تحميل رواية «بشرية أسرت قلبي» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فاتنازيا رومانسي، رواية ورقية نزلت عام 2020
بشرية أسرت قلبي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل السادس..
(وخفق القلب!..)
استقر هبوطه على كوكب الأرض، فأبعد يديه عنها ومن ثم وقف يتأمل تأثرها بالمكان باهتمامٍ شديد، اندهشت "ألماندين" حينما وجدت ذاتها بمكانٍ يحيطه البشر من جميع الاتجاهات، فقالت بذهولٍ:
_ماذا يحدث؟ أين أنا؟
طاف من حولها وهو يتأمل ذعرها وتشتتها ببسمةٍ صغيرة، ومن ثم استقرت قدميه من أمامه، ليقول بثباتٍ عجيب:
_هنا، بعالم البشر تحديداً.
ثم قدم يديه لها ليسترسل بنوعٍ من السخريةٍ:
_أردت أن أريكِ بنفسي كم هما أناس خطيرة.
حافظت على ثباتها وهي تجيبه:
_بإمكاني تتبعك.
_أخشى أن أفقدك فحينها لن أتمكن من مساعدتك للعودة.
منحته نظرة نافذة، فلم يكن بيدها أي إختيارات بديلة، أمسكت بيديه فحاوط خصرها ليتخفى بها سريعاً ليظهر مجدداً بمنتصف المدينة، حيث الازدحام يملأ المكان من حوله، راقبت "ألماندين" أوجه المارة باهتمامٍ، فصفنت بما تراه باستغرابٍ، كانت تظن بأنها ستجد ملحمة دامية فيما بينهما؛ ولكن رأتهم محايدون، يخطو كلاً منهما جوار الأخر وهو يبتسم بوش بعضهما البعض، ظلت هكذا لدقائق معدودة يصطحبها "ديكسون" من مكانٍ لأخرى ترى فيه السلام يتفشى فيما بينهما، ومن ثم حملها بين ذراعيه ليخطو مئات المسافات بسرعته الفائقة، ليصعد بها فوق أعلى القمم بُرج خليفة (Burj Khalifa حيث يبلغ ارتفاعه الإجمالي 829.8 مترًا، أعلى بناء شيّده الإنسان وأطول برج في العالم)، حملها حتى وقف على السياج ليجعلها تتأمل المكان من الأعلى، استحوذت الدهشة على تعابيرها، فرددت بتلقائية دون أن تعي حالتها العجيبة:
_مذهل!
ابتسم "ديكسون"، ليردد وعينيه تحيط بها:
_أجل.
انتبهت لذاتها فابتعدت عنه قليلاً، ومازالت تتأمل هذا الجمال الذي يطغى على المباني المشيدة بحرافيةٍ عالية، حتى القمر بدى لها غريب عن لونه المعتاد بعالمها، شق صوته غبار الصمت:
_أراكِ مستمتعة بالبقاء بعالمهم!
انتقلت نظراتها إليه، لتخبره باستغرابٍ:
_بلى، ولكني لا أرى مشاحنات بينهما مثلما أخبرتني أنت.
سحب نظراته من لقاء عينيها الفيروزية ومن ثم تطلع لما يقابله من منظر بديع:
_هنا لا يوجد سوى الحب والتسامح، أتعلمين حينما أرغب بالاسترخاء أتي إلى هنا حتى أشعر بالسلام النفسي وأنا أخطو جوارهما.
وتنهد وهو يقول:
_ كثيراً ما أتمنى العيش كبشري بعيداً عن تلك الصراعات والحروب التي لا تنتهي.
بدت مندهشة مما تستمع إليه، فاسترسل:
_رأيت بعينيكِ كرهاً شديداً تجاه البشر فأتيت بكِ إلى هنا لأريكِ كم هما كائنات مسالمة، ربما تتغير نظرتك تجاهي.
دنت منه ثم ربعت يدها أمام صدرها، قائلة بشراسةٍ:
_لن يغير شيئاً من العداء الذي يجمعني بك.
رفع يديه ليعبث بخصلة من خصلات شعرها الرمادي الطويل بابتسامةٍ أسبلت أغوارها:
_حسناً، فلتخبريني إذاً بما فعلته علني أتمكن من تخفيف وجعك.
بللت شفتيها بلعابها، فتراجعت للخلف بارتباكٍ:
_أريد العودة.
رفع حاجبيه بمكرٍ:
_ليس الآن.. فربما إن أخبرتني بإسمك سأفكر بالأمر.
قبضت على معصمها بعنفٍ، فجلس "ديكسون" على حافة السياج يتأملها ببسمةٍ انتصار، مر الوقت ومازال يتأملها بابتسامةٍ جعلتها تجز على أسنانها بغيظٍ، وخاصة حينما أُجبرت على أن تردد باستسلامٍ:
_"ألماندين".
اتسعت ابتسامته وهو يردد باعجابٍ:
_بالطبع سيكون اسمك مميز مثلك أنتِ.
أخفت ارتباكها بتمكنٍ:
_هل يمكننا العودة الآن؟
أبعد جسده بعيداً عن السور ومن ثم مد يديه إليها، فقدمتها له على مضضٍ، ارتفع بها ببطءٍ وكأنه لا يريد العودة بها، يود لو ظل يتأملها هكذا حتى أخر عمره، ولكن لكل نقطة بداية نهاية فوصل لنهايته حينما وصل لعالمهما، تركت "ألماندين" يديه ومن ثم نادت بصوتها عالياً:
_"كاديان".
ظهرت فور سماعها ليتضاعف حجمها أضاعفاً، فأستلقت الأخرى فوق ظهرها، أسرع "ديكسون" خلفها ليردد بملامحٍ واجمة:
_سأراكِ مجدداً؟
رفعت رأسها ورشقته بنظرةٍ نارية:
_حينها ستكون بعداد الموتى.
وغادرت لتتركه مبتسماً بتسليةٍ، فبعدما رأت قوته وما يتمكن من فعله بعينيها مازالت مصرة أن تتحداه مجدداً!
*******
بالرغم من عدم اقتناعها بما تفعله ولكنها أرادت أن تبذل ما بوسعها لاسترجاعه، ليتها تعلم بأنها لم تحصل عليه من البداية حتى تسترجعه الآن، قضيت "إريكا" ليلها بأكمله تتحدث مع "جوردن" الشاب الذي تعرفت عليه بالملهى الليلي، شعرت بالاستياءٍ من تدخله الملحوظ بتفاصيل حياتها؛ ولكنها أرغمت على تنفيذ وصايا صديقة السوء بأن ترسم دور العاشقة الحالمة علها تتمكن من تنفيذ أول مخططاتها.
********
بددت الشمس ظلام الليل لتمنح بأشعتها الدفء والأمان، فاستعدت "روكسانا" للهبوط للأسفل علها تتمكن من رؤية ابنها، انعقد حاجبيها بدهشةٍ حينما استمعت للمشاحنة المتبادلة بين "ضي" و"إيمون" وخاصة حينما صاحت به بانفعالٍ:
_أخبرني ما الذي أصابك؟
مرر يديه على أنفه بعصبيةٍ:
_لا شيء أمي أنا فقط لا أشعر بالجوع!
تركت "ضي" الطعام من يدها:
_منذ الأمس وأنت لم تتناول شيئاً وتخبرني بأنك لست جائعاً!
زفر بغضبٍ:
_هل إرتكبت جريمة لعدم حاجتي للطعام، أرجوكِ أمي كفى لقد سئمت الحديث بذلك.
ثم تركها وكاد بالمغادرةٍ فلحقت به "روكسانا"، استوقفته حينما نادته، فاستدار ليكون مقابلها، لينحني بوقارٍ:
_صباح الخير مولاتي.
رفعت يدها على كتفيه بحنانٍ:
_صباح الخير"إيمون"، كيف حالك؟
قال وهو يجاهد لرسم ابتسامة صغيرة:
_بخير حال.
بعدم إقتناع قالت:
_لا أرى ذلك، أخبرني ما الذي تحاول إخفائه عن"ضي"؟
تطلع لها بحزنٍ شعرت به من لهجة صوته البائسة حينما قال:
_كيف سأقنعها بأن هناك آلآم تسيطر على جسدي بالدرجة التي تمنعني بالشعور بالجوع أو الظمأ؟
واستكمل ببسمةٍ ألم:
_ليتني أتمكن من نسيان كل ما هو مؤلم لقلبي..
ومن ثم أخفض رأسه ليستأذن بالإنصراف، فعادر سريعاً لمملكته خشية من أن يكتشف أحداً ما به، ربما لا يعلم بأن شكوك"روكسانا" تأكدت بتلك الكلمات المختصرة..
******
بمملكة الحوريات.
تمددت "ألماندين" على فراشها الوثير، ثم أخذت تعبث بخصلات شعرها الرمادي بشرودٍ، تأبى ذكريات الليلة الماضية تركها، تعاد من أمامها بأدق تفاصيلها وكأنها تود أن تخلق شيئاً بداخلها، تفتت الأحجار المكورة على هيئة حاجز يصنع لها مكان خاص منعزل عن القصر، وجدت الملكة "رودوليت" أمامها فنهضت عن محلها ثم انحنت للأمام قليلاً لتؤدي تحيتها بوقار، فقالت الأخرى:
_كنتِ برفقته أليس كذلك؟
دقت ذكراه بابها، فتماسكت وهي تجيبها بثباتٍ:
_أحاول التقرب منه حتى تسنح لي الفرصة بقتله.
تأججت حطام الماضي بداخلها ليدفعها بكرهٍ:
_سأقتص منه حتى أخر أنفاسي.
نظرة غامضة طافت بأعين الملكة التي تشاهد برمق عينيها حق شقيقاتها يعود دون أن تتسخ يدها بالدماء، وربما خطوة إضافية لتحقق هدفها الغامض!
********
بالمختبر..
لم تفقد "روكسانا" شغفها الكلي بالوصفات الطبية التي تساعد بها شعب المملكة، فكانت تعاون "ضي" على إبتكار أنظمة أدوية مشابهة لما كانت تصنعها من قبل، فربما جرعات مكثفة تكفي لشفاء شعبها، انتهت من اعداد فصيلة جديدة من هذا النوع الفريد ومن ثم أبعدت الجهاز عنها لتحدث ذاتها بابتسامةٍ واسعة:
_رائع!
_كل شيئاً تعدينه رائعاً.
استدارت تجاه الصوت بسعادةٍ:
_"ديكسون"!
جلس على حافة أحدى الصخور ليحيها برسميةٍ:
_فلتحيا ملكة السراج الفاتنة.
ابتسمت وهي تشير له بمشاكسةٍ:
_أهلاً بك أيها الحاكم العظيم.
قال وأصابعع تعبث بالعشب الأخضر القريب منه:
_هل لي بمعرفة ماذا تفعل أمي؟
أجابته ساخرة:
_كالعادة أستغل غياب "ضي" لصنع دواء جديد.
ابتسم وهو يحذرها بمرحٍ:
_حسناً، هل سيتطلب الأمر الهروب للأرض حتى تنتهي عواقب هذا الاختراع!
خلعت القفازات عن يدها قائلة:
_لا لن يستدعي ذلك.
ثم جففت يدها قائلة:
_ولكن التنقل لعالمي هو الأمر الجيد، لذا كن على استعداد.. غداً ستصطحبني للأرض اشتاقت ل"كيفن" و "لينا".
عند تذكرهما انقلبت ملامحه بصورةٍ ملحوظة، فاقتربت منه"روكسانا" لتتساءل بخبث:
_أخبرني "ديكسون" ما الذي حدث بينك وبين "إريكا" بالتحديد؟
قال مندفعاً:
_لم يحدث بيننا شيئاً، أخبرتها فقط أنني أراها مثل "إيرلا".
فهمت مغزى ما يلقيه على مسمعها، فقالت بحزنٍ شديد:
_ليتها تعلم ما الذي تركته خلفها دون أن تتمكن من الشعور به!
**********
أسفل أمواج البحر الهائج غرق "إيمون" بدوامة ينسجها الألم من خيوط العشق الممزق، يتمنى لو كان هو خيارها الأول، يعلم بأنه مختلف عنها بالشكل والجنس لذا من الطبيعي حبها وإختيارها لديكسون كونه يماثل البشر بشكلٍ كبير،تبك الغيوم السوداء ابتلعته لدرجة جعلته معزول عن سماع ما يحدث من حوله، حتى "أركون" تعجب حينما لم يشعر بوصوله لمكانهما السري، جلس جواره ليناديه من جديدٍ:
_"إيمون"!
عاد لواقعه فتساءل بدهشةٍ:
_"أركون" متى أتيت!
أجابه ساخراً:
_كيف ستشعر بقدومي وأنت تائه بعالمك الوردي!
عاد ليمرر حجر الشَادَنج (حجر الدم) على أطراف سيفه الحاد ليضمن تحكمه بمهارات استخدمه، ضيق "أركون" عينيه باستغرابٍ لإستسلامه السريع من الردود، فقال بجديةٍ تامة:
_هل أنت على ما يرام؟
كان يود الحديث عما يضيق بصدره، ود لو طرح ما يحزنه بصدقٍ من دون خوف:
_لست بخير "أركون"، فمن أحببتها بصدقٍ أحبت شخصاً عزيز على قلبي.
واستطرد بغصة مريرة:
_كنت أعلم بأنه لا يحبها وأخشى أن أصارحها بذلك، كنت أعلم بأن الحقيقة ستؤلمها وبأن ذاك اليوم سيأتي بالتأكيد ولكني لم أتمكن من تخفيف آلامها.
بلل "أركون" شفتيه بلعابه وهو يسأله بشكٍ:
_تلك الفتاة هي "إريكا" أليس كذلك!
أومأ برأسه بحزنٍ، فشدد على كتفيه بضغطةٍ قوية وهو يخبره بثقةٍ:
_ربما سماعها لذلك منه يجعلها تعيد حساباتها من جديد.
أجابه بشرودٍ:
_ربما.
********
استيقظت باكراً ثم تسللت للأسفل سريعاً علها تتمكن من رؤياه، فبنهاية الأمر امتلكت شجاعة الاعتراف بالحب الذي تسلل بداخلها تجاهه، سلكت "إيرلا" الطريق المؤدي لجناحه ومن ثم تفحصت المكان جيداً قبل أن تتخفى لتظهر بداخله، بحثت عنه جيداً فوجدت ستار ضخم مرئي بأحدى زوياه، اقتربت بحرصٍ شديد لتتخطاه ومن ثم أصبحت بالداخل، شعر بوجودها فأمر الأوربوروس بالإنصراف سريعاً، فهي سره الخفي التي تساعده على معرفة ما يحدث من حوله، انتابه الفضول لمعرفة هذا الشجاع الذي اقتحم جناحه بتلك الطريقة، فتفاجئ بها تبحث عنه بعينيها المتلهفة لرؤيته، ظهر من أمامها بصورةٍ مفاجئة، فارتدت للخلف قائلة:
_أفزعتني!
رفع حاجبيه بسخطٍ:
_هل كنتِ تتوقعين رؤية أحداً أخر بجناحي!
بدت حمقاء بعض الشيء، فعبث بخصلات شعرها الطويل كمحاولة بائسة من الهروب من حصاره الذي يضعها بخانة محرجة للغاية فأنتقت كلماتها لتخبره بها بتوترٍ :
_كنت أود شكرك على ما فعلته بالأمس.
جذب سيفه المعدني ليضعه بثيابه الملكية ومن ثم دلف لجناحه، فلحقت به لتستمع لكلماته الساخرة:
_كم مرة ستقدمين على شكري "إيرلا"؟
رغم السخرية البادية بحديثه الا أنها ابتسمت بهيام حينما نطق اسمها لأول مرة، فهمست بتلقائيةٍ حالمة:
_ليتك تردد اسمي حتى أمل من سماعه!
استدار تجاهها فور سماعه لكلماتها التي ظنتها غير مسموعه، لعقت شفتيها بخجلٍ فتصنعت انشغالها بتأمل جناحه، جلس" سامول" باسماً على حافة الفراش القاسي ليستكمل إرتداء ملابسه، ثم تساءل بحذرٍ شديد:
_عاقبك "لوكاس" حينما علم بشأن زيارتك لزمرد فماذا لو علم بإقامتك هنا!
ردت عليه بابتسامةٍ ساخرة:
_لن يعنيه الأمر كثيراً..ولي عرش المملكة هو الذي يسترعى انتباهه هو وزوجته الملكة.
كلماتها المختصرة أوحت لسامول بأن هناك ما يعيق العلاقة التي تربطها بأخيها، انتهى من ارتداء القفازات الفضية ومن ثم نهض ليصبح مقابلها، فقال بصلابةٍ:
_ألن يناسبك العرش حتى تختاري الانسحاب!
أجابته بوجعٍ:
_لم تسنح لي فرصة الاختيار "سامول"، كانت من حق أمي، أراها حيلة ذكية منها حتى تبعدني عن العرش.
قال باستغرابٍ:
_وكيف للملك أن يوافقها في مثل هذا الأمر!
_عله يراني لا أستحقه هو الأخر.
قالتلها بقهرٍ يندس بحديثها المرح، فانتبهت اليه عندما دنا ليصبح مقابلها، يطالعها باهتمامٍ شديد، فتحرك فكيه ناطقاً:
_ولعل هذا الأفضل إليك ِ، فأنا أراكِ جميلة ناعمة لا يليق بكِ خوض تلك الحروب السياسية.
وإن كان حديثه غير مستحباً لها، ولكن راق لها تغزله الصريح، فأكتفت برسم بسمة صغيرة على وجهها، ومن ثم أسرعت بالخروج قبل أن تفقد التحكم بمشاعرها الفياضة تجاهه.
********
حملت"روكسانا" الطعام بنفسها لجناح ابنتها، فحركت الباب بصعوبةٍ بالغة، فجسدها البشري هزيل يعجز طاقتها أمام باب هكذا، فمنذ اليوم الذي وّلد به "ديكسون" وهي اعتادت على عودة طاقتها البشرية الضيئلة، فتحته بصعوبةٍ ومن ثم ولجت لتبحث عنها بذعرٍ حينما لم تجدها بالجناح بأكمله، فصرخت بصوتها بأكمله:
_"إيرلا"، ابنتي!
طاف بعقلها عدة أفكار كلاهما أصعب من الأخر، انساب الدمع على عينيها، فلم تجد مفر من اللجوء إليه، لذا رفعت صوتها تستعيده:
_"لوكـاس"
ظهر كيانه أولاً ومن ثم تشكل أمامها، ليسألها بدهشةٍ حينما وجدها تبكي:
_ما الأمر "روكسانا"؟
بصوتٍ شاحب من البكاء قالت:
_" إيرلا" ليست هنا.
قوس جبهته بتعجبٍ:
_ماذا؟
ومن ثم صاع بتابعه بغضبٍ:
_كيف حدث ذلك؟ أخبرني كيف تمكنت من الخروج؟
وضع رأسه أرضاً وهو يردد بخوفٍ شديد:
_رقبت الجناح جيداً مولاي الملك لم يغادر أحداً الجناح!
كاد بأن يمزقه أشلاء، فظهر "ديكسون" من أمامهما ليخبره بثباتٍ:
_سمحت لها بالذهاب أبي.
اتجهت الأعين تجاه الصوت المألوف، فتساءلت "روكسانا" بصدمةٍ:
_"ديكسون"!
حاوطته هالة مخيفة دلالة على غضبه العظيم، فقال بحدةٍ:
_كيف تتجرأ على معارضة قرار اتخذه الملك بذاته؟
وضع عينيه أرضاً بوقارٍ قبل أن ينطق:
_لم أتمكن من رؤيتها بهذا الحال أبي.
صاح بانفعالٍ:
_ أنا من يتخذ القرارات هنا.
ردد على نفس الوَتيرة:
_أنا مستعد لأي عقوبة ستقررها أنت.
جز على أسنانه بغيظٍ من تحديه الصريح إليه، فقال بعنفٍ:
_بالطبع سأقرر عقوبتك بنفسي ولكن ليس قبل أن تعود ابنتي.
وتركه وغادر على الفور، فجلست "روكسانا" على الأريكةٍ تبكي بتأثراً، أسرع إليها "ديكسون" لينحني مقابلها ومن ثم أزاح عنها دمعاتها وهو يردد بحزنٍ:
_لا تبكي أمي، أكره رؤية دموعك.
ثم احتضنها ليبرر لها ما فعله:
_رأيت بأعينها تمرد وكره عظيم، لا أعلم سببه لذا سمحت لها بالذهاب عل الأمور تصبح على ما يرام.
ابتعدت عنه لتتعمق بالتطلع إليه، فضغطت بيدها على يديه المتمسكة بها لتشدد بكلماتها:
_لا تتخلى عنها مهما حدث "ديكسون".
قبل رأسها هامساً:
_لن يحدث ذلك..
******
وقفت تتطلع لذاتها بالمرآة بنظرة مستريبة، تشعر وكأن من تقف أمامها فتاة أخرى لا تشبهها بأي شيء، مسحت" إريكا" تلك الدمعة الخائنة التي تود إفساد مساحيق التجميل التي تضعها للمرة الأولى ثم جذبت حقيبتها الصغيرة لتغادر سريعاً قبل أن ترأها "لينا" أو أبيها، هبطت لتجد "جوردن" بانتظارها بسيارته الفاخرة، صعدت لجواره فمنحها نظرة شملتها باعجابٍ كبير قبل أن يطلق صفيراً مزعج:
_تبدين رائعة حقاً يا فتاة!
قالت بابتسامةٍ متكلفة:
_شكراً لك.
أشعل مقود السيارة وهو يخبرها بعزمٍ:
_سنذهب لمكانٍ سيعجبك بالتأكيد.
ردت باستسلامٍ يائس:
_مثلما تشاء.
اقترب منها منحياً على كفيها ليقبله برقةٍ:
_ستستمتعين برفقتي كثيراً.
ارتدت للخلف بارتباكٍ ملحوظ:
_لا تفعلها مجدداً "جوردن".
رغم استيائه من طريقتها التي وجدها مبالغ بها الا أنه قال:
_حسناً، اهدئي.
ومن ثم قاد السيارة ليصطحبها لمكانٍ مقزز، يطوفه النساء العاريات وكأنهن سلع رخيصة للبيع، حتى المقاعد يشملها عشاق تمادى العشق بينهما ليصل لمرحلة لا تشملها الأخلاق بأى معنى، شعرت بالنفور من وجودها بمكانٍ هكذا ولكنها حاولت على مضض تجاهل ما يحدث جوارها، جلست " إريكا" على أحد مقاعد الطاولة الثنائية فجلس مقابلها، عبثت بطبق الطعام الموضوع من أمامها بشرودٍ، حتى كسر هو الصمت فيما بينهما:
_أخبريني "إريكا" هل أحببتي من قبل؟
تركت السكين من يدها ثم تطلعت له بنظرةٍ بائسة:
_بالطبع أحببت شخص أكثر من روحي.
ثم ابتسمت ساخرة:
_ولكنه لم يراني سوى صديقته البشرية المقربة.
ردد بدهشةٍ:
_ماذا تعني بالبشرية!
تطلعت له مطولاً قبل أن تضيف:
_هو ليس بشري، بل من عالم أخر.
_هل تناولتي مشروباً أثر عليكِ!
أكملت تناول طعامها ببرودٍ:
_دعك من هذا.. فعلى طبيعة الحال لن تصدقني.
انتابه الفضول، فقال بفضولٍ:
_أخبريني وسنرى.
أخبرته "إريكا" عن السر الذي صانه "كيفن" لأكثر من خمسة وعشرون عاماً، أخبرته عن العالم المتخفى خلف الستار العازل على كوكب كيبلر، وعن "لوكاس" وحكمته بإدارة مملكة "السراج الأحمر"، وعن قصة عشقها لديكسون ورفضه لحبها، انتهت من سرد قصتها على مسمعه لتختمها بقولها:
_ولم أرغب بالعودة منذ ذلك الحين.. لذا منحتك الفرصة بالتقرب مني علني أتمكن من نسيانه.
مرر يديه على وجهه كمحاولةٍ لإخفاء ضحكاته، ليشير لها باستهزاءٍ:
_نسيان من؟ أوه" ديكسون" ذاك الذي يتمكن من التنقل بين الكواكب! أمراً عظيم حقاً.
ثم تناول مشروبه بضحكة عالية، لتردد "إريكا" بحدةٍ:
_كفاك سخرية "جوردن" ، لست أمزح.
_لأكن صريح "إريكا" لديكِ متسع هائل من الخيال لماذا لا تكتبين سيناريو فيلم سيحقق نجاحاً باهراً!
أطبقت على شفتيها باسنانها غيظاً، فقالت:
_يوماً ما سأعرفك على "ديكسون" وحينها ستصدق كل ما أخبرك به.
ثم جمعت أشيائها، لتشير له بضيقٍ:
_علي العودة، أراك لاحقاً.
*********
بمملكة "الشارق"
تعرض حرس الحاجز لإصابات بالغة، والجميع بحالةٍ من الذهولٍ، فأسرع أحداهما ليبلغ تابع الملك ليتجه هو الاخر لقاعة "سامول" العظيم، أنحنى باحترامٍ قبل أن يفصح عما أتى مهرولاً إليه:
_مولاي الملك الحارس أبلغني أن هناك شيئاً غير مرئي يهاجمهم، ولم يتمكن أحداً من التعامل معه.
نقل نظراته عنه ليتابع قاعته بنظرةٍ ثابتة، فارتسمت بسمة صغيرة على جانبي شفتيه:
_أهلاً بك "ديكسون".. أتمنى أن تكون قضيت وقتاً ممتعاً هنا.
تعجب التابع من حديث الملك الموجه لشخصٍ غير موجود، وإزدادت صدمته حينما ظهر" ديكسون" من أمامهم، أشار له "سامول" بالمغادرة ثم نهض عن مقعده ليدنو منه حتى صار قريباً، فتساءل:
_ما سر زيارتك الغريبة لمملكتي؟
سُلطت نظراته الثاقبة عليه وهو يجيبه:
_أين "إيرلا"؟
قطب جابيه مستنكراً سؤاله ومع ذلك أجابه بثباتٍ:
_أليس أنت من سمح لها بمغادرة القصر لرؤية صديقتها الأمر غريب بعض الشيء!
ظل يتأمله بصمتٍ مزقه بكلماته الغامضة:
_لست هنا لأتحدث عما فعلته، إستدعي"إيرلا" في الحال.
ناطحت النظرات بعضها البعض فيما بينهما، فرفع "سامول" صوته:
_"أمادي".. أحضر "إيرلا".
إنصاع له على الفور وتخفى ليعود سريعاً بها، حتى" زمرد" لحقت بها بقلقٍ، اندهشت "إيرلا"من وجوده فتساءلت باستغرابٍ:
_ماذا هناك"ديكسون"؟
أمسك بمعصمها برفقٍ:
_لنذهب.
ثم عاد ليقف من أمام"سامول" مجدداً، فقال وعينيه متعلقة بأمادي:
_ليتك تعلم من هو عدوك الحقيقي!
ثم تركهما وتخفى بها سريعاً ليظهر بمملكة "السراج الأحمر" ، أما "زمرد" فرددت بخوفٍ:
_أخشى أن يصيبها بالسوء.
أحاطها "سامول" بين ذراعيه ليمسد على شعرها بحنانٍ:
_لا أعتقد ذلك.
*******
ظهر بها سريعاً بالمملكة، فهرعت إليها "روكسانا" بقلقٍ شديد، تتفحصها بخوفٍ من أن يكون أصابها السوء، ثم عنفتها بعتابٍ:
_عودتي للذهاب هناك مجدداً.. الا تخشي أن يقتلك "سامول" انتقاماً منا!
قالت ببرودٍ:
_إن كان يريد ذلك لفعله منذ البداية، "سامول" ليس بتلك الحقارة ليقتل أحداً مثلما فعلتم أنتم بأبيه.
_"إيريـــلا"
انطلق صوت "لوكاس" الغاضب كالشلال العاصف بعدما نهض عن مقعده ومن ثم اقترب منها وهو يردد بحدةٍ:
_تماديتي كثيراً وبمخالفتك لأمري ستزداد عقوبتك وحينها ستتعلمين كيف تحترمين قراراً إتخذه الملك؟
وقف "ديكسون" أمامها سريعاً، وكأنه يشكل حاجز منيع لحمايتها من غضب الملك :
_ أنا من سمح لها بالمغادرة لذا العقاب سيكون من نصيبي.
قبض على قبضتيه بتمهلٍ حذر ليرد بإصرار أشد عنداً:
_هل تراني ملكاً ظالماً لأحاسب شخصاً على ذنباً ارتكبه شخص أخر!
تصاعد الامور فيما بينهما دفعها للتدخل، فقطعت الحديث فيما بينهما قائلة:
_وهل تراه مخطئاً بالدفاع عن شقيقته "لوكاس"!
وكأن حديثها بذاك الوقت كان كتذكار له بأنها تمقت رؤيته مندفعاً هكذا بالحديث إلى أحداً من أبنائه، فقال قبل أن يتخفى من القاعة:
_الذهاب لمملكة"سامول" هو أمراً إنتحاري لن يقبل به أب لا يتمنى رؤية السوء بابنته.
ثم تخفى من أمامهما، فمررت "روكسانا" يدها على ظهر ابنتها وهي تردد بحنانٍ:
_لا تفعليها مجدداً "إيرلا".. أتوسل إليكِ.
استجمعت شتات شجاعتها لتقول:
_سأذهب.
ثم تركتهما وعادت لجناحها، فجلست"روكسانا" أرضاً باستسلامٍ، تفرغ ما بداخلها من وجعاً يتمكن منها، جلس "ديكسون" جوارها ليقربها إليه، فاحتضنته لتخرج الكلمات بصعوبةٍ من وسط موجة بكائها:
_ما الذي اقترفته بحقها حتى أنال كل تلك القسوة "ديكسون"!
رغم غضبه الشديد مما فعلته" إيرلا"الا أنه تماسك وهو يجيبها:
_ستعي يوماً ما بخطيئة ما تفعله بحقنا وحق المملكة.
ثم أبعدها عنه حتى يبدد تلك الدمعات الحارقة بعزمٍ:
_لا تفكري بأي شيئاً سييء، إطمئني فأنا هنا.. لجوارك.
أومأت برأسها بثقةٍ، ثم طبعت قبلة صغيرة على جبينه وهي تخبره بابتسامةٍ ثقة:
_أعلم أنك لجواري دائماً.
ثم غادرت القاعة لتلحق بزوجها، تاركة "ديكسون" ينازع تلك الأفكار المميتة التي تهاجمه بشأن تمرد "إيرلا" فبترها تماماً حتى لا تعود لمهاجمته مرة أخرى!
*****__________*****
بشرية أسرت قلبي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل السابع...
(حيلة ماكرة!..).
تخفت برداءٍ أسود يشابه عتمة الليل الكحيل، حتى ملامحها بهتت من خلفه، وبالرغم من أن تابع الملك يحرص على تخفيها عن الأعين جيداً الا أنها كانت تتوخى الحذر، وقفت الملكة "رودوليت" من خلف الحارس بشموخٍ تنتظره حتى يحرر مقبض الباب الصدفي العملاق، ليريها الطريق السري المختصر للقاعة، فما أن ولجت حتى خلعته عنها لتنحني برأسها قليلاً:
_فليحيا ملك ميغالودون العظيم.
ابتسامة طفيفة ارتسمت على شفتي "بيلين" فأشار لها بقبولٍ لتحيتها التي أرضت غروره:
_أهلاً بملكةٍ الحوريات المتمردة "رودوليت".
بادر الضيق على معالمها جراء سماعها لسخريته الواضحة؛ ولكنها تناستها عن عمدٍ فهدفها الأول والأخير هو القضاء على" لوكاس" وابنه، لازمت الصمت إلى أن قطعه الملك متسائلاً:
_ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟
أجلت أحبالها المنقطعة، لتسرد على مسمعه:
_أنت تعلم بالعداوة التي تجمعني بلوكاس.
قاطعها بلهجةٍ ثابتة:
_وما شأني بالذي بينك وبينه؟
قالت بجراءةٍ وجدها بحديثها:
_عدو عدوي صديق لي، أنا أريد الثأر من "لوكاس" وابنه وأنت تريد عرش "السراج الأحمر"، أليس هذا الهدف المشترك يجبرنا على التعاون سوياً!
راقبها بصمتٍ جلد ملامحه كالوحش الماكر، وكأنه يحسب كل كلمة قالتها، انطوت صفحة الصمت مجدداً حينما عبث بكلماته المستهزئة:
_لست بحاجةٍ لمساعدتك لتحقيق هدفي.
أسرعت بالحديث، قائلة:
_لا تظن بأن القضاء على" لوكاس" هو أمراً هين، ربما بقتل ابنه يسهل الأمر ولن يحدث ذلك دون مساعدة مني.
نهض عن عرشه ليظهر بجسده الموروبوس المخيف، فأختفى من القاعةٍ بأكملها، التفت باحثة عنه لتشهق بفزعٍ حينما وقف من أمامها وعينيه يكسوها اللون النحاسي الباهت ثم قال:
_لست ضعيفاً لأحتاج لمساعدةٍ وضيعة منك.. إن شئت سأقتلك هنا بالحال ومن ثم سأفتت عظام "ديكسون" هذا الذي يظنه البعض خارقاً .
لعقت شفتيها بخوفٍ إستطاع شمه بسهولةٍ، لتوضح مقصدها:
_أعلم ذلك لذا أنا هنا لأنني بحاجة لمساعدتك مولاي.. أريدك فقط أن تنصت إلي فما سأخبرك به.
أشار لها بحدةٍ:
_أسمعك.
سردت "رودوليت" خطتها الشيطانية على مسمعه، فبدى مقتنعاً بها لذا قال بهدوءٍ:
_وإن كان هدفك الترياق لما لم تقضينها بابنتها منذ البداية؟
أجابته ببسمةٍ خبيثة:
_لأنها تمتلك قوة مختلفة لم أراها بحوريةٍ من قبل والأهم من ذلك أن "ديكسون" وقع بغرامها.
أومأ برأسه بثباتٍ، ثم عاد ليتساءل مجدداً:
_وكيف ستتمكن من قتله بمفردها؟
ابتسمت وهي تشير له بأصبعها بفخرٍ:
_لا تستهان بابنتي، "ألماندين" جامحة كالنيان.
عاد ليجلس على عرشه بجسده الضخم، وهو يردد باعجابٍ من سماع كلماتها المتباهية بابنتها:
_من المؤكد بأنني سألتقي بها ذات يوم.
التمعت حدقتيها بخبثٍ داهي:
_بالطبع ستراها كثيراً.
ثم ارتدت ردائها مجدداً، لتنحني من جديد:
_والآن أسمح لي بالمغادرة.. وقريباً سأعود لزيارتك من جديد.
أشار بعينيه للحارس الذي أرشدها للخروج من تلك المتاهة المخيفة التي تملأها رؤؤس الأفاعي، التي يتغذى عليها شعب الميغالودون، انتهت من سلك تلك المتاهات لتغادر وابتسامة النصر تلوح بالأفق، اقترابها من تحقيق أحلامها الثمينة جعلها تذوق طعم الأمل، فنجاحها باخفاء هدفها الحقيقي بالاستيلاء على عرش "لوكاس" جعلها تتمكن من السيطرة على ابنة شقيقتها التي تخفي عنها سراً سيجعلها تساند العدو ضدها هي، والآن تمكنت من خداع ملك ميغالودون!
**********
بمملكة الحوريات التابعة للمملكة "راوند".
أطرقت بيدها على العرش وهي تردد بانفعالٍ تام:
_لقد تمادت" رودوليت" كثيراً.. ظنت أن صمتي عما تقترفه ضعفاً.
تأملت أحد الحوريات حالة الغضب التي سيطرت على "راوند" بخوفٍ من القادم، فمن المؤكد أن تلك الحرب الدامية سيدفع ثمنها دماء الحوريات التي سيفتك بينهما، ألتهبت عين "راوند" وهي تتابع بشراسةٍ:
_عليها الآن مواجهتي كفى صمتاً عما تفعله بمملكتي.. الا يكفيها ما فعلته وتظن بأنها تنتقم لموت شقيقاتها!
ثم تخفت لتعود سريعاً لمملكة السراج الأحمر، قاصدة جناحها لتنتظر عودة "بيرت" عله يفيدها بما تفكر بفعله.
********
وقفت على باب الجناح بارتباكٍ من المضي قدماً، تود الاقتراب منها، ضمها لصدرها ولكنها تخشى رد فعلها، أليس هذا مؤلماً حقاً؟
غريزة الأمومة التي تمنحك عاطفة نهايتها موجعة بحقك، وبالرغم من ذلك تدعس الكرامة وما يفوقها من سمات أسفل قدميها في سبيل تخفيف أوجاع الابن أو الابنة، هكذا مضت "روكسانا" لتقترب من "إيرلا" التي منحتها نظرة ساكنة وكأنها كانت تتوقع قدومها، طال رداء السكون فيما بينهما، وحينما قررت "روكسانا" قطعه أسرعت "إيرلا" بالحديث:
_أرجوكِ لا أود الحديث الآن.. دعيني وشأني.
انهمر الدمع بعينيها، وانفطرت الكلمات كعقد من ألماس تفتت فزهقت قيمته:
_ما الذي فعلته لأستحق تلك المعاملة "إيرلا" ما الذي أصابك ليجعل قلبك بتلك القسوة؟
رفعت رأسها لتتطلع إليها بجفاءٍ، ثم قالت:
_لم أتفاجأ كثيراً بحديثك.. دوماً ترينني قاسية القلب و"ديكسون" هو الحنون البار بكِ أليس كذلك!
جحظت عينيها في صدمةٍ حقيقية وهي ترى إلى أي مدى تغيرت فتاتها المدللة، فتراجعت للخلف حتى أصبحت على باب الجناح من جديد، لتخبرها قبل أن ترحل:
_أشعر وكأنني فقدت ابنتي بمكانٍ أجهله.
ثم غادرت لتتركها تواجه جحيماً أعددته هي بذاتها!
********
حينما يشعر بالضجرٍ يختار من بين أماكنه المنعزلة بعنايةٍ، فأختار تلك المرة الاسترخاء على جذوع تلك الزهور المتشابكة، لتغدو جذورها غليظة كجذوع الشجر، حتى ورقاتها كانت كالحرير الذي يرطب الجلد بنعومته، شردت حدقتيه في تأمل شعاع القمر الأحمر الذي يتسلل خلسة بأرجاءٍ السماء مانحاً بحمرته لوناً مميز يطوف بالسماء كالموجٍ الذي يتبختر بجماله الخالد، شقت الابتسامة جفاء شفتيه حينما شعر بوجوها، قبل أن يضيف:
_تشتاقين لي سريعاً.
عبث "ألماندين" بحاجبها لتستكمل طريقها للأعلى حتى أصبحت أمام عينيه، فاستندت بذراعيها على أحد الجذوع ومن ثم تمددت على ورقات أحدى الزهور لتجيبه بسخريةٍ:
_أهناك من يشتاق لمن يبغضه!
إتكأ بجسده حتى صار مقابلها، ليتابع بقوله الماكر:
_ ولماذا تتابعيني إذاً أيتها الحورية الشرسة!
بغرورٍ أجابته:
_حتى أتمكن من قتلك يا ابن البشرية.
رغم أن تلك الكلمة تستخرج وحشه القابع خلف عرينه المتين الا أنه ابتسم وهو يخبرها بنظراتٍ غامضة:
_أمتلك إسماً رائع غير هذا.
ضيقت عينيها بسخطٍ:
_أناديك مثلما شئت.
تطلع لها مطولاً قبل أن يتحدث بجديةٍ:
_لا أعلم ما الذي فعلته بي حتى أحتمل ما تقولينه بصدرٍ لم يكن رحب بسماع تلك الكلمات من قبل .
هامت بعينيه التي استزفت جزء مجهول من قلبها النابض، تلك الربكة اللعينة تجعلها تختبر الضعف لجواره لأول مرة، صفن بها وصفنت يديه بخصلات شعرها الرمادي، ليعبق رحيقه أنفه وكأن الزهور استمدت من عبقها رائحة خاصة، دقائق طالت بهيام العينين ولحظات كادت بها أن تعترف له بأنه شخصاً لطيف، بعيداً كل البعد عن تلك الجرائم المشنة التي ترويها لها خالتها باستمرارٍ، ولكن ماذا عن هدفها ورغبتها بالأنتقام؟
أبعدت "ألماندين" يديه عن وجهها، لتشير له بارتباكٍ ظهر بحدتها المصطنعة:
_لا تقترب مني هكذا مجدداً.
ثم نهضت وكادت بالمغادرة، ليحلق سريعاً ومن ثم حملها ليرتفع بها عالياً ليضمن حصارها الكامل، ليجعلها أمامه ترى عينيه وتستمع لكلماته بوضوحٍ:
_أعلم بأن هناك من يساعدك بقصري لمعرفة الأماكن التي أزورها بين الحين والأخر.. وهو نفس الخائن الذي دفعك لإثارة كل هذا الشغب.
حاولت التملص من يديه بخوفٍ ظهر على ملامحها وهي تراه يتحكم بقواها، فاستطرد بنفس لهجته المخيفة:
_هناك من سمم عقلك تجاهي وتجاه المملكة فجعلك تنفذين رغباته دون اعتراض.
تمتمت وهي تلتقط أنفاسها بانفعالٍ:
_إتركني.
تأملها قليلاً، قبل أن يجيب:
_سأفعل.
ثم انخفض ليتركها تلامس الأرض بقدميها، ليقف أمامها من جديدٍ وهو يهمس بثباتٍ قبل أن يغادر:
_حينما تمتلكين الجرءة للحديث عما فعلته بكِ تعلمين أين تجديني؟
ثم تخفي ليتركها بحالةٍ من التشتت، أصبحت لم تتمكن من تحديد هويته أو تحديد ما يريده قلبها..
**********
بين غيوم الليل الكحيل وظلماته وقف يتطلع لحاجز مملكته العتيق بشرودٍ جعله لم يشعر بوجود أبيه لجواره، فرفع الملك "شون" يديه على كتفيه وهو يتساءل بحزنٍ:
_لأول مرة لم تشعر بمن خلفك قبل أن يصل إليك.. ماذا بك بني؟
استدار "لوكاس" ليكون في مجابهة أبيه، ليجيبه بابتسامةٍ يسكنها الألم بوضوحٍ:
_لطالما ربحت الحروب التي خضتَها، ولكني خسرت بمعركة الحياة أبي، خسرت ابنتي التي لا تفكر الا بعنادي حتى "ديكسون" لا يؤيد أي قرار أتخذه فيخترقه دوماً.
أشار له الملك بالجلوس، وبنفس ذات البسمة البشوشة قال:
_حينما اشتد عودك وحملت السيف لأول مرة كدت بقطع أطرافك وحينها هرعت إليك "بُوران" ركضاً وقبل أن تصل إليك أوقفتها وأمرتها بأن تترك.. حينها عاتبتني بأنني أبٍ قاسي القلب ومع ذلك تقبلت ما قالته بابتسامة صغيرة، وحينما مرت الأيام ورأت بعينيها قوتك ومهارتك التي يخشاها الجميع علمت لما كنت أفعل ذلك معك.
والتقط أنفاسه على مهلٍ وهو يستكمل:
_أعلم أن الأمر مختلف كلياً ولكن عليك بأن تتحلى بالصبر بني.. "ديكسون" يحبك كثيراً ولا يعارضك تحدٍ منه بل خوفاً بأن تصنع عقوبتك فجوة كبيرة بينك وبين ابنتك.
تمعن "لوكاس" بما قاله والده بحرصٍ شديد، حتى صعد لجناحه فإنجرفت قدميه لجناح ابنته، وقف لجوار فراشها يتأملها بحنانٍ وهي غافلة باستسلامٍ، ليردد بصوتٍ منخفض:
_إن كانت تجمعك صداقة بمملكة "الشارق" فلينهي أبيكِ العداء الذي يجمعه بملكها.
ثم طبع قبلة صغيرة على جبينها، ليغادر بحذرٍ حتى لا يفيقها، ومن ثم توجه لجناح "ديكسون" فتمدد على فراشه البارد ينتظر عودته، وحينما استمع لصوت احتكاك قوي رفع صوته وعينيه تحدق بالفراغ:
_تتأخر كثيراً بالعودة.
تفاجأ به "ديكسون"، فأنحنى قليلاً مردداً:
_مولاي.
ثم تساءل باهتمامٍ:
_هل حدث مكروه؟
اعتدل"لوكاس" بجلسته، ليجيبه بابتسامةٍ صغيرة:
_أهدأ، أردت الحديث معك فحسب.
رد بوقارٍ:
_بأمرٍ من الملك.
تطلع له مطولاً ليختمها بإشارة يديه:
_اقترب "ديكسون".
إنصاع اليه ثم اقترب ومن ثم جلس لجواره مثلما أراد، ليبدأ"لوكاس" بالحديث والابتسامة تلاحق كلماته:
_ذكرني أبي بطفولتي فابتسمت حينما تذكرت بعضاً منها، شعرت وكأنني اهتديت لشيئاً فقدته منذ زمناً بعيد.
ووضع يديه على كتفيه وهو يسترسل:
_أتعلم "ديكسون" حينما إختارني السيف لأكون حامله شعرت بذلك اليوم وكأن عبئ المسؤولية وقع على عاتقي، وبالرغم من ذلك كنت أطمح بالمزيد حتى وإن كانت ستزداد متاعبي، التهيت بالحروب ولم يستنى لي التفكير بأن يكون لي يوماً ولداً!
ونهض عن الفراش ليحلق بجسده عالياً فأتبعه "ديكسون" ليخرج من الجناح المنحوت من الكهوف والصخر الغامض، ليصبح أمام الحاجز الذي يحب تأمله، فعاد ليستطرد بحبورٍ:
_لا أعلم ما الذي دفعني للاستماع إلى "ضي" فوجدت نفسي أقبل بك وأرغم برؤيتك.. كنت تستمد قواك مني والآن أستمد منك قوتي.
واستدار ليصبح مقابله، فردد "ديكسون" باستغرابٍ:
_لماذا تقص علي هذا؟
رفع كتفيه بحيرةٍ:
_لا أعلم، ربما لأني شعرت بأنني قسوت عليك بعض الشيء وخاصة اليوم.
بتفهمٍ شديد قال:
_ليست قسوة أبي فأنت بنهاية الأمر الملك هنا!
ثم استكمل بحزنٍ:
_أنا من خالف أوامرك، ولكنني كنت أود أن لا يتصعد الأمر بينكم أبي.
احتضنته "لوكاس" وهو يردد بحنانٍ:
_أعلم بني، أعلم.
احتضنتها الفرحة وقبلت شفتيها السعادة باسمة حينما رأت بعينيها ذاك المشهد الذي بعث الطمأنينة لقلبها المجروح، ابتسمت "روكسانا" وهي تتأمل ما يحدث أمامها، فأقتربت لتصبح على مسافةٍ قريبة منهما ثم قالت بمشاكسةٍ:
_أشعر بالغيرة مما أراه، ولكنني لا أنكر سعادتي حقاً.
ابتعد "لوكاس" عنه وهو يتطلع لمن تحدثه ليغمز لديكسون بمكرٍ:
_أشم رائحة حروق بليغة تتصاعد من ذاك الأتجاه هل هذا أنت؟
ضحك "ديكسون" ثم قال بخبثٍ:
_أعتقد بأنها من ذاك الاتجاه التي تقف به ملكتك الفاتنة.
لوت شفتيها وهي تردد بضيقٍ:
_هل عدتما لمضايقتي من جديد!
أشار له "لوكاس" بحزنٍ مصطنع:
_متى حدث ذلك؟ أرأيت بني ماذا تفعل بي؟
_رأيت.
تدخلت "روكسانا" بالحديث، قائلة بانفعالٍ:
_أنك ماكر حقاً "لوكاس".
أجابها في دهشةٍ:
_ماذا؟ ، هل يتجادل البشر فيما بينهما بتلك الألفاظ المهينة بعالمكم لا تنسي بأنني الملك هنا على الأقل إظهري لي بعض الإحترام .
عبث"ديكسون" بحاجبيه بمللٍ من تلك المشاحنة التي لن تنتهي حتى الصباح، فقال ببسمةٍ مصطنعة:
_حسناً، لأتركما بمفردكم سأغادر الآن.
وتخفى سريعاً قبل أن تتطاول الأمور فيما بينهما، كادت "روكسانا" بأن تستكمل مبارتها الحاسمة فخطفها "لوكاس" ليظهر سريعاً بجناحهما، ثم تمدد لجوارها على الفراش وهو يخبرها بمكرٍ:
_هيا.. لنستكمل ما كنا نفعله بالخارج هنا على الأقل لا يرى أحداً الملك والملكة يتشاجرن ليلاً كالمراهقين!
تشاركا الضحك سوياً، لتغفل بين ذراعيه بعشقٍ يحاوطها أينما كان هو لجوارها، ليفيض عليها بما يتشاركن به سوياً.
********
بجناح "ضي"
استيقظ "لوثر" من نومه حينما وجد الفراش فارغ من جواره، نهض يبحث عنها حتى وجدها تجلس جوار بركة المياه التي تضيئها القواقع الصفراء وعدد من المرجان الذهبي الخالد، تمرر أصابعها على سطحها ببطءٍ وشرود عميق، جلس جوارها ثم وضع يديه على وجهها ليتساءل بلهفةٍ:
_لماذا تجلسين هكذا حبيبتي؟
رفعت عينيها لتقابل نظراته الشغوفة بها، فقالت بهدوءٍ:
_أفكر في الانتقال للعيش مع "إيمون" بمملكة "البيتراء".
تجاعدت معالمه، فعاد ليتساءل من جديد:
_هل حدث شيئاً لا أعلمه؟
نفت ذلك وهي توضح له:
_أود فقط الإقتراب من" إيمون".. الا يحزنك تشتت عائلتنا الصغيرة هكذا!
صمت قليلاً ثم قال:
_بلى، ولكن لم يكن ذلك رأيك من قبل كنتِ تودين البقاء هنا لأجل والدك.
سحبت نفس عميق، ثم نهضت لتعود للفراش:
_ابني يحتاج لوجودي أكثر من أبي، فالجميع جوار الملك أما "إيمون" فبمفرده.
اتنقل لجواره بسرعة الرياح، ليمرر يديه على طول ذراعيها بحبٍ:
_حسناً.. غداً سنذهب سوياً.
ابتسمتها أشرقت شمس يومه الجديد، فضمها لصدره بحبٍ شبيه بالطفل الصغير الذي يشدو على عوده يوماً بعد يوم حتى صارت روابطه متينة.
*********
تلألأ قرص الشمس بالسماء معلناً قدوم صباح جديد تصاحبها إشراقة جديدة، لتلامس المرآة الصغيرة التي تحملها "روكسانا" لتتطلع لإنعكاسها بانبهارٍ شديد، فقد ارتدت فستان طويل من اللون الأزرق يكسوه بطانة من اللون الأبيض الذي أضاف رونق خاص له، ومن ثم ارتدت حذاء أبيض اللون،لتحرص على إرتداء أشياء مبسطة لا تلفت الانتباه إليها فاليوم وبعد غياب ستذهب بزيارةٍ بصحبةٍ "ديكسون"، انتفض جسدها فزعاً حينما وجدت من يحاوطها، فاستدارت للخلف بانزعاجٍ:
_ستقتلني ذات مرة"لوكاس".
أجابها ببراءةٍ زائفة:
_أعتقدت أن قلبك يشعر بي مثلما أشعر بكِ.
أبعدت يديه عنها وهي تشير له بأصبعها بتحذيرٍ:
_لا تجبرني على التفكير جدياً بعدم العودة إلى هنا.
ابتسم وهو يجيبها بغرورٍ:
_حاولي فعلها إن شئتي.
منحته نظرة غليظة فتعالت ضحكاته بتسليةٍ، ليظهر بعد قليل"ديكسون" بعدما استأذن بالدخول، ففتح ذراعيه ليشير لها بمرحٍ:
_ملكتي الفاتنة مستعدة لقضاء رحلة ممتعة بعيداً عن هذا التوتر؟
تعمقت بالتطلع للوكاس قبل أن تشدد من إجابتها:
_أجل مستعدة.
ثم تمسكت به، فأشار لها "لوكاس" بوجومٍ:
_ستعودين بنهاية الأمر "روكسانا" وحينها سأرى أي توتر تختبريه!
ضحكت وهي تشير ل"ديكسون":
_هيا قبل أن يوقفنا.
تخفى بها سريعاً ليجابه الرياح بسرعةٍ تفوقها، كاد الهواء أن يمزق وجهها من حدته فتشبثت به بقوةٍ لتنتهي تلك المعاناة سريعاً، ثم لتجد ذاتها على سطح منزل "لينا"، فركضت للأسفل كطفلة صغيرة تشتاق لرؤية فرد من أفراد عائلتها، طرقت الباب ودقت الجرس سوياً، لينفتح الباب ومن ثم قابلها صوتاً منزعج:
_ماذا يحدث؟
بترت الكلمات على لسانها حينما رأتها تقف أمامها فصرخت بحماسٍ وعدم تصديق بآنٍ واحد:
_" روكسانا" لا أصدق!
احتضنتها "روكسانا" بفرحةٍ ليدوم عناقهما طويلاً ومن ثم تتبعه البكاء الحارق الذي يبوح بكلماتٍ من الشوق والحنين لبعضهما البعض، أزاحت "لينا" دموعها وهي تشير لها بالدخول، فولجت للداخل لتجلس على الأريكة ثم تساءلت بفضولٍ:
_أين "إريكا" و"كيفن"؟
جلست مقابلها وهي تجيبها بدموعٍ يملأها الشوق:
_"كيفن" بالخارج و"إريكا" بغرفتها، سأناديها.
خرجت بعد قليل بصحبتها، فاختفت الابتسامة المرسومة على وجهها حينما رأته يجلس أمامها، حتى هو كان يتهرب من التطلع إليها، بادرت "روكسانا" باسئلتها الفضولية مستغلة استأذان "لينا" لتحضر لهما العصائر، فسألتها بلهفةٍ:
_أخبريني "إريكا" لماذا عودتي قبل أن تخبريني؟
ارتبكت فلم تجد المناسب لقوله، وبعد صمت مطبق إختارت به ما ستقوله:
_شعرت بالضجر قليلاً، فوددت العودة لقضاء بعض الوقت برفقة أصدقائي.
لم تقتنع "روكسانا" بما استمعت إليه؛ ولكنها التزمت الصمت حتى لا تشعر "لينا" بشيئاً، اكتفت بمراقبتها وهي تتطلع لديكسون بشرودٍ وحينما تتقابل أعينهم تستدير للجهة الأخرى، وضعت "لينا" المشروبات على الطاولة ثم قالت بابتسامة عذباء:
_كنت أترقب زيارتك بصبراً كبير، الا تعلمين أني أشتاق لرؤيتك ومع ذلك تبتعدين كثيراً.
ارتشفت من المشروب بتلذذٍ وهي تجيبها:
_وأنا أشتاق لرؤياكي، تعلمين جيداً بأنني لا أمتلك سواكما، أنتِ و"كيفن" عائلتي.
احتضنتها "لينا" بحبٍ كبير، ثم جذبتها لتشير لها بحماسٍ:
_دعينا لا نضيع وقتاً فلنذهب للتسوق.
ابتسمت بسعادةٍ ثم لوحت ل"ديكسون" قائلة:
_لن نتأخر كثيراً.
وغادروا سوياً ليتركوا المجال لكلاهما بالحديث عما مر من مواجهة حطمت الطرفين، عبث "ديكسون" بأصابعه وهو يتأمل الشرفة بصمتٍ، تابعته بعينيها بضيقٍ فطال ترقبها لأن يكسر الصمت فيما بينهما ويبدأ هو بالحديث، وحينما صدح رنين هاتفها استغلت الفرصة لتجيب عليها أمامه متعمدة الحديث بحبٍ شديد:
_مرحباً "جوردن"
أنا بخير وأنت كيف حالك؟
اليوم، حسناً سأراك بعد ساعة من الآن.
وأغلقت الهاتف ثم وضعته على الطاولة، فتساءل "ديكسون" باستيرابةٍ:
_من هذا؟
أخفت بسمتها بفرحةٍ من نجاح خطتها كما ظنت، فأدعت انشغالها بالهاتف وهي تقول:
_صديق لي.
ثم اعتدلت بجلستها، لتتساءل:
_ولماذا تهتم؟
أجابها بثباتٍ:
_ألا يحق لي ذلك؟
تحرك فكيها ناطقاً:
_لم أعني هذا.
ثم قالت بعد تفكيراً خبيث:
_كنت أود الحديث بشأن ما حدث بالمرة الأخيرة.
قاطعها قبل أن تستكمل:
_دعك مما مضى.
صدمت ببدء الأمر كانت تظنه سيحاول إصلاح الأمر ولو قليلاً؛ ولكنها لم تجد أي جدوى فاستكملت حديثها:
_أختلط الأمر علي قليلاً؛ ولكن الآن حينما أحببتك "جوردن" علمت بأن هناك فرقاً كبيراً بين الحب والصداقة.
ابتسم وهو يخبرها براحةٍ:
_أجل، هناك فرقاً بالتأكيد.
ثم استطرد:
_سعيداً لأجلك كثيراً "إريكا".
التهمت النيران قلبها الملتاع، ومع ذلك سيطرت على إنفعالاتها لتردد بصوتٍ محتقن:
_فلتذهب معي لتلتقي به.
هز كتفيه بهدوءٍ:
_حسناً، سأذهب معك.
********
بمملكة" البيتراء".
تعجب "إيمون" كثيراً حينما وجد والدته وأبيه قد أختاروا البقاء معه بتلك الفترة التي بها غريباً بعض الشيء، إن كان هو يميل للعزلة وخاصة بما يمر به بالتحديد فهو سعيداً كونهما جواره بوقتاً شعروا به بوحدته، ولكن بداخله ظل يتردد سؤالاً واحد هل بوجود الأحبة لجواره سيملأ فراع قلبه!
********
بمملكة "الشارق".
تلوت الأوربوروس بخفةٍ لتتبع رائحته العالقة، فوجدته يجلس جوار القصر بمسافةٍ قليلة، تضاعف حجمها لتتلوى من أمامه وكأنها تخبره بأنها حصلت على مبتغاه، فسمح لها" سامول" بلدغه لتنقل له ما رأته طوال غيابها الصباحي، فنقلت أمامه صورة حية لها وهي غافلة على الفراش كقطعة من الفيروز الصافي، فتح عينيه بابتسامةٍ شعت بحبٍ صريح لها، فلم ينكر سعادته حينما أرته الأوربوروس أخر مكان زارته، فنهض ليتجه إليها، أما هي فكانت تقترب من الوصول لباب القصر الداخلي حينما وجدته يقف أمامها، بدت السعادة واضحة على وجهها، فاقتربت لتقف مقابله، فتساءل ساخراً:
_الا تخشين غضب الملك تلك المرة!
تطلعت له مطولاً قبل أت تجيبه:
_لا أخاف أحداً، أفعل ما أجده صائباً.
أصبح قريباً منها وهو يتحدث بحيرةٍ:
_وما هو الصائب من وجهة نظرك..
تعمقت بعينيه البنية ذات اللون المعسول ولسانه يهمس :
_الصائب أنني أشعر بالإرتياح لهذا المكان،.. لا أعلم إن كان لوجود صديقتي الوحيدة أم لأني أحبك "سامول".
تلك الكلمات الأخيرة التي نطقتها جعلته عاجز عن إختيار ما سيقول، إرتبك ولأول مرة أمام جراءتها بالإعتراف بحبه، ترقبت سماع أي رد فعل منه؛ ولكنه وجدته ساكناً، هائم الفكر لينهي كل شيئاً قائلاً بحزمٍ:
_عودي إلى رشدك"إيرلا" أي حبٍ هذا الذي تتحدثين عنه.
قالت بثقةٍ:
_حبي لك..
ابتسم ساخراً:
_تقصدين عدو أبيكِ!
_أخبرتك كثيراً أن لا علاقة لي بعداء أبي.
_وماذا إذا انتهى العداء الذي لا يعنيك بقتله أو بقتلي؟
ابتلعت ريقها وهي تتساءل في صدمةٍ:
_ستقتل أبي؟
أجابها بجفاءٍ:
_مثلما قتل أبي.
هزت رأسها وهي تردد بشراسةٍ:
_لن أسمح لك بذلك.
ابتسم وهو يردد ساخراً:
_أين ذهب حبك الآن.
ابتسمت رغم الدمع الذي يلمع بعينيها:
_إعتدت عدم الحصول على شيئاً رغبت به وأحببته منذ الطفولة.
نهشت كلماتها جوارحه، فشعر بما يؤلمها وكأن تلك الكلمات مختصراً كامل، انزعجت حينما فضحتها دمعاتها بذاك الجانب المظلم من حياتها البائسة، فابتعدت لتغادر سريعاً المملكة، فأسرع "سامول" من خلفها:
_انتظري "إيرلا".
توقفت عن المضي قدماً حينما وقف مقابلها، ليتحرك فكيه ناطقاً:
_لستِ وحيدة، فنحن لجوارك مملكتي باستقبالك كلما أردتي القدوم.
ابتسمت وهي تشير له برأسها:
_أشكرك.
ثم غادرت لتتركه يتأمل كيانها المرئي بشرودٍ، يفهم في هذا الحب الذي نشأ بظروفٍ غامضة، بين بنت عدوه اللدود!
*******
استعدت"إريكا" للذهاب بصحبة "ديكسون" للقاء بصديقيها، ارتدت فستان أحمر طويل ثم تركت العنان لشعرها القصير الذي لامس أكتافها، فذهبوا سوياً للقائه، تعجب "جوردن" كثيراً حينما رأها تهم بالإقتراب منه مع شابٍ غريب يراه لأول مرة، جلست "إريكا" على أحد المقاعد ولجوارها جلس "ديكسون"، فتطلع الأخير لها في دهشةٍ، فقالت:
_أعرفك" ديكسون".
جلس مقابله وهو يتفحصه ساخراً:
_هل هذا هو ابن خالتك الخارق!
تطلعت له بنظراتٍ حارقة :
_تحدث بتهذبٍ "جوردن".
حاول"ديكسون" فهم ما يحدث فيما بينهما، فحينما اشتد الشجار بينهما صاح بحدةٍ:
_ما الذي يحدث هنا؟
كاد بأن يجيبه فقاطعته "إريكا" قائلة:
_لا شيء "جوردن" يمزح فحسب.
ثم برقت بعينيها إليه فتحلى بالصمت وهو يتطلع لديكسون بنظرةٍ فضولية تستكشفه بتعجبٍ، مر الوقت على "ديكسون" ببطءٍ قد أفتقد به رؤياها، أما "إريكا" فكانت تفعل المستحيل حتى ترى الغيرة واضحة في عينيه؛ ولكنه لم يعنيه الأمر مما زاد غضبها كثيراً، انتهى اللقاء وحان وقت العودة، فنهض "جوردن" ليجذب مفاتيح سيارته ومتعلقته الشخصية قائلاً:
_دعني أوصلكما للمنزل.
قالت بدون أي تعابير:
_حسناً.
لحق بهما "ديكسون" للخارج، فما أن وصلوا للسيارة حتى صعق "جوردن" حينما وجد السيارة يملأها الزجاج المكسور من كل ناحيه ولجوارها يقف عدد من الشباب المشاغبين الذين يعلمهم جيداً، وخاصة حينما ردد أحداهما:
_أخبرتك بأننا سنعود مجدداً!
*********_________********
بشرية أسرت قلبي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الثامن...
(بات القلب عاشقاً.)
هاجم الخوف بدنه، وكأنه وحشاً ينهش بعظامه، فقضاء سهرات ليلية بأماكن مشبوهة ولعبه للقمار وما شبيه له جعله يكتسب أكثر من عدوٍ، فأجتمع كلاً منهما للثأر منه، فكانت سيارته أول خطوات الأنتقام، إقترب منه أحداهم بالمطرقة الخشبية ليحكها بالأرضٍ حتى صارت مقابله، فصاع "جوردن" بهلعٍ:
_ماذا ستفعل يا صاح؟
ابتسم في شرٍ اتبعه لهجة لا تقل عنه:
_أظننت بأنك ستهرب بعد عملتك تلك!
ابتلع الأخير ريقه بتوترٍ جلي، ثم قال:
_إهدأ "ماكس" لم أقصد ما حدث أقسم لك.
برزت عروقه وهي يجيبه بتعصبٍ شديد:
_أنت مخادع "جوردن" فعلت كل ذلك لأخسر أمامك، جعلتني أتنازل لك عما أملك، حتى فتاة أحلامي خسرتها لأنني أصبحت لاَ أمْلِكُ فَلْساً وَاحِداً.
تراجع للخلف حتى تعثرت قدميه فسقط أرضاً وظل يزحف بظهره للخلف وهو يشير له بضعفٍ على ما يحمله بين يديه:
_لا "ماكس" لا تفعل أرجوك.
صعقت "إريكا" حينما وجدت الشباب يلتفون من حوله، فهرعت إليه وهي تصيح:
_دعه وشأنه.
اتجهت أنظار الشاب إليها، فقال وعينيه تكاد تلتهمها:
_لنرى ماذا يوجد هنا!
ثم جذب معصمها ليبعدها عنه، ليشير لمن يقف جواره فحمل عنه المطرقة ثم هوى بها على أجزاءٍ متفرقة من جسده، ليصرخ ألماً، عاد الشاب ليقف من أمامه مجدداً قائلاً تلك المرة:
_نهبت مالي بالحيلة وها أنا أسترده منك.
قال كلماته الأخيرة وأصبعه يشير على سيارته، ثم استكمل وهو يجذب "إريكا" إليه دون حياء:
_وتركتني فتاتي بسبب ما فعلته لذا ستصبح هي ملكي وحينها سيكون الأمر منصفاً.
وقبل أن تتمكن يديه من لمسها أرتعشت أصابعه وكأن ماس كهربائي ضربه في مقتل، ليظهر من أمامه فجأة بجسده المتصلب، عينيه البنية تتطلعان على الوجوه بترقبٍ وثبات غلبهما بالخوفٍ، خرج صوته أخيراً حينما قال:
_إذا كنت تريد النجاة فلترحل برفقتهم بهدوءٍ.
تعالت ضحكات الشاب، ليردف مستهتراً:
_أفزعتني حقاً يا رجل!
ضيق عينيه وهو يراقبهما بصمتٍ وحينما أوشك أحداهما على الإقتراب أبعدها خلف ظهره ليكون في مقابلته، رفع الشاب المطرقة ثم هوى بها بقوةٍ كبيرة فرفع "ديكسون" ذراعيه، سقطت الضربة على ذراعيه فصرخ الشاب فزعاً حينما انصهرت المطرقة وكأنها لامست بركان مشتعل أفتك بها، تطلع الشباب لبعضهما البعض بذهولٍ، فقال "ماكس" لأحداهما ذو بنية ضخمة وأكثراهما قوة، إقترب منه ليحاول ركله بقدميه أو إصابة وجهه، فارتفع "ديكسون" بالهواء ومن ثم تنقل ليصبح من خلفه ليحاوط يديه بهالةٍ من صَيْهَد ليحاوطها بتحكمٍ ومن ثم قذفها قريبة منهما فصنعت فجوة عميقة يحومها ألهبة تتأكل وتتمرد وكأنها أفعى، تحاول إلتهمهما لتكن بمثابةٍ إنذار إليهما، جف حلقهما جميعاً ليهرولوا ركضاً من أمامه، فعاد ليلامس بقدميه الأرض من جديدٍ، زحف "جوردن" للخلف بفزعٍ مما رأه وحينما أسرعت إليه "إريكا" لتسأله بقلقٍ:
_هل أنت بخير؟
تجاهل سؤالها عن حاله، ثم أشار لها بيديه عنه:
_من هذا الرجل بحق الجحيم!
ابتسمت بثقةٍ وهي تهمس له:
_أخبرتك.
عاونته على الوقوف على قدميه ثم تابعت بقولها المتعجرف:
_هل أصبحت الآن تصدق ما أخبرتك به؟
لعق شفتيه بارتباكٍ وخاصة حينما عاد "ديكسون" ليقف جوارهما من جديدٍ، ومن ثم استلقوا سيارة أجرة للمغادرة، فأبتلع الصمت الأخير طوال الطريق، فقط يتابعه بخوفٍ كلما تطلع إليه وكأنه حرارة متنقلة ستؤدي بحياته، وصلوا سوياً للمنزل فهبطت "إريكا" و"ديكسون" الذي انحنى على نافذة السيارة الأمامية فقفز "جوردن" بمحله وهو يردد بخوفٍ:
_ماذا هناك؟
ابتسم "ديكسون" بمشاكسةٍ:
_لا شيء فقط كنت أتمنى لك أمسية سعيدة.
حدجه بنظرة مرتاعة ثم أشار لسائق التاكسي بأصبع مرتجف:
_لننطلق.
غادرت السيارة فأتبع "ديكسون" "إريكا" للأعلى بابتسامةٍ تسلية.
*********
انتظر "أركون" أصدقائه بمكانهما الخاص لأكثر من ساعتين ولم يأتي أحداً منهما، فكاد بالرحيل؛ ولكنه توقف حينما وجد "إيمون" أمامه، فسأله باهتمامٍ:
_لقد انتظرت طويلاً أين كنت!
تمدد على الصدف الملقي ليريح جسده المنهك، ثم قال:
_أتى أبي وأمي للمملكة فكان من الصعب الخروج بذلك الوقت .
جلس "أركون" لجواره ثم سأله بدهشةٍ:
_وأين "ديكسون" لا أراه منذ الصباح هو الأخر؟
_اصطحب الملكة لعالمها، علها تشتاق لرؤية أناس تنتمي إليهم.
هز رأسه بتفهمٍ وقد عادت تلك الأفكار التي تربطه بتلك الفاتنة تهاجمه من جديد، فتنحنح قليلاً وهو يتحدث إليه:
_أخبرني "إيمون" هل تظن بأن الملك قد يشن حرباً ضد ابن عمه "سامول"؟
التفت إليه وقال بتخمينٍ:
_لا أعتقد ذلك .
عاد ليتساءل من جديدٍ:
_لا أعلم ما سبب هذا العداء الكبير بين"سامول" والملك، فماذا كان يتوقع عقوبة من أراد قتل الملكة وما تحمله بأحشائها! لا أراه خاطئاً بقتله "أدلر".
استقام" إيمون" بجلسته ليكون مقابله، فمنحه نظرة متفحصة قبل أن يسأله بشكٍ:
_ما بك "أركون" لماذا بت مهتماً بالعدواة التي تجمع الملك ب"سامول"؟
ارتبكت نظراته، فأجابه بتوترٍ ملحوظ:
_ماذا تقصد!
_أنت تعلم ماذا أعنيه بالتحديدٍ.. فجأة صار الأمر يهمك هكذا!
عبث بخصلات شعره الأشقر ليجيبه باستسلامٍ:
_أعتقد بأنني أعجبت بشقيقة "سامول".
ابتسم وهو يردد ساخراً:
_هذا ما كنت أخشاه!
***********
تحركت" لينا" بنشاطٍ كبير لترص أطباق الطعام على الطاولةٍ، فعاونها "كيفن" بحبٍ حتى "روكسانا وضعت العصائر والمياه، فجلسوا جميعاً ليتناولوا الطعام، فقطع"كيفن" صمتهما قائلاً:
_أخبريني "روكسانا" هل الأمور بالمملكة على ما يرام؟
قالت وهي تلوك طعامها بتلذذٍ:
_تعلم "كيفن" بأنه من الصعب تقبل الشعب لديكسون كوني بشرية؛ ولكننا نحاول قدر المستطاع أن يتقبله طوائف الشعب بأكمله.
هز رأسه وهو يردد بتفهمٍ:
_سيتقبلونه مع الوقت مثلما تقبلوكي ملكة لهم.
_أتمنى ذلك.
نهضت "لينا" عن مقعدها ثم انحنت لتحمل قطع من اللحم المشوي لتضعه أمام "ديكسون" مشيرة له بتحذيرٍ:
_تناول طعامك وكفاك شروداً.
منحها ابتسامة صغيرة ثم بدأ بتناول طعامه، فعلى الرغم من بناية جسد"ديكسون" المختلفة الا أنه كان يأكل طعام البشر دون أي ضرر لإختلاط تكوينه بالنسل البشري، عاد من جديد لشروده بذاك اليوم الكحيل الذي لن يتمكن به من رؤياها، إعتادت عينيه إحتضان نظراتها الفيروزية حتى وإن كانت تنطق بالكره الشديد إليه، قلبه البشري النابض داخل جسده عرفت هي كيف تصوب ضربتها القاضية إليه، لا يعلم إن كان سيحتمل قضاء تلك الليلة من دون رؤيتها أم أنه سحارب ذاته بأنها لا تعني له شيئاً.
سكنت السعادة صفحات وجه "إريكا"، فكانت تظن بأن ما فعلته بشأن مقابلته" جوردن" قد استنزف غيرته، ظنت بأنه يحبها لذا يشعر بالضجرٍ من علاقتها به.
*********
الشلالات المندرجة أسفل بعضها البعض هي عشقها الوحيد، لطالما تأتي "زمرد" خلسة لتداعب حبات المياه التي تنقسم في مظهر مبدع تحمل مزيج من اللون الرمادي والأزرق الفاتح، ومن أسفلها تضيء الطحالب لتجعل المياه مشعة كضوء النهار الصافي، شعرت "زمرد" وكأن المياه تناديها فلم تستسلم لندائها وألقت ذاتها بداخلها، تغوص عالياً على سطحها النادي، حبست أنفاسها أطول وقتاً ممكن أسفل سطحها ثم تصعد على الموج لتلتقط أنفاسه، فكانت تمتلك القدرة على قضاء أكثر من نصف ساعة أسفل المياه ومن ثم تصعد لسطحه، تخشب جسد "زمرد" حينما حاولت الصعود لسطح المياه؛ ولكنها لم تستطيع ذلك، فشعرت وكأن هناك من يقيد حركة قدميها، فسحبت ساقيها بكل ما تمتلكه من قوة عظيمة؛ ولكنها فشلت بالتحرر، انسحب جسدها أسفل المياه فرأت بوضوحاً حوت ضخماً يواجهها، يتمسك بها بذراعيه المخيفة ذات اللون الأسود، فكان يمتلك أذرع كالأخطبوط!
اختنقت "زمرد" وكادت بأن تواجه موتها، فعصفت بجسدها لتتحول سريعاً لهيئة السيرانة «حيوانات أو مخلوقات سحرية أسطورية تملك وجه نساء جميلات و أجساد طيور كانوا قادرات على سحر العالم بغناءهم و صوتهم الجميل.»
تمكن جسدها من التحرر بشكلٍ كامل منه فأسرعت بالسباحةٍ حتى وصلت للأرض الصلدة البعيدة عن المياه التي تخفي بداخلها ما لا يشابه جمالها المخادع، التقطت "زمرد" أنفاسه المتقطعة بصعوبةٍ بالغة فحتى التنقل للمملكة أمراً شبه محال وهي بحالتها الهزيلة تلك، رفعت رأسها المبلول للأعلى قليلاً حينما استمعت لصوتٍ مخيفاً يأتي من المياه، فصعقت حينما وجدت مياه الشلال ينحسر حتى صعد عالياً ليطوف بما ظنته مجرد حوت، وقف على رجليه التي ظهرت فجأة لتسقط هيئته البحرية ومن ثم تحول لذئبٍ شرس، تراه لأول مرة بحياتها، ازدردت "زمرد" ريقها الجاف بصعوبةٍ بالغة، فتراجعت للخلف وهي تحول الإستناد على جذعيها، تجمعت الدموع بمقلتيها وهي ترى نهاية لحياتها دون مجهود منها بالدفاع عن نفسها، اقترب هذا الكائن منها بخطواتٍ متهدجة وكأنه يتعمد انتزاع حياتها أكثر من مرةٍ، وقبل أن يطولها بمخالبه الحادة كان "أركون" و"إيمون" في مواجهته، أخرج "إيمون" سيفه المضيء ليلوح به بوجهه عله يخيفه، بينما ردد "أركون" في صدمةٍ:
_وحش الآكلوت!
كاد بأن تلامسه مخالبه فتراجع للخلف وهو يشير لإيمون بأن يشتت انتباهه عن تلك البقعة بالتحديدٍ حتى تنجو الأميرة بحياتها، وبالفعل حلق "إيمون" عالياً ليصبح بالأتجاه الأخر له، فتفادى مخالبه الحادة بحرافيةٍ، بينما حمل "أركون" "زمرد" بعيداً عن تلك البقعة، ليضعها جانباً، تأوهت من الآلآم المتفرقة التي ضربت جسدها فهمس "آركون" بصوتٍ حزين:
_ستكونين على ما يرام.
كاد بالعودة لمساعدة "إيمون" فتمسكت بمعصمه وهي تجاهد للحديث:
_كن حذراً.
بالرغم مما يواجهه ولكنه ابتسم رغماً عنه ليشير لها قائلاً:
_لا تقلقي.
ثم تركها وأسرع لينضم لإيمون، تثبتت نظراتهما سوياً عليه ليشير له بأن يبدأ بالهجوم، وبالفعل كور "إيمون" يديه لتتجمع هالة عظيمة من حوله، فنجح بشل حركاته ثم صرخ بأركون بتحذير:
_أسرع لن أتمكن من السيطرة عليه كثيراً.
جذب السيف الملقى أرضاً ثم أخرج سكين أخر، فحلق بجسده عالياً ومن ثم اعتلى جسده العملاق ففصل عنقه عن رأسه، ليسقط أرضاً ومن فوقه "أركون"، ليشير له باعجابٍ:
_أحسنت صنعاً يا صاح.
لم يعجبه جملته فصححها قائلاً:
_بل أحسنا.
وأسرع"آركون" تجاه "زمرد" فوجدها غائبة الوعي، فقال بحيرةٍ:
_ماذا سنفعل الآن؟
أجابه "إيمون" بعد فترة من الصمت:
_لا أعلم، دعنا نحملها للملك وهو من سيقرر أمرها.
أشار برأسه باقتناعٍ ثم حملها بين ذراعيه، ليتخفى بها ومن ثم ظهر بمملكة السراج الأحمر.
***********
وقف "ديكسون" بشرفة الغرفة يتطلع للسماء بسكونٍ عجيب لا يعبر عن العاصفة التي تجتاح مشاعره، شوقه لها يتمرد بكل ما يمتلك ليحمسه بما يفكر، فأندفع بطاقته ليعلو إرتفاعٍ شاق عن الأرض، ومن ثم إخترق الكواكب ليصل بعد مدة لمملكته فاتجه للكهف السري لعله يجدها، ابتسم "ديكسون" حينما وجدها تترقب وصوله بلهفةٍ فشلت باخفائها بنظراتها التي تتقرب الصخور من أمامها، بخفةٍ اقترب حتى بات جوارها، فقالت دون أن تستدير:
_أول مرة لم أجدك بانتظاري!
جلس جوارها ليجيبها بابتسامةٍ شتتها:
_ربما فعلت ذلك علك تعلمين ماذا أعني لكِ.
شردت قليلاً قبل أن تقول بانهزامٍ وكأنها تود أن يستمع إليها أحداً:
_في بعض الأحيان ينفرض عليك قيود تجاه بعض الأشخاص من قبل حتى أن تلتقي بهم.
ثم التفتت إليه وهي تستكمل:
_وهذا ما يحدث معي "ديكسون"، الكره الذي ولد بداخلي تجاهك لا أستطيع محاربته.
بقيت ابتسامته الساحرة على وجهه، ثم رفع أصابعه ليحتضن وجهها برفقٍ، هامساً بصوتٍ أزال حاجز الكره كالجليد:
_أحبك" ألماندين".. أحبك كثيراً.
ثم استرسل:
_ليتني أعلم ما الذي اقترفته بحقك.. ربما أعاقب نفسي على ما فعلته.
انسدلت دمعة قاتلة من عين أميرة الحوريات، لتضعف قليلاً وتفصح عما بداخلها:
_كنت صغيرة حينما أخبروني بأن أمي قد قتلت.. كنت صغيرة "ديكسون" حينما أجبرت على حمل السلاح وخوض التدريبات الشاقة حتى أتمكن من الأنتقام مما حدث معها.
سألها في اهتمامٍ:
_من الذي قتلها؟ ولماذا؟
أفاقت من غفلتها التي ساقتها مشاعرها المرهفة إليها، فأبعدت يديه عنها ومن ثم أزاحت الدموع العالقة بعينيها وهي تهمس بصوتٍ متقطع من أثر البكاء:
_علي الرحيل.
جذبها بعنفٍ وهو يصيح بها بانفعالٍ:
_ليس قبل أن تجيبيني!
رددت بعصبيةٍ:
_ابتعد.. أود العودة بالحال.
وكادت بأن تنادي "كاديان" فحملها مجدداً ليتخفى بعيداً عن الكهف، فأخشونت نبرته وهو يردف:
_مللت وأنا أنتظر سماع ما فعلته لأستحق تلك القسوة!
ثم صاح:
_والآن أخبريني ما الذي فعلته؟
فشلت بالتحكم بانفعالاتها فصرخت به بجنونٍ:
_قتلت أمي "ديكسون".. أنت من فعلت.
صُدم ببدء الأمر، ثم ردد بعدم استيعاب:
_كيف؟ لا لم أفعلها!
أجابته بدموعٍ وتحدٍ:
_بلى فعلت، أنا ابنة" درين" التي كنت السبب بقتلها.
بقى صامداً وهو يرد عليها:
_تعاقبيني على شيئاً ليس بيدي! لا أعلم ما الذي حدث بالتحديد ولكن هي من أرادت قتل أمي بالبداية هي الخائنة "ألماندين"!
صرخت بوجهه بغضبٍ:
_لا تنعتها هكذا، بالنهاية هي أمي.
تطلع لها بصمتٍ مطول، ثم قال بحبٍ اتبعه كالظل:
_هل يجب علينا دفع أخطاء الماضي! أعلم بأن هناك حباً ينبض داخل قلبك تجاهي أما هذا الكره فأصبح لا وجود له.
تعالت ضحكاتها بالرغم من الدموع التي تتساقط من عينيها، ثم قالت:
_أي حبٍ هذا هل جننت لأحبك أنت؟
ثم ابتعدت عنه لتنادي" كاديان" بصوتٍ مرتفع فأتت إليها سريعاً، إنحنت لتصعد على جسدها وقبل أن تغادر قالت:
_لن تجمعنا أي علاقة قط يا ابن البشرية.
ثم غادرت من أمام عينيه، تاركة خلفها عبيرها الذي بتسلل بين نبع فؤاده، فألتقط نفساً مطولاً عله يحبس رائحتها العطرة بداخله.
**********
بمملكة "السراج الأحمر"
وضعها "أركون" على الحجر المستطيل الشكل الموضوع بأحد جوانب القاعة، تأملها "لوكاس" بذهولٍ ثم تساءل بدهشةٍ:
_ماذا يحدث هنا!
بإيجازٍ شديد قال "أركون":
_هاجمها الآكلوت على الشلال!
أشار"لوكاس" لإيمون قائلاً:
_أحضر "ضي" بالحال لترى ماذا بها؟
انحنى في طاعةٍ ثم تخفى من أمامهما سريعاً، نهض عن عرشه ليهبط للأسفل فتطلع لها بنظرة متفحصة ليردد باسترابةٍ:
_تلك الكائنات تكن لنا الولاء ولم تجرأ يوماً على مهاجمة أحداً بمملكتنا، كيف حدث ذلك؟
ظهر" ديكسون" بالقاعة فجأة ليجيب أبيه:
_تلك ألاعيب "بيلين" من تتوقع غيره!
تدخل "أركون" بالحديث، ليفكر بصوتٍ عالياً:
_وماذا سيستفيد بقتله لشقيقة "سامول"؟
رد عليه"ديكسون" ببسمةٍ ساخرة:
_يحرص على إشتعال النيران بين الملك و"سامول" حتى يتمكن من الوصول لمبتغاه.
التمع شرارة من الغضب بعين "لوكاس"، فعاد ليجلس على العرش مجدداً قائلاً بوعيد:
_سنرى من الذي سينتصر بالأخير!
*********
انتهت" ضي" من فحصها، ثم تركتها تستريح قليلاً فخرجت لتجد "إيمون" بانتظارها، فقالت:
_هي بخير، تركتها ترتاح حتى الصباح..
أومأ برأسه ثم غادر قائلاً:
_سأبلغ الملك بذلك.
وبالفعل أخبر "إيمون" الملك بما قالته والدته فسمح لها بالبقاء بالمملكة، أما "إيرلا" فأسرعت تجاه الجناح بعدم تصديق مما أخبرتها به "ضي" من إنقاذ "إيمون" و"أركون "لها إلى موافقة الملك ببقائها بقصره، فظلت جوارها طوال الليل تنتظر أن تستعيد وعيها بخوفٍ شديد حتى غلبها النعاس فغفلت جوارها.
*********
تألقت الشمس بردائها الأصفر،لتحتل عرشها بكبرياءٍ فتوزع أشعتها لتكسو العالم بأكمله، استيقظت" روكسانا" من نومها ثم خرجت للشرفة لتتأمل هذا المنظر الرائع حينما تتعامد الشمس لتمنح الطاقة الإيجابية للجميع، استندت بذراعيها على السور الخارجي لتتأمل المارة بحماسٍ، تود التشبع من كل شيء حولها قبل أن تعود لموطنها من جديدٍ، وبالرغم من ذلك هناك شعور موحش يطاردها تشعر بالوحدة بالرغم من وجود الجميع لجوارها، ربما لأنه ليس هنا، العالم بأكمله يعني لها حينما يكون هو لجوارها، بدونه تشعر وكأنه يضيق بها، عادت "روكسانا" لتصبر نفسها من جديدٍ بأنها ستعود لموطنها خلال أيام بسيطة.
*********
بمملكة "ميغالودون"
إستشاط الملك غيظاً وهو يستمع لتابعه بفشل مخططه بقتل "زمرد" بذاك المكان القريب من مملكة "السراج الأحمر" حتى تكون إصبع الأتهام موجهة إلى "لوكاس" وابنه، طرق الصخر بقرونه الضخمة وهو يصيح بغضبٍ:
_كيف حدث ذلك؟
أخفض التابع رأسه بخوفٍ:
_لا أعلم مولاي.. كاد الآكلوت أن يقتلها لولا تدخل الأمير "إيمون" وقائد الحرس"أركون".
جن جنونه، ليصيح من بين اصطكاك أنيانه الحادة:
_خرجت الأمور عن سيطرتها.
_بالطبع خرجت عن سيطرتها "بيلين" كن حذراً بالمرةٍ المقبلة لن يمررها لك الملك "لوكاس".
جحظت عينيه في صدمةٍ حقيقية حينما وجد" ديكسون"يجلس على أحد المقاعد بقاعة مملكته، ويتناول أحد المشروبات المقدمة خصيصاً له، تخفى الكيان الذي يحمي جسده عن الأنظار ليصبح مرئي للجميع، فتابع ارتشاف مشروبه وهو يستطرد:
_أتيت إلى هنا كي أحذرك للمرة الأخيرة "بيلين".. خطأ جديد وستواجه ما هو أسوء من الموت تذكر ذلك جيداً.
ثم تركه ورحل بهدوءٍ مثلما دخل لمملكته، تأمل" بيلين" الفراغ من حوله بعدم تصديق من أنه كان هنا منذ قليل ويتحدث إليه، فالتفكير بالأمر يعجزه عن الاستيعاب، كيف تمكن من الدخول وكيف يمتلك الجرءة لتتحدث معه هكذا وهو بداخل مملكته وحاشيته!
انفجر صارخاً بصوتٍ زلزل الأبدان جميعاً:
_أحضر لي "رودوليت" في الحال.
انحنى التابع بوقارٍ ثم إختفى لينفذ أمره..
********
صعق "سامول" حينما علم بمكوث شقيقته بقصر "لوكاس"، فأسرع لمملكة "السراج الأحمر" سريعاً، لم يأبه لما سيواجهه بالداخل، فكان أقصى ما يشغل تفكيره هي "زمرد"، تعجب بعض الشيء من الإحترام الغريب الذي أبداه له الحرس حتى أنهم سمحوا له بالدخولٍ فور رؤياه، وأرشده أحداهما للقاعة الرئيسية، فتخطى الحواجز الداخلية حتى صار أمام عرش" لوكاس" المهيب، فما أن رأه حتى قال بتعصبٍ شديد:
_ماذا فعلت بشقيقتي"لوكاس"؟
وقبل أن يستمع له صاح بعدوانيةٍ غير مكتثر بأحداً:
_إذا كنت تعتقد بأنك ترد الصاع إلي تكون مخطئاً.. ابنتك هي من لجئت لي ولست أنا من أرغمها على البقاء بمملكتي.
مزق" لوكاس" صفحات الصمت حينما قال باتزانٍ وحكمة:
_مهلاً "سامول" أراك مندفعاً فتاهت عنك الحقيقة ولم ترى سوى ما أردت رؤياه!
ثم تابع بهدوءٍ وهو يشير إليه:
_إن كنت أقدم المساعدة لغريب يحتاجني كيف سأتخلى عن ابنة عمي! .
لم يفهم مغزى حديثه، فتساءل في دهشةٍ:
_ماذا تقصد؟
ارتسمت ابتسامة صغيرة على جانبي شفتيه، ليشير لأحدى الجواري قائلاً:
_ربما إن استمعت إليها سيكون أفضل.
منحه نظرة أخيرة قبل أن يتبع الجارية التي قادته لجناح بالطابق العلوي، ولج للداخل ليجدها غافلة على فراش وثير، ولجوارها تجلس "إيرلا" مستندة برأسها على حافة الفراش مغلقة العينين، لا يعلم ما الذي جذبه إليها فظل يتأملها لدقائقٍ مطولة كالمعتوه، فأنتبه لحركتها العشوائية التي كادت باسقاطها أرضاً فأسرع ليحملها بين ذراعيه قبل أن ترتطم بالأرض، فتحت عينيها بانزعاجٍ تبخر حينما تناغمت عينيها بين نظراته الفاتنة، فرددت بنومٍ:
_أمازلت أحلم بك!
ثم أغلقت عينيها وهي تهمس بتكاسلٍ:
_أتمنى أن يتحقق حلمي ذات يوماً.
ابتسم "سامول" فعاونها على النهوض وهو يخبرها ساخراً:
_ربما!
لامست قدميها الأرض فتحملت عليها، جحظت عينيها بعدم استيعاب لما حدث منذ قليل، فاستدارت لتكون قبالته، ابتلعت ريقها بصعوبةٍ وهي تتساءل بصوتٍ منخفض:
_"سامول" هل هذا أنت حقاً؟
منحها نظرة ساخرة قبل أن يستكمل خطاه القريب من شقيقته، فرفع يديه يزيح خصلات شعرها الأسود، وهو يناديها بقلقٍ:
_"زمرد".. إفتحي عينيكِ.
رفعت يدها تفرك جبينها بألمٍ، فحاولت رفع أجفناها الثقيلة فما أن رأت أخيها حتى ارتمت بأحضانه تبكي بقهرٍ وهي تردد بصوتها الشاحب:
_كان الموت قريب مني "سامول"..
أبعدها عنه ليجبرها على التطلع إليه وهو يسألها بلهفةٍ:
_أخبريني ماذا حدث؟
التقطت أنفاسها ببطءٍ وهي تقص على مسمعه ما حدث بذاك الشلال إلى أن تدخل" أركون" و"إيمون" لمساعدتها، إلتهبت حواسه وهو يتخيل ما تعرضت له وشعر بالاسترابةٍ مما أقدم الأمير وقائده على فعله، جذبها "سامول" ليضعها على الفراش برفقٍ ثم وجه حديثه لإيرلا الشاردة به:
_إعتني بها جيداً لحين عودتي.
هزت رأسها بحرجاً شديد مما إرتكبته منذ قليل، ثم عادت لتجلس جوارها مجدداً، فأمسكت ذراعيها وهي تسألها باهتمامٍ:
_هل أنتِ بخير الآن؟
ابتسمت وهي تجيبها بدلالٍ:
_بخير لأنكِ جواري "إيرلا".
أمسكت بيدها وهي تهمس لها بخوفٍ:
_ترى ما الذي سيحدث بالأسفل الآن؟
*******
هبط" سامول" للأسفل، فوجد عمه يجلس على مقدمة المائدة الطويلة وعلى يمينه كان يجلس "لوكاس" ، دنا حتى أصبح قريباً منهما فقال بترددٍ:
_ما فعلته مع "زمرد" دين برقبتي وحينما يحين الوقت سأرده إليك "لوكاس".
نهض" لوكاس"عن مقعده ثم وقف قبالته قائلاً:
_لا دين بيننا "سامول".. فعلت ما وجدته صحيحاً.
أخشونت نبرته وهو يقول:
_ما حدث لم يبدل شيء فمازلت بعيني قاتل أبي.
أبعد الملك" شون" المقعد المجاور إليه وهو يشير بهيبته التي لم تتخلى عنه يوماً:
_إجلس "سامول".
زفر بضيقٍ ظاهر ثم تحرك كالألي ليجلس جواره، سكنت تعابير وجهه المسن قليلاً قبل أن يتحرك فكيه ناطقاً:
_لا أحد يرغب في كسب عداء أخيه بني.. أعلم بأن قد مر الكثير من الوقت على هذا الحديث ولكن دعني أفرغ ما بجعبتي علني أرتاح قليلاً.
ثم التقط نفساً لينفثه على مهلٍ ليستكمل كلماته:
_لم أختار لنفسي العرش بل نسب إلي لأنني أكبر من والدك، ومع ذلك كنت أرغب بعيش حياة هادئة بعيداً عن كل تلك الصراعات التي رآها أبيك مميزات لا يمتلكها، فجاهد كثيراً لإنتزاع الملك مني وحينما فشل كان يترقب لحظة موتي لتمنح له الفرصة مجدداً بالاستيلاء على العرش وحينما رزقت بفتى لم أراه سعيداً بل إنزعج لأن تلك الفرصة باتت شبه مستحيلة، فحاول مراراً قتل"لوكاس" وحينما فشل بذلك حاول جاهداً بقتل ابنه الذي لم يخلق بعد!
وبحزنٍ خيم على أحباله الصوتية أضاف:
_أخبرني الآن ماذا إرتكبت بحقه ليكرهني هكذا!
رفع "سامول" عينيه تجاهه ليسأله بغموضٍ:
_ألم يكن هناك حلول أخرى سوى قتله!
كاد "لوكاس" بأن يتحدث ليكشف هذا السر عل الأمور تهدأ فيما بينهما، فأمسك الملك "شون" يديه ليشير له بالصمتٍ، ومن ثم أجابه بثباتٍ:
_ربما إن كان يمتلك حباً تجاه عائلتي يوماً!
تمكن الإرتباك منه، فنهض عن مقعده ثم ابتعد ليشير للتابع قائلاً:
_أخبر "زمرد" بأنني بانتظارها بالاسفل.
كاد التابع بالصعود للأعلى فأوقفه "لوكاس" ثم وجه حديثه إلى "سامول":
_أتركها حتى تتعافى.." ضي" لجوارها تتابع حالتها جيداً.
أكتفى بإيماءةٍ بسيطة من رأسه ثم غادر دون أن يضيف كلمة واحدة، شعر وكأن عمه لم يخطئ تجاه ما فعله والده ولكن رغماً عنه لا يتقبل أن يكون وسط أناس قتلوا أبيه!، بمجرد خروج "سامول" من المملكة بأكملها، حتى قال "لوكاس" لأبيه بعتابٍ:
_إلى متى سنترك العداوة تكبر بيننا أبي لماذا لا نخبره بالحقيقة؟
أجابه "شون" بتعابيرٍ ساكنة:
_حينما يحين الوقت المناسب سينكشف كل شيء.
********
أسرعت الملكة "رودوليت" إلي مملكة "ميغالودون" بعد أن تلقت الأمر من التابع، فما أن ولجت للداخل حتى إنحنت بوقارٍ:
_فليحيا الملك "بيلين" العظيم.
صك أسنانه بحدةٍ وهو ينظر في إتجاهها:
_اليوم سنتخلص من "ديكسون" قبل الغد.
ابتسمت بانتصارٍ فأخيراً ما رغبت به سيتحقق، فقالت بلهجةٍ متعجرفة:
_علمت الآن بأن "ديكسون" هو من يشكل خطراً.. فأن كنت تريد المملكة والعرش عليك التخلص من حامي الملك.
جذب "بيلين" العلبة الصغيرة الموضوعة لجواره، ثم قدمها للتابع الذي حملها إليها بحرصٍ شديد، ففتحت "رودوليت" العلبة فبرقت بعينيها بانبهارٍ شديد، حينما رأت خاتم رمادي بفص من الألماس الأسود الساحر، فكادت بأن تضعه بيدها فأسرع "بيلين" بالحديث:
_توقفي.. هذا ليس خاتماً عادياً.
تأملته جيداً بعدم فهم، فأوضح لها مقصده حينما أشار لها بأن تقلب الخاتم، فوجدت سن رفيعاً يتدالى من أطرافه، ثم قال:
_الأبرة الصغيرة تلك حينما تخترق الجلد تنتقل مادة الزرنيخ تلقائياً بالجسد.. ذاك السم الفعال سينهي عليه في الحال.
اتسعت ابتسامتها بحقدٍ دافين لتحقيق أحلامها بقتل ابن "لوكاس" ومن ثم تحقق انتقامها لشقيقاتها وأخيراً تحقق هدفها الأساسي بالسيطرة على المملكة بحيلتها الماكرة التي تود أن يكون هو ضحيتها، حملت الزجاجة بين يدها بحرصٍ شديد ثم رفعتها أمام عينيها وهي تردد بحقدٍ:
_قريباً سأحقق ما أتمناه.
ثم تابعت بقول:
_سأجعلها تفعل ذلك.
ثم غادرت لمملكتها سريعاً، فلديها عملاً هام، تحريض "ألماندين" على تنفيذ هذا المخطط المدروس ولكن هل ستوافق هي على فعل ذلك؟
******__________*******
بشرية أسرت قلبي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل التاسع..
( ترى هل عشقك القلب؟.)
ذهب "جوردن" لمنزل "إريكا"، فكان يود رؤيتها بعدما حدث بالأمس، فجلس بالصالون ينتظرها، فما أن رأها حتى اندفع بالحديث:
_" إريكا" لم أستطيع النوم من كثرة التفكير بالأمر هل حقاً "ديكسون" ليس بشرياً؟
ابتسمت وهي تهمس بصوتٍ منخفض ساخر:
_مازال يتساءل!
علل ما يقصده:
_لو لم أرى ما فعله بالأمس لأتهمتك بالجنون!
شردت "إريكا" قليلاً، فارتسمت بسمة خبيثة على شفتيها حينما فكرت فيما يستنزف عاطفته، فنادت "ديكسون" بصوتٍ مرتفع، فزع "جوردن" وكاد بأن يسقط قهوته أرضاً حينما ظهر "ديكسون" فجأة من أمامهما، ليتساءل بجديةٍ تامة:
_ما الأمر "إريكا"؟
تأملته بنظرةٍ تسلية، ثم قالت:
_أنت تعلم بعلاقة الحب التي تجمعنى ب" جوردن"، وربما قريباً سنعلن زواجنا.
كان يعلم بأنها تفعل كل ذلك لتثير غيرته، غلت الدماء بعروق "ديكسون" وهو يرى تلك الحمقاء تنتزع حياتها لأجل الإنتقام من رفضه لها، فحاول الحفاظ على ثباته وهو يتساءل بعدم فهم:
_هل استدعيتني لأجل ذلك.
نفت ذلك قائلة:
_بالطبع لا.. أريدك أن تنقلنا للمملكة عل "جوردن" يصدقني بنهاية الأمر سيصبح من العائلة.
نقل نظراته القاتلة بينها تارة وبينه تارة أخرى، ليشير لها بتتبعه بحزمٍ:
_اتابعيني.
نهضت عن مقعدها ثم أشارت للأخر:
_سأعود بعد دقائق.
ثم تركته ولحقت به للداخل، فقصد غرفته ليوصد الباب وهو يعاتبها بضيقٍ:
_ما الذي تفعلينه "إريكا"؟ تفضحين سر المملكة بتلك السهولة؟
تعمقت بالتطلع لعينيه، وكأنها تحاول استكشاف غيرته ، ثم قالت :
_" جوردن" ليس غريباً عنا "ديكسون" أخبرتك بأنه سيصبح زوجي.
ابتسم "ديكسون" بسخريةٍ:
_عظيم، ستتزوجين من هذا الأبله الذي لم يستطيع الدفاع عن نفسه!
جاهدت لإخفاء سعادتها، فقالت بتذمرٍ مصطنع:
_لا يعنيني الأمر.. أنا أحبه "ديكسون".
بسخريةٍ قال:
_ بالأمس تخبرنني بحبك واليوم تحبين رجل أخر!
ضغطت على يدها بفرحةٍ، ثم وقفت أمامه لتجيبه على الشطر الأخير:
_كنت مخطئة، أو ربما لم أستطيع أن أفرق بين الصداقة والحب!
كتف ساعديه أمام صدره ومازال يتمتم بسخطٍ:
_ربما.
عادت لتتساءل بلهجةٍ أكثر حدة:
_هل ستنقلنا للمملكة أم لا؟
حدجها بنظرةٍ قاتمة، لتتحول للباب الذي طرق أكثر من مرةٍ ومن ثم إنفتح ليطل" جوردن" من خلفه ثم قال:
_تأخرتي كثيراً "إريكا".. كل شيئاً على ما يرام أليس كذلك؟
انقطع أحباله الصوتية حينما حُمل ليرى جسده محلق بأعنان السماء، حاول الصراخ أو حتى الحديث، ولكنه عجز عن ذلك، وكأن لسانه قد تصلب، تقلصت حجم بلدته حتى إختفت تماماً من أمام الأعين، ليرى بعد ذلك ما هو أشبه للخيال، الكواكب التي لطالما قرأ عنها يراها لأول مرة بعينيه، وفوق كل ذلك جسده يخترق كوكب يجهله حتى بات يقف على سطحه!
تحكم"ديكسون" بالسيطرةٍ على إنفعالاته، ليأمر بفتح الحاجز الذي يفصلهما عن المملكة، وبالفعل إنفتح ليرى "جوردن" مملكة كاملة من خلفه، تدلت شفتيه السفلية للأسفل من هول ما رآه، ربما كان يظن بأن "إريكا" واسعة الخيال أما ما يراه الآن يعجز اللسان عن وصفه، صخور ضخمة يراها لأول مرة بُنيت منها جدران تلك المملكة العريقة، النقوش التي تحيط بالحوائط مبهمة له، ولكنها توحي بدورة حياة كاملة على هذا الكوكب، ابتلع ريقه الجاف وهو يتأمل تلك الكائنات الغريبة التي تحيطه، الكل مشغول بعمله وكأن وجود البشر فيما بينهما أصبح أمراً معتاد، والأغرب من ذلك التقدير الكبير الذي لاقاه "ديكسون" منهما، فمن يمر من أمامه ينحني إحتراماً له، تحرر قيد الكلمات على لسانه فهمس ل"إريكا" في ذهولٍ:
_ لماذا يقدمون له الولاء هكذا؟
بابتسامةٍ كبيرة أجابته:
_لأنه ببساطةٍ الملك المستقبلي بعد أبيه.
اتسعت عيناه دهشة، قال:
_ماذا؟
رفعت كتفيها بدلالٍ وهي تؤكد له بتغطرسٍ:
_كما سمعت.
اتبعهم بصمتٍ حتى وصل للقصر، فتوقف "ديكسون" عن المضي قدماً، حانت منها نظرة جانبية لتجد الضيق بارز على معالمه، فتمادت حينما جذبت يد "جوردن" قائلة وهي تشير له على القصر:
_دعنا نتفحصه من الداخل.
لحق بها والأخر يقف محله ويتابعهما بنظراتٍ مغتاظة عن كشفها عن سر المملكة..
*********
بجناح "زمرد"
حرصت "إيرلا" على إطعامها بنفسها، ومن ثم قدمت إليها العقاقير التي أعدتها "ضي" خصيصاً لها، فتناولتها بتقززٍ من مذاقه المر، فقوست شفتيها بغضبٍ طفولي:
_هذا الدواء سيِّئ.
كانت هذة البذور التي أنبتت في صدرها سخرية مريرة:
_سأختار لكِ الأفضل بالمرة المقبلة.
ضحكت "زمرد" ثم استجمعت شتات شجاعتها لتقول وعينيها تتفحص الجناح:
_تفاجئت كثيراً حينما سمح الملك ببقائي هنا.. حتى"سامول" لم يعترض هو الأخر.
هزت رأسها بعدم إكتثار لما يفرح رفيقتها فما يشغلها أكبر من ذلك، إعتدلت "زمرد" بجلستها ثم قالت بارتباكٍ:
_"إيرلا".. لماذا لا تتراجعين عن ذلك الإتفاق اللعين؟ أخشى أن تواجهين غضب الملك فتصبحين وحيدة من جديد!
مرت ذاكرتها فوق كل كلمة قاسية سكنت عقلها دون رغبة منها، ثمة دافع خفي يجعلها تعذب نفسها باجترارٍ ، رفعت "إيرلا" كفيها تقاطعها، وقالت متعبة:
_لا أود الحديث بما هو متعلق بذلك الإتفاق "زمرد".
حاولت مرة أخرى علها تفيق من غفلتها:
_لا تنسي بأنه أخيكِ بنهاية الأمر.
اعترضت على محاولتها بالتدخل بقرار اتخذته سابقاً فقالت:
_دعك من هذا.
ثم تركت الجناح سريعاً حتى لا تتمكن من التأثير عليها مجدداً.
*********
بمملكة الحوريات التابعة للملكة"رودوليت".
رفعت العلبة أمام عينيها تتطلع إليها بنظرةٍ ساهمة، والأخرى مازالت تبخ سمها الذي زرعته منذ الطفولة، فقالت:
_تذكري جيداً ماذا فعل بخالتك وأمك؟
وجدت أصابعها ترتجف بارتباكٍ ظهر لها، فتابعت بقول:
_رغبتك بالإنتقام ستتحقق"ألماندين"، عليكِ فقط دس السم بجسده وحينها ستنتهي معاناتك.
التقطت منها العلبة وهي تجاهد باخفاءٍ تلك الدموع، تحاول استيعاب المشاعر الغريبة التي هاجمتها كالأقواس الحادة، لطالما كانت تنتظر تلك اللحظة.. تتمنى هلاكه فلماذا تفكر فيه الآن! وهو لا يملك شبراً واحد بقلبها، احتفظت " ألماندين" بالعلبة ثم قالت:
_حسناً سأفعل ولكن سألتقي بها أولاً.
لم تهتم كثيراً بذلك، فما الذي ستتمناه الأخرى سوى موتة سريعة له حتى يتحقق مرادها!
**********
إنتهت من جولتها بالقصر بصحبته، ثم اتجهوا للخروج للتلال الخضراء التي تحمي أحد جوانب المملكة، والشلال الذي يتدلى على الطرف الأخر، توقفت "إريكا" عن المضي قدماً حينما وجدت "إيمون" يقف أمامها، صدمته لم تقل عنها ولكن سعادته برؤياها فاقتها أضعافاً، فنادها بشوقٍ:
_"إريكا"!
التقطت عينيه صورة كاملة إليها يطبعها باشتياقٍ داخل صمام القلب، فجُلدت روحه حينما رأى شخصاً غريب يمسك يدها، بدى مشتت الذهن فليس هناك متسع بداخله لجرحٍ جديد، قطعت لحظات ترقبه حينما اقتربت منه هامسة:
_"إيمون" كيف حالك؟
واسته أحزانه بتلك اللحظة، ود لو يخبرها كم كان بائساً، محطماً، يرغب بأن يكون لجوارها يساندها حتى تجتاز ما تمر به، ولكن على ما يبدو له بأن هناك من فعل ذلك، نقلت نظراته لمن يقف على مقربةٍ منهما ثم تساءل:
_ماذا يفعل هنا؟
ردت بهدوءٍ متفهمة طبيعة الموقف:
_صديق لي.. لا تقلق "إيمون" لن يخبر أحداً بشيء.
فغر "جوردن" شفتيه معبراً عن دهشة مصدومة اعترته حينما وجدها تتحدث مع هذا الكائن الغريب، فديكسون يشبه البشر كثيراً أما "إيمون" فشكله مطابق للمملكة، سحب نظراته المتعلقة به ليتطلع لها ثم أخبرها بلطفٍ رغم جدية نبرته:
_انتبهي لنفسك جيداً "إريكا".. فكري جيداً قبل أن تتخذي أي قرار قد تندمين عليه فيما بعد.
لامست كلماته قلبها، وكأنه يخبرها بأنه يعلم بما حدث معها، يشدد على يدها ليمنحها الشجاعة لتمضي قدماً، وتتخطى أوجاعها، أفاقت من شرودها القصير فوجدته يشير لهما قائلاً:
_اتبعاني.
أسرعوا خلفه فمروا على بساطٍ يطوفه عدد من الكائنات الشرسة الخاصة بالجنود، فكان أحداهما يمتلك مخالب حادة تملأ جسده بأكمله وأخرون يتقوس فمهم كالفأس المدبدب، ومنهم من يمتلك أجنحة تشبه فقرات الديناصور، راقب"جوردن" كل شبر رآه باهتمامٍ فابتسم بمكرٍ حينما أخرج هاتفه ليلتقط عدد من الصور للمملكة والكائنات التي تحيطها، ثم سلط الكاميرا على "إريكا" و"إيمون" ليحدث ذاته:
_ ربما سأحتاج إليها فبالتأكيد لن يصدق أحداً ما رأيته.
عادوا لنقطة البداية بعدما انتهت جولتهم حول القصر، ليجدوا "ديكسون" بانتظارهما، فقال وعينيه تتابع "جوردن" بنظرةٍ ساخطة:
_فلنعود إن انتهت جولتكم!
أومأت "إريكا" برأسها، وقبل أن تغادر استدارت تجاه "إيمون" لتردد بشجاعةٍ:
_أعدك بأنني سأفكر بما قولته جيداً.
ابتسم فرحاً لتقبلها نصيحته دون أي تكبر منها أو نكرها لما تمر به، ابتسامتها الرقيقة ويدها التي تلوح له بوداعٍ مؤقت عادت لتضرم نيران العشق والهوى بداخل قلبه المنطفئ، فقال بعدما تأكد من مغادرتها:
_إلى متى سأحتمل هذا الألم اللعين!
*********
بذاك المعطف الأسود أخفت ملامحها جيداً ثم حرصت على الوصول للمكان الذي يتقابلن فيه سراً، انتبهت "ألماندين" لصوت خفقات تقترب لتصبح قريبة منها، فما كان الا كيانها الذي تشكل من أمامها، لتسألها بجفاءٍ وحدة:
_ما الأمر الهام الذي تريدين رؤيتي لأجله؟
بالرغم من فظاظة حديثها الا أنها تماسكت لتردد بوضوحٍ:
_لم تخلف أي من الحوريات عهدها يوماً، وها أنا قد وفيت بوعدي لكِ وصار عدد كبير من الشعب يبغض "ديكسون" بل يرونه لا يجدر بالملك بعد أبيه.
قطبت "إيرلا" حاجبيها في استغرابٍ، ثم رددت متعجبة:
_ألهذا أردتي رؤيتي!
أوضحت لها مقصدها:
_طلبت مني الملكة أن أقتل أخيكِ.
عبست ملامحها بعد أن تلقت هذا الخبر الصادم، فكانت تلك الفكرة مستبعدة تماماً، لا تريد أذيته أبداً كل ما تريده العرش، انتابها مشاعر مرتبكة وهي تحارب ما بداخلها فأن كانت إختارت تخطو هذا الطريق عليها أن تستكمله للنهاية، وجدت ذاتها تخبرها بعزيمةٍ نجحت بكسر الروابط:
_فلتفعلي إذا.
الشك الذي حل بعينيها أبلغ من أي كلمات، رأت التردد والخوف صريح على عينيها، نعم كانت تنوي "ألماندين" قتله ولكنها لأجل الحصول على مساعدة "إيرلا" أخبرتها بأنها ستكتفي بتدنيس صورته أمام الشعب، تخفت "ألماندين" دون أن تضيف كلمة واحدة، إختارت البقاء بعيداً لتجلد نفسها، أو علها تعلم ما الذي تريده بالتحديدٍ، رفعت الخاتم الذي ترتديه وهي تتطلع للسم القابع بداخله بنظرةٍ معتمة، تدفعها لمقارنات أربكتها أكثر مما هي عليه، فطرقت بيدها بقوةٍ على صدرها وهي تصرخ بجنونٍ:
_ماذا تريد؟ ليس منصفاً أن تحب من تسبب بألمك طوال تلك الأعوام.
وسمحت لجسدها بالإنهيار فتمددت أرضاً باستسلامٍ، حتى عبراتها الدافئة لم تتوقف عن الإنهمار، ومن ثم تحجرت بمقلتيها الفيروزية حينما تذكرت انهزامها، افتقادها لمواساة والدتها حينما كانت تحتاج لذلك، صورها التي رسمتها لها، محاولاتها البائسة لتذكر ملامح وجهها، أزاحت دمعاتها بأطراف أصابعها بقسوةٍ ثم نهضت وهي تهمس بعزمٍ:
_سأفعلها... من أجل أمي.
******
شعرت بالإختناق يحاوطها حينما باتت بمفردها بالجناح، تحملت "زمرد" على ذاتها ثم خرجت لشرفتها المفتوحة التي تطل على مياه الشلال الغائر، أغلقت عينيها بابتسامةٍ ساحرة ثم أخذت تلوح بيدها في الأفقٍ لتلامس بأطرافها الأمواج التي تداعبها، هتفت باعجابٍ:
_رائع!
أسرعت "زمرد" لتجذب وشاحها الموضوع جانباً لترتديه فوق فستانها الأسود، تاركة العنان لخصلات شعرها الطويل ثم اتجهت للهبوط للأسفل لتستكشف المملكة التي آسرتها بنفسها، تنقلت بكل إنشن بمملكة "السراج الأحمر"، تعجبت كثيراً حينما وجدت أقراص من معزوفة الياسمين النادر، فقطفته لتلامس ورقاته الناعمة وتحررها بيدها فترفرف لخفة حجمها، أتاها صوت من خلفها يتساءل:
_كيف حالك الآن؟
استدارت بفزعٍ، فتدلى شعرها الحريري على رقبتها الناعمة، فالتقطت أنفاسها على مهلٍ وهي تحاول التحكم بشعرها المتناثر، ارتسمت بسمة هادئة على شفتيها الوردية وهي تتأمل من يتساءل عن حالها، فقالت بحمرةٍ خجلة تسللت لوجهها:
_بخير.
وبتلعثمٍ قالت:
_كنت أبحث عنك.
رفع " أركون" حاجبيه مندهشاً:
_عني أنا!
ردت مطرقة الرأس للأسفل في ارتباكٍ جلي وقد نحول وجهها لكتلة ملتهبة من شدة خجلها:
_أردت شكرك على إنقاذك لحياتي أمس.
عشقت نظراته التطلع لوجهها، فقال بثباتٍ رغم عاصفة المشاعر الجامحة التي تهاجمه:
_لا عليكِ.
هزت رأسها بإبتسامةٍ صغيرة ثم كادت بتخطيه، فعنف نفسه على بروده في الحديث معها، عله يتمكن من البوح عما بغزو مشاعره، فركض خلفها قائلاً بأنفاسٍ شبه لاهثة:
_نسيت أن أحذرك بالإقتراب من الشلال بهذا الوقت مجدداً.
ابتسمت وهي تخبرها ببشاشةٍ:
_لا أستطيع ذلك.. حينما أشعر بحاجتي للذهاب لن تستطيع أي قوة من إيقافي.
سألها مستنكراً:
_حتى بعد أمس!
توقفت عن الخطى ثم استدارت لتكون مقابلة له، فبدأت موضحة له ما تعنيه:
_هناك وقتاً تنتابني رغبة بالجلوس أمام الشلال.. لا أعرف متى وكيف تهاجمني؟
ثم رفعت كتفيها بعفويةٍ:
_لا أستطيع مقاومته الا حينما أنعم برحيق الماء وصوت الأمواج.
برقت حدقتاه بوميضٍ متفائل، فرد مؤكداً بنبرة تذيب الجليد:
_أعرف هذا الشعور جيداً لذا صنعت مكاناً في عمق الشلال خصيصاً لي ولأصدقائي.
تدلت شفتيها السفلية وهي تردد بعدم تصديق:
_مكان بعمق الشلال.. كيف ذلك!
ثم تابعت بقولها المرح:
_لماذا لا تعتبرني إذاً من أصدقائك وتريني هذا المكان.
تهللت أساريره غير مصدق ما سمعه تواً، فجاهد لجعل لهجته منضبطة:
_حسناً غداً سأصطحبك.
بحماسٍ قالت:
_سأنتظر ذلك.
ثم تركته وغادرت وعينيه متعلقة بها، قلبه يرقص طرباً لهذا اللقاء المنتظر، ود لو كان أخبرها بالذهاب اليوم؛ ولكنه لا يدري لماذا أختار الغد، فمنح ذاته الصبر للغد وهو يهمس:
_سيمضي سريعاً.
ثم ترك الباحة الخارجية للقصر عله لا يراها مجدداً خشية من أن يفقد ثباته ووقار منصبه المرموق!
********
فور عودتها لعالمها أغلقت "إريكا" باب غرفتها عليها، لتحظى ببعض الوحدة علها تفق من غفلتها التي فقدت فيها نفسها ومبادئها، كانت تود الإنتقام من رفض "ديكسون" لها ولكن ماذا فعلت!
خسرت نفسها وشخصها في رحلة إنتقام زائفة، سألت ذاتها سؤالاً هام بتلك اللحظة، لماذا سينكر "ديكسون" حبها لو كان بالفعل كذلك؟ ، ربما تمادت كثيراً بدخولها لمثل تلك الأماكن الوضيعة وبالأخص علاقتها ب"جوردن"، لم تكن يوماً من تلك الفتيات التي تواعدن هذا الشاب والأخر، بل كانت نقية كزهرة الريحان، تنتظر من سيرويها بحبٍ لتنعم بحياةٍ مختلفة عن تلك التي كانت ستخوضها، كلمات "إيمون" كانت بمثابةٍ صفعة لم تتلاقها من عائلتها، تدفق الدمع من حدقتيها الحزينة على حالها، فجلست بالقرب من المدفأة وهي تردد بإنكسارٍ:
_ماذا فعلت!
تركت العنان لتلك الدموع تغسل أوجاعها، عليها الإعتراف بأنه لم يتقبل حبها، عليها تقبله كصديق وليس حبيب مطلقاً، ستنتظر حينما يخفق قلبها من جديدٍ؛ ولكن تلك المرة ستختار بعنايةٍ.
********
رفضت "ألماندين" اصطحاب "كاديان" برفقتها، فذهبت بمفردها للقائه، جسدها القوي كان يرتجف قهراً لما ستقدم على فعله، وبالرغم من ذلك تضغط على نفسها بقسوةٍ لتمضي قدماً، تعرقلت قدميها أكثر من مرةٍ وهي تتسلق هذا الإرتفاع الشاق وكأنها تود معاقبة نفسها قبل الإقدام على إيذائه، توقفت عن التسلق وهي تصرخ بنفسها بنزقٍ:
_ماذا حل بكٍ "ألماندين".. أليس هذا نفسه"ديكسون" الذي قتل أمك!
ثم دفعت الهواء العالق برئتيها على مهلٍ، لتستطرد:
_ليس هناك شيئاً سيجمعك به سوى الكراهية والإنتقام.
واستكملت طريقها حتى وصلت لمدخل الكهف الذي يحفه الأضواء الزرقاء لتمنحه جواً خالد بعيداً عن ذاك العالم الخارجي، دخلت وهي تبحث عنه وحينما لم تجده جلست لتتنظره كالعادة، فتفاجئت بصوته حينما قال:
_انتظرتك طويلاً!
*********
كالتائهة فشلت بتحديد وجهتها، كالتي فقدت هويتها بزمانٍ لا تعلمه، تحارب تارة دموعها وتارة قلبها النازف، انفطرت "إيرلا" باكية لتصرخ بأعلى صوت أمتلكته يوماً:
_لا.. لا أريد قتله إنه أخي بالنهاية.
ثم عادت لتنتحب بقهرٍ:
_لا أريد العرش والسلطة.. لا أريد عرش يملأه الدماء.
ونهضت لتمسح دموعها العالقة بأهدابها بقوةٍ ألهبت عينيها البنية، فشحب صوتها المتقطع وهي تلفظ:
_أريد أخي فحسب.
لم تجد من يعاونها على ما أوقعت نفسها به سواه هو، من تراه نجدتها وأمانها، انتقلت "إيرلا" لقصر "سامول" فبحثت عنه حتى وجدته بجناحه الخاص، كاد الحرس إعتراض طريقها فمن الذي يجرأ بإختراقٍ هذا الجناح دون أي استاذان، أوقفهم "سامول" بحزمٍ:
_اتركوها.
تباعدوا عنها فدنت حتى أصبحت قريبة منه، ثم رفعت عينيها التي تغرقها الدموع لتصيبه بربكةٍ استحوذت على شتى مشاعره، فرفع بيديه ذقن وجهها، ليسألها بلهفةٍ:
_ما بكِ "إيرلا"؟
ارتمت بأحضانه، باكية بصوتٍ مسموع، أغلق عينيه بقوةٍ وهو يحارب مشاعره تجاهها، كان ضعيفاً رغم قوته الجسمانية، فلف ذراعيه القوي حول خصرها ليقربها منه، أسكرته رائحة شعرها فجعلته كالمخمور، خشى أن ينجرف خلف رغباته أكثر من ذلك، فأبعدها عنه وبأنفاسٍ حارقة عاد ليتساءل:
_أخبريني لماذا تبكي؟
بكلماتٍ متقطعة من فرط البكاء قالت:
_أخبرتني بأنها ستقتل أخي ولم أوقفها "سامول"!
جحظت عينيه في صدمةٍ:
_من التي ستقتله؟
فركت جبينها بارتباكٍ:
_ابنة الملكة"رودوليت"، كنت أساعدها بالمعلومات التي أرادت معرفتها عنه، مكانه المحبب وأوقات خروجه من المملكة وهي وعدتني بأنها ستحرص على إبعاده عن العرش.
وقف" سامول" مندهشاً مما يستمع إليه، حتى ما ود قوله هرب على لسانه وكأنه لا يستعب بأنها فعلت كل ذلك، فقال ساخطاً:
_فعلتي كل ذلك من أجل العرش!
واستطرد بجفاءٍ:
_تقتلين أخيكِ لأجل السلطة!
أشارت برأسها نافية تلك التهمة عنها:
_لا لم أطلب منها قتله.
قست تعابيره وقد أخشونت نبرته وهو يقول:
_ لا أصدق ما أسمعه.
واستطرد دون أن يرف له جفن:
_بالرغم من العداوة التي تجمعني به الا أني لم أفعلها لصلة القرابة بيننا..وحتى إن كنت أفكر يوماً بفعلها ستكون بساحة المعركة وجهاً لوجه أما أنتِ!
وعجز عن استكمال جملته التي ستحطمها لا محالة، ابتعد "سامول"عنها وهو يحاول أولاً تهدئة نفسه، فهمس بصوتٍ منخفض:
_ كيف طاوعك قلبك على التأمر ضد أخيكِ؟
جاب الجناح ذهاباً وإياباً وهو يزن الأمور جيداً، يفكر ما الذي يدفع الملكة"رودوليت" لقتل "ديكسون"؟، بدأت الأمور تتضح إليه تدريجياً حينما تذكر الأوربوروس عندما نقل له زيارة الملكة لمملكة"ميغالودون" ومن قبلها مهاجمته ل"زمرد"، علم الآن ما الذي يخططان له سوياً، أنفض عنه تلك الأفكار التي تحصره بالتفكير بكيفية الإنتقام منهما ثم أسرع إليها ليخبرها بتريثٍ:
_ما زال أمامنا فرصة لإنقاذ "ديكسون" "أيرلا".. أريدك أن تخبريني بكل شيء عن تلك الأماكن التي يتردد إليها.
ردت عليه بنبرة تضم في طياتها الإنكسار:
_سأخبرك.
*********
التفتت يميناً ويساراً باحثة عنه، فلم يكن له وجود مطلقاً فقط تستمع لصوته، إلى أن ظهر أمامها كيانٍ ومن ثم تشكل بجسده ليبدو قريباً منها لا يفصلهما الكثير، نظراته الدافئة تذيب شيئاً بداخلها تجهله، تود لو تعمقت بالتطلع إليه عل هذا الدفء يذيب قوقع الحقد بداخلها تجاهه، استند بجبينه على جبينها، فلفحت أنفاسه الساخنة وجهها:
_اشتقتي لرؤيتي سريعاً!
تهدجت أنفاسها كلما شعرت باقترابه منها، فدفعته عنها ثم كادت بالإبتعاد لمسافةٍ آمنة، مد كفيه ليلتقط يديها مداعباً بابهاميه ظهر كفيها، فسرت رجفة قاتلة بانحاء جسدها جراء لمساته الحنونة، نظرات عينيه الشغوفتين أفتكت بما تبقى بداخلها، أغلقت عينيها بقوةٍ وهي تكبت كل ما بداخلها من أحاسيس مرهفة تقودها إليه، فرددت بتلعثمٍ:
_لا تقترب مني.. ابتعد.
أخذ شهيقاً عميقاً قبل أن يحرره هامساً:
_عجباً لكٍ تخبريني بكرهك لي وحينما أقترب منك لاع قلبك عشقاً ويرتجف جسدك عنفاً!
تقوس فمها بابتسامةٍ باهتة:
_مكانك بالقلب مرتبط بالكراهية.. أرتجف حينما تقترب نفوراً منك وليس عشقاً، أكرهك فحسب.
نظراته الساكنة جعلتها تكاد تجن، تراه لا يصدق ما تخبره به، فجذبت الخاتم الذي ترتديه لترفعه أمام وجهها وهي تشير له بأصابعٍ مرتجفة:
_أترى أتيت إلى هنا لأقتلك بهذا السم!
ابتسم بجمودٍ ثم قطع المسافة التي تفصله بينها، واضعاً كلتا يديه حول خصرها، ثم قربها منه لينحنى برقبته قليلاً:
_فلتفعلي إذاً.
سقط الخاتم من يدها من صدمتها الغير متوقعة لرده وخاصة حينما استكمل قائلاً:
_كنت أترقب تلك اللحظة التي ستهاجمنني بها، وحينما أتت بحثت بعينيكٍ فلم أجد سوى العشق والتردد مما تفكرين بفعله.
أحنت رأسها للأسفل لتترك العنان لدمعاتها المنهزمة، حاوط خديها الساخن بيديه ليجبرها على التطلع له مجدداً، ثم قال:
_أتعلمين "ألماندين" ما هو الفرق بيننا وبين البشر؟
نظراتها المهتمة جعلته يستكمل حديثه:
_البشر لا يثقون بأحداً سريعاً لذا ليس من السهل أن يقع أحداهما بالحب.. أما نحن فينبض بداخل القلب من الوهلة التي يبلغ بها لذا حينما يجد النصف الأخر يخفق بقوةٍ منذ أول لقاء، يعلمه بأنه وجد من شاركته تلك اللحظات من قبل أن تلتقي به.
ورفع يديه ليضعه على موضع قلبها، مسترسلاً:
_قلبك يعرفني جيداً "ألماندين".
سقط الدمع على يده التي تستمع دقات قلبها المندفعة بقربه منها، جلدته تلك القطرات وكأنه فاقد لقواه غير قادر على المحاربة، فأزاح بيديه الأخرى تلك اللعنات التي ستقضي على قلبه، ثم قال بألمٍ صاحب صوته الرخيم:
_أعرف جيداً ما الذي اختبرتيه منذ الطفولة.. لذا لن أوقفك اليوم.
لم تفهم مقصده الا حينما إنحنى ليجذب الخاتم الملقى أرضاً ثم كسر رأسه المستطيل ليقربه إليه وهو يردد بابتسامةٍ صافية:
_إن كان هذا سيجعلك سعيدة سأفعلها دون تردد.
اتنشلت من يديه الزجاجة لتلقيها أرضاً وهي تصرخ بشراسةٍ:
_لا.. لن أسمح لك.
جذبها بقوةٍ إليه وبنظرةٍ خبيثة قال:
_لماذا تبالين بموتي إذاً؟
تطلعت لعينيه مطولاً قبل أن تنطق بتوترٍ:
_لأنك تعني لي.
أشار بيديه ليضيف بتريثٍ:
_ماذا أعني لكِ.
رددت باستسلامٍ:
_ أحبك.. لا أعرف متى أو كيف ولكني أحبك حقاً.
طغى وجهه ابتسامة ساحرة، فجذبها لأحضانه، رفعت يدها ببطءٍ ومن ثم حاوطته هي الأخرى، انهمرت دمعاتها تباعاً وهي تحطم بيدها كل عهداً أتخدته يوماً، تعلقت به وكأنه اختيارها الأخير بعد طريق حفرته نيران الكره والإنتقام، أخر شيئاً توقعته أن تقع بحبه هو!
لا تعلم كيف سيكون مسرى تلك العلاقة ولكنها تريده مهما كلف الأمر، ابتعد عنها "ديكسون" ليشير لها بيديه:
_هيا سأصطحبك إلى مملكتي.. لن أتركك وحيدة بعد اليوم.
خطت خلفه خطوتان متتاليتين ثم توقف حينما تذكرت شيئاً، فاستدار إليها متعحباً من توقفها المفاجئ، فقالت:
_سأتي معك، ولكن علي الذهاب قليلاً.
وقف مقابلها ليتساءل باستغرابٍ:
_إلى أين؟
قالت بهدوءٍ وهي تتمسك بيديه:
_سأعود مجدداً.. أعدك.
فتح ذراعيه ليردد بمرحٍ:
_حسناً سأنتظر هنا لحين عودتك ، وربما أساعدك على الهبوط لحين استعادة طائرك الأخرق!
ضحكت فأشرق وجهها المنطفئ، ثم أسرعت إليه فحملها ثم هبط بها سريعاً ليرتفع لأعلى بعدما لوحت له لتستكمل طريقها..
*********
بأسفل الكهف..
تعجب "سامول" و"إيرلا"حينما شاهدوا ما حدث، استدارت "إيرلا" إليه، ثم تساءلت بتشتتٍ:
_هل فهمت شيئاً؟
أجابها بعد تفكيراً:
_علها لا تريد تنفيذ خطتها الآن!
سألته بدهشة إعتلت ملامحها:
_ربما، ولكن ماذا سنفعل الآن.
أشار لها بأن تتابعه حتى لا يشعر بهما "ديكسون"، فدنا معها من"تارا" التي تنتظرها فما أن رأتها حتى إنحنت برأسها تحوم بالأرض بطاعة، فقال "سامول" بهدوءٍ:
_عودي إلى القصر وغداً سنتحدث.
كاد بالمغادرة فأمسكت به وما أن تطلع لها حتى سحبت يدها بتوترٍ:
_لا ترحل.
اعتدل بوقفته، ثم وضع يديه على ذراعيها ليبث لها الطمأنينة:
_لا تقلقي "إيرلا".. أنا لجوارك لن أتركك أبداً.
اتسعت ابتسامتها وهي تهز رأسها بفرحةٍ، فرفعها بذراعيه حتى وضعها على جسد"تارا" التي حلقت عالياً لتعود بها للمملكة.
********
بمملكة "البيتراء"
عاد للمملكة مهموماً، لم يعد يعلم ماذا تريد، ما زالت تشغل تفكيرها بالإنتقام من "ديكسون"، مازال الحب يأسرها ويدفعها للمحاربة حتى بالرغم مما حدث، أغلق"إيمون" عينيه ثم فرد ذراعيه باستقبال نسمة الهواء العليلة التي اتدفعت تجاهه وكأنها تشعر بما يختبره، كاد بأن يستسلم لجسده الذي يحثه على التحول بالحال، الا أن صوت "ضي" أمسك به ليعيده على أرض الواقع، فتح اجفانه الثقيلة ليجدها تضع يدها على كتفيه وهي تخبره بحزنٍ:
_عادت للمملكة مجدداً أليس كذلك؟
لعق شفتيه وهو يسألها بارتباكٍ:
_من!
ابتسمت ساخرة:
_من غيرها.. "إريكا".
ثم تابعت بألمٍ وهي تلكزه بيدها:
_أحمق هل تظنني لا أشعر بك؟
ظهرت علامات الحزن جلية بعينيه، فاستند بجذعيه على سور المملكة من أمامه:
_ليتها تشعر بي مثلما شعر بي الجميع.
اتبعته ثم وقفت جواره، لتهيم بذكرى الأيام:
_أتعلم ما يحدث معك الآن حدث مع أبيك من قبل.
التفت إليها باهتمامٍ:
_أبي!
أومأت برأسها وهي تجيبه ببسمة واسعة:
_كنت حمقاء مثلها.. لم أشعر بحبه بالبداية.
تساءل بلهفةٍ وكأنه يطمح أن يحدث معه مثلما حدث مع والدته:
_وماذا حدث؟
_أجبرني"لوكاس" على الزواج به مقابل خدمة قدمها إلي.
صعق وهو يردد بعدم تصديق:
_أجبرك الملك على الزواج من أبي؟
تعالت ضحكاتها، فقالت لتوضح له:
_ليس إجباراً بالمعنى.. فهو كان يعلم بأنني أحبه ولكني كنت أتهرب مما بداخلي لكونه قائد الحرس وأنا الأميرة.
لوى شفتيه بتسليةٍ:
_تتخلين عن حبك لأجل الزواج من ملك.. يا لكِ من أم!
ضحكت بصوتها كله، لتردد بصعوبةٍ:
_أخبرتك.. كنت حمقاء!
تعالت ضحكاته هو الأخر، فإحتضنته "ضي" بحبٍ وبداخلها تتمنى أن لا يعاني ابنها مثلما عانى أبيه!
********
ولج لجناحه ليلقى نظرة ساخرة على العتمة التي تكسوه رغم نفاذ الضوء إليه، فكيف سيشعر بضوئه ومعشوقته بعيدة عنه، لم يعارضها على شيئاً من قبل ولن يفعلها؛ ولكن طلبها بالسفر لعالمها لزيارة "لينا" و"كيفن" هو أبغض شيئاً، يخشى تلك الأيام التي يقاسيها من دونها، جلس "لوكاس" على الفراش بحزنٍ منحه عمراً ينهاز عمره، يتطلع على الجانب الأخر من فراشه باشتياقٍ لها، يلعن أحياناً مسؤوليته كملك التي تحتمه على العمل ليلاً نهاراً لأجل أمن المملكة وشعبها، فربما لو لم يستلم الحكم لكان جوارها الآن، أخفض رأسه أرضاً بمللٍ، التقطت أذنيه صوت باب جناحيه فاستدار ليجد "إيرلا" تقف من أمامه، ضيق عينيه بذهولٍ من حالتها الغريبة، وخاصة حينما اقتربت لتجلس أرضاً أسفل قدميه ثم مددت رأسها على قدميه لتردد بدموعٍ:
_أبي.
هلع حينما رأها هكذا فمرر يديه على شعرها بحنوٍ:
_ما بكِ صغيرتي!
تدفقت الدموع بمقلتيها، فمسحتها وهي تجيبه بخوفٍ:
_أخطئت بحق أخي ونفسي.
تجعدت ملامحه بدهشةٍ من حديثها، فجذبها "لوكاس" لتجلس جواره، ثم أمسك بيدها كالطفلة الصغيرة وقال:
_هيا أخبريني ماذا حدث؟
تطلعت له بحزنٍ شديد وهو تجاهد ذاتها بالحديث، لا تعرف من أين تبدأ وكيف ستخبره بما ارتكبته بحق أخيها، التقطت نفساً طويل ثم زفرته على مهلٍ لتخرج ما ركنته الأيام من جروح متلاحقة:
_أتيت تلك المرة لجناح أمي فسمعتها تخبرك بأن "ديكسون" هو الأولى بالعرش مني.. لم يكن يعنيني العرش ولا السلطة ولكن سماعها لهذا الشيء نبت بداخلي حقد تجاه "ديكسون"، وزرع رغبة بالعرش استحوذت على تفكيري.
وتابعت بترددٍ وهي تمسح الدموع العالقة بأهدابها :
_ولأجل هذا ارتكبت ذنباً لا يغتفر.
قصت" إيرلا" على مسمع "لوكاس" فأكفهرت ملامح وجهه وهو يتابعها بصمتٍ حتى انتهت من قص كل شيء متعلق بتلك الحورية التي اتضح بأنها ابنة شقيقة الملكة "رودوليت"، ختمت" إيرلا" حديثها قائلة بانكسارٍ:
_لا أعلم كيف فعلت ذلك أبي.. لم أرى أمامي سوى العرش!
وهزت رأسها بانفعالٍ:
_والآن لا أريد شيئاً، إفعل ما شئت بي ولكن أصلح ما فعلته.. يجب الا يلحق الأذى بأخي مهما كان الثمن.
وخبأت وجهها بيدها لتفرغ ما بداخلها من بكاءٍ عاصف، استعدت لعقوبة تعلمها جيداً، وربما تفوق ما توقعته، بداخلها استعداداً لما سيحكم به "لوكاس" فهي معترفة بأنها تستحق الموت لما فعلته، شعرت بيديه تحيطها لتقربها من صدره، فرفعت عينيها تجاهه بصدمةٍ، ثم قالت بذهولٍ:
_ماذا تفعل أبي؟ ألن تعاقبني على ما فعلته!
ثم مسكت يديه لتطرق بها على وجهها وهي تردد ببكاءٍ:
_هيا إرفع يدك واضربني..عاقبني على ما اقترفته!
بثباتٍ عجيب جذبها لأحضانه مجدداً، ليقول بغموضٍ مخيف:
_العقاب لمن يستحق "إيرلا"..
وأبعدها عنه ليحتضن وجهها بيديه، ثن قال:
_قسوتي على" روكسانا" دون أن تفهمي ما تفكر به، تخشى أن حياة الملوك تقيدك مثلما قيدتنا صغيرتي، العرش والسلطة وكل ذلك ابتلاء، "روكسانا" لم تفكر الا بكِ أردت أن تمنحك حياة حرة، تختارين بها شريك حياتك وتتفرغين لأبنائك لا تريد العرش أن يحرمك من كل شيء، علها ترى "ديكسون" أحق ولكنه بالنهاية الأكبر والأجدر للملك.
استمعت لكلماته بحرصٍ شديد، فاسترسل حديثه قائلاً بحزنٍ:
_لما يكن بأوسع مخيلاتي أن العرش سيصنع عداء بين أبنائي!
انحنت لتقبل يديه وهي تقول بصوتها الشاحب:
_أعتذر أبي كنت حمقاء.. أرجوك سامحني.
رسم ابتسامة صافية:
_أسامحك صغيرتي.
ثم قال بحزمٍ أبدته لهجته الصارمة:
_ولكن عديني أن لا تفعلي هذا مجدداً "إيرلا".
قالت بتأكيدٍ:
_أعدك أبي.
خرج بها"لوكاس" لمكانٍ سري بالقصر، يعقد به الإجتماعات الهامة، ومن ثم طلب من أحد الجواري أن يبلغ "راوند" و"بيرت"أن يأتوا إليه، وبالفعل ما هي الا دقائق معدودة حتى وصلوا للغرفة المحكمة، جلس "بيرت" على أحد المقعد الصدفية لجوار"إيرلا" ثم سأل بقلقٍ:
_هل كل شيئاً على ما يرام أخي؟
وزع نظراته بين "إيرلا" التي يتمكن الحرج منها لما سيقال عنها وبين "رواند" التي تترقب ما سيقول بصمتٍ، فكان حكيماً حينما قال:
_بطريقة ما علمت "إيرلا" بأن الملكة "رودوليت" تعد المكائد لديكسون، واليوم حاولت قتله.
صعق "بيرت"، فردد بغضبٍ:
_كيف تجرأ على فعل ذلك!
جزت" راوند" على أسنانها بغيظٍ:
_لقد تمادت "رودوليت" كثيراً ويجب أن يُوضع لها حد.
تدخلت "إيرلا" بالحديث، قائلة:
_تستغل ابنتها لتنفذ مكائدها حتى يلقى اللوم عليها حينما ينكشف الأمر.
تعجبت "راوند" كثيراً، فقالت بإندهاشٍ:
_عن أي ابنة تتحدثين "إيريلا".."رودوليت" لا تمتلك أبناء!
أوضحت مقصدها:
_أعلم ولكن ابنة شقيقتها تناديها أمي.
تشتت ذهنها، فرددت بفتورٍ:
_ربما أنتي مخطئة.. شقيقاتها "درين" و"يوليا" لم تنجب أي منهن.
استند "لوكاس" بيديه على حافة الطاولة المثلثية الشكل قائلاً باهتمامٍ:
_من تلك الفتاة إذاً!
********________*******
بشرية أسرت قلبي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل العاشر..
(وانزلق القناع!..)
بمملكة الحوريات.
عادت "ألماندين" للمملكة، فما أن علمت "رودوليت" بعودتها حتى أسرعت إليها، فشقت الابتسامة وجهها وهي تسألها:
_تخلصتي منه، أليس كذلك؟
جلست على الأريكة القريبة منها بآلية شديدة، فقالت "رودوليت":
_ماذا حدث؟
تحررت عقدة لسانها وهي تخبرها بثباتٍ:
_لم أستطيع فعلها.
رددت باستنكارٍ:
_أتمزحين!
لمعت عينيها بدمعاتٍ حزينة، فمسحت طرفي مقلتيها قبل أن تنتبه إليها، اقتربت منها الملكة لتجذبها بشراسةٍ حتى تقف مقابلها:
_أخبريني ماذا حدث؟
أفصحت عما بقلبها بصراخها المكبوت:
_أحببته أمي.
جحظت عينيها وهو تحاول ترجمة تلك الكلمات التي تفهم مغزاها جيداً، تراجعت خطوة خلف خطوة وهي تشير بيدها بانفعالٍ:
_لا أصدق.
قطعت تلك المسافة بينهما، لتستميلها بعاطفتها :
_لا أريد الإنتقام لما حدث مع أمي.. هي من أردت قتل الملكة كان رد فعل طبيعي للدفاع عن نفسها.
انكمشت ملامح وجه"رودوليت"، وكأنها كبرت الف عاماً، ما فعلته طوال تلك السنوات ضاع هباء، الدمية التي انتزعت حياتها لتتمكن من التحكم بها قطعت خيوطها لتخبرها ببدايةٍ حريتها، عواصف رعدية ضربتها لتنقلب حدقتيها بغضبٍ لا مثيل له، فصاحت بعصبيةٍ بالغة:
_أخطأت حينما وضعت بكِ ثقة لا تستحقيها.
عاتبتها ببكاءٍ:
_أمي!
صرخت بجنونٍ وقد أثلج صدرها بتحمل ذاك السر:
_لست أمك..لا تناديني هكذا مجدداً والا إقتلعت عنقك.
ظنتها"ألماندين" غاضبة مما فعلته، فقالت بدموعٍ غطت وجهها بانكسارٍ:
_أعلم أنني كنت أملك الوحيد للإنتقام، ولكن خالتي لم أملك سلطان على قلبي اللعين الذي أحبه.
حدجتها بنظرةٍ قاتلة، وهي تردف بغضبٍ ثائر:
_ أخطأت من البداية حينما أبقيت على حياتك.
تصلب وجهها بدهشةٍ وهي تحاول فهم ما قالته، فاستطردت الملكة بكرهٍ شديد:
_سئمت رسم دور الخالة التي تحب ابنة شقيقتها الراحلة حينما أتيت بكِ إلى هنا كنت أطمح بأن تكوني سلاحي بالقضاء على "لوكاس" وابنه، ومن ثم تصبح المملكة تابعة إلي.
جلدت روحها قبل أن يستهدف جسدها، ظنت بأنها تتوهم سماع ما استمعت إليه، ليت هذا اليوم المنتظر لما يأتي من الأساس، بللت "ألماندين" شفتيها القاحلة ثم قالت بتوجسٍ:
_ماذا تقصدين؟
تعالت ضحكاتها الشيطانية المخيفة، لتجيبها بجمودٍ وهي تطالعها بنظراتها الحادة:
_"رودوليت" لم تخسر أبداً أمام أحداً، ومثلما حرمتك من أمك خمسة وعشرون عاماً سأستغلك الآن حتى أحصل على ما أريد منها.
هاجت وماجت وخرجت عن هدوء صدمتها، فاحتقن وجهها بحمرةٍ جلية. وارتفعت نبرة صوتها صارخة باحتجاجٍ:
_أمي على قيد الحياة!
ثم رددت بتشتتٍ:
_إن لم تكن "درين" أمي، ابنة من أنا!
صراخها المنفعل لم يحرك ذرة من مشاعرها القاسية، فأشارت بيدها للحوريات اللاتي حاوطنها ليضعوا السلاسل الحديدة عليها ومن ثم ألقوا بالتعاويذ عليها حتى لا يتمكن أحداهم بفكها، أمرت الملكة"رودوليت" باسقاطها بدمام الظلام، ففقدت "ألماندين" قواها جراء تلك الصدمات القاتلة التي أفتكت بها، فكانت تتحرك بينهما بهدوءٍ تام وعينيها تتابع "رودوليت" التي صعدت لتجلس على عرشها بجفاءٍ وكأن شيئاً لم يكن، سقطت دمعاتها في صدمةٍ وإنهزام، وانخرطت بموجةٍ مؤلمة، يتخلالها ألف سؤال دون أي جواب قد يريح عصبة تفكيرها!
********
أشعل "جوردن" مواقع التواصل الإجتماعي بعدد من الصور التي تحمل عنوان«حياة كاملة على كوكب كيبلر!»، وأخذ ينشر مقاطع فيديو حية استطاع التقاطها لإيمون وهو يتحدث مع "إريكا"، وعدد من الكائنات المدربة لخوض الحروب بصحبة جنود المملكة، انطلقت التغريدات وإحتلت المقاطع رؤؤس العناونين، ما بين مشكك بأن الصور زائفة وما بين مؤيد بأنها حقيقية بالفعل وخاصة بوجود فتاة من البشر، استيقظت" إريكا" من نومها على صوت الهاتف الذي لم يكف عن الرن، فرفعته وهي تردد بنومٍ:
_ماذا هناك حتى تزعجيني بالصباح؟
جحظت عينيها حينما استمعت لصديقتها تخبرها بجديةٍ تامة بأن تفتح التلفاز بالحالٍ، هرعت "إريكا" لجهاز التلفاز ومن ثم أشغلته على قناةٍ عشوائية، سقط الهاتف من يدها بصدمةٍ عظيمة، وضغطت على شعرها بقوةٍ وهي تصرخ بجنونٍ:
_ماذا فعلت "جوردن"!
سقطت على الأرض باكية بصوتٍ مرتفع، فأسرع إليها"كيفن" ليقتحم غرفتها بهلعٍ:
_هل أنتِ بخير؟
أشارت له بالنفي وهي تشير على التلفاز، استدار الأخير برأسه ليرى مقطع فيديو مسجل لابنته وهي على كوكب "كيبلر" بصحبةٍ "إيمون"، السر الذي تعهد هو وعائلته بأن يصونه فتشته ابنته الحمقاء لأجل حبها الأهوج!
مرر يديه على جبينه بقوةٍ وهو يحاول التفكير في سبل آمنة، ولكنه فشل بذلك، فصرخ بابنته بتعصبٍ شديد:
_أخبريني كيف حدث ذلك؟ ومن الذي التقط تلك الصور!
أتت"لينا" و"روكسانا" للغرفة على أثر صراخه، ففزعت كلاً منهن حينما رأت ما تتداوله الأخبار، تحولت عين "روكسانا" بصعوبةٍ تجاه "إريكا" التي بدأت بسرد ما حدث بقهرٍ، ومن ثم ختمت قولها بكلماتٍ أخيرة:
_لا أعلم كيف فعل ذلك! ليتني تخليت عن غروري لما حدث كل ذلك.
صاح بها "كيفن" بانفعالٍ:
_أي غرور هذا الذي يجعلك تفشين سراً تعهدتي بحمايته؟
ثم ضغط بيديه على وجنتها وهو يستكمل بتعصبٍ شديد:
_أتعلمين بعواقب ذلك على المملكة!
تدخلت "روكسانا" على الفور، فدفعته بعيداً عنها، وهي تشير لرفيقتها:
_دعنا بمفردنا قليلاً.. هيا "لينا" أصطحبيه للخارج.
أومأت برأسها ببكاءٍ، فتمسكت بذراعيه لتخرجه من الغرفةٍ لتتبقى "روكسانا" بمفردها مع "إريكا"، كفكفت دموعها بخزي مما ارتكبته بحقها، ثم قالت بصوتٍ متحشرج:
_أعتذر كثيراً عما فعلته..كنت أظن أنها الطريقة الوحيدة التي ستجعله يعلم بأنه يحبني.
واسترسلت بكلماتٍ متقطعة:
_لم أعلم بأنه حقير سيلتقط تلك الصور.
احتضنت بيدها وجهها الأحمر من فرط البكاء، ثم قالت بابتسامةٍ صافية:
_لا عليكِ حبيبتي..أعلم لماذا فعلتي ذلك.
بكت بتأثرٍ من محبة " روكسانا" إليها بالرغم مما فعلته، فاحتضنته وهي تبكي بانكسارٍ:
_سامحيني خالتي.. أخجل من التطلع بعينيكِ ولا أعلم كيف سأوجه "ديكسون".
ربتت على ظهرها وهي تخبرها بحنانٍ:
_اتركي أمره لي.
ثم أغلق عينيها لتناديه ليحضر أمامها مثلما إعتادت ولكن تلك المرة لم يستجيب لندائها مسرعاً!
*********
استمع لصوتها المنادي، فكور يديه بغضبٍ شديد لتأخره بالظهور من أمامها، كان ما زال ينتظر عودة"ألماندين" التي تأخرت عليه كثيراً،ظل طوال الليل ينتظرها حتى الصباح ولم تأتي ، عادت "روكسانا" بطلبه من جديدٍ، فتخل "ديكسون" عن وعده بانتظارها ليتخفى سريعاً ومن ثم ظهر أمامها بالحال، فوجدها تجلس جوار "إريكا" الباكية، ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهه فسبق "روكسانا" قبل أن تتحدث:
_ما بكِ "إريكا" هل ألمك ما فعله حقاً أم لان حقيقته كشفت باكراً!
اندهشت "روكسانا" من علمه بما يحدث هنا، فقالت باستغرابٍ:
_هل كنت تعلم بما ينوي فعله؟
تطلع لها بثباتٍ عجيب، فافتربت منه لتضع يدها على كتفيه لتناديه بصدمةٍ:
_"ديكسون"!
تحرك فكيه ناطقاً بسخطٍ:
_أجل كنت أعلم وتركته يفعل ما يحلو له حتى لا يعارضني أحداً على القرار الذي سأتخذه الآن.
رفعت حاجبيها بذهولٍ:
_عن أي قرار تتحدث؟
نُقلت نظراته تجاه "إريكا" وهو يتحدث بصرامةٍ مخيفة:
_من الآن وصاعد لن يكن مرحب بها بالمملكة.
صعقت "إريكا"، فنهضت عن الفراش ثم ركضت لتقف أمامه لتخبره ببكاءٍ حارق:
_أرجوك"ديكسون" لا تفعل ذلك.. صدقني لم أعلم بما ينوي فعله أرجوك أعفو عني.
حدجها بنظرةٍ يطوفها نيران عظيم كادت بحرقها، فصاحبته لهجة قاتمة:
_من تعرض مملكة بأكملها للخطر لأجل الإنتقام من الشخص الذي إعترف لها ببساطةٍ بأنها صديقته لا تستحق العفو.
تحطم قلبها فشعرت بأن ساقيها لم تعد تحملها فجلست أرضاً تتطلع له بحسرةٍ، فلم يرحمها بكلماته واستكمل بعتابٍ قاسي:
_كنتِ صديقتي الوحيدة، ائتمنتك على كل شيء حتى سر شعبي ومملكتي وماذا فعلتي أنتِ؟
جلست "روكسانا" أرضاً لتحتضنها وهي تردد بضيقٍ:
_"ديكسون" كفى.
ثم قالت برجاءٍ بدى بطلبها:
_انهي هذا الأمر قبل أن يعلم الملك به.
منحها نظرة أخيرة قبل أن يختفي من أمامهما، فانفطر فؤاد "روكسانا" على ما فعلته "إريكا" بذاتها، فرفعت وجهها لتكون مقابلها فرددت "إريكا" بانكسارٍ:
_لا أحداً يحبني خالتي.. لا أحداً يشعر بوجعي.
ردت عليها بابتسامةٍ ما زالت تتحلى بها حتى بالرغم ما حدث:
_إنكِ فتاة حمقاء حقاً.. طوال تلك السنوات لم ترى عينيك سوى "ديكسون" الذي لا يبالي بأمرك بينما في الجهة الأخرى هناك من يئن قلبه وجعاً كلما سقطت دمعة من عينيكِ، يخاف من حدة ما واجهتيه حينما رفض "ديكسون" حبك فكان هو يهتم لأمرك أكثر من نفسه، يبهت وجهه حينما تغادرين وتعود اشراقته بعودتك مجدداً.
ضيقت عينيها في ذهولٍ وهي تستمع لوصفها الدقيق عن شخصاً لم يسبق لها رؤياه، فسألتها بلهفةٍ:
_من تقصدين؟
عاونتها "روكسانا" على النهوض ثم ربتت على يدها لتخبرها قبل أن تخرج لكيفن:
_عليكِ التعرف عليه بمفردك.
وتركتها بمفردها، فكاد رأسها أن يتوقف من فرط التفكير بالأمر، بالرغم من أن الأشخاص بحياتها يعدون على الأصابع؛ ولكنها استبعدت التفكير بالمملكة فكانت تبحث بلائحة أصدقائها المقربون وبالرغم من أن "إيمون" يحتل مركزاً هام بها الا أنها استبعدته تماماً.
*********
أنعش نفسه بحمامٍ ساخن، ثم خرج يدندن مع ألحان تلك الأغنية التي يستمع لها من سماعات هاتفه المتصلة بأذنيه، ثم أخذ يجفف شعره بالمنشفة ليستعد لتلك المقابلة التليفزيونية الهامة، أبعد "جوردن" المنشفة عن وجهه بعدما تأكد من أن المياه قد جففت تماماً، فأنكمشت معالم وجهه رعباً حينما وجد "ديكسون" يجلس من أمامه، تلقائياً ذهبت نظراته لباب منزله ونوافذ الشرفة وهو يهمس بتعجبٍ:
_كيف دخلت إلى هنا!
أصبح أمامه في لمح البصر، فجف حلقه من فرط الإرتباك، التهبت عين "ديكسون" وهو يخبره بعداءٍ شديد:
_هل كنت تظن بأنك ستنفد بعملتك؟
اصطكت أسنانه ببعضها البعض حينما وجد لهيب نيران يكتسح حدقتيه ليختفي لونهما نهائياً ولم يعد يملأها سوى ذاك الشعاع المتوهج بالنيران التي شعر بحرارتها حينما اقترب الأخير منه، فرفع يديه المرتجفة ليشير له بخوفٍ:
_لا تقتلني أرجوك.. سأفعل ما تريد.
وجد نظراته تشتعل نيراناً لم تؤثر به كلماته، فعاد ليقترح:
_لن أذهب أبداً للبرنامج الإعلامي.
أجابه بغموضٍ:
_بلى ستذهب وستفعل كما أريد.
هز رأسه أكثر من مرة وهو يرى تلك الأشعة المخيفة التي تلمع بعينيه، ففعل كما أراد حينما استضيف بالبرنامج أخبرهما بأنه بارع في استخدام تلك التكنولوجيا، وأكد لها بأن تلك الكائنات من وحي خياله وبشأن "إريكا" قال كما أخبره "ديكسون" بأنه كان معجب بها طوال فترة الدراسة الجامعية لذا حينما وضعها بفيديو هكذا كان يطمح أن يثير إعجابها، فأثنت عليه المذيعة وخاصة بعدما تدخل "ديكسون" ليغير مسار الفيديو بأكمله ليجعله نسخة بعيدة عن الواقع، انتهت المقابلة وعاد "جوردن" لمنزله مرتعباً من أن يلاحقه مجدداً فكان يجلس على الفراش وعينيه تراقب باب الغرفة والنوافذ جيداً، سُلب قلبه حينما وجد كيانه يتشكل ليظهر أمامه من جديدٍ، فسقط أسفل الفراش وهو يتراجع للخلف ليهمس برعبٍ:
_فعلت كما أخبرتني.. ماذا تريد بعد؟
ارتفع جسد "جوردن" بالهواءٍ، ومن ثم جذبته قوة خفية ليصبح أمام أعينه مجدداً، فخرجت نبرته الساخطة:
_إبتعد عن "إريكا".
ردد بخوفٍ مما سيقوله:
_لا أستطيع.. أنا أحبها حقاً.
لفحت الحرارة نصف وجهه لتحرقه كماء النار، فصرخ ألماً فلم يجد سوى أن يحرر ذاته من ذاك العذاب حينما صرخ بتقبلٍ:
_حسناً سأفعل.. اتركني.
تركه"ديكسون" ليسقط أرضاً، يتلوي ألماً وهو يحتضن نصف وجهه المشوهه، هكذا كان العقاب المناسب لمن يجرأ على مس السوء بمملكته وشعبه، ذاك المعتوه الذي ظن نفسه ذكي ليجني الشهرة والمال، وبالرغم مما فعلته "إريكا" الا إنه رفض أن يتركها له خشى أن يستغلها مجدداً فضمن الآن بأنه لن يجرأ على الإقتراب منها.
*********
أثنت ركبتيها إلى صدرها وقد تركت العنان لتلك الدمعات الحارقة تغسل روحها المعذبة، لم يعنيها ذاك المكان المظلم بجوف الأرض ولا السلاسل التي تقيد قدميها بإحكامٍ، كل ما يشغل عقل "ألماندين" تلك الحقائق البشعة التي دمرتها كلياً، فأن لم تكن ابنة شقيقتها إذاً من تكون!
والمؤلم بأنها كانت تستغلها طوال تلك السنوات لأجل هدفها الدنيء، إنسدل شعرها الرمادي ليغطي وجهها الباكي، فأغلقت عينيها بقوةٍ لتعاد كلماته كإستعراضٍ يذكرها بما قاله
«قلبك يعرفني جيداً!»
سمحت لثقل جسدها بالترنج أرضاً، وأخر ما تردد على لسانها المعقود:
_"ديكسون".
*********
بمملكة "الشارق"
عقد الإجتماع ليحضره كل ذو منصب هام، امتلأت المقاعد المسطحة بحاكمي المملكة، ولجوارهما كان يخطو "سامول" عاقداً يديه من خلفه بهدوءٍ ممت، يستمع للإقتراحات المقدمة من قبلهم، فمنهم من رأى بأن عليهما إنذار "بيلين" قبل مهاجمته وآخرون كانت وجهة نظرهما بأن يحاول "سامول" أن يعرف ما الذي يريده بالتحديد، انقطعت الهمسات الجانبية فيما بينهما حينما جلس الملك "سامول" على عرشه، ليصيح بحزمٍ غير قابل للنقاش:
_سنهاجم مملكة "ميغالودون" غداً.
كان قراره بمثابة لاصق قوي لأفواههم، وخاصة حينما استكمل بصرامةٍ وحسم:
_كونوا على استعداداً لذلك.
ثم انتصب بوقفته ليغادر القاعة ونظراته تطوف بأحداهما بخبثٍ، وكأن الخطة التي وضعها مسبقاً على وشك أن تكتمل!
فما أن تأكد "أمادي" من مغادرة "سامول" للقاعة حتى هرع لمملكة "ميغالودون" ليحذر "بيلين".
*********
وقف" ديكسون" بالشرفة ينتظر "روكسانا" التي قررت العودة لاشتياقها لمعشوق روحها، حاولت "إريكا" أن تتحدث معه؛ ولكنه لم يترك لها مجالاً لذلك، فما أن خرجت "روكسانا" حتى حملها وانطلق عائداً لعالمه، انفطر قلب "إريكا" فاحتضنتها "لينا" لتردد بحزنٍ:
_لا عليكِ حبيبتي.. سيتفهم الأمر.
ابتعدت عنها، قائلة بتعاسةٍ هدمتها:
_لا أظن ذلك.
ثم هرولت لغرفتها لتكن بمفردها قليلاً كما إعتادت كلما عصف بها الألم!
******
بمملكة "ميغالودون"
سمح التابع له بالدخولٍ، فولج مهرولاً ومن ثم انحنى ليقدم للملك التحية ثم بدأ بسرد ما أتى لأجله:
_اكتشف "سامول" بأن "لوكاس" لم يكن خلف ما حدث لشقيقته وأصدر الأوامر بالهجوم على المملكة غداً.
ضحك الملك "بيلين" حتى برزت أنيابه الحادة المتعطشة للدماء، فردد ساخراً:
_لن يأتي الصباح الا ورأسه معلقة على أسوار الشارق هو وجيشه بأكمله.
ثم أشار بيديه، قائلاً:
_إنصرف الآن.
أخفض رأسه وهو يهمس بخوفٍ من لهجته:
_حسناً.
ثم غادر "أمادي" من المملكة، ليتجه عائداً من حيث أتى، وقبل أن يقترب من الشارق شعر وكأن هناك من يتبعه، توقف عن استكمال طريقه وهو يحاول جاهداً أن يستكشف هوية من خلفه، استدار للخلف فتهدلت معالمه حينما لم يجد أحداً ثم التفت ليستكمل خطاه فارتعشت أطرافه في هلعٍ حينما رأى "سامول" يقف من أمامه بوقاره المهيب ونظراته الساكنة، لعق شفتيه بتوترٍ وهو يحاول إيجاد المناسب لقوله:
_ذهبت آآ...
قطعت كلماته حينما إبتسم "سامول" ليعفيه عن إجابته من ذاك السؤال المخيف:
_لا عليك "أمادي" أتفهم الأمر ولكن هناك ما لم تستطيع أنت فهمه.
انحبست أنفاسه في جوفه من فرط رهبته، فاستكمل "سامول" بإصرارٍ شرس مسدداً ضربة قوية له بحافة سيفه أسقطته أرضاً:
_أنا لست أحمقاً أيها الأبله.
تمالك نفسه زاحفاً للخلف، ليتمكن من النهوض على قدميه، أخرج أنيناً موجوعاً وهو يكافح الحفاظ على اتزانه المفقود ليشير بيده:
_لم أفعل شيئاً مولاي.
وامسك بقدميه ليستعطفه بتوسله المخادع:
_"بيلين" هددني بالموت إن لم أخبره كل شيئاً يحدث بالمملكة.. صدقني كنت مرغوم على فعل ذلك.
لف يديه حول عنقه، ثم جذبه لينهض من أمامه، ليهمس بفحيحٍ سد عليه حجته التي ظنها مخرجاً مناسب:
_لا مكاناً بمملكتي للضعفاء "أمادي".
لم يفهم مغزى حديثه الواضح الا حينما ظهرت من أمامه الأوربوروس بمظهرها المخيف، وطولها المفزع، زحفت بنشاطٍ لا يتناسب مع طول حجمها لتقف من أمام" سامول"بانتظار اشارته، نصل السيف الذي تحملها بفمها يصل لمنتصف جسدها الأسود، تجمد جسد "أمادي" محله وهو يتأمل أغرب ما رأته عينيه، عاش عمره كله بمملكة الشارق ولم يرى صديق "سامول" الوفي!
رفع "سامول" كفة يديه ثم أطبقها على بعضها البعض كإشارة واضعه لها بما يجب فعله، وبالفعل فور إنتهائه هاجمت "أمادي" ومن ثم لفت جسدها حوله لتعتصره بقوةٍ وشراسة جعلت عظامه يطقطق كالزجاج الهاش ومن ثم فتت لحمه المتبقي لتنثر به كالدماء السائلة! ، تأمل "سامول" ما يحدث بنظرةٍ ناقمة ومن ثم دعس الدماء بقدميه وهو يهتف بغضبٍ شديد:
_وما سيكون جزاء من يخن "سامول" سوى ذلك!
**********
اختبرت الجلوس أمام مياه الشلال تتأمل حدة أمواجه الشرسة بانبهارٍ، ولأول مرة ترى مكان سري تغرقه المياه من جميع الإتجاهات هكذا، رؤية قاع الشلال وما يحويه كانت أسمى أمنياتها فعلى الرغم من قدرتها بالتحول لالسيرانة الا أنها لم تتمكن من الغوص أسفل الشلال بمسافةٍ كذلك، كل شيئاً موجود بذلك المكان بعث بنفسها البهجة والسرور، استدارت "زمرد" تجاه "أركون" الجالس لجوارها ثم تمسكت بيديه وهي تخبره بحماسٍ:
_لم أرى مكانٍ ساحر هكذا.. شكراً لك "أركون".
سماعه لإسمه، تمسكها بيديه، فرحتها الواضحة، كل تلك الأحاسيس جعلته يود البوح عما يسكن بخلاياه، تعلقت عينيه بيدها المتمسكة به، فحارب رغبته بأن يتمسك بها، وبالنهاية انتصرت تلك الرغبة الجامحة، فرفع يده الأخرى ليضعها فوق يدها، التفتت تجاهه فالتقت نظراتهما معاً بلقاءٍ طويل أفتكت به فجعلتها كالساحرة التي ألقت عليه تعويذة البوح، فهمس بعشقٍ تتبعه ليشجعه بالحديثٍ:
_كنت أتساءل ما الذي حدث معي بعدما رأيتك لأول مرة، لا أعلم لما خفق قلبي بعنفٍ حينما انغمست عيني بالتطلع إليك، وحينها لم أفكر بشيئاً سوى ذلك اللقاء، حتى في هذا اليوم الذي رأيتك تتعرضين به للهجوم كنت أظن نفسي أتوهم بأنني أراكِ لولا وجود"إيمون" معي لما ظننته حقيقة!
اشتعلت وجنتاها بحمرةٍ ساخنة من سماعها لما قال، فأطرقت رأسها للأسفل خجلاً منه، صمتها دفعه للبوح بالمزيد من مكنونات قلبه، فنهض لينحني على قدميه ثم أمسك بيدها معاً وهو يستجمع كلماته المشتتة ليختمها بكلمةٍ واحدة:
_أحبك "زمرد"، وأود قضاء عمري بأكمله معكِ.
تطلعت له على استحياءٍ، ثم سحبت يدها لتنهض مبتعدة عنه، ظنها رفضته فجلس محله حزيناً، استدارت تجاهه وهي تفرك أصابعها بترددٍ كسرته حينما قالت:
_كنت أعلم بأنك تشعر بشيئاً تجاهي.
نهض مجدداً وهو يتطلع لها، فأخفضت نظراتها سريعاً وهي تسترسل:
_وذلك لم يضايقني بل كنت سعيدة"أركون".
دنا حتى صار قريباً منها، ليسألها بشكلٍ صريح:
_هل تحبينني"زمرد".
منحته ابتسامة مشرقة، كانت جواب صريح على سؤاله، فاحتضنها بفرحةٍ ورغم خجلها لم تستطيع منعه، فقد وجدت نصفها الأخر الذي شعرت به منذ لحظة بلوغها كغيرها من فتيات"كيبلر".
********
ما أن وطأت قدميها المملكة حتى بحثت عنه بشوقٍ ولهفةٍ، أفقدها الإشتياق له زمام أمرها فكانت كالطفلة الصغيرة، ارتسمت ابتسامة معسولة على شفتيها الوردية حينما رأته يقف بصحبةٍ"لوثر"، تناست كل شيئاً وهرعت إليه بلهفةٍ وشوق:
_"لوكاس".
طلت بهجته من جديدٍ، فتخفى ليكن الأسرع إليها، احتضنها مطولاً وكأنها غابت عنه لقرونٍ وأزمنة، همس جوار آذنيها برغبةٍ:
_اشتقت لكِ كثيراً.
ابتعدت لتطل بوجهه، تتأمله قدر ما استطعت، تروي ذاك الظمأ الذي يقتلها، ثم رددت بشغفٍ:
_شعرت بالوحدة بدونك.. فلم أحتمل البعد عنك أكثر من ذلك.
_حسناً، هل أقاطعكما!
كلمات منزعجة قالها "ديكسون" وهو يراقبهما بضجرٍ، ابتعدت "روكسانا" عنه بوجهاً متورد بعدما لاحظت وجود "بيرت" و"لوثر"، فتنحنحت بحرجاً وهي تحاول إلهاء ذاتها بالتطلع لمائدة الطعام العامرة، فزعت "روكسانا" حينما ارتد جسدها للخلف فجأة فوجدت "إيرلا" تحتضنها بتملكٍ وهي تردد بصوتٍ واهن:
_لا تذهبي مجدداً أمي.
وزعت نظراتها المندهشة بين "لوكاس" و"ديكسون" فلم يكن حالهما مختلفاً عنها، لمعت حدقتي "روكسانا" بالدموعٍ، اشتاقت لذاك العناق القوي وكلمة أمي التي تختزل مشاعرها، رفع أذرعها المتصلبة لتحاوط خصرها ثم قالت بصوتٍ باكي:
_لن أذهب لأي مكان مجدداً.
ثم ابعدتها عنها تزيح دمعاتها بحنانٍ، لتضيف:
_أنا هنا.
اومأت برأسها ثم ابتسمت لتبتسم الأخرى بفرحةٍ عامرة، على صوت الملك الوقور قائلاً:
_الطعام سيبرد.. هيا.
اجتمع الجميع حول المائدة، فقال الملك "شون" ببسمةٍ هادئة:
_كيف كانت رحلتك "روكسانا"؟
فور نطقه بتلك الكلمات تطلعت" روكسانا" لديكسون ثم رسمت ابتسامة شبه مصطنعة وهي تجيبه:
_جيدة والجميع على ما يرام.
أومأ برأسه بهدوءٍ، ثم عاد ليتساءل:
_أين "راوند"؟
أجابه" بيرت" بذهولٍ:
_كانت هنا منذ قليل!
***********
اختلى "إيمون" ب"ديكسون" ليسأله بشكٍ:
_أخبرني ما الذي حدث بينك وبين "إريكا"؟
ابتسم وهو يجيبه بسخريةٍ مدعياً الإنشغال بارتشاف كوب العصير الذي بيده:
_تخاف عليها وكأنها تهتم لأمرك.
قال بحدة وهو يبعد الكوب عنه:
_أخبرني"ديكسون".
زفر بمللٍ فهو يعلم بأنه لن يتركه الا حينما يخبره بما حدث، فقص على مسمعه ما فعله ذلك المعتوه، وما فعله بها، انتهى من قص ما حدث فقال" إيمون" بوجومٍ شديد:
_بات قلبك قاسٍ..ما ذنبها بما حدث؟
رد عليه بعصبيةٍ:
_ما ذنبها! ، هي التي أجبرتني على نقله إلى هنا "إيمون".. تلك الحمقاء ظنت بأنني سأغير منه وأخبرها بأنني أحبها كيف أجعلها تستعب بأنها كشقيقتي وأن بقلبي فتاة أخرى غيرها!
تحمل وجع الكون بداخله في تلك اللحظة، فتماسك وهي يخبره بيأسٍ:
_دعك من الأمر فلن تفهم بطبيعة الحال.
ثم طلب منه برجاءٍ سكن حدقتيه:
_أريد رؤيتها"ديكسون" ، ستحتاج إلي علها وحيدة!
حزن "ديكسون" على حاله، فكز على أسنانه وهو يردد بغيظٍ:
_فتاة حمقاء لا تستحق هذا الحب الذي ينبض بداخلك يا رجل.
اخشونت نبرته:
_ستعود لتبوخيها من جديد.
ردد ساخطاً قبل أن ينتقل به:
_سحقاً لك.
ومن ثم تخفى ليظهر به بشرفتها ثم غادر ليخبره بأنه سيعود بعد قليل..
بتلك اللحظة لم يعنيه هذا العالم الذي يراه لأول مرة، فكيف سيجذبه التطلع له وهي عالمه! ، وجدها تجلس بمنتصف الفراش تضم قدميها لصدرها وشهقات بكائها تهز جسدها بعنفٍ، إقترب وهو يدعس ألم قلبه حتى يرسم ابتسامة صغيرة، وضع "إيمون" يديه على يدها وهو يناديها:
_"إريكا"
رفعت رأسها فصدمت حينما رأت "إيمون" يجلس من جوارها، فابتسمت وهي تهمس بعدم تصديق:
_"إيمون"!
منحها ابتسامة صافية، فشكت له دموعها ما مرت به، تعلقت بأحضانه وهي تبكي بانهيارٍ وتخبره بصعوبةٍ بالحديث:
_رأيت ما حدث! ليتني لم أفعل ذلك.
مسد بيديه على ظهرها وهو يخبرها بألم تتخلل نبرته:
_لا بأس "إريكا" سيمر.
ابتعدت عنه وهي تقول ببكاءٍ:
_لن يمر شيئاً "إيمون"، حتى"ديكسون" لن يسامحني بعد اليوم.
وضع كف يديه على يدها ثم قال بهدوءٍ:
_دعي أمره لي.. ولكن هناك مقابل لأفعل ذلك..
ضيقت عينيها بذهولٍ:
_أي مقابل هذا!
رفع أصبعيه ليمسح عينيها، قائلاً:
_لا أريد رؤية دمعاتك هذة.. كفى حزناً "إريكا" أفعلي ما يجعلك سعيدة فحسب فتلك التعاسة ليست مقدرة لكِ.
أشارت له بابتسامةٍ صغيرة:
_سأفعل.
ثم تساءلت بدهشةٍ:
_ولكن أخبرني لماذا أتيت إلى هنا؟
أجابها بلهجةٍ ساخرة تعمد بها رسم البسمة على شفتيها:
_برأيك من كان سيرسم تلك الابتسامة الساحرة على وجهك البائس!
ضحكت بصوتٍ رد الحياة إليه، فابتسم وهو يشير لها بجديةٍ:
_ليت الضحك والسعادة تملأ حياتك "إريكا".
صفنت بعينيه التي تتطلع لها، فانتبه لنفسه ثم نهض وهو يشير لها بتهرب من التطلع لها:
_حسناً سأغادر الآن قبل أن يغضب"ديكسون".
ثم أشار لها بيديه وهو يبتعد خطوة تلو الأخرى وكأنه يدفعها بها لذكرياتٍ منحتها الإجابة الصحيحة لما قالته "روكسانا"، أجل أنه"إيمون" ذلك الذي يعشقها أكثر من نفسه، الحق مع "روكسانا" كانت حمقاء حقاً لم تشعر به، فظنت الارتياح والسعادة التي تشعر بهما معه من سمات الصداقة الناجحة، رأته يخرج من غرفتها للشرفة وقبل أن يصل لنهايتها ركضت خلفه وهي تناديه عالياً:
_"إيمــــــون"
استدار للخلف ليجدها تهرول إليه، احتضنته وهي تردد ببكاءٍ:
_كنت حمقاء حقاً حينما لم أشعر بك وبمشاعرك تجاهي.
أغلق عينيه بقوةٍ يحارب ما يستمع إليه، يقنع ذاته بأنه يتوهم ولكن تمسكها به واقع ملموس، أحاطها بذراعيه ثم قال بحزنٍ:
_كنت أعلم بأن تلك اللحظة ستأتي ذات يوماً.. وحينها ستشعرين بما فعله حبك بقلبي البائس.
تطلعت لعينيه وهي تسأله بفرحةٍ:
_ألهذة الدرجة تحبني!
تعمق بالتطلع لها وهو يخبرها بابتسامةٍ ألم:
_أعشق تلك البشرية التي زارت المملكة حينما كان عمرها لا يتعدي الرابعة عشر.
ابتسمت بسعادةٍ ثم عادت لتحتضنه، فأتاهما صوت "ديكسون" من خلفهما:
_إن أردت البقاء فليكن.. سأعود للمملكة وأدعك هنا قليلاً تختبر حالة عظيمة من التنمر على شكلك المخيف بالنسبة إليهم.
حدجه بنظرةٍ مغتاظة، فهبط ليصبح جوارهما، ليقف أمام "إريكا" التي تضع عينيها أرضاً حرجاً لتجاهد لخروج الكلمات:
_سامحني على ما فعلته.
نقل نظراته لإيمون الذي قال:
_هيا "ديكسون" الأمر خارج عن إرادتها.
ابتسم وهو يشير لها بجديةٍ:
_قسوت عليكِ لأنني لا أريد رؤيتك ضعيفة يتحكم بكِ هذا الأجدب بسهولة.
اتسعت ابتسامتها وهو يقول:
_سامحتك قبل أن أعود للمملكة ولكني أردت أن أعذبك.
احتدت نظرات "إيمون"، فأوضح بمرحٍ:
_حسناً، قليلاً.
تعالت ضحكاتها وهي توزع نظراتهما فيما بينهما، فأمسك ب" إيمون" وهو يخبره:
_لنرحل الآن.
وجده يتطلع لها بحزنٍ وهي تبادله النظرات الحزينة، فسألها بمكرٍ:
_هل إنتهت أجازتك ؟
نفت ذلك بإشارة رأسها فحملها هي الأخرى ثم تخفى بهما ليعود للمملكة مرة أخرى.
********
بمملكة الحوريات.
تجمعات الحوريات بأكملهن لمشاهدة هذا اللقاء النارد، الذي يجمع بين ملكتين من عظماء ملكات الحوريات، وقفت كلاً منهن في مواجهة الأخرى، فمزق "راوند" صفحات الصمت بصوتٍ جمهوري:
_مازال الشر يقبع بدمائك "رودوليت"، ألا تخافين أن يصبح مصيرك مثل شقيقاتك!
احتدت نظراتها فكادت بأن تقتلع عنقها، فتماسكت وهي تجيبها بحدةٍ:
_لست ضعيفة مثلهن" راوند"، الحمقاوات كن يقدمن الولاء للملكة "ريلام" التي تحالفت مع الملك "شون" عدونا، ولم يعدن لرشدهما الا بالوقت الخاطئ.
انطلقت شرارت الغضب تباعاً، لتصيح بتعصبٍ شديد:
_تخطيتي حدودك"رودوليت" لا تنسي أمام من تقفين هنا!
تعالت ضحكاتها الماكرة، لتردد ساخرةٍ:
_أنتِ هنا بمملكتي "راوند".. أمراً صغيراً مني وحينها لن ي.....
بترت كلماتها حينما رددت الأخرى بشراسةٍ:
_افعليها وحينها لا تلومن الا نفسك، ربما نسيتي من أكون، لست ملكة من ملكات الحوريات فحسب بل فرداً من الأسرة الحاكمة لمملكة السراج الأحمر.
تهادت باندفاعها الأهوج فهي تعلم مكانة"راوند" جيداً، ولكن مازالت تتحكم بمصيرٍ مجهول، تجهله "راوند" بذاتها، تبخترت بدلالٍ لتصعد درج العرش الكبير، جلست على مقعده ثم رددت وهي تتأملها ببرودٍ:
_أراكِ تتحدثين بجراءةٍ لا ينبغي عليكِ التحلي بها.
ابتسمت ساخرة:
_وما الذي سيجعلني غير ذلك؟
أجابتها "رودوليت" بمكرٍ:
_ربما ابنتكِ التي فقدتيها منذ خمسة وعشرون عاماً!
ضيقت عينيها باندهاشٍ، ثم قالت باستهزاءٍ:
_أصبحتي عجوزاً لا تتذكرين التواريخ جيداً "رودوليت".
تعالت ضحكاتها الشيطانية المخيفة، ومن ثم توقفت مرة واحدة عنه لتتلبسها الجدية المخيفة:
_لم تكن ابنتك.
جحظت عينيها بصدمةٍ، فشعرت بأن الأرض تطوف من حولها، فاستكملت حديثها الشبيه بالقنبلة الموقوتة:
_استبدلت ابنتك بابنة إحدى الحوريات، ألم تجدينها هزيلة، كيف لها بأن لا تمتلك القوة وهي حفيدة"ريلام" وابنة "راوند"!
ثم نهضت مجدداً لتقترب منها بالأسفل وهي تشير لها بخبثٍ:
_لا تقلقي"راوند" لقد أشرفت على تربيتها بنفسي.
تلقت ضربات متفرقة لم تكن بمقدورها تحملها، الا يكفيها تحمل ذاك العناء طوال تلك السنوات وأخيراً تكتشف بأنها ليست ابنتها!
لم تجد ما تقوله لتلك الشيطانة المزينة بوجهها المخادع، فتساءلت بدموعٍ:
_لماذا؟
بنظرةٍ كره شديد أجابت:
_كم إجابة تودين سماعها، الا يكفيك قتل "يوليا" و"درين"، وولاء "ريلام" الخائنة لمملكة "السراج الاحمر" .
ثم تابعت بسخطٍ:
_أتعلمين كنت أود قتلها لإشبع انتقامي، ولكن حينما فكرت جيداً وجدت أن هناك طرق أخرى للإنتقام بعيداً عن القتل، وها قد حان الوقت المناسب لاستغلال ذاك السر العظيم..
بتوسلٍ شديد اصطحبه بكاء لا حصر له:
_لا تؤذيها "رودوليت" أتوسل إليكِ.
ضحكت وهي تشير لها بغرورٍ:
_راق لي ذلك.
ورفعت طرف فستانها حتى دنت منها لتبدو على مستوى قريباً، لتخبرها ببطءٍ:
_ابنتك مقابل الترياق.
ابتلعت ريقها بارتباكٍ:
_عن أي ترياق تتحدثين؟
بنظرةٍ حفرت بالشر قالت:
_الترياق الملكي..
أحاطتها الصدمة من طلبها الذي يعد تذكارة دمار للكوكب بأكمله، ذاك الترياق الذي ينتقل من ملكة لأخرى وبداخلهن رغبة عزيزة بعدم الاضطرار لتناوله، ففي أي وقتاً من الأوقات تواجه الحوريات شراً عظيم على الملكة التضحية بذاتها لتتناول ذلك الترياق الشبيه بجرعة الموت، القوة المخيفة التي تستحوذ عليها تجعلها صعبة المنال، تنسى تماماً كناياتها فتصبح كالوحش الأخرق، يقتل كل من أمامه، يموت القلب بداخلها فحتى من أحببته يوماً لا تتعرف عليه، حتى أبناءها وعائلتها، الأمر كارثي بجميع المقاييس، أفاقت "راوند" من شرودها لتخبرها بشكٍ:
_وما الذي يدفعني لأصدق أنها ابنتي!
ردت عليها "رودوليت" بثباتٍ:
_سأسمح لكِ بأن ترينها.
**********
بمملكة "الشارق"
وقف "سامول" يتابع استعدادت الجنود لتحصين المملكة باهتمامٍ وترقب، وبالرغم من أن الجميع بحالةٍ من الدهشةٍ لأوامره التي تبدلت في لمح البصر من المحاربة صباحاً إلى تحصين المملكة واستعداد تام للمهاجمة بأي وقتاً، الجميع يتلقون الأوامر فقط وينفذون بحزمٍ ونشاط، لم يكن أحداً على علم بما يدور برأسه سواه هو، وضع الخطة المحكمة التي تضمن له انتصاره ثم أبلغ الجميع بخطةٍ زائفة ليضمن وقوع "بيلين" بحصاره هو!
انتهى "سامول" من تأمين الجانب الشرقي للمملكة، فعاد للقصر ليتأكد بنفسه من التجهيزاتٍ التي أعدت للقضاء على هذا الخائن المتمرد، وحينما وصل اندهش حينما وجدها تجلس أمام جناحه بترقبٍ للحظة وصوله، فردد بذهولٍ:
_ماذا تفعلين هنا "إيرلا"؟
نهضت بفرحةٍ حينما وجدتن يقف أمامها، فأسرعت اليه لتخبره بلهفةٍ:
_أخبرت أبي بكل شيئاً"سامول".
تعجب من شجاعتها؛ ولكن لا يملك الوقت المناسب للتفكير بذاك الأمر، فجذبها برفقٍ وهو يشير لها محذراً:
_يجب أن ترحلي الآن، سنتحدث لاحقاً.
وقفت مقابله باستياءٍ من معاملته الجافة، فقالت بحزنٍ:
_مازلت غاضباً مما فعلته!
جذبها حتى هبطوا الدرج سوياً، فاستطردت بقهرٍ:
_سامحني أبي.. ألن تسامحني أنت!
تجاهل حديثها وهو يجذب ذراعيها، مردداً بجديةٍ:
_ارحلي الآن"إيرلا".
تهاوت الدموع من عينيها، لتهمس بصوتٍ محتقن:
_صدقني"سامول" لست قبيحة لتلك الدرجة.
أجابها بنبرة حباً صريحة:
_أعلم "إيرلا".. أنتِ أجمل مقاتلة التقيت بها بحياتي، جرائتك بالقدوم إلى هنا على الرغم من الخطر الذي ستواجهينه لأجل صداقتك ب"زمرد" سمات نبيلة لا توجد الا بالمحارب الشجاع الذي لا يهاب شيئاً.
أفتر ثغرها عن ابتسامةٍ نبعت وسط سيل الدمعات، فسألته باستياءٍ:
_ولماذا تطلب مني الرحيل الآن؟
القى نظرة سريعة شاملة يتفحص المكان من حولها قبل أن يقول بتلهفٍ:
_المملكة ستتعرض للهجوم بأي لحظة. غادري الآن وغداً سنتحدث.
احتضنته بخوفٍ شديد:
_أي هجومٍ هذا.. لا لن أتركك.
أبعدها عنه ثم مسح بأصابعه على وجنتها برفقٍ:
_سأكون بخير لا تقلقي.
ثم أجبرها على تتبعه:
_والآن ارحلي.
توقفت محلها ثم سحبت ذراعيها بقوةٍ:
_لا لن أغادر بدونك.
كاد بأن يشرح لها من جديدٍ خطورة الموقف ولكن سبقته ضربات العدو التي أعلنت بدء المعركة، ارتعب "سامول" لأجلها، فحملها سريعاً ليتخفى بها بالممر السري المتصل بجناحه وجناح "زمرد"، وضعها بالداخل ثم شدد عليها محذراً:
_أبقي هنا.. لا تتحركي قبل عودتي.
أشارت له بهدوءٍ، فخرج"سامول" ليغلق الباب الحديدي، ركضت خلفه لتمسك به مؤكدة عليه بخوفٍ:
_كن حذراً.
اكتفى برسم ابتسامة صغيرة، ثم أغلق الباب جيداً ليغادر لساحة المعركة!
*********
يقال أن الأمومة عاطفة تجتاح القلب، تتحرك حينما ترى صغيرك لجوارك، وتزداد حينما يتعرض لأذى أو لسوءٍ، وهكذا ما حدث مع "راوند" بمجرد رؤيتها لألماندين، حاوط قلبها حنين لا تعلم مصدره، هاجمها الألم لمجرد رؤياها من قبل أن تقترب منها!
قدمت "راوند" خطوة وأخرت الآخرى بتوترٍ حتى أصبحت مقابلها، كانت تحتضن جسدها بيدها، وتستند برأسها على الحجر الذي ينتهي بعقدة السلسال، استمعت "ألماندين" لصوت أنفاساً منتظمة بالقرب منها، ففتحت عينيها باستغرابٍ من وجود تلك الحورية الغريبة، كانت تدرس ملامحها ببطءٍ، تحاول أن ترمم بتلك النظرات جرح أعوام من المثابرة والألم، تعجبت "ألماندين" من نظراتها الغريبة وازدادت حيرتها حينما قربت يدها من وجهها لتردد بصوتٍ خافت:
_ابنتي!
وكأن بلمساتها تلك أيقظت بداخل "ألماندين" شيئاً أفتقدته، وجدت ذاتها تتأملها بتعابيرٍ فشلت بفهم كنايتها، تلك الدمعة اخترقت عينيها تأثراً بها، فهمست بتشتتٍ:
_من أنتِ؟
مررت يدها على وجنتها بحنانٍ:
_أنا تلك البائسة التي حرمت من ابنتها خمسة وعشرون عاماً، البائسة التي خدعتها "رودوليت" طوال تلك السنوات.
تأكدت ظنونها فانسدلت دمعاتها بحسرةٍ، ازاحتها "راوند" برفقٍ ثم احتضنتها بقوةٍ لتردد بعزمٍ:
_سأفعل أي شيئاً حتى لا يصيبك مكروه.
_أحسنتي "راوند" ، والآن أخبريني بمكان الترياق الملكي حتى أحررك أنتِ وابنتك "ألماندين".
تشبثت"راوند" بألماندين وهي تشير للأخرى بشراسةٍ:
_لن تمسيها بالسوء"رودوليت".
قالت الأخيرة بمكرٍ:
_سيتوقف ذلك عليكِ.
رضخت لرغباتها بانهزامٍ، وهي تعلم بأنها ستضع الجميع بموقفٍ صعب حينما يوجه مخلوق بتلك القوة، صمتها وتفكيرها المطول جعل "رودوليت" تشير لأحدى الحوريات والتي بدورها رفعت يدها لتحركها بالهواءٍ وهي تردد تعاويذ جعلت السلسال الحديد يطقطق بصوتٍ مرعب، فجذب "ألماندين" ليجرها بعنفٍ، صرخت "راوند" بارتياعٍ فخلعت سلسال على هيئة حجر العقيق صغير الحجم ثم هرولت تجاه "رودوليت" التي تتابع ما يحدث من خلف ذاك الستار المعدني، القت السلسال خلف الحاجز وهي تردد ببكاءٍ:
_هناك ممر سري بالقصر القديم بجناح أمي هناك ستجدين خزانة مغلقة مفتاحها أسفل قدميكِ، ابتسمت وهي تلتقط السلسال بانتصارٍ، حلمها أخيراً تحقق بأن تمتلك قوة مفعمة بالشر لا يستطيع أحداً إيقافها، تعلم جيداً ما الذي ستصبح عليه وهي راضية بذلك، وما أن اختفت من أمام أعينهم حتى أسرعت "راوند" إلى "ألماندين" لتحتضنها بخوفٍ:
_هل أنتِ بخير؟
هزت رأسها بهدوءٍ فاحتضنتها الأخرى بألمٍ وهي تهمس بعزيمة:
_علينا الخروج من هنا.. فليس أمامنا سوى ثلاث أيامٍ قبل أن تتحول "رودوليت".
********
بشرية أسرت قلبي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الحادي عشر..
(معركة دامية! )
صيحات هائلة متزامنة مع أصوات ممزوجة من الزمجراتٍ والصياح ولهاث، مئات من الوحوش وقفوا حول المملكة بانتظار إشارة من الملك للإنقضاض على أسواره العالية، رفع "بيلين" ذراعيه للأمام بتحفزٍ، وما أن أعطى إشارته حتى هاجموا المملكة في مظهر مريب، تناثرت الأشلاء هنا، وهناك وتضاعف عدد القتلى بصورةٍ غير طبيعية بجيشٍ "بيلين" الذي وقف مشدوهاً من هول ما يحدث، كانت خطته مثالية للقضاء على "سامول" ليلاً قبل أن يستعد له صباحاً ويتحرك إليه، لا يعلم بأنه تحصن داخل مملكته ليحاصره هو بالخارج، فكانت أسوار المملكة كالوحش المتحرك تبتلع عدد من الجنودٍ ومن ثم ينغلق الجدار السميك عليهم لتنطلق الأسهم والسيوف الحادة من باطنه، فكان السيف بعرض ألفين وخمسون متراً، يسقط من الأعلى ليسحق جثث ضحاياه من أسفله، تراجع "بيلين" للخلف ليصرخ بهم:
_إنها ليست مجرد سور بل فخ.. إحذروا.
تراجعوا للخلف ليبحث عدد منهما على مدخل آمن، وما أن وجده حتى صاح بالجيش، فحلقوا ليتفادوا تلامس الحاجز المميت ومن ثم أصبحوا بالداخل، أما الوحوش التي كانت بصف العدو الغير قادرة على الطيران، فكانت الطير المخيفة تحملها لتلقي بها بأرجاءٍ المملكة من الداخل، فمنذ اللحظة التي توطأ قدمي الوحوش بالداخل هي نفسها اللحظة التي يهاجم بها "سامول" وجيشه، ليقضوا على العدو بشجاعةٍ باهرة، بقرونهما المخيفة وأجسادهما التي تشبه الطناطل، كانت الأنياب والمخالب تنغرس بالأجساد من الجانبين فتروي دمائهما السوداء الأرض في مشهد مقزز، أما نصف الجيش الذي يمتلك أجنحة كان الأوربوروس يسقطهما أرضاً لينهال عليهم الجيش بأنيابهم والمخالب، كاد "بيلين" أن يجن جنونه وهو يرى أكثر من نصف جيشه قتلى، لا يؤثر فيهما ندائه المتكرر بالنهوض للعودة للقتال، فصعد بنفسه للداخل والغضب يتعطش به ليجعله بقوةٍ أزهقت عدد كبير من جيش "سامول" فكان أرجله تدعسهم بقسوةٍ وكأنهن حشرات متقلصة الحجم بجوار جسده العملاق، ضخامته كانت مخيفة بالنسبة إليهم، تراجع جنود "سامول" للخلف تأثراً من شكله المريب فتعلقت نظرات "بيلين" بمن يقف خلفهما، تقدمهما "سامول" بجسده المتوهج وبين يديه حاملاً سيفه أحد كنوز مملكة "الشارق"، تقدم بخطواتٍ منتظمة وببرودٍ تام حتى وقف مقابله يطالعه بنظراتٍ ساخطة قبل أن يضيف:
_أراك ابتلعت الطعم جيداً"بيلين"، ولكن لا تقلق بعد أن أقتلك سأحرص على أن يعود جثمانك اللعين ليلقى بمملكتك حتى تكون درساً قاسياً لمن يفكر بالتأمر على"سامول".
احتقنت نظراته فدنا حتى أصبح مقابله بجسد الموروبوس العملاق، ليشير له ساخراً:
_سنرى من سيفعلها.
وهاجمه بأرجله الأمامية، فرفع "سامول" جسده للأعلى ليتفادي ضربته العتية، عاد ليواجه ضربة أخرى وفي كل مرة كان يتفادها مستغلاً حجمه الذي يشبه حجم البشر لحداً ما، قضى أول دقائق يصد هجماته ومن ثم حرك سيفه ليندفع لقطع صغيرة يشعلها رزاز أزرق، ابتسم "بيلين" وهو يتأمل تشكل السيف لقطع صغيرة تشابه الشوكة الصغيرة التي لا تؤثر بجسد الماموث، اندفع للخلف بقوةٍ ككيس اللحم العفن حينما لزعت جسده أول ضربة لتلاحقه الثانية فالثالثة فتمدد أرضاً بذهولٍ من قوة تلك الشرارة الصغيرة، وحينما حاول النهوض مجدداً وجده في مواجهته مباشرة، حاول التراجع للخلف ولكن "سامول" كان الأقرب والأسرع إليه، ليتبعه بوثبة أخرى وهو يميل نحو رأسه قاصداً كسرها، واستطال ليكبله فسقط أرضاً، ثم مرر سيفه مجدداً فتحول لسوطٍ قاسي فلفه حول عنقه خانقاً إياه بقوةٍ، فاشتد السوط على العنق والأطراف وقد بدأ جسده يلتقط نيران السوط ويحترق فعلياً لولا تدخل جيش حوريات "روردليت" الذي قلب الموازين بعد أن أوشك جيش "سامول" على الإنتصار فعلياً، هاجمت "سامول" عدد من الحوريات قاصدة إبعاده عن "بيلين" الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، فقاتلهن بجدارةٍ، أما جيشه فبدأ عدد كبير يتساقط حينما وجهن تلك الحوريات التي تحلق من أعلاهم لتحاربهما بالثليج الذي يحول أجسادهم للوح من الثلج فيسهل لما تبقى من جيش "بيلين" قطع أطرافهم، التفت "سامول" من حوله بهلعٍ وهو يرى الحوريات التي كانت تقودهما أحدى القائدات التابعة للملكة "رودوليت" على وشك أن تتمكن من جيشه، بتلك اللحظة كسرت "إيرلا" بكلمتها لسامول وخرجت حينما طالت الساعات بانتظاره، خشيت خسارته فخرجت لتستكشف ما يحدث بالخارج، غلت الدماء بعروقها وهي ترى ما يحدث أمامها، وزع "سامول" نظراته بين عدد كبير من جيشه المتجمد بفعل الثليج ومن ثم تجعدت جبينه في ذهولٍ حينما لفحتهما نيران انبعث فجأة لتذيب الثليج عنهما وتحررهم من ذاك السجن القاسي، بحثت عينيه تلقائياً عن مصدر تلك القوة فوجد معشوقته تقف أمامه بساحةٍ المعركة التي اهتزت مرة أخرى لوجودها، هرع إليها وهو يعاتبها بقسوةٍ:
_ألم أخبرك بالبقاء بالداخل لحين عودتي.
تجاهلت جداله الثائر ومن ثم وقفت أمامه لتفاديه تلك الضربة الطاعنة برمحٍ أعدته إحدى الحوريات من الثلج، فدفعته "إيرلا" بحرارة جسدها التي أذبته سريعاً، ومن ثم استدارت تجاه "سامول" لترفع صوتها بمرحٍ:
_أشعر بالحماس للمقاتلة بجوارك أيها الملك العظيم.
أفتر ثغره عن ابتسامة ساخرة، فصد هجمات أحد جيوش "بيلين" ثم فصل عنقه عن جسده ليستدير إليها قائلاً:
_أعتقد أنني أحببتك يا فتاة!
تركت المعركة بأكملها ثم استدارت اليه تردد كالبلهاء:
_ماذا!
صرخ بها "سامول" ويديه تشير على تلك الحورية التي تكاد أن تلامسها لتجلد جسدها:
_انتبهي.
استدارت تجاه ما يشير إليه ومن ثم اشتعل جسدها بأكمله لتذيب طاقة من أمامها حتى باتت كالشمع الذي انتهت شعلته، فاستدارت مجدداً إليه لترفع صوتها إليه ساخرة:
_هل تشعر بأنك ستلقى حتفك حتى تعترف بحبك لي بساحة المعركة!
تعالت ضحكاته وهو يشير لها بمشاكسةٍ:
_حسناً، حينما ننجو معاً سأخبرك بما يخبرني به قلبي حينما أراكِ.
شدت كلماته عقلها فكادت بأن تنجرف خلف مشاعرها متناسية تماماً ما تواجهه، فوجدت قائدة الجيش تقف من أمامها بنظراتٍ لا تنذر بالخير، بينما بالجهة الأخرى فُوجئ"سامول" بجيشٍ ضخم يقشعر الأبدان ينضم لجيشه ليقلب ميزان المعركة مجدداً، كشف عن كنايته حينما ظهر أمامه قائدهم "ديكسون"، ومن الجهة الأخرى حاوط"إيمون" بجيشه من المنتصف، أما "أركون" فأحاط الجانب الأيسر لتصبح المعركة شبه دامية، لم يكن الوقت يسمح له بالتفكير بتلك المساندة الغريبة، عادت المعركة لأولها من جديد حيث انضم العمالقة لاولى صفوفها، زحف جيش "بيلين" من أمام "ديكسون" فحينما كانت تلامس أحداهما شعاع صولجانه كان يختفي من أمامهما، لا عظام يترك ولا قطرة دماء تسقط، أما "أركون" فكان يكتف جسديه المرن بالسهام ومن ثم يطلقها مرة واحدة لتصيب أكثر من خمسون جندي، وإرتفع "إيمون" بجسده عالياً ومن ثم يهوي للأسفل بطائره الشرس الذي يقتلع الرؤؤس بمخالب قدميه الحادة، عاد "سامول" ليواجه "بيلين" من جديدٍ ولكن تلك المرة لم يجد المفر، فجلد السوط عروق رقبته، لتبترها عن جسده الذي مازال يرفص بقوةٍ لم يهدأ الا حينما استهدف "سامول" قلبه.
واجهت "إيرلا" معركة بمفردها كانت تقودها، فقائد الحوريات ليست تمتلك قوة تشابه غيرها من الحوريات بل تفوقهما، شكلت درعاً من حولها، وهي تحاول الصمود أمام دفعة الثليج الذي أوشكت على أن تتمكن منها، فكانت تود دفعها لتتمكن منها، بدأ الثلج يطوف جسدها بأكمله حتى طال رقبتها، فابتسمت تلك الحورية التي رفضت أن يطول الثلج رأسها حتى تشاهد موتها بعقلٍ واعٍ، فجذبت أحدى السيوف الملقاة أرضاً ثم كادت باقتلاع عنقها، أغلقت "إيرلا" عينيها برعبٍ جلي، وحينما استمعت لصوتٍ اصطدام قوي فتحت عينيها لتجد الحورية ممدد كل جزء من جسدها أرضاً، رفعت عينيها بذهولٍ فرأت "ديكسون" من أمامها، أسرع ليحرر الجليد عنها، فسقطت بين يديه ترتجف، مرر بيديه حرارة طفيفة ليضع يديه على وجهها وهو يسألها بدهشةٍ:
_ما الذي أتى بكِ إلى هنا "إيرلا"؟
اصطكت أسنانها ببعضها البعض وهي تحاول الحديث فخرجت كلماتها متقطعة:
_" ديكسون".. أخي.
ومن ثم فقدت الوعي من شدة البرودة، كاد "ديكسون" بأن يحملها فتفاجأ ب"سامول" يهرع إليها، فخلع معطفه الثقيل ليلفه حول جسدها الهزيل مقارنة بجسده الضخم، منحه "ديكسون" نظرة شك قبل أن يحملها بين ذراعيه، فأشار له الأخير على أحد طوابق القصر :
_ضعها بالأعلى حتى ترتاح قليلاً.
لم يجادله "ديكسون" وتخفى ليظهر بالأعلى، وضعها على الفراش ثم داثرها جيداً بالغطاء، فعلى الرغم من أنه رقيق للغاية الا أنه يمنح دفء عظيم، ظهر كيان "سامول" من أمامه ليتساءل بقلقٍ ملحوظ:
_استعادت وعيها؟
منحه نظرة مطولة قبل أن يرد عليه ساخراً:
_عجباً لك.. أتحب ابنة قاتل أبيك!
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه، ليجيبه بنفس نبرته:
_أيختار الحب باب من يقرع؟
هام بذكراها، فقال بشرودٍ بكلماته وكأنه وجد من أمامه نموذج لقصته وقصة "إيمون":
_ليته يفعل.. حينها لن يكون هناك من يعاني مرارته!
ما قاله جعل الأخير يعلم بأن تلك الحورية فتكت بقلب الملك المستقبلي للسراج الأحمر، فقطع لحظات شروده حينما سأله باهتمامٍ:
_لماذا قرر الملك"لوكاس" مساندتي بحربٍ كهذة؟
أجابه بنظراتٍ غامضة:
_ربما عليك العودة معي لتسأله بنفسك.
هز رأسه باقتناعٍ، ثم انتبه لإيرلا التي بدأت بتحريك جفنيها الثقيل، فما أن فتحتهما على مهلٍ حتى وجدته أمامها، فرددت بابتسامةٍ ساحرة:
_هل انتصرنا أم أني مازلت أحلم بك؟
كبت "سامول" ضحكاته وهو يدعي وقفته المتزنة الثابتة، ليشير بعينيه تجاه الجانب الأخر من الفراش، استدارت "إيرلا" تجاه ما يشير إليه فوجدت "ديكسون" يجلس جوارها، يديه تتمسك بيدها حتى يحرر جسدها كاملاً من البرودة، تيقنت بتلك اللحظة أن ما رأته كان واقعاً ملموس، فمن أنقذ حياتها هو نفسه شقيقها التي أوشكت على السماح بقتله، تدفقت الدموع على وجنتها وهي تهمس بخفوتٍ:
_"ديكسون"!
منحها ابتسامة صافية، فحاولت الإستناد على مرفقيها لتجلس، فعاونها على ذلك، تدفقت دمعات ساخنة على وجهها لم يعلم سببها سوى "سامول" الذي يراقبها بحزنٍ، يود لو استطاع أن يضمها لصدره حينها سيخبرها بما خبأه من مشاعر تجاهها، اندهش "ديكسون" مما يحدث معها، فقال:
_ماذا حدث؟ هل يؤلمك شيئاً؟
هزت رأسها نافية، ومن ثم تمسكت بيديه وهي تخبره بانكسارٍ:
_أخطأت بحقك كثيراً فسامحني أخي.
قربها لصدره وهو يربت بيديه على ظهرها بحنوٍ، ومن ثم همس جوار آذنيها بصوتٍ منخفض:
_أخبرني أبي بكل شيئاً.. أسامحك "إيرلا" أعلم بأن ما مررتي به جعلك بحالة مضطربة.
ابتعدت عنه بصدمةٍ حينما علمت بأنه يعلم كل شيء، ومع ذلك أنقذ حياتها ومازال لجوارها يشدد على يدها بحنانٍ، لمعت عينيها بالدمعٍ تأثراً لحالتها، فاحتضنته ببكاءٍ، تماسك "ديكسون" وهو يخبرها بحزمٍ ممزوج بالمزح:
_ألم يخبرك أبيكِ بعدم الضعف والبكاء أمام عدوك.
اتنقلت نظراتها تلقائياً ل"سامول"الذي ابتسم وهو يغمز لها بمكرٍ أوحى بعلاقتهما الخفية، فبللت شفتيها بلعابها وهي تردد بارتباكٍ:
_إنه ليس عدو بل صديق.
حدجها "ديكسون" بنظرةٍ خبيثة قبل أن يضيف:
_حسناً لنعد للمملكة ونخبر الملك عن قصة الحب الغريبة هذة وحينها سيقرر بشانكما!
صدمت حينما علمت بأمر حبها أيضاً، فتلونت وجنتها بحمرة الخجل، أشار لها بالنهوض ليغادروا للمملكة فأوقفها "سامول" حينما قدم لها فستان ساحر من اللون الأحمر، ليشير لها بتوترٍ من تلك المشاعر التي ستستهدف هيبته:
_أبدلي ملابسك حتى لا تمرضين.
منحه "ديكسون" بنظرةٍ تسلية لحاله المختلف كلياً عن قسوته، خرجوا سوياً وحينما أبدلت "إيرلا" ملابسها لحقت بهما ليغادروا جميعاً لمملكة السراج الأحمر.
*********
تمكنت "رودوليت" من العثور على الترياق بقصر "ريلام" القديم، مسكته بين يدها بقوةٍ وابتسامة واسعة ترسم على وجهها، فقالت بشرٍ يفوح منها كالرائحة العفنة:
_لن يتمكن أحداً بعد الآن من الوقوف أمام رغباتي..سيصبح كل شيئاً تحت سيطرتي وحينها لن يتمكن أي شيئاً من إيقافي.
وتناولت "رودوليت" الترياق الذي جعل جسدها ضعيف، لتكتسب جسد عجوز بعظام مقوسة، كانت تعلم بأن هذا سيحدث معها ببداية الأمر فعليها التحمل حتى يمر ثلاثة أيام ليصبح تحولها خالداً، وبالرغم من ضعف جسدها الا أنها حينما يهاجمها أحداً لن يتمكن من قتلها بتلك الفترة لأن جلد جسدها سيلتحم مجدداً، سقطت أرضاً وهي تردد بابتسامةٍ ساخرة:
_ليتني فعلتها منذ سنواتٍ، علني لم أمتلك الشجاعة لخسارة جمال وجهي ولكن الآن لم يعد بداخلي رغبة بالبقاء على شيئاً سوى السلطة وعرش السراج الأحمر!
*********
وصلوا جميعاً للمملكة، فاستقبلهم الملك "شون" بنفسه، ومن ثم اجتمعوا جميعاً بالقاعة الرئيسية للعرش، ليبدأ "إيمون" بقص ما حدث بالمعركة، تفاجأ الجميع من مشاركة "إيرلا" التي بدت لغزاً ل"لوكاس" و"روكسانا"، قطع الحديث بينهما دخول "زمرد" لتهرول لأحضان أخيها وهي تردد بدموعٍ:
_خشيت أن أخسرك.
مرر يديه على خصرها وهو يجيبها بابتسامةٍ هادئة:
_لن أتركك وحيدة "زمرد".
تعلقت بذراعيه ثم همست له وعينيها تتطوف" أركون":
_هناك ما أود أخبارك به.
تطلع تجاه "أركون" بدهشةٍ، ثم قال بتريثٍ:
_حسناً، سنتحدث حينما نعود للمملكة.
شق صوت الملك "شون" القاعة، حينما قال بصوته الرزين:
_أتمنى حينما يدركني الموت تكون تلك أخر نظرة تحتضنها عيني، فرؤية تجمعكم هذا يشرح صدري.
أصبح "ديكسون" قريب منه وهو يشدد بالتمسك على ذراعيه بلهفةٍ:
_لا تتحدث هكذا مجدداً.. أنت لا تعلم ما الذي سيحدث لي حينها.
منحه ابتسامة صافية، ثم تحامل على يديه ليشير له محل ما يقف "سامول" فتخفى به "ديكسون" ليصبح مقابله، أمسك الملك "شون" يديه ثم قال بلهجةٍ خيم الحزن عليها:
_لطالما حلمت أن نعيش أنا وأخي متحابين، لا يتمكن الكره وحب العرش منا، ولكن حدث ما كنت أخشاه فكان أول من يحاربني وبالرغم مما ارتكبه بحقي الا أني لم أتمكن من قتله.
جحظت عين "سامول" بدهشةٍ، وخاصة حينما أشار الملك "شون" للحارس الذي مرر الباب الحديدي بيديه كالكرة ثم أمسك بمن يقف خلفه ليساعده على التحرر من قيوده أولاً، أول ما رأته عين "أدلر" هو أخيه الأكبر "شون"، فاقترب منه ليقف أمامه يلقيه بنظراتٍ ساخطة ومن ثم اتبعها كلماته الحاقدة:
_أصبحت عجوزاً لا يصلح للملك"شون"، من الجيد بأنك تركت العرش لمن هو أجدر منك.
ثم رفع أصبعه ليشير له ساخراً:
_ولكن كن حذراً فربما إن حررتني تلك المرة أعود لقتل ابنك ووريثه من جديد.
_أبي!
صوت" زمرد" إقتحم عالمه القذر، جعله يفيق من غفلته ليستدير تجاهها، ظلت نظراته متعلقة بها باسترابةٍ، يحاول جاهداً التعرف على ملامحها، اقتربت منه "زمرد" حتى باتت مقابله، فانسدلت دموعها ببطءٍ جعل الزمان يتوقف من حوله ليرى أمامه صورة مصغرة للطفلة التي تركها منذ أعوام، فرفع يديه ليضعها على شعرها وهو يردد بدموعٍ:
_ابنتي.."زمرد"!
احتضنته ببكاءٍ ومن بينه كانت تردد باشتياقٍ لتلك الكلمة:
_ أبي.
تابعهما من بالقاعة بنظراتٍ حزينة، الا"سامول" تحولت نظراته لدفعة من الضيق والنفور حينما استمع بنفسه لحديثه الحقير لعمه، زاغت عين "أدلر" على وجوه من بالقاعة في محاولة مستميتة للتعارف على ابنه، بصعوبةٍ تمكن من إيجاده، فتحرك بخطواتٍ شبه متعثرة حتى أصبح قريباً منه، فناده بحزنٍ:
_"سامول".
توقع بأنه سيحتضنه ولكنه تفاجأ به يخبره بتقززٍ:
_ماذا تنتظر هيا أقضي على "لوكاس" وابنه!
ثم جذب سيفه ليقدمه له وهو يصرخ غاضباً:
_هيا أسرع قبل أن يهدأ الشر بداخلك.
ازدرد ريقه بصعوبةٍ وهو يحاول أن يفهم ما حدث معه، ألقى "سامول" السيف أرضاً بقوةٍ ومن ثم صاح بتعصبٍ شديد:
_قضيت عمري بأكمله أفكر باللحظة التي سأنتقم فيها من "لوكاس" وعمي ظناً من أنك تعرضت للإضطهاد، وبعد كل تلك السنوات أتفاجأ بأنك من كنت طاغياً وليس هو!
ردد بلهجة مشككة وهو يوجه حديثه للملك:
_ماذا فعلت بابني "شون"؟ ماذا أخبرته عني؟
أجابه"سامول" ساخراً:
_ليته فعل لما كنت كرهته طوال تلك السنوات.
ثم استرسل بحزنٍ:
_أتعلم أبي، أنا و"زمرد" على قيد الحياة بفضل عمي.
صدم لما استمع إليه، فاستطرد "سامول" حديثه بألمٍ:
_واجه الموت لإنقاذنا بكل ما تمكن به، وفتح قصره استقبالاً لنا بالرغم من كرهي له!
ثم أشار بيديه تجاه مقعد العرش:
_ما يملكه من أخلاقٍ تجعله الأجدر بذلك العرش .
ثم تساءل بفتورٍ:
_أخبرني ما الذي جنيته من خلف طمعك بالسلطة والعرش؟ قضيت عمرك وحيداً، بعيداً عن أبنائك أليس هذا عقاباً قاسياً بالنسبة إليك؟
تساقط الدمع من عين "أدلر" بعد أن صفعته كلمات "سامول" صفعة تلو الآخرى، أزالت الوسخ العالق بداخل جسده وأزاحت الغيمة السوداء عن عينيه، جعلته يخفض رأسه حرجاً من ابنه، وبالرغم من ذلك وضع يديه على كتفيه ليردد بفخرٍ:
_لست حزيناً على ما مر من عمري، بل سعيداً لأنني إن كنت جانبك لما كنت تحمل تلك السمات الطيبة "سامول".
ثم تابع بقهرٍ:
_ربما كنت لوثت عقلك!
ثم تركه واتجه للملك"شون"، فوقف من أمامه وهو يجاهد لخروج الكلمات التي تناسب ما وضعه به شره اللعين:
_لا أعلم كيف أعتذر منك عما فعلته، خطئي بحقك وبحق" لوكاس" كبيراً ولا يغتفر.
ابتسم الملك "شون"، ثم قال ببشاشةٍ:
_غفرت لك منذ أعواماً، وكنت أجاهد نفسي كثيراً لأطلق سراحك؛ ولكني خشيت أن ترتكب أي فعل قد يؤثر بسامول..
ثم استكمل حديثه قائلاً وعينيه متعلقة ب" سامول":
_كنت أراقبه من بعيداً حتى أضمن سلامته هو و"زمرد".. لما يكن بمفرده أبداً.
اقترب منهما "لوكاس" ثم طوفهما بيديه:
_هيا فلندع الماضي يمر، وكأنه لم يكن له وجود ولنبدأ من جديد.
ابتسموا سوياً واحتضنوا بعضهما البعض، وترقب هو "سامول" بنظرةٍ مطولة حتى أتى الأخر إليه ليردد بحرجٍ:
_سامحني أنا الاخر "لوكاس".
احتضنه وهو يهمس بحبورٍ:
_لم يحدث شيئاً حتى أسامحك عليه.
سكن الحب الأجواء فيما بينهما، فرفع"ديكسون" صوته بمرحٍ وهو يلف يديه حول "روكسانا":
_أشعر وكأن القاعة قد ملأتها الأحضان والقبلات ونحن هنا نتأمل ما يحدث فقط، دعينا نتبادل العناق عل الملك يقتلني وينقلب الأمر للتعاسة.
تعالت ضحكات الجميع، وخاصة حينما أشار له"لوكاس" بمكرٍ:
_لا تقترب من زوجتي مجدداً والا سألقنك درساً قاسي.
تخفى ليظهر من أمامه ثم قال بسخريةٍ:
_فلتلقن هذا الدرس لابنتك التي وقعت بحب "سامول" .
تحولت النظرات إليهم، فتراجعت "إيرلا" بخوفٍ حتى صارت تقف لجوار "سامول" الذي أحاطها بذراعيه وهو يتحدث باعتزازٍ:
_وما الذي يستدعى القتل..أحبها وهي تحبني وها أنا أطلبها زوجة لي أمام الجميع.
تسللت السعادة لقلب "روكسانا" ومن ثم زرعت بالقلوب، تشجع "أركون" للحديث هو الأخر فقال:
_مولاي الملك أود أن أستغل هذا الإجتماع العائلي وأطلب "زمرد" زوجة لي.
انتقلت نظرات "سامول" تجاهها، فقالت بضحكةٍ مشرقة:
_أتتذكر حينما همست لك بأن هناك أمراً هام أريد الحديث معك به!
أومأ برأسه بابتسامةٍ تسلية، فربت "شون" على كتفي شقيقه وهو يخبره بفرحةٍ:
_اليوم الذي تحررت به هو يوم سعادة أبناءك بإختيارهما لأزواجهما.
هز رأسه فرحاً:
_جيد.. أود أن يصبح لي أحفاد على وجه السرعة.
قال "إيمون" لأبيه "لوثر" ساخراً:
_أترى أبي، عمي يرى أبنائه بعد زمن طويل وطلب منهما الأحفاد سريعاً عكسك تخبرني بأن أظل هكذا حتى لا يأتي ولداً يمنحك عمراً إضافي.
ضحك "لوثر" وأخبره:
_إفعلها أنت وسنرى ما سيحدث فيما بعد.
رقص قلبه طرباً وهو يتأمل الفتاة التي أصبحت تمنحه عشقاً تمناه بيومٍ ما،فضمها لصدره بحنانٍ وهو يهمس لها بصوتٍ منخفض:
_أحبك.
قطع الجلسة الطيبة دخول "بيرت" مسرعاً ليقف أمام الملك "شون" ثم قال بذعرٍ:
_"رودوليت" أسرت "راوند" أبي.
اكفهرت الوجوه غضباً، فدنا منه "لوكاس" وهو يتساءل بغضبٍ شديد:
_كيف حدث ذلك أخبرني!
أشار "بيرت" لتابعه فسمح لتلك الحورية بالدخول، فما أن ولجت حتى قدمت الطاعة ثم قالت:
_كلفتني الملكة "ريلام" بحمايةٍ الترياق الملكي، فكنت أحرصه ليلا نهاراً، وبالأمس هاجمتني الملكة "رودوليت" ففقدت الوعي وحينما استردته كانت ارتشفت الترياق بأكمله، فأختبأت بمكانٍ آمن بأحدى ممرات القصر السري وحينها أتت إليها أحدى الحوريات لتخبرها بانهزام جيشها أمام جيش الملك "سامول"، فأمرتها بالعودة للمملكة والبقاء على أسر الملكة"راوند" وابنتها "ألماندين".
حينما نطقت باسمها رجف قلبه بعنفٍ وكأنه وجد من فقدها عهداً كامل، كان الجميع بحالةٍ من الذهول مما استمعوا إليه من أخبارٍ بعضها صادماً والأخر غريباً، لم يستمع"بيرت" للجزء الأخير من جملتها من قبل، فسألها بذهولٍ:
_عن أي ابنة تتحدثين!
قالت وعينيها أرضاً بوقارٍ:
_لا أعلم.. نقلت لكما ما حدث لخطورة ما سيحدث فيما بعد، فالترياق مفعوله يبدأ بعد ثلاثة أيام من تناوله وحينها لن يتمكن أحداً من إيقاف "رودوليت" بعد أن تتملكها قوة جنيات الجحيم الخالدة.
تساءلت "ضي" باهتمامٍ:
_وكيف سنقضي عليها؟
أجابتها بتلقائيةٍ:
_لا أحد يعلم إجابة هذا السؤال سوى ملكة الحوريات نفسها "ريلام" ومن المؤكد بأنها ورثت سر الترياق لابنتها الملكة "راوند".
قطعت"إيرلا" حديثهما الهام قائلة بصدمةٍ لأبيها :
_الحورية التي كنت ألتقي بها تدعى "ألماندين".
عادت كلمات"راوند" لتتردد بذهنه حينما قالت بأن "رودوليت" وشقيقاتها لم تمتلك أبناء، فبات الأمر معقد بالنسبة إليه، فقال بصرامةٍ:
_علينا التحرك سريعاً، لنحرر "راوند" أولاً ثم حينها سنعلم كل شيء.
واستدار ليوجه أوامره إليهم فتفاجأ الجميع بعدم وجود "ديكسون" و"سامول".
********
بمملكة "رودوليت"
إتبع "ديكسون" "سامول" لأنه يعلم المملكة جيداً ومخابئها، كان يحميه كلما هاجمته أحد الحوريات، فكان يقضي عليها بصولجانه سريعاً، وصل لبيدق الظلام فحاول "سامول" دفع الباب الدائري بقوةٍ وعاونه "ديكسون"؛ ولكنه لم يتحرك من محله، أشار له"ديكسون" بحذرٍ:
_إبتعد.
إنصاع له وتنحى جانباً، فسلط صولجانه لتنطلق شرارة من صَيْهَدٍ فتته كقطعة الورق الهاشة، اندفعوا سوياً للداخل يبحثان بالحواجز المنقسمة بالداخل، توقفت قدم "ديكسون" عن الخطى حينما وجدها غافلة بأحضان "راوند"، استطاع أن يهزم باب البيدق بسهولةٍ كما أوقع سابقه، ثم ولج ليسرع إليها مردداً بلهفةٍ:
_"ألماندين"!
استيقظوا سوياً، فأسرعت إليه بفرحةٍ، احتضنها بشوقٍ وهو يخبرها:
_انتظرتك كثيراً.
قالت بدمعةٍ اختلطت بسعادتها:
_ليتني لم أتركك بهذا اليوم.
وزعت"راوند" نظراتها بينهما باستغرابٍ:
_وكأن هناك أموراً لم أعلمها عن ابنتي بعد.
سألها "ديكسون" بدهشةٍ:
_ابنتك!
كادت بأن تقص له ما حدث، فقال "سامول" ساخراً وهو يتأمل الحوريات التي تهرعان إليهم بأسلحتهن:
_سحقاً، لنتحدث في مثل تلك الأمور العائلية لاحقاً.
انتبهوا للحرب المتبادلة بالخارج بين الحوريات و"سامول"فخرجت "ألماندين" سريعاً لتكتف يديها معاً أمام صدرها، فأحاطتها هالة زرقاء اللون ومن ثم رفعت كفيها لتكور طاقة عظيمة من الثلج، وأفشت تحركاتهم حينما بنيت به حائط سميك عازل بينها وبينهما، بينما هدم "ديكسون" الطريق الأخر من أمامهم باستخدام الصولجان حتى تخفوا تماماً ليعودوا للمملكة سريعاً.
********
جلست "روكسانا" جوار "لوكاس" ثم همست له بفضولٍ:
_أعلم بأنه ليس بالوقت المناسب للحديث، ولكن ما الذي حدث فجأة بينك وبين "إيرلا".
تفحص من حوله وحينما وجد الفرصة المناسبة قال:
_لا شيء فعلت كما طلبتي مني، استمعت لها وضمتها لصدري.
ابتسمت بفرحةٍ وهي تشير له بيدها:
_أعشقك.. هل تعلم ذلك؟
تعمق بنظرة تحمل الشوق والحنين بحدقتيها وهي يهمس لها:
_أعلم، وأعلم بأنكِ ستقوديني للجنون ذات مرة.
قالت بغرورٍ وهي تعدل تاجها الفضي:
_عليك أذن توخي الحذر أيها المحارب.
ابتسم وهو يتأمل مشاكستها التي لا تنتهي، فلولاها لما طوفت البسمة وجهه في مثل تلك الظروف العصيبة التي تختبرها المملكة.
*******
ظهر كياناً من أمامهما ومن ثم ظهر"ديكسون" والجميع بصحبته، هرع "بيرت" إلى "راوند" ليتساءل بلهفةٍ:
_أأنتِ بخير؟
رسمت ابتسامة يراها لأول مرة على وجهها، فتركته وهرولت لتجذب يد "ألماندين" ثم أشارت لها بسعادةٍ:
_هذا أبيكِ ابنتي.
تهدلت معالمه وهو يتساءل بدهشةٍ:
_ما الذي تقولينه "راوند"؟
بابتسامةٍ واسعة قالت:
_كما سمعت"بيرت".."ألماندين" ابنتنا.
إقترب منها "لوكاس" وهو يتساءل بجديةٍ:
_كيف ذلك؟
بدأت بقص ما أخبرتها به "رودوليت" وعن ابتزازها لها بالترياق الملكي، سعد الجميع لاجلهم بعودة ابنتها وظهور الحقيقة التي ستغير مجرى حياتهم، ولكن أصبح هناك عائق كبير أمامهم، فما فعلته "راوند" فتح شراً عظيم لا نهاية له، أشار الملك "شون" لألماندين"بالإقتراب، فمرر يديه على وجهها ثم قال وعينيه تتركز على "ديكسون":
_وكيف لفتاة عادية أن تخطف قلب حفيدي! بالطبع هي من سلالة الأسرة الحاكمة.
صدمت"روكسانا"، وتطلعت لديكسون فوجدته هائماً بها، ابتسمت وهي تشير إليه بأنه يتلاعب من خلف ظهرها، فأشار على موضع قلبه بأنه علق بعشقها، قطعت" راوند" فرحة الجميع حينما قالت بخوفٍ:
_لم يتبقى لدينا سوى ثلاثة أيام.. علينا التحرك سريعاً قبل أن يتدمر كل شيء. قال "لوثر" بعزمٍ:
_سنحاربها حتى الرمق الأخير.
أوضحت له "راوند" بهدوءٍ:
_أنت لا تعلم قوة جنيات الجحيم "لوثر"، لن يقدر أحداً على التصدي لها، جسدها تلتحم عظامه في أقل من الثانية، حتى إن فصلت عنقها، أي طريقة ستحاول قتلها به سيعاد الجلد ليتشكل من جديد.
قال"ديكسون" بضيقٍ:
_من المؤكد بأن هناك طريقة ما للقضاء عليها.
أجابته بحزنٍ بدى على وجهها المنكمش:
_ليس هناك سوى طريقة واحدة.
_ما هي؟
_القوس التي صنعته ملكة الجنيات.
سألتها "ألماندين" بلهفةٍ:
_وأين هذا القوس؟
_حصلت عليه ملكة الحوريات منذ زمن بعيد وفصلت الأسهم عن القوس ثم أخفت كلاً منهما بمكانٍ أمن.
قال "سامول":
_حسناً، فلنذهب ولنأتي بهما.
ردت عليه"راوند" بابتسامة ساخرة:
_الأمر ليس بتلك البساطة "سامول"، فالكهوف التي وضعت بها القوس والأسهم يعيش بها وحوش عتية منذ قرون عديدة، والا لما كان موجود إلى الآن بهذة الكهوف.
إقترح "إيمون":
_وهل علينا قتلهم؟
هزت رأسها بحيرةٍ:
_لا أعلم، مثل كل الملكات التي تستلمن العرش تعرف تلك الكهوف حتى إذا حدثت الكارثة وتناولت إحداهن الترياق الملكي فهناك خطة بديلة.
صاحت"إريكا" بتخبطٍ:
_وإن كان الأمر خطيراً هكذا لما لم تتخلصن من الترياق قبل أن تتناوله أحداكن!
وضحت لها "راوند" بهدوءٍ:
_الحوريات يتعرضن لهجومٍ ساحق من الآكلوت وغيرها من الممالك، فإذا تغلبوا علينا يكون مصير باقي الحوريات أليماً لذا ينبغي حينها على المملكة التضحية بذاتها من أجل إنقاذ شعبها، فإن كانت تريد العودة لطبيعتها عليها أن ترتشف نصف الترياق وخلال الثلاثة الأيام تكون تغلبت على من أردت ثم بعد مرورهما تتناول الجرعة الأخيرة في وقتها، ولكن إذا أرادت الإحتفاظ بشكلها للأبد تتناول الجرعة كاملة مثلما فعلت "رودوليت".
وملأت رئتيها بالهواء قبل أن تستكمل:
_وحينها يصبح التغلب عليها بدون القوس أمراً شبه محال.
قالت"إيرلا" ساخرة:
_عظيم، لن أموت على يد تلك الحورية الحمقاء.
ابتسم "أركون" وهو تخبرها:
_ربما إن لم نتحرك سريعاً سنمت جميعاً على يدها.
حسم الأمر "ديكسون" حينما أمسك صولجانه ليشير لسامول :
_فلننقسم، إذهب أنت وأركون لتحضر السهام وسأذهب برفقة "إيمون لإحضار القوس.
هز"سامول" رأسه موافقاً على إقتراحه، في ذلك الوقت تخفت "راوند" لتعود بحقيبتين غريبة الشكل لتقدم أحداهما "لسامول" والأخرى "لديكسون" قائلة بتحذيرٍ:
_كونوا حذرين، وبالحقائب ستجدون ما يمكن استخدامه مما صنعته الحوريات بسحر قوي.
أسرعت "ألماندين" لتقف جوار "ديكسون" ومن جوارها وقفت "إريكا" جوار "إيمون" وكذلك باقي الفتيات، كادت "روكسانا" بالصراخ بهن بالا يذهبن ولكن منعها "لوكاس" وأشار لديكسون بنظرةٍ عميقة قبل أن يقول:
_عد منتصراً من أجل شعبك.
أحنى رأسه وقاراً لأبيه ثم أشار بيديه لراوند التي عبثت بيدها لتلقي بضوئين متنقلين من العلبةٍ التي خبئتها جيداً لمثل هذا اليوم، فما أن أطلقت الأضواء حتى فُتح من أمامها ضوئين يشعان بقوةٍ، سلك أحداهما "سامول" ومن معه، والأخر سلكه "ديكسون" ومن معه، لتبدأ الآن مغامرة فريدة من نوعها، حيث يشهدها العشق ويحيطها الخطر!
**********
بشرية أسرت قلبي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الثاني عشر.
(ما بين العشق والموت!.)
خرجوا أخيراً من ذاك الكيان المتنقل، فوجد "سامول" كهف ضخم يكسوه اللون البرتقالي المائل للأصفر، تتوهج من حوله هالة مخيفة تشع بلونها الأحمر، ومن حوله يوجد عدد من الأحجار الملونة، تعجب "سامول" وهو يتفحص تلك الأحجار، فسألته "إيرلا":
_ماذا سنفعل الآن؟
حملت"زمرد" الأحجار الملونة بين يدها،ثم إختارت حجر "الأكوامارين"، ودفعته بمنتصف الفجوة فتفتت الأشعة الحمراء من أمامهما ليصبح جاهزاً لإستقبلهما، ألقى "أركون" نظرة متفحصة بالداخل ثم قال:
_لماذا هذا الحجر بالتحديد.
أعادت خصلات شعرها المتمردة للخلف وهي تجيبه:
_لا أعلم شعرت وكأنه يعطي بصيرة مختلفة، وربما إبتهاج لونه المميز هو من دفعني لإختياره.
ابتسمت "إيرلا" وهي تضيف بمرحٍ:
_أشعر وكأننا سنقضي مغامرة رائعة.
منحها "سامول" نظرة مشككة ثم أشار لهما ساخراً:
_سنرى.
مروا خلف بعضها البعض، فكانت الأرض غير متساوية، يملأها منحيات منعرجة، خشت "زمرد" أن تسقط أرضاً، فاستندت بيدها على جدران الكهف الباردة اندفعت يدها بالداخل، فشعرت وكأنها ضغطت على شيئاً ما ، توقف الجميع محلهم حينما انفتح من أمامهم باب من الثليج بجوار "زمرد" التي تخشبت محلها كالموتى، تحرك "أركون" تجاهها وهو يحثها على المضي قدماً وحينما لم تستجيب له، قال بهدوءٍ حذر:
_أخبريني ما الذي ترينه بالتحديد؟
طالت حالة جمودها لتتنقل حدقيها مع من يخرج من تلك البقعة التي تسببت بفتحها، ليظهر أمامهما«وايتوريكي Waitoreke» بجسده الذي يشبه القضاعة أو القندس أو كائن زعنفي الأقدام، حجمه كان ضخماً فرأسه كانت تلامس سطح الكهف، ثم وقف مقابل "أركون"و"سامول"، فزمجر بصوتٍ كاد أن يصيبهم بالصم، وكأنه حرم من صوته لآلآف من الأعوام، ردد "أركون" بخوفٍ:
_هذا لا ينذر بالخير يا صاح.
حافظ على حدة نظراته تجاه هذا الوحش المخيف يحاول أن يدرس انطباعته، وجده يحرك رأسه يميناً ويساراً بحركاتٍ مندفعة، عينيه بالرغم من أن يملأها الضوء الا أنه بدى ل"سامول" بأنه لا يرى، فحينما تلتقط أذنيه أي صوت ينتفض جسده بتحفزٍ واضح ، التفت "سامول" لأركون ثم همس بهدوءٍ :
_إبعد "زمرد" في الحال.
بحذرٍ شديد جذبها ليخطو بانتباه حتى وصلت للجهة الآخرى مقابل "إيرلا" التي تراقب ما يحدث بصدمةٍ، عاد "أركون" بخطواتٍ حذرة لموضعه فاحتكت قدميه على الجليد الذي انشق من أسفله ليصبح بركة من المياه ابتلعته بجوفها، فور التقاط آذنيه لهذا الصوت، اندفع رزاز قوي من فمه أذاب الجليد أسفل قدمي "سامول" الذي حلق عالياً ليتفاداه ومن ثم اتبع المكان الذي سقط به "أركون"، فحاول جاهداً البحث عن سيفه الذي أسقطه بالمياه، نهش لحم جسده بمخالبه الصغيرة، فتأوه بألمٍ شديد، صرخت"زمرد" فزعاً وهي تراه يهاجم معشوقها، فلم تجد سوى تلك الحيلة ليتركه، ركضت فوق الثليج لتدبدب بأقدماها محدثة ضوضاء، فانتفض جسده الملس ثم أخذ يبحث عن مصدر المصدر، وما أن حدده بنجاحٍ وجد صوت أخر شتت انتباهه، فما كانت سوى "إيرلا" التي تحاول إنقاذ رفيقتها، فما أن هرع إليها صاحت بزمرد وهي تشير تجاه البركة الصغيرة:
_أخرجيه من المياه.
أومأت برأسها ثم ركضت تجاهه، حاولت أن تدفعه خارجها ولكنها لم تستطيع، فتحول جسدها للسيرانة طبيعتها التي تمكنها من التأقلم مع المياه، في ذلك الوقت حاولت "إيرلا" أن تشتته قدر ما استطاعت ولكن بات الأمر في أقصى خطورته حينما كاد بأن يلامس جسدها بأنيابه، تحكمت بقوتها قدر ما استطاعت وهي تراقب"زمرد"التي تحاول إخراج "أركون" فصرخت بها بحدةٍ:
_أسرعي "زمرد".
نجحت أخيراً بإخراجه بعيداً عن المياه، بينما كانت تواجه" إيرلا" معركة شرسة خشيت أن تستخدم بها طاقتها فينهدم الكهف من فوقهما، ولكن حينما حاصرها لم يكن لديها مهرباً آمن، توهجت لتسلط طاقتها تجاهه، فتراجع للخلف وهو ينوح بصوتٍ مخيف، في ذلك الوقت استطاع"سامول" كسر الحاجز الثلجي الذي فصلهما عنه ليسرع تجاهه، سقط فوق رأسه ومن ثم حرر سيفه الذي التف حول جسده ليفتته لأشلاءٍ مقززة، احتضنها "سامول" وهو يسألها بلهفةٍ:
_هل أصابكِ؟
قالت بمرحٍ:
_خدوش صغيرة لن تؤثر لا تقلق.
قطع حبال الرومانسية المتبادلة بينهما صوت الشرخ القوي الذي تسلل بسقف الكهف الثلجي، أسرع "سامول" ليحمل "أركون" فاقد الوعي ثم دفع شقيقته على استكمال طريقها مردداً بتحذيرٍ:
_علينا الرحيل قبل أن ينهدم.
ركضت كلاً منهن مسافة طويلة، فإنهار الجليد بمدخل الكهف العجيب، قالت "زمرد" بخوفٍ:
_كيف سنخرج من هنا الآن.
ردت عليها "إيرلا" بتخمينٍ:
_من المؤكد بأن هناك مخرج أخر.
وجد "سامول" مكان دافىء فوضع "أركون" به ثم كور يديه ليصنع هالة تحيط بالمكان الذي يخيم به، فتحت "إيرلا" الحقيبة التي سلمتها لهم "راوند" فوجدت بالداخل قطعة من القماش، شكلها غريب ، فما أن أخرجتها من الحقيبةٍ حتى تمددت حجمها لتصبح بحجم الوكر الخاص بهما، حاولت "زمرد" أن تجعله يسترد وعيه، فرددت بخوفٍ اصطحبته دمعة خافتة:
_"أركون"!
فتح عينيه وهو يتفحص صدره المخدوش بوجهاً ممتعض من الألم، فمرر يديه على خديها بابتسامةٍ صغيرة:
_لا تقلقي حبيبتي، أنا بخير.
أسرع إليه "سامول" فجذب من الحقيبة أحدى الفراشات السحرية ومن ثم بتر أجنحتها ليداوي جرحه الغائر، ثم أخبره بودٍ:
_ستكون على ما يرام.
شكره بامتنانٍ كبير، فداثره جيداً بمعطفه الأسود ثم عاد ليجلس بأحد الأركان، فجلست "إيرلا" من جواره ليحاوطها بين ذراعيه، ثم قال بحنانٍ:
_أغلقي عينيكٍ "إيرلا"، لا تقلقي أنا هنا.
منحها الأمان بكلماته الدافئة، فغفلت بين أحضانه متناسية الخطر الذي ينتظرها بالخارج، أما"أركون" فبدأ جرحه يندمل تدريجياً حتى أصبح في حالة جيدة، فاستقام بجلسته وهو يتفحص المكان، رفع حاجبيه بذهولٍ حينما رأها تجلس لجواره وتتأمله بخوفٍ وترقبٍ وما أن أفاق حتى أسرعت إليه لاهثة:
_"أركون"، خشيت أن أفقدك.
ابتسم وهو يجيبها ساخراً:
_خدش بسيط سيفقدني حياتي!
ثم جذبها اليه، لتمدد رأسها على قدميه ليجبرها على الاسترخاء قائلاً بعشقٍ:
_أنا بخير، لا تقلقي.
منحته بسمة صغيرة قبل أن تغفو بإرهاقٍ شديد، فظل هو متيقظاً حينما وجد النوم قد استحوذ على "سامول"، ليراقب المكان جيداً.
*********
انتهى الكيان المتنقل ل"ديكسون" بمكانٍ فارغ، ليس به أي شيئاً قد يستدل بوجود كهف أو أي شيء، فالمكان من حوله يغرقه اللون البني القاتم بشكلٍ مخيف، تساءل "إيمون" بدهشةٍ:
_أين الكهف؟
خمنت "إريكا" قائلة:
_ربما هنا أو هناك دعنا نبحث جيداً.
وتجولت للمكان قليلاً ثم عادت لتقف أمامهما من جديد وهي تردد بمللٍ:
_لا يوجد شيء!
قالت "ألماندين" بثقةٍ:
_يبدو إنه غير مرئي.. علينا إيجاد وسيلة للدخول سريعاً.
اهتدت نظرات "ديكسون" لذلك الطائر الصغير، الذي بمتلك أجنحة ضخمة مقارنة لحجمه الضئيل، هبط من الأعلى ليقف أسفل قدميه، فلمح بمخالبه شيئاً ملفوف جيداً، إنحنى ليجذب ما بقدميه، ثم فتحها ليجد كلمات مدونة بلغةٍ يجهلها، أسرعت إليه "ألماندين" لتتأمل ماذا وجد؟ ثم جذبت الورقة منه لتردد بتعجبٍ:
_لغة الجنيات!
قال "إيمون" بذهولٍ:
_وكيف سنقرأ ما دون بها؟
حاولت "ألماندين" قراءة ما دون بها، فارتبكت بصورةٍ ملحوظة، منحها "ديكسون" نظرة شك، فجذبها بعنفٍ لتقف أمامه:
_ماذا دون بالورقة؟
بتوترٍ اجابت:
_لا شيء.
ثم تركتهما وابتعدت قليلاً لترسم بيدها مدخل مثلث الشكل ثم بدأت بترديد التعوذيدة التي بيدها بقلبٍ يرجف خشية مما عرفته فاحتفظت به لنفسها:
_من وسط الظلام إسطع للنور، أميرة الحوريات "ألماندين" تأمرك بالسماح بالدخول وقد وافقت على ما دون بالميثاق المختوم!
كلماتها المبهمة جعلته يعلم بأن هناك أمراً أخفته عنه "ألماندين"، فدنا ليصبح قريب منها، وكاد بأن يتحدث فقاطعه انشقاق الأرض لتنزلق بهما للأسفل ومن ثم ألقت بهما أمام باب مثلثي الشكل يتعلق به عدد كبير من شتى أنواع الجماجم، ابتلعت"ألماندين" ريقها الجاف بصعوبةٍ وهي ترى أمام أعينها مصير حامل الميثاق ومن عهد بقراءة ما دون به، كادت بأن تضع يدها على الحجر الأسود الموضوع جوار الباب، تميمية للعهد، شكوكه دفعته لأن يفعل ذلك فسابقها "ديكسون" قبل أن تفعلها لينفتح الباب تدريجياً، صعقت "ألماندين" مما فعله فلكمته على صدره وهي تصرخ به بشراسةٍ:
_ماذا فعلت؟
ثم حاولت إغلاق الباب مجدداً وهي تصيح بانفعالٍ:
_لن أحتمل خسارتك.
تساءل "إيمون" بشكِ راوده حينما رأى حالتها واستمع لما تقول:
_ماذا كتب بالورقة "ألماندين"؟
أجلت أحبالها الصوتية المنقطعة وهي تجيبه:
_لا أعلم ما الذي يعنيه بالتحديد، ولكن كتب بأن من سيفتح باب الكهف سيواجه البوناكون (The bonnacon).
سألتها" إريكا":
_وما هذا الكائن؟
أشارت برأسها بدموعٍ:
_لا أعلم ولكنه خطير ينتزع جمجمة الرأس بمخالبه الحادة حتى يغلق باب الكهف مرة أخرى!
صعق كلاهما أما هي فجلست أرضاً تبكي بحرقةٍ، فانحنى "ديكسون" من أمامها ثم قرب يديه منها، فدفعته بقوةٍ في كل مرة حاول لمسها، حتى حينما أمسك يدها سحبتها وهي تصيح بحدةٍ:
_إبتعد عني.
لم يستسلم من محاولاته لتهدئتها، فلامس بأصابع وجنتها، أبعدته عنها مرة والأخرى بكت وهي تردد بألمٍ شديد:
_ماذا سأفعل إن أصابك مكروه؟
بابتسامة ساحرة جذبها إليه، مردداً بمكرٍ:
_كانت رغبتك أليس كذلك؟
لكمته بعنفٍ فحاوط يدها وهو يحتضنها بتملكٍ، مسد بيديه على خصلات شعرها الرمادي وهو يهمس لها بأنفاسٍ أذابت حصونها:
_لن يحدث شيئاً سنعود سوياً وسنعلن زواجنا ثم ستزف حوريتي الشرسة برائها الملكي وتاج مملكة السراج يلمع فوق خصلات شعرها الحريري، ومن ثم سنخرج بحفل استقبال رائع ويدي تتمسك بيدك لأخر نفس سيحيط بينا.
هدأت تدريجياً بين أحضانه، فعاونها على الوقوف ومن ثم أشار لها بحبٍ وهو يهمس:
_مازلت لجوارك.
صوبت تجاهه نظرة قاتمة فابتسم وهو يشير له بأنه سيتحلى بالصمت، أشار له "إيمون" الذي وقف بصحبة "إريكا" على مسافةٍ قريبة منهما، ليمنحهما بعض الخصوصية، فأتى مسرعاً ليقف خلفه وهو يستعد بأسلحته لما قد يلقاه بالداخل، ولجوا تباعاً للداخل ليجدوا المكان ضيق ومعتم، فتفاجئوا جميعاً بضوءٍ أبيض يتخلل المكان، واستداروا للخلف، فوجدوا "إريكا" تضيء كشاف هاتفها الخلوي وهي تشير لهم بتعجرفٍ:
_أتظنون أن البشر لا يمتلكون صلاحيات التميز بين عصركم الغريب هذا!
ضحكت "ألماندين" على دعابتها، فتلك الفتاة على الرغم من أنها المرة الأولى التي تراها بها الا أنها شعرت بارتياحٍ غريب تجاهها، أشار لها "إيمون" بتتابعه بعنايةٍ فكان يخطو بحرصٍ وتأهب لأي شيئاً قد يحدث، انتهى الممر الرفيع بمكان مستطيل الشكل، يحده أربعة مداخل مختلفة، وقفوا يتطلعون لهما بحيرةٍ، فقالت "إريكا":
_أي طريقاً سنسلك؟
تخشب جسد " ألماندين " وكأن هناك شيئاً لامس جسدها، أسرع إليها "ديكسون" فحال بينه وبينها كياناً غريب لم توضح معالمه جيداً، بل يظهر منه ضوء خافت يشير لوجوده، جحظت عين "ألماندين" بصدمةٍ وهي ترى كيان جدتها يتشكل من أمامها ومن ثم وضعت يدها على رأسها وكأنها تلقنها شيئاً ما، انسدلت دمعاتها في صدمة وهي تستمع لها حتى أنها استطاعت رؤية ملامح وجهها بوضوحٍ.
كاد "ديكسون" باستخدام صولجانه ليكسر هذا الحاجز الذي يفصله عنها،فأوقفه "إيمون"قائلاً:
_ انتظر"ديكسون".. ذاك الشيء لا يؤذيها!
تأمل بعينيه ما يحدث، فاذا بالكيان يختفي أثره تماماً حتى جسد"ألماندين" استعاد ثباته الفعلي، أمسك بها "ديكسون" وهو يسألها بتلهفٍ:
_ماذا حدث؟
برهبةٍ أجابته:
_أعتقد بأنها جدتي، الملكة "ريلام" .
ارتعبت "إريكا" فتمسكت بثياب "إيمون" وهي تصرخ بفزعٍ:
_لم يكن ينقصنا سوى الأشباح هنا!
قال "إيمون" ساخراً:
_لا يوجد بعالمنا أشباح أو ما يشبه ذلك يا فتاة، اصمدي فمازالت الرحلة الشيقة ببدايتها.
كان يتعمد الاستهزاء منها، فحينما طلب منها البقاء بالمملكة تلبستها روح المحاربة الشجاعة فجأة وها قد تخلت عنها سريعاً، أسند "ديكسون" "ألماندين" ثم عاد ليسألها باندهاشٍ:
_ماذا كان يحدث بينكِ وبينها؟
هزت رأسها بخوفٍ ومازالت لا تستوعب ما رأته:
_لا أعلم "ديكسون"، وضعت يدها على رأسي ثم رددت شيئاً غريب، وأخذت تهمس لي بأشياءٍ لا أتذكرها.
تفهم حالتها، فما حدث لم يكن هيناً، فمرر إبهامه على يدها برفقٍ:
_لا عليكِ، إهدائي فحسب.
أومأت برأسها وهي تقاوم رجفة جسدها القاسية، عاد الكيان ليتشكل من أمامها، فلم يتمكن أحداً من رؤيته سواها، علمت بأنها إشارة تواصل بينها وبين جدتها لترشدها على المكان الصحيح، أشارت بأصبعها على المكان الذي سلكته ثم قالت:
_من ذلك الإتجاه.
تطلع كلاً منهما للأخر بصمتٍ ثم حملوا أسلحتهم ليسلكوا الطريق الذي أشارت عليه"ألماندين"، طريق طويل قضوه مشي دون رؤية ما يجذب الإنتباه أو أي شيئاً يؤكد لهم بأنه بالطريق الصحيح، توقفت" إريكا" عن المشي وهي تقول بتعبٍ:
_أشعر وكأننا ضللنا الطريق!
ثم أشارت على قدميها بوجعٍ:
_ قدمي لم تعد تحملني!
رد عليها "ديكسون" بهدوءٍ:
_لا أعلم ولكن سنرى.
ثم أشار لإيمون:
_إحملها.
منحها نظرة مغتاظة قبل أن يحملها، فلفت ذراعيها حول عنقه وهي تهمس له بصوتٍ منخفض:
_أليس هذا أفضل من أن تمشي بمفردك؟
احتدت نظراته، فابتسمت ساخرةٍ:
_ما بك يا رجل أمازحك فحسب!
ثم أضافت:
_أشعر وكأن تلك الرحلة ستكن سبباً في انفصالنا، أرجوك "إيمون" ابتسم قليلاً!
رسم ابتسامة مصطنعة وهو يجز على أسنانه بغيظٍ من برود أعصابها، توقفوا جميعاً حينما وجدوا من أمامهم حائط أحمر اللون بنهاية الطريق ، هبطت "إريكا" ثم قالت بثقةٍ:
_ألم أخبركما بأنه الطريق الخاطئ.
ثم أشارت ل"إيمون" برقةٍ مضحكة:
_ هيا إحملني لنعد أدراجنا.
انتبهوا جميعاً لديكسون الذي انحنى أرضاً وهو يردد بثباتٍ:
_بل نحن بالإتجاه الصحيح، "إيمون" إقترب.
أسرع "إيمون" إليه ليتطلع لما يلفت انتباهه هكذا، وجد من أمامه فجوة صغيرة تمكنه من رؤية الفراغ من خلف الحائط، فأشار لهما بالتراجع ومن ثم حطم "إيمون" الحائط بسيفه فاندفعت رائحة عفنة جعلت "إريكا" تسعل بقوةٍ، فيبدو أن جسدها الهزيل لا يحتمل بعض التغيرات البسيطة على عكسهما تماماً، جذب "ديكسون" هاتف "إريكا" ليسلطه بالداخل فوجد عدد من العظام يملأ الممر الذي يضيق عما دخل منه، فأشار لهما بيديه:
_توخوا الحذر، لا تلمسوا شيئاً.
أشاروا له بانصياعٍ فمرت "ألماندين" من خلفه ومن ثم تتبعتها "إريكا"، ومر" إيمون"أخراً فكاد بأن يصل إليهما لولا ما جذبه ليثبت جسده أرضاً، استدار بذهولٍ ليجد يد من عظاماً تتمسك بقدميه فأبعدها عنه ثم أسرع ليقف جوار "ديكسون" الذي استبشر بقدوم خطراً وشيك، استدار سريعاً لألماندين يؤمرها:
_اصطحبي "إريكا" لمكان آمن.
أشارت له بتفهمٍ ثم أسرعوا ليبحثوا عن مكانٍ آمن بالداخل، تحركت العظام بقوةٍ، انشقت الأرض من أسفل يد الهيكل ليظهر من أمامهما مخلوق مرعب له رأس أسد وجسم شاة وذنب أفعى، ينبطح رأسه أرضاً وهو يزئر بغضبٍ ليسرع تجاههما، الممر كان ضيق لا يستطيع التعامل معه في مكانٍ هكذا، رفع "ديكسون" صولجانه وهو يحاول أن يفنيه سريعاً؛ فتفاجأ بأنه فقد طاقته المكتسبة، تجردل من كل شيء أصبح عادياً، على عكس "إيمون" و"ألماندين"مازال يتمتع كلاً منهما بمهاراته، لم يكن الوقت مناسباً للتفكير فيما حدث، فاستخدم "ديكسون" الصولجان كعصا غليظة ليهوي بها على رأس المخلوق المندفع، فلم يؤثر به شيئاً، فكاد بخسارة حياته، لولا تدخل "إيمون"الذي انقض عليه ليقيد رقبته وجسده بأكمله فمنح الفرصة لديكسون الذي جذب سيفه الملقي أرضاً ثم استهدف به قلبه ليتوقف عن محاولته المستميتة للتحرر منه.
ألقى به"إيمون" وهو يلهث من فرط ما فعله:
_كان هذا وشيكاً.
أشار له الأخير بموفقة ما يقول، ثم نهض ليتفحص الصولجان مجدداً، ليستدير تجاه "إيمون" ثم قال ساخطاً:
_أيا كان ما سأواجهه بنهاية الأمر فهو ذكي، جردني من قوتي ليتمكن مني مثلما تمكن ممن قبلي.
ظهر الخوف جلياً على وجه "إيمون"، فأكد له بثقةٍ:
_وإن يكن.. ستنتصر بالتأكيد.
ارتسم على ثغره ابتسامة هادئة ليشير له بتتبعه، ليجدوا الفتيات.
*********
بمملكة" السراج الأحمر"
تمم "لوثر" على حراسة القصر بأكمله، ثم بأنحاء المملكة فحرص على توزيع الجنود على مداخلها ومخارجها، وخاصة الأسوار المحيطة بها، أحنى رأسه بوقارٍ وهو يردد:
_فليحيا ملك السراج "لوكاس" العظيم.
قبل "لوكاس" تحيته بابتسامةٍ صغيرة، ثم مشى لجواره وهو يراقب بعينيه انتشار الجنود ليحيطوا بالسور الداخلي كالمدرعات، فقال ونظراته الحزينة تحيط بشعبه:
_"رودوليت" اللعينة تعلم جيداً بأن شعبي نقطة ضعفي لذا ستستهدفهما أولاً.
أومأ "لوثر" برأسه ثم أشار له بإرداة ورغبة بالإنتصار:
_لا تقلق "لوكاس" لن نسمح لها بذلك. سندافع عن الشعب والمملكة بأخر نقطة دماء تسري بعروقنا.
ربت بيديه على كتفه القوي وقال بإطراءٍ يثني عليه:
_أعلم بأنك مقاتل شجاع "لوثر" لا أشك بك ولا بما تستطيع فعله، ولكن ما سنواجهه تلك المرة طاقة شر يصعب التخلص منها.
بتفاؤلٍ قال:
_سيعود "ديكسون" و"سامول" بالرمح وحينها سنتمكن من ذلك.
صمت قليلاً قبل أن يخبره بصرامةٍ وحزم:
_وإلى أن يحدث ذلك سندافع عن المملكة بكل قوتنا، شدد عليهم جيداً فنحن لا نعلم بأي وقتٍ سنتلقى الهجوم.
أخرج سيفه وهو يلوح به لقائد الحرس الملكي ثم أجابه:
_عد إلى القصر وتفحص أموره ولا تقلق بما يحدث عنه.
أشار له بثباتٍ فأنحنى "روجان" حينما دنا منه، فمرر "لوكاس" يديه على جسده بابتسامةٍ حنونة ثم همس له:
_هيا يا بطلي لنعد للقصر.
حلق به سريعاً، فالعلاقة بينهما ناردة، فعلى الرغم من أن الملك "شون" قدم له أكثر من مخلوقات وطائر يمتلكوا من القوة ما يرعب الأبدان الا أنه تمسك به مثلما تمسك "روجان" به، فخدمه مطولاً حتى وإن كان قد تقدم بالعمر؛ ولكنه مازال يسابق سرعة الرياح!
******
بالقصر.
كان يجلس "أدلر" جوار أخيه الملك "شون"، يستمع حديثه المتطرف لطفولة"سامول"، وأبرز له مدى إعجابه بشخصه فكان يهابه الكثير، وعن سماته النبيلة التي يحتفظ بها، انتهى من قص كل ما هو متعلق به فتحرك فك الأخير ناطقاً باستغرابٍ:
_بالرغم مما إرتكبته بحقك وبحق "لوكاس" كنت تراقبه وتعتني به دون أن يشعر بك، لا أدري كيف سأرد لك ما فعلته لأجلي؟
رد عليه "شون" ببسمةٍ تخللت على وجهه المجعد:
_ "سامول" وإن يكن يصغر "لوكاس" كثيراً؛ ولكنه ابني بنهاية الأمر.
ثم مرر يديه على ركبته وهو يشير له بابتسامته المشرقة:
_دعك من هذا فأخيراً وبعد أعواماً اجتمعنا من جديد.
ضحك وهو يؤمى برأسه بهدوءٍ، ثم عاد ليتساءل بدهشةٍ:
_أين "بُوران" لم أراها بالقصر منذ خروجي!
توغل الحزن لمعالمه، فجاهد ليتماسك أمامه وهو يخبره:
_لم نفترق أبداً حتى بعد رحيلها أشعر بها لجواري، رحلت ومازالت خالدة بقلبي!
حزن "أدلر" كثيراً، فقال بضيقٍ لم نبشت به كلماته من ذكريات مؤلمة للأخير:
_أعتذر بشأن ذلك.
امتعضت ملامحه وهو يجيبه:
_لا تعتذر عن شيء "أدلر"، فهناك أموراً يصعب على العقل نسيانها.
ثم استطرد:
_أتعلم لا أصدق بأننا نجلس ونتسامر الحديث سوياً، الزمان عجيب حقاً.
ابتسم ثم احتضنه بحبٍ قد غاب عن قلبه لأعوام وعاد ليشرق قلبه المعتم.
_أرى الشقيقين قد أنعم بهما الحب فتناسوا تلك الحرب الوشيكة!
كلمات مازحهم بها"لوكاس" الذي يقف من خلفهما يراقب بصمتٍ ما يحدث يينهما، أشار له "شون" بحدةٍ مصطنعة:
_ولماذا أنت منزعج مما يحدث هنا أيها الملك، أهناك قوانين تمنع الأخ من الجلوس مع أخيه!
ضحك وهو يدنو ليقترب منه:
_ليس هناك قانون يمنع ملك السراج الأحمر وأخيه من ذلك.
تعالت ضحكاتهم التي حرص "لوكاس" على رسمها على وجوههم، بينما بداخله قلقاً مما هو قادم!
*********
بجناح "راوند"
وجدها تجلس على الفراش والتوتر يستحوذ عليها فجعلها تبدو بعمراً أكبر من عمرها، إقترب "بيرت" منها ثم جلس جوارها ليضع يديه على يدها وهو يسألها باهتمامٍ:
_ما الذي يشغل تفكير ملكة الحوريات؟
تطلعت له بربكةٍ وهي تجاهد باختيار الكلمات التي ستصل له ما الذي تشعر به بالتحديد:
_أخشى أن يصيبها سوء.
سألها بعدم فهم:
_من؟
أوضحت ما تقصده:
_ابنتي.."ألماندين".
فتح ذراعيه ثم أشار لها بحبٍ:
_إقتربي" راوند".
زحفت بقدميها حتى أصبحت بأحضانه، فمسد بيديه على خصرها وهو يخبرها بحبورٍ:
_لن يحدث مكروه لها.."ديكسون" جوارها أشعر بالإرتياح حيال ذلك.
تسللت ابتسامة مشاكسة إليها، فقالت:
_أكنت تصدق بأن ابنتنا ستجمعها قصة حب "بديكسون"!
ضحك وهو يهز رأسه نافياً:
_الأمر صادم للجميع، كنت أظن بأنه يحب" إريكا".
نهضت عن الفراش، ثم جذبت فستانها الأخضر لترتديه وهي تجيبه على تلك النقطة:
_"ديكسون" يحب "إريكا" بالفعل؛ ولكنها بالنسبة إليه مثل "إيرلا"، وحينما ولدت اختار إسماً مشابه لها.
انتبه إليها وهي تضع زينتها بعدما تألقت بهذا الفستان الساحر، فتساءل بدهشةٍ:
_إلى أين؟
أجابته وهي تضع تاجها المهيب على خصلات شعرها:
_علي الذهاب للمملكة ربما أتمكن من معرفة أي شيء يخص الحقيرة "رودوليت".
نهض ليقترب منها، ثم ألقى تعليماته المعتادة:
_حسناً، ولكن كوني حذرة.
ابتسمت وهي تؤكد له:
_لا تقلق.
*******
اعتاد رؤيتها بكل مكان بالقصر، ولكن منذ الصباح لم تحضنها نظراته التي تترقب رؤياها بتعطشٍ وشوق، صعد لجناحه عله يراها، فوجدها جالسة لجوار الشرفة الذهبية تتطلع بالخارج بشرودٍ جعلها لم تنتبه حتى لوجوده، إقترب ليجلس جوارها على الصخر الرمادي، ثم لف ذراعيه من حولها، فانتبهت لوجوده أخيراً، صمتها حتى بعد أن رأته جعله يشعر بالوحدة برغم وجودها لجواره، فأمسك بمعصمها وهو يسألها بلهفةٍ:
_ما الذي يحزن ملكة قلبي؟
انسدلت أحدى دمعاتها المكبوتة بداخل حدقتيها ثم قالت بصوتٍ شاحب:
_لا أعلم، ولكن هناك شعوراً موحش يهاجم قلبي.
والتفتت تجاه وهي تستطرد بخوفٍ:
_لن يحتمل قلبي خسارتك أو خسارة أحد من أبنائي"لوكاس".
أزاح دمعاتها بأطراف أصابعه، ليشير لها بذهولٍ:
_وما الذي يدفعك لقول ذلك؟
ثم نهض ليجبرها على النهوض هي الاخرى، ليستكمل حديثه:
_اطردي تلك المخاوف" روكسانا".. لن يحدث شيئاً مما يراودك.. أعدك بذلك.
ووضع يديه على وجنتها الساخنة ليشير لها بضيقٍ:
_كم مرة بعد يجب أن أخبرك بها أن دموعك تلك تقتلني؟
جففت دمعاتها ثم أشارت له بخوفٍ مصطنع:
_لن أبكي مجدداً.
ثم مازحته إياه:
_أنا قوية للغاية.. أليس كذلك؟
ابتسم لتنبع وسامته التي تزداد رغم كبر سنه، فضمها لصدره وهو يهمس بعشقٍ:
_ملكتي لا أحداً بشجاعتها وجمالها.
أغلقت عينيها على صدره، دقات قلبه النابض تشعرها بأن ما يهاجمها مجرد هلاوس تفتك بها، أزاحت كل ما يشغل تفكيرها عن الغد، وتركته مجهولاً لها.
*********
بمملكة الحوريات..
لم تتمكن أي منهن من الوصول لمكان "روردليت"، فكأن الأرض انشقت وابتلعتها، فجن جنون"راوند" لذلك، ولم تجد خيار أخر سوى العودة للمملكة وترقب ظهورها الذي سيعد أمراً مفجع للجميع!
******__________********
بشرية أسرت قلبي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الثالث عشر..
(لا تترك يدي!..)
ساعات ظل بها مستيقظ ولم تشرق شمس اليوم الذي يليه، بدى الأمر غامضاً لأركون، فتأكد الآن من صدق أخر ما راوده، فرفع صوته لينادي:
_"سامول" استيقظ.
فتح "سامول" عينيه، فقال الأخر مسرعاً:
_مرت ساعات طويلة ولم يأتي النهار، هناك خدعة لنظل هنا.
انتبه لما يقول، فأيقظ "إيرلا" ومن ثم حاول الخروج من الهالةٍ التي صنعها بنفسه فإرتد للخلف بحركةٍ مباغتة، وكأن هناك من يمنعه من الخروج، ردد "أركون" بتريثٍ:
_أخبرتك بأنها خدعة، الوقت بهذا الكهف يمر سريعاً عكس المملكة حتى نفشل بما أتينا لأجله.
أنصتت "إيرلا" للحديث المتبادل فيما بينهما، ثم حاولت استخدام قوتها في محاولةٍ بائسة منها بالتغلب على تلك القوة الغريبة، باءت محاولاتها بالفشل، فأشار لهما "سامول":
_لنحاول جميعاً معاً.
كانت فكرة صائبة، فوقفوا جوار بعضهما البعض ليستخدم كلاً منهما قوته الخاصة، وبشراسةٍ وتحدٍ تحطم ذاك الحاجز الغير مرئي أمامهما، فأندفعوا للخارج ففرغت الأفواه حينما وجدوا أنفسهم بمكانٍ مختلف عن السابق، عبثت"زمرد" بحاجبيها قائلة:
_ما الذي يجري هنا؟
وأضافت "إيرلا" بتعجبٍ:
_أين اختفى الكهف؟
ضيق "سامول" عينيه بشكٍ، فإلتقط أحد الخناجر ثم ألقى بها على الحوائط الرمادية من حولهم، فارتعشت وكأنه صورة من زجاج فتمكنوا من رؤية الكهف البارد من خلفها، ابتسم "أركون" ساخراً:
_راقت لي تلك المكيدة.
جذب "سامول" الحقيبة وهو يشير إليهما:
_لن نتوقف تلك المرة سنستكمل طريقنا.
اتبعوه حتى وصلوا لفجوةٍ صغيرة بنهاية الكهف، انحنى "أركون" ليتفحص ما بداخلها ثم انتصب بوقفته، قائلاً:
_الفجوة عميقة للغاية!
تساءلت "إيرلا" بارتباكٍ:
_ماذا سنفعل الآن؟
أجابها "سامول":
_ليس هناك خيارات أخرى.
ثم فتح الحقيبة يبحث بها عما يصلح لإستخدامه، فوجد أنبوب صغير الحجم يحوم من حوله أشعة زرقاء اللون، فما أن أخرجه من الحقيبة وقربه من الفجوةٍ حتى أمتد طوله ليتشكل على هيئة الفراغ القابع بداخلها، ضحكت"زمرد" وهي تشير بيدها بحماسٍ:
_جيد.
سلطت نظرات "أركون" على "سامول" فأسبل حدقتيه تجاه فتحة الأنبوب ثم قال:
_من بعدك.
لوى شفتيه بسخطٍ ثم دخل بفتحة الأنبوب الزجاجي، ليزحف بظهره حتى صار بالأسفل، فهبطوا من خلفه ليستقروا جوار بعضهما البعض، أضاء جسد "زمرد" المكان المعتم فتمكنوا جميعاً من رؤية المكان جيداً، فاحتلت الصدمة الوجوه مما عرض عليهم!
***********
وصل "ديكسون" و"إيمون" للفتيات، فاستكملوا طريقهم بحذرٍ، فبين كل باب والأخر مسافة كبيرة، حتى وصلوا للنهاية، جابت نظرات "إريكا" المكان بأكمله، فكان اللون الرملي يكسو الفراغات التي انتهى بهم الطريق، فلمحت بعينيها فتحة صغيرة تشابه نفس اللون لذا لم تكن واضحة لهما، أشارت عليها فصعد "ديكسون" ثم تتبعوه، كان الممر أكثر ضيق من سابق، فانحنوا بقامتهم زحفاً به حتى انتهى بهم أمام باب ضخم ولجواره كانت توجد مكينة غريبة الشكل، تحفها الأتربة من جميع الإتجاهات، لامسها "إيمون" ثم قال باستغرابٍ:
_ما هذا؟
وقفت "إريكا" لجواره، ثم قالت بتخمينٍ:
_عله المفتاح للدخول!
دنا منهما "ديكسون" وهو يتفحصه بذهولٍ، فقال "إيمون" وهو يشير له على مقدمتها:
_يوجد ثلاث خانات فارغة.. أعتقد بأنها ثلاث كلمات سرية لفتح هذا الباب اللعين!
اهتزت الصخور من حولهم بقوةٍ، وكأن زلزال ضرب أعناقها، تحولت نظرات "إيمون" تجاه الممر الذي أودى بهما لهنا فتفاجأ بعدد مهول من خنفساء «الترياميكسا كوبروليتيكا» ملأت الممرات بأعداد ضخمة، فأسرع إليهما وهو يصيح بهلعٍ:
_علينا فتحه في الحال والا سيقضى علينا بالتأكيد.
ارتجف جسدها وكأن أحداً يلامسها، فأغلقت عينيها لترى كيان الملكة "ريلام" أمامها من جديدٍ، انحنت "ألماندين" تجاه اللوح ثم أخذت تدون ما أملته عليها الملكة، ومن ثم ضغطت على الزر الذي يتوسط اللوح فإنفتح الباب من أمامهما، ولجوا للداخل سريعاً ثم أغلقوا الباب في نفس ذات اللحظة التي أوشكت بها الخنافس على إقتحامها، استدار "ديكسون" للخلف ليقف مشدوهاً مثلهما مما رآه!
*******
تجمد الخوف بداخلهما حينما وجدوا عدد من وحش(السيباكتلي Cipactli) ازدردت "زمرد" ريقها الجاف وهي تتأملهما بخوفٍ شديد فكانت رأسها تشبه قليلاً لرأس التمساح وجسدها ضخم، وكانت يديه السمينة تنتهي بسيفٍ حاد، ويديه الأخرى نفورة متحركة من الأنياب التي تستخدمها كالرمح ليتوغل بقلب ضحاياها، تمسكت "إيرلا" بيد "سامول" بخوفٍ شديد، يهاجمها لأول مرة ولكن ما تراه أمامها استدعى كل ذرة خوف بداخلها، ربت "سامول" على يدها، وكأنه يمنحها الآمان وعهد بحمايتها حتى أخر أنفاسه، أما "أركون" فلمح الأسهم تظهر من خلف جسد الوحش الضخم، موضوعة بصندوقٍ زجاجي، فأبعد "زمرد" خلف ظهره وهو يشير بعينيه لسامول الذي رأى الأسهم هو الأخر، فهمس لأركون بالهجوم حينما يتلقى إشارته، تحرك السيباكتلي تجاههم فور أن شعر بهم، سحب "سامول" سيفه ثم أبعد "إيرلا" للخلف ليدنو منه، رفع السيباكتلي ذراعيه ليهوى سيفه الحاد مستهدفاً "سامول" الذي تفاده بحرافيةٍ، ومن ثم حلق عالياً في محاولةٍ لاستهدافه من الظهر، أطلق الرمح ليليه الأخر، فلف "سامول" جسده، ثم هبط أرضاً، وأخرج سيفه ثم مرره على ساقه ليمزقها أشلاء، سقط الوحش أرضاً ينازع بصوتٍ منبوذ، فلوح بذراعيه يميناً ويساراً وهو يحاول اصابته، وفي كل مرة كان يتفاداه "سامول" إلى أن تمكن منه، فمرر سيفه على رأسه ليفصلها عن جسده المقزز، فظل لثواني ينازع حتى اختفى جثمانه مخلفاً خليطاً لازج أخضر اللون، ابتعد "سامول" عنه قائلاً بغضبٍ:
_هذا مقزز حقاً.
كاد بأن ينفرد بالحديث الصريح مع ذاته، ليخرجه من أجوائه تلك نصل السكين الحاد الذي واجهه به السيباكتلي الأخر، فحلق سريعاً ثم انحنى أرضاً ليطبق درسه القاسي في القضاء عليهم، فأسقط واحداً تلو الأخر ومن ثم صاح "بأركون" المنشغل بقتاله الخاص:
_تذكر يا صاح، استهدف القدم ثم الرأس.
كاد السيف الحاد أن يصيب "أركون" فدفع جسده عالياً ومن ثم إرتمى على ظهره مستخدماً خنجره الصغير، غرسه بظهر الوحش ليتسلق به حتى وصل لعنقه فلف سيفه حوله لينهي حياته بشكلٍ مفجع، التف حولهما خمسة من وحوش السيباكتلي، فوقف "سامول" خلف "أركون" وكلاً منهما يوزع نظراته تجاه الخصم القريب منه، بدأت المعركة الحقيقية في تلك اللحظة، حارب بها "أركون" بشجاعةٍ، أما "سامول" فعلم نقاط ضعفهم، فكان يبتر القدم أولاً ثم يفصل الرقبة عن الجسد.
راقبت "زمرد" و"إيرلا"ما يحدث بينهما بهلعٍ، فتلك المغامرة ستطبع بالذاكرة بالتأكيد، انتفضت "زمرد" رعباً حينما وجدت أحداهما يقترب منها، تراجعت للخلف وهي تحاول أن تتفادى تلك الضربة المباغتة، ومن ثم انحنت ليعلق السيف بالصخور من جوارها، استقامت بوقفتها وهي توزع نظراتها الحائرة بينه وبين ذراعيه العالق، فجذبت الخنجر ثم انقضت عليه، لتمرره على عنقه وهي تردد بمرحٍ:
_سأشتاق إليك يا عزيزي.
ونهضت والإبتسامة تشق وجهها، وحينما استدارت غابت عنها حينما رأت من يقف خلفها ويحاول إصابتها من جديدٍ، فتدخلت "إيرلا" لمعاونتها، فتحكمت بالحرارةٍ التي كادت بأن تصيبه بالعمى، وحينها استهدفت "زمرد" عنقه ليلحق بالأخير، فتعاونت كلاً منهن لمساعدة الأخرى حتى قضوا عليهم جميعاً، فاقترب "سامول" من الصندوق الزجاجي وما أن استخرج السهام، حتى انفتح من أسفل الصندوق فجوة نقلتهم لخارج الكهف الذي كاد بأن يفتك حياتهم.
*********
بقعة دائرية الشكل تعلو عن الأرض التي تلامسها أقدامهم، يتوسطها صندوق زجاجي يحمل القوس المنشود، والطريق لها يتصل بتلك الصخور المعلقة بالهواء على شكل درج رفيع متصل بينها وبين الأرض الصلدة القابعة أسفل أقدامهم، ومن حوله النيران تتأجج، وكأنها تتعطش لسحق العظام ودكها، انتهت مراقبة "إيمون" للمكان جيداً، فوقف على الصخرة القريبة منه، ففور أن تلامست قدميه بها اهتزت بعنفٍ كادت بأن تسقطه بالنيران من أسفل قدميه، لولا تدخل "ديكسون" سريعاً حينما جذبه للخلف، حتى "ألماندين" حاولت الصعود على الصخرة التي تليها، فأهتزت باندفاعٍ وكأنها لا ترحب بدخولها لهذا المكان الغامض، جذبها "ديكسون" ليبعدها هي الأخرى، وقد بدأ يستوعب ماذا يحدث هنا، فوضع قدميه على الصخرة التي تليها فتحركت لتضعه على الطرف الأخر، ومن ثم تفتت الصخور ليصبح الوصول لتلك البقعة أمراً شبه محال، ابتسم "ديكسون" ساخراً وهو يشعر بوجود ذاك المخلوق المخيف فما أن لامست قدميه البقعة حتى أنفصلت الصخور عنها، لتحطيها هالة مخيفة تمنعه من الخروج من ذاك العرين المقبض، وحينها ارتعشت الأض وكأنها ضربها عواصف رعدية شديدة، ليظهر البوناكون من أمامه بجسده الذي يشبه الثور بقرونٍ مُنطوية على نفسها، وعرف من الشعر شبيه بالحصان، لونه بُنِّي مائل إلى الحُمرَة، قدميه الأمامية تنتهي بمخالبٍ تصل لمنتصف جسده الممتلىء بالشعر الكثيف، ابتسم "ديكسون" وهو يراقب عينيه المتمردة بغضبٍ فتاك، فتابعه بنظراتٍ ثابتة لا ترحب بقواعد الخوف بين طياتها، ارتجف جسد "ألماندين" وهي ترى ما يواجهه معشوقها، فجلست أرضاً وهي تردد بأنفاسٍ متثاقلة:
_سيكون بخير.. سينتصر أعلم ذلك.
لمعت حدقتي "إريكا" بالدموعٍ تأثراً لحالها، فجلست جوارها تحتضنها ثم قالت:
_تماسكِ "ألماندين".. لن يصيبه مكروه.
هزت رأسها بجنونٍ وهي تردد بعدم إتزانٍ:
_أعلم ذلك.
حاول" إيمون" العثور على طريقة ليصل لتلك البقعة المنعزلة؛ ولكنه فشل بنهايةٍ الأمر فوقف يراقب ما يحدث بإستسلامٍ، نبش الأرض الصلدة بمخالبه وهو يطالعه بنظراتٍ شرسة، ومن ثم أسرع تجاهه ليسدد قرونه تجاه جسد "ديكسون" الذي ارتد للخلف بعنفٍ، حتى انحصر بجوار الصخور، فأمسك قرونه ليبعده عنه فاحتدت حركة رأس المخلوق الشرس وهو يحاول تحرير نفسه فزحف للخلف ليجبر "ديكسون" على الإنبطاح أرضاً، ومن ثم رفع مخالبه ليخدش صدره بعنفٍ جعله يتأوه ألماً من شدة عمق إصابته، فصرخت "ألماندين" بخوفٍ وهي تصرخ بإسمه:
_"ديكســـون"!
وكأن صوتها المنادي كالسوط القاسي الذي جلده بقوةٍ ليجعله ينهض على قدميه، بتلك اللحظة لم يفتقد لقوته التي مكنته يوماً من التغلب على أعتى المخلوقات، ولكنه أفتقد لغضبه الساحق الذي يبدد من أمامه، وقف "ديكسون" يتأمل حركة البوناكون بتركيزٍ، تتبع الأخر حركته ومن ثم أخفض رأسه ليهاجمه بقرونه مجدداً، تلك المرة حمل "ديكسون" الخنجر ليرتفع بجسده للأعلى ومن ثم مرر الخنجر ليحدث بجسد البوناكون جرحاً غائراً، فتأوه ألماً ثم تراجع ليهاجمه بشراسةٍ، فأغلق "ديكسون" عينيه بألمٍ شديد حينما اخترقت قرونه كتفيه فتأوه وهو يجاهد لإبعاده عنه، فدفعه للخلف بكل ما أوتي بقوةٍ، ثم إنبطح "ديكسون" أرضاً، ويديه تحتضن كتفيه الذي ينزف بغزارةٍ، لون دمائه الأحمر أكد له بأنه إختار أن يحاربه كبشري، تحامل على نفسه فاستند على أحد الصخور لينهض على قدميه، ليصبح مقابلهما، إستطاع أن يرى بوضوحٍ إنهيار "ألماندين" وصراخها الموجع، ومن ثم إنتبه لصراخ "إيمون" الذي صاح بفزعٍ:
_"ديكسون"..إنتبه.
استدار للخلف فعاد البوناكون ليسدد ضربة أخرى تجاه فريسته بكل قوته، فأصابته تلك المرة بكتفيه الأيمن ومن ثم دفعه بقوةٍ ليمزق كتفيه ثم تركه ليسقط "ديكسون" أرضاً غارقاً بدمائه التي أصبحت بركة من حوله، فأغلق عينيه باستسلامٍ لتلك الموجة الباردة التي تسحبه بقوةٍ تجاهها، وأخر ما استمع له صرخات "إريكا" و"ألماندين"!
*******
كانت تحلق عالياً على بعد مسافات صغيرة من مملكة "السراج الأحمر"، تتطلع لها بنظرةٍ يتصل بها الهلاك، فاليوم هو المنتظر لها منذ أعواماً، تشعر ببهجةٍ يغلفها طاقة شيطانية مخيفة، بالرغم من قبح مظهرها الا أن القوة التي تشعر بها جعلت داخلها شرار عظيم يدفعها كالعاصفة الرعدية التي لا تعرف السكينة قط، حركت أصابعها فلمسها شرار مخيف كماس الكهرباء القاتل، ومن ثم استمرت بتحريك أصابعها حتى تجمعت هالتين عظمتين بلائحة يدها، لتقذفهما"رودوليت" على المملكة بأكملها بعشوائيةٍ، فاستهدفت جزء كبير منها، لتفتته كالبارود، فأمتلكت صرخات الشعب المستغيثة المملكة بأكملها، ليتركوا مساكنهم المأوي الوحيد إليهم والذي بات غير ذلك بتلك اللحظة، هاربين للخارج بذعرٍ، تعالت ضحكات"رودوليت" وهي تشاهد ما تسبب عبثها بإتلافه، فهمست بصوتٍ يتخلاله ألف صوت يصاحبه كالأرواح الملبوسة:
_سنرى الآن كيف ستحمى مملكتك من غضبي "لوكاس".
وضحكت بصوتٍ مخيف، ثم استكملت ما تفعله بتسليةٍ وكأنه بمثابةٍ إعلان صغير لهما ببدأ الحرب، أسرع الحارس للقصر الملكي، فأودى تحيته ومن ثم قص بخوفٍ:
_مولاي الملك.. تعرضت المملكة للهجوم.
نهض"لوكاس" عن عرشه، ثم تساءل بلهفةٍ:
_هل تأذى أحداً؟
بحزنٍ أجابه:
_الكثير مولاي، والجنود يبذلون قصارى جهدهما ولكن لا توثر بها أي من أسلحتنا، فلم نشهد قوة مثل تلك التي نحاربها بالخارج من قبل.
جذب "لوكاس" سيفه بعصبيةٍ، ليلحق به"لوثر" و"بيرت" على الفور، في تلك اللحظة تماسكت "روكسانا" قدر ما استطعت وحينما استمعت لكلام الحارس الذي إستقبله "لوكاس" بالإستعداد لخوض المعركة، هرعت من خلفه وهي تتمسك به كالطفلة الصغيرة، التفت إليها "لوكاس" فمنحها نظرة يشملها الرجاء بالا تبكي، فخرجت نبراتها الواجمة:
_حسناً سأكون قوية، ولكن عدني بأنك ستعود.
أبعد يديه الحاملة للسيف الضخم بعيداً عنها، ثم احتضن صفحة وجهها بحنانٍ رغم الحالة المخيفة التي تملكته فور سماعه بالهجومٍ:
_سأعود "روكسانا" .
ثم شدد بكلماته الأخيرة وهو يشير بيديه على "ضي" و"راوند":
_كل ما أريده منكِ أن تختبئوا بجناحنا السري حتى نتمكن من القضاء عليها.
أخرجت "ضي" سيفها، ثم قالت بتعصبٍ شديد:
_الأميرة لا تختبئ كالجبانة "لوكاس" بل سأدافع عن مملكتي للرمق الأخير.
ومن ثم وقفت جوار "لوثر" الذي استسلم سريعاً من محاولاتٍ إقناعها، أما "راوند" فقالت بإصرارٍ:
_لا شجاعة لجيشٍ لا تقوده ملكته "لوكاس"، سأنضم لصفوف المعركة بجيش الحوريات وسنجاهد لقتل تلك الوضيعة مهما كان الثمن.
وهبطت هي الأخرى لتقف جوار زوجها، خشى" لوكاس" أن تؤثر بها قرارتهم، فوضع السيف أرضاً ثم جذب وجهها إليه، علها تستمع إليه جيداً:
_"روكسانا" أنتِ مختلفة عنا، لن تحتملي ذلك الهجوم، لا تفكري حتى بالخروج من القصر.
نهض الملك "شون" ثم إقترب منهما ليتمسك بيدها وهو يشير له بثباتٍ:
_إذهب لمساعدة شعبك بني، ولا تقلق حيالها.
أؤمأ برأسه بهدوءٍ، فمنحها نظرة أخيرة قبل أن يتبعهما للخارج، فجلست "روكسانا" على الصخرة القريبة منها لتنتحب بدموعٍ:
_أخشى أن أخسره أبي!
جلس جوارها وهو يمسد على خصلات شعرها بهدوءٍ:
_ابني ليس ضعيفاً، سينتصر بالتأكيد.
*******
بالخارج..
تأمل"لوكاس"ما الذي أصاب مملكته وشعبه بحسرةٍ، فكانوا يهرولون من أمامها بذعرٍ وحالة من الهلع تنخر عظامهما، تملكه الغضب الساخط بتلك اللحظة ثم أشار للوثر، قائلاً:
_حاول جاهداً لإبعادها عن المملكة.
أشار له "لوثر" ثم تخفى بصحبةٍ "بيرت" ليظهروا مقابلها، تعالت ضحكاتها الساخرة وهي ترى السهام تصوب بإتجاهها، فسلطت لائحة يدها بإتجاه السهام التي توقفت محلها كتوقف الزمان، ومن ثم أدرت رأسه ليعد محارباً لمن قذفه، فكاد بأن يصيب "لوثر" و"بيرت".، أما على الجهة الأخرى فكانت تساعد "ضي" الجرحي من الشعب، ولجوارها عدد من الجواري التي يحملن عنها وصفاتها الطبية، فكانت تؤمر الحارس بنقلهما للمستقر الآمن بأمر من "لوكاس" حتى أنها صرخت بالناجين بتتبع الحارس لذلك المكان التي تحرسه هالة لن تتمكن "رودوليت" من إيجتيازه، فأشارت بيدها قائلة بحزمٍ:
_عالجوا ما استطعتم من الجرحي وارشدهم على المستقر الآمن أسفل القصر الملكي.
إنحنوا طاعة لها ثم حملوا الواصفات الطبية ليبدأوا بتنفيذ ما قالت، أما هي فعادت لأرض المعركة، لتشير بيدها لراوند التي استجابت لها، فإنضمت لصفوفها بصحبةٍ جيشها، ليلتفوا من حول "رودوليت" ليشكلوا حلقات دائرية الشكل، تعالت ضحكاتها الساخطة عليهما ومن ثم خرج الشر العظيم مصاحب لصوتها:
_أشفق عليكما حقاً، مازالت بداخلكما رغبة بالإنتصار رغم إنه لن يحدث!
ثم استطردت بحدقتيها السوداء التي أخفت عينيها تماماً:
_لن يتمكن أحداً من إيقافي اليوم.
وحركت أذراعها بحركةٍ دائرية سحبت بها الأسلحة التي يحملوها، ثم أطبقت معصمها الفارغ لتتفتت، وكأنها طبقة من البلاستك الرقيق الذي لم يحتمل حرارة الشمس، ومن ثم تجمع حول جسدها طاقة هائلة لتفتح ذراعيها فأصابتهما جميعاً، سقطت الحوريات تباعاً، تأملت "راوند" ما حدث بجيشها بنظراتٍ محتفنة، فاندفعت صارخة:
_ستدفعين الثمن غالياً "رودوليت" ، ثمن ما حدث هنا وما فعلتيه بابنتي.
ضحكت وهي تجيبها باستهزاءٍ:
_لنرى ما الذي ستقدم ملكة الحوريات الضعيفة على فعله!
اغتاظت من سماعها لتلك الكلمات، فاستجمعت طاقتها القاتلة ثم بدأت بمهاجمتها بكل ما إمتلكته من قوةٍ، أحاطت "روروليت" بقوتها الكامنة بين لائحة يدها ومن ثم دفعتها في إتجاهها لتستهدف "راوند" التي تساقطت أرضاً تنازع الإصابة التي تعرض لها جسدها، أسرعت "ضي" إليها وهي تتأمل جرحها الغائر بفزعٍ، فاستدعت "بيرت" على الفور لتصرخ به وهي تتفقد حالتها بخوفٍ شديد:
_إصابتها خطيرة للغاية "بيرت".. عليك حملها للمختبر الآن.
لم ينتظر لسماع المزيد فحملها بين يديه ثم تخفى من خلف" ضي" ليضعها على أقرب فراش بمختبرها، لينحني اليها وهو يتفحص حالتها المقبضة، فقال بهلعٍ:
_تحملي "راوند" ستكونين على ما يرام.
سحبت أنفاسها ببطءٍ وكأن هناك من يسحب روحها، فأغلقت عينيها باستسلامٍ حينما حقنتها "ضي" بالدواء المطلوب، ثم أشارت له بلهجةٍ جاهدت لجعلها هادئة:
_لا تقلق ستكون على ما يرام، إذهب وساند البقية ودع أمرها لي.
طوفها بنظرةٍ أخيرة قبل أن يستمع لشقيقته، فتخفى ليعود للمعركة الجاسمة من جديدٍ.
*******
استمعت "رودوليت" بسماع الصراخات وإستغاثات شعب "لوكاس"، بدى الأمر وكأنه يروق لها، فكانت تدمر هنا وهناك، تشعل تارة النيران وتارة أخرى تهاجمهم بصراخها الذي صمم آذانهم، لم تترك وسيلة الا وضغطت بها عليهما لتسقط عدد هائل من القتلى والمصابين، فكانت تعلم كم هذا يستحوذ بالسوء على قلب"لوكاس" الذي رأته أمامها، يعتلي "روجان" بقوةٍ وكبرياء لم يتزعزع بعد، فهاجمها بكل ما أوتى من قوةٍ، ضحكت بسخريةٍ وهي تراه يهاجمها بسيفه الحاد، فأنحنت بقامتها الطويلة ليتوزع ضيها الذي نقل جسدها لأكثر من خمس مستنسخ يشابهها، ارتبك "لوثر" الذي إنضم له بالأعلى، فلم يعد يميز بين النسخة المستنسخة والأصلية، فصوب سهامه بعشوائية ليستهدفهم جميعاً، ومع كل سهم يكاد بأن يلامسها كان يتبخر جسمها ليصبح ضوء نفاذ، لم تسري خدعتها على "لوكاس"، فاستهدفها بشجاعةٍ وعاونه على ذلك"روجان" الذي يفهمه من إشارة عينيه، فحلق به بجدارةٍ ليصبح أمامها، فغزى سيفه جسدها، لتصرخ صرخة رجت المملكة من شدتها فكانت بإسقاط معمارها، سحب "لوكاس" سيفه وهو يحدجها بنظرةٍ قاتلة، فارتمست ابتسامة ساخطة على وجهها من وسط آهات توجعها، فتفاجأ بجرحها الغائر يلتئم بسرعةٍ الرياح، لم يفكر كثيراً بالأمر واستهدف عنقها، فسقطت أسفل ظهرها دون أن تنزف قطرة دماء واحدة ومن ثم استقامت رأسها ليلتحم من جديد وضحكاتها الصاخبة لم تتوقف، لم يتوقف "لوكاس" عن المحاولة في إسقاطها، فحتى وإن لم يقوى سيفه على ذلك، فعليه أن يشتت انتباهها عن مملكته لحماية شعبه، أغلقت "رودوليت" عينيها بعنفٍ فسرى شرخ كبير بوجهها وكأنها ستنكسر كالزجاج، ومن ثم برقت بحدقتيها السوداء لتكور بيدها بخار أسود اللون يحوم بحركةٍ دائرية الشكل ومن خلفه تتجثم طاقته الضخمة، ومن ثم همست بكلماتٍ غامضة، جعلت ذراع "لوكاس" يتلوى حتى سقط عنه سيفه ومن ثم شعر بتصلب أعضائه، فحاول التحرر من ذلك الشر العظيم بمحاولاتٍ باتت بالفشل، استجمعت "رودوليت" الطاقة المنفرة بين بيدها ومن ثم قذفتها بإتجاهه، فابتسم بترحابٍ فكم تمنى أن حينما يدركه الموت، يمت بساحة المعركة، لم يشعر "لوكاس" بأي ألم يخترق جسده، حتى تلك القوة المسيطرة عليه لم يعد لها وجود، أسبلت عينيه في صدمةٍ حينما وجد "روجان" يقف أمامه، ليتلقى هو تلك الضربة التي أفتكت به وجعلته يلتقط أنفاسه الاخيرة، ليودع قائده بدمعةٍ ذرفها بحزنٍ على فراقه، مرر "لوكاس" يديه على جسده وهو يهمس بعدم تصديق:
_ماذا فعلت "روجان"؟
أغلق جفنيه بوداعٍ أخير، فأحتضنه"لوكاس" بتأثراً شديد، جن جنون "رودوليت" فحاولت إصابته من جديدٍ، وحينها توهجت "ضي" لتحاربها بقوتها الفتاكة وقف جوارها "لوكاس" الذي تحول غضبه لقوةٍ تفتك وتدمر، استهدفوها سوياً فتقلصت حجم قواها ولكن مازالت تقف من أمامهما وتحارب بما تمتلكه من شرٍ عظيم، تركتهما واتجهت تجاه القصر لتتلذذ من الإنتقام من "روكسانا" قبل أن تدمر المملكة بأكملها بخطتها المحكمة..
*********
_عد منتصراً من أجل شعب مملكتك!
ترددت كلمة "لوكاس" بعقله مئة مرة لتمنحه ألف دافع للنهوض مجدداً، ومن خلفه ذاك الصوت الضئيل الذي يناديه بانكسارٍ ورجاء بالا يتركها، صوت "ألماندين" الذي تسلل لتلك المنطقة الحذرة التي وقع بها، بصعوبةٍ بالغة رفع "ديكسون" جفنيه الثقيل فبدت الرؤيا مشوشة له ببدء الأمر، ثم بدأت تتضح شيئاً فشيء، فرأى المخالب الحادة التي تقترب من جمجمة رأسه في محاولةٍ لنزعها عن جسده، ثقلت أنفاسه وهو يجاهد بتحريكٍ أصابعه ليجذب السيف الذي يقرب منه مسافة ليست بكبيرةٍ، وبالفعل تمكن "ديكسون" من جذبه بين أصابعه، ثم إنقلب على ظهره ليواجهه بضربةٍ اقتحمت موضع قلبه فسقط فوقه بثقل جسده الضخم، ظن "إيمون" بأن ذاك المخلوق قد تمكن منه، صرخت "ألماندين" بجنونٍ وهي تصيح بقهرٍ:
_"ديكســــــــــون".
أمسكت "إريكا" يدها ثم أرغمتها على النهوض، مشيرة بأصابعها تجاه تلك البقعة بفرحةٍ:
_"ألماندين" إنظري.
تطلعت لما تشير إليه، فوجدت "ديكسون" يقف من أمامهما بعدما دفع المخلوق بعيداً عنه، حاول أن يسيطر على جروحه الغائرة، فتحرك بعدم إتزان تجاه الصندوق، ليستخرج منه القوس فتمددت الصخور من أمامه من جديد لتتيح له طريق العودة، حينها أسرع إليه "إيمون" ليسانده وهو يتساءل بلهفةٍ:
_أأنت بخير؟
منحه ابتسامة ساخرة، فابتسم الأخير وهو يخبره بغرورٍ:
_أخبرتك بأنك ستنتصر أليس كذلك؟
حارب "ديكسون" تلك البرودة التي تهاجم جسده، فتأوه بألمٍ حينما اندفعت "ألماندين" لأحضانه، قائلة بعتابٍ:
_كاد قلبي أن يتوقف خوفاً عليك.
طالت نظراته بالتطلع لها، فرفع يديه الغارقة بالدماء ليمررها على وجهها الناعم، وكأن بداخله هاجس مخيف يحاربه:
_سأحارب الموت لأجلك.
جحظت عينيها وهي تتأمل جروحه البالغة، فخلعت عنه ما يرتديه، فزعت "إريكا" مما رأته، فقالت:
_فقد دماء غزيرة، علينا أن نعالج جرحه سريعاً.
جذب "ديكسون" معطفه من يد "ألماندين" ثم ارتداه وهو يشير لهم بالرفض:
_ليس قبل أن نعود للمملكة.
أوقفته "ألماندين" ثم قالت بعصبيةٍ شديدة:
_ألا ترى ما أصابك!
أجابها بلا مبالة:
_لا يعنيني كثيراً.
ثم أشار لهما بصوتٍ واهن:
_هيا لنستكمل طريق العودة للمملكة.
وتحامل على ذاته محتبساً داخله ذاك الألم الذي يشتد به كلما تحرك!
********
ازدادت فرحتها حينما وجدت المكان مهيأ لها، فالمستقر الآمن لشعب المملكة ملتصق بالقصر الملكي، فكان يشبه الزجاج البلوري، فهي تعلم بأنهم يرونها ويستمعون لها جيداً، سلطت عينيها على باب المستقر بنظراتٍ ماكرة،ثم التفتت برأسها تجاه "لوكاس" الذي وقف مقابلها ليكن حائل بينها وبين الباب الفاصل، لينذرها بصرامةٍ وقد أخشونت لهجته:
_لا تفكرين بالإقتراب من هنا والا حينها لا تلومن الا نفسك.
تعالت ضحكاتها المستهزئة به، ومن ثم توقفت لتجيبه بسخطٍ:
_مازلت تتمسك بكبريائك اللعين حتى بعدما أصبحت بموضع ضعفاً.
كظم غيظه وهو يرد ببرودٍ:
_الضعيف هي تلك التي باعت لنفسها لهوسها الشيطاني.
هللت متحمسة وقد التوى ثغرها عن ابتسامةٍ مستفزة:
_لا يهمني شيئاً سوى بشريتك وعرشك.
لم يستطيع التحكم في انفعالاته التي تضاعفت نتيجة لتدفق الدماء المحتقنة غضباً في عروقه:
_أخشى أن ينهدم حلمك هذا قبل أن يتحقق.
رفعت حاجبيها بانبهارٍ بالتحد الصريح بلهجته:
_سنرى إذن!
ثم حلقت بالهواء مقابل القصر والمستقر، لترفع صوتها وهي تردد بخبثٍ:
_يبدو أن ملككم يعشق بشريته كثيراً.
واستكملت بنظرةٍ يشعلها الحقد ونيران الإنتقام:
_حسناً، سأمنحك فرصة أخيرة أمام شعبك، سلمني البشرية أقتص منها بما فعلته بشقيقاتي وحينها أعدك بأنني سأترك شعبك ومملكتك آمنة.
تغلغل الغضب بعروقه ، فقال بنبرةٍ متشنجة:
_نهايتك ستكون هنا بمملكتي "رودوليت".
تجاهلت ما قاله، ثم عادت لترفع صوتها بعدائية شديدة:
_رأيتم بأعينكم، خيرته بين شعب مملكته وزوجته فأختارها، إختار ملكته الضعيفة التي تختبىء بالداخل كالجبناء!
ثم كورت بيدها طاقة هائلة جعلت ما حولها من صخور تتفتت لتتجمع بتلك الهالة المخيفة، بقى" لوكاس" محله بشجاعةٍ لم تهتز خشية منها، فإن كان مصيره الموت سيواجهه قبل أن يطول شعبه، خرجت "روكسانا" من القصر لتقف على قربٍ منها، ثم رفعت صوتها عالياً وعينيها تنعكس على البلور الذي يراقبها من خلفه شعب مملكة "السراج الأحمر":
_الملكة تضحي بأي شيء في سبيل حماية مملكتها وشعبها!
لوت شفتيها بإستهزاءٍ:
_وها قد أتت البشرية اللعينة!
وقبل أن تصل إليها تخفى"لوكاس"ليحملها ثم عاد بها ليقف أمام المستقر، ليدفعها بالقوةٍ للداخل، وحينما رفضت ذلك، جذبها" لوثر"و"بيرت" عنوةٍ، اشتعل غضب "رودوليت" فارتفع جسدها بالسماء وقد أشتعل وجهها بأكمله بنيرانٍ بدت، وكأنها بداية لشر عظيم، فرفع يدها وهي تردد بصوتها المخيف:
_سينتهي كل شيء.
إحتدت عينيها بأشعة سوداء شقت الأرض من حولها ثم كادت بتسليطها على المستقر من أمامها لتتمكن من القضاء على المملكة بأكملها.
بتلك اللحظة ظهر "ديكسون"و"سامول"بعد قضاء تلك الرحلة المميتة، فتأمل ما يحدث بفزعٍ، التقطت آذنيه صوت صياح "سامول" الذي ناداه عالياً:
_"ديكسون".
التفت إليه فألقى له السهام الثلاث، التقطتها ببراعةٍ، ثم تخفى سريعاً وقد بدأ باسترداد قواه، فألقى بذاته أمامها، ألهب الشعاع الاسود عينيه فأغلقهما وهو يضع السهام الثلاث بالقوس ثم حررهما ليستقرا بجسدها، بمنتصف قلبها الذي نبض أخر خفقة له ومن ثم انهار جسدها وتبخر ليصبح شرار أسود مقزز، حلت السعادة على وجوه المملكة بأكملها وعلى رأسهم "روكسانا"، الهتفات والفرحة كانت تسود الوجوه بعد أن تمكن"ديكسون" من القضاء على هذة القوة المخيفة، تلاشت البسمات وتبددت الفرحة حينما سقط "ديكسون" من أمامهما ليتمدد أرضاً باستسلامٍ لما فعله من عمل سيضاف له بتاريخٍ المملكة، فإنهار جسده ليسقط أرضاً مخلفاً ورائه صدمات وحزن خيم على الوجوه، وصرخات صاحبت صوت الملكة التي هرعت إليه وهي تردد بصوتٍ متقطع:
_"ديكســـــــــــــــون"!
********___________********
بشرية أسرت قلبي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الرابع عشر.
(هتافات حارة!...)
صرخاتها المتقطعة وهي تحرك جسده الملقى أرضاً بإهمالٍ ذبحت قلوبهم جميعاً، فترقبوا ما يحدث بلهفةٍ وخوف على من قدم حياته فداء لهم، ربما كانت طائفة كبيرة منهم لا يحبذن أن يتولى "ديكسون" العرش بعد أبيه كونه ابن بشرية من عالم أخر غير عالمهم؛ ولكن ما حدث أمام أعينهم من تضحية قامت بها الملكة وابنها في سبيل إنقاذ حياتهم قلبت الموازين، تجمعوا من حوله والدموع تسري على الخدود وبعضهم يتابع ما يحدث بحزنٍ شديد، وخاصة حينما دفعته "روكسانا" وهي تصرخ بقهرٍ:
_"ديكسون"..انهض الآن هذا أمراً مني.
تماسك "لوكاس"وهو يحاول أن يكون صامداً أمام تلك الوخزة الحادة التي كادت بقسم ظهره، فجذبها بعيداً عنه ثم احتضنها بقوةٍ، ليعيق حركتها من الوصول إليه مجدداً، فانتباها نوبة حارقة من النواحٍ، لتدفعه بعيداً عنها وهي تشير له بجنونٍ:
_لم يمت ابني..سينهض.
أمسك بها "لوكاس" وبصوتٍ يطعنه الألم فجعله شاحباً:
_أعلم ذلك.. تماسكي "روكسانا".
ثم جذبها بعيداً عن تلك الصخرة المفتتة، ليشير للوثر الذي أتى مسرعاً ليبعدها عنه، فأنحنى" لوكاس"تجاهه، جز على شفتيه بأسنانه وهو يحاول إحتمال ذاك الخنجر الذي تلاقاه بموضع قلبه حينما وجد ابنه ممدد هكذا، فمد أصابعه المرتجفة تجاه جسده الذي يتخلاله دماء حمراء لا تشبه لهما، فخرج نبرته المذبذبة:
_"ديكسون"!
وجذبه إليه وهو يتفحص جسده المصطبغ بلونٍ الدماء، أسرع إليه "سامول" وهو يحاول تفحص نبضه، حتى "إيمون" حاول جاهداً باستخدام طاقته بالسلب عله يتمكن من الشعور بالألم جراء ما يتعرض له فيكن خير الدليل بأنه مازال على قيد الحياة، تعكرت الوجوه بالحزن القاتم، الا "ألماندين" كانت تتجول بين الحضور بابتسامةٍ ساخرة قطعتها حينما صاحت بأعلى صوت تمتلك:
_ماذا حدث لكم؟ أرى الحزن يتنقل بين وجوهكم بعد فراقه!
ثم أشارت بيدها على "ديكسون" وهي تستطرد باستهزاءٍ:
_أليس هذا نفسه ابن البشرية الذي حاربتموه بكل ما أمتلكتم! أليس هذا هو نفسه الذي اعترضتم على أن يكون خليفة الملك؟
وصرخت بعنفٍ شديد وقد احتدت نبرتها:
_الآن حينما رأيتم بأعينكم ماذا فعل خلق الحب فجأة بين ضلوعكم!
ثم ابتسمت رغم الدموع التي تهبط توجعاً وحسرة على ألم قلبها:
_لطالما كنت أول من حاربه، فعلت كل ما بوسعي لأجعله منبوذاً بينكم، وحينما تمكنت من ذلك علمت بأنني كنت مخطئة.
ثم استكملت ببكاءٍ مزق قلوبهم:
_رأيتم اليوم "ديكسون" ابن الملك يحارب تلك اللعينة، أما أنا فرأيت ملكاً شجاع إخترق كهف يحوم حوله الموت ورغم إنه قد جرد من قواه ليصبح بشري ضعيف الا أنه صمم على استكمال رحلته حتى يتمكن من إنقاذ شعب مملكته الذي يبغضه.
وبفخرٍ أضافت:
_ما رأيته اليوم مقاتل شجاع لا يخشى الموت ولا يبالي لما تعرض له من جروح عميقة، كل ما يفكر به هو أن لا يطول الأذى شعبه.
وسقطت أرضاً جواره، تتمسك بيديه، لتردد بانكسارٍ:
_هذا هو من مقته في يوم مضى واليوم كل ذرة بداخلي تعشقه!
تعالى صوت بكاء "روكسانا"، ليخرج صوتها المتحشرج مرددة بعدم وعي:
_لم يمت ابني.. سيعود وعدني بذلك وسيوفي.
احتضنتها"إيرلا" وهي توزع نظراتها بين أخيها والجميع في صدمةٍ لم تتمكن من استيعابها بعد!
تحامل الملك "شون" على ذراع "بيرت"، فهبط للأسفل حتى أصبح قريباً منه، غامت عينيه في صدمةٍ، وهو يرى أقرب أحفاده لقلبه يتمدد أرضاً هكذا، فجحظت عينيه في صدمة لا مثيل لها، وإنحنى ليتمسك بيديه ثم قال وهو يبكي كالطفل الصغير:
_لقد جفت عيني بالبكاء على رحيل زوجتي فأخبرني ماذا سأفعل إن لحقت بها؟
وهز جسده المتصلب، ليخبره بقهرٍ:
_ألم يكن بوسعك البقاء حتى يرحل جدك العجوز! من سيشد على يدي الآن ليخبرني بأنه لجواري! إلى من سأتودد ليلاً لأقص له عن قصة حبي وشبابي؟
وإنحنى برأسه على صدره ليبكي ولأول مرة يرى" لوكاس" أبيه هكذا، حاول قدر المستطاع أن يوقفه على قدميه، فهناك سمات يجب أن لا تترك الملوك أبداً تخلى هو عنها حينما رأى حفيده هكذا، فبقى على موضوعه، يستند برأسه على صدره.
من الوهلة التي خرج بها "ديكسون" من الكهف قد بدأ يستعيد قواه بالفعل، ولكن حينما تعرض لتلك الضربة القاضية جعلته يفقدها مجدداً، وها قد عادت لتسكن جسده لترد له غيبته، تحركت أصابع يديه برعشةٍ خفيفة ومن ثم بدأ بمحاربةٍ ثقل أجفانه، ففتحهما على مهلٍ وهو يحاول أن يرفع يديه ليحتضن جده الحبيب، وحينما فشل أجلى صوته الضعيف:
_لا تقلق لن أرحل قبل أن أستمع لباقي مغامراتك وبالأخص تلك التي تربطك بملكة الحوريات، ربما حينها أفكر مرتين قبل أن أفعلها.
تطلع له الملك "شون" بصدمةٍ، فأسرع "أركون" و"إيمون"إليه ليعاونه على النهوض، التئمت جروحه وسرعان ما استعاد نشاطه، فأشار لهم بأن يتركوه حينما شعر بأنه قادر على الوقوف، في تلك اللحظة انطلقت الهتفات بين الشعب المتجمهر حولهما ولأول مرة، تلاحمت أصواتهم وكأنهم صوت واحد يرددون بفرحٍ وسعادة:
_فليحيا "ديكسون" العظيم.
شملت نظراته ما يحدث من حوله في دهشةٍ وذهول، كان هذا حلم ثمين يتمناه، أن يكون محبوباً بين شعب مملكته، ويراه الآن حقيقة ملموسة، ابتسامة فخر تسللت لوجه "لوكاس"وهو يتأمل ما تمكن ابنه من فعله، إقتربت منه "روكسانا" فوقفت من أمامه وهي تتحسس وجهه بخوفٍ من أن تكون متوهمة ذلك، فرسمت شفتيها ابتسامة من وسط سيلان الدموع التي لا حصر لها وهي تهمس بخفوتٍ:
_"ديكسون"، ابني.
احتضنها "ديكسون" ثم قال باستياءٍ على الحالة التي تسبب بوضعها بها:
_أنا بخيراً أمي.
وأضاف بابتسامة أنارت وجهه:
_ مازال أمامنا متسع من الوقت للتتقل لعالمك!
احتضنتها بفرحةٍ وهي تهمس بصوتها المتعب:
_كنت أعلم بأنك سننهض مجدداً.
ربت على ظهرها بحنانٍ، وانتبه لإيرلا الباكية، التي إقتربت منه بدموعٍ متحجرة بحدقتيها اللامعة، فأمسكت بيديه قائلة بابتسامةٍ تسللت لشفتيها:
_مازال هناك حروباً عليك أن تخوضها.
ضحك وهو يشير لها ساخراً :
_أعلم ذلك.
ثم تحرك تجاه "لوكاس" الذي يتأمله بابتسامةٍ يملأها الفخر والإعتزاز، وقف مقابله فاحتضنه "لوكاس" ثم قال بحزنٍ:
_كنت على يقين بأن ابني ليس ضعيفاً ليمت على يد تلك الحقيرة بسهولة.
ابتعد عنه ثم رفع حاجبيه بشكٍ:
_هل هذا إطراء أم سخرية!
ضحك وهو يشد على كتفيه:
_وهل تمكن أحداً منها غيرك؟
ثم أشار الملك ل"سامول"، و"أركون" و"إيمون"بالإقتراب، ليخبرهما بإطراء:
_ما فعلتموه لإنقاذ المملكة دين لن يرد.
أجابه "سامول" بلهجةٍ صارمة رغم حداثة سنه:
_لا دين يرد لأمير يدافع عن مملكته.
ابتسم "لوكاس" ثم عاد ليصحح جملته:
_أنت على صواب ولطالما كنت كذلك.
وفتح ذراعيه ليشير له، فأحتضنه الأخير بفرحةٍ، انتبه "ديكسون" "لألماندين" التي تتأمله من بعيدٍ بدموعٍ تلمع بحدقتيها، تعجب من وقوفها كذلك، كان يتوقع أن تسرع إليه، تحتضنه بقوةٍ وشوق، دموعها ونظراتها الغامضة أوحت له بشيءٍ أبشع مما تخيله، فهرع ليقف أمامها، منحته ابتسامة باهتة وهي تتعمق بالتطلع إليه، رفع يديه ليقربها من وجهها، فتراجعت خطوة للخلف وهي تشير له بالا يقترب، إزدادت شكوكه فقال:
_ماذا فعلتي "ألماندين"؟
تشوشت الرؤيا أمامها، ورغم الألم الذي يعتصرها الا أنها كانت تمنحه ابتسامة مشرقة، سقط من بين يدها زهرة الموت القاتلة، فجحظت عينيه في صدمةٍ، ومن ثم انتقل ليحيل بينها وبين الأرض، ثم حملها واختفى بها لكهفه السري حتى لا يشعر بهما أحداً فتتبدل الفرحة لقلقٍ وتوتر من جديد، ارتفع صوت أنفاسها الثقيلة، فقرب رأسها من صدره وهو يصيح بها بانفعالٍ:
_ماذا فعلتي بنفسك أحمقاء أنتي؟
إسودت يديها التي كانت تقبض على تلك الزهرة الحاملة لرسوخ الموت بين طياتها، فأنتفخت وتورمت بشدةٍ، جاهدت"ألماندين" لرفع يدها الأخرى، فلامست وجهه وهي تجيبه على أسئلته التي لا تتوقف:
_أخبرني أنت كيف سألتقط أنفاسي وأنت لا تشاركني به؟
وغزاها الألم فتآوهت وهي تجاهد لإستكمال كلماتها:
_انتهيت بتلك اللحظة التي رأيتك بها صريعاً أمامي.
وبابتسامةٍ صغيرة، أضافت:
_أخبرتني من قبل بأن قلبي يعرفك جيداً بل روحي متعلقة بك، وحينما أوشكت على الرحيل رفضت البقاء بمفردها دون صحوبتك.
اسودت عينيها وتغلب منها السم القاتل، فانتفض جسدها بين ذراعيه، أمسك بها "ديكسون" جيداً ثم صرخ بها بتعصبٍ شديد:
_لن أسمح لكِ بذلك.
لم تفهم مقصده الا حينما رفع كف يدها المنتفخة بالسمٍ الذي ينتشر بجسدها رويداً رويداً، فتوهجت عينيه قبل أن يغرس أسنانه الحادة بمعصمها، فصرخت وهي تحاول أن تبعده عنها بإلمٍ، إمتص "ديكسون" السموم من جسدها بإكمله ، فإنتقل الإلم من جسدها لجسده الذي سيحتمله بصدرٍ رحب رحمة له عن رؤيتها تنازع الموت أمام عينيه التي عشقت رؤية السعادة على وجهها الرقيق!
تغلب السواد الباهت على حدقتيه المنيرة، وتارة تتغلب هي عليها وكأنهن في صراع قاتل بين قوة السم وقوة محاربته لها، انتهى من امتصاص كل السم الموجود بأوردتها، فترك يدها وتنحى جانباً، لم تحتمل رؤيته يواجه الموت مجدداً فأغلقت عينيها بيدها معاً وهي تصيح من بين بكائها الحارق:
_لا تفعل أرجوك.
ومن ثم همست بصوتها المذبوح من فرط بكائها:
_أبقى معي.
شعرت بيديه تلامس يدها، فأبعدهما عن وجهها وهو يردد بابتسامةٍ شغفها العشق المتودد لقلبه:
_أنا جوارك.
تقوست حاجبيها بنظرةٍ صادمة، فكانت ترى السم يتمكن منه منذ دقيقة، أجبرت لسانها على الحديث أخيراً:
_كيف حدث ذلك؟
ابتسم وهو يجيبها بمزحٍ:
_إن كنت تغلبت على زهرة الموت القاتلة وأنا ببطن أمي جنيناً صغير كيف لا أتغلب عليها وأنا بريعان شبابي!
نهضت لتتعلق بأحضانه بفرحةٍ وعدم تصديق، شعرت بتلك اللحظة بأنها قد استعادت روحها التي غابت عن جسدها، مرر يديه على طول خصرها وهو ينعش رئتيه برائحتها المقربة إليه، فهمس بأنفاسٍ لفحت بشرتها فألهبتها:
_لم يبقى شيئاً الآن سوى إعلان زواجنا.
ابتعدت وهي تحدق به ببلاهةٍ:
_زواج!
منحها نظرة مشككة، قبل أن يسألها:
_أوه أميرة الحوريات المتعجرفة لا ترغب بالزواج من ملك السراج المستقبلي!
لكمته بيدها بقوةٍ ألمته، فرفع يديه يشير لها مازحاً:
_لا أريد العودة لذاك الجزء اللعين من جديدٍ، كفانا قتال يا فتاة.
ثم قربها إليه وهو يغمز لها بمكرٍ:
_ألم يحن الوقت حوريتي الشرسة لتخطفنا أمواج العشق فنسلم أمرنا لها ونتركها ترشدنا هي!
منحته ابتسامة أشرقت وجهه، فتراجعت بعيداً عنه حينما رأيته يقدم على فعل شيئاً سيزدادها خجلاً، ثم قالت بدلالٍ:
_حسناً، فلنتزوج إذن.
ثم أسرعت لخارج الكهف لتنادي عالياً:
_"كاديان".
أتت إليها بحجمها الصغير الذي تضاعف حينما انخفضت أمامها، لتشير له بأطراف أصابعها بعدما إعتلت ظهرها:
_أراك بالمملكة قريباً.
وما أن إنطلقت للمملكة حتى وجدته ينتظرها هناك، وكأنها لم تودعه منذ قليل، فضحكت بصوتٍ مسموع، وقفت لجواره وهي تتأمل التجمع الغفير الذي يعلو هتافاته دون توقف تمجيداً للوكاس و"روكسانا"، منحتها "ألماندين" نظرة ملأها الإعجاب، فكيف لبشرية أن تحظى بكل ذلك الحب من جنسٍ أخر لا تنتمي إليه، من المؤكد بأنها عظيمة لتفعل ذلك، تحولت الهتافات لديكسون فور رؤياه فمنحهم ابتسامة واسعة قبل أن يلحق بالجميع للقصر.
********
بالقصر.
جلسوا جميعاً متعبين بعد تلك الحرب التي استنزفت طاقتهما، فأشرفت عليهما "ضي"، و" روكسانا" وهي تحاول تقديم المساعدة الطبية، أتى دور "ألماندين" فقالت ل"روكسانا" بخجلٍ:
_أنا بخير.
قالت بابتسامة مرحة:
_ولكني أرى خدوش بوجهك، أتخشين العقاقير الطبية لا تقلقي ليست مؤلمة!
تعالت ضحكاتها على دعابتها التي أسعدتها، فأشارت لها بأن تفعل ما يحلو لها، جلست مقابلها وهي تحاول تضميد جرحها، فقالت "ألماندين" بإرتباكٍ:
_أعلم بأنني تماديت بكرهك، ولكني الآن لم يعد بقلبي بغض تجاه البشر.
منحتها ابتسامة صافية، قبل أن تمسك بذقنها وتردف قائلة:
_ليس هناك ميثاق يؤكد لكِ معدن الشخص الذي أمامك سوى العشرة "ألماندين".
ثم أضافت بتوضيحٍ لكلماتها المختلفة على مسمع" ألماندين":
_حينما أتيت إلى هنا كنت أرى بأنني سقطت بين وحوش قاتلة ستلتهمني، وحينما أحببت "لوكاس" واختلطت بالجميع باتت الأمر يترسخ بذهني، فعشرة الأشخاص تمكنك من تقيمهما جيداً.
هزت رأسها بإقتناعٍ، فقالت "روكسانا" بابتسامةٍ خبيثة:
_ولكني مازلت أتساءل هل أحبك ابني بعد عشرة أم من النظرة الأولى؟
ضحكت على استحياءٍ، فأتاها الرد من جوارها حينما احتضنها "ديكسون" ليجيبها بهيامٍ بمن أمامها:
_منذ اللحظة التي تخلى عنها وشاحها ليكشف عن شعرها الرماي وعينيها الفيروزية.
اصطبغ وجهها بحمرةٍ الخجل، فتعالت ضحكات "روكسانا" وهي تستند برأسها على رأسه ثم قالت:
_لا أنكر ذلك.. فهي جميلة مثل "راوند".
على أثر ذكر اسمها، تساءلت"ألماندين" بإرتباكٍ من نطق تلك الكلمة:
_أين أمي؟
أشارت لها "روكسانا"، فوجدتها تجلس جوار" بيرت" بالقرب منهما، لتشير لها بأن تأتي إليها، استأذنتهم وتوجهت سريعاً إليها، لتحتضنها "راوند" طويلاً بعدما كانت تخشى فقدانها.
أما "سامول" فحرص"أدلر" على تضميد جرحه، فقال بعدما انتهى مما يفعله:
_داويت جرحي ببراعةٍ أبي..معتاد على جروح الحروب أنت!
أطبقت الفرحة على شفتيه وهو يستمع لكلمة أبي تردد على لسانه، فأجابه:
_العرش يجعلك تعتاد أموراً مختلفة عنك "سامول".
هز رأسه باقتناعٍ، فالتفت تجاه"زمرد" التي تجلس بسعادةٍ جوار "أركون"، تلقائياً بحثت عينيه عن حبيبته، فوجدها تضمد جرح" إيمون"، منحها ابتسامة جعلتها مشوشة، فعبثت بخصلات شعرها كمحاولة لتجهل نظراته الفتاكة، أما "لوكاس" فكان يجلس جوار أبيه و"لوثر"، هبطت "إريكا" من الأعلى بعدما حرصت على تبديل ملابسها المتسخة، فإرتدت فستان وردي يصل لبعد ركبتيها، تاركة العنان لشعرها الأصفر يتدلى من خلفها، وزعت نظراتها بينهما باستياءٍ، فكل منهم مشغولاً بالأخر، لمع عقلها بفكرةٍ مجنونة قليلاً، ولكنها ستوفي بالغرض، جذبت أحد السيوف الملقاة أرضاً ثم صعدت على إحدى الصخور، لتطرق بالسيف على الطاولة القريبة منها وهي تصيح عالياً:
_انتباه يا سادة، فهناك أموراً هامة أود طرحها عليكم.
انتبه لها الجميع، فاعتدل "إيمون" بجلسته وهو يردد بتعجبٍ:
_ماذا؟
ابتسم "لوكاس" فهو يكن لتلك الفتاة معزة لا يعلم سببها، ربما لأنها بشرية تذكره بزوجته أم لأن "روكسانا" تحبها كثيراً، فأشار لها بثباتٍ:
_لكِ ذلك "إريكا".
أشارت بيدها وهي تخبره بإمتنان:
_شكراً لك أيها الوسيم.
ضحك الجميع على لقبها الذي نسبته للملك الذي لا يجرأ أحداً على تجاهله لمركزه، فتابعوا ما ستقول بدهشةٍ:
_أرى أن ما حدث هنا يستحق إحتفال ضخم، ربما يزيل ذكريات تلك الرحلة المأساوية.
اقترب" ديكسون" منها ليشير لها بسخريةٍ:
_منذ اللحظة التي بدأت بها صداقتنا إلى الآن لم تنطقي بشيئاً صائباً هكذا.
لوت شفتيها بغضبٍ، وخاصة حينما قال:
_ولكن هناك بعض التعديلات ربما ستضيف رونق خاص للإحتفال.
سأله "إيمون" باهتمامٍ:
_ما هي؟
قال وعينيه تدرسان ردة فعل الملك:
_حفل زواج.
ضيق "أركون" عينيه باستغرابٍ:
_زواج من؟
أشار بيديه وهو يجز على أسنانه من غبائه:
_زواجنا جميعاً ما بك!
استقام "سامول" بجلسته باهتمامٍ، ثم ردد بلهجةٍ حاول أن يخفي بها لهفته:
_أؤيد "ديكسون" فلنعلن زواجنا غداً إن كان الملك لا يعترض ذلك.
سُلطت النظرات تجاه "لوكاس" الذي يتأملهم بمكرٍ، ففالت "روكسانا" بضيقٍ من صمته المبالغ به:
_هيا "لوكاس"!
كسر صمته حينما التفت برأسه تجاه"لوثر" و"بيرت":
_رتب المملكة إذن لهذا الزواج.
تعالت الصيحات المتحمسة فيما بينهما، فعادت "إريكا" لتطرق بسيفها مجدداً وهي تعيد نفس تلك الجملة:
_انتباه يا سادة، مازال هناك ما أود قوله!
تساءلت "إيرلا" بمللٍ:
_ماذا هناك بعد؟
تنحنحت وهي توضح بغرورٍ:
_تحدثتما عن حفل زفاف ولم يستمع أحداً لإقتراحاتي بشأن ذلك.
صاح "إيمون" بشراسةٍ بها:
_إقتراح ماذا؟ أمازلتي لا ترغبين بالزواج مني؟
نفت سريعاً:
_لا، ولكني أود طرح بعض الأمور المتعلقة بالزفاف.
قالت "زمرد" بابتسامةٍ رقيقة:
_حسناً لا تقاطعنها مجدداً.
ثم أشارت لها بحماسٍ:
_أخبرينا "إريكا".
قالت موضحة لهما:
_الزفاف سيكون مختلف إن تخليتما عن عادتكم تلك وإرتديتم مثلنا.
ثم أشارت على ما تريديه:
_بذلة سوداء أنيقة وفستان رائع باللون الأبيض سيجعل الحفل مختلف تماماً.
تساءلت"إيرلا" بدهشةٍ:
_ومن أين لنا بملابس كهذة.
أجابتها سريعاً:
_لا تقلقي سأذهب برفقة "ديكسون" لشراء ما يلزمنا جميعاً.
ثم نقلت نظراتها تجاه "سامول" و"إيمون"و"أركون" وهي تردد بحيرةٍ:
_وإن كنت سأواجه بعض المتاعب بإيجاد المقاس المناسب لهم، ولكني سأحاول أن أجد ما يناسبهم.
همس "سامول" ساخطاً:
_جيد، بالصباح سنصبح أضحوكة أمام الشعب بأكمله!
تدخلت "روكسانا" بالحديث، لتجيبه:
_الأمر ليس بهذا السوء "سامول"، فحينما ترتدي ما تخبرك به"إريكا" ستبدو رائعاً.
منحها ابتسامة تكن لها الإحترام، فقالت "ألماندين" هي الأخرى:
_أجد الأمر ممتعاً "إريكا"، أحب التميز والإختلاف لذا سأترقب ما ستحضرينه برفقة"ديكسون".
غمزت لها"إريكا" وهي تشير عليها:
_أحب تلك الحورية الجذابة.
تعالت ضحكاتهم جميعاً، فقالت "زمرد" بعد تفكيراً:
_وأنا سأرتدي نفس الشيء.
حتى "إيرلا" رددت بعد تفكيراً:
_حسناً، ولكني سأجربه أولاً!
أشارت لها بثقةٍ:
_بكل تأكيد عزيزتي.
ثم التفتت تجاه "ديكسون" لتشير له بالإقتراب وهي تردد بكلماتٍ عشوائية:
_لدي أكثر من عمل هام لذا علينا الإسراع، هيا فلتحملني إلى الأرض الآن.
تعالت ضحكاتهم على ما حالة التشتت التي أصابتها، فتخفى بها "ديكسون" سريعاً ليعود بها لعالمها.
***********
انتقت "إريكا" ما يناسب كل فتاة من فستان زفاف أبيض يليق بشخصها وهوسها، حتى الأحذية ومساحيق التجميل، قضت يومها بأكمله تتسوق و"ديكسون" يحمل ما تشتريه ليصعد به للأعلى ومن ثم يهبط إليها حتى زفر بها بتعصبٍ:
_كفى "إريكا"، لقد مللت من حمل تلك الأشياء الغريبة!
استكملت رحلة تسوقها وهي تردد بانزعاجٍ:
_الرجال جميعهم متشابهين، يكرهون التسوق!
أغلق عينيه بمللٍ، ثم قال بابتسامةٍ مصطنعة:
_حسناً لا تغضبي، فلنعد إذا كانت أغراضك مكتملة!
أشارت له بكفيها:
_سنغادر، ولكن أليس من المنطقي أن ندعو أبي وأمي على زفافي.
ابتسم ساخراً:
_وكيف ستخبرنهم بذلك؟
حكت رأسها بتفكيرٍ:
_لا أعلم، ولكني سأحاول وإن فشل الأمر سأركض للشرفة ولنهرب سريعاً.
كبت ضحكاته وهو يشير لها بإعجابٍ:
_جيد، لننطلق.
******______******
بشرية أسرت قلبي الفصل الثلاثون 30 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الخامس عشر(الختامي..).
(ملاحم العشق الأربعة!..)
ولأول مرة تشهد المملكة هذا التجمع العتيق، حيث يتعاون الجميع بمحبةٍ كبيرة لتزين القصر والمملكة بأكملها إستقبالاً لزفاف بتلك الضخامة، وتعد تلك المرة الأولى التي يشارك بها الشعب لتزين المملكة بنفسه، فما فعله "ديكسون" حصد به محبتهم جميعاً، اصطفت أكاليل الزهور، وعبقت المملكة برائحتها الذكية بعدما نثرت لتفترش الأرض جميعاً، حتى المقاعد المميزة الخاصة بملوك الممالك المجاورة زينتها الحوريات بقماشٍ سحري جعلها في غاية الجمال، مرت الساعات لتبدأ الحشود بالتجمع واللهفة تسكن الأعين بترقبٍ لرؤية الملوك، وبالرغم من تلك المناسبة الهامة مازال "لوثر" يتمم على عمله على أكمل وجهاً، حتى "راوند" كانت تشرف على التحضيرات بنفسها متناسية بهذا اليوم كونها ملكة لا يليق بها العمل، فكانت بين الحين والأخر تحمل طرف فستانها الأحمر الطويل بين يدها، توقفت "راوند" عن المضي قدماً حينما رأت "بيرت" يقف من أمامها بابتسامةٍ حالمة، عينيه تتطلع لكل أنشن بوجهها، فإقترب منها ثم همس بإعجابٍ شديد:
_كيف ساًحارب جمالك حوريتي!
أشرق وجهها بابتسامةٍ أينعت نضرته، فاستدارت جوارها قبل أن تجيبه:
_أراك متفرغ للغزل ونحن نعمل على قدمٍ وساق.
حك طرف أنفه وهو يتابع عمل الحوريات، مؤكداً بمكرٍ:
_أرى ذلك.
سألته ساخرة:
_لماذا لم يكلف الأمير نفسه عناءاً ويساعدنا؟
لوى فمه بعبوسٍ فردد قبل أن يتحرك:
_لن أتغزل بكِ مجدداً.
ضحكت بصوتٍ مسموع وهي تراه يحدجها بنظراتٍ مغتاظة، فتجاهلته وعادت للعمل سريعاً.
********
على الرغم من معارضة "إيرلا" لإقتراحها بإرتداء فستان زفاف أبيض من عالمها الا أنها سحبت رأيها حينما ارتدته، شعرت بإختلافها وتميزها حقاً بما ترتديه، فكانت تشعر بالبهجةٍ وهي تتطلع لذاتها بهذا اللون الذي جعلها تشعر بالصفاء والراحة الغريبة، دنت منها "إريكا" ثم أشارت لها قائلة:
_هيا لنضع لكِ بعض المساحيق التجملية.
استدارت "إيرلا" تجاهها، ثم قالت بخوفٍ:
_أرى أن هذا يكفي!
تعالت ضحكات "زمرد" وهي تتابع ما يحدث بينهما، فنهضت بفستانها الأبيض الرقيق لتشير بمزحٍ:
_هيا "إيرلا" لا تكوني جبانه!
حدجتها بنظرةٍ قاسية قبل أن تستلم للوضع الحالي، فتركتها تزينها كما يحلو لها، ناولت "زمرد" التاج لإريكا التي وضعته على خصلات شعرها الأحمر بعدما ثبتت الطرحة البيضاء الطويلة، ثم أشارت لها بنظرةٍ إعجاب:
_لتري بنفسك ذلك.
نهضت عن الصخرة المجوفة ثم وقفت أمام المرآة القريبة منها، لتتطلع لذاتها بنظرةٍ إعجاب شديدة، وهي تلامس الطرحة التي يتدلى طرفها من خلفها، فوزعت نظراتها بين "إريكا" وإنعكاس نفسها بالمرآة، فابتسمت وهي تردد بإعجابٍ شديد:
_رائع حقاً.
ثم التفتت تجاهها وهي تخبرها بحرجٍ:
_لقد كنت سخيفة بحقك "إريكا".
احتضنتها ببسمةٍ يحفها المحبة:
_لا عليكِ، فاليوم بأكمله مربك.
وعند ذكرها لهذا اليوم الهام، انتفضت"إريكا" بوقفتها وهي تتطلع على ذاتها في صدمةٍ:
_التهيت بكما ونسيت أمري.
ثم حملت فستانها الموضوع لجوارهما لتركض بإتجاه السجوف التي تفصل الجناح عن مكان تغير الملابس، ضحكت كلاً منهما حينما رأوها تركض هكذا، ثم تساءلت "إيرلا" في دهشةٍ:
_أين "ألماندين"؟
_أنا هنا!
قالتها بعدما خرجت من الغرفة الداخلية للجناح، فتعلقت أعينهم بها بانبهارٍ، منحها الفستان طالة شتت العقول، فباتت غير قادرة على مدحها أم التعلق بها، ضيقت عينيها وهي تباغتهم بسؤالٍ حائر:
_ماذا هناك؟
أجلت"زمرد" أحبالها الصوتية:
_أنكِ فاتنة حقاً "ألماندين".
ردت عليها بابتسامةٍ هادئة:
_كلنا فاتنات بهذة الفَسَاتِينُ الجذابة.
ظهرت"ضي" من أمامهما لتقطع حديثهما، فقالت بفرحةٍ:
_إنكن رائعات الجمال حقاً!
ثم استدارت باحثة بالجناح باستغرابٍ:
_أين "إريكا"؟
خرجت وهي تغلق سحاب فستانها، مرددة بمشاكسةٍ:
_هل يسأل عني أحداً.
عاونتها" ضي"على إغلاقه وهي تردد بدهشةٍ:
_لم تستعدي بعد!
ردت عليها بغرورٍ وهي تشير عليهما:
_كان لدي عملاً هام.
ثم وزعت نظراتها بينهما، لتنهدل شفتيها بحزنٍ طفولي:
_الجميع يرتدي تاجاً مميزاً ما عدا أنا.. أولست أميرة مثلهن!
تعالت ضحكاتهم، فخلعت "ضي" تاجها ثم وضعته على رأسها، قائلة في حبورٍ:
_أمازالت أميرتنا البشرية حزينة بعد؟
تأملت "إريكا" نفسها بالمرآة، بعدما ارتدت تاج "ضي" المميز، فهمست بسعادةٍ:
_إنه رائع!
ثم استدارت لتحتضنها بحبٍ:
_أشكرك كثيراً.
ربتت بحنوٍ على ظهرها، ثم قالت:
_لا داعي للشكر ابنتي، أنتِ الآن أميرة من أسرة المملكة الحاكمة ولن يفرق أحداً أبداً بمعاملتك.
أحاطتها السعادة لتجعلها أسعد عروس بشرية تزف بعالمٍ هكذا، أشارت لهم "ضي" قائلة بخبث:
_هيا لنخطف الأنظار بجمالنا هذا.
أمسكت "ضي"،" إريكا" لتتخفى بها سريعاً للإحتفال الذي بدأ بانضمامٍ الملك وزوجته، بينما تخفت كلاً منهن لتتابعها، وقفت "إريكا" مشدوهة مما ترأه، فما تراه يصعب العقل البشري على تصديقه، فكان الزفاف، وكأنه على بساط من السحبٍ شعرت به من أسفل قدميها، فكان مرئي من أسفلها، وكأنها تقف على شيئاً ليس ملموساً، لوهلةٍ شعرت بأنها ستسقط فتماسكت بيد "ألماندين" التي ربتت على يدها لتبث لها الآمان، قائلة:
_لا تقلقي.. لن يحدث شيئاً.
أومأت برأسها بهدوءٍ ورغم ذلك ظلت متشبثة بها، فأمسكتها الاخرى حتى يبتعد عنها هذا الشعور المرجف، انتبهوا جميعاً للدرج الطويل الذي ينتهي بعرش مهيب إعتلاه "لوكاس" و"روكسانا"، تعلقت الأعين بها، فكانت حقاً فاتنة بكل ما تحمله الكلمة، فستانها الأسود الذي يتدلى أطرافه على بساطٍ الرياح، شعرها المعقود بالمنتصف ويعلوه ذاك التاج الذي لم يوضع الا على رأس الملكة "بُوران" ومن خلفها لملكته البشرية التي حطمت قواعد مملكة بأكملها، لتغزو قلب شعبها وملكها!
نهض "لوكاس" عن مقعده ثم بدأ بالحديث الذي يترقبه شعب مملكته:
_اليوم أعلن لكم زوجات أمراء مملكة "السراج الأحمر" .
ثم قدم يديه تجاه الفتيات، ليردد بصوتٍ صارم رغم بشاشة وجهه:
_أميرة الحوريات "ألماندين".
هتفات حارة طافت بها، حينما لفظ الملك إسمها، تخفت لتظهر من أمامه، فأمسك بيدها تجاه القاعدة الصغيرة من أسفل عرشه، حيث كان على يمينه أربع مقاعد يجملها الزبرجد الأخضر المميز بلونه الساحر ومطعم بالكوارتز الزهرث الوردي المعروف بحجر "الحب اللطيف"،وكل مقعد مخصص للأمراء يوجد أمامه شعبه، فمقابل مقعد"سامول" شعب مملكة الشارق، و"إيمون" شعب البيتراء، و"أركون" شعب الغورة، أما"ديكسون" فكان يقف من أمامه وفود شعب السراج الأحمر المهيب، رفعت "ألماندين" طرف فستانها الأبيض ثم إنحنت قليلاً وقاراً للملك، لتتجه ليمينه وبالأخص بالمقعد المخصص "لديكسون"، انتهت التصفيقات الحارة ليبدأ بالمنادة مرة أخرى:
_أميرة مملكة"الشارق"، الأميرة"زمرد".
تخفت لتظهر من أمامه، ثم أمسكت بيديه ليوجهها للجهة اليسرى من عرشه المهيب، فجلست على أحد المقاعدين المخصص لها، ومن ثم استكمل قائلاً:
_أميرة مملكة"السراج الأحمر"، الأميرة"إيرلا".
صعدت هي الأخرى لتحتل مقعدها المجاور لمقعد"ألماندين" بالجهة اليمنى، ثم بابتسامةٍ بشوسة أعلن:
_وأخيراً البشرية الفاتنة، الأميرة "إريكا".
تعالت التصفقات الحارة والهتافات التي تعلو بإسمها، فارتبكت"إريكا" من هذا التجمهر الهائل الذي يهتف بإسمها، فصعدت تلك البشرية على درج لم ترأه أعينها من قبلٍ، وكأنها تصعد سلم المجد لنيل جائرة أو تكريم لطالما حلمت به، إتخذت وقتاً كبير حتى إنتهت من الدرج، فكادت "ضي" بمساعدتها، ولكن إشارة الملك إستوقفتها، بل وقف "لوكاس" بهيبته ووقاره ينتظر صعودها حتى وإن كان بطيء نسبياً عنهما، أمسكت "إريكا" بيديه وقبل أن يشير لها، قالت بتوترٍ:
_هل أصبحت أميرة حقاً؟
ابتسم "لوكاس" وهو يجيبها:
_بالطبع أميرة لتلك المملكة بأكملها.
ضحكت بفرحةٍ ثم اتجهت لمقعدها، فخرج الملك "شون" بصحبة الأمراء، تمكنوا جميعاً من لفت الأنظار إليهما، بتلك البِذَل الأنيقة التي بدت للجميع مختلفة كلياً عما يرتدونه، حتى الفتيات سحرت الأنظار بذلك القماش النادر لهما، تخفى كلاً منهما ليجلس على مقعده بجوار زوجته لتسلب العقول من تأثيرٍ ما رأت.
**********
جلس "أدلر" بجوار الملك "شون"، وهو يتابع الحفل بسعادةٍ وفرحة غمرته، فكان يوزع نظراته بين أبناءه براحةٍ وسرور، أما"شون" فكان شارداً بالفراغ وإبتسامة شوق تداعب شفتيه، فحينما يتعلق عقلك بشيئاً تفتقد إليه، يتشكل أمامك مثلما تفكر به، وهكذا ما حدث معه، رسم صورة لملكته التي عشقها بجنونٍ، فتشكل طيف "بُوران" من أمامه، بفستانها الطويل وعينيها التي تسبل بها إليه بحبٍ، إبتسامته خففت من وجعه القابع بالداخل، فحينما يشعر بالحنين إليها، يمنح ذاته الصبر بأنها لجواره تسمعه وتشعر به حتى يلحق بها!
***********
«أركون، زمرد»
جلس لجوارها مشدوهاً من جمالها الآخاذ، فتعلقت عينيه بها لدقائقٍ معدودة، يحاول أن يطبع صورتها بداخل صمام قلبه الخافق على طربٍ عشقها، فتحرر صوته الهامس بأعذوبةٍ حبها:
_أبحث عن كلمة دقيقة تخبرك بما يحدث لي حينما أراكِ، وبالنهاية لا أجد.
إبتسمت "زمرد" ثم قالت بتريثٍ:
_كأنك تبالغ قليلاً!
أمسك يدها وهو يردد بعشقٍ:
_لا أبالغ أبداً، أنتِ مصيري بأكمله "زمرد".
ارتجف جسدها من لمساته وهمساته التي تخترق منتصف قلبها، ذاك المحارب الشجاع الذي لا يعهد الرحمة الا حينما رفع سيفه على عنقها، فولد بداخله أحاسيس مرهفة ولأول مرة، ملك"الغورة" وملك قلبها العذري!
*********
«إيمون، إريكا»
عبثت بخصلاتٍ شعرها بإرتباكٍ، فحاولت أن لا تتطلع له قدر ما استطاعت، فالحصار الذي أحكمه عليها بنظراته جعلتها تنفعل بحديثها، حينما قالت:
_لا تنظر إلي هكذا "إيمون".. تربكني نظراتك كثيراً وأنا متوترة من دون شيء.
رفع حاجبيه وهو يسألها باستنكارٍ:
_وما الذي يربك ملكة"البيتراء" إذاً؟
تطلعت له باستغرابٍ من لقبه الأخير، ثم رددت بتشتتٍ:
_ملكة! أخبرني الملك منذ دقائق بأنني أميرة؟
ابتسم وهو يوضح لها:
_لا ملك هنا بحضور الملك "لوكاس" العظيم ؛ ولكن كل منا بمملكته ملكاً.
لم تفهم مقصده الا حينما تابع ليوضح ما عجزت بفهمه:
_مثل "سامول"، لا حاكم للشارق سواه لذا فهو ملكهم؛ ولكن هنا بمملكة السراج الأمور مختلفة فهو هنا الآن وبحضور الملك، يخسر لقبه كملك ويصبح أمير، وبالنهاية كل تلك الممالك تابعة للمملكة السراج الأحمر هل فهمتي شيئاً؟
أشارت برأسها وهي تردد بحماسٍ:
_فهمت ذلك.
ثم اعتدلت بجلستها لتمسك يديه وهي تخبره بفرحةٍ:
_حسناً، بما أنني ملكة أريد تاج مرصعاً مثل الملكة"روكسانا"، وملابس مثل التي ترتديها.
تعالت ضحكات" إيمون"، ثم قال بصعوبةٍ بالحديث:
_سأحقق كل أمانيكِ "إريكا".
انحنت برأسها على كتفيه وهي تخبره بسعادةٍ:
_أنت تعلم بأنني أحبك، أليس كذلك؟
استند برأسه على رأسه ليهمس ماكراً:
_سنرى لاحقاً.
ابتعدت عنه ومن ثم لكزته بكتفيه بشراسةٍ إنقلبت لغيظٍ عظيم حينما وجدته لم يتأثر من ضرباتها، فعادت لتكرر ما فعلته، كتف يديها ليضمها لصدره ثم قال وهو يرسم ابتسامة واسعة:
_ستكسرين هييتي أمام شعبي.
وزعت نظراتها بينه وبين من يقف مقابلهما على بعدٍ منه، فجلست على المقعد بإستقامةٍ، ثم وضعت ساق فوق الآخرى لتشير له بتعجرفٍ:
_أتعلم، أنا أيضاً علي الحفاظ على هيبتي كملكة بشرية رقيقة، حينها سأجعلهم يعشقون البشر، ومن ثم سأجعل"ديكسون" يختطف عدد منهم لنجعلهم يتوغلون بالكوكب.
تعالت ضحكات"إيمون" وهو يجاهد في محاولاتٍ بائسة بالسيطرة على زمام أموره، فما يفعله يعد جريمة بحضور الملك، أطبق على شفتيه وهو يحاول رسم جديته وعينيه تتابعها بعشقٍ لكل ذرة بها، حتى كلماتها العفوية تلك تجعله يذوب عشقاً بها.
راقب "كيفن"، و" لينا" ابنتهما بسعادةٍ وفرحة، ربما بالبداية كانوا سيعترضون طريقها، ولكن فرحتها التي تلمع بعينيها والوقار الذي حظت به وسط هذا العالم، جعلهم فخورين بموافقتهم تلك وخاصة بأن حب ابنتهما يسطع كالشمس المشرقة بعين "إيمون"، فقال" كيفن" وهو يحتضن لينا بحبٍ:
_وما الذي سيهمنا سوى سعادتها!
أومأت برأسها بإقتناعٍ ثم أضافت بحماسٍ:
_ستعش حياتها بمغامرة سعيدة بصحبةٍ "روكسانا".
منحها ابتسامة صغيرة، ثم ربت على ظهرها وهو يتابع ابنتها بفرحةٍ.
*********
«ديكسون، ألماندين»
انقطعت أنفاسها خوفاً حينما جذبتها قوة شرسة لتصبح بعيداً عن الحفل، التفتت"ألماندين"حولها فوجدت "ديكسون" يقف لجوارها، منحته نظرة غاضبة وهي تصيح به بإنفعالٍ:
_سينزعج الجميع من رحلينا، فمازال الحفل ببدايته!
ثم تطلعت تجاه الحفل القريب منها، فجحظت عينيها في صدمةٍ حقيقية حينما رأت نسخة متطابقة منها تجلس جوار "ديكسون"، استدارت تجاهه وهي تشير له على العرش بخوفٍ:
_كيف ذلك؟
حاوط خصرها بتملكٍ ليقربها منه، ومن ثم همس بمكرٍ:
_مازال هناك الكثير لتعرفينه عني!
ثم وضع يديه على شفتيها المرتجفة من أثر لمساته، ليستطرد:
_هذا الحفل لا أجده ممتعاً فما الممتع بسهرةٍ يتشاركها الجميع!
ومن ثم تخفى بها ليصبح أمام الكهف الذي جمعهما كل مرة، وكأنه يحتضن قصة حبهما الغريبة، وزعت"ألماندين" نظراتها الحائرة بين الكهف الذي تحيطه هالة حمراء مشعة على غير عادته ثم تطلعت له، فوجدته يمسك بيديها معاً، ثم إنحنى ليطبع قبلاته الرقيقة على كفيها، مردداً بأنفاسٍ كادت بإحراق جلد يدها:
_لن يشاركنا أحداً بهذا اليوم سوى عشقنا.
***********
«سامول، إيرلا»
راقبته بضيقٍ شديد، فكان يجلس بثباتٍ، وكأن أحداً لا يجلس لجواره، عينيه تتطلع لشعبه بكبرياءٍ وعظمة تصاحبه أينما تواجد، تأففت بعصبيةٍ ثم أردفت ساخرة:
_هل أقاطعك عن مراقبة هتافات شعبك المبجل!
التفت تجاهها وإبتسامة ماكرة تحل على ثغره:
_هل يزعجك ذلك؟
لوت شفتيها بسخطٍ:
_لا، فربما علي الإعتياد على الأمر.
ثم رددت بصوتٍ منخفض سمعه"سامول"جيداً:
_إن كنت لم تعترف بحبك لي الا بساحة المعركة ما الذي سأنتظره أكثر من ذلك؟
اتسعت ابتسامته، فرفع يديه ليشير للملك"لوكاس" بأنه سيغادر الحفل، فهز الأخير رأسه ليسمح له بذلك وإن كان على إنتهاء الحفل باكراً، نهض "سامول" ليتمسك بيدها ومن ثم تخفى سريعاً للمملكة، ليتبعه شعبه وجيشه، وقف "سامول" أمام قصره ليشير لشعبه بثباتٍ:
_أعتقد بأنكم مازلتم تتذكرون ما حدث بالمعركة الساحقة بيننا وبين الخائن "بيلين"، ومن المؤكد بأنكم تتذكرون جيداً تلك المقاتلة الشجاعة التي تصدت للحوريات واستطاعت أن تقلب مسار المعركة من الهزيمة للإنتصار.
إرتبكت "إيرلا" من سماعها لتلك الكلمات، فأخذت تراقبه باهتمامٍ وعدم تصديق بأنه يمجد بها، فاسترسل "سامول" بفخرٍ:
_تلك المقاتلة هي ذاتها زوجتي وملكتكم "إيرلا".
انحنت مقدمة رأسهم للأسفل قليلاً تحية صريحة لها، فتطلعت"إيرلا" إليه بتوترٍ حينما استكمل ونظراته الجريئة تشملها:
_الفتاة التي تحدت قوانين "سامول" العظيم وإخترقت حواجز مملكته أكثر من مرة، وهي نفسها التي سحبت قلبه الضعيف من جسده القوي لتجعله متيم بها!
نبضات قلبها القوية كادت بأن تكون مسموعة، لمسة يديه التي أحاطت بخصرها بتملكٍ ليتنقل بها بين شعب مملكته ومن ثم صعدا بها لجناحه، وقفت "إيرلا" أمامه وهي تستجمع كلماتها التي غابت عنها لأول مرة، فقال هو بنظرة توغلت لأعماقها:
_أين ذهبت كلماتك اللازعة؟ هل ابتلعتي لسانك الغليظ!
ابتسمت وهي تشير له بالنفي، فأبعد خصلات شعرها الأحمر بعيداً عن وجهها ثم قال بعشقٍ:
_أراكِ دائماً "إيرلا".. حتى ولو لم تكوني لجواري.
ضيقت عينيه بذهولٍ:
_كيف ذلك؟
غمز لها بمشاكسةٍ:
_لكل منا أسراره الخاصة.
بعدت يديه عنها وهي تخبره بتحدٍ:
_أخبرني الآن"سامول"..
سألها بمكرٍ:
_أتودين حقاً معرفة سري!
هزت رأسها بعدم مبالاة:
_وماذا سيكون؟
إبتعد"سامول" عنها، ثم رفع صوته منادياً:
_إخرج الآن.
ما أن إستمع لأمر سيده حتى خرج الأوربوروس، بجسده العملاق الذي يلتف حول نفسه بحلقةٍ دائرية، جحظت أعينها بخوفٍ مهيب، فتراجعت للخلف وهي تصيح رعباً:
_"ســامــول"!
حاوطها بذراعيه، ثم هدأ من روعها قائلاً:
_إهدئي "إيرلا".
ثم أشار له بصرامةٍ وقوة:
_إنحني طاعة لسيدتك!
تقلص حجم الأوربوروس، لينحني أسفل قدميها ومازالت تتشبث هي بملابسه، فقال الأخير بحزمٍ:
_إتركنا الآن.
ما أن أنهى كلماته حتى إختفى من الجناح بأكمله، أبعدها"سامول" عنه ثم قال بابتسامةٍ ساخرة:
_أين ذهب حماسك؟
قالت "إيرلا" بإرتباكٍ:
_توترت قليلاً حينما رأيته.
رفع يديه ليمررها على وجهها برفقٍ، فجعلتها لمساته تتعلق بعينيه كمن تتشبث بأحضانه بقوةٍ، فأسند جبينه إلى جبينها وهو يردد بهمسٍ لفح مشاعرها:
_دعك من كل هذا، فاليوم هو خاص بنا فقط.
منحته إبتسامة صغيرة، أسرته ليقترب منها متناسياً كل شيء، فروى عشقهما توثيقاً بدفتر التاريخ!
***********
تخفى "إيمون" ليظهر أمام الملك، فأنحنى قليلاً وهو يردد بإرتباكٍ:
_هل يسمح لي الملك بالرحيل لمملكتي؟
منحه "لوكاس" إبتسامة هادئة، ثم قال:
_لك ذلك "إيمون".
ابتسم وتخفى سريعاً ليحمل"إريكا" بين يديه ثم إختفى بها لمملكته، فزعت للغاية، فأخر ما تتذكرته بأنها كانت تجلس على مقعدها، حدجته بنظرةٍ قاسية قبل أن تنفجر به:
_كنت أود الإستمتاع بالحفل، كيف لك بإتخاذ قراراً عني!
رفع حاجبيه بصدمةٍ:
_أي قرار هذا؟
_الرحيل من الحفل!
مرر يديه على جبينه، ومازالت هي منغمسة بحديثها الذي لا ينتهي، فاجئها "إيمون" حينما قربها منه بشدةٍ، فتعلقت عينيه بشفتيها المرتجفه، وتارة تتعلق بعينيها الزرقاء ثم قال:
_كفى "إريكا"، ألا تودين أن نكون بمفردنا قليلاً؟
أخفضت عينيها بخجلٍ من قربه منها، فلعقت شفتيها وهي تجيبه بتلعثمٍ:
_بلى، ولكني كنت آآ..
بترت كلماتها حينما سحبها بلهفةٍ لعالم مخبئ بين طيات عالمه الغامض، أبلغها بإقترابه عن ثمرة صبره التي طالت لعهد من الزمانٍ، أبلغها عما أخفاه طويلاً وعن ألمه حينما كانت تفكر بأحداً أخر، سمحت له بالتسلل لأواصرها، حتى صارت معشوقته وزوجته!
********
في اللحظة التي غادر بها"إيمون"، أشار الملك بها لأركون بالمغادرة هو الأخر، فيبدو أن الحفل الرائع لم يستطيع أن يشتت شرارات العشق المشتعلة بين قلوب الأحبة، غادرت"زمرد" معه لمملكة "الغورة" فقدم لها شعبها الترحاب والوقار، ومن ثم تتبعته للقصر الذي أعاد بنائه مجدداً لأجلها هي، إزدادت فرحتها حينما وجدت جناحهما مبني على طراز مملكة الشارق، وقفت "زمرد" تتطلع لكل ركناً بها بإعجابٍ شديد، فخفق قلبها بعنفٍ حينما شعرت بيديه تتسلل على طول ذراعيها، ومن ثم إنحنى على رقبتها ليهمس بشرارةٍ ألهبت جوارحها:
_أهلاً بكِ بمملكتك وجناحك الخاص ملكتي الفاتنة.
تقدمت خطوة للأمام وهي تجاهد تلك المشاعر التي إجتاحتها، عاد ليقترب منها من جديدٍ، حتى صار مقابلها، فسألها بأعين تصفن بملامحها:
_هل أعجبك؟
هزت رأسها، ثم قالت وهي تتحرك بحركاتٍ عشوائية:
_لم أرى بحياتي بمثل هذا الجمال.
تخفى ليصبح أمامها، ثم تخفى بها ليصبح جوار الفراش، هامساً بعشقٍ:
_لا أراه أجمل منكِ!
تلاحمت المشاعر فيما بينهما، لتفتتح طريقاً جديد بعلاقتهما، فإشتد ذاك الرباط الذي يجمعهما!
********
«لوثر، ضي.»
بالحفل..
تعالت ضحكات "ضي" وهي تستمع لهمسات "لوثر" التي ذكرتها بالذي مضى، فقالت بضجرٍ:
_لا تبالغ "لوثر"، أنا كنت أحبك بطبيعة الحال ولكني كنت مشوشة قليلاً.
أجابها ساخراً:
_أعلم ذلك.
توسطت بيدها خصرها وهي تهتف به:
_أتعاتبني الآن عما مضى!
لوى شفتيه وهو يتابع بمرحٍ:
_وهل وجدت الوقت المناسب ولم أفعلها! ، المختبر وإختراعاتك الحمقاء تلك تأخذ أكثر من نصفه.
ضيقت عينيها بغضبٍ علم ما الذي سيترتب من بعده، فإحتضنها مردداً بخوفٍ مصطنع:
_حسناً، تماديت بالحديث قليلاً لا تؤاخذيني.
كبتت ابتسامتها، لتنحني على صدره، فحاوطها وهو يمرر يديه على ظهرها بحبٍ وحنان.
*********
«بيرت، راوند.»
ابتسمت" رواند"وهي تتابع إتحاد الحوريات من بعد وقتاً طويل، فقد نجحت "رودوليت" بزرع العداء والكراهية بينهما، إرتاح قلبها لذلك وقد بدأ ينتباها شعوراً بالفرحة، هز "بيرت" يدها وهو يتساءل بدهشةٍ:
_ماذا بكِ "راوند"؟
بابتسامةٍ واسعة قالت:
_ما الذي بي"بيرت"! فاليوم إختبرت أحاسيس إفتقدتها، رأيت ابنتي عروس تزف لعريسها والآن أرى إتحاد الحوريات من جديد.
وأغلقت عينيها وهي تسترسل بفرحةٍ:
_أنا اليوم سعيدة للغاية.
إحتضنها بشوقٍ لرؤية فرحتها تلك، ثم همس بعشقٍ:
_ليت السعادة تصاحب دربنا للأبد.
تشبثت به بعشقٍ عاد ليلمع من جديدٍ، بعدما تفتت جوارحها المعتمة!
*********
«لوكاس، روكسانا.»
تعلقت أعين"روكسانا" بديكسون طويلاً، فتساءلت باستغرابٍ:
_غادر "سامول" والجميع وظل"ديكسون" الا يرغب بالصعود؟
التفت "لوكاس" تجاهها ثم رسم إبتسامةٍ ساخرة وهو يخبرها:
_لقد غادر ابنك الحبيب الحفل منذ الدقيقة الأولى.
تهدجت ملامحها بذهولٍ، فأشارت بيدها عليه:
_ربما أنت مخطئ.. مازال يجلس محله!
_تلك إحدى خدائعُ ابنك الماكر، استنساخ أي صورة لما يريده.
ضحكت "روكسانا" على طريقته المندفعة بالحديث، فقالت بخبثٍ:
_وهل يزعجك ذلك؟
بملامحٍ ممتعضة أجابها:
_لا
_بلى، لأنه يشبههك كثيراً.
قالتها "روكسانا" بتحدٍ صريح، فمنحها نظرة قاتمة قبل أن يعود لجلسته الوقورة من جديدٍ، فشاكسته من جديدٍ:
_يغار من ابنه!
_ماذا؟
_كما سمعت تغار من جراءته، لأنك تعلم جيداً بأنه يكره مثل تلك الحفلات لذا راقبته طوال الوقت لإنك كنت تعلم بما سيفعله!
ابتسامة تسللت لوجهه فزادته وسامةٍ، ثم قال بلهجةٍ هادئة:
_أعلم ومع ذلك لم أوقفه لأنني أعلم جيداً بأنه ليس مخطئ برغبته بالبقاء بمفرده مع حبيبته.
ثم أمسك يدها ليتابع بلهجةٍ عاشقة:
_هيا لنصعد للجناح، علنا نستريح قليلاً.
إعترضت قائلة بإختناقٍ:
_لا، لا أرغب بالصعود الآن.
ثم استطردت مشيرة له على المنصة البعيدة التي تكن لها الكثير من العاطفة والمشاعر:
_بل أريد الذهاب إلى هناك.
ضيق عينيه باستغرابٍ ومن ثم حملها ليتخفى بها هناك، فهرعت "روكسانا" لأسوار المنصة بفرحةٍ طفولية، ثم مررت أصابعها على حافةٍ السور باشتياقٍ، تعجب "لوكاس" مما يحدث معها من تقلبات غريبة، فسألها باهتمامٍ:
_هل يعجبك المكان لهذا الحد؟
أجابته بطاقةٍ من الحماس أشعلت أنفاسها:
_أعشقه كثيراً.
ثم أوضحت كلماتها المبهمة:
_من هذا المكان أعلنت علاقتنا أمام شعبك.
وأشارت على الفراغ المجاور له، قائلة:
_كنت تقف هنا بالتحديد وأنت تقول.
وحاولت تقليد لهجته وهي تردد بنبرة جاهدة لجعلها خشنة:
_اليوم أعلنت ملكاً لكم، وأنا أعلن زواجي أمامكم، من تقف يدها بيدي هي ملكة السراج الأحمر، لذا من يجرأ على إهانتها مصيره الإعتقال.
تطلع لها باسترابةٍ، فمالت برأسها على كتفيه وهي تخبره بعشقٍ:
_مازلت أتذكر تلك الكلمات، من الصعب نسيانها.
ثم أشرأبت بعنقها لتطبع قبلة صغيرة على جبينه وهي تردد:
_أحببتك كثيراً وأحببت كل ذكرى جمعتني بك.
مرر يديه على وجهها الرقيق بين أصابعه الكبيرة وهو يهمس لها بما طاب من حبه:
_وأنا أعشقك ملكة قلبي.
ومن ثم تخفى بها ليصبح جناحهما نقطة لقاء، وإسترداد لمشاعر مازالت تلتصق بهم، تلك البشرية التي هدمت حواجزه لتجعل كأس الحب معسول حتى بعد تلك السنوات، فخلد عشقهما بفتاة وصبي كانوا لهما أوسام شرف بقوتهم وبما قدموه لأجل المملكة.
*********
«ديكسون، ألماندين.»
انتصب "ديكسون بوقفته، ثم مرر يديه على خصلات شعرها الرمادي ببطءٍ شديد، وكلما حاولت التهرب من نظرات عينيه الفتاكة حاصرها متغزلاً بها من جديدٍ، لف يديه حول خصرها ثم قربها منه وهو يهمس لها برغبةٍ تلتاع إليها:
_ما المميز بكِ عن باقي الحوريات حتى يختارك هذا القلب.
أسبلت بعينيها بتوترٍ من قربه الخطير منها، فقيد حركتها بسهولةٍ ليستطرد وعينيه تتأمل شفتيها المرتجفة:
_كيف ولد الحب من شعلة الكره والإنتقام!
أخفضت عينيها أرضاً، فرفع ذقنها بأصابعه، ثم قال:
_لن أسمح لكِ تلك المرة بالتهرب مني"ألماندين".
ثم جذبها للداخل، فأسرع بإغلاق عينيها بيديه، ثم قال:
_أتتذكرين حينما سألتك ذات مرة عن معنى إسمك وحينها لم تعرفي الإجابة.
أومأت برأسها فادرها إليه ليجعل ظهرها للكهف ورأسها مقابله، ثم قال:
_الألماندين هو جوهر خالد، لونه أحمر بلوري لا يقدر بثمنٍ ونادراً وجوده هنا على" كيبلر".
ثم أخرج من جيبه حجر بلوري أحمر اللون، يخطف الأنظار من شدة جماله، إلتقطته منه "ألماندين" ببهجةٍ زرعت بداخلها فور رؤيته، ثم قالت بحبٍ شديد:
_أتيت بها لأجلي!
منحها ابتسامة سلبت عقلها، ثم جذبها "ديكسون" لتستدير للخلف، فتصنمت محلها وهي تتابع ما فعله بالكهف الذي إمتلأت حوائطه أحجاراً لا حصى لها من الألماندين الذي يشع بضوئه الأحمر اللامع، فأعطى بضيائه توهج ممتع للكهف، إنحنى "ديكسون" على رقبتها وهو يهمس ببطءٍ:
_يدعى عقيق الألماندين!
ثم جذبها ليحملها بين ذراعيه:
_ذاك الإعجاب اللامع بعينيكٍ تجاهه لا يقارن بما داخلي تجاهك.
ثم جلس بها على حافة المياه المرجانية اللامعة، يعبث بخصلاتٍ شعرها ليقربها منه وهو يشم عبيرها مردداً برغبةٍ جامحة:
_ليتك تشعرين بما يحدث لي حينما أقترب منك.
ثم استطرد بحزنٍ:
_هيا أخبريني بما تخفينه بداخلك تجاهي!
أغلقت عينيها وهي تردد بإستسلامٍ:
_لا شيء أخبئه سوى حبي لك "ديكسون"، أشعر بأن الفرحة تحتضنني حينما تكن أنت لجواري، حتى وإن خفق قلبي سريعاً.
تعلقت عينيه بشفتيها فإقترب وهو يهمس بحبٍ:
_عشقي لكِ سيخلد بكتب التاريخ، واليوم ستكتمل أول صفحاته!
وسمح لنفسه بفتح أبواب قلبها المنغلقة بقوةٍ، توحدا عالمهما الذي لطالما إختلف كثيراً، عالمين متنفرين.. هي وهبت التحكم بالبرودة والثلج وهو منح هبة التحكم بالحرارة والنار، تنافرت قلوبهم ما بين المحبة والإنتقام لتجمعهما بالنهاية شعلة العشق وعقيق الألماندين!
بشرية أسرت قلبي 2..
(عقيق الألماندين!..)
تمت بحمد الله.
15/1/2022م.
********_________*********