فتحت عيناها ببطء لتعتاد على الإضاءة. سرعان ما انتفضت تضم قدمها لصدرها بخوف شديد وزعر. ربت فارس على خصلات شعرها مردداً بحنان: حبيبتي اهدي، خلاص كله عدى. دلوقتي انتي معانا، محدش يقدر يأذيكي. ألقت بنفسها داخل أحضانه تبكي بقوة وتشكو إليه ما حدث، كأنها تحدث والدها: كنت خايفة أوي يا فارس، اتأخرت عليا، ده... ده مريض قتل وقال... قاطعها قائلاً وهو يشدد من عناقها يطمئن نفسه قبلها: إنها بخير وبين يديه الآن.
عدا كله عدا، خلاص متفكريش في أي حاجة. دفنت وجهها بصدره تبكي بقوة، بينما والديها ينظران لها بحزن. جذب رأفت عليا للخارج والجميع خلفهما، تاركين الزوجين معاً. أخرجها من أحضانه يحاوط وجهها بيديه. استند بجبهته على جبهتها مردداً بصوت متألم حزين: روحي كأنها اتسحبت مني ورجعتلي برجوعك. رددت بصوت مرتجف حزين ولازالت تحت تأثير الأيام الماضية التي عاشتها: أنا خايفة يا فارس.
انتهت ما قالت ولم تقل ولم يقول هو بعده. فقط التهم كرزتيها بقبلة ناعمة، بادلته إياها على استحياء. ابتعد عنها ينظر لداخل عينيها للحظات، ثم خلل أصابع يده بين خصلات شعرها يجذبها لأحضانه. مضى وقت والاثنان على وضعهما. ابتعدت عنه فجأة قائلة بصوت مرتجف حزين: طلقني يا فارس! ردد بصدمة وعدم استيعاب: انتي بتقولي إيه! رددت بصوت حزين وهي تتحاشى النظر إلى عينيه:
بقولك طلقني. إيه ذنبك عشان يحصل فيك كل ده. كنت هتموت بسببي، انت عمال تتأذي وكل ده بس عشان حبتني. ما أنهت جملتها تفاجأت به يضع يدها أسفل ذقنها ليجعلها تنظر إليه، مردداً بحب أرهق قلبه وعقله: طب وهو حبك ده شوية؟ ييجي إيه اللي شوفته جنب نظرة حب بس أشوفها من عيونك.
نزلت دموعها بحزن تتساءل لما يحبها بهذا القدر. من المفترض أن تفرح لأن أحدهم يحبها هكذا، لكنها لا. كانت حزينة لأنها لا تستطيع أن تعطيه ما يعطيه لها فارس. للان يقدم لها دون أن يأخذ. أفاقت من تساؤلاتها على صوته قائلاً بصرامة: اسمعي الكلام ده واحفظيه كويس عشان مش هعيده تاني يا ميان. نظرت له باهتمام وتعجب من تغير طريقته فجأة:
أنا وعدت أبوكي قبل جوازنا إني أحبك وأصونك وأعاملك بما يرضي الله. أكون ليكي أب وصديق قبل زوج. وعدته إني عمري ما هسيب إيدك ولا أتخلى عنك إلا لما انتي تطلبي ده. بس ساعتها نكون خلاص وصلنا لحيطة سد مفيش حلول تانية. رددت بصوت حزين: طب ما إحنا وصلنا لحيطة سد. اقترب منها حتى أصبح وجهه قريباً من وجهها يفصل بينهما انش واحد، مردداً وهو ينظر لداخل عينيها: لو انتي شايفة كده يبقى لازم نروح نكشف على نظرك عشان نطلعلك نضارة بسرعة.
نطقت اسمه بحزن: فارس. ردد بقلب مرهق: تعبتي فارس معاكي يا ميان. رددت بصوت مختنق: عشان كده بقولك طلقني. استند بجبينه على جبهتها مردداً بعشق: كل اللي ييجي منك أحبه يا ميان، حتى لو الوجع. ابتعدت قائلة بدموع وألم: ليه تحبني كده، ليه انت مثالي كده يا فارس، ليه بتعمل معايا كده وتقابل مني كل ده. لي... قاطعها قائلاً بصدق:
مش مثالي بس بحبك ومش بإيدي. الكلمة دي كفاية عشان أكون معاكي كده. انتي نفسك عملتي زي ما عملت وقبلتي منه كل حاجة زمان، حتى الوجع كنتي بتقبليه منه. ليه شايفه إن اللي بعمله غلط وكثير؟ ردت عليه بقهر: عشان ده الغباء بعينه. الغباء إنك تحب وتقبل الإهانة. الكرامة فوق كل شيء. أنا غبية عشان معملتش حساب لكل ده. متبقاش غبي زيي يا فارس. نظر لداخل عينيها قائلاً بجدية:
أنا مش بعمل غباء، أنا معاكي عشان انتي محتاجة ليا. معاكي عشان بحبك وعارف إن كل تصرف بيطلع منك غصب عنك. لكن هو عذره إيه عشان تقبلي منه كل ده. قارني صح يا ميان. صمت الاثنان ليسألها بتردد وخوف من الإجابة: رفضك ليا ولي اللي بعمله لأنك لسه بتحبيه وعايزاه يا ميان! انتظر من الجواب. وكان الصمت. تلمعت عيناه بالدموع. التفت يعطيها ظهره، يغلق عينيه ويفتحها عدة مرات مبتلعاً غصة مريرة بحلقه. كاد أن يخرج من الغرفة لكنها تمسكت بكف
يده قائلة بصوت مرهق حزين: خليك جنبي يا فارس، متسبنيش! جلس بجانبها مردداً بجانب أذنها بصوت متألم رافضاً النظر إلى عينيها: مش هسيبك وهفضل جنبك، لحد ما تقرري بنفسك انتي عاوزة إيه. يا تكوني ليا أو تكوني لغيري. المهم تكوني مبسوطة يا ميان! بعد عدة أيام عادت ميان لمنزلها هي وفارس. وعاد الاثنان ينامان بغرفة منفصلة عن بعضهما من جديد، الأمر الذي أثار غضب فارس وبشدة، لكنه صمت.
بينما ميان كانت تجلس على الفراش تتذكر حديثها مع والدة فارس قبل أن يسافروا من جديد: شوفي يا ميان، ربنا اللي يعلم انتي من يوم ما اتجوزتي فارس بقيتي بنتي زي ما هو ابني. والأم مفيش حاجة تهمها غير سعادة أولادها. وانتوا الاتنين ولاد. سألتها ميان بتوجس: هو حصل حاجة مني! تنهدت والدته ثم قالت بحزن: انتي وفارس كل واحد فيكم قاعد في أوضة. جوازكم لسه متمش لحد وقتنا ده مش كده؟ كادت أن تتحدث ميان لكنها قاطعتها قائلة:
من غير ما تكدبي، أنا عرفت. سمعت كلامك معاه. كمان لما دخلت شقتكم أيام ما كنتي مخطوفة شوفت هدومك في أوضة وهو في أوضة تانية وواجهته يومها. اخفضت ميان وجهها أرضاً بحرج منها. فتنهدت الأخرى متابعة بهدوء: شوفي يا ميان، أنا معرفش إيه الحكاية بالظبط، بس اللي أعرفه إنك مش بتحبي ابني ومش عايزاه. نظرت لها ميان بصدمة لتتابع الأخرى:
منكرش إني لما عرفت مكنتش طيقاكي وكنت زعلانه منك أوي، بس لما هديت وحطيت نفسي وابنتي الله يرحمها مكانك لقيت إن اللي حصل صعب على أي بنت تتحمله. ابتسمت بفخر قائلة: ساعتها احترمت ابني وكنت فخورة بيه لأنه كان راجل معاكي وصبر. غيره كان قال وأنا مالي. رددت ميان تلك المرة قائلة بامتنان: هو فعلاً كان راجل معايا ووقف جنبي. ليكي حق تكوني فخورة بيه. نهضت الأخرى على قدمها قائلة بصدق:
ابني أول مرة يحب يا ميان، أول مرة أشوفه ملهوف على حد كده، أول مرة أحس إنه مبسوط. قربك منه بيبسطه لو انتي مش واخدة بالك. أنا شايفه، عيونه عليكي طول الوقت. ثم تابعت بحزن: لو كنتي شوفتي حالته الأيام اللي فاتت كان تايه وروحه ردت ليه أول ما رجعتي لحضنه من تاني. تنهدت قائلة بشرود:
ابني اختارك بنفسه ومحدش جبره عليكي. أول مرة أشوفه متمسك بحد وعايزه كده. زمان من الزن بتاعي اتجوز إنجي ومرتحش ولا كان مبسوط. بالعكس كنت بحس إنها حمل عليه. نظرت إليها قائلة بابتسامة: لكن انتي حبك بجد وقلبه قبل منك كل حاجة حتى الوجع زي ما قالك. اخفضت ميان وجهها بحزن لتتابع الأخرى بحنان: أنا أم وبتكلم دلوقتي مع اللي سعادة ابني بين إيديها وسعادتها هي كمان. ردت عليها ميان بحزن: فارس يستاهل الأحسن مني.
-بس هو عاوزك انتي، اختارك انتي. ثم تابعت باستنكار: وبعدين تعالي هنا، هو في أحسن منك؟ والله العظيم يا بنتي مش ببالغ، بس انتوا الاتنين بتكملوا بعض. اللي عندك مش عنده واللي مش عنده عندك. صمتت ميان لتتابع الأخرى بابتسامة: أنا مش هطول في الكلام، بس هنصحك نصيحة أم خايفة على بنتها وخذيها مبدأ في حياتك حتى لو ملكيش نصيب مع ابني. نظرت لها ميان باهتمام لتتابع الأخرى بحنان:
اوعي يا بنتي تشتري اللي باعك مرة لأنه هيبيعك ألف مرة بعد كده. لو هونتي هتهوني طول العمر، ولو قبلتي الإهانة منه وقبلتي بيه بعدها غصب عنك هتقبليها طول العمر. كانت تمسك بكف ميان وتعد عليه نصائحها بحنان: اللي يشتريكي اشتريه. الحب عمره ما بيدوم صدقيني، لكن الاحترام والمودة هما اللي بيدوموا. قامت بثني إصبع آخر متابعة:
خدي اللي يسمعك ويكون أمانك. خدي السند. خليكي مع اللي عمل مش اللي قال. موتي من البعد عنه مرة ولا تموتي وإنتي عايشة معاه ألف مرة. ثم تابعت ببعض الحرج: أنا سألت جدك واتكلمت معاه من غير ما أدخل في تفاصيل بينك وبين فارس وحكالي اللي حصل. عاتبتها قائلة: عايزة ألومك وفي نفس الوقت صعبانة عليا. ألومك عشان قبلتي تنقذي واحدة زي دي من الموت بجوازه. طلعتي منها انتي بس اللي خسرانة وياريتها شالتها ليكي بالعكس جت عليكي أكتر. ربتت
على شعرها بحنان قائلة: يا بنتي بقينا في زمن محدش فينا بقى بيفتكر الحلو إلا من رحم ربي. نفسك لو مخوفتيش انتي عليها محدش هيخاف عليها. انتي اللي في إيدك ترخصي نفسك وفي إيدك تغليها. جريك وراه عشان تثبتي ليه حبك وإنك بريئة خلاه يتفرعن. كل أفعاله معاكي باينة أوي إنه مش شاريكي. ثم تابعت بعتاب:
يا بنتي اللي شاري هيبرر، هيسأل، هيحط ألف عذر، لكن هو كأنه ما صدق. عمل كل ده وهو عارف إنك بنت خالته يعني قريبة لحمه ودمه واللي ملوش خير في أهله ملوش خير في حد. قريبة وقال وعمل كده ما بالك وأنتي مراته! ثم تابعت بتساؤل: طب هو بس سؤال، حبتيه على إيه! نظرت لها ميان قائلة بتبرير هي بالأساس لا تقتنع به لوقتنا هذا: مكنش كده الأول وإحنا صغيرين كان... قصت عليها كيف كان وكيف كانت حياتهما. فرددت الأخرى بهدوء:
بتحبيه وإنتي صغيرة. يعني حب مراهقة. كبرتي بيه واتعودتي عليه. ومين فينا محبش في السن ده. نظرت لها ميان بتيه لتتابع الأخرى بصرامة: أنا مش بقولك كده عشان فارس ابني لأ، بقولك كده بصفتي أم مقدرتش أعرف كل ده وأسكت. غلطانة يا ميان والغلط راكبك من ساسك لراسك، وهما كمان غلطانين، بس انتي اللي عطيتي ليهم الفرصة يستخدموكي. أنهت حديثها قائلة برفق:
اختاري اللي شاريكي دايماً يا بنتي واللي شايفك غالية عشان تفضلي في عينه غالية طول العمر. -أنا نحس، أقسم بالله أنا نحس! قالها عمار وهو يستند على لينا ليتمدد على الفراش بمنزله الذي طلبت لينا أن يكون ببناية رأفت والد ميان حتى تكون بجانب والدتها. ضحكت لينا عليه، فهو لا يتوقف عن التذمر منذ أن خرج من المستشفى. ليتابع هو محدثاً نفسه بقهر ونبرة مضحكة: يوم ما قولت خلاص اتجوزنا وهيتقفل علينا باب تحصل المصايب دي كلها.
جذبها لتجلس بجانبه مردداً بحسرة: الظاهر مش مكتوب لينا ندخل دنيا أبداً والسرير... قاطعته قائلة بحدة: بطل قلة أدب. ردد بمكر: قلة أدب عشان قولت، أومال ساعة الفعل إيه بقى؟ جاء صوت سفيان من الخلف قائلاً بتهكم: يا أخويا قوم على حيلك الأول وابقى فكر في قلة الأدب! ركضت لينا للخارج بخجل، فجلس سفيان بجانبه يسأله بحنان: انت كويس يا عمار، أحسن دلوقتي؟
أومأ له عمار بحب وامتنان، لكن بداخله تغلب الشفقة على شقيقه الذي خسر كل شيء. وكم يتألم قلبه عندما يراه هكذا. الجميع بدأ حياة جديدة وأغلق صفحات الماضي عداه. لا زالت صفحاته مفتوحة! بعد مرور بضعة أيام عاد كل شيء لمساره الطبيعي. كانت ميان تجلس على أحد المقاعد الخشبية تقوم بالنفخ بكف يديها وتحكهم ببعض لتدفئهم. كانت تنظر بابتسامة لفارس الذي يعبر الشارع راكضاً إليها.
قام بوضع غطاء للرأس من الصوف على رأسها، ثم قام بلف شال من الصوف أيضاً حول رقبتها وقام بتلبيسها قفازات مماثلة من الصوف. سألها بحنان وهو يجلس بجانبها: لسه بردانه؟ نفت برأسها بابتسامة. جذبها لاحتضانه مقبلاً جبينها بحنان وحب. أشارت بيدها لبائعة الذرة المشوي قائلة بشهية وحماس: فارس عايزة منها.
ابتسم مقبلاً جبينها، ثم ذهب وغاب لدقائق قليلة وعاد يضع بيدها خاصتها. أخذته منه تتناول منه بشهية كبيرة. رفعت عيناها تنظر إليه لتجده يحدق بها. رددت بحرج: بقالي كتير مأكلتهاش عشان... قاطعها قائلاً بحب: بالهنا والشفا. منحته ابتسامة صغيرة، ثم عادت تتناولها بشهية. كذلك هو. ضحك بخفوت قائلاً بتذكر: حد يصدق إن اللي سلمت عليها وحضرت فرحها بعدها بكام ساعة دلوقتي مراتي وحبيبتي وروحي اللي لو فارقتني أموت. نفت برأسها قائلة بخفوت:
عمري ما كنت أتخيلها بصراحة ومن غير ما تزعل. أومأ لها لتتابع هي بتردد: عمري ما كنت أتخيل في يوم نفسي مع غيره. صمت ولم يعلق لتسأله بتوتر: انت زعلت! نفى برأسه لتتابع هي: قولنا من غير زعل. غير الموضوع قائلاً بهدوء ظاهري: تعالي نتمشى شوية عشان ندفى. أومأت له ومشت بجانبه قليلاً. سرعان ما ضمته تحاوط خصره بيدها قائلة وهي تستند برأسها على كتفه تنظر إليه: أنا آسفة. ضمها إليه أكثر قائلاً بصوت خافت وحب: بحبك.
مشى الاثنان لدقائق. بدأت قطرات الماء تتساقط من السماء، سرعان ما تحولت لأمطار غزيرة. ضحكت بسعادة وهي تصفق بيديها. جذبها سريعاً بعدما تخلص من سترته يضعها فوق رأسها يحميها من الأمطار قائلاً: تعالي يلا ناخد تاكسي. العربية ركنتها بعيد عن هنا! نفت برأسها وهي تبتعد عنه ترفع يدها مستمتعة بقطرات الماء التي تتساقط من فوقها. فارس بقلق: ميان بتعملي إيه، هتتعبي الج... وضعت يدها على شفتيه قائلة بنبرة مرحة:
بس تعرف تسكت، سيبني الجو كده حلو والمطر كمان، طول عمري نفسي أعمل كده. أخذت تدور حول نفسها. اقترب منها يضع يده حول خصرها. ابتسمت بتوتر. مسك كف يدها ثم جعلها تدور حول نفسها عدة مرات، ثم جذبها إليه يرقصها تحت المطر برومانسية وحب. كان الجميع يركضون سريعاً ليحتتموا من الأمطار، لكنهم توقفوا ما إن وقعت أعينهم على هذا الثنائي الجميل. أنهى فارس رقصتهم يرفعها لأعلى من خصرها برومانسية.
أنزلها ببطء مستنداً بجبينه على جبينها مردداً بنبرة عاشق: بعشقك يا اللي ماشوفت في جمالك ولا هشوف. ابتسمت بخجل. التفت الاثنان حولهما بعدما انتبها لعدد الناس الكبير الملتف حولهما. منهم من يشاهد والبعض الآخر يصور. أخفت وجهها بصدره. ضحك بخفوت وهو يجذبها ويذهب بعيداً عن الأعين. بحث عن تاكسي منذ ما يقارب الربع ساعة لكنه لا يجد سيارته مصفوفة بعيداً والأمطار لا تتوقف!
تفاجأ الاثنان بسيارة تقف أمامهما. فتحت النافذة الخاصة بها وظهر من خلفها سفيان قائلاً بهدوء: مفيش تاكسي هيكون فاضي دلوقتي وفي الوقت ده. تعالوا يلا أوصلكم! نظرت ميان إلى فارس الذي ردد بجدية: شكراً مش عاوزين. تنهد سفيان قائلاً: فكر فيها، ممكن تتعب في الجو ده. ويا سيدي اعتبروا نفسكم ركبتوا تاكسي مع حد غريب. كلها توصيلة البيت مش بعيد عن هنا، كلها أقل من نص ساعة. نظر فارس لميان ثم له بتردد واضطر مرغماً أن يصعد معه!
بعد مرور دقائق من الصمت وكان الجو مشحوناً. ضغط سفيان بيده على مشغل الراديو لتصدح بالمكان تلك الأغنية التي جعلت الجو مشحوناً أكثر من السابق: سيبتك تعيش بعدي الحياة وفضلت مستنيك سنين واقف مكاني 🎵 متجيش تلومني إن النهارده بقى في حياتي حد تاني 🎵 كنت هفضل كل ده مستني إيه 🎵 حب إيه اللي إنت بتدور عليه 🎶 بعد الغياب ده مفيش عتاب أتهز ليه 🎶 عايز الحقيقة 🎵 علشان مكانك إتملى عينيك وقلبك غيرانين وبقيت في ضيقة 🎵
إنساني لو لسه فاكرني وإنت ليك مليون طريقة 🎵 أيامنا راحوا 🎵 مقدرش أقولك غير كده ولا ينسى قلبي بكلمتين 🎵 تعبُه وجراحه 🎵 مين اللي قالك الحياة وقفت في يوم على اللي راحوا 🎵 كنت هفضل كل ده مستني إيه 🎶 حب إيه اللي إنت بتدور عليه 🎶 بعد الغياب ده مفيش عتاب أتهز ليه 🎶 كانت كلمات الأغنية تدور، وللحظة شرد سفيان وميان بنظرة طويلة عبر المرآة حيث كانت تجلس بالخلف وحدها وبجانب سفيان في الأمام فارس.
كلمات الأغنية كانت تصف حالهما بالضبط. بينما سفيان كان يتابعهما ونيران تشتعل بصدره وألم حاد يعصف بقلبه. بعصبية أوقف المشغل لتشيح ميان بنظراتها بعيداً، كذلك فعل سفيان مبتلعاً غصة مريرة بحلقه. كانت همس تتصنت على حديث والديها حيث ألحت على والدتها لتتدخل، فوالدها منذ أن فعلت ما فعلت يوم زفاف لينا وهو يمنعها من مقابلة كارم، بل يرفض تحديد موعد ليأتي ويطلب يدها رسمياً. رددت والدتها برجاء:
حدد ميعاد مع كارم بقى يا عاصم، هتفضل لأمتى تأجل كده؟ نفى برأسه قائلاً بضيق: لأ، خليهم يتربوا عشان المسخرة اللي عملوها دي. عاتبته قائلة بضيق: يا عاصم بلاش عند. غلطوا واعتذروا، بس متنكرش إنك فرحت لبنتك، كمل فرحتك وفرحتهم بقى، أديك أهو هتسلمها للي يستاهلها بجد. اقتربت منه تقبل وجنته قائلة بحب وتوسل: وغلاوتي عندك كفاية كده. ورد عليه: حدد ميعاد لقراية الفاتحة، دي مامته مش مصدقة إمتى تيجي عشان تخطبها ليه، فرحانة أوي.
صمت لدقائق ثم تنهد قائلاً بضيق: نادي عليها أما أسألها إذا... ضحكت قائلة بمرح: تسأل إيه يا عاصم، دي بنت اللي طلبت إيده قدام الكل. اسأله هو موافق ولا لأ!!! أيام تمر بدون جديد. ميان على حالتها تتابع مع طبيبتها النفسية بعلم فارس وعاصم الذي قرر أن يتقدم كارم لهمس رسمياً ما إن يعود من الخارج حيث اضطر للسفر عاجلاً لعمل طارئ. يعني إيه تقعد معاه! قالها فارس بغضب وهو يضرب بيده على المكتب عندما أخبرته طبيبتها النفسية.
ردت عليه ببرود: يعني تقعد معاه يا دكتور فارس، سفيان وميان لازم يتواجهوا سوا. ردت عليه بحدة وغضب: اتكلموا سوا قبل كده ليه عايزة تقربيها منه تاني! ردت عليه بهدوء: انت خايف يا دكتور. أشاح بوجهه بعيداً عنها فتابعت: خايف من المواجهة بينهم تطلع انت الخسران، خايف ميان تحن ليه مش كده؟ سألته بهدوء: لو سعادته معاه، انت تكره ليها السعادة؟ ردد بغضب: ميستاهلهاش، هيوجعها أكتر. رجعت بظهرها للخلف قائلة بهدوء:
يمكن اتغير، كلنا بنتغير يا دكتور فارس، الخسارة والندم بيغيروا فينا كتير. سألته مرة أخرى: تكره إن ميان تكون مبسوطة! ردد باستنكار: أكره! جلس مردداً بحب وهو شارد بها: دي الابتسامة منها بتنور حياتي كلها، بس أنا أناني، حبها مخليني أناني. قولت لها أي حاجة تسعدك هعملها، بس دلوقتي مش قادر أوفي بكلامي. قلبي مش مطاوعني أخليها تبعد عني بعد ما خلاص كانت بين إيديا! ثم تابع بتساؤل لنفسه: طب لو اختارته أنا هعمل إيه من غيرها!
نظر لها قائلاً بحزن: أنا قولت كلام وخلاص، بس في الحقيقة أنا مش قادر أنفذ، والله ما قادر ولا لساني ولا قلبي هيكون راضي بكده. ابتسمت قائلة: بتحبها للدرجة دي يا دكتور؟ أومأ لها مردداً بعشق: أنا كنت إيه قبلها، كنت مين؟ مجرد شخص عادي مفيش أي حاجة تخليه عاوز يعيش. بس هي دخلت حياتي وحلت أيامي. معاها بحس إني أب وأخ وصاحب. أنا عشت كل دول معاها. مش هبالغ لو قولت إني بصحى كل يوم عشان أشوفها. سألته بهدوء: ندمان عشان حبيتها؟
ندمان عشان حبيت واحدة بتحب غيرك! رد عليها بصدق وعشق: لو كان الموضوع بإيدي كنت اخترت أحبها بردو. مش ندمان على حبها، بالعكس، ندمي اللي بجد لو مكنتش حبيتها أو لو مكنتش موجودة في حياتي. كان يجلس بغرفة مكتبه بعد حديثه مع الطبيبة. القلق ينهش قلبه ولا يفارقه. يتذكر حديثها معها بخصوص ذلك الموضوع وكيف رفضت الإجابة على السؤال. قلبه يؤلمه والآن فكيف سيكمل حياته بدونها؟
كيف سيتحمل أن تأتي إليه وتخبره أنها لا تريده وتريد الطلاق لتبقى برفقة الآخر؟ مجرد التخيل يؤلمه بهذا القدر، فكيف إن كان واقع! دخلت عليه دون أن تطرق الباب قائلة بحماس: فارس، دخلت مع دكتورة سلوى عملية ولادة. جابت بنوتة زي القمر سموها "تاج"، عسولة أوي ما شاء الله عيونها لونهم حلو... لم تكمل حديثها وشهقت بتفاجؤ عندما جذبها من يدها يعانقها بقوة ويدفن رأسه بعنقها. رددت بزهول: فارس بتعمل إيه!
حاولت دفعه برفق لكنه لم يسمح، تشبث بها أكثر مردداً بصوت خافت متألم: خليكي يا ميان، احضنيني كأنها آخر مرة. رددت بصدمة: أنا مش فاهمة حاجة يا فارس، ليه بتقول كده! من تشبثه بها بتلك الطريقة فهمت أنه لا يريد بهذا الوقت سوى عناق فقط. لذا بدون تردد كانت تضمه إليها وتمرر يدها على خصلات شعره بحنان.
انحنى يحملها بين يديه ثم جلس على الأريكة وهي فوق قدمه يدفن وجهه بعنقها رافضاً النظر إليها حتى لا ترى عيناه التي تكاد تصرخ من شدة الألم. لكنها ابت ذلك. وضعت يدها على وجنتيه بحنان قائلة بصوت رقيق: مالك يا فارس، حصلت معاك حاجة؟ نفى برأسه ثم باللحظة التالية التهم كرزتيها بقبلة شغوفة مليئة بالعشق. تفاجأت هي من فعله!
بحث بيده عن خاصتها حتى وجدها فجعلها تحاوط عنقه حتى تبادله سيل قبلاته. ترك أسر شفتيها أخيراً ثم انحنى يقبل عنقها بحب ويشم عبقها المميز. نطقت بخفوت وهي تحاول الابتعاد دون أن تسبب له أي حرج أو تجرحه، لكنها حقاً لا تستطيع البقاء والتحمل أكثر من ذلك. تلك الذكريات لا ترحمها وكذلك التوتر والخجل. شعر بضيقها وأنها تحاول الابتعاد دون أن تسبب له حرج.
ابتعد طابعاً قبلة صغيرة على كرزتيها بحب. طرق على الباب جعلها تنتفض من على ساقه تضبط ثيابها وتهذب هيئتها التي تبعثرت. فعلت المثل لتدخل الممرضة قائلة بجدية لميان: الدكتورة رغدة عايزة حضرتك في مكتبها. طبيبتها النفسية لما تستدعيها بهذا الوقت وهي تعرف بوجود فارس. أومأت لها فغادرت الأخرى. كادت ميان أن تخرج لكنها توقفت على صوت فارس قائلاً بصوت حزين وحب: ميان، أنا بحبك. منحته ابتسامة صغيرة قلقة تتساءل ما به فارس اليوم!!!!!
-ليه عملتي كده! قالتها ميان بحدة للطبيبة ما إن علمت أنها استدعت سفيان لتتحدث معه. رددت الأخرى بهدوء: كلامك معاه ضروري بس بهدوء. طلعي كل اللي جواكي يا ميان اسمعيه وخليه يسمعك. صرخت عليها بغضب: مفيش كلام بيني وبينه. رددت الطبيبة بهدوء: لأ فيه، يمكن تكوني فاكرة كده بس في كلام بينكم لسه متقالش. ثم رددت بعد صمت للحظات: على فكرة يا ميان سفيان بيتعالج بقاله كام جلسة بس. أنا اتواصلت معاه لأنك محتاج يكون هنا، يمكن أكتر منك!
دخل سفيان بعد دقائق وجلس أمامها والطبيبة تتابع الحوار الدائر بينهما بصمت تترك لهما الفرصة للحديث. سألها بصوت متألم حزين: حبتيه يا ميان، حبيتي فارس! ردت عليه بتهكم: إيه اللي يخليني محبوش؟ السؤال هنا ليه أحبك انت؟ سؤال بقالي فترة مش قادرة أتخطاه. أشارت لنفسها قائلة بحدة: إزاي كنت بالغباء ده! أومأ لها قائلاً بسخرية مريرة: عندك حق، أي واحدة تحبني تبقى غبية، حتى أنا بسأل نفسي نفس السؤال! صمت وصمتت ليسألها:
كل الطرق اتقفلت بينا خلاص يا ميان مفيش أمل. قلبك خلاص مفيش جواه أي ذرة حب ليا. أقسم لك إني هحارب لحد ما تسامحيني بس لو فيه أمل. أشاحت بوجهها بعيداً عنه ليردد هو بحزن: أنا حبيتك. قاطعته قائلة بحدة: متقولش حبيتك، انت متعرفش تحب ولا تعرف يعني إيه حب. ثم تابعت وهي تتذكر مواقف فارس معها: الحب كلمة كبيرة أوي مفهومها بعيد عنك. أشارت لنفسها قائلة بحزن:
أنا كمان حبيتك أو كنت بحبك أو كنت فاكرة إني بحبك. مش عارفه بس اللي أعرفه إني مبقتش عايزاك ولا حتى قابله كلامي معاك. نزلت دموعها وهي تردد بصوت متألم: أنا عطيتك كتير، استحملت منك كتير مقابل إنك عمرك ما عطيت لنفسك فرصة تسمعني حتى. قدمت ليك ولعيلتك كلها وفي المقابل خدت منكم كل أذى. نفت برأسها قائلة: الحب كلمة كبيرة أوي، مفهومه عرفته مع فارس. أخذت تعد على يدها ما قدمه فارس لها وما رأته منه طوال الفترة الماضية:
الحب أفعال وهو عمل وقال. وقعت وسندني، اتوجع مني بس عمره ما لف ضهره ليا زي ما انت ما عملت، مع إنه كان ليه الحق يعمل كده. عكسك انت. نفت برأسها قائلة بتهكم: عمري ما شوفت في عيونك نفس نظرة ليا. انت عملت فيا كتير أوي لحد دلوقتي مش قادرة أتخطاه. حتى لما قولت هسامحك بدور على حاجة حلوة ليك مش لاقيه. شريطك معايا كله وجع وبس. رفعت يدها تضعها على رحمها قائلة بدموع:
يومها كنت هسامحك عشان خاطر ابني. كنت مقهورة بس مع الوقت حمدت ربنا ع اللي حصل. ربنا كان رحيم بيا وفهمت ده متأخر. كل مرة كان بيحطلي إشارة عشان أبعد عنك بس أنا اللي كنت عامية وعاندت كتير. حتى بعد اللي حصل كان رحيم بيا ومرضيش يربطني بيك أي حاجة. كان يستمع لها بقلب متألم حزين نادم. مسح دموعه التي انسابت من عيونه رغماً عنه قائلاً بتأييد لحديثها:
قدام كلامك ده كله معنديش حاجة أقولها ولا عندي تبرير. بالعكس انتي صح يا ميان، كل كلامك صح. ربنا كمان كان كل مرة يعطيني إشارة بس أنا العند كان عاميني فضلت أتمرد لحد ما خسرتك بجد. مسح دموعه مردداً بقهر: كنت زمان شايف نفسي كتير عليكي بس كنت غلطان. انتي اللي كتير عليا. أنا منفعش ليكي، انتي تستاهلي فارس!!! توقف ليذهب قائلاً بصوت مختنق:
على قد ما أنا مكنتش بطيقه، بس هبتدي أحبه عشان قدر يعمل اللي أنا مقدرتش أعمله. بالعكس كمان هو صلح ورايا. ربنا يسعدكم سوا. بس عايز أطلب منك طلب. نظرت له بصمت فردد بتوسل وصوت مختنق قبل أن يغادر: لو في يوم قدرتي تسامحيني سامحيني، ممكن! خرجت من عند الطبيبة وقد علمت لما كان فارس يتصرف هكذا. لقد ظن حقاً أنها ستختار سفيان! دخلت عليه قائلة وهي تغلق الباب خلفها: كنت عارف إني بتعالج عندها. أومأ لها بصمت وهو يتحاشى
النظر إليها فسألته بتعجب: مقولتليش ليه! ردد بهدوء مفتعل: لو كنتي عايزة تقوليلي كنتي جيتي من الأول، محبتش أسبب ليكي حرج. سألته بمكر: عرفت إن سفيان كان موجود انهاردة. أومأ لها قائلاً بعدما ابتلع غصة مريرة بحلقه متوجهاً حيث واجهة مكتبه الزجاجية التي تطل على الشارع: شوفي عايزة إمتى نتطلق عشان... اقتربت منه تقف أمامه قائلة بصدمة: طلاق إيه! ردد بصوت حزين وهو يتحاشى النظر إليها: مش عايزة ترجعي ليه!
حاوطت بيدها وجهه مرددة بما جعل الصدمة حليفته حتى ظن أنه أصيب بالصمم: أنا عايزاك انت يا فارس. رددت مرة أخرى بخجل وهي تخفض رأسها بخجل: عايزاك انت وبس. ردد بصدمة وهو يشير بيده: طب وهو! ضحكت قائلة بمشاكسة: هو مين! رددت بمرح وهي تتحرك لتذهب للخارج: هسيبك بقى لما تفوق من الصدمة. ابقى...
جذبها إليه يكبل شفتيها بخاصته بقبلة تحمل قدر كبير من العشق الخالص لها وحدها. بادلته إياها على استحياء. سرعان ما انتفض الاثنان عندما فتح باب المكتب فجأة وظهر من خلفه!!!!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!