركي لبنتك يا عليا، بقت حرم سفيان العزايزي، الزوجة التانية. شهقت عليا بقوة وصدمة قائلة بصوت مرتجف: -بطل هزارك ده يا رأفت. رأفت بغضب: -مش بتنيل بهزر، بنتك... ثم قص عليها كل ما حدث، ناهياً حديثه بغضب كبير:

-عمال أقول بنتي غالية، بنتي رافضة، بنتي ملكة، مش هتقبل بالقليل، وفي ثانية صغرتني قدام الكل، ما شوفتيش الزفت سفيان كان بيبص إزاي، كأنه انتصر، عشان في الآخر انتي اللي قولتي له هات المأذون، رفضت، ومسمعتيش مني قدامهم، وأصرتِ. ميان بدموع: -فريدة كانت هتموت، وذنبها هيبقى في رقبتي. رأفت بغضب:

-ذنبها في رقبتها هي، هي اللي ساومت على حياتها، فريدة مش هاممها حد غير حفيدها وبس، وانتِ بالنسبة ليها أداة، مهما كانت بتحبك عمرك ما هتكوني في مكانة حفيدها، ومش هتخاف عليكي زيه. عليا بدموع وحزن: -أبوكي عنده حق، انتي الخسرانة يا بنتي، بعتي نفسك ودمرتي حياتك من قبل ما تبدأ، حرام عليكي اللي عملتيه في نفسك ده يا بنتي. ميان بدموع وحزن: -كنتوا عايزني أعمل إيه؟

الدكتور بيقول بتموت، والحل في إيدي، أقف ساكتة وعادي، ولا كأن في واحدة جوه بتموت، وحياتها بكلمة مني، وكمان مش غريبة، دي من عيلتي. رأفت بغضب: -مفيش جواز عشان خاطر حد، الجواز مش لعبة، هتجوز عشان كذا، تغور فريدة وتولع العيلة دي كلها اللي مجاش منها غير وجع القلب، في داهية أي حاجة، بس انتي ما كنتيش ترمي نفسك الرمية دي، بعتي نفسك بالرخيص للي ميستاهلش. ميان بدموع وحزن: -غصب عني يا باب.

تعلم عليا تمام العلم ما تمر به ابنتها، شعرت بالشفقة والحزن عليها، فجذبتها لأحضانها لتنهار الأخرى في البكاء، ورأفت يراقبها حزين منها ومشفق عليها، وغضبه منها أكبر من كل ذلك. *** كان عمار قد وصل لتوه لمقر الشركة ليتولى أمور العمل بالتناوب مع قصي وسفيان. يشعر بصداع يكاد يفتك برأسه وجسده بالكامل يؤلمه ما إن استيقظ هذا الصباح.

طلب من السكرتيرة الخاصة به أن تأتي بكوب قهوة، بينما هو اتصل بلينا كما اعتاد كل صباح ما إن اعترف لها بحبه. لتأتيه صوتها القلق: -صباح الخير يا عمار، أحسن إنهاردة مش كده؟ ولا لسه تعبان، أجيب لك نروح المستشفى نكشف؟ ابتسم بسعادة لاهتمامها به وقلقها عليه قائلاً: -أنا بقيت زي الفل لما سمعت صوتك دلوقتي. أردفت بخجل: -عمار أنا... بهزر، لو لسه تعبان نروح... قاطعها قائلاً بابتسامة:

-أنا كويس، المهم انتي طمنيني عليكي، ووالدتك هترجع إمتى؟ قعادك لوحدك مش كويس. تنهدت قائلة باشتياق: -وحشتني أوي، المفروض آخر الأسبوع الجاي، الجو عجبها هناك وقررت تمد فترتها، وقرايبنا هناك واخدين بالهم منها. ابتسم قائلاً بسعادة: -ترجع بالسلامة إن شاء الله، وتاني يوم هكون أنا وعيلتي كلها عندك نطلب إيدك. حمحمت بحرج قائلة بخجل: -أنا اتأخرت ولازم أنزل عشان عندي محاضرات، ميان زمانها مستنياني تحت، سلام.

ابتسم مغلقاً معها المكالمة وهو لا يصدق متى يأتي هذا اليوم وتصبح له وعلى اسمه. بينما بالخارج، كانت سكرتيرته تلتقط القهوة من يد الساعي وجعلته ينصرف، وما إن فعل أخرجت كيساً شفاف اللون يحتوي على مادة بيضاء، بعدما تأكدت من عدم تواجد أي أحد حولها، قامت بإفراغه في القهوة حتى ذاب تماماً، بعدها دخلت بها له، وبداخلها ترتعش من الخوف، ماذا لو انكشفت!

أخذها منه عمار يرتشف منها سريعاً، بعدها أخذ مسكناً يساعده على إنهاء العمل لحين يأتي دوره ليذهب للمستشفى ليبقى مع فريدة. خرجت من مكتبه تزفر براحة لانقضاء مهمتها، أخرجت هاتفها تضرب على لوحة المفاتيح بعدة أحرف، ترسل رسالة لأحدهم تنص على: -كله تمام يا باشا، شربها، متنساش حلاوتي بقى! ***

بعد أن تجهز ليغادر لعمله مثل كل يوم، توقف لدقائق طويلة أمام صورة بسمة حبيبته يتطلع إليها بشرود حزين، يشعر بصعوبة بالغة في اتخاذ تلك الخطوة بعد تفكير طويل طوال الليل. كلام والدته وشقيقته كان مقنعاً بالنسبة له إلى حد كبير، خاصة أنه يكن إعجاباً لهمس وعائلتها بأكملها، ترى أنها مناسبة له، ماذا سيخسر إن اتخذ تلك الخطوة؟ سيتحدث معها ويجعلها على علم بكل شيء، ولها مجال الرفض أو القبول. ردد بحزن وخزي بداخله:

-لو عليا أفضل مخلص ليكي العمر كله، ومحدش ياخد مكانك، المفروض إنه بتاعك انتي لوحدك زي ما اتعاهدنا، بس دي مش حياتي لوحدي يا بسمة، أنا تعبت من زن ياسمين وبابا وماما على نفس الموضوع، وفي نفس الوقت خايف من الوحدة زي ما بتقول ياسمين، وانتِ بتحبيني وعمرك ما هترضي أكمل حياتي كده، وعد مني ليكي لآخر العمر هتفضلي في قلبي وهفضل فاكرك لحد ما نتقابل.

خرج من الغرفة، بل من الفيلا بأكملها متجهاً للجامعة، وهو يؤخر نفسه قدر المستطاع، قلبه لا يطاوعه على فعل ما هو مقدم عليه! *** توقفت سيارة الفتيات، كانت همس ولينا يراقبون صمت ميان بحزن، وهمس صامتة وقد علمت ما حدث بالأمس من لينا. تمالكت نفسها بصعوبة حتى تكتم الحديث الذي بداخلها، ولكنها لم تستطع، لتنفجر قائلة بحدة ما إن توقفوا بالسيارة أمام الجامعة ونزلوا منها:

-أنا مش قادرة اسكت بقى، انتي غبية يا ميان، إزاي توافقي ع المهزلة دي؟ جوازة ليه؟ وعشان مين؟ عشان واحد واطي زي سفيان ده، ميستاهلش، يغور في داهية هو واللي متجوزها، يولعوا في بعض، إن مالك وفريدة دي إزاي تطلب منك كده؟ أي حد يسمع طلبها هيعرف إنها مش شايفة غير حفيدها بس، لأن واحد متجوزاه لا بيطيقك ولا معبرك، ومتجوز ومتمسك بمراته، والله لو قلبتيله قرد ما هيصدقك ولا يعبرك. ميان بدموع:

-كفاية بقى، عمالين تلوموا فيا، كنت أعمل إيه؟ واحدة جوه بتموت وعلاجها في إيدي بكلمة واحدة بس، أسكت يعني وأسيبها تموت؟ وياريتها غريبة عني، دي في مقام جدتي، كان صعب أسكت، محدش فيكم كان مكاني وقتها، أقسم بالله غصب عني اللي حصل، لو في ظروف تانية غير دي وكان الموضوع قبول ورفض كنت رفضت، بس كنت مغصوبة. لينا بحزن: -طب تقدري تقوليلي هتعملي إيه دلوقتي؟

هتكملي معاه مهانة وهو مهمشك من حياته، ولا هتطلقي وتقابلي بقى نظرات المجتمع المريض ده؟ انتي لسه في بداية حياتك يا ميان، لو مش مستوعبة فأنتي ضيعتي مستقبلك وأنتي لسه في بدايتك، فريدة قضت عليكي بأنانتها، ومحدش هيكون خسران غيرك. همس بغضب: -عارفه، قسماً بالله دول صنف زبالة، ولا هيقدروا اللي ضحيتي بيه عشانه. لينا بحدة: -عيب يا همس، من غير غلط، ميصحش كده. همس بضيق:

-يصح ميصحش بقى، مش فارقة، دول يحرقوا الدم، دمروا مستقبلها اللي هانم سلمته ليهم على طبق من دهب، ولو جيتي تلومي حد ع اللي هيحصل لها هيقولوا وافقت بمزاجها، محدش غصبها. ذمت ميان شفتيها وبكت بصمت وهي تستمع لحديث الاثنتان الصحيح مئة بالمئة. كادت همس أن تكمل حديثها، لكن جاء من خلفهم صوت يعرفه الثلاثة جيداً قائلاً بصرامة: -بتعيطي ليه ع الصبح؟

التفت الجميع، لتقع أعينهم على سفيان الذي تقدم منها حتى وقف أمام ميان ينتظر منها إجابة تحت نظرات الغضب من ميان ولين. نظر لهم قائلاً بتهكم: -قطعت عليكم فقرة النم على خلق الله، معلش، سيبوني معاها لوحدنا. همس بحدة: -هو سؤال واحد بس قبل ما أمشي، انت مستحمل نفسك إزاي؟ الله يعينك عليها. سفيان بحدة وتهكم: -نفس السؤال والله، نفسي أسأله ليكي انتي مستحملة نفسك إزاي؟ كادت همس أن تتحدث، لكن قامت لينا بسحبها من يدها بعيداً

قائلة بضيق وخفوت: -الكل بيبص علينا، خلينا نمشي، وخليه يقول اللي عنده ويغور من هنا بقى. ذهبت معها همس على مضض، بينما سفيان التفت لميان متمتماً بضيق: -أعوذ بالله منه. تنهد ثم سألها بحدة: -مقولتليش ليه إنك نازلة الجامعة انهاردة؟ ميان بتعجب: -أقولك ليه؟ ما أنا بقول لبابا وبستأذنه. ردد بحدة:

-تاخدي إذن أبوكي لو انتي مش على ذمة راجل، من هنا وطالع قبل ما تخطي أي خطوة تستأذني مني، يا أوافق يا موافقش، وأي عك وقلة أدب ومسخرة مش همسح بيها. ميان بحدة: -أنا مش قليلة الأدب ومحترمة، وتصرفاتي كلها كده، عايز تصدق صدق، مش عايز إن شاء الله عنك ما صدقت. سفيان بحدة وغضب: -انتي قليلة الأدب. ميان بحدة: -وانت مش محترم. كاد أن يصرخ عليها، لكن توقف ما إن قالت هي:

-بص، هي فترة وهتعدي، نستحمل بعض فيها شوية من غير غلط في بعض وقلة أدب عشان الأيام تعدي، ويكون في علمك، هتعاملني باحترام هتلاقي نفس المعاملة، لو العكس هتلاقي برضه، هتغلط فيا قدام الناس هغلط فيك قدام الناس، وافتكر إنك انت اللي قولتلي زمان: "عاملي بالمثل". أومأ لها قائلاً بحدة: -اتفقنا، بس في شوية حاجات تلتزمي بيها. سألته بهدوء: -إيه هي؟ تنهد قائلاً بضيق وصرامة: -أول حاجة، قبل ما تروحي أي مكان يكون عندي خبر.

-تاني حاجة، تتصرفي على أساس إنك واحدة متجوزة خلاص، وبلاش دلع وقلة أدب. جزت على أسنانها قائلة بحدة: -هنرجع للغلط تاني؟ زفر بضيق قائلاً: -نسيت. -تالت حاجة، ده ما يتقلعش من إيدك. قال الأخيرة وهو يخرج من خاتم من الذهب الأبيض بجيب سترته، يضعه بأصبعها. أومأت له برأسها قائلة بهدوء: -موافقة، أنا كمان عندي شرط. سألها بفضول: -إيه هو؟ تنهدت بحزن قائلة:

-بابا زعلان مني عشان وافقت، وشايف إنك مش مناسب ليا، يعني عشان كده اللي بطلبه منك، حط خلافاتنا على جنب، وبلاش بتصرفاتك تقلقه أكتر، لأن بصراحة هو عنده حق، انت متتأمنش على حد معاك. قالت الأخيرة قاصدة رد الإهانة له، لكن ما إن نظر لها بحدة وغضب، قالت ببرود: -نسيت. ردد الاثنان معاً بضيق: -يبقى اتفقنا، هنعصر على نفسنا لمونة لحد ما الفترة دي تعدي ونخلص من الهم ده. كاد أن يذهب، لكنها أوقفاته قائلة بهدوء: -شكراً ع الخاتم.

أومأ لها بصمت ثم غادر المكان، يتنفس براحة، فمن الجيد حدوث هذا الاتفاق حتى يريح رأسه من تلك الخلافات وتمضي تلك الفترة بسلام، المهم أن تتعافى جدتها. اقتربت كلا من لينا وهمس منها، لتبادر همس بالحديث قائلة بحدة: -عملك حاجة؟ ميان بهدوء: -ميقدرش، لأنه عارف إنه لو غلط هتطاول عليه أكتر ومش هيهمني، والخلافات هتكبر بينا، وهو طبعاً مش فاضي، فعملنا اتفاق وقواعد نمشي عليها لحد ما الفترة دي تعدي ونطلق. لينا بضيق:

-لقب مطلقة مش سهل زي ما بتنطقيه كده. ميان بحزن: -عارفه، عشان كده هحارب بكل جهدي عشان الجوازة دي تنجح وأطلع من الموضوع ده كله بأقل الخساير، هكشف حقيقة نرمين وزاهر وكامليا، ليه المرة دي بدليل قوي، ورد فعله ساعتها هو اللي هيحدد إيه اللي هيحصل بعدين. *** -همس. قالها يزن بهدوء وهو يقف خلفهم، فالتفت الثلاثة له على الفور، ألقى التحية عليهم، ثم قال بهدوء لهمس: -ممكن اتكلم معاكي لوحدنا خمس دقايق بس. -خير يا دكتور؟

قالتها همس بفضول وهي تجلس برفقة يزن بمكتبه بالجامعة. تنهد قائلاً بصعوبة: -أنا كنت خاطب قبل كده، بسمة، بس، بس هي توفت من سنتين في حادثة، كنت فيها أنا وهي، بس أنا اللي نجيت منها وهي لأ. سألته بتعجب: -أيوه، بتقولي كده ليه؟ ابتلع ريقه قائلاً بصعوبة: -عشان المفروض تعرفي عني كل حاجة قبل ما أطلب منك الطلب ده. -طلب إيه؟ تنهد بعمق قائلاً: -تتجوزيني يا همس! توسعت عيناها بصدمة، ليتابع هو:

-أنا معجب بيكي وبشخصيتك، لو الشعور متبادل بينا، أنا حابب ندي فرصة لبعض نتعرف على بعض أكتر بصفة رسمية، يعني فترة خطوبة، لو اتفقنا يبقى نتوكل على الله ونتجوز، لو لأ يبقى كل شيء قسمة ونصيب. تنهد قائلاً بصعوبة: -مش هكدب عليكي، أنا قلبي معاها لسه... بس حاسس ناحيتك بإعجاب، يمكن مع الوقت يتحول لحب، كل اللي طالبه منك تستحمليني وتقفي جنبي، وندي لبعض فرصة، يمكن يحصل نصيب. تحاشت النظر لوجهه قائلة بحرج: -ا... ا...

هفكر وأرد عليك. ثم وقفت قائلة بحرج: -أنا همشي، اتأخرت ع المحاضرة، بعد إذنك. *** مر أسبوع على الجميع، تعافت فيه فريدة كلياً وبسرعة تعجب منها الجميع، لكن الطبيب برر ذلك بتحسن حالتها النفسية ساعدها على التعافي بسرعة.

عمار الذي بدأ يشعر بالإنهاك الشديد والخمول والصداع الذي أصبح لا يفارقه، لكنه يتحامل على نفسه مقرراً الذهاب للطبيب بالغد سراً حتى لا يثير قلق الجميع عليه، يكفي الأسبوع الماضي وحالة القلق التي مروا بها مع فريدة. توقفت همس عن الذهاب للجامعة تفكر جدياً بعرض يزن، عقلها رافضاً خوض تلك التجربة التي لا تعرف نتائجها، وعقلها لا يتوقف عن طرح تلك الأسئلة: ماذا لو لم يحبه؟ هل ستتحمل هي هكذا حياة؟ هل ستقبل به وقلبه معلق بأخرى؟

أسئلة لا تنتهي تعصف برأسها، لا تعرف إجابتها، ومستحيل أن تعرف، فأجابتها تكمن بالدخول بتلك التجربة وتحمل عواقبها سواء كانت النتيجة خسارة أو فشل. بينما فريدة، ما إن علمت برغبة قصي بالزواج، قررت أن تذهب اليوم لطلب يد سيلين له وتجهز الجميع للذهاب، لم ترغب نرمين في الذهاب متعللة بالمرض، لكنها تنوي على شيء آخر ما يغادروا جميعاً. لتقرر فريدة استغلال الفرصة قائلة لسفيان ما إن غادرت تلك الحية التي من المؤكد أنها ستأتي

ما إن تعلم بقدوم ميان: -بقولك يا سفيان، اتصل بميان خليها تروح معانا طالما نرمين مش جاية. سفيان بتهرب: -تلاقيها مش فاضية، ما الامتحانات قربت. فريدة بمكر: -لأ فاضية، كلمها انت بس وقولها تيجي معانا، بلاش توجع قلبي في المناهدة معاك. خشي سفيان من تدهور حالتها مرة أخرى، فنفذ ما قالت، وما إن اتصل بها قال مباشرة: -فريدة عايزك تيجي معانا انهاردة، قراية فاتحة سيلين وقصي. ردت عليه بضيق:

-أنا أصلاً كنت رايحة، سيلين اتصلت بيا وعزمتني أنا ولينا وأصرت إننا نروح. أجابها باقتضاب: -خلاص، هنعدي عليكم واحنا رايحين، سلام. ما إن أغلق الهاتف، عاتبته فريدة: -بتكلمها كده ليه؟ دي بقت مراتك وليها حقوق عليك زيها زي نرمين، اعدل بينهم بالكلمة والنظرة يا سفيان، حرام، ثم تعالى هنا عيني في عينك كده، ده انت بتحبها وبتنموت فيها، وكل اللي بتعمله ده من ورا قلبك. رد عليها بحدة: -مش صحيح، ده موضوع واتقفل من سنين.

ربتت على يده قائلة: -ما اتقفلش ولا عمره هيتقفل، ميان عملت حاجة انت مش قادر تسامحها عليها لحد دلوقتي، وقبل ما تقول بسبب كاميليا، انت بتكدب، لأن دي حجة ميصدقهاش عيل صغير. أشاح بوجهه بعيداً، لتتابع هي حديثها بحنان: -بقت مراتك دلوقتي، استغل الفرصة يا بني، عاتبها، صفوا اللي بينكم، لو غلطت عاقبها، البنت بتحبك وانت كمان بتحبها، ادي لحبكم فرصة، ليه قلبك شايف كل اللي بتعمله وحش؟ وليه بتتغاضى عن اغلاط نرمين؟

لما كل مشكلة بنقع فيها مين بيجري أول واحد؟ مراتك اللي عمرنا ما شوفناها معانا لا حزن ولا فرح، ولا ميان اللي واقفة معانا طول الوقت رغم كلامك السم، ليه؟ ردد بحدة: -متقارنيش بينهم. فريدة بصرامة: -ليه مقارنش؟ عشان الفرق واضح، ويعرف العيل الصغير مين الأحسن بينهم. سفيان بضيق وحدة: -انتي مش فاهمة حاجة. فريدة بغضب:

-طب فهمني انت، ومتقولش مش بحبها، صورتها اللي والسلسلة بتاعتها اللي شايلهم في درج مكتبك، مش بفتش وراك بس شوفتهم صدفة. فريدة بهدوء: -مش هقولك غير كلمتين بس يا بني، قدامك فرصة من دهب، يا تستغلها، يا صدقني ورحمة ولادي الاتنين اللي مفيش أغلى منهم، هتندم، فكر في كلامي، مش هتخسر حاجة لو جربت. سألته بحيرة: -طب ونرمين؟ جزت على أسنانها بضيق قائلة بهدوء:

-مثنى وثلاث ورباع، وانت عندك سبب عشان تتجوز الخلفة، من حقك تكون أب، ونرمين لو بتحبك زي ما بتقول هتقبل باللي في مصلحتك وهتفرحلك من قلبها. غير الموضوع قائلاً: -طب اجهزي يلا عشان هنتأخر. استأذنت ميان من والدها لتذهب معهم، ليوافق بصمت محركاً رأسه بنعم، فمنذ ذلك اليوم وهو يتجنب رؤيتها والحديث معها، لازال غاضباً منه. بعد وقت ليس بقصير، كانت تخرج من البناية برفقة لينا، والاثنتان غاية في الجمال.

كان عمار يتابع لينا بأعين تلمع بالحب والإعجاب بثوبها الزيتوني الذي انساب على جسدها بنعومة، وخصلات شعرها المموجة أو فيما يعرف بالكيرلي، رفعته لأعلى، اقترب منها رافعاً يده لها، لتضع يدها بها، وما إن فعلت، رفعها لشفتيه مقبلاً إياها بنعومة. ليردد قلبه قبل لسانه بتلك الجملة التي رآها قبل عدة أيام على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ليجد أنها تنطبق عليها تماماً وكأنها كُتبت لتقال لها فقط:

"تنازل الجَمالُ عن الجَمالِ لجَمالكِ، فزادَ جمالكِ عن الجمالِ جمالاََ" ♡ ابتسمت بسعادة متمسكة بيده بقوة، بينما سفيان تصنم بمكانه وهو يراها تقف، تنظر للأرض بصمت بفستانها الأرجواني الذي يصل لكاحلها وبدون أكتاف، تحاوط كتفيها بشال أسود من الحرير، وخصلات شعرها تتطاير بفعل الهواء. اقترب منها كالمجذوب حتى وقف أمامها، نظرت له بصمت، وكذلك هو شارداً في جمالها، متناسياً كل شيء وأي شيء. لم يفق الأربعة من شرودهم

سوى على صوت قصي الساخر: -يلا يا عم الحبيب، انت وهو، مش وقت، نحنة اتأخرنا ع الجماعة، عايز أحب أنا كمان.

ابتسم عمار جاذباً يد لينا ليجعلها تجلس بالخلف بجانب والدة قصي، التي رحبت بها، بينما سفيان أشار لميان بيده حتى تمشي هي أولاً، وما إن خطت خطوة تعثرت بأحد الحجارة وكادت أن تسقط لولا يده التي حالت دون ذلك، جعلها تستند عليه، ثم فتح لها باب السيارة الأمامي لتجلس بجانبه، وفريدة بالخلف تراقب الاثنان بابتسامة واسعة، وهي ترى تأثر حفيدها بحديثها معه في الصباح.

صمت تام يسود الأجواء بسيارة سفيان، على العكس تماماً بسيارة عمار التي يسود المرح فيها بسبب عمار الذي لم يتوقف عن المزاح ومغازلة لينا كلما أتيحت له الفرصة. *** بعد وقت، كان الجميع يقفون أمام باب منزل سيلين، التي تقف بغرفتها أمام المرآة تتأكد من هيئتها للمرة المئة تقريباً. لحظات من الترحيب، يليها دخول ميان ولينا إليها، مباركين لها، لتبدي كلتاهما إعجابها بهيئتها. مر وقت قصير بالحديث عن الأحوال العامة،

قبل أن تتحدث فريدة بجدية: -إحنا اتشرفنا بزيارتكم انهاردة عشان طلب إيد بنتكم سيلين لابننا قصي، على سنة الله ورسوله. كانت الفتيات يراقبون ما يحدث من خلف الستار، لمعت عينا ميان بالدموع وهي تشعر الحسرة على نفسها وما اضطرت لفعله، لقد خسرت حقها بالجلوس هكذا وعريسها يطلب يدها من والدها كما يحدث مع سيلين. كمال بابتسامة: -الشرف لينا يا ست فريدة، أنا معنديش مانع، مش هلقى أحسن من قصي زوج لبنتي، بس الأصول أصول، ناخد رأي العروسة.

وقفت فردوس لتأتي بسيلين، لتتفاجأ بالثلاثة خلف الستار، ضحكت بخفوت، ثم جذبت يد سيلين التي تكاد تنصهر من شدة الخجل والحرج من الموقف، يسألها بابتسامة عن رأيها، لترد بخجل شديد: -اللي تشوفه يا بابا. ابتسم كمال قائلاً: -يبقى على خيرة الله نقرا الفاتحة. ركضت سيلين للداخل خجلة، وخلفها الفتيات يضحكون بخفوت، وقصي يتابعها بعينيه هائماً بها وبجمالها.

بعد أن تمت قراءة الفاتحة، دخلت فردوس للمطبخ تعد أكواب الشربات، وهي لم تتوقف عن إطلاق الزغاريد العالية. لحظات ودخلت سيلين تمسك بيدها صينية كبيرة عليها المشروبات، تقدمها للضيوف، وما إن وقفت أمام قصي، همس لها بخفوت: -مبروك، طالعة زي القمر. توترت وشعرت بالخجل الشديد، كادت أن تسقط منها الصينية، فمسكها هو بدلاً عنها، وجلست هي بجانب والديها تنظر للأرض من شدة الخجل.

تعالى رنين جرس المنزل، فذهبت سميحة لتفتح الباب، لتتفاجأ بوجود كلا من فتحية شقيقة زوجها وابنتيها أمل ونهى، ارتسمت على شفتيها ابتسامة متشفية عندما رأتهم، وكالعادة كانت ابنتيها يضعون الكثير من مساحيق التجميل ويرتدون ملابس ضيقة لا تخص ملابس المحجبات بصلة: -أهلاً يا فتحية، اتفضلي. تمتمت فتحية بتهكم وهي تدخل وخلفها ابنتيها: -من غير ما تقولي يا حبيبتي، ده بيت أخويا، اتفضل طبعاً.

ما إن دلفوا للداخل، تفاجأوا بوجود ذلك الكم من الضيوف وكؤوس الشربات، فتساءلت فتحية على الفور بفضول وشك: -سمعنا صوت زغاريد، قلنا نيجي نفرح معاكم، خير إن شاء الله. ابتسمت سميحة قائلة بشماتة، فهي أبداً لم ولن تنسى حديثها على ابنتها ومعايرتها بكونها مطلقة، لا تنكر أنها مثلها، ولكن تتبع ذلك المثل "ادعي على ابني واكره اللي يقول آمين": -عقبال عندك يا فتحية، النهاردة قراية فتحة سيلين وقصي.

كان ذلك الخبر بمثابة صدمة كبيرة لثلاثتهم، فقد كانت تأمل فتحية بتزويج ابنتها أمل من قصي، بينما أمل ابنتها اشتعلت نيران الغيرة والحقد داخلها من سيلين لأنها سرقت منها من أحبته وتمنته زوجاً لها. طالما كان قصي عشق طفولتها والذي لم تتخلص منه للآن، وكم كانت تحقد على سيلين بصغرها حتى الآن لشدة اهتمام قصي بها وعشقه الكبير لسيلين دوناً عن غيرها، فمهما حاولت هي جذب انتباهه لم يلتفت أو ينظر لها ولو لمرة.

دوماً كان شغله الشاغل سيلين، فقد كانت ترى أنه الزوج المثالي، فهو وسيم ويملك أموالاً طائلة، وفوق كل ذلك تحبه بجنون. بتلك اللحظة زاد حقدها على سيلين أكثر وأكثر، وهي تنوي بداخلها تفريقهما، وأن يكون قصي لها مهما كلفها الأمر. لم تكن لتكتم تعليقها قائلة بضيق وحقد ظاهراً بوضوح: -مبروك يا قصي، بس بصراحة ما كنتش اتوقع خالص إنك لما تتجوز تتجوز سيلين. دافعت تلك المرة سميحة عن ابنتها، وتلك سابقة لم تحدث من قبل،

جعلت سيلين تبتسم بسعادة: -مالها سيلين يا أمل؟ ناقصة إيد ولا رجل؟ ده حتى من جمالها اللي بيغيروا منها ويحسدوها كتير قوي لدرجة إنهم هيولعوا، وأنا شايفاهم بعيني دلوقتي، نفسهم بس يكونوا مكانها. كتم الجميع ضحكتهم بما فيهم سيلين، أما عن عمار، اقترب من سفيان هامساً له بضحكة مكتومة: -طول عمري نفسي أشوف الخناقات اللي من النوع ده وتلقيح الكلام. سفيان وهو يكتم ابتسامته هو الآخر:

-سيبني أتفرج بتركيز بقى، شكل الموضوع هيكبر وهتبقى ليلة ما تتنسيش، الواد قصي ده فقر من يومه. ضحكة عمار بخفوت، بينما فريدة ابتسمت قائلة: -مش تعرفينا يا سميحة مين الجماعة؟ ردد عمار بصوت خفيض سمعه كلا من سفيان وقصي وميان ولينا، حيث كانوا يجلسون بجانب بعضهم: -دول عفاريت علبة المكياج. تمالك كلا منهم نفسه حتى لا ينفجر ضاحكاً، فزجر سفيان عمار قائلاً بصوت خفيض: -اتلم يا حيوان. سميحة بابتسامة شامتة:

-دي فتحية أخت كمان، ودول أمل ونهى بناتها، جوزها متوفي من سبع سنين وعايشين في العمارة اللي قصادنا. عمار بصوت خفيض ومرح: -أكيد مات من الخضة لما شافها هي وبناتها من غير مكياج، عيني عليه يا كبد أمه. تلك المرة انفجر قصي ضاحكاً بقوة، كذلك سفيان لم يتمالك نفسه هو الآخر، بينما لينا وميان وضعت كلتاهما يدها على شفتيها مانعين أنفسهما من الضحك على مزاحات عمار. حمحم قصي قائلاً بحرج: -آسفين يا جماعة، بس عمار قال لنا نكتة ضحكتنا.

ابتسم الجميع بهدوء، عدا فتحية وابنتيها، بينما سميحة أخذت تعرف الجميع ببعضهم. فقال كمال لها: -هاتي الشربات ليهم يلا يا سميحة. ابتسمت سميحة وهي تطلق زغاريد عالية حتى تثير حنق وغضب الثلاثة، وقد نجحت في ذلك بالفعل، بينما نهى كانت بعالم آخر، تصب كامل تركيزها على سفيان الذي جذبها بوسامته الطاغية، بقت تنظر له بجراءة، فلاحظ سفيان وقصي، بينما عمار مال على سفيان قائلاً بمشاكسة: -الحق يا عم، البت بتتحرش بيك.

كذلك لاحظت ميان نظرات نهى لسفيان وشعرت بالغيرة الشديدة، خاصة عندما بدأت الأخرى بفتح حديث معه قائلة برقة مبالغ فيها: -مبروك يا أستاذ سفيان، عقبالك. رد عليها وتجاهلها، بينما ميان تمسكت بيده قائلة بابتسامة صفراء: -عقبالك انتي يا روحي. جلست نهى أمام سفيان قائلة برقة مستغلة حديث الجميع بمواضيع عامة: -أنا نهى، ما تعرفناش كويس. كادت أن ترد ميان، لكن عمار سبقها قائلاً بمرح:

-سوري يا قمر، بس ماما قالت له ما يلعبش مع البنات الرزلة. ضحك قصي بقوة، أم عن سفيان، رمقه بقرف ولم ينظر تجاهها مرة واحدة حتى. حمحم قصي ثم التفت لسيلين يرمقها بنظرات عاشقة هائمة، والأخرى تخفض وجهها خجلاً، كل ذلك تحت نظرات أمل الحاقدة، قائلاً بجدية: -عم كمال، بعد إذنك، أنا كنت عايز كتب الكتاب بعد أسبوع والفرح بعد الامتحانات. كمال بحيرة: -ليه الاستعجال يا ابني؟ قصي بلهفة: -مش استعجال، بس نأجل ليه ونستنى كل ده؟

الشقة بتاعتي جاهزة، مش ناقصها أي حاجة، وقدام شقة والدتي طبعاً، لو سيلين حبت تغير فيها أي حاجة، أنا تحت أمرها، كل اللي هي عايزاه هيحصل، والحاجات اللي هي عايزة تشتريها قدامها فترة أهي تقدر تجهز نفسها فيهم، والمهر والشبكة والمؤخر وكل الحاجات دي مش هنختلف عليها، اللي انتوا تأمروا بيه هيتنفذ. قبضت أمل بيدها على كأس الشربات بغل وهي ترى لهفة قصي على سيلين، كذلك فتحية التي مهما حاولت إخفاء ضيقها إلا أنه ظهر للجميع بوضوح.

نظر كمال لابنته ليرى رأيها، فأومأت له بنعم. فردد كمال بابتسامة: -على خيرة الله، ألف مبروك يا ولاد. دخلت فريدة قائلة بلهفة: -يبقى بعد الامتحانات فرح قصي وسيلين، وميان وسفيان مع بعض. تبادل ميان وسفيان النظرات بصدمة من حديث فريدة، وكلاهما يشعر بالضيق والغضب الشديد، فيكفي أنها أجبرتهما على تلك الزيجة، والآن تحدد موعد زفافهما دون الرجوع لهما. صمت الاثنان مجبران لحين خروجهم من هنا. ابتسمت والدة قصي قائلة بنبرة

ذات مغزى وهي تنظر للينا: -عقبالك يا عمار، ما فاضلش غيرك، وشكل الدور خلاص جاي عليك، وهنفرح بيك قريب. ابتسم عمار قائلاً بلهفة وهيام وهو ينظر للينا التي تخفض وجهها خجلاً: -طبعاً وقريب قوي كمان، هو كمان أنا مليش نفس أحصلهم ولا إيه؟ ضحك الجميع بخفوت، كان الجو مشحون خاصة بتواجد فتحية وابنتيها، وما إن غادروا، تنفس الجميع براحة.

مر وقت قصير، استأذن الجميع ليغادروا، واتفق قصي مع والد سيلين ليأخذها ليريها مفاجأة قام بتحضيرها لها، قائلاً بابتسامة مطمئنة لكمال: -ما تخافش يا عم كمال، مش هتأخر، بس عامل لسيلين مفاجأة وعايزها تشوفها، خليك واثق فيا، أنا أخاف عليها حتى من نفسي. تنهد كمال قائلاً: -ماشي يا ابني، بس خلي بالك منها، حافظ عليها، أنا عارف إنك قد الثقة.

ابتسم له قصي جاذباً معه سيلين للأسفل ليغادروا بسيارة أخرى كان قد طلب من أحد رجاله أن يأتي بها أسفل المنزل. صعدت فريدة السيارة برفقة عمار ولينا، لتهرب من مواجهة سفيان وميان عن موعد العرس الذي حددته بالأعلى، بينما والدة قصي صعدت معهما بالخلف. قام سفيان بتوصيل والدة قصي أولاً، ثم توقف بسيارته أمام الشاطئ ونزل منها، لحظات ثم لحقت به ميان، الاثنان يقفان بجانب بعضهما ينظران للشاطئ بصمت. سألته ميان بهدوء: -ليه وصلنا لهنا؟

وليه الكره ده؟ ليه بعدنا كده؟ وزمان مكنش فيه أقرب منا لبعض؟ ردد بخفوت وصوت معاتب: -إجابة السؤال ده عندك انتِ. اقتربت حتى وقفت أمامه قائلة بعتاب: -إجابة السؤال ده عندك انت مش أنا، انت اللي بعدت فجأة، ولا كأني كنت في حياتك، أحلامنا زمان كانت إيه وشوف دلوقتي بقينا إيه؟ جوازنا من بعض زمان كان حلم، دلوقتي مغصوبين عليه. سفيان بحدة وهو يقبض بيده على كتفها:

-بسببك انتي السبب وصلنا لكده، بسببك خسرتيني يوم ما خلفتي العهد اللي بيننا. نزلت دموعها قائلة بعتاب: -أنا مخالفتش أي عهد، أنا لحد لحظتنا دي بحبك، فضلت شريكك رغم إنك خنت العهد وخليت واحدة تانية تاخد حاجة انت قلت زمان إنها حقي وملكي. دفعه للخلف قائلاً بغضب كبير: -خسرتي حقك ده زمان يوم ما شوفتك وانتي بتخوني كل العهود اللي اتعاهدنا عليها، خسرتيها لما جيتلك ورميتي كل حاجة ورا ضهرك وبعتي حبي. صرخت عليه بغضب:

-قولي أنا عملت إيه؟ شوفت إيه خلاك تبعد وتقول إن خنتك وخنت العهد، مع إن يشهد ربي على كل كلمة بقولها وهو العالم بكل حاجة، إن فضلت صاينة العهد لحد النهارده، قلبي لسه بيحبك وعقلي مش بيفكر غير فيك، ولا خونتك بكلمة أو نظرة أو لمسة. صرخ عليها بغضب: -عمى أنا مثلاً. مسحت دموعها قائلة: -مش كل حاجة بنشوفها بعنينا بتبقى صح، قولي أنا عملت إيه، واديني فرصتي إني ادافع عن نفسي، انت حكمت وقررت تبعد من غير ما تسمع مني.

جلس على الرمال يضع رأسه بين يديه، عقله رافضاً الاستماع لها وتصديقها، وقلبه الأحمق يريد سماعها، يريدها بجواره، بداخله يشعر بالشيء ونقيضه، يريدها ولا يريدها، هو بالأساس لا يفهم نفسه ولا يعرف ما يريد. شعرت بحيرته، فجثت على ركبتيها أمامه قائلة بغموض: -لسه بتحبني؟ لسه موجودة في قلبي؟ لم يجب، وأشاح بوجهه بعيداً عنها، رفعت يدها تضعها على وجنته تدير رأسه لها، قائلة:

-مش طالبة منك غير إجابة واحدة، آه أو لأ، ومش هطلب حاجة ولا هسألك عن حاجة ولا هعاتبك، بس قولي... أنا لسه في قلبي ولا لأ؟ وضع يده فوق يدها التي على وجنته، ولسانه غير قادر على نطقها، حاوط وجنتيها بيده، يمرر إصبعه على شفتيها، ثم بلحظة كانت شفتيها أسيرة خاصته في قبلة أودع فيها عشقه وحبه وحيرته وعتابه، تارة يقبلها بقسوة كأنه يعاقبها على ما فعلت، وتارة بشغف ولهفة عاشق، هامساً بخفوت من بين قبلاته وبدون وعي: -بحبك!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...