قال ما قال ثم رفع يده يضعها على وجنتيها يلمس شفتيها برقة. والأخرى تقف مكانها تأخذ أنفاسها بصعوبة، تريد مشتته. مال برأسه حتى يقبلها، وما أن لمست شفتيه خاصتها جاءت صورة سفيان أمامها. فبدأت تدفعه بعيدًا عنها حتى ابتعد مرددة بصوت حاد غاضب: "متلمسنيش! غضبها ونفورها الواضح كان إهانة كبيرة لكرامته ورجولته. كور قبضة يده بغضب كبير وعيناه تقدح شرار. بينما هي كانت تقف تضع يدها على شفتيها تسمحها بعنف، صدرها يعلو ويهبط بانفعال.
دخل للداخل وبطريقة دفع طاولة خشبية بأحد الأركان فسقطت محدثة صوتاً مزعجاً. انتفضت هي على أثره ثم جلست أرضاً تضم قدميها لصدرها وجسدها بأكمله ينتفض. مرت دقائق قصيرة حتى هدأت واستوعبت الخطأ الفادح التي ارتكبته. هل سيصدقها إن قالت أنها تذكرت سفيان، لكن بتلك الليلة فقط؟ تلك الليلة التي للآن تسبب لها كابوس مزعج كل ليلة لا ينتهي أبداً. دخلت للغرفة بنفس اللحظة التي خرج منها فارس من المرحاض، لكنه لم يعطيها نظرة واحدة.
التقط وسادة وغطاء ألقاهم أرضاً بإهمال ثم أولاها ظهره. حاولت عدة مرات الاقتراب منه والحديث، لكنها لا تملك الجرأة. هو غاضب ومحق بغضبه، لكن هي أيضاً ليس لها ذنب، ما حدث رغماً عنها. *** كان عاصم يجلس بالأسفل برفقة هبة قائلاً: "كارم حكالي اللي عملته فيه قدام الجامعة كلها والفيديو انتشر في كل حتة. ده حتى قدم استقالته وغار في داهية من الجامعة خالص." رددت هبة بارتياح: "الحمد لله، أهو بعد عنها.
والله كل ما كانت بتروح الجامعة كنت بفضل شايلة الهم وقلبي يوجعني عليها من اللي بتحسه كل مرة تشوفه فيها." ثم تابعت بابتسامة واسعة: "أنا أصلاً حساها ابتدت تتخطى اللي حصل شوية شوية، بشوف إنها بترجع لطبيعتها." ثم اختفت ابتسامتها متابعة بحزن: "بس برجع وأشك وأقول يمكن تكون بتعمل كده عشان تعبي." ردد عاصم بغموض: "تؤ، بنتك مبسوطة بجد يا هبة.
كارم بيحكيلي قد إيه كانت طايرة من الفرح لما خدت حقها منه وفوقه كمان بنتك مكنتش بتحب أصلاً." سألته بدهشة: "إنت معين كارم مخبر ينقلك كل أخبار بنتك ولا إيه يا عاصم؟ ضحك بخفوت قائلاً: "أكيد لأ، بس عشان عارف إنه قريب من بنتك خصوصاً الفترة دي بطمن عليها منه. بأسأله وهو بيجاوب، صحيح مش بيقول كل حاجة بس اللي عرفته منه كفاية عشان أطمن وأعرف إيه اللي هيجد بعد كده."
بينما بالأعلى كانت همس تجلس على الفراش تقضم أظافر يدها بخجل شديد وغضب كلما تذكرت ما فعل كارم الوقح. كيف يقبلها؟ تذكرت كيف دفعته وكادت أن تصفعه، لكنه تمسك بيدها. *** في صباح اليوم التالي كانت همس تجلس بالمنزل وحدها بعدما ذهب والدها للعمل وذهبت والدتها لتبتاع بعض الأغراض من السوبر ماركت. تعالى رنين جرس المنزل. ذهبت لتفتح الباب لتتفاجأ أمامها بآخر شخص تتوقع رؤيته. رددت بصدمة ممزوجة بحدة: "انتي! أومأت لها قائلة
بصوت مختنق من الدموع: "ممكن أدخل، محتاجة أتكلم معاكي ضروري." رددت همس بحدة واحتقار: "مفيش بيني وبينك أي كلام ممكن يتقال." رددت بسمة بانكسار: "أنا ما آذيتكيش في حاجة، ليه بتعامليني كده؟ رددت همس بتهكم: "بجد والله ما آذيتكش في حاجة، إنتي زيك زيه، كنتي عارفة إنه هيوقف الجواز وهيقول فيا كده في موقف زي ده وفضلتِ ساكتة. ممنعتيش ليه اللي هيحصل؟ مقولتيش لأ ليه واعترضتي؟ بس الموضوع كان جاي على هواكِ." رددت بسمة بانكسار:
"يزن بيحبك على فكرة." ردت عليها بشراسة ونفور: "حبك برص إنتي وهو، اومال لو بيكرهني كان عمل فيا إيه." بسمة ببكاء شديد وانكسار: "اسمعيني للآخر لو سمحتي." رددت همس بغضب: "أنا لا عايزة أسمعك ولا أسمعه ولا أسمع حاجة عنكم من أصله. وتاني مرة متفكريش تطلعي في طريقي وإلا هندمك على اللحظة اللي فكرتي فيها كده، إنتي فاهمة؟ قالت الأخيرة بصراخ حاد بنفس اللحظة كان يأتي صوت والدها من الخلف برفقة كارم وعلامات
التعجب مرتسمة على وجوههما: "إيه اللي بيحصل هنا! ما أن دخل للمنزل برفقة كارم بعدما أفسحت لهما بسمة الطريق، ردد بحدة: "مش إنتي اللي كنتِ معاه! أومأت همس برأسها قائلة بغضب وتهكم: "هي يا بابا، وبكل بجاحة جاية لحد هنا عايزة تتكلم معايا وبتقولي بيحبك إنتي." ضرب عاصم الباب بيده بغضب قائلاً بصرامة: "كارم خد همس وادخل دلوقتي وسيبني معاها." فعل كارم ما طلب منه، بينما عاصم ردد بتحذير لبسمة التي ترتجف من الخوف:
"اسمعي الكلمتين دول كويس واحفظيهم عشان توصليهم ليه كمان يحفظهم. قسماً بربي لو لمحت ضلك إنتي أو هو جنب بنتي ما هرحم حد فيكم. بنتي خط أحمر واللي حصل ليها مش هيعدي بالساهل أبداً، وقوليله يستنى مني قريب درس لو كان أبوه عمله زمان فيه كان زمانه طلع راجل بدل ما طالع عيل لا بيصون كلمة ولا عهد." ثم تابع بصراخ وغضب: "دلوقتي بقى غوري من وشي وآخر مرة ألمحك فيها." غادرت بسمة على الفور بخوف.
بينما بالداخل كان همس تحرك قدمها بغضب وكارم يقف بجانبها. أراد أن يمازحها قليلاً ليخفف من غضبها، لكن دخل عاصم بتلك اللحظة قائلاً بصوت حاد لكارم: "تعالى معايا ع المكتب يا كارم، همس اعملي لينا قهوة وهاتيها." أومأت له ولحق به كارم الذي انتظر ليدخل عاصم المكتب. فجذب همس من معصمها مردداً بمشاكسة: "اعملي القهوة حلوة زيك ومظبوطة بدل ما المرة دي هنشن في النص مش فوق." قال الأخيرة بوقاحة وهو ينظر لشفتيها.
جزت على أسنانها بغضب ثم دعست قدمه بقدمها بقوة قائلة بوقاحة مماثلة وكلمات ذات مغزى: "طب أعملها كده وأنا أخليك تتحسر على مستقبلك." رفع حاجبه لأعلى من مغزى كلماتها الوقح، فجذبها من يدها يقربها منه قائلاً بمكر: "ما هو مستقبلك إنتي كمان يا روحي، أصل الصراحة أنا مش ناوي أسيبك." ثم رفع ذقنها مرة واحدة قائلاً بتصميم وعشق: "وراكي وراكي لحد ما أخلي ده يبقى بتاعي." قالها وهو يضع يده على موضع قلبها.
توترت من نظراته، وقبل أن تبدي رد فعل كان صوت عاصم الحاد يأتي من الداخل: "كارم إنت نمت عندك ولا إيه! دفعته بعيداً عنها وركضت للمطبخ تضع يدها على قلبها الذي تعالت دقاته بصخب. تنهدت ثم بدأت تصنع القهوة. سرعان ما طرأ على عقلها فكرة خبيثة بدأت بالبحث عن أحد العلب. ما أن وجدتها ابتسمت بمكر وأخذت تصفق بيدها بحماس. *** دخلت بالقهوة لهما بالمكتب. أخذها منها كارم وهي يبتسم بطرف شفتيه مشاكساً إياها بنظراته.
ابتسمت بتشفي عندما ارتشف من فنجانه ليتحول وجهه للون الأحمر مبتلعاً ما بفمه بصعوبة. "المجنونة قد وضعت بفنجانه على الأغلب ملح بدلاً من السكر." تناقش مع عاصم ببعض أمور العمل. لكنه استوقفه عاصم قبل أن يغادر غرفة مكتبه قائلاً بغموض: "كارم مش عايز أي غلطة مفهوم! ردد كارم بابتسامة تنم عن كل شر: "هيحصل زي ما أنت عايز يا سيادة اللوا! أومأ له عاصم وسمح له بالذهاب.
بحث يميناً ويساراً عن همس ليجدها تقف بأحد الزوايا تخرج له لسانها بتشفي. ركض بخفة نحوها يجذبها لأسفل الدرج حيث تلك المنطقة المعزولة عن نظر الجميع. مردداً بتوعد: "إنتي قد اللي عملتيه ده." ردت عليه بتحدي: "لو مكنتش قده مكنتش عملته وهعمل أكتر لو فكرت تاني تقرب مني وتلمسني زي ما عملت المرة اللي فاتت يا قليل الأدب." قبض بيده على خصرها مقرباً إياها منه مردداً وهو ينظر لداخل عينيها بثقة:
"أنا كمان قد اللي عملته ولو مكنتش قده مكنتش عملته يا همس." ثم تابع بمكر وهو يضع يده أسفل ذقنها لتنظر له: "لو عاوزاني أبعد ساعتها ليه سبتيني أقرب من الأول." توترت من نظراته وما قال، فردد بهمس بجانب أذنها بينما يمسك بيدها يضعها على قلبها: "افتحي ده ليا وبطلي تشوفيني على إني زي أخوكي، ساعتها متأكد إنك هتحبيني يا همس زي ما بحبك! تاهت بين كلماته ونظراته المليئة بالحب، ليتوه هو الآخر مردداً بتنهيدة عشق وهو يدنو منها مقبلاً
عينيها برقة: "تاهت عيوني في بحر عيونك واختار قلبي إن يغوص بها فيغرق." *** ودع الاثنان الجميع بابتسامة متكلفة لم تصل لعيناهما. وما أن غادرا اقتربت منه قائلة بحرج: "فارس ممكن نتكلم مع بعض شوية." لم يرد عليها ودخل لغرفته. فلحقت به قائلة: "فارس أنا بكلمك، طريقتك دي م... كور قبضة يده ثم التفت لها قائلاً بغضب كبير ونيران تكاد تخرج من عيناه: "أشتري نفسك وخلّيكي بعيدة عني لحد ما أهدى وإلا كلامي هيضايقك ويوجعك بجد!
قال ما قال ثم غادر المنزل صافعاً الباب خلفه بغضب كبير. ليجد قدمه تأخذه لابن عمه وصديقه الوحيد. ليسأله الآخر بقلق بعدما جلس معه وطال صمته: "مالك فيك إيه! لم يجيب الآخر وكان يحرك قدميه بغضب كبير. فسأله كارم بقلق: "يا بني قولي مالك حصل إيه وليه نزلت وسيبت ميان لوحدها؟ مش المفروض إنك في شهر عسل؟ زفر فارس بضيق ثم وضع رأسه بين يديه. ليسأله كارم بتوجس: "فارس حصل إيه بجد أنا بدأت أقلق أوي."
قص عليه ما حدث والغضب يتصاعد بداخله أكثر. ليأتيه رد كارم الصادم: "اللي حصل طبيعي جداً." صرخ عليه بحدة: "كارم متعصبنيش! تنهد كارم قائلاً: "إنت متعصب ليه دلوقتي؟ إنت اتجوزتها وإنت عارف إنها مش بتحبك وخارجة من تجربة زي الزفت، متوقع منها العكس ليه ومستني منها تتقبل قربك؟ رد عليه بغضب: "طلبي للجواز منها في الأول، كان غرضي منه إنها تكون زوجة مش أتجوزها وتقعد في أوضة لوحدها." رد عليه كارم بصرامة:
"طالما من أول يوم قبلت وسكت يبقى تسكت على طول لحد ما هي اللي تكون مستعدة." ثم تابع بمكر: "بعدين بقولك إيه، إنت كل مضايقك ومخليك تخبط في الكلام إنك فاكر إنها رفضت تلمسها عشان لسه بتحب سفيان." صرخ عليه بغضب وغيرة كبيرة: "متنطقش سيرته قدامي يا كارم، متعصبنيش أكتر! تنهد كارم قائلاً: "على فكرة هي بعدت عنك بسببه." "آه كارم! رد عليه كارم بتهدئة:
"اسمعني للآخر، إنت ليه خدت رفضها ليك عشان لسه بتحبه ومخدتهاش عشان اللي عمله فيها؟ جاتلك المستشفى ومتبهدلة على الآخر ومتعرضة لاغتصاب منه، أكيد تجربة زي دي تخليها تخاف من أي جنس راجل يقرب منها." كور فارس قبضة يده بغضب وغل من سفيان. فتابع كارم بعتاب: "فارس إنت غلطت من الأول لما اتجوزتها وإنت عارف من جواك إنها غرضها تنتقم منه وترد كرامتها." ثم تابع بتوضيح:
"بس على فكرة هي كمان غلطت، جوازكم إنتوا الاتنين كانت غلط من الأول في الوقت ده وفي الظروف دي." صمت فارس للحظات ثم تنهد بحزن قائلاً بألم: "أنا بحبها أوي يا كارم! ثم تابع بحزن كبير: "والله ما عارف ليه وامتى، كل اللي أعرفه إن بنجذب ليها يوم بعد التاني ومن غير ما أحس لقيت نفسي بحبها." عبث بيده بخصلات شعره مردداً باعتراف يخرج منه لأول مرة:
"أنا اتجوزتها في الظروف دي عشان خوفت تحن وترجعله تاني، ساعتها أنا هعمل إيه، نار بتقيد في قلبي لمجرد بس ما أتخيل إنها مش عايزاني أقرب منها لأنها لسه بتحبه." ثم تابع بسخرية مريرة: "إنت أكتر واحد عارف إني مكنتش حابب أتجوز إنجي زمان لأني كنت رافض الجواز اللي زي كده، كنت عايز أتجوز اللي بحبها ويوم ما ألاقيها وأحبها ليه أتوجع كده." تنهد متابعاً بحيرة وكارم ينظر له حزيناً. هو أكثر من يعلم كيف يكون مؤلم أن تحب من لا تريدك.
"بقيت بقرب منها وبقينا بنقعد كتير مع بعض ونتكلم عكس الأول وضمنت إنها بقت بتاعتي وعلى اسمي بس بردو على الرغم إنها قريبة بحس إنها بعيدة عني." أو ينظر له قائلاً بألم كبير: "أبوها قبل الفرح بيوم حكالي كل اللي حصل معاها واللي سمعته منه يخليني أعرف إن مهما عملت عمري ما أوصل لنص الحب اللي في قلبها لسفيان، ده حتى في نومها بتنطق اسمه." هرب كارم على قدمه بمواساة. فتابع الآخر بحزن:
"حاسس إني في دوامة، بحبها بس مش عارف أبدأ بأيه وأعمل إيه، عايزها ليا يا كارم، قلبها وعقلها يبقوا ليا مش ليه. صعب أتحمل إن مراتي واللي بحبها تبقى معايا وتفكيرها في غيري." كاد أن يرد كارم لكنه سبقه قائلاً بوجع: "متقوليش إنت اللي قبلت، آه أنا قبلت بس كنت أعمل إيه لو رجعت ليه والله ما كنت هتحملها يا كارم." ردد كارم بحزن:
"جوازك منها مش ضمان إنها بقت ليك، ممكن في أي لحظة تقولك طلقني عشان ترجعله، ساعتها هتعمل إيه يا بن عمي! صمت فارس للحظات ثم تنهد بحزن. هل سيقبل حقاً تركها بعدما حصل عليها أخيراً! *** بعدما غادر جلست تبكي بقوة حزينة على ما فعلت به بدون قصد منها. جاءها اتصال من لينا فردت عليها ليأتيها صوتها من الجهة الأخرى قائلة بسرعة: "ميان بسرعة حطي نفسك في أي عربية وتعالي الجامعة.
الدكتور غفلنا النهارده وعمل امتحان مفاجأ عليه أعمال السنة، معاكي ساعة إلا." أغلقت معها وتجهزت على الفور تحاول الاتصال بفارس لكن هاتفه مغلق. لذا غادرت مضطرة. بعد أن انتهى الامتحان جلست معهما فسألتها همس بمرح عندما لاحظت شرودها: "مالك سرحانة في إيه؟ هو الجواز بيخلي الواحد يسرح كده؟ رددت لينا بهيام: "عقبالي يارب." رددت همس بمرح: "بكرة تقولي يوم واحد من أيام العزوبية." طال صمت وشرود ميان فسألتها لينا بقلق:
"مالك يا ميان بجد، فيه حاجة؟ نفت برأسها قائلة بتهرب: "مفيش بس بفكر إزاي هلم اللي فاتني ده كله." رددت همس بهدوء: "هتلحقي متخافيش، كل يوم نقعد مع بعض نذاكر ونحاول نلم وننجز شوية في المنهج وربنا يستر." أومأت لهما ثم ذهبت تجلب لها قهوة. وبعد قليل رددت لينا بصدمة لهمس: "يا نهار أسود! رددت همس بضيق: "بتسودي النهار ليه يا بومة! لكزتها بذراعها قائلة بخوف: "بصي مين هناك." رددت همس على الفور بصدمة: "يا نهار أسود، سفيان!
اقترب منهما فرددت همس على الفور بغضب: "إنت جاي ليه هنا وعايز إيه تاني؟ مش كنا خلصنا منك خلاص." زفر بضيق قائلاً بصرامة: "اتكلمي باحترام وبعدين أنا مش جايلك أنا جاي عشان لينا." ثم التفت للينا قائلاً بهدوء: "ممكن نتكلم مع بعض شوية لوحدنا في الكافيه هنا." اقتربت ميان منهما وهي تضع حقيبتها على ظهرها ولم تلاحظ وجود سفيان: "أنا لازم أمشي دلوقتي هك... صمتت عندما رأته أمامها. ردد باشتياق وأعين لامعة: "ميان أخبارك إيه."
قبل أن تبدي ردة فعل جاء صوت فارس الحاد من خلفها قائلاً: "ميان! انتفضت مكانها كذلك لينا وهمس. اقترب منهما قائلاً بهدوء يسبق العاصفة: "خلصتي محاضراتك! أومأت له فتابع وهو يقبض على يدها: "يلا خلينا نمشي." جذبها وغادر وأعين سفيان تتابعهما بألم. ذهبت لينا مع سفيان غاضبة. بينما همس جلست مكانها غاضبة منه تود أن تذهب إليه وتدق عنقه من شدة غضبها. فيبدو أن ميان ستدخل بشجار كبير مع فارس بسبب أنها رأها تقف معه. *** ما أن دخلا
من باب المنزل رددت بتوضيح: "فارس مش زي ما إنت شوفت هو... رد عليها بغضب كبير: "محسساني زي ما أكون أعمى وغبي ومش بفهم، هتتبرري بأيه وقوفك معاه النهارده." نفت برأسها قائلة: "مش زي ما إنت شوفت صدقني هو كان... قاطعها قائلاً بغضب وغيرة تتحكمان به: "المرة اللي فاتت قولتي نفس الكلام مش زي ما إنت فاهم، بتتعاملي معايا على إني غبي، وفوق كل ده خرجتي من غير ما تعرفيني لولا إن همس كلمت كارم جنبي وعرفِت إنك معاهم في الجامعة."
قبض بيده على كتفها قائلاً بوجع: "بعد كل اللي عمله وشوفتيه منه لسه بتحبيه؟ طب ليه وعشان إيه عقلك مش بيفكرك كل مرة قلبك يحن ليه باللي عمله فيكِ." ردت عليه بغضب ودون قصد ودموع وهي تدفع يده بعيداً عنها: "لو كان عقلي مش بيفكرني مكنتش اتجوزتك! كم ألمت كلماتها قلبه. رد عليها بغضب وتهكم: "ده على أساس عيشتنا دي تتسمى جواز، إنتي شايفة إن كل واحد يقعد في أوضة وتفضلي حابسة نفسك ليل نهار فيها جواز."
غضب تملك منها وهي تراه لا يستمع لها. فرددت بغضب وهي تقوم بحل أزرار قميصها: "إنت اتجوزتني عشان كده، يعني هو ده اللي إنت عاوزه حقك." قبض على معصمها مردداً بقسوة من إهانتها له: "لو على حقي فيكي أقدر آخده ومش بمزاجك لأنك مراتي، بس أنا امبارح خدت عهد على نفسي ما أقرب منك تاني." ثم تابع بسخرية مريرة وهو يشير إلى جسدها: "مش هو ده اللي عاوزاه، يكون هو الوحيد اللي لمسك مش غيره، بتخافي على نفسك ليه."
دفعها بعيداً عنه وهو ينظر لها بأعين تكاد تصرخ من الألم الظاهر بوضوح بها. فرددت هي بدموع وحزن: "فكرتك غير يا فارس، مفرقتش عنه حاجة! قالت ما قالت ثم دخلت لغرفتها تغلق الباب خلفها من الداخل بالمفتاح. وفعل هو المثل يحطم كل ما تطوله يده من شدة الغضب والإهانة التي تعرض لها. *** "خير! قالتها لينا بضيق لسفيان بعدما جلست برفقته بالمقهى الجامعي. تنهد بعمق قائلاً بهدوء: "لينا أنا مش هزوق الكلام، إنتي مش طيقاني ولكي حق الصراحة.
إذا كنت أنا مش طايق نفسي ولا قادر أسامحها على اللي عملته." ابتلع غصة مريرة بحلقه متابعاً بحزن: "أنا كل اللي عاوز أقوله إن فيه دلوقتي بيني وبين كرهك ليا بسبب اللي حصل في صحبتك بسببي عمار. عمار اللي بتضايق كل ما يشوف إزاي إنتي مش متقبلة حد من عيلته لأنه من صغره بيحب لمة العيلة. كرهك لينا معناه إنك بتحطيه بين نارين يا إحنا يا إنتي وأنا مش عايز أخليه يكون في الحيرة دي، عايزه يكون مبسوط." أزاحت بوجها بعيداً
ليتابع هو بحزن: "كل اللي طالبه منك تحاولي تتقبلي وجودي أنا وفريدة في حياتك عشان خاطر عمار اللي متأكد إن سعادته تهمك. وتاني حاجة تسامحيني على الكلام اللي قولته ليكي قبل كده، ساعات الإنسان بيكون في غفلة بيعمل كتير أوي حاجات بيكون مغيب فيها ويجي قلم جامد يفوقه زي ما حصل معايا كده." رددت بضيق:
"مش عمار بس اللي بيني وبينك إنت وفريدة، لأ فيه ميان أختي اللي كل ما هشوفك قدامي هفتكر الوجع اللي عاشته بسببك والبهدلة اللي اتعرضت ليها من تحت راسك وخسارتها لحاجات كتير." تنهد بحزن قائلاً بألم: "مهما كانت خسارتها متأكد إن خسارتي أكبر بكتير، كفاية إني خسرت احترام الكل وحبهم وخسرت نفسي والأهم من ده كله خسارتي ليها اللي هعيش بيها طول عمري. كفاية الندم اللي هيفضل ينهش في قلبي طول العمر."
صمتت ولم تجيب ليردد هو بصوت مختنق بالدموع التي تلمع بعينيه تهدد بالنزول بأي لحظة: "كل اللي طالبه منك تحاولي وأوعدك لا أنا ولا فريدة هنضايقك وعلى قد ما هنقدر هنقلل فرص احتكاكنا بيكي عشان تكوني مرتاحة." أومأت له بصمت فتابع بابتسامة صغيرة: "يمكن متتقبليش مني الكلام ده بس طول عمري نفسي أجوز عمار ويكون ليا أخت كمان بدل أخ، أنا موجود في أي وقت لو احتاجتي مني أي حاجة مش هتردد ثانية إني أساعدك.
و تاني مرة بعتذر منك على اللي قولته في حقك قبل كده." أومأت له بصمت. وقبل أن يقوم سألها سؤال لم يكن ليستطيع كتمانه وصوت مختنق: "هي ميان مبسوطة مع فارس؟ أومأت له قائلة بقوة لتثبت له صدق حديثها حتى يبتعد عنه ويظن أن هناك أمل في العودة لها: "مبسوطة أوي وهو كمان مبسوط، ربنا عوضها أخيراً باللي يستحقها وتستحقها." أومأ لها والألم يرتسم بوضوح على ملامح وجهه. استأذن منها وغادر المكان. بقيت هي تحدق في أثره بشفقة.
كم من المؤلم أن يعيش الإنسان بشعور الندم طوال عمره. تشفق عليه وتقول إنه يستحق بالوقت ذاته. فقد وهب الله عقلاً لكل إنسان ليميز الصواب من الخطأ، لكنه اختار أن يكون بلا عقل وسمح لهم بالتلاعب به. *** كان يجلس خلف مكتبه ينظر للفراغ بشرود. كم تمنى أن يكون ابناً لطفل منها وما أن يحدث هذا الشيء تنقلب حياتهما رأساً على عقب. بتساؤل كيف تشك به هو بالأخص؟ هو أكبر من هذا بكثير. أحبها طوال حياته، غفر لها خطئها بحقه قديماً.
إن كان أحداً مشكوكاً بحبه فهو هي. ماذا قدمت له بالأساس؟ دائماً ما يأخذ منها الشك والألم فقط. تنهد واضعاً رأسه بين يديه بحزن. أخرجه من دوامة تفكيره طرق على باب مكتبه. وما أن سمح للطارق بالدخول ظهر سكرتيرته الجديدة قائلة بجدية: "مستر قصي في واحدة برا طالبة تشوف حضرتك." سألها بضيق دون النظر إليها: "اسمها إيه! "مقلتش بس بتقول إن حضرتك تعرفها." زفر بضيق قائلاً: "دخليها."
خرجت ولحظات كانت الأخرى تدخل المكتب في كامل أناقتها وتعمدت ارتداء ملابس تشبه ما ترتديها سيلين. قائلة بصوت رقيق وهي تجلس أمام مكتبه: "أخبارك إيه يا قصي." رفع رأسه بصدمة من وجودها، سرعان ما تحول لامتعاض قائلاً بحدة وهو يتوقف من على مقعده: "جاية ليه تصطادي في المية العكرة وتقولي زعلانة والشغل بتاعك ده كله عارفه وحافظه." التفتت له فأصبحت تقف أمامه مرددة بصراحة:
"لأ مش جايه أقول كده يا قصي، مش هقولك زعلانة عشان مفيش حد في الدنيا فرحان قدي إنها بعدت عنك أخيراً." اقتربت منه أكثر قائلة بدموع وألم: "ليه هي يا قصي؟ خدت منها إيه عشان تحبها كده؟ وأنا قدامك على طول بعشقك وبعشق التراب اللي بتمشي عليه وكل اللي هتطلبه مني هعمله، إنما هي حبيتها ليه وكل اللي خدته منها وجع." جلس بمكانه بوجع. أليس هذا كا كان يواجه به نفسه قبل أن تأتي إليه؟ هو دوماً من يعطي بتلك العلاقة، ماذا عنها هي؟
لما دوماً الإنسان لا يحب إلا من يجلب له الألم والحزن، في حين أن هناك من يتمنى منك نظرة فقط. اقتربت منه تحاوط وجهه بين يديها مستغلة حالة التيه المسيطرة عليه قائلة بتوسل: "حبني ربع الحب اللي بتحبه ليها بس يا قصي وأنا أعيش خدامة ليك طول عمري. أنا في حياتي كلها ما حبيت قدك ولا عايزة أحب غيرك، أنا من يوم ما وعيت ع الدنيا قلبي ملك ليك إنت وبس ورهن إشارة منك." نظر إليها بتوهان وعقل مشتت. لتتجسد أمامه صورة سيلين بدلاً منها.
ليجد نفسه يدفعها للحائط خلفها يقبلها بقوة، قبلة قوية ينتقم بها منها على الألم الذي تسببه إليه دوماً. مرت دقائق قليلة جداً. وكان سفيان يفتح باب مكتبه شاعراً بالصدمة عندما رأى الحماقة التي يرتكبها ابن عمه. فردد بحدة وغضب: "قصي إنت بتعمل إيه! ابتعد قصي عنها مصدوماً. بينما هي كانت في أشد سعادتها عندما فعل ذلك وظن عقلها الأحمق أنها استطاعت التأثير عليه.
جذبها سفيان بقسوة يليقها خارج المكتب ثم دخل مغلقاً الباب خلفه ينظر لابن عمه مصدوماً. سأله سفيان بصدمة: "ليه عملت كده يا قصي، ليه! تنهد قائلاً ببرود وكبرياء: "مش أنا خاين، خليني بقى أوريها الخيانة على حق." جذبه سفيان من مقدمة ثيابه قائلاً بغضب: "تثبت إيه وزفت إيه بدل ما تفكر في ابنك، ابنك اللي لازم يجي ع الدنيا يلاقي أبوه وأمه مع بعض." صرخ عليه قصي بغضب: "ارجعلها عشان ابني، طب واللي عملته فيا."
رد عليه سفيان بغضب مماثل: "ترجعلها عشان بتحبها وبتحبك، ترجعلها عشان ابنك، ترجعلها عشان إنت غلط زي ما هي غلطت." صرخ عليه قصي بغضب كبير: "أنا مغلطتش معاها في حاجة بالعكس دايماً هي اللي بتغلط وأنا بتحمل غلطها، دايماً أنا اللي بدي في العلاقة دي، سيلين دايماً معيشاني معاها في قلق مش واثق فيها." تنهد سفيان قائلاً بهدوء:
"اللي حصل لسيلين من راغب زمان وطلاقها وكلام الناس اللي كانت بتسمعه واللي عملته فيك زمان طبيعي تفقد الثقة في نفسها وإنك متستاهلهاش عشان كده طبيعي إنك تكون متوقع ده يحصل منها، المفروض كان دورك تطمنها مش تقولها الكلام ده." كاد أن يتحدث قصي فتابع سفيان سريعاً: "هي كمان غلطانة يا سيدي، اتسرعت في حكمها وما استنتش تسمع منك ونسيت كل اللي عملته وغلطت في الكلام اللي قالته ليك." تنهد قائلاً بهدوء:
"غلط وهي غلطت، روح ليها واتفاهموا وحلوا مشاكلكم سوا، اسمع منها يا قصي وفكر في ابنك." ردد بصوت مختنق: "متعملش زي يا بن عمي." ضرب قصي المقعد بقدمه قائلاً بغضب وصرامة: "مش مبرر، مش قادر أقتنع باللي بتقوله، ولو اقتنعت مش هقدر أسامحها على الكلام اللي قالته، سامحت أول مرة بصعوبة لكن دلوقتي مش قادر ولا حتى عشان خاطر ابني، المرة دي هشتري كرامتي يا سفيان مش عايزها! *** مرت ثلاثة أيام وكلاهما يتجاهل الآخر.
هو يعود ثم يدخل لغرفته على الفور ولا يخرج منها سوى للضرورة وهي نفس الشيء. يوصلها صباحاً لجامعتها بصمت ويعود يوصلها ثم يعود لعمله. هاتفتها لينا مساء اليوم. وما أن علمت أن الخصام بينهما مازال مستمر نصحتها برفق:
"ميان حبيبتي كده مينفعش، المشكلة مش هتتحل بالتجاهل، روحي اتكلمي معاه وقوليله إيه اللي ضايقك منه وإن مكنش قصدك، الموضوع خد أكبر من حجمه، كان يوم ما أسود يوم ما فكر يجيلي الجامعة يتكلم معايا، كان جاي عايز يصلح العلاقة معايا عشان أخوه فبوظ علاقتك مع فارس." تنهدت ميان بحزن ما أن أغلقت معها الهاتف. وبعد نصف ساعة من التفكير حسمت أمرها، يجب أن تتحدث معه. لينا محقة بالأخير، هي مدينة له باعتذار عن ما حدث ذلك اليوم.
بخطوات مترددة كانت تذهب لغرفته تطرق باب الغرفة. وما أن سمح لها بالدخول دخلت لتجده يجلس على الفراش يقوم بالعمل على حاسوبه. اقتربت منه قائلة بتوتر وهي تراه يعتدل ويبعد الحاسوب بعيداً لكنه لا ينظر إليها: "عايزة أتكلم معاك ممكن." أومأ لها بصمت فجلست بجانبه على الفراش تأخذ نفساً عميقاً قبل أن تقول بجدية: "كلامي ليك على فكرة كان من غضبي منك، بس مكنش قصدي أقوله." التفت إليها قائلاً بتهكم:
"المفروض مين اللي يغضب من مين، أنا عايز أفهم! رددت بخزي من نفسها: "أنا عملت حاجات غلطت عارفة بس كان ليا حق أتضايق لما أقولك اسمعني ومتسمعنيش." تنهدت بحزن ثم رددت: "كنت متضايقة عشان افتكرته، إزاي كنت بحكي ليه بس مكنش بيصدقني وأحياناً مكنش بيسمع مني، اتضايقت لما إنت عملت زيه وفضلت تلوم في." ردد بضيق من نفسه: "أنا عارف إني غلطت في الحتة دي، بس غلطي ده مش معناه إنك تقولي... قاطعته مرددة بخزى:
"يوم ما كان أهلي وأهلك هنا لما قولتلك متلمسنيش مكنش قصدي أي إهانة ليك." كور قبضة يده بغضب لا يخمد بداخله بسبب ذلك الموقف المهين له. لاحظت هي ذلك فمسكت يده بحرج قائلة بحزن وصوت مختنق وأعين تلمع بالدموع: "اللي حصل إني افتكرت الليلة دي والكلمة كنت بقولها ليه لما افتكرت اللي حصل، غصب عني يا فارس مش قادرة أنسى اللي حصل يومها." شدد بيده على يدها التي تمسك يده كمواساة. فتابعت بحزن:
"في اللحظة اللي إنت قربت فيها مننا هو كان لسه مقرب كمان مكلمنيش ولا كلمة ولا أنا كمان كلمته، ومش عايزاه كان جاي لينا يتكلم معاها هي وطلب يقعد معاها يتكلموا سوا، موجهش ليا أي كلمة قبل ما أسيبهم وأمشي لقيتك جا." ردد بعتاب وقلبه يتألم: "عشان كده بترددي اسمه وإنتي نايمة! نظرت له بتعجب فتابع هو بعد صمت: "يوم ما نمنا هنا سوا صحيت الصبح على صوتك وإنتي بترددي اسمه في نومك." نزلت دموعها قائلة بوجع:
"متفسرش الحاجة من غير ما تسألني يا فارس، مش كل حاجة بتكون زي ما بنشوفها ونسمعها، اسمه بردده وأنا نايمة مش حب، دي كوابيس بتطاردني كل ليلة بسبب اللي حصل، أنا مش بحبه ومش هينفع أفكر فيه تاني زي ما كنت الأول عشان مفيش حد بيحب اللي دبحه وعيشه الوجع ده كله، الشعور الوحيد اللي بحس بيه ناحيته هو الكره." رفع يده ليزيل دموعها لكنه أنزلها سريعاً قبل أن تلمسها متذكراً عهده أنه لن يلمسها بعد الآن إلا حين تطلب هي ذلك.
لكنها تمسكت بيده قبل أن ينزلها قائلة باعتذار: "متزعلش مني وحقك عليا اللي حصل مني يومها تصرف وحش جداً بس والله كان غصب عني، السبب مش منك إنت." ثم تابعت بخزى من نفسها: "كمان لما رديت عليك يوم ما رجعنا من الجامعة كنت متضايقة عشان مسمعتنيش، عارفة إن ده مش مبرر للي قولته وإن مكنش يصح أقول كده، حقك عليا متزعلش مني عارفة إن غلطي كبير." قاطع حديثها يده التي امتدت تزيل دموعها برفق قائلاً بابتسامة صغيرة:
"خلاص يا ميان أنا مش زعلان." نظرت له بشك قائلة: "بجد ولا كلام وخلاص، لو لسه زعلان مني قول و هيكون معاك حق." ابتسم قائلاً بصدق: "وحياتك عندي مش زعلان، بس المهم إنتي متكونيش لسه زعلانة مني، حقك عليا وبعد كده وعد هسمعك الأول قبل ما أتكلم، أصلي مش قد كلامك القاسي ده، يخربيت اللي يزعلك يا شيخة." قال الأخيرة بمرح فضحكت بقوة تمد يدها له قائلة: "خلاص صافي يا لبن." صافحها قائلاً بابتسامة جميلة: "حليب يا قشطة."
نظر لها مطولاً نظرة كانت تحمل الكثير. رأت فيها حاجته إليها، رأت كيف يكور قبضة يده يمنع نفسه من عناقها. توقفت قائلة بابتسامة صغيرة: "هسيبك تخلص شغلك بقى، تصبح على خير." قالت الأخيرة ثم غادرت وتركته ينظر لأثرها بابتسامة واسعة تزين ثغره وهو يتابع عمله على الحاسوب بذهن مشتت بالتفكير بها. *** ذهبت لغرفتها هي الأخرى تبتسم بسعادة وكأن جبلاً قد أزيل من فوق قلبها. لم تكن تعلم أنه يعز عليها حزنه منها.
كان الأمر في غاية البساطة لو تعلم هكذا لكانت حلت الخلاف بيومها. بدلت ثيابها للنوم ببجامة سوداء حريرية كما تفضل دوماً. وما أن دخلت لفراشها داهمتها نظراته وقارن عقلها على الفور بينه وبين سفيان. سرعان ما طردت تلك الأفكار بعيداً وخرجت من فراشها بخطوات مترددة نحو غرفته. طرقت الباب فسمح لها بالدخول. أغلقت الباب خلفها بحرج قائلة بخجل: "هنام هنا النهارده ممكن." أومأ لها بنعم على الفور وهو لا يصدق ما يسمع.
صعدت بجانبه على الفراش كان الاثنان يجلسان بجانب بعضهما. سألها بابتسامة واسعة سعيدة: "بتنامي في النور مطفي ولا والعة! رددت بحرج وخجل شديد: "مش بعرف أنام في النور، لكن لو إنت بتحبه خليه زي ما تحب، براحتك." رد عليها بابتسامة وهو يغلق الضوء بجانبه: "أنا كمان بحب أنام في الضلمة." أومأت له مدد الاثنان جسدهما على الفراش. مرت دقائق عليهما في صمت وتوتر. حتى حسمت ميان أمرها، ستفعل ما جاءت لأجله، لن تتراجع.
امسكت ذراعه وهو يراقبها بصدمة وتعجب. كيف أبعدت ذراعه واندست بين أحضانه تضع رأسها على صدره وتجعل يده تحاوطها مرددة بصوت خفيض خجلة مما فعلت: "تصبح على خير يا فارس." سعادة غمرت قلبه من فعلتها وتعالت دقات قلبه ومن المؤكد أنها استمعت لها. حاوطها بذراعه مردداً بحب وهو يضع قبلة صغيرة على رأسها: "وإنتي بخير، يا حبيبتي." قال الأخيرة بداخله بينما هي ابتسمت بخفوت.
كان الغرض من مجيئها هنا اعتذار على ما فعلت وبنفس الوقت تعطيه العناق الذي رأت كم يريده بعينيه. *** "صباح الخير." قالتها ميان بابتسامة صغيرة خجولة وهي ترى فارس يقف بالمطبخ يحضر طعام الإفطار. رد عليها الصباح ثم قال: "صباح الخير يا سكر، يلا حطي الأكل على السفرة." أومأت له وبدأت بتحويل الطعام على الطاولة ثم جلست وجاء هو. فرددت بحرج: "كنت صحيني أحضره إن." ردد بابتسامة:
"أنا حضرته وخلاص مفرقتش مين اللي عمل المهم إن إحنا بنفطر دلوقتي! أومأت لها فبدأت تتناول طعامها بصمت وهو يتأملها من حين لآخر بابتسامة عاشقة. ما أن انتهوا توقف قائلاً: "هشيل الأكل وأعمل حاجة نشربها، تشربي إيه! رددت بحرج: "ارتاح إنت أنا هشيل وأعمل حاجة نشربها." نفت برأسه رافضاً وفعلت هي المثل. فردد: "خلاص هشيل أنا الأكل وأعملي إنتي حاجة نشربها." أومأت له قائلة: "تحب تشرب إيه! رد عليها وهو يوليها ظهره: "قهوة مظبوط."
بعد دقيقتان دخل خلفها المطبخ ليجدها تقف على أطراف أصابعها تحاول جذب علبة القهوة من الرف العلوي لكنها لا تصل له. كان يقف خلفها يبتسم بزاوية شفتيه. وما يئست من أن تصل له تراجعت للخلف فاصطدمت بظهرها في صدره. كادت أن تبتعد لكنه تمسك بخصرها وبخفة رفعها لأعلى فالتقطت ما تريد. أنزلها ببطء وهو يشتم رائحة الياسمين المنبعثة من خصلات شعرها بهيام. ابتعدت بعيداً عنه بخجل وحرج شديد وبدأت بصنع المشروبات.
بينما هو بقى مكانه للحظات ثم خرج للخارج ينتظرها لتأتي. مرت دقائق طويلة وكانت قد جاءت وجلست بجانبه على الأريكة تسأله: "إنت عندكش شغل النهارده! رد عليها بابتسامة: "عندي أكيد بس متأخر شوية ساعة كده وهقوم أجهز." أومأت له قائلة وتلتقط كوب مسحوق الشوكولاتة الساخن الذي صنعته لنفسها: "خلاص هنزل في طريقك أروح أشوف ماما وبابا وبعدها هطلع الجامعة عندي محاضرة متأخرة شوية هبقى أروح أنا ولينا مع بعض."
أومأ لها بنعم وهو يرتشف القهوة مردداً بتلذذ: "تجنن تسلم إيدك." ابتسمت بخجل وسعادة كأي أنثى تسعد عند سماع المدح من الآخرين. نظر لساعة يده قائلاً: "اللي هتساعدنا في البيت هتوصل كمان نص ساعة متخافيش هي موثوق فيها وأنا مجربها قبل كده عرفيها المطلوب منها قبل ما ننزل." تعالى رنين جرس المنزل. ذهب ليفتح ليتفاجأ أمامه بخالته وابنتها. ردد بتعجب: "خالتي! أومأت له قائلة بابتسامة متكلفة:
"آه خالتك يا حبيبي مالك مصدوم كده، لو مش مرحب بيا أنا وبنت خالتك نمشين." نفى برأسه قائلاً بتهذيب: "متقوليش كده يا خالتو، البيت بيتك اتفضلوا! دخلت خالته للمنزل وخلفها ابنة خالته التي تدعى بسمر. تعجبت ميان من دخوله خلف تلك السيدتين. توقفت مكانها تنظر له بتساؤل ولم ترتاح لنظرات الاثنتين المتفحصة لها من أعلى لأسفل. طلب منهم الجلوس قائلاً بهدوء وهو يحاوط خصر ميان التي جلست بجانبه بعدم فهم:
"أقدم لك يا حبيبتي خالتي شهيرة وابنتها سمر وحضرتها تبقى مراتي وحبيبتي ميان." ردت شهيرة بعده بمكر وهي تنظر لميان: "خالتك وحماتك سابقاً يا حبيبتي." كور فارس قبضة يده بضيق في الخفاء لكنه كان ينظر إليها بنفس الهدوء. ثم مال على ميان قائلاً بضيق من نظراتهم التي لا ترحمها: "ادخلي غيري هدومك." أومأت له بصمت حيث كانت لا تزال ببيجامتها السوداء الحريرية منذ الأمس. استأذنت منهما ثم غادرت. وما أن دخلت للغرفة رددت شهيرة بعتاب:
"كده بردو يا فارس تروح تتجوز واحدة غريبة متعرفش أصلها من فصلها ويا عالم يمكن يكون وراها بلاوي وتسيب بنت خالتك مراتك اللي كان أولى ترجع لها! ردد بضيق وغضب: "خالتي البيت ده بيت مراتي وإنتي قاعدة فيه دلوقتي يبقى من الأصول إنك تحترمي صاحبه. مراتي مفيش في أخلاقها وأنا بندم إني اتعرفت عليها متأخر، يا ريتني شفتها قبل بنتك اللي ربنا كان رحيم بيا إني طلقتها وخلصت نفسي من الهم اللي كنت عايش فيه معاها." ردت خالته عليه بحدة:
"فارس اتكلم معايا بأدب وخد بالك من كلامك على بنتي مش هسمحلك." رد عليها بصرامة: "زي ما إنتي بتدافعي على اللي يخصك ومش قابلة عليه الغلط، أنا كمان زيك يا خالتي ميان مراتي تخصني أنا وهي واحد اللي يزعلها كأنه زعلني وإنتي عرفاني من زمان بندم أي حد بيفكر يزعلني أو يجي على اللي يخصني! تدخلت سمر قائلة بضيق:
"خلاص يا فارس مكنتش كام كلمة ماما قالتهم من ضيقها هي كان قصدها إن الأولى ترجع إنجي وتصلح العلاقة معاها، هي أولى من الغريب." قاطعه قائلاً بصرامة: "تقصد أو ما تقصدش مش هسمح بأي تلميحات أو غلط في مراتي وأظن كلامي مفهوم كويس." أومأت له بضيق وغيظ كبير كذلك خالته التي صمتت بكمد. خرجت ميان من الغرفة ترتدي بنطال جينز وتعلوه كنزة شتوية ذات لون زهري. نظراً لبرودة الجو هذه الأيام. تفحصتها سمر وشهيرة بامتعاض.
بادلتهم ميان النظرات بابتسامة مجاملة ولم ترتاح أبداً لكلتاهما. نظرت لساعة يدها قائلة بصوت خفيض لم يسمعه سواهما فقط وأعين الاثنتين تراقبهما: "ادخل إنت أجهز على ما أقدم حاجة ليهم." أومأ له ثم استأذن منهما وغادر. فسألتهما ميان: "تحبوا تشربوا إيه! رددت شهيرة بامتعاض وهي ترمقها بغيظ وغل: "شاربين يا حبيبتي." رددت عليها ميان ببرود: "زي ما تحبي حضرتك." رددت سمر بخبث:
"غريبة إن فارس سايبك كده بشعرك أصله بيحب البنت المحجبة ده لبسه لأختي إنجي غصب." كانت تستمع لها ميان بوجه خالي من التعابير. فتابعت شهيرة حديث ابنتها بخبث: "تلاقيهم بس عشان لسه متجوزين قريب، نصيحة مني يا حبيبتي أنا زي مامتك متتعلقيش بفارس أوي أصله بيحب إنجي وناوي يرجع لها." أومأت سمر قائلة بحزن واهي:
"مظبوط، كل الحكاية إنه بس اتجوزك عشان يغيظها كنوع من العقاب يعني، أصل الاتنين بيحبوا بعض أوي لولا بس الشيطان دخل بينهم بس طبعاً إنتي عارفة إن كل اتنين بيحبوا بعض مسيرهم في الآخر يرجعوا لبعض." تابعت شهيرة بمكر: "لو تشوفيهم مع بعض قد إيه حلوين وفيه انسجام بينهم، فارس طول عمره بيحبها وبيرتاح ليها." ضحكت ميان بسخرية وهي ترفع أحد حاجبيها وتضع قدم فوق الأخرى تراقب الاثنتين. واحدة تغني والأخرى ترد عليها. رددت سمر بحزن ومكر:
"إنتي ساكتة ليه أو إوعي تكوني زعلتي يا حبيبتي، إحنا بس قصدنا ننصحك وتزعلي دلوقتي أحسن ما تزعلي بعدين! رددت ميان ببرود: "هزعل من إيه، أنا واثقة في جوزي هو خدني من بيت أهلي وكان قد الكلمة اللي عطاها لأبويا إنه يحافظ عليا، ثم يعني حضرتك سؤال لو هو مرتاح مع بنتك وبيحبها أوي كده مرجعش ليها ليه." رددت سمر بغيظ: "ما قولنا عشان يعاقبها بعد ما الشيطان دخل بينهم واضطر يطلقها! ضحكت ميان بخفوت قائلة بتهكم وتصنع التفكير:
"بجد وإهو لسه فاكر يعاقبها بعد طلاقهم بكل السنين دي، طب إزاي قلبه استحمل يبعد عنها كل المدة دي طالما بيحبها." رجعت بظهرها للخلف قائلة بمكر: "بيتهيألي حضرتك كان لازم تشوفي فكرة أحسن من دي عشان تشككيني في جوزي قبل ما تيجي هن." رددت سمر بغضب: "إنتي بتقولي إيه يا بتاعة إنتي، اعرفي إنتي بتقولي إيه ولمين! ضحكت ميان قائلة بتهكم: "والله أنا عارفة أنا بقول إيه ولمين، بس إنتوا اللي شكلكم لسه مش عارفين بتتكلموا مينا."
أشارت لهما ثم تابعت بتهكم: "بلاش تستخفوا بذكائي، حضرتك بتغني وابنتك بترد عليكي وجايين عشان تخربوا بيتي وتشككوني في جوزي، وأنا بقى موتي وسمي خرابين البيوت! جاء فارس بتلك اللحظة قائلاً بتساؤل: "بتتكلموا في إيه! كادت سمر أن تخبره ما قالت زوجته وتشحنه ضدها. فرددت ميان بمكر: "مفيش يا حبيبي ده أنا كنت بتحايل عليهم يشربوا حاجة بس قالوا شاربين ولازم يمشوا عشان متأخرين." جزت سمر على أسنانها بغيظ وكذلك شهيرة
التي قالت بابتسامة زائفة: "فعلاً اتأخرنا ولازم نمشي يا فارس، أنا بس كنت جاية أبارك ليك ولعروستك وأعزمكم على فرح علي ابن خالتك يوم الخميس والدعوة أهي اتفضل فيها العنوان." ثم تابعت باعتذار: "زي ما إنت عارف مشغوليات الفرح بتبقى كتيرة، مشغول على الآخر لولا كده كان هيجي معانا النهارده مش هيتأخر عليك." أومأ لها فارس قائلاً بهدوء: "مبروك يا خالتي ربنا يتممله على خير."
شكرته بابتسامة متكلفة ثم غادرت برفقة والدتها وكلتاهما تشتعلان من شدة الغيظ. التفت فارس ينظر لميان مطولاً فخجلت من نظراته. ضحك بخفوت قائلاً بمشاكسة: "هو بعد حبيبي اللي قولتيها من شوية دي، يبقى فيه كسوف يا سكر! نظرت لساعة يدها قائلة بتهرب: "على فكرة هنتأخر، هي مش المفروض الست توصل من شوية ولا إيه!!! أومأ له برأسه قائلاً: "المفروض آه بس تلاقي الطريق زحمة." أومأت له بصمت. لحظات وتعالى رنين جرس المنزل.
ذهب ليفتح وبعدها دخل إليها وخلفه سيدة تبدو أنها في الأربعينات ذات وجه بشوش تدعى "رضا". استقبلتها ميان بابتسامة جميلة وبدأت تخبرها الأشياء التي تقوم بها. بعدها غادرت برفقة فارس الذي يتأملها طوال الطريق بحب. *** في نهاية اليوم ذهب ليأخذها من الجامعة. وبطريقهم سألته بتعجب: "ده مش طريق البيت، إحنا رايحين على فين! رد عليها بابتسامة وغزل:
"مش فرح ابن خالتي بعد كام يوم، هنشوف فستان حلو لما تلبسيه يحلو أكتر وبدلة ليا ولو ناقصك أي حاجة نشتريها ونجيب اللي ناقص البيت." أومأت له بخجل من غزله فابتسم عليها. بعد وقت كان يمشي بجانبه داخل أحد المولات الكبيرة. دفعها برفق لداخل أحد المتاجر الخاصة بالفساتين. توقفت أمام أحد الفساتين ذو اللون الأبيض بدون أكمام ينزل باتساع لأسفل ومرصع بحزام رفيع يتدلي منه نجوم لامعة باللون الذهبي لا يشوبه شائبة.
لكن عيبه الوحيد أنه ظهره من الخلف بأكمله مكشوف وعبارة عن عدة خيوط رفيعة معقودة على هيئة أنشوطة. وقف بجانبها فرددت بأعجاب: "حلو أوي ولونه كمان جميل." ابتسم قائلاً بمشاكسة: "هو من ناحية حلو فهو حلو بس لو هتلبسيه ليا لوحدي إنما لو عايزة تمشي بيه كده فهو ممكن بس في حالة واحدة بس." نظرت له بتساؤل فردد بسخرية: "في حالة لو ماشية مع سوسن يا روحي." ضحكت بخفوت قائلة: "مش هقبل أمشي بيه أصلاً بس شكله عجبني أوي."
أومأ له بصمت فبدأت تشاهد غيره حتى وقعت عيناها على فستان آخر ذو لون أسود. كادت أن تقترب منه فسبقها فارس قائلاً بسخرية: "كفاية أسود من ساعة ما شوفتك دايماً لابسة فساتين سودا ما عدا يوم فرحنا الحمد لله قدر ولطف كنتي لابسة أبيض." ضحكت بخفوت قائلة: "بحب اللون الأسود في الفساتين وبعدين أول أشوف رجالة مش بتحب اللون الأسود." ضحك قائلاً بفخر:
"إحنا نختلف عن الآخرون يا حبيبتي عندك أنا مثلاً بحب اللون الأبيض هو بحب الأسود آه بس الأبيض في القمة عندي." رددت بخجل دون النظر له وهي تتفحص أحد الفساتين المعلقة: "الأبيض حلو وبيليق عليك أصلاً." ابتسم بتوسع وتابع الاثنان البحث عن فستان لها ليستقروا بالأخير على فستان ذو لون زهري فاتح فاتح طويل وبحمالات عريضة مزينة بورود جميلة. كان بسيطاً ورقيقاً جداً. عندما جاء ليحاسب تفاجأت بالعاملة تضع الفستان الذي أعجبها.
قطبت جبينها قائلة: "إحنا اخترنا الفستان ده بس مش... قاطعها قائلاً بابتسامة: "أنا قولتلها تجيبه مع ده." صمتت لحين خرجوا من المتجر فسألته بتعجب: "أنا مش هلبسه أصلاً يا فارس، ليه اشتريته! ردد بابتسامة حب: "كفاية إنه عجبك." صمتت بخجل ومشيت بجانبه بصمت. ليأتي الدور عليه كان ينتقي بدلة خاصة به. وبالرغم إنه كان يريد اختيار قميصاً ذو لون أزرق داكن عدل عن اختياره وأختار ذو لون أبيض. انتقى بعدها عدة ملابس له وكذلك فعلت هي.
وبعدها ذهب الاثنان للسوبر ماركت ينتقوا بعض الأغراض الناقصة للمنزل. جلس بجانبها بأحد المطاعم يتناولون الطعام فسألته بفضول: "هي طليقتك يا فارس كانت محجبة." أومأ لها قائلاً بتعجب: "آه بتسألي ليه! حركت كتفيها قائلة بنبرة عادية: "فضول مش أكتر." ثم تابعت بتساؤل: "طب إنت اللي أجبرتها تتحجب لأنك بتحب مراتك تكون محجبة! تنهد قائلاً بهدوء:
"أكيد لأ، إنجي محجبة أصلاً من قبل ما نتجوز والدها الله يرحمه متشدد شوية في الأمور دي لدرجة إنه خلالها تتحجب وهي في ابتدائي رغم إننا حاولنا معاه كتير بس مفيش فايدة." سألته بتوجس: "يعني إنت مفرضتش عليها الحجاب." تنهد قائلاً بابتسامة ليطمئنها: "ميان في أمور مينفعش فيها الإجبار، هو آه أنا حابب جداً إن مراتي تكون محجبة، بس الحجاب لازم يكون عن اقتناع من جوه البنت مش حد يفرضه عليها.
يعني مثلاً أنا كنت في الجامعة بشوف بنات تلبس الطرحة وهي مروحة وطول اليوم بشعرها ولا كأنها في حنة بنت خالتها ده ليه بقى عشان هي انجبرت عليه فبالتالي مش مقتنعة بيها." أومأت له بابتسامة صغيرة وقد تأكدت من نوايا تلك المرأة أنها تكذب. فقد استمعت لحديثها مع فارس في الخفاء وكيف تحدثت عنها وتلومه لأنه فضلها على ابنتها ولم يعد إليها. بعد وقت كان الاثنان يدخلون من باب المنزل. أخذت منه الحقائب الخاصة بها ودخلت لغرفتها قائلة له
بابتسامة جميلة أسرت قلبه: "اليوم كان جميل أوي يا فارس انبسطت جداً، تصبح على خير." كم أراد أن يخبرها أنه جميل لأنها كانت جزءاً منه لكنه اكتفى بتمني ليلة سعيدة لها ثم دخل لغرفته يرتمي بجسده على الفراش يحتضن الوسادة التي تحمل رائحتها الجميلة. كم تمنى أيضاً أن تأتي اليوم أيضاً تشاركه ذلك الفراش البارد وتضع رأسها على صدره تستمع لدقات قلبه الذي تملك نبضاته. *** جاء يوم الزفاف في المساء.
خرج من غرفته وهو يرتدي ساعة يده ليتجمد جسده بأكمله عندما رأها تخرج من غرفتها بطلتها التي تسلب الأنفاس من رقتها وجمالها وخصلات شعرها التي صففت بعناية وتنساب بنعومة خلف ظهرها وزينته بسلسال ماسي رفيع ولمحة خفيفة من مستحضرات التجميل. عندما طال صمته وتحديقه بها سألته بتوتر: "شكلي مش حلو ولا إيه! ابتلع ريقه بصعوبة مردداً بهيام وهو يقترب منها حتى أصبح يقف أمامها: "ما قولتهالك قبل كده، في جمالك مشوفتش."
حاشت النظر النظر له بخجل فمسك يدها برفق يجذبها خلفه لغرفته فسألته بتعجب: "فارس إنت واخدني على فين! لم يرد عليها فقط جعلها تقف أمام المرآة وهو خلفها يخرج من جيب سترته علبة قطيفة سوداء ليظهر بداخلها قرط جميل ماسي. أزال ما ترتديه ثم البسها إياه ببطء متعمد النظر لداخل عينيها في المرآة حتى خجلت منه وتحاشت النظر إليه. ابتسم عليها قائلاً ما أن انتهى يمد يده إليها حتى تتمسك بها: "يلا نمشي."
أومأت له بابتسامة جميلة وهي تضع يدها بيده فجذبها برفق للخارج وعيناه لا تتوقف عن النظر إليها وقد فتنته بسحر جمالها. *** كان الزفاف كبيراً يضم أفراد عائلته بأكملهم. تفاجأت ميان بوالديه وابن شقيقته الصغير حضروا فقد جاءوا من السفر على الزفاف مباشرة. قام الاثنان بتهنئة العروسين. ليشاكسه ابن خالته "عمرو" بصوت خفيض: "شوف يا أخي بالرغم إن إنجي أختي بس شكلك هتكون موفق في الجوازة دي، طول عمرك بتقع واقف حظك بس خاب مع أختي."
لكزه فارس بذراعه بغيظ ثم جذب ميان والتفت ليغادر. ليتفاجأ هو وهي أمامهم بسفيان يقف خلفهم. صافحه عمرو مردداً بابتسامة واسعة: "نورت الفرح يا عم سفيان، عاش من شافك." نظر فارس لابن خالته بغيظ وغضب كبير. ليعرفهم على بعضهم قائلاً: "فارس الحسيني ابن خالتي ومراته ميان، وحضرتك تبقى سفيان العزايزي فيه بينا شغل كتير من زمان." حاوط فارس خصر ميان مقرباً إياها منه وهو ينظر لسفيان بغيرة كبيرة. كذلك يفعل الآخر.
وضعت ميان يدها على يد فارس التي تحاوط خصرها تبتسم له متجاهلة النظر لسفيان الذي يركز بصره على يد الآخر التي تحاوط خصرها يريد قطعها. جاءت والدة فارس من الخلف عندما لاحظت حرب النظرات بينهما والجو الذي أصبح مشحوناً قائلة بمرح وهي تجذب ميان نحوها: "هاتيلي مرات ابني القمر دي أعرفها على باقي قرايبنا، دي من ساعة ما دخلت وعينهم هتاكلها، ما شاء الله عليها زي القمر." غادر فارس معهما وعمرو متعجباً مما حدث ولا يفهم شيئاً.
الاثنان وكأنهما بحرب وسيقتلان بعضهما. كور سفيان قبضة يده بغل وغيرة كبيرة وهو يراها تتجول معه بالزفاف هنا وهناك وتبتسم بسعادة. كان يقف بجانب والديه وخالته فاقتربت منه سمر قائلة بمكر لفارس متجاهلة ميان تماماً: "منور الفرح يا فارس." جذب فارس ميان من خصرها لتكون قريبة منه مردداً بنظرات محبة وقد تعمد إغاظة الأخرى لأنها تجاهلت زوجته: "أنا بنور دايماً، بنور مراتي، فلو الفرح منور بيا زي ما بتقولي يبقى الفضل ليها."
كانت إنجي قد جاءت واستمعت لما قال فأقتربت منه مرددة بصوت رقيق معاكساً للغيرة التي تنهش قلبها والحقد تجاه ميان: "فارس ليكي وحشة." ثم اقتربت منه تقبل وجنتيه برقة فابتعد على الفور بعدما باغتته بتلك القبلة. بينما ميان رفعت حاجبيها بصدمة من جرأة الأخرى. رددت والدة فارس بضيق: "ميصحش كده يا إنجي، فارس مبقاش جوزك عشان تبوسيه كده احترمي إن إحنا واقفين واحترمي الحجاب اللي إنتي حطاه على راسك." ردت عليها إنجي بمكر:
"مش قصدي يا خالتو أنا بس متعودة على كده من زمان وبعدين فارس أكيد عارف إن إني مقصدتش وإن اللي حصل تعود مش أكتر، إلا بقى لو مراته بتتضايق." ثم نظرت لميان قائلة بحزن زائف: "متزعليش نفسك يا حبيبتي بس خليكي عارفة إن اللي حصل ده بس عادي مش قصدي حاجة كده ولا كده، فارس مبقاش جوزي آه بس ابن خالتي في الأول والآخر." ضحكت ميان بسخرية ولم تجب عليها بل ركزت نظراتها داخل عينيها بقوة. ثم نظرت لحذائها فتوترت الأخرى
وشعرت بالارتباك قائلة: "إنتي بتبصيلي كده ليه، هو كلامي مش عاجبك، اتضايقتي منه." ضحكت ميان بسخرية قائلة لفارس متجاهلة الأخرى تماماً مما أثار حنقها وغيظها: "تيجي نرقص الأغنية دي تحفة أوي." أومأ لها وهو يبتسم بزاوية شفتيه وقد فهم ما تحاول فعله. فجذبها من خصرها للمكان المخصص للرقص يحاوط خصرها بيديه وهي بدورها أحاطت عنقه بيديها تتمايل معه على أنغام الموسيقى. ردد فارس بصوت خفيض هائم وهو ينظر لداخل عينيها الجميلة:
"سبحان من خلق الجمال وجملك." ابتسمت بخجل وهي تنظر للأسفل. ليجد نفسه بتلقائية يقبل جبينها بحب. لم تمانعها ميان كاذبة إن قالت إن بداخلها تريد إثارة غيرة الآخر وجعله يشعر بالقهر كلما رآها سعيدة وأنها تخطته. تريده أن يتألم مثلما جعلها تتألم. سعيدة وهي ترى بطرف عينيها كيف يعلو ويهبط صدره بانفعال متمالكاً نفسه بصعوبة. لكن سعادتها معكرة حيث يتعالى ذلك الصوت بداخلها يخبرها "ما ذنب فارس!
كان هناك العديد من العيون تتابعهم بغيرة وحقد. من بينهم سفيان الذي أخذ يضغط على الكأس بيده حتى انكسر وبدأت الدماء تنساب من بين يديه. يريد أن يغادر لكنه إن غادر لا يعرف متى سيراها وقد بلغ اشتياقه لها عنان السماء. إن أراد رؤيتها عليه أن يتحمل النيران المشتعلة بصدره وهو يراها برفقة ذلك الحقير من وجهة نظره. فقد اختطفها منه. ضحك بسخرية مريرة. الزمن يعيد نفسه كل ما فعله بها قديماً يرد له الآن أضعافاً مضاعفة.
بعد أن انتهت الرقصة ذهبت لتجلس برفقته. لكنها توقفت ما أن استمعت لأحدهم ينادي عليها. التفت الاثنان لتتفاجأ بآخر شخص متوقع رؤيته هنا: "أياد! أومأ لها قائلاً بابتسامة واسعة: "أخبارك إيه يا بنتي اختفيتي فجأة إنتي والبنات مبقتش أشوفكم غير صدفة. لكِ وحشة، أحم قصدي ليكم وحشة." رفع فارس حاجبيه وهو يشتعل من الغيرة. ليتابع الآخر بصوت بدا حزيناً لكن الفرحة تتراقص بداخل عيناه:
"أنا كلمت لينا من فترة لما كنت بره مصر قالتلي إنك اتجوزتي من اللي اسمه سفيان ابن خالك واتطلقتي." ثم تابع بصوت خفيض وصل لمسامع فارس ليزيد من غيرته وغضبه أكثر: "الحمد لله يعني! ردد فارس بحدة وهو يحاوط خصرها بيده: "مين القمر ده! رددت ميان بتوتر: "ده أياد كان زميلي أنا ولينا وهمس في الجامعة بس هو اتخرج خلاص." قطب أياد جبينه وهو يرى يد ذلك الغريب تحاوط خصرها فسأل هو الآخر بتوجس وغيرة:
"مين حضرته يا ميان وإزاي يحط إيده عليكي بالشكل ده! اقترب منه فارس ومثل أنه يهندم له بدلته من الأمام. لكن بلحظة كان يجذبه من ياقته مردداً بصوت غاضب وشرس: "حضرتِ أبقى جوزها وأحط إيدي مكان ما أحط، القمر ماله بقى يخصه في إيه! ردد أياد بصدمة وحزن ظاهر بوضوح: "جوزها! ثم أبعد أياد يده عنه متابعاً بغضب وحزن ظاهراً بوضوح على
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!