الفصل 12 | من 12 فصل

الفصل الثاني عشر

المشاهدات
1
كلمة
1,546
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية بين النفوذ والقلب الجزء الثاني عشر 12 بقلم نسرين نادر بين النفوذ والقلبرواية بين النفوذ والقلب الحلقة الثانية عشر حرب الأقنعة وكبرياء النفوذ صلي على النبي ي سكر ❤ خرجت هنا من المرحاض وهي تأخذ نفساً عميقاً، ملامحها هادئة تماماً بعد أن نجحت في رسم قناع البرود الاحترافي على وجهها. قررت في تلك اللحظة أن تضع حداً لقلبها؛ هي مجرد موظفة في الشركة، وحياته الشخصية لا تعنيها.

في القاعة، كان آسر يقف وسط الهمسات وعيناه تدوران في المكان بحدة وتشتت بعد إعلان أيتن المفاجئ. كان هناك جزء بداخله يرفض ما فعلته أيتن، وجزء آخر يكابر ويرفض أن يظهر أمام الجميع بمظهر المتفاجئ أو الضعيف. ولمح بطرف عينه هنا وهي تتجه نحو بوابات الخروج برفقة عائلتها. تحرك آسر بخطوات سريعة ووقورة لحق بها عند الممر المؤدي للخارج، وخرجت جيجي وراءه بسرعة وهي تراقب الموقف بقلق. “آنسة هنا.”

صوت آسر الهادئ جعل والدي هنا يلتفتان، وتوقفت هنا، ثم أدارت وجهها إليه ببطء وثبات تام. التفت والد هنا بابتسامة وقار وبارك لآسر قائلاً بنبرة طيبة: ✏️📖 “ألف مبروك يا ابني، ربنا يتمم لك على خير.. خطوة مباركة.” آسر نظر لوالدها ثم نقل نظرته سريعاً إلى هنا، كانت عيناه تحملان حيرة واضحة وتساؤلاً مخفياً، لكن كبرياءه كرجل أعمال ذي نفوذ جعله يرسم ابتسامة عمليّة مجاملة وهو يرد على والدها:

“الله يبارك فيك يا عمي، تسلم.. متشكر جداً.” ثم التفت إلى هنا، وابتلعت هنا الغصة التي في حلقها وحافظت على نظرتها الجافة. قال آسر بنبرته الرسمية المعتادة لكن بنبرة أبطأ قليلاً: “آنسة هنا، كنت عايز أتكلم معاكي بخصوص الشغل.. في نقطة في تقرير الحفلة كنا محتاجين نراجعها.” كانت جيجي تقف على بعد خطوات، تتابع حيرته ومكابرته وهو يهرب بالكلام نحو العمل، وتهمس في نفسها بأسف على حالهما.

لم تتردد هنا، بل رفعت رأسها بثقة وقالت بصوت عملي، نبرته خالية تماماً من أي عتاب أو انكسار: “أكيد يا فندم.. لو بخصوص الشغل، فـ إن شاء الله هبعت لحضرتك كل التقارير والملفات الخاصة بالتوقيع النهارده على الإيميل، وكل حاجة هتكون جاهزة على مكتبك الصبح إن شاء الله.” هز آسر رأسه بخفة، منتظراً منها أي رد فعل آخر أو لمحة ضيق، لكن هنا فاجأته بابتسامة رسمية باردة وتابعت:

“وبعد إذنك طبعاً عشان ما نتأخرش على حضرتك، والناس بره مستنية تبارك لك.. مبروك مرة ثانية يا فندم. عن إذنك.” التفتت هنا وسارت بجانب والديها متجهة للخارج بكامل رقيها، بينما وقفت جيجي بجانب أخيها وهي تنظر إليه بأسف وعتاب صامت. أما آسر، فظل واقفاً مكانه، ينظر إلى أثرها وعقله مشتعل بالحيرة؛ برودها الاحترافي هذا استفز كبرياءه بشدة، وجعله يشعر لأول مرة أن خلف هذا الهدوء حرباً خفية قد بدأت بالفعل.

التفت آسر بجسده وعيناه ما زالتا معلقتين بالفراغ الذي تركته هنا خلفها، يشعر بالاختناق يزحف إلى صدره، لكنه لم يكد يستوعب الموقف حتى وجد أيتن تقترب منه بضحكة رنانة مصطنعة، وخلفها حشد من الصحفيين والمصورين الذين استأجرتهم خصيصاً لهذه اللحظة. تأبطت أيتن ذراعه مرة أخرى أمام الكاميرات، وقالت بنبرة عالية مبهجة: “ممكن يا جماعة تاخدوا لقطة واضحة لينا هنا؟

آسر.. ابتسم عشان الصورة دي هتكون الصفحة الرئيسية للمجلة الأسبوع الجاي، الخبر لازم يكسر الدنيا! توالت ومضات الكاميرات بلا توقف، بينما وقف آسر كتمثال من الجليد، يخفي خلف هدوئه عاصفة تكاد تطيح بكل ما حوله. كان يشعر برغبة عارمة في الفتك بها وفي تحطيم تلك العدسات التي تحاصره، لكن كبرياءه منعه من إظهار أي ضعف، وجعله يضغط على فكه بقوة ويجبر شفتيه على رسم ابتسامة عمليّة باردة كالثلج أمام الكاميرات.

مال آسر برأسه قليلاً نحو أيتن، وبنبرة منخفضة للغاية، أشبه بـ فحيح الأفعى الحارق الذي لا يسمعه غيرها، قال من بين أسنانها الأفخاذ المثبتة على الابتسامة: “الحساب بيننا مش هنا يا أيتن.. والخطوبة اللي أنتِ فرحانة بيها دي مش هتتم، ولو تمت هتبقى بأمر مني أنا.. مش بلعَبِك دي.”

سرى تيار من التوتر في جسد أيتن، واهتزت ابتسامتها لثانية أمام نبرته المرعبة التي هزت ثقتها، لكنها استجمعت شجاعتها سريعاً، وربتت على صدره بدلال أمام المصورين وهي تهمس له بنفس النبرة الخافتة: “ده اللي كان لازم يحصل من الأول يا آسر، وده اللي عائلاتنا متفقة عليه.. النفوذ مكانه مع النفوذ، ولازم تقبل الأمر الواقع.”

التقط المصورون اللقطة الأخيرة، بينما كان عمر يتابع من بعيد وعيناه تتسع بقلق، يرى بوضوح كيف يتماسك آسر بصعوبة أمام الجميع، وكيف أن هذه الصور ستكون القنبلة التي ستفجر كل شيء في الصباح. وفي تلك الأثناء، كانت هنا قد دلفت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بتعب شديد، وأسندت ظهرها عليه وكأنها تمنع العالم الخارجي من اقتحام عزلتها. أطلقت تنهيدة حارة محملة بوجع مكتوم، وتحركت بخطوات ثقيلة لتجلس على طرف فراشها.

لم تمر دقائق حتى اهتز هاتفها في حقيبتها يعلن عن اتصال من صديقتها المقربة “نسمة”. أخرجت الهاتف وتنهدت مجدداً تحاول استجماع ثبات صوتها قبل أن تجيب: ✏️📖 “أهلاً يا نسمة.. السلام عليكم.” جاءها صوت نسمة عبر الهاتف مذهولاً ومتسائلاً بلهفة: “وعليكم السلام يا بنتي.. إيه يا هنا اللي حصل ده؟ أنا لسه فاتحة السوشيال ميديا وشايفة أخبار نازلة زي المطر على النت! هو آسر الحديدي خطب أيتن الراوي بجد ولا دي إشاعات ماليين بيها الدنيا؟

ضغطت هنا على شفتيها بقوة، وحافظت على نبرة صوتها هادئة مستسلمة للأمر الواقع: “أيوه يا نسمة.. الخبر حقيقي فعلاً، أيتن أعلنت من شوية في وسط الحفلة إن خطوبتهم يوم الخميس الجاي.” صمتت نسمة لثوانٍ، لكنها كصديقة عمرها استطاعت أن تلمح النبرة المنطفئة والوجع المتداري وراء هدوء هنا، فقالت بتوجس وحنان: “طب وأنتِ يا هنا.. صوتك ماله؟ أنتِ زعلانة ليه ومتضايقة كدة؟ هنا شعرت بغصة في حلقها، ولم تكن قادرة على شرح ما تشعر به،

فقالت بتهرب ورجاء: “معلش يا نسمة.. أنا بجد تعبانة ومش قادرة أتكلم دلوقتي، ممكن تبقي تجيلي بكرة الشركة أو نقعد شوية مع بعض بعد الشغل؟ نسمة بنبرة قلقة لكن متفهمة: “آه طبعاً أكيد يا حبيبتي هجيلك.. بس طمنيني عليكي الأول، أنتِ كويسة؟ حاولت هنا أن تبتسم ابتسامة باهتة وقالت بثبات: “ما تقلقيش عليا، أنا كويسة جداً.. الحمد لله. أشوفك بكرة يا نسمة، مع السلامة.”

أغلقت الخط، ووضعت الهاتف بجوارها، ثم أسندت رأسها بين كفيها. أغمضت عينيها بقوة، لكنها فشلت في طرد صورة أيتن وهي تتشبث بذراع آسر أمام الجميع، ولا ابتسامته الهادئة التي واجه بها الكاميرات. عندها فقط ابتسمت بسخرية مريرة من نفسها وهمست: “أنا شكلي طلعت عبيطة قوي.. بقى أنا يا هنا أفكر بالطريقة دي؟

كنت مفكرة إن مجرد اهتمامه بيا عشان بساعده في الشغل وفي الصفقة، وعشان عرفت مين اللي كان عايز يهكر جهاز الشركة، يبقى معجب بيا وممكن يبص لي؟ مسحت دمعة متمردة فرت من عينها وتابعت بقسوة على قلبها: ✏️📖 “الظاهر إنه كان بيحترمني بس، وكان شايفني موظفة شاطرة وقادرة أساعده في الأزمة.. أنا اللي بالغت وعشت في الوهم، ومن النهارده مش هسمح لقلبي يسبق عقلي مرة تانية. لازم أصحى وأرجع لـ هنا الموظفة الجادة وبس.. هو فين وأنا فين؟

أيتن الراوي دي بنت الطبقة المخملية والنفوذ اللي يناسبه، إنما أنا.. أنا بنت الحاج عبد العظيم الشناوي، من الطبقة الوسطى.. ومكاني عمره ما هيكون في عالمهم.” وقفت هنا وحسمت أمرها، ودفنت مشاعرها الوليدة في تلك اللحظة، مقررة أن تدخل الشركة غداً بوجه جديد تماماً.. وجه لا يعرف الانكسار.

وعلى الجانب الآخر، انفضّت الحفلة وأخيراً غادر آخر الضيوف، ولم تبقَ سوى الهمسات المكتومة وجدران القاعة الفخمة تشهد على البركان الذي أوشك أن ينفجر. بمجرد أن أغلقت الأبواب، قبض آسر على معصم أيتن بقوة لم تؤذِها ولكنها جعلتها تتصلب في مكانها، وسحبها بخطوات عاصفة نحو مكتب جانبي في الفندق، ودفع الباب ليغلقه بعنف أحدث صدىً قوياً في أرجاء المكان. التفت إليها وعيناه تشتعلان بغضب حارق، وقال بصوت منخفض حاد كالسكين:

“أنتِ اتجننتي يا أيتن؟ أنتِ إزاي تعملي الحركة الرخيصة دي قدام الناس والإعلام وتحطيني تحت الأمر الواقع؟ رغم الرعب الذي سرى في أوصالها من نظراته، إلا أن كبرياء أيتن ونفوذ عائلتها جعلها ترفع رأسها وتتحدث بغلّ وتحدٍ: “وأنت ما اتجننتش يا آسر؟ لما تخلي حتة الموظفة اللي ما تسواش حاجة دي تيجي معاك المؤتمرات، وتسلّمها الصفقة الألمانية بنفسك؟ لا.. وكمان واقف بتقدمها للكل في الحفلة على أساس إنها السبب في النجاح ده كله!

أنت نسيت البنت دي عملت إيه؟ مش دي اللي المفروض هكّرت اللاب والشغل وضيعت مجهود الشركة كله؟ برزت عروق عنق آسر واقترب منها خطوة هددت ثباتها، وقال بـ فحيح مرعب: “ده شغلي أنا.. وأنا حر أديره بالطريقة اللي تعجبني! وبعدين هنا إنسانة محترمة وبني آدمة كويسة ومخلصة، وأنتِ مالكيش أي حق تتدخلي في شغلي.. ولا في حياتي الشخصية! صكت أيتن على أسنانها بوجع وغيرة أحرقت قلبها، وقالت بصوت حاد: “لأ ليا يا آسر!

أنت ناسي إننا من الأول المفروض هنتخطب والعائلتين متفقين على ده؟ كل اللي عملته النهارده إني حطيت النقط على الحروف ورجعت كل واحد لمكانه الطبيعي.. وبعدين ما تنساش نفسك والصفقة اللي أنت داخلها وكل النجاح اللي أنت فيه ده.. اللي أنت ما تعرفوش إن بابا جزء كبير قوي من الصفقة دي، وكلمة واحدة منه تقدر تهد كل اللي بنيته! تصلب جسد آسر تماماً، وضاق عيناه بنظرة قاتلة وهو يردد بعدم استيعاب وسخرية: “يعني إيه؟

وفي تلك اللحظة الحرجة وقبل أن تجيب أيتن، فُتح باب المكتب فجأة واندفع عمر إلى الداخل، ووجهه شاحب تماماً وعيناه زاغتان بقلق بالغ، وكان يمسك هاتفه بيده ويداه ترتجفان خفة، وقال مقاطعاً بصوت متوتر: “آسر!

.. الحق، المصيبة مابقتش مجرد كلام أيتن قالته في القاعة.. عيلة الراوي نزلوا بيان رسمي حالاً على كل المواقع الإخبارية بالخطوبة، ووالدك لسه مكلمني حالاً وصوته كان بيرعش.. بيقول لك إياك تعمل أي تصرف مجنون، لأن أسهم المجموعة في البورصة مربوطة بالصفقة دي وبالبيان اللي نزل ده!

تراجعت أيتن خطوة للخلف، وعادت الابتسامة المنتصرة الخبيثة ترتسم على وجهها وهي تنظر لآسر المتجمد مكانه، بينما شعر آسر وكأن الجدران تضيق عليه.. النفوذ يطوق عنقه من كل اتجاه، ويسحبه بعيداً عن قلبه رغماً عنه. وللمرة الأولى، أدرك آسر أن المعركة التي بدأت الليلة لن تكون مع عائلة الراوي فقط… بل مع قلبه أيضًا. هل هيختار آسر النفوذ والصفقة؟ ولا هيبدأ يتمرد على كل اللي مفروض عليه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...