الفصل 10 | من 10 فصل

الفصل العاشر

المشاهدات
2
كلمة
3,130
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية بين النفوذ والقلب الجزء العاشر 10 بقلم نسرين نادر بين النفوذ والقلبرواية بين النفوذ والقلب الحلقة العاشرة شفرة الصباح وعشاء الأفاعي صلي على النبي ي سكر ❤ في جناح آسر الحديدي.. بعد ما الكلمة طلعت من شفايفه زي الرصاصة المغلّفة بالدفا: “فعلاً.. هي أحسن منها”.

فضلت جيجي واقفة مكانها، عينيها مبرقة بصدمة وذهول تام، كأن حد دلق عليها مية ساقعة. بلعت ريقها بصعوبة وحاولت تنطق، بس آسر ماداهاش فرصة؛ ملامحه رجعت لبرودها القاتل وهيبتها المعتادة، وبص لها بنظرة حادة خلتها تتراجع خطوة لورا وهو بيقول بصوت منخفض ورخيم: —“جيجي.. كلامي انتهى، اتفضلي على أوضتك.. ومش عايز أكرر تنبيهي تاني عن السرية.” جيجي هزت راسها بسرعة وخوف: “حاضر.. حاضر يا أبيه.” وخرجت تجري وهي قلبها بيدق من المفاجأة،

وبتقول لنفسها بجنون: “أبيه آسر معجب بهنا؟! يا نهار أبيض.. دي لو آيتن عرفت هتموت فيها! دخلت جيجي أوضتها وقفلت الباب، وفضلت تلف حوالين نفسها بفضول وتوتر.. الفضول كان هياكلها وعايزة تفهم آسر بيفكر في إيه. فجأة لمعت فكرة في دماغها وقالت بابتسامة: “بس.. مفيش غيره اللي هيجيب لي قرار أبيه آسر.. عمر! طلعت تليفونها ورنت على عمر وهي متوترة، لأنها أصلاً معجبة بيه في السر وقلبها بيدق كل ما تفتكر اسمه.

في الناحية التانية، عمر كان قاعد في بيته سهران، وفجأة تليفون رن.. بص على الشاشة ولما لقى اسمها، عينيه وسعت بذهول وفتح الخط فوراً وهو مش مصدق وقال بخفة دمه المعتادة وبضحكة: —“يا نهار أبيض! أنا مش مصدق عيني.. الشاشة منورة باسم جيجي الحديدي بنفسها؟ في إيه؟ الدنيا جرى فيها إيه يا جدعان؟ ”📖✏️ جيجي ضحكت برقة وكسوف وقالت له بدلال: —“همم.. دايماً كلامك كده وبتاخد كل حاجة بهزار.. أنا كنت عايزة أسألك في حاجة مهمة قوي يا عمر.”

عمر عدل قعدته وابتسم: “تحت أمرك طبعاً يا جيجي هانم، رقبتي ليكي.. اتفضلي.” تنهدت جيجي بكسوف وقالت بفضول: “أنا عايزة أعرف إيه علاقة هنا بأبيه آسر؟ عمر أول ما سمع السؤال، صوته اتغير وضحك بصوت عالي: —“أخيرًا! أخيرًا حد شك في الموضوع ده زي ما أنا شاكك! جيجي شهقت بلهفة: “يعني أنت كمان شاكك إن في حاجة بينهم؟!

عمر بتفكير: “مش لدرجة إن في حاجة بينهم بالمعنى ده.. بس تقدري تقولي إن آسر مهتم بيها شوية.. يعني الموضوع فيه ‘إنّ’.. كان ممكن أصلاً يخرجها بره اللعبة دي كلها ويمشيها من الشركة عشان يحمي نفسه، لكن هو صمم يحميها وعايزها تفضل معاه، وفي نفس الوقت مش معترف بكل ده أصلاً! بس أنا حاسس إن في حاجة متغيرة.. آسر عمره في حياته ما تعامل مع واحدة بالطريقة دي! جيجي حطت إيدها

على بوقها بصدمة وفرحة: “أنا كمان لسه مكلمة أبيه حالا، ولمحت له عليها، وحسيت من كلامه ونظراته إنه معجب بيها فعلاً! أنا حاسة إني عايزة أعمل حاجة أكشفه بيها.. عايزاه يحس ويقنع إن هو فعلاً معجب بيها وميقاوحش! عمر بلهفة وحماس: “وأنا كمان والله نفسي أشوف آسر الحديدي واقع ودايب ومستسلم! قولي لي هتعملي إيه؟ جيجي بابتسامة مكر: “خلاص.. أنا هفكر في فكرة وخطة مظبوطة، وأبقى أرد عليك.”

عمر بضحك واهتمام مبطن: “يا ريت.. يا ريت تردي عليا في أقرب وقت، أنا مستني على نار! جيجي وشها احمر من طريقته المترقبة وقالت بكسوف: “خلاص يا عمر.. يلا باي.” عمر بنبرة دافية وخفيفة: “تصبحي على ألف خير يا جيجي.” قفلت جيجي السكة وهي طايرة من الفرحة، مش بس عشان كشفت سر آسر، لأ، وعشان كلام عمر اللي دايماً بيخطف قلبها! في نفس اللحظة.. في جناح آسر.

أول ما الباب اتقفل، آسر طلع تليفونه من جيب بنطلونه، وبص في الساعة.. كانت تمانية بالليل. تنهد تنهيدة طويلة مفيش حد بيشوفها منه أبداً، وضغط على رقم “هنا”. في شقة آل الشناوي.. وتحديداً في أوضة هنا. كانت قاعدة على السرير، ماسكة تليفونها في إيدها، وعينيها مش بتفارق الشاشة. التوتر كان بياكلها، وكل ما تفتكر دقة قلبها الغريبة في العربية وشها يسخن من الكسوف. وفجأة.. الشاشة نورت، واسم “مستر آسر الحديدي” ظهر يرتجف بين إيدها.

أخدت نفس عميق، وحاولت تضبط نبرة صوتها عشان تبان عملية وهادية، وفتحت الخط: —“ألو.. السلام عليكم يا فندم.” جاءها صوته الرصين، الهادي، واللي فيه نبرة اهتمام خفيفة هزت كيانها: —“وعليكم السلام يا هنا.. طمنيني عليكي، بقيتي أحسن دلوقتي؟ وأعصابك هديت شوية؟ هنا ابتسمت تلقائياً وصوتها رِق من غير ما تحس: —“الحمد لله يا فندم، أحسن بكتير.. وعملت زي ما حضرتك قلت لي بالظبط مع بابا وماما، والحمد لله صدقوا الموضوع ومفيش أي قلق.”

آسر: “تمام.. ده أهم حاجة عندي. دلوقتي بقى يا هنا، عايزك تفتحي اللاب توب، وتدخلي على السيرفر المشفر الجديد اللي عمر بعت لك اللينك بتاعه من ساعة.. الوفد الألماني باعت تعديلات جديدة على بنود العقد السرية، وعايزك تترجميها وتجهزيها وترهقي نفسك فيها شوية بتركيز، لأن الميتنج بتاعنا معاهم هيكون بعد بكرة الصبح في أوتيل (…) زي ما اتفقنا.”

هنا بلهفة وشغف للشغل: “حاضر يا فندم، هبدأ فيها حالا، وركز في كل تفصيلة، ومش هنام إلا وهي جاهزة ومظبوطة على إيميل حضرتك.” آسر ابتسم بخفة على عفوية كلامها وقال بصوت دافي: —“ما تتعبيش نفسك زيادة عن اللزوم يا هنا.. خدي وقتك. تصبحي على خير.” هنا بكسوف: “وحضرتك من أهله يا فندم.” في نفس التوقيت بالليل.. في قصر الوزير عادل الراوي.

كان عادل قاعد على السفرة الفخمة، وبنته آيتن قاعدة جنبه بتلعب في الأكل بملل وغيظ. فجأة، تليفون عادل رن، وبص على الشاشة وابتسم ابتسامة مكر عريضة وشاور لآيتن تسكت: —“أهو.. شريف الحديدي بيتصل بنفسه.. مش قولتلك هييجوا راكعين؟ عادل فتح الخط ورسم نبرة الترحيب الدبلوماسية: “أهلاً يا شريف يا حبيبي.. عاش من سمع صوتك، لعله خير؟ جاءه صوت شريف الحديدي من الناحية التانية، هادي وراسي جداً:📖✏️

—“أهلاً بيك يا سيادة الوزير.. الخير عندك يا رب. أنا كنت بكلمك بخصوص الموضوع اللي كنا فتحناه.. آسر الحمد لله خلص الجزء الأكبر من ضغط الشغل، وهو بنفسه اللي طلب مني نحدد ميعاد ونيجي نقعد معاك.. فكنت حابب أشوف ميعاد مناسب.” عادل الراوي ضيق عينيه بانتصار وغرور قاتل، وبص لبنته وقال لشريف بثقة: —“تنوروا يا شريف.. خلاص، مستنيكم بكرة بالليل على العشاء عندي في القصر، ونقعد براحتنا ونرتب كل حاجة.”

قفل عادل السكة، وآيتن وشها نور بضحكة خبيثة وقربت من أبوها بفرحة عارمة: “بابي! أنا مش مصدق! آسر هو اللي طلب ييجي؟! عادل نفخ دخان سيجاره وقال بغرور أعمى: “أمال إيه؟ قولتلك لما يلاقوا شغلهم بيقع، نفوذي هو اللي هيحميهم.. اجهزي يا عروسة، بكرة آسر الحديدي هيبقى هنا! تاني يوم الصبح.. الساعة تمانية تماماً. كان آسر قاعد في مكتبه الصغير في الجناح بتاعه، بيشرب قهوته بتركيز، وفجأة تليفونه رن.. بص على الشاشة، ولقى اسم “هنا”.

فتح الخط فوراً: —“صباح الخير يا هنا.” جاءه صوتها هادئًا، لكنه يحمل توترًا واضحًا: —“صباح الخير يا فندم… أنا آسفة إني اتصلت بدري، بس في حاجة مهمة جدًا، وحسيت إن مينفعش أستنى لحد ما أوصل الشركة.” اعتدل آسر في جلسته، واختفت ملامح الهدوء من وجهه: —“خير… حصل حاجة؟ أخذت هنا نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ حديثها:

—“بعد ما قفلنا امبارح، فضلت أراجع الملفات اللي وصلت من الوفد الألماني. وأنا بقارن النسخ الجديدة بالقديمة، لفت نظري رقم مرجعي بيتكرر في أكتر من ملف، مع إن المفروض كل شركة ليها بيانات مختلفة.. بدأت أتتبع الرقم ده، وكل مرة كان يوصلني لشركة أجنبية صغيرة. في الأول افتكرت إنها هي اللي ورا الاختراق، لكن كل ما دورت أكتر حسيت إن الموضوع مش منطقي.” رفع آسر حاجبه باهتمام: —“ليه؟

—“لأن الشركة دي بتظهر كأنها محطة عبور وبعدين كل البيانات بتختفي بعدها. مفيش أي نشاط حقيقي يبرر حجم التحويلات اللي مرتبطة بيها… كأن حد مستخدمها واجهة يخفي وراها الطريق الحقيقي.” قام آسر من مكانه واتجه ناحية النافذة، وعيناه شاردتان في كلماتها: —“معاكِ أي دليل مباشر يربط الشركة دي بحد؟ هزت هنا رأسها أمام الهاتف:

—“لأ يا فندم… وعلشان كده كلمت حضرتك. أنا معايا خيط مهم، لكن مقدرش أقول إنه دليل. ولو استعجلنا الاستنتاج ممكن نضيع الحقيقة.” ساد الصمت لثوانٍ.. ثم ارتسمت على شفتي آسر ابتسامة خفيفة لم يشعر بها، فأكمل بهدوء: —“أغلب الناس أول ما تلاقي خيط تفتكر إنها وصلت للحقيقة… لكن إنتِ عرفتي إمتى توقفي. ودي ميزة مش موجودة عند أي حد.” شعرت هنا بفخر حقيقي، لكنها حاولت تخفيه: —“أنا بس كنت خايفة آخد قرار غلط.” رد بثقة:

—“وده خلاكي تاخدي القرار الصح.. الموضوع ده مينفعش نتكلم فيه على التليفون.” —“أؤمر يا فندم.” —“تقدري تكوني بعد ساعة في الكافيه اللي على النيل؟ —“أيوه… أقدر.” —“خدي اللابتوب، وكل الملاحظات اللي كتبتيها بإيدك. ومتبعتيش أي ملف على الإيميل أو أي وسيلة تانية لحد ما نتقابل.” —“حاضر يا فندم.” وقبل أن تنهي المكالمة، قال بنبرة أكثر هدوءًا: —“ومتتحركيش لوحدك لو تقدري… لحد ما أفهم إحنا واقفين قدام إيه.”

توقفت هنا لثانية.. لم تكن الجملة رومانسية، لكنها حملت قدرًا من الاهتمام لم تعتد أن تسمعه منه، فابتسمت دون أن تشعر: —“حاضر… هستنى حضرتك.” —“تمام… أشوفك بعد ساعة.” أغلقت هنا الهاتف، وظلت تنظر إلى شاشته للحظات. رغم أن المكالمة كلها كانت عن العمل، إلا أن شيئًا بداخلها أخبرها أن نظرة آسر إليها بدأت تتغير… بهدوء، ومن غير أن يعترف هو بذلك حتى لنفسه. بعد ساعة…

كان الكافيه المطل على النيل هادئًا على غير عادته، وصوت الموج الخفيف مع نسمات الهوا عاملين حالة من السكون. وصلت هنا قبل الموعد بدقائق، وجلست في ركن بعيد عن الزحام. وضعت اللابتوب أمامها، وأخرجت الأوراق التي دونت فيها ملاحظاتها بخط يدها، وكل دقيقة كانت تنظر إلى الساعة في توتر. وفجأة… توقف ظل طويل بجوار الطاولة. رفعت رأسها بسرعة.

كان آسر يقف أمامها بكامل هيبته، مرتديًا قميصًا أسود وبنطالًا رماديًا، وملامحه الهادئة المعتادة تخفي كل ما يدور في رأسه. ابتسمت هنا ابتسامة خفيفة وهي تقف باحترام: —“صباح الخير يا فندم.” أومأ لها برأسه وجلس في المقعد المقابل: —“صباح الخير… آسف لو خليتك تستني.” —“أبدًا يا فندم، أنا لسه واصلة.” وقعت عيناه على الأوراق المنتشرة أمامها: —“واضح إنك اشتغلتي طول الليل.” ابتسمت بخجل: —“مكنتش هعرف أنام قبل ما أفهم اللي قدامي.”

نظر إليها للحظة، ثم قال بهدوء: —“وده اللي كنت متوقعه منك.” لم تعلق هنا، لكنها شعرت بفخر داخلي لم تستطع إخفاءه. مد آسر يده ناحية اللابتوب: —“وريني.” فتحت هنا الملفات، وبدأت تشرح بهدوء: —“بص يا فندم… الرقم المرجعي ده اتكرر في أكتر من عقد، رغم إن الشركات مختلفة. ولما تتبعته، كل المسارات بتوصل للشركة الأجنبية دي.” اقترب آسر قليلًا من الشاشة، وبدأ يراجع البيانات بعين خبيرة. ظل صامتًا لدقائق، ثم قال: —“إنتِ وقفتي هنا.”

رفعت هنا عينيها إليه باستغرب: —“أيوه… لأن أي خطوة بعد كده هتبقى مجرد توقع.” ابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت: —“وده سبب إنك مكلمتني.” هزت رأسها:📖✏️ —“أنا مقدرش أبني اتهام على احتمال.” أخذ آسر نفسًا عميقًا، ثم بدأ يتحرك بين الملفات بسرعة. ضغط على أكثر من ملف، ثم فتح تقريرًا قديمًا كان محفوظًا على جهازه، وبدأ يقارن بين البيانات. وفجأة… توقفت أصابعه. نظر إلى هنا، ثم إلى الشاشة مرة أخرى، وقال بصوت منخفض: —“أنتِ كنتِ صح.”

انعقد حاجباها: —“يعني؟ لف الشاشة نحوها: —“الشركة الأجنبية دي مجرد واجهة. لكنها مش النهاية… دي نقطة عبور.” وأشار إلى مجموعة تحويلات قديمة: —“بصي هنا… كل مرة الأموال أو البيانات تعدي من الشركة دي، بعدها تختفي في شبكة شركات تانية.. الحساب ده بيصب في النهاية لصالح مجموعة شركات (عادل الراوي) ، بس بشكل مستتر تماماً.” تابعت هنا الأرقام بعناية، ثم اتسعت عيناها: —“يعني فيه حد عامل سلسلة كاملة علشان يخفي المصدر الحقيقي!

نظر إليها بإعجاب واضح هذه المرة: —“بالضبط.” ساد الصمت بينهما للحظات، ثم قال آسر وهو يغلق اللابتوب: —“عارفة أكتر حاجة عجبتني في اللي عملتيه؟ هزت رأسها بالنفي، فتابع وعيناه في عينيها: —“إنك ما حاولتيش تثبتي إنك بطلة. وقفتي عند أول خيط، وسيبتي الباقي للتحقق.” ابتسمت هنا بخجل: —“كنت خايفة أغلط.” رد بهدوء وثقة: —“اللي بيخاف من الغلط… هو أقل واحد بيغلط.”

لأول مرة منذ بدأت العمل معه، شعرت هنا أن آسر لا ينظر إليها كموظفة جديدة… بل كشخص يعتمد عليه، كشريك في المهمة. أما آسر… فكان ينظر إليها بطريقة مختلفة هو نفسه لم ينتبه لها بعد. أغلق اللابتوب، ثم قال بنبرة حاسمة: —“من النهارده… أي حاجة تكتشفيها، مهما كانت صغيرة، متناقشيهاش مع أي حد غيري. واضح إن اللي قدامنا أكبر بكتير مما كنا متخيلين.” أومأت هنا بثقة: “حاضر يا فندم.” وقف آسر من مكانه، ثم نظر إليها للحظة قبل أن يقول:

—“وياريت… متسهرِيش كل ليلة بالشكل ده.” رفعت رأسها إليه باستغراب، فابتسم ابتسامة خفيفة، سرعان ما اختفت: —“هنحتاج تركيزك الفترة الجاية.” ابتسمت هنا دون أن تشعر: —“إن شاء الله أكون قد الثقة دي.” أومأ برأسه، ثم غادرا الكافيه، وكل واحد منهما يحمل في داخله شعورًا مختلفًا… لكنهما اتفقا على شيء واحد: المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. الساعة عشرة بالليل.. قصر الوزير عادل الراوي.

الأنوار كانت ساطعة، والمكان متجهز بأفخم عشاء ضيافة. آيتن كانت واقفة قدام المراية، لابسة فستان سواريه أحمر ناري، وشها ينطق بالفرحة والانتصار الأعمى. كانت بتقول لنفسها بغرور: “أخيراً يا آسر.. جيت برجليك، وعرفت إن مفيش حد يقدر يقف جنبك في أزمتك غيري أنا وبابي”.

انفتح الباب، ودخل آسر الحديدي ووراه والده شريف. آسر كان لابس بدلة سوداء كاملة، ملامحه كانت خالية من أي تعبير.. بارد، قاسي، وغامض لدرجة تقلق، ومفيش أي أثر على وشه للشخص الهادي اللي كان قاعد مع هنا الصبح في الكافيه. عادل الراوي استقبلهم بضحكة عريضة: “منورين يا شريف.. منور يا آسر يا بني، ألف سلامة على دروب الشغل اللي سمعنا عنها، أزمة وتعدي طبعاً بنفوذنا وإحنا موجودين في الظهر دايماً.”

شريف الحديدي ابتسم ابتسامة مجاملة غامضة، وقعدوا. نزلت آيتن بكل دلال وقعدت في الكرسي المواجه لآسر وهي بتبتسم له بنظرات انتصار: “منور يا آسر.. وحشتني.” آسر لف وشه ليها ببطء، وبص في عينيها بنظرة باردة خلت الفرحة تتجمد في عروقها.. نظرة مبهمة ومليانة توتر خلت آيتن تبلع ريقها بقلق وتبص لأبوها. آسر شبك صوابعه ومال لقدام، وبص لعادل الراوي وقال بنبرة صوت واطية وراسية:

—“منور بوجودك يا سيادة الوزير.. الشغل مفيش فيه أزمات ولا حاجة، آل الحديدي طول عمرهم رجليهم ثابتة في السوق.” عادل الراوي ضيق عينيه بذكاء لئيم، وحب يضغط عليه بخبث: “طبعاً يا بني محدش يشك في كده.. بس الإشاعات اللي طالعة عن تسريب ملفات والشرطة اللي كانت في شركتك الصبح تخلي الواحد يقلق على مستقبل الشغل.. ودمج الشركات وتحديد ميعاد خطوبتك أنت وآيتن الليلة، هيكون صمام أمان لاسمك في السوق.”

آسر ارتسمت على شفايفه ابتسامة جانبية خفيفة جداً ومستفزة، وبص لعادل وعينيه بتلمع بتحدي مرعب كأنه بيقول له (أنا كاشفك) —“الخطوبة دي خطوة مهمة يا سيادة الوزير.. بس أنا مبحبش أربط بيتي وحياتي الشخصية بظروف الشغل.. والشرطة اللي كانت عندي الصبح، دي كانت مجرد حركة ‘تطهير’ عادية بنعملها كل فترة.. لأن في ناس مفكرة إنها ممكن توقّعني، بس الحقيقة إنهم هم اللي بيقعوا من غير ما يحسوا.. والأيام الجاية هتكشف حاجات كتير مكنتش واضحة.”

أول ما آسر نطق الجملة دي، نزل إحساس مفاجئ بالتوتر وخيبة الأمل المكتومة على عادل الراوي. عادل جسمه تيبد وحس إن نبرة آسر مش نبرة واحد مكسور أو جاي يطلب حماية، بالعكس، البرود والثقة اللي بيتكلم بيها وعينيه الموجهة له مباشرة خلت عادل يحس برعب خفي، وآيتن فرحتها انطفت تماماً وظهر على وشها حيرة وضيق قاتل من بروده الغامض. آسر وقف بكل طوله وهيبته، وعدل جاكيت بدلته وقال بهدوء:

—“أنا سعيد بالزيارة دي والعشاء الجميل ده يا سيادة الوزير.. وإن شاء الله الأيام الجاية ترتب كل حاجة في مكانها المظبوط.. يلا بينا يا بابا عشان ورانا شغل بدري الصبح.” سابهم آسر في حيرتهم وتوترهم وقاتل صدمتهم الخفية، وخرج بخطوات واثقة وجنب والده، وساب وراه علامات استفهام مرعبة بدأت تلتهم غرور عادل الراوي وبنته! بمجرد ما خرجوا من بوابة القصر الكبيرة وركبوا العربية، ساد الصمت للحظات وصوت المحرك بيشتغل.

وهو راكب العربية، شريف لف وشه وبص لابنه بفضول وتساؤل وقال له: —“إيه رأيك؟ آسر رد وعينيه مثبتة على الطريق قدامه ببرود تام: —“هو وقع.” شريف استغرب وعقد حواجبه: —“مين؟ آسر لف وشه وبص من الشباك على أنوار الشوارع المتحركة، وقال بنبرة هادية بس مليانة ثقة ويقين: —“اللي بيتوتر قبل ما يتهم… بيكون عنده حاجة يخاف عليها.”

شريف ابتسم بهدوء وفهم إن آسر مش بس كشف اللعبة، لأ.. ده بدأ يتدير ليها صح وبنفس طريقة تفكير “هنا” الذكية اللي وثق فيها الصبح. وفي نفس الوقت ده جوه القصر.. آيتن لفت لباباها وعينيها مبرقة بحيرة وغيظ، وصوتها طلع مخنوق: —“إيه ده يا بابي؟ إيه اللي هو بيقوله ده؟ ده حتى ما طلبنيش للجواز! أمال هو كان جاي ليه يا بابا؟ أنا مش فاهمة أي حاجة.. شوفت الثقة اللي بيتكلم بيها؟ أنت مش قلت لي إن هو هييجي راكع؟

ده ما اتكلمش في أي حاجة.. أنا مش فاهمة هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟! عادل الراوي وشه كان مقلوب، وعينيه عمالة تروح وتيجي بتوتر، زعق فيها بحدة مكتومة: —“بس يا آيتن! اسكتي دلوقتي خالص.. الظاهر كده إن اللي أنا كنت مفكره حاجة خفيفة، واستهونت بيه زيادة عن اللزوم.. بس آسر طلع ذكي جداً، آسر جه هنا لحد عندي، لحد بيتي، عشان يوصل لي رسالة معينة.. والرسالة دي وصلت! آيتن عقدت حواجبها بذهول: “رسالة إيه؟

أنا مش فاهمة حاجة.. هو آسر شك فينا؟! عادل الراوي جز على سنانه بغضب خفي: “حتى ولو شك.. مش هيلحق يثبت حاجة. اطلعي أنتِ فوق دلوقتي، وأنا هقفل على نفسي في مكتبي ومحدش يدخل عليا! آيتن برطمت بطفولية وغيظ: “طب بس ده ما طلبنيش للجواز يا بابي..” بص لها عادل بنظرة حادة ومرعبة وصوته علي: —“بقولك اطلعي يا آيتن دلوقتي! أنا مش فاضي للكلام الفارغ بتاعك ده! شركتي ممكن تتسحب وكل حاجة ممكن تضيع مني، وأنتِ بكل بساطة بتكلميني في جواز؟

قولتلك اطلعي! ”📖✏️ نفخت آيتن بغيظ شديد، ورزعت رجليها في الأرض وهي طالعة السلم بسرعة، ودخلت أوضتها وقفت الباب وراها بعنف. مسكت تليفونها ورنت على صاحبتها الأنتيم “شاهي”، وأول ما ردت قالت بلهفة وعصبية: —“الحقيني يا شاهي.. أنا هفرقع! شاهي بقلق: “في إيه يا بنتي؟ مش المفروض آسر عندكوا والخطوبة بتتحدد؟ بدأت آيتن تحكي لها كل اللي حصل بمرارة وغيظ، وشاهي كانت بتسمعها بهدوء وتركيز، ولما آيتن سكتت، شاهي قالت بنبرة شك:

—“همم.. طب آيتن، هو أنتِ متأكدة إن مفيش حد في حياة آسر؟ آيتن اتعصبت: “إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ أنتِ اتجننتي يا شاهي؟! مفيش حد في حياة آسر، ولو هيكون في حد.. هيبقى أنا طبعاً! شاهي بتفكير: “يا بنتي افهمي، ممكن يكون آسر بيعمل كل ده مش بس عشان الشغل.. ممكن يكون في حد تاني مخليه مش شايفك.. هي البنت اللي اسمها هنا دي، بعد ما اتقبض عليها راحت فين؟ لفت آيتن عينيها بملل وسخرية: “أكيد غارت في ستين داهية يعني! هتكون راحت فين؟

شاهي: “طيب.. أنتِ ممكن برضه تشوفيها أو تجيبي معلومات عنها، يمكن تكون لسه على تواصل معاه وأنتِ مش دريانة.” آيتن صرخت باستهزاء: “تواصل مع مين؟ ده حتة بنت بيئة وجربوعة، يا دوبك كانت شغالة سكرتيرة! شاهي ردت بذكاء: “ولو هي سكرتيرة وجربوعة يا آيتن، أنتِ كنتِ عاملة كل المشاكل دي عليها ليه؟ وكنتِ غيرانة منها كده ليه؟ وش آيتن جاب ألوان وقالت بعند وكبرياء: “أنا مكنتش غيرانة ولا حاجة يا شاهي!

أنا بس كنت حاسة إن البنت دي واخدة أكتر من حجمها في الشركة مش أكتر.” شاهي تنهدت: “عموماً يا آيتن.. أنا قلت لك اللي عندي، وفكري في كلامي.” قفلت آيتن السكة مع شاهي، والكلام بدأ يلعب في دماغها ويزرع الشك والغل في قلبها. قعدت على السرير وعينيها بتطق شرار، وطلعت رقم الموظف الخاين اللي بيساعدها جوه شركة آسر، واتصلت بيه فوراً. الموظف رد بصوت واطي وخايف: “أيوة يا آيتن هانم..”

آيتن بحسم وأمر: “أنا عايزة ملف هنا الشناوي بالكامل يكون عندي.” الموظف برعب: “بس يا فندم آسر بيه حاطط طارق دلوقتي في الشركة، ومحدش عارف يدخل ولا يخرج براحته، والأجهزة كلها تحت المراقبة! آيتن جزت على سنانها وزعقت بصوت واطي وصارم: —“تصرف! تصرف وهاتهولي.. ألاقيه الصبح مبعوتلي على الموبايل، أنت فاهم ولا لأ؟!

أول ما آيتن قفلت السكة في وشه، الموظف نزل التليفون وإيده بتترعش والكلابشات كأنها بتلف حوالين رقبته. لف وشه وبص ناحية الممر المؤدي لمكتب طارق —المساعد والذراع اليمين لآسر —وبلع ريقه برعب وقاتل خوف، وقال لنفسه بصوت مبحوح ومهزوز: “يا نهار أسود.. طارق مبيفوتش الهوا في الشركة، وآسر بيه لو كشفني المرة دي.. مش هيرحمني وهروح في داهية!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...