فتح عيناه ببطء، سرعان ما عاد يغلقها سريعاً من شدة الضوء. نظر حوله بعدم فهم واستيعاب، يتساءل أين هو. إنها المستشفى. نظر على يمينه ليتفاجأ بجسد سفيان على نفس حاله. سرعان ما عصفت برأسه ما حدث. أزال قناع الأكسجين عن وجهه وبدأ بأزالة جميع الأجهزة التي تقيس مؤشراته الحيوية. دخلت الممرضة سريعاً تحاول منعه، ومعها الطبيب يحاولون منعه. أثناء ذلك، استيقظ سفيان هو الآخر، وما أن تذكر ما حدث فعل نفس الشيء. دخل كارم يمنعهم قائلاً
وهو يتمسك بفارس: "فارس، أهدي. اللي بتعمله ده غلط عليك." ردد بشراسة وهو يدفعه بعيداً عنه: "مراتي فين يا كارم؟ ميان فين؟ صمت كارم بحزن. ليقترب منه سفيان قائلاً بقلق ينهش قلبه: "ميان كويسة مش كده؟ لحقتوها من بين إيد أبو... ردد كارم بتهرب: "لازم ترتاحوا. حالتكم... قاطعه فارس وهو يتمسك بمقدمة ثيابه بغضب جامح، بينما يكاد قلبه يكاد يتوقف من فرط ما يشعر به من قلق عليها الآن: "رد عليا مراتي فين؟ إيه اللي حصل؟ انطق!
اخفض كارم عينيه قائلاً بحزن: "تليفونك كان معاك وحددنا مكانك منه لما لاحظنا اختفائك انت وميان. وكمان سفيان راجعنا الكاميرات وشوفنا اللي حصل." تابع فارس بتوتر، بينما سفيان وفارس يستمعان له بلهفة: "حددنا المكان ولما وصلنا كانت النار حواليكم وكنتوا فاقدين الوعي. وصلنا في الوقت المناسب، بس للأسف ميان مكنتش موجودة! ردد فارس وسفيان معاً بصدمة: "يعني إيه؟ أشاح كارم بوجهه بعيداً قائلاً بحزن:
"يعني إحنا بقالنا حوالي أربع أيام مسبناش مكان غير لما دورنا فيه عليها، بس مفيش ليها ولا للزفت اللي خطفها أي أثر." كاد سفيان أن يخرج من الغرفة والغضب متمكناً منه، لكن توقف عندما قال كارم: "إنت بالذات مينفعش تسيب المستشفى." سأله بحدة دون أن يلتفت له: "ليه إن شاء الله؟ ردد كارم بحزن: "أخوك في الأوضة اللي جنبك." اقترب منه سفيان قائلاً بقلق: "عمار ماله؟ جرى إيه لأخويا؟ ما تنطق! تنهد كارم قائلاً بارهاق:
"حد هاجم الفرح وضرب نار عليه، بس متخافش من ستر ربنا. الرصاصة مكنتش في مكان حيوي وحالياً هو كويس بس لسه مفاقش." ركض سفيان بخطى غير متزنة لخارج الغرفة متوجهاً حيث شقيقه، بينما فارس ردد بحدة للممرضة التي تقف بنهاية الغرفة: "هاتيلي أي زفت ألبسه." نفذت الممرضة ما قال على الفور، وبالفعل غادر المستشفى بغضب متجاهلاً حديث الجميع. أخذ يبحث بكل مكان وكارم معه يقص عليه ما توصلوا إليه الأيام الماضية. سأله فارس بغضب:
"ممكن يكون خدها وسافر؟ نفى كارم برأسه قائلاً: "مستحيل. أمنا الوضع مش هيعرف يخرج بره البلد." ردد فارس بغضب وهو يشعر بالعجز، بينما يلكم عجلة السيارة بقدمه من الداخل: "ابن... "ممكن يكون سافر بيها في أي محافظة تانية، ممكن يكون إذاها." قال الأخيرة بأعين دامعة وصوت مختنق، والقلق عليها والفزع لا يفارقه، يتساءل كيف هي الآن.
كانت لينا تجلس بجانب عمار الذي لم يكن حاله أفضل من فارس وسفيان. كانت تبكي بقوة وحزن عليه وعلى صديقتها التي للآن لا يعرف أحد أين هي. فتح عمار عيناه بتعب. رددت لينا على الفور بلهفة: "عمار، إنت كويس؟ مرر لسانه على شفتيه الجافة مردداً بعطش: "عايز أشرب." جلبت له المياه على الفور وساعدته على الشرب، تسأله مرة أخرى بقلق ودموع: "إنت كويس يا عمار مش كده؟ حاسس بأي تعب؟ حرك رأسه بنعم وهو يشعر بألم كبير مكان جرحه. ردد بصوت متعب:
"إيه اللي حصل؟ أنا آخر حاجة فاكرها كنت برقص مع أصحابي وإنتي بتتصوري وبعدها... انفجرت في نوبة بكاء مريرة قائلة بحزن: "كنت هموت من القلق عليك يا عمار. حصلت بلاوي كتير، محدش عارف يتصرف. ميان مش عارفين هي فين. فارس، سفيان كمان." ردد بعدم فهم وهو يعتدل جالساً بحذر شديد وتعب: "حصل إيه يا لينا؟ أنا مش فاهم حاجة. بلاوي إيه اللي حصلت ومش عارفين تتصرفوا في إيه؟ ميان مالها؟ مش عارفين هي فين إزاي؟ ثم تابع بصدمة:
"حصل حاجة بين فارس وسفيان؟ بالبكاء يتخلله شهقات عالية، أخذت تقص عليه ما حدث، والآخر في حالة صدمة. ولسان حاله يردد: اليوم الذي انتظره طويلاً وظن أنه سيكون يوماً لا ينسى، أصبح حقاً لا ينسى، ولكن من كم الكوارث التي حدثت به. أيام تمر والحال كما هو. لا جديد. لم يترك مكاناً إلا وبحث عنها فيه، لا يأكل، لا ينام. حالته أصبحت يرثى لها. الجميع مجتمعون بمنزل عائلة ميان ووالدتها لا تتوقف عن البكاء والنواح. جلست والدة
فارس بجانبه قائلة بحزن: "متعملش في نفسك كده يا بني. هنلاقيها بإذن الله. قوم ريح شوية وكل لقمة عشان تقدر تصلب طولك." ما يرد عليها فقط يضع رأسه بين يديه. عقله ليس معهم بالأساس، بل معها هي. يتذكر أول لقاء، ثم أول قبلة بينهم برضاها، ثم لحظاتهم الجميلة عندما كانوا خارج البلاد وفرحتها بنجاحها وبهديته التي لم تنزعها من يدها منذ آخر... السوار!
انتفض مكانه يركض للخارج حيث منزلهما الذي لما يخطو داخله منذ ما حدث سواء مرات قليلة جداً. يبحث هنا وهناك عن مكان السوار الخاص به. لحق به كارم وكذلك سفيان الذي ظن أنه علم شيئاً عن مكانها. ليتفاجأ به الاثنان يأتي لهنا. صعدوا خلفه ليتفاجئوا بباب المنزل مفتوح وفارس يركض من هنا لهنا يفتش عن شيء ما. سأله كارم بتعجب: "بتعمل إيه يا فارس؟ بتدور على إيه؟
لم يرد عليهما فارس، بل دخل لغرفته وأخذ يبحث. فلحقوا به بلهفة. التقط السوار من داخل أحد الأدراج ليجده يحتاج للشحن فقط. نفذ آخر مرة كان يرتديه فيها، بينما هي كانت ترفض نزعه من بين يديها. يتمنى أن تكون لا تزال ترتديه. سأله كارم بقلق: "فارس، إنت بتعمل إيه؟ ردد فارس بصوت مختنق وتمني: "آخر فرصة عشان أعرف أوصلها هو ده. لو لسه لابساه هقدر أعرف مكانها. إزاي تاه عن بالي الموضوع ده كل الأيام اللي فاتت."
كان سفيان يقف على أعتاب باب الغرفة يستمع لما يقول. نظر على الفور لما بيد فارس ليجد أنه مجرد سوار. قبل أن ينطق بشيء، لفت انتباهه حديث فارس الذي: "ليه يحصل كده يا فارس؟ بعد ما خلاص كانت الأمور بينا تمام وكنا كويسين وحسيت إني كسبتها بجد، كل حاجة تتهد من أول وجديد وتروح من إيدي." فرت دمعة من عيناه وهو يردد بوجع: "قلبي مش قادر يرتاح ولا بيوجعني. وألف سؤال وسؤال مش بيفارق عقلي. هي فين؟ كويسة ولا لأ؟ حد إذاها؟
نار بتحرقني من جوه لمجرد التخيل ده." صمت متابعاً بشرود وحزن: "كان فيها اللي مكفيها يا كارم. ليه يحصل كده؟ ربت كارم على كتفه مردداً بجدية: "حكمة ربنا. يمكن اللي بيحصل ده وراه خير. محدش عارف حكمة ربك إيه. ارضى بقضائه يا فارس واصبر. هنلاقيها بإذن الله."
كان سفيان يستمع لهما وهو يشعر بالعار من نفسه. فارس لمدة أسبوعين لا يقدر على فراقها وبهذه الهيئة يكاد يبكي حقاً، بينما هو قد هجرها سنوات لم يرف لها فيهم جفناً، بل كان قاسياً. قارن نفسه بفارس ليجد نفسه يردد بسخرية مريرة: هل هو حقاً أحبها؟ بعد وقت، انتفض فارس بمكانه وهو يرى ساعته تنير. أرسل هو الآخر لها. لتشعر باهتزاز الساعة على يدها فابتسمت بسعادة. هذا يعني أنه حي. فارس لم يمت.
لكن صمتت عندما خطر ببالها أن الساعة يمكن أن تكون وقعت بيد شخصاً آخر. سرعان ما نفضت تلك الفكرة عن بالها. فارس تركها بالمنزل آخر مرة. يستحيل أن يكون أحداً آخر. هذا يعني أن فارس حي. لكن خاصتها على وشك أن ينفذ شحنها. فعلت ما قاله لها آخر مرة عندما كان يعلمها كيف تعمل.
بينما على الجهة الأخرى عند فارس، قام بتوصيلها بتطبيق ما استغرق منه الأمر نصف ساعة مع عدة اتصالات من كارم. كان يركض بعدها الثلاثة بلهفة خارج المنزل متوجهين حيث تأتي الإشارة التي كان ينتظرها. قبل قليل بمكان آخر. كانت تصرخ عليه لكن لا إجابة. لا تفعل شيء سوى الصراخ. "خرجني من هنا بقى!
صرخت ميان عليه وهي تركل المقعد الخشبي بقدمها. لقد مر ما يقارب الأسبوعان وهي بنفس المكان تصرخ ولا يجيب. يضع لها الطعام ويغادر دون أن يجيب على أسئلتها. اقترب منها مردداً بابتسامة: "اهدي بس يا حبيبتي وكلي أكلك يلا." أطاحت بصينية الطعام من أمامها صارخة عليه بغل وغضب: "مش عايزة منك حاجة. حصلهم إيه؟ سفيان وفارس... قاطعها قائلاً بغضب وهو يضغط على فكها بقسوة:
"اسمهم ما يتذكرش على لسانك. هما ماتوا خلاص. يكون أحسن لو اتقبلتي الحقيقة دي." بكت بقوة رافضة تصديق تلك الحقيقة القاسية. فأخرج هاتفه يضع شاشته أمام عينيها قائلاً بتلذذ: "شايفة صور جثثهم أهي. كان لازم يموتوا وكان لازم إنتي تبقي ليا من الأول." صفعته بقوة، ثم أخذت تلكمه بصدره صارخة عليه بقهر وكره شديد، وبكاءها العالي يصم الآذان: "لا كنت ليك أول ولا هكون ليك في الآخر. ربنا ينتقم منك."
قاطعها صفعة قاسية هوت على وجنتها، فسقطت أرضاً من قوتها مصطدمة بجبينها بطرف الفراش الحديدي. شهق بفزع وانحنى نحوها مردداً بفزع وهو يزيل الدماء التي بدأت تنزف من جبينها بيده: "حبيبتي حقك عليا. تتقطع إيدي. مكنش قصدي بس إنتي عصبتيني وكمان رفعتي إيدك عليا." دفعته بعيداً عنها باشمئزاز. فردد باعتذار: "إنتي زعلانة مني عشان مديت إيدي عليكي؟ متزعليش." ثم التفت حواله عدة مرات، بعدها وقف مخرجاً قداحة من جيب بنطاله قائلاً
بنبرة أرعبتها: "طب بصي عاقبيني زي ما إنتي عايزة. خدي ولاعة أهي ولعي. احرقي إيدي عشان اتمدت عليكي أول وآخر مرة يا حبيبتي. متخافيش مني. أنا مش زي ابن... "سفيان. عمري ما أرفع إيدي عليكي تاني! كانت ترتجف من الخوف وهي تراه يشعل القداحة يضعها تحت يديه التي صفعتها. كان يبدو كأنه مس من الجنون ضرب عقله مردداً: "أنا عارف إنك رقيقة ومش هتتحملي. تعملي فيا كده عشان كده أنا هعاقب نفسي عشان ضربتك!
دفعت يده من أمامها بفزع وخوف من هيئته. فردد زاهر بحنان ورفق: "مش قادرة تشوفينا بنتوجع يا روحي. ربنا يخليكي ليا. أنا هروح أجيب أكل تاني بدل ده. زمانك جعانة أوي. عشر دقايق وراجعلك! خرج زاهر بعدها. نظرت للساعة التي بيدها منذ ما حدث ترسل إشعارات يومياً لكن ما من استجابة. سرعان ما دب الأمل بقلبها عندما رأت الإشارة تأتيها من الجهة الأخرى.
فتح الباب ودخل يضع الطعام أمامها على الفراش، لكنها لم تقترب منه. جلس أسفل قدميها مردداً بصوت حزين متألم: "ليه يا ميان حبيتييهم؟ وليه دايماً كل اللي بحبهم مش عايزني ويمشوا؟ لم تنظر له. كانت على وضعها تدفن وجهها بين قدميها. ليتابع هو بقهر: "أنا عمري ما كنت وحش يا ميان. هما اللي عملوا فيا كده. أنا عمري ما آذيت نملة، بس هما اللي ابتدوا بالأذية. هما اللي ابتدوا وعملوا مني اللي إنتي شيفاه ده. مش أنا!
لم تنظر له. أشاحت بوجهها بعيداً. فتابع هو بدموع: "بصيلي يا ميان. بصيلي مرة من غير ما أشوف كره وقرف في عيونك. أنا والله مش وحش." صرخت عليه بغضب: "متجبش سيرة ربنا على لسانك. اللي زيك ميعرفش ربنا عشان يجيب سيرته! رد عليها بقهر: "وهما كانوا عرفوا ربنا؟ كانوا عرفوا ربنا وهم بيدمروا عيلتي وحياتي ومستقبلي." أشاحت بوجهها بعيداً. ليتابع هو بما صدمها: "كاميليا وجوزها كانوا السبب. هما السبب قتلوا عيلتي. دمروا حياتي! رددت بصدمة:
"كاميليا عملتلك إيه؟ وعمي شريف اللي يرحمه إذاك في إيه؟ عمره ما آذى حد! نفى برأسه قائلاً بدموع وغضب: "مش أبو سفيان. كاميليا وجوزها اللي اتجوزوا بعد ما اطلقت من أبوه." نظر لداخل عينيها مردداً بصوت حزين مشتاق: "تعرفي إنك شبهها أوي. فيكي شبه من أمي أوي يا ميان. نفس العيون اللي كل ما بشوفها بلقى فيها حنان ودفء." زفرت بضيق وهي تشيح بوجهها بعيداً مرة أخرى. فتابع هو بحزن شديد وذكريات الماضي تعصف برأسه:
"أمي اللي كل ذنبها إن جوز كاميليا الـ... عينه زاغت عليها وعجبته. أبويا كان بيشتغل عنده ساعي في الشركة وأنا كنت في الجامعة. ظروفنا كانت كويسة الحمدلله ومستورة معانا. بس جت فترة حصلتلي حادثة قعدتني في البيت من غير شغل." تنهد متابعاً حديثه بحزن: "كنت بشتغل جنب الدراسة عشان أصرف على نفسي وأساعد أبويا في مصروف البيت. الحادثة اللي حصلت والعملية اللي عملتها قعدت بسببها فترة في البيت وصرفنا اللي كنا محوشينه كله."
صمت للحظات ثم تابع مبتلعاً غصة مريرة بحلقه: "الظروف زنقت معانا خالص وأنا مكنش ينفع أنزل شغل. فأمي اشتغلت خدامة في الفيلا عند كاميليا وجوزها. على فكرة هي عمرها ما اشتغلت. بالعكس كانت قاعدة معززة مكرمة في بيتها وعمرها ما اتبهدلت. ودياريتها ما راحت." استمعت له باهتمام. ليتابع بقهر: "يوم ما نزلت اتبهدلت واتهانت ولأ كانت بتتكلم. ابن...
كان بيضايقها بنظراته. بس هي استحملت عشان مكنش قدامها حل غير كده. الحمل كان هيكون تقيل على أبويا. لحد ما في يوم استغل إن الشغالين والبيت فاضي و... صمت ولم يقدر على قولها. خمنت ما يريد قوله. فتابع هو بدموع وحزن: "اتهجم على أمي واعتدى عليها وهي متكلمتش. فضلت ساكتة وكاتمة الحزن والقهر في قلبها. بس قلبي كان حاسس إن فيه حاجة بتحصل. دي مش أمي. دي واحدة تانية بتدبل كل يوم عن اللي قبله. محدش عارف السبب إيه."
مسح بيده وجهه متابعاً بحزن: "نسألها بس مش بترد. سرحانة علطول وساكتة. انطفت وبتنطفي كل يوم." شرد بتلك الذكرى الأليمة مردداً بحزن: "لحد ما في يوم لقينا اللي بيخبط على باب بيتنا وبيزعق بصوته كله. وكانت كاميليا. كانت عمالة تصرخ وتقول إن أمي لفت على جوزها وخانت أبويا معاه. وكلام كتير من ده. والمشكلة إنها كانت بتقول حاجات متتقالش. بس كانت كفيلة إنها تخلي أي حد يقتنع." صمت متابعاً بحزن وهو يمسح دموعه:
"فضحتنا في الحتة كلها وأبويا صدق. صدق وطلقها في ساعتها من غير ما يسمع منها. طلقها وبطلاقه ليها كأنه بيثبت التهمة عليها." كانت تستمع له بحزن وتأثر. فتابع بقهر: "بس أمي حكتلي كل حاجة. روحت للراجل ده وكنت واخد معايا سكينة ناوي أقتله وآخد حق أمي. واجهته واعترف بكل بجاحة باللي عمله. معرفتش أعمله حاجة لأن رجّالته كانوا أكتر مني. سكينة تعمل إيه وسط كل دول." نزلت دموعه أكثر وهو يروي تفاصيل تلك الليلة التي تغيرت حياته بها:
"رجعت يومها ولقيت أبويا قاتل أمي. قتلها عشان مقدرش يستحمل كلام الناس ومن زن أهله في البلد عليه. أصل كاميليا متوصتش ووصلت الخبر لأهلنا في البلد. طبعاً هما كمان متوصوش من زنهم عليه." أغمض عينيه متابعاً حديثه بألم: "رجعت لقيته قاتلها عشان ينضف شرفه. قتلها ومات في لحظتها من القهر. كاميليا وجوزها دمروا حياتي. قتلوا عيلتي." كادت أن تواسيه لكنها توقفت عندما تابع حديثه بغل تشفي وقد اختلفت نبرته كلياً:
"اشتغلت كل حاجة تجيب فلوس تخطر في بال أي حد حرام أو حلال. مكنتش فارقة. اشتغلت وعافرت سنين لحد ما وصلت للي أنا فيه ده وقررت آخد حقي منهم واحد واحد." كور قبضة يده متابعاً بغل وشماتة: "قتلت ابن... ده بس قبل ما أعمل كده خليته يشوف بعينه اللي عمله في أمي في بنته وقدامه. قهرت قلبه عليها وعلى ابنه اللي قتلته بإيدي. خليته يجرب إحساس إنك تخسر عيلتك قدام عينك." ضحك بسخرية قائلاً بغضب:
"حتى كاميليا أنا اللي اتفقت مع محامي جوزها الأخير وزورنا وصية عشان متاخدش مليم من فلوس جوزها وتشحت في الشوارع. جمعت معلومات عن ولادها وكل عيلتها." صمت متابعاً بحب: "عشان أتفاجأ من بين كل ده ببنت زي القمر. عيونها كلها حنان. جميلة لدرجة إني سألت نفسي في لحظتها معقول فيه بنت بالجمال ده؟
وكأنها خدت الجمال كله واحتفظت بيه لنفسها. مكنتش عارف إيه اللي بيحصلي. بس كل اللي أعرفه إني لقيت نفسي مهتم بيكي بدور وراكي إنتي بدالهم. قلبي بيتحرك ليكي وعايزك." ردد بفرح بينما هي تبدلت نظراتها من التأثر للاشمئزاز: "كاميليا خدمتني خدمة من غير ما تعرف لما خلت سفيان يبعد عنك. نرمين حكتلي كل حاجة من يوم ما عرفتها بعد جوازها من سفيان." ردد بحب وهيام وقد رفع يده ليضعها على وجنتها لكنها دفعتها بعيداً بقرف:
"كنتي دايماً تحت عيني بس مكنش عندي الجرأة أكلمك. خليت ابنها يبقى مدمن عشان أقهر قلبها. بس اللي زيها معندوش قلب. وكنت عايز أوجع سفيان بردو لأني كنت شايفه أكبر عدو ليا حتى قبل كاميليا لأنه خد قلبك اللي أنا أحق بيه." صمت متابعاً بتشفي وفرح: "قتلته هو وكل عيلته. قتلت كاميليا ونرمين وسفيان وحتى عمار. دمرت عيلة الاتنين وقتلتهم زي ما دمروني." رددت بصدمة وقلق: "عملت إيه في عمار؟ قص عليها ما فعل بتشفي. فصرخت عليه بغضب
وقهر وهي تدفعه بصدره بقوة: "يا ابن... ردد بقهر وهو يبتعد عنها: "كل اللي فرق معاكي عمار عايش ولا لأ. بعد كل اللي حكيته ليكي يا ميان." ظلت تصرخ عليه بقهر وهي لا تستطيع التقدم بسبب السلسال الذي يقيد قدمها. غادر وتركها وهو يمسح دموعه قبل أن يخرج حتى لا يراه رجاله هكذا. دخل عليها بعد قليل ليجدها على نفس الحال. الطعام كما هو وهي تجلس على الفراش تضم قدمها المكبلة بسلاسل حديدية إلى صدرها والدموع لا تفارقها.
جلس أمامها فسألته بخوف ورجاء أن يقول الحقيقة ليرتاح قلبها: "فارس مات بجد يا زاهر؟ عمار مات؟ سفيان كمان؟ سألها بألم ووجع: "حبتيه يا ميان؟ ليه تحبيهم هما وأنا لأ؟ صرخت عليه بوجع وقهر: "عمار معملش حاجة وفارس مش زيك ولا زي سفيان. فارس ما سببش ليك أي أذى. ليه أذيته؟ فارس معملش أي حاجة." صمتت للحظات ثم تابعت بقهر وألم: "معملش حاجة غير إنه حبني! رد عليها بشراسة وهو يقبض بيده على كتفها يجذبها لتقف أمامه:
"غلط. غلطة عمره إنه قرب ليكي وخد حاجة مش بتاعته. خدك مني و... صرخت عليه بغضب وهو تدفع يده بعيداً عنها: "أنا مش ليك ولا عمري هكون ليك. أنا لا يمكن في يوم أسلم نفسي وأشيل اسم واحد و... "زيك. وفوق كل ده قاتل وإيده مليانة بالدم." صرخ عليها بشراسة واستنكار: "بعد كل اللي حكيته ليكي. بعد كل ده مصره تشوفيني وحش يا ميان." ردت عليه بقرف واشمئزاز:
"إنت كده أصلاً. إنت اللي اخترت تكون كده. إنت اللي اخترت الانتقام بالطريقة دي وبالشكل ده." رد عليها بتهكم وسخرية: "اتأذيتي أقل من أذيتي بكتير واصرتي على الانتقام. انتقمتي مننا بتحللي الحاجة لنفسك وتحرميها عليا." صرخت عليه بغضب واستنكار: "مفيش مقارنة بيني وبينك. أنا لما انتقمت ما قتلتش. مشيت بالقانون. اترفع عليك إنت ونرمين قضية زنا واتسجنتوا بتخطيط مني. أه بس قبل كده كان بيحصل بينكم كده فعلاً. إنت زاني." ثم تابعت بحدة:
"سجنت كاميليا وانتقمت منها بالقانون على كل جريمة عملتها." أشارت له متابعة حديثها مصوبة عليه نظرات مليئة بالبغض والاحتقار: "إنت بقى قتلت ودمرت حياة بنت الراجل ظلم مع إن مشكلتك مع أبوها. دمرت حياتها وقتلتها وهي في عز شبابها وقتلت ابنه. قتلت نرمين وكاميليا وسفيان وفارس وعمار. إنت قاتل وزبالة." كان ينظر إليها بغضب. بينما هي تابعت حديثها غير مبالية به وبأي شيء:
"أنا محاسبتش حد فيكم على حاجة من عندي. كله على عمايلكم ومن غير ما أقتل روح." قبض بقسوة بيده على ذراعيها مردداً بصرامة: "عاجبك أو مش عاجبك. اتقبليني زي ما أنا. لأنك مش هتكوني لغيري. حبيني زي ما أنا لو مش عايزة تأذي حد تاني." ردد بتوعد وبنبرة أرعبتها بجانب أذنها بينما الأخرى تحاول دفعه بعيداً عنها بكل قوتها: "أي حد هيفكر يقرب منك وتقربي منه. مصيره هيكون زي مصير اللي قبله. وإنتي شوفتي وجربتي." ابتعد عنها مردداً
بقسوة وهو ينظر لشفتيها: "الاتنين يستاهلوا الأكتر من الحرق. سمحتي لفارس يلمسك ليه؟ ليه بعد ما قلت سفيان باللي حصل منه طلعتيه من حياتك. روحتي لغيره وحبتيه." صرخت عليه بغضب وهي تدفعه بعيداً عنها: "ابعد عني. متحطش إيدك الـ... دي عليا. أنا بقرف منك. حبستني هنا فاكر إني كده هحبك ومش هشوف غيرك. ده الموت أهون من إني أعيش معاك أو أكون لواحد زيك."
اشتعلت عيناه بغضب مما قالت. سرعان ما دفعها على الفراش بقسوة قابضاً بيده على فكها مردداً بنبرة بثت الرعب بداخلها: "طالما كده كده هتفضلي قرفانة مني يبقى قرف بقرف بقى." قال ما قال ثم ثبت يدها التي تحاول دفعه بعيداً عنها فوق رأسها وشرع في تقبيل عنقها بشراسة وعنوة والأخرى تحاول دفعه بعيداً عنها تصرخ بأعلى صوتها لكن لا فائدة.
تملك منها الرعب عندما امتدت يده إلى قميصها يشقه لنصفين. رفعت قدمها لتدفعه بعيداً عنها لكنه ثبتها جيداً وتابع ما يفعل بإصرار على أن يضع صك ملكيته عليها اليوم. بكت بقوة وأخذت تتوسله عندما لم تجد طريقة أخرى لتبعده لكنه لم يستمع لها. بينما بالخارج كان فارس وسفيان مع كارم وعناصر الشرطة. أخذوا ينتشرون حول ذلك المنزل الذي يقع بوسط الصحراء بحذر. لم يكن يقف سوا رجلان فقط على مقدمة المنزل.
تولى أمرهما رجال الشرطة. مرت لحظات وتعالى صوت صريخ عالٍ بث الرعب بقلبه. سرعان ما ركض للداخل وخلفه سفيان ولم يحسبا حساب أي عواقب. دفع فارس بقدمه باب الغرفة الذي يأتي منها صوت الصريخ ليتفاجأ بذلك الحقير يجثو فوق زوجته يحاول الاعتداء عليها. ركض على الفور ينتزعه من فوقها يسدد له لكمات متلاحقة بقسوة وغضب كبير. بوغت الآخر بما حدث فلم يقدر على صد لكماته أو الدفاع عن نفسه.
بينما سفيان ركض على الفور تجاه ميان التي اعتدلت تحاول تغطية جسدها. قبل أن يدخل الرجال وقف أمامها يعطيها ظهره متخلصاً من جاكيته على الفور يعطيه لها قائلاً بعجلة: "البسيه بسرعة." فعلت ما قال بأيدي مرتجفة وأعصاب تالفة. التفت إليها عندما شعر بها تقوم من على الفراش يسألها بلهفة وقلق: "إنتي كويسة؟ حصلك حاجة؟
حركت رأسها تنظر إلى فارس الذي جثى فوق الآخر يسدد له اللكمات للآن بدون توقف حتى فقد الآخر الوعي. انحنى يجذب ذراعه ثم قام بكسره بدون رحمة. بينما لسانه لا يتوقف عن السباب. تدخل كارم قائلاً بتهدئة: "فارس سيبه بقى. خلينا نشوف شغلنا وهو هيتحاسب على اللي عمله. اهدى بس هيموت في إيدك كده." انحنى فارس يلتقط سلاحه من الأرض يصوبه تجاه جسد زاهر. فشهق الجميع بقوة وخوف. ردد كارم بصدمة: "فارس هتعمل إيه؟ صرخ عليه فارس بغضب أعمى:
"ابعد من وشي." ردد كارم بتصميم: "لأ مش هبعد." رددت ميان من الخلف بدموع وخوف حيث لم تقدر على الاقتراب بسبب السلسال الحديدي الذي يقيد قدمها: "فارس إنت هتعمل إيه؟ نزل السلاح! لم يرد على أحد وشد صمام الأمان. وقبل أن يطلق وضع سفيان يده على السلاح مردداً بصرامة: "الموت مش خسارة فيه. بس اللي خسارة بجد السنين اللي هتتسجنها لو ضيعت نفسك وقتلته. هي محتاجة ليك. لو مش هتسمع منا اسمع منها." رددت ميان مرة أخرى بتوسل ودموع:
"عشان خاطري يا فارس." أومأ فارس برأسه والتفتت بعينيه ينظر إليها ليجدها مقيدة بهذا الشكل. فالتفت على الفور وبدون ذرة تردد أطلق رصاصة أصابت قدم الآخر الذي كان بدأ يفتح عيناه بتعب. فأطلق صريخاً عالياً من شدة الألم الذي يشعر به وهو يلكم الأرض بيده. اقترب فارس منها بلهفة ملقياً سلاحه أرضاً يحاوط بيديه وجهها مردداً بلهفة وأعين دامعة: "إنتي كويسة صح؟ معملش فيكي حاجة؟ رددت بدموع وهي تلقي بنفسها داخل أحضانه:
"اتأخرت أوي يا فارس وأنا كنت خايفة أوي. فكرت إن حصلكم حاجة. هو قالي إنكم مو... لم تقدر على الإكمال. فابتعد عنها مقبلاً جبينها بحنان. ثم حاوط بيديه وجهها مرة أخرى يزيل دموعها برفق قائلاً باعتذار: "حق عليا. غصب عني." ثم كرر السؤال مرة أخرى بقلق ينهش قلبه وعدم تصديق أنها بين يديه: "إنتي كويسة بجد؟
أومأت له برأسها عدة مرات. فأجلسها على الفراش ليقترب سفيان من جسد زاهر يبحث عن مفتاح السلسال الذي يحاوط قدمها. وما أن وجده أخذه يعطيه لفارس الذي قام بنزعه من على قدمها سريعاً. ابتعد سفيان للخلف ينظر للاثنين بحسرة وندم. لسان حاله يقول: ياليته كان مكان فارس وهي زوجته وتخصه. وياليته استطاع أن يضمها إليه مثلما فعل الآخر ليطمئن قلبه عليه. بينما كارم ما أن أخفض فارس سلاحه أمر عناصر الشرطة أن ينتظروا في الخارج قليلاً.
انحنى فارس يحملها بين ذراعيه بحنان. فحاوطت عنقه تضم نفسها إليه وتضع رأسها على كتفه تستمد منه الأمان الذي افتقدته طوال الفترة الماضية. "فارس حاسب! قالها كارم فجأة وهو يقف خلف فارس مصوباً سلاحه ناحية جسد زاهر مصوباً عليه عدة طلقات ليلقى الآخر حتفه على الفور. الحقير لقد كاد أن يطلق النار عليه. التفت فارس ينظر لجثمان الآخر بتشفي وغِل. بينما ميان نظرت له بضع لحظات ثم تراخت يدها من حول عنق فارس وسقطت فاقدة للوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!