لم يفق الاثنان من شرودهما سوى على صوت ميان التي دخلت للتو من باب المنزل بعدما كانت تسهر برفقة لينا. مرددة بصدمة: بابا!!! ما إن استمع رأفت لصوت ابنته انتفض مبتعداً عن كاميليا، ينظر لميان التي رشقته بنظرة عتاب. فقد رأت كيف ينظر تلك الأفعى. فتمتم بتوتر وحرج وهو يتخشى النظر لها، ويلعن بداخله نفسه على ما فعل وعلى نظرة ابنته له: رجليها اتلوت وكانت هتقع، فمسكتها. قال ذلك ثم صعد لأعلى، متحاشياً النظر لابنته.
وما إن غادر، صعدت كاميليا بضجر من مجيء ميان بذلك الوقت، متناسية أنها من المفترض أن قدمها تؤلمها كما تقول. فلاحظت ذلك ميان التي جزت على أسنانها بغضب، وقد فهمت ما تنوي تلك الأفعى، أنها تريد سرقة زوج أختها وهدم عائلتها. انتظرت حتى صعدت لغرفتها، وصعدت هي خلفها مغلقة الباب بالمفتاح جيداً، قائلة
بقرف ونظرات تنم عن كل شر: اسمعي مني الكلام ده كويس ولآخر مرة. أنا مش أمي اللي بدموع التماسيح بتاعتك هتصعبي عليها، لأنك في الأول والآخر أختها للأسف. ومش أبويا اللي قبلك في بيته مجبور عشان ما يزعلش أمي. ومش زي كل اللي بتضحكي عليهم بدمعتين يا كاميليا.
اقتربت منها قائلة بشر: صدقيني أنا أسوأ مما تتخيلي. ولو بس حسيت إن اللي أبويا وأمي بنوه كل السنين دي والبيت اللي حافظوا عليه بيتهد بسبب واحدة زيك، قسماً عظماً لأخليكي تشوفي الأسوأ، وأقدر أخليكي تمشي تلفي حوالين نفسك من الرعب. كامليا ببرود وتحدي: تصدقي خوفت. روحي العبي بعيد يا شاطرة. وبعدين في بنت محترمة ومتربية تنادي لخالتها باسمها من غير ألقاب وتهددها كمان. لأ بجد عرفت تربي صح.
ميان بغضب وتوعد: مظبوط. أنا بقى متربتش يا كاميليا، واتقي شر أحسن لك. أنتِ تعرفي ميان البنت الصغيرة، لكن متعرفيش لسه ميان بعد ما كبرت تقدر تعمل إيه. نظرت لها كاميليا ببرود رغم غضبها الداخلي من حديثها بتلك الطريقة معها. فغادرت ميان بغضب، صافعة الباب خلفها بقوة. انتفضت الأخرى على أثره. نزلت ميان لأسفل حيث طاولة الطعام، لتجد والدها يجلس على الطاولة وقد أبـدل ملابسه، ينظر للفراغ بشرود. فجلست على
المقعد يمينه قائلة بعتاب: بابا، أنا عندي ثقة كبيرة فيك إنك لا يمكن تجرح أمي أو تخليني أفقد في يوم احترامي ليك. الست دي داخلة بيتنا وهي ناوية على كل شر، بعد ما طلعت مشيت عادي يعني كانت بتمثل. أومأ لها قائلاً بصدق: أنا في حياتي كلها ما جبتش حد قدام مز حبيت عليا يا ميان. لا يمكن أجرحها أبداً، كوني واثقة في ده. أما بالنسبة لكاميليا، أنا هعرف أتصرف معاها. بعد دقائق انضمت لهما كاميليا وعليا.
كانت ميان تتابع كل ما يصدر من كاميليا بترقب. سعل والدها بمنتصف الطعام، كادت أن تعطيه عليا الماء، فسبقتها يد شقيقتها قائلة برقة: اتفضل يا رأفت. نظر لها بطرف عينيه بقرف واستنكار، ثم تجاهلها ملتقطاً الكوب كزوجته، شاكراً إياها بابتسامة جميلة. شعرت كاميليا بالحرج، والتقـت عيناها بعين ميان صدفة، لتجدها تناظرها بتحدي وقرف. بعد دقائق،
قال رأفت بجدية: أنا اشتريت شقة في العمارة اللي قصادنا عشان كاميليا تنقل فيها وتكون على راحتها. تقدر تنقل فيها من بكره. ابتسمت ميان بتوسع. فقالت كاميليا بضيق وحرج زائف: أنا آسفة لو وجودي مضايقكم. رأفت بجدية: ده حل أفضل عشان تكوني على راحتك، وبكره الشغالة لما تيجي خليها تنقل حاجتك هناك. وأومأت له كاميليا بضيق قائلة: تمام، عن إذنكم، أنا شبعت. بعد أن غادرت، سألته عليا: ليه عملت كده يا رأفت؟
ميان بتأييد لتصرف والدها: بابا عمل الصح يا ماما. نظرت لهم عليا باستغراب مرددة: أنا مش متضايقة، بس ليه عملت كده من غير ما تسألني يا رأفت؟ في حاجة حصلت منها ضايقتك؟ رأفت بابتسامة جميلة: لأ، أبداً يا حبيبتي. أنا عملت كده عشان هي تكون على راحتها وإحنا على راحتنا، دي كل الحكاية. وأومأت له بصمت. فقالت ميان بابتسامة: أنا طالعة أنام، تصبحوا على خير. وأومأ لها الاثنان. وما إن غادرت، لثم رأفت يد عليا قائلاً
باعتذار: أنا آسف يا علي. سألته بعدم فهم: آسف على إيه يا رأفت؟ ابتسمت بخفوت قائلة: على كل حاجة. على أي تصرف عملته وضايقك من غير قصد، وعلى كل حاجة. عليا بحب: أنت آخر واحد ممكن يضايقني يا رأفت. عمو بحاله عيشته معاك وأنت مراعي ربنا فيا، وعمرك ما خلفت بوعدك مع بابا اللي يرحمه وهو بيسلمني ليك، وصنت الأمانة.
ابتسم مقبلاً يدها مرة أخرى بحبه، وبداخله متعجباً شتات بين الشقيقتان، فكيف للرجل والمرأة اللذان أنجبا عليا أنجبا تلك الحية أيضاً!!! في الصباح الباكر. كانت تنتقي أحد الكتب الخاصة بالطب من مكتبة الجامعة لحين وصول ميان ولينا. لم تجد أحد ليساعدها لتلتقط ذلك الكتاب الموجود بالرف العلوي ويصعب أن تصل له، فكانت المكتبة خالية بذلك الوقت الباكر.
فاستعانت بذلك المقعد الخشبي القديم الذي يهتز. صعدت عليه بحذر، وما إن التقطت الكتاب المنشود، استمعت لصوت أحدهم يأتي من خلفها مباشرة قائلاً بجدية: بتعملي إيه يا دكتورة. صوته فزعها، فقبل ثوانٍ لم يكن أحد موجود. اختل توازنها وسقطت فوق جسده، فقد كان يقف خلفها مباشرة، فسقط الاثنان وهي فوقه!!! لتتفاجأ ما إن رفعت وجهها له بأنه "يزن".
الذي كان ينظر لداخل عينيها الزرقاء بانجذاب لا يعلم سببه. مهما حاول الإنكار، تلك المجنونة صاحبة اللسان السليط، يعجبه شخصيتها وجمالها البريء الذي لا يتلاءم مع صفاتها أبداً. لتشرد به هي الأخرى، جذاب ذو هيبة تطغى بأي مكان يدخله. يعجبها هدوء شخصيته وشخصيته الرزينة والثقيلة. انتبهت بعد لحظات لوضعهم، فابتعدت على الفور، كذلك فعل هو. محمحماً بحرج وعتاب ولوم تملك منه لأنه نظر لأخرى غير حبيبته حتى ولو للحظات بدون وعي منه.
تمتم همساً بخفوت وحرج: آسفة. بنفس النبرة تمتم يزن هو الآخر بحرج: حصل خير. بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟ التقطت الكتاب الذي وقع أرضاً مثلها قائلة: المحاضرة الساعة تمانية النهارده، وصحابي موصلوش لسه، فقولت أجيب كتاب أتسللى فيه على ما يوصلوا، بس مطولتش، فوقفت على الكرسي، ولما سمعت صوت اتخضيت لأنِ كنت فاكرة ما فيش غيري هنا. وأومأ لها بصمت قائلاً: حصل خير. بعد إذنك عندي محاضرة دلوقتي.
وأومأت له بصمت، فغادر هو من أمامها حزيناً ويلوم ذاته ويعنفها على ذلك الخطأ الفادح الذي ارتكبه بحق حبيبته الراحلة. أفاقت سميحة في الصباح تشعر بألم شديد برأسها، كذلك زوجها. لكنها لم تهتم وذهبت لتحضر الإفطار. بينما كمال توجه لغرفة ابنته ليطمئن عليها. طرق مرة، اثنتان، ثلاثة، لكن لا رد. فتح الباب ودخل بحذر خشية أن كانت مستيقظة أن يوقظها. لكنه تفاجأ بالغرفة فارغة. قطب جبينه بقلق. أين ذهبت من الصباح الباكر؟
كاد أن ينادي على زوجته، لكن رنين الجرس منعه من ذلك. عندما تعالى رنين جرس المنزل، ذهب ليفتح، فـتفاجأ بقصي أمامه. فسأله بقلق: خير يا بني؟ هي سيلين معاك؟ سأله قصي بقلق هو الآخر: هي ما رجعتش امبارح؟ كمال بقلق: رجعت، بس صحيت الصبح ملقتهاش في أوضتها. بنفس اللحظة صعد صاحب القهوة المقابلة للبناية قائلاً
بسرعة: الحق يا عم كمال، الواد وعنتر وهو بيفتح سجلات الكاميرا شاف شابين نازلين امبارح في نص الليل، وفي منهم واحد شايلها وهي مش واعية. توسعت عينا قصي وكمال بصدمة. فركض قصي مسرعاً للغرفة ينظر لها بتفحص. لا يوجد أي أثر لشجار، كل شيء مرتب مكانه. كاد أن يغادر، لكنه توقف عندما دعس شيء بقدمه. أنزل عينيه ليرى ما هذا. ليجد أنها زجاجة مخدر كما مدون عليها. التقطها بيده بغضب، ثم خرج للرجل صاحب القهوة قائلاً
بصرامة: فين تسجيل الفيديو ده؟ كانت سميحة تبكي وتنوح بقوة على ابنتها، بينما كمال لحق بالرجال لأسفل ليروا تسجيل الفيديو. سيارة سوداء بها شخص واثنان. كلاهما يصعدان للبناية. مر وقت قصير وخرجوا منها، أحدهم يحمل سيلين بين يديه وانطلقوا بها مغادرين. قصي بحدة: قرب وجيب لي رقم العربية ده. دقيقة وكان يغادر المنطقة بأكملها قائلاً بصرامة لزوج خالته: اطمن يا عمي، بنتك هتبات في حضنك الليلة من غير ما يمسها أي سوء.
بعد ما يقارب الساعة ونصف، وصلت رسالة لقصي من أحد رجاله بمكان تواجد السيارة ومالكها وعنوانه، الذي كان بأحد المناطق الشعبية. توجه لهناك على الفور برفقة عدد من رجاله ليصعد الدرج المتهالك وخلفه رجاله. استمع لصرخة تأتي من سطح البناية، يعرف صاحبتها جيداً!!! بينما بالأعلى كانت سيلين مقيدة من قدمها ويديها بطرف الفراش المتهالك، وتوجد قماشة على فمها تمنعها من الصراخ بتلك الغرفة الصغيرة.
بينما بالخارج كان ثلاث شباب يقفون أمام الباب، من بينهم راغب الذي لمعت عيناه بشر وهو يستمع لصوت صراخها المكتوم قائلاً بشر: ست الحسن والجمال فاقت أخيراً. وحياة أمها لأكسر عينها. نظر لهم قائلاً بوقاحة: هدخل أنا الأول وأبدأ معاها، وأنتوا ورايا علطول. ظبطوا سوا بقى مين هيكون بعدي. يضحك الاثنان بحماس وكلاهما لعق شفتيه بإثارة. فردد أحدهما برغبة: طب أنجز، وحياة أبوك.
ابتسم الآخر بشر ودخل للداخل، صافعاً الباب خلفه، مقترباً منها، وأمارت السعادة والانتشاء من الزعر الذي ارتسم على ملامح وجهها ما إن رأته يدخل من باب الغرفة. تحسس بوقاحة قدمها الظاهرة أمام عينيه، فقد كانت ترتدي جلباب مفتوح من الجانبين يصلح للنوم فقط. حاولت سحب قدمها بعيداً، لكنه أحكم قبضته عليها قائلاً بشر: مالك خايفة ليه؟ ده الليلة ليلتك يا حلوة. تابع لمساته الوقحة على جسدها قائلاً
بغضب: اجمدي كده معايا عشان ليلتك طويلة لسه، ده فيه أنا واثنين بره مستنين دورهم. وحياة أمي لتدفعي تمن كل ساعة قعدتها في السجن، هخليكي كل دقيقة تتمني الموت. امتدت يده ببعد خصلات شعرها بعيداً عن وجهها حتى يقبلها، لكنها أخذت تحرك وجهها يميناً ويساراً. حاولت أن تصرخ، أقرأ وفعلتها بعدما انحصرت تلك القماشة بين شفتيها!!! ركض قصي لأعلى ما إن استمع صراخها، وتفاجأ بشابان أمامه، تصرف معهم أحد رجاله.
بينما اقترب من باب الغرفة، دافعاً إياه بقدمه بكل قوة. انتفض على أثرها راغب مبتعداً عن سيلين التي تبكي بقوة، جسدها يتنفض من الخوف. اقترب من راغب لكمه بكل قوة، صارخاً على رجاله أن يبقوا بالخارج. بقى يلكم الآخر حتى فقد وعيه والدماء تغطي وجهه بأكمله. ثم توجه لسيلين يحل تلك الحبال من عليها، ثم دثرها بذلك المفرش الخفيف، حاملاً إياها بين يديه، ثم غادر بها البناية، طالباً من رجاله التحفظ على الثلاثتهم. بعد وقت.
كان يدخل بها من باب شقته التي تكون أمام شقة والدته، التي بالطبع هي الآن بمنزل شقيقتها تخفف عنها وضعها على الفراش برفق. كانت فاقدة للوعي. ثم توجه لمنزل والدته يأتي لها بثياب، ثم اتصل على الطبيبة التي تقيم أسفلهم، يطلب منها أن تصعد لتفحصه. بعد وقت غادرت الطبيبة، وبدأت هي تستعيد وعيها. وما إن تذكرت ما حدث، صرخت بفزع وهي تنظر حولها. اقترب منها قائلاً
بقلق: سيلين، اهدي يا حبيبتي. اهدي، مفيش حاجة، أنتِ كويسة دلوقتي وفي أمان. تمتمت بذعر وهي تضم بيدها جسدها: كا... كان.... عااا..اايز يق... قاطعها قائلاً برفق: ملحقش. متخافيش، وقسماً بالله هخليه يشوف جهنم على الأرض. وحقك هيرجع، وماحدش يقدر يقرب منك طول ما أنا عايش. كان جسدها يرتعش بطريقة تثير القلق، وهي تردد بخوف وذعر: أنا خايفة أوي يا قصي. مش هيسكت، هيرجع من تاني. دي مش أول مرة يعمل كده. احتضنها لاحضانه قائلاً
برفق وحب: أنا هنا يا سيلين. اهدي يا حبيبتي، مش هيقربلك تاني أو حتى هتلمحيه. وعد مني يا حبيبتي. تمسكت به بخوف، ولا يزال جسدها يتنفض بين يديه حتى هدأت بعد وقت وغفت بين يديه. أعادها للفراش وجلس بجانبها يتأملها بحزن. خرج عمار من المستشفى باليوم التالي، ولم يرد البقاء أكثر من ذلك، رافضاً الذهاب لتلك الفيلا وقرر الإقامة بمنزل فريدة. بينما سفيان قد ذهب لمنزله بعد أن أوصله لهناك واطمئن عليه، وقام بتعيين ممرضة تعتني به.
قررت ميان زيارته، وتلك المرة رافقها لينا فقط. استقبلتهم فريدة بحفاوة، قبل أن تأخذهم لغرفة عمار للاطمئنان عليه. عمار بمرح ما إن رآهم: يا مساء الورد. كان يقولها وهو ينظر للينا بتأمل. جميلة تلك الفتاة بحق، بخصلات شعرها الصفراء وعيناها الجميلة، ملامح وجهها التي أقرب ما يكون وجه طفل صغير يحمل براءة الأطفال. تأملها إعجاب بفستانها الأخضر الفاتح الذي يصل لكاحلها بحمالات رفيعة، وبتجمع خصلات شعرها المموج بكعكة غير منظمة.
خجلت من نظراته التي لاحظتها ميان وفريدة، التي ابتسمت بتوسع. حفيدها معجب بفتاة، يبدو أن سيدخل عش الزوجية قريباً. اطمئن عليه ميان لدقائق قليلة، ثم غادرت برفقة فريدة التي غمـزتها بالخفاء ليبقى الاثنان سوياً. صمت يعم المكان بعد أن غادر الاثنتان. قطعته هي قائلة بحرج: أنا هروح أشوفهم. أوقفها قائلاً بابتسامة: خليكي قاعدة معايا. جلست مرة أخرى تفرك يدها بتوتر وخجل من نظراته المتأملة لها. تمتمت بخجل: بس بقى.
سألها بابتسامة: بس إيه؟ لينا بضيق زائف وهي تتهرب من النظر لعيناه التي لا ترحمها بنظراته: بطل تبص لي كده وإلا همشي. غازلها بمرح: طب أنا ذنبي إيه؟ عيوني هي السبب. طول عمرها بتعشق القمر وتحب تتأمله. يوم ما تلاقيه جنبها تبطل تتأمله، ده حتى يبقى ظلم ليها وليه. ابتسمت بزاوية شفتيها بخجل وهي تخفض وجهها أرضاً واكتفت بالصمت. ليبـتسم هو الآخر بدوره. حاول تحريك جسده، وما إن فعل تأوه بألم شديد. فانتفضت
هي قائلة بقلق مقتربة منه: مالك؟ حصل إيه؟ حاسس بإيه؟ وجعك؟ ربت على يدها التي لامست كتفه بعفوية من القلق، ثم التقطها بين يديه مقبلاً باطن كفها برقة، جعل جسدها يرتعش من الخجل. فسحبتها منه على الفور قائلة بخجل وضيق مما فعل: أنا كده اطمنت عليك، ولازم أمشي. عن إذنك. وأه، يا ريت تاني مرة ما تتجاوزش حدودك معايا وتعمل اللي عملته من شوية يا أستاذ عمار. عن إذنك.
قالتها ثم غادرت للخارج بدون أي كلمة إضافية، متجاهلة محاولته لإيقافها. بينما بالخارج، قبل خروجها، كانت ميان تجلس برفقتها صامتة، تشعر بالحيرة. إلى من ستحكي ما رأت؟ تبقى صامتة أو تحكي له حتى يعرف حقيقة زوجته. اهتدى عقلها أن تخبر فريدة، فهي الوحيدة التي إن أخبرت سفيان سيصدقها. فريدة.... طال صمتها لتسألها فريدة: مالك؟ من ساعة ما جيتي وأنتي ساكتة. عايزة تقولي إيه وخايفة؟ ابتلعت ريقها قائلة بصعوبة: فريدة أنا....
صمتت مرة أخرى لتزفر فريدة بضيق قائلة: أنتي إيه؟ هتفضلي تنقطيني بالكلام. نطقت بصعوبة وهي لا تعرف إن كان ما تفعله صواب أم خطأ: أنا شفت نرمين مع واحد. فريدة بتساؤل: مين؟ خفضت وجهها قائلة بحرج وصعوبة: كانوا قريبين من بعض و.... صمتت ولم تجد القدرة على متابعة الحديث، فتابعت فريدة بدلاً منها: عايزة تقولي إن نرمين بتخون سفيان؟ أومأت لها بصمت. لتتابع فريدة بابتسامة حزينة لأجل حفيدها الغالي: أنا عارفه.
توسعت عينا الأخرى بقوة، قبل أن ترفع رأسها تنظر لها بصدمة، متمتمة: من امتى وإزاي ساكتة يا فريدة؟ فريدة بضيق: أنا عرفت من فترة قريبة أوي، وما كنتش عارفة أعمل إيه. سفيان بيسمع ليها وواثق فيها ثقة عمياء، مش عارفة السبب إيه. حتى أنا لو قلت له مش هيصدقني. ما كانش معايا دليل، وخوفت لو حصل وصدقني يموتها ويودي نفسه في داهية. ميان بذهول: إزاي مش هيصدق يا فريدة؟ ده عمره ما حب حد قدك أنتِ، ودايماً بيسمعلك أنتِ وبس.
فريدة بسخرية مريرة: بيتهيألك. سفيان اتغير خالص، وأنتِ أكتر واحدة عارفة هو اتغير قد إيه. سفيان كلمة توديه وتجيبه من نرمين، وحقيقي مش عارفة ليه بيسمع لها كده. طردني من بيتي ونسب بيتي ليه ولزوجته لمجرد إنك غلطتي فيها، وإن دخلتك الفيلا ده مش دليل إنه مستحيل يصدق عليها كلمة.
تنهدت بحزن قائلة: ما قدرتش أعمل حاجة غير إني أسكت وألح عليه يتجوز واحدة تانية عشان يخلف ويتلهي معاها، وما يفضلش موقف حياته على واحدة متستاهلش زي دي. بس هو عنيد ومش بيسمع مني، خايف على شعورها. قالت الأخيرة بسخرية، لتسألها ميان بعد صمت لحظات: عرفتي إزاي يا فريدة؟ فريدة بضيق: للأسف أنا اللي ببقى قاعدة أغلب الوقت معاها في الفيلا، يعني ببقى شايفة اللي سفيان مش هيشوفه، لأنها طول ما هو موجود بتمثل دور الزوجة المخلصة.
تنهدت متابعة بحدة: سمعتها مرة بتتكلم في التليفون معاه بصوت واطي، بعدها قدرت صدفة لما نسيت تليفونها مفتوح وطلعت لأوضتها، وأنا فتحت سجل المكالمات على تاريخ اليوم ده والساعة، وكنت حفظتهم كويس. لقيت الرقم باسم بنت، حفظت الرقم على تليفوني بسرعة، وفي نفس الوقت وأنا ماسكاه جالها رسالة من نفس الرقم، واتأكدت إن اللي باعتها راجل مش ست زي ما مسجلة الرقم، ومن ساعتها بقى وهي تحت عيني. أخرجت هاتفها
قائلة وهي تضعه بيد ميان: قدرت أعرف اسم اللي بتكلمه وأجيب صوره. هو ده اللي شوفتيه معاها. وأومأت لها ميان بصدمة. لتتابع فريدة بحدة وقرف: اسمه "زاهر السلطان". سألتها بحيرة بعد صمت: طب والعمل يا فريدة؟ فريدة بجدية: أنا قلت لسفيان يتجوز، واخترت له عروسة. ابتلعت ميان غصة مريرة بحلقها، سرعان ما صدمت عندما قالت فريدة بصرامة: العروسة تبقي أنتِ يا ميان!!! ميان بصدمة: أنت بتقولي إيه يا فريدة؟
سفيان مش طايقني أصلاً، تقوم أنت تقول له يتجوزني! فريدة برجاء: ميان، أنتِ الوحيدة اللي أقدر آمن على سفيان معاها، لأنِ عارفة إنك بتحبيه. ميان مغمغة بحزن: بس هو لأ. سفيان نسيني.
فريدة بثقة: بيحبك والله يا بنتي. لسه بيحبك وزي الأول وأكتر. هو بس محتاج اللي يفوقه من اللي فيه. سفيان بيمر بأزمة يا ميان، أنا عارفة إنه مصدوم من اللي حصل زمان لسه، وإنه مش قادر يتجاوز صدمته في أمه. اقفي جنبه وساعديه يبعد عنها. أنا متأكدة إن بوجودك معاه مش هتاخدي وقت كتير والحية دي هتكون بره حياتهم.
ميان بسخرية مريرة: أنت بتضحكي عليا بالكلام يا فريدة. سفيان نسيني، حب غيري ومبسوط معاها حتى لو متستاهلش، بس حبها ومبسوط. أنا مقدرش أوافق على اللي بتقوليه. ولو أنا وافقت، بابا أو ماما هيوافقوا. ثم تابعت حديثها قائلة: أنا لا يمكن أقبل أكون زوجة تانية، ولا هقبل على نفسي أكون مجبورة عليه. فريدة برجاء: طب وهو هتسيبيه كده على عماه معاه؟ ميان بسخرية: مش هيصدقك أنتِ يا فريدة، وهيصدقني أنـ... توقفت قائلة بحزن
وعينان تلمعان بالدموع: أنا يا فريدة يوم بعد يوم بكره نفسي عشان بحبه. بكره نظرته ليا اللي وراها سبب كبير، أموت وأعرف. أنا نفسي أكره سفيان يا فريدة، نفسي أكرهه وأنساه وأطلعه من حياتي.
خرجت لينا بتلك اللحظة تطلب المغادرة، فغادرت معها ميان على الفور، تتهرب من نظرات فريدة المتوسلة لها كي توافق، غافلة أنها تطلب المستحيل. فإن وافقت هي، كيف سيكون رد الآخر الذي ما إن أخبرتها بشرطها الزواج منها، ثار وكاد أن يكسر هذا المنزل من الغضب!!!
كانت همس تجلس وحيدة بالجامعة تتذكر ذلك يزن الذي يجذبها يوماً بعد يوم. لقاءهم وحديثهم قليلة، لكنها تشعر بانجذاب نحوه. هي هادئة الطباع عكسها تماماً، كتلة من الحركة والجنون، متنقلة من مكان لآخر. لطالما كانت دوماً تقول إن شرطها الأساسي بزوجها المستقبلي أن يكون مختلفاً عنها، لا تريده يمتلك نفس صفاتها وشخصيتها المجنونة، بل تريده هادئاً، ثقيلاً، يتمتع بالرزانة التي تغيب عن شخصيتها المجنونة تماماً. فما الجيد أن تتزوج بشخص يشبهها؟
هي لا تفضل ذلك أبداً. ذلك الطبيب يتسلل لقلبها وإعجابها به يزداد يوماً بعد يوم!!! لمحته من بعيد وهو يستقل سيارته مغادراً الجامعة. تنهدت ثم وقفت لتذهب لمرحاض الجامعة، حراس والدها يحوطوها من كل جانب تنفيذاً لأوامره الصارمة. دخلت وهم ينتظرونها بالخارج. بعد دقائق كانت تقف أمام المرأة الكبيرة التي بعرض الحائط تضبط ثيابها. كان المرحاض خالياً من الفتيات، خاصة بذلك الوقت، فالشمس على وشك الغروب والجميع يغادرون.
كادت أن تخرج لتتفاجأ بثلاث سيدات منتقبات، أحداهن فاقدة للوعي والاثنتان يساندونها. سألتهم بقلق: تحبوا أساعدكم في حاجة أو أتصل بالدكتورة؟ إحدى السيدات بمكر: طبعاً يا حلوة نحب أوي إنك تساعدينا. تفاجأت همس بصوت رجالي وليس صوت فتاة، وقبل أن تأخذ رد فعل كان أحدهم يأتي من خلفها راشقاً ذلك السن الرفيع برقبتها، فسقطت فاقدة للوعي.
كشف الثلاثة عن وجوههم، ولم يكن سوى رجلان وفتاة. تخلصت من نقابها حتى ترتديه همس ليتمكنوا من الخروج بها من هنا. كان رجل يساعد الفتاة والآخر يغلق باب المرحاض حتى ينتهوا. لحظات وخرجت الفتاة أولاً، ثم بعدها الرجلان بنفس الطريقة التي دخلوا بها، ولم يشك أحد بهم، فالوضع كان طبيعياً. ثلاث فتيات رفيقاتهن فاقدة للوعي ويساندونها. ابتعد الاثنان بها لخارج الجامعة، ومن ثم أخذها منهم ثلاثة آخرون مطلقين لوجهتهم البعيدة!!!
أفاقت سيلين من غفوتها تشعر بألم بكامل جسدها، لتتفاجأ بقصي غافياً على المقعد بجانبها. اعتدلت تنظر حولها بصدمة وهي تتذكر ما حدث في الصباح. تأملت وجهه بحزن وحب. كيف لها أن تكون حمقاء لتلك الدرجة؟ كيف تفضل ذلك الحقير عليه؟ كيف أوصلتهم لتلك الحالة!! فتح عيناه ليجدها تتأمله بحزن وحب ظاهر بوضوح بعينيها. قبل أن يتحدث سألته بحزن: لامتى يا قصي؟ لم يفهم ما تقصد، فتابعت هي بحزن وألم: لامتى هتفضل بعيد ولامتى هنكون كده؟
مرة أنت تقرب وأنا أبعد، والوقت أنا أقرب أنت تبعد. كل ما خرج من بين شفتيه تلك الجملة: أنتي اللي وصلتينا لكده. توقفت أمامه قائلة بدموع: بقيت تكرهني خلاص. نظر لداخل عينيها قائلاً بحزن وسخرية: يا ريتني قادر أكرهك كنت ارتحت. مش قادر أنسى اللي عملتيه يا سيلين. تمسكت بكف يده قائلة بدموع: طب أنا غلطت، بس غلطي يستاهل تعاقبني ببعدك طول العمر؟ يستاهل نتوجع إحنا الاتنين؟ غلطتي ملهاش فرصة تانية. أنا بحبك يا قصي. تنهد قائلاً
بحزن: يبقى ليها فرصة تانية، لكن للأسف يا سيلين. انتظرت أن يتابع تلك الجملة، التي ما إن نطقها تألم قلبها أكثر: أنا مش واثق في حبك ده ولا واثق حياتنا هتكون إزاي قدام. رجته مرة أخرى قائلة بحزن ودموع: طب أنا بس عايزة فرصة واحدة بس يا قصي، هكسب ثقتك من تاني. أشاح بوجهه بعيداً عنها قائلاً بحزن: جهزي نفسك، لازم نمشي. أهلك زمانهم قلقانين عليكي. أنا لسه مكلمتش حد. جلست على الفراش تبكي بقوة
وجسدها يهتز من شدة بكائها: أنا محتاجاك جنبي، متسبنيش يا قصي. أنا عايزة أرجع زي ما كنت زمان، عايزة أرجع سيلين القديمة اللي كنت بتحبها، عايزة الزمن يرجع بينا لأيام زمان، يا ريتنا ما كبرنا ويا ريتني ما عملت اللي عملتها. اقترب منها جالساً بجانبها على الفراش مردداً بقلق وحزن: اهدي يا سيلين.
بكت أكثر قائلة بانهيار: يا ريتني ما جيت ع الدنيا دي، ويا ريت أنا اللي مت عشان أرتاح وترتاحوا مني. ومحمد هو اللي فضلها، أنا حمل ع الكلت. تنهد محاوطاً وجهها بيديه يمسح دموعها التي تقتله من الداخل: سيلين، اهدي. تمسكت بيده التي تحاوط وجهها قائلة بدموع عادت تنهمر من عينيها: سامحني. تمتم بحزن: مش هقدر أنسى. نظرت لداخل عينيها قائلة بتوسل ودموع: هنسيك. نظر لعيناها لحظة قبل أن يردد!!!
بينما تلك الحية الأخرى كانت تجلس على تلك الأريكة بالمنزل الذي انتقلت إليه كما قال رأفت، تكاد تموت من الغيظ مما فعل. لكنها أبداً لن تصمت. فإن فشلت في التواجد بداخل منزله لديها طرق أخرى. أما الآن فيجب أن تعود لتلك الفيلا التي سبق وتركتها منذ سنوات، ولن يسعدها سوى شخص واحد فقط!!! التقطت هاتفها ثم على الفور
رددت بغل ما إن جاءها الرد: اسمعي، أنا ما صرفتش عليكي كل ده ولبستك ونضفتك عشان تفضلي نايمة في الخط وما استفدش منك بحاجة. أنا لازم أدخل الفيلا وأرجع أعيش فيها، وإلا عليا وعلى أعدائي. زي ما دخلتك النعيم اللي عايشة فيه ده، أقدر بسهولة أخرجك منه. يا مرات ابني!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!