مر أسبوع كامل بعد آخر لقاء بينهما، ولكن في كل مرة قلبها يرتجف خوفًا من أن تلاقيه ولو صدفة، فهي تتحاشى لقاءه.
لقد بدأت تنشغل به، وهذا ما يؤلمها لأنها قررت قبل المجيء إلى هنا أنها ستقفل باب قلبها ولن تسمح لأحد بالمرور داخله. ولكن قلبها كسر كل الحصون والقواعد وعاد يتمرد عليها. لقد فتح بابه من جديد، وعاد إليه النبض، بدأ يدق وبشدة، ولكن الدق مختلف عن المرة السابقة. إنه يكاد ينتزع من مكانه، لذلك قررت حور الابتعاد عن جاسر. أيوه جاسر، فهو احتل قلبها وكيانها وتسرب إلى الوريد، يمشي مع دمائها. ولكن متى وأين؟ لا تعلم.
لقد رأت الكره في عينيه وهو يخرج بالأمس من غرفة جدته. كانت حور ترتب الأزهار في مدخل القصر عندما رأته يخرج كالثور الهائج. اصطدم بباقة الورد وهو في طريقه، خرج ولم يعتذر. قالت حور في نفسها: "ياترى إيه اللي معصبه قوي كدا؟ وليه بيبص عليا بكره قوي كده؟ أنا مش عارفة أنا عملت إيه مخليه مش طايقني كده." للحظات قررت تلحق به وتطلب منه إيضاحًا، ولكنها خافت من تفجير غضبه وتلقي مزيدًا من الذل.
فقد قررت أن تكشف السر بدون مساعدة أحد. خطر ببالها أن تترك كل شيء وترجع القاهرة لحياتها وبيتها وغرفتها التي افتقدتها كثيرًا. ولكنها لا تريد الرجوع إلى هذا المشفى، لا تريد أن تلتقي بلادي، وكمان كلام والدتها وأنها سوف تذكرها كل يوم أنها خسرته وهي السبب وأنها تجلب المشاكل. لذلك قررت الرجوع عن قرارها والبقاء هنا بعيدة عن وجع الدماغ. قالت لنفسها: "أنا حشوف شغلي وماليش دعوة هو بيفكر فيا إزاي أو شايفني إزاي."
في اليوم التالي قررت تنزل القرية المجاورة تتفرج عليها، وتشتري بطاقات بريدية تبعتها لصديقتها ريم، فهي تعشق البطاقات بشدة. احتارت في الاختيار، فتدخل شاب يقف خلفها لمساعدتها، ومن ملابسه عرفت أنه ضيف هنا وليس من أهل البلد. وهو لاحظ أيضًا أنها غريبة عن البلد. فقال الشاب: "ممكن أساعدك تختاري؟ التفتت إليه وقالت: "شكرًا. أنا بس كنت محتارة أخد أنه وخلاص اخترت."
قال الشاب وهو يمد يده: "السلام. أنا اسمي عمار وجاي هنا إجازة عند أختي. جوز أختي من هنا." مدت يدها تسلم على الشاب: "أتشرف بمعرفتك. اسمي حور." قال: "أنتي قاعدة هنا في أي فندق؟ حور: "لا أنا قاعدة في قصر الأنصاري. وأنت؟ الشاب: "أنا قاعد في بيت أختي، هي وجوزها بيعيشوا هنا في مزرعة وصغيرة على أراضي عائلة الأنصاري."
عشرين مزرعة تقريبًا يستأجرها ناس زي جوز أختي يشتغلون فيها، وكلها ملك عائلة الأنصار، ويعملون في تجارة الماشية والخيول، وعندهم مصانع جلود وألبان ومصانع علف، وتقريبًا هم مشغلين نص البلد في أملاكهم. لاحظ الشاب أنه أثار فضولها، فابتسم ودعاها لتناول قهوة في أي مكان. حور: قبل أن تجيب فكرت قليلاً خوفًا من معرفة جاسر، ولكنها في النهاية وافقت.
وصلا إلى ساحة القرية وهما يتبادلان الحديث، ولكن عيون كل من بالقرية عليهم لأنهم مخالفون لعدات القرية. ذهبا إلى مطعم الفندق وجلسا حول طاولة قريبة من الباب، وبعد أن طلبا القهوة والحلويات. قال الشاب: "أنتي شغالة في قصر الأنصاري إيه؟ حور: "أنا دكتورة مدام فضيلة. أنت قاعد هنا قد إيه؟ قال الشاب: "تقريبًا شهر." الشاب لطيف، بس هل من المفترض أن تثق فيه بهذه السرعة؟ قال الشاب: "أنتي تعرفي أن السيدة فضيلة مليونيرة؟
حور: "بصراحة ما توقعتش أنها بالثراء الفاحش ده." قال: "هي تنازلت عن نص ثروتها لجاسر الأنصاري بعد موت والدته. هي كانت بتحب والدة جاسر قوي. ولكن بنتها التانية خرجتها من حياتها خالص لأن بنتها صممت أن تتجوز مهندس شغال عندهم في المصنع، والعيلة كلها اعترضت علشان هو طبعًا مش من مستواهم. ومن ساعتها وهم مخرجينها من حياتهم، وبنتهم عايشة في بيت بسيط في مزرعة على طرف البلد."
شردت حور في مدام فضيلة. كيف هي بتديها كل الفلوس دي من غير شغل؟ وحرمت بنتها من الميراث وسابها قاعدة في بيت بسيط جدًا وهي عايشة في قصر. فاقت من شرودها وقالت: "طيب ليه جاسر ما يساعدهاش؟ قال: "لا جاسر بيه حاول يساعدها كتير بس جوزها هو اللي بيرفض. بس هي بنتهم وحاسة أن من حقها تاخد جزء من الثروة دي علشان بنتها عاوزة تعيشها في مستوى أحسن."
أحست حور أنها اتسرعت وقبلت دعوة الغريب، لكن هي كانت بحاجة إلى صديق. لا منذ مجيئها من القاهرة وهي لم تتكلم مع أحد. رجعت حور القصر فور وصولها، أحست بحاجة غريبة. قبلت هنية. قالت حور: "في إيه يا خالة هنية اللي بيحصل؟ قالت هنية: "ما أعرفش، بس الوضع بيقول أنه في مصيبة كبيرة بتحصل. الحاجه طلبت المحامي ييجي هنا وقعدت معاه. افتكر أنها حتغير وصيتها."
قال حور: "مش معنى أن المحامي جالها يبقى حتغير وصيتها، يمكن عاوزاه في حاجة تانية." هنية: "لأ، كان جاسر بيه عندها عشية وكانت غضبانه منه وهددته وقالت له لو ما عملش اللي هي عاوزاه حتحرمه من كل حاجة. أنا ما قلتش حاجة يا بنتي، اياكي تقولي الحديث ده قدام حد. وبخصوص العقربتين داليا وأمها. لو سمعت الحاجة إني قلت حتقطع خبري." قالت حور بابتسامة: "متخافيش يا خالة مش حقول لحد خالص."
فكرت حور في تقديم استقالتها والاعتذار من الجدة أنها حتسيب الشغل. ولكن هي مالها ومال الوصية، أكيد الموضوع ما يخصهاش. نفضت كلام من دماغها. ودخلت لكي تطمئن على الجدة. تفاجأت حور بابتسامة الجدة المليئة بالحب، وكانت ترتدي ملابس أنيقة كالعادة، وتلبس إيشارب وعُلقت عليه بروش ذهبي مزين بالماس. أعجبت حور بأناقة الجدة وجمال البروش. قالت الجدة: "عجبك البروش ده من الماس؟ قالت: "بصراحة تحفة جدًا." قال
الجدة والدموع في عينيها: "كنا عاوزة أقدمه لبنتي أم جاسر. بس أنا بقدمهولك انتي. خديه هدية علشانك." صعقت حور من كلام الجدة واعترضت تمام ورفضت الهدية. قالت الجدة: "حور أنا ما بحبش حد يعترض على حاجة بقولها." قطعتها حور: "لا أنا مش ممكن أقبل حاجة زي كده." صاحت الجدة غاضبة: "أنا بأمرك تاخديه. ويلا تعالي اقريلي شوية." قالت حور: "مدام فضيلة أنا مستحيل أقبل حاجة منك زي كده." ورجعت حور البروش.
أخذت الجدة البروش وقالت: "أنا حعرف إزاي أخليكي تغيري رأيك وتاخدي. تعالي دلوقتي اقريلي شوية." أطاعتها حور وفكرها مشوش. صحيح البروش ده بالنسبة لكمية المجوهرات اللي عندها لا يمثل قيمة كبيرة، ولكنها تفهمت لماذا الإصرار على تقديمه لها. ليه ما عطتهوش داليا مثلًا، فداليا حفيدتها. ختم موقف مدام فضيلة معاها يخفي سرًا كبيرًا.
تذكرت فادي. هو السبب في كل ده، وكان العالم متفق ضدها. وهي عمرها ما اهتمت بالمكسب المادي، فهي من عائلة ثرية ولكن طبعًا ليس بثراء عائلة الأنصاري. ولكن لم تهتم يومًا للمال، عندها بطاقات ائتمان كثيرة ولم تستخدمها منذ قدومها هنا. هي كل ما تطلبه رجل يحبها بصدق. خرجت حور لتستنشق الهواء في الحديقة. تفاجأت بجاسر أمامها. أمسك يدها وأخذها لجانب
بعيد في الحديقة وقال بغضب: "هو أنا حقول كلم مرة تغيري لبسك ده ولا انتي معجبة بكل واحد بيبص عليكي؟ وآيه عرفك بعمار ومين سمحلك تخرجي برا باب القصر؟ أنا مش نبهت عليكي قلت لك طول ما انتي هنا مسؤولة مني. وانتي كل ما تشوفي راجل غريب تقعدي تشربي معاه القهوة عادي. انتي سهلة قوي كده وأنا معرفش." وقرب منها يلتقط شفتيها. طبعًا ما جتش عليا، على الأقل أنا أولى من الغريب. وفجأة رفعت حور يدها وهوّت على وجهه بعنف. استشاط غضبًا
وأمسك على يدها بقوة: "حظك إنك واحدة ست. غوري من وشي عشان أنا مش مسؤول عن اللي حيجرالك، والقلم ده حردّهولك عشرة بس الصبر حلو. غوري." تركها هو واختفى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!