تحميل رواية «فستبقي المحبوب» PDF
بقلم هاجر سلامه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ فستبقي المحبوب بقلم هاجر سلامه.
رواية فستبقي المحبوب الفصل الأول 1 - بقلم هاجر سلامه
أنا أتجوز ده؟ ده تلاقيه مكركب وعنده تمانين سنة وبيكح تراب! لا يا بابا.. الموت أهون لي، أنا هانتحر وأخلصكم من عيشتي!"
صرخت "جيهان" بهذه الكلمات وهي تجري في ردهات القصر الفخم، ممسكة بزجاجة دواء مجهول، بينما يركض خلفها والدها "صالح" وهو يلهث ممسكاً ببطنه، وخلفه الخادمات في مشهد أشبه بفيلم كوميدي قديم.
في صالون القصر الفاخر، كان الجد "مكرم" يجلس بهيبته المعتادة، يرتشف قهوته في هدوء قاتل، غير آبه بالصراخ الذي يملأ المكان. عاد صالح إلى الصالون وارتمى على المقعد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.
صالح وهو يمسح عرقه: "الحقني يا بابا.. البنت هتضيع مننا! جيهان قفلت على نفسها الأوضة وحالفة لتشرب السم لو غصبتها على الجوازة دي! أبوس إيدك كلم النمرود وشريكك، وقوله نلغي الفكرة دي خالص.. البنت فاكرة إن حفيده (فارس) راجل عجوز مكركب زينا!"
الجد مكرم وضع الفنجان ببطء ونظر لابنه بنظرة حادة: "تلغي إيه يا غبي؟ ده اتفاق عمري أنا والنمرود! شركة (الشرقاوي والنمرود) لازم تفضل في إيد العيلة.. وجيهان هي حفيدتي الوحيدة اللي باسمي، لازم الجوازة دي تتم!"
صالح بقلة حيلة: "طب والعمل؟ البنت هتموت نفسها.. وأمها برضه مش موافقة على بهدلة البنت."
لمع بريق ذكي وماكر في عيني الجد مكرم، واعتدل في جلسته قائلاً بصوت منخفض: "خلاص.. جيهان مش عايزة؟ مش هنجبرها.. احنا نجيب بنت من دار الأيتام، نتبناها رسمي باسمك، ونقول للناس كلها إنها بنتك التانية اللي كانت عايشة برة ومسافرة، ونجوزها لفارس!"
في تلك الأثناء، دخلت "فايزة" والدة جيهان، وكانت قد سمعت الجملة الأخيرة. التفتت بسرعة وقالت بلهفة: "والله فكرة يا عمي! ده حل عبقري! كده نحمي بنتنا جيهان من الجوازة دي، وفي نفس الوقت نرضي شريكك، والبت اليتيمة دي تكسب ثواب وتعيش في عز!"
توجّه صالح في اليوم التالي إلى إحدى دور الأيتام البعيدة. كانت الأجواء هناك كئيبة، وفي زاوية من زوايا المطبخ، كانت تقف فتاة في مقتبل العمر، تدعى "دلال". كانت دلال آية في الجمال رغم ثيابها البسيطة؛ بشرة بيضاء ناصعة كالحليب، وعينان واسعتان بلون العسل، وشعر بني فاتح يتدلى على كتفيها. كانت تتعرض يومياً للضرب والمعاملة القاسية من مديرة الدار.
جلس صالح مع مديرة الدار التي استدعت دلال. نظرت الفتاة الأرض بخوف، متوقعة عقاباً جديداً.
صالح بنبرة جافة وعملية: "بصي يا بنت الناس.. أنا هتبناكي وهتبقي بنتي قدام القانون، وهتعيشي في قصر وعز عمرك ما حلمتي بيه.. بس بشرط، في عريس مستنيكي، هتتجوزيه فوراً وتنفذي كل اللي نقولك عليه من غير ولا كلمة.. موافقة؟"
لم تفكر دلال مرتين. تذكرت غرف الدار الباردة، والضرب اليومي، والإهانة. رفعت عينيها العسلية وقالت بصوت مرتعش ولكن حاسم: "موافقة يا بيه.. موافقة على أي حاجة، بس مشوني من هنا ومش عايزة أرجع الدار دي تاني أبداً!"
مرت الأيام بسرعة الصاروخ، وتمت الإجراءات الرسمية، وأُعلن للجميع أن عائلة الشرقاوي استقبلت ابنتهم العائدة من الخارج. ولكن، خلف الأبواب المغلقة، كان الواقع مخزياً.
في غرفتها الفخمة، كانت دلال ترتدي فستان الزفاف الأبيض الذي بدا ساحراً عليها، لكن دموعها كانت تتساقط بصمت. لم تجد كلمة طيبة واحدة من "فايزة" أو "صالح". بل إن العريس نفسه، "فارس النمرود"، لم يظهر في قاعة العقد، واعتذر جده بأن لديه عملاً طارئاً خارج البلاد، وتمت المراسم بوجود وكيل عنه.
دخلت "جيهان" إلى الغرفة، وكانت ترتدي فستاناً سهرة فاخراً، تنظر إلى دلال بتكبر وازدراء شديد.
جيهان بضحكة مستفزة: "مبروك يا عروسة! شايفة الفستان لايق عليكي إزاي؟ بس متعيشيش الدور أوي يعني.. الفستان ده والسرير ده وكل العز ده بتاعي أنا! أنتي مجرد عروسة بالإيجار، جبناكي من الشارع عشان تتجوزي الراجل العجوز ده بدالي عشان أنا مقبلش على نفسي كده. فاهمة يا شاطرة؟"
نزلت الكلمات كالصاعقة على قلب دلال. شعرت بإهانة شديدة وجرح عميق في كرامتها. كادت أن تصرخ في وجهها، لكنها تذكرت وجه مديرة الدار القاسي والعصا التي كانت تضربها بها. ابتلعت غصتها ونظرت إلى الأرض.
دلال في سرها: "معلش يا دلال.. كلي إهانة واشربي إهانة، بس مترجعيش للذل والضرب تاني.. عدي الأيام دي على خير."
انتهى اليوم الكئيب، ونُقلت دلال إلى فيلا فارس النمرود الخاصة بناءً على رغبة الجد النمرود، لتبدأ حياتها الجديدة وحيدة في منزل رجل لا تعرف حتى كيف يبدو شكله!
العربية الفخمة وقفت قدام قصر "آل النمرود". دلال كانت قاعدة ورا، سانده راسها على الشباك، ودموعها نازلة في صمت مغرقة طرحة الفرح البيضاء. الفرح اللي مكنش فيه عريس أصلاً! فارس النمرود مجاش، والكل قال إنه مسافر في شغل مهم برة مصر، والجوازة تمت بوكيل. دلال نزلت من العربية وهي بتجر فستانها بقلب مقبوض، مش عارفة المستقبل مخبي ليها إيه، بس كل اللي فكراه كلام جيهان الحفيدة الحقيقية وهي بتمشيها من قصر الشرقاوي وتقول لها: "أنتي مجرد بديلة.. يعني عروسة لقطة من الشارع عشان تنقذيني من الجوازة دي!"
دلال اتنهدت في سرها وهي بتمسح دموعها بسرعة: "استرها معايا يا رب.. أنا وافقت عشان أهرب من جحيم وضرب دار الأيتام، يارب ميكونش الجحيم هنا أوحش."
خطت دلال أولى خطواتها داخل بهو القصر الأسطوري. كانت الثريات الكريستالية تلمع ببريق يأسر العيون، والأرضيات الرخامية تعكس الأضواء كأنها مرآة. لكن البرودة لم تكن في طقس الليلة، بل كانت في العيون التي تنتظرها.
في منتصف الصالون، كانت تقف "ناهد هانم" والدة فارس، سيدة شديدة الأناقة، تضع مساحيق تجميل صارمة، ووجها خالٍ من أي ابتسامة. وبجانبها تقف ابنة أختها "شاهيناز"، فتاة ترتدي فستاناً قصيراً صارخاً، وتنظر لدلال من فوق لتحت بقرف وغيرة تكاد تحرق المكان، فهي كانت تخطط بكل الطرق لتتزوج من فارس وثروته.
ناهد هانم بصوت حاد يقطر سمّاً: "أهلاً يا مدموازيل دلال.. أو نقول يا عروسة؟ طبعاً أنتي عارفة إنك هنا بالاسم بس! يعني جوازة على الورق عشان خاطر جد فارس اللي صمم ينفذ كلمته مع مكرم الشرقاوي. أوعي تفتكري نفسك بجد فرد من العيلة دي!"
شاهيناز ضحكت بسخرية ولوت بوزها: "تصدقي يا طنط ناهد؟ فستانها قديم أوي وشكله رخيص.. باين عليها فعلاً إنها كانت مسافرة برة وجت فجأة! دي متليقش تكون حتى خادمة لفارس، مش مراته! فارس النمرود يتجوز دي؟ ده فارس ساب البلد كلها يوم الفرح عشان يهرب من الشوفة دي!"
دلال حست إن خنجر دخل في قلبها. الكلمات كانت قاسية، وجرحت كرامتها اللي بتحاول تحافظ عليها. لمت فستانها بإيد بترتعش، ولسه هترد وتدافع عن نفسها، لقت صوت جهوري قوي بيهز القصر من وراها.
"جرى إيه يا ناهد؟ أنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟! دي فستانها يشرف عيلة النمرود كلها، ودي هتبقى ست البيت ده غصب عن عين أي حد!"
التفت الجميع برعب، فكان المتحدث هو الجد "عاصم النمرود"، شريك مكرم الشرقاوي، وبجانبه ابنه "رأفت" والد فارس. الجد عاصم كان راجل له هيبة ترج الجبال، لابس جلباب صعيدي فاخر يعكس أصله، وعينيه كلها حنان وهو بيبص لدلال.
رأفت (والد فارس) كمل بغضب وهو بيبص لمراته وبنت أختها: "جرى إيه يا ناهد؟ من أولها كده قلة قيمة لبنت شريكي وأخويا مكرم؟ دلال هي الحفيدة الغالية، واليوم اللي فارس يرجع فيه ويشوفها، هيعرف إن جده اختار له صح. شاهيناز.. اتفضلي على أوضتك ومسمعش صوتك هنا تاني!"
شاهيناز اتغاظت جداً ودبدبت في الأرض وهي بتبص لدلال بشر: "ماشي.. بكره فارس يرجع ونشوف هيعمل إيه!" ومشيت وهي بتبرطم.
الجد عاصم قرب من دلال، وطبطب على كتفها بحنية أصلية: "متزعليش يا بنتي.. ناهد وشاهيناز الحقد عامي عيونهم. أنتي من النهاردة بنتي وحفيدتي، والبيت بيتك. فارس ابني شديد شوية وعصبي، وشغل الشركة واكله، بس قلبه أبيض وهيعرف قيمتك. اطلعي يا بنتي ارتاحي في جناح جوزك فوق، ورأفت باعتلك العشا لحد عندك."
دلال ابتسمت بدموع وحست لأول مرة بالأمان: "شكراً يا جدي.. ربنا يخليك ليا."
رواية فستبقي المحبوب الفصل الثاني 2 - بقلم هاجر سلامه
صعدت دلال إلى الطابق العلوي متوجهة إلى جناح فارس.
كان الجناح غاية في الفخامة والاتساع، يطغى عليه اللون الأسود والرمادي، ويعكس شخصية صاحبه الصارمة والمنظمة.
دلال دخلت الأوضة وبدأت تفك الفستان الثقيل وهي حاسة بالتعب. دخلت الحمام الفاخر الملحق بالجناح، وأخذت دُشاً دافئاً يزيل عنها هموم هذا اليوم الطويل الحافل بالإهانات والمفاجآت.
بعد ربع ساعة، لفت دلال نفسها بفوطة بيضاء كبيرة بالكاد تصل لركبتيها، ولمت شعرها البني الفاتح المبلول لفوق، وخرجت للأوضة وهي بتنشف وشها، ومكنتش تعرف إن القدر محضر لها مفاجأة هتقلب كيانها!
في نفس اللحظة، اتفتح باب الجناح ببطء، ودخل راجل طول بعرض، وسيم وسامة تخطف العين؛ ملامحه حادة ورجولية، دقنه خفيفة ومحددة، وعينيه سودا زي الليل وليها نظرة حادة تخوف وتجذب في نفس الوقت.
كان لابس قميص أسود مفتوح أول زرارين منه ورافع كمامه. ده كان "فارس النمرود" اللي رجع من السفر فجأة ومن غير ما يبلغ حد!
دلال أول ما شافته واقفه قدامها، اتسمرت في مكانها. عينيها العسلية وسعت من الصدمة والرعب، وافتكرته حرامي داخل يسرق الأوضة!
دلال صرخت بأعلى صوتها وهي بتمسك الفوطة جامد: "حراااااااااامي! الحقونيييي! يا جديييي يا عمو رأفت! حراااامي في الأوضة!"
فارس في ثانية واحدة كان قفل الباب وراه، واتحرك بخطوات سريعة وزي الفهد، وبإيده الكبيرة كتم بوقها وزنقها ورا الحيطة وهو بيقول بضيق وعصبية كوميدية: "اسكتي يخرب بيتك! حرامي إيه وبتاع إيه في بيتي؟ اسكتي "
دلال كانت بتتحرك تحت إيده وعينيها بتطلع شرار وشها بقا أحمر دم من الكسوف والخوف، وجسمها الممشوق كان قريب منه جداً. فارس فجأة سكت.. وعينيه بدأت تتأمل الملاك اللي واقف قدامه. بشرتها البيضاء الناصعة، ونقط المية اللي نازلة من شعرها البني على كتفها، وريحة الياسمين اللي طالعة منها.
فارس تاه في جمالها للحظات، وقلبه اللي ميعرفش الحب دق دقة غريبة أول مرة يحسها.
فارس ابتسم ابتسامة وسيمة وجذابة وقال بصوت واطي وناعم: "أنا جوزك يا لِمضة.. فارس النمرود. ها.. هتسكتي ولا أفضل كاتم نفسك كده؟"
دلال برقت عينيها وهزت راسها بسرعة بمعنى "هسكت".
فارس شال إيده ببطء وهو بيضحك على منظرها، وأول ما شال إيده، دلال جرت بأقصى سرعة عندها ودخلت الحمام وقفتلت الباب بالمفتاح وهي بتنهج وقلبها هيقف من الكسوف.
فارس وقف برة، حط إيده في جيبه وبص على باب الحمام وهو بيضحك بصوت عالي لأول مرة من سنين: " ماشي يا بنت الشرقاوي.. شكل أيامنا الجاية هتبقى مسخرة!"
استيقظت دلال في الصباح الباكر، وكان قلبها ما زال يدق بعنف كلما تذكرت أحداث الليلة الماضية ومواجهتها الساخنة مع فارس. فتحت حقيبتها البسيطة وبحثت عن ملابس تناسب المكان، فاختارت فستاناً بسيطاً للغاية باللون البني الدافئ، يحدد خصرها الممشوق بنعومة، ولم تضع أي مساحيق تجميل على وجهها؛ فبشرتها البيضاء الناصعة وعيناها العسليتان الواسعتان المحاطتان برموش كثيفة لم تكن بحاجة لأي رتوش. رفعت شعرها البني الفاتح على شكل كعكة عفوية تركت بعض الخصلات تتمرد على جبينها.
نزلت دلال درجات السلم بخطوات مرتبكة وهي تحاول استجماع شجاعتها. في غرفة الطعام الفخمة، كانت العائلة تجلس حول مائدة فطور ملكية. تنحنحت دلال بصوت خفيض: "صباح الخير."
اتجهت الأنظار إليها فوراً.
الجد عاصم ورأفت ابتسما بحفاوة، بينما ناهد هانم لوحت بيدها ببرود. أما شاهيناز، فقد كادت عيناها تخرجان من مكانهما وهي ترى جمال دلال الطبيعي الأخاذ الذي خطف الأنظار بدون أي مجهود.
شاهيناز لم تستطع كتمان غيظها، فقالت بصوت عالٍ ومستفز ملأ القاعة: "صباح النور يا دلال.. بس قولي لي صحيح، أنتي عاملة عمليات التجميل دي عند مين؟ ونفخ شفايفك ده في أي عيادة بالظبط؟ أصل بصراحة الشغل نضيف أوي ومش باين، وأنا نفسي أعمل زيك!"
دلال ارتبكت ووجهها أصبح أحمر كالطماطم، ولم تعرف بمَ تجيب، فهي طوال حياتها في الدار لم تعرف حتى معنى أدوات التجميل.
في هذه اللحظة، دخل "فارس" بخطواته الواثقة وهيبته الطاغية، مرتاداً حلته الرسمية السوداء استعداداً للذهاب إلى الشركة.
جلس على رأس المائدة ونظر لشاهيناز بنظرة حادة كالسيف جعلتها تبتلع ريقها، ثم التفت إلى دلال وتأمل وجهها النقي الخالي من أي مساحيق، وابتسم بداخلة على براءتها.
قبل أن ينطق فارس، دخل إلى الصالة شاب وسيم ومستهتر، يرتدي ملابس كاجوال صاخبة، وهو "مازن" ابن خالة فارس وشقيق شاهيناز.
مازن أول ما وقعت عيناه على دلال، اتسعت عيناه بذهول وانبهار شديد، ونسي تماماً أين يقف.
مازن وهو يصفر بإعجاب متجاهلاً الجميع: "إيه ده؟ هو في قمر بيطلع بالنهار كده؟ العسل ده كله عندنا في البيت وأنا معرفش؟ يا بخت اللي هيصطبح بالوش ده كل يوم!"
في ثانية واحدة، تحولت ملامح فارس إلى السواد التام. برزت عروق جبهته، ووضع فنجان القهوة على الطاولة بقوة أحدثت صوتاً رنّ في أرجاء المكان. وقف فارس بطوله الفارع، واقترب من مازن وعيناه تشتعلان غيرة وغضباً أعمى لم يفهمه هو نفسه، وضغط على كتف مازن بقوة حتى كاد يكسره.
فارس بصوت جهوري هادئ لكنه يحمل تهديداً بالمو.ت: "لم لسانك يا مازن.. دي مرات أخوك! ودين وأمانة لو سمعت صوتك بيخاطبها أو عينك بتبص ناحيتها تاني، هكون د.افنك مكانك.. ها؟ سامع ولا أسمّعك بطريقتي؟"
مازن تراجع للخلف برعب وهو يمسك كتفه ويهز رأسه بسرعة: "آسف.. أنا أسف يا فارس، مكنتش أقصد، خلاص والله."
الجد عاصم ابتسم تحت شاربه بانتصار، فقد أدرك أن حفيده فارس قد وقع في الشباك من أول نظرة، بينما كادت ناهد وشاهيناز تنفجران من الغيظ لأن خطتهما لإحراج دلال قلبت لصالحهما وزادت من تمسك فارس بها.
فارس التفت إلى دلال وقال بصوت آمر لا يخلوا من حنان خفي: "دلال.. اجهزي عشان هتيجي معايا الشركة النهاردة. جدي مكرم وجدك عاصم عايزينك تشوفي الشغل، ومن النهاردة هتبدأي تدريب تحت إيدي أنا شخصياً."
دلال شهقت بصدمة: "أنا؟! أروح الشركة؟"
فارس ابتسم بركن فمه وقال بخبث كوميدي وهو يتذكر مشهد الفوطة: "آه أنتي.. ويلا بسرعة عشان معنديش وقت للمشاوير المتأخرة، ومفيش فساتين بني تاني بعد كده!"
رواية فستبقي المحبوب الفصل الثالث 3 - بقلم هاجر سلامه
دلال كانت واقفه قدام المراية الطويلة في جناح فارس، بتعدل هدومها بتوتر. كانت لابسة فستانها البني البسيط، وعلى عيونها نظرة قلق طفولية. فارس دخل الأوضة بعد ما لبس ساعته الفاخرة، وبص عليها بطرف عينه، ورغم إن الفستان بسيط ومن غير ميكب، إلا إن جمالها الطبيعي كان بينور الأوضة.
فارس بابتسامة سخرية وجدية في نفس الوقت: "ها.. يا مدام، خلصتي تسبيل في المراية؟ يلا قدامي عشان الشغل مبيستناش، والشرقاوية والنماردة مبيحبوش التأخير."
دلال لوت بوزها بلطف وقالت بصوت واطي: "أنا جاهزة اصلاً.. وبعدين أنا مالي ومال الشغل، أنا خايفة أغلط."
فارس وهو بيفتح لها الباب بهيبة: "طول ما أنتي ورا فارس النمرود، متخافيش من حاجة.. يلا."
وصلت السيارة الفارهة أمام البرج الزجاجي العملاق لشركة "الشرقاوي والنمرود". نزل فارس بكل هيبته، وخلفه دلال التي كانت تشعر بالانبهار والخوف من ضخامة المكان.
بمجرد أن خطت دلال خطواتها الأولى داخل صالة الاستقبال الواسعة، انقلب المكان رأساً على عقب. كانت بشرتها البيضاء الناصعة كالحليب وشعرها البني الفاتح الذي يتطاير مع حركة الهواء يلتهمان الأضواء. بدأت همسات الموظفين تتعالى، وانتقلت نظرات الإعجاب والذهول بين رجال الأمن والموظفين الشباب الذين وقفوا يتأملون هذا الجمال الساحر والنقي، وبعضهم نسى الأوراق التي في يده وظل شاخصاً ببصره نحوها.
فارس لاحظ النظرات دي فوراً. حرك فكه بغضب وعروق إيده برزت، والغيرة شعللت في قلبه زي النار. ومن غير ما يفكر، مد إيده الكبيرة وبحركة حاسمة وقوية لفها حوالين خصرها الممشوق، وضمها ليه جامد بحيث ميبقاش في أي مسافة بينهم، وكأنه بيعلن للعالم كله: "البنت دي ملكيتي الخاصة.. اللي هيبص لها هأكله بسناني!"
دلال شهقت بصدمة من حركته المفاجئة، ووشها بقا أحمر دم من الكسوف، وبصت له وعينيها العسلية واسعة: "فـ.. فارس؟ بتعمل إيه؟"
فارس من غير ما يبص لها، وبصوت جهوري يرعب هز جدران الشركة، وجه كلامه للموظفين اللي واقفين: "كل واحد عينه في ورقته وشغله! اللي هشوف عينه زايفة برة مكتبه، يعتبر نفسه مطرود من قبل ما يلم حاجته! مفهوم؟!"
في ثانية واحدة، الكل وطى راسه في الأرض وبقوا يجروا زي الفئران، ودلال قلبها كان بيدق بسرعة رهيبة من قربه منها، وحست لأول مرة في حياتها بمعنى "الأمان" وإن في راجل بجد بيحميها ويغير عليها.
طلعوا في الأسانسير الخاص لحد دور الإدارة العليا. فارس شال إيده من على خصرها بصعوبة وهو بيحاول يتحكم في أنفاسه وغيظه. أول ما الباب اتفتح، كانت المفاجأة مستنياهم!
"جيهان" كانت واقفة مع السكرتيرة، ولابسة بدلة قصيرة جداً ومكياج صارخ. جيهان أول ما لفت وشافت فارس، عينيها وسعت بذهول وصدمة.. فارس مكنش الراجل العجوز اللي كانت متخيلاه! ده كان كتلة من الوسامة والهيبة والرجولة اللي تخطف عقل أي ست. جيهان حست بنازلة قلبية والندم أكل قلبها إنها سابت الجوازة دي لدلال!
جيهان بدلع مصطنع وهي بتقرب من فارس وبتمط في الكلام: "هاي يا فارس.. مش معقول! أنت فارس؟ أنا جيهان الشرقاوي.. بجد مبسوطة أوي إني شفتك، مكنتش أعرف إن شريك بابا وسيم كده!" وتجاهلت دلال تماماً وكأنها مش موجودة.
فارس بص لها ببرود قاتل، وملامحه مرجعتش لطبيعتها من كتر الغيظ، وقال بنبرة جافة صدمتها: "أهلاً يا آنسة جيهان. بس ياريت تفتكري إنك في شركة محترمة، واللبس ده ميتكررش هنا تاني. وبعدين مش تسلمي على دلال؟ مرات فارس النمرود.. وبنت عمك اللي لسه راجعة من السفر؟"
جيهان اتغاظت جداً وبصت لدلال بشر وخراب، وقالت بلؤم: "آه طبعاً.. مبروك يا دلال، منورة شركة جدو.. بس واخد بالك يا فارس؟ دلال طيبة أوي وع نياتها.. يعني لسه متعلمتش إتيكيت العائلات الكبيرة، أصلها عاشت ظروف.. ممم، صعبة شوية برة!" (كانت بتلقح كلام على دار الأيتام).
دلال اتجمعت الدموع في عينيها وحست بالإهانة، لكن فارس مسمحش لـ جيهان تكمل.
فارس قرب خطوة من جيهان وقال بصوت فحيح الأفاعي: "دلال مش محتاجة تتعلم حاجة.. لأنها ببساطة هتبقى رئيسة مجلس الإدارة مكاني لو حبت، والظروف الصعبة بتصنع ستات بجد، مش زجاجات عطر متنقلة! اتفضلي على مكتبك عشان عندنا شغل."
جيهان وشها جاب ألوان من الكسوف والغيظ، ودبدبت في الأرض وخرجت وهي بتتوعد لدلال في سرها: "ماشي يا دلال.. والله لآخده منك، الفارس ده بتاعي أنا ومستحيل أسيبه لواحد جربوعة زيك!"
دخل فارس ودلال المكتب الفخم، وفارس قعد على كرسيه وقال لدلال: "اقعدي هنا يا دلال.. من النهاردة هعلمك كل صغيرة وكبيرة، ومش عايزك تتأثري بكلام حد.. مفهوم؟"
دلال ابتسمت برقة وقالت: "حاضر يا فارس.. شكراً إنك وقفت جنبي."
فارس سهد في عيونها العسلية وقال بصوت دافي لأول مرة: "أنا موقفتش جنبك.. أنا بس بحمي حاجتي."
وفي اللحظة دي، تليفون فارس رن، وكان رئيس قسم الحسابات بيقول له بصوت مرعوب: "يا فارس بيه.. الحقنا! في مناقصة كسبتها شركة (الحداد) المنافسة بنفس السعر والتفاصيل اللي كنا كاتبينها في الملف السري بتاعنا! في جاسوس في الشركة سرب الورق!"
رواية فستبقي المحبوب الفصل الرابع 4 - بقلم هاجر سلامه
أغلق فارس الهاتف بعنف، وعيناه تشتعلان غضباً كأنه بركان أوشك على الانفـجار.
انتفض من مكتبه وبدأ يتحرك في الغرفة كالنمر الحبيس، بينما كانت دلال تتابعه بعينين متسعتين من الخوف، لا تفهم شيئاً مما يحدث.
فارس بصوت هادر جعل جدران المكتب تهتز: "الملف السري اتسرب! المناقصة اللي تعبنا فيها شهور راحت لشركة الحداد بنفس الأرقام بالمليم! ده معناه إن في خاين وسطنا.. جاسوس بيمشي في مكاتبنا ويسرق تعبنا!"
دلال بصوت مرتعش: "فـ.. فارس.. اهدا طيب، إن شاء الله هتعرفوا مين اللي عمل كده."
نظر إليها فارس، وبشكل مفاجئ هدأت ملامحه قليلاً عندما وقعت عيناه على براءتها.
توجه نحو الباب وفتحه، ثم صرخ في السكرتارية والمساعدين ليجتمعوا فوراً.
خلال دقائق، كان جميع المساعدين في المكتب يقفون برعشة وخوف أمام الفارس الغاضب.
فارس بنبرة حاسمة كقطع السيف: "من غير تحقيقات ومن غير وجع دماغ.. طالما الأمانة اتقطعت بيني وبينكم، يبقى ملمحش وش حد فيكم هنا تاني! كلكم مطرودين من الشركة فوراً، والشوؤن القانو.نية هتصفي حساباتكم!"
تعالت الاعتراضات والصدمات، لكن بنظرة واحدة من فارس خرست الألسن، وخرج الجميع يجرون ذيول الخيبة.
التفت فارس إلى دلال التي كانت تقف مذهولة، واقترب منها ببطء حتى أصبح أمامها مباشرة.
فارس وهو ينظر في عينيها العسلية بعمق: "من النهاردة.. أنتي المساعدة الوحيدة ليا في المكتب ده يا دلال. أنتي جديدة، ومستحيل تكوني ليكي علاقة باللي حصل، والأهم من ده.. إنك الشخص الوحيد اللي هأمن له في المكان ده."
دلال قلبت شفتيها بلطف وقالت بذهول كوميدي: "أنا؟! يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. أنا يدوب بعرف أفك الخط في ورقكم ده، هبقى مساعدة فارس النمرود؟ ده أنا ممكن أوديك في داهية!"
فارس ضحك بصوت رجولي دافئ خطف قلبها: "وراضي يا ستي بالداهية اللي هتيجي منك.. يلا اتفضلي اقعدي على مكتب السكرتارية برة، وعايزك تركزي في كل اللي يدخل ويخرج."
في تلك الأثناء، وفي ممرات الشركة الفخمة، كانت "شاهيناز" تسير بخطوات سريعة ومتوترة، ممسكة بحقيبتها بقوة.
شاهيناز كانت غارقة في ديون كثيرة بسبب مصاريفها الباذخة وشراء الملابس والمجوهرات بالتقسيط، ولم تجد حلاً سوى سرقة الملف السري ولقائه مع مندوب شركة "الحداد" الذي دفع لها مبلغاً ضخماً بالدولار لإنقاذها.
بينما كانت تسير، رأت دلال تخرج من مكتب فارس وتتوجه نحو حمامات السيدات الفاخرة للاسترخاء قليلاً من توتر الصباح.
في نفس اللحظة، ظهرت "جيهان" بوجهها العبوس الغاضب بعد قصف الجبهة الذي تلقته من فارس.
التقت أعين شاهيناز وجيهان، وبدون مقدمات، جذبتا بعضهما ودخلتا خلف دلال إلى منطقة المغاسل والحمامات، ودلال كانت بالداخل في أحد المراحيض المغلقة، ولم تلحظا وجودها!
جيهان وهي تخبط على وجهها بغيظ وغل: "أنا هـموت يا شاهيناز! هـموت من الغل! شفتي الفارس عامل إزاي؟ وسيم وطول بعرض ويهز الأرض! وأنا الغبية اللي افتكرته راجل مكركب وعنده تمانين سنة وسبته للجربوعة دي! ده مبيشوفش غيرها، وكسفني عشان خاطرها!"
شاهيناز لوت بوزها بتكبر وحقد: "اهدي بس يا جيهان.. فارس ده بتاعي أنا ومن زمان، وأنا مش هسيبه للبت الشحاتة دي تاخده على الجاهز! البت دي لازم تطلع من البيت والشركة بفضيحة!"
جيهان بلهفة وهي تقترب منها: "فضيحة إيه؟ قولي لي، أنا معاكي في أي مصيبة تخلصنا منها وترجع الفارس ليا.. أقصد ليكي!"
شاهيناز بخبث ومكر وهي تعدل مكياجها في المرآة: "فارس طرد كل المساعدين وشاكك في طوب الأرض بسبب الملف اللي اتسرب.. والغباء بتاعه خلاه يشغل دلال مكانهم! احنا نستغل الموضوع ده.. نلفق لها تهمة جديدة، أو نسرق ورق تاني ونبين إنها هي اللي سرقته بحكم إنها الوحيدة اللي معاه في المكتب وساعتها فارس بنفسه هيرميها في الشارع ويسجنها كمان!"
جيهان ضحكت بشر وشماتة: "يا بنت اللعيبة يا شاهيناز! والله فكرة عبقرية! وساعتها جدو مكرم وجدو عاصم مش هيقدروا يفتحوا بوقهم، وفارس يرجع لحضنك يا قمر.. وأنا أخلص من قرفها!"
في تلك الأثناء، كانت دلال تقف خلف الباب المغلق، واضعة يدها على فمها بكتمان، وعيناها العسليتان تتسعان بصدمة ورعب!
لقد سمعت كل شيء! علمت أن شاهيناز وجيهان تتآمران عليها، والأخطر.. أنها عرفت بطرف خيط أن هناك مؤامرة أكبر تدور حول الملفات!
دلال في سرها وهي ترتجف: "يا نهار مش فايت! هما عايزين يلبسوني تهمة؟ ماشي يا شاهيناز أنتي والصفرا التانية.. بقا أنا دلال بنت دار الأيتام اللي ياما خدت علقة وسكتت، هسكت لكم؟ وحياة كرامتي اللي اتهانت لأوريكم مين هي دلال!"
خرجت جيهان وشاهيناز وهما تضحكان بشر، وبعدها خرجت دلال وعيناها تلمعان بتحدٍ وإصرار لأول مرة.
عادت إلى مكتبها بجانب مكتب فارس، وجلست تفكر كيف ستحمي نفسها وتحمي فارس من الأفاعي التي تحيط به.
رواية فستبقي المحبوب الفصل الخامس 5 - بقلم هاجر سلامه
خرجت دلال من الحمام والشرار يتطاير من عينيها العسلية. مسحت يديها بفوطة ورقية وهي تبتسم ابتسامة مكرة: "بقى أنتوا عايزين تلبسوني تهمة؟ ماشي يا جيهان يا صفرا أنتي وشاهيناز الحرباية.. وربنا لأسود عيشتكم، والبادئ أظلم!"
عادت دلال إلى المكتب وجلست خلف مكتب السكرتارية الفخم، وبدأت تتظاهر بالانشغال في الأوراق وهي تضع خطتها الجهنمية. كان فارس يجلس في مكتبه بالداخل، يتابع الكاميرات ويراجع بعض العقود، وعيناه تزيغان كل فترة نحو الشاشة التي تعرض مكتب دلال بالخارج، مستمتعاً بملامح وجهها التي تتغير كل ثانية كأنها تخطط لغزو عالمي.
بعد ساعة، انتهزت "جيهان" الفرصة، ومسكت ملفاً فارغاً ودخلت به إلى ممر الإدارة العليا، عازمة على الدخول لفارس بحجة العمل لكي تتقرب منه وتغيظ دلال. لمحتها دلال وهي تقترب بتمطط ودلع مستفز.
دلال في سرها: "جت رجلك يا حلوة.. وريني بقى هتعملي إيه."
انتفضت دلال من مكتبها بسرعة الصاروخ، ودخلت مكتب فارس قبل أن تصل جيهان بثوانٍ. فارس رفع رأسه بدهشة وهو يراها تندفع نحو مكتبه وعيناها تلمعان بخبث طفولي.
فارس برفع حاجب: "جرى إيه يا لِمضة؟ داخلة كأن البوليس بيجري وراكي ليه؟"
دلال لم تجبه، بل اقتربت من كرسيه وبحركة سريعة ومفاجئة، انحنت فوقه تماماً، وأمسكت بياقة قميصه الأسود كأنها تعدلها، وأصبحت أنفاسها الدافئة تلامس وجهه. فارس اتسعت عيناه بصدمة، وقلبه دق دقة عنيفة من قربها المفاجئ، وامتزجت رائحة الياسمين المنبعثة منها برائحة عطرها الرجولي القوي.
في هذه اللحظة بالذات، انفتح الباب ودخلت جيهان وهي تقرأ بصوت عالٍ ودلع: "فارس بيه.. أنا جبت لحضرتك ملف المناقـ..."
تسمرت جيهان في مكانها، وسقط الملف من يدها على الأرض بصدمة. كانت دلال شبه حاضنة لفارس، ووجههما قريب جداً من بعضهما!
دلال التفتت ببطء شديد وتظاهرت بالارتباك اللطيف، ثم نظرت لجيهان بابتسامة مستفزة وقالت: "أوبس! سورري يا جيهان.. مخدتش بالي إنك دخلتي. أصل فارس حبيبي كان قميصه متبهدل شوية، وأنا كزوجة مطيعة ميرضينيش ينزل هيبته قدام الموظفين.. صح يا فستقي؟" وفمزت لفارس بطرف عينها.
فارس في البداية كان مذهولاً، لكنه بمجرد أن رأى وجه جيهان الذي تحول إلى اللون الأزرق من الغيظ، ورأى غمزات دلال المضحكة، فهم اللعبة فوراً! كتم ضحكته الرجولية بصعوبة، وقرر أن يجاريها بل ويزيد من الجرعة.
فارس وضع يده على خصر دلال برقة وغمز لها هو الآخر قائلاً بصوت دافئ ورخيم: "تسلم إيدك يا روحي.. طول عمرك بتاخدي بالك من تفاصيلي. شوفي الآنسة جيهان عايزة إيه عشان تفضل لنا قعدتنا."
جيهان كانت تشعر وكأن أحداً يسكب فوق رأسها مياه مغلية! دبدبت في الأرض وجمعت أوراقها بغيظ أعمى وصرخت: "مفيش حاجة! نسيت الورق التاني برة!" وخرجت ورزعت الباب خلفها بقوة كادت تكسر الزجاج.
بمجرد إغلاق الباب، نفضت دلال نفسها بسرعة وحاولت الابتعاد، لكن يد فارس كانت ما زالت تحيط بخصرها ولم يتركها.
دلال بكسوف ووجنتين مشتعلتين: "احم.. سيب يا فارس خلاص، الحرباية مشيت."
فارس ضحك بصوت عالٍ هز أركان المكتب، ونظر في عينيها العسلية بخبث: "الحرباية مشيت.. بس انا قلبي تاذى من حركاتك! ممكن أفهم بقى إيه الفيلم الهندي اللي شغال من الصبح ده؟ أنتي فاكراني مش فاهم حركاتك؟"
دلال لوت بوزها بدلال وعفوية: "بصراحة كده.. هما بيحوروا عليا، وأنا قررت أربيهم بطريقتي. بس أنت طلعت فنان وبتفهمها وهي طايرة!"
فارس ابتسم بعمق وشعر برغبة عارمة في ضمها بصدق، لكنه تمالك نفسه وقال: "أنا فارس النمرود يا شاطرة.. يعني مفيش الهوا بيعدي من تحت إيدي. بس عجبني دور (فستقي) ده.. كملي، أنا معاكي في أي مصيبة."
بعد الظهر، جاء دور "شاهيناز". كانت ترتدي نظارة شمسية وتتحرك بلؤم، ودخلت المكتب وهي تحمل كوباً من القهوة الفاخرة لفارس لكي تتقرب منه وتنفذ خطتها البديلة لسرقة بعض الأوراق الأخرى.
دلال رأتها من بعيد وهي تدخل بتبختر. ضحكت دلال في سرها: "أهلاً بالضحية الثانية!"
دخلت شاهيناز المكتب دون استئذان وقالت بدلع: "فارس يا حبيبي.. عملت لك القهوة المظبوطة اللي بتحبها بإيدي."
وفجأة، وبدون مقدمات، ظهرت دلال من خلف الكرسي الخاص بفارس، وانحنت على كتفه، ومسكت القلم من إيده وهي بتقول بنبرة طفولية ناعمة: "فارس.. الخط ده مش واضح، قولي الكلمة دي إيه؟" وبشكل متعمد، التفتت ونظرت لشاهيناز بدهشة مصطنعة: "أوه.. شاهيناز! كتر خيرك والله تعبتي نفسك.. بس فارس مبيشربش قهوة من إيد حد غيري من يوم ما اتجوزنا، هاتيها أنا هشربها بداله!"
شاهيناز كادت جلطة تصيبها في مكانها! نظرت لفارس بلهفة تتوقع منه أن يوبخ دلال، لكنها وجدت فارس يسند ظهره للخلف، ويضع يده حول كتف دلال بامتلاك كامل، ويقسم ملامحه بابتسامة ساحرة هزت كيان شاهيناز غيرة.
فارس بنبرة لئيمة ومستمتعة: "معلش يا شاهيناز.. دلال عندها حق، أنا مبقتش أستطعم أي حاجة إلا من إيدها. خدي القهوة اتفضلي، ومفيش داعي تدخلي مكاتب الإدارة تاني من غير إذن السكرتيرة.. قصدي مراتي."
شاهيناز وشها جاب ألوان الطيف، وضغطت على كوب القهوة بغل وهي بتبص لدلال بنظرة وعيد وشر: "ماشي يا فارس.. مبروك عليك السكرتيرة الجديدة!" وخرجت وهي بتبرطم وتتوعد بخراب البيت كله.
أول ما خرجت، دلال لفت لفارس وضربت كفها بكفه وهي بتضحك من قلبها: "كفك يا زميلي! قصف جبهة ثلاثي الأبعاد!"
فارس مسك إيدها ومسابهاش، ونظر لعيونها بجدية ممزوجة بحنان غريب: "اللعب معاهم حلو وممتع.. بس أوعي تنسي إن اللعب معايا أنا له حساب تاني خالص يا دلال.. وقلبي اللي أنتي عمالة تخبطي عليه من الصبح ده، حسابه هيبقى تقيل أوي لما يقرر يفتح الباب!"
دلال سكتت فجأة، وحست بكهربا مشيت في جسمها كله، وعينيها العسلية تاهت في سواد عينيه. في اللحظة دي، بدأت مشاعر حقيقية تتولد جواها من غير ما تحس، وبدأ الفارس يتحول من مجرد "هرب من الدار" لحاجة تانية خالص!
رواية فستبقي المحبوب الفصل السادس 6 - بقلم هاجر سلامه
بعد ما شاهيناز خرجت وهي بتولع من الغيظ، ساد الهدوء في مكتب فارس الفخم.
دلال كانت لسه واقفة قريبة منه، ووشها أحمر من الكسوف بعد الكلام اللي قاله لها. فارس سحب كرسي مريح وقعد عليه، وبص لدلال بنظرة دافية ومريحة جداً، وشاور لها تقعد على الكرسي اللي قدامه.
فارس بابتسامة هادية: "اقعدي يا دلال.. سيبي بقى اللعب مع الحربايات على جنب، وعايز أتكلم معاكي بجد شوية."
دلال قعدت وحطت إيدها في حجرها بتوتر وهي بتبص لعيونه السودا: "نعم يا فارس.. في حاجة في الشغل؟"
فارس سهد في ملامحها البريئة النظيفة من غير أي مساحيق، وقال بنبرة هادية: "لا.. برا الشغل. قولي لي يا دلال.. أنتي عندك كام سنة؟"
دلال لوت بوزها بلطف طفولي: "عندي عشرين سنة."
فارس برّق عينيه بذهول خفيف، وبعدين ضحك بصوت واطي جذاب: "عشرين سنة؟ يا نهار أبيض.. ده أنتي صغيرة أوي يا دلال! أنا عندي 33 سنة.. يعني أكبر منك بـ 13 سنة بحالهم! أنتي لسه طفلة بنسبالي." وبعدين سكت ولفت نظرة دافية لعيونها العسلية وكمل بصوت رخيم: "بس صغيرة وحلوة أوي بصراحة.. جمالك ملوش حل."
دلال أول ما سمعت الكلمة دي، وشها بقا أحمر زي الطماطم، وحست بقلبها هيطلع من ضلوعها من الكسوف، ووطت راسها في الأرض وهي مش عارفة ترد تقول إيه من كتر اللخبطة.
فارس ابتسم على كسوفها وكمل سؤاله بجدية واهتمام: "طب قولي لي.. معاكي كلية إيه؟ أو بتدرسي في إيه؟"
دلال ابتسامتها اختفت وحست بغصة في حلقها،
ونظرت للأرض بحزن: " انا عايزة قولك حاجة انا بنت يتيمة جيت من دار الاتيام بشرط اني تجوزك علشان جيهان مكنتش مواقفة اضطرت وافق علشان اهرب من العذاب اللي كنت بعيشه يعني انا مش بنت عم جيهان ولا حاجة ومش معايا كلية.. أنا مكملتش تعليمي. كنت شاطرة جداً في المدرسة وكان نفسي أدخل كلية إدارة أعمال عشان أفهم في الشركات الكبيرة دي، بس.. الظروف في دار الأيتام مكنتش بتسمح، والمديرة كانت بتشغلنا وبتمنعنا من التقديم في الجامعات."
فارس حرك فكه بغضب وعروق إيده برزت لما افتكر الأيام الصعبة اللي شافتها، وحس برغبة قوية إنه يحميها من أي حزن.
دلال اتنهدت وقالت بنبرة راضية: "الحمد لله.. نصيب ومكتوب."
فارس وقف بطوله الفارع واقترب منها ببطء، وملامحه اتحولت لإصرار وقوة، وقال بصوت حاسم يطمن: "مفيش حاجة اسمها نصيب يقف لحد هنا يا دلال.. طول ما أنا عايش وعلى وش الدنيا، مفيش حلم ليكي هيتمسح. أنا قررت إني هقدملك فوراً في أكبر كلية إدارة أعمال في مصر، وهتدرسي وتكملي تعليمك واياكي تقولي انك يتيمة تاني فاهمة ."
دلال رفعت عينيها العسلية واسعة بصدمة وفرحة مش سايعاها: "بجد يا فارس؟! بتتكلم بجد؟"
فارس قرب منها أكتر، وبحركة مفاجئة وسريعة سحبها من خصرها الممشوق لارتكازه، وضمها ليه وهو بيبص في عيونها المصدومة، وغمز لها بخبث كوميدي ووسامة تذوب الصخر: "بجد جداً كمان.. ونفس الوقت هتفضلي تشتغلي معايا هنا في المكتب مساعدة غصب عنك، وأهو تاخدي خبرة عملية وتقيلة من الفارس شخصياً.. هاه؟ قولي لي بقى، مين قدك؟ هتبقى دراسة وشغل وحب.. احم، أقصد خبرة!"
دلال تاهت تماماً في عينيه، وفي اللحظة دي بالذات، اعترفت لنفسها بشكل قاطع ونهائي: "أنا وقعت في حب الراجل ده.. أنا بقيت بعشقه بجد مش تمثيل!"
في نفس الوقت، وفي كافيه قريب من الشركة، كانت "شاهيناز" قاعدة مع "جيهان"، والشرار بيطلع من عيونهم هما الاتنين بعد القلم اللي خدوه من دلال وفارس في المكتب.
شاهيناز وهي بتخبط على التربيزة بغل: "أنا مش هسكت يا جيهان! البت الشحاتة دي خلاص لفت على فارس وفارس بقا خاتم في صباعها! دي كانت واقفة حاضناه في المكتب وبتغيظنا عيني عينك! وفارس الغبي بيجاريها ويضحك لها!"
جيهان وهي بتعض في ضوافرها من كتر الغيظ والندم: "والعمل؟ البت دي لو فضلت كده، فارس مستحيل يسيبها و احنا لازم نخلص منها فوراً!"
شاهيناز لمعت عينيها بشر وخباثة وقربت من جيهان وقالت بصوت واطي: "بصي بقى.. أنا عرفت إن فارس حاطط شيكات بملايين في الخزنة الصغيرة اللي في مكتبه، والخزنة دي مفيش حد بيدخل الأوضة بتاعتها غيره.. ودلوقتي دلال بحكم إنها المساعدة الجديدة. أنا هروح الفيلا بالليل وأحاول ألطش مفتاح الخزنة من جيب جاكتة فارس، أو أخليه ينساه في المكتب، وناخد الشيكات دي ونخبيها في مكتب دلال أو في حاجتها الشخصية.. ونقول إنها هي اللي سرقتهم عشان تهرب بيهم! وساعتها فارس مستحيل يسامحها، وهيحبسها بإيده بتهمة السرقة !"
جيهان ضحكت بشر وشماتة: "يا يخرب بيت أفكارك يا شاهيناز! دي خطة متخرش المية! وساعتها دلال هتروح السجن .. وفارس يرجع لنا!"
رجع فارس ودلال الفيلا بالليل، ودلال كانت طايرة من الفرحة بسبب قرار الكلية، وفارس كان بيراقب فرحتها بابتسامة دافية. لكن مع دخولهم، كانت شاهيناز واقفة في الصالة وبتخطط لسرقة المفتاح وتنفذ المؤامرة!
رواية فستبقي المحبوب الفصل السابع 7 - بقلم هاجر سلامه
البارت السابع
في المساء، عاد فارس ودلال إلى الفيلا الفخمة.
الأجواء كانت هادئة، ودلال ما زالت تعيش في غمرة سعادتها بقرار فارس بإدخالها الجامعة.
صعد فارس إلى جناحه ليبدل ملابسه الرسمية، بينما توجهت دلال نحو المطبخ لتعد له كوباً من الليمون الدافئ كنوع من الشكر.
في هذه الأثناء، كانت شاهيناز تراقب الوضع كالأفعى.
تسللت إلى الطابق العلوي حيث غطت الكاميرات المؤدية لغرفة مكتب فارس الخاصة في الفيلا بطريقة مدروسة حتى لا تسجل حركاتها.
ثم نزلت بسرعة ووقفت في الممر المؤدي للمطبخ بانتظار دلال.
خرجت دلال تحمل الكوب، فتفاجأت بشاهيناز تقف أمامها وتبتسم بابتسامة صفراء مصطنعة.
شاهيناز بلؤم ودهاء: "أوه.. دلال! كويس إني شفتك. فارس باعتني أقولك إنه مستنيكي في أوضة المكتب بتاعته فوق حالا، وعايزك في موضوع مهم بخصوص ورق الشغل."
دلال نظرت إليها بشك: "فارس؟ طب ما قاليش ليه وهو طالع؟"
شاهيناز لوت بوزها بتكبر: "وأنا هتبلى عليكي ليه يا شاطرة؟ الراجل اتصل بيا من تليفون البيت وقال لي أبلغك.. اطلعي اطلعي متأخريهوش."
هزت دلال رأسها بقلة حيلة وصعدت إلى الطابق العلوي، وتوجهت مباشرة نحو غرفة المكتب.
فتحت الباب ودخلت، لكنها تفاجأت بأن الغرفة مظلمة تماماً ولا يوجد بها أحد!
دلال بحيرة: "هو فين فارس؟ مش باين يعني.. دي الأوضة ضلمة!"
في نفس اللحظة التي دخلت فيها دلال إلى المكتب، كانت شاهيناز قد ركضت بسرعة الصاروخ نحو غرفة التحكم الصغيرة في الفيلا وقامت بفصل مفتاح الكاميرات تماماً لعدة دقائق.
ثم اندفعت نحو مكتب فارس، ودخلت من الباب الخلفي الملحق بالجناح والذي تعرفه جيداً بحكم إقامتها في الفيلا.
شاهيناز تحركت بخفة البرغوث، وتوجهت نحو الخزنة الصغيرة المخفية وراء اللوحة الزيتية.
ولأنها كانت قد راقبت فارس سابقاً وهو يفتحها، قامت بإدخال الأرقام السرية بسرعة، وفتحت الخزنة وسحبت منها مظروفاً ضخماً يحتوي على شيكات بملايين الجنيهات تخص مناقصات الشركة القادمة.
أغلقت الخزنة بسرعة، وتسللت خارجة قبل أن تلحظها دلال التي كانت ما زالت تبحث عن فارس في الشرفة الملحقة بالمكتب.
ركضت شاهيناز نحو جناح دلال وفارس، وتسللت إلى داخل غرفة الملابس، وفتحت دولاب دلال وبأصابع ترتعش من الخوف والشماتة، درست المظروف المليء بالشيكات بين طيات ملابس دلال البسيطة!
شاهيناز بابتسامة شريرة: "راحت عليكي يا حلوة! الشيكات في دولابك، والكاميرات مطفية، وريني هتطلعي منها ازاي"
عادت شاهيناز وشغلت الكاميرات مرة أخرى وكأن شيئاً لم يكن.
في تلك الأثناء، تعبت دلال من الانتظار، فخرجت من المكتب متوجهة إلى الجناح. وفي الممر، التقت بفارس وهو يرتدي بنطالاً مريحاً وقميصاً قطنياً أبيض، وشعره مبلل بالماء ويبدو في قمة الوسامة.
دلال باستغراب: "فارس! أنت هنا؟ أمال شاهيناز قالت لي إنك مستنيني في المكتب فوق ليه؟"
فارس عقد حاجبيه بحده واستغراب: "المكتب؟ أنا مروحتش المكتب أصلاً ومقولتلهاش حاجة! أنتي دخلتي المكتب يا دلال؟"
دلال ببراءة: "آه.. دخلت وقعدت دقيقتين مستنياك وملقتكش فخرجت."
ملامح فارس تغيرت تماماً وتحولت إلى الجدية الصارمة. حاسة السادسة كـ "فارس النمرود" أخبرته أن هناك خطباً ما، وأن شاهيناز لا يمكن أن تفعل ذلك هباءً.
فارس مسك إيد دلال بسرعة وقال بصوت واطي وحاسم: "تعالي معايا!"
توجه فارس ودلال فوراً نحو غرفة المكتب. فتح فارس اللوحة الزيتية وتفقد الخزنة، وبمجرد أن فتحها، اتسعت عيناه بغضب مرعب وهتف بصوت كالرعد: "الشيكات مش موجودة! الشيكات اتسرقت!"
دلال شهقت بصدمة ووضعت يدها على صدرها: "يا نهار مش فايت! اتسرقت إزاي؟!"
فارس التفت إليها، ورغم الغضب الطاغية في عينيه، إلا أنه نظر لدلال بثقة وقال: "في حد بيلعب لعبة قذرة يا دلال.. وعايز يلبسهالك! شاهيناز هي اللي قالت لك ادخلي.. ده فخ!"
وفجأة، تعالت الأصوات في الأسفل، وكانت ناهد هانم وشاهيناز تصعدان السلم ومعهما الجد عاصم ورأفت بعد أن أطلقت شاهيناز صرخة مصطنعة تدعي فيها أنها رأت شخصاً غريباً يتسلل للمكتب!
شاهيناز بخبث وصوت عالٍ: "يا جدي! يا طنط ناهد! أنا شفت دلال خارجة من مكتب فارس وشكلها مريب أوي ومخبية حاجة تحت هدومها! أنا خايفة تكون سرقت حاجة!"
اندفعت ناهد هانم وشاهيناز داخل الممر المؤدي للمكتب، وخلفهما الجد عاصم ورأفت وعلامات الحيرة والوجوم على وجوههما.
شاهيناز بصوت حاد ومصطنع وهي تشير بسبابتها نحو دلال: "أهو! أنا قولت لكم! أنا شفت دلال بعيني وهي خارجة من المكتب ووشها أصفر وبتترعش! فتشوا أوضتها يا جدي.. فتشوا دولابها، البنت دي شكلها سرقت ورق مهم من ورا فارس عشان تبيعه، دي مكنتش عايشة في مصر أصلاً ومحدش يعرف عنها حاجة!"
ناهد هانم زعقت بغل: "عندك حق يا شاهيناز! دي من ساعة ما دخلت البيت ده والمصايب نازلة على دماغنا! فتشوا هدومها حالا!"
دلال وقفت ومسكت في كم قميص فارس بخوف، وعينيها العسلية اتملت بالدموع.
حست إن الدنيا كلها واقفة ضدها، وإن كرامتها للمرة المليون على المحك. لكنها لما بصت لفارس، لقت ملامحه هادية جداً وراسين، وبص لها نظرة دافية طمنتها وحسستها إنه ساندها ومستحيل يتخلى عنها. فارس بقا عارف دلال كويس وعارف نقاء قلبها، وفهم اللعبة القذرة اللي شاهيناز بتلعبها.
فارس رفع إيده بحسم، وصوته الجهوري هز المكان: "بسسس! مسمعش صوت حد! تفتيش إيه ودولاب إيه اللي بتتكلموا عنه؟ أنتوا فاكرين نفسكم قاعدين في زريبة؟ دي مراتي.. يعني شرفي، واللي هيفكر يقرب من أوضتها أو يفتش حاجتها هكون قاطع إيده قبل ما يمدها!"
شاهيناز اتوترت وقالت بلجلجة: "بس يا فارس..سمعتك انا ومامتك وانت بتقول الشيكات تسرقت! والشيكات دي بملايين اكيد هي سرقتها انا شوفتها وهي طلعة من المكتب "
فارس ابتسم ابتسامة باردة ومرعبة، وحط إيده في جيبه وبص لشاهيناز بنظرة صقر: "مين قال إن الشيكات ضاعت؟ ومين قال إن دلال سرقتها؟"
التفت فارس للجد عاصم وقال بثقة: "يا جدي.. الكاميرات الأساسية للفيلا في الممر ده اتطفت لمدة خمس دقائق بفعل فاعل.. الخاين دخل وطفى السيستم عشان يسرق ويتبلى على دلال."
شاهيناز بدأت أنفاسها تسرع، وضغطت على فستانها برعب، لكنها حاولت تتماسك وقالت بثقة مزيفة: "طب وأهو الكاميرات مطفية! يعني محدش هيعرف مين اللي دخل! يبقا مفيش غيرها!"
فارس ضحك بصوت عالي ورجولي، وقرب من شاهيناز خطوة خطوة وهو بيبص في عينيها مباشرة، وقال بنبرة لئيمة ومستمتعة جداً: "تؤ تؤ.. أنتي غبية أوي يا شوشو! أنتي فاكرة إن الفارس هيمشي سيستم فيلا زي دي بكاميرات عادية واضحة؟ أنا من أسبوعين بس، ركبت كاميرا سرية تانية خالص.. كاميرا عين السحرية، مخفية جوة برواز الصالون ومبتتطفيش أبداً حتى لو السيستم كله وقع! والكاميرا دي جايبة الممر وجايبة باب الخزنة بوضوح HD!"
أول ما فارس قال الجملة دي، شاهيناز وشها اتقلب للون الأزرق، وركبها بدأت تخبط في بعضها من الرعب. شافت مستقبلها بيضيع، وفاروق السجن بيفتح بابه ليها!
فارس كمل بخبث وهو بيطلع تليفونه: "أنا هفتح الأبليكيشن حالا قدام جدي وقدام أبويا، ونشوف مين الحرباية اللي دخلت سرقت الشيكات وراحت حطتها في دولاب دلال عشان تلبسها التهمة!"
شاهيناز انهارات تماماً، ووقعت على ركبها في الأرض وهي بتعيط بهستيرية وتصرخ برعب: "لااااا! لا يا فارس أبوس إيدك بلاش الفضيحة! أنا اللي عملت كده! أنا اللي أخدت الشيكات وحطيتها في دولاب دلال! أنا كنت محتاجة فلوس عشان الديون اللي عليا وبكرهها ومش عايزاها تفضل في البيت! سمحني يا جدي.. سمحني يا عمو رأفت!"
ناهد هانم حطت إيدها على بقها بصدمة من بنتها أختها: "يا نهار أسود ومنيل! أنتي اللي عملتي كده يا مصيبتي؟!"
الجد عاصم ضرب عصايته في الأرض بغضب وعروق وش بانت: "يا خسارة تربيتنا فيكي يا فاجرة! بتسرقي وبتتبلي زوجة حفيدي؟!"
التفت لرأفت وقال بحسم: "رأفت.. تلم حاجتها وتترمى برة الفيلا دي حالا! وملمحش وشها في أي مكان يخص النماردة تاني، وحساب الديون دي أبوها اللي هيدفعه!"
رواية فستبقي المحبوب الفصل الثامن 8 - بقلم هاجر سلامه
أشرقت شمس الصباح لتعلن عن يوم جديد مبهج.
دلال كانت تقف أمام المرآة بقلب يخفق بشدة، ترتدي فستاناً ناعماً باللون الوردي الهادئ، وشعرها البني الفاتح ينسدل بنعومة على كتفيها كشلال من الحرير. كانت ملامحها الطبيعية الخالية من المساحيق تشع براءة وطفولة.
دخل فارس الجناح وهو يرتدي قميصاً أبيض منقوشاً بشكل كاجوال أنيق فتح أول زرارين منه، ونظارة شمسية سوداء تخفي عينيه الحادتين. بدا في قمة الوسامة والرجولة الطاغية التي تهز القلوب.
فارس بابتسامة ساحرة هزت كيانها: "ها يامدام دلال؟ جاهزة لليوم الأول في التقديم للجامعة؟ أنا جهزت كل الأوراق بنفسي."
دلال هزت رأسها بفرحة طفولية وابتسامة واسعة: "جاهزة جداً يا فارس! أنا مش مصدقة نفسي بجد.. حاسة إني بحلم."
فارس اقترب منها وطبطب على وجنتها برقة: "مفيش أحلام بتصعب على الفارس طول ما أنتي معايا.. يلا بينا."
وصلت السيارة الفارهة أمام بوابة جامعة إدارة الأعمال الد.ولية الكبرى.
بمجرد أن ترجل فارس بطوله الفارع وهيبته الآسرة، التفتت إليه الأنظار فوراً.
تحول الحرم الجامعي إلى ساحة من الهمسات والإعجاب من فتيات الجامعة اللاتي تركن أحاديثهن وبدأن يتأملن وسامته ورجولته الصارخة بنظرات تفيض إعجاباً ودلعاً.
"يا نهار أبيض! مين المز ده؟ ده دكتور جديد ولا إيه؟"
"شوفي طوله وعضلاته! ده ممثل تركي ده ولا إيه؟"
كانت هذه الكلمات تصل إلى مسامع دلال بوضوح. شعرت بنيران الغيرة تشتعل في صدرها فجأة كبركان هائج.
نظرت إلى الفتيات بغيظ شديد، وبدون أن تفكر، اندفعت نحو فارس، ومدت يدها الصغيرة لتمسك بيده الكبيرة بقوة وتشبك أصابعها بأصابعه، ثم رفعت رأسها بتحدٍ ونظرت للفتيات بنظرة حادة تعلن فيها: "الراجل ده بتاعي أنا.. اللي هتبص له هأكلها بسناني!"
فارس شعر ببرودة يدها المرتعشة، ونظر إلى الأسفل ليجدها تتشبث به بكل قوتها، ثم لمح نظرات الغيظ والشرار المتطاير من عينيها العسلية نحو الطالبات. فهم اللعبة تماماً وانفجرت داخله موجة من السعادة والانتصار.
انحنى فارس برأسه نحو أذنها حتى تلامست أنفاسه مع خصلات شعرها، وقال بصوت رخيم منخفض يقطر خبثاً وكوميديا: "اممم.. واخد بالي إن في قطة شر.سة غيورة أوي واقفة جنبي.. جرى إيه يا لِمضة؟ مش واثقة في الفستق بتاعك ولا إيه؟"
دلال شعرت بالكهرباء تسري في جسدها، وتحول وجهها فوراً إلى اللون الأحمر القاني من شدة الكسوف. حاولت سحب يدها بارتباك، لكن فارس شدد من قبضته على يدها ولم يتركها، بل ضمها إلى جانبه بامتلاك كامل وهو يبتسم ابتسامة وسيمة أذابت قلوب الفتيات اللاتي تحسرن عندما أدركن أنها زوجته.
دلال بلجلجة وصوت خفيض: "أنا.. أنا مش غيورة أصلاً! أنا بس خايفة أتوه وسط الزحمة دي!"
فارس ضحك بصوت رجولي دافئ رن في الأرجاء: "تتوهي وأنتي في حضن الفارس؟ طب بذمتك ده كلام يتدخل العقل؟ ماشي يا ستي.. هعديها بمزاجي، بس مسكة الإيد دي مش هتتفك لحد ما نخرج من هنا."
أنهى فارس كل إجراءات التقديم وسط ترحيب حار من عميد الكلية الذي يعلم جيداً من هو فارس النمرود وثروته.
خرجت دلال وهي تشعر وكأنها تملك الدنيا؛ فها هو حلم التعليم يتحقق، وها هو الرجل الذي تعشقه يحميها ويدعمها أمام الجميع.
في نفس الوقت، كانت "جيهان" تجلس في قصر الشرقاوي وهي تكاد تجن بعد أن علمت بطرد شاهيناز وفشل المؤامرة تماماً، وبأن دلال أصبحت تذهب مع فارس في كل مكان.
دخلت ولدتها علي اوضتها
وقالت مالك يابنتي زعلانة ليه
جيهان بقهر :شايفة ياأمي طلع فارس وسيم مش راجل كبير وجدي مقاليش علشان كد حابب ياخد دلال لفارس
مامتها طبطبت عليها وقالت لا ياحبيتي جدك مكناش شافه اصلا وانتي عارفاه مش بيهمه حد مهما كان فين
جيهان صرخت بغل وعيناها تلمعان بالشر: "مستحيل أسيب دلال تتهنى بالفارس وثروته!
مامتها زعلت عليها وقالت انا هسيبك لوحدك يابنتي تفكري وترجعي نفسك "وطلعت من اوضتها"
جيهان في سرها..مستحيل اسيبها مستحيل لازم ادمرها وادمر سمعتها
في صباح اليوم التالي، بدأت "جيهان" في تنفيذ خطتها الخبيثة.
اتفقت مع موظف شاب ومستهتر في قسم العلاقات العامة يُدعى "رامي"، ووعدته بمكافأة مالية ضخمة وبترقية إن هو نفذ المطلوب.
كانت دلال تجلس خلف مكتبها في الممر، تراجع بعض ملفات الكلية الجديدة بتركيز وبراءة.
اقترب رامي ببطء وهو يحمل بعض الأوراق، وتظاهر بأنه يتعثر، فسقطت الأوراق أمام دلال.
دلال بنقاء قلب: "أوبس! ثانية واحدة هساعدك."
انحنت دلال لتجمع الأوراق، فجرى رامي وانحنى أمامها مباشرة وتظاهر بأنه يمسك يدها ليأخذ الأوراق، وفي تلك اللحظة بالذات، كانت جيهان تقف بعيداً خلف عمود زجاجي، والتقطت بهاتفها عدة صور من زوايا سريعة ومقربة، تظهر فيها دلال وكأنها تبتسم لرامي وهو يمسك يدها بحميمية!
خلال أقل من نصف ساعة، وبمساعدة حسابات وهمية، نُشرت الصور على مجموعات "الواتساب" السرية الخاصة بموظفي الشركة، مصحوبة بعبارات مسيئة مثل: "شوفوا السكرتيرة الجديدة وحرم الفارس بيه بتعمل إيه من وراه مع الموظفين الشباب!"
انقلبت الشركة رأساً على عقب، وبدأت الهمسات والضحكات الخبيثة تملأ الممرات.
دلال كانت تجلس في مكتبها لا تفهم سبب النظرات الغريبة التي يوجهها لها الموظفون الذاهبون والآيبون.
فجأة، انفتح باب مكتب فارس بعنف.
خرج فارس وعيناه تشتعلان بنيران حمراء كأنه شيطان مارد.
كان يمسك بهاتفه الذي يعرض الصور الملعونة. ملامحه كانت مخيفة لدرجة أن السكرتارية في الأدوار الأخرى هربوا من مكاتبهم.
فارس بصوت أرعب البرج بأكمله: "رامييييييييي!"
اندلع فارس نحو قسم العلاقات العامة كالإعصار، وخلفه دلال التي تجري وهي تبكي دون أن تفهم شيئاً. في وسط القسم، أمسك فارس برامي من ياقة قميصه ورفعه بيد واحدة في الهواء، ثم انهال عليه بالضرب بلكمات قاسية تسببت في صراخ رامي وتوسلاته.
فارس وهو يضربه بغضب أعمى: "بتلمس مراتي يا زبالة؟! بتنشر صور ليها يا وساخات السوق؟! ودين الله لأدفنك حي!"
تدخل أمن الشركة بصعوبة ليفصلوا فارس عن رامي الذي كان ينزف.
التفت فارس للموظفين المذعورين وصرخ: "الكلب ده يتمسح اسمه من التأمينات وميشتغلش في أي شركة في مصر! والحسابات الوهمية دي لو مجاش اسم صاحبها خلال ساعة، هحبس رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات نفسه!" (جيهان كانت تسمع من بعيد وتكاد تموت من الرعب من منظر فارس الشرس).
رواية فستبقي المحبوب الفصل التاسع 9 - بقلم هاجر سلامه
مسك فارس إيد دلال بعنف وجرها وراه ودخلوا المكتب ورزع الباب وقفله بالمفتاح.
دلال كانت بترتعش ودموعها نازلة كالمطر على خدودها البيضاء.
دلال بشهقات عياط: "والله العظيم ما عملت حاجة يا فارس! هو الورق وقع وأنا كنت بساعده، أنا معرفش الصور دي اتصورت إزاي!"
فارس اقترب منها بخطوات سريعة وزي الأسد الحـبيس، وزنقها ورا الحيطة، وحط إيديه الاتنين حوالين راسها وهو بينهج بعنف، وعينيه السودا كانت بتطلع شرار وغيرة عمياء قطعت أنفاسه.
فارس بصوت فحيح حاد ومرعب من كتر الغيرة: "أنا عارف إنك معملتيش حاجة! وعارف إنك أنضف من طوب الأرض والكلاب دول هربيهم! بس ناري وشعلتي مش بسببهم.. ناري بسببك أنتي!"
دلال برقت عينيها العسلية بدموع وصدمة: "بسببي أنا؟!"
فارس قرب وشه منها جداً لدرجة إن أنفاسه الحارقة بقت على وشها، وقال بنبرة تملك وسيطرة كاملة: "آه بسببك! من النهاردة.. ممنوع تقربي من أي مخلوق في الشركة دي أو براها! ممنوع تبتسمي لحد، وممنوع ورق يقع تلميه، وممنوع عينك تيجي في عين راجل غيري! أنتي ملكي أنا.. ملك فارس النمرود بس! فاهمة يعني إيه؟ يعني ضحكتك، عيونك، حركاتك، لمسة إيدك.. ميتفروش غير ليا أنا وبس! لو شفتك بتكلمي دبان طير هكون هادد المكان فوق دماغ الكل!"
دلال سكتت فجأة.. ودموعها وقفت. حست بقلبها بيدق بسرعة رهيبة مش من الخوف، بل من كمية العشق والامتلاك اللي شايلاها كلمات فارس.
حست بجسمها كله بيقشعر، وبصت في سواد عينيه وتاهت تماماً. الغيرة الشرسة دي خلت مشاعرها تنـفجر ومبقتش قادرة تكتمها جواها أكتر من كده!
فارس مسح دموعها بإبهمه برقة مفاجئة تناقض غضبه، وهمس وعينه على شفايفها: "فاهمة يا دلال؟"
دلال هزت راسها بكسوف ووجنتين مشتعلتين: "فاهمة يا فارس.."
بعد اليوم العصيب والمشحون بالغيرة في الشركة، عاد فارس ودلال إلى الفيلا.
كانت دلال ما زالت تشعر بنبضات قلبها تتسارع كلما تذكرت كلمات فارس الحارقة وتملكه الشديد لها.
صعدا إلى الجناح، ودخل فارس فوراً إلى الحمام ليأخذ دُشاً دافئاً يزيل عنه آثار الغضب والتوتر.
جلست دلال على طرف السرير الفخم، ترتب حقيبتها ودفاترها استعداداً للجامعة، وعقلها يسرح في ملامح الفارس. وفجأة، سُمع صوت مقبض الباب وهو يفتح.
التفتت دلال، لتتسع عيناها العسليتان بصدمة وكسوف قاتل! خرج فارس من الحمام ولم يكن يرتدي سوى فوطة بيضاء كبيرة تلف خصره، وقطرات الماء تنساب بنعومة على عضلات صدره وجسده الرياضي الممشوق، وشعره الأسود مبلل ويتساقط على جبينه بشكل جذاب ومثير للغاية.
دلال وضعت يديها على وجهها بسرعة ولفّت ظهرها له وهي تصرخ بصوت خافت مضحك: "يا نهار مش فايت! أنت خرجت كده إزاي يا فارس؟! روح البس هدومك يخرب عيلتك!"
فارس فهم كسوفها فوراً، وانقسمت ملامحه عن ابتسامة ساحرة وخبيثة غطت غمازاته.
تحرك بخطوات واثقة وهادئة كالفهد حتى أصبح واقفاً خلفها تماماً، ولم تفصل بينهما سوى إنشات قليلة.
فارس بنبرة رخيمة تذوب الصخر: "جرى إيه يا مدام؟ أنتي بتتحركي في أوضتك.. وأنا جوزك على فكرة، مش غريب! وبعدين قولي لي صحيح.. احنا هنبدأ الجامعة بكره رسمي؟"
دلال وهي ما زالت مغمضة عينيها ووجهها يشتعل حمرة كالطماطم: "أيوا.. أيوا هنبدأ بكره والورق كله جاهز.. ممكن بقى تروح تلبس هدومك عشان خاطري؟"
فارس ضحك بصوت واطي دافئ فيه بحّة رجولية جذابة، وقرب من أذنها أكتر وهو يعاكسها بلطف: "تؤ تؤ.. مش هلبس، الجو حر هنا أوي.. وبعدين مش عاجبك شكل الفستق بتاعك وهو خارج من الشاور ولا إيه؟"
دلال لوت بوزها بكسوف ودلال طفولي: "فارس.. بلاش غلاسة وقرب أوي كده!"
فارس لم يستمع لها، بل مد يده الكبيرة ولفها برقة حول خصرها الممشوق وسحبها لتلتفت إليه، ليصبح وجهها مقابل صدره العاري تماماً. رغماً عنها، فتحت دلال عينيها العسلية لِتتلاقى مع سواد عينيه الحادتين اللتين تحولتا إلى حنان جارف. انحنى فارس ببطء شديد، وأغمض عينيه وهو يحاول أن يطبع قبلة دافئة ورقيقة على شفتيها الكرزية.
دلال حست بكهربا قوية هزت كيانها، لكن خجلها انتصر، فوضعت يديها الصغيرتين على صدره وبأطراف أصابعها دفعته للخلف برقة وابتعدت خطوة وهي تتنفس بسرعة وعيناها تلمعان بالخجل.
فارس فتح عينيه ونظر إليها بابتسامة متفهمة ومستمتعة، ومسح على شعره المبلل وقال بصوت دافي مليان وعود: "ماشي يا دلال.. ابعدي براحتك، بس وحياة حبك في قلبي، هيجي اليوم اللي مش هتقدري تبعدي فيه ثانية واحدة.. الصبر حلو!"
ثم غمز لها بخبث ودخل غرفة الملابس ليرتدي ثيابه
بعد نصف ساعة، خرج فارس وهو يرتدي بنطالاً مريحاً من القطن الأسود وتيشرت رمادي خفيف.
نظر نحو السرير، فوجد دلال قد تمددت وغطت نفسها باللحاف تماماً حتى منتصف وجهها، وتظاهرت بالغط في نوم عميق لكي تهرب من مواجهته والكسوف الذي يقـتلها.
فارس ابتسم وعلم أنها تمثل النوم. تحرك بهدوء ونام بجانبها على السرير الفخم.
وبدون مقدمات، مد ذراعه القوية وسحب جسدها النحيل برقة حتى أصبحت بالكامل داخل أحضانه، وأسند رأسها البني الناعم على صدره، ولف ذراعه الأخرى حول خصرها بامتلاك وحنان كبير، واستنشق عبير شعرها الذي يفوح برائحة الياسمين.
دلال في تلك اللحظة تجمدت تماماً! عيناها اتسعتا خلف الغطاء، وقلبها بدأ يدق بعنف شديد كطبول الحرب لدرجة أنها شعرت أن فارس سيسمع دقاته.
كانت صاحية تماماً ولم تنم، وشعرت بدفء جسده وأمان حضنه الذي لم تذقه طوال حياتها في الدار.
دلال في سرها وهي تمـوت من الكسوف: "يا نهار أبيض يا دلال.. هيموتني الراجل ده! دقات قلبي هتفضحني! أتحرك ولا أعمل إيه؟ لا لا.. خلينى عاملة نفسي نايمة ومكملة نوم كده أحسن لحد الصبح، حضنه دافي أوي يا رب ما يحزمني منه أبداً."
فارس شعر برعشة جسدها الخفيفة وبسرعة أنفاسها، فابتسم في الظلام وعرف أنها مستيقظة وتكابر، فشدد من ضمتها أكثر وهمس بصوت دافئ للغاية قرب رأسها: "تصبح على خير يا دلال الفارس.."
رواية فستبقي المحبوب الفصل العاشر 10 - بقلم هاجر سلامه
في الصباح الباكر، استيقظت دلال وهي تشعر بنشاط وفرحة عارمة؛ فهذا أول يوم دراسي رسمي لها في كلية إدارة الأعمال
ارتدت ملابس كاجوال مريحة، ونزل معها فارس الذي أصر على توصيلها بنفسه حتى باب المدرج، وودعها بنظرة دافئة تملؤها التوصيات الصارمة بألا تتحدث مع أي مخلوق.
دخلت دلال قاعة المحاضرات وجلست في المقاعد الأمامية بتركيز وبراءة.
بعد انتهاء المحاضرة الأولى، خرجت إلى ساحة الكلية الفسيحة لتشتري بعض العصير.
في تلك الأثناء، لمحها شاب مستهتر ومغرور من طلاب السنة النهائية يُدعى "تامر".
أعجبه جمال دلال الساحر والنقي، فقرر أن يقترب منها ويستعرض نفسه أمامها.
تامر بابتسامة سمجة وهو يقف أمامها مباشرة: "صباح الورد يا قمر.. أنتي سنة أولى صح؟ أنا ممكن أساعدك في أي حاجة هنا في الكلية."
دلال تذكرت فوراً تحذيرات فارس وزلزال غيرته، فتراجعت خطوة للخلف وقالت بنبرة حادة وصارمة: "لو سمحت اتفضل من هنا ومتقفش قدامي، أنا مش عايزة مساعدة من حد!"
تامر لوى بوزه باستخفاف وحاول يقرب أكتر: "جرى إيه يا قطة؟ ده أنا تامر.. كل بنات الكلية بيتمنوا بس أكلمهم، بلاش تقل."
دلال صرخت فيه بغضب: "قولت لك ابعد عني وإلا هلم عليك الكلية كلها! أنت ما بتفهمش؟!"
في هذه اللحظة بالذات، كانت تقف عن بعد فتاة تُدعى "ميرنا"، وهي حبيبة تامر وشديدة الغيرة عليه، ومعها شلتها من الفتيات المستهترات. رأت ميرنا تامر وهو يقف مع دلال، فاندفعت نحوهما والشرار يتطاير من عينيها وسألته بغضب: "في إيه يا تامر؟ مين الأخت دي وواقف معاها ليه؟"
تامر عشان يداري على نفسه ويطلع بريء، كذب بلؤم وقال: "دي؟ دي بنت غريبة يا ميرنا.. أنا كنت ماشي لقيتها بتوقفني وبتحاول تتقرب مني وتتمسح فيا، وأنا كنت بصدها والله!"
ميرنا أول ما سمعت الكلمة دي، عينيها اتحولت لشر كامل وبصت لدلال بغل: "بقى حتة بت بيئة زيك تعمل كدة مع تامر؟!"
وبدون مقدمات، اندفعت ميرنا وشلتها (ثلاث فتيات) فوق دلال. بدأت خناقة شوارع حقيقية وسط الحرم الجامعي! دلال مكنتش ضعيفة، وتذكرت الأيام الصعبة، فبدأت تدافع عن نفسها وتضرب ميرنا وتشد شعر التانية، وضرتهم بقوة وعزيمة، ولكن بلا فائدة!
دلال كانت لوحدها قدام أربع بنات متو.حشين، فتلقّت ضربات قاسية، وخد.وشاً على وجهها ورقبتها، وزرقان في ذراعيها، وتمزق جزء من قميصها.
تجمع الطلاب، وجاء أمن الكلية وفصلوا بينهم بصعوبة وتم تحويلهم جميعاً لمكتب العميد.
ولأن دلال كانت جديدة والعميد ميعرفش إنها حرم فارس النمرود (لأن فارس قدم أوراقها في الإدارة العليا سراً)، وبسبب كذب ميرنا وشلتها وشهادة تامر الزور، قرر العميد معاقبة دلال بحرمانها من دخول الكلية لمدة أسبوع مع لوم شديد!
عادت دلال إلى الفيلا بالسيارة وهي تبكي بحرقة في صمت، تشعر بالقهر والظلم، وجسدها كله يؤلمها من آثار الضر.ب.
دخلت الجناح بسرعة لتبدل ملابسها وتخفي آثار المعركة قبل وصول فارس.
بعد ساعة، دخل فارس الجناح بكل هيبته وابتسامته الوسيمة: "مساء الخير يا دلال الفارس.. عملتي إيه في أول يوم؟"
دلال كانت تعطي ظهرها له وتتظاهر بالبحث عن شيء في الدولاب، وقالت بصوت مخنوق باكي: "الحمد لله يا فارس.. كويسة، اليوم كان عادي."
فارس حس فوراً بنبرة صوتها. حاسة السادسة اشتغلت، فاقترب منها وبحركة سريعة لفها ليه.
أول ما شاف وشها، اتصدم وصعق! كان في جرح صغير بينز.ف عند شفتها، وخدوش حمراء على رقبتها البيضاء الناصعة.
فارس عروق جبهته برزت وعينيه اسودت من الرعب والغضب، ومسك كتفها بلهفة وخوف هز كيانه: "دلال! إيه ده؟! مين اللي عمل فيكي كده؟! أنتي عملتي حادثة بالعربية؟!"
دلال وطت راسها وعياطها زاد وهي بتهز راسها بالنفي.
فارس شدها لحضنه جامد وهو بيمسح على شعرها وصوته بقا مرعب من كتر الغضب: "اتكلمي يا دلال! وحياة دموعك الغالية دي اللي بتحرق قلبي، لو مأقولتيش حالا مين اللي مد إيده عليكي لأكون هادد الدنيا! اتكلمي!"
بعد محاولات وتوسلات من فارس، حكت له دلال كل اللي حصل من تامر وميرنا والبنات، وظلم العميد ليها وعقابها.
أول ما دلال خلصت كلامها، فارس قلبه اعتصر عليها وجعاً وقصاد الوجع ده تولد غضب أعمى ملوش حدود. شاف حبيبته ومراته، الطفلة البريئة اللي بيحميها من الهوا، راجعة متبهدلة ومضرو.بة ومظلومة!
فارس مسح دموعها برقة بالغة، وقبل رأسها بقبلة طويلة دافية، وقال بصوت فحيح الأفاعي الهادئ والمخيف جداً: "اشش.. اهدى يا قلبي خلاص. دموعك دي تمنها غالي أوي، وحقك والكسرة والظلم اللي شوفتيهم في الكلية النهاردة، الفارس هيجيبهولك أضعاف مضاعفة حالا.. البسي هدومك وتعالي معايا!"
ركبت دلال العربية الفخمة جمب فارس وهي لسه بتشهق من العياط وجسمها بيوجعها.
فارس كان سايق بسرعة رهيبة، إيده ضاغطة على الدريكسيون لدرجة إن عروق دراعه كانت هتـنفجر، وعينيه اسودت تماماً ومبقاش شايف قدامه غير وش دلال المجروح.
كان بركان غضب ماشي على الأرض.
وصلت العربية ووقفت فجأة قدام البوابة الرئيسية للجامعة بصوت فرامل هز المكان. فارس نزل بكل طوله وهيبته المرعبة، وفتح الباب لدلال، ومسك إيدها الصغيره وشدد عليها وهو بيبص في عينيها بثقة: "ارفعي راسك فوق يا دلال الفارس.. النهاردة الكلية دي كلها هتركع تحت رجليكي عشان تاخد عفوكِ."
دخل فارس الحرم الجامعي وهو جار دلال وراه، والكل بدأ يبص عليه برعب وذهول من ملامحه اللي متتفـسرش غير بالمـوت.
اتجه مباشرة لمكتب العميد ورزع الباب برجله رقعة واحدة خلت الزجاج يتشقق!
العميد انتفض من على كرسيه بفزع: "جرى إيه يا فندم؟! أنت مين وإزاي تدخل مكتب عميد الكلية بالطريقة دي؟! الأمن!"
فارس قرب منه بخطوات زي الفهد، وحط إيديه الاتنين على مكتب العميد وانحنى عليه بصوت جهوري يرعب: "أنا فارس النمرود! اللي كلمتك الصبح وكتبت البنت دي في الكلية دي بفلوسي واسمي! تقوم أنت يا فاشل يا غبي، تسمع لكلام عيال صايعة وتعاقب مراتي وحرم فارس النمرود وتطردها برة الكلية وهي مظلومة؟!"
العميد أول ما سمع اسم "فارس النمرود"، ركبه بدأت تخبط في بعضها ووشه جاب ألوان الطيف، ووقف برعب: "فـ.. فارس بيه! أنا أسف جداً والله العظيم ما كنت أعرف إنها مدام حضرتك! البنات هما اللي قالوا.."
فارس زعق بصوت هز جدران المبنى كله: "تخرس خالص! حالا تلم لي الأمن والدكاترة وكل الطلبة في الساحة برة! وتجيب لي الكلب اللي اسمه تامر والحرباية اللي اسمها ميرنا وشلتها من قفاهم برة.. حالا! ودين وأمانة لو خمس دقايق وعدت ومكنش الكل واقف في الساحة، لأكون قفل الكلية دي وماسح اسمها من وزارة التعليم العالي كلها النهاردة!"
العميد جرى بنفسه برعب وهو بيترعش وبدأ يبلغ الأمن والدكاترة ينفذوا الأوامر فوراً.
خلال دقائق، كانت الساحة الكبرى للجامعة مليانة بمئات الموظفين والطلبة والدكاترة الواقفين في ذهول. وفي النص، كان واقف فارس النمرود وحاطط إيده حوالين خصر دلال بامتلاك، ودلال واقفة وراسمة علامات الصدمة من قوة جوزها.
أمن الكلية جابوا "تامر" و"ميرنا" والثلاث بنات التانيين وهما ميتين من الرعب مش فاهمين في إيه.
فارس بص لتامر بنظرة صقر وقرب منه، وبدون مقدمات، شال إيده ولطشه قلمين على وشه ونزل فيه ضرب بوكسات خلاه يترمي في الأرض وينزف وهو بيصوت: "أنا بقا اللي مراتي وقفتك وادتك وش يا زبالة؟! دي جزامتها تشرف عيلتك كلها!"
الطلبة كلهم شهقوا بصدمة، وميرنا والبنات بدأوا يعيطوا بهستيريا وخوف.
التفت فارس للعميد اللي واقف بيرتعش وقال بصوت حاسم: "الكلب ده، والبنات الأربعة دول، يتفصلوا فصل نهائي من الجامعة حالا وميتكتبش ليهم قيد في أي جامعة تانية في مصر! والعميد المحترم.. يقدم استقالته حالا عشان مش شايف شغله وبيظلم عيال الناس!"
العميد وطى راسه وقال برعب: "حاضر يا فندم.. حالا القرارات هتتنفذ."
فارس بص لميرنا والبنات وقال بصوت فحيح الأفاعي: "وأنتي وهي.. حالا تركعوا في الأرض وتبوسوا إيد ورجل دلال عشان تسامحكم، وإلا وقسماً بالله العظيم لأكون حابس أهاليكم كلهم بتهمة التشهير والبلطجة!"
ميرنا والبنات انهاروا وجريوا تحت رجلين دلال وهما بيعيطوا ويبوسوا إيدها: "سامحينا يا دلال! والله تامر هو اللي كدب علينا! سامحينا أرجوكي!"
دلال بصت لفارس بدموع فرحة وإعجاب ملوش حدود، وحست إن كرامتها رجعت لها قدام الكلية كلها. بصت للبنات وقالت بنبرة قوية اتعلمتها من فارس: "أنا مسامحاكم.. بس عشان تعرفوا إن بنات الناس مش لعبة في إيدكم."
فارس مسك إيد دلال وخرجوا من الكلية وسط نظرات الذهول والإعجاب من كل الطلبة اللي بقوا يتمنوا نص نظرة من دلال حرم الفارس.
ركبوا العربية، وفارس هدي تماماً وبص لدلال وطبطب على وجنتها برقة بالغة: "حقك رجع يا دلال الفارس؟"
دلال اترمت في حضنه فجأة وهي بتعيط من الفرحة: "رجع يا فارس.. ربنا ما يحرمني منك أبداً يا بطل حياتي."
فارس ضمها لصدوره جامد وباس راسها، ومكنش يعرف إن في نفس اللحظة دي في الشركة، الموظف المرتشي اللي تبع "جيهان" نجح فعلاً إنه يغير في أوراق شحنة استيراد ضخمة بملايين، وحط اسم دلال وتوقيعها المزور على إنها هي اللي اختلست الفلوس وحولتها لحساب برة! والمصيبة إن لجنة الرقابة المالية في الشركة هتكتشف الموضوع ده بكره الصبح!
ياتري هيحصل اي وهل هيفضل فارس وثق في دلال !