تجري داخل ممر إحدى المستشفيات. وجهها شاحب كشحوب الموتى. تجري دون إرادتها، غير متحكمة بقدميها. يتمايل جسدها يمينًا ويسارًا كمن أوشكت على السقوط. يرتعش بدنها بشكل ملحوظ. جبهتها متعرقة للغاية. عيناها مملوءة بالدموع لكنها تأبى الهبوط. تلتقط أنفاسها بصوت مسموع. وبهسترية تردد دون توقف: حبيبه: أيوب.. أنت فين؟ أسرعت بوضع كف يدها على موضع قلبها، لعلها تهدأ من فزعه وهلعه قليلاً، ولكن دون جدوى.
فقط أوشك حقًا على التوقف من شدة رعبها على زوجها الخلوق. شعرت بدوار قوي يداهمها حين تخيلت أن هنا سينتهي حلم عمرها بعدما أخيرًا تحقق وتزوجت بمن عشقته بعد معاناة. كادت أن تستسلم لدوارها وتتهاوى جسدها. لكن يد والدها تلقطها داخل حضنه سريعًا، بحماية وبصرامة تحدث: محمد: حبيبه.. اجمدي وفوقي يا بنتي، وخلينا نطمن على جوزك. بجسد ينتفض بعنف، حركت حبيبه رأسها بالإيجاب. نظر لها محمد بتمعن وبتساؤل تحدث:
محمد: اللي كلمك في التليفون قال لك إيه بالضبط يا حبيبه؟ بنبرة أو شكت على الانهيار، همست حبيبه بكلمات متقطعة: حبيبه: أنا.. أنا كنت بكلم أيوب وبعدين.. تأوهت بقوة: آآآآه يا أيوب.. سمعت صوت عربية وقفت مرة واحدة وناس صرخت.. أنا فضلت على السماعة بنادي على أيوب يا بابا عشان يرد عليا.. بكت بنحيب: لقيت واحد غريب هو اللي رد وقالي إن أيوب عربية خبطته وخدوه على المستشفى ووصف لي المستشفى دي. ارتمت داخل حضنه تبكي كطفلة صغيرة
وأكملت من بين شهقاتها: حبيبه: قفلت معاه وكلمتك عشان ما كنتش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين. ربت محمد على ظهرها بحنان وأمسك يدها وسار بها نحو الاستعلامات وتحدث برجاء: محمد: طيب اهدى يا حبيبتي، وبإذن الله جوزك هيبقى بخير. توقفوا أمام أحد العاملين وبلهفة تحدث: محمد: من فضلك.. جوز بنتي عربية خبطته وقالوا لنا إنه جه على المستشفى هنا. العامل: بعملية.. روح قسم استقبال الحوادث يا حاج هتلاقيه هناك.
أسرعت حبيبه بالركض مرة أخرى، خلفها والدها يجاهد ليصل لخطواتها المسرعة. حتى أخيرًا لمحت يافطة مدون عليها استقبال الطوارئ. تسمرت مكانها، وازداد حدة انتفاضها. ابتلعت ريقها بصعوبة وكتمت أنفاسها، وبخطوات ثقيلة سارت نحو الغرفة وهمت بالدخول لكنها توقفت. بل تخشبت، حين تسللت لأنفها رائحة زوجها التي تحفظها عن ظهر قلب. واستمع قلبها لصوت خطواته تقترب عليها. شبه ابتسامة ظهرت على وجهها وانهمرت دموعها بغزارة وهمست بسرها:
حبيبه: أيوب.. لحظات مرت عليها وهي واقفة مكانها تستمع بتمعن لصوت خطوات تقترب منها. رائحته تغللت بأعماقها أكثر. لتتسع عيناها على آخرهما وشهقت بعنف حين خرج أيوب من الغرفة وسار نحوها كمن كان على علم بوجودها. حتى توقف أمامها ينظر لها بابتسامة وعيون لامعة بالدمع. تأملته هي بعناية شديدة، ازدادت حدة بكائها حين لمحت بعض الكدمات ظاهرة على وجهه ويده وحتى قدمه. عادت بنظرها لعينيه، تنظر له بعشق.
شدة عشقها له استطاعت قراءة كل ما حدث معه دون أن ينطق لها بحرف واحد. بابتسامة حنونة مطمئنة، فتحت ذراعيها له وببكاء حاد همست: حبيبه: تعالى في حضني يا حبيب حبيبه. كالغريق الذي أوشك على الموت وأخيرًا وجد منقذه. ارتمى أيوب داخل حضنها، دافنًا وجهه بعنقها يبكي بانهيار دون إصدار صوت. ملتفًا بكلتا يديه حول خصرها يضغط عليه بقليل من العنف. يخبرها بحركته هذه مدى قهره وألم قلبه. فما أصعب قهر الرجال.
ضمته حبيبه داخل حضنها بكل ما تحمل من شوق واشتياق وعشق له. تقبل كتفه مرات متتالية، بل تقبل كل أنش تقع عليه شفتاها. وبرجاء وتوسل همست من بين شهقاتها العنيفة: حبيبه: حبيبي بالله عليك تهدى. اقترب منهم محمد ووقف بجوارهم يربت بيده على ظهر أيوب وبأنفاس لاهثة تحدث: محمد: أيوب؟ .. يا ابني أنت كويس؟ دون أن يبتعد أيوب عن حضن حبيبه، حرك رأسه بالإيجاب. على مضض ابتعد أيوب عنها واستند بيده على كتفها.
فأسرعت هي بلف يدها حول خصره بلهفة. ويدها الأخرى ممسكة بكف يده وبدأت تسير معه لخارج المشفى. هم محمد بالسير خلفهم ليوقفه صوت أحد الأطباء. الطبيب: اطمن يا عم الحاج، هو الحمد لله بخير، مجرد كدمات بسيطة. حرك رأسه بأسف: بس حالته النفسية واضح إنها مدمرة لأنه منطقش بكلمة واحدة ولا حتى قال اسمه. اقترب من محمد رجل يظهر عليه الوقار والهيبة. بأواخر عقده الخامس، مد يده بالسلام وتحدث برزانة:
هاني: أنا اللوا هاني شكري، وباعتذر لك جدًا عن اللي حصل لابن حضرتك. نظر للواقف خلفه بشرار: عبد الرحمن ابني ما كانش يقصد يخبطه. محمد: بتنهيدة: الحمد لله يا سيادة اللوا إنها جت على قد كده. ابتسم: وأيوب جوز بنتي وأنا بعتبره أكتر من ابني. هاني: طيب تسمح لي آخذ عنوانكم وتليفونكم عشان آجي أنا وعبد الرحمن نطمن على أيوب بنفسنا. محمد: بترحاب: تنورونا في أي وقت. أملى عليه رقم هاتفه وهاتف أيوب أيضًا والعنوان. هاني:
بتساؤل وهو يدون رقم هاتفه: اسمه أيوب إيه؟ محمد: أيوب زيدان. هاني: تمام، بإذن الله هنكون عندكم في أقرب وقت. سار معه للخارج، وفي عربية قدام المستشفى هتوصلكم لحد البيت. ركض عبد الرحمن خلف أيوب وأصر أن يوصلهم إلى منزلهم بنفسه. انتظر هاني حتى ذهبوا جميعًا برفقة نجله وأخرج هاتفه وطلب إحدى الأرقام وتحدث بأمر: هاني: أيوب زيدان، هبعت لك عنوانه في رسالة، تجيب لي تاريخ حياته من ساعة ما اتولد. أغلق هاتفه وبتأثر همس بسره:
هاني: يا ترى إيه سبب قهرتك الشديدة دي كلها يا أيوب؟ بإحدى المدرجات داخل كلية الهندسة. تجلس هبة بمفردها شاردة كعادتها. يظهر الحزن والكسرة على ملامح وجهها الرقيقة. عيونها التي تلمع بالدمع دائمًا، كانت كالمغناطيس بالنسبة لبدر. أصبحت هي شغله الشاغل. ينتظر موعد محاضرته التي ستتواجد بها هبة بنفاذ صبر. رغم علمه أنها لا تهتم لأمره إطلاقًا. بل الأكثر من ذلك أنه بالنسبة لها شخصان.
دكتورها بالجامعة بدر الزيني، وعم أحمد بائع المأكولات السريعة، وهذا يدل على انعدام تركيزها. هي فقط مكتفية باشتياقها لصغيرها. بخطواته الواثقة، خطى بدر لداخل المدرج ليسود الصمت المكان بأكمله. خلع نظارته الشمسية ودار بعينيه يبحث عنها بلهفة حتى لمحها تجلس بملامح ذابلة، تكسوها الحزن، تحدق للفراغ بتوهان، تبتسم تارة، وتعبس تارة، وفجأة يظهر ألم حاد على ملامحها تارة أخرى. تنحنح محاولاً إخراج صوته طبيعيًا وبصرامة تحدث:
بدر: اححححم.. السلام عليكم جميعًا. توقف بنظره عليها. بدر: يا ريت الكل يركز معايا هنا. تنهدت هبة بضيق دون النظر له، جعله يرفع حاجبيه معًا، وبابتسامة مصطنعة تحدث موجهًا حديثه لها: بدر: الآنسة أم طرحة كحلي.. لم تنتبه له هبة، ولم تعر لحديثه أي اهتمام، فلكمتها إحدى زميلاتها برفق، فانتفضت بفزع فجأة ونظرت أخيرًا تجاهه، فأكمل هو بتساؤل: بدر: اسمك إيه يا آنسة؟ باحترام هبت هبة واقفة وبرقتها المعهودة تحدثت:
هبة: اسمي هبة يا دكتور. ابتسمت ابتسامة متألمة وأكملت بغصة: هبة: وأنا مدام مش آنسة. شحبَت ملامح بدر قليلاً وكاد أن يظهر توتره، لكنه استعاد جموده سريعًا وتحدث بعملية: بدر: طيب يا هبة اتفضلي اقعدي، وياريت نركز في المحاضرة من فضلك. هبة: حاضر يا دكتور، بعتذر لحضرتك. أشار لها بالجلوس وبدأ يشرح لهم بعقل حاضر، وقلب ينهره نفسه بعنف وبسر همس بغيظ: بدر: غبي يا بدر يوم ما تعجبك واحدة تكون متجوزة.
تنهد بضيق: بس ليه كم الحزن اللي في عينيها ده؟ وليه مش لابسة دبلة؟ نظر تجاهها نظرة خاطفة. بدر: يا ترى إيه حكايتك يا هبة؟ تأكل بشراهة وشهية مفتوحة وبمتعة تتحدث وهي تلوك الطعام بفمها: نجوى: امممم.. الفطير ده طعمه حلو أوي أوي يا محمد. نظرت له بفضول: أنت جايبه منين يا أبو هبة؟ محمد: بفخر: مش هتصدقي أنا جايبه منين. بدأ يأكل معها. محمد: طيب قولي لي إيه رأيك في البيض البلدي اللي جبته لك معاه؟
نجوى: ده جميل وصفاره كهرمان وطعمه زي العسل. عبست بملامحها: ما تقول لي يا راجل شاريّهم منين عشان أبقى أجيب. محمد: بتلقائية: شاريهم من عند حبيبة. اتسعت عينا نجوى بزهول وسعلت بعنف. فأسرع محمد وأعطاها كوبًا من الماء وتحدث بقلق: محمد: مالك يا نجوى؟ أنتي شرقتِ ولا إيه؟ بغضب نظرت له نجوى وبهدوء ما قبل العاصفة تحدثت: نجوى: هي حبيبة بتبيع بيض وفطير؟ محمد: بعتاب: ما أنتي لو قريبة من بناتك كنتِ عرفتي كل أخبارهم.
خبطت نجوى بكف يدها على الطاولة بعنف وبعلو صوتها تحدثت: نجوى: بنتي بتبيع بيض وفطير! سفقت بكلتا يديها: طبعًا ما هي يا حبة عين أمها متجوزة واحد مجوعها. محمد: بيأس: أنا مش هعاتبك تاني، أنتي ما فيش منك أمل. هب واقفًا: لو بنتك تهمك فعلًا روحي لها بنفسك واسأليها هي بتعمل كده ليه. نظر لها بأسف: أنتي ما دخلتيش عليها من ساعة ما اتجوزت يا نجوى، إيه عايزة تفهميني إن حبيبة ما وحشتكيش؟ نجوى:
بابتسامة مصطنعة: وحشتني، وهروح لها يا محمد. هبت واقفة: واللّيلة مش بكرة. أنهت جملتها وأسرعت نحو غرفتها ارتدت عباءتها على عجل وبوعيد همست بسرها: نجوى: مش هسيبها على ذمتك تاني يا أيوب يا فقري يا اللي واخد البت تمرمطها. بمملكة حبيبة. تجلس أرضًا بجوار زوجها الذي يعد أشهى الفطائر الساخنة الطازجة. برجاء وتوسل شديد منها تلح عليه حتى تساعده ولكنه يأبى بإصرار.
فبعد نهار عمله الشاق بين نجار مسلح وسباك وكهربائي يعود بعد مغيب الشمس ويجهز بنفسه كم هائل من الفطائر ويوزعهم على المتاجر والمطاعم ليزيد من دخله. وكل ما يجنيه يعطيه لزوجته المدبرة التي تحافظ على مال زوجها ولا تنفق منه قرشًا من دون علمه. بعد جميع محاولات حبيبة لمساعدة زوجها ورفضه التام لمساعدتها حتى لا يتعبها. اكتفت بالجلوس أمام تتأمله بهيام وبلاهة.
فنظر هو لها بشقاوة وغمز لها بإحدى عينيه فضحكت هي بدلع واقتربت منه، لفت يدها حول رقبته وبميوعة محببة لقلب زوجها همست: حبيبه: امممم.. أنا معجبة بيك. قبلت إحدى وجنتيه. حبيبه: ودايبة في عينيك. وضعت جبهتها على جبهته. حبيبه: وهيمانة في عشقي ليك يا أيوب يا حبيب حبيبه. داعبت أرنبة أنفه وبفرحة عارمة أكملت:
حبيبه: وفضل لنا مبلغ صغير على الفلوس اللي معانا ونبني الشقة كلها وواحدة واحدة نجيب أحلى عفش يليق بأم زينب وترجع بقى تعيش معانا وتنورنا ببركتها ورضاها علينا و.. قطعت حديثها فجأة وشهقت بعنف وأسرعت بالابتعاد عنه وأكملت باستعجال: حبيبه: شوفت نسيت خالتو أم محمود دي أوصياني على فطرتين سخنين. ارتدت ثيابها على عجل وحملت بعض الفطائر الساخنة ونظرت لزوجها برجاء:
حبيبه: هروح أنا أدهالها وأطمن عليها عشان ما بتقدرش تطلع السلم يا بيبو. ألقت له قبلة بالهواء وأسرعت نحو الخارج. حبيبه: مش هتأخر عليك يا حبيبي. ابتسم أيوب بحب على شقاوة زوجته، وأسرع بعمل الفطائر حتى انتهى منهم. وبخفة ومهارة قام بتنظيف جميع الأواني التي استخدمها. واتجه نحو المرحاض لينعم بحمام منعش يزيل عنه تعب اليوم. انتبه لصوت طرقات عنيفة على باب الشقة. فأسرع بارتداء ثيابه واتجه نحو الباب فتحه على عجل.
ليتفاجأ بنجوى تقف أمامه تلتقط أنفاسها بصعوبة وتنظر له بعيون تطلق شرار. ودون إلقاء السلام عليه، دفعته بكتفه بعنف وخطت للداخل تنظر حولها بصدمة وزهول. وبغضب عارم نادت بعلو صوتها: نجوى: حبيبة.. علت صوتها أكثر: بت يا حبيبة. عادت النظر لأيوب بابتسامة ساخرة: نجوى: آه أكيد بتلف على البيوت تبيع لهم بيض وفطير. اقتربت منه وأكملت بفظاظة: نجوى: ما هي مش لاقية راجل مالي هدومه يصرف عليها. ابتسم لها أيوب ابتسامته الهادئة.
فنظرت هي له باشمئزاز وبغيظ شديد أكملت: نجوى: خلي عندك دم وطلق بنتي اللي أنت ممرمطها معاك يا ابن زينب. بملامح جامدة، حرك أيوب رأسه بالنفى. جزت هي على أسنانها بغيظ أشد وأكملت بغضب أكبر: نجوى: أنت مبتحسش، جبله، مبتفهمش. أمسكته من ياقة قميصه وهزته بعنف وأكملت بغضب عارم: نجوى: بقول لك طلق البت يا فقري يا معدوم أنت. دفعته بقوة ودارت حول نفسها تنظر للشقة التي تقيم بها ابنتها بعيون متسعة على آخرها.
شقة صغيرة للغاية مكونة من غرفة ومطبخ وحمام ذات سقف من القش والأعمدة الخشبية المتهالكة. لا يوجد بها أثاث إلا سرير صغير وفرشة صغيرة وبعض الوسائد متناثرة أرضًا، وأكملت بزهول: نجوى: بنتي عايشة في عشة؟ ضربت على صدرها بعنف حينما لمحت السقف الذي يظهر جزء كبير من السماء. نجوى: يا لهوي وكمان من غير سقف؟ نظرت لزوج ابنتها الواقف بثبات وملامح صارمة لا يظهر أي رد فعل وأكملت باحتقار:
نجوى: بذمتك مش مكسوف من نفسك وأنت معيش بنتي في الخرابة دي؟ بكت بنحيب: نجوى: بقى بنتي اللي طول عمرها متصانة وبتتعامل كملكة، بتعمل فطير وتبيعه وتربي فراخ وتعيش على بيع البيض اللي بيطلع منها. ضربته على صدره بكلتا يديها بكل قوتها: نجوى: متجوزها عشان تشغلها وتبهدلها وتهينها. نظرت له بوعيد وأكملت بتهديد: نجوى: لو ما طلقتش بنتي هسجنك وهبهدلك في المحاكم و..
همت بإكمال حديثها لكن صوت ابنتها التي صرخت باسمها بفرحة عارمة جعلتها تتوقف عن الحديث وتلتف لها بلهفة. لتنصدم من هيئتها بفستانها الأسود القديم وحجاب أيضًا يظهر عليه كثرة الاستخدام، حاملة فوق رأسها طبق كبير مملوء بالفطائر الساخنة الطازجة. أسرع زوجها نحوها وحمله عنها وضعه أرضًا وانتشلها داخل حضنه مقبلاً رأسها بعمق. بدلته هي حضنه وقبلت وجنته سريعًا وركضت نحو والدتها ارتمت بحضنها وتحدثت ببكاء:
حبيبه: يا حبيبتي يا ماما، كنت عارفة إني مش هيهون عليكي. بكت بعنف: وحشتيني أوي أوي. اقترب زوجها منها بلهفة يمسح دموعها وبعتاب نظر لها وأشار بيده على قلبه وحرك رأسه بالنفى. بعشق ابتسمت هي له واقتربت منه مرة أخرى احتضنته بكل قوتها أمام أنظار والدتها المصدومة من عشق ابنتها لزوجها هذا الفقري المعدوم من وجهة نظرها. وبعمق قبلت موضع قلبه ورفعت رأسها تنظر داخل عينيه بهيام وبهمس تحدثت: حبيبه: سلامة قلبك من الوجع، يا قلب حبيبه.
ينظر لها بعيون تحمل عشق العالم أجمع يخبرها بما يحمله لها بعينيه، فالحادث الذي تعرض له زوجها أفقدها القدرة على الحديث. ولكنها تفهم ما يريد قوله من نظرة عينيه. ليس حادث السيارة التي صدمته. بل ما تعرض له على يد أشقائه كان أقوى من حادث السيارة. ولكنه فضل التزام الصمت بالوقت الحالي. حتى يفاجئ الجميع بما سوف يفعله حين يعود للحديث مرة أخرى. وزوجته على علم بكافة شيء يدور بذهن زوجها دون أن يخبرها حتى هو.
باستغراب نظر لها أيوب فقد عادت حاملة الفطير مرة أخرى. مطت حبيبة شفتاها وتحدثت بطفولة: حبيبه: خالتي أم محمود كانت عايزاني أقعد معاها شوية عشان تطمن على أم زينب، وقالت لي إن الفطير يتعبها ومش هتقدر تاكل منه. حرك أيوب رأسه بالإيجاب. فنظرت حبيبة لوالدتها الواقفة تنظر لهم بعدم تصديق. فبرغم ضيق الحال التي تراه أمامها. إلا أن ابنتها وجهها يشع نورًا وقد ازدادت بعض الوزن زادها جمالاً فوق جمالها.
عيونها تلمع بلمعة أكثر من رائعة. انتبهت حبيبة لنظرة والدتها فابتسمت لها وتحدثت بتفهم: حبيبه: أيوه يا ماما، أنا الحمد لله مرتاحة ومبسوطة وأوي كمان. اقتربت منها وجذبتها نحو إحدى الأرائك أجلستها وجلست بجوارها وب تأكيد أكملت: حبيبه: وبإذن الله قريب قوي هتسمعي. نظرت لزوجها بفخر: عننا أنا وجوزي أخبار هتفرحك أوي. دفعت نجوى يدها عنها بعنف وهبت واقفة وسارت نحو الخارج وبسخرية تحدثت:
نجوى: آه أخبار حلوة زي بيعك للفطير والبيض كده؟ نظرت لها ولوه فهمها أكثر من مرة: نجوى: بكرة يخليكي تمسحي السلالم وتلمي الزبالة من الشقق يا.. نظرت لأيوب نظرة ساخرة: هه مرات الفقري. أنهت جملتها وسارت للخارج غالبة الباب خلفها بعنف. اشتعلت عينا أيوب بغضب عارم، ونظر لحبيبة التي ابتسمت له ابتسامة راضية وبعشق تحدثت: حبيبه: أقسم بالله أنا راضية يا أيوب. اقتربت منه واحتضنته ملتفة بكلتا يديها حول خصره ونظرت لعينيه:
حبيبه: أنا مستعدة أعمل أي حاجة وكل حاجة بس أفضل جوه حضنك كده يا بيبو. بعنف أغمض أيوب عينيه يحاول تهدئة ثورة غضبه من حديث والدتها السام. وحسم أمره أنه آن الأوان حتى يظهر للجميع شخصيته الحقيقية. أخذ نفسًا عميقًا وأخيرًا نطق بصوته الساحر الذي يعصف بمشاعر زوجته: أيوب: حبيبه. بزهول وعدم تصديق، نظرت له حبيبة وببكاء حاد همست: حبيبه: أيوب. نظرت له بشك وعيون تغرقها الدمع: حبيبه: أنت قلت حبيبه؟
ابتسم هو لها بحب ورفع أصابعه ومسح دموعها بحنان ومال قليلاً وقبل عينيها وبأنفاس ساخنة تلفح بشرتها تحدث بأمر: أيوب: حبيبه هاتِ الجيتار وتليفونك وتعالي. بفرحة عارمة صرخت حبيبة وقفزت داخل حضنه تعلقت برقبته تحتضنه بكل قوتها وببكاء هستيري تردد: حبيبه: يا قلب وعقل حبيبه. تقبله بجنون: وحشة حبيبه. يضحك هو من صميم قلبه لفرحتها هي. وزاد من ضمها رفعها داخل حضنه عن الأرض لتستطيع الوصول لوجهه وتقبيله بسهولة.
تغرقه هي بسيل من القبلات. وهو أكثر من مستمتع بتقبيلها له. بعمق قبل هو وجنتيها وبتحذير همس بأذنها: أيوب: هتجيبي الجيتار ولا.. اتجه بنظره نحو غرفتهم وغمز لها بعبث. عضت حبيبه شفتيها بخجل وبهمس تحدثت: حبيبه: هجيب لك الجيتار وتغني حاجة لأمي زينب وأنا هصورك فيديو ونبعتهولها. بكت وضحكت بأن واحد. حبيبه: عشان النهارده عيد ميلادها. امتلأت عينا أيوب بالدمع وبابتسامة متألمة تحدث: أيوب: عرفتي منين يا بيبه؟ قبلت
حبيبة لحيته وبعشق تحدثت: حبيبه: كل حاجة تهمك وتشغلك بتمني وتشغلني يا أيوب. حبيبه: وأم زينب أم وأغلى إنسانة عندك وعندنا أنا كمان. تنهد أيوب براحة وبحماس تحدث: أيوب: طيب يلا خلينا نعمل لها مفاجأة حلوة. ركضت حبيبة نحو الجيتار وحملته بحرص وأعطته لزوجها وأمسكت هاتفها وبدأت تجهز وضع الكاميرا. وقف أيوب بإحدى الأركان وارتدى الجيتار وهم بالعزف عليه لكن صوت رسالة نصية أتت على هاتفه جعلته يسرع نحوه ويفتحها باهتمام.
لتظهر الفرحة العارمة على ملامح وجهه حين قرأ نص الرسالة المرسلة له من اللواء هاني شكري: ("مبروك يا أيوب تم قبولك بالجيش برتبة ملازم أول دكتور وهيتم تعيينك بمستشفى القبة العسكري") اقتربت منه حبيبة وتحدثت بفرحة: حبيبه: خير يا أيوب، فرحني معاك. أيوب: بشقاوة: هقولك في الفيديو. عدل وضع الجيتار ونظر لحبيبة واللمعت برأسه فكرة حسم أمره على تنفيذها. ابتسم بثقة وبأمر حدث زوجته: أيوب: بيبه، نظرت له باهتمام:
أيوب: افتحي النت واعملي بث مباشر. بفرحة طفولية قفزت حبيبة وبحماس تحدثت: حبيبه: موافقة جدًا. تراقصت بخصرها: خلي كل الناس تسمع صوت جوزي اللي هيجننهم. صمتت وصلت على الحبيب بسرها وضغطت بث مباشر. أشارت لزوجها أن يبدأ. بابتسامة وثبات تحدث أيوب: أيوب: السلام عليكم، أنا أيوب زيدان. رفع كف يده وبدأ يعد على أصابعه واحد تلو الآخر: أيوب: بشتغل نجار مسلح، سباك صحي، كهربائي، لاعب بوكس..
رفع الجيتار قليلاً: عازف جيتار، وفي بعض الأحيان مغني لوالدتي وزوجتي فقط. أيوب: بس النهارده هغني لوالدتي بمناسبة عيد ميلادها قدام الدنيا كلها. اللمعت عيناه بالدمع: لأنها أول سنة تسافر بعيد عني وما تكونش معايا. تنهد محاولاً السيطرة على دموعه التي خانته وهبطت ببطء على وجنتيه. أيوب: أمي عايز أفرحك وأقول لك إني بفضل الله وبفضل دعائك ليا بقيت النهارده.. ("ملازم أول دكتور جراح قلب وأوعية دموية أيوب زيدان")
أسرعت حبيبة بوضع كف يدها على فمها تكتم صوت شهقاتها بصعوبة. أخذ أيوب نفسًا عميقًا، وبابتسامة من بين دموعه أكمل: أيوب: يارب أكون قدرت أرفع راسك وأشرفك يا أم أيوب. مال برأسه ونظر لزوجته بعشق وألقى لها قبلة بالهواء: أيوب: أنتي وحبيبة أيوب. أخذ وضع الاستعداد وبدأ يعزف بمهارة على الجيتار وبصوت ساحر يخطف القلب والأنفاس ويبكي الحجر بدأ يغني: عيني على اللي اتربى وعاش منها محروم
لو تسألوا هيرد الدنيا بحالها في كوم وفي كوم أمي في كوم.. أمي.. هي اللي أمشي إيديا في إيدها وأنا متغمي بهرب بدفى في تنهدها وتشيل همي أمي اللي أمشي إيديا في إيدها وأنا متغمي بهرب بدفى في تنهدها وتشيل همي دغري في صغري بتسند فيا وتنصب طولي تكبر هي تحتاج ليا أفديها بدمي وعشان كده الدنيا في كوم وفي كوم أمي اسمها أول اسم في عمري ندهت عليه أول كلمة وسند هقول لكوا إيه أصلها أمي روحي يا أمي حضنها لما فتحت عيني ادفيت بيه
أول كلمة وأول اسم ندهت عليه نديت أمي.. أمي يا أمي..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!