الفصل 27 | من 43 فصل

رواية بعينك اسير الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
16
كلمة
8,008
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

صباح! كلمة ترددت بعقل صلاح عدة مرات، كيف لا يعرف بهذا الاسم؟ صاحبته، الخطأ الوحيد الذي ارتكبه بالماضي، وذلك الخطأ كاد أن يدمر عائلته وأسرته ويفقد زوجته التي عشقها. نظرت أحلام بصدمة له، فبادلها هو نفس النظرة. وياسمين ويزن يتبادلان النظرات بعدم فهم. فرددت ياسمين قائلة بتساؤل لوالدها: "مين صباح دي يا بابا؟ تنهد صلاح بعمق ونظر لأبنته بندم وقال: "صباح دي أقذ... شخصية ممكن تقابليها في حياتك." تنهد بحزن قائلاً:

"صباح كانت خدامة هنا من زمان، وفي فترة من الفترات حصل بيني وبين والدتكم مشاكل كبيرة بسببها، كنا هنطلق كمان. وساعتها ما كنتوش انتوا جيتوا ع الدنيا لسه. هي سابت الفيلا وراحت عند أهلها. وفي يوم أسود كنت راجع مش في وعي، لما صحيت لقيتها في سريري ومعرفش ده حصل إزاي. ساعتها والدتك شافتنا سوا وطلبت الطلاق والمشاكل زادت. بس كان فيه خدامة تانية حكت كل اللي حصل، قالت إنها شافتها وهي بتستغل إني كنت سكران وهمتني إني عملت كده. طردتها وفكرت إن الموضوع خلص على كده. بس بعدها بفترة أنا وأمكم الأمور اتصلحت ما بينا وكانت حامل بس...

تنهد متابعاً بحزن: "بس اتهجمت على أمكم في غيابي وفقدنا أخوكم قبل ما يشرف ع الدنيا. ساعتها دخلت السجن وخدت حكم. من بعدها معرفش أي حاجة عنها، معرفش أصلاً إنها كانت مخلفة. حتى عاصم يعرف الموضوع ده لأن هو اللي تابعه بنفسه زمان." رددت بسمة بحزن:

"بس هي كانت مفهمة نادر وماما إن حضرتك كنت مواعدها بالجواز وضحكت عليها واتجوزت غيرها، وإنها لما جت عشان تنتقم منك عشان شرفها سجنتها سنين. ونادر كان عاوز ينتقم من حضرتك عشان فاكرك كنت سبب بعد أمّه السنين دي كلها عنه، وفكر إنك أنت اللي بعت ناس يقتلوها في السجن عشان متفضحكش." نفى صلاح برأسه عدة مرات، وقبل أن يتحدث صرخت أحلام عليها بغضب واحتقار: "الوس...

اللي فيكي وفي الزفت نادر ربنا ينتقم منه مش جاية من بره. انتي وهو دمرتوا حياة ولادي. قوليلي إيه اللي ممكن أعمله فيكي غير الموت عشان أشفي غليلي منك انتي وهو! كان يزن يقف مكانه مصدوماً، وكذلك ياسمين. بينما أحلام دفعت بسمة بقسوة للخارج، مغلقة الباب بوجهها. بينما صلاح ردد بغضب ليزن: "هي دي اللي سبت همس عشانها واللي جيت النهاردة عشان تطلب رضايا أنا وأمك عشان تتجوزها؟ طلعت زبالة ولا تسوى وضيعت سنين عمرك عليها!

تمسكت ياسمين بيد والدها قائلة بحزن وشفقة: "بابا كفاية عشان خاطري، يزن كمان ضحية زيي." رد عليها بغضب: "لأ مش ضحية. إيه اللي يجبره يسيب بنت لوحدها في موقف زي ده؟ حد ضربه على إيده؟ لأ، هو اللي اختار بنفسه. اللي بيحصل إنهاردة وبيعيشه ده ذنب همس واللي عمله فيها بسبب أنانيته! غادر يزن يمشي تائهاً بالشوارع، وكلمات والده تتردد بأذنه: وهي الحقيقة. ما يحدث له ذنب همس! ***

تفاجأت والدتها ما إن فتحت باب المنزل بهيئتها المزرية، الدموع تنساب من عيناها، ويسيل منها الكحل الأسود، ترتدي ثيابها بإهمال، كذلك حجابها. أمامها حقيبة ملابس كبيرة. ضربت سميحة بيدها على صدرها مرددة بفزع: "يلهوي مالك يا بنتي، حصل إيه، وإيه اللي عمل فيكي كده! ارتمت بأحضانها والدتها تبكي بقوة، ومن بين شهقاتها العالية استطاعت أن تسمع والدتها فقط: "قصي طلقني يا ماما! شهقتها والدتها مرددة بصدمة: "يا مصيبتي، طلاق إيه!

لم تشعر بعدها سوى بتراخي جسد ابنتها بين يديها، فاقدة للوعي. فسقطت بها أرضاً تنادي على زوجها النائم بصوت عالٍ وفزع. فركض الآخر مفزوعاً مردداً بقلق وخوف: "سميحة في... توقف عن الحديث مردداً بفزع وهو يحمل جسد ابنته للداخل، وخلفه زوجته: "حصل إيه يا سميحة! رددت بنحيب وهي تساعده وتعدل جسد ابنتها على الفراش وتضع الغطاء عليها: "والله يا أخويا ما أعرف، قالت قصي طلقني وبعدها لقيتها وقعت من طولها. جيب العواقب سليمة يارب!

التقط كمال زجاجة المياه وبدأ بنثر القليل على وجه ابنته، بينما سميحة تفرك كف يدها. دقيقتان وبدأت تفتح عيناها ببطء. سرعان ما تذكرت ما حدث وبدأت تبكي وتنتحب بقوة. فسألها كمال بقلق وهو يربت على رأسها: "مالك يا بابا، فيكي إيه وقصي إزاي يسيبك تنزلي بالحالة دي وطلاق إيه اللي أمك بتقول عليه! سيلين ببكاء شديد وندم: "قصي طلقني يا بابا! سألها بصدمة وعدم تصديق: "طلقك ليه، إيه اللي حصل بس؟ لم تجب، فسألها بنفاذ صبر وقلق:

"ما تنطقي يا بنتي فهمينا في إيه! قصت عليهم ما حدث من البداية. فرددت سميحة بنحيب لزوجها: "كلمه يا كمال، قوله يخزي الشيطان وما يهدمش بيتهم عشان غلطة، ساعة شيطان وراحت لحالها خلاص." رد عليها كمال بسخرية وحدة وهو يضرب كفاً بأخرى: "أكلمه أقوله إيه يا سميحة؟ أقوله بنتي معرفتش أربيها؟ بنتي اللي دايماً جايبة المشاكل لنفسها وخربت بيتها بأيديها. أقوله يرجع بنتي اللي غلطت في جوزها وقالتله مش راجل وعيبت فيه! صرخ بآخر حديثه بغضب:

"أكلمه أقوله إيه ولا إيه؟ الراجل مغلطش، الغلط مننا اللي معرفناش نربي بنتنا كويس يا سميحة." قال ما قال ثم رحل صافعاً الباب خلفه بقوة، تاركاً الاثنين ينتحبان بشدة، أحدهما نادمة والأخرى تخشى ما سيحدث بعدما يسمع الناس بخبر طلاق ابنتها للمرة الثانية! ***

كان عمار يجلس بجانب فراش سفيان بالمستشفى. فبالأمس عندما واجه صعوبة في التنفس وكاد أن يختنق على الفور، ذهب به لأقرب مستشفى، وها هو يجلس معه منذ الأمس. وما إن علم قصي جاء على الفور، وهو الآن بالأسفل يحضر أكواب القهوة لكلاهما. أخذ منه عمار خاصته قائلاً: "قصي روح انت بقى، زمان سيلين لوحدها وقلقانة عليك، انت بايت هنا من امبارح." رد عليه قصي ببرود: "متخافش مش هتقلك، طلقتها! انتفض عمار واقفاً مردداً بصدمة: "طلقتها؟

انت بتقول إيه يا قصي، وبتقولها ببساطة كده عادي ولا كأنك عملت مصيبة؟ قصي بضيق وهو يكور قبضة يده: "طلاقي ليها مش مصيبة، ده العقل بعينه. بعد اللي حصل منها طلاقي ليها قليل." أسأله عمار بغضب: "عملت إيه يعني؟ انتوا الاتنين بتحبوا بعض وبعد سنين بعد اتجوزتوا تقوم بسهولة مطلقها بعد شهور من جوازكم؟ فين العقل يا قصي! ردد قصي بغضب:

"قولها هي الكلام ده، بس مش هيحوق أصل مفيش عندها عقل خالص. هي اللي هدمت حياتنا وقضت على أي فرصة ممكن تجمعنا مع بعض من تاني! قال ما قال ثم خرج من الغرفة غاضباً وأخذ يلكم الحائط بيده بعنف حتى نزفت يداه. بينما عمار ضرب كفاً بأخرى، لا يفهم ما يحدث. آخر طلق زوجته فجأة، وآخر يركض على فراش المستشفى، وأخرى تزوجت بالأمس. بات يرى أشياء غريبة. ترى ما سيحدث اليوم أيضاً! ***

ما إن علمت فريدة بما حدث لسفيان، ذهبت له على الفور. وأخذت فريدة تربت على خصلات شعرها بحنان مرددة بمواساة وغضب من ميان: "ما تزعلش نفسك يا سفيان، دي متستاهلش اللي انت عامله في نفسك ده. عمرها ما حبيتك لو كان صحيح بتحبك كانت هتسامحك، لكن دي كأنها ما صدقت وراحت اتجوزت! أبعد يدها عنها بجفاء مردداً بغضب وصدمة: "طب قولي كلام غير ده يا فريدة. لو حد مشكوك في حبه فهو أنا. مش هي. انتي سبب من أسباب دمار حياتها وأنا قبلكم كلكم."

ثم تابع بقهر وندم: "أنا اللي بعتها الأول يا فريدة، أنا اللي خدتها بذنب مش ذنبها. أنا اللي سمعت كلام عليها وصدقته من غير ما أسألها حتى. كأني ما صدقت و روحت فوق كل ده اتجوزت غيرها." رددت بغضب وكره: "انت لسه بتدافع عنها؟ حد غيرك المفروض يشكك في حبها ليك. دي اتجوزت غيرك بعد ما كانت قرفانا كل شوية إنها بتحبك و م... قاطعها قائلاً بحدة وغضب:

"فرق كبير بين اللي أنا عملته وهي بتعمله. اللي هي بتعمله رد فعل ع اللي أنا عملته يا فريدة." ثم تابع مواجهاً إياها بالحقيقة: "كفاية بقى تيجي عليها عشاني. استغلتيها زمان علشاني وكنتي بتحبيها ولما خرجت عن سيطرتك وكلامك بطل يجيب معاها نتيجة بقت عدوتك. خليكي صريحة يا فريدة وواجهي نفسك بالحقيقة. ميان اتظلمت واللي هي بتعمله دلوقتي نقطة في بحر من اللي عملته فيها! ***

استيقظ في اليوم التالي بعد أن قضى الليل كله يفكر بما هو مقبل عليه. أغمض عينيه متذكراً ما حدث في المساء عندما انتهى الزفاف. ما إن دخلت برفقته من باب المنزل وودعهما عائلتهما، كانت تحك جلد يدها بعنف وشعرت بالندم لأنها خطت تلك الخطوة وهي ليست مستعدة لها تماماً. انتفضت بذعر مبتعدة للخلف عندما وضع يده على كتفها برفق. ردد بلين ورفق وهو يهدأ من روعها منه: "مالك اتخضيتي وخوفتي ليه؟ مش بعض والله." نفت برأسها

قائلة بتوتر ملحوظ وخوف: "مش بخاف." ابتسم بزاوية شفتيه قائلاً بهدوء: "طيب ادخلي غيري هدومي على ما أجهز العشا." كادت أن ترفض، لكنها فكرت أن رفضت لن يكون أمامها وقت تضيعه حتى تتهرب مما هي مقدمة عليه. أومأت برأسها ثم دخلت مباشرة للغرفة، تغلق الباب خلفها بالمفتاح. شعر بالضيق من حركتها تلك. بعد وقت ليس بقصير، كانت تجلس على الفراش تحرك قدمها بتوتر وهي تقبض بيدها على طرف بيجامتها السوداء الحريرية.

صوت طرقات على باب الغرفة، فانتفضت بمكانها قائلة بتلعثم: "اا... ن... نعـ." سأل بقلق: "انتي كويسة؟ اتأخرتي ليه! خطت بصعوبة تجاه الباب تفتحه بتوتر، وما إن فتحته نظر لها فارس مطولاً، ونظرات الإعجاب والهيام بجمالها واضحة بعينيه. أزاحت بيدها خصلات شعرها خلف أذنها بحرج وتوتر من نظراته. ابتسم قائلاً بهدوء: "يلا العشا جاهز."

أومأت له ثم خطت أمامه بتوتر نحو طاولة الطعام، تجلس عليها بتوتر. جلس هو الآخر يراقبها كيف ترتجف يداها من التوتر ومن الحين للآخر تحك جبينها بتوتر. تنهد بعمق ثم وقف قائلاً بهدوء ليرحمها من الخوف الذي يستحوذ عليها: "أنا تعبان وهموت وأنام، هدخل أغير هدومي."

أومأت له سريعاً، وما إن دخل للغرفة تنفست براحة. انتظرت مكانها ما يزيد عن النصف ساعة، بعدها مشت على أطراف أصابعها وفتحت باب غرفته ببطء شديد وحذر. ما إن رأته نائماً على الفراش والأضواء مغلقة، ابتسمت بسعادة ثم عادت تلملم الأطباق سريعاً، ثم نظفت الطاولة ودخلت لغرفة أخرى مجاورة له تنام براحة، تعلم أنها مؤقتة، لكن المهم أن اليوم مضى!

بينما هو شعر بها ولم ينم طوال الليل يفكر في القادم. يبدو أن أمامه الكثير والنتيجة غير مضمونة. سيفشل أو ينجح، وهو يتمنى حقاً الأخيرة، فإن حدثت الأولى سيكون مؤلماً جداً وصعب! *** في المساء توالت الزيارات عليهما من أقاربهما. جذبت همس ميان لغرفتها، فلحق بهما لينا وأغلقت الباب خلفها. فغمزتها همس مرددة بمشاكسة وهي تجلس على الفراش: "مبروك يا عروسة." منحتها ميان ابتسامة صغيرة. كانت لينا تنظر لها بعتاب. فسألتها ميان بحزن:

"انتي لسه زعلانة مني! أشاحت بوجهها بعيداً مرددة بضيق: "انتي شايفة إيه! اقتربت منها ميان تعانقها عنوة مرددة باعتذار: "حقك عليا، متزعليش مني." تنهدت لينا قائلة بحزن: "مش زعلانة منك يا ميان، أنا زعلانة عليكي، شيفاكي ماشية في طريق آخره وجع ليكي أكتر من الأول." رددت ميان بسخرية مريرة: "مش هيجرى أكتر من اللي جرى." نفت لينا برأسها مرددة بحدة تواجهها بالحقيقة:

"لأ هيجرى، هتظلمي حد زي ما انتي اتظلمتي زمان. دخلتي فارس جوه انتقامك من سفيان والكل عارف إنه اتجوزك مش جواز صالونات ولا معرفة، لا هو حاسس ناحيتك بمشاعر وقبولك للجواز معناه إنك عطيتيه أمل إن ليه فرصة معاكي." ثم سألتها بسخرية: "يا ترى بقى وانتِ بتفكري تنتقمي إزاي من سفيان فكرتي بفارس ولا بقيتي أنانية زيك زيهم؟ مفرقتيش عنهم حاجة." قبل أن تتحدث ميان سبقتها لينا قائلة بحدة: "هتقولي ظلموني هقولك انتي كمان بتظلمي فارس."

هدأت همس من الحدة بينهما قائلة بلوم: "كفاية يا لينا مش وقته الكلام ده." جلست ميان على الفراش خلفها تضع رأسها بين يديها حزينة. فاقتربت منها لينا قائلة بحزن ورفق: "متزعليش مني أنا بقول كده والله عشان خايفة عليكي ويهمني مصلحتك." رددت ميان بحزن وهي ترتمي بأحضانها: "من غير ما تحلفي أنا عارفة ومتأكدة إن ده اللي يهمك يا لينا." غيرت همس من الموضوع قائلة بمرح: "المهم سيبك من ده كله، هتقضوا شهر العسل فين؟ "شهر عسل!

" قالتها ميان بتوتر وتعجب. سألتها همس بحماس: "إيه مستغربة ليه؟ ده الطبيعي، انتوا ما اتفقتوش هتروحوا فين ولا إيه! نفت برأسها بضيق. فقالت همس: "طب حطوا من ضمن القايمة جزيرة بالي، طول عمري نفسي أروحها، يخربيت جماله." رددت لينا بهيام هي الأخرى: "عندك حق حلوة أوي، أنا كمان هموت وأروح." رددت ميان بفتور: "بس أنا مش عايزة أروح في أي مكان!

صمت الاثنتان بحزن. لطالما كان هذا حالها منذ ما حدث، لا ترغب بأي شيء ولا تريد شيء، ولم توافق على السفر إلى شرم الشيخ إلا لأن همس تحتاجها. *** بعد أن غادر الجميع، دخلت للغرفة على الفور تغلق الباب خلفها. تنهد هو بضيق ثم جلس على الأريكة يشاهد التلفاز بملل. هو ليس ممن يفضلون الجلوس بالمنزل لوقت طويل، يشعر بالملل حقاً.

يريد أن ينزل ليذهب لأي مكان، لكن لو توافق هي. أغلق التلفاز ثم اقترب من الباب، حاسماً أمره. سيطلب منها المجيء. طرق ثلاث مرات، ففتحت له قائلة بتوتر متحاشية النظر له: "نعم يا فارس، كنت محتاج حاجة؟ سألها بابتسامة وكلمات ذات مغزى: "مش زهقانة خصوصاً وانتِ قاعدة في الأوضة لوحدك من امبارح."

كان ما يقصده بحديثه أن تجلس معه لا أكثر، لكنها ظنت أنه يتحدث عن نومها بغرفة أخرى وأنه يريدها أن تصبح زوجته. حكت يدها ببعضها بتوتر تحاول إيجاد عذراً، لكنها لم تجد. سألها بحماس: "أنا زهقان، تعالي ننزل نتعشى بره ونقعد ع البحر شوية، ولو عايزة تروحي أي مكان مفيش مشكلة." نظرت لساعة الحائط قائلة بتعجب: "دلوقتي؟ الساعة عشرة يا فارس." ابتسم قائلاً بعدم اكتراث: "إيه يعني؟

الساعة عشرة مش نص الليل ولا حاجة، وحتى لو انتي نازلة مع جوزك. إلا بقى لو انتي مش عايزة تنزلي معايا." أزاحت خصلات شعرها خلف أذنها قائلة بتوتر: "هدخل البس." أومأ لها بابتسامة ثم غادر هو الآخر يبدل ثياب المنزل بأخرى للخروج. ارتدى قميص أبيض وبنطال من الجينز أسود. خرجت هي الأخرى بنفس الوقت، فضحك بخفوت ما إن رأى ما ترتدي، وابتسمت هي الأخرى فقد كانت ترتدي مثله، بنطال أسود واسع يشبه التنورة ومن أعلى كنزة بيضاء بأكمام قصيرة.

مد يده لها لتتمسك بها. شعرت بالحرج وبقت يده ممدودة. ضمها مرة أخرى يعيدها بجانبه وهو يشعر بالحزن. والإحراج. بينما ميان ما إن رأت تبدل ملامحه من الحماس للحزن، لامت نفسها على ما فعلت. خطى خطوة للأمام فلحقت به تمسك بكف يده بتوتر. نظر لها مبتسماً. فتحاشت النظر له. جذبها برفق خلفه مغلقاً الباب وهو يشعر بالحماس، عكسها فقد فقدت الشغف بكل شيء، تشعر بالفتور الشديد بكل ما حولها. لم تعد كما كانت في السابق! ***

كانت عليا تجلس على الفراش بجانب زوجها الذي يتفحص هاتفها مرددة بقلق: "رأفت، فارس وميان كل واحد فيهم كان نايم في أوضة امبارح." قطب جبينه قائلاً بتساؤل: "عرفتي منين! ردت عليه بحزن: "دخلت أوضة الضيوف عشان أظبط طرحتي في المراية لقيت هدوم لبنتك في الأوضة وكمان الفستان اللي كانت لابساه متعلق فيه." تنهد رأفت بعمق وصمت. فعاتبته بضيق: "هو أنا بقولك عشان تسكت يا رأفت." رد عليها بهدوء:

"اللي بنتك عملته شيء متوقع، لسه مخدتش عليه خصوصاً بعد الفترة اللي مرت بيها. سيبيهم يصرفوا أمورهم سوا مع بعض ومتتدخليش." ردت عليه بضيق: "إزاي مش عايزني أتدخل وأنا شايفة بنتي... قاطعها قائلاً بهدوء: "بنتك مطلبتش النصيحة. ده شيء بينها وبين جوزها يا عليا. سيبهم يصرفوا أمورهم سوا ومهما كان الوضع ده مش هيدوم كتير. بنتك كل اللي محتاجاه شوية وقت. أنا متأكد." رددت عليا بغل:

"منه لله اللي كان السبب. طول ما هو عايش بنتي هتفضل تتعذب. نفسي تنساه بقى وتبدأ من جديد." رد عليها رأفت بهدوء: "بنتك اتخلصت من حبه يا عليا لأنه اتحول لكره خلاص. اللي ناقص بس إنها تنسى وتتخلص من فكرة الانتقام منه." سألته بصدمة: "هي اتجوزته عشان تنتقم من سفيان! ضحك بخفوت قائلاً:

"كنت فاكرك أذكى من كده يا عليا. أكيد اتجوزته عشان تنتقم من سفيان. ما هو مش معقول بنتك اللي زمان اتحايلتي ياما عليها توافق ع العرسان توافق على فارس وسط كل البلاوي اللي اتعرضت ليه." تنهدت عليا بحزن. فربت رأفت على يدها قائلاً: "اطمني يا عليا، فارس عارف بكل ده وعارف إنها متجوزاه عشان كده. أنا فهمته كل حاجة قبل ما يتجوزا وقالي إنه متأكد إنها وافقت عشان كده." ابتسم متابعاً بهدوء:

"قالي أنا شاري بنتك وهفضل معاها وهحاول ومش هييأس. دي هي اللي هتزهق مني ولحد ما يجي اليوم اللي بنتك تقول طلقني بلسانها ساعتها بس هبعد." رددت عليا بفرحة: "ربنا يهدي بنتك بس. والله أنا قلبي مرتاح لفارس. ربنا يحميهم هما الاتنين ويهديهم لبعض." أمنت على دعائها ثم أغلقت هاتفها وجذبها لأحضانها. هو حقاً يشعر بالتفاؤل من القادم. حقاً، فأهم شيء أنه بزواج ابنته من فارس سيضمن ابتعاد سفيان عنها! ***

ما إن عادوا من الخارج، كانت الابتسامة ترتسم على شفتيهما. كادت أن تدخل للغرفة، لكنه استوقفها قائلاً بابتسامة جميلة: "استني، إيه رأيك نسهر شوية في البلكونة." أومأت له بتردد. فقال وهو يشير للغرفة: "طب غيري هدومك على ما أعمل حاجة نشربها."

أومأت له بصمت. مر وقت قصير وكانت تجلس تنتظره. جاء من خلفها فوجدها تضع يدها على كتفها، يبدو أنها تشعر بالبرد. وضع الأكواب من يده على الطاولة بجانب الشرفة. ثم توجع لغرفته وجاء بمفرش صغير. اقترب منها ثم برفق حاوط كتفيها به. انتفضت بفزع عندما شعرت بيدين تلامس كتفيها. هدأ من روعها قائلاً برفق: "ده أنا، متخافيش."

أومأت له ثم شكرته وهي تضم الغطاء عليها. جاء بالأكواب ثم أعطاها واحداً والآخر له. طال الصمت لدقائق، فسألها محاولاً فتح أحاديث معها: "قوليلي صحيح انتي كنت طفلة عاملة إزاي؟ يعني هادية ولا شقية! ضحكت بخفوت ثم سألته بابتسامة: "تفتكر انت كنت إزاي؟ خمن كده." ضحك قائلاً بابتسامة: "كنتي طفلة مشاغبة وشقية، الصراحة استبعد هادية دي خالص." أومأت له ضاحكة، ثم سألته بفضول: "ليه خمنت كده! نظر لداخل عينيها قائلاً:

"والدتي دايماً كانت تقولي أنا وأختي واحنا صغيرين، بكره تشوفوا الأدوار هتتبدل، الشقي فيكم بكره هيبقى الهادي والعكس." مرت الأيام وفعلاً كلاهما كان صح. تنهد متابعاً بابتسامة:

"بس عندك عرفت إن مش ع الكل بيمشي الكلام ده. اللي يشوفك دلوقتي وبهدوءك ده يقول كانت بنوتة شقية وهي صغيرة، لكن من بعض المواقف اللي بسمعها من الكل قبل ما تمري بالفترة دي يعني كانت المواقف دي كلها شقاوة وحيوية. يعني ده معناه إنك كنتي شقية وانتي طفلة و حتى لما كبرتي." مازحته بابتسامة لطيفة: "كل أم بتقول لولادها نفس اللي مامتك قالته." ثم تابعت بحنين واشتياق:

"ماما كمان كانت بتقولي كده أنا ومروان الله يرحمه. هو كان هادي أوي وهو صغير وكنت أعمل كل مصيبة والتانية وهو يشيل مكاني." ثم تابعت بحماس وهو ينصت لها باهتمام كبير:

"عارف زمان قبل ما التليفون التاتش يظهر بقى واللاب والحاجات دي كان ساعتها في كمبيوتر. ماما كانت من الأمهات اللي بتقول إيه ممنوع اللعب عليه في الدراسة وكانت تشيله من أوضنا وتدخله في أوضة الضيوف. في مرة هي مشيت مع بابا وأنا كنت مع مروان والدادة في البيت لوحدنا." اعتدلت بجسدها تضم قدميها، تقص له البقية بحماس، خاصة عندما رأت أنه منصت لها باهتمام:

"اتسحبت براحة ودخلت أوضة الضيوف وشغلته. بس فجأة لقيت الفيشة بتاعته ضربت وطلعت نار والستارة اللي ورا اتحرقت. الظاهر كان في حاجة بايظة فيها. قعدت أصرخ، أول واحد دخل عليا كان مروان، بعدها الدادة دخلت وخرجتنا بره لما شافت النار مسكت في معظم الأوضة واتصلت بالمطافي. بابا وماما طبعاً عرفوا ولما سألوا مين اللي عمل كده مروان خاف عليا ومن نفسه قال أنا اللي عملت كده. يومها ماما عاقبته جامد، قالتله مش هياكل معانا ع السفرة لمدة أسبوع ومفيش تلفزيون كمان."

تنهدت بحزن متابعة بحنين لتلك الأيام: "عاقبت كمان نفسي زيه، كنت باخد الأكل وأدخل آكل معاه ومتفرجتش ع التلفزيون أنا كمان. على فكرة المصيبة دي مش حاجة جنب اللي كنت بعمله والعقاب اللي هو بيتعاقبه مكاني لحد ما كبرنا كان كده، بيشيل عني دايماً. لما مات حسيت بالخوف والوحدة." ترحم عليه بصوت خفيض، فأمنت على دعائه قائلة لتغير مجرى الحديث: "بصراحة مش عارفة أخمن انت بقى كنت هادي ولا شقي وانت صغير." -ليه! ردت عليه بصراحة:

"عشان مش عارفة انت دلوقتي هادي ولا شقي. يعني أول مرة شوفتك عند كارم كان باين إنك هادي كده ورزين، لكن بعد اللي حصل من شوية بسحب كلامي أصلك كنت مجنون ع الآخر." ضحك قائلاً بمرح وكلمات ذات مغزى: "في واحدة متبقاش عارفة طبع جوزها ستات إيه دي بس يا ربي. بس ع العموم يا ستي كل يوم في نفس الوقت ونفس القعدة دي هحكيلك شوية عني وانتِ نفس الكلام، إيه رأيك." أومأت له بصمت، فعاد هو يكمل حديثه بابتسامة:

"كنت طفل هادي جداً، عارفة الطفل الخنيق اللي هو تقيل في نفسه كده الكلمة تطلع منه بالعافية." أومأت له ضاحكة، فتابع بمرح:

"كنت أنا بقى الطفل ده، الكلمة تطلع بالعافية وتقيل كده في نفسي علطول قاعد بذاكر. الولاد كلها تلعب بس أنا بقى قاعد وسطهم أتابع بس من غير ما أشارك. كارم كان علطول بيتضايق مني ومن تصرفاتي لأن أنا وهو عكس بعض تماماً، الصراحة هو طول عمره كده الفرق إنه عقل بس شوية صغيرين مش أكتر. أنا كل ما بفتكر تصرفاتي أصلاً زمان بقرف وأتغاظ من نفسي أوي." ثم تابع بحنين لشقيقته الراحلة:

"بس أوركيد الله يرحمها كانت عكسي تماماً. كانت شقية زيك، ولما كبرت وأنا كبرت اتبدلت الأدوار، هي اللي عقلت وأنا اللي اتجننت." سألته بفضول واهتمام: "انت ليه مش عايش مع والدك ووالدتك في شرم الشيخ وقاعد بعيد عنهم! رد عليها بابتسامة: "لأن والدي لما اشترى الأوتيل في شرم الشيخ كنت أنا أسست مستشفى خاصة بيا هنا، ومتجوز وحياتي كلها هنا، فكان صعب أسيب كل ده وأروح معاهم." سألته بفضول واندماج بالحديث معه:

"أنا أعرف إنك كنت متجوز، بس معرفش حاجة عنها. ليه سبتوا بعض! تنهد بعمق قائلاً: "كانت بنت خالتي. والدتي في فترة فضلت تلح عليا اتجوز وأنا مش بالي الموضوع أصلاً، بس عشان أريحها وافقت. قولت بنت خالتي ومتربيين سوا وأعرفها وأحسن ما اتجوز حد من بره معرفش طباعه. واتجوزنا بس للأسف ما اتفقناش خالص وانفصلنا بهدوء."

كانت على علم ببعض الأشياء من والدة كارم التي ألقت بكلمة ما بوسط الحديث إنها زوجته السابقة كانت صعبة الطباع وكانت المشاكل لا تفارقهما طوال فترة الزواج. وهنا احترمته وقدرت له ذلك الموقف أنه رفض الحديث عن ابنة خالته وزوجته السابقة بطريقة غير لائقة. تلقائياً قارنت بينه وبين سفيان. هي أيضاً كانت ابنة خالته، وماذا فعل بها؟ خاض بعرضها أكثر من مرة أمام الجميع وأهانها، بينما فارس عكسه تماماً!

التقط كوب الشوكولاتة الحارة الخاصة بها يعطيها إياها مردداً: "اشربي يلا زمانها برد." أومأت له وبدأت ترتشف منها. وما إن أنزلت الكوب، ضحك هو بخفوت عندما تلطخت أعلى شفتيها بالمشروب على هيئة شارب. بعفوية انتقل بكرسيه ليكون على مقربة منها، ثم مد يده تجاه شفتيها يزيله بأصبعها مردداً بضحكة مرحة: "زي الأطفال بالظبط."

شعرت بالحرج والخجل الشديد من فعلته. في البداية كان لمسه لشفتيها حركة عفوية، سرعان ما تحولت لرغبة ملحة بداخله للمسها وتذوقها. ابتلع ريقه وهو محدقاً بها، يمرر إصبعه عليها برفق كأنه يرسمها! حاوط بيداه وجنتيها بلحظة تغيب بها عقله، مال برأسه قليلاً يريد تقبيلها، لكن انتفضت هي واقفة مرددة بتوتر وحرج وهي تضع الكوب من يدها: "الوقت أتأخر، أنا عايزة أنام، تصبح على خير!

قالت ما قالت ثم فرت هاربة إلى غرفتها تغلق الباب خلفها بالمفتاح بعد أن رأت نظراته الراغبة بها. شعرت بالخوف فأغلقت الباب بالمفتاح كضمان إذا حدث أو صدر منه شيء! بينما هو زفر بضيق وشعر بالحرج خاصة بعدما رأى نظرات رفض صريحة لقربه بعينيها وبصرفاتها، ليس خجل إنما رفض! *** في صباح اليوم التالي.

كانت همس تجلس بالمكتبة الخاصة بالجامعة تذاكر بعض دروسها بذهن شارد. وحينما عجزت عن التركيز نزلت لكافتيريا الجامعة تحتسي قهوتها وهي تتجاهل عن عمد همسات الجميع عليها وكم تتألم من ذلك! شعرت بأحدهم يجذب مقعداً بجانبها. نظرت للفاعل لتجده كارم الذي ردد بابتسامة وغزل: "الجميل قاعد لوحده ليه." تنهدت قائلة بهدوء: "لينا مجتش انهاردة وكمان ميان أكيد مجتش، فحضرت لوحدي وكنت بشرب قهوة وهكمل بقيت المحاضرات اللي عندي." ثم تساءلت:

"انت بتدخل الجامعة هنا إزاي؟ ده هنا بيطلعوا روحنا عشان ندخل لازم اللي يدخل معاه الكارنيه ولو حد معاه إثبات صلة القرابة ومش عارفة إيه! تراجع بظهره للخلف يضع قدم فوق الأخرى مردداً بفخر وغرور: "بيقولوا إنه ظابط يا دكتورة نص كوم انتي. نفسي أعرف هتشتغلي إزاي دكتورة وأنتي أبسط الحاجات اللي المفروض تخمنيها معرفتيش. دكاترة آخر زمن يا ناس! سخرت منه قائلة بغيظ:

"نيني، خليني ساكتة وخلّي الدفاتر مقفولة يا حضرة الظابط. مش هيبقى حلو في حقك اللي هيتقال." رد عليها بلا مبالاة: "أنا كلي مميزات يا حبيبتي مفيش عيوب." أومأت له قائلة بسخرية: "عندك حق، بس مش غريبة إن راجل طول بعرض ظابط قد الدنيا لسه لحد انهاردة بيخاف من الفيران." رد عليها بتهرب: "محصلش، دي كلها مجرد إشاعات." أومأت له قائلة بابتسامة واسعة:

"إشاعات أه، طب اكدب على حد ملكش معاه سابقة لأ ومنيلة بنيلة كمان. أنا فاكرة إن مرة واحنا صغيرين كنا بنلعب في أوضتك ولقينا فار، طلعت تنط فوق السرير من الخوف وتصوب وتعيط أكتر مني. ده حتى مامتك قالتلي إنك لسه بتخاف منهم لحد دلوقتي." ردد بقرف: "فرق بين الخوف والقرف يا مقرفة انتي بالسيرة اللي فتحتيها دي. أنا كان ليا حق أخاف، إنما انتي مكنتيش خايفة عشان كنتي من نفس فصيلتهم! رمقته بغيظ شديد، فردد هو بابتسامة:

"على فكرة الضحكة اللي راسماها على وشك دي وإنك طلعتي من اللي انتي فيه ده بين يوم وليلة، الجو ده مش عليا. أنا عارف كويس إنك الضحكة دي قناع عشان متزعليش مامتك وسيادة اللوا." ابتلعت غصة مريرة بحلقها، ثم أشاحت بوجهها بعيداً عنه، فأداره له من جديد لتنظر له مردداً برفق وحب: "مثلي قدام الكل زي ما انتي عايزة، بس عندي أنا مش هتقدري لأني فاهمك أكتر من نفسك يا همس، وعارف لما بتكوني مبسوطة بجد بتعملي إيه! تنهدت بحزن قائلة:

"كلامهم وصوتهم وهم بيتهمسوا عليا بيقتلني يا كارم. أنا كل يوم بخرج من البيت بالعافية. لو طلعت أشوف جيرانا اللي شمتان واللي زعلان عليا بتقهر." ثم تابعت بخزي من نفسها: "ساعات بتخطر بالي حاجات كتير عشان انتقم منه زي ما عمل فيا. والغريبه إني كنت معارضة ميان في اللي بتعمله، بس مع الوقت لقيت جوايا نفس الشعور اللي هي حاسة بيه ونفسي أعمل كده." سألها بهدوء: "طب معملتيش كده ليه! ردت عليه بخزى: "مين قال لك إني ما حاولت أعمل كده؟

بالعكس حاولت مرة واحتقرت نفسي أوي بعدها ولقيت إن الشخص ده ميستاهلش مني كده. ميستاهلش استخدمه أداة أحقق بيها انتقام وهو عندي أغلى من كده بكتير وياما وقف جنبي ونفسي يسامحني لما يعرف إني فكرت في كده! صمت للحظات ثم قال بهدوء: "هو عارف يا همس ومسامح وكفاية إنك اتراجعتي وقولتي إنه عندك أغلى بكتير."

نظرت له بتوجس للحظات. هل يعلم أنها قبلت التقاط الصور معه عندما كانوا بشرم الشيخ من أجل أن ترفعها على مواقع التواصل الاجتماعي وتثير غضب الآخر وتخبره أنه أفضل بدونها؟ أومأ لها قائلاً بابتسامة: "كنت عارف بتفكري في إيه وسكت عشان عارف مش هتكملي فيه لأن همس مش كده." ابتسمت له ممتنة، فسألها مازحاً ليغير مجرى الحديث: "تعالي بقى نروح نتغدا سوا وبعدها أوصلك ع البيت بلا محاضرات بلا بتاع."

ضحكت وهي تمشي بجانبه. سرعان ما توقفت عندما ظهر يزن أمامها من العدم، يبدو أنه يريد الحديث معها. ستكون أول مواجهة كلامية بعد ما حدث! الجميع ينتظر لهما بفضول مترقبين ما سيدور بينهما. العروس والعريس الذي تركها بيوم الزفاف، كيف ستكون المواجهة! *** -بتعملي إيه! قالها فارس بصوت ناعس بعدما خرج من غرفته ليجدها تقف بالمطبخ. ردت عليه بهدوء وهي تضع الطعام على الطاولة: "حضرت الفطار، اغسل وشك وتعالى يلا قبل ما يبرد."

أومأ لها، وقبل أن يغادر التفت مرة أخرى قائلاً بابتسامة جميلة: "صحيح نسيت أقولك صباح الخير." ردت عليه الصباح بابتسامة صغيرة. دقائق وكان يجلس معها يتناولون الإفطار. ردد بشهية: "شكله يفتح النفس." ثم التقط كف يدها يقبله مردداً بابتسامة حب: "تسلم إيدك." سحبت كف يدها بتوتر وخجل، والتقطت كوب الماء ترتشف منه بحرج. فابتسم هو عليها وبدأ يتناول الطعام. سألها بفضول: "انتي بتعرفي تطبخي! نفت برأسها قائلة بأسف:

"مش أوي، حاجات وحاجات، واللي مش عارفاه أكتر من اللي أعرفه." ردد ببساطة: "الحال من بعضه يعني. أنا كمان بطبخ على خفيف." سألته بحذر: "انت زعلت عشان مش بعرف أطبخ! سألها أيضاً بتعجب: "ليه قولتي كده! رفعت كتفها لأعلى قائلة: "أصل معظم الرجالة بيتضايقوا لما مراتاتهم مايكونوش بيعرفوا يطبخو." عليها بابتسامة وبكل بساطة:

"انتي قولتي أهو معظم. وبعدين في حاجات في الجواز أهم من الطبخ والكلام ده. حابة تتعلمي براحتك دي حاجة ترجعلك. أنا أصلاً متفق مع شغالة هتيجي تساعدك من الأسبوع الجاي طبخ وتنضيف وكله. لو حابة تجيبي تاني معنديش مانع! ثم تابع بجدية: "انتي أصلاً متركزيش مع التفاهات دي وركزي في دراستك عشان تجيبي تقدير كويس واللي هو امتياز إن شاء الله. لو حابة أشرحلك أي حاجة أنا معنديش مانع في أي وقت تعالي." منحته ابتسامة ممتنة قائلة بشكر:

"شكراً يا فارس، أنا مش عارفة أقولك إيه." رد عليها بابتسامة: "متقوليش ومش لازم شكراً على فكرة، أنا معملتش حاجة. اللي بقولوا ده الطبيعي واللي لازم يحصل." أومأت له برأسها وشعرت بالتوتر والارتباك عندما نظر لداخل عينيها مطولاً. تصنعت الانشغال بالطعام، فابتسم عليها وأبعد عينيه عنها ليرحمها. ***

بعد الإفطار كانت تنزل معه لأحد المكتبات لتشتري ما ينقصها من كتب ومراجع تحتاج إليها. كانت تخرج من باب المكتبة برفقته ولم تنتبه لحفرة صغيرة أسفل قدمها، فاستندت يدها تلقائياً على السور بجانبها، ولسوء حظها كان عليه زجاج مكسور متناثر. صرخت بألم، فهرع إليها يتفحص يدها بفزع، ثم أخرج منديل يلفه حول يدها مردداً بقلق شديد وهو يجعلها تصعد للسيارة والأخرى تبكي من الألم:

"معلش استحملي خمس دقايق في مستشفى قريبة من هنا، متبكيش معلش." كان يردد كلمات متأسفة على حالها طوال الطريق. بالطبع مرت خمسة دقائق وكان يدخل بها للمستشفى لقسم الطوارئ. كانت الطبيبة تضمد يدها بينما هي تبكي بألم. اقترب فارس جالساً بالقرب منها يمسح دموعها برفق. فرددت بألم: "بتوجع أوي." رددت الطبيبة برفق: "حطيت بنج ومش هتحسي بحاجة."

أومأت لها وهي تضغط بيدها على الفراش. مر ما يقارب النصف ساعة وكانت تخرج من الغرفة تستند على يده. لمحت بعينيها من بعيد سفيان يخرج من أحد الغرف برفقة عمار وفريدة وأيضاً قصي! لا تعرف ما السبب، لكن ما إن رأته اشتعل لهيب الانتقام بقلبها. فتمسكت بيد فارس قائلة برقة وصوت مجهد: "فارس ممكن تشيلني، حاسة إني دايخة ومش قادرة أمشي خالص." أومأ لها برأسه بدون تردد. انحنى يحملها برفق مردداً بقلق شديد:

"طب طالما لسه تعبانة تعالي نكشف تاني ولو كده ممكن تعلقي محاليل. أنا أصلاً... قاطعته قائلة بهدوء: "أنا بس محتاجة أرتاح يا فارس، خدني ع البيت." أومأ لها، ثم مشى بها وسط الجميع، وأغلب النظرات مصوبة عليهما، لكنه توقف ما إن رأى أمامه سفيان يستند على يد قصي وعمار الذي ردد بصدمة: "انتوا بتعملوا إيه هنا؟ ميان انتي كويسة! ردد سفيان بقلق هو الآخر وغيرة تنهش قلبه وهو يرى الآخر يحملها هكذا والأخرى تحاوط عنقه بيدها: "انتي كويسة!

رد فارس وهو يشعر بضيق يحتل صدره، فعندما نظر لداخل عينيها تهربت من النظر له، كانت خجلة، فعلم أنها فعلتها عن قصد، لقد طلبت منه حملها لتثير غضب وغيرة الآخر. سأله عمار بقلق: "مالها ميان يا فارس! رد عليه بهدوء زائف: "كنا في مشوار وحطت إيدها على إزاز بالغلط فجينا نخيط الجرح." سألها قصي بهدوء: "انتي كويسة دلوقتي يا ميان! رددت فريدة بفظاظة: "ماهي كويسة وزي القردة أهي نازلين أسئلة فيها ليه." نظر الثلاثة لها باستنكار،

فردد فارس بتهكم: "طبعاً لازم تكون كويسة مش بعدت عن الهم اللي كانت عايشة فيه." كادت فريدة أن ترد، لكنها لم يعطيها الفرصة وغادر ملقياً السلام على قصي وعمار فقط. فرددت فريدة خلفهما بغيظ وغضب: "تلاقيها جت هنا مخصوص عشان تحرق دمه وتخليه يمرض أكتر، سوسة البت ومش سهلة وسبحان الله ربنا رزقها باللي شبهها، واد لسانه طويل و... قاطعها سفيان مردداً بحدة وهو يكور قبضة يده بغضب وغيرة: "خلصنا يا فريدة بقى خلينا نغور من هنا بقى!

كانت النيران مشتعلة بقلب سفيان من الهيئة التي شاهدهم عليها منذ قليل. سيناريوهات كثيرة تخيلها، هل اقترب منها أم لا؟ هل سمحت هي له بذلك! لكن أبداً لم ينسى نظرة التشفي والانتصار التي رمقته بها قبل أن تغادر! بينما فارس وضعها داخل السيارة وطوال الطريق صامتاً، وهي تنظر له من حين لآخر ترى كيف يقبض بيده على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصل يده. يبدو أنها ستواجه أول شجار معه ما إن تصل للمنزل، لقد أخطأت وعليها تحمل ما سيصدر منه!

*** خرجت من غرفتها بعد قضت طوال الوقت تبكي وتنتحب بقوة والندم ينهش قلبها على ما فعلت. كيف كانت حمقاء لتلك الدرجة، كيف تشك بقصي بعد كل ما مروا به! دخلت على والدتها المطبخ وكانت الأخرى تطهو الطعام وهي تنتحب بقوة وحسرة. أخرجت من باب الثلاثة زجاجة مياه، وما إن رفعتها لشفتيها شعرت بدوار حاد يصيبها جعلها تترنح بوقفتها وسقطت الزجاجة من يدها!

التفتت سميحة بفزع لتجد جسد ابنتها يتهاوى أرضاً. صرخت بفزع تنادي بعلو صوتها على زوجها الذي ركض للمطبخ يحملها بين يديه للغرفة يحاول إفاقتها لكن دون جدوى. رددت سميحة بفزع: "اجري يا كمال هات الدكتورة اللي في الدور التاني، البت مش كويسة خالـ... ركض على الفور. دقائق وكانت تجلس الطبيبة تفحصها. بعد دقائق بدأت تستعيد سيلين وعيها. فسألها الطبيبة عدة أسئلة. إن انتهت سألها كمال بقلق: "خير يا بنتي طمنينا! ردت عليه بابتسامة بشوشة:

"خير يا راجل يا طيب، بنتك بس مجهدة شوية وأنا شاكة في حاجة كده بس زيادة تأكيد تروحوا تعملوا تحليل وتكشفوا عند دكتورة." سألها كمال وسميحة بنفس الوقت بقلق: "حاجة إيه؟ كفى الله الشر! ردت عليهما بابتسامة: "خير إن شاء الله، بس الظاهر كده إنها حامل! *** بينما بفيلا آل مهران كان محامي العائلة يخبرهم بأسف شديد ذلك الخبر الصادم: "البقية في حياتكم، نادر بيه اتوفى!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...