الفصل 24 | من 43 فصل

رواية بعينك اسير الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
17
كلمة
9,190
وقت القراءة
46 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

صرخت كاميليا بغضب: ليه عمل فيا كده يا عليا، لو كان قالي إني مش بنته كنت عرفت مكاني كويس، مكنتش عيشت حياتي كلها أسأل نفسي أنا غلطت في إيه عشان يكرهني. ثم تابعت بقهر: مكنتش فضلت معيشة نفسي في مقارنة بيني وبينك، مكنتش هعيش شايفة إني أستاهل السعادة اللي كل واحد فيكم عاشها وأنا لأ. سقط السلاح من يدها أرضاً وجلست هي على ركبتيها قائلة بدموع وألم:

لو كان قالي كنت هقبل بوضعي وأعرف إن مش من حقي أطالب بأي حقوق، مش حقي. بس هو عيشني في قهر وذل وحرمان طول عمري. نظرت لعليا قائلة بحيرة: السؤال اللي فضل محيرني أنا أصلاً مش فارقة معاه ليه؟ يخبي ليه مقاليش يا عليا. ليه استكتر يديني تبسط حقوقي؟ لا منه اعتبرني بنته وعاملني كويس، ولا منه قالي وعرفني الحقيقة وقالي أنا أبقى مين. هو السبب يا عليا، المفروض هو اللي يتحاسب مكاني على كل الجرايم دي. ترددت عليا بدموع:

كان بينفذ وصية ماما الله يرحمها يا كاميليا! سألتها الأخرى بصدمة: انتي كنتي عارفة!!! أومأت لها قائلة بحزن وهي تجلس بجانبها أرضاً: لما كنت في الثانوية، كنت مستغربة السنين اللي فاتت دي معاملته ليكي، اتشجعت وسألته وحكالي كل حاجة من الأول وحلفني الكلام اللي يتقال ما يخرجش بيني وبينه. ثم تابعت بتذكر لذلك الحديث الذي دار بينها وبين والدها الراحل منذ سنوات طوال:

قالي إن قبل ما يخلفوني كانت فرصة حمل ماما ضعيفة، كانت عايزة تتبنى بس بابا رافض الحكاية دي، بس وافق عشان خاطرها لحد ما حصل وقدرت ماما تخلف وأنا جيت ع الدنيا. ساعتها هو كان عايزها تتخلى عنك وترجعوكي من المكان اللي جيتي منه، بس هي رفضت. لحد آخر يوم في حياتها كانت متمسكة بيكي ووصت بابا بعد موتها إن سر إنك مش بنتهم يدفن معاها. بس هو... لم تقدر عليا على قولها فقالت كاميليا بدلاً عنها بقهر: مقدرش يحبني ولا يتقبلني، مش كده؟

سألتها عليا بقهر وهي تتفحص ابنتها بقلق: ابني كان ذنبه إيه وبنتي ذنبها إيه يا كاميليا؟ سألتها الأخرى بدموع: أنا كمان ذنبي إيه؟ ثم تابعت بحقد: الذنب ذنبك وذنب أبوكي وذنب راشد عشان محبنيش زي ما بحبه، وذنب كوثر عشان هو حبها وأنا لأ. أنا مستهلش كل ده يحصلي. جاء صوت عمار من خلفها قائلاً بقهر وحزن: طب أنا وسفيان ذنبنا إيه؟ المفروض أنا، إحنا ولادك.

اقترب سفيان من ميان يتفحصها بقلق شديد ليتفاجأ بيد رأفت تدفعه بعيداً عنها بقسوة. رأفت قائلاً بحدة: ابعد إيدك الو... دي عن بنتي. انحنى فارس على الفور يتفحص جرحها حتى يسعفها سريعاً، بعدها وقف سريعاً يجذب أحد المفارش التي تزين أحد الطاولات يلفها حول رأسها سريعاً حتى يتوقف النزيف، ثم حملها بين ذراعيه ليتوجه بها للمستشفى قائلاً لرأفت بسرعة: الوضع ما يسمحش إن حضرتك تمشي، أنا هاخد ميان ع المستشفى بسرعة وأبقى حصلني على هناك.

أرغم رأفت على الموافقة سريعاً قائلاً برجاء: خلي بالك منها يا بني. أومأ له سريعاً ثم غادر وخلفه همس متجهين للمستشفى، بينما رأفت التفت ينظر لكاميليا بأعين قاتمة تنوي على كل شر، لكنه توقف مكانه عندما رأى عليا تحتضن كاميليا وكلتاهما تبكيان بقوة. جذبها بقسوة قائلاً بغضب لعليا: انتي بتعملي إيه؟ دي قتلت ابنك وكان هتموت بنتك وتوديها في ستين داهية، في الآخر تحضنيها!!! عليا بقهر واعتراف منها:

أبويا السبب يا رأفت، ابني مات بسبب أبويا، الذنب اللي ارتكبه زمان معاها. ولادي بيدفعوا تمنه وولادها كمان، كلنا دفعنا تمن اللي عمله. مش طايقاها وصعبانة عليا في نفس الوقت، قلبي محروق على ابني وبنتي و... لم تكمل حديثها فقد سيطر على الجميع حالة من الفزع والصدمة عندما سقطت كاميليا أرضاً والدماء تغطي وجهها أثر تلك الرصاصة التي اخترقت منتصف جبينها.

انحنى عمار يتفحصها بصدمة وأعين جاحظة كذلك سفيان. كلاهما طوال الأعوام الماضية لم يكف كلاهما عن قول إنهما يكرهونها، لا يكترثون بها، لكن تلك اللحظة تبخرت تلك الكلمة من قاموسهما. الانكسار والحزن سيطر عليهما. تلمس عمار جبينها قائلاً بدموع: قومي كلميني، مش هقولك بكرهك تاني. هقولك بس قد إيه بحبك وقد إيه كان نفسي تفضلي جنبي متسبنيش. هقولك برغم كل اللي عملتيه قلبي مش عارف يكرهك يا... أمي.

حالة صمت سيطرت على سفيان، لم ينطق بأي كلمة، فقط ينظر لها مصدوماً. كان رأفت وسالم والرجال يبحثون عن من أطلق النار، لكن لا أثر لأحد. احتضنها عمار وسفيان متشبثين بها بقوة، كلاهما في حالة صدمة وعدم تصديق. ألم عاصف يضرب قلبهما على ما مرت به والدتهما. مذنبة، لا أحد منهما ينكر، لكنها أيضاً ضحية.

مرت الجنازة والعزاء بحضور سفيان وعمار. تجاهل الجميع تعزية سفيان تماماً، اكتفوا بتقديم واجب العزاء لعمار وحده، مما أثار حزن سفيان أكثر. بيده جعل الجميع يبغضه وينفر منه، لقد أصبح وحيداً بهذه الحياة. يتمنى لو الزمن يعود، لما سمح لهم بخداعه. لكان استمع لها وكانت الآن بين ذراعيه بجانبه.

بينما ميان خرجت باليوم التالي من المستشفى. لقد كان جرحها سطحي، وعلمت كل ما حدث من جدها. لم تشفق عليها أبداً، فلا مبرر لجرائمها، هي من اختارت أن تكمل حياتها هكذا. "أنا ابتديت أحس إن الجوازة دي منحوسة! قالها قصي بإحباط لسيلين التي كتمت ضحكتها بصعوبة قائلة: ليه بس كده؟ رد عليها بضيق ونفاذ صبر: إنتي عارفة كام مصيبة حصلت من بعد الفرح لحد دلوقتي، ده إحنا الحمد لله إن لسه عايشين أصلاً. أومأت له قائلة

بابتسامة حزينة وهي تحتضنه: اللي حصل الفترة اللي فاتت دي صعب أوي، ميان صعبانة عليا أوي. اللي حصل صعب على أي حد يتحمله، تخيل في ليلة المفروض إنها ليلة العمر زي ما بيقولوا يحصلك كل ده. قتلها وهي هي لسه عايشة، معندوش قلب. أياً كان كرهك لشخص ده ميعنيش إنك تدمره بالشكل ده. تنهد بحزن قائلاً:

سفيان طول عمره متهور، بيحكم من غير ما يسمع. علاقته بنرمين زمان من أيام الجامعة كانت قوية، كانوا أصحاب جامد أوي، كان بيثق فيها. في نفس الوقت ثقته في ميان مهزوزة على الآخر، كام كلمة منها نهوا الثقة تماماً ناحية ميان. سيلين بحزن ودعاء: ربنا يعوضها ويرزقها بالأحسن منه، بنت حلال وجدعة وتستاهل كل خير والله. اقترب منها قائلاً بمكر: بقالنا ساعة بنرغي سوا مع إن المفروض كنا نستغل الوقت ده! سألته بعدم فهم: نستغله في إيه؟

مش فاهمة! ردد بابتسامة ماكرة: حالاً هفهمك. باللحظة التالية كان يحملها بين يديه لداخل الغرفة مغلقاً الباب بقدمه. سرعان ما تعالى صراخها بسعادة عندما أخبرها أن شهر عسلهم المؤجل سوف يبدأ من الغد حيث سيسافر الاثنان بداخل مصر لمدة أسبوعين، والاثنان غافلان عن ما ينتظرهم بعدها. بينما بأحد السجون كان زاهر يستمع لأحد المساجين الذي يتحدث معه بصوت خفيض:

كله تمام يا باشا، الست اللي قولت عليها باتت الليلة في قبرها، والباشا الكبير بيقولك هيخرجك من هنا لما ييجي الوقت المناسب يا زاهر باشا. أومأ له الآخر يبتسم بتوسع. لقد تحققت واحدة من أمنياته، كاميليا ماتت، لقد انتظر تلك اللحظة سنوات طوال. صحيح أنها لم تمت بيده، لكن المهم أنها ماتت أخيراً. تلك الحقيرة سبب كبير من أسباب دمار حياته سابقاً. الرصاصة التي قتلت بها غالية، كثيراً على رخيصة مثلها.

بينما بسجن آخر خاص بالنساء كانت امرأة بحالة يرثى لها تنظف الأرض بخرقة قديمة. تلك المرأة بالطبع جميعاً نعرفها، إنها هي "نرمين".

كانت تنظف وهي تشعر بالإنهاك الشديد، تحاول أن تنهي عملها سريعاً حتى لا تتعرض للضرب المبرح من المسجونات التابعات لكبيرة السجن التي تدعى بـ "تفاحة". لكن يبدو أن اليوم لن تفلت من أيديهم أيضاً، فقد اقتربت منها تفاحة تركلها بقدمها في جانبها حتى سقطت أرضاً و تبللت ثيابها بالماء، فضحكت المسجونات عليها. وضعت الأخرى قدمها فوق وجهها تضغط عليه بنعلها بقوة، حاولت الأخرى الابتعاد لكن دون جدوى، فتلك تفاحة بنيتها ضخمة لن تقدر عليها. حاولت حتى استطاعت في النهاية، فسقط الأخرى أرضاً فوق ظهرها أثر جذب نرمين لقدمه.

تراجع نرمين للخلف برعب عندما انهالت عليها المسجونات بالضرب المبرح دفاعاً عن كبيرتهم التي وقفت قائلة بغضب كبير: ده أنتي ليلة أهلك سودا، كتفوها يا ن... وهتوها. كانت تنتحب بقوة، سرعان ما توسعت عيناها بذعر عندما رأتها تخرج شفرة حادة، سرعان ما نزلت بها على وجهها تشوهه لها، والأخرى تصرخ بعلو صوتها طالبة النجدة، لكن بعد ماذا؟

مرت الأيام سريعاً. مضى شهران على وفاة كاميليا. لم يحدث بهم شيئاً جديداً سوى أن عمار ذهب برفقة فريدة وسفيان لطلب يد والدة لينا لتصبح الأخرى خطيبته رسمياً، وهمس تتقرب من يزن يوماً بعد الآخر، وميان منذ أن بدأت الدراسة وهي تصب كامل تركيزها عليها.

اليوم هو حفل خطبة "لينا وعمار". حفل بسيط بأحد المناطق المفتوحة على البحر، يقتصر فقط على المقربون والأصدقاء كما رغب الاثنان بذلك. حضر أيضاً كلاً من فارس وكارم وحضر يزن. بينما رأفت وعليا وسالم اعتذروا عن الحضور. لقد كانت حالة عليا النفسية مدمرة على الأخير بسبب ما حدث من كاميليا وطريقة موتها البشعة. كان رأفت بجانبها طوال الوقت. بينما سالم قد عاد للبلد ليتابع أعماله المعطلة منذ فترة.

كان سفيان يقف بجانب منفصل عن الجميع. الكل يتعامل معه بحدود بعدما فعل ما فعل مع ميان. سقط بنظر الجميع وخسر احترامهم.

كان يتابع باب الدخول بلهفة بانتظار دخولها. لم يراها سوى مرتان يوم مكوثها بالمستشفى ويوم اعتداء والدته بالضرب عليها. حبست أنفاسه ما إن رآها تدخل من الباب بفستان أسود طويل بدون أكتاف وخصلات شعرها المموجة طليقة. صبغت شفتيها بأحمر شفاه ناري. خطواتها كلها ثقة. نظراتها مختلفة عن السابق. تلك لا يعرفها. يعرفها!!!

ضحك بسخرية كأنه كان يعرفها قبلاً. لو كان يعرفها قبلاً لكان صدقها ووثق بها، لكنه أبداً لم يفهمها. مضت من أمامه دون أن تعطيه نظرة واحدة وتخطته مقتربة من لينا وعمار تهنئهم ولم تعره أي اهتمام. بعدها بحثت عن همس لتجدها تقف بجانب يزن، الاثنان مندمجان بالحديث، وكذلك قصي وسيلين.

ذهبت باتجاه طاولة كارم وفارس. ما إن وجدت أنها لا تعرف بالزفاف سوى هما. حيث عائلة سيلين يقفون بجانب فريدة وبالطبع هي لا تطيق النظر إلى فريدة حتى لا الحديث معه. منحتهم ابتسامة صغيرة فحياها الاثنان بنفس الابتسامة، لكن ابتسامة فارس تختلف، فقد كانت ممزوجة بأعجاب شديد بجمالها. أبعد عينيه عنها بحرج بعدما لاحظ أنه بقى متأملاً فيها لوقت.

عكسه كان كارم الذي يكور قبضة يده بحقد وغِل من يزن الذي يقف ويتبادل الحديث باندماج واستمتاع مع همس التي تبادله الحديث بشغف أيضاً. ردد فارس بخفوت وحزن بعدما غادر كارم بعيداً: بيحبها أوي. أومأت ميان قائلة بأسف: سهل إن أي حد يعرف إنه بيحبها، بس للأسف قلبها مع غيره. أنا أكتر واحدة جربت وجعه، بس الفرق إن وجعي على حد ما يستاهلش. ردد فارس بهدوء: محدش بيتعلم ببلاش. رددت بخفوت وهي تتحسس موضع رحمها: بس التمن كان غالي أوي.

أخذت تغلق عينيها وتفتحها عدة مرات تمنع نفسها بصعوبة من البكاء، خاصة في وجوده، فهي متأكدة مئة بالمئة أنه يراقبها الآن. تركت فارس وتوجهت ناحية الشاطيء تقف أمامه تأخذ نفساً عميقاً وتخرجه تحاول أن تهدأ من انفعالها بعدما داهمت الذكريات عقلها بقوة.

أخذت تتحسس ذراعيها تشعر بالبرد الشديد فقد تركت الفروير الخاص بها بالسيارة. كادت أن تلتفت لتذهب وتأتي به، لكنها توقفت مكانها ما إن شعرت بأحدهم يضع على كتفها سترته. بالطبع علمت من أنه هو، رائحته التي تميزها من بين الجميع. قبلاً كانت تعشقها، أما الآن تشمئز منها حقاً. انتابتها رغبة ملحة بالتقيؤ. التفتت دافعة سترته من على ذراعيها بقرف. كادت أن تغادر لكنه أوقفها متمسكاً بيدها مردداً برجاء: ميان اسمعيني لحظة بس.

دفعت يده بعيداً عنها بقرف دون أن تنظر له أو توجه له أي كلمة، ثم اقتربت من طاولة فارس مرة أخرى الذي كان يتابعها بعينيه منذ البداية. نظر لها ليجدها تحك جلد معصمها وملامح الاشمئزاز والقرف مرتسمة على وجهها. سألها بهدوء: فيكي حاجة؟ نفت برأسها قائلة بنفس ملامح الاشمئزاز وهي تلتقط حقيقة يدها الصغيرة: أنا ماشية.

لحق بها سريعاً وأعين سفيان تتابعهم بغيرة شديدة. لا يعرف من ذلك الرجل الذي تقف بجانبه منذ مجيئها، ثم لحق بها الآن. ما إن غادرت. لحق بهما ليتوقف بمكانه بصدمة مكوراً قبضة يده بغل عندما شاهد ما يفعل ذلك الرجل. لحق فارس بها قائلاً بهدوء: استني، مينفعش تمشي دلوقتي ولوحدك. رددت بقهر: مش قادرة أستنى هنا، مش طايقة أشوفه. لو فضلت هنا دقيقة كمان مش بعيد أقتله من غلي وغضبي منه.

كانت ترتجف من الغضب والبرد. أزال سترته سريعاً يضعها على كتفها قائلاً بقلق: طب اهدي وخذي نفس، أنا هوصلك. دفعها برفق نحو سيارته، والأخرى ترتعش من الغضب من الذكريات التي عصفت برأسها. صعدت للسيارة تردد بغضب كأنها تحدث نفسها والآخر يقود السيارة بصمت ويتابعها بشفقة وحزن: عايزني أسمعه، طب هو مسمعنيش ليه؟

سنين فضل يهين ويذل فيا من غير ما يسألني ويسمع ردي، عمل فيها قاضي وحكم من غير ما يسمع، سنين فضلت أتحايل عليه يسمعني مسمعش، اتهمني في شرفي أكتر من مرة من غير ما يدي لنفسه فرصة يسمعني، حتى أجمل ليلة في حياة كل بنت خلاها أسوأ ليلة في حياتي عشان برضه مسمعنيش. توقف فارس بسيارته على جانب الطريق ينظر لها بشفقة وحزن قائلاً: انسي و... قاطعته قائلة بغضب وقهر:

بطلوا تقولولي انسي، مش زرار هو هضغط عليه وأنسى على طول. محدش فيكم مكاني، محدش شاف اللي شوفته. واللي قاهرني إني مش قادرة أشتكي من الوجع اللي جوايا لأن متأكدة أول كلمة هتتقالي انتي اللي عملتي في نفسك كده. قبلت الأول وبعدين انسحبت وأنا ع البر، بس هي استكترت عليا ده، أجبرتني أكمل معاه وخلتني غصب عني جوه اللعبة بعد ما كنت انسحبت منه.

دخلت بنوبة بكاء مرير وهي تضع يداها على وجهها. تنهد بحزن عليها. التفت بجسده إليها ثم برفق نزع يدها عن وجهها والأخرى ترتعش من شدة البكاء. رفع يداه يحاوط وجهها برقة ثم أخذ يزيل دموعها بحنان قائلاً بنبرة لينة: كفاية دموع يا ميا.

أخذ يمرر إصبعه على وجنتها برفق يمسح دموعها التي تعود وتنساب من جديد. تفاجأ بها تعانقه وتبكي بقوة. تعالت ضربات قلبه من قربها. رفع يده يضمها إليه هو الآخر. كانت تبكي بقوة وترتعش بين يديه. لم تكن تعي ما تفعل. تعالى رنين هاتفها جعلها تنتفض بعيداً عنه مصدومة مما فعلت. رفع يده يحك عنقه بحرج من الموقف. رددت ميان باعتذار وخجل من فعلتها: آآ... آسفة. ردد هو الآخر بحرج: أنا كمان آسف، خليني أوصلك ع البيت يلا.

قبل أن يقود سيارته أعطاها منديلًا وزجاجة مياه. التقطتهم منه قائلة بصوت خفيض: شكراً. بعد وقت توقف بسيارته أسفل منزلها. شكرته وقبل أن تنزل من سيارتها أوقفها قائلاً: المستشفى عندي بتقبل متدربين في الفترة دي، يعني لو حابة تقدري تيجي المستشفى بكرة. أنا قولت لهمس ولينا وموافقين. لو انتي كمان موافقة بكرة الساعة عشرة الصبح تعالي المستشفى.

أومأت له بصمت ثم غادرت السيارة على الفور. بقى مكانه يراقبها حتى اختفت عن أنظاره ثم انطلق بسيارته مغادراً يفكر بها. لما باتت تشغل حيزاً من تفكيره في الفترة الأخيرة. تنهد مجيباً نفسه بنفس الإجابة التي كان يخبر نفسه بها الأيام الماضية، إنه فقط شعور الشفقة والحزن عليها بسبب ما مرت به هو الذي يسيطر عليه تجاهها لا غير. قام عمار بتوصيل لينا لمنزلها. فبعد انتهاء الحفل ذهب الاثنان لتناول العشاء بالخارج. قبل أن تنزل

من السيارة رددت بمزاح: على فكرة شنطة السكاكين لسه مجبتهاش. ضحك قائلاً بغيظ مقلداً إياها: متنساش الساطور. ضحكت بقوة وهي تتذكر ما حدث بينهما قبل يوم من وفاة كاميليا. Flash back -لينا مالك فيكي إيه؟ قالها عمار بنفاذ صبر للينا التي كانت تتهرب منه. رددت لينا بتوتر وتهرب من الجواب: ماليش فيا إيه يعني. زفر بنفاذ صبر قائلاً بضيق: معرفش والله بس إنتي اللي عارفة. تهربت من النظر إلى عيناه قائلة بتوتر وكذب:

بيتهيألك يا عمار أنا كويسة. رد عليها عمار بسخرية قائلاً: كويسة!!! أو ما اتلغوا عدة مرات بصمت. فـ رآفـ..ـع هو يده يثبت بها وجهها حتى تنظر له قائلاً بتهكم وعدم تصديق: كان ممكن أصدقك لو قولتي الكلام ده من غير ما تتهربي بعينيكي. ردت عليه بصوت مختنق: مش بهرب. صرخ عليها بغضب قائلاً: إيه يا لينا بقالك فترة متغيرة معايا. قولت يمكن من اللي حصل بس إنتي معايا أنا بس. لو زعلانة مني قولي علطول.

أنسابت دموعها على وجنتيها فسألها عمار بنبرة لينة قائلاً بعتاب: طب بتبكي ليه دلوقتي؟ أنا زعلتك في حاجة من غير قصد؟ فهميني إيه يا لينا. نفت برأسها فسألها بعتاب: طب اومال إيه يا لينا فيكي إيه؟ بعد صمت دام لدقائق قليلة رددت هي بتوتر وخوف من رد فعله على ما ستقول الآن: أنا خايفة يا عمار. سألها بصدمة: من إيه؟ ردت عليه بخوف وحزن: منك ومن اللي ممكن يحصل قدام. سألها بصدمة: مني!!! ثم تابع بانكسار: خايفة مني ليه عشان كنت مدمن؟

نفى برأسها فسألها بحزن: اومال إيه، إيه اللي عملته عشان تخافي مني؟ رددت بانهيار وخوف: معملتش حاجة بس خايفة تعمل. خايفة تبقى زي سفيان بعدين. خايفة أكون مكان ميان في يوم من الأيام. صمته للحظات قائلاً بحزن: لكي حق تخافي. كاد أن يرحل من أمامها لكنها وقفت أمامه تمنعه من الرحيل قائلة بحزن: رايح فين؟ ردد بألم وحزن منها:

فهمت رسالتك مش عايزة تكملي، بس مكنش فيه داعي للف ودوران. كنتي قولتي من ساعة ما حسيتي مني بالخوف إنك مش عايزة تكملي بدل ما تفضلي تتهربي مني كده. رددت بتوسل أن يفهمها: عمار افهمني بس... قاطعه قائلاً بألم: أنا فاهمك كويس يا لينا. نفت برأسها قائلة بدموع: لأ مش فاهمة. تابعت بحزن وهي تتمسك بيده: فاكر أول مرة قولتلي بحبك قولتيلي إيه كمان؟

قولتلي انتي يعني أنا. رديت عليك وقلتلك وأنا يعني إنت. أنا بتكلم معاك دلوقتي كأني بكلم نفسي. ثم تابعت بعتاب: أنا بقولك ع اللي جوايا مش عشان تسيبني وتبعد. بقولك عشان تطمنيني يا عمار، تطمنيني إنك دايما جنبي وهتحبني ومستحيل تكون كده. عاتبها قائلاً: المفروض إنتي تكوني عارفة كده من نفسك ويكون عندك ثقة فيا. تنهدت قائلة بحزن:

مين قال إن مش واثقة فيك. كل الحكاية إن محتاجة أطمن يا عمار، مش محتاجة منك لوم وعتاب. أنا بس محتاجة منك تطمني. صورة ميان مش بتفارق بالي من يومها مرعوبة خايفة يجي يوم يحصلي اللي حصلها. تنهد قائلاً وهو يحاوط وجنتيها بحنان: أنا جنبك ومعاكي صدقيني. الموت عندي أهون من إني أخليكي تعيشي اللي هي عاشته. إنتي بنتي قبل ما تكوني حبيبتي والأب عمره ما يأذي بنته. ضمت شفتيها قائلة وهي تمسح دموعها بظهر يدها:

طب لو عملت كده في يوم من الأيام. ضحك بخفوت قائلاً بمرح: هشترلك شنطة سكاكين بحالها ادبحيني بيهم كلهم لو جيه اليوم ده، مع إني واثق زي ما أنا شايفك دلوقتي إن عمره ما هييجي. ضحكت بخفوت قائلة وهي تلكمه بصدره: مستني تتأكد إن معاهم الساطور. ضحك بقوة قائلاً وهي يضع يده على رقبتها بمزاح كأنه سيخنقها: ساطور ها. أومأت له بضحك فجذبها لاحضانه قائلاً بعشق: أنا بموت فيكي يا قلب عمار. Back ضحك الاثنان بقوة مقبلاً يدها قائلاً بحب:

مبروك عليا إنتي يا لينا وعقبال كتب الكتاب والفرح. باليوم التالي اتفق الثلاث فتيات مع فارس على التدريب بالمستشفى الخاص به بداية من الغد. ابتسمت ميان بسخرية وهي تجلس أمام فريدة التي فاجأتهم بزيارتها صباح اليوم تخبرها عندما جلست معها بمفردها كما طلبت: أنا عارفة إن سفيان غلط بس ندمان، ارجعيله يا بنتي. قاطعتها ميان قائلة بسخرية:

إنتوا الاتنين بتحبوا بعض وندمان والكلام اللي كنت بتشجعيني عليه زمان كنتي بتستغلي حبي ليه عشان توصلي للي عاوزاه، بعد كل اللي حصل جيتي بس عشان صعب عليكي حفيدك إنما أنا أولع بجاز، كل اللي قولتييه غلط وندمان ارجعيله. نظرت لها باشمئزاز متابعة حديثها بغضب: غلطه بقى ده نتج عن إيه، دمر مين بسببه ولع مين ما يخصكيش انتي. كل اللي يخصك حفيدك بس. صمتت ميان لحظة قائلة بغضب:

حقارة سفيان دي أنا عرفت منين جدته مثل أعلى والست الوالدة طبعاً. ده في مثل بيقول الإحساس نعمة بس للأسف مش عندك ولا عند حفيدك. فريدة بحدة: ميان اتأدبي واعرفي إنتي بتكلمي مين. ردت عليها ميان بصرامة: اطلعي بره! سألتها فريدة بصدمة: إنتي بتقولي إيه! ميان بغضب بعد أن نادت على الخادمة: اللي سمعتيه. بعاملك بالأسلوب اللي بتفهمي بيه. مش عايزة أشوفك تاني حتى لو صدفة. وإن كان على حفيدك يولع بجاز ميهمنيش. جاءت الخادمة

فأمرتها ميان بحدة وصرامة: وصليها للباب. نظرت لها فريدة بغضب كبير ثم غادرت نادمة على مجيئها إليها. بمنزل عاصم الشريف حيث يجتمع العائلتان على الغداء. رددت والدة يزن فجأة وبدون مقدمات: إيه رأيكم نخلي الفرح بعد شهر؟ ردت عليها والدة همس: ليه الاستعجال بس؟ نفخت الأخرى برأسها قائلة بحماس: لأ استعجال ولا حاجة يا هبة. بذمتك مش نفسك تشوفي ولادهم بيلعبوا حواليكي كده ويقولولك يا تيتا وتفرحي بيهم؟ هبة بتمني:

ده أنا مستنية اليوم ده بفارغ الصبر. ثم نظرت لعاصم قائلة: إيه رأيك يا عاصم؟ صمت عاصم للحظات ثم قال وهو يشير ليزن وهمس اللذان يستمعان للحديث بصمت: والله الرأي رأيهم هما الاتنين لأنهم اللي هيتجوزوا مش إحنا، وهما اللي يقرروا مستعدين للخطوة دي دلوقتي أو لأ. ردد والد يزن مؤيداً حديثه: معاك حق يا عاصم. صمتت همس تنتظر سماع رد يزن فعلى أساسه ستقرر شيئاً ما. ليصمت الآخر متحدثاً بعد لحظات: أنا عن نفسي موافق.

ابتسمت همس بخفوت تنظر لوالدها تحرك رأسها بنعم. فردد صلاح بسعادة: يبقى على بركة الله نبدأ بالتجهيزات من انهاردة. كان عاصم صامتاً طوال الوقت. وما إن غادر الجميع استوقف ابنته قبل أن تصعد لغرفتها قائلاً: همس لآخر مرة هسألك، إنتي مرتاحة ومبسوطة؟ إحنا لسه ع البر لو مش مرتاحة قولي فكري كويس يا بنتي ده جواز. منحته ابتسامة صغيرة قائلة: أنا كويسة يا بابا ومبسوطة متقلقش عليا. صعدت لغرفتها فجلست هبة بجانب عاصم تلومه:

مالك يا عاصم؟ كنت ساكت خالص طول ما كانوا هنا. بتسأل همس كده ليه؟ هو حصل حاجة؟ عاصم بقلق: أنا مش مرتاح يا هبة، يزن محترم وكل حاجة، بس مش بيحب بنتي. سألته بتعجب: ليه بتقول كده بس؟ عاصم بشرح لتلك التفاصيل التي لم تفوت عليه:

لما والدته فتحت موضوع الجواز مكنش عنده لهفة. يعني أي واحد بيحب واحدة بيكون ملهوف عليها ومستني اللحظة اللي تكون مراته، بس هو لأ. لو فرضنا مثلاً إنه خجول، مفيش أي تأثر في عينه. بالعكس شوفت حزن. حتى ساعة الخطوبة كان نفس الكلام. لما اتخانقوا ورجعوا اتصالحوا رجع صالحها بعد إيه. تنهد قائلاً بحزن: اللي مسكني إن بنتك مبسوطة وموافقة. هبة بابتسامة صغيرة: والله هتطلع كل شكك ده أوهام ملهاش داعي. إنت بس ادعيلهم ربنا يسعدهم سوا.

أومأ لها بصمت وعقله مشغولاً بابنته يتمنى حقاً أن تكون أوهام وأن يخيب ظنه.

بعد مرور ثلاثة أسابيع كان سفيان يجلس ببهو فيلته التي أصبحت ساكنة بدون حراس وخدم يعيش بداخلها بمفرده. كانت حالته يرثى لها، أهمل عمله، هيئته غير لطيفة بالمرة. ينظر للفراغ بأعين حمراء من البكاء. لقد خسر الجميع، ميان لا تقبل النظر لوجهه حتى أو الحديث معه بكلمة واحدة. كل يوم يذهب إليها ينتظرها أسفل تلك المستشفى التي تعمل بها مؤخراً برفقة ذلك الطبيب الذي يتمنى حقاً تشويه وجهه وقتله دوماً بجانبها. نظراته لها تثير غيرته. أغمض عينيه يتذكر ما حدث منذ ما يقارب الأسبوعان عندما ذهب للحديث معها لتفاجئه بردة فعلها.

Flash back دخل للمستشفى يسأل عنها حتى علم أنها بغرفة العمليات. صعد لها على الفور. ما أن وصل رآها تخرج من غرفة العمليات برفقة ذلك الطبيب تبتسم بتوسع وهي تحمل بيدها طفل رضيع يلتف بفراش صغير أزرق، والآخر يحمل على ذراعه طفلة صغيرة ملتفة بفراش مماثل لكنه ذو لون وردي. اقترب منهما والغيرة والندم ينهشان قلبه، لكن توقف ما أن استمع لوالد الطفلين يقول بسعادة: توأما. أومأت له ميان قائلة بابتسامة جميلة:

ألف مبروك، يتربوا في عزك وعز مامتهم. ردد ذلك الطبيب بابتسامة جذابة: مكنتوش تعرفوا؟ أومأ الرجل برأسه وهو يأخذ الطفلة منه: قولنا نخليها مفاجأة، وكانت أحلى مفاجأة. كرم ربنا كبير رزقنا بيهم بعد خمس سنين حرمان. ربت على كتفه قائلاً بابتسامة: ألف مبروك، زوجة حضرتك هتتنقل أوضتها وتقدر تطمن عليها، هي بخير وأولادك كمان بخير، بس الممرضات هيبدلوا هدومهم وعلى ما المدام تفوق هيكونوا خلصوا. أومأ له الرجل بلهفة فتسألت ميان بفضول:

هتسميهم إيه؟ نظر لهم الرجل بابتسامة بشوشة قائلاً: حضرتك اسمك إيه؟ ردت على سؤاله فكرر سؤاله للطبيب فأجابه منحهم ابتسامة جميلة قائلاً: فارس وميان، أسامي ولادي. توسعت أعين الاثنان بصدمة وسعادة، لكن فارس ربت على كتفه قائلاً بابتسامة: متستعجلش وخذ رأي المدام. ربنا يبارك لك فيهم ويجعلهم ذرية صالحة. ابتسم الرجل وقرب شفتيه من أذنهم مؤذناً بها، ثم أخذهما الممرضات ودخل الرجل للغرفة مع الباقين ليساعد زوجته.

فرددت ميان بابتسامة واسعة: شوفت يا دكتور فارس حلوين إزاي ما شاء الله، زمان مامتهم هتفرح بيهم أوي. ابتسم بهدوء قائلاً: أكيد، إنتي خلاص نويتي تتخصصي في أمراض النساء والتوليد؟ أومأت له قائلة بابتسامة: إن شاء الله، بس يا ترى لما أتخرج ليا مكان هنا أشتغل فيه ولا أشوف مستشفى تانية. ابتسم بزاوية شفتيه قائلاً: المستشفى كلها تحت أمرك، اعتبريني ضيف عندك واعملي اللي عاوزاه. ضحكت بخفوت قائلة:

مش للدرجة دي يعني، أصل بصراحة بعد اقتراحك ليا إني أتدرب هنا حبيت جو المستشفى أوي وحبيت الشغل هنا وحابة أستمر إن شاء الله. نظر لها للحظات ثم قال: انبسطت إنك مرتاحة معانا هنا، وزي ما قولتلك المستشفى كلها بتاعتك. كادت أن ترد لكن ماتت الكلمات على شفتيها ما أن استمعت لصوت تعرفه بل تحفظه على ظهر قلب. إنه هو "سفيان" منادياً اسمها.

التفتت له تنظر لوجهه الذي كلما لمحته تعود ذكريات تلك الليلة تتدفق لعقلها وكلماته الممزوجة بصوت صراخها ترن بأذنها. انتفضت ما أن وضع يده على ذراعها قائلاً بتوسل أن تستمع له ولو لمرة: ميان، ممكن تسمعيني.

ينظر لعيناها لتصدمه بنظرات نفور وكره كبير لم يسبق أن رآه بداخل عينيها. دوماً ما كان يرى الحب، الحب فقط. خطت للأمام متجاهلة إياه تماماً. فعاد وركض خلفها يتمسك بيدها حتى لا تذهب، لكنها دفعته بقوة كبيرة بعيداً عنها مشمئزة نافرة منه وحاقدة عليه. أشار لها بيده أنه لن يقترب قائلاً:

مش هقرب ومش هلمسك، بس اسمعيني. أنا كنت معمي ومغفل وغبي، أنا غلطان يا ميان وغلطي كبير مش سهل يتغفر، بس حطي نفسك مكاني. كل حاجة كانت بتقول إن لازم أكدبك ولازم أصدقها. أنا شوفتك بعيني وسمعت. أي حد مكاني كان هيفكر كده. أنا مش بحط مبرر بس، بس يمكن اللي بقوله يشفعلي عندك إنك تسامحيني. أنا بحبك وكل كلمة كنت بقولها وبوجعك بيها كانت من صدمتي فيكي ووجعي منك.

كان فارس يضم ذراعيه لصدره يتابع ما يحدث بهدوء، لكن عيناه لا تتوقف عن إلقاء نظرات محتقرة نحو الآخر. يتساءل أي نوع من الرجال هذا. كلمات اعتذار واحدة تلو الأخرى يقولها والأخرى تستمع له دون حديث. وما أن انتهى نظرت له مطولاً ثم تحدثت له ولأول مرة بعد تلك الليلة: عايز تعرف ردي مش كده؟

أومأ لها بأعين حزينة والندم يقطر منها. فابتسمت هي بزاوية شفتيها ظناً أنها اقتنعت بما قال وابتسم بسعادة سرعان ما تبددت عندما رفعت يدها ثم هوت بها بقوة على صدغه. صفعة قوية تعالى صداها بالأرجاء، صفعة قوية مهينة لكرامته. تعالت همسات الجميع من حولهم على بينما اعتدل فارس بوقفته متأهباً إن حدث أي شيء. رددت ميان بقوة واشمئزاز: ردي وصلك صح، بس عايزة أقولك حاجة. أنا مش هحط نفسي مكانك لأن ميان القاضي مكانها مش الزبالة.

صفعة وكلمات مهينة شهدها الجميع. كور قبضة يده غاضباً وصمت مبتلعاً الإهانة لأنه يستحق. Back مسح دموعه التي عادت تنساب على وجنتيه من جديد من شدة الندم والحزن على حالته التي وصل لها بفضل غبائه وتهوره. دخل عمار من الباب المفتوح بإهمال ليتفاجأ بحالة شقيقه. اقترب منه قائلاً بحزن واشفاق عليه: هتفضل ع الحال ده لحد إمتى؟ لم يرد عليه فتابع هو بضيق:

دي مش عيشة دي يا سفيان. فوق بقى وارجع اقف ع رجليك. إنت كده بتخسر كل حاجة. شغلك وحياتك واللي بنيته السنين اللي فاتت هيضيع منك. رد عليه بحزن وألم: كل ده ملوش لازمة من غيرها. ياريت كل ده يضيع واكسبها هي من تاني. الندم بينهش قلبي يا عمار وجملتها مش بتفارقني. قالتلي الندم وحش أوي بلاش تجربه وياريتني سمعت منها. ياريت كنت سألتها يا عمار. كاميليا ماتت بعد ما دمرتني ومع ذلك رغم كل اللي عملته موتها كسرني يا عمار.

تنهد عمار قائلاً بحزن متجاهلاً الحديث عنها: خسرتها فبلاش تخسر كل حاجة يا سفيان. فوق لحياتك بقى وابعد عنها. سيبها تعرف تداوي جرحها اللي في كل مرة بتشوفك فيها بيرجع يتفتح من تاني. إنت مخبطش فيها بالغلط، شافت منك وجع وعذاب سنين عشان تيجي إنت وتختمه باللي عملته. إنت وميان الحياة بينكم بقت مستحيلة. وإن كانت هتنفع زمان فدلوقتي وبعد اللي حصل. أسف سفيان بغضب وأمل:

بس أنا مش هيأس. أنا وراها لحد ما تسامحني. هي بتحبني يا عمار. حب سنين مش ممكن يتنسي في بسهولة كده. هي بس محتاجة شوية وقت. قبل أن يتحدث عمار بكلمة كان سفيان يخرج من الفيلا سريعاً متوجهاً حيث هي، سيحاول الحديث معها اليوم أيضاً. كرامتها استُردت الآن! كبريائها الذي كان يدهسه يوماً بعد يوم عاد إليها من جديد وهي تراه يقف بتلك الهيئة المزرية وحالته التي يرثى لها. يكاد يقبل قدمها لكي تنظر له نظرة واحدة ليس فقط كلمة!

بل يتمنى نظرة! ابتسمت بتشفي وهي تراه من الأعلى عبر واجهة المستشفى الزجاجية التي تعمل بها. يجلس على مقدمة سيارتها. شعره مشعث وذقنه التي كانت دوماً حليقة نبتت وأصبحت مشعثة. ملابسه التي كانت دوماً مهندمة لم تعد كما كانت. لقد تغير كلياً. الحزن يملأ قسمات وجهه. عيناه زابلة حمراء من كثرة البكاء. كلما رق قلبها له تذكرت نفسها بما فعله قبل شهور طويلة وكيف بكل برود دفعها عارية لا يسترها إلا القليل أسفل قدم والدها قائلاً

بجبروت وقسوة: بنتك مبقتش تلزمني، إنتِ طالق! ربما كانت تغفر له ما مضى بأكمله، لكن ما حدث تلك الليلة وفقدان طفلها الذي قتله بقسوة وبدون رحمة كانت نقطة تحول. لقد جعلها تلك الليلة من امرأة عاشقة له إلى أخرى لم تكره بالعالم سواه. تراجعت للخلف متوجهة للمرحاض تهندم من ثيابها. تنظر لنفسها بالمرآة مرددة بغل: لسه، الحكاية مخلصتش على ندم وبس، الحكاية مخلتصش لحد كده يا سفيان. كل اللي أنا عيشته إنت لازم تعيشه وأكتر... أكتر بكتير!

نظرت لنفسها بثقة ثم غادرت المرحاض متوجهة لخارج المستشفى بخطوات واثقة وكبرياء. ما إن لمحها تخرج من الباب ركض إليها متوسلاً: ميان ارجوكِ كفاية كده بلاش سكوتك ده. اصرخي اتكلمي وعاتبي حتى لو هتضربيني مش هقدر أفتح بوقي بكلمة. اعملي أي حاجة بس بلاش سكوتك وتجاهلك ده، بيموتني بالبطيء. توقفت عن السير بينما هو يسير خلفها كالمتسولين. التفتت له قائلة بابتسامة لا تنم عن خير أبداً. مرددة بثقة وغِل:

أحب ما على قلبي إنك تموت بالبطيء! قالتها ثم صعدت لسيارتها مغلقة إياها عليها من الداخل، بينما هو يطرق على الزجاج حتى تنظر له أو تسمعه، لكنها لم تلتفت له من الأساس بل قادت سيارتها غير مبالية به أو بتوسلاته.

الوقت يمر سريعاً كذلك الأيام. لقد جاء اليوم المنتظر، إنه زفاف همس ويزن الذي سيقام بأحد الفنادق الكبيرة بحضور الجميع بلا استثناء. علم كارم قبلها بيوم فقط من عاصم. لم تكن همس تملك الجرأة لتخبره بذلك. لينهار حرفياً. وضع يده على قلبه يحاول أن يتنفس قائلاً بصعوبة: فرحها بكرة يا فارس. فارس بحزن: كارم اهدى عشان خاطره. في الآخر برأسه قائلاً بدموع وألم لا يحتمل ينهش قلبه على ضياع من حلم بها وعشقها:

هتبقى معاه هيلمسها، بعد كده مش هيكون ليا حق أفكر فيها. هتبقى لغيري، هعيش إزاي من غيرها؟ اللي كان مصبرني إن كان فيه فرصة ليا معاها عشان مكنش فيه في حياتها حد. أما دلوقتي أعيش إزاي؟ رد عليا يا فارس هكمل إزاي من غيرها؟ عانقه فارس بقوة فلم يجد ما يواسيه به غير العناق. أخذ يردد بداخله داعياً له أن يصبره الله على القادم. إن كان الآن وهكذى فكيف القادم.

في صباح يوم الزفاف كانت بسمة تخرج من منزلها، لكن قبل أن تفتح باب المنزل استوقفها صوت شقيقتها هند تسألها: رايحة فين يا بسمة؟ تنهدت بسمة بعمق قائلة: اتصلوا بيا من الأوتيل بيقولوا فيه فرح. إنها ردة محتاجني معاهم فهقطع الإجازة بقى وأرجع الشغل. ردت عليها هند بعتاب: مش كان زمانك بتشتغلي في مستشفى محترمة بدل الخدمة في الأفراح. تنهدت الأخرى بحزن قائلة:

ياريت كان ينفع، بس أنا في نظر الكل ميتة. يعني لازم إثبات وبطاقة وحاجات كتير. أنا يدوب بمشي نفسي بالبطاقة المضروبة اللي عم مصلحي عملهالي. لولا برضو قرايبته مع صاحب الأوتيل مكنتش عرفت أشتغل لأنهم كانوا عايزين فيش وورق مش هعرف أتصرف فيه. هند بتعنيف: والله إنتي اللي عملتي في نفسك كده. بسمة بضيق وغضب: مش هنخلص بقى من الأسطوانة دي بتاعت كل يوم. قولتلك مية مرة أنا مش قده. هند بغضب وتهكم:

فالحة بس تقولي أنا بحب يزن. والله لحد دلوقتي أنا مش شايفة أي دليل على كلمتك دي. بسمة بغضب ووجع: إنتي مش في النار عشان كده بتحكمي ع الأمور بمنظورك إنتي بس. إنتي مش مكاني عشان تحسي باللي حاسة بيه يا هند. هند بحزن وضيق: لأ مقدرة بس الغلط عليكي من الأول. يزن بيحبك لو كنتي قولتي له كل حاجة من الأول كان زمانك معاه دلوقتي من غير ما تكدبي الكدب ده كله. -مش هيصدقني. هند بتصميم على موقفها: مش بتقولي بيحبك. أومأت لها بسمة

بصمت لترد عليها الأخرى: لو بيحبك هيصدقك. تهربت منها قائلة بتعجل: لازم أمشي هتأخر ع الشغل. هند بسخرية: اهربي زي كل مرة، بس هييجي يوم والحقيقة هتبان. ابقى شوفي بقى هتواجهي يزن إزاي هتبرري عملتك بإيه. إنتي عارفة ومتأكدة إنه زمانه موقف حياته عليكي وسنين ضاعت من عمره وهو معيش نفسه في وهم. مش بعيد يكون بيلوم نفسه إنه سبب موتك. ابتلعت بسمة ريقها بصعوبة وهي تستمع لحديث الأخرى:

لما ييجي يوم ويعرف الحقيقة وتتواجهوا هتقوليله إيه يا بسمة؟ هتبرري اللي عملتيه بإيه؟ بعدتي عنه عشان خايفة عليه وعلى نفسك فعملتي الأسوأ صح. ثم تابعت بغضب: اللي المفروض يخاف نادر مش إنتي. روحي ليزن عرفيه الحقيقة حتى لو بعد عنك بس تكوني ريحتي ضميرك. الله أعلم اللي اسمه نادر ده معيش أخته إزاي. ذنب العيلة دي وذنب يزن وأخته في رقبتك لأنك عارفة الحقيقة وسكتي. خلتيهم لحد دلوقتي مخدوعين فيه.

غادرت بسمة بغضب صافعة الباب خلفها بقوة. حديث شقيقتها صحيح لكنها خائفة وبشدة. لقد ذاقت الكثير من حقارة نادر لذا تخشاه. شرفها وعرضها بين يديه صور ليست بزائفة من يراها سيظن إنها حقيقة. هي بالفعل ذلك لكنها كانت رغماً عنها. سيتركها يزن ويشمئز منها ربما لا يصدقها حتى. الجميع سيظن إنها فتاة بلا شرف. عائلة والدها بالصعيد متشددين للغاية إن علم أحدهم بأمر تلك الصور فستكون النهاية الموت الحتمي لها.

دخل زفافها يجر قدمه للداخل بصعوبة ومعه فارس. بينما والدته رفضت الحضور وتعـ..ـلت بمرضها. لم تشأ رؤية حلم ابنها الوحيد يذهب لغيره. لا تكره همس على العكس هي تعدها ابنتها التي لم تنجبها. كم يعز عليها تركها بيوم كهذا لكنها لم تقدر.

ابتلع كارم غصة مريرة بحلقه بصعوبة و لمعت عيناه بالدموع وهو يراها تجلس بفستانها الجميل مثلها تماماً تستقبل التهاني من الجميع. يرى السعادة بوضوح مرتسمة على قسمات وجهها. يا ليتُه مكان ذلك الرجل ليتلك الابتسامة والضحكة له، ليت اليوم زفافه عليها. يا ليت. ردد فارس بخفوت وحزن شديد لأجله: ورحمة أبوك اهدى وامسك نفسك. أنا مكنتش عايزك تحضر بس إنت اللي صممت. بارك لها وامشي على طول.

أومأ له كارم بصمت ثم اقترب منها بينما كان يزن منشغلاً بالترحيب بأصدقائه قائلاً بابتسامة رسمها على شفتيه غصباً: مبروك يا عروسة. تفاجأت بوجوده فتحاشت النظر له خجلة من الموقف. نظرت للأسفل تحاول إيجاد كلمات تواسيه بها لكنها لا تجد: كارم آآ... أنا... تنهد قائلاً بابتسامة حزينة متألمة: أجمل عروسة في الدنيا كلها. ترى الألم بعينيه بوضوح وتشعر به في صوته. عيناه اللامعة الممتلئة بالدموع المهددة بالسقوط في بأي لحظة.

كل ما نطقت به: ربنا يرزقك بالأحسن مني يا كارم. ردد بداخله بقهر: إنتي مفيش أحسن منك في الدنيا يا همس. أخرج من جيب سترته الداخلي وردة بيضاء كما تحب هي يضعها خلف أذنها قائلاً بوداع: يارب تكون حياتك الجديدة مليانة سعادة وتكون كل أيامك جميلة زيك. إنتي تستحقي كل خير يا همس. تراجع للخلف ثم اختفى عن الأنظار قبل أن يغادر برفقة فارس. استوقفتهم والدة همس قائلة بعتاب: ماشين على طول جيتوا في إيه وماشين في إيه؟

استنوا حتى لكتب الكتاب ما يخلص. ابتعد يزن قليلاً ليخرج من القاعة فهو لا يحب الصوت العالي والضوضاء. لكن قبل أن يخرج تفاجأ بكارم يقف أمامه قائلاً بصعوبة وهو يشير برأسه ناحية همس: خدت فرصة غيرك بيتمناها. معاك كنز كبير حافظ عليه بأيدك وسنانك. عاملها كبنتك قبل ما تكون مراتك. هي عنادية بس من كلمة حلوة بتلين. اللي في قلبها على لسانها صدقني إنت لو لفيت الدنيا كلها مش هتلاقي زيها.

نظر له يزن مشفقاً عليه، لكن سرعان ما تحول لضيق عندما قال كارم قبل أن يبتعد من أمامه: أنا بقولك كده عشان قلبي بيقولي إنك بدل ما تكون سبب سعادتها هتكون سبب في وجعها.

خرج يزن من القاعة يستنشق الهواء قليلاً ثم سيعود. لكن بمجرد خروجه اصطدم بفتاة تمشي بسرعة كادت أن تسقط فمسك بكتفيها ليحول دون ذلك. لكن بمجرد أن رفعت رأسها توسعت عيناها بصدمة. كذلك هو. ابتعدت للخلف سريعاً فزعة. سرعان ما تحولت لصدمة أكبر عندما قال أحد المدعوين وهو يضع يده على كتفه قبل أن يدخل للحفل: مبروك يا عريس. ردد يزن بصعوبة وعدم تصديق: بسمة، إنتي عايشة!!!

سقطت مغشياً عليها من الصدمة فحملها على الفور قبل أن تسقط. يضمها لصدره بقوة متشبثاً بها كالطفل الصغير المتشبث بوالدته خائفاً من أن تضيع منه مرة أخرى. حملها وركض بها خارج الزفاف والفندق بأكمله لأقرب مستشفى متناسياً كل شيء. فقط ما يفكر به الآن هي فقط. بينما التي بالزفاف من أعطته ثقتها وقلبها لم يفكر بها. لم تأت على باله للحظة. تركها تواجه الجميع.

بعد وقت طويل مضى تعالت همسات الجميع من حولها، منهم المشفق، منهم الشامت. وهي تجلس مكانها لا تبكي فقط تردد بخفوت وعدم تصديق: هيجي يزن هيجي. هو مش ممكن يعمل فيا كده. بدأ المعازيم يغادرون الزفاف واحداً تلو الآخر، بينما هي تجلس مكانها. حتى اقترب والدها منها قائلاً بحزن ظهر بوضوح بصوته وهو يتوعد لذلك الوغد على ما فعله به وغاليته: يلا يا همس خلينا نمشي.

حركت همس رأسها بنفي وعيناها تدور بالمكان رافضة تصديق ما يحدث. لا يمكن أن يحدث معها هذا بعد كل ما تحملته لأجله وفعلته له. يتركها بيوم كهذا ويغادر. والدها بغضب: مش هييجي يا همس. يلا خلينا نمشي أنا اللي... قاطعته قائلة بسعادة: يزن!!! التفت عاصم للخلف لتقع عيناه على يزن الذي دخل لقاعة الزفاف يتمسك بيد فتاة. بينما همس اقتربت منه قائلة بسعادة ولم تلاحظ الفتاة:

أنا بردو قولت مستحيل يعمل فيا كده. إيه اللي حصل وخلاك تتأخر عن الفرح. اخفض وجهه قائلاً بحزن: أنا آسف. مش هقدر. همس بعدم فهم وهي تنظر للفتاة التي تتمسك بيده بقوة وكذلك يفعل هو. يبدو وجهها مألوفاً لها. ابتسامة مماثلة كم تشفق على تلك الفتاة: مش فاهمة. مش هتقدر إيه ومين اللي إنت ماسك إيدها دي!!! صمت للحظات قبل أن يقول بحزن وهو يتحشى النظر لعينيها وخلفه تلك الفتاة تنظر لها بحزن مماثل. كم تشفق على تلك الفتاة:

آسف. لأني مش هقدر اتجوزك. صدمة حلت عليها. نظرت له بخزي بعدما دقت بالنظر لوجه تلك الفتاة إنها هي. حبيبته السابقة. لقد عادت فتخلى عنها. ركضت لخارج القاعة والدموع تغرق وجنتيها بقلبها ألم لا يحتمل. لقد خذلها. تخلى عنها بسهولة. كم هو أناني بلا قلب. كانت تركض خارج الفندق وبلحظة ظهرت سيارة أمامها صدمتها بقوة لتسقط أرضاً والدماء تحيط بها من كل جانب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...