الفصل 7 | من 43 فصل

رواية بعينك اسير الفصل السابع 7 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
17
كلمة
4,178
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

كان سفيان يركض في طرقات المستشفى يبحث بعينيه عن رقم الغرفة المتواجد بها شقيقه. فريدة تستند على يد خادمتها تمشي بتعجل، قلقة وتشعر بالرعب على حفيدها الذي قام المارة بالطريق بأسعافه على الفور وجاءوا به لأقرب مستشفى قبل أن تنفجر سيارته. خرج الطبيب من غرفة عمار مع وصول سفيان وفريدة. قصي جاء من خلفهم فقد علم من يزن صاحب تلك المستشفى، وهو من اتصل بسفيان عندما علم بوجوده مصاباً بالمستشفى.

سفيان بقلق ولهفة: "عمار، أخويا ماله يا يزن؟ عمار كويس، مش كده؟ يزن بتهدئة: "اهدأ، مفيش داعي للقلق، هو بخير الحمد لله." فريدة بقلق: "طمني يا بني عليه." يزن بهدوء: "عمار كويس والله، بس فيه شوية كدمات وكسر في إيده الشمال." قصي بقلق: "نقدر نشوفه؟ يزن بهدوء: "هيفوق على بكرة الصبح إن شاء الله. تقدروا تمشوا دلوقتي، والصبح تبقوا تطمنوا عليه. مسموح يفضل معاه واحد بس."

سفيان بجدية لقصي: "وصل فريدة البيت، وبكرة عدّي تجيبها هنا. أنا هفضل مع عمار." تجاهل قصي النظر والحديث معه، ولم يشأ أن يدخل معه بحديث ومجادلة بعدما علم ما حدث له بسببه كل تلك السنوات. رفضت فريدة أن تغادر، لكن بعد توسل من سفيان غادرت برفقة قصي لتأتي في الصباح الباكر. بينما سفيان راقب شقيقه من خلف الزجاج الشفاف بقلق وخوف. ربت يزن على كتفه قائلاً: "هيقوم بالسلامة إن شاء الله، اتطمن." ثم تابع

وهو يشير لداخل الغرفة: "ادخل عنده الأوضة. أنا طلبت منهم ينقلوا سرير تاني عشان تفضل معاه." ربت سفيان على كتفه قائلاً بامتنان: "تسلم يا صاحبي." أعطاه يزن ابتسامة صغيرة ثم غادر لمكتبه بالمستشفى، مقرراً المبيت هنا اليوم ليبقى برفقة صديقه. وما أن دخل وجلس خلف مكتبه، التقط بيده ذلك الإطار المصنوع من الخشب، حيث يحتوي على صورة له ولخطيبته الراحلة وحبيبته "بسمة".

ينظر لصورتها باشتياق وتأمل. لقد كانت أجمل شيء بحياته، رحلت ورحل معها كل شيء جميل، ابتسامته وسعادته ورغبته بالعيش. رحلت وتركت جسداً بلا روح، يتألم لفراقها الذي كان بسببه. أغمض عينيه وعقله يسترجع آخر شيء بتلك الليلة قبل أن يفقدها للأبد، وكيف استند بجبينه على جبينها قائلاً بكل عشق: "بحبك."

بعدها انقلبت سيارتهما عدة مرات، ولم يدري بنفسه إلا بعد أن أفاق من غيبوبته التي استمرت بضعة أيام، ليفجع بذلك الخبر، حبيبته توفيت بدون سابق إنذار. رحلت وتركته وحده، دُفنت قبل أن يودعها لآخر مرة. أفاق من شروده والدموع تغرق وجهه على صوت رنين هاتفه. التقطه بيده مجيباً على الفور ما أن رأى هوية المتصل، إنها شقيقته الصغرى "ياسمين". تزوجت منذ خمس سنوات ولديها طفل صغير، تعيش برفقة زوجها بدبي. "حبيبتي، أخبارك إيه؟

وحشاني، ونادر عامل إيه؟ أوعى يكون مضايقك في حاجة." ابتسمت شقيقته على الناحية الأخرى قائلة: "الحمد لله يا حبيبي، كلنا كويسين." ثم تابعت بابتسامة ساخرة، مبتلعة غصة مريرة تسد حلقها: "وبعدين نادر مين اللي يزعلني؟ ما أنت عارف هو بيحبني قد إيه." أومأ برأسه قائلاً بابتسامة: "عارف يا حبيبتي، أنا بس بهزر. ربنا يحفظكم لبعض. زين حبيب قلب خاله عامل إيه؟ ابتسمت قائلة: "بخير يا حبيبي. المهم أنت أخبارك إيه؟ طمني عليك." تنهد قائلاً

بحزن وصوت مختنق: "اهو، عايش." عاتبته قائلة بدموع وحزن لأجله: "وهي دي عيشة يا يزن؟ حرام عليك اللي بتعمله في نفسك. شغل وبيت بس. بسمة ماتت يا يزن، اتقبل الحقيقة دي، الحياة مش بتقف على حد." تنهد بحزن قائلاً: "بس عندي أنا وقفت. هي كانت كل حياتي، وخسرتها. خسرتها وخسرت معاها يزن القديم، خسرتها وخسرت كل أحلامي." ردفت شقيقته

على الناحية الأخرى بحزن: "ماما زعلانة أوي يا يزن وقلقانة، نفسها تشوفك مبسوط وتفرح بيك. حتى بابا مهما اتظاهر إن الموضوع مش فارق معاه وأنت تتجوز أو لأ، بس أنا متأكدة إنه زيها قلقان عليك ونفسه يطمن." غمغم هو بحدة وغضب: "كلكم أنانيين. ليه أتجوز واحدة مش بحبها عشان بس هما يتبسطوا؟

أنا مش هبقى مبسوط لما أتجوز ولا هقدر أديها اللي هي عاوزاه، لا حب ولا حتى ود واحترام. مش هبقى قادر أبص في وشها حتى، وساعتها هظلمها وهظلم نفسي معاها وهخون بسمة." ياسمين بعتاب: "محدش فينا أناني يا يزن. لو أنانيين زي ما بتقول، كنا ضينا لحالنا بس وسيبناك. كنا قولنا ملناش دعوة، هو حر. لا كنا هنقعد نقولك ليه نصايح قرفاك. عن إذنك يا أخويا."

قالتها ثم أغلقت الهاتف دون سماع إجابة منه. شقيقها الأحمق يعيش بوهم كبير، سبق وعاشت به، وهو يمكنه تخطيه ويمضي قدماً، وليس مثلها. ظلت عالقة به، لا يمكنها البوح بما ترى وتتعايش، فقط تعطي نصائح لا تفيد ولا يمكنها فعل أي شيء سوى ذلك، وإلا... عاد قصي لمنزله، وما أن هم ليضع المفتاح بباب المنزل، تفاجأ بصوت فتح باب شقة والدته من خلفه. ظن أنها والدته لتطمئن على عمار، لكنه تفاجأ بسيلين. فسألها بجدية: "خير يا سيلين؟

إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟ محتاجة حاجة؟ أومأت له قائلة بأعين تلمع بالدموع: "آه محتاجة. محتاجة إنك تسامحني. غصب عني اللي حصل يا قصي، أنا كنت مشوشة، مش عارفة أعمل إيه. ولا مرة خطر على بالي إنك ممكن تكون بتحبني، وكنت مصدومة. كنت عايزة أخليك تكرهني عشان تكمل حياتك." اقترب منها قائلاً بسخرية: "طب اديني كرهتك وكملت حياتي، عايزة إيه تاني يا سيلين؟ مش كل اللي عاوزاه حصل." انسابت دموعها

على وجنتيها قائلة بندم: "أنا بحبك يا قصي." أومأ لها بابتسامة ظنت أن قلبه قد لان، لكن كلماته صدمتها: "طب ما أنا كمان بحبك. ده أنتي بنت خالتي وأختي الصغيرة، في حد يكره أخته؟ رددت بصدمة ودموع: "أختك؟ أومأ لها بصمت ثم دخل لمنزله وأغلق باب الشقة خلفه بقوة، جعلتها تنتفض بمكانها. بكت أكثر ثم دخلت للشقة هي الأخرى تحت أعينه التي تراقبها بحزن من ذلك الثقب الموجود بالباب.

ألقت سيلين بجسدها أسفل المياه الباردة بالمرحاض ما أن دخلت للغرفة، تبكي بقوة وقهر. قرار فقط اتخذته جعلها تخسر كل شيء. ها هي الآن الندم يأكل قلبها لحظة بعد لحظة ويوماً بعد يوم. لا ترحمها نظرات الناس التي تلحق بها العار كونها حصلت على لقب يعده مجتمعنا العقيم وصمة عار بحق المرأة، وبين كره والدتها لها. أدت اضطرت بسببها أن تترك منزلها لتأتي هنا، تشعر كل دقيقة أنها ضيفة ثقيلة وتزعجهم بوجودها، رغم عدم إظهار ذلك ولو بكلمة أو تصرف واحد.

خالتها لازالت حزينة ولم تصفُ لها بسبب ما فعلته بقصي بالماضي، حتى هو بالكاد يتحملها. ماذا تفعل بنفسها؟ هي ثقيلة على الجميع، ليس لديها من تذهب إليه يتحملها. لا تريد توبيخاً أو تعنيفاً أو عتاباً. هي فقط تريد عناقاً دافئاً وكلمات مطمئنة تداوي قلبها المتعب. ليست بحالة أن تداوي جروحه حتى يسامحها وتسترجع عشقه الذي اكتشفت بعد غيابه عنها أنها تكن له عشقاً أكبر منه، وهي تحتاج من يداوي جروحها.

لا تريد العودة لمنزل والديها، لكنها مجبرة. انتظرت حتى جاء الصباح، وقبل موعد استيقاظ الجميع رحلت، تاركة له تلك الرسالة التي دفعتها من أسفل باب منزله. ما أن أشرقت الشمس، كانت ميان تركض بطرقات المستشفى برفقة والديها ليطمئنوا على عمار. تعجبت عندما أصرت لينا على المجيء معها. حتى همس ما أن علمت قررت أن تأتي وتطمئن عليه هي الأخرى بنفس الوقت.

وصل قصي برفقة كلا من فريدة ووالدته، يمشي برفقتهم بشرود. تلك الرسالة التي تركتها له جعلت قلبه يدمي من الحزن على حالها وحاله. دخل الجميع للغرفة ما أن جاء يزن وسمح لهم بالدخول قائلاً بابتسامة لعمار الذي أفاق منذ ساعات قليلة: "حمد الله ع السلامة يا بطل." عمار بابتسامة متعبة: "الله يسلمك." اقتربت منه خالته عليا قائلة بدموع وهي تقبل جبينه بحنان: "ألف سلامة عليك يا بني، قدر ولطف. الحمد لله إنك قمت بالسلامة."

التقط كف يدها مقبلاً إياه بحب: "الله يسلمك يا خالتو." ربتت على رأسه ليأتي دور فريدة وبعدها كوثر. الجميع حوله بلا استثناء يطمئنون عليه. كم شعر بتلك اللحظة بالسعادة، الجميع مجتمعين معاً لأول مرة منذ سنوات طوال، بو كان يعرف ليفعله قاصداً. اقتربت لينا خطوات قليلة من فراشه قائلة بابتسامة رقيقة: "ألف سلامة عليك يا أستاذ عمار." عمار بمشاكسة ومرح: "أحلى حمد الله ع السلامة اتقالتلي والله." ضحك الجميع عليه لتقول همس

بمرح وهي تحيط كتف لينا: "يا بني أنت في إيه ولا في إيه؟ قوم بس كده وابقى عاكس براحتك. نفسي أعرف مين الحمار اللي قالك اركب عربية طالما أنت بتعرفش تسوق؟ بتركبوا عربيات ليه؟ تنحنح عمار مشيراً بعينيه لسفيان الواقف بجانبه، لتنظر له فابتسم لها بتصنع. سألته بحرج: "أنت الحمار؟ نظر لها بحدة فضحكت قائلة بمرح: "متزعلش، ما هو أحمر منك عشان مش بيعرف يسوق كويس." عمار بمرح وهو يعتدل بجسده بمساعدة قصي الذي

أخذ دور الصامت منذ أن جاء: "يا بنتي والله أنا أحمر منك ما شوفتش. بدل ما تكحليها عميتيها." ابتسمت لها بتصنع قائلة: "مش هرد عليك." عمار بسخرية: "لا والنبي ردي." ميان بضيق: "ما بس أنت وهي إيه قط وفار؟ عمار بطفولة: "هي اللي لسانها طويل يا ميان." همس بسخرية: "عاجبني." لينا بعتاب وهي توكز همس بخفة: "بس يا همس." عمار بهيام ونظرات إعجاب واضحة للجميع: "أنت مصاحبة دول إزاي؟ ما تعلميهم شوية رقة." شعرت لينا بالحرج

فاستأذنت منهم قائلة: "عن إذنكم هعمل تليفون بس." برغم أنها غادرت، جلست عليا بجانب عمار على الفراش قائلة بهمس: "عاجباك؟ أخطبهالك؟ عمار بهمس مماثل وأعين لامعة: "يا ريت يا خالتو، بس أنا عايز أتعرف عليها وخايف آخد الخطوة دي. هي عجباني الصراحة وأوي." ابتسمت قائلة بهمس وهي تربت على يده: "هتتفقوا، متخافش. قلبي حاسس إنها هتبقى من نصيبك دي لينا دي العاقلة اللي في جوز المجانين دول. صدقني."

ضحك بخفوت لتقول هي: "قوم أنت بس بالسلامة، ونبقى نشوف الموضوع ده سوا، وتكون فكرت بردو وخدت قرار." أومأ لها بابتسامة واكتفى بالصمت. كان سفيان يتابع الحديث الدائر بينهم بفضول وضيق لتقارب عمار منها ومن تلك العائلة، مهما حاول إبعاده عنهم منذ سنوات.

دقائق وعادت لينا بعدها. دخلت عليهم نرمين بكامل أناقتها. نظرت لها ميان باشمئزاز وتألم قلبها ما أن اقتربت من سفيان تتعلق بذراعه قائلة لعمار برقة، بالتأكيد زائفة، فالوضع المشين الذي رأتها به ينفي وجود تلك الصفة بشخصيتها الخبيثة: "حمد الله على سلامتك يا عمار." عليها بدون ابتسامة وجفاء: "متشكر."

كان والد ميان من حين لآخر ينظر لسفيان بغضب، بعدها ينظر لابنته متحسراً، يتساءل ما الذي تحبه فيه. لقد رفضها واختار أخرى لتكون زوجته، وابنته الحمقاء رغم ما يوجه لها من إهانة لا تزال تعشقه. بداخله يقين أن نهاية ابنته ستكون بسبب هذا الحب. لطالما كان سفيان لعنة، وحبه بمثابة لعنة أصابت قلب ابنته. ابت، تركها. كان يتابعها بحزن وهي تنظر بقهر لتعلق زوجته بيده بدلال، والآخر يحيط كتفها بحب غير مبالٍ بالجميع.

تمسك رأفت بيد ابنته، يدعمها، ناظراً إليها بعينيه كأنه يقول: "أنا هنا بجانبك يا ابنتي مهما حدث، سأظل بجانبك داعماً لكِ بأي وقت وبأي ظرف." التقطت عينا نرمين وميان معاََ صدفة، كلا منهما تنظر للأخرى بتحدي. كلاهما توعد للأخرى، لكن من منهم ستنتصر بالنهاية؟ مر وقت وغادر الجميع، وتبقى فقط سفيان رافضاً الرحيل وترك شقيقه.

بوقت الغداء، عادت همس للمنزل متأخرة نصف ساعة عن الميعاد، فوالدها قام بعزيمة صديقه وعائلته وطلب منها المجيء باكراً، لكنها تناست نفسها ومر الوقت وهي برفقة لينا بمنزلها لكي تطمئن على والدته. دخلت للمنزل واستمعت لصوت يأتي من الصالون. ذهبت هناك على الفور قائلة باعتذار: "آسفة ع التأخير." شعرت همس بالصدمة والتعجب ما أن رأت يزن أمامها. كذلك هو. والآن فقط تذكر أين استمع لاسم عاصم الشريف عندما عرفهم والدهم على بعض منذ قليل.

غمغمت همس بتعجب: "أنت! تساءل عاصم: "انتوا تعرفوا بعض؟ يزن بهدوء: "همس طالبة عندي السنة دي." ردد صلاح، والد يزن، بابتسامة: "ما شاء الله، بنتك زي القمر يا عاصم، ربنا يخليهالك." شكرته همس ثم قالت بتهذيب: "أهلاً بحضرتك." ثم اقتربت وصافحته، وما أن وقفت أمام والدة يزن، أحلام، جذبتها لأحضانها قائلة بحنان: "أهلاً يا حبيبتي، أنا أبقى أحلام، مرات الراجل ده وأم الدكتور القمر ده." ضحكت

همس بخفوت ثم قالت بمرح: "شكلك كده يا طنط ماشية على نفس الخط بتاعي، بتحبي الفرفشة؟ مش زي سيادة اللواء وحرمه." ضحك الجميع عليها، عكس يزن الذي ابتسم بخفوت. فقال صلاح بابتسامة: "ربنا يخليهالك يا عاصم. بسم الله ما شاء الله عليها قمر، هتلاقي العرسان عليها قد كده." ضحكت هبة، والدة همس، قائلة بغيظ من ابنتها: "من ناحية قد كده، فهما فعلاً قد كده، بس عمر ما حد فيهم طلع من البيت ده زي ما دخل."

لم يفهم صلاح وأحلام وكذلك يزن ما تقصد، فوضح لهم عاصم بضحك: "أصل همس بتقوم بالواجب، مرة تكسر رجل، مرة ذراع. كل واحد ونصيبه بقى." ضحك صلاح وأحلام، أما يزن فاكتفى بابتسامة صغيرة كعادته. فردت همس ببراءة: "يعني يرضيك حضرتك؟ مرة واحد فيهم حرق دمي، جاي هو وأهله يتشرطوا علينا، قال إيه: أنت رفيعة كده ليه؟ مش بتاكلي ليه؟ هما أهلك بخلا ومش هتكملي تعليم؟

أنا عايز ربة منزل. ورموا بكلام يحرق الدم. طبعاً أنا مش طالعة هادية لسيادة اللواء، قمت من غيظي ضربته بطفاية السجاير في دماغه. غلط أنا كده ولا هو اللي غلطان؟ ضحك صلاح بقوة فردت أحلام بمرح: "لا هو طبعاً اللي غلطان، وكويس أوي إنك مسكتيش ليه وضربتيه وخدتي حقك." همس بمرح وغرور محبب لوالديها: "شوفتوا بقى إنِ عندي حق في اللي عملته، وإنكم ظالمني." ردد يزن بداخله بابتسامة جذابة: "مجنونة."

التفت عاصم لزوجته قائلاً: "جهزي الغدا يلا يا حبيبتي." أومأت له هبة بابتسامة، فقالت أحلام: "استنى هاجي أساعدك." رفضت هبة، لكن بعد إصرار من الأخرى وافقت وتوجه الاثنتان للمطبخ. بعدها استأذنت همس من الجميع قائلة: "طب عن إذنكم دقيقتين وراجعة." صلاح بابتسامة: "اتفضلي يا بنتي."

صعدت همس لغرفتها، قامت بأداء ما فاتها من فروض، ثم بدلت ملابسها لفستان طويل باللون البني الفاتح به بعض النقوش من نفس اللون لكن بدرجة أغمق، وصففت خصلات شعرها ونزلت للأسفل حيث المطبخ قائلة بابتسامة: "أساعدكم في إيه يا حلوين؟ التفت الاثنتان لها فردد أحلام بإعجاب: "بسم الله ما شاء الله، زي القمر يا همس." همس بابتسامة وهي تبعث لها قبلة بالهواء: "ده أنتي اللي قمر." ضحكت أحلام،

فقالت هبة: "ضحكت أحلام مربتة على وجنتها بحنان وعادت تكمل ما تفعله هي وهبة، وهي عازمة بداخلها على شيء ما." بينما على الناحية الأخرى بمنزل سيلين، دخلت لغرفتها تغلق الباب عليها، رافضة كل محاولات والدتها للتودد لها، واكتفت فقط بإلقاء السلام على والدها الذي يشعر بالحزن على ابنته التي تذبل يوماً بعد يوم. يوماً كانت تستند برأسها على الحائط تنظر للفراغ بشرود، تتذكر ذلك الموقف الذي مهما مر من العمر لن تنساه أبداً. Flash Back

كانت ابنة الثمانية أعوام، وكانت حياتها برفقة والديها يسودها الحب والسعادة التي اكتملت عندما علموا بقدوم مولود آخر ينضم لعائلتهم الصغيرة. لقد كان صبياً، وكانت والدتها في شهرها السابع. كانت تلهو برفقة أصدقائها أمام باب المنزل بكرة القدم، والألعاب متراصة بأحد الجوانب بعشوائية. كانت والدتها تصعد الدرج بحذر من عند جارتهم بالأسفل وتضع يدها على بطنها المتفخ، ووالدها بالداخل يقرأ أحد الكتب.

كانت تقذف الكرة لطفل آخر بعمرها ليلتقفها الآخر، ممرراً إياها لطفلة أخرى ثم لها. جاءت لتقذفها له، لكنها تلك المرة قذفتها بقوة دون قصد، لتأتي بوجه والدتها التي ظهرت فجأة خلف الطفل، ليختل توازنها من المفاجأة، فوقعت من على الدرج تنزف الدماء بغزارة. وتعالى صراخها هي والأطفال، ليهرع الجميع من منازلهم مصدومين. ركض كمال لأسفل حاملاً زوجته بين يديه لأقرب مستشفى، تاركاً ابنته عند أحد الجيران. ليصعق مما قال الطبيب

بعد عملية دامت لساعات: زوجته ولدت طفلهم متوفياً، والأسوأ أنهم حتى يتمكنوا من إيقاف النزيف مضطرين لاستئصال الرحم. ما أن تعافت والدتها من تلك الحادثة، وباتت تعاملها بقسوة وغلظة، حرمتها من حنانها، محملة إياها ذنب ما حدث لها ولشقيقها المقرر تسميته محمد. وكانت تحاول خالتها تعويضها وكذلك قصي، الذي كانت ملجأها عندما تريد الشكوى من قسوة والدتها. Back

تنهدت بحزن ثم ألقت بجسدها على الفراش تضم قدمها لصدرها متخذة وضعية الجنين. دموعها تنساب بصمت حتى غفت مكانه. ما أن أصبح الوقت متأخراً وخفت الأقدام بالمكان، نجد أسفل المنزل ذلك الماكر برفقة صديقه يصعدون الدرج حيث منزلها بخفة مثل اللصوص. أخرج أحدهم مفتاحاً من جيبه ثم وضعه بالباب فاتحاً إياه بحذر.

ثم سار كلاهما على أطراف أصابعهم. توجه أحدهم لغرفة والديها مخرجاً بخاخ مخدر، ناثراً منه على وجه كلاهما بحذر، وما أن تأكد من تخديرهم، خرج متوجهاً لغرفة أخرى برفقة صديقه مبتسماً بمكر. ما أن وجد مبتغاه "سيلين" تنام على الفراش بسكون. كلن مصيرها مثل والديها. خدرها الاثنان وحملها أحدهم مغادرين بحذر ودون إصدار صوت، منطلقين بتلك السيارة التي تنتظرهم أسفل البناية يقودها ثالثهم.

عاد رأفت من عمله يشعر بالإرهاق بوقت متأخر. بحث بعينيه عن ابنته أو زوجته. لم يجدهم. كاد أن يصعد الدرج ليتفاجأ بكاميليا، شقيقة زوجته، تنزل الدرج ترتدي فستاناً بالكاد يغطي ركبتيها، ضيق ويرسم منحنيات جسدها بوضوح. فللعلم مازالت تحتفظ كاميليا برشقاتها وجمالها رغم سنوات عمرها. أدار وجهه سريعاً، متنحنحاً بحرج: "احم احم." كامليا بخوف ورقة: "رأفت، أنا آسفة. مكنتش أعرف إنك رجعت." رأفت بحرج: "حصل خير. اتفضلي اطلعي يلا."

كامليا برقة وهي تصعد: "حاضر." لكن فجأة شهقت بألم وجلست على الدرج قائلة وهي تتمسك بقدمها: "آه، رجلي اتلوت." التفت رأفت لها بعدما كان يعطيها ظهره بخوف: "أنتي كويسة؟ كامليا بوجع وصوت رقيق ساحر: "مش قادرة. رجليا بتوجعني أوي يا رأفت." رأفت بحيرة وهو ينظر حوله: "طب حاولي تمشي عليها كده أو حركيها."

بالفعل توقفت تحاول السير عليها، وما أن فعلت تعركلت، فثبتها بين يديه بتلقائية، فأصبحت قريبة منه للغاية وهي بتلك الهيئة. بقى لوقت غير معلوم، حتى هي ابتسمت برقة، لكن هي بداخلها تضحك بمكر وخبث شياطين، مرددة بغل: "مش هبقى أنا لوحدي اللي خسرت يا عليا! لم يفق الاثنان من شرودهما سوى على صوت ميان التي دخلت للتو من باب المنزل بعدما كانت تسهر برفقة لينا، مرددة بصدمة: "بابا!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...