وضع يده فوق يدها التي على وجنته ولسانه غير قادر على نطقها. حاوط وجنتيها بيده، يمرر إصبعه على شفتيها. ثم بلحظة، كانت شفتيها أسيرة خاصته في قبلة أودع فيها عشقه وحبه وحيرته وعتابه. لهاتاره يقبلها بقسوة كأنه يعاقبها على ما فعلت، وتارة بشغف ولهفة عاشق. هامساً بخفوت من بين قبلاته، وبدون وعي: "بحبك!
ابتسمت بسعادة وانسابت دموعها على وجنتيها حتى ذاق ملوحتها من بين قبلاته. ابتعد مستنداً بجبينه على جبينها، يتنفس أنفاسها. وعقله غير مدرك ما يفعله الآن، انساق وراء رغبات قلبه في ضمها، تقبيلها، أن يجعلها بأحضانه مدى الحياة. تمتمت هي الأخرى بصوت خافت وهي تنظر لداخل عينيه، بينما
الآخر رفع يده يمسح دموعها: "أنا بحبك يا سفيان، متخلنيش أكرهك. صدقني أنا خايفة أكرهك، لأني لو كرهتك، لو انطبقت السما على الأرض، عمرك ما هتقدر مهما عملت تخليني أحبك لو بنسبة واحد في المية. على قد ما بحبك، صدقني هكرهك." توسعت عيناه بصدمة وكلماتها أعادته لأرض الواقع. فدفعها بعيداً عنه، وأخذ يلعن نفسه وغباءه على ضعفه أمامها: "غبي، غبي! إزاي تعمل كدا؟ اقتربت منه قائلة بدموع: "أنا مقولتش حاجة غلط."
صرخ عليها بغضب: "اللي حصل غلط. وجودك غلط. بسبب خونت وعدي ليها ووعدي لنفسي إن عمري ما أقرب منك. إنتي أكبر غلطة في حياتي. كل اللي باخده منك وجع." ضحكت بسخرية قائلة بدموع: "إنت اللي بتاخد مني وجع؟ طب وأنا اللي بتعمله فيا ده إيه؟ إنت الوحيد اللي واجع قلبي، إنت سبب حزني. مسألتش نفسك واحدة زيي مستحملة كلامك ده كله ليه؟
اللي هتعمل كده يا إما واحدة بتحبك، يا واحدة طمعانة فيك. وأنا اتربيت في بيت أبويا على العز، مفيش حاجة بحتاجها إلا لما تجيلي. مستحيل أطمع فيك." سخر منها مردداً بجراءة وهو يتحسس شفتيها المنتفخة من قبلاته: "ما يمكن محتاجة حاجة تانية، أقدر أديهالك على فكرة من غير التمثيلية دي كلها، وبحبك ومعرفش إيه. والرفض في الأول وبعدين توافقي... ما كاد أن يكمل حديثه، وكانت صفعة من يدها تهوى على صدغه بقسوة،
مصحوبة بكلماتها الغاضبة: "إنت فعلاً خسارة فيك أي حاجة. شايف نفسك على إيه؟ قولي. عمال تطلع فيا عيوب وبتقول عني وحشة. أنا وأهلي اللي هما أهلك بردو. اللي ملوش خير في أهله، ملوش خير في حد. بتقول عني كده وبتتهمني وأنا بنت خالتك؟ اومال لو بقيت مراتك؟
لو فاكر إن اللي بتعمله شطارة ورجولة تبقى غلطان، دي قلة أصل وأخلاق. قارن بيني وبينك وانت تعرف الفرق بين تربية أهلي اللي مش عاجبينك، وتربيتك إنت اللي سمحتلك تتكلم عني كده يا بن كاميليا." رفعت إصبعها بوجهه قائلة بغضب: "بتطلع عيوب فيا وبتنتقدها و شايفني رخيصة؟
إنت أصلاً كلك عيوب. ومع ذلك عمري ما قدرت أقولك عليها عشان مضايقكش. لكن اللي زيك مش بيفتكر لا معروف ولا عشرة ولا أي حاجة. زي الست الوالدة بالظبط، لو كانت هي بقيت على عشرة العمر اللي بينها وبين أبوك، كنت انت بقيت على خالتك وجوزها. الدي بيتهم كان مفتوح ليك على طول، وابنهم اللي كان بيعتبرك زي أخوه بالظبط، ومع ذلك هان عليك ومحضرتش جنازتها." أخذت نفساً عميقاً وصدرها يعلو ويهبط من الغضب والانفعال الشديد: "بتقولي بحبك؟
حب إيه ده اللي يخليك تتهمني في شرفي كل شوية قدام الكل وتفضل تطلع في عيوب فيا وتتهمني بحاجات محصلتش وعمرها ما هتحصل؟ وأنا عمري ما قولت في حقك كلمة وحشة. كنت بدافع عنك قدام أي حد يقولي ده ميستاهلش حبك و سيبك منه غيره يتمنوا ضفرك، كنت برد عليهم وأقول: معلش معذور مجروح من والدته. كنت بحطلك مبررات رغم إني عارفة إن كلها مش صح وإنك غلطان. بس إنت بقى عملت إيه؟
بتتهمني بحاجات غريبة. خطيت ليا مرة مبرر، جيت سألتني خدتني أنا وأهلي بذنب أمك؟ هي اللي عملتها." أخذت نفساً ثم صرخت عليه متابعة حديثها: "أنا آخر لحظة كنت متمسكة بيك، لكن بعد اللي قولته ده جيبت النهاية. أنا لا عايزاك ولا عايزة أشوف وشك. وأقولك على حاجة كمان، إنت تستاهل واحدة زي مراتك. تعمل عليا أنا مفتح و فاهمني ومراتك مغفلاك؟
إنت مينفعش معاك غير واحدة زيها. كل اللي بتقوله عليا وبتتهمني بيه مراتك بتعمله، والغبياء متعرفش إنها بتردلي حقك. ما هي الدنيا دوارة. اللي بيعمل حاجة أو بيوجع حد بحاجة، هيجي يوم يتوجع بيها." قبض بيده على كتفها صارخاً عليها بقسوة: "حفرتي قبرك برجليكي لما رفعتي إيدك عليا وغلطتي في مراتي اللي أشرف منك ومن مية واحدة من عينتك. ورحمة أبويا لدفعك تمن اللي حصل ده غالي." دفعته
يدها عنها قائلة بغضب: "اتكلم على قدك. إنت أكتر واحد عارف إن قلبتي وحشة، وإن لو حطيت حد في دماغي مش بسيبه وبكرهه في عيشته واليوم اللي اتولد فيه. طبعي بقى من زمان ومش بغيره. صدقني لما بحب بحب من قلبي، ولما بكره ربنا ما يوريك. قلبتي." ثم تابعت بتهكم: "كل الكلام ده كنت بتعلمه ليا وأنا صغيرة. فاكر؟
اقتربت منه قائلة: "خد كلامي باستهزاء كويس. بكره يجي اليوم اللي تبكي بدل الدموع دم، وهكشف كل حاجة يا سفيان. خليك تعرف إنك غبي وظالمني. مش عشانك لأ، ده عشاني. عشان أشوفك جايلي راكع و تتذل وانت بتطلب السماح، عشان تحس بالندم وشعوره اللي بيقتل البطيء." قبض بيده على فكها قائلاً بقسوة وفحيح: "ده انتي لا عيشتي ولا كونتي ولا اتخلقتي لسه اللي يذل سفيان العزايزي. أهفسك تحت جزمتي قبل ما تعمليه." دفعت يده بعيداً
عنها قائلة بتحدي: "الأيام بينا يا سفيان، ومفيش أسرع من الوقت."
قالت الأخيرة، ثم التقطت حقيبة يدها وأوقفت سيارة أجرة واستقلتها حتى منزلها الذي لا يبعد كثيراً. والآخر ينظر لأثرها بغضب كبير وندم أكبر لضعفه أمامه، رافضاً الإصغاء لكل ما قالت. عقله لا يراها سوى كاذبة وخائنة تفعل كل ذلك لتزعزع ثقته بزوجته لأنها تغار منها. وكلما لان قلبه لها ولو قليلاً، تأتي صورته وهي بين تتبادل الأحضان مع ذلك الشاب لمخيلته، فيزداد قسوة تجاهها، متغلباً لصوت قلبه العاشق لها.
توقفت سيارة قصي بمنطقة خالية من السكان أمام مبنى يبدو أنه مهجور. يأمنه من الخارج رجل. سألته بخوف: "قصي، إحنا هنا ليه؟ دي صحرا! نزل من السيارة وفتح لها الباب قائلاً بهدوء: "تعالي معايا وانتِ تعرفي. متخافيش."
أومأت له وبقت متشبثة بيده حتى دخل بها للداخل. لتشهق بقوة وترجع للخلف عدة خطوات ما إن وقعت عيناها على "راغب" زوجها السابق، مقيد على مقعد حديد. والدماء تسيل منه، عيناه مغلقة من كثرة اللكمات التي تلقاها، ونصفه العلوي شبه عارٍ ملطخ بالدماء التي تسيل من الجروح التي ملأت جسده. تمسكت سيلين بخوف بيد قصي قائلة بارتجاف: "مشيني من هنا."
قصي بقوة: "كان لازم يدفع تمن اللي عمله فيكي. ومكنش ينفع تكوني ليا قبل ما حقك يرجع منه. شوفي إيه اللي يرضيكي وعايزة تاخدي حقك منه إزاي." فت برأسها عدة مرات مرددة بخوف: "طلعني من هنا عشان خاطري يا قصي." رد عليها بصرامة: "سيلين، اللي قولته هيتنفذ. يا تعاقبيه إنتي، يا إما أنا اللي هعاقبه وأكمل عليه لحد ما يموت." ثم همس بخفوت: "متخافيش، أنا جنبك. محدش يقدر يضرك. ومش الحيوان ده اللي تخافي منه."
نظرت لراغب الذي كان بحالة يرثى لها، قائلة له بقهر: "ليه عملت معايا كده؟ أنا ما أذيتكش. ليه تضحك عليا؟ لعبت بيا ليه ودمرت حياتي؟ راغب باستهزاء رافضاً قول الحقيقة: "صيدة سهلة زي ما بيقولوا. حد يلاقي واحدة سهل يضحك عليها ومعملش كده. بس للأسف سكتك مكنتش شمال. وكان الحل الوحيد للأسف الجواز. قولت وماله، الواحد يتسمتع شهر اتنين بعدين يخلع ويرميك." ثم تابع بوقاحة قاصداً إثارة غضب قصي: "بس يا سولي، أحلوتي ودورتي أو...
صرخة ألم خرجت من بين شفتيه عندما انقض عليه قصي باللكمات القوية والركلات بعدما استمع لكلمات ذلك الوقح الحقير. ظل هكذا يركل ويلكم، غير منتبهاً لإغمائه. يفيق سرى على صوت سيلين قائلة بخوف: "قصي، هيموت في إيدك. عشان خاطري سيبه." دفعه قصي بقدمه باشمئزاز، ثم التفت لها ينظر لداخل عينيها يطمئنها، ثم قال: "عايزة تاخدي حقك منه إزاي؟
سيلين بخوف ورجاء: "قصي، عشان خاطري مشيه. متأذيش حد. ده ما يستاهلش. لو ليا خاطر عندك سيبه في حاله. ربنا هو اللي هياخدلي حقي منها." أومأ لها مقبلاً جبينها بحب قائلاً: "خاطرك غالي أوي يا سيلين. حاضر همشيه. بس بعد ما يتعلم الأدب ويفكر ألف مرة قبل ما يجيب سيرتك حتى بينه وبين نفسه."
قال ما قال، ثم جذبها للخارج، مصدراً أوامر لرجاله بالتعامل معه، ثم أخذها وغادر لأحد المطاعم التي سبق وقام بحجزها كاملة لهما، وقضى الوقت المتبقي معها بسعادة وحب. بتلك الغرفة التي أصبح أثاثها حطاماً، كان يجلس زاهر أرضاً بإهمال وهو يرتشف من زجاجة النبيذ، ينظر لهاتفه حيث صورة تجمع سفيان وميان وهما قريبان من بعضهما. التقطها أحد رجاله الذي يراقب ميان كظلها دون أن تنتبه، مصحوباً بمقطع فيديو قصير.
ألقى بالهاتف نحو الحائط بعنف، فتهشم على الفور مصدراً صوتاً مزعجاً، مصحوباً بصراخه العالي: "يا ابن الكل... أخذ يسب ويلعن سفيان متوعداً له بكل شر، مغمغماً بانفعال وغِل: "اللي عملته أمك زمان مش همسحلك تعمله إنت دلوقتي. كاميليا زمان دمرت عيلتي ودخلت علينا بالخراب. موتت أمي بحسرتها وخطفت أبويا مني. وانت مش همسحلك تاخد الوحيدة اللي حبيتها من قلبي. مش هسمحلك، إنت سامعني؟
نهض بترنج وتثاقل، ملتقطاً بيده إطار يضم صورة لميان وهي تبتسم. التقطها لها خلسة بأحد المرات، متحدثاً للصورة وكأنها هي أمامه: "بتحبيه؟ ليه؟ عملك إيه حلو عشان ترضي بيه؟
هو مش بيحبك، صدقيني. أنا بس اللي بحبك. ومفيش حد في الدنيا دي ممكن يحبك قدي. أنا متأكد لما نتقابل في يوم ونتكلم سوا و تتعرفي عليا، هتحبيني زي ما أنا حبيتك من أول مرة عيني وقعت على صورتك. هطلقك منه وهاخد حقك تمن كل كلمة هانك بيها. هي بس مسألة وقت وهتكوني ليا وفي حضني يا ميان."
نطق اسمها متلذذاً وهو يمرر إصبعه على صورتها بحب ودموعه تنساب على وجنتيه، متوعداً لسفيان بالويلات، عازماً على أخذ ما هو ما اعتبره ملكاً له، وأخذه منه الآخر، حتى لو اضطر لجعلها تتألم، سيشفي جرحها فيما بعد، المهم أن تكون له. في صباح اليوم التالي. فيلا صغيرة مكونة من طابقين وحديقة مليئة بالزهور ومخصص بها اسطبل صغير يكفي خيلان. إنها فيلا "كارم الحسيني".
كان يجلس على طاولة الطعام برفقة والدته في الصباح يتناولون الإفطار كما اعتادوا كل يوم. سألته والدته بابتسامة: "كارم، مش بتشوف همس؟ سألها بتعجب: "بتسألي ليه؟ ترددت قبل أن تقول بتوتر: "كنت هقولك إيه رأيك تحدد عرضك ليها، يمكن توافق؟ أو أنا أكلم عاصم أخليه يحاول يقنعها." كارم بحدة: "إيه يا أمي؟ عايزة تروحي تبوسي إيديهم عشان يوافقوا؟ ليه؟ هموت من غيرها مثلاً؟ كل شيء قسمة ونصيب، وأنا وهي ملناش نصيب في بعض."
تنهدت والدته قائلة بحزن: "آه هتموت من غيرها. عيشتك كده غلط. بتموت نفسك بالبطيء يا بني. من ساعة ما رفضتك أول مرة وانت حالك ما يسرش أبداً. لا بقيت تضحك زي الأول، بقيت على طول مهموم وهمك هو أنها في يوم وارد جداً تكون لغيرك." كور قبضة يده بغضب. والدته محقة بكل كلمة. لتستأنف
هي حديثها قائلة بتفاؤل: "بس أقولك على حاجة، والله العظيم أنا حاسة أنها هتكون نصيبك إنت. هو بس الموضوع محتاج وقت. خليك وراها يا كارم. حاول بدل المرة عشرة عشان ما يجيش يوم تندم إنك محاولتش. والله أنا نفسي قبلَك تكون من نصيبك. حبيتها زي بنتي بالظبط، محترمة ومن بيت محترم." أغلق الموضوع قائلاً باقتضاب: "اللي ربنا عاوزه هيكون يا أمي. أنا اتأخرت على الشغل، لازم أمشي. خلي بالك من نفسك. سلام عليكم."
ما إن غادر، تنهدت بعمق وقررت أن تتحرك هي بدلاً من ابنها وتقرب بينهما أكثر. فأخرجت هاتفها تتصل برقم ما. صاحبته "هبة" والدة همس، قائلة بعد دقائق من الترحيب: "مستنياكم بكرة على الغدا كلكم، ومفيش أعذار. وبينى وبينك عايزة أفاتحك في موضوع."
هاتفت لينا عمار عدة مرات لكنه لا يجيب على اتصالاتها، فقررت الذهاب لمقر عمله ومفاجأته. بينما على الناحية الأخرى، كان عمار يجلس خلف مكتبه يضع رأسه بين يديه يشعر بصداع لا يحتمل وحكة غريبة بجسده، حتى أنه من شدة الألم صدم رأسه بالحائط. لم يتحمل الألم. كاد أن يذهب للمستشفى، لكن توقف على صوت رسالة لهاتفه. كانت تنص على كلمات قليلة، لكنها كانت كفيلة بجعل عالمه ينهار ويسقط أرضاً
من الصدمة: "يا ترى سفيان العزايزي هيعمل إيه لما يعرف إن أخوه بقى مدمن مخدرات؟ الرقم مجهول. وقف ناظراً لنفسه بالمرآة بالمرحاض الخاص بمكتبه. هيئته وما يشعر به من أعراض الألم لا تدل سوى على أنه أصبح "مدمن". هالات سوداء أسفل عينيه، صداع رأسه والحكة التي تصيب جسده كل صباح والتي لا تختفي ما إن يشرب قهوته الصباحية بالشركة. خرج من المرحاض بنفس الوقت دخلت لينا من باب المكتب دون أن تطرق،
قائلة بابتسامة واسعة: "حبيت أعملك مفاجأة." اقتربت منه قائلة بقلق عندما لاحظت نظراته الغريبة نحوها وطال صمته: "عمار، إنت كويس؟ جذبها بدون حديث لأحضانهم، متشبثاً بها بقوة، خائفاً. لا بل تلك الكلمة قليلة على ما يشعر به الآن. هو يشعر بالرعب مما هو قادم. دفن وجهه بعنقها متمتماً بصوت خفيض جداً: "خليكي جنبي." ربتت على ظهره قائلة بصوت حنون دافئ: "أنا جنبك. قولي بس مالك؟ حصل حاجة ضايقتك؟
كلم يتحدث، فابتعدت عنه محاوطة وجهه بيدها، مرددة بقلق: "مالك يا عمار؟ ساكت ليه؟ لو في حاجة احكيلي، واللي هتقوله مش هيطلع بره. اتكلم، يمكن ترتاح. حاسة إنك عايز تقول حاجة بس خايف. لو مش واثق فيا... قاطعها قائلاً بحزن: "مش عايز أتكلم دلوقتي. سيبني لوحدي يا لينا." "بس إزاي... قاطعها قائلاً برجاء: "امشي دلوقتي من فضلك."
غادرت لينا مرغمة تشعر بالقلق عليه، بينما هو بالداخل دخل للمرحاض مرة أخرى يصفع وجهه بالمياه، لعله يفيق من ذلك الكابوس. لكن مع كل دقيقة تمر، يتأكد أنها حقيقة لابد من تصديقها والتصرف بأسرع وقت. يجب أن يتعالج. للآن لم تستقر همس على قرار. الخوف هو المسيطر عليها. تخشى الألم الذي تراه بأعين ميان، تخشى فشل التجربة، وتخشى عدم المحاولة فتندم لاحقاً. كان
رد همس ولينا عندما علموا: "شاب كويس ومحترم، وإنتي بتحسي ناحيته بمشاعر، وكمان هو قالك معجب. مش هتخسري حاجة في فترة تعارف. مرتاحتيش، أهو اديكي لسه على البر. مش هيحصل حاجة." بتردد كانت ترسل له رسالة من كلمة واحدة: "موافقة." ثم أغلقت الهاتف حتى لا يتصل بها، وتجهزت لتغادر المنزل وتذهب لبيت لينا. ليتفاجأ الاثنتان بعد وقت من جلوسهم بدخول ميان عليهما، قائلة بحدة: "كان معاكي حق يا همس، ما يستاهلش."
همس بغضب: "عملك إيه تاني البني آدم ده؟ قصت عليهم ميان ما حدث، ثم أنهت حديثها قائلة: "كل حاجة هكشفها. هخليه يندم. لامتى هستحمل منه الكلام ده؟ لو كان قال بحبك بس امبارح وسكت، كان عندي استعداد أحارب عشان أثبتله إني مظلومة. لكن هو زودها أوي ونهى أي فرصة كان ممكن أديهاله. هعرفه الحقيقة عشان يعيش طول عمره بالندم. خليه يشوف قد إيه هو ظالم مش مظلوم، وإنه أكتر واحد شبه كاميليا مش أنا ولا إمي." لينا بتساؤل: "ناوية على إيه؟
ميان بغضب: "معايا تسجيلات لمراته مع كاميليا. بس أنا متأكدة مية في المية إنه هيكذبهم بردو ومش هيصدق. بس في حاجات كتير أنا لسه معرفهاش، إزاي خلوه يشك فيا ويهمني في شرفي. وبعدها هاخد حقي منهم." همس بتفكير: "مراته؟ مراته لو سمعت التسجيلات دي هتترعب وتقول كل حاجة عشان تنقذ نفسها. بس متعرفش إنه مش هيصدق. وهتقول إيه اللي يضمنلي إنه يكدبها؟
ميان بحدة: "مظبوط. كلمة السر عندها. لأن في مرة سمعتها بتقول لكاميليا إن كل بلاويها تعرفها. غير كده سمعت إن نرمين كانت بتشتغل رقاصة قبل ما تقابل سفيان. بس فين بقى معرفش." همس بجدية: "هاتي اسمها بالكامل، وأنا عندي اللي يجيبلك قرارها كله من يوم ما اتولدت." في الساعة الثالثة عصراً، كانت نرمين تجلس في كافية في انتظار شخص ما. هاتفها قبل قليل طالباً لقائها.
ارتشفت من قهوتها وهي تنظر للساعة من وقت لآخر بضيق، حتى مر عشر دقائق وجاء. فردت بغيظ وشدة: "ربع ساعة بحالها تأخير، وانتِ اللي طالبة تشوفيني في الأساس يا... ضرتي! ميان ببرود وهي تجلس تضع قدماً فوق الأخرى: "تؤ تؤ. إيه يا نروم؟ إنتي عايزاني أجي وأستناكي، أو حتى أجي في ميعادي؟ فوقي لنفسك. شرف ليكي أصلاً إن ميان القاضي طلبت تشوفك." غضبت نرمين بشدة وكادت أن ترد، لكن
سبقتها ميان قائلة بتهكم: "كان بودي أسألك عن أحوالك، بس للأسف كلها تقرف. فبوفر على نفسي، لأن عارفاه كلها." نرمين بتوجس وغضب: "قصدك إيه؟ ميان بابتسامة ماكرة: "قوليلي صحيح، هو زاهر تمام أخباره إيه؟ شعرت نرمين بالصدمة، فردت بارتباك وكذب: "زاهر مين ده؟ معرفهوش." ميان بتهكم: "تؤ تؤ. إيه يا نروم؟ مش عارفاه؟ إزاي؟ اومال مين اللي كانت طالعة شقته من كام يوم وكانت لابسة فستان أزرق؟
أو مش لابسة أدق. أصل لبسك كله غالي أه، بس معمول للستات الرخيصة اللي زيك." نرمين بغضب رغم رعبها الداخلي: "بتخرفي؟ بتقولي إيه؟ ولسانك لو طول هقول لجوزي بأدبك ويعرفك مقامك." ميان بتهكم وبرود: "تحبي أتصلك بيه عشان تقوليله وييجي عشان يعرفني مقامي؟ أقوم أنا معرفاه مقام مراتك." نرمين بتحدي: "إثبتي." ضحكت ميان قائلة ببرود: "إثبت؟ وما ثبتش ليه؟ ده حتى الإثباتات كتير." رجعت بظهرها
للخلف وبدأت تعد لها: "أولاً، بواب العمارة اللي بيشوفك وانتِ طالعة ونازلة من شقة زاهر تمام، واللي هو العدو الأول لجوزك. تفتكري واحدة متجوزة رايحة لشقة واحد عازب وعارفة إنه عدو جوزها تعمل إيه؟ ثم تابعت بتهكم
وهي ترى شحوب وجه الأخرى: "ثانياً، الكاميرات اللي في العمارة من جوه وبره، اللي طبعاً صورتك وانتِ داخلة وانتِ طالعة شقة زاهر. طبعاً التسجيلات دي معايا دلوقتي. ثالثاً، لو افترضنا مثلاً إننا عملنا بحث بسجل مكالماتك، واللي طبعاً هيطلع معظمها لزاهر. تفتكري جوزك هيعمل إيه؟
وطبعاً بسهولة جداً أقدر آخد السجل ده، أصل عندي ألف مين يتمنى يخدمني. رابعاً، تسجيل صوت بصوتك وانتِ بتكلمي حبيب القلب. طبعاً ده بعد ما خليت حد من الخدم في الفيلا يحطوه في أوضتك. وطبعاً كنتِ بتكلمي زاهر. إيه رأيك بقى فيا؟ أعرف أثبت؟ جزت نرمين على أسنانها قائلة بغل: "عاوزة إيه؟ ميان بمكر: "أيوه كده يا نروم. خلينا على المكشوف بقى." نرمين بغل وغيظ: "عاوزة إيه؟ خلصيني." ميان ببرود: "هتعرفي بكرة أنا عاوزة إيه."
نرمين بغضب وصوت عالي: "لخصي وقولي عاوزة إيه دلوقتي." ميان بتحذير: "صوتك يوطى. يوطى خالص. متزعلنيش عشان زعلي وحش ومش بشوف قدامي. ممكن مثلاً في لحظتها أمسك الفون وأبعت كل اللي معايا لسفيان." غادرت نرمين بغضب والخوف متملكاً منها، لتقودها قدمها نحو منزل كاميليا. وميان تلحق بها وهي على ثقة تامة أنها ستذهب لكاميليا. أفعوان، هذا اللقب الذي يليق بامراتان مثلهما انعدمت من قلوبهما الرحمة.
ما إن فتحت كاميليا الباب، دفعتها نرمين ثم دخلت الأخرى وأغلقت الباب خلفها قائلة بخوف: "الحقيني يا كاميليا، أنا في مصيبة." ردت كاميليا ببرود: "خير؟ ولو إنك ما يجيش من وراك خير." نرمين بخوف: "بنت اختك... " ثم بدأت تقص عليها كل ما حدث. وما إن انتهت، ردت كاميليا ببرود: "طب أنا مالي؟ دي مشكلتك إنتِ." نرمين بغل وغضب: "إحنا التلاتة في مركب واحدة. لو وقعت هتقعوا معايا. عليا وعلى أعدائي، هوقعكم معايا." زفرت كاميليا
وصمتت لدقائق قائلة بحدة: "شوفي هتطلب منك إيه بكرة، بس وخلينا نهاودها ونعمل اللي هي عاوزاه. نسكتها فترة مؤقتة لحد ما نشوف مصيبة تاخدها ونخلص منه." نرمين بسخرية: "مصيبة نخلص منها؟ تبقي غبية لو فاكرة إن زاهر هيسمح إنك تلمسي شعرة منها." كاميليا بتهكم: "ليه إن شاء الله؟ نرمين بغل وحقد كبير تجاه ميان: "عاملة لهم سحر. مش عارفة ابنك وهو عاجبهم فيها إيه؟
لو تشوفي زاهر كان ناقص يهد العمارة على اللي فيها لما عرف إنها اتجوزت سفيان." ردفت كاميليا بصراحة: "قولي إيه اللي ما يعجبهمش فيها؟ لا رخيصة زيك بصراحة، أحلى منك كمان." نرمين بغضب: "إنتِ قصدك تغيظيني مش كده؟ كاميليا بابتسامة أثارت استفزاز الأخرى: "وانتي متغاظة ليه من اللي بقوله؟ ولا عشان اللي بقوله صح؟ ما هو المثل بيقول: اللي على راسه بطحة."
نرمين بغضب: "مش وقته الكلام الفارغ ده. خلينا نشوف حل للمصيبة دي. أنا لو وقعت مش هقع لوحدي يا كاميليا. عليا وعلى أعدائي، وهقول لأولادك اللي هتعمليه وعملتيه فيهم والأسرار اللي بينا اللي محدش يعرفها غيري أنا وإنتي. عندي استعداد أقول للكل وأفضحك بينهم. وساعتها مش هيكفيهم موتك حتى. أختك اللي اللي إنتِ بتنزلي لها كم دمعة عشان تصعبي عليها، مش هيكفيها موتك لما تعرف إنك إنتي اللي ورا حادثة ابنها وموته، وإنك حاولتي مع جوزها عشان تسرقيه منها وتخربي بيتها."
صرخت عليها كاميليا بحدة قائلة: "بشر! اخرسي! حطي لسانك جوه بقك واخرسي! أكملت نرمين ولم تبالي بالأخرى قائلة: "حتى قصي مش هيسكت لما يعرف إن إنتي اللي حطيتي راغب في طريق سيلين. كانت محاولة منك إنك تبعدي عنها ونفعت. كنتي عايزة تنتقمي من أمه فيه." صرخت عليها كاميليا بغضب: "اخرسي! إنتِ ما تعرفيش حاجة. هي تستاهل، عاليا تستاهل و كوثر كمان. يستاهلوا اللي بيحصلهم. هما اللي سبق ودمروني. خدوا مني كل حاجة."
نرمين بفضول: "عملوا إيه يعني يستاهل إنك تقتلي ابن وأحد وتدمرى سعادة ابن الثانية وتطرديها من المكان اللي عاشت فيه سنين طويلة مع جوزها؟ أنا عن نفسي مش شايفة غير سبب واحد إن اللي زيك مش بتحب تشوف حد يكون سعيد وعايزة كل حاجة ليها لوحدها." التقطت كاميليا المزهرية من على الطاولة ثم قذفتها بالحائط لتتحطم، مصدرة صوتاً مزعجاً، والأخرى تقف ببرود.
تمتمت بتحذير وشر: "صدقيني مش بهزر يا كاميليا. لو وقعت مش هرحم الكل. لا إنتي ولا زاهر. ولو فاكرة إنك هتقدري تأذي ميان بالساهل كده تبقي غلطانة. زاهر هيوقفك. وابنك لما يعرف اللي إنتي عملتيه، مش بعيد يقتلك بإيده. ما إنتي مالكيش رصيد حلو عنده عشان يرحمك." كادت أن تغادر، لكن توقفت واستدارت لكاميليا قائلة بسخرية: "صحيح، نسيت أقولك. عمار خلاص بقى مدمن رسمي. تقدري تحتفلي."
ثم غادرت، وتركت كاميليا تحطم كل ما تطوله يدها بغل. وبالأسفل، كانت ميان تجلس بسيارتها تستمع لكل ما يقال بصدمة. بينما على الناحية الأخرى، ما إن قرأ يزن رسالة همس، ذهب لمقر عمل والدها على الفور، مانعاً صوت قلبه وعقله الرافض لما يفعل. يشعر بأنه خائن للعهد ولحبيبته "بسمة". ليجد والدها برفقة ذلك الضابط الذي رآه قبلاً. ألقى عليهم السلام. ثم تنهد قائلاً بجدية: "ممكن أتكلم مع حضرتك لوحدنا؟
قطب عاصم جبينه، استأذن كارم وغادر، ولم يشعر بالارتياح أبداً تجاه ذلك الطبيب. بينما بالداخل، نطق يزن بجدية: "أنا يشرفني أطلب إيد بنت حضرتك الآنسة همس." بينما بمكان آخر يختلف نذهب إليه لأول مرة، كانت تلك الفتاة التي قاربت على منتصف العشرين تركض بأحد بالمنزل، وخلفها شقيقتها تردد بغيظ: "لو مسكتك هعلقك يا بسمة! خدي هنا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!