تحميل رواية «في قبضة العاصم» PDF
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ي السماء كانت مغيمة، والريح بتعدّي على الحصى كإنها بتوشوش بأسماء اللي راحوا. وقف عاصم القاسمي قدّام شاهد رُخامي أبيض، مكتوب عليه بخط حلو: "رائد القاسمي 29/9/1995 - 12/10/2022" المطر بدأ ينزل خفيف، بس عاصم ما اتحركش. نقطة ميّه نازلة من السما خلطت بنقطة تانية… ما كانتش ميّه. فضل يبُص للاسم كتير، وبعدين قال بصوت واطي ومبحوح: "أخي… كَم مرة وعدتك إني هافضل ضلك وسِترك؟ وها أنا دلوقتي جاي أزورك… بعد ما فشلت أحميك." ركع على رُكبُه، ومدّ إيده على التراب المبلول، وعينه سِرَحت في البعيد. كمّل بصوت مخنوق بي...
رواية في قبضة العاصم الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيليا البحيري
ي
في ألمانيا – فيلا رامي / الساعة 2 بعد نص الليل
الفيلا ساكنة جدًا، مفيش صوت غير هبة الهوا وهي بتخبط في الإزاز الكبير.
الأنوار مطفية تقريبًا، إلا لمبة خفيفة قوي طالعة من تحت باب مكتب رامي.
ليل ماشية في الممر بصوت خفيف، قلبها بيدق بسرعة وعنيها بتلف حوالينها.
تمد إيدها على مقبض الباب وتفتحه بالراحة، كأنها خايفة النفس يطلع بصوت.
ليل (تهمس لنفسها):
"لو لقيت أي حاجة تثبت براءة بابا… حتى لو خيط صغير… لازم ألاقي. حتى لو الموضوع دا هيولع الدنيا."
تدخل المكتب، تبص حواليها. المكتب كبير والرفوف مليانة أوراق وملفات وصور.
تروح ناحية درج وتفتحه بهدوء، تلاقي ملفات مكتوب عليها:
"قسم العمليات الخاصة – المخابرات المصرية"
ليل (مندهشة وبتهمس):
"رامي… ضابط مخابرات؟!"
تفتح ملف تاني، صور تقع من جوه على الأرض.
تنزل تجمعهم وتبص عليهم.
أول صورة: رامي وهو صغير في العشرينات لابس بدلة جيش، واقف جنب واحد سنه أكبر شوية…
رائد خالد القاسمي.
ليل (بتهمس بدهشة):
"ده… رائد؟ أخو عاصم!"
تقلب الصورة اللي بعدها:
رامي، رائد، أبوهم خالد القاسمي ومعاهم ناس كتير…
منهم وش تعرفه فورًا: زياد الزهراوي، أبوها، وهو شاب، مبتسم ومهيب.
وجنبه أدهم الزهراوي، مراد الشرقاوي، وآدم العطار.
ليل (بتتنفس بسرعة):
"يعني كلهم كانوا يعرفوا بعض؟!
بابا، وعمي، ومراد، وحتى أبو زين؟!
كل دول في دايرة واحدة؟!"
تقعد على كرسي المكتب، تقلب الصور تاني، تلاقي صورة لرامي وهو طفل شايل أخته الصغيرة نيروز، جنبهم أبوهم وأمهم.
ليل (بابتسامة حزينة):
"يااه… كانوا عيلة حلوة بجد."
بس عينها تقف عند صورة تانية.
راجل شعره اسود وملامحه قريبة قوي من عاصم، واقف جنب زياد الزهراوي.
على الصورة مكتوب:
"خالد القاسمي و زياد الزهراوي – القاهرة 1996"
جسمها يقشعر.
ليل (بصوت مهزوز):
"يعني… بابا كان صاحب أبو عاصم القريب؟!"
تلاقي ملف مكتوب عليه:
"حادثة المقدم رائد خالد القاسمي – سري جدًا"
تفتحه وإيدها بتترعش.
تقرأ:
> "المشتبه به: زياد الزهراوي – بسبب خلافات مهنية وشخصية مع المجني عليه..."
ليل (بغضب ودموع):
"خلافات إيه؟! ده كان بيحبه زي ابنه!
بابا عمره ما أذى حد… عمره ما يعمل كده."
تقفل الملف بعصبية وتمسح دموعها.
ليل:
"مش هصدق الكلام ده… مش قبل ما أعرف الحقيقة بنفسي."
تبص للابتوب، تفتحه، يطلب باسورد.
ليل (بتهمس):
"أكيد له باسورد… نجرب نيروز؟ لأ… يمكن خالد؟ أو رائد؟"
(تضحك بخفة)
"مش معقول يكتب اسم أخوه اللي مات!"
فجأة تسمع صوت خطوات في الممر.
تتجمد في مكانها، تقفل الشاشة بسرعة وتستخبى ورا الستارة التقيلة.
رامي يدخل، شكله تعبان ومعاه كباية قهوة.
يبص حواليه بشك.
رامي (بصوت واطي):
"كنت سامع صوت هنا… ولا أنا بتخيل؟"
يقرب من المكتب ويلفت يشوف الملفات مفتوحة شوية.
ياخد نفس طويل ويرجع يقفلهم.
رامي (بهمس):
"البيت ده بقى بيتهيألي كل يوم."
يشرب شوية قهوة ويمشي.
ليل تطلع تتنفس بصعوبة، تمسك صدرها.
ليل (بهمس):
"يا رب ما يكون شاف حاجة… أنا كنت هبوّظ الدنيا."
ترجع كل حاجة مكانها.
تبص تاني على صورة بابا وخالد القاسمي.
دمعة تنزل منها.
ليل (بحزم ووجع):
"بابا… والله لهعرف كل حاجة.
وهرجع حقك… حتى لو وقفت قدام الدنيا كلها."
تمشي بسرعة وتخرج، سايبة وراها السر اللي ابتدى يتفتح ببطء.
*******************
خرجت ليل من مكتب رامي على أطراف صوابعها، وقفّلت الباب بهدوء شديد.
حطّت إيدها على صدرها وهي بتتنفس بصعوبة:
ليل (بهمس مخضوض):
الحمدلله... ما حسّش بيا… يا رب بس ما يكونش شافني 😩.
لفّت علشان تمشي…
وفجــأة…
صوت هادي، ورايب، وفيه سخرية باردة طالع من الضلمة وراها:
عاصم (بابتسامة باااردة):
بتصطادي أشباح يا ليل؟ ولا اتفرجتي على فيلم جرايم وقلتي تجربي بنفسك؟ 😏
ليل اتشمرت في مكانها… عينها وسعت، تلف ببطء، تلاقيه واقف ماسك الحيطة، إيديه متشابكة، عينه بتلمع ومليانة تهكم.
ليل (متلخبطة):
إ… إنت؟! إيه اللي جابك هنا؟!
عاصم (يميل راسه):
سؤال حلو… بس المفروض أنا اللي أسأله.
إيه اللي خلاكي تتسلي في نص الليل جوه مكتب رامي؟
ولا كنتي فاكرة نفسك نِينجا؟ 😏
ليل (بتتلخبط تحاول تبرر):
لا طبعًا… أنا بس… كنت بدوّر على حاجة—
عاصم (يضحك بشماته):
آه، واضح… بتدوّري على الحقيقة؟ ولا على مصيبة جديدة؟ 🤨
ليل تبلع ريقها، وهو يقرب منها بخطوات ثابتة، عينه مش سايبة وشها لحظة.
عاصم (بصوت واطي):
الفضول ساعات بيقتل صاحبه يا ليل…
خصوصًا لو لعب في ملعب مش بتاعه.
ليل (بعناد يطلع رغم رعشتها):
أنا مش خايفة منك… وبعدين من حقي أعرف.
كفاية بقى أسرار… اتخنقت.
عاصم (ضحكة صغيرة باردة):
الجهل أرحم يا ليل…
على الأقل الجاهل بينام بالليل.
إنما اللي يعرف الحقيقة… ما بينامش أبدًا.
ليل (تتنرفز):
هو إنت لازم تتكلم ألغاز؟ ولا دي طريقة تستعرض بيها الفلسفة؟!
عاصم (يقرب منها أكتر):
لا… ده اسمه ألهيكي عن الرجفة اللي ماسكاكي 😏
بس بصراحة… شكل الشجاعة عليكي لطيف.
عاملة جامدة… بس عينيكي بتعيّط.
ليل (بإصرار):
مش خايفة!
عاصم (بهدوء مرعب):
تمام…
خافي مني بعدين.
لأن بعد يومين… هتبقي مراتي.
الوقت وقف… صوت دقة الساعة بس.
ليل (بتصرخ):
إيه؟!
إنت بتقول إيه؟! 😳
عاصم (بارد جدًا):
قلتلك: بعد يومين هتتجوزيني.
ليل (تصرخ):
أتجوزك إنت؟! على جثتي!
عاصم (بسخرية رقيقة):
طب ماشي… بس نأجل موضوع الجثث شوية.
احنا في ألمانيا مش مسلسل تركي 😌
ليل:
إنت مجنون!
عاصم (ينزل بصوته ويقرب):
احتمال كبير…
بس أحسن من الغباء اللي بتعمليه دلوقتي.
ليل (تحاول تبعد):
ابعد عني! أنا مش لعبة في خططك ولا دمية في انتقامك!
عاصم (يبص جوا عينيها بنظرة خطيرة):
ده الغلط…
إنتي مش جزء من الخطة…
إنتي الخطة كلها.
وفرّق كبير لما أقرر أكسب.
ليل (بتصوت):
ليه؟! ليه أنا؟ عايز تتجوزني ليه؟!
عاصم (يغمض عينه نص غمضة، نبرة هادية وشريرة):
علشان أحميكي.
ليل (بسخرية مصدومة):
تحميني؟ منك؟!
عاصم (ضحكة قصيرة):
ممكن…
بس من ناس أسوأ مني كتير.
يبص لها شوية… كأن كلامها ولا هزّه.
وبعدين يلفّ ويمشي بهدوء ناحية السلالم.
عاصم (قبل ما يختفي):
جهّزي نفسك يا ليل…
مش بس هتجوزك…
ده أنا كمان هخليكي تندمي إنك فكرتي تلعبّي في عالمي.
ليل (بصوت مكسور):
مستحيل…
عاصم (يختفي ورا الضلمة، صوته ساخر):
كل حاجة مستحيلة… لحد ما تحصل 😉
ليل تفضل واقفة، نفسها يتقطع، إيدها على قلبها:
ليل (بهمس مرعوب):
مستحيل… يبقى جاد 😰
********************
في فيلا عائلة الشرقاوي – القاهرة – الساعة التاسعة صباحًا
ضوء الشمس يتسلّل بخفة عبر الستائر الحريرية، ينعكس على أثاث القصر الفخم بلمعة ذهبية هادئة.
على طاولة الإفطار الطويلة، جلس الجد عبد الرحمن الشرقاوي في صدر المائدة، إلى يمينه ابنه مراد، وإلى يساره نرمين، بينما جلس سليم مقابلهما، صامتًا، وجهه جامد، يخفي وراء هدوئه عاصفة من الاشمئزاز.
صوت الملاعق الخفيف يملأ المكان، يتخلله سعال الجد من حينٍ لآخر.
الجد (بصوت هادئ، وهو يضع فنجانه):
مراد يا ابني… في أي جديد عن ليل؟
بقالها أسابيع، والدها بيعيش على أمل نسمع عنها حاجة…
مراد (يتنهد نَفَسًا طويلاً، بنبرة تمثّل الحزن):
للأسف يا بابا… مافيش حاجة جديدة لحد دلوقتي.
المخابرات بتتابع، بس الدنيا معقدة… كأنها اختفت من على وش الأرض.
الجد (بحزن):
يا حبيبتي ليل… البنت دي زي حفيدتي.
فاكر يوم كانت بتيجي البيت تلعب مع سليم وريما وهي صغيرة؟ كانت بتضحكني بنظرتها البريئة.
(ينظر لمراد)
زياد أكتر واحد وقف جنبك يا مراد في حياتك، ما تنساش دا أبدًا.
مراد (بصوت خافت ووجه مصطنع الحزن):
عارف يا بابا… وعلشان كده مش هرتاح لحد ما نرجّع بنته.
(في تلك اللحظة، تلتقي نظرات سليم بنظرات أمه نرمين — نظرة مليئة بالاحتقار المكتوم. نرمين تُخفض رأسها سريعًا، بينما مراد يواصل حديثه وهو يتظاهر بالاتزان).
نرمين (بصوت هادئ):
إن شاء الله ترجع بخير…
(تبتسم بخفة مُجبرة، ثم تغيّر الموضوع بلباقة)
بالمناسبة يا حاج، كلمتنا ريما مبارح، كانت في الجزائر مع كامل، شكلهم مبسوطين أوي.
الجد (بابتسامة حقيقية):
الحمد لله! ربنا يتمملهم على خير.
كامل ولد محترم، واضح إنه بيحبها.
مراد (مبتسم بفخر مصطنع):
أيوه، كامل شاب ناجح وراقي، وبيخليها تعيش حياة تستاهلها.
كان قرار صائب إنها توافق عليه.
سليم (ببرود ساخر خفيف):
أكيد… قراراتك دايمًا "صائبة" يا بابا.
(يسود الصمت للحظة، الجو يثقل فجأة. مراد يرفع عينيه نحو ابنه متفحصًا، في حين الجد ينظر بتعجب).
الجد (بفضول):
مالك يا سليم؟ شكلك مش طبيعي النهارده.
سليم (يرتشف قهوته ببطء):
أنا طبيعي جدًا يا جدي… بس يمكن زهقت من القرارات الصائبة اللي بتتّخذ دايمًا باسم العيلة.
نرمين (بتوتر):
سليم! مش وقته الكلام دا.
سليم (يرد بنبرة لاذعة):
أوه، آسف يا ماما… فعلاً مش وقته، ولا مكانه…
(ينظر مباشرة نحو والده)
ولا يمكن يكون في وقت مناسب للكلام عن حاجات معينة، صح؟
مراد (نظرة صارمة متوترة، يحاول ضبط أعصابه):
واضح إنك صاحي النهارده على نغمة التمرد.
إيه الحكاية؟ حد مضايقك في الكلية؟
سليم (باردًا، بابتسامة خفيفة):
لا يا بابا، محدش مضايقني.
بس ساعات الحقيقة لما الواحد يسمعها… بتكون أوقح من الكذب نفسه.
(نرمين تضع يدها على كوبها لتخفي ارتجافها. مراد يلاحظ نظراتها، يضغط على فكه غيظًا، لكنه يتظاهر بالهدوء أمام والده).
مراد (بصوت حازم):
سليم، خلينا نحافظ على جو العيلة اللطيف الصبح…
مش عايز أسمع تلميحات تانية من غير معنى.
سليم (ينهض من مكانه ببطء):
ماشي يا بابا…
بس صدقني، المعنى واضح جدًا، حتى لو إنت مش عايز تسمعه.
(يتجه نحو الباب بخطوات هادئة لكنه محمّلة بالغضب المكتوم. الجد يتابعه بنظرة قلق).
الجد (بصوت مبحوح):
سليم، في إيه يا ابني؟ كل حاجة تمام؟
سليم (يلتفت بابتسامة مجبرة):
تمام يا جدي… بس محتاج أتنفس شوية. الجو خانق هنا شوية.
(يغادر بخطوات ثابتة، الباب يُغلق خلفه بصوت خافت. الصمت يخيم على المكان.)
نرمين (بصوت خافت، دون أن تنظر لمراد):
إنت السبب في اللي وصل له…
الولد كرهك يا مراد.
مراد (بابتسامة باردة مائلة):
خليه يكرهني يا نرمين…
الكره أهون بكتير من إنه يعرف الحقيقة.
(الجد ينظر إليهما باستغراب دون أن يفهم شيئًا، ثم يهمهم بالدعاء وهو ينهض ببطء من المائدة، تاركًا الزوجين في صمت مشحون.)
*******************
في الساحل الشمالي
سيارة سليم تقف على طرف الطريق الجبلي، وبابها مفتوح.
يجلس سليم على حافة الجرف، رأسه بين كفّيه، وجهه متورم من البكاء.
صوت البحر يمتزج بأنفاسه المرتجفة.
سليم (بصوت متهدج، يحدث نفسه):
بابا… إزاي؟
إزاي قدرت تعمل كده؟
كل العمر كنت شايفك قدوتي، رمز الرجولة والكرامة…
طلعت ماشي فوق جثث الناس… بتقتل وبتضحك؟!
(يرفع رأسه نحو البحر، العيون دامعة)
سليم:
كنت دايمًا بتقول إن الحق لازم يبان، وإن اللي يظلم غيره نهايته سودة…
طب فين الكلام ده؟ فين العدل اللي كنت بتتكلم عنه؟
إزاي قتلت…؟
إزاي حطيت دم على إيدك وسبت غيرك يدفع التمن؟
(يضرب الأرض بحجر صغير، يصرخ من القهر)
سليم:
وليل… يا ليل!
اللي كانت بتضحك دايمًا وبتقوللي: "أنت أخويا اللي ما خلفتوش أمي."
إزاي هبصلها بعد كده؟
إزاي هبص في عيون رؤى؟
(يضرب صدره بكفه)
رؤى… حبيبتي اللي حتى ما قلتلهاش إني بحبها…
أكيد هتكرهني لما تعرف إن أبويا هو السبب في اختطاف بنت خالها…
أكيد الكل هيكرهني…
(ينهض ببطء، يتقدم نحو الحافة، والرياح تعبث بشعره، صوته يرتجف مع الموج)
سليم (يصرخ بأعلى صوته):
ليه ياااااااااا بابااااااااااااااااااا؟!!!!
ليه؟!!
كل اللي عملته… عشان إيه؟ سلطة؟ حقد؟ غيرة؟
دم ناس أبرياء على إيدك!!!
(يضع يده على رأسه، يختنق بالبكاء، ثم يسقط جاثيًا على ركبتيه. صوته خافت الآن، حزين، منكسر.)
سليم (بهمس مبحوح):
يا رب…
أنا مش زيه، صح؟
قولّي إنّي مش زيه…
أنا مش قاتل زيه…
أنا… أنا ضحية زيه وزيهم كلهم.
(الدموع تنهمر من عينيه، يرفع رأسه نحو الأفق البعيد حيث البحر يلتقي بالسماء.)
سليم (بصوت حزين):
يوم الحقيقة… هييجي.
وكلهم هيعرفوا مين هو مراد الشرقاوي الحقيقي…
بس وقتها…
مين هيصدقني؟
مين هيبص في وشي من غير ما يشوف وش أبوي؟
(يقف، يسحب أنفاسًا عميقة، ثم يعود إلى السيارة. قبل أن يدخل، يلتفت إلى البحر مرة أخيرة.)
سليم (بصوت خافت، كأنه وعد):
ليل… رؤى…
أقسم بالله…
لو روحي تمن، هخلي الحقيقة تطلع للنور…
بس مش دلوقتي… مش وأنا ضعيف كده.
لازم أستنى…
وأول ما اللحظة تيجي… هيكون الحساب كبير.
(يدخل السيارة، يغلق الباب بقوة، ويضغط على دواسة البنزين.
السيارة تبتعد بسرعة بين المنحدرات، تاركة خلفها صدى الموج وصوت الريح وكأن البحر نفسه ينوح معه.)
*******************
في – حرم الجامعة – في الساحة أمام مبنى كلية الإعلام
الجو دافئ والطلبة منتشرين هنا وهناك، بعضهم يضحك وبعضهم متجه للمحاضرات.
سليم يترجّل من سيارته بخطوات متثاقلة، نظراته شاردة، ملامحه منهكة وكأنه لم ينم الليل كله.
وبالقرب من إحدى الأشجار، كانت رؤى تنتظره، وإلى جانبها زين العطار الذي كالعادة يمضغ علكة ويعبث بمفاتيح دراجته النارية بملل.
زين (بصوت مرتفع وهو يلوّح):
أهو العريس وصل يا ستّي رؤى! 😏
كنتِ هتمشي وتسيبيه من غير ما تسأليه ليه لابس السواد ده النهارده ولا إيه؟ 😂
رؤى (تضربه على ذراعه بخفة):
زين! بطل هزارك شوية.
هو شكله تعبان بجد.
(سليم يقترب، يحاول رسم ابتسامة باهتة، صوته منخفض)
سليم:
صباح الخير.
رؤى (بقلق حقيقي):
صباح النور يا سليم… مالك؟ وشّك باين عليه التعب… كنت مريض؟
(يحاول التهرب بابتسامة مصطنعة)
سليم:
لا خالص… بس ما نمتش كويس، يمكن عشان ضغط الدراسة شويّة.
زين (يرفع حاجبه بمكر):
ضغط الدراسة؟ 😂
هو الضغط بيخلي عيون الواحد حمرا كده وكأنه كان بيعيط طول الليل؟
قولّي يا رؤى، مش شكله كان بيبكي؟ 😏
(رؤى تلتفت له بسرعة، متوترة)
رؤى:
زين! اتأدب شوية، ده أكيد مرهق بس.
زين (ضاحك):
أهو أنا بسأل! يعني راجل وبيبكي؟ الدنيا اتشقلبت ولا إيه؟ 😂
(فجأة، سليم يخطو نحوه بهدوء غريب… ثم يفاجئه ويحتضنه بقوة.)
سليم (بصوت مبحوح):
تعرف يا زين…
مش عيب الراجل يبكي…
العيب إنه يكتم وجعه لحد ما يموت من جواه.
(زين يتجمّد في مكانه، مندهش تمامًا، بينما رؤى تضع يدها على فمها بدهشة.)
زين (يحاول التخفيف من الموقف وهو لا يزال مصدوم):
هوهّ… هوهّ يا عمّنا، اهدى بس 😂
أنا كنت بهزر! مش قصدي تخشّ في دراما تركية دلوقتي 😅
(سليم يبتسم ابتسامة باهتة ويتركه، ثم يجلس على مقعد قريب، يمرّر يده على وجهه بتعب.)
رؤى (تقترب منه بلطف، نبرة صوتها حنونة):
سليم… أنت مش بخير.
أنا حاسّة… في حاجة مضايقاك، صح؟
(ينظر إليها للحظة، يودّ أن يخبرها بكل شيء… ثم يبتسم بخفوت، كأنّه يخفي حربًا بداخله.)
سليم:
أنا بخير يا رؤى… بجد.
بس يمكن… محتاج أتنفّس شوية.
زين (يضحك، يحاول كسر التوتر):
طب تعالى نتنفس في الكافيتيريا 😂
هواها حلو ومليان قهوة، يمكن تفوق وتضحك شوية بدل الكآبة اللي ماشي بيها دي!
رؤى (بنصف ابتسامة):
فكرة حلوة، يلا بينا.
سليم ينهض ببطء، ينظر إليهما بحب حقيقي، وكأنه يرى فيهما الأمل الوحيد الباقي في حياته.
ثم يمشي بينهما بصمت، بينما زين لا يتوقف عن إطلاق النكات، ورؤى تراقب سليم بخوف وحنان في آنٍ واحد
********************
في
مقرّ المخابرات المصرية – الطابق الرابع – الصباح.
غرفة اجتماعات صغيرة مضاءة بإضاءة بيضاء باهتة. على الطاولة تنتشر ملفات مفتوحة وصور لفتاة صغيرة بعينين رماديتين وابتسامة خجولة… ليل زياد الشرقاوي.
يجلس اللواء آدم العطار، رجل في منتصف الخمسينات، بملامح حادة تعكس تعب السنين، وإلى جانبه الضابط الشاب جواد المصري، يراجع أوراقًا بتركيزٍ جاد.
آدم (يتنهد وهو يقلب في الملفات):
شهرين يا جواد… شهرين والبنت دي كأن الأرض انشقت وبلعتها.
مشهد زي دا ما حصلش حتى في القضايا الدولية.
جواد (يحاول أن يبدو متفائلًا):
بس يا فندم، عندنا مؤشرات إنها اتنقلت من القاهرة بعد يومين من الاختطاف.
الكاميرات في الطريق الصحراوي الشمالي رصدت عربية سوداء من نفس المواصفات اللي كانت قُدام بيت زياد بيه ليلة الحادث.
آدم (ينظر له بحدة):
وبعدها؟ العربية اختفت من الرادار كالعادة، صح؟
جواد (يهز رأسه):
أيوه يا فندم، الإشارة اتقطعت بعد ما دخلت الطريق الساحلي عند مرسى مطروح.
من وقتها… مافيش أثر.
آدم (يضرب بيده على الطاولة):
مش طبيعي يا جواد، كل مرة نفس السيناريو!
نقرب من الخيط، يتقطع فجأة!
دي مش مصادفة، دي عملية متقنة.
جواد (بتردد):
أنا بدأت أفكر فعلاً يا فندم إن في حد من جوّه بيبلغ أو بيمسح الأدلة.
يعني تسريب داخلي.
آدم (ينظر له ببطء، بصوت منخفض):
بتقول خيانة؟
جواد:
احتمال، للأسف… مش حابب أقول كده، بس مفيش تفسير تاني.
اللي بيحصل منظم أكتر من مجرد صدفة.
آدم (ينظر نحو الحائط حيث صورة جماعية قديمة لضباط المخابرات):
(بحزن)
زمان لما فقدنا رائد القاسمي… كنت فاكر إننا خسرنا واحد من أنضف ولاد الجهاز.
شاب زي الدهب… ماكنش يعرف الغش.
(يتنهد)
كان صديقي قبل ما يكون ضابط تحتي.
جواد (بابتسامة خفيفة):
أنا اشتغلت مع رائد في مهمة قبل ما يموت… كان مثل أعلى لينا كلنا.
الله يرحمه.
آدم (بصوت ثقيل):
من يومها وأنا بوعد نفسي ما أسمحش إن جهازنا يتلوث بخيانة.
بس الظاهر في حد بيحاول يخليّنا نعيش الكابوس من تاني.
جواد (يفتح ملفًا جديدًا):
يا فندم… في حاجة غريبة.
كل مرة بنوصل فيها لمعلومة عن ليل، يكون رامي هو المسؤول عن المتابعة أو التنسيق مع الجهات الخارجية.
بس لما طلبت التقارير الأصلية… ما لقيتش أي توقيع منه على النسخ الأخيرة.
آدم (يرفع حاجبه):
رامي؟
(يصمت لحظة)
رامي ضابط شاطر… اشتغل مع رائد كمان قبل ما يموت.
مش ممكن يكون له علاقة بحاجة زي دي.
جواد (بحذر):
أنا مش باتهم حد، بس… لازم نراجع كل التحركات.
الموضوع بقى أكبر من مجرد خطف بنت.
حد بيلعب بينا، وبذكاء.
آدم (يجلس ببطء ويمسك كوب القهوة أمامه):
(بصوت هادئ لكنه مفعم بالعزم)
تمام، يا جواد.
من دلوقتي الملف دا يبقى بيني وبينك.
ولا رامي، ولا أي حد يعرف إننا بنراجع من جديد.
عايزك تبدأ من الصفر… كل مكالمة، كل بلاغ، كل خطوة.
جواد (بجدية):
اعتبرها بدأت يا فندم.
بس اسمح لي أقول حاجة…
آدم (يرفع نظره نحوه):
قول.
جواد:
أنا مؤمن إن ليل لسه عايشة.
مش بس إحساس… الأدلة اللي اتسربت متعمدة تبين إنها ماتت، وده دليل إنها مش كده.
حد عايزنا نصدق العكس.
آدم (بنظرة فيها أمل مكبوت):
(يبتسم ابتسامة حزينة)
ربنا يسمع منك يا ابني.
زياد بيه حالته بتتدهور كل يوم… الراجل ده شايف ليل زي روحه.
ولو عرف إنها راحت بسبّة إهمال مننا… مش هيغفرلنا.
جواد:
هنلاقيها يا فندم، أنا واثق.
بس لازم نعرف الأول مين اللي بيخفيها… ومين بيخفي الحقيقة.
آدم (ينهض، ينظر إلى الخريطة):
ومين بيستفيد من غيابها…
(يصمت لحظة، ثم يهمس)
يا رب… احمِ البنت دي، وورّينا طريقها قبل ما يفوت الأوان.
*******************
صوت طرق خفيف على الباب.
آدم (دون أن يلتفت):
ادخل.
(تدخل امرأة أنيقة في بدلة رسمية رمادية، شعرها البني مربوط للخلف، نظرتها حادة لكن فيها دفء، خطواتها واثقة، تعلق بطاقة تعريف على كتفها: العميدة نادين شرف – إدارة العمليات الخارجية.)
نادين (بابتسامة خفيفة):
صباح الخير يا آدم.
لسه بتعاقب الخريطة؟ ولا الخريطة هي اللي بتعاقبك المرة دي؟
آدم (يبتسم رغم توتره):
صباح النور يا نادين.
جيتِ في الوقت المناسب… كنت محتاج جرعة سخرية قبل ما أضرب نفسي.
نادين (تجلس بثقة):
واضح إنك ما نمتش من كام ليلة.
عينك فيها نفس الهالات اللي كنت بشوفها زمان قبل أي عملية كبيرة.
إيه الأخبار؟
جواد (واقف احترامًا):
صباح الخير يا فندم. العميدة نادين، تشرفنا.
نادين (تبتسم له بلطف):
أهلاً يا جواد، سمعت عنك كتير من اللواء آدم… بيقول إنك أذكى واحد عنده، وده نادر يحصل.
آدم (يتنحنح بجدية):
أهو ده اللي بيخليني أشك إن في مصيبة جاية، أول ما تمدح حد!
نادين (تضحك):
لسه نفس اللسان الساخر.
قول بقى، وصلتوا لإيه في قضية البنت؟
آدم (يجلس ويشير إلى الكرسي المقابل):
ولا حاجة جديدة.
كل خيط نمسكه بيتقطع فجأة.
البنت اختفت من على وش الأرض، وكأن في قوة بتسحبنا لورا كل مرة.
نادين (بهدوء وهي تفتح الملف):
ليل زياد الشرقاوي… سمعت عن القضية وأنا راجعة من مهمة برلين الأسبوع اللي فات.
بس ماكنتش متوقعة إنك أنت اللي ماسكها شخصيًا.
آدم (بصوت عميق):
زياد صاحبي، ونص روحي.
بنته زي بنتي… ماقدرش أسيب الملف لحد غيري.
نادين (تنظر له بنظرة مليئة بالتعاطف):
لسه زي زمان… بتربط الشغل بالقلب.
ده اللي كنت بخاف منه دايمًا فيك.
آدم (بابتسامة خفيفة):
وأنتِ لسه زي زمان… بتخلطي القسوة بالحكمة.
بس المرة دي مش هينفع أسيب العاطفة، يا نادين.
البنت دي بريئة، وأنا حاسس إنها عايشة.
نادين (تغلق الملف):
إحساسي زيك.
بس في حاجة غريبة في الموضوع… وأنا جاية لقيت في الإدارة إشارة متسربة من برلين بتاريخ الأسبوع اللي فات، ومصدرها جهة تابعة لنا هناك.
الإشارة كانت مشفّرة، بس الكود الداخلي المستخدم قديم… من اللي كان بيستخدمه رامي السيوفي.
آدم (ينتفض قليلًا):
رامي؟
(ينظر إلى جواد بسرعة)
هو مش المفروض في مهمة في ألمانيا من شهور؟
جواد (بدهشة):
هو فعلاً هناك يا فندم… بس المفروض شغله إداري بحت، ما يدخلش في ملفاتنا.
نادين (بعينين ضيقتين):
واضح إن شغله بقى أكتر من إداري.
بس الغريب… إن الإشارة اتقفلت بعد ثلاث دقائق من الإرسال، كأن حد لغى وجودها.
وحرفيًا، مافيش أي سجل رسمي إنها حصلت.
آدم (بصوت ثقيل):
يعني في احتمال كبير إن حد مننا… بيتلاعب في الملف.
نادين (بهدوء):
مش احتمال… ده شبه مؤكد.
بس لسه بدري نوجه اتهامات.
خلينا نلعبها بهدوء… نرصد التحركات، ونشوف هيوصلنا لمين.
آدم (ينظر لها بنظرة امتنان):
شكراً يا نادين.
كنت عارف إنك مش هتقصّري.
نادين (تبتسم بخفة وهي تنهض):
مش علشانك، علشان زين.
الولد بيحب البنت دي وبيحكيلي عنها كتير.
قال إنها طيبة، وشجاعة… شبهه في الاندفاع.
آدم (يضحك بخفة):
أهو طلع كل حاجة حلوة فيه منك.
نادين (تضحك):
ومن العصبية منك.
بس بجد يا آدم… خلي بالك، اللعبة دي أكبر من اللي باين.
لو فعلاً في ضابط من جوّا بيلعب، فده معناه إننا داخلين حرب صامتة من غير ما نعرف مين العدو الحقيقي.
آدم (بهدوء حازم):
وساعتها، نادين، العدو مش هيبقى بس جوّه الجهاز…
هيبقى جوّه حياتنا كمان.
********************
في فيلا الزهراوي– صباح مشمس دافئ رغم الحزن الذي يملأ المكان.
صوت العصافير في الحديقة يتداخل مع ضجيج خفيف من الشارع الخارجي.
في المطبخ، حور تقف أمام المائدة، تجهّز علب الطعام الصغيرة وتغلقها بعناية بينما تحاول أن تُخفي دموعها.
تدخل الخادمة بهدوء لتضع الحليب على الطاولة، ثم تخرج بصمت.
بعد لحظات، يظهر أدهم الصغير (12 عامًا) بزي المدرسة، حقيبته مرتبة بعناية، ملامحه تشبه والدته لكنه أكثر هدوءًا ونضجًا.
وخلفه بخطوات بطيئة يأتي مازن (10 سنوات)، يحمل حقيبته على كتفه بطريقة فوضوية، شعره غير مرتب، وعيناه حمراوان من البكاء.
مازن (بصوت مبحوح وهو يجلس على الكرسي):
ماما… مش رايح المدرسة النهارده.
حور (تنظر له بابتسامة حزينة):
ليه يا حبيبي؟
مازن (يخفض رأسه):
مش رايح قبل ما ليل ترجع.
أنا عايز ليل… عايزها تيجي دلوقتي.
(تتوقف حور عن ترتيب الطعام، وتغلق عينيها لحظة، ثم تقترب منه وتجثو على ركبة بجانبه)
حور:
يا قلبي، أنا كمان عايزاها… كلنا عايزينها.
بس ليل هتزعل لو سمعت إنك ما رحتش المدرسة علشانها، هي بتحب تشوفك شاطر وقوي.
مازن (يرفع رأسه بعناد):
بس هي وعدتني تودّيني الملاهي بعد الامتحانات!
وما رجعتش من ساعتها!
أكيد زعلت مني علشان أنا نسيت أقولها بحبها قبل ما تسافر 😭
حور (تغالب دموعها وتضمّه إلى صدرها):
يا حبيبي، ليل عمرها ما تزعل منك…
وهي ما سافرتش بعيد، هي بس راحت مكان مؤقت…
وهترجع قريب جدًا.
(يدخل أدهم الصغير بهدوء، يحمل كوب الحليب ويجلس بجانب أخيه)
أدهم:
مازن، ماما عندها حق.
لو ليل عرفت إنك بتعيط كل يوم ومش بتذاكر، هتزعل جدًا.
هي أكيد دلوقتي محتاجة دعواتنا مش دموعنا.
مازن (ينظر له بعينين دامعتين):
بس إنت دايمًا بتتكلم كأنك كبير…
ما بتحسش بيها زيي؟
أدهم (ينظر للأرض ثم يهمس):
بحس… كل يوم بالليل قبل ما أنام بدعي ربنا يرجعها…
بس ما بعيطش علشان ما أخوفش ماما.
(تتجمد حور
للحظة وهي تسمع كلماته، ثم تجلس بينهما وتضم الاثنين معًا بقوة، ودموعها تسيل بصمت على شعرهما)
حور (بصوت مبحوح):
ربنا يخليكوا ليا يا ولادي…
إنتو الباقيين ليا بعد ما راحت ليل.
وإن شاء الله… إن شاء الله هترجع ونكون كلنا سوا تاني.
مازن (يبكي بصوت خافت):
وهنروح الملاهي سوا؟
حور (تضحك وسط دموعها):
وهنبات هناك كمان لو حبيت.
(يضحك مازن رغم بكائه، فيمسح أدهم دموع أخيه بإصبعه الصغيرة، فتقبله حور على رأسه)
أدهم (ينهض ويحمل حقيبته):
يلا يا مازن، نروح المدرسة ونسمع كلام ماما.
لما ليل ترجع، لازم تلاقي درجاتنا حلوة علشان تفرح بينا.
مازن (يتنهد):
ماشي… بس لو ليل رجعت وإحنا في المدرسة، ما تسيبوش حد يحضنها قبلي!
(تضحك حور لأول مرة منذ أسابيع، وتقول وهي تمسح خده)
حور:
ولا أنا هحضنها قبلك، وعد مني يا قلبي.
(تسير معهما حتى الباب، تتابعهما بنظراتها وهما يصعدان إلى السيارة المدرسية.
تغلق الباب، تسند رأسها عليه، تنهار في بكاء صامت.)
حور (تهمس لنفسها):
ارجعي يا ليل… ما بقيش فيهم نفس يضحك من غيرك.
*********************
تغلق حور باب الفيلا ببطء بعد أن غادرت السيارة التي تقلّ زياد وطفليه، تبقى واقفة للحظة، تحدّق في الطريق الطويل المؤدي للبوابة الحديدية، ثم تضع يدها على صدرها وكأنها تحاول كبح ألمٍ يعتصرها. صوت العصافير الخافت لا ينجح في كسر ثقل الصمت الذي يخيّم على المكان.
بعد دقائق، تعود إلى الداخل. المطبخ مرتب بعناية لكن يخلو من روح الحياة، على الطاولة فنجان قهوة نصف ممتلئ تركه زياد قبل خروجه. تتنهد، تمرّر أصابعها على حافة الفنجان، فتتذكر نظراته الصامتة حين أوصل الأولاد.
حور (بصوتٍ متهدّج وهي تهمس لنفسها):
كل يوم بيبعدني أكثر عنّي... عنّا...
(تجلس على الكرسي، تحدّق في البخار الصاعد من القهوة)
زياد ما عاد نفس الرجل... وانا... ما عدت نفس الأم.
تتجه نحو النافذة، ترى السيارة تعود ببطء وتدخل البوابة من جديد. تتسع عيناها قليلاً ثم تفتح الباب على عجل.
حور:
زياد؟ نسيت حاجة؟
يترجّل زياد من السيارة، يبدو متعباً، عيناه محمرتان من السهر، وشعره أشعث قليلاً رغم أناقته المعهودة. يقترب منها بخطوات بطيئة، وصوته مبحوح:
زياد:
ما قدرت... ما قدرت أروح الشغل. أولادنا دخلوا المدرسة وأنا... مش قادر أكمّل كأنو ما صار شي.
حور (تتنهد وتدنو منه):
كلنا مش قادرين، بس الحياة مش بتتوقف يا زياد... لو ليل كانت موجودة، كانت قالتلك نفس الكلام.
زياد (يبتسم بمرارة):
ليل...
(يخفض نظره للأرض)
كل زاوية في البيت بتناديني باسمها، صوتها لسه في وداني... حتى ريحتها على باب غرفتها ما راحت.
حور (تدمع عيناها وهي تضع يدها على ذراعه):
أنا بحاول، والله بحاول أكون قوية... عشان أدهم ومازن، عشانك، عشانها... بس لما بيجيني الليل، لما بيغيب صوتهم من البيت، بحس كأني بنهار من جوّا.
زياد (يتنفس بعمق ويجلس على الأريكة):
بتعرفي؟ أدهم حاول يخفّي وجعه، بس أنا شايفه... الولد بيتصرف برجولة أكبر من عمره. قالّي الصبح "بابا ما تبكيش، ليل أكيد بخير"... حسّيته بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنعني.
(ينظر إلى السقف بعيون دامعة)
ومازن... مازن لسه بينام كل ليلة وهو ماسك صورها.
حور (بصوت مبحوح):
كنت طول الليل بحاول أشرحله إنها مش في رحلة، إنه في ناس أشرار خطفوها... بس كيف أشرح لطفل إنو العالم مو آمن؟
زياد:
ولا تحاولي، يا حور. الأطفال ما لازم يعرفوا بشاعة الدنيا بدري... خليه يصدق إنها رايحة ترجع قريب. يمكن يكون الأمل البسيط ده هو اللي مخلّينا عايشين.
(يصمتان للحظة، ثم ينظر إليها بخفوت)
تعرفي؟ كل مرة بروح للمخابرات، بشوف في عيونهم نفس الجواب اللي بيقتلني... "لسه ما وصلنا لشي".
حور (تجلس مقابله):
بس لازم نصدق إنها بخير... ليل قوية، ما كانتش بنت تنهزم بسهولة. يمكن هي اللي محتاجة تصدّق إننا لسه بنحارب عشانها.
زياد (ينظر إليها مطولاً، بنبرة تملؤها الحسرة):
كنت دايمًا أقولها "خلي بالك من نفسك"، وكانت تضحك وتقول "إنت خلي بالك مني"،
(صوته يرتجف)
وأنا ما خليتش بالي منها يا حور... ضيّعت بنتي.
حور (تضع يديها على يديه بحنان):
ما تضيعش نفسك كمان.
(بصوتٍ خافت)
أنا محتاجاك، والأولاد محتاجينك... مازن صار يبتسم لما يشوفك، وأدهم بيقلدك بكل حركة. ما ينفعش تخليهم يحسوا إنك استسلمت.
زياد (ينظر إليها بعينين دامعتين):
وأنتِ... ما تبكيش وأنا مش موجود، اتفقنا؟
حور (تبتسم بضعف):
لو قدرت أوقف دموعي، كانت رجعت ليل من زمان...
يصمتان لوهلة، يمر نسيم خفيف عبر النافذة المفتوحة، يحمل معه صوت ضحكات بعيدة لأطفال الجيران.
يغمض زياد عينيه وكأنه يحاول تخيّل ضحكة ليل بينهم.
زياد (بهمس):
هترجع يا حور... حتى لو دورت الدنيا كلها، هترجع.
حور (تضع يدها على قلبها):
هترجع، بس يا رب تكون بخير...
ينتهي المشهد بزاوية واسعة تُظهرهما جالسين في الصالون الصامت، بينما تظل صورة ليل المعلّقة على الجدار مقابلهما، بعينيها اللامعتين تراقبهما كأنها تسمعهما من بعيد...
******************
في ألمانيا
في الداخل، تجلس نيروز على الأريكة، بين يديها كوب شاي ساخن، تتأمل ليل التي كانت تمشي بعصبية في الغرفة ذهابًا وإيابًا، شعرها مسدل على كتفيها ووجهها يشتعل غضبًا.
ليل (بصوت مرتفع وغاضب):
اتجـوّز منه؟! من عاصم؟!! هو اتجنّن ولا بيستهبل؟!
نيروز (تحاول تهدئتها):
ليل، اقعدي شوي، خلينا نحكي بالعقل—
ليل (تقاطِعها بعصبية):
بالعقل؟! إزاي أتكلم بالعقل وهو فقد كل عقل عنده؟ بيقرر لوحده إنو هيتجوزني!
(ترفع يدها بعصبية)
حتى ما سألنيش! بيعتبرني شيء يملكه، مش إنسانة!
نيروز (بحذر):
بس هو قال إنه عمل كده عشان يحميك...
ليل (تضحك بسخرية حادّة):
يحميّني؟! من إيه؟ من العالم؟ ولا من نفسه؟
(تقترب من نيروز وتجلس أمامها، تحدّق في عينيها)
إنتِ شُفتي كيف بيتعامل معايا؟! بيعتبرني ملكه الخاص! من أول ما جابني هنا وهو بيقرّر كل حاجة عنّي: متى أخرج، مع مين أتكلم، حتى لبسي بيتحكّم فيه!
نيروز (تتنهد وهي تضع الكوب على الطاولة):
أنا مش بدافع عنه يا ليل... بس تعرفي كويس إن رامي أخويا مش هيقدر يعمل حاجة.
عاصم لما يحط حاجة في دماغه، مستحيل يتراجع.
ليل (بغضب وانفعال):
لأ، هيـتراجع، غصبًا عنه!
(تضرب بيدها على الطاولة بقوة، تهتز الفناجين)
أنا مش لعبة في إيده ولا مشروع انتقام بيكمّله!
هو فاكرني ضعيفة؟ فاكرني هقبل أعيش معاه وأسكت؟
نيروز (بصوت خافت):
بس ليل... لو عارضتيه علنًا، ممكن يعاقبك، تعرفي هو بيعمل إيه لما حد يعارضه.
ليل (بعيون تتقد غضبًا):
أنا خلاص ما بقتش أخاف منه.
(تنهض واقفة، تمسك شعرها وتجمعه بعصبية)
هو يمكن خطفني، يمكن حبسني، بس عمري ما هخليه ينتصر عليّ.
(بصوت مبحوح من شدّة الانفعال)
أنا هخلّيه يندم على اليوم اللي فكر فيه يقهرني.
نيروز (تنظر إليها بقلق):
ليل، بالله عليك، ما تعمليش حاجة تتهوري فيها...
الناس هنا ما تعرفكيش، ومكانك مش آمن لو حاولتِ تهربي.
ليل (تضحك بسخرية باردة):
أنا ما قلتش إني ههرب.
(تتجه نحو النافذة وتنظر إلى المطر المنهمر)
بس لو هو قرر يستخدم قوتُه عليّ، أنا كمان عندي قوتي...
مش كل معركة بتتحسم بالسلاح، يا نيروز.
بعض الحروب بتتحسم بالعقل... وبالصبر.
نيروز (بهمس، خائفة):
إنتِ ناوية على إيه؟
ليل (تلتفت نحوها، عيناها تلمعان بحدة):
ناوية أخلّيه يخسر سيطرته... زي ما خلّاني أخسر حريتي.
هيفهم إنو ممكن يتحكم في جسدي، بس مش في إرادتي.
(تتقدم منها ببطء)
هيفهم إنو خطف الجسد... بس ما خطفش الروح.
نيروز (تحاول إقناعها):
بس لو عرف إنك بتخططي لشيء، هيقلب الدنيا. رامي نفسه ما هيقدر يحميك، و...
ليل (تقاطِعها بثقة باردة):
أنا مش محتاجة حماية من حد، نيروز.
أنا محتاجة فرصة واحدة... بس واحدة، وأوعدك إنو مش هينساها طول عمره.
(يصمت المكان للحظة، لا يُسمع سوى صوت المطر بالخارج)
نيروز (تقترب منها وتلمس كتفها):
ليل، أنا خايفة عليك... مش عايزة يصير فيك زي ما صار في رائد.
(تخفض صوتها)
عاصم لما بيغضب، بيخسر السيطرة.
ليل (تنظر إليها بعينين دامعتين لكنها ثابتة):
يمكن... بس المرة دي هو اللي هيخسر نفسه... مش أنا.
(تلتقط وشاحها وتستعد للخروج من الغرفة)
نيروز (بصوت مرتجف):
رايحة فين؟
ليل (تلتفت بنظرة صارمة):
أواجهه...
(تبتسم بسخرية خفيفة)
لو هو قرر يفرض زواجه بالقوة... فأنا قررت أعلّمه معنى الرفض الحقيقي.
تغادر الغرفة بخطوات سريعة، تاركة نيروز واقفة في مكانها، تحدّق في الباب المغلق، والخوف يتسلل إلى عينيها.
نيروز (تهمس لنفسها):
يا رب... احميها من غضبه، واحميه من جنونها...
*****************
في مطار برلين الدولي – صباح بارد وغائم
تتدافع أمواج من المسافرين في الممرات الزجاجية، والضباب يلفّ مدرج الطائرات كستارٍ رمادي.
يقف عاصم القاسمي عند بوابة الوصول، يرتدي معطفًا أسود طويلًا، ملامحه صارمة لكن في عينيه شرارة غريبة من الهدوء بعد العاصفة.
صوته الداخلي مليء بالتناقض: الندم... والاصرار... والقلق.
يظهر من بعيد سليم القيصري بملابسه الكاجوال، وبيجاد بخطواته الهادئة وثقته المعهودة.
حالما يراهما، ترتسم على وجه عاصم ابتسامة نادرة، خفيفة، لكنها حقيقية.
عاصم (وهو يفتح ذراعيه):
أخيرًا وصلتوا يا ولاد! كنت فاكر إن الطيارة خطفتكم 😏
سليم (ضاحكًا وهو يحتضنه):
نِعم الضيافة يا رجل! تخطفنا إنت ولا الطيارة؟
بيجاد (ساخرًا بخفة):
نقول الحمد لله إن اللي بيخطف البنات بس، مش أصحابه كمان.
عاصم (ينظر له بنظرة جانبية حادة لكن مبتسمة):
لسّه دمّك خفيف زي ما هو يا بيجاد.
بيجاد (بجدية مفاجئة):
وأنت دمّك تقيل من كتر الغلط اللي بتعمله، يا عاصم.
(يصمت الثلاثة للحظة، يتبادل فيها عاصم وبيجاد نظرات توتر واضحة، قبل أن يتدخّل سليم لتخفيف الجو)
سليم (بابتسامة هادئة):
خلاص يا جماعة، إحنا لسه واصلين، مش وقته محاكم دلوقتي.
(يلتفت لعاصم)
بس فعلاً يا صديقي... إيه اللي خلاك تطلب مننا نيجي فجأة؟ صوتك في التليفون كان غريب جدًا.
عاصم (ينظر إليهما بعمق، بصوت منخفض):
لأن في حاجة كبيرة اتغيرت.
بيجاد (بشكّ):
هاه؟ تقصد إنك بطّلت عناد أخيرًا؟ ولا لسه مقتنع إنك البطل اللي بينتقم من الظالمين؟
عاصم (بتنهيدة):
زياد الزهراوي... بريء.
(صمت ثقيل يهبط فجأة، وكأن الهواء نفسه تجمّد، وسليم يحدّق فيه مصدومًا، بينما بيجاد يرفع حاجبيه بدهشة شديدة)
سليم (بحماس وانفعال):
إيه؟! إنت بتقولها بجد يا عاصم؟!
بيجاد (يتقدّم منه بخطوات سريعة):
أخيرًا صدّقت؟ إحنا بنقولك من شهور الراجل مظلوم!
(يضربه على كتفه بقوة)
كنت هتدمّر بنته من غير ذنب يا مجنون!
عاصم (بصوت ثقيل لكنه صادق):
عارف...
عارف كويس إن اللي عملته غلط، بس...
(ينظر إليهما بحدة)
ما كنتش أعرف وقتها. كان في أدلة مضروبة، وتقارير مشوّهة. كل حاجة كانت بتقول إنه هو القاتل.
سليم (بتنهيدة حارة):
ودلوقتي؟
إيه اللي خلاك تغيّر رأيك فجأة؟
عاصم (بغموض):
مش وقت التفاصيل دلوقتي...
لكن خليني أقولكوا حاجة واحدة: اللعبة أكبر منّا كلنا.
رائد ما ماتش صدفة... واللي وراه ناس كبار.
بيجاد (بصوت متوتر):
ناس من جوّا الجهاز؟ ولا برّا؟
عاصم (يشيح بنظره بعيدًا، عيونه على الطائرات في المدرج):
مش متأكد لسه...
لكن اللي أنا متأكد منه... إن القاتل الحقيقي لسه عايش... وحرّ.
سليم (بقلق):
يعني لسه بتلاحق خيوط القضية؟
طب وليل الزهراوي؟ البنت اللي خطفتها؟
(يتجمد عاصم لحظة، قبل أن يجيب بنبرة هادئة لكنها غامضة):
ليل... بخير.
بيجاد (ينفجر غاضبًا):
بخير؟!
إنت فعلاً بتسمع نفسك؟!
إنت خطفتها، خوّفتها، خربت حياتها، وبعدين تقول بخير؟!
(يقترب منه بغضب)
مش كفاية إنك ضيّعت ثلاث سنين في أوهام الانتقام؟
عاصم (بهدوء بارد):
قلتلك... بخير.
وأنا اللي هصلّح كل حاجة.
سليم (ينظر له بريبة):
صلّح إزاي؟!
رجّعها لأهلها؟ ولا عندك مخطط جديد مجنون كعادتك؟
عاصم (بابتسامة غامضة):
بعد يومين... هتفهموا كل حاجة.
بيجاد (ساخرًا):
يعني أنت بتطبخ لنا مفاجأة جديدة؟
ما تقولّيش ناوي تتجوزها مثلًا؟
(يصمت عاصم، ونظرة سريعة عابرة تمر على وجهه، لكنها تقول الكثير...)
سليم (يرفع حاجبيه مذهولًا):
عاصم... لا، متقوليش...
إنت فعلاً—
عاصم (يقاطعه بابتسامة جانبية):
مش دلوقتي.
يلا نخرج من المطار، رامي مستنّانا في الفيلا.
بيجاد (بدهشة):
رامي؟!
رامي الصديق الهادئ اللي عمره ما يحب الزحمة؟ هو بقى جزء من كل ده؟
عاصم (ينظر لهما وهما يمشيان بجانبه):
رامي... كان دايمًا جزء من كل حاجة، سواء إحنا عارفين أو لأ.
سليم يضحك ليكسر الجو الثقيل، بينما بيجاد يهمس لعاصم بجدية وهو يفتح باب السيارة:
بيجاد:
بس قولّي يا عاصم...
لما تعرف مين قتل رائد فعلاً...
هل هتقدر تعيش بسلام؟ ولا هتبدأ حرب جديدة؟
عاصم (ينظر للأفق البعيد، ثم يهمس):
ده يعتمد على مين اللي هلاقيه في آخر الطريق...
*********************
داخل السيارة
سليم (ينحني للأمام قليلًا، يحدّق في عاصم):
يعني لسه مش ناوي تقولنا ليه جبتنا؟ ولا لازم نكتشف بالصدفة زي كل مرة؟ 😏
عاصم (بابتسامة غامضة، دون أن ينظر له): ناوي أقولكوا... بس لازم تكونوا جاهزين قبلها.
بيجاد (بتنهيدة ملل):
ها، الجملة دي سمعناها منك ألف مرة، وكل مرة وراها مصيبة جديدة.
عاصم (يضحك بخفة):
مصيبة؟ لا يا صاحبي... دي المرة دي فرحة.
سليم (مشفقًا):
فرحة؟! منين؟
عاصم (بهدوء متعمد):
بكرا الفرح.
بيجاد (مستغربًا):
فرح؟!
فرح مين يا مجنون؟
عاصم (يستدير نصف التفاتة للخلف):
فرحي أنا... وفرحك إنت يا بيجاد.
(تسود لحظة صمت مذهولة داخل السيارة.
سليم يكاد يختنق من الدهشة، وبيجاد يفتح فمه دون أن يخرج صوت للحظة.)
بيجاد (بصوت مرتجف):
إيه اللي بتقوله؟ أنا؟!
إنت تتجوز مين وأنا أتجوز مين بالضبط؟ 😳
عاصم (بابتسامة واثقة):
أنا هتجوز ليل الزهراوي.
وإنت هتتجوز ربى أختي.
(عينا بيجاد تتسعان بشدة، وصوته يعلو بانفعال واضح)
بيجاد:
إيه؟!!
إنت بتتكلم جد؟!
(يتكئ على المقعد للأمام، مصدومًا)
ربى؟ أختك؟! وإنت عارف—
عاصم (مقاطعًا بابتسامة ماكرة):
عارف... إنها مشلولة؟
عارف... إنها بتحب الحياة رغم كل ده؟
وعارف كمان... إنك بتحبها.
(صمت مفاجئ.
سليم يرفع حاجبيه بدهشة، بينما بيجاد يشيح بوجهه في توتر، يحاول التملص لكن وجهه صار أحمرًا كالجمر.)
سليم (ضاحكًا بخفة):
هاااه، يعني في حد فعلاً قدر يوقعك يا بيجاد؟ 😏
ما كنتش متخيل اليوم ده ييجي.
بيجاد (يحاول السيطرة على نفسه):
مش كده يا عاصم...
الموضوع مش كده خالص...
عاصم (بهدوء متسلٍّ):
الموضوع بسيط جدًا.
إنت بتحبها، وهي بتحترمك. وأنا عارفها... عمرها ما كانت هترفض لو إنت اللي طلبت.
بيجاد (بتنهيدة):
بس... بس نديم قاللي—
عاصم (يقاطعه بحدة، صوته ينخفض لكنه يحمل غضبًا حارقًا):
نديم؟
إيه قالك نديم؟
سليم (متدخلًا):
هو قال لبيجاد إنك وافقت على جوازه من ربى... من أسبوعين تقريبًا.
(عاصم يتجمد في مكانه لثوانٍ، يلتفت ببطء نحوهما، نظراته قاتلة، نبرته باردة مثل الجليد)
عاصم:
قال... إني وافقت؟
(يضحك بسخرية مظلمة)
هو بيهزر؟
بيجاد (بتوتر):
هو قال إنك اتكلمت معاه شخصيًا، وإنك كنت راضي عن الموضوع.
أنا صدقته لأنك ما علّقتش وقتها.
عاصم (بغضب مكتوم):
لأنني ما كنتش أعرف إنه تجرأ وقال كده.
(ينظر للأمام بعينين تضطرمان غضبًا)
نديم لعب بالنار... وهيتحرق بيها.
سليم (بصوت خافت):
عاصم، إهدى... نديم صاحبك.
عاصم (بحدة):
كان .....
من النهارده... انتهى.
(يصمت الثلاثة للحظات، أجواء التوتر تخنق السيارة.
ثم يقرر عاصم أن يغير مجرى الحديث بنبرة أكثر هدوءًا.)
عاصم (ببرود وهو ينظر عبر النافذة):
وبالنسبة ليك يا سليم...
جهز نفسك إنت كمان.
سليم (يتنفس بصعوبة):
ليه أنا كمان؟ 😳
عاصم (بابتسامة غامضة):
لأنك هتتجوز نيروز.
سليم (يختنق حرفيًا بالماء الذي يشربه 😂):
نيروز؟! أخت رامي؟!
إنت اتجننت رسميًا يا عاصم؟!
بيجاد (ينفجر ضاحكًا رغم الموقف):
والله يا عاصم أنا بقيت أخاف أتنفس، يمكن تقول إني هتجوز كمان بنت في القمر 😂
عاصم (ضاحكًا بخفة):
لا، دي خلاص محجوزة.
(يلتفت لسليم)
ورامي موافق، ما تقلقش.
سليم (يضع يده على رأسه):
رامي موافق؟!
إنت اتكلمت معاه أصلًا؟
عاصم (بابتسامة هادئة):
اتكلمت، واتفقنا.
قاللي بس ما تعملوش دوشة، نيروز بتحب الهدوء.
بيجاد (ساخرًا):
يا سلام! يعني إحنا جايين ألمانيا نحضر فرحين، مش مهمة سرية؟!
عاصم (بنبرة خبيثة):
الفرحين هما جزء من المهمة يا بيجاد.
كل خطوة محسوبة.
(تسود لحظة صمت متوترة، ثم يضحك سليم وهو يهز رأسه)
سليم:
يعني زي ما عرفتك سنين... إنت دايمًا عندك سبب لكل جنون بتعمله.
بس المرة دي... يا خوفي يكون السبب بنت.
عاصم (نظرة سريعة له، بابتسامة غامضة):
يمكن.
(يغمض عينيه قليلاً)
يمكن تكون البنت دي السبب إني شُفت الحقيقة.
رواية في قبضة العاصم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيليا البحيري
في قصر مراد السري – تحت، في مكتب ضلمة وإضاءة خفيفة
مراد قاعد على الكنبة الجلد، بيلعب بخاتمه الدهب وعينه كلها نار.
نديم واقف جنب الشباك، بصص في السواد برا وكأنه شايف نهايته بتيجي.
مراد (بهدوء فيه سم):
عارف يا نديم… ساعات الخطة الكبيرة ما يبوظهاش العدو…
اللي يبوظها الغبـي اللي حواليك.
نديم (يلفله ببرود مصطنع):
تقصد حد بعينه يا باشا؟
مراد (يضحك خفيف):
أقصد؟ لا يا نديم… أنا بعلن.
أدهم الزهراوي… بقى يلف ويدور كتير.
أسئلته عن العقود القديمة… طريقته فبصتي… شكه واضح.
الولد بقى يشم ريحة حاجة.
نديم (يبلع ريقه):
بس ده مش معناه إنه عرف الحقيقة… يمكن مجرد شكوك…
مراد (يقطعه بعصبية باردة):
والشك ده هو أول شرارة!
وأنا ما بسيبش شرارة تولع فيا بعدين!
(يقوم ويقرب منه ويهمس ببرود قاتل)
وبعدين… مش هو بس.
سليم كمان.
نديم (مستغرب):
ابنك؟
مراد (بضحكة سودا):
ابني؟ متقولش الكلمة دي قدامي.
أنا لا ربيته ولا عمري شوفته ابني.
بس كمان بيلعب في اللي مش ليه.
و… نرمين برضه.
نديم (قلق):
مراتك؟ عرفت حاجة؟
مراد (بضحكة مت冰ة):
أيوه… الست فكرت تفتح موضوع قديم.
بس علمتها الدرس.
السكوت أجمل… خصوصًا وهو محطوط تحته تهديد.
يطفي السيجارة في فنجان قهوة فاضي كأنه بيطفي روح حد
نديم (يحاول يخبي اللي جواه):
طب… هتعمل إيه؟ لو أدهم عرف… ممكن يوصل لزياد… أو الأسوأ… للمخابرات.
مراد (يرجع يقعد ويشرب):
متقلقش يا نديم.
أنا ماسك الدنيا من رقبتها.
واللي يقرب من مراد الشرقاوي…
يتدفن حيّ.
(يشرب تاني)
ودورك لسه مخلصش.
تراقب أدهم من قريب…
يتحرك شعره؟ أنا عايز أعرف قبل الهوا ما يعدي عليه.
نديم (يوطي راسه):
أوامرك يا باشا.
في سره:
إنت فاكرني هفضل كلبك؟
ده أنت الغبي… وقريب قوي هتقع…
وأنا أول واحد أدوس على رقبتك.
مراد (يحس بنبرة في صوته، يبصله طويل):
مالك؟ وشك اتغيّر… خايف؟
نديم (ضحكة متوترة):
لا خالص… تعبان بس.
مراد (بنظرة احتقار):
التعب للضعاف.
وأنا ما بحبش الضعاف حواليّ… افتكر ده.
يمشي ناحية الباب، يقف لحظة قبل ما يفتح:
مراد (بغرور قاتل):
خليك جنبي يا نديم…
لإن اللي يقف ضدي… عمره ما يكمل لآخر الأسبوع.
مراد يخرج.
نديم يفضل واقف لوحده، النفس طالع ناري، يقول بصوت واطي وهو عينه سودا من الغل:
نديم (بحقد):
ماشي يا مراد…
خَلّيها تموت…
بس أول جثة في اللعبة دي…
هتكون إنت.
******************
في
فيلا عائلة كامل بن رامي – الجزائر العاصمة، ضاحية “الدار البيضاء”.
الفيلا فخمة لكنها تحمل طابعًا مغاربيًا أصيلًا: جدران بيضاء، نوافذ زرقاء مزخرفة، فناء واسع تتوسطه نافورة صغيرة وصوت العصافير يملأ الأجواء.
ريما تجلس في الشرفة مع والدة زوجها الحاجة زليخة، وعمّته سميرة، بينما كامل يطلّ من الداخل ببدلته الرمادية وهو يراقبهما بحبّ.
الحاجة زليخة (تسكب القهوة وتبتسم):
"ذُوقي يا بنتي، راهي قهوتنا ما كيف قهوة مصر، ثقيلة شوية." ☕
ريما (تضحك بخفة وهي تأخذ الفنجان):
"بل بالعكس يا حاجة، ريحتها تشهي! أنا صرت مدمنة على القهوة الجزائرية من أول ما جيت."
سميرة (مازحة):
"إييه، باين عليكِ تأقلمتِ بسرعة، حتى لهجتك بدات تتغيّر!" 😂
ريما (تضحك):
"يمكن لأنّي ارتحت معاكم... حسّيت كأني بين أهلي."
كامل (يدخل وهو يضع يده على كتفها):
"وأنا قلتلك من قبل، دار بن رامي ما تكونش دار غريبة، راهي دارك يا ريما."
الحاجة زليخة (تهز رأسها برضا):
"ربي يهنيكم يا وليدي، والله يا ريما من نهار دخلتي علينا والنور دخل الدار. دايمًا متواضعة، مؤدبة، وما ترفعيش راسك على حد."
ريما (بخجل):
"الحمد لله... تربيت أكون بسيطة مهما كان أصلي أو اسم والدي."
(تسكت للحظة، يمر طيف حزن خفيف في عينيها)
"الشهرة أو المال ما تصنعش إنسان، اللي يصنعه قلبه."
كامل (ينظر إليها بعاطفة صادقة):
"وهذا أكثر حاجة خلتني نحبك، طيبتك، صفاء نيتك."
سميرة (تغمز له ممازحة):
"واش بيك يا كامل؟ ما شاء الله عليك، راك شاعر اليوم!" 😂
كامل (ضاحكًا):
"خليوني نفرّح مرتي شوي، تستاهل."
ريما (تبتسم بخجل وتخفض نظرها):
"ربي يخليك ليا يا كامل."
(في تلك اللحظة، يقترب عبد القادر، والد كامل، رجل وقور في أوائل الستينيات)
عبد القادر:
"وش بيكم دايرين جلسة عائلية بلا ما تعيطولي؟"
الحاجة زليخة (بمرح):
"جيت في الوقت المناسب، راهي ريما كانت تمدح في بلادنا."
عبد القادر (يبتسم لريما):
"وأنا متأكد أنها راح تزيد تزينها بحضورها. مرحبا بيك ديما بنتي."
ريما (تنهض باحترام):
"الشكر ليكم، أنتم عائلتي الثانية، ويمكن... الوحيدة اللي حَسّيت معاها بالدفء."
(يسود صمت خفيف، يتبادلون النظرات، الكل يدرك أنها تقصد والدها البعيد الذي لا علاقة لها به الآن.)
كامل (يغيّر الجو بسرعة):
"يلا، واش رايكم نخرجوا شوية للبحر بعد الغداء؟ الجو اليوم شمس، يبرد القلب!"
سميرة:
"فكرة هايلة! ونخلي ريما تذوق “كعك النقاش” اللي وعدتها بيه."
ريما (تضحك بسعادة):
"أنا موافقة على طول! بس بشرط، أنا اللي أجهز الشاي هذه المرة!"
الحاجة زليخة (بابتسامة حنونة):
"اتفقنا يا بنتي، اليوم الدار فيها فرحة."
******************
الجو مغربي هادئ، أذان العشاء يُسمع من بعيد، والسماء بلونٍ أرجواني دافئ.
تجلس ريما الشرقاوي في شرفة الغرفة المطلة على البحر، ترتدي قفطانًا جزائريًّا أنيقًا من اللون الأزرق الغامق، شعرها مربوط بخفة، ووجهها يحمل ملامح راحة وسكينة بعد يومٍ طويل من الزيارات العائلية.
كامل خرج في مكالمة عمل، والعائلة منشغلة في الطابق السفلي.
(تتناول فنجان قهوة وتبتسم بخفة وهي تنظر إلى البحر.)
ريما (بهمس):
"يا ريت الزمن يوقف هنا... أول مرة أحس بالأمان كده."
(يرن هاتفها فجأة على الطاولة. رقم مجهول. تتردد لحظة قبل أن ترد.)
ريما:
"ألو؟"
الصوت (غامض، رجولي، هادئ):
"أنتِ ريما الشرقاوي؟"
ريما (بصوت متحفظ):
"نعم، من معي؟"
الصوت:
"مش مهم تعرفي أنا مين... المهم تسمعي كويس اللي هقوله."
ريما (بقلق):
"اتفضل؟"
الصوت (ببرود خطير):
"أبوكِ مش البريء اللي انتي مصدقاه... أبوك هو اللي قتل المقدم رائد القاسمي... وهو اللي حرّض على خطف بنت زياد الزهراوي."
(تجمدت ملامحها، يتجمد الدم في عروقها، تتسع عيناها بذهول.)
ريما:
"إيه؟! إنت بتقول إيه؟! دي تهمة خطيرة! من أنت؟"
الصوت (هادئ، كأنه يبتسم):
"اسأليه بنفسك... لو عندك الجرأة."
(وتُغلق المكالمة.)
(ريما تبقى ممسكة بالهاتف، أنفاسها تتسارع، ويدها ترتجف. تضع الهاتف ببطء على الطاولة، وتجلس على الكرسي، تحدق في الأفق دون تركيز.)
ريما (بهمسٍ مخنوق):
"بابا؟... مستحيل... مستحيل تعمل كده..."
(تنهض فجأة، تمشي بخطوات مضطربة نحو الشرفة، الهواء يضرب شعرها، تتشبث بسورها المعدني بقوة.)
ريما (بصوتٍ منخفض متقطع):
"لو كان ده حقيقي... يبقى أنا كنت عايشة في كدبة... طول عمري بدافع عنه... بدافع عن قاتل؟!"
(تجلس على الأرض، ظهرها للحائط، تضع يديها على وجهها، والدموع تتساقط بصمت. تصدر أنفاسًا متقطعة وهي تحاول السيطرة على نفسها.)
ريما (بين دموعها):
"ليه دلوقتي؟ ليه وأنا بدأت أعيش حياة جديدة؟"
(تلتقط هاتفها من جديد، تفتح سجل المكالمات، تحدق في الرقم المجهول، ثم تغلقه. تتردد في الاتصال بوالدها… إصبعها يتوقف عند زر الاتصال ثم تتراجع.)
ريما (بهمس):
"لا... مش دلوقتي... لازم أعرف الحقيقة الأول... لازم أتأكد."
(تنهض ببطء، تمسح دموعها بمنديل، تنظر لنفسها في مرآة الزجاج.)
ريما (بحزم):
"أنا مش بنت ضعيفة... مش زي ما
هو فاكر... لو كان بابا فعلاً عامل كده، هكون أول واحدة تواجهه."
تأخذ نفسًا عميقًا، تغلق الهاتف، وتضعه في الدرج، ثم تفتح الستائر لتدع نسيم البحر يدخل الغرفة، كأنها تحاول تهدئة روحها المشتعلة
*******************
فيلا عاصم – ألمانيا
الساعة حوالي أربعة العصر
الدنيا برّه مغيمة، والتلج بينزل خفيف، والدفا مالي المكان رغم التوتر اللي مالي القعدة.
ليل قاعدة على الأريكة، حاطة رجل على رجل، ماسكة فنجان قهوة من غير ما تذوقه، وعنيها ثابتة على نار المدفأة كإنها بتفكر تولّع في الدنيا.
جنبها نيروز بترتب الورد على الترابيزة الإزاز، بتحاول تفك شوية التقل اللي في الجو،
وربـى قاعدة على الكرسي المتحرك عند الشباك، وِشّها هادي، بس عنيها بتأكل كل تفصيلة حوالينها بذكاء مخيف.
رامي واقف عند الباب، ماسك تليفونه، بيكتب بسرعة وبعدين يرفع راسه لهم بابتسامة هادية حذرة.
رامي (مبتسم بخفّه):
شكله عاصم وصل المطار خلاص… سليم وبيجاد على بعد نص ساعة وهيوصلوا.
ليل (ترفع حواجبها وتبص له ببرود):
سليم وبيجاد؟! أسماء جامدة، بس قولّي… دول أصحاب؟ ولا شركا في جرايمه؟
نيروز (تحاول تهزر بهدوء):
يا ليل بالله عليكي كفاية شك بقى 😅
دول صحابه من مصر… ناس محترمين جدًا على كلامه.
ليل (تضحك بسخرية):
محترمين؟ كلمة كبيرة لأصدقاء راجل زيه.
وبعدين جايين ليه؟ يشهدوا على جوازي بالغصب مثلًا؟
رامي (ياخد نفس ويحاول يهدّيها):
ليل… مش كل حاجة حرب. هو معاهم علشان الشغل اللي ناوي يعمله هنا… وكمان يمكن—
ليل (بتقطعه بسرعة وبحدة):
يمكن يصفقولّه وهو بيجبرني على حاجة أنا رافضاها؟!
نيروز (تلطف الجو وتقعد جنبها وتحط إيدها على كتفها):
اسمعي يا ليل… محدش هيقدر يغيّر جواك حاجة غصب. بس إهدي شوية، العصبية بتاكل فيكي.
ليل (تنظر لها بعينين مولّعين):
أنا مش عصبية…
أنا بس فهمت إن العجز مش في ربى… العجز فينا إحنا، سايبينه يعمل اللي هو عايزه من غير ما حد يفتح بقه.
نيروز (بصوت واطي):
يمكن السكوت ساعات بيحمي الناس اللي بنحبّهم.
ليل (ضحكة مكسورة وسخرية):
بيحميهم؟ ولا بيحولّهم عبيد عنده؟
رامي (يحاول يهدّي الجو):
ليل، بلاش كده… سليم وبيجاد مش أعدائك.
وبيجاد… ده محترم قوي على فكرة.
(ربـى أول ما تسمع الاسم عنيها تنور وتبتسم ابتسامة صغيرة مريبة)
رامي (يلتفت لها وهو بيبتسم بخفّه):
شايفة؟ حتى ربى فرحانة لما سمعت اسمه.
ليل (ترفع حاجبها وتسخر):
الله! حتى الصامتة ليها رأي.
وقولي… هو وسيم زي الباقي؟ ولا نسخة تانية من عاصم؟
نيروز (بتضحك):
بيقولوا عليه قلبه طيب قوي… مش زي عاصم خالص.
ليل (بهمس ساخر):
مافيش طيبين هنا… كله بيفوق ويطلع وشّه الحقيقي.
رامي (بهدوء وجدية):
بس ممكن الزيارة دي تبقى أول خطوة لنهاية اللعبة دي كلها.
(صمت… صوت الهوا برّه… صوت عربية توقف قدّام الفيلا)
نيروز (ابتسامة متوترة):
شكلهم وصلوا…
ليل (ببرود):
يلا… يبدأ العرض.
تحط الفنجان وتعدل قعدتها، شكلها متماسك بس جواها عاصفة غضب.
وربـى لسه مبتسمة بهدوء… كإنها عارفة اللي هيحصل ومبسوطة تشوفه.
******************
يدخل عاصم الأول بخطوات واثقة، وراه سليم القيصري ببدلته السودة ونظراته اللي تحسها تخترق الجدران، وبيجاد بوشّه الطيب وابتسامته الهادية.
رامي جري عليهم فرحان بجد:
رامي (بحماس):
يا سلام بقى! أخيرًا نورتوا يا ولاد الكلب 😂
(يحضر سليم بالأحضان وبعدين بيجاد)
بقالنا كتير ما جمعناش تحت سقف واحد يا رجالة!
سليم (بضحكة ودفئ):
وأخيرًا شفناك يا رامي… لسه نفس الوش اللي يضحك وقت البلاوي 😄
بيجاد (بيهزر بهدوء وهو يربت على كتفه):
وإنت دايمًا طيب القلب يا رامي… وحشتنا والله.
رامي (يبص لعاصم ويضحك):
أنا؟ ده هو رئيس الشياطين دلوقتي 😅
عاصم (يضحك بخفوت):
ماشي يا رامي… بس متبعدش عني عشان لما النار تولع متقولش ما لحقتش أجري.
(ضحك خفيف… وبعدين كل الأنظار تروح ناحية البنات:
ليل واقفة، مكمّشة دراعها في بعض وتبص ببرود ناري.
نيروز واقفة مكسوفة ومتوترة،
وربى بتلمع عينيها أول ما شافت بيجاد.)
عاصم (بهدوء رسمي):
خلّيني أعرّفكم…
دي ليل الزهراوي… والست اللي هتبقى مراتي.
(الجو يتجمّد. ليل وشّها يتعصب فجأة، وسليم وبيجاد يبصوا لبعض مستغربين.)
ليل (بحدة):
مراتك؟! إوعى تقولها تاني. مش هكون، ولا عمري هكون!
عاصم (هادئ ومتكبّر وهو يقرب منها):
قولي اللي إنتي عايزاه يا ليل… في الآخر القرار مش بإيدك.
ليل (بعينين مولّعين):
القرار بإيدي أنا! رجّعني أهلي مصر… وأنا هختفي من حياتك للأبد.
عاصم (بسخرية ناعمة):
بتحمي نفسك؟ من إيه بس؟
(يقرب منها ويهدي صوته)
أنا مش ناوي أخسرك.
(ليل تبص بعيد، نار بتغلي جواها. نيروز تتوتر أكتر.)
عاصم (يلتفت للجميع):
ودي… نيروز.
سليم، هي هتبقى مراتك.
نيروز (مصعوقة):
إيه؟! أنا… لا… أنا مش—
(تسكت، وشها يشحب. رامي يفهم فورًا إنها موجوعة… لأنها بتحب عاصم أصلاً.)
سليم (يحاول يهدي الجو):
بصراحة القرار مفاجئ… بس يا رب يكون خير.
عاصم (يرجع يبتسم بثقة):
وآخر قرار…
ربى. أختي الصغيرة…
بيجاد، هي أمانتك.
(يروح لعند ربى، يحنّي راسه عليها ويحط إيده على كتفها بحنية غريبة.)
عاصم (بنبرة شبه أبوية):
إنتِ تستاهلي راحة مش لاقيها في الدنيا… وبيجاد هيعرف يحافظ عليكي.
(ربى عنيها تتملي دموع، وتهز راسها بخجل وفرحة.
بيجاد يحس بقشعريرة وتأثر.)
ليل (بغضب مكبوت):
قرارات! كإننا كروت في إيدك!
(تنفجر)
إحنا بني آدمين يا عاصم مش لعبتك!
عاصم (ببرود):
كل ده علشان أحميكم.
بس واضح إن في ناس لسه مش فاهمة.
(ليل تكتم انفجار، نيروز تاخد خطوة ورا وهي على وشّها كسرة قلب.)
فجأة رامي يقطع الجو:
رامي (يعمل نفسه بيعيط):
آاه يا قلبي! يعني توزّع بنات على الناس وأنا آخر الصف؟! 😭
فين حقي يا عاصم؟ 😂
(الجو يفك، ضحكة خفيفة، حتى سليم وبيجاد يبتسموا.)
عاصم (بنظرة فيها لعب):
دورك جاي يا رامي…
بس شدّ نفسك، الليلة لسه طويلة.
ليل تبص فيهم كلهم كإنها محاصَرة،
ربى لسه مبتسمة بخجل،
نيروز تغرق في صمت
*******************
أوضة ليل – الدور اللي فوق في فيلا رامي، ألمانيا
الليل نازل تقيل، والهوا بيخبط في ستاير البلكونة البيضا.
الأوضة مليانة توتر ساكن… كإن الحيطان نفسها مكتّفة غيظ.
ليل واقفة قدّام المراية، إيديها بترتعش وهي بتمسح دموعها بعصبية.
على الترابيزة العطور والكتب مرميين… وفجأة تمسك إزازة عطر وترميها في الحيطة.
الإزاز اتكسر، والريحة المالية المكان فخمة بس فيها لسعة وجع وحرقة.
ليل (بتصرخ بغضب جامد):
يتجوزني غصب؟! هو فاكر نفسه مين؟! أنا مش ملكه… ولا لعبة في إيده!
(بتتنفس بسرعة، نفسها متقطع، تضرب المخدة بقبضتها الصغيرة، وبعدين تقع على الأرض وهي بتتكلم من بين دماوعها)
ليل (بصوت مكسور بس فيه نار):
والله… والله ما هسيبه… هيدفع التمن غالي!
(الباب بيفتح بهدوء، نيروز تدخل بخطا صغيرة مترددة، وشها شاحب وعنيها حمرا من العياط)
نيروز (بهمس):
ليل… كفاية بالله عليكي. كده هتتعبي نفسك.
ليل (بترفع راسها بسرعة):
إنتي شايفة اللي عمله فينا ده طبيعي يا نيروز؟! بيقرر مصيرنا كإننا عيال… ولا كإنه بيشتري شقة!
(بتقوم واقفة)
إنتي عايزة تسكتي؟ أنا مش هسكت… مش بعد اللي حصل!
(نيروز تقعد على طرف السرير، صوتها واطي وتعبان)
نيروز:
أنا… أنا ما استوعبتش الكلام لما قال إني هتجوز سليم.
(تغمض عنيها ودمعة تنزل)
كنت أتمنى لو قال اسمي… بس معاه هو، مش حد تاني…
(ليل تتجمد ثانية، وبعدين تقرب تقعد جنبها وتاخد كتفها بإيدها)
ليل (بنعومة غريبة):
إنتي بتحبيه، صح؟
(نيروز تهز راسها بخفوت والدمعة تنزل في صمت)
ليل (بحماس خافت):
طب اسمعي… نهرب! ناخد ربى ونمشي من هنا قبل الفجر… نروح أي حتة ونبدأ من جديد!
ألمانيا واسعة… محدش هيعرف يوصلنا!
(نيروز تبص لها بصدمة وتهز راسها بقوة)
نيروز (بحزم نادر):
لأ يا ليل!
الهروب مش حل… ده هيخليهم يجروا ورانا، وربى تتأذي.
أنا مش هخلي ربى تدفع تمن غضبنا!
(ليل تسكت شوية، ملامحها بين القهر والتفكير، وبعدين تقوم تبص من الشباك ع المطر)
ليل (بصوت هادي لكنه مجروح):
يعني هنفضل عايشين أسرى قراراتهم؟
كإننا ولا حاجة؟
(نيروز تقوم وتمد إيدها تمسح دموعها)
نيروز:
لأ… بس ساعات الصبر هو السلاح الوحيد.
(بتبتسم بحزن)
يمكن ربنا يغير المكتوب.
(ليل تبصلها، عنيها فيها ذكاء وشررة مكر، وتبتسم خفيف)
ليل (بهمس متزغلل مكر):
يمكن… بس أنا مش هستنى القدر.
أنا اللي هغيره.
(ترجع تبص للمراية، تبتسم ابتسامة صغيرة كلها تحدي)
ليل:
استعد يا عاصم… اللعب ابتدى.
(صمت… صوت المطر بيخبط ع الزجاج، ونيروز واقفة وراها، قلبها متلخبط بين الخوف والذهول)
**********************
أوضة رامي – الدور التاني في فيلته الهادية بألمانيا.
الدنيا برّه برد، والمطر شغال من المغرب، بس جو الأوضة دافي من المدفأة… دافي كده بطريقة فيها راحة وحزن في نفس الوقت.
رامي قاعد على الكنبة، ماسك فنجان قهوة نصّه فاضي.
نيروز تخبط على الباب بخفّة.
رامي (بهدوء):
ادخلي يا نيروز.
(تدخل ببطء، تبص حواليها وبعدين تقعد جنبه. ملامحها مرهقة، وعنّيها حمرا من العياط اللي بتحاول تخبّيه)
نيروز (بكسوف):
اخدتني من قدّام ليل كإنك زعلان مني يا رامي… في إيه؟
(يبتسم بهدوء ويحط الفنجان، يوجّه نظره ليها باهتمام كامل)
رامي:
مش زعلان يا نيروز… بس كان لازم أكلمك بعيد عن أي حد.
(تنزل بعنيها، كإنها فاهمة هو هيقول إيه. صوته ييجي ناعم بس ثابت)
رامي:
أنا عارف يا نيروز… عارف إنك بتحبي عاصم.
(هي تتجمّد، عنيها توسع بخجل وتوتر، تعض شفايفها)
نيروز (بهمس):
أنا… أنا ما قلتش كده…
رامي (بابتسامة حنون):
مش لازم تقولي. أنا أخوكي. بعرف نظرتك، بعرفك من وانتي صغيرة.
بس لازم تفهمي يا نيروز…
عاصم مش شايفك أكتر من أخته الصغيرة… زي ربى بالظبط.
(دمعة تنزل من غير ما تحس، صوتها متكسر)
نيروز:
عارفة… بس كنت بحلم… يمكن يتغير… يمكن—
رامي (بلطف يقطعها):
مفيش يمكن يا حبيبتي.
هو راجل تاني… دماغه مليانة حرب وانتقام وجروح لسه ما التأمتش.
ما تضيعّيش عمرك مستنيا كلمة منه.
(هي تتنفس بصعوبة، تمسح دموعها بسرعة، بس رامي يمسك إيدها برفق زي الأب)
رامي (بدفا):
أنا مش هسمح لحد يكسرك… لا هو ولا غيره.
وعشان كده… لما قلت إن سليم القيصري هيتقدملك، ما اعترضتش.
عشان عارفه… وعارف قلبه.
شاب كويس، محترم، شجاع… وهيخاف عليكي أكتر من نفسه.
(تبصله بدهشة حزينة)
نيروز:
سليم؟ بس أنا ماعرفوش كويس…
وكمان… أكيد بيحب حد تانية ولا—
رامي (مقاطع بابتسامة تطمّن):
لأ، ما بيحبش حد.
ويمكن مع الوقت يحبك… وإنتِ كمان تلاقي فيه اللي عمرك ما لقيتيه عند حد تاني.
بس لازم تديه فرصة… ما تحكميش قبل ما تشوفي.
(هي تسكت لحظة… وبعدين دموعها تنزل تاني وهي بتدفن وشها في إيديها)
نيروز (بصوت متهدّج):
أنا تعبت يا رامي… بعد بابا وماما، مافضلش غيرك.
كنت بخاف من كل حاجة… وانت كان وجودك بيطمنّي.
ما تتخيلش خوفي لو حصلك حاجة…
(رامي يسحبها بهدوء لحضنه، يمسح على شعرها بحنان)
رامي (بصوت عميق مليان حب):
يا بنتي الصغيرة…
أنا ممكن أروح في أي وقت. ده شغلي وده قدري.
بس عايز أبقى مطمن إنك مش لوحدك… إن حد هيخاف عليكي لما أنا مش أكون.
وسليم هيبقى سند… زيي بالظبط.
(ترفع راسها تحاول تبتسم وسط الدموع)
نيروز (بهمس ضعيف):
طيب… لو ده يريحك… أنا موافقة.
بس مش عشاني… عشانك.
بس لو زعلني… هتقوم من قبرك وتزعقله، صح؟
(يضحك بخفة)
رامي:
طبعًا!
ده لو فكّر يزعلك بس، هتلاقيني نازل له من السما بالعصاية!
(تضحك غصب عنها، تمسح دموعها، وتسنُد راسها على كتفه في هدوء)
رامي (بصوت واطي):
كل اللي بطلبه منك… عيشي يا نيروز.
ما تديش الحزن فرصة يسرق شبابك.
والحب؟ عمره ما بييجي من مكان واحد…
ساعات القدر بيبعته من باب ما نتوقعهوش.
*****************
في مصر العطّار – المساء – نسمة خفيفة تعبق برائحة اللافندر القادمة من الحديقة
صوت دراجة نارية يشقّ سكون الحيّ الراقي، تتوقف أمام بوابة الفيلا الأنيقة. يخلع زين العطّار خوذته، ينفخ خصلة من شعره البني التي التصقت بجبينه بسبب العرق، ثم يدخل بخفة شابٍ لا تفارقه خفة الدم رغم التعب.
زين (ينادي بصوت مرتفع وهو يضع سترته الجلدية على الأريكة):
يااااااااااه… البيت ريحته أكل! مستحيل تكون المدام نادين بنفسها في المطبخ، ولا أنا بحلم؟ 😏
صوت خفيف يخرج من المطبخ، مزيج بين ضحكة أنثوية ووقع أدوات الطهي.
تخرج نادين، في الأربعينات من عمرها، ملامحها قوية وناعمة في الوقت نفسه، ترتدي بنطال جينز وقميص أبيض بسيط، وشعرها مرفوع للأعلى. في يدها ملعقة خشب، وعلى وجهها ابتسامة لم يرها زين منذ أسابيع.
نادين (بابتسامة دافئة):
مش حلم يا بطل، أنا فعلاً رجعت بدري النهارده. حبيت أعمل لكم أكلة على مزاجي قبل ما يبرد البيت من غيري.
زين (يفتح ذراعيه كطفل):
مش مصدق! أمي نادين بنفسها في المطبخ؟ لازم أصور اللحظة دي وأعلقها في التاريخ! 😍
نادين (تضحك وتضع الملعقة على الطاولة):
تعال هنا بدل ما تصورني، تعالى خُد حضن من أمك اللي اشتاقت لك.
يركض نحوها بسرعة، يحتضنها بقوة، يدفن وجهه في عنقها كطفل صغير.
زين (بصوت مبحوح خفيف):
وحشتيني يا ماما… والله وحشتيني جدًا.
نادين (تربّت على شعره):
وأنت أكتر يا قلبي… ما تتصورش قد إيه الشغل قاتل، بس لما شفتك دلوقتي كل التعب راح.
زين (يبتعد عنها قليلًا وينظر إليها بعيون لامعة):
يعني النهارده هنأكل أكل بيتي مش طلب دليفري؟ يا سلام! أنا هعيّط من الفرحة. 😭😂
نادين (بضحكة):
مش للدرجة دي يا ممثل، بس فعلاً النهارده عاملالكوا كوسة محشي وشوربة عدس على الطريقة اللي بتحبها.
زين:
الله! ده أنا لازم أعمل حفلة استقبال ليك. بس فين بابا؟ كالعادة في الشغل؟
نادين (تنهد خفيف):
أيوه، آدم لسه في الميدان، عنده خيوط جديدة في قضية الزهراوي دي. شكله مش هيرجع قبل نص الليل.
يتنهد زين، ثم يجلس على الكرسي أمامها.
زين (بشيء من الجدية):
يا ماما… بابا بيضغط نفسه جامد أوي الأيام دي. وبصراحة… أنا مش مرتاح للقضية دي، كلها غموض.
نادين (تنظر له بحنان):
عارفة يا زين، بس دي شغلتنا… وإنت عارف إن آدم لما يمسك قضية ما بيسيبهاش إلا لما يطهرها من كل خطر.
زين (يحاول المزاح لتغيير الجو):
طيب وأنا بقى؟ مش المفروض تبطلي تتجسسي على المجرمين وتبدئي تتجسسي على ابني المسكين؟ 😜
نادين (تضحك):
أنت آخر واحد أقدر أتجسس عليه، واضح إنك مش بتخبي حاجة أصلًا.
زين (يرفع حاجبه):
أكيد! أنا كتاب مفتوح، مكتوب عليه بخط عريض "زين الجميل، ضحية النظام الغذائي الرديء وأم ضابط مخابرات خطيرة."
نادين (تهز رأسها مبتسمة):
لسانك ده هيودينا في داهية في يوم من الأيام.
زين (بحنان):
بس بجد… لما بدخل وألاقيكِ هنا، الدنيا بتبقى أمان أكتر. بحس إن البيت بيتنفس.
نادين (بصوت ناعم، تمسح على خده):
وأنا لما أشوفك، بحس إن كل اللي عملته في حياتي ليه معنى. أنت وسام على صدري يا زين.
زين (يمسك يدها):
أحبك يا أمي.
نادين:
وأنا أكتر يا حبيبي. يلا قوم غيّر هدومك قبل الأكل، وإياك تدخل المطبخ قبل ما أنده لك.
زين (وهو يمشي نحو الدرج بابتسامة):
أوامرك، سيدة العمليات الخاصة 😎… بس أوعي تنسي تزودي الشطة في العدس زي كل مرة!
نادين (تضحك من المطبخ):
الشطة اتضافت يا سي السيد، روح بقى قبل ما أرجعك للتدريب الميداني!
ينطلق زين إلى غرفته وهو يضحك، بينما نادين تنظر نحوه بنظرة أمٍ مفعمة بالفخر والخوف في الوقت نفسه — فهي تعلم أن الغد قد يحمل لهما مهمة جديدة… أو فراقًا جديدًا.
****************
في فيلا مازن الزهراوي – ضاحية راقية في أطراف القاهرة – الليل يلف المكان بهدوء ناعم
الهواء يمرّ برقة بين أغصان الياسمين التي تتدلّى على شرفة غرفة المعيشة الواسعة.
الأنوار خافتة، والجو مفعم بدفء منزلي ناعم، وصوت فيروز ينساب من مكبر الصوت بصوتٍ منخفض.
يجلس مازن الزهراوي على الأريكة الجلدية، مرتديًا قميصًا رماديًّا مفتوح الأزرار عند العنق، ينظر بشرود إلى صورة موضوعة على الطاولة — صورة تجمعه بشقيقته حور وزوجها زياد وفتاتهما الصغيرة ليل، في إحدى النزهات القديمة.
تدخل ملك، زوجته الجميلة، في الثلاثينات من عمرها، بشعرها الكستنائي المنسدل على كتفيها وابتسامة حزينة، تحمل كوبين من الشاي بالنعناع.
ملك (بصوت رقيق):
مازن… لسه بتبص على الصورة دي كل ليلة؟
مازن (يتنهد بعمق، دون أن يرفع عينيه):
مش قادر يا ملك… كل مرة أشوف ضحكتها الصغيرة كأنها بتندهلي… "خال مازن، شوفني شطور ازاي!"
كانت دايمًا تناديني كده، فاكرة؟
ملك (تجلس بجانبه وتضع الكوب أمامه):
فاكرة، طبعًا فاكرة… ليل كانت روح البيت، مفيش طفل في العيلة ما بيحبهاش.
مازن (بحزن):
عدّى تلات شهور يا ملك… ولا خبر. لا أثر، لا صوت، ولا حتى أمل.
زياد بيحاول يخبي يأسه، بس أنا حاسس بيه… بيعيش ميت كل يوم.
ملك (تمسك يده وتضغط عليها بحنان):
بس أنت عارف إن زياد مش من النوع اللي يستسلم. أكيد هيلاقيها، أكيد.
اللي اتخطف،
لازم يرجع يوم… مفيش ظلمة بتفضل للأبد.
مازن (ينظر إليها بعينين زجاجيتين):
بس لو تعرفي يا ملك… قد إيه بحس بالذنب.
أنا أخو حور التوأم، كنت دايمًا حاسس بيها، حتى لما تبعد.
ليه المرة دي ما حسّيتش؟ ليه ما قدرتش أحميهم؟
ملك (تمسح دمعة عن خده):
مازن… ما تظلمش نفسك.
اللي حصل خارج عن إرادتك وعن إرادة الكل.
الذنب مش ذنبك ولا ذنب زياد ولا ذنب حور.
الذنب ذنب اللي خطفها.
يصمت مازن قليلًا، ينظر إلى يديه ثم يقول بصوت مبحوح:
مازن:
حور كانت تقول دايمًا إن ليل "هتنور الدنيا"… يمكن فعلاً النور بيغيب شوية قبل ما يرجع أقوى.
في هذه اللحظة، يدخل أيان — طفلهم الصغير، بعمر الثلاث سنوات — حافي القدمين، يحمل دبدوبًا صغيرًا بين ذراعيه، ووجهه الصغير مبلل بالدموع.
ملك (بحنان وهي تفتح ذراعيها):
أيان! ليه لسه صاحي يا حبيبي؟ مش قولنا خلاص وقت النوم؟
أيان (بصوت مبحوح طفولي):
كنت بحلم بـ ليل يا ماما… كانت بتضحكلي… ليه ما بتيجي تلعب معايا؟ أنا وحشتني 😢
ينظر مازن وزوجته إلى بعضهما بصمت مؤلم، ثم يجلس الأب على ركبتيه ويفتح ذراعيه لطفله.
مازن (بصوت مكسور):
تعال يا بطل… ليل كمان وحشتنا كلنا. بس هي دلوقتي في مكان بعيد شوية، ويمكن تكون بتفكر فيك زي ما إنت بتفكر فيها.
أيان (يمسح دموعه بأنامله الصغيرة):
بس أنا عايزها تيجي دلوقتي… أقولها إني حفظت الأغنية اللي كانت بتغنيهالي.
ملك (تضمّه):
وهتقولها أول ما ترجع يا حبيبي، وعد مني.
بس دلوقتي لازم تنام، عشان لما تيجي تشوفك تبقى كبير وقوي زي بابا.
أيان (ينظر إلى مازن بعينين بريئتين):
بابا… لما نلاقي ليل، هتاخدني ألعب معاها تاني؟
مازن (يحاول التماسك، ويبتسم رغم الدموع):
أكيد يا أيان، أول حاجة هنعملها. أنا وإنت وليل هنروح البحر ونرسم على الرمل، زي زمان.
يبتسم الطفل بخفة، ثم يضع رأسه على صدر أبيه، يهمس بصوت نعسان:
أيان:
بحبك يا بابا… وبحب ليل كمان…
مازن (بهمس، وهو يمرر يده على شعره):
وأنا بحبك يا روح قلبي… وبوعدك إنها هترجع… هترجع لنا.
تحمل ملك الطفل بعد أن غفا، وتضعه في حجرها.
تلتفت نحو مازن الذي ما زال يحدق في صورة حور وليل، تقول له بصوت خافت مليء بالحب:
ملك:
تعال نعيش يا مازن… مش لازم نغرق في الوجع. ليل محتاجة نفضل أقوياء عشانها.
وصدقني… لما ترجّعها الأيام، هتلاقيها محتاجة ضحكتنا مش دموعنا.
**********************
في الشرقاوي – القاهرة – منتصف الليل
البيت غارق في صمتٍ ثقيل، يقطعه بين الحين والآخر صوت الريح وهي تضرب النوافذ.
ضوء خافت ينساب من غرفة المكتب في الطابق العلوي.
يجلس سليم الشرقاوي، الشاب ذو الملامح الهادئة والعينين الحزينتين، أمام المكتب الخشبي الكبير الذي كان دائمًا يجلس عليه والده مراد الشرقاوي.
على الطاولة صور عائلية قديمة — له مع والده وأخته ريما، ووالدته نرمين التي كانت دومًا تحاول أن تبدو قوية.
سليم يضع رأسه بين يديه، يتنفس بعمق كمن يخشى أن ينهار في أي لحظة.
يتردد قليلاً قبل أن يمد يده نحو هاتفه، يتفقد الساعة — الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل.
ثم يهمس لنفسه:
سليم (بهمس متعب):
الجزائر فرق التوقيت فيها ساعتين… يمكن لسه صاحيّة.
يضغط على رقم "ريما ❤️" في قائمة الاتصال.
يضع الهاتف على أذنه، ينتظر قليلاً…
ثم يأتي صوتها الدافئ من بعيد، رغم المسافة:
ريما (بابتسامة يسمعها في نبرتها):
سليم! يا حبيبي، إنت بتكلّمني في نص الليل؟! في إيه؟
وحشتني يا أخي الصغير.
يتنفس سليم ببطء، يحاول أن يبتلع غصّته:
سليم (بصوت مبحوح):
وحشتيني أكتر يا ريما… والله.
معلش صحّيتك، بس… كنت محتاج أسمع صوتك شوية.
ريما (بحنان):
يا حبيبي، تقول إيه بس؟ إنت في أي وقت تتصل، حتى لو الفجر.
مالك يا سليم؟ في صوتك حاجة مكسورة كده…
يصمت لبرهة، يمرّر أصابعه في شعره بعصبية.
سليم:
مافيش حاجة محددة… بس حاسس إن الدنيا كلها متلخبطة.
عارفة الإحساس لما تكتشفي إن كل اللي كنتِ مصدقاه كان كذبة؟
ريما (بتعاطف قلق):
كلامك يخوّف يا سليم… حصل إيه؟ في حد ضايقك؟
سليم (بصوت منخفض):
لو كان الموضوع مجرد حد ضايقني، كان بسيط.
بس لما الشخص اللي ضايقك… يكون أكتر إنسان كنت بتحبه وبتحترمه في حياتك؟
ساعتها بتفقد نفسك، مش بس ثقتك في الناس.
ريما (بهدوء وقلق):
أنت بتتكلم عن بابا؟
حصل بينكم حاجة تاني؟
يتجمد للحظة…
ينظر إلى صورة والده على الجدار، تلك النظرة التي كانت دائمًا تمزج بين الإعجاب والخوف،
لكنها الآن تمتلئ بالمرارة.
سليم (يحاول التهرب):
هو مش شجار يا ريما… يمكن بس اختلاف.
يمكن بدأت أشوف حاجات كنت غافل عنها… حاجات وجعتني.
ريما (بلطف):
كلنا بنختلف مع أهلنا يا سليم.
بس بابا مهما كان، بيحبنا. يمكن عصبي أو متسلّط شوية، بس عمره ما كرهنا.
سليم (يضحك بمرارة خافتة):
الكره مش دايمًا في التصرفات يا ريما…
أحيانًا بيبقى في القرارات اللي بيخدها الإنسان… واللي بيدوس بيها على الكل.
ريما (بصوت متردد):
سليم… إنت بتخوفني.
لو في حاجة كبيرة، احكيلي، يمكن أقدر أساعد.
سليم (ينظر إلى النافذة، يحاول كتم دموعه):
لا… مش لازم تعرفي، يا ريما.
أنا مش عايز أشيلك الوجع اللي أنا شايله دلوقتي.
أنا بس… محتاج أفتكر إن لسه في حد طيب في العيلة دي،
حد ما تغيّرش.
يصمتان طويلاً.
من بعيد يُسمع صوت البحر من هاتف ريما في الجزائر،
وصوتها يأتي أكثر دفئًا هذه المرة:
ريما:
سليم، إنت دايمًا كنت القلب الأبيض بينا.
ما تسمحش لأي حاجة تغيّرك أو تلوثك.
حتى لو بابا أخطأ فيك، حتى لو الدنيا كلها خانتك،
افضل سليم اللي أنا أعرفه… الطيب، اللي دايمًا بيلمّ الناس حوالينه.
سليم (بصوت مكسور):
بحاول… والله بحاول.
بس في حاجات يا ريما… لما تعرفيها، بتكسر حاجة جواك ما بتتصلّحش.
ريما (بلطف):
طيب، اسمعني… مش عايزة منك وعد، بس عايزة منك صبر.
كل حاجة بتتغير، حتى الوجع.
بس لو فضلت لوحدك، الوجع هيكلك.
اتكلم مع ماما، أو تعالى هنا شوية، أنا وكامل نستضيفك، تغيّر جوك.
سليم (يبتسم رغم الحزن):
كامل طيب جدًا، وأنا فعلاً محتاج أهرب من كل ده شوية…
بس مش دلوقتي.
عندي حاجة لازم أخلصها الأول.
ريما (قلقة):
حاجة إيه؟
سليم (بهدوء غامض):
حاجة تتعلق بالعدل… وبالحقيقة.
يسود صمت طويل بينهما، فقط أنفاسهما تسمع من الطرفين.
ثم يهمس سليم بصوت حنون:
سليم:
بحبك يا ريما… خلي بالك من نفسك، ومن كامل.
وما تخافيش… أنا تمام. بس محتاج وقت.
ريما (بحنان):
وأنا بحبك يا سليم.
مهما حصل، تفضل أخويا الصغير اللي أنا فخورة بيه.
يغلق سليم الهاتف ببطء،
ينظر إلى صور والده مرة أخرى، ثم يهمس بصوت خافتٍ مليء بالألم:
سليم:
كنت دايمًا أقول إني عايز أكون زيّك يا بابا…
بس النهارده، نفسي أكون أي حد غيرك.
يسند رأسه إلى الحائط، يغلق عينيه،
وتسقط دمعة ثقيلة على خده…
*********************
في فيلا عائلة "كامل بن رامي" – الجزائر – منتصف الليل
هدوء ثقيل يخيّم على المكان.
ضوء خافت من المصباح الجانبي ينعكس على الجدران ذات اللون الدافئ، فيما تُسمع من بعيد أصوات أمواج البحر تضرب الصخور القريبة من الفيلا.
ريما الشرقاوي تجلس على طرف السرير، شعرها الطويل منسدل بإهمال فوق كتفيها، عيناها متورمتان من البكاء.
الهاتف ما زال على الطاولة أمامها، والمكالمتان — الصباحية من المجهول والليلية من سليم — تدوران في رأسها كدوامة لا تنتهي.
تضع يدها على صدرها كأنها تحاول تهدئة نبضات قلبها التي تتسارع كلما تذكّرت الكلمات التي سمعتها صباحًا:
> "والدك هو من قتل رائد القاسمي، وهو سبب اختطاف ليل الزهراوي."
تتنفس بعمق، ثم تنهض وتبدأ بالسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا، كأنها سجينة بين جدران أفكارها.
ريما (بصوت متهدّج تخاطب نفسها):
لا… مستحيل، مستحيل يكون بابا قاتل…
بس سليم، سليم كان بيحاول يقولّي حاجة… وكنت حاسة إنه بيتعذب.
يا رب، هو المجهول كان صادق؟ ولا دي لعبة قذرة جديدة؟
تجلس مجددًا، تسند رأسها بين كفيها.
دموعها تسيل بصمت ثقيل، كأنها تحاول ألا يسمعها أحد.
ريما (بهمس مخنوق):
أنا اتربّيت على إن بابا هو المثل الأعلى، الشجاع، اللي الكل بيحترمه…
إزاي؟ إزاي أقدر أصدق إن ورا كل دا جريمة؟
ولو دا طلع حقيقي…
إزاي هبصّ في وش كامل بعد كده؟
تلتفت نحو مرآة الغرفة، تنظر إلى انعكاس وجهها الشاحب:
ريما:
كامل…
لو عرف إن أبويا قاتل…
هيبصّ لي إزاي؟
هيشوفني بنت خائن؟
ولا هيفتكر إن الدم ده هيمشي في عروقي زي ما مشى في دم والدي؟
تمسك بالمنديل تمسح دموعها سريعًا، لكن الدموع لا تتوقف.
تسير نحو الشرفة، تفتح الباب ببطء.
الهواء البارد يدخل، يلفّها كأن الطبيعة نفسها تحاول تهدئتها.
تنظر إلى السماء المليئة بالنجوم وتهمس بصوتٍ مرتجف:
ريما:
يا رب، أنا تايهة…
أنا بين نارين، بين حبّي لوالدي اللي ربيّاني،
وبين الحق اللي بيصرخ جوايا.
أنا لو سكت، هبقى شريكة في ذنبه.
ولو اتكلمت، هدمّر عيلتي كلها…
تغلق عينيها، وصوت كامل يأتي من بعيد من الطابق السفلي:
> “ريما؟ حبيبتي، نايمة؟”
تتجمد للحظة، تمسح دموعها بسرعة وتتنفس بعمق لتُخفي اضطرابها، ثم تردّ بصوت مرتجف لكنها تحاول جعله طبيعيًا:
ريما:
آه… آه، حبيبي، كنت بتأمل المنظر بس… جايه أنام حالًا.
كامل (من بعيد):
طيب، ما تتأخريش، شكلك تعبان النهارده.
تغلق الشرفة وتعود إلى السرير ببطء،
تجلس وتهمس وهي تنظر إلى صورة زفافهما الموضوعة بجانب السرير:
ريما:
كامل…
لو عرفت الحقيقة، هل هتفضل تحبني زي ما بتحبني دلوقتي؟
ولا هتشوف فيا مجرد ظل لاسم الشرقاوي اللي دنسه والدي؟
تأخذ الصورة بين يديها وتضمها إلى صدرها بقوة،
ثم تغمض عينيها لتكتم شهقة بكاء، وهمسها يخرج مكسورًا:
ريما:
أنا مش قادرة أكره بابا…
بس كمان مش قادرة أسامحه.
إزاي يظلم ناس بريئة؟ إزاي يقتل ويمشي بينا كأنه ملاك؟
تتساقط دموعها على الصورة.
ثم تهمس وهي تنظر نحو الباب المغلق:
ريما:
أنا مش هتكلم دلوقتي…
بس لو اتأكدت أكتر،
هواجهه… حتى لو خسرته،
حتى لو خُسرت كل حاجة.
تغلق الأنوار، تتمدد على السرير،
لكن النوم يأبى أن يقترب منها.
وفي الظلام، يلمع الهاتف على الطاولة برسالة جديدة من رقم مجهول:
> “العد التنازلي بدأ يا ريما… جهزي نفسك للحقيقة كلها.”
*********************
فيلا الزهراوي – القاهرة
الليل بينزل بهدوء على الفيلا الكبيرة، نور دافي طالع من الشباك، وريحت الأكل البيتي ماليه المكان.
صوت المعالق على الطبق وكلام خفيف، جو أسرة صغيرة: أدهم، جميلة، رؤى بنتهم الجامعية، وكارم الصغير اللي مش قادر يقعد ثابت دقيقة.
الدنيا هادية… لحد ما رؤى قطعت الصمت بنبرة فيها قلق.
رؤى (بحذر):
بابا… ماما… سليم كان غريب أوي النهارده في الجامعة… ما ضحكش ولا اتكلم تقريبًا.
سألته مالك، قال "كل حاجة تمام" وغيّر الموضوع بسرعة…
بس شكله… لأ، مش طبيعي. كإنه موجوع.
أدهم وجميلة يبصّوا لبعض نظرة تعرف كل حاجة من غير كلام.
جميلة (بتتنهد):
يمكن تعبان يا حبيبتي… يمكن ضغط دراسة ولا حاجة بسيطة.
رؤى (تهز راسها):
لأ، مش دراسة. أنا عارفة سليم… مهما ضغطوه مش بيكسر كده.
في حاجة كبيرة… ومش راضي يقول.
جميلة تبص لبنتها كويس… تلمح اللمعة في عنيها، وتبتسم بنعومة.
جميلة:
واضح إنك بقيتي مهتمة بيه زيادة شوية يا رؤى.
وش رؤى يحمر فورًا وتبص في الطبق.
رؤى:
مامااا… لأ، بس هو صاحبي. ووجعني أشوفه كده.
أدهم (بهدوء ووقار):
سليم ولد محترم، ومهما اللي مزعّله، أكيد هيعدّي.
يمكن عرف حاجة وجعته… الدنيا مليانة صدمات يا بنتي.
المهم الواحد يفضل واقف.
(يقطع عيش بعصبية خفيفة)
أدهم:
وفي صدمات لازم تفتح عينينا على ناس كنا فاكرينهم ملايكة…
جميلة تبصله بنظرة فاهمة وحزينة.
كارم (بطفولة وهو يلعب في المعالق):
بابااا، ليل هترجع إمتى؟ ليه ما بتيجيش زي زمان؟
أنا وحشتني! كانت تخلّيني أركب على كتافهااا!
الكل يسكت لحظة.
جميلة تبتسم بصعوبة.
جميلة (بدلع):
ليل مسافرة يا حبيبي، بس هترجع قريب إن شاء الله.
كارم (بعناد):
بس أنا عايزها دلوقتي! تيجي تتعشى معانا!
أدهم يضحك ويمسح على شعره.
أدهم:
لو كانت سامعاك، كانت رجعت طيران.
دي بتحبك جدًا… فاكر؟
كارم:
أيوة! كانت بتقولّي: "كارم الشجاع!"
جميلة تبص لأدهم وتهمس بصوت واطي:
جميلة:
حتى العيال وحشتهم يا أدهم… غيابها ملي البيت كله فاضي.
أدهم (صوته مكسور شوية):
عارف… والله عارف.
بس كل حاجة بتمنها يا جميلة…
لازم نستحمل.
هترجع لما نكشف الخاين اللي دمّر ناس كتير.
جميلة إيدها ترجف، تمسك إيده بهدوء.
جميلة:
أنا واثقة فيك… وهترجعها لينا زي ما وعدت.
رؤى تبتسم وهي شايفاهم، حتى لو مش فاهمة كل حاجة.
تبص للشباك… للسماء… وتهمس:
رؤى:
يا رب تكون ليل بخير… وتحس قد إيه كلنا بنحبها ومشتاقين لها.
يسود صمت دافي…
صمت حب… وخوف… وأمل.
أب عارف الحقيقة وبيحاربها…
أم قلبها بيرتعش من اللي جاي…
بنت قلبها لسه بيكتشف مشاعره…
وطفل مش فاهم غير إنه وحش ليل.
رواية في قبضة العاصم الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سيليا البحيري
في تاني يوم، كانوا كلهم قاعدين حوالين السفره الكبيرة: عاصم، رامي، بيجاد، سليم، ليل، نيروز، وربى على كرسيّها المتحرّك.
الجو كتم، والكل بيحاول يتصرف عادي… لحد ما عاصم قطع الصمت بنبرة تقيلة وهادية بس تخوّف:
عاصم (بيبص عليهم، صوته ثابت بس مرعب): النهارده… اليوم اللي مستنيينه. كتب الكتاب بعد الضهر. كل واحد فيكم عارف دوره. مفيش وقت لا لتفكير ولا كلام.
نيروز (بصوت واطي، متوترة): كتب كتاب؟! يعني بجد… النهارده؟!
رامي (يحاول يهدي الجو بابتسامة باردة): عاصم دايمًا بيحب المفاجآت… بس كان يجّملنا شوية، الناس لسه مصدقتش.
عاصم (بيبصله بنظرة تهديد): مفيش حد لازم يصدّق حاجة، القرار اتاخد. ليل… بيجاد… سليم… انتو عارفين هتكتبو على مين.
ليل (تحط الفنجان بجامد، صوتها مولّع غضب): كفاية بقى تتحكم في الناس كإننا عرايس بتحركها زي ما انت عايز! وقولتها قبل كده يا عاصم، مش هتجوزك! مش عايزاك… لا النهارده ولا بعد مليون سنة!
بيجاد (قلقان): ليل، اهدي شوية…
ليل (بتبصله بعصبية): إنت كمان؟! هو بقى وصي علينا؟! إنت تتجوز ربى، وسليم يتجوز نيروز، وأنا اتجوز عاصم؟! مين نصبك علينا يا عاصم؟! “إله” تمشي علينا أحكامك؟!
(الجميع مذهول… ربى دموعها نازلة من غير صوت)
نيروز (خايفة، بتحاول تهديها): ليل بالله عليكِ… كده كتير، هدي نفسك… هو بس—
ليل (بتقاطعها بحدة): هو إيه؟! هتدافعوا عنه؟! ده راجل خطفني من بلدي، وبيتحكم في كل خطوة في حياتي، وماشي فاكر نفسه منقذي… وهو في الحقيقة سجّان!
(السكينة تقع على الترابيزة بصوت يخوّف. عاصم يرفع راسه ببطء، نظرته نار متجمّدة.)
عاصم (بصوت واطي بس أخطر من الصريخ): خلصتي كلامك يا ليل؟
(صمت قاتل… ليل بتتنفس بسرعة وعينيها مرعوبة)
عاصم (يميل لقدّام، صوته سامّ): شكلك نسيتي أنا مين… ونسيتِ إنك في بيتي وتحت أمري. بس بوعدك… النهارده هتفكري كويس. هتتجوزيني يا ليل… غصب عنك.
(يخبط بإيده على الترابيزة بعنف، الكبايات تهتز وواحد يقع على الأرض. ليل تتراجع بخوف، رامي يقوم بسرعة.)
رامي: عاصم، كفاية، الموضوع مش مستاهل كده—
عاصم (يبصله نظرة تقطع النفس): ماتدخلش يا رامي… أنا مش بلعب. (يبص لليل تاني) جهّزي نفسك… قدامك ساعتين.
(يقوم، ياخد الجاكت العسكري، ويمشي بخطوات تقيلة… الجو يختنق بعده.)
نيروز (مرتعشة تمسك إيد ليل): يا ساتر يا رب… ليه عملتي كده؟! انتي عارفة لما بيغضب…
ليل (تكتم دمعتها، صوتها مكسور بس متحدّي): يعمل اللي يعمله… بس والله… لو لمسني غصب عني… هخليه يندم على اليوم اللي افتكر إنه يسيطر عليّ.
(تقوم بعنف وتمشي… الكل ساكت، ربى بتعيط، وبيجاد بيبص للباب بخوف من اللي جاي.)
********************
في الجزائر في ڨيلا عايلة كامل، كانوا كاملين قاعدين يفطرو:
ريما بجمالها الهادي وأناقتها البسيطة، كامل راجلها، يمّو زليخة، باباه الحاج عبد الغني، وأختو الصغيرة سلمى لي ما تسكتش ضاحكة وتهدر بلا ما توقف.
بصح ريما ما كانتش معاهُم… سرحانة، عينها فالفنجان القهوة لي برد من شحال.
زليخة (بضحكة أم حنينة وهي توزّع الخبز التقليدي):
صباح الخير ولادي، ريما بنتي كولي شوية… الخبز مازال سخون من الفور.
ريما (تبتسم بخفة وبصوت هادئ):
صباح النور خالتي زليخة، صحة… والله ما عندي نفس.
كامل (يشوف فيها بقلق):
وش بيك حبيبتي؟ شكلك مش عادي من الصباح… ما نعستيش مليح البارح؟
ريما (تهز راسها):
غير شوية تعب… يمكن من كثرت التفكير.
سلمى (تضحك وتمازح):
أكيد كانت تحلم براجلها الوسيم! ما شاء الله ما تفرقوش حتى فالمنام هههه!
كامل (يضربها بخفة):
بلا ما تزعفي الناس… خليهم يفطرو.
(ضحكة خفيفة تعم المائدة… بصح ريما باقية ضايعة، تشوف فالفنجان كأنها تشوف وجه باباها “مراد الشرقاوي” لي طاح من عينها بعد ما كان قدوتها.)
الحاج عبد الغني (يقلب الجريدة):
ها كامل، اليوم راك خادم ولا راحة؟
كامل:
عندي اجتماع صغير ونرجع بكري إن شاء الله.
زليخة (بصوت فيه خبر):
على حساب ما سمعت… بنت عمّك راجعة اليوم من فرنسا.
(كامل يرفع راسو ويتنهد بثقل)
كامل (ساخر):
هااا، بشرتينا يا ماما! يعني الهدرة والضجيج رايحين يرجعُو من نهار تدخل “الأميرة الفرنسية” هذي.
سلمى (تضحك):
ههه قصدك ليلى بنت عم توفيق؟ والله توحشت مشاكلها.
كامل (بجديّة وبنبرة ضجر):
إنتي توحشتي، أنا لا.
آخر مرة جات، دارنا ولّات ستوديو تصوير لإنستا!
وكل دقيقة: “كامل صورني، كامل شوفني، علاه ما ضحكتليش؟”
يا ربي… ثقيلة كي الحجر!
زليخة (تبتسم بتوازن):
يا وليدي، بنت عمّك متعودة على حياة برا… شوية دلّوعة برك.
كامل (يرفع حاجبيه):
دلّوعة؟! هذي قنبلة إزعاج تمشي فوق رجلين.
(يلتفت لريما)
وأنتي يا ريما، تقدري تتحمليها معانا ولا تهربي قبلها؟
ريما (تبتسم شوية بصح بنبرة حزينة):
أنا؟ لا… ما نهربش…
(تطيّح نظرها)
هربت بزاف قبل… بصح اليوم مش وقت الهروب.
(الناس تضحك فاكرينها تمزح، بصح عينيها يلمعو بدمعة ما لاحظها حتى واحد)
Zليخة (بحنان):
ما تقلقيش بنتي… نورتي الدار.
واش رايك يا كامل؟
كامل (بصدق):
أكيد… هي ما ولاتش غير من العيلة… هي روحها.
(تبتسملو بحب، تبعد نظرها باش ما يشوفش الوجع…
وفي بالها صوت أبوها:
“درت لي لازم باش نحمي العايلة.”
وهي تهمس فسرها:
“العايلة؟ ولا باش تحمي روحك؟”)
سلمى (تقطع الجو):
ماما، كي تجي ليلى نلبسو القندورة الجديدة، صح؟
زليخة:
أكيد يا بنيتي… بصح كامل هو لي يروح يستقبلها من المطار.
كامل (ينوض بسرعة، يفتح يديه):
أنا؟! لااااا!
تجي وحدها، ركبي طاكسي، طيّارة خاصة، ولا جي طايرة بيديك… بصح أنا؟ مستحيل!
(يضحكو كامل… وحتى ريما تبتسم أخيرًا، رغم قلبها مازال ثقيل.)
******************
في ساحة جامعة القاهرة،في زاوية هادئة قرب المكتبة، وقفت رؤى الزهراوي، تحمل بيدها دفتر ملاحظات، تتحدث مع شاب من زملائها — كريم، شاب هادئ الملامح، يحمل حقيبته على كتفه، ويشرح لها شيئًا في الكتاب.
كانت رؤى تستمع باهتمام، لكن من بعيد... كانت نظرات حادة تراقب المشهد.
سليم الشرقاوي، بوجهٍ متجهّم وملامح متوترة، وقف كأنه اشتعل من الداخل.
عيناه احمرّتا، ليس غيرة فقط، بل خليط من الغضب، التعب النفسي، والانهيار الذي يعيشه منذ علم بحقيقة والده الخائن.
كل شيء في داخله يشتعل.
تقدّم بخطوات سريعة، وصوته يخرج غاضبًا كأنه صفعة على هدوء المكان.
سليم (بحدة، وهو يقترب):
رؤى! ممكن أعرف إيه اللي بيحصل هنا؟!
(تلتفت نحوه بدهشة، ثم عبوس، تنظر إليه مستغربة)
رؤى:
سليم؟! إيه اللي جابك هنا؟ أنا بتكلم مع كريم في حاجة تخص الكلية بس، في إيه؟
سليم (ينظر إلى كريم بازدراء):
حاجة تخص الكلية؟
(ثم يقترب أكثر، صوته منخفض لكنه مليء بالغضب)
إنتِ فاهمة الناس اللي حواليك ممكن يفتكروا إيه؟ تقفي مع واحد لوحدكم، والناس تبص، و...
رؤى (تقاطعه بعصبية):
كفاية بقى، سليم!
إنتَ إيه؟ وصيّ عليّا؟!
(كريم يشعر بالحرج ويتراجع خطوة)
كريم (بهدوء):
أنا أسيبكم تتكلموا، رؤى، نشوف الموضوع بعدين.
(يبتعد بسرعة، تاركًا المكان مشحونًا)
سليم (يشد أنفاسه بعصبية):
إنتِ مش فاهمة حاجة خالص! أنا... أنا بس مش قادر أشوفك واقفة كده مع أي حد!
رؤى (بغضب جارف):
مع أي حد؟! هو زميلي يا سليم! مش لازم كل حاجة تفسّرها غلط!
سليم (صوته ينكسر قليلًا، لكنه يحاول التماسك):
رؤى، أنا... أنا خايف عليكي، فاهمة؟ مش أكتر.
رؤى (ترفع حاجبها بسخرية):
خايف عليّا؟ ولا غيران؟
(تتقدم نحوه خطوة، بعينين لامعتين من الغضب)
إنتَ مالك بيا أصلًا؟! أنا حرة، أكلم اللي عايزاه، وأقف مع اللي عايزاه، ده اسمه احترام متبادل مش أكتر.
سليم (ينظر إليها مذهولًا، كأنها طعنته):
إيه؟ يعني خلاص… مش فارق عندك إني أزعل أو أتضايق؟
رؤى (بجمود):
أيوه، مش فارق.
(بصوتٍ أكثر حدة)
أنا مش محتاجة حد يقولي أعمل إيه. حياتي تخصني أنا، مش إنت.
(كأن شيئًا انكسر بداخله… نظراته انطفأت فجأة، عينيه تلمعان بدموع حاول أن يخفيها بسرعة)
سليم (بصوتٍ مبحوح، منخفض):
تمام يا رؤى... تمام.
مش هتدخل في حياتك تاني.
(يلفّ ظهره ويمشي بخطوات متثاقلة، كتفاه منحنية، كأنه يحمل العالم على ظهره)
رؤى (تتقدم خطوة، تهمّ أن تناديه لكنها تتردد، تتنفس بارتباك، ثم تهمس):
يا رب… ليه كده؟
(لكن سليم لم يلتفت.
ابتعد وسط الزحام، والوجع ينهش صدره، يشعر أن كل شيء يهرب منه — عائلته، احترامه لوالده، وحتى الفتاة الوحيدة التي كانت تمنحه الأمل.)
******************
في الدور اللي فوق في فيلا الزهراوي، مكتب كبير ونضيف، الشباك الواسعة باصّة على الجنينة… وعلى الحيطة ورا المكتب صورة لليل وهي صغيرة بتضحك ف حضن أبوها.
زياد (واقف قدّام الشباك، عينه سرحانة بعيد):
تلات شهور يا مراد… تلات شهور وأنا مقلب الدنيا على بنتي، ولا خيط… ولا حتى ريحة خبر!
(يلف بسرعة بعصبية)
دفعت لناس في المخابرات الخاصة، وفتحت تحقيقات في ألمانيا، فلّست فلوس تكفي تشتري بلد… وبرضه ليل كإنها راحت في الهوا!
مراد (ببرود متقصد):
يمكن يا زياد… علشان بتدور غلط.
مش كل حاجة تتشال بالفلوس والصوت العالي… ساعات القدر يحب يضحك على اللي فاكره نفسه ماسك الدنيا من ديله.
زياد (يخبط بإيده على المكتب بعنف):
أنا ما بسيبش لقدر! بنتي اتخطفت في فرح بنتك، قدّام رجّالتي، وكاميراتكم مغطّية كل ركن… وبرضه مفيش لقطة واحدة تبيّن مين خطفها!
(يقرب ناحيته)
تفسّرها بإيه؟!
مراد (يرفع حواجبه ويبتسم بسخرية):
بتلمّح إني ورا الموضوع؟
واضح إنك يئست خلاص يا صاحبي القديم…
(يميل لقدّامه)
يمكن الأحسن تستسلم… يمكن تكون ليل راحت خلاص، واللّي بتعمله ده ملوش فايدة.
زياد (عيونه نار):
لو كلمة "راحت" طلعت من بقّك تاني يا مراد… هتبقى آخر كلمة ليك.
أدهم (يدخل بهدوء قاتل، يقعد وهو بيرفع رجله فوق التانية):
بس يا زياد…
(يبص له بثبات)
ليل بخير.
زياد (مصدوم، غاضب):
إنت بتقول إيه، يا أدهم؟ سامع نفسك؟!
بنتي ضايعة… وإنت قاعد تقول بخير كأنها في مصيف في الساحل؟!
أدهم (صوته هادي لكن جواه قوة):
قلت لك… بخير.
وعاصم… مش هيضرها.
زياد (يمسح على شعره بعصبية):
عاصم…
(صوته يهدى ويغمق)
ده أنا كنت بحسبه ابني… كان بيلعب مع ليل وهي صغيرة… كنت بشوف فيه خالد الله يرحمه…
ومن يوم ما خالد مات وهو قلب عليا كأني أنا اللي قتّلته!
(يبص لأدهم)
وإنت جاي تقول مش هيضرها؟!
أدهم (نظرة غامقة، وراها سر كبير):
لو كان ناوي يؤذيها، كان عمل كده من أول يوم.
لكن ما عملش… وده معناه كتير.
مراد (بريبة):
معناه إيه يا أدهم؟
(يبتسم بخبث)
واضح إنك واثق زيادة…
ولا يمكن… تعرف فين ليل أصلاً؟
ولا عارف اللي حصل بينها وبين عاصم؟
أدهم (ببطء يبص له، عينه بتلمع بسخرية):
إنت مالك؟
مش المفروض تدعي إنها ترجع بدل ما تسمّم عقل أبوها؟
مراد (يحاول يمسك نفسه):
أنا… بحاول أساعد.
أدهم (مبتسمة باردة فيها احتقار):
تساعد؟
(يضحك بخفوت)
إنت آخر واحد يساعد يا مراد.
وزياد مش هيقع تحت كلامك المسمّ الليلة دي.
مراد (يفقد أعصابه شوي):
واضح إنك شايف نفسك فاهم كل حاجة يا أدهم…
بس اللعبة مش هتدوم… وكل واحد هيدفع تمن اللي عمله.
أدهم (يقوم، يقف قصاده مباشرة، نظرة تحدّي):
اللعبة خلصت فعلًا يا مراد…
بس شكلّك آخر واحد فاهم.
(يقرب منه)
أنا عرفت كل حاجة.
مراد (عينه تتهز، بس يحاول يسترجع هدوءه):
كل حاجة؟
يبقى المفروض تخاف… مش تتحدّى.
أدهم (يهمس بثقة):
أنا بخافش من الخونة.
زياد (يبص بينهم وحياته بتولع غضب وقلق):
حد يفهمني؟!
أدهم؟ إنت مخبي إيه عني؟!
أدهم (بهدوء تام):
هتعرف… قريب قوي.
بس الأول… لازم نقطع راس الحيّة اللي بينا.
مراد (يبتسم غصب عنه، غضبان بس متماسك):
جرب…
بس افتكر… الحيّة ما بتموتش بسهولة.
*******************
(الباب يتقفل ورا مراد اللي خرج بخطوات تقيلة، وسكون خانق مالي المكتب.
زياد واقف ساكت ثواني، وبعدين يلف بغضب على أدهم اللي لسه واقف مكانه وباصص للباب بابتسامة حزينة.)
زياد (بعصبية):
إنت اتجننت يا أدهم؟! كده تكلّم مراد؟!
الراجل اتضايق وخرج منك مكسور! إيه اللي خلاك تهجّم عليه بالشكل ده؟!
أدهم (بهدوء وصوت واطي):
مكسور؟
يبتسم بسخرية مرة
صدقني يا زياد… اللي زي مراد ما يتكسرش بسهولة.
زياد (رافع صوته):
بس دا صاحب عمرنا يا أدهم!
من أيام الجامعة وإحنا التلاتة ما بنتفرقش!
وقف جنبنا في كل حاجة، في الشغل وفي الشدة… إزاي تتكلم عنه كده؟!
أدهم (بياخد نفس وبيقرب منه):
عارف يا زياد…
يمكن مشكلتك من زمان إنك بتشوف الناس بقلبك إنت… مش بوشوشهم الحقيقية.
زياد (بتوتر):
وإنت دايمًا بتتكلم بالألغاز!
أنا مش ناقص حكمتك الفلسفية… أنا عايز أرجّع بنتي!
أدهم (بصوت هادي فيه حزن):
عارف… وعشان كده ساكت كتير.
بس ساعات السكوت مش ضعف يا زياد…
السكوت ساعات بيحمي اللي حوالينا… من الحقيقة.
زياد (بعصبية):
حقيقة إيه؟!
إنت بتلمّح لإيه؟
إنت شاكك في مراد ولا لأ؟!
أدهم (يتنهد ويبص بعيد):
الشك ساعات أرحم من اليقين…
يبص له مباشرة
وإنت مش هتصدقني لو قلت الحقيقة… زي مصدقتنيش زمان وأنا صغير لما قلتلك "مش كل الناس بتحبك بجد."
زياد (يهز راسه):
إنت دايمًا شايف الناس سودا!
مراد عمره ما خانّا! دا حتى كان أول واحد جنبي لما أبويا مات، وكان بيسأل على أمي كل أسبوع!
يضحك بمرارة
حرام عليك تفكره كده…
أدهم (ابتسامة صغيرة حزينة):
يا زياد…
مراد بيعرف يزور الناس كويس…
بس مش دايمًا بيزورهم بحُب.
أدهم يبص لصورة ليل على الحيطة.
أدهم (بصوت هادي):
سيبك من دا دلوقتي…
أنا وعدتك نجيب ليل… وهنجيبها.
بس لما كل حاجة تتكشف… هتفتكر كلامي النهارده.
زياد (بعدم رضا):
مش فاهمك… بس أتمنى تكون غلطان.
يبص للباب بحزن
مراد ما يستاهلش كده منك.
أدهم (بابتسامة حزينة):
ولا إنت تستاهل اللي بيعمله فيك يا زياد…
زياد يقف ساكت مش فاهم، وبعدين يخرج ببطء.
أدهم يتنفس، يقرب من صورة ليل، يلمسها بخفة، يهمس.
أدهم (بألم):
هنرجعِك يا ليل…
حتى لو هواجه الشيطان نفسه.
*******************
فيلا مراد الشرقاوي – بالليل
باب الصالون يتفتح بهدوء. جميلة داخلة لابسة أسود شيك، شعرها مرفوع وملامحها جامدة.
نرمين تقوم بسرعة، بتبتسم توتر وهي بتحاول تبين الهدوء.
نرمين (مرتعشة شوية):
جميلة! أهلاً وسهلاً… ماكنتش متوقعة خالص الزيارة دي.
اتفضلي، اقعدي.
جميلة (تقعد من غير ولا ابتسامة):
الزيارة ماكانتش متوقعة فعلاً…
بس ساعات الحقيقة لازم تتقال من غير مواعيد.
نرمين وشها يتجمد، تحاول تلطف الجو بابتسامة باهتة.
نرمين:
تحبي قهوة؟ شاي؟ عصير؟ الجو ولّع النهارده…
جميلة (نظرة حادة):
مش محتاجة قهوة.
أنا جاية ومجهّزة نفسي للكلام كويس.
نرمين تنزل عينيها للحظة، وبعدين تقعد قدامها وتشبّك إيديها بتوتر.
نرمين:
واضح إن في حاجة في بالك… قولي يا جميلة، مالك؟
جميلة (باردة وواضحة):
اللي في بالي هو جوزِك… مراد الشرقاوي.
وأنا مش جاية أسأل، أنا جاية أواجه.
اللي بيتعلّق بيا… بدافع عنه.
عنيا نرمين توسع، وصوابعها تشد في فستانها.
نرمين:
تواجهي؟!
جميلة، أنا مش فاهمة…
مراد يمكن صعب، بس هو مش—
جميلة (بتقطعها، بحدة):
قذر.
تبص في عينيها مباشرة
آه، قذر.
وانتي… كنتي شايفة وساكته.
إيد نرمين ترجف، صوتها يضعف.
نرمين:
ده مش حقيقي…
أنا… ماليش دعوة بأي حاجة بيعملها مراد.
جميلة (باشمئزاز):
بس ساكته.
والسكوت جريمة يا نرمين…
خصوصًا لما صمتك يجيب خراب.
بسبب سكوتك… بنت زي ليل اتخطفت.
بنت زياد اللي جوزِك بيكرهه بقاله سنين… وانتي عارفة!
نرمين ترفع إيدها على بقها، صوتها يتكسر.
نرمين (مبحوحة):
كفاية… أرجوكِ…
إنتي مش عارفة أنا عايشة إزاي.
أنا مش شريكة، والله ما كنت شريكة.
بس… أنا أم.
لو اتكلمت، ولادي يضيعوا… حياتهم تبوظ.
جميلة (صوتها مليان غضب):
وليل؟
حياتها مش حياة؟
ولا أولاد الناس أرخص من ولادك؟
نرمين تنهار وتعيط بصوت مهزوم.
نرمين:
ما تقوليش كده…
أنا ماكنتش أعرف إنه هيوصل لكده!
كنت شاكة… بس ما تخيلتش إنه يخلي عاصم…
تبكي بحرقة
عاصم الولد الطيب… يتحول لوحش!
سمّه في ودانه من بعد موت خالد!
هو اللي خلاه يشوف زياد عدو!
جميلة تبصلها بجمود، بس عينيها تهتز شوية.
جميلة:
وكل ده كنتي عارفة… وساكته؟
من يوم ما ليل اتخطفت… وانتي بتشوفي زياد وحور بيتكسّروا قدامك وما نطقتيش بكلمة؟!
نرمين (منهارة تمامًا):
كنت خايفة… والله كنت خايفة…
مراد يقدر يدفننا كلنا!
أنا شوفت وشّه الحقيقي… مش اللي أنتوا عارفينه.
تبص لها بتوسل
بس بالله عليكي… ما تقوليش لحور…
هتكرهني… ومش هتصدق إن خوفي… مش خيانة!
جميلة (بتقف، عينها نار):
حور ما بتكرهش، بس ما بترحمش الخاين.
وانتي… ما شاركتيش، بس سكوتك خنق البراءة.
الساكت عن الحق… شيطان أخرس يا نرمين.
نرمين تغطي وشها وتعيط مكتوم، جميلة ماشية للباب.
جميلة (توقف عند الباب، تلتفت بنبرة ثابتة):
قولي لمراد…
النهاية اللي بيجري منها… جاية.
والعقاب؟
هيكون بنفس القسوة اللي زرعها.
نرمين (مكسورة):
سامحيني يا حور…
سامحيني يا ليل…
كنت خايفة…
بس خوفي قتل البراءة فيكم.
*******************
في كافيه هادي في ضواحي المدينة — بالليل
سليم الشرقاوي قاعد في ركن جنب الشباك، راسه واطي، بيلعب في فنجان القهوة البارد من زمان.
يدخل زين العطار وهو حامل كوب شوكولاتة سخن، يقعد جنبه وبابتسامة بتحاول تخبّي قلقه.
زين (قاعد قدامه، بيحاول يطمن):
ست أيام وما سمعتش صوتك، ولا حتى شوفتك! خفت عليك يا سليم، افتكرتك سافرت أو حصل لك حاجة.
(سليم ساكت، عيونه حمرا من السهر والبكاء. بيرفع راسه بصعوبة لبصيص لزين.)
سليم (بصوت مبحوح):
كنت نفسي أروح... بعيد أوي، لمكان محدش يعرفني فيه.
زين (بقلق):
إيه حصل؟ حاسس إنك شايل هم العالم كله على ضهرك… قولّي يا صاحبي، يمكن الكلام يخفف شوية.
(سليم يسكت وقت، بعدين يضحك ضحكة مكسورة مش شبهه.)
سليم:
عارف يا زين؟ طول عمري كنت فخور إن أبوي اسمه مراد الشرقاوي.
كنت شايفه بطل… الكل يحترمه، الناس بتهابه، وزياد الزهراوي نفسه كان دايمًا يقوله "أخويا".
كنت بقول لنفسي: "يا حظي، أنا ابن الراجل اللي الكل بيحبه ويثق فيه".
(صوته بيتقطع، ودموع ببتلمع في عينيه.)
سليم (بصوت مخنوق):
بس طلع... وحش. وحش يا زين.
(زين يتلجم، مصدوم.)
زين:
سليم... إنت بتقول إيه؟ وحش؟! تقصد... أبوك؟
سليم (يهز دماغه ويبتسم بمرارة):
أيوه.
ابويا اللي كنت فاكره ملاك… طلع الشيطان اللي دمر كل حاجة.
(يتنفس بصعوبة، يبص لإيديا اللي بترتعش.)
سليم:
سمعتهم... من كام يوم، بالصدفة. كانوا فاكرين إني نايم...
مامي كانت بتعيط، وهو بيزعق فيها، وقالها "لو فتحتي تمك، أولادك هيدفعوا التمن".
ما قدرتش أستوعب في الأول، لحد ما سمعت الكلمة اللي ذبحتني.
زين (بصوت مرتعش):
إيه الكلمة؟
سليم (بهمس كأنه بيعترف بجريمة):
إنه هو... اللي قتل خالد القاسمي.
(تتجمد ملامح زين، ويرجع في كرسيه، وميقدراش يطلع كلمة. سُكوت طويل تقيل.)
زين (بهمس ما يبانش قوي):
إيه... بتقول إيه؟ أبوك... قتل رائد خالد القاسمي؟
(يتنفس بصعوبة) ده كان ضابط محترم، وصديق أبويا، والكل اتألم عليه!
سليم (بيبكي أخيرًا، بصوت مخنوق):
عارف! عارف يا زين...
وعارف كمان إن اللي اتهموه غلطان كان زياد الزهراوي...
وزياد ما يعرفش إن أبويا هو السبب الحقيقي في كل ده.
(يضرب صدره بإيده) وعاصم... عاصم المسكين صدق الكذبة، وراح ينتقم من زياد بخطف ليل... بنت زياد... صاحبتي، أختي، اللي كنت دايمًا بحلم أشوفها بخير.
(زين يحط إيده على جبينه، مذهول، بيحاول يستوعب الكلام.)
زين:
يا ربّي... يعني كل اللي بيحصل من شهور... كل الألم، الخطف، الدمار ده... كان سببه أبوك؟
(سليم يهز دماغه ببطء، الدمع نازل ساكت.)
سليم:
كل ليلة كنت بقعد أبصله وهو نايم... وأقول يمكن حلم، يمكن غلطة، يمكن فيها تفسير.
بس الحقيقة كانت أبشع من كل التفسيرات.
(يبصله بعينين محمرتين) كرهته يا زين. كرهت الاسم اللي باحمله. كرهت ملامحي اللي شبهه. كرهت نفسي إني ابنه.
(زين بيحاول يهدّيه، يحط إيده فوق إيده.)
زين (بصوت حنون):
اسمعني يا سليم... الغلط مش غلطتك، فاهم؟ إنت مالكش يد في اللي عمله أبوك، وإنت مش هو... إنت طيب، واللي يعرفك يعرف إنك طيب.
سليم (بصوت مكسور):
بس الناس مش هتشوف كده، يا زين! هيتعاملوا معايا كابن القاتل... ابن الخاين اللي دمّر بيوت ناس بريئة!
(يضرب الطاولة) كنت أتمنى أكون يتيم ومكنتش أعرف إن ده والدي!
(يصمتوا. المطر بيزود بره. زين بيبلع ريق، صوته بيرتجف.)
زين:
هتعمل إيه دلوقتي؟
سليم:
مش عارف... بس وعدت نفسي حاجة واحدة... إن الحق هيرجع لصاحبه، حتى لو الثمن اسمي، أو حياتي.
(يبصله بثبات والدموع على خده) لو عاصم عرف الحقيقة قبل ما يدمر نفسه أكتر... يمكن ليل ترجع. يمكن... يمكن الدنيا تصلّح اللي باوّزه أبويا.
(زين يحط إيده على كتف صاحبه، يهمس وهو متأثر):
أنا معاك يا سليم... لحد آخر نفس، أنا معاك.
سليم:
مش هسيب الحق يموت... حتى لو اللي هقتله... دمي.
******************
في ألمانيا – فيلا رامي السيوفي
الليل هادي، والدنيا برّه بتثلّج خفيف.
عاصم القاسمي قاعد قدّام المدفأة، ماسك تليفونه وصوته واطي بس ثابت.
قدّامه خريطة على اللابتوب وعليها أسامي: مراد الشرقاوي – زياد الزهراوي – أدهم الزهراوي.
رامي السيوفي يدخل بسرعة.
رامي (بجدية):
كل حاجة جاهزة. الورق اللي بعتّه لأدهم وصله، وكاميرات الفيلا بتاعة مراد تحت سيطرتنا خلاص.
عاصم (بيهز راسه):
تمام. ناقص آخر خطوة قبل ما نواجهه.
(ياخد نفس ويشغّل مكبّر الصوت)
ـ "اتصل بأدهم الزهراوي."
بعد لحظات، صوت أدهم يطلع من السماعة، عميق وهادي كالمعتاد.
أدهم:
عاصم؟
عاصم (بابتسامة خفيفة):
أيوه، أنا. عامل إيه يا عم أدهم؟
أدهم (بنبرة فيها تعب):
عامل إيه؟! من تلات شهور وأنا مش عارف أنام من القلق.
ليل... فين؟
عاصم (بهدوء):
بخير. والله بخير. ولا حد هيمسّها طول ما أنا عايش.
جميلة (بصوت أم موجوعة من ورا السماعة):
بخير؟! وبنتي بقالها تلات شهور بعيد عنّا؟!
إنت ناوي على إيه يا عاصم؟ لحد إمتى النهايات المعلّقة دي؟
عاصم (بصوت هادي وموجوع):
عارف إن اللي عملته صعب يتسامح.
بس ما خطفتهاش انتقام بعد ما عرفت الحقيقة... خطفتها حماية.
مراد هو اللي قتل رائد... أخويا الصغير، وخلّاني أعيش عمري أكره زياد ظلم!
(صوته يتكسر)
تخيّل تعيش عمرك شايل غل جوّاك، وتكتشف إن اللي كنت شايفه "عمّ وصديق" هو اللي دمرك؟
أدهم (بحدة):
فاهم غضبك. بس ليه مستخبي في ألمانيا؟ ليه ما تواجهوش في القاهرة؟
عاصم (بذكاء):
القاهرة ملعبه… لكن هنا، أنا اللي ماسك الورق.
بعته له طُعم يخليه يفتكرني ضعفت. ساعتها... يقع بيده.
جميلة (بهمس):
ولما يقع...؟
عاصم (ابتسامة سوداوية):
هيفهم إن اللعب بالنار بيحرق صاحبه.
أدهم (يحاول يخفف التوتر):
وطب وليـل؟ كلمتها؟ وافقت على الجواز؟
عاصم (بيتنهّد):
رفضت… وبجفاء كمان.
قالتلي: "مش هتجوز خاطفي حتى لو كنت آخر راجل في الدنيا."
(يضحك بحزن)
نفس عناد أمها بالظبط… يمكن أكتر.
جميلة (تبتسم بدمعة):
دي ليل اللي نعرفها… نار ما بتنطفيش.
بس بالله عليك متكسرهاش أكتر.
عاصم (بحنان نادر):
مش هعمل كده… عمري.
هي مش فاهمة إنّها بقيت… (يقف شوية يتمالك نفسه)
بقت آخر حاجة منورة حياتي.
أدهم:
هتعرف الحقيقة في يوم.
عاصم (بجدية):
وعشان كده بكلمك.
عايزك تيجي ألمانيا… تبقى وكيل ليل في كتب الكتاب.
أدهم (مذهول):
كتب كتاب؟ وهي لسه رافضة؟!
عاصم:
هياخد وقت. بس لازم يكون كل حاجة قانوني قبل حربنا مع مراد.
هنا تبقى بأمان مراتي… محدش يقدر يلمسها.
جميلة (بتردد):
وزياد؟ لو عرف… مش هيسامحنا.
عاصم (بحسم):
ما ينفعش يعرف دلوقتي. هيبوّظ كل حاجة بعصبيته و خوفه على بنته
أرجوكم… صدّقوني المرة دي.
أدهم (يتنفس بعمق):
تمام… هنجي.
بس فاكر كويس… ليل مش ورقة حرب. دي بنت الزهراوي.
عاصم (بصوت ثابت):
عارف. وعشان كده… عايز أحميها باسمي.
جميلة (بخشوع):
يا رب يكون خير ليها… مش خراب عليها.
عاصم:
آمين… هنخلص كل اللي بدأه مراد. بس المرة دي… هو اللي هيدفع التمن.
(يقفل الخط)
رامي يدخل تاني.
رامي:
المكالمة خلصت؟
عاصم (بيبص على التلج برا):
خلصت…
ودلوقتي تبدأ الحرب بجد.
********************
في القاهرة – بيت أدهم وجميلة الزهراوي
جميلة قاعدة على طرف السرير، بترتّب هدومها وتحطّها في الشنطة بهدوء.
أدهم واقف عند الشباك، باصص في ضي القمر على الإزاز.
جميلة (بصوت واطي):
عارف يا أدهم… دي أول مرة نسافر من غير الولاد.
حاسّة كإني بسيب قلبي هنا.
أدهم (يبتسم من غير ما يبص لها):
وأنا كمان…
بس اللي هنعمله ما ينفعش يبقوا معانا.
الخطة محتاجة سكات، وكارم لو بس شافنا ماشين هيقولّها لكل الدنيا.
جميلة (تتنهد وهي تقفل الشنطة):
عارفة… كارم لو خبّينا شوكولاته، هيروح يقول للشارع كله.
(تبتسم بغُصة)
ولو شافنا بنمشي فجأة… خصوصًا رؤى… مستحيل نقدر نضحك عليها بسهولة.
أدهم (يقعد جنبها):
رؤى شاطرة ودماغها كبيرة… وهتفهم إن كل ده عشان ليل.
هقولها رحلة شغل صغيرة، وهتقعد مع عمتها حور… هي محتاجاها دلوقتي أكتر من أي وقت.
جميلة (بصوت متكسّر):
حور الغلبانة… من يوم ليل اختفت وهي مش طبيعيّة.
تنام وعنيها مفتوحة، وتصْحى مفزوعة…
وجود رؤى هيهون عليها شوية.
أدهم (يمسك إيدها):
بالظبط… عشان كده ده الصح.
كارم كمان هيقعد معاهم… يطلع ضحكة وسط الحزن ده كله.
جميلة (تبتسم بمسة وجع):
هو الوحيد اللي بيقدر يضحّك حور وسط كل اللي حصل.
(تصمت لحظة)
بس يا أدهم… إنت واثق في عاصم؟
نسيب ليل معاه وإحنا قلبنا مطمن؟
أدهم (ياخد نفس):
أنا ما بثقش بسهولة… بس بصراحة شفت في عينه ندم ما يتكلمش عنه.
الولد ده اتغيّر… وجبرته الخيانة.
واللي اتظلم عمره ما يظلم.
جميلة (تنكس راسها):
يا ريت زياد يفهم كده…
كل ما أشوفه بينهار أحس إني بخونه بسكوتي.
أدهم (يحط إيده على خدها):
عارفين الصمت صعب… بس لازم.
لو زياد عرف دلوقتي… هيدمّر كل حاجة بنّيناها في ثانية.
(ينظر لها بحنان)
اصبري… الفجر قريب. والنور هيرجع لبيتنا.
جميلة (بعينين مدمعة وابتسامة):
يارب… ليل تستحق ترجع مرفوعة الراس، مش مكسورة.
أدهم (بحزم):
وهترجع كده… بوعدي.
(يطلع صوت خفيف من برا)
صوت رؤى (من ورا الباب):
ماما؟ بابا؟ لسه ما نمتوش؟
(جميلة تبص لأدهم وتقوم تفتح الباب)
جميلة (برقة):
تعالي يا حبيبتي… مالِك؟
رؤى (داخلة ووشّها باين عليه البكا):
سمعت صوت الشنط… هتسافروا؟
أدهم (يحاول يهدّيها):
مشوار صغير يا روح بابا… شغل بس. هنرجع بسرعة.
رؤى (بصوت موجوع):
من ٣ شهور وكل حاجة بقت "شغل" و"ظروف".
ليل لسه مش هنا… وأنا… مش عارفة أتنفس من غيرها يا بابا.
جميلة (تحضنها جامد):
حبيبتي… ليل بخير والله. وهترجع قريب.
رؤى (بدموع وابتسامة ضعيفة):
بحلم بيها كل ليلة… بتقولي "استحملي يا رؤى، أنا جايّة".
صوتها في الحلم بيخلّيني أكمّل.
أدهم (صوته بيتهز):
تمسّكي بالحلم ده… لأنه قريب يبقى حقيقة.
جميلة (تمسح دموعها):
بكرا هتروحي عند خالتك حور، ماشي؟
كوني لها بنت زي ما كنتِ لليل أخت.
رؤى (تومئ وهي بتعيط):
هروح… وهستناها.
(رؤى تمشي ببطء. جميلة تقعد وتبكي بصمت)
أدهم (يوّسع عليها):
قُويّه يا جميلة… عشانهم كلهم.
جميلة (تمسح دموعها وتبتسم غصب):
هكون قوية… طول ما إنت معايا.
أدهم (يشيل الشنطة):
يلا… على ألمانيا. على بنتنا التانية.
(جميلة تطفي النور، تبص لصورة ليل على الحيطة وتهمس):
جميلة:
هنشوفك قريب يا ليل… قريب قوي.
رواية في قبضة العاصم الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيليا البحيري
مطار ميونخ – ألمانيا – بعد كام ساعة
الطيارة كانت لسه نازلة من شوية. الهوا التلج الألماني ضرب وش أدهم وجميلة أول ما خرجوا من المطار.
جميلة وقفت تلف بالبالطو عليها، بتبص على صف العربيات اللي مستنية المسافرين.
جميلة (بتوتر وهي بتدور بعينيها):
هو قال إن السواق هيبقى هنا… شايف حد ماسك يفطة باسمنا؟
أدهم (بهدوء رغم التعب):
أهو… هناك جنب العربية السودة.
(بيمشوا ناحية شاب طويل ماسك يفطة مكتوب عليها "Mr. Zahrawi")
السواق (بالإنجليزي بلكنته العربية):
Welcome Mr. Adham, Miss Gamila.
السيد عاصم بعتني عشان أوصلكم لفيلا الأستاذ رامي السيوفي.
أدهم (بالعربي بابتسامة خفيفة):
متشكرين… يلا بينا.
(يركبوا العربية. الطريق هادي في ضواحي ميونخ، التلج بينزل خفيف على الإزاز. جميلة قاعدة جنب أدهم ساكتة، عينيها بتبص برا بشرود.)
جميلة (بصوت واطي):
يا ترى… هتبصلنا ازاي لما تشوفنا؟
ليل… هتسامحنا؟
هتفهم إننا عملنا كده عشان نحميها مش نخدعها؟
أدهم (بيبص قدّامه وهو بيفكر):
معرفش يا جميلة. ليل عمرها ما كانت سهلة.
في عناد أبوها زياد… وفي كبرياء أمها حور.
(يسكت شوية)
بس احنا مجبورين… لو رجعت القاهرة دلوقتي، مراد مش هيسيبها… ومحدش هيطلع سليم بعد ما الحقيقة اتكشفت.
جميلة (بتتنفس بقلق):
بس موضوع جوازها من عاصم…
(تهز راسها بيأس)
إزاي تقنعي بنت اتخطفت إنها تتجوز خطّافها؟
أدهم (يبصلها بجدية):
عاصم ما بقاش خطّاف… ده بقى منقذها.
هي بس لسه مش فاهمة.
هنقولها كل حاجة لما ييجي وقتها.
دلوقتي أهم حاجة نهدّيها… ونخلّيها تثق فينا.
(جميلة تسند راسها على الكرسي وتحاول تهدى)
جميلة (بهمس):
تفتكر زياد بدأ يشك؟
أدهم (بتوتر):
ممكن… بس هو دلوقتي غرقان في يأسه. مش شايف حاجة غير ألمه.
يارب يفضل كده لحد ما الخطة تخلص.
(العربية تمشي في طريق طويل وسط غابات متلجة لحد ما توصل لفيلا كبيرة عليها نور دافي)
السواق:
وصلنا… دي فيلا الأستاذ رامي.
(أدهم ينزل الأول ويتأكد من المكان، وبعدين يساعد جميلة تنزل. باب الفيلا يتفتح ويطلع رامي السيوفي مبتسم)
رامي (مبتسم بهدوء):
أهلاً بيكم في ألمانيا… عاصم مستنيكم من الصبح.
أدهم (بجدية):
وفين ليل؟
رامي (بصوت هادي):
فوق… أوضتها بتبص على الجنينة.
ومش عارفة إنكم جيتوا.
(جميلة تبص لأدهم بقلق، وهو يطمنها بإيده)
دخلوا الفيلا، الدفا يضربهم بعد برد الطريق. صوت نار في المدفأة، وريحة قهوة عربي مالية المكان.
جميلة (بهمس):
المكان جميل… بس مخوّفني.
أدهم (بصوت واطي):
عشان في حاجات هنا ماينفعش تتقال… ولا تتعرف قبل وقتها.
رامي:
استريحوا… هنده لعاصم.
(يمشي ويسيبهم. التوتر يعلى. جميلة تبص حواليها)
جميلة:
تخيل يا أدهم… ليل كانت هنا شهور لوحدها.
يا ترى حسّت بإيه؟
كرهت الدنيا؟ ولا نفسها؟
أدهم (يبص ناحية الباب):
ممكن تكون كرهت كل الناس… وده أصعب حاجة هنواجهها.
جميلة (بصوت مكسور):
قلبي هيتقطع لو بصّت لي زي ما كانت وهي صغيرة…
فاكر لما كانت تستخبى ورايا لما زياد يزعق؟
كانت تقول: "خالي أدهم طيب… عمره ما يزعلني."
(دموع في عنيها)
يا رب… إزاي هخليها تتجوز اللي خطفها؟
أدهم (يحط إيده على كتفها):
مش هنجبرها… بس هنخليها تشوف الحقيقة.
عاصم اتغيّر… مكسور وندمان… وصادق.
قلبها هيحس قبل عقلها.
(صوت خطوات في الممر. جميلة تتوتر)
جميلة (بهمس):
هي؟
أدهم:
أو يمكن… عاصم الأول.
(الباب يفتح ببطء. عاصم يدخل، شكله تعبان، عينه فيها سهر وقلق بس بيحاول يبتسم)
عاصم (بصوت مبحوح):
أهلاً بيكم… كنت عارف إنكم هتيجوا عاجلاً ولا آجلاً.
(أدهم يقوم ويسلم عليه بقوة. جميلة تبصله بحذر)
أدهم:
جينا نخلص الكابوس ده… سوا.
عاصم (يبص للسلم لفوق):
استعدّوا.
المرحلة الصعبة لسه هتبتدي دلوقتي…
لما تشوفوها.
******************
فيلا رامي السيوفي – ألمانيا
الجو في الخارج رمادي، والغيوم الثقيلة تحجب ضوء الشمس عن نوافذ الفيلا الفاخرة التي تتوسط الغابة. النسيم البارد يتسلّل من بين الأشجار، بينما خطوات جميلة وادهم تتردّد في الممر الطويل المؤدي لغرفة ليل.
الهدوء يخيّم على المكان، لا يُسمع سوى أصوات خافتة من الغرف المجاورة، وضحكات باهتة من نيروز وربى تحاولان تهدئة الجو قبل وصول الزوّار القادمين من بعيد.
كانت ليل تجلس على السرير، تضع بين يديها كوباً من الشاي بالكاد شربت منه، وجهها شاحب، عيناها متورمتان من البكاء، وشعرها المنسدل بعشوائية يعكس اضطرابها الداخلي.
كانت نيروز تتحدث بنعومة محاولة التخفيف عنها، بينما ربى تراقبها بعينين حزينتين.
نيروز: (تبتسم بخفة) يا بنتي كفاية زعل بقى، الدنيا مش هتتعدل بالحزن.
ليل: (بحدة مكتومة) مش زعلانة… بس مش قادرة أتنفّس وأنا هنا.
ربى: (بصوت خافت) عاصم ما بيأذيكيش يا ليل، هو بس… بيحاول يحميكي بطريقته.
ليل: (تقاطعهما بعصبية) حمايتي؟! بخطفي؟! بحبسه ليّ هنا؟! هو فاكرني هتقبل ده؟
في تلك اللحظة، سُمعت طرقات خفيفة على الباب.
فتحت نيروز الباب، لتتجمّد الكلمات في حلقها حين رأت أدهم وجميلة واقفين.
الدهشة ارتسمت على ملامح الجميع، لكن أكثر من شعر بالزلزال كانت ليل.
وقفت كمن تلقّى صدمة كهربائية، حدّقت فيهما بثوانٍ ثم شهقت بصوت مبحوح:
ليل: خالي أدهم؟! طنط جميلة؟!
لم يمهلاها لحظة، اندفع أدهم نحوها بخطوات حنونة، وفتح ذراعيه.
ركضت نحوه، وارتمت بين ذراعيه كطفلة ضائعة عثرت أخيراً على الأمان.
انهارت تبكي بعنف، وصوتها المبحوح يخترق السكون:
ليل: خالي… خالي، خُدني معاك! بالله عليك، رجّعني لماما! أنا مش عايزة أفضل هنا!
ضمّها أدهم بقوة، ربت على شعرها بعطفٍ عميق، بينما دموعه كادت تفرّ من عينيه وهو يسمع رجاءها.
أدهم: (بصوت مبحوح) هششش، خلاص يا روحي… أنا هنا دلوقتي، مفيش حاجة هتأذيكي وأنا موجود.
ليل: (ترفع وجهها) هو اللي بعثك؟! عاصم؟ ولا إنت جيت من نفسك؟
أدهم: (يتنفس بعمق، يبتسم بحنان) جينا علشانك يا ليل… علشان نطمن إنك بخير.
اقتربت جميلة بخطوات بطيئة، وعيناها ممتلئتان دموعاً.
جميلة: حبيبتي… يا روحي، وحشتينا قد إيه.
ليل: (تسحب نفسها من حضن أدهم وتندفع إلى جميلة) طنط جميلة… كنتِ تعرفي؟ كنتِ تعرفي إنه هيعمل كده؟!
جميلة: (تهزّ رأسها بسرعة) لا يا حبيبتي، والله ما كنت أعرف… إحنا هنا علشانك، مش ضِدّك.
جلست ليل على طرف السرير، تمسح دموعها بارتباك، وصوتها يرتجف:
ليل: كل يوم بيجي يقولي كلام غريب، بيقول إنه بيحميني، وإنه مش هيأذيني… بس أنا مش فاهمة حاجة!
أدهم: (يجلس بجانبها، يضع يده على كتفها برفق) أنا عارف إنك تعبانه يا ليل… بس عايزك تسمعيني كويس، في حاجات لازم نفهمها سوا.
ليل: (بحذر) حاجات زي إيه؟
أدهم: مش دلوقتي… لما تهدي، نتكلم بهدوء. أنا وعدتك مش هسيبك.
نيروز نظرت إلى ربى، ثم قالت بصوت خافت لتكسر الصمت الثقيل:
نيروز: أعتقد إننا نسيبهم شوية لوحدهم.
غادرتا الغرفة بهدوء، تاركتين خلفهما صمتاً تملؤه أنفاس متقطعة.
ليل: (تحدق في خالها بعينين دامعتين) خالي… هو بيكرهني؟ ليه بيعمل فيّ كده؟
أدهم: (ينظر إليها بعطفٍ شديد) لا يا ليل، لا تظلميه… يمكن الطريقة غلط، بس نيّته مش كده.
ليل: (تغمض عينيها، تتنفس بعمق) نفسي أرجع، أشوف ماما… مشتاقلها قوي.
جميلة: (تجلس قربها وتمسك يديها) وهتشوفيها يا ليل، قريب جدًا. بس لازم تكوني شجاعة دلوقتي، تمام؟
ليل: (بهمسٍ مرتجف) شجاعة… وأنا خلاص اتكسرت.
أدهم ينظر إليها طويلاً، بعينين تشعان بالوجع والفخر في آنٍ واحد، ثم يهمس بصوتٍ أبوي:
أدهم: بنت أختي ما بتتكسرش، دي قوية زي أمها… وده وقتها تثبت كده.
يبتسم لها برقة، في حين تبادله نظرة مرتبكة مفعمة بالأمل والخوف معًا…
تسند رأسها على كتفه، وتغرق الغرفة في صمتٍ ثقيل، لا يُسمع فيه سوى أنفاسهم المتقطعة ونبضات القلوب التي تحمل بين طيّاتها وعدًا بغدٍ مختلف
********************
مكتب مراد الشرقاوي — بالليل
(نديم يدخل وهو متوتر، يرمي شنطته على الكرسي ويقعد. مراد واقف عند الشباك، ماسك سيجارة، باين عليه الهدوء من برّه بس وشّه شايل غضب مكبوت.)
نديم (بهمس ومتوتر):
إنت قلتلي أجيلك ضروري… ماكنتش متوقّع الموضوع كبير بالشكل ده.
مراد (بصوت بارد):
الأخبار بتطير يا نديم.
(يمشي ناحية المكتب ويقعد)
أدهم الزهراوي فتح عينه. عرف الحقيقة عن رائد.
نديم (يقوم متصدم وبعدين يقعد تاني بسرعة):
يعني… بجد؟ أدهم عرف إن ليك علاقة باللي حصل؟
مراد (بنبرة جامدة):
ماتندهش. آه — عرف. واللي يعرف لازم نتصرف معاه فورًا… قبل ما الكل يدفع التمن.
(يسحب نفس من السيجارة)
ومش بس أدهم… لو الكلام ده وصل لزياد أو للمخابرات، كل حاجة هتولّع: اسمك، منصبك، حياتك… و حياتي أنا كمان.
** نديم** (بيحاول يتمالك نفسه):
طب… ماتفكّرش نهدّيه؟ نخليه يسكت… ناس كتير اتعاملنا كده معاهم قبل كده.
مراد (يقطعه بنبرة جامدة و غضبة):
بلاش تقول كلمة نهدّيه كإنها حلّ ساذج.
(يميل عليه ويبص في عينه)
أنا عايز نتيجة يا نديم. نتيجة نهائية… حاجة تخلينا ننام من غير قلق.
نديم (بتلعبك):
تقصد… نخلّي الموضوع يختفي؟
مراد (ابتسامة باردة):
عايز الأدلة تختفي… والدافع يختفي… والموضوع كله يبقى كإنه لمحة عابرة… ولا حد افتكرها.
(يخبط على المكتب بخفة)
أدهم مش بس عرف… أدهم مشكلة. لو اتكلم، زياد هيقوم، وزياد يعني تحقيق، وفضايح… وملفات تفتّح رقاب — بما فيها رقبتي أنا.
نديم (يمسح جبينه):
الراجل قوي… لو ضغطنا عليه، ممكن يصرخ، يعمل دوشة… والناس بتحبّه حوالينه.
مراد (بحِدّة):
وده مش مبرر نتحرّك ببطء.
(يقوم يتمشى)
إنت ولد شاطر يا نديم. مش مطلوب منك تبقى وحش… المطلوب بس تتأكد إن الكلام يموت قبل ما يكبر.
(يبص له بثِقل)
ولو فشلت… تتحمّل اللي ييجي. وده مش رأي… ده تحذير.
نديم (بصوت واطي):
عايز وقت… وخطة… ومكان آمن. مش عايز أبقى اللي يحفر قبره بإيده.
مراد (يتنفس ويرجع هادي):
الوقت مش في صالحنا. أدهم بيتقابل مع ناس… وبيحكي مع أجانب. عندنا نافذة صغيرة قوي.
(صوته يحدّ)
عايز ذكاء… ضغط نفسي… عزل… تشتيت.
خليه يظهر كقدر… كحادث… كغلطة. مش كدب ومؤامرة.
نديم (بيكرر الكلام كإنه فهم):
تمام… هنشتغل على تشويش… ونصرف الناس عن الموضوع.
مراد (فجأة بغضب):
مش عايز كلام محفوظ! ولا خطط عبيطة!
عايز حلول تموت الشك قبل ما يتولد.
(يقرب لنديم لدرجة تهديد)
أدهم ده مشكلة طلعت في وقت غلط.
دلوقتي الحل الوحيد… نطلعه بره الصورة. مادياً ومعنوياً.
بس بكررها:
لا ورق…
ولا تليفونات…
ولا أثر.
(ياخد نفس طويل)
اشتغل بذكاء… أخف من الهوى.
نديم (يحاول يخبي الرعب بصوت مهزوز):
تمام… هجيبلك النتيجة.
مراد (يقفل عينه لحظة ويرجع يفتّحها ببرود قاتل):
خليها مش بس وعد يا نديم.
(صوته يبقى أخطر)
دور على طريقة تخلي الصوت يتكمّش… ويتدفن.
أنا محدش يفكّر يفضحني. مهما كان مين.
(الصمت يتقلّ. نديم يطلع سيجارة وما يولعهاش. دماغه بتلف. مراد واقف تاني عند الشباك، يبص للشارع كإن المستقبل واقف هناك.)
نديم (بصوت مكسور):
هابدأ أرتّب… وأبلّغك لما كل حاجة تبقى جاهزة.
مراد (بهدوء مرعب):
اعمل كده.
وماتفشلش.
(المشهد يقفل على وش مراد المشدود، وعلى يد نديم المرتعشة وهو بيخرج، شايل قرار ممكن يغيّر حياته. الساعة بتدق، والمدينة ماشية… فوق أرض مليانة دسائس.)
*****************
في جهاز المخابرات – مكتب العميد آدم العطّار
جواد (يقلب أوراق وملامحه متوترة):
يا فندم… دي آخر التطورات في قضية التحويلات غير المشروعة. تقارير المينا جاهزة.
آدم (من غير ما يبص له):
سيبها على جنب يا جواد. بعدين.
جواد:
بس يا فندم، معاد التسليم بكرة الصبح—
آدم (يرفع راسه ويقطعه بنظرة تعبانة بس حاسمة):
قلت بعدين يا جواد.
(صوته يهدي فجأة)
في موضوع أهم… موضوع ليل الزهراوي.
(جواد يسكت، الاسم لوحده بيكتم الجو.)
جواد (بتردد):
عدّى تلات شهور يا فندم… ومفيش أي أثر. الداتا الألماني مقفولة علينا خالص. حتى الـIP اللي ظهر اتحرق بعد ثواني. كإن حد من جوّه الجهاز بيساعده.
آدم (بابتسامة حزينة بس فيها سخرية):
مش كإن… أكيد.
(يقوم ويمشي ناحية خريطة كبيرة)
من أول لحظة وانا حاسس إن في حاجة مش راكبة… عاصم ابن خالد؟ ده العيل اللي كنت بشيله وأنا قاعد؟ ماصدّقش إنه يخطف بنت زياد.
جواد:
بس كل الأدلة يا فندم… الصور، الكاميرات، الرسائل… كله بيقول إنها خرجت معاه.
آدم (يبص له بثبات وتقيل):
الأدلة ساعات بتتكلم بلسان اللي حابب يضحك عليك.
(ياخد نفس عميق)
لو في خيانة… فهي من جوّه مش من برّه.
(جواد وشّه يشد، الكلمة تقيلة على ودنه.)
جواد:
يعني حضرتك شايف إن حد من الجهاز بيبلغ عاصم بخطواتنا؟
آدم:
بالظبط. وكل ما نقرب… يختفي.
(يضرب المكتب براحة إيده)
أنا مش خايف على ملف، يا جواد… أنا خايف على البنت.
(صوته يبقى أهدى)
البنت كانت بتيجي هنا وهي صغيرة مع أبوها… كانت تمد إيدها الصغيرة تقولي: "بابا آدم".
(يبتسم بحزن)
بقت بنتي التانية بعد زين.
جواد (بحذر):
بس ممكن فعلًا تكون وقعت في فخ عاصم. هو اختفى بعد اللي حصل بكم يوم، ومفيش أي تواصل منه من ساعتها.
آدم:
أيوة اختفى… بس اسأل نفسك: ليه؟
لو عنده شر… كان ظهر، كان فاوض، كان طلب فدية… لكن الصمت ده؟
الصمت ده تصرّف واحد بيحمي حاجة.
(جواد يرفع حاجبه، الصدمة واضحة.)
جواد:
بيحمي مين يا فندم؟
يعني حضرتك شايف إنه ممكن يكون بيحميها مش مؤذيها؟
آدم (يبص له نظرة تقيلة):
احتمال… مش مُستبعد.
بس عشان أثبت ده… لازم أعرف مين اللي لعب في الحقيقة.
جواد:
يعني في طرف تالت في الموضوع؟
آدم:
فيه طرف دايمًا… واقف في الضلمة وبيشد الخيوط من ورا الستار.
(يبص على ملف مكتوب عليه: رائد القاسمي)
كل حاجة بدأت بموت رائد… وخلصت باختفاء ليل.
اللي جمع الاتنين… يعرف أكتر مننا كلنا.
(جواد يفتح الملف بحذر كأنه ماسك نار.)
جواد:
بس قضية رائد اتقفلت من سنين إنها حادث!
آدم (يضحك ضحكة مُرة):
ولا حاجة بتتقفل عندنا بجد.
الحوادث اللي الصحف بتكتبها… نص الحقيقة.
النص التاني؟ بيتكتب بالدم.
(يسكت شوية، يرجع لمكانه ويمسك راسه بتعب.)
جواد:
تحب أراجع أسماء كل اللي اشتغلوا على قضية ليل؟
آدم:
راجعهم واحد واحد. حتى القدامى.
(صوته يبقى جامد)
عايز أعرف مين باع ضميره.
واللي مدّ إيده لعاصم… أقطعها بنفسي.
(جواد يشد جسمه، يسلّم ويخرج بسرعة
آدم يبص لصورة قديمة فيها هو و زياد ومراد وخالد أبو عاصم أيام الجامعة.
آدم (بصوت واطي للصورة):
يا خالد… كنت دايمًا تقول ابنك هيطلع راجل شريف زيك…
(يتنهد)
يارب تكون لسه صح.
(الإضاءة تضعف، صوت آدم يفضل)
آدم (نبرة قَسَم):
قبل ما اللعبة دي تخلص… هاعرف مين صاحبي… ومين كان عدو من الأول.
*******************
آدم العطار خرج من مكتبه بعد ساعات شغل متواصل، ووشّه باين عليه التعب وتقل السنين اللي قضاها في خدمة البلد… وكمان القلق اللي واكل قلبه على ليل اللي بيعتبرها زي بنته.
ماشي بخطوات هادية ناحية الأسانسير، وفجأة بيقف. عنيه بتتسمّر على المشهد قدامه— نادين، طليقته، عميدة الجهاز، واقفة جنب ماكينة القهوة مع واحد جديد… ظابط أنيق في آخر التلاتينات، باين عليه الذكاء والثقة.
آدم يضيّق عنيه وهو شايفها بتضحك بصوت عالي… الضحكة اللي ما سمعهاش منه من سنين. حاجة جواه ولعت… غيره؟ غضب؟ حنين؟ كله مع بعض.
يقرب بخطوات تقيلة لكن ثابتة، وعينه مش بتفارقها.
آدم (بصوت واطي بس حاد): واضح إن المكتب بقى كافيه دلوقتي، صح؟
نادين تلتفت، تتفاجئ ثواني، وبعدها تاخد نفس وتحاول تثبت نفسها.
نادين: آدم؟! مالك؟ إحنا بس كنا بنتكلم في شغل.
آدم (يبص للراجل): أكيد… موضوع شغل يخلي الناس تضحك بالشكل ده؟
الظابط يحاول يصلّح الموقف بابتسامة محرجة.
الظابط: سيادة العميد، أنا العقيد كريم ناصر، منتقل جديد من العمليات الخاصة وكنت—
آدم (مقاطعه بنبرة جليدية): عارف… أهلاً يا عقيد كريم. بس خد بالك… هنا الضحك مش كتير، الشغل هنا مش هزار.
كريم (محرج): تمام يا فندم… عن إذنكم.
يمشي بسرعة، ونادين تبص لآدم بصدمة وغضب.
نادين (بعصبية): إيه المهزلة دي؟! إحرجت الراجل! أنت فاكر نفسك مين؟!
آدم (بهدوء شكله هادي لكن جواه نار): أنا؟ أنا واحد شايف مراته السابقة بتضحك مع واحد غريب في ممر المخابرات كأننا في كافيه مش في جهاز دولة.
نادين (بحِدّة): سابقة، تمام؟ سابقة يعني مالكش حق تحاسبني ولا ترفع صوتك عليّ!
آدم يسكت ثانية، كإن كلامها خبطه في قلبه. يبص لها بنظرة فيها خيبة ووجع.
آدم (بنبرة مكسورة شوية): عارفة يا نادين… يمكن عندِك حق. بس أنا نسيت للحظة إننا بقينا غُراب… نسيت عشان لسه تحت سقف واحد، وبنقعد ناكل سوا، وبنشوف ابنّا كل يوم… وبنضحك ساعات. نسيت إن اللي بينا خلص… على الورق بس.
نادين (مرتبكة): آدم… أنا ماكنتش أقصد أجرحك، بس—
آدم (يقطعها): بس جرحتيني. وبالمناسبة… أنا ماكنتش جاي أزعق ولا أحاسب. بس لما شوفتِك بتضحكي كده… حسّيت إني ما سمعتش الضحكة دي بقالها عمر.
يسكت لحظة، يبتسم ابتسامة صغيرة مليانة وجع، ويمشي ببطء.
نادين تفضل واقفة مكانها، عينها بتلمع وهي بتبص وراه.
نادين (تهمس لنفسها): آدم… سامحني.
تمسح دمعة نزلت من غير ما تحس… وتفهم فجأة إن النار اللي افتكرت إنها انطفت من ١٥ سنة… لسه مولّعة.
*******************
في فيلا عيلة الزهراوي / بالليل
الهدوء مالي المكان بشكل يخوّف،
المطر بيرشق على الإزاز بهدوء… وصوت عيال بتلعب في الجنينة الداخلية بيتداخل مع صوت التلفزيون الواطي.
البيت الكبير اللي كان زمان مليان ضحك… دلوقتي ساكت كإن روحه راحت مع اختفاء ليل.
في الصالون الواسع، قاعدة حور على الكنبة، لابسة فستان بيتي رمادي وشعرها مرفوع بعشوائية،
عيونها مجهدة من السهر، اللمعة فيها شبه اختفت… قدامها صورة ليل على الترابيزة.
تلمس الصورة بطرف صوابعها وتهمس بصوت مكسور:
حور (بصوت واطي مبحوح):
يا رب… طمّني عليها بس… حتى للحظة.
تلات شهور وأنا بدعي أشوفها في المنام… حتى الحلم بقى بيهرب مني.
تقعد جنبها رؤى، بنت عندها 19 سنة، شبه عمتها ليل في هدوء ملامحها.
تحط إيدها على كتف حور بحنية:
رؤى:
يا خالتي، ليل هترجع… والله هترجع.
بابا قال لماما إنه مش هيرجع من ألمانيا غير وهي معاه.
ليل بخير… ربنا عمره ما يسيب حد زيها.
حور (تبتسم بحزن):
عارفة يا رؤى… بس قلبي مش مستريح.
كل صوت باب يخليني أقوم أجري… كل تليفون يرن أقول خلاص… لقوها.
وبعدين؟
ولا خبر… ولا حتى حلم يرد لي روحها دقيقة.
رؤى (تحاول تشجّعها):
ليل قوية يا خالتي… حدش يعرف يغلبها.
فاكرة كانت دايمًا تقولّي: "أنا ما بخافش من الضلمة… بخاف من الناس اللي مستخبية فيها."
أكيد دلوقتي بتحارب الضلمة بطريقتها.
حور تضحك ضحكة صغيرة، دمعة تلمع في عينها:
حور:
إنتي روحها يا رؤى… كانت بتحكيلّي عنكم كتير.
إنتو كنتو كإنكم توأم.
رؤى (صوتها بيرتعش):
ومن يوم ما راحت وأنا مش قادره أضحك من قلبي.
حتى لما بلعب مع كارم… بحس إن نصّي ناقص.
ليل كانت نصّي التاني يا خالتي.
يدخل أدهم، ابن حور عنده 12 سنة، ماسك كورة ووشه زعلان:
أدهم:
ماما… أنا ومازن مش عايزين نلعب.
كل حاجة بقت مملة من غير ليل.
حتى لما نكسب… مش بنفرح.
حور تسحبه يحط راسه في حضنها:
حور:
حبيبي… ليل هترجع وهتلعب معاكم.
وهتعصب لما تغلبوها… زي كل مرة.
يدخل مازن ووشه خايف:
مازن:
ماما…
ليل زعلت مننا عشان كنا بنتريق عليها قبل الفرح؟
يمكن… يمكن مشيت عشان كده؟
حور عينيها تدمع، تضمهم هما الاتنين:
حور:
لأ يا حبيبي… ليل ما تزعلش منكم أبدا.
هي بتحبكم قد الدنيا…
بس هي دلوقتي محتاجة وقت، وربنا هيرجعها لنا بالسلامة.
فجأة يدخل كارم الصغير عنده 5 سنين، يجري عليها ومعاه عربية لعبة:
كارم (ببراءة):
عموووتي حووور! تعالي لعبي معايا!
بابا مش هنا وماما مشغولة وأنا زهقان 😢
حور تفتح دراعها وتضحك رغم وجعها:
حور:
تعالى يا قلب عمتك…
بس ما تقولش لماما جميلة إني لخبطتلك مواعيد نومك 😂
يقعد في حضنها ويحط راسه على كتفها.
رؤى بصوت مكسور تبص للمشهد:
رؤى (بهمس):
يا رب… لمّنا على خير.
كفاية غياب… كفاية خوف.
حور (تبص للسماء):
يا بنتي… البيت فاضي من غيرك.
الضحكة غريبة… والليل بقى أطول.
الكل يسكت… صوت المطر يعلى شوية.
ريحة قهوة في المكان… رؤى ماسكة إيد حور، أدهم حاطط راسه على رجلها، مازن قاعد ساكت،
وكارم يهمس وهو بيغمض عينه:
كارم:
عمّتي حور…
لما ليل ترجع… قولي لها تلعب معايا أنا الأول… ماشي؟
تنزل دمعة من عين حور وهي تبتسم:
حور:
وعد يا حبيبي… وعد.
******************
في مطار الجزائر العاصمة / مساءً
تسقط أشعة الشمس الأخيرة على زجاج المطار العريض، تعكس لونًا ذهبيًا باهتًا على الوجوه المتعبة للمسافرين.
في زاويةٍ قريبة من بوابة المغادرة، جلست ريما الشرقاوي بهدوء ثقيل.
تضع نظارة سوداء كبيرة تخفي خلفها عيونًا منتفخة من البكاء، وملفًا صغيرًا بين يديها ترتجف أصابعهما.
كانت ترتدي معطفًا بيج طويلًا، وشالًا أسود يخفي جزءًا من وجهها.
الناس تمرّ من حولها بعجلة… أما هي، فالعالم بدا وكأنه تجمّد حولها.
في يدها تذكرة طيران إلى القاهرة، وفي قلبها آلاف الأسئلة التي لا إجابة لها.
ريما (تهمس لنفسها):
إزاي يا بابا؟
إزاي قدرت تعمل كل دا… وتبُصّ في وِشنا بعدين كأنك ملاك؟
رائد…
رائد اللي كنتَ بتقولي إنه خانك، طلع بريء؟
وإنت اللي قتلته؟
يا ريتني ما عرفت الحقيقة دي أبدًا.
تغلق عينيها بشدة، والدموع تهرب من تحت النظارة.
تتذكر صوت الرجل الذي اتصل بها قبل أيام، صوته كان هادئًا لكنه هزّ أعماقها:
> “اللي تربّيته عليه كله كدب يا ريما.
أبوك مراد الشرقاوي قتل الضابط رائد الكيلاني، ولبّس التهمة لناس أبرياء.
عندي الأدلة… بس نصيحتي ليك، لو عندك ضمير، ارجعي بلدك قبل ما الحقيقة تنفجر.”
منذ تلك المكالمة، لم تنم ريما ليلًا.
خوف، خجل، حيرة، وغضب من نفسها قبل أبيها.
تفتح هاتفها، تنظر إلى صورة كامل — زوجها، رجل الأعمال الجزائري الهادئ الطيب.
يبتسم في الصورة وهو يحتضنها أمام البحر.
تضع يدها على الشاشة وتهمس بصوت متهدّج:
ريما:
سامحني يا كامل…
أنا ما استاهلش راجل زيّك.
مش لأنك غلط، لكن لأني بنت الراجل الغلط.
لو بقيت معاك، صورتك هتتشوّه معايا…
ولما الناس تعرف مين أبو مراتي، هيسألوك ليه تزوجتها.
أنا مش عايزة أكون السبب إنك تخسر احترامك.
تتنهد بعمق وتفتح المذكرة الصغيرة بين يديها.
الورقة التي كتبتها بخط يدها ترتجف من الدموع التي سقطت عليها.
تقرأها في صمت قبل أن تطويها مجددًا وتغلقها بحذر.
> “كامل… سامحني على الرحيل الصامت.
مش بهرب منك، بهرب من ظلي.
أنت كنت النور اللي ما استحقّهوش.
لما تعرف الحقيقة، متكرهنيش… بس ادعي لي ألا أنسى إن كنت يوم سبب سعادتي.”
تغلق المذكرة وتضعها في حقيبتها الصغيرة.
تسمع النداء الأخير لرحلتها إلى القاهرة.
تنهض ببطء، تتنفس بعمق كأنها تودّع حياةً كاملة.
تسير نحو البوابة بخطوات ثابتة، رغم أن قلبها ينهار في كل خطوة.
عيناها الزرقاوان تلمعان تحت الضوء الأبيض للمطار، مزيج من القوة والانكسار.
تتوقف لحظة عند النافذة الزجاجية، تنظر للطائرة المتجهة نحو مصر وتهمس:
ريما:
مش عارفة أروح لمين…
ولا حتى وجهي أقدر أبص فيه في المراية بعد اللي عرفته.
بس لازم أواجهه… لازم يعرف إن بنته مش هتسكت على دمه.
صوت امرأة بجانبها يسأل بلطف:
الموظفة: مدام، حضرتك رايحة القاهرة لوحدِك؟
ريما (بهدوء):
أيوه… رايحة أواجه الحقيقة.
تتجه نحو بوابة العبور، تخرج جوازها بيدٍ مرتجفة.
الشرطي يبتسم لها بابتسامة روتينية، يختم الجواز دون أن يعلم أنه يختم بداية معركة جديدة.
بينما تسير داخل الممر المؤدي للطائرة، تشعر وكأنها تترك وراءها آخر خيط أمان.
تتذكر بيتها في الجزائر، صوت كامل وهو يناديها كل صباح: “ريما، فطورك جاهز!”
تغصّ بعبرتها وتهمس دون وعي:
ريما:
وداعًا يا كامل…
ويا رب سامحني لو جرحتك.
تدخل الطائرة، تجلس قرب النافذة، تخلع نظارتها…
تسقط دمعة على التذكرة الموضوعة في يدها.
ريما (بصوت خافت جداً):
مراد الشرقاوي…
المرة دي، مش بنتك اللي هتحميك.
المرة دي، بنتك هي اللي هتكون نهايتك.
وتغلق عينيها، بينما الطائرة تبدأ بالتحرك نحو مدرج الإقلاع…
صوت محركاتها يعلو كأنما يرافق أنينها المكبوت منذ ثلاثين سنة.
رواية في قبضة العاصم الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيليا البحيري
في ألمانيا / فيلا رامي السيوفي – جناح ليل
النهار يشرق بلون رمادي خفيف فوق نوافذ الغرفة الواسعة، المزيّنة بزهور بيضاء وورود بنفسجية.
رائحة العطور تعبق في الجو، والفتيات يتحركن بهدوء حول ليل التي تجلس أمام المرآة، عيناها الزرقاوان لا تبرقان بشيء سوى الغضب المكبوت.
تجلس إلى جوارها جميلة، زوجة خالها أدهم، وهي تحاول تهدئتها بابتسامةٍ خفيفة.
بينما كانت نيروز ترتّب خصلات شعرها الطويل بشيء من الشرود، وربى تجلس على كرسيها المتحرك، نظراتها تشعّ سعادةً خجولة وهي تتابع تفاصيل فستانها الأبيض البسيط.
صمتٌ قصير يقطعه صوت ليل الغاضب وهي تنهض فجأة:
ليل (بعصبية):
أنا مش فاهمة إزاي وصلت للمرحلة دي، يعني خلاص؟ كتب كتاب؟ بعد كل اللي عمله فيّا؟ بعد ما خطفني من بلدي، من أهلي، من أمي؟!
جميلة (بلطف):
ليل حبيبتي، أنا فاهمة وجعك، والله فاهمة، بس خالك اتكلم معاه… وصدقيني عاصم مش هيأذيك. هو بس... اتخبط، اتظلم، وبيحاول يصلح بطريقته.
ليل (تضحك بسخرية):
بطريقته؟! خطفني عشان يحميّني؟!
ده منطق جديد؟
لو كان عايز يحميني ماكانش روعني بالشكل ده.
نيروز (بهمسٍ حزين):
يمكن… يمكن هو نفسه مش عارف يحمي مين بالضبط. يمكن بيحاول يهرب من وجعه بطريق غلط.
تلتفت ليل نحوها بدهشة، تحدّق فيها:
ليل:
إنتِ بتدافعي عنه؟!
نيروز (تخفض نظرها بسرعة):
أنا… مش بدافع، بس… عاصم فقد كتير. ووقت الخسارة، الناس بتتصرف بغباء.
تتدخل جميلة، تضع يدها على كتف نيروز بلطف، ثم تقول بنبرةٍ هادئة حازمة:
جميلة:
خلاص كفاية حزن يا بنات، اليوم ده لازم يعدي بسلام. أدهم خاطر بكل حاجة علشان يجي لهنا، ومينفعش نرجّعه خايب.
ليل (تتنهّد):
بس أنا مش عايزة أتجوزه يا طنط، مش بحبه، وبخاف منه…
كل مرة بيقولي "أنا مش هأذيك"، بس عينيه بتقول العكس.
جميلة (تربت على كتفها):
ليل، أنا شفت كتير في حياتي، واتعلمت حاجة واحدة…
أوقات القدر بيربطنا بالناس الغلط علشان نعرف الصح بعدين.
خالك مش هيجبرك على حاجة، بس لو وافقتي النهارده، اعمليها علشان نفسك، علشان تطلعي من الموقف ده بكرامتك.
تسود لحظة صمت، الجميع يتأملها.
ربى تُصدر صوتًا خفيفًا — نغمة صغيرة حاولت بها التعبير، ودمعة تتلألأ في عينيها.
جميلة تبتسم وتقترب منها:
جميلة:
يا سلام يا ربى، حتى وإنتِ مش بتتكلمي، كلامك بيوصل من غير صوت. باين عليكي مبسوطة أوي النهارده.
ربى (تبتسم بهدوء وتلوّح بيديها نحو بيجاد الذي يظهر اسمه على الهاتف المحمول بجانبها)
تضحك نيروز:
نيروز:
طبعًا مبسوطة… عايشة قصة حب حقيقية، مش زينا إحنا، كلنا بنعيش نصّ حب ونصّ وجع.
ليل (تجلس ببطء على الكرسي وتغالب دموعها):
يا رب… لو فعلاً هو مظلوم زي ما بيقول خالي…
وريني الحقيقة، قبل ما أكرهه أكتر.
تقترب منها جميلة، تعدّل طرحتها البيضاء وتهمس لها:
جميلة:
خاليكي قوية زي دايمًا يا بنتي، وافتكري… مهما كانت البداية صعبة، أوقات النهاية بتفاجئنا.
نيروز (بصوتٍ مكسور):
يا ريت النهاية تفاجئنا بالراحة مش بالحزن.
تلتفت إليها ليل بنظرة دافئة، ثم تمسك يدها ويد ربى،
وتهمس ودموعها تلمع على خدّيها:
ليل:
يا رب… خلّي اليوم ده يعدّي، وما تخلّيش قلبي يندم.
*****************
في مصر فيلا الشرقاوي
الهدوء يسود المكان، لا يُسمع سوى خرير النافورة القديمة في الحديقة الأمامية، وعصافير تتهيأ للمبيت على الأغصان.
تتوقف سيارة الأجرة أمام البوابة الحديدية الكبيرة، تنزل منها ريما بخطوات متثاقلة.
شعرها مرفوع بعناية لكن عينيها الحمراوين تكشفان عن ليالٍ بلا نوم. حقيبتها السوداء في يدها، ووجهها بلا ملامح — برود غريب يكسو كل تعبيرٍ فيها.
الحارس العجوز (بدهشة):
– مدام ريما! يا ألف مرحب! دي مفاجأة والله… حضرتك رجعتي من الجزائر؟
ريما (بابتسامة باردة):
– أيوه يا عم عبدو… افتح الباب، لو سمحت.
الحارس:
– طبعًا يا هانم، نورتِ الفيلا من تاني… ربنا يرجّعك بخير وسلامة.
(تدخل بخطواتٍ هادئة نحو الداخل، وعيناها تتفحّصان المكان وكأنها تراه لأول مرة. كل زاوية تحمل ذكرى طفولتها، وصوت والدها الذي لم تعد تستطيع سماعه دون أن يوجعها قلبها.)
[داخل الصالون الكبير]
الجد عبدالرحمن الشرقاوي جالس في مقعده الوثير، يضع نظارته وهو يقرأ الجريدة، وبجانبه كوب شاي بالنعناع.
حين يسمع وقع خطواتها، يرفع رأسه ببطء، ثم تتسع عيناه فرحًا.
الجد (بدهشة ممزوجة بالفرح):
– ريما! يا بنتي! دي مش ممكن! إزاي كده من غير لا تليفون ولا خبر؟
ريما (تتقدّم نحوه وتقبّل يده):
– وحشتني يا جدي…
الجد (يضحك بسعادة):
– وأنا أكتر يا روح جدك! شوفتوا يا ناس؟ دي ريما، بنت مراد، رجعت أخيرًا!
(ثم يتأملها قليلًا بقلق)
– بس مالك؟ وشّك متغير… التعب باين عليكي.
ريما (تجلس قبالته بهدوء مصطنع):
– يمكن السفر الطويل… أنا تعبانة شوية بس.
الجد:
– طب فين كامل؟ جوزك؟ كنت فاكركم هتيجوا سوا!
ريما (تشيح بنظرها وتبتسم ابتسامة صغيرة باهتة):
– هو… ما قدرش ييجي، عنده شغل مهم. جيت لوحدي المرة دي.
الجد (بحنان):
– آه… طيب، خير إن شاء الله. بس شكلك مش على بعضك يا بنتي. في حاجة مضايقاكي؟
ريما (بصوت منخفض):
– لأ، أبداً يا جدي… يمكن بس وحشتوني. حبيت أرجع أشوفكوا شوية.
الجد (يمد يده نحوها):
– ربنا ما يحرمني منك يا بنتي....
(يصمت قليلاً وهو يراقب عينيها)
– بس في حاجة جواكي، حاسس بيها، نظرتك مش زي زمان.
ريما (تغلق عينيها لحظة، ثم تفتحها بابتسامة حزينة):
– يمكن كبرت يا جدي… لما الواحد يعرف حاجات ما كانش لازم يعرفها، بيتغير غصب عنه.
الجد (مستغرب):
– حاجات؟ تقصدي إيه يا بنتي؟
ريما (تهز رأسها سريعًا):
– ولا حاجة… صدقني، ولا حاجة تستاهل. خلينا نحكي بعدين، لما أروق شوية.
الجد (بابتسامة حنون وهو يربت على يدها):
– زي ما تحبي يا ريما… خدي راحتك. بس أنا قلبي دايمًا معاكي.
(ثم ينادي الخادمة)
– يا فوزية، حضّري أوضة ريما فوق، ونظّفيها كويس، بنتي هتقعد معانا كام يوم.
ريما (بهدوء):
– مش كام يوم يا جدي… يمكن أكتر.
(تتأمل الفراغ بعينيها)
– يمكن أرجع أقعد هنا… للأبد.
الجد (يضحك وهو يظنها تمزح):
– للأبد؟ الله، يا ريت! دي أحلى هدية ليا قبل ما أموت.
ريما (بهمس وهي تنظر في عينيه):
– ما تقولش كده يا جدي… في ناس كتير لسه لازم يعيشوا ويكفّروا عن اللي عملوه… قبل ما تموت.
**********************
صوت خطوات نسائية خافتة على الرخام، تتبعه رائحة عطر مألوفة.
يدخل الجد عبدالرحمن وهو ما يزال يتحدث مع ريما حين يسمع صوتاً ناعماً يناديه من المدخل
نرمين:
– بابا؟ سمعت إن ريما رجعت! فينها؟
الجد عبدالرحمن (يبتسم بخفة):
– أهي قدامك يا نرمين، رجعت فجأة كده من غير لا تليفون ولا سلام!
(تتجه نرمين بخطوات سريعة نحو ريما، ملامحها متوترة لكن تخفيها بابتسامة دافئة.
تفتح ذراعيها وتعانق ابنتها بقوة.)
نرمين (بحنين حقيقي):
– حبيبتي! وحشتيني قوي يا روحي… ليه كده يا بنتي؟ ليه ما كلمتنيش قبل ما تيجي؟
ريما (بصوت منخفض، خالٍ من المشاعر):
– كنت محتاجة أرجع من غير ما حد يعرف.
نرمين (تتراجع قليلاً لتنظر إليها):
– ليه يا ريما؟ حصل إيه؟ وشك شاحب… كامل زعلك؟
ريما (تنظر إلى أمها نظرة طويلة، غريبة، تحمل شيئًا من الاشمئزاز المكتوم):
– لا، محدش زعلني.
الجد عبدالرحمن (يحاول كسر التوتر بابتسامة):
– خلاص يا بنتي، خدي راحتك شوية، وأنا أطلع أوضتي. أكيد تعبانة من السفر الطويل.
ريما (تبتسم له بخفة):
– شكرًا يا جدي، ارتاح إنت.
(الجد يغادر بهدوء، يترك خلفه صمتًا ثقيلاً بين الأم وابنتها.
نرمين تحاول أن تقترب أكثر، لكنها تشعر بأن شيئاً ما انكسر بينهما.)
نرمين (بلطف):
– طب إحكيلي يا حبيبتي… إيه اللي رجعك كده فجأة؟ كنتوا كويسين إنتي وكامل، مش كده؟
ريما (تضحك بسخرية خافتة):
– كنا كويسين… لحد ما الحقيقة وصلتني.
نرمين (تجفل قليلاً):
– حقيقة؟ أي حقيقة؟
ريما (تنظر في عينيها مباشرة):
– إنتِ مش حابة تسمعيها، صدقيني.
نرمين (تضحك بتوتر وهي تحاول السيطرة على نفسها):
– ريما، انتي مرهقة… يمكن فهمتي حاجة غلط.
ريما (بهدوء مخيف):
– لا يا ماما… المجهول ما بيتصلش بالغلط.
نرمين (تتجمد في مكانها، تهمس بصوت مبحوح):
– مجهول؟! أنهي مجهول؟ إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
ريما (تشيح بوجهها وتنظر إلى لوحة على الجدار):
– عن الحق… اللي ساكتين عليه بقالكم سنين.
(تتوقف لحظة، ثم تهمس وهي تبتسم بمرارة)
– غريبة، كنت دايمًا فخورة بيك يا ماما، لحد ما عرفت إن الصمت أوقات بيبقى أبشع من الجريمة نفسها.
نرمين (بصوت مرتعش):
– ريما، انتي بتظلِميني… أنا عملت كده علشانك… علشانكوا إنتو الاتنين!
ريما (تلتفت بحدة):
– علشاني؟! ولا علشانه؟ علشان الراجل اللي غرق في الدم وبقى قاتل وبتغطي عليه؟
نرمين (تتراجع خطوة، تحاول التماسك):
– ريما… اسكتي! الحيطان ليها ودان.
ريما (تضحك بخفوت وهي تهز رأسها):
– لا تقلقي، مش ناوية أفضحكم دلوقتي. مش هنا.
(ثم تهمس بنبرة جامدة)
– بس لما أتكلم… مش هيسكت حد بعدها.
نرمين (تدمع عيناها):
– بنتي، إنتي مش فاهمة… هو غلط، أيوه، بس فيه تفاصيل… فيه أسباب.
ريما (تقاطعه):
– أيوه… دايمًا فيه أسباب تخلي الناس تقتل وتكذب وتخون.
(ثم تقترب منها ببطء)
– بس مفيش سبب يخلي أم تفضل ساكتة على الدم.
نرمين (بصوت مكسور):
– كفاية يا ريما… كفاية بقى! أنا… أنا كنت بحميكم.
ريما (بنظرة قاسية):
– لأ، كنتي بتحمي نفسك…
(ثم تلتقط حقيبتها وتهمس وهي تتجه نحو الدرج)
– ما تخافيش، مش هعمل حاجة دلوقتي… بس صدقيني، الساعة دي قريبة قوي.
(تتركها وتصعد للطابق العلوي بخطوات هادئة،
بينما نرمين تقف في مكانها تبكي بصمت، تضع يدها على صدرها كأنها تخشى أن يسمع قلبها ما كانت تكتمه سنين.)
نرمين (تهمس لنفسها وهي تبكي):
> "ربنا يستر… البنت عرفت كل حاجة."
******************
في فيلا “رامي السيوفي” – ألمانيا.
الحديقة الخارجية أُعدّت بعناية لهذا اليوم، مصابيح بيضاء صغيرة تلتف حول الأشجار، وموسيقى هادئة خافتة تنساب من مكبرات الصوت. الهواء بارد، والسماء رمادية كأنها تشارك في المشهد بخجل.
وقفت ليل بثوبٍ أبيض بسيط لكنه أنيق، وجهها شاحب، وعيونها ممتلئة بالغضب أكثر من أي شعور آخر. كانت نظراتها لعاصم باردة، لا تشبه أبداً نظرات عروس لعريسها.
بجانبها جلس خالها أدهم، بوجهٍ جامد يخفي خلفه توترًا لا يوصف.
أما عاصم، فكان يقف بهدوء وثقة، ببدلة سوداء، ملامحه صارمة لكنها تحمل شيئاً من الحزن المكبوت.
نيروز كانت في الجهة الأخرى، ترتدي فستاناً أزرق داكناً، تجاهد أن تخفي ألمها وهي تنظر إلى عاصم من بعيد. بجانبها سليم القيصري، الذي بدا عليه الارتباك، يبتسم بخجل وهو يحاول مواساتها بعينيه.
أما ربى فكانت على كرسي متحرك، فستانها الأبيض ينسدل برقة على ساقيها المشلولتين، ودموع الفرح تغمر عينيها وهي تنظر إلى بيجاد الذي لم يرفع نظره عنها منذ أن دخل المكان.
القاضي (بصوت رسمي):
بسم الله الرحمن الرحيم... نبدأ بعقد القران الأول بين السيد عاصم خالد القاسمي والسيدة ليل زياد الزهراوي.
هل أنتِ موافقة يا ليل؟
ليل (تنظر لأدهم بحنق):
خالـي... (بصوت خافت) أنت متأكد من اللي بتعمله؟
أدهم (بصوت منخفض لكنه حازم):
متأكد يا حبيبتي... صدقيني، هو مش زي ما تتخيلي. وافقي... علشان خاطري.
صمتت ليل للحظات، ثم أغلقت عينيها وكأنها تستسلم لقدرها.
ليل (بصوت مبحوح):
موافقة.
رفع عاصم عينيه نحوها للحظة، امتزجت في نظرته الراحة بالألم.
القاضي:
بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
صوت التصفيق الخافت يعلو، لكنه لا يحمل أي فرح حقيقي سوى في عيني ربى وبيجاد.
جميلة (تقترب من ليل وتهمس لها):
اعرف إنك متضايقة يا ليل، بس ثقي إن كل اللي بيحصل ده لحمايتك مش أكتر.
ليل (بحدة مكتومة):
حمايتي؟! من مين؟ من شخص خطفني من بلدي واتهم بابا بالقتل؟
جميلة (تخفض صوتها):
اصبري... خالك مش ممكن يرضى يزوجك إلا لو كان في حكمة ورا اللي بيعمله.
تتنفس ليل بعمق وتشيح بوجهها.
القاضي:
والآن... السيد بيجاد الراوي والسيدة ربى خالد القاسمي.
ربى تغمض عينيها، وبيجاد يمسك يدها برقة ويقبلها برهبة، والدموع في عينيه.
بيجاد (بصوت مرتجف):
موافقة يا ربى؟
ربى (تحرك رأسها بالإيجاب، ودموعها تنهمر).
القاضي:
بارك الله لكما وجمع بينكما في خير.
جميلة تبتسم بحرارة، ونيروز تمسح دموعها بصمت.
القاضي:
وأخيراً، السيد سليم القيصري والسيدة نيروز السيوفي.
نيروز تحاول الابتسام لكنها تفشل، ترفع رأسها وتنظر نحو عاصم للحظة، كأنها تودّعه بصمت، ثم تقول:
نيروز (بهدوء):
موافقة.
سليم القيصري يبتسم لها باحترام ويحني رأسه قليلاً، في نظراته وعدٌ بالحنان والصدق.
بعد انتهاء العقود الثلاثة، خيّم الصمت على المكان للحظات، كأن الجميع يحاول أن يصدق أن كل هذا حدث فعلاً.
أدهم (يتمتم لعاصم وهو يضع يده على كتفه):
خلصنا من أول خطوة... بس الطريق لسه طويل يا عاصم.
عاصم (ينظر أمامه بعزم):
الطريق بدأ للتو يا أدهم... بدأ الطريق اللي هينتهي بسقوط مراد الشرقاوي.
جميلة تنظر إليهما بقلق، بينما ليل تبتعد بخطوات بطيئة نحو الداخل، فستانها الأبيض يجر خلفه ظلالاً من الحزن والألم.
*********************
في جناح العرسان في فيلا رامي – ألمانيا.
الجو هادئ، ضوء الشموع ينعكس على الجدران، والهواء محمّل برائحة الورد الأبيض والياسمين.
ربى تجلس على كرسيها المتحرك قرب النافذة، ترتدي فستانها الأبيض الناعم، شعرها منسدل، وعيناها تشعّان بلمعان خاص من السعادة والخجل.
بيجاد يقف خلفها، ينظر إليها كما لو كان ينظر إلى الحلم الذي تحقق أخيرًا.
بيجاد (بصوت مفعم بالدفء):
مين كان يصدق يا ربى... بعد كل اللي مرينا بيه، هتيجي ليلة زي دي؟
ليلة نكون فيها لبعض، بعيد عن الوجع والخوف والدموع.
يتنفس بعمق، يقترب منها بخطوات بطيئة حتى يجثو على ركبتيه أمامها.
بيجاد (بابتسامة حزينة):
كنتِ دايمًا تقولّي بعينيك إنك مش ناقصة حاجة...
بس أنا كنت شايف كل حاجة، كنت سامع صمتك بيصرخ.
كنت بشوف الحزن اللي بتحاولي تخفيه عن الكل... عن أخوك، عن نفسك.
يمسك بيدها برفق، يرفعها إلى شفتيه، ويقبّلها بخفة.
بيجاد:
بس خلاص...
من النهارده، الصمت مش هيكون لغتك الوحيدة، هخلي العالم كله يسمعك بطريقتي.
تتساقط دموع ربى بهدوء، شفتيها ترتجفان قليلاً، وابتسامة صغيرة تتشكل، بالكاد تُرى، لكنها صادقة.
بيجاد (يبتسم رغم الدموع في عينيه):
شوفت؟ حتى دموعك بتحكي أكتر من ألف كلمة.
أنا فاهمك يا ربى...
فاهم إنك فرحانة وخايفة، فرحانة بيا... وخايفة عليا.
يقف، ثم يدفع كرسيها برفق نحو السرير المغطى بالورود البيضاء، يجلس أمامها على الأرض، يضع رأسه على ركبتيها، وهي تلمس شعره بأطراف أصابعها المرتجفة.
بيجاد (بصوت مبحوح):
أنا بوعدك...
إن اليوم ده مش هيكون نهاية، ده بداية.
بداية جديدة ليكي، لجسدك اللي هيتحرر، لروحك اللي هتطير تاني.
ينظر إليها بعينين دامعتين، صوته يختنق بالعاطفة.
بيجاد:
هخليكي تمشي يا ربى...
هخليكي تمشي حتى لو اضطرّيت أتعلم الطب بإيدي.
مش هسيب مستشفى في ألمانيا ولا برّاها إلا وهعرف سر حالتك.
وهفضل جنبك كل لحظة، لحد اليوم اللي تقوم فيه رجلك وتجيلي لوحدك.
ربى تغلق عينيها والدموع تفيض على خديها.
تفتحها ببطء وتنظر إليه، بنظرة مليئة بالحب واليقين، كأنها تقول: "أنا مؤمنة بيك".
بيجاد (بابتسامة مؤلمة):
بس في وعد تاني... وعد لنفسي وليكي.
اللي عمل فيك كده... اللي دمّر حياتك...
مش هيعيش في سلام.
أنا مش هسيبه، يا ربى. مش بعد اللي عمله.
تتسع عينا ربى، نظرتها تصير قلقة، تمسك يده بقوة، كأنها ترجوه بالصمت.
بيجاد (ينظر إليها، ثم يتنهد):
ما تخافيش... مش هخلي الانتقام يسرقني منك.
بس هخلي الحق يرجعلك... بطريقتي، بهدوء، من غير دم.
أنا مش عايزك تبقي شاهدة على وجع تاني.
يصمت لحظة، ثم يرفع رأسه، يبتسم بحنان ويمسح دموعها بإبهامه.
بيجاد:
الليلة دي ليكي، يا ربى...
ليلة سلام، وراحة، وبداية حياة جديدة.
يقترب منها ببطء، يضع جبينه على جبينها، يهمس:
بيجاد:
بحبك... أكتر مما كنت أتصور إن القلب ممكن يحب.
ربى تغلق عينيها، وتبتسم بخجل، ودمعة تسيل على خدها.
الضوء الخافت ينعكس على وجهيهما، كأنهما اثنان خلقا ليتكاملا رغم كل شيء.
*******************
في الجناح المخصص لسليم القيصري ونيروز – فيلا رامي / ألمانيا.
الساعة تقترب من منتصف الليل، الأجواء هادئة، لكن ثقل الصمت يملأ الغرفة.
الشموع الموزعة حول المكان تذوب ببطء، ورائحة الخزامى تنتشر في الجو.
نيروز تجلس على حافة السرير، ما تزال بثوبها الأبيض البسيط، تنظر إلى الأرض بعينين زجاجيتين، تغالب دموعها، تحاول أن تبدو متماسكة لكنها تفشل في كل مرة.
وسليم يقف عند النافذة، يداه في جيبيه، ينظر إلى الخارج بصمت، كأنه يعطيها المساحة لتتنفس بعد الليلة الطويلة.
سليم (بصوت منخفض، هادئ):
الليلة كانت طويلة...
يمكن أطول من أي ليلة في حياتك، صح؟
نيروز لا ترد، فقط تومئ برأسها بخفة، والدموع تلمع في عينيها.
سليم (يقترب منها بخطوات بطيئة):
أنا عارف إنك مش سعيدة...
ولا كنتِ عايزة اللي حصل،
بس صدقيني يا نيروز... أنا مش هنا علشان أكون عبء عليك.
يجلس على الكرسي المقابل لها، يترك بينهما مسافة احترام واضحة.
سليم:
أنا يمكن ما أكونش الحب اللي كنتِ بتحلمي بيه،
بس أقدر أكون الأمان اللي محتاجاه دلوقتي.
نيروز ترفع نظرها نحوه لأول مرة، عيناها محمرتان من الدموع.
نيروز (بصوت مبحوح):
الأمان؟
هو فين الأمان يا سليم؟
أنا كنت بحلم بحاجة بسيطة... نظرة، إحساس... بس كل ده راح.
كل حاجة راحت، حتى أنا...
صمت ثقيل يخيّم على المكان، وسليم يزفر بهدوء، ثم يمد يده نحو كوب الماء على الطاولة ويناولها إياه.
سليم (بلطف):
اشربي...
الدموع بتتعب، وأنا مش عايز أشوفك بتتألمي أكتر.
تأخذ الكوب منه بتردد، تشرب رشفة صغيرة، ثم تعيده، ويدها ترتجف قليلاً.
سليم (ينظر إليها بصدق):
بصّي يا نيروز...
أنا مش داخل حياتك علشان أمحي اللي بتحسيه،
ولا علشان أكون بديل لأي حد.
لكن أنا راجل،
ولو ربنا كتب إننا نعيش تحت سقف واحد،
فأنا عليّا واجب...
أصونك، وأحميك، وأخلي الناس كلها تشوف فيكي الاحترام اللي تستحقيه.
نيروز تدمع أكثر، وتخفض رأسها بخجل ووجع في آن واحد.
نيروز:
أنا آسفة...
أنا مش قادرة أديك حاجة،
ولا حتى ابتسامة حقيقية.
سليم (بلطف، بابتسامة خافتة):
ما طلبتش منك حاجة، يا نيروز.
كل اللي عايزه منك... إنك ترتاحي.
خلي الوقت هو اللي يتكلم، مش أنا.
يتنهد، ويقف، ثم يضع بطانية خفيفة على كتفيها.
سليم:
أنا هنام في الغرفة التانية اللي جنب دي،
لو احتجتي أي حاجة، أو حتى لو تعبتي من الصمت... ناديني.
مش لازم تتكلمي،
وجودي لوحده كفاية.
نيروز ترفع رأسها، تنظر إليه بعينين دامعتين، تقول بصوت خافت:
نيروز:
سليم...
إنت طيب أوي.
الطيبة دي بتوجّعني.
سليم (يبتسم نصف ابتسامة):
الطيبة مش ضعف يا نيروز...
دي بس طريقة مختلفة للحرب.
أنا بحارب كل يوم... بس من غير ما أؤذي.
يتجه نحو الباب، يتوقف لحظة، يلتفت إليها بابتسامة هادئة:
سليم:
نامي وانتِ مطمنة...
البيت هنا فيه راجل مش هيأذيك، ولا هيخليكِ تبكي تاني.
ثم يخرج بهدوء، تاركًا خلفه ظلال رجل اختار أن يكون سندًا لا قيدًا.
نيروز تتابعه بعينيها، يختلط في قلبها الامتنان بالحزن، وتهمس لنفسها:
نيروز (بهمس):
لو كان العالم كله زيك... يمكن كنت صدّقت إن فيّ عدل.
تغلق عينيها، والدمعة الأخيرة تنزلق على خدها، في هدوء يليق بانكسارٍ ناعمٍ يشبهها.
**********************
في ألمانيا – فيلا رامي السيوفي – الدور اللي فوق – أوضة عاصم وليل بعد كتب الكتاب
الأوضة فخمة وهادية، بس الهوا فيها متوتر كإنه بيتنفس غضب.
ليل قاعدة على طرف السرير، ضامة دراعيها على صدرها، ونظرتها نار.
أما عاصم، واقف قدام المراية بيظبط زرار قميصه الأبيض بكل برود، كأنه مش شايف العاصفة اللي واقفة قصاده.
ليل (بغضب مكتوم):
مش مصدّقة اللي بيحصل ده بجد… كتب كتاب؟! ده جواز غصب!
عاصم (بهدوء مستفز):
غصب؟ لأ يا آنسة… محدش غصبك على حاجة.
خالك بنفسه وكيلك، يعني الجواز قانوني وشرعي تمام.
ليل (رافعه حواجبها بسخرية):
شرعي؟!
تخطفني من بلدي ومن أهلي، وتتهم بابا بالقتل، وبعد كده تقولّي "زوجتك الشرعية"؟!
إيه المسخرة دي يا سيادة المحترم؟!
عاصم (يتنهد ويبتسم بسخرية خفيفة):
يا بنت الناس… العيال اللي بيعاندوا لازم يتعلّموا الأدب الأول قبل ما يتكلموا عن المسخرة.
ليل (بتقف غاضبة):
عيال؟! أنت بتكلّمني كأني بنت خمس سنين؟!
عاصم (بيقرب منها بخطوات بطيئة، وإيديه في جيبه):
أيوه… عشان بتتصرفي كده.
طفلة مدلّعة، متعودة الكل يدور حواليها.
ليل (بتزعق):
أنا مدلّعة؟!
أنت اللي مغرور ومتكبّر، فاكر نفسك ربّ الناس، والكل لازم يسمعك!
عاصم (بابتسامة جانبية باردة):
لو كنت ربّ الناس، كنت خلتّك تسكتي دلوقتي.
ليل (غاضبة):
جرّب!
عاصم (بيرفع حاجبه بسخرية خبيثة):
ليه؟ خايفة أقدر؟
ليل (بتتراجع خطوة، بس ترفع راسها بعناد):
أنا ما بخافش منك…
ولو فاكر إني هقبل الوضع ده، تبقى غلطان!
أول ما أرجع مصر… هطلّق!
عاصم (يقعد على الكرسي الجانبي، صوته هادي بس فيه قوة):
مش راجعة مصر قبل ما كل حاجة تخلص.
والطلاق؟
(يضحك ضحكة قصيرة)
هيحصل لما أنا أقول.
ليل (بتتقدّم نحوه بحدة):
مش أنت اللي هتقرر حياتي ولا مصيري!
عاصم (بثبات):
وأنا اللي بحمي حياتك دلوقتي.
فاهمة؟
الناس اللي كان ممكن يؤذوكي… أنا اللي بينك وبينهم.
ليل (بتهكم):
آه طبعًا… الخاطف الطيب اللي بيحمي ضحيته!
قصص كده كنت بشوفها في المسلسلات اللي ما تتشافش.
عاصم (يضيق عينيه وبيقرب منها ببطء، لحد ما تحس بأنفاسه):
وكان يعجبك الأبطال فيها… مش كده؟
ليل (ترتبك لحظة، بس تخبيها بعبوس):
أنت مش بطل… أنت كابوس.
عاصم (بابتسامة ناعمة فيها سخرية):
كابوس؟
تمام… بس خلي بالك، ساعات الكوابيس بتبقى الحقيقة الوحيدة اللي بتحميكي من الناس اللي فعلاً بيكرهوكي.
ليل (تشيح بوشها):
مش عايزة حمايتك.
عاصم (بصوت خافت عميق):
مش دايمًا اللي بنختاره هو اللي بينقذنا يا ليل.
يسود الصمت.
اللحظة تقيلة.
ليل تبص للأرض، نفسها متقطع من الغضب المكبوت،
وعاصم بياخد نفس عميق كأنه بيحارب نفسه عشان ما ينفجرش.
ليل (بهمس مبحوح):
أنا بس… عايزة أرجع.
عايزة حضن أمي.
عاصم (صوته يلين فجأة، بنغمة صادقة):
هترجعي…
بس بعد ما أخلّص كل ده.
أقسم لك.
ليل (بدموع في عينيها):
وأقسمت قبل كده لما خطفتني؟
عاصم (بهدوء):
لأ… المرة دي مختلفة.
المرة دي بحلف علشانك… مش عليكِ.
ليل تبصله ساكتة…
مش مصدّقة، بس في حاجة جواها بتتهز… زي خيط دفا خفيف وسط كل البرد.
عاصم (بابتسامة خفيفة):
دلوقتي نامي يا طفلة… الأطفال لازم يناموا بدري.
ليل (ترفع المخدة بتهديد):
لو ما خرجتش من الأوضة حالًا… هضربك بيها!
عاصم (يضحك لأول مرة بصدق وهو ماشي ناحيت الباب):
يا ربّي… فعلاً طفلة عنيدة.
(يهمس وهو بيخرج):
بس شكلها هتربّيني أنا كمان.
ليل تبص للباب اللي خرج منه،
وابتسامة صغيرة غصب عنها تطلع على شفايفها وهي تهمس:
ليل (بهدوء):
مغرور… بس غريب.
******************
الليل يغمر ألمانيا بسكونٍ ناعم، والثلج يتساقط بخفة خلف النوافذ الكبيرة. في الطابق العلوي من الفيلا، جلس رامي على طرف سريره، الغرفة شبه مظلمة، تضيئها فقط شمعة صغيرة على الطاولة بجانب صورة قديمة تجمعه بوالديه الراحلين. كان يرتدي قميصًا أسود مفتوح الأزرار قليلاً، وشعره مبعثر كأنه لم يلامس النوم منذ أيام.
يأخذ الصورة بين يديه... يمرر أصابعه على وجهيهما بابتسامة حزينة.
رامي (بصوتٍ منخفض):
كنتم دايمًا تقولولي “خلي بالك من نيروز يا رامي، هي روحك قبل ما تكون أختك”...
وها أنا، حافظت عليها زي ما وعدتكم.
حتى وهي كانت بتصرخ في وشي وتقولي إنها مش عايزة تتجوز... كنت عارف إنها محتاجة حد يحتويها، يوقف جنبها.
وسليم... سليم مش وحش يا بابا، مش وحش يا ماما.
هو طيب، بس الدنيا علمته القسوة قبل الأوان.
(ينخفض صوته أكثر، كأنه يهمس لروحه)
عارف يا ماما... هي يمكن دلوقتي مش سعيدة، يمكن بتبكي، بس سليم هيحبها...
وهي كمان هتتعلم تحبه، غصب عنها يمكن... بس هتحبه.
(يصمت لحظة، يبتسم وهو يحدّق في الصورة)
بتضحكي كده يا ماما؟ عارف، كنتي دايمًا تقوليني إن الحب مش لازم ييجي ناعم... أوقات بييجي زي المطر في عز العاصفة.
ونيروز... نيروز كانت دايمًا المطر بتاعي.
(يتنهد بعمق، يمرر يده على شعره، صوته يرتجف بخفة)
لو كنتوا هنا... كنتوا هتفتخروا بيا؟
ولا كنتوا هتزعلوا إن بنتكم الصغيرة اتجوزت من غير ما تضحك بجد؟
(صمت طويل، ثم يبتسم بحزن)
أنا حاولت... أقسم حاولت أحافظ عليها من الدنيا... ومن نفسها كمان.
(ينظر للصورة، بعينين دامعتين)
ادعولي...
ادعولي أقدر أحميها زي ما وعدتكم... لآخر يوم في عمري.
(يضع الصورة على صدره، يستلقي على السرير، يهمس قبل أن يغفو)
أحبكم... أوي.
*********************
في فيلا الزهراوي في مصر
جلس زياد الزهراوي أمام المدفأة، يرتدي بدلة رمادية، وعيناه مرهقتان من السهر والتفكير.
أمامه جلس صديقه القديم، العميد آدم العطار، بملامحه الصارمة ونظرته الحادة التي لا يفوتها شيء.
يصب آدم القهوة في فنجانين، ثم يرفع نظره إلى زياد بصوتٍ منخفضٍ لكنه حازم:
آدم:
زياد... في حاجة مش داخلة دماغي.
أدهم سافر فجأة، من غير ما يبلغ حد، ولا حتى أنت عارف وِجهته. ومراد كمان تصرّفاته بقت غريبة جدًا...
تحب تفسرلي ده؟
(يتنهد زياد ويهز رأسه ببطء)
زياد:
والله يا آدم، أنا بقيت مش فاهم حاجة.
أدهم بقى منطوي، كلامه كله غامض... وكل ما أجيب سيرة مراد تلاقيه وشه اتبدّل كأنه شاف شيطان!
كنت فاكرها أزمة عابرة، بس واضح إن في نار ولّعت بين الاتنين.
(آدم يحدّق فيه، يحرك الملعقة في الفنجان ببطء، وعقله يعمل كآلة دقيقة)
آدم (بهدوء):
نار؟ ولا سرّ كبير بين الاتنين...؟
من فترة وأنا شايف خيوط بتتجمع حوالين مراد، خيوط وسخة ومليانة دم.
بس كل مرة أوصل لحاجة... تتنسف.
ملفات تختفي من النظام، تقارير تتغير، شهود يتراجعوا.
كأن في حد من جوّه الجهاز بيمسح كل أثر.
(زياد يضع فنجانه بعصبية على الطاولة)
زياد:
يعني أنت شايف إن في خيانة... من جوّه المخابرات نفسها؟!
آدم (ينظر له بثبات):
مش شايف... متأكد.
بس مش قادر أحدد مين.
وكل الطرق بتؤدي لشخص واحد... مراد الشرقاوي.
(زياد يقطب حاجبيه، صوته يرتجف قليلًا)
زياد:
مراد؟!
بس يا آدم، مراد صاحبي من أيام الجامعة... ده حتى كان بيعتبر أدهم زي أخوه.
يعني معقول...؟
آدم (ينحني قليلاً للأمام):
اسمعني كويس يا زياد...
في شغلنا مفيش “مستحيل”.
كل الناس عندها وجوه تانية... وأنا بدأت أشوف الوجه الحقيقي بتاع مراد.
وصدقني، مش هيعجبك أبدًا.
(يصمت زياد لحظات، ثم يحدّق في صورة على الطاولة تجمعه بـ ليل، ابنته المختفية)
زياد (بصوت مبحوح):
سبعة شهور يا آدم...
سبعة شهور وأنا كل يوم بصحى على كابوس اسمه "ليل".
عاصم هو اللي خطفها،
بس لو كانت لسه عايشة؟ لو كانت بتتعذب في مكان مجهول؟
(آدم يضع يده على كتف زياد بثبات)
آدم:
هتتلاقى، زياد.
بس لازم تفضل عاقل...
أنا مش واثق إن عاصم اشتغل لوحده.
فيه حد تاني كان بيحرّكه من ورا الستار.
وكل ما أقرّب من الحقيقة... أسمع اسم "مراد" يتكرر قدامي.
(زياد ينظر له بدهشة وقلق)
زياد:
يعني عايز تقول إن مراد... ليه علاقة بخطف بنتي؟!
آدم (ببرود غامض):
ما قلتش كده...
لكن لما توصل الحقيقة، يا زياد،
هتكتشف إن اللي كنت بتسميه “صديق العمر” هو أول واحد باعك.
(يصمت الاثنان، وصوت المطر يعلو، يملأ الفراغ الثقيل في الغرفة...)
زياد (بصوتٍ خافت، موجع):
يا رب... احمي بنتي يا رب...
أنا حاسس إنها لسه حية... بس مش عارف فين.
(آدم يحدّق في المدفأة، وعيناه تلمعان بتفكير عميق)
آدم (يهمس):
وأنا هعرف فين... حتى لو اضطريت أقلب الدنيا على راسهم كلهم.
*********************
– بعد خروج العميد آدم العطار
الليل ثقيل، والمطر لا يتوقف عن ضرب الزجاج كأنه يذكّره بكل ما فاته.
يقف زياد أمام النافذة الكبيرة، يراقب قطرات المطر تنحدر ببطء، وصدى كلمات آدم ما زال يدور في رأسه.
(يهمس لنفسه بصوتٍ خافتٍ متقطع، يحمل خليطاً من الذهول والخذلان)
زياد:
مراد... مراد الشرقاوي؟!
إزاي يعني؟!
يعني كل السنين دي... وأنا شايفه صاحبي، أخويا...
هو اللي كان السبب في كل دا؟
(يتنفس بعمق، يمرر يده على وجهه، كأنه يحاول طرد الكابوس)
زياد:
لا لا، يمكن آدم غلط... يمكن سوء فهم...
مراد مش كده، مراد عمره ما كان...
(يصمت فجأة، يحدّق في الفراغ وكأن ومضة من الذاكرة ضربت عقله)
...استنى...
(يتجه نحو مكتبه بخطوات مترددة، يفتح درجًا قديمًا، يخرج صورة تجمعه بـ خالد ومراد في شبابهم)
زياد (بصوتٍ مبحوح):
خالد... فاكر اليوم دا؟
كنا شباب، وكان مراد دايمًا هو اللي يضحكنا...
بس أنت كنت دايمًا تقول: “مراد مش سهل... عينُه فيها طمع”.
وأنا كنت أضحك وأقولك تبطّل ظنون.
يمكن كنت صح يا خالد... يمكن كنت صح!
(يجلس على الكرسي ببطء، ثم يضرب الطاولة بيده فجأة بقوة، تتناثر بعض الأوراق)
زياد (بغضبٍ مكتوم):
كل شيء بدأ بعد موتك يا خالد...
بعد ما مات رائد، ابنك، اتغير كل شيء!
عاصم كان لسه صغير، كان بييجي عندي البيت...
كان بيجري عليا أول ما يشوفني...
يناديني "عمو زياد"!
كنت بحس إنك لسه عايش من خلاله...
بس بعد شوية... فجأة اتبدّل.
بقى يشوفني بعين الكره...
كره مش طبيعي!
كأن حد زرع جواه سمّ!
(ينهض واقفاً، يسير ببطء وسط الغرفة، كأن كل خطوة تُعيد له ذكرى مؤلمة)
زياد (يهمس):
مين اللي عمل كده فيه؟
مين اللي لعب بعقله وخلاه يصدق إني قتلت أخوه؟
(يصمت لحظة، ثم يتسع بؤبؤ عينيه فجأة)
نديم...!
(يمسك رأسه بيديه، كأن الشرارة أخيراً اشتعلت داخله)
زياد (بحزم):
الشاب نديم اللي كان دايمًا مع عاصم...
كنت شايفه غريب، مش مريحني...
وكان دايمًا يظهر لما أكون قريب من عاصم.
مراد هو اللي قدّمه لعاصم... فاكر؟
فاكر يا زياد، يومها قالك "نديم ولد مؤدب وهيكون مفيد لعاصم"...
آه يا مراد، يا شيطان!
(يضرب بيده على المكتب، عروقه تتضخّم من الغضب)
زياد (بصوت مرتجف):
انت اللي خدعت خالد،
وانت اللي قتلت رائد،
وانت اللي سمّمت عقل عاصم وخليته يكرهني...
وانت اللي خطفت بنتي...
آه، أكيد انت اللي ورا كل دا.
(تدمع عيناه، يبتسم ابتسامة مريرة)
زياد (بصوتٍ متهدّج):
كنت بشوفك أخ، وطلعت شيطان لابس وش البني آدمين.
ما كنتش فاهم، بس دلوقتي فهمت.
ليه كل حاجة حواليّ بتتدمر؟
ليه كل خطوة كنت بخطوها كانت بتقربني من الهاوية؟
عشانك انت يا مراد...
(يتجه نحو الصورة المعلقة على الحائط — صورة تجمعه بمراد وخالد — ينتزعها بعنف، ينظر إليها طويلًا ثم يرميها في المدفأة.
تأكل النار أطراف الصورة ببطء، وتتصاعد رائحة الورق المحترق كأنها إعلان البداية...)
زياد (بصوتٍ غاضبٍ هادئ):
أقسم بالله يا مراد...
لو كنت انت السبب في اللي حصل لليل...
مش هسيبك تتنفس نفس واحد في الدنيا دي بعد كده.
اللعبة انتهت يا مراد... دلوقتي دوري أنا.
********************
النار ما زالت تتراقص في المدفأة، والهواء يعبق برائحة الورق المحترق.
زياد يقف ثابتًا في منتصف الغرفة، عيناه تائهتان في الفراغ... ثم يهمس بصوتٍ واهن:
زياد (بصوتٍ مبحوح):
ادهم...
كنت شايفك متغيّر الفترة الأخيرة...
كنت دايمًا لما تشوف مراد، عينيك تتملي غضب...
كنت بتقولي ، خاف منه... الراجل ده وراه حاجة مش طبيعية"...
وأنا؟!
أنا اللي كنت أقولك دايمًا "مراد صديقنا، ما تشكّش فيه يا ادهم، الحقد ملوش لازمة"...
(يتنفس بسرعة، يمرر يده على شعره بعصبية، ثم يضحك ضحكة قصيرة مجنونة، فيها وجع وسخرية)
زياد:
آه يا ادهم...
كنت شايف الحقيقة وأنا كنت الأعمى!
كنت بتصرخ، وأنا بسد وداني عن صوتك...
كنت بتشوف النار وأنا شايفها دفء!
(يضرب بيده على المكتب بقوة، تتناثر بعض الملفات، الأوراق تطير في الهواء)
زياد (بصوتٍ مرتجف يعلو تدريجيًا):
يا رب، إزاي ما فهمتش؟!
إزاي ما شفتش الخبث في عينه؟!
من أول يوم بدأ يقرّب مني ، كنت أقول "الراجل بيتعامل برجولة ووفاء"...
واللي في الحقيقة كان بيخطط لكل ده!
(يتجه نحو الرفّ، يلتقط إطار صورة فيها هو وليل الصغيرة، يضمها إلى صدره بقوة، صوته ينكسر تمامًا)
زياد (بصوتٍ متهدّج):
ليل... يا روحي...
بسببي انخطفِت...
بسبب غبائي!
بسبب طيبتي اللي كانت لعنة عليّا وعليكم...
أنا اللي سلمتكم للوحش بإيدي...
أنا اللي ضيّعتكم يا بنتي...
(يسقط على ركبتيه، والصورة بين يديه، دموعه تنهمر بلا توقف، ثم يضرب بقبضته على الأرض)
زياد (بغضبٍ جنوني):
مراد!
يا ابن الكلب!
خليتني أكره نفسي...
ضحكت عليا، سمّمت دم عاصم، وخليته يشوفني مجرم!
وخليت الناس كلها تصدّق كذبك!
سرقت مني بنتي، وصداقتي، وراحتي، ونومي...
سرقت حياتي كلها!
(ينهض فجأة، يركل الكرسي بعنف، يرتطم بالجدار ويسقط، تتناثر الأوراق والصور حوله، يصرخ بأعلى صوته)
زياد (بصوتٍ متفجّر):
أنا كنت أعمى... أعمى وصدقّتك!!
كنت أقول "مراد أخويا"...
وهو كان بيغرز السكين في ضهري بضحكة!!
(يتقدّم نحو المدفأة، يحدّق في النار المشتعلة كأنه يخاطبها)
زياد (بصوتٍ خافتٍ مشبع بالدموع):
خدت مني كل حاجة يا مراد...
بس فيه حاجة وحدة ما تعرفهاش...
لسّه عندي قلب بيحرقني كل يوم، ولسّه عندي بنت...
حتى لو في آخر الدنيا، حتى لو العالم كله ضدّي...
هلاقيها، وهرجعها...
وساعتها، انت اللي هتصرخ...
هتصرخ زي ما أنا بصرخ دلوقتي!
(يضرب بيده الزجاج الموضوع على الطاولة، يتحطّم، الدم يسيل من يده، لكنه لا يشعر بشيء)
زياد (بصوتٍ مبحوحٍ ومليء بالندم):
سامحني يا ادهم...
سامحيني يا ليل...
كنت غبي... غبي للدرجة اللي خلت كل حاجة تنهار حواليّا...
بس مش هسكت تاني... مش هسكت أبدًا.
اللي بدأها مراد...
أنا اللي هخلصها.
(تُغلق اللقطة على النار في المدفأة، تزداد اشتعالًا بينما وجه زياد يختفي بين الضوء واللهيب...
كأن النار لم تعد رمزًا للاحتراق فقط، بل بداية الانتقام.)
**********************
(صوت تكسير زجاج... بعده صوت مزهرية وهي بتتهشم على الأرض... وبعدين صرخة مكتومة.)
الفيلا غرقانة في ظلمة تقيلة، مافيهاش غير صوت الهوا اللي جاي من الجنينة يعافر في الشجر.
(تدخل حور جارية، لابسة ترينج غامق وشعرها مبعتر من الخوف.)
تفتح الباب بعنف، تلاقي زياد واقف في نص القوضة وسط فوضى…
الترابيزة مقلوبة، الورق ممزّع، صور العيلة متكسّرة على الأرض.
وشّه أحمر، عيونه مولّعة، ونَفَسه متقطع كأنه طالع من حرب خسرها.
حور (بفزع):
زياد!! يا رب في إيه اللي بيحصل هنا؟! ليه مكسّر الدنيا كده؟!
زياد (بصوت مبحوح، غاضب، ودموعه بتلمع):
كنت أعمى يا حور… أعمى وغبي ومغفّل!
(يضرب بإيده على المكتب)
سبع شهور! سبع شهور وليل ضايعة وأنا بدافع عن الشيطان نفسه!
حور (بتقرب منه بخوف):
شيطان إيه؟ بتقول إيه يا زياد؟ خوّفتني والله!
زياد (بعيون مليانة غضب ودموع):
مراد يا حور… مراد!
(يضرب على صدره)
أنا الغبي اللي صدّق صداقته، اللي فتح له بيته، واللي سابه يضحك عليا!
زرع الشك بيني وبين الكل!
أدهم كان شايف الحقيقة وأنا لأ!
كان بيقولّي “مراد مش نضيف” وأنا كنت أقولّه “ده أخونا”!
بس أنا ما سمعتش! ما سمعتش يا حور!
حور (مصدومة، بتغطي بؤها بإيديها):
مراد؟!
(بهمس خايف)
زياد، إنت بتقول إيه؟ شكلك مش في وعيك...
زياد (بينفجر صراخ):
في وعيي جدًا يا حور!
لأول مرة يمكن!
(يبص حواليه، عينه بتدمع)
رائد مات بسببه، عاصم اتقلب علينا بسببه، ليل اتخطفت بسببه!
كل حاجة... من وراه هو!
حور (بصوت بيرتعش):
بس… مراد؟! مستحيل!
(تمسك دراعه بحنية)
زياد، إنت بس متعصّب، تعال نهدّى ونتكلم بالعقل...
زياد (يزق إيدها بعنف، صوته متكسر من القهر):
العقل؟!
(يضحك بمرارة)
العقل اللي خلّى بنتي تتخطف وأنا مصدّق خاين؟!
مافيش عقل تاني!
أنا عايز عدل… عايز حقّي!
(يتجه بسرعة ناحية الخزنة المعدنية، يفتحها، يطلع منها مسدس أسود بيلمع.)
حور (تشهق بفزع):
زياد!! إيه ده؟! بتعمل إيه؟!
(تحاول تمسك إيده)
حط السلاح يا زياد! بلاش تهوّر! بالله عليك!
زياد (صوته واطي بس خطير):
اللي سرق بنتي… لازم يدفع التمن.
اللي لعب بينا… لازم يندفن بإيدي.
حور (بتمسك إيده بكل قوتها):
زياد، لأ! إنت مش قاتل!
إنت أب، إنت راجل طيب…
فكّر في ليل، لو عرفت إنك عملت كده، قلبها هيتقطع!
زياد (بيبص في عينيها، صوته مبحوح):
ليل ماتت من سبع شهور يا حور…
اللي عايش بعدها مش أبوها…
ده ظلّ فاضي.
(يزق إيدها برفق لكن بحسم، يفتح الباب بعنف ويخرج بخطوات سريعة)
حور (تجري وراه وهي بتعيط وتصرخ):
زياد!! ارجع يا مجنون!! اسمعني!!
زياد لأاااا! متروحش لمراد! متدمّرش كل حاجة!!
***********************
الطريق السريع – بعد نص الليل.
السماء مغيّمة والريح عاملة عاصفة كأنها بتحاول تمنع القدر يمشي خطوته.
أضواء العربيات بتلمع وتختفي فوق الأسفلت المبلول، وصوت الموتور عالي... زيه زي وحش هائج.
زياد ماسك الدركسيون بإيده الاتنين، إيده بتترعش مش من البرد... من الغضب.
عينه زجاج... بتلمع كل ما النور يضرب فيها.
الطريق قدّامه ضبابي... زيه زي أفكاره،
بس صوته جواه واضح... حاد... زي السكينة.
زياد (بيتمتم وهو سايق بجنون):
مراد... يا ابن الكلب...
كنت وسطينا، تاكل وتشرب معانا...
(يضرب الدركسيون بقبضته)
كنت أخويا... وطلعت سُمّ!
(الموتور يصرّخ، والعداد الأحمر قرب يخلص.)
زياد (صوته متقطع، الدموع نازلة على وشه):
ليــل...
بابا جاي يا روح بابا...
مش هسيب اللي خطفِك يعيش،
والله ما يعيش!
(صورة ليل الصغيرة المعلقة في المراية الأمامية بتتهزّ مع كل مطبّ.)
زياد يمد إيده يلمسها...
صوته بيرتعش:
سامحيني يا بنتي... سامحيني إني كنت أعمى...
(لحظة سرحان... ثانية واحدة بس، لكنها كانت كفاية...)
إطارات العربية تصرخ على الأسفلت،
العربية بتزيّح ناحية الحاجز الجانبي،
وبعدين...
(اصطدام قوي)
تخبط في لوحة الطريق،
تتقلب مرتين تلاتة في الهوا،
شرار بيطير، والزجاج بيتهشّم زي النجوم اللي وقعت من السما.
الصمت...
وبعدين صوت المطر... بينزل بهدوء على حطام العربية.
زياد ممدّد، راسه مفتوحة شِعرِة دم على جبينه،
إيده لسه ماسكة المسدس،
وشفايفه بتتحرك بصوت واهن جدًا:
زياد (بهمس ضعيف):
ليـل...
بابا... جاي...
(إيده تقع، والمسدس يزحف على أرض العربية المعدنية المبلولة، يخبط بخفة...)
الليل بياكل كل حاجة.
المطر بيغسل الدم...
بس ما بيغسلش الندم.
رواية في قبضة العاصم الفصل السادس عشر 16 - بقلم سيليا البحيري
أحد المارة (بفزع):
يا ساتر يا رب! الحادث لسه حصل قدّامي!
واحد تاني:
يا جماعة بسرعة… حد يتصل بالإسعاف! في واحد جوّه العربية!
الناس بتتجمع حوالين العربية، واحد منهم بيحاول يفتح الباب المتدمّر، والدم نازل من جبين زياد، راسه ميلة على الكرسي، وإيده لسه ماسكة الدركسيون كإنه مش راضي يستسلم
راجل كبير (يحاول يجرّ الباب):
الباب مقفول ومش راضي يفتح! حد يجيب عتلة ولا أي حاجة!
شاب:
استنّى! في شرخ في الإزاز الأمامي… نقدر نسحبه من هنا!
الشاب يطلع فوق مقدمة العربية ويمد إيده جوّا، يلمس كتف زياد برفق
الشاب:
يا عم… سامعني؟ افتح عينك كده… حاول ترد عليا!
زياد يفتح عينه نص فتحة، صوته واطي ومكسور
زياد (بصوت ضعيف):
مـ… مراد… ال… الخاين… ليــل… بنتي…
الشاب (مرعوب):
يا جماعة! بيتكلم! الراجل لسه عايش! الإسعاف فين بقى؟!
واحد:
قالوا جاية… خمس دقايق وتوصل!
يحاولوا يطلعوه بهدوء، الدخان بيزيد، والإزاز بيتفتت تحت رجليهم. واحد يحط جاكيته تحت راس زياد بعدما خرجوه أخيرًا
الشاب (بهمس):
اهدّى يا عم… خلاص… خلاص… ما تتكلمش دلوقتي.
زياد (يحاول يرفع راسه بصعوبة):
قول… لحور… قولّها… ما تخافش…
(دم بينزل من بقه، وكلامه بيقطع)
مـ… مراد… هو… الشيطان…
الراجل الكبير (مزهول):
مراد؟ مراد مين يا ابني؟! يقصد مين؟!
الشاب:
ما نعرفش… يمكن حد كان وراه… المهم يلحقوه قبل ما يروح منّا!
صوت الإسعاف بيعلى، النور الأزرق مالي الشارع. زياد يفقد وعيه تمامًا. المسعف يقرب ويرفع راسه يبص عليه
المسعف:
ضغطه نازل قوي… ونزيف جامد! لازم يتحرّك على المستشفى حالًا!
يحطّوه على النقالة، يقفلوا باب الإسعاف، والسرينة تشق الليل… الناس واقفة مرعوبة
ست واقفة بينهم (بصوت حزين):
يا عيني عليه… شكله كان رايح في مصيبة كبيرة… ربنا يستر عليه.
**********************
فيلا الشرقاوي – مكتب مراد الشرقاوي – القاهرة، نص الليل
الأوضة فخمة، نورها هادي وخافت. ريحة السيجار مالية المكان.
مراد قاعد ورا مكتبه، لابس بدلة سودا، وعينيه فيها لمعان خطر.
قدّامه كاس نصه متعبي، والموبايل بيهتز.
مراد (بيرفع التليفون ببطء، صوته هادي وواثق كإنه عارف المكالمة هتقول إيه):
أيوه؟
صوت غامض من التليفون:
…تمّ كل حاجة يا باشا.
(ابتسامة باردة ترسم على وشّ مراد. يحط التليفون على المكتب وبيرجع على الكرسي، يضحك ضحكة صغيرة خبيثة.)
مراد (بصوت واطي مبحوح):
وأخيرًا يا زياد… اللعبة خلصت.
(يقوم من مكانه، يمشي ناحية الإزاز اللي بيطلّ على القاهرة. يبصّ للأنوار البعيدة كأنها بقايا حياة قديمة.)
مراد:
كام مرة كنت إنت الـ"مثالي"، المحبوب…
اللي أبويا كان بيتمنّى تكون ابنه… مش أنا.
(يضحك ضحكة قصيرة مرّة)
كان دايمًا يقول: اتعلّم من زياد يا مراد… شوف أخلاقه…
(يخبط على الإزاز بقبضته جامد. الكاس على المكتب يتهزّ.)
مراد (يقولها وهو بيعضّ على سنانه):
نشوف بقى… مين هيفتكر اسمك بعد النهارده يا زياد.
ومين اللي هيقف قدّام مراد الشرقاوي بعد ما أسحق اسمك تحت رجليّ.
(يمسك الكاس ويرفعه كأنه بيعمل نخب انتصار مسموم.)
مراد:
قصتك خلصت… ودلوقتي جه دور أدهم.
الوصي اللي فاكر نفسه فاهم وبيعرف كل حاجة…
(يضحك بخفة فيها جنون)
هتلحق بابن عمّك قريب… يا أدهم.
(نور الأوضة يخفّ حتة بحته… وصوته يفضل بيطنّ في الضلمة.)
مراد (بهمس تقيل مظلم):
الشرق ما يتسعّش لملكَين…
والملك هنا… أنا.
******************
في فيلا مازن الزهراوي – القاهرة، بعد منتصف الليل بقليل
الجو مشحون بالقلق، المطر يهطل بغزارة، والرعد يهزّ النوافذ.
تُفتح الباب فجأة، تدخل حور مسرعة وهي ترتجف، شعرها مبعثر ووجهها شاحب كأنها رأت شبحًا.
تسقط حقيبتها أرضًا وتصرخ باسم شقيقها.
حور (بصوت متقطع، لاهث):
مازن! مازن بسرعة… لازم تروح! لازم تروح ورا زياد!
مازن (ينهض من الأريكة بذهول، يرتدي بيجامته):
إيه اللي حصل يا حور؟! مالك؟ شكلك مرعوب!
حور (تتقدم نحوه، تمسك بذراعه بعنف):
زياد! راح لمراد… ومعاه سلاح! أنا حاولت أوقّفه، حاولت والله! بس كان غاضب… غاضب بطريقة تخوف يا مازن!
ملك (تخرج من المطبخ بخوف، تقترب ببطء):
سلاح؟! زياد؟ مستحيل، دا عمره ما يتهور كده! في إيه يا حور، اتكلمي بالعقل؟
حور (تنتفض وتصرخ):
العقل؟! مفيش عقل دلوقتي! مراد… مراد مش الإنسان اللي كنتوا فاكرينه!
مازن (يحاول تهدئتها، يمسك بكتفيها):
استني… انتِ بتقولي إن مراد عامل حاجة؟ إيه اللي خلا زياد ياخد سلاح؟
حور (تبدأ دموعها تنهمر، صوتها مبحوح):
ماعرفش كل حاجة، بس عرفت إنه السبب… السبب في كل اللي حصل…
(تشهق)
ليل… اختُطفت بسببه… و زياد فهم ده متأخر… و دلوقتي رايح ينتقم.
ملك (تضع يدها على فمها، مذهولة):
يا ربّ السّتر…!
مازن (بغضب):
هو اتجنن؟! رايح له لوحده؟ و بالسلاح كمان؟! دا انتحار يا حور!
حور (تهز رأسها بيأس):
قلت له كده، قلت له… بس كان في عيونه حاجة غريبة، كأنه مش شايفني!
كان بيقول إنه لازم "ينهي المهزلة"، كان بيكسر حاجات في المكتب، وأنا… أنا خفت منه!
ملك (تقترب من حور، تمسك يدها بلطف):
اهدّي يا حور، يمكن لسه ملحقينه، يمكن لسه في الطريق.
مازن (يتجه مسرعًا نحو الباب، يلتقط مفاتيح سيارته):
أنا رايح له فورًا. لو لسه ما وصلش، يمكن أقدر أمنعه قبل ما تحصل مصيبة.
حور (تتبعه، تصرخ برجاء):
مازن! أوعَ تسيبه لوحده! مراد مش طبيعي، مش طبيعي يا مازن!
مازن (يلتفت نحوها قبل أن يخرج، بنبرة حازمة):
ولا زياد برضو، لما غضبه يسيطر عليه…
(يتنفس بعمق)
بس أوعدك، مش هسيب أخويا يضيع بسبب شيطان زي مراد.
ملك (تلحقه بخطوات قلقة):
خد بالك من نفسك يا مازن، الجو ممطر والطريق زلق.
مازن (وهو يفتح الباب):
ادعي بس نلحقه في الوقت المناسب.
(يغادر مسرعًا، وصوت المحرك يتلاشى في العاصفة.)
داخل الفيلا – بعد دقائق
تجلس حور على الأريكة، ترتجف وهي تضم وشاحها إلى صدرها، وملك تجلس بجانبها، تمسح دموعها.
تتبادلان نظرات الخوف، والصمت يخيّم على المكان إلا من صوت المطر وضجيج الرعد.
ملك (بهمس):
تحسي إن في حاجة وحشة جاية، صح؟
حور (تنظر للأرض، بصوت مرتجف):
مش إحساس يا ملك… قلبي بيقولي إن المصيبة بدأت فعلاً.
(تسقط دمعة من عينيها، وتغلق المشهد على وجهها الحزين، ينعكس فيه ضوء البرق البعيد.)
**********************
في ألمانيا – فيلا رامي، منتصف الليل
السماء ملبّدة بالغيوم، والمطر يقرع النوافذ بإصرار كأنه يهمس بحزنٍ غامض.
في الغرفة، الأضواء خافتة، وهدوء ثقيل يخيّم على المكان.
ليل تنام على السرير، وجهها متعب وعيناها متورمتان من كثرة البكاء.
على الأريكة المقابلة، عاصم يغطّ في نومٍ خفيف، رأسه مائل، والملفّات متناثرة بجانبه.
وفجأة،
ليل (تصرخ فجأة وهي ترفع جسدها من السرير، بصوت مبحوح):
باباااا!! لاااااااا!!
(تجلس تتنفس بسرعة، أنفاسها تتلاحق، ودموعها تنهمر دون توقف، كأنها عادت من حلمٍ غارقٍ في الرعب.)
عاصم (يفيق مذعورًا، يقف بسرعة):
ليل! إيه اللي حصل؟! كابوس؟
(يتقدم منها بخطوات مترددة، يمد يده لكنه يتراجع قليلًا حين يراها تنتفض وتضع يديها على رأسها.)
ليل (تبكي، بصوت مرتجف):
كان… كان بيتألم!
بابا… شُفته… الدم في كل مكان!
كان بيناديني، وأنا مش قادرة أوصله!
(تشهق وتغطي وجهها بيديها، جسدها يرتجف بشدّة.)
عاصم (يجلس بجانب السرير، بصوت هادئ لكنه حازم):
ليل، دي مجرد أحلام… الكوابيس دي طبيعية بعد اللي مريتي بيه، ما تخافيش.
ليل (تهز رأسها نافية):
لا! مش كابوس… أنا حسيته… حسّيته فعلاً، كأنه بينزف في قلبي مش في الحلم…
(تضع يدها على صدرها، تبكي بحرقة)
أنا متأكدة يا عاصم، في حاجة حصلت له…
(عاصم يصمت للحظة، يتنفس بعمق، يحدّق فيها وكأنه يحاول قراءة ما خلف عينيها.)
عاصم (بلطف):
اسمعيني يا ليل… أحيانًا العقل بيعمل فينا ألعاب غريبة لما نتعب،
يمكن خوفك عليه خلاك تشوفيه كده.
ليل (تنظر له بحدة، عيناها تلمعان):
إنت مش فاهم!
أنا عارفة بابا، بحس بيه من وانا صغيرة!
كل مرة يوجعه حاجة، بحسها…
(تشهق وتهمس)
المرة دي… المرة دي غير…
(تبدأ بالبكاء بصمت، رأسها ينخفض، وكتفاها يهتزان من الألم المكبوت.)
عاصم (يتنفس بعمق، ثم يقترب منها ببطء):
خلاص… كفاية دموع، هدي نفسك شوية.
(يجلس على حافة السرير، ثم يمد يده بهدوء، يضعها على كتفها المرتجف.)
عاصم (بصوت منخفض دافئ):
ماحدش هيقدر يؤذي زياد الزهراوي بسهولة… ده راجل قوي، وأنا متأكد إنه بخير.
(تلتفت نحوه ببطء، عيناها دامعتان، وصوتها يخرج كالهمس.)
ليل:
هو الوحيد اللي ما ظلمنيش، والوحيد اللي كنت بحس بالأمان جنبه…
كل حاجة راحت يا عاصم، كل حاجة!
عاصم (ينظر لها للحظة، ثم دون تفكير، يمد ذراعيه برفق ويحتضنها):
شِش… خلاص، أنا هنا…
(بصوت منخفض يشبه الهمس الأبوي)
أنا هنا يا ليل… متخافيش.
(تتجمد لوهلة بين ذراعيه، ثم تنهار تمامًا، تبكي في صدره كطفلة فقدت طريقها.
يتنفس عاصم ببطء، يربت على شعرها بحنان غريب عليه، بعاطفة لا يعرف من أين جاءت.)
عاصم (بصوتٍ خافت):
أنتِ قوية… متنسيش ده. حتى لو الدنيا كلها وجعتك، لسه فيكِ النور اللي جوّاك.
ليل (بهمسٍ مخنوق):
ليه بتقول كده دلوقتي؟ بعد كل اللي عملته فيا؟
(يسكت للحظة، يغمض عينيه كأنه تلقى طعنة، ثم يقول بصوتٍ واهن):**
يمكن لأني أنا كمان محتاج أفتكر إن جوايا لسه في نور…
(تتسع عينا ليل بدهشة، تنظر إليه ببطء، وكأنها تراه لأول مرة، ليس كخاطفها… بل كإنسان مكسور مثلها.)
عاصم (يحاول التماسك):
نامي دلوقتي… حاولت تنامي، وأنا هافضل هنا… مش هتحرك من مكانى.
ليل (بهمس متعب):
وعد؟
عاصم (بابتسامة صغيرة حزينة):
وعد…
(تغلق عينيها ببطء وهي لا تزال قريبة منه، رأسها على كتفه، يظل يربت على شعرها حتى تهدأ أنفاسها.
ينظر إليها طويلًا، ثم يهمس لنفسه بصوتٍ بالكاد يُسمع):**
سامحيني يا ليل… لو كنت سبب في كل ده… سامحيني.
********************
الهدوء يخيّم على المكان.
في غرفة ليل، كانت الفتاة غافية بعد أن هدأت أخيرًا بين ذراعي عاصم، بعد كابوسها المفزع الذي لم تفهمه هي نفسها.
الأنفاس الهادئة تملأ الجو، والمطر بالخارج يطرق النوافذ بإيقاع ثقيل.
في الردهة السفلية، يظهر أدهم يخرج من غرفته بملامح مرهقة وعيون متوترة، وهو يتحدث بالهاتف بصوت خافت.
وراءه تقف جميلة، زوجته، تضع على كتفيه معطفه وتحاول أن تبقي نفسها متماسكة.
جميلة (بصوت مرتجف):
قالولك إيه يا أدهم؟ طمني بالله عليك… وضعه عامل إزاي؟
أدهم (بوجه شاحب):
نزيف حاد… دخل في غيبوبة من ساعة.
الطبيب قال الوضع خطير جدًا يا جميلة.
(تغطي جميلة فمها بيدها، عيناها تدمعان، ثم تهمس بصوت مبحوح)
جميلة:
يا رب… يا رب ألطف بيه، مش وقته ينهار كده.
(يضع أدهم يده على رأسه، يغلق عينيه لحظة كأنه يحاول استيعاب ما سمعه، ثم يتنفس بعمق.)
أدهم:
مش قادر أصدق… من ساعات كنت بكلمه، كان صوته طبيعي،
إزاي في لحظة يحصل كده؟
(جميلة تمسك بذراعه بقوة، ودموعها تنهمر بهدوء.)
جميلة:
لازم نرجع مصر فورًا، ما ينفعش نستنى الصبح، نحجز أول طيارة.
أدهم (يهز رأسه بتعب):
عارفة… بس لازم نبلّغ عاصم الأول، هو كمان لازم يعرف… وليل؟ الله يستر، قلبها مش هيستحمل
(يتجه بخطوات ثقيلة نحو الممر المؤدي لغرفة ليل وعاصم. يطرق الباب بخفة أولًا، ثم بصوت أوضح.)
أدهم:
عاصم؟ افتح يا ابني، ضروري.
(يظهر عاصم بعد لحظات، ملامحه شاحبة، شعره مبعثر من النوم، لكنه سرعان ما يدرك من نظرات أدهم أن هناك شيئًا خطيرًا.)
عاصم (بقلق):
خير يا عم ادهم؟ حصل حاجة؟
(أدهم يدخل الغرفة قليلاً، ينظر إلى ليل النائمة أولاً، ثم يشيح بنظره عنها ويخفض صوته.)
أدهم (بصوت متماسك بالكاد):
زياد…
اتعرض لحادث يا عاصم.
(يتجمد عاصم في مكانه، يفتح فمه دون أن ينطق لثوانٍ، ثم يهمس بصوت متكسر:)
عاصم:
إيه؟ لا… لا متأكد؟
أدهم:
انقلبت عربيته في طريق مصر الجديدة، الناس طلعوه وهو بينزف، دلوقتي في المستشفى، الحالة حرجة جدًا.
(صوت المطر بالخارج يعلو أكثر، كأنه ينوح معهم.
عاصم يمرر يده على وجهه، عيونه تمتلئ بالدموع.)
عاصم (بصوت واهن):
عشان كده… ليل كانت بتصرخ من شوية.
قالتلي إنها شافته بينزف… كانت متأكدة إنه بيصرخ باسمها.
جميلة (بدهشة، تغطي فمها):
يا إلهي… سبحان اللي بيجمع القلوب.
أدهم (يتنهد، ويجلس على حافة الكرسي):
البنت دي مربوطة بيه بروحها…
(يتنفس بعمق)
أنا مش قادر أستنى لحد بكرة، هرجع مصر الليلة، لازم أكون هناك.
عاصم (بحزم):
وأنا راجع معاكم.
جميلة (بتوتر):
بس ليل؟ مش ممكن نسيبها لوحدها كده، هتنهار لو عرفت.
عاصم (ينظر نحوها):
مش هنقولها حاجة. هنسيبها هنا مع رامي ونيروز، وهي هتفتكر إننا رايحين مشوار عمل.
لحد ما نطمن عليه على الأقل.
أدهم (بصوتٍ ثابت رغم الألم):
تمام. أنا هكلم رامي دلوقتي، وأبلغه بكل حاجة. بس ما يقولهاش ولا كلمة.
(يتبادل الرجال نظرات ثقيلة؛ نظرة خوف، عجز، وحب عميق لرجل واحد كان يجمعهم جميعًا كالأب.)
عاصم (بهمس):
زياد كان ليّ كل حاجة يا أدهم…
علّمني يعني إيه الرجولة، يعني إيه تصبر وتسامح.
ما أقدرش أتخيل الدنيا من غيره.
أدهم (بحزن صادق):
ولا أنا… بس لازم نصمد، هو محتاج دعانا، مش دموعنا دلوقتي.
(يتجه نحو الباب ليستعد للسفر، ثم يلتفت لعاصم.)
أدهم:
خلي بالك من ليل، لو صحيت قبل ما نمشي ما تخليهاش تشك في حاجة.
عاصم (بهدوء):
أوعدك.
(يعود إلى الغرفة، يقف قرب السرير، ينظر إلى ليل وهي نائمة بسلام، يلمس شعرها برفق، ثم يهمس بصوت خافت:)
عاصم:
ادعي له يا ليل… يمكن إحساسك يوصل قبلنا.
*********************
فيلا مراد الشرقاوي – القاهرة – بعد نص الليل
الصمت مالي المكان.
أوضة المكتب الفخمة منوّرة بنور أصفر هادي، وعلى المكتب عقود وملفات ملخبطة.
مراد قاعد ورا مكتبه، لابس بدلة غامقة، ماسك سيجار، وعينيه فيها بريق نصر باين.
مراد (يضحك بخفة وهو بينفخ دخان):
وأهو… أخيرًا… اللعبة خلصت يا زياد.
سنين… سنين وأنا مستني اللحظة دي. وجِت.
ودلوقتي… مافيش حد يقف في وشي.
لا أدهم… لا عاصم… ولا أي حد شبههم.
(يتكئ للورا، مغمّض عينه ومبسوط بفكرته)
مراد (بخيال منحرف):
وحور؟ آه يا حور…
هترجعلي زي زمان… بس المرة دي مش كصاحبة.
كزوجة… أرملة… محتاجة أمان.
وأنا… هبقى أمانها.
هاهاهاها!
(ضحكة قصيرة مظلمة… بعدها سكون.)
فجأة، صوت خبطة خفيفة نقّ من ناحية الباب الخلفي.
مراد يبص ناحية الباب بشك.
مراد:
مين؟ نرمين؟
(مفيش رد.
يقوم يمشي ببطء ويفتح الباب…
يلاقي ريما واقفة… وشها شاحب، وعينيها مولّعة غضب وكسرة.)
ريما (صوتها بيرتعش لكن ثابت):
مبروك يا بابا…
على نصرك العظيم.
(مراد يتجمد لحظة… وبعدها يضحك ابتسامة باردة وهو يتقدم لها.)
مراد (بهدوء مصطنع):
ريما؟ يا بنتي؟ إنتِ هنا؟
إزاي؟ ما قولتيش إنك راجعة من الجزائر؟
ريما (مقاطعة، بغضب ودموع في عينيها):
أقولك؟!
أقول للقاتل والخاين إن بنته راجعة؟!
أقول للي كنت بشوفه قدوتي… وطلع وحش ماشي على رجلين؟!
(تبصّله بكره وتتراجع خطوة.)
مراد (عامل نفسه مصدوم):
إنتِ بتقولي إيه؟!
مين لعب في دماغك؟ دي إشاعات! حد عايز يوقع بينا!
ريما (بحزم قاتل):
اسكــت!
أنا سمعتك… بإذني!
سمعتك بتقول إنك خلصت من زياد…
وإنك ناوي تتجوز حور!!
إزاي يا بابا؟
زياد… اللي كنت بتقوله أخوك؟
أمي… اللي عاشت معاك عمرها… عايز ترميها زي حاجة قديمة؟!
(تقرّب له والدموع نازلة على خدّها.)
ريما:
كنت بقول إنك أعظم راجل في حياتي…
لكن الحقيقة… إنك أوحش راجل في الدنيا كلها.
(ملامح مراد تتغير فجأة… القناع يقع… وتظهر ابتسامة رخمة شيطانية.)
مراد (بصوت واطي مظلم):
يبقى عرفتي أكتر من اللازم يا ريما…
بس خليني أقولك حاجة—
أنا… ما بخافش.
ولا بنـدم.
وزياد؟
كان لازم يختفي.
لأنه طول عمره بياخد مني كل حاجة…
حتى احترام الناس… كان بيخطفه مني.
(يقرب منها ببطء… وهي تتراجع بخوف باين عليها.)
ريما:
ده كلامك عن راجل ربّى ابنك سليم لما إنت كنت مشغول بقذارتك؟!
ده كلامك عن أخوك؟!
مراد (صارخ):
كــــفاية!!!
ما تنطقيش اسمه تاني!
أنا فوق الكل…
واللي يقف ضدي… هيموت زيه.
(ريما تبكي… لكن تمسح دموعها بسرعة… وتتكلم بعقل وهدوء.)
ريما (بهدوء قوي):
تمام يا بابا… فهمت قصدك.
ما تخافش… مش هقول لحد.
أنا بنتك… مش كده؟
(تتراجع خطوة… بابتسامة مكسورة لكن قوية.)
ريما:
بس أوعدك…
اليوم اللي هتبص فيه في المراية…
هتشوف وشّك الحقيقي بس.
وشّ… الشيطان.
(تلف وتخرج بسرعة… ومراد يصرخ بجنون وراها.)
مراد (بيصرخ):
ريمااا!!!
لو فتحتي بُقّك… هتندمي…
هتندمي جــــامد!
(تقفل الباب وراها بقوة.
تسند على الحيطة، قلبها بيدق، دموعها نازلة…
لكن في عينيها نار.)
ريما (تهمس لنفسها):
خلاص يا بابا…
اللعبة انتهت.
والدور الجاي… دوري أنا.
*******************
فجأة، صوت ارتطام عنيف يهز أرجاء الفيلا، يتبعه صوت الباب يُفتح بعنف.
مازن (غاضبًا):
مرااااد!!
مراد (يرفع رأسه ببطء، يميل في كرسيه دون انفعال):
ياااه… ضيوف في نص الليل؟
(ينهض بهدوء)
إيه المفاجأة دي يا مازن؟ وإنتِ كمان يا حور؟
حور (تدخل بخطوات سريعة، وجهها شاحب وعيناها دامعتان):
فين زياد يا مراد؟! فينه؟!
مراد (بابتسامة باردة):
زياد؟
(يضحك بخفة)
هو كل شوية لازم نتكلم عنه؟
ما كفاية إن حياته كلها كانت دايمًا حديث الناس!
مازن (يصرخ):
بلّغناك تبعد عنه، وقلنا بوضوح إنك ما تقتربش منه بعد اللي حصل في الشغل!
بس واضح إنك ما بتفهمش إلا بالطريقة الصعبة.
فين زياد؟ كان جاي ليك النهارده… ومن بعدها اختفى!
مراد (يتصنّع الدهشة):
اختفى؟!
يا خبر… طب وأنا مالي؟
يمكن زهق منكم وقرر يختفي شوية.
هو دايمًا بيعمل كده لما يزهق من العالم اللي حواليه.
حور (تمسك ياقته بعنف):
بكفاية كذبك يا مراد!
أنا حسّاه… قلبي بيقولي إنه في خطر!
كنت ناوي تعمل فيه إيه؟! تخلّصت منه زي غيره؟!
مراد (يقترب بخطوات بطيئة، صوته زاحف ومليء بالسم):
خطر؟
اللي بيدخل لعبة معايا لازم يعرف نهايتها.
وزياد… كان فاكر نفسه أذكى من الكل.
لكن المرة دي، يمكن الحظ ما كانش في صفّه.
مازن (يمسكه من ياقة قميصه بعنف):
احلف إنه بخير يا كاذب!!
مراد (ينظر له بثبات، دون أن يرمش):
أنا ما بحلفش لحد.
لكن لو عايز الحقيقة…
(يميل للأمام، بابتسامة باردة)
زياد… اتعرّض لحادث.
حادث صعب جدًا.
والاحتمال الكبير… إنه مات.
حور (تتراجع ببطء، عيناها تتسعان):
مات…؟
(تغطي فمها بيديها، تنهار على الأرض بصوت مكتوم)
لاااااا!!! لا مستحيل!!!
مازن (يصرخ):
كذاب!
انتَ بتفبرك كل حاجة علشان تكسرها وتنتقم!
انتَ حاقد على زياد من الجامعة!
كنت دايمًا غيران منه… من نجاحه… من حب الناس ليه!
لكن هو كان بيعتبرك أخ!
مراد (يضحك بخفة ساخرة):
أخ؟
هو اللي كان شايفني كده، مش أنا.
من أول يوم شُفت فيه غروره… وأنا عارف إنه عدوّي.
بس هو ما فهمش غير متأخر.
نرمين (تهبط من الدرج، وجهها باهت):
مراد… إنت قلت إيه؟
زياد… مات؟
انتَ عملت فيه حاجة؟!
مراد (يلتفت نحوها ببرود):
نرمين، بلاش دراما.
الراجل جاله حادث، وأنا مالي؟
ولا عايزة تصدقي كلام الناس اللي بيقولوا إن جوزك شرير؟
نرمين (بصوت مرتعش):
مش محتاجة أصدق كلام الناس… أنا عشت الشر بعيني.
كنت شايفة اللي بتعمله وساكتة علشان ولادي…
بس خلاص، انتهى وقت السكوت.
مراد (بابتسامة ازدراء):
ولادك؟
(يلتفت إلى الدرج حين يسمع صوت خطوات سريعة)
ريما (تظهر عند باب المكتب، ملامحها غاضبة، وصوتها قوي):
مش ماما لوحدها اللي عرفت.
أنا وسليم عرفنا كل حاجة.
سمعنا مكالماتك، وشُفنا الأوراق اللي أخفيتها…
عارفين إنك وراك اللي حصل لزياد!
سليم (من خلفها، صوته مرتعش لكنه غاضب):
كنت فاكر إنك أب عادي…
بس انتَ قاتل متخفي في بدلة رجل أعمال!
مراد (ينفجر صارخًا):
كفاية!!!
أنا ما قتلتوش! هو اللي جاب نهايته بإيده!
هو دايمًا كان بيحاول يثبت إنه الأفضل… وأنا كنت بس بردّ الدين!
نرمين (تصرخ بغضب):
دين؟!
ده كان صديقك من الجامعة!
أول واحد وقف جنبك لما كنت بتخسر كل حاجة!
وانت رديت الجميل بالغدر!
مراد (بعينين جليديتين):
الغدر؟
ده اسم اللعبة يا نرمين…
بس محدش كان فاهمها قدّي.
عبد الرحمن (الجد، ينزل ببطء من الطابق العلوي، متكئًا على عصاه):
مراد… إيه اللي بسمعه ده؟
انتَ فعلاً عملت كده؟!
ده زياد صاحب عمرك يا ولد!!
مراد (يحاول التماسك):
بابا، أنا—
عبد الرحمن (يصيح بعنف):
اسكت!!
جاي تقولي صاحبي القديم اللي كان بيجي بيتنا، تموّته علشان حقدك؟!
(يمسك صدره فجأة وهو يصرخ)
آآآآآه… قلبي… قلبي!!
ريما (تصرخ):
جدووو!!
سليم (يهُرع نحوه):
جدو استحمل، بالله عليك!
نرمين (تجري نحو الهاتف):
الإسعاف! حد يتصل بالإسعاف بسرعة!!
حور (تسقط على الأرض باكية بجنون):
زياااااااااد!!!
(تصرخ بأعلى صوتها)
يا رب رجّعه لي! مش ممكن يكون مات!!
مازن (يجثو بجانبها، يحتضنها بقوة):
هششش، اهدى يا حور، ما تصدقيهوش!
زياد هيعيش، سامعة؟! هيرجع!
مراد (ينظر إلى الجميع ببرود، ثم يمرر يده على وجهه، ويبتسم ببطء):
خلاص… اللعبة خلصت.
وكل واحد نال اللي يستحقه.
الجد ملقى على الأرض، حور منهارة تصرخ اسم زياد، مازن يحاول تهدئتها،
نرمين تبكي بجانب زوجها الذي تحوّل إلى غريب،
بينما مراد يقف في منتصف القاعة، يبتسم بانتصارٍ مظلم،
وصوت الرعد يغطي كل شيء
رواية في قبضة العاصم الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيليا البحيري
في المشفى، أمام غرفة العمليات
الممر بارد، الإضاءة بيضاء قاسية، ورائحة المطهّرات تخنق الأعصاب.
باب غرفة العمليات مغلق بإحكام، والضوء الأحمر فوقه يزداد توهجًا… كأنه يحبس أنفاس الجميع.
حور تجلس على الأرض، ظهرها ملتصق بالحائط، وجهها غارق في الدموع، وكتفاها يرتجفان بلا توقف.
تدفن وجهها في صدر شقيقها التوأم مازن الذي يحتضنها بقوة، ويده ترتجف فوق شعرها.
حور (باكية، صوتها مكسور):
مازن… مش قادره… مش قادرة أستحمل تاني…
زياد… زياد جوّه… بيحارب لوحده…
وأنا… بنتي… ليل… سبعة شهور ومش لاقيينها…
سبعة شهور يا مازن…
مازن (بصوت مخنوق وهو يمسح دموعها):
هششش… اهدي يا حور… ربنا معاه…
زياد أقوى من إنه يروح… وليل هنلاقيها…
اسمعيني… إحنا لسه ما خسرناش حد… ولا هنخسر… فاهمة؟
لكن صوته يخون قوته، ويرتجف رغمًا عنه.
ملك – زوجة مازن وشقيقة زياد الصغرى – تقف بجوار الباب، يدها على فمها، ودموعها تسيل بلا توقف.
ملك (بحشرجة):
أخويا… جوّه بينزف…
يا رب… يا رب احفظه…
زياد ما يستاهلش ده… ما يستاهلش!
تسند رأسها على كتف زوجها لحظة، ثم تبتعد لتقترب من حور وتجلس بجوارها على الأرض.
ملك (تضم حور بقوة):
اثبتي… عشانه… زياد بيحبك… مش هيسيبك… ولا هيسيب ليل.
هو بيحارب دلوقتي علشان يرجع لكم.
حور تنهار أكثر وتشهق بقسوة:
حور:
لو مات… لو زياد مات…
أنا اللي هكون قتلته…
أنا اللي ودّيته للجحيم ده…
كل ده حصل عشاني… عشان بنتي… عشان… عشان—
آدم يقترب بخطوات ثابتة رغم الغضب الذي يشتعل في عينيه.
يرتدي بدلته الرسمية، كتفيه مشدودان، وجهه كالسيف.
يجثو أمام حور ويضع يده على كتفها.
آدم (بصوت هادئ لكنه حاد):
ولا كلمة من اللي قلتيه تتقال تاني…
اللي وصل زياد للمرحلة دي… مش ذنبه… ولا ذنبك…
الذنب على شخص واحد بس…
مراد الشرقاوي.
نادين تقف خلفه، تحاول السيطرة على ارتجاف يديها.
نادين (بصوت منخفض لكنه قوي):
زياد هيرجع… هو مش من النوع اللي بيستسلم.
شفناه في أسوأ الحالات… ونجى.
المرة دي كمان هينجو… لازم.
حور (ترفع رأسها بصعوبة، الدموع تبلل خدّيها):
آدم… وعدني…
لو جراله حاجة… لو… لو مات…
هتجيب ليل؟
هتجيبها مهما حصل؟!
آدم ينظر مباشرة في عينيها، ولمعة غاضبة قاتلة تشتعل فيه.
آدم:
بوعدك…
ولو زياد طلع من جوه وهو متأذي…
ولو طلع…
(صوته ينخفض لكنه يتحول لسكين)
مراد مش هيشوف الشمس تاني.
ملك تمسح دموعها وتقول بخوف:
بس… مسكوه خلاص… مش كده؟ قالوا إنه اتحبس؟
نادين:
اتقبض عليه…
لكن مش ده اللي يهم دلوقتي.
القضية دي أكبر من مجرد حادث…
وزياد الوحيد اللي كان قرب يوصل للحقيقة.
مازن (بغضب مكتوم):
لو مراد قال كلمة واحدة زيادة…
لو قال إن زياد مات…
أنا… أقسم بالله… كنت هقتله بإيدي.
باب العمليات يهتز قليلًا… ثم يفتح جزء صغير.
يخرج الطبيب، وجهه متوتر وملامحه مرهقة.
فيقف الجميع دفعة واحدة، أنفاسهم محبوسة.
الطبيب:
إحنا… لسه شغالين.
الحالة… خطيرة جدًا.
الخبطة كانت قريبة من شريان أساسي…
وفي نزيف كبير.
حور (تصرخ، تنهض وتكاد تسقط):
يا رب… لاااا…
سيبوني أشوفه! سيبوني أدخل!
تحاول الجري للداخل، لكن ملك ومازن يمسكان بها.
مازن (يهمس وهو يحضنها):
حور… بالله عليكي… استني…
هو جوّه… بيقاوم علشانك…
ما تنهاريش… مش دلوقتي…
آدم يضغط على قبضته بقوة حتى تحمر أطراف أصابعه.
آدم (بصوت قاتم):
لو خرج… لو خرج حيّ…
أقسم… أن اللي خان… واللي شارك… واللي خبّى…
كلهم هيتحاسبوا.
ومراد…
مراد هيدفع تمن كل نقطة دم سالت منه.
نادين تنظر إليه بخوف من شدة غضبه… لكنها لا تعارضه.
نادين:
بالراحة يا آدم…
خلينا الأول ننقذه…
آدم (لا ينظر إليها):
أنا هادي…
لكن جوّه…
في نار هتحرق البلد لو واحد فيهم فكر يضيّع الدليل تاني.
يسود الصمت للحظة…
صمت ثقيل، خانق، يلتفت فيه الجميع إلى باب العمليات المغلق…
ينتظرون… يرتجفون…
لكن ما يزال الضوء الأحمر مشتعلًا.
حور تنحني رأسها وتهمس بصوت يكاد لا يُسمع:
حور:
زياد…
ما تسيبنيش…
ولا تسيب بنتك…
أرجوك… ارجع…
*******************
المستشفى، أمام غرفة العناية المركّزة
ضوءٌ خافت ينساب من خلف باب العناية المركزة، وصفير الأجهزة يتسلل من الأعماق. ريــما تجلس على الكرسي المعدني، يداها ترتجفان حول كوب ماء بارد لم تشرب منه شيئاً. عيناها حمراوان من البكاء.
سليم يقف أمام الزجاج ينظر إلى سرير الجد عبد الرحمن، ملامحه جامدة… لكن عينيه ممتلئتان بالدمع المكبوت.
ريما (بصوت واهن):
سليــم… شايفه؟… شايفه جدو؟
ما يستاهلش اللي حصل له… ولا يستاهل يعرف الحقيقة بالشكل ده…
سليم لا يرد. يزفر بقوة، يضغط قبضة يده حتى تبيضّ مفاصله.
سليم:
مش قادر أصدق… بابا وصل للدرجة دي.
جدو لو حصله حاجة… لو حصلّه أي حاجة بسبب اللي عمله مراد… عمري ما هسامحه. ولا ثانية.
ترتجف ريما، تحاول كتم شهقة.
ريما:
بس… ده بابانا يا سليم…
يا رب… يا رب إزاي نكره أبوّنا؟
أنا… مش قادرة أفهم… ولا قادرة أصدّق.
يلتفت إليها سليم لأول مرة، بعينين دامعتين لكنه يحاول أن يبدو قويًا.
سليم:
بابا اللي عرفناه… كان صورة بس. صورة مزيّفة.
الحقيقة… الحقيقة ظهرت.
ناس اتأذت… وناس ماتت… وليل اتخطفت بسبب إنسان زيّه ما يعرفش يعني إيه رحمة.
تهبط دموع ريما على وجنتيها.
ريما:
ليل…
ياااه يا سليم…
وحشتني… وحشتني جدًا.
فاكرة لما كانت تيجي البيت وتضحك معانا؟
كانت أختنا… أكتر من أختنا.
يسند سليم ظهره إلى الحائط ويغطي وجهه بكفيه.
سليم:
أنا مش قادر…
أنا اتربّيت في حضن زياد… مش مراد.
زياد اللي ربّاني… واللي كان بيخاف عليّ…
وده… ده اللي بابا حاول يدمّره!
زياد دلوقتي بين الحياة والموت… وجدو جوّا في العناية… وليل مش لاقيين لها أثر.
وكل ده… كل ده بسبب جرائم أبوّنا!
تغطي ريما فمها لتكتم بكاءها.
ريما (بهمس محطّم):
سليم… أنا خايفة…
خايفة جوزي يسمع اللي حصل…
خايفة يطلّقني…
خايفة يقول إنّي بنت مجرم…
أنا حتى ما قلتّلوش إني جيت مصر… هربت… هربت من الصدمة!
يجلس سليم بجوارها، ويضع يده على يدها لأول مرة منذ بداية الكارثة.
سليم:
بصي لي يا ريما.
إنتِ مالكيش ذنب.
لا إنتِ… ولا أنا… ولا جدو.
إحنا ضحايا زيه بالضبط.
تهز رأسها، والدموع تنهمر.
سليم (بحزم):
ولو جوزِك راجل… هيعرف إنّك مش مسؤولة عن اللي بابا عمله.
وحتى لو… لو بعد الشرّ عنك حصل اللي إنتِ خايفاه…
إنتِ مش لوحدِك.
أنا معاكي.
أنا وإنتِ… هنعدّي ده مع بعض.
تشهق ريما وتبكي في كتفه، وهي التي كانت تحاول التماسك منذ وصولها.
بعد لحظات، يرفع سليم رأسه وينظر عبر الزجاج نحو جده، ثم يغمض عينيه بقهر.
سليم (بصوت منخفض لكنه مليء بالنار):
مراد…
بابا…
أقسم بالله…
لو جدو حصله حاجة…
لو زياد جراله حاجة…
هخليه يتعفّن… يتعفّن في السجن لبقية عمره.
ده وعد.
وعد يا ريما… ومش هرجع فيه.
ترفع ريما رأسها وتحدّق في أخيها، والخوف يرتجف في عينيها… لكنه أول مرة تشعر أنّه ليس أخاها الأصغر… بل سندها الوحيد الآن.
ريما:
سليم…
ما تسيبنيش لوحدي.
إحنا… إحنا بقينا لوحدنا.
يمسك بيدها بقوة.
سليم:
ولا ثانية.
أنا معاكي… لحد آخر نفس.
وتعود نظراتهما إلى داخل غرفة العناية… حيث يرقد الجد الطيب، ضحية جديدة لخطيئة الابن.
*********************
باب الممرّ يُفتح فجأة… تدخل نرمين بخطوات مرتبكة، وجهها شاحب، شعرها منفلت، وعيناها متورمتان من البكاء. كانت تركض تقريبًا… تبحث عن أولادها، وعن عبد الرحمن.
ما إن وقعت عينا ريما عليها… حتى وقفت فجأة من على الكرسي كأن نيرانًا اشتعلت فيها.
ريما (بصرخة حادّة تمزّق الممر):
إنتِ!!!
إنتِ جاية تعملِي إيه هنا؟!
ترتعش نرمين، تتجمد في مكانها، وصوتها يتهدج:
نرمين:
ريما… بنتي… اسمعيني… أنا—
ريما (تصرخ وهي تتقدم نحوها):
متقوليش بنتي!!!
أنا مش بنتك… ومش عايزة أكون!
إنتِ… إنتِ كنتي واقفة تتفرجي!
تعرفي كل جرايمه… كل اللي عمله… وساكته؟!
ساكته… وبتبتسمي؟!
كنتِ بتشوفي حور بتتقطع كل يوم على بنتها وتطلعي معها تعيطي… وإنتِ عارفة إن اللي خطف ليل مش عاصم…
ده جــوزِك!!!
إنتي كنتي بتضحكي علينا كلنا؟!
تغطي نرمين وجهها بيديها وتبكي، تنهار.
نرمين (منهارة، ترتجف):
كنت خايفة… كنت بخاف عليكم…
خايفة يخرب حياتكم… يخرب سمعتكم…
كنت بحاول أحميكم، والله العظيم كنت بحميكم!
ريما (صرخت بسخرية موجوعة):
مـــين قالك إن حماية حياتنا تبقى على جثث الناس؟!
مين قال إن السكوت على الجريمة يحمي؟!
ده خراب… ده ظُلم… ده موت!
وإنتي اخترتي تقعدي جنبه…
اخترتي تسكتي…
اخترتي تبقي زيه!
يحاول سليم إمساك بذراع أخته لتخفيف حدتها، لكنها تنفض يدَه.
يتقدم سليم خطوة، وجهه جامد، صوته بارد كالجليد… أقسى من صراخ ريما بكثير.
سليم:
ماما…
لو كنتي فاكرة إن سكوتِك كان تضحية… فهو كان جبن.
وقاحة كمان.
وقاحة إنكِ كنتي بتتعاملي كإنك أمّ صالحة وانتي بتخبّي ظُلم أبويا.
وقاحة إنكِ كنتي تعرفي مين اللي خطف أختي وفضلتي ساكتة.
جسد نرمين يهتز من شدة الصدمة، كأن كلمات ابنها تضربها بقسوة لا تتحملها.
نرمين (بصوت مخنوق):
سليم… ما تقولش كده…
أنا… أنا أمّكم…
سليم (بحقد واضح):
أمّ؟
الأم تحمي… مش تتواطى.
الأم تقاتل… مش تسكت.
إنتي مش أم.
إنتي كنتي جزء من كل اللي حصل.
تنفجر ريما ببكاء غاضب، ثم ترفع رأسها وتصرخ:
ريما:
أنا…
من اللحظة دي…
أنا معنديش أم!
ولا أب!
إنتو الاتنين… ماتوا بالنسبة لي.
سمعاني؟
أنا يتيمة…
يتيمة لأنكم اخترتوا الجُبن… والشرّ… والسكوت!
تطلق نرمين شهقة عالية، كأن قلبها توقف. تضع يدها على صدرها وتترنح للخلف، تبكي بصوت يقطع القلب.
نرمين:
ريما… بالله عليكي…
ما تقطعينيش كده…
أنا… أنا كنت بضيع… كنت بعيش في خوف كل يوم…
أنا غلطت…
بس كنت بحافظ عليكم… صدقيني.
ترفع ريما يدها في وجهها بقرف ورفض كامل.
ريما:
متقربيش…
لو سمحتي…
متقربيش مني.
مبقاش ليا علاقة بيكي…
ولا عايزة أعرفك.
تجثو نرمين على ركبتيها فجأة، تبكي بطريقة مفزعة… الناس في الممر ينظرون بدهشة.
نرمين (تبكي وهي تنظر لهما):
سامحوني…
أرجوكم…
أنا ضيّعت كل حاجة…
بس أنتوا ولادي…
ولادي يا سليم…
ولادي يا ريما…
يتجمد سليم للحظة… لكنه يستعيد قسوته بسرعة.
سليم:
لآخر مرة…
إحنا مش ولادك.
ولادك الحقيقي… هما خوفك… وسكوتك… وجريمة أبويا.
ثم يمسك ريما من ذراعها.
سليم:
يلا يا ريما… تعالي.
ما تستاهلش كلمة زيادة.
تمرّ ريما بجانب أمها دون أن تلتفت… كأنها تمرّ فوق أطلال ماضيها.
أما نرمين… فتظل على الأرض، تبكي بكاء امرأة فقدت كل شيء دفعة واحدة…
زوجها في السجن، أبو أولادها مجرم…
أبو زوجها في العناية…
أولادها تبرأوا منها…
والخوف الذي كانت تهرب منه… انفجر عليها دفعة واحدة.
تضع رأسها على يديها… وتهمس منهارة:
نرمين:
سامحوني…
يا رب… سامحوني…
ويستمر صدى بكائها في الممرّ… بينما يبتعد سليم وريما بلا رجعة.
********************
أمام غرفة العمليات، بعد دقائق من خروج نرمين من عند ريما وسليم
الممرّ مشحون بالألم.
حور تقف في حضن أخيها التوأم مازن، تبكي بصمت مرير… وملك تمسح على ظهرها.
نادين واقفة مثل جبل، ملامحها صلبة.
آدم يقف جانبًا وذراعاه متشابكتان، عيناه زائغتان بين باب العمليات ووجوه من حوله، الغضب والقلق يشتعلان فيه.
وفي منتصف هذا الجو الخانق… تظهر نرمين.
خطواتها ثقيلة. وجهها مبلل بالدموع، وأنفاسها متقطعة بعد المواجهة مع ولديها.
مجرد أن ظهرت… تغيّر الجو بالكامل.
حور رفعت رأسها، ورأت نرمين.
تجمّد جسدها… ثم فجأة، مثل انفجار بركان مدفون منذ سبع سنوات، صرخت:
حور (بأعلى صوتها، صرخة موجوعة تُخرج كل قهرها):
إنتـــــــي؟؟؟؟
إنتي جاية هنا تعملــــي إيه؟؟
ترتجف نرمين، تتوقف مكانها.
نرمين (تحاول الاقتراب):
حــور… أرجوكي… اسمعيني بس لحظة—
تهوي عليها نظرات الجميع مثل سكاكين.
مازن يشدّ حور من كتفها محاولًا تهدئتها… لكنها تزيحه وتقترب خطوة.
حور (بغضب مرعب):
تبعدي!
ماتقربيش مني ولا من المكان ده!
إنتي آخر إنسانة ليكي وش!
آخر واحدة تتكلمي!
تنزل دموع نرمين دون توقف.
نرمين:
أنا غلطت… بعترف… بس—
حور (تقاطـعها بصوت مزلزل):
غلطـــتي؟؟
ده اللي عندك؟
“غلطت”؟
ده اسمه غلط؟ ولا اسمه خيانة؟
خيانة يا نرمين!
خيانة مش بس لزياد…
ولا لليل بس…
خيانة ليا أنا!
أنا!
أنا اللي كنت بحسبك أختي!
تتجمد نرمين من شدّة الكلمات.
حور (بصوت يرتجف من القهر):
كنتِ بتدخلي بيتي…
كنتِ بتحضني بنتي…
وانتي عارفة مين اللي خطفها!
عارفة مين اللي ضيعها!
عارفة إن جوزك ونديم هما اللي لعبوا في دماغ عاصم!!!
وانتي ساكتــــة!
ساكتة وبتبصي في وشي كل يوم!
تصدر شهقة من ملك، التي تضع يدها على فمها… بينما يُخفض مازن عينيه بصدمة، والغضب يحرق وجه آدم.
نرمين تنهار تمامًا، وتخطو خطوة إلى الأمام كأنها تستجدي الرحمة.
نرمين (تبكي بانهيار مفزع):
حور… بالله عليكي…
كنت بخاف… كنت بخاف من مراد…
كان بيهددني…
ماقدرتش… ماقدرتش أتكلم!
ترفع حور يدها في وجهها بقرف شديد.
حور:
أنا كنت بقول عليكي أختي.
أختي اللي عمري ما اتخيّل إنها تجرحني.
لكن طلعتي…
أسوأ من مراد نفسه.
تشهق نرمين، وكلمات حور تكسرها تمامًا.
يحاول مازن التدخل:
مازن:
حور… كفاية…
لكن حور تزيحه مرة أخرى، والدمع ينهمر على خدّيها كالنار.
حور:
إنتي كنتي شايفة زياد بيتدمّر قدامك… شايفة ليل بتتخطف…
وكنتي بتطبطبي عليّ وأنا بعيّط…
وانتي… الـنـيّـة جواكي سودا!
ليه؟
ليه يا نرمين؟
ليه عملتي كده؟
ليه خنتيني؟!
تغطي نرمين وجهها بيديها وتصرخ باكية:
نرمين:
سامحيني… بالله عليكِ سامحيني…
أنا… أنا كنت بضيع…
ماكنتش عارفة أعمل إيه!
آدم (ببرود قاتل):
لا.
إنتي كنتي عارفة… ومختاراه.
المجرم مش بس اللي بيعمل…
المجرم كمان اللي بيسكُت.
تنظر إليه نرمين بانكسار.
نادين تهز رأسها بازدراء واضح:
نادين:
أنا عمري ما هنسى إنكِ كنتي ساكتة على اللي اتعمل في بنت زياد…
وعارفة إننا بندور في الهوا.
سكوتك… قتلها زي اللي خطفها.
يبتعد الجميع خطوة عنها… وكأنها أصبحت شيئًا ملوثًا دون قيمة.
تحاول نرمين الاقتراب من حور، لكن حور تصرخ:
حور:
تبعدي!!!
لو سمحتي… تبعدي.
أنا… مش عايزة أشوفك.
ولا هسامحك.
ولا حتى هترحمي من نظرة واحدة مني.
تتوقف نرمين… ثم تتراجع خطوة للخلف… ثم خطوة أخرى…
عيناها تبحثان عن أي أحد قد يرحمها.
لكن جميعهم ينظرون لها باحتقار.
مازن… ملك… آدم… نادين… حتى الممرضات اللاتي شهدن الكلام يشيحن بوجوههن.
لا أحد يقترب.
لا أحد يواسي.
لا أحد يشفق.
فتسقط نرمين على ركبتيها في وسط الممر، تبكي بصوت يقطع القلب… دون أن يتحرك أحد اتجاهها.
نرمين (بصوت متكسر):
سامحوني…
يا رب سامحوني…
أنا… أنا مش قادرة…
مش قادرة أشيل ده لوحدي…
ولا أحد يرد.
ولا أحد ينظر.
تظل منهارة على الأرض…
بينما يقف الجميع حول باب العمليات… ينتظرون مصير زياد…
ويتركون نرمين خلفهم، كأنها لم تكن يومًا جزءًا من حياتهم.
********************
الكل واقف… الأنفاس محبوسة… صمت ثقيل يخنق الممر.
باب العمليات يُفتح ببطء.
يظهر الطبيب الجرّاح، ملامحه مرهقة لكن ثابتة.
ما إن رأته حور حتى شهقت ووضعت يدها على قلبها، ومازن شدّ ذراعها بخوف، وملك أمسكت يديه الاثنين، آدم ونادين تقدّما خطوتين إلى الأمام.
الطبيب:
أهل المريض… زياد الزهراوي؟
يجيب مازن بسرعة:
مازن:
إحنا… إحنا هنا يا دكتور.
زياد عامل إيه؟!
الطبيب يزفر ببطء… يزيل الكمامة… ثم ينظر إليهم.
الطبيب (بهدوء مطمئن):
الحمد لله…
زياد تجاوز مرحلة الخطر.
تسقط حور على الكرسي خلفها وهي تبكي بصوت عالٍ، وانحنى مازن فوقها يحتضنها بقوة، أما ملك فانهارت من البكاء ووضعت وجهها بين يديها.
آدم أغمض عينيه لحظة طويلة… ثم قال بصوت مرتجف:
آدم:
الحمد لله… يا رب ألف حمد وشكر ليك.
نادين تمسح دموعها خلسة رغم صلابتها، وتغمغم:
نادين:
كنت عارفة… كنت عارفة إنه هيقاوم.
الطبيب يكمل:
الطبيب:
الحادث كان خطير جدًا… نزيف داخلي، وكدمات في الصدر، وشرخ في الضلوع.
لكن… جسمه استجاب بسرعة بشكل ما شاء الله.
هيفضل في العناية المركزة كام يوم تحت المراقبة… وبعدها نقرر باقي الخطوات.
الدموع صارت تنزل من عيون الجميع بلا توقف.
حور تقف بصعوبة… تتشبث بذراع مازن… ثم تقترب من الطبيب.
حور (بصوت منهار لكنه ممتن):
أنا… أقدر أشوفه؟
أرجوك يا دكتور… لو حتى دقيقة…
لو حتى من ورا الزجاج… بس أشوفه… أتأكد إنه عايش… أرجوك.
ينظر الطبيب إلى حالتها… ثم يلين صوته.
الطبيب:
مسموح لحد واحد بس يشوفه من ورا الزجاج…
هو لسه تحت تأثير المهدئات ومش هيفوق قريب.
بس… أيوه، تقدري تشوفيه.
تنفجر حور ببكاء مرتفع… لكنها هذه المرة دموع حياة… دموع عودة الروح.
مازن (بابتسامة باكية):
روّحي له يا حور…
روّحي… ده مستنيك حتى وهو مش واعي.
تضع ملك يدها على كتف حور وتشجعها:
ملك:
روّحي…
قولي له إننا هنا… وإنه رجع لينا.
يتقدّم آدم خطوة نحو الطبيب:
آدم:
دكتور، زياد هيقدر يسترجع وعيه امتى تقريبًا؟
الطبيب:
ماقدرش أحدد… ممكن ساعات… وممكن يوم أو يومين.
لكن المهم… إنه في أمان دلوقتي.
يهز آدم رأسه بامتنان شديد.
آدم (بصوت خافت لكنه يحمل قسمًا):
الحمد لله…
وحقه… مش هيضيع.
اللي عمل الحادث ده… هيدفع تمنه.
يلتفت إلى نادين، فتومئ برأسها:
نادين:
لحد آخر خيط… هنوصله…
ومش هنسمح لحد يلمس زياد تاني.
… تتقدّم حور وحدها نحو غرفة العناية، خطواتها ترتجف… قلبها يسبقها…
وتضع يدها على الزجاج… وتنظر إلى زياد الراقد وسط الأجهزة.
تنهار مرة أخرى… لكن هذه المرة…
لأن الحياة رجعت لها.
ألمانيا / فيلا رامي السيوفي – الصبح
البرد داخل من الشبابيك، نور خفيف بيعدّي من ورا ستاير غامقة تقيلة.
ليل بتفوق فجأة من نومها، متنفضة، نفسها عالي وعرق على جبينها. عنيها تايهة… بتدور على وشّ واحد بس: عاصم. بتحاول تستوعب هي فين… وساعتها تفتكر الكابوس: عربية مقلوبة، صريخ… ودم على الأسفلت.
صدرها طالع نازل بسرعة. تبص على الكنبة اللي قصاد السرير، اللي دايمًا عاصم بينام عليها… تلاقيها فاضية.
سكون تام. بس قلبها… كان بيخبط.
ليل (بصوت واطي مرتبك): "عاصم…؟"
تبص حواليها كويس. مافيش أي أثر له. تقوم واقفة، تفرك دراعيها كإن برد ضربها فجأة. تقرّب بخطوات مترددة ناحية الكنبة، تلمس المخدة كأنها بتتأكد من حاجة مش فاهمة هي إيه.
ليل (بغضب مكبوت، تكلم نفسها): "خرج… من غير ما يقول كلمة؟! يمكن أصلاً مش في الفيلا…"
تلف وشها بسرعة، كأنها اتفضحت قدام نفسها. تمشي للمرآة، تبص في عنيها اللي منفّخة من أثر كابوس… يمكن ماكانش مجرد كابوس، يمكن خوف بيطاردها.
ليل (تخبط أديها على التسريحة بعصبية): "هو ليه يهمّني راح فين؟! ده خطفني! بوّظ حياتي! كنت هرتاح شوية لو الكوابيس اللي جتلي مش منه أصلاً!"
تروح رايحة جاية في الأوضة، تتذكّر إيده امبارح لما صحيّها وهي مفزوعة… طريقته الهادية وهو بيهديها، رغم دموعها اللي كانت بتكره إنها تبان قدّامه.
يطلع صوتها متردد، مكسور:
ليل: "كان… كان ممكن يسيبني أصحى لوحدي… ليه قعد جنبي؟"
تقف مكانها… كأن كلامها صفعة على وشها. تبص للفراغ… وتضحك ضحكة قصيرة مليانة قهر.
ليل (بتكلم نفسها بصوت أعلى): "إيه يا ليل؟! إيه اللي بتفكّري فيه ده؟! انتي ناسيه إنه السبب؟! لو كنتي عند أهلك… عند بابا… ماكنتيش هتعيشي الكابوس ده!"
تروح للستارة، تفتحها بعصبية، ضوء الشمس يلسع عنيها. تحضن نفسها بإيديها، وصوتها يبقى شبه دعاء:
ليل: "يا رب… بس يكون بابا بخير…"
تغمّض عنيها… وفكرة تانية تزحف لعقلها:
"ويا رب… يرجع عاصم؟"
تفوق لنفسها بسرعة، وترفض الفكرة بقسوة:
ليل (رافضة، تهز راسها): "إيه خصّني بيه؟! الله لا يردّه… يروح وما يرجعش! يا رب يختفي من حياتي للأبد!"
تاخد نفس طويل… وبصوت ضعيف قوي، كلمة خرجت غصب عنها:
ليل (همس مكسور): "…بس لو فعلاً مشي… ليه الأوضة فاضية أوي كده؟"
دقّ خفيف على الباب.
صوت نيروز من برّه، هادي ومراقب: "ليل… صحّيتي؟ لو عايزة انزلي نتفطر تحت… و… ماتقلقيش، رامي موجود."
ليل تتجمّد لحظة… كأن الاسم اللي ما اتقالش، هو الاسم اللي مالي تفكيرها.
قبل ما ترد… تبص للكنبة نظرة أخيرة.
ليل (بغيظ دفاعي، تكلم نفسها): "غاب؟ أحسن! أحسن لي وله… يا رب ما أشوف وشّه النهارده!"
تفتح الباب… لكن قلبها كان واقف مستني صوت خطوات حافظاها. ومش عايز يعترف بده.
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
رائحة العيش اللي لسه خارج من الفرن مع ريحة القهوة مالية الصالة الواسعة.
رامي قاعد على الترابيزة الكبيرة، ماسك ملف أمني وبيقلب فيه من غير ما ينطق.
سليم القيصري بيسكب الشاي لـ نيروز من غير ما يرفع عينه عليها، زَيّ طبعه دايمًا: هادي، قليل كلام.
بيجاد قاعد جنب ربى على كرسيّه المتحرّك، بيقطّع لها فاكهة بهدوء، ويحطّها في الطبق قدّامها بابتسامة دافية كأنها نسمة صبح.
ليل تنزل السلم بخطوات حريصة، ملامحها باينة عليها آثار ليلة مش سهلة.
تتوقف لحظة قبل ما تقرّب من السفرة.
سليم ينتبه لها الأول، يرفع راسه:
سليم: صباح الخير… تعالي يا ليل اقعدي.
نيروز تبتسم ابتسامة خفيفة مليانة لطف:
نيروز: عملتلك شوكولاتة سخنة… زي ما بتحبي.
ليل تقعد، تبصّ للجميع بنظرة سريعة… وفي نظرتها سؤال عن حدّ هي مش عايزة تعترف إنها مستنياه.
بيجاد يلّقط الإحساس ده، بس ما يتكلمش.
رامي يقفل الملف بهدوء خبث مخابراتي متعوّد يقرا العيون:
رامي: شكلك ما نيمتيش كويس.
ليل تردّ بسرعة، بنبرة فيها دفاع عن النفس:
ليل: لو مستنين أعرفكم ليه… فأنا نفسي مش فاهمة.
(تبصّ على الترابيزة) هو… عاصم فين؟
تتبدل النظرات بين الموجودين.
مفيش حدّ عنده إجابة واضحة.
سليم يرفع حاجبه:
سليم: ما شفناهوش من الصبح… يمكن خرج يتمشى شوية. إنتِ عارفة طبعه… دايمًا مزاجه عامل زي الغاز.
بيجاد يحط الشوكة على الترابيزة، ويقول بهدوء:
بيجاد: لو كان طلع لمهمة ولا راح لمكان مهم… كان قال. عاصم مش من النوع اللي يختفي كده من غير ما ينطق.
ليل تلفّ وشها بسرعة، وتتكلم بنبرة شبه باردة:
ليل: ولا يهمّني… يمكن خرج يولّع دماغه شوية… يستاهل.
لكن آخر كلمة خرجت بنبرة مهزوزة… ما فاتتش على نيروز اللي اكتفت تبصلها بنظرة تعاطف.
بعد ثواني، فجأة تقول ليل:
ليل: طيب… وخالي أدهم؟ وجميلة؟ ما شفتهمش النهارده؟
رامي يسكت شوية قبل ما يردّ:
رامي: أدهم وجميلة رجّعوا مصر… سافروا قبل الفجر.
ليل تتجمّد… كأن في حاجة وقعت جواها.
تمسح على ركبتها بإيدها، تحاول تثبّت نفسها:
ليل (بصوت واطي مكسور شوية): رجّعوا…؟ من غير ما أشوفهم؟ أنا… كنت محتاجة أشوف خالي.
ربى تمدّ إيدها وتربّت على يد ليل بحنان.
بيجاد يبتسم لها، داعم:
بيجاد: أكيد كان عندهم ظرف مهم. ومين عارف؟ يمكن يرجعوا في أي وقت.
سليم يميل لقدّام، وصوته يبقى جدّي: ولو عايزة أكلمهم أطمنهم عليكي… أكلمهم دلوقتي.
رمش عين ليل يرتعش… وصوتها يطلع ضعيف عن اللي كانت ناوية تقول:
ليل: لا… بلاش.
تشرب من الكوب ببطء، ثم تهمس:
ليل: كل واحد بيروح… وأنا اللي قاعدة هنا.
رامي يراقبها بنظرة قادرة تشوف اللي ما يتقالش، وبهدوء يقول:
رامي: إنتِ مش لوحدك يا ليل. مهما اختلفنا… إحنا هنا علشان نحميكي. كلّنا.
ليل ترفع عينيها ليه، وبعدين تبصّ لوشوش الباقيين…
وفي الآخر تستقر عينها على الكنبة الفاضية اللي ورا السفرة، كأن ظل واحد كان دايمًا قاعد عليها.
تتنفس ببطء:
ليل (تتمتم): … ربنا يستر.
وماحدّش يعلّق.
بس كلهم… فهموا أكتر مما هي قالت.
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
في مصر — المستشفى / قدّام جناح العناية المركّزة
الممر طويل… الجدران بيضا لدرجة الوجع، وريحت المطهّر خانقة.
ورا الزجاج، زياد نايم في العناية… الأجهزة حواليه ترسم الخط اللي بين الحياة… والموت.
برا… العيلة كلها مجتمعة:
حور قاعدة وحاطة راسها بين إيديها.
مازن وملك جنبها، وآدم واقف متجهم، عنيه بتلف في كل مكان وما بتهداش.
نادين في الركن، زين اللي واقف زي أسد صغير بيغلي غضب.
سليم الشرقاوي جنبه، عضلات فكه ماسكة وقهره باين.
ريما تمسح دموعها في صمت خنّاق.
رؤى حضنة ادهم و مازن الصغيرين
وفجأة… تتسمع خطوات جاية من آخر الممر.
الكل يلفّ…
عاصم.
واقف… مرهق، شكله شايل سنين مش شهور.
ورا منه أدهم وجميلة.
لحظة صمت… خانقة.
وفجأة يشتعل الغضب.
زين هو أوّل واحد يهجم، صوته بيشق الممر:
زين: ليل فين؟! هااا؟! فينها يا جبان؟!
قبل ما يوصل له، يكون سليم سبق وضرب عاصم في كتفه بقوة:
سليم: سبع شهور! سبع شهور وهي تايهة! إزاي عملت كده؟!
زين يدفعه المرة دي ويضربه هو كمان:
زين: ده كان بيعتبرك ابنه! عمي زياد كان بيحبك أكتر من اسمه! دي مقابلتك؟ تخطف بنته؟!
عاصم ما بيدافعش.
واقف يتلقى الضرب… ما رفعش إيده. في عينه حاجة بين الذنب والانكسار.
أدهم يتدخل بسرعة ويمسك زين:
أدهم: خلاص! كفاية يا زين!
زين يصرخ وهو بيحاول يفلت:
زين: سيبني! سيبني أقتله! ليل كانت أختي!
سليم الشرقاوي يلهث من الغضب:
سليم: لو حصَل لها حاجة… والله يا عاصم لتدفع التمن!
حور تقف… ببطء، لكن بخطوات ثابتة.
تتقدم ناحيته… عينيها مولّعة دموع:
حور: عمري ما فرّقت بينك وبين ولادي… ربيتك في بيتي… كنت أقول "ده ابن خالد… ابن أخويا".
(ترتعش شفايفها)
حور: ليه؟ جاوبني يا عاصم… ليه؟!
عاصم ينكس راسه، صوته مبحوح:
عاصم: كنت… أعمى. لعبوا بعقلي… صدقت إن عمي زياد قتل رائد. كنت عايز حق أخويا… كنت فاكر إني بانتقم له.
رؤى تضحك ضحكة موجوعة:
رؤى: حق؟! تخطف أختي وتحبسها شهور؟! دي عدالة؟!
ملك تهمس:
ملك: يا رب… ارزقنا الصبر.
آدم يتقدّم ببطء… صوته هادي لكنه جارح:
آدم: عارف أكتر حاجة محرقاني؟
مش خطفك لليل… ولا انهيار أمّها… ولا إن زياد بين الحياة والموت…
القهر إنك كنت ابن خالد… وخالد مات وهو بيقول لنا "بالله عليكم… خلّوا بالكم منه".
(يقرب منه)
آدم: لو رجع دقيقة بس… تفتكر يقولّك إيه؟
عاصم يرمش… صوته مكسور:
عاصم: عارف… وأستاهل كل كلمة وكل ضربة… بس ليل بخير. حاميتها… وراجعة لكم. بوعدكم.
حور تصرخ:
حور: مش عايزة وعد! عايزة بنتي!
(تكتم شهقة)
حور: قُول… ليل فين؟!
صمت… ثقيل.
يرفع عاصم رأسه:
عاصم: في أمان… عند ناس تثقوا فيهم.
ومحدش يقرب لها… غير لما نخلص من مراد… للأبد.
آدم يضيّق عينه:
آدم: مراد موضوع… وحسابك انت موضوع تاني. ولسه ما خلصش.
عاصم بثبات:
عاصم: عارف. ومستعد.
حور تنهار في بكاء…
مازن يحتضنها…
ريما تبكي في صمت…
سليم يضرب الجدار…
زين ينظر للأرض عشان ما ينهارش.
أدهم يلمس كتف عاصم:
أدهم: الخطوة الجاية… نقفل حساب الوحش الأكبر. مراد ما سبّش غير خراب. ولازم نهايته تجي.
عاصم يردّ بصوت منخفض لكنه حاسم:
عاصم: المرّة دي… مفيش رحمة.
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
حور رجِّعت خطوة لورا، نفسها بقى يتسحب كإن shock متأخر ضرب قلبها لسه دلوقتي. بصّت لأدهم… وبعدها لعاصم… ورجعت تبص له تاني.
حور (بصوت مبحوح، مليان وجع قبل الغضب):
أدهم… إنت جيت معاه؟
كنت معاه؟
كنت واقف جنبُه وهو… وهو خاطف بنتي؟!
الصمت وقع على المكان زي حجر تقيل. جميلة بصّت لجوزها بقلق، ورؤى شهقت وحطّت إيدها على بقّها مش مصدقة.
مازن قرب من أخته:
مازن: حور… اهدي شوي–
بس هي رفعت إيدها بحدّة، مانعة أي كلمة.
مشيت ناحيته خطوة بخطوة… خطوات كلها زلزال:
حور: قولّي إنك ما كنتش شريك في وجعي…
قولّي إنك ما كنتش تعرف إن بنتي كانت محبوسة…
قولّي إنك ما وقفتش قدامها… وما شفتش دمعتها!
أدهم بصّ لها بعين مكسورة تعبت من الحقيقة اللي شايلها:
أدهم: شفتها… يا حور.
الكلمة كانت زي صفعة.
حور تراجعت ورفعت إيدها لقلبها كإنّه اتضرب ضربة ما تتصلحش.
حور (صوتها بيتكسر):
شفتها… وواقف هنا؟!
سبع شهور وأنا بموت كل يوم… وانت ساكت؟!
جميلة حاولت تتكلم، صوتها مهزوز:
جميلة: حور… بالله اسمعينا، الموضوع ما كانش–
حور (بتصرخ):
بالله؟! بالله يا جميلة؟
أنا خلص… قلبي ما بقاش يستحمل كلمة "بالله"!
أنا أُم! بنتي اتخطفِت سبع شهور… سبع شهور من روحي!
سليم الشرقاوي بصّ لأدهم بذهول:
سليم: إنت كنت تعرف مكانها كل دا؟!
زين زمّ شفايفه من الغضب:
زين: وإحنا بندوّر في الدنيا… وإنت ساكت؟!
آدم كان واقف ساكت، بيراقب أدهم بعين ضابط مخابرات، يحسب كل كلمة.
أدهم تنفّس بعمق وقال:
أدهم: أيوه… كنت عارف مكانها.
وكنت بزورها… وبسهر جنبها.
وكنت بشوف خوفها… وحزنها… ونارها اللي بتناديكم ومابتلاقوكوش.
وأنا… أنا اتحرقت معاها.
رؤى دمّعت:
رؤى: بابا… ليه ما قلتِش لينا؟ ليه سبت ليل لوحدها؟
أدهم:
عشان لو اتكلمت… مراد كان هيصفي كل دليل.
وكان شايف إن زياد هو صيده الأكبر… وبنته السلاح اللي هيوقعه.
كان لازم أدخل من أوسع باب… وأوقعه بإيده.
مازن (غاضب):
طب! ولو ليل ماتت؟
العدالة تستاهل حياتها؟!
أدهم (بحرقة):
ما كنتش هسيبها يحصل لها حاجة…
ولا كنت لوحدي.
عاصم… رامي… بيجاد… سليم القيصري… كلهم كانوا معايا.
أنا ما خنتكوش… أنا كنت بحارب بطريقتي.
حور تمسح دموعها بإيد مرعوشة:
طب… ليه ما جيتليش؟ أنا أختك!
كنت هاشيل السر معاك… كنت هاقف جنبك…
ولا انت شفتني ضعيفة؟
سكت الكل… وجع تقيل.
أدهم خبط على صدره بقوة:
أدهم: حور… إنتي أقوى مننا كلنا!
بس لو عرفتي… كان قلبِك هيضيع.
وكنتي هتجري لليل… وتقتلي نفسك عشانها.
وأنا… أنا كنت محتاجك تفضلي واقفة!
عشان لو وقعتي… كنت أنا اللي هضيع.
حور انهارت على أقرب كرسي…
جميلة حاولت تمسك إيدها، لكن حور سحبتها ببطء… عتاب موجوع من غير صوت.
آدم يخطو خطوة للأمام:
آدم: قبل ما نحكم… نسمع الخطة كاملة.
مراد مش عدو بسيط… والكلام دا ما يخلصش بسهولة.
سليم الشرقاوي:
بس ليل كانت الضحية… ومش سهل نعدّي دي.
عاصم يتكلم أخيرًا، صوته واطي:
عاصم: وأنا… مستعد أدفع تمن كل دا… للآخر.
بس لازم ليل ترجع.
آدم (بنبرة حادة):
وهتدلّنا على مكانها… مهما كان التمن.
عاصم:
هَدَلّكم… وأول حد يشوفها لازم يكون زياد.
ده وعد.
حور ترفع راسها بصعوبة:
رجّعولي بنتي…
وبعدها… نتحاسب برواقة.
سكت الممر…
مش صمت كراهية بس،
ده صمت حرب جاية.
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
في زنزانة مراد الشرقاوي – نص الليل
الحيطان الرماديّة بتقرّب عليه كإنها هتبلعه…
بيمشي رايح جاي جوّا الزنزانة زي دِيب اتقفل عليه القفص لأول مرة في عمره.
وشّه شاحب، عينه محمرة، وابتسامة مكسورة مالهاش علاقة بالانتصار…
دي ابتسامة واحد اتسحبت منه آخر خيوط السيطرة.
مراد (بيرزع على باب الحديد):
افتحوووه!
انتو متعرفوش أنا مين!
أنا مراد الشرقاوي! أنا الآمر الناهي!
مش هقعد هنا! مستحييييل!
يمسك القضبان كإنه هيقلعها باسنانه، نفسه بيتلاحق…
وفجأة يضحك ضحكة مجنونة… ملهاش عقل.
مراد (يصرخ):
زياد فين؟! أدهم فين؟! فين الجبنا اللي فضلوا يتفرجوا عليا وأنا بوقع؟!
زياد… ده أنا كنت صاحبه!
إزاي… إزاي تحبسوني؟!
أنا صنعتكم! أنا اللي عملتكم بني آدمين!
كان نقصكم إيه؟! كلكم كنتوا تحت إيدي!
يسيب القضبان، يمسح وشّه بيحاول يصحى من كابوس مالهش آخر…
خطوات تقرّب… الباب بيتفتح…
جواد داخل بنظرة باردة… مافيهاش ذرة رحمة.
دخول جواد – صوته هادي لكن سام
جواد (ساخر بهدوء):
مساء الخير… أستاذ مراد.
آسف لو صحيّتك من نوم السلطة.
آه صحيح… إنت ما بقاش عندك سلطة تنام عليها أصلاً.
مراد يرفع راسه فجأة، يبص له بعدوان باين:
مراد:
إنت… جواد… تلميذ آدم.
مين سمح لك تدخل زنزانتي؟!
اتعلمت تربي لسانك قبل ما أقطّعهولك؟
جواد يقرب منه، ينزل بعينه لعينه من غير ما يرمش:
جواد:
اللطيف إنك لسه فاكر إن في حد بيخاف منك.
صدقني… حتى ظلك سابك ومشي.
يقرب أكتر… صوته يجمد الدم في العروق:
جواد:
حبيت بس أبلّغك بنتيجة التحقيقات الأولانية:
ملفات… اعترافات… غسيل أموال… خطف… شروع في قتل… تحريض… تجارة سلاح…
وقتل و اغتيال ضباط مخابرات وشخصيات مهمة…
القائمة أطول من ملف كدبك اللي عمرك ما خلصته.
يسكت لحظة… وبوضوح زي السكينة يقول:
جواد:
هتتقدّم للمحاكمة…
والعقوبة المتوقعة بعد دا كله… الإعدام.
مراد جسمه يتشدّ، يتراجع كأنه اتخبط في جدار:
مراد (يصرخ بجنون):
إعـدام؟!!
أنا؟!
أنا ما بتعدمش!
أنا اللي بحاكم! أنا اللي بقرر مين يعيش ومين يموت!
رجّالتي… مراتي… الإعلام… رجال الأعمال… كلهم هيجوا يطلعوني!
أنا مش مجرم!
أنا… كنت بلعب اللعبة!
جواد (بارد):
اللعبة خلصت… وانت طلعت أسوأ لاعب فيها.
مراتك نرمين شهدت ضدك.
ولادك ريما وسليم رفضوا حتى يعيّنوا لك محامي.
مافيش حد بيحارب عشانك يا مراد… ولا حد.
مراد يتصدم… يفتح بقه كأنه اتطعن في صدره:
مراد (هامس زي المجنون):
نرمين… خانتني؟
ولادي… سابوني؟
بعد كل اللي عملته؟
بعد كل اللي بنيته لهم؟!
ينفجر ضاحك… ضحكة هستيرية مخنوقة ببكاء.
جواد (قبل ما يقفل الباب):
كل الطغاة بيقولوا نفس الجملة قبل ما يقعوا:
"بعد كل اللي عملته لهم… سابوني."
نام كويس يا مراد…
الدنيا برّه بتتنفس أول نفس حرّ
يقفل الباب ببطء…
وصوت مراد يتحشرج جوّا الظلام:
مراد:
أنا الإمبراطور… الإمبراطور… أنا… أنا… الإمبـ...
وتسود الصورة على راجل خسر كل حاجة…
وباقي له بس صدى اسمه… في زنزانة محدش بيعترف بيه فيها
رواية في قبضة العاصم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سيليا البحيري
الزنزانة كانت ضلمة… ريحتها وحشة… والرطوبة ماسكة في الحيطان المشقّقة.
اللمبة الصفرا الخافتة واقعة على وش مراد وهو بيتحرك بجنون… عامل زي حيوان أول مرة يتحبس.
كان بيخبط على الباب الحديد بإيديه… يصرّخ… يضحك… يصفر… ويرجع يزمجر.
الباب اتفتح.
خطوات تقيلة… ساقعة… مولّعة غضب.
دخل عاصم.
وقف عند الباب… ماقربش.
إيديه في جيوبه… كتافه مرخيين… وبصّة شماتة ساقعة على وشه.
مراد (وقف مكانه ثواني، بعدها ضحك ضحكة مكسورة):
– آه… الأسد قرر يزور القفص؟
اتفضل يا عاصم… تعالى اتفرّج على اللي عملته فيّا.
عاصم ما اتحركش.
عنيه ثابتة… ناشفة… مافيهاش نقطة رحمة.
رفع دقنه سنة لفوق.
عاصم (بهدوء يخوّف):
– شكلك لسه ما فهمتش…
إنت مش أسد.
إنت جثة واقفة… بس محدش بلغها.
ملامح مراد تصلّبت…
قرب من القضبان ببطء… عروق رقبته نافرة… عنيه حمرا.
مراد:
– اتكلّم عدل… أنا اللي عملتك… وأنا اللي وقفت جنب أبوك… أنا—
عاصم قطعه، بابتسامة صغيرة… قاتلة:
– أبويا؟
أبويا يا مراد؟
ولا تقصد رائد… اللي قتلته؟
سكت مراد.
حاول يخبي الرجفة اللي في عنيه… بس فشل.
مراد (يحاول يتماسك):
– دا… دا كان لازم. رائد كان أهبل… وكان هيبوّظ كل حاجة—
عاصم (ضحكة قصيرة… سودا):
– آه… كان غبي… وكان طيب… وكان أشرف منك بمليون مرة.
وأهم من ده كله…
كان أخويا.
وإنت قتلته.
قرب خطوة… بس الخطوة دي كانت كفاية تخنق مراد.
عاصم:
– وأنا…
والله… ما هنسى.
مراد صرخ وهو بيخبط القضبان:
– وانت خطفت بنت زياد! انت خربت حياته!
انت السبب في اللي حصل له!
عاصم انحنى شوية… صوته بقى سخرية تقيلة:
– وهنا مربط الفرس.
عارف ليه عملت كده؟
عشان نديم… كلبك الوفي…
كان واقف جنبي سبع شهور…
يوسوس…
يغسل دماغي…
يقولي: "زياد قتل رائد".
رفع راسه… والنظرة اللي في عينيه قتلت آخر ذرة كبرياء عند مراد.
عاصم:
– والحقيقة؟
إن اللي قتل رائد…
هو إنت.
إنت اللي خططت… وإنت اللي نفذت…
وإنت اللي ضحّيت بأقرب الناس ليك…
عشان طمعك وقرفك.
مراد صرخ:
– إنت كذاب!
– إنت جا—
عاصم قطع كلامه ببرود مميت:
– زياد… لسه عايش.
والحادث اللي دبّرته؟ فشل.
ودلوقتي…
بيقوم على رجليه… واحدة واحدة…
وعارف حقيقتك.
مراد اتجمّد.
العرق على صدغه ارتعش.
مراد:
– لا… لا… مستحيل…
زياد مات… لازم يكون مات…
عاصم ابتسم… ابتسامة سفّاح هادي:
– لا… وده اللي محرق دمك مش كده؟
إنه لسه عايش… ولسه هيشوف بنته…
وبنته؟
اللي أنا كنت فاكر إني بخطفها عشان آخد حقي…
ما كنتش فاهم إني بأذي أطهر راجل قابلته في حياتي.
قرب خطوة تانية.
عاصم:
– وعلى فكرة…
ولادك؟
ريما؟
سليم؟
سابوك.
كرهُوك.
و مراتك؟ نرمين؟
هربت.
خافت تقعد جنبك ثانية.
مراد انفجر جنان:
– لأ!
– ريما ما تعملش كده!
– سليم ده ابني!
– نرمين ما—
عاصم رفع إيده وقطعه:
– حتى نديم… الوفي بتاعك…
سافر.
سبّك.
زيّك زي كل الناس.
سكت…
وسكوته كان أقتل من الكلام.
مراد صوته اتكسر لأول مرة:
– عاصم…
إنت مش فاهم…
أنا… أنا كنت بحميكم…
كنت—
عاصم:
– كنت بتحمي مين؟
نفسك؟
ولا سلطتك؟
ولا جنانك اللي خلاك تقتل صاحب عمرك… وخالد… أحسن الناس؟
مراد غمض عينه… كأنه اعترف جوا نفسه.
عاصم كمل… بنبرة هادية… بس تخوّف:
– خلاص يا مراد…
اللعبة خلصت.
وإنت…
هتقعد هنا… تستنى الحكم.
والحكم؟
مش مستبعد يبقى إعدام.
مراد اتخض:
– لأ…
– لأ… مستحيل…
– أنا مراد الشرقاوي!
– محدش يقدر—
عاصم ابتسم ببطء:
– كان.
كنت مراد الشرقاوي.
دلوقتي؟
إنت رقم… في سجن…
ومحدش هيقراه.
استدار…
فتح الباب…
وقف لحظة من غير ما يبص وراه.
عاصم:
– ورائد؟
أنا هريح قلبه.
ووعد…
حقه جاي.
على مهَل… بس جاي.
خرج.
وساب مراد يصرّخ…
يخبط…يعيط…يضحك…ينهار…ومحدش بيرد.
********************
في المركز الطبي – ألمانيا، الساعة 10 صباحاً
ضوء النهار يدخل عبر النوافذ الكبيرة، رائحة معقّمات خفيفة، وأصوات خطوات المرضى والأطباء تمتزج في الممرات.
بيجاد كان يدفع كرسي ربى المتحرك ببطء… بطمأنينة.
عيناه مسمرتان عليها أكثر مما هما على الطريق.
وربى… كانت يداها على حِجرها، أصابعها ترتعش بخجل، وعيونها تتجنب النظر إليه كلما لمحته ينظر إليها بمحبة واضحة.
دخل الاثنان غرفة العلاج الطبيعي.
طبيب شاب ألماني، اسمه الدكتور مارتن، نهض مرحّباً.
مارتن (بالإنجليزية، بنبرة لطيفة):
– صباح الخير ربى… صباح الخير سيد بيجاد.
اليوم نبدأ أول جلسة.
هي مش هتكون سهلة… لكن مع الوقت… رح نقدر نشوف تقدم.
بيجاد ابتسم بثقة:
– إحنا جاهزين…
وهي أقوى من اللي تفكر فيه يا دكتور.
ربى رفعت نظرها لبيجاد للحظة…
ثم خفضته بسرعة، ودفء صغير مرّ في عينيها.
مارتن:
– ممتاز… اليوم نركّز على تحريك العضلات وإعادة استجابة الأعصاب.
لكن أهم عنصر… هو الدعم العاطفي والنفسي.
وهنا… أنت يا سيد بيجاد… لازم تكون كتفها.
بيجاد يضع يده على مقبض الكرسي، صوته منخفض… صادق:
– أنا كتفها… وضهرها… وكل شي تحتاجه.
ربى أغمضت عينيها للحظة… كأن الكلمات لمست شيئاً مكسوراً فيها.
مارتن بدأ تجهيز الحزام والمعدات.
ثم اقترب من ربى:
مارتن:
– ربى… اليوم رح نحاول نوقف لدقيقتين فقط.
لو حسّيتي بألم… إشّري بإيدك.
ربى حرّكت إصبعاً قليلاً كعلامة موافقة.
بيجاد انحنى أمامها، مستواه قريب من مستوى وجهها، نظر مباشرة في عينيها.
بيجاد (بنعومة):
– لو خايفة… قولي.
لو متوترة… قولي.
ولو موجوعة… همس بإصبعي وأنا هوقف الجلسة فوراً.
عينا ربى تمتلئان بالدموع… دموع لا يسمعها أحد… لأنها لا تستطيع الكلام.
لكن بيجاد… لاحظ كل شيء.
لمس خدّها بإصبعه، بخفة:
– إياكِ تفكري إنك لوحدك…
من النهار اللي كتبنا فيه الكتاب… صرتِ مراتي…
ومن قبلها بكتير كنتِ روحي.
ربى ارتجفت.
دمعة انزلقت على خدها بلا صوت.
مارتن:
– حسنًا… نبدأ.
ربط الطبيب حزام الدعم حول خصر ربى، وبمساعدة بيجاد رفعوها ببطء.
كانت ترتجف… ركبتاها لا تثبتان… وبيجاد كان ممسكاً بذراعيها بقوة وثبات.
ربى (تهتز، تتنفس بسرعة)
بيجاد يقرب جبينه من جبينها، يهمس:
– أنفاسي أنفاسك…
خدي وقتك…
أنا هنا… هنا يا ربى… مش رايح مكان.
تدريجياً…
استقرت.
وقفت.
لأول مرة منذ ثلاث سنوات… وقفت.
عيناها اتسعتا…
صوت أنفاسها تسارع…
والدموع تنزل بغزارة.
مارتن بابتسامة فخر:
– ممتاز!
هذا إنجاز كبير!
ربى… أنتِ قوية جداً.
لكن ربى لم ترَ الطبيب… كانت تنظر فقط إلى… بيجاد.
بيجاد ابتسم لها… ابتسامة رجل رأى معجزة أمام عينيه.
بيجاد (بصوت مبحوح من التأثر):
– فخور فيكِ…
والله العظيم فخور فيكِ.
ربى رفعت يدها المرتجفة…
وبصعوبة… وضعتها على خدّه.
لم تستطع الكلام…
لكن أصابعها قالت كل شيء.
بيجاد أخذ يدها بين يديه…
وقبّلها برهافة، كأنها شيء مقدّس.
بيجاد:
– وعد…
كل يوم… هنمشي خطوة زيادة.
وكل دقيقة… هكون جنبك.
لحد…
ما ترجعي تمشي…
وتتكلمي…
وتضحكي…
وتعيشي حياتك كلها من جديد.
ربى أغمضت عينيها…
وبكت بصمت…
لكن هذه المرة… كانت دموع رجوع الروح.
مارتن (تأثر صوته):
– أعتقد… يكفي اليوم.
لا نريد إنهاكها.
أعادوها للكرسي بلطف.
وما إن جلست…
حتى أمسكت ربى طرف معطف بيجاد بأصابعها…
تشده قليلًا… كأنها تقول:
"لا تروح… ابقى."
ابتسم بيجاد، جلس على ركبته بجانبها:
– مش هاروح.
ولا ثانية.
ربى ابتسمت… ابتسامة صغيرة، باهتة، لكنها أول ابتسامة حقيقية منذ ثلاث سنوات.
جلستا كفّها فوق كفه، وبيجاد لوهلة شعر أنه…
أخيراً…
رجع بيته.
*******************
في ألمانيا – في كافيه صغير بيبصّ عالنهر – بعد الضهر
البرد الخفيف داخل من ورا الإزاز، وبخار القهوة طالع قدّامهم.
الكافيه هادي، موسيقى بيانو واطية، والناس قلّيلة.
سليم القيصري قاعد ضهره مفروض، وإيديه الكبيرتين ماسكين الكوباية كإنه بيدفيها.
نيروز قصاده… متوترة شوية، صوابعها بتلعب في حافة الفنجان، وعنيها مش قادرة تبصّ في عينه… زي كل مرة.
سليم (يبصلها من الجنب، صوته هادي):
– مش لازم تفضلي ساكتة كده… إنتي بتتوّتري مني؟
عينيها توسع سنة، ونظرتها تقع لتحت عالقهوة.
نيروز (بخجل باين):
– لا… مش توتر… بس… مش عارفة أقول إيه.
سليم يرفع حواجبه سنة، ويبتسم ابتسامة صغيرة نادرة.
سليم:
– قولي اللي يخطر على بالك… إحنا اتنين متجوزين، مش أغراب.
نيروز تتجمد لحظة عند كلمة متجوزين… كإنها لسه مش مستوعباها.
تتنحنح.
نيروز:
– سليم… أنا… مش عايزة أظلمك.
يهزّ راسه بهدوء، كإنه كان مستني الكلام ده.
سليم:
– إنتي لحد دلوقتي شايفاني ضحية؟
تهز راسها بسرعة، متوترة.
نيروز:
– لا! بالعكس… إنت طيب… ولطيف… وبتعاملني أحسن من أي حد.
بس… الجوازة اللي حصلت فجأة… أنا ماكنتش جاهزة أبقى… زوجة… لأي حد.
يبصلها مدة… النظرة فيها حنان غريب، عميق… مش محتاج كلام.
سليم:
– ولا أنا كنت جاهز… بس اللي حصل، حصل.
واللي أعرفه… إني مش هضغط عليكي ولا أستعجل.
نيروز… إنتي بنيّة… تستاهلي حد يفهمك… مش حد يكسرِك.
عيونها تترمش بسرعة… كلمة بسيطة هزّت جواها حتّة ما حدش لمسها قبل كده.
نيروز (بهمس):
– شكراً…
سليم ياخد رشفة قهوة ويحط الكوباية تاني بهدوء.
سليم:
– طب خلينا نبدأ خطوة خطوة… نتعرف على بعض.
احكيلي عن الألماني اللي كان بيزعّق في الأوتوبيس النهارده؟
(يبتسم بخفة)
نيروز تضحك غصب عنها، وتغطي بقها بإيدها بخجل.
نيروز:
– والله ما فهمت منه كلمة… بس كنت متأكدة إنه بيشتم!
سليم:
– أكيد كان بيشتم… وشكلك كنتي مبسوطة إنه مش فاهم إنك مش فاهمة.
تضحك أكتر… ولأول مرة ترفع عنيها تبصّ له مباشرة.
هو لاحظ… وبصته اتغيّرت… كإن حاجة اتحركت جواه.
سليم (بصوت أوطى):
– ضحكتِك حلوة.
خدودها تحمّر في ثانية، وتنزل راسها.
نيروز (مرتبكة):
– سليم…
يميل شوية لقدّام.
سليم:
– إنتي خايفة مني؟ ولا خايفة من إحساس جديد؟
تتجمد.
الكلام دخل للحتّة اللي كانت بتهرب منها أصلاً.
نيروز (بصوت واطي):
– أنا… خايفة أظلمك… وخايفة أظلم نفسي.
سليم يرجع على الكرسي… يقفل إيديه على صدره براحة.
سليم:
– طيب… نعمل اتفاق.
لا ظلم… ولا توقعات كبيرة… ولا استعجال.
يوم بيومه.
وإنتي… كل اللي عليكي… ما تجريش مني.
سيبيني أقرب… وحدة وحدة.
تبصله… تتأمل ملامحه الهادية… القوية… الطيبة.
عارفة إنه راجل ما يقولش كلمة في الهوا.
وإن الحنان اللي في صوته… مش فخ… ولا محاولة إنه يوقعها…
ده صدق.
تهز راسها ببطء.
نيروز:
– حاضر… بس خطوة خطوة.
يبتسم… ابتسامة صغيرة، بس أحلى من اللي بيبينها عادة.
سليم:
– خطوة خطوة.
يمد إيده ناحيتها… مايمسكهاش… بس يقرب صوابعه من صوابعه، كدعوة هادية.
هي تتردد…
وبعدين ببطء شديد… تحط صوابعها فوق صوابعه.
ارتجفتها ما هربتش منه…
وهو ما سحبش إيده.
بس ربّت على صوابعها بإبهامه… برقة… رقة أول مرة تعرفها.
لحظة ساكتة…
بس كانت بداية حقيقية.
*********************
تسحب نيروز يدها بخجل فور دخول زبائن جدد… لكن سليم لاحظ الارتباك الجميل في عينيها.
قبل أن يتحدث، سمع صوتًا حادًا، مبالغًا في النعومة:
"سلييييم؟! يا نهار أبيض… هو إنت؟"
يلتفت سليم ببطء.
تتجمد نيروز.
وتقترب فتاة بشعر طويل مصبوغ بلون فاقع، وملابس لا تناسب برودة ألمانيا على الإطلاق… خطواتها كلها ثقة متصنعة.
ترسم ابتسامة واسعة وتفتح ذراعيها:
رانيا:
"يا جدع! إيه دا؟ إنت هنا؟ في ألمانيا؟!"
سليم (ببرود واضح):
"رانيا… إزيّك؟"
تلتصق به تقريبًا، دون أن تلمسه رسميًا… لكن قربها يكفي لجعل دم نيروز يغلي لأول مرة دون فهم.
تحدّق بها الفتاة من رأسها حتى قدميها… ثم تعود لسليم.
رانيا:
"مش معقول! آخر مرة شفتك من… أربع سنين؟ خمس؟"
سليم:
"تقريبًا…"
تضم شفتيها، تقترب أكثر، وكأنها لم تلاحظ وجود نيروز أصلًا.
رانيا:
"وحشتني يا سليم… على فكرة… كنت دايمًا بقول لنفسي إنك هتفضل سنجل… عشان محدش يليق عليك."
هنا… رفعت نيروز حاجبًا بلا قصد.
كانت صامتة… لكن سليم شعر بغيرتها تتصاعد مثل بخار القهوة.
سليم (يشير بهدوء لنيروز):
"دي نيروز."
تلتفت رانيا بكسل شديد… ونظرة احتقار واضحة.
رانيا:
"صاحبتك ولا الموديل اللي معاك النهار دا؟"
قبل أن ترد نيروز، وقبل حتى أن تلتقط نفسها…
قطع سليم الجملة كالسكين:
سليم (بثبات شديد):
"مراتي."
تتسع عينا رانيا… تصمت لثانيتين، ثم تضحك ضحكة غبية:
رانيا:
"مراتك؟!
إنت بتهزر… دي؟"
تنظر إلى نيروز نظرة من الأعلى للأسفل…
كأنها تقول: هذه؟ هي التي أخذتك مني؟
لكن نيروز — رغم خجلها — رفعت ذقنها قليلًا.
ولأول مرة… شعرت برغبة صغيرة في الدفاع عن مكانها.
نيروز (بصوت هادئ، لكن ثابت):
"اه...مراته."
تضغط رانيا شفتيها غيظًا، وتلتفت لسليم:
رانيا:
"إنت إتجننت؟ الجوازة دي حصلت إزاي؟!
دي بنت… يعني… عادية جدًا!"
قبل أن تتكلم نيروز، جاء صوت سليم منخفضًا… لكنه حاد كالحديدة:
سليم:
"رانيا… احترمي كلامِك."
تقهقه رانيا بسخرية، تتقرب منه أكثر:
رانيا:
"طب بلاش.
وحشتني بجد يا سليم.
واحنا لازم نتكلم… لوحدنا. عندي كلام مهم قوي ليك."
سليم:
"مافيش حاجة محتاجة نتكلم فيها."
ترفع حاجبها… عينها تلمع بخبث.
رانيا:
"دا اللي هنشوفه."
ثم تلتفت لنيروز بابتسامة سمّية:
"اتمتعي باللحظة يا قمر… لأن الجوازات اللي زي دي مش بتكمل."
تشعر نيروز بقلبها ينقبض… لكن قبل أن تتفوه بكلمة — وضع سليم يده على يدها تحت الطاولة بلا تردد هذه المرة.
سليم (بصوت منخفض موجّه لرانيا):
"امشي يا رانيا… قبل ما أغلط فيكي."
تتخشّب… ثم تهز شعرها بتكبّر:
رانيا:
"ماشي…
بس خد بالك يا سليم…
أنا راجعة."
وتغادر بخطوات مستفزة، وهي تلتفت مرتين نحو نيروز بنظرة من الواضح أنها إعلان حرب.
ينتشر الصمت حول الطاولة.
نيروز تنظر لكوبها… تدق بأظافرها على حافته.
تحاول أن تبدو عادية… لكنها ليست كذلك.
سليم (يميل نحوها):
"نيروز؟"
تهز رأسها.
نيروز:
"لا… كويسة… عادي."
يرفع سليم حاجبًا.
سليم:
"عادي؟
إنتي وشِك أحمر… وبتعضّي شفايفك من الغيظ."
تتسع عيناها وتخفي فمها بكفها بخجل.
نيروز:
"سليم… أنا… ما غرت. أبدًا. بس هي… طريقة كلامها…"
يبتسم… ابتسامة صافية، راكزة.
سليم:
"كنتِ غيرانة."
تهز رأسها سريعًا، مرتبكة:
نيروز:
"لا! مش… مش كتير… يعني شوي… يمكن…"
يميل أكثر… صوته ينخفض:
سليم:
"عجبني."
ترتجف أصابعها.
تنظر إليه… وتراه يبتسم لها بطريقة لم يرها أحد منه.
نيروز (بهمس):
"سليم… رانيا شكلها… مش ناوية الخير."
سليم:
"وأنا؟
شايف إني ممكن أسيب حد يضايق مراتي؟"
ترمش… قلبها يطرق صدرها.
نيروز:
"مراتك…؟"
سليم:
"أيوه… مراتي."
يمسك يدها بوضوح هذه المرة…
لا يتركها.
كانت تلك اللحظة بداية شيء مختلف تمامًا…
شيء يشبه الحماية، الغيرة… والحب الذي بدأ يستيقظ بهدوء.
**********************
في – ممر هادئ أمام العناية المركزة – مستشفى في القاهرة
الوقت قرب المغرب…
رائحة المعقمات، همسات المرضى والممرضين، والأجواء المتوترة تذوب تدريجياً بعد خبر أنّ زياد تجاوز الخطر.
الجميع مجتمع، وكأنهم عائلة واحدة محاصرة بالقلق والانتظار.
حور كانت واقفة قرب الجدار، يداها متشابكتان، آثار الدموع ما تزال على وجنتيها…
مازن بجانبها،
ملك تجلس على كرسي،
ريما وسليم يقفان بهدوء،
الجد عبد الرحمن على كرسي متحرك يتنفس بعمق،
وزين يتكئ على الحائط يراقب بصمت.
وفجأة…
يظهر عاصم من نهاية الممر، تعابيره متصلبة، آثار الزيارة لمراد ما تزال ثقيلة على ملامحه.
وبجانبه أدهم وجميلة.
لحظة دخولهم… كل الأنظار اتجهت نحوهم.
لكن هذه المرة… النظرات أقل غضباً، أكثر تعباً، أكثر رغبة بالفهم.
حور تنظر إليه أولاً…
نظرة تحمل 7 أشهر من الألم، وخوف الأم، وانكسارها…
لكنها أيضاً نظرة امرأة فقدت الكثير ....وتحاول أن تتمسك بما تبقى.
عاصم يتوقف أمامها… يتنفس بعمق كأنه يجمع شجاعته… ثم يقترب خطوة.
بصوت هادئ، منخفض، صادق:
«خالتــي حــور…
أنا… آسف.
عارف إن مفيش كلمة هتعوّض اللي فات… ولا وجع ليل… ولا اللي حصل لعمّي زياد.
بس…
سامحيني.
انتِ أكتر حدّ كنتِ بالنسبالي أم… من يوم ما ماما ماتت، وإنتِ كنتِ الحضن الوحيد اللي ما خفتش منه.»
صوت حور يرتجف… لكنها تخفيه بسعال خفيف.
مازن ينظر إليها، ينتظر هل ستنفجر… أم ستلين
بهدوء متعب، بنبرة فيها عتب الدنيا:
«ليه يا عاصم؟
ليه صدّقت أي حد غير زياد؟
ليه ما جيتش لينا؟
ليه سبّت ليل… سبّت بنتي… في خوف سبع شهور؟
ليه خليتني أصحى كل يوم وأنا مرعوبة إنها مش بخير؟»
عين عاصم تلمع…
يتقدم خطوة أخرى…
ينحني قليلاً وكأنه طفل يعترف بخطأه.
«عشان كنت أهبل… وغبي… ومكسور.
رائد كان كل حاجة ليا… ومراد لعب على الجرح ده.
غسل دماغي… خدعني… وصدقته.
بس…
بس أنا صلّحت اللي أقدر عليه.
وهصلّح الباقي…
والوحيدة اللي… نفسي ترضى عني…
هي إنتِ.»
الجميع يلاحظ صدقه… حتى زين الذي كان يكرهه قبل دقائق، يلين وجهه قليلاً.
الجد عبد الرحمن يبتسم ابتسامة خفيفة ويهمس: «الولد طيب…»
حور تنظر لعاصم طويلاً.
نظرة أم تعاتب ابنها… لكنها لم تكرهه يوماً.
ثم فجأة…
تمشي نحوه بخطوات بطيئة…
وترفع يدها…
وكأنها ستصفعه…
لكنها بدل ذلك…
تضع يدها على رأسه… ثم تسحبه نحوها في حضنٍ كاملٍ ومفاجئ.
وهي تضمه بقوة، صوتها ينكسر:
«كنت هافقد اتنين… زياد… وإنت.
وربنا رحم قلبي.»
عاصم يغلق عينيه…
ويحضنها كما لو عاد لطفولته التي فقدها.
أدهم ينظر للمشهد وتختفي عنه توتر الأمس،
مازن يتنهد براحة،
ملك تمسح دموعها،
ريما وسليم يبتسمان بحزن جميل،
زين يغمز للحظة وكأنه يقول: "يستاهل."
الجد عبد الرحمن يرفع يده ويربت على كتف عاصم:
«خلاص… العيلة بتكبر… والغلط بيتصلّح… وإحنا كلنا هنا.»
حور تبعد عن عاصم قليلاً… تمسك وجهه بيديها:
«بس تبقى فاهم…
لو ليل جرالها أي حاجة…
أنا اللي هقف قصادك.»
عاصم
بابتسامة صغيرة، منكسرة:
«حقّك.»
ينحني ويقبّل يدها احتراماً…
ولأول مرة منذ سبعة شهور…
الجميع يشعر أن شيئاً ثقيلاً اتكسر…
وأن العائلة بدأت تُشفى.
*******************
الجميع ما زال واقفاً في الممر… لحظة دافئة بعد أيام من الرعب.
لكن فجأة…
يُسمع صوت حركة غير معتادة من داخل غرفة العناية المركزة.
أجهزة تصدر نغمات مختلفة…
تمتمات سريعة…
ثم صوت طبيبة تنادي:
"دكتور… دكتور! المريض فاق!"
الجميع يتجمد.
حور تفتح عينيها بصدمة، يداها ترتعشان:
«زيـــــاد؟!»
تركض نحو الباب، لكن أدهم ومازن يمسكانها برفق كي لا تقتحم الغرفة.
مازن
«اهدي يا حور… لازم يدخلوا الأول.»
حور
بصوت مخنوق:
«عايزة أشوفه… عايزة أشوفه بس…»
تدخل الطاقم الطبي مسرعاً…
أصوات الأجهزة تعلو للحظات…
ثم باب الغرفة يُغلق، تاركاً العائلة كلها في انتظار يشبه خفقات القلب.
الجد عبد الرحمن يضم يديه ويرفع رأسه للسماء،
ريما تسند ظهرها للحائط،
سليم يشد على يدها ليطمئنها،
زين يتنفس بسرعة،
عاصم يقف مشدوداً، كأنه يستعد لمعركة أخرى.
لحظات ثقيلة…
ثم يفتح الباب.
يخرج الطبيب المسؤول بنظارة طبية وابتسامة طمأنينة واضحة.
«الحمد لله…
الأستاذ زياد… صحته الآن مستقرة تماماً.»
حور تبكي فوراً.
مازن يضع يده على كتفها....في حين اردف الطبيب قائلا
«استيقاظه كان لحظة مهمة… تجاوب، وتكلم بكلمات بسيطة، وهذا مؤشر ممتاز.
بس… محتاج راحة تامة كام يوم.
لكن… خطورة الحالة؟ انتهت.»
الجملة الأخيرة تنزل كالماء البارد على قلوب الجميع.
سليم الشرقاوي يبتسم بقوة،
ريما تدمع: «أخيراً…»
أدهم يمرر يده على وجهه، مرتاحاً رغم كل ما يشعر به من ذنب.
حور لا تتحمّل أكثر… تنهار بسعادة على صدر مازن:
«زياد رجع يا مازن ...رجع!»
مازن يمسكها بقوة:
«الحمد لله يا حور… الحمد لله.»
ثم تنتقل بعفوية لعناق أدهم—تردد لحظة قبل أن تلمسه، ما تزال غاضبة قليلاً…
لكنها تعانقه في النهاية.
«حتى لو زعلانة منك… إنت أخويا الكبير… وكنت محتاجة وجودك.»
أدهم
ينحني قليلاً ويحضنها:
«وأنا موجود… دايماً.
سامحيني… بس كنت بعمل الصح.»
ينظر لعينيها ويضيف بنبرة صادقة:
«وكل ده… كان عشان زياد… وعشان ليل… وعشانك.»
حور تمسح دموعها وتبتسم ابتسامة صغيرة:
«خلاص… كفاية دموع النهاردة.»
عاصم يقف بعيداً، لكنه يشعر بالدفء لأول مرة منذ أشهر.
حور تلتفت إليه وتبتسم له ابتسامة أم حقيقية.
«تعال يا عاصم… ما تبقاش واقف كده.»
عاصم يقترب بهدوء، فيقف بجانب العائلة، قريباً من مازن وزين.
مازن يربت على كتفه: «كويس إنك هنا.»
وزين يبتسم له ابتسامة خفيفة: «البيت هيرجع يتلم… قريب.»
الجميع يجلس في الممر، ضحكات خفيفة تظهر للمرة الأولى منذ زمن.
ريما تضحك مع ملك،
سليم يمزح مع زين،
الجد عبد الرحمن لا يكف عن الدعاء.
*********************
في – ألمانيا – فيلا رامي الهادئة –
كانت الرياح تضرب النوافذ بخفّة، والسماء ملبّدة بالغيوم.
داخل الفيلا كان الدفء يُشعل المكان رغم برودة الخارج.
ليل تقف قرب النافذة الكبيرة، ترتدي سترة خفيفة ورأسها ينحني قليلًا وكأنها تحاول أن تسمع شيئًا يأتي من بعيد.
شعورها الغريب بالارتياح لا تفهم سببه… وكأن قلبها وصلته رسالة من مكان بعيد دون أن يخبرها أحد.
رامي يدخل بهدوء وهو يحمل لها كوبًا من الشاي.
رامي (بصوت منخفض):
"ليه واقفة في البرد؟ تعالي… خدي، عملته مضبوط زي ما بتحبيه."
ليل (تبتسم بخجل):
"بدأت تحفظ ذوقي؟"
رامي (بنصف ابتسامة):
"لما الواحد يعيش مع حد في نفس المكان… بيلاحظ كل التفاصيل غصب عنه."
يقدّم لها الكوب ثم يبتعد خطوة حتى لا يربكها… أو يربك نفسه.
ليل تأخذ الشاي وتجلس على الأريكة، بينما رامي يقف مترددًا… ثم يجلس على الكرسي المقابل لها حتى لا يبدو قريبًا أكثر من اللازم.
ليل (تنظر إليه بامتنان):
"رامي… لو ما كنتش هنا… ما كنتش هعرف أتحمل كل دا لوحدي.
شكراً… على كل حاجة."
ينخفض بصره فورًا…
كلماتها سقطت على قلبه بقوة أكبر مما يستطيع احتمالها.
رامي (بهدوء متحكم):
"أنا هنا… عشان عاصم.
هو وصّاني عليك، وقال… مهما حصل، ما تبعديش عن ليل لحظة."
ثم يضحك بخفة مصطنعة:
"وبيني وبينك… لو رجع ولقاني سايبك دقيقة، هيعمل فيّ محضر شخصي."
ليل (تضحك لأول مرة منذ أيام):
"أعرف… عاصم يخاف عليّ بطريقة غريبة."
ضحكتها… كسرت شيئًا داخله.
ينظر إليها سريعًا ثم يشيح بعينيه قبل أن تنكشف مشاعره.
لحظة صمت… لكنها مشبعة بمعاني كثيرة
ليل تمسك الكوب بدفء، ثم تقول بنبرة هادئة:
ليل:
"مش عارفة ليه… قلبي مرتاح النهارده.
كأني سمعت خبر كويس… من غير ما حد يقوله."
رامي يتجمد في مكانه…
يعرف أن في مصر الآن حدث شيء كبير، لكن لم يخبرها أحد.
رامي:
"يمكن إحساس… ويمكن دعواتك بتتقبل."
ليل (تحدّق في الفراغ):
"بابا… ماما… خالو ادهم… حتى عاصم…
حاسّة إنهم بخير. غريب صح؟"
رامي يبتلع غصة صغيرة…
كانت كلماتها أشبه بخنجر رقيق—لأنها ذكرت عاصم بطمأنينة امرأة تثق به… كزوجها.
بينما هو يبذل كل ما يملك ليظل مجرد ظلّ يحميها.
رامي (بابتسامة حزينة خفيفة):
"الإحساس عمره ما كان غلط.
وإنتِ… قلبك دايمًا صادق."
تنظر إليه لحظة… وكأنها تلاحظ شيئًا للمرة الأولى.
شيئًا في عينيه… في صوته… في طريقة جلوسه.
لكنها لا تفهمه.
ليل:
"رامي… إنت متضايق من حاجة؟ شكلك مش طبيعي."
يفزع قليلًا من سؤالها… ثم يعدّل وضع جلوسه سريعًا.
رامي:
"أنا؟ لا… أبداً.
بس… الشغل. تِعرفي… شغل المخابرات بيستهلك الواحد."
تبتسم له بلطف، دون أن تعلم أن معركته الحقيقية ليست مع العمل… بل مع نفسه.
ليل (بصوت دافئ صدق):
"أنا… مبسوطة إنك هنا."
الكلمة كسرت دفاعاته للحظة…
لكنّه يعيد بناء جدرانه فورًا.
رامي (بهمس ثابت):
"وأنا… هفضل هنا.
لحد ما عاصم يرجع… ولحد ما تطمني."
ثم يقف، يتجه إلى الباب قبل أن ينهار داخليًا.
وبصوت خافت لا يسمعه أحد:
"حتى لو عمري كله هيفضل في ضهرك…
ومن بعيد."
ثم يخرج، ويغلق الباب بهدوء.
ليل تبقى وحدها… تبتسم بلا سبب واضح، وقلبها يشعر بالراحة دون أن تعرف أن والدها في تلك اللحظة…
فتح عينيه في مصر
************************
في – مصر – المستشفى – غرفة زياد
الغرفة مضاءة بإضاءة صفراء دافئة، وصوت أجهزة المراقبة ينبض بانتظام…
زياد مستلقٍ على السرير، شاحب قليلًا لكنه واعٍ، عيناه تحملان دهشة ولطفًا في آن واحد.
عند الباب كان الجميع مصطفين، يكادون لا يصدقون أن الرجل الذي أحبوه قد عاد أخيرًا.
حور تقف أولًا… ووجهها مخضب بالدموع.
وراءها مازن وادهم… ثم ملك، الصغيرة التي كبرت لكنها لم تفقد دلالها عنده.
وبجانبهم ريما وسليم، خجلان، رؤوسهما منحنيّة.
والجد عبد الرحمن، يمسح دموعًا فرت رغماً عنه.
وزين… واقف شامخًا لكنه بدا كطفل خجل من والده.
وعاصم… يقف خلف الجميع قليلًا، رأسه منخفض، لا يعرف كيف يرفع عينيه في وجه الرجل الذي ظن أنه كرهه للأبد.
حور (بحشرجة):
"زياد… حبيبي… أخيرًا صحّيت."
زياد (بصوت متعب لكنه حنون):
"تعالي… تعالي يا حور…"
تركض إليه وتحتضنه برفق، وهو يرفع يده المرتجفة ليمسح على رأسها.
زياد مبتسم رغم الألم:
"لسه زي ما إنتِ… دموعِك أسرع من الرصاص."
فتبتسم وسط بكائها، ويضحك الجميع بخفة.
مازن (بصوت مبحوح):
"خوّفتنا يا ابو نسب…"
زياد يمد يده له:
"تعال يا توأم الروح."
يقترب مازن ويحتضنه، ثم يقبّل رأسه.
ادهم يقترب بخجل واضح
ادهم:
"أنا… أنا آسف يا زياد.
كنت لازم أحكيلك من زمان. ما كانش لازم تتأذي علشان—"
زياد يقاطعه وهو يشد على يده:
"أنت اللي حميتني… وحميت بيتي.
وأنا فخور بيك يا ادهم."
عين ادهم تمتلئ دموعًا… ويهبط على ركبته قرب السرير محتضنًا يد زياد.
ملك تركض نحوه كطفلة
ملك:
"وحشتنييييي!"
زياد يضحك بقلبه:
"إنتِ طول عمرك بتوحشيني يا ملك."
يقبل رأسها فتبتسم بارتباك.
**اللحظة التي ينتظرها الجميع…
زياد يرفع نظره ويقع مباشرة على عاصم**
عاصم متجمّد…
كأنه عاد طفلًا صغيرًا خائفًا من عقاب والد غائب.
زياد بهدوء قوي:
"تعال يا عاصم."
يرتجف كتفا عاصم، يلتفت حوله، غير مصدّق أنه المقصود.
عاصم بصوت مكسور:
"… أنا؟"
زياد:
"تعال يا ابني."
الجميع يتنفس بصدمة…
حور تغطي فمها بدهشة.
مازن يرفع حاجبيه.
ادهم يبتسم لأول مرة منذ أيام.
عاصم يقترب ببطء… خطوة بخطوة…
عيناه تلمعان بخوف وشعور بالذنب.
عاصم (بصوت خافت):
"أنا… آذيتك… خدّت بنتك… كنت عدوك… كنت—"
زياد يمد يده بقوة مفاجئة:
"تعال هنا."
يجذبه قربه ويحتضنه بقوة…
عاصم يتجمد، لا يعرف كيف يتنفس، ثم فجأة ينهار بين ذراعي الرجل الذي ظن أنه سيكرهه للأبد.
زياد (وهو يمسح على ظهره):
"أنا شوفتك تكبر قدامي…
إزاي أكره ابن خالد؟
إزاي أكره طفل كنت بعلّمه يلعب الكرة في الجنينة؟
إزاي أكرهك… وأنت كنت رايح تموت علشان ليل؟"
عاصم يضغط وجهه في كتف زياد، وصوته يختنق:
عاصم:
"سامحني… سامحني يا عمّي زياد…"
زياد:
"أنا سامحتك من قبل ما تيجي… من قبل ما أصحى."
الجميع يبتسم…
والدموع تنزل بلا توقف.
ثم يلتفت زياد إلى ريما وسليم
كانا واقفين في الخلف…
خجل… خوف…
زياد بصوت دافئ:
"تعالوا… ما تبقوش بعيد."
يتبادلان نظرة صامتة… ثم يقتربان.
ريما (بهمس):
"إحنا… آسفين… على كل حاجة بابانا—"
زياد يقاطعها:
"ذنب أبوك مش ذنبكم."
يمد يديه لهما ويحتضنهما معًا، رغم ألمه.
سليم بصوت مختنق:
"إحنا ما نستاهلش طيبتك…"
زياد:
"لا… إنتو تستاهلوا كل خير.
وآخر واحد تتحملوا ذنبه… هو الرجل اللي عقلكم منه بريء."
ريما تبكي لأول مرة منذ سنوات…
وسليم يخفض رأسه في صدر زياد.
أخيرًا… يتجه زياد نحو الجد عبد الرحمن
الرجل العجوز يقترب وهو يبكي بصمت…
منهار تمامًا.
الجد (بصوت مرتجف):
"سامحني يا زياد… أنا… ربيت وحش… وكنت هفقدك زي ما فقدت كتير."
زياد يمسك يديه ويقبّلهما:
"إنت أبويا…
والأب ما يتحاسبش على اختيار ابنه.
وأنا عمري ما شفتك إلا راجل خير."
الجد يجهش بالبكاء ويحتضن زياد مثل طفل صغير.
زياد ينظر للجميع بابتسامته الهادئة
زياد:
"أي بيت بيقع… بيتبني من جديد.
وإحنا… هنرجّعه أقوى من الأول."
الجميع يشعر بقوة كلماته…
الدفء… الطمأنينة…
عودة الروح التي كانت مفقودة.
وحور تقف بجانبه، تمسك يده… وتشعر لأول مرة منذ أيام أنها استعادت عالمها كله.
*********************
الجو امتلأ بالدموع والضحكات والراحة…
زياد لا يزال محتضنًا يد حور، والجميع حوله يشعر كأن غرفة المشفى أصبحت أكثر دفئًا.
فجأة…
يُسمع صوت تنحنح مسرحي جدًا عند الباب.
زين (وهو يعقد ذراعيه باهتمام مصطنع):
"يعني… أنا بس كنت واقف بأحضّر خطابي…
وحاسس إني اتنسيت."
الجميع يلتفت إليه، وملك تكتم ضحكتها.
زين يضع يده على صدره ويكمل بتمثيل مبالغ:
"العم زياد احتضن الكل…
الزوجة… الأولاد… الأحفاد… الجيران… الغريب… ابن الخال… حتى العدو المتوب!
وأنا؟
أنا اللي بعتبره والدي الروحي؟
ولا كأني هوا؟"
الجميع ينفجر ضاحكًا، حتى زياد يبتسم رغم الألم.
حور (تمسح دموعها وتضحك):
"تعال يا زين… بطل تمثيل."
زين يتقدّم بمشية درامية:
"لا لا… مش بسهولة كده.
عايز حضن محترم… حضن كامل المواصفات…
حضن VIP بما إنكم كلكم خدتوا الخدمة الكاملة!"
مازن:
"تعالى يا كائن الكوميديا."
ريما تضحك:
"والله بقالنا يومين ما ضحكنا كده."
زين يصل قرب زياد ويقف أمامه كطفل:
"يا عم زياد…
لو ما حضنتنيش دلوقتي…
أقسم بالله هقعد أعيط وأقلب الدنيا دراما تركية،
وأعملك موسم كامل بعنوان: الابن المنسي!"
زياد يضحك بصوت واضح هذه المرة، يمد ذراعه بصعوبة:
"تعالى يا ابن آدم…
تعالى يا ابن الغالي."
زين ينقض عليه بسرعة مثل طفل صغير ويحتضنه بعفوية، ثم يصرخ:
"آاااه شوفوا!
العناق ده مسجل رسمياً، هخوّفه بيه طول العمر!"
الجميع يضحك مجددًا، وملك تصفق بمرح.
سليم الشرقاوي يرفع حاجبيه متصنعًا الضجر
كان واقفًا على الجدار، يراقب فوضى زين بابتسامة.
سليم (ساخرًا):
"خلصت عرضك المسرحي؟
ولا لسه في موسم جديد؟"
زين يلتفت له بسرعة:
"لا يا عم… ده أنا لسه في الحلقة الأولى!
بكرة أعمل حلقة خاصة باسمك: سليم والملل الأبدي."
سليم بتصنع الملل:
"مفروض أخاف؟"
زين:
"على حسب…
عايزك في دور الشرير ولا اللطيف؟"
ملك تتدخل ضاحكة:
"اختار اللطيف… الشرير مش لايق عليك يا سليم."
زين:
"آه والله، ده عنده وش ملاك، بس قلب… قلب كبير برضو."
سليم يحاول يخفي ضحكته، لكن ريما تلاحظه وتبتسم:
ريما:
"زين فضحك يا سليم…"
سليم:
"ياريت حد يربّيه قبل ما نرجع ألمانيا."
الجد عبد الرحمن يعلّق بابتسامة كبيرة
"خليكم كده دايمًا…
ضحككم بيرجع الروح."
الجميع يسكت للحظة…
ثم ينظرون لزياد ويبتسمون.
زياد ينهي اللحظة بكلمات هادئة
"وجودكم حواليا… أحسن من أي دواء.
وأنا…
مش هسمح لأي حزن يرجع لبيتنا تاني.
ولا كره…
ولا خطايا حد."
ينظر لزين ويشير له:
"والضحك… خلي زين مسؤول عنه."
زين يضرب صدره بفخر:
"مهمة في أمان!"
الجميع يضحك مرة أخيرة…
والجو يتحول من غرفة مستشفى إلى جلسة عائلية مليئة بالحب، والراحة، والدفء.
**********************
بعد لحظات من الضحك التي فجّرها زين… يعود الجو تدريجيًا للهدوء.**
زياد يستريح في وسادته، ويده ما تزال في يد حور.
عاصم يقف قرب الجدار… وجهه متوتر قليلًا، وكأنه يحمل كلامًا ثقيلاً في صدره.
حور تلاحظ شروده:
"عاصم… إنت كويس؟"
لا يجيب فورًا.
ينظر للأرض… ثم لزياد… ثم يعود ينظر للأرض.
ادهم—الذي يعرفه أكثر من الجميع—يضيق عينيه قليلًا.
لاحظ نظرة غير مريحة في عيني عاصم…
شيء يريد قوله ولكنه عاجز.
ادهم (بصوت منخفض يتجه به نحو عاصم):
"هتفضل ساكت؟"
عاصم يشهق بخفة… شعر أنه انكشف.
عاصم همسًا لادهم:
"مش قادر… مش في الوقت ده."
ادهم (بنظرة حادة):
"الوقت ده بالذات هو الوقت الصح."
الجميع يلتفت حين يسمعون نبرة ادهم الجادة.
مازن:
"خير؟"
زياد ينظر إليهما:
"في إيه؟"
عاصم يبتلع ريقه…
القلق واضح… والخجل أكبر.
أدهم يربت على كتف عاصم دفعة صغيرة، تشبه أمرًا عسكريًا: اتكلم.
لكن عاصم يظل في مكانه، عاجز عن فتح فمه.
يتنهد ادهم…
ثم يتقدّم خطوة للأمام، ويقف وسط الغرفة.
الجميع ينظر له.
ادهم (نبرة هادئة… لكنها ثابتة):
"أنا…
عندي حاجة لازم تتقال."
الجميع يسكت.
زياد يعتدل قليلًا رغم الألم.
حور تنظر بخوف خفيف.
حور:
"أدهم… إيه اللي حصل؟"
ادهم يلتفت إلى زياد مباشرة…
"زياد.....أنا كنت في ألمانيا الأسبوع اللي فات…
مش بس علشان أطمن على ليل…
لكن علشان…"
يتوقف لحظة.
عيناه على زياد… ثم على حور… ثم يعودتا لعاصم الذي يهرب بنظره للأسفل.
زياد (بقلق):
"علشان إيه، يا أدهم؟"
صمت ثقيل…
وزين يهمس لملك:
زين:
"حاسس إنه هيقول قنبلة…"
ملك تخرسه بإشارة.
عاصم يغلق عينيه.
ادهم يتنفس بعمق ثم يعلن الجملة:
ادهم:
"كنت هناك…
علشان أكون وكيل ليل…
في كتب كتابها."
الجميع يُصعق.
تتجمد الوجوه.
حور تكاد تسقط من المفاجأة.
حور (بصوت مرتفع متصدع):
"كتب… كتابها؟؟
إنت بتقول إيه يا أدهم؟!"
ريما تضع يدها على فمها:
"ليل… اتجوزت؟!"
سليم الشرقاوي يغمض عينيه بدهشة:
"مستحيل…!"
الجد عبد الرحمن يحدق مذهولًا:
"اتجوّزت من غير ما نعرف؟!"
زياد…
زياد بالذات…
يتسع صدره في تنهيدة من الصدمة.
ينظر لعاصم مباشرة.
زياد (بصوت منخفض لكنه قوي):
"اتجوزت… مين؟"
الغرفة تصمت بالكامل.
حتى الأجهزة الطبية أصبح صوتها واضحًا.
عاصم يرفع رأسه ببطء…
عيناه ممتلئتان توترًا، حياءً، ذنبًا… وكل شيء.
يتقدّم خطوة تجاه سرير زياد، وكل الأنظار عليه.
يأخذ نفسًا عميقًا…
يفتح فمه ليقول…
لكن ادهم يسبقه ويضع يده على كتف عاصم:
ادهم:
"اتجوزت…
عاصم."
الصمت أصبح صراخًا مكتومًا.
حور شهقت بقوة:
"عــاصــم؟؟"
زياد لم يتحرك…
لكنه حدّق في عاصم بنظرة لا يمكن تفسيرها…
خليط من المفاجأة… الألم… الذكرى… والمسؤولية.
زين يضع يده على رأسه:
"يا نهار أبيض… ده فعلاً كان صاروخ!"
ملك لا تتنفس تقريبًا.
ريما تنظر بين الجميع بصدمة.
سليم يفتح فمه قليلاً دون أن يجد أي كلمة.
عاصم يقف ساكنًا…
ينتظر الحكم.
ينتظر الرد.
ينتظر أن يتلعثم أحد… أو يصرخ… أو يصفعه أحد…
لكن لا شيء.
رواية في قبضة العاصم الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سيليا البحيري
ي
في غرفة زياد في المشفى
ساد صمت ثقيل… صمت يجعل حتى أجهزة المونيتور تخجل من صوتها.
عاصم واقف مكانه، متجمد… رأسه منخفض، ويداه ترتجفان بخفة.
حور تفتح فمها بذهول، وزياد يرمش بعينيه وكأنه سمع شيئاً مستحيلاً.
مازن يرفع حاجبه، وملك تضع يدها على فمها، وسليم وريمـا ينظران لبعضهما بعدم تصديق.
والجد عبد الرحمن يضرب عصاه بالأرض بدهشة:
"هاااه؟ ليل… بنت حور… اتجوزت؟"
وقبل أن يحاول عاصم قول أي كلمة…
يتقدم أدهم بسرعة، يرفع يده كمن يحاول السيطرة على الموقف:
أدهم (متوتر لكنه يحاول التماسك):
"ثااااانية بس… قبل ما حد يفهم غلط… قبل ما حد يزعل من الولد دا…
أنا… أنا اللي كنت وكيل ليل في كتب الكتاب.
وأنا اللي وافقت…
يلتفت الجميع لأدهم بدهشة أكبر—خصوصاً حور التي تكوّر عينيها عليه:
حور:
"إنتَ عملت إيه يا أدهم؟؟"
أدهم (يحاول التبرير وهو يشير بعصبية):
"إيه يا بنتي؟ اسمعوني بس!
إحنا كنا في أزمة… مراد كان بيدوّر على أي حد يوجعه…
ولو كان عرف
مكان ليل … كان زمانه خطفها أو أذاها.
عاصم كان الوحيد اللي واقف في وشّه… وكان لازم نأمّن البنت."
زياد يحدّق بعاصم… نظرة طويلة، مشاعرها مختلطة.
عاصم يبتلع ريقه ويمسك طرف السرير وكأنه فقد توازنه.
عاصم (بصوت مبحوح):
"أنا… ماكنتش عايز أخبي… بس… مكنش قدامي حل غير كده."
مازن (مصدوم لكن منبهر):
"يعني… يعني أنت… جوز ليل بنت اختي؟!"
ملك:
"أيوة يا مازن… واضح إنه الموضوع رسمي جداً."
وتضحك بخفة رغم الصدمة.
حور تتقدم خطوة… تنظر لعاصم مباشرة…
لحظة توتر حقيقية.
ثم فجأة… ترتسم ابتسامة لطيفة على شفتيها.
تتنهد براحة وكأن حملاً ثقيلاً زال.
حور (بهدوء وفرح):
"عاصم… أنت كنت دايماً ابننا… قبل ما تبقى جوز بنتنا.
ولو في حد كنت أتمنى يتجوز ليل… فهو أنت."
عاصم يرفع رأسه لأول مرة… عينيه تلمعان.
زياد يبتسم… ابتسامة رجل وجد الطمأنينة:
زياد:
"وأنا… والله يا ابني ما كنت لألاقي حد يصون بنتي زيك.
أنت ابن خالد… … وكبرت في بيتنا.
ربنا يتمم لكم على خير."
وفجأة… زين يقفز بين الجميع، يصفّر بصوت عالٍ:
زين:
"ياااااه! يعني اللي حصل دا رسمي؟
الخاطف اتجوز المخطوفة؟؟… والهيصة دي كلها فاتت عليّا؟
ليه محدش بيقولّي حاجة؟! أنا شاكك إنكم بتعملوا اجتماعات سرّية من ورا ظهري!"
سليم الشرقاوي ينظر له بضيق مبالغ فيه:
سليم:
"زين… من فضلك… اقعد. إحنا في مشفى."
زين:
"طب ماشي، بس لازم أفهم حاجة… يعني دلوقتي أقول لعاصم:
يا جوز بنت عمّي؟ ولا يا ابن خالي؟ ولا يا صهري؟
حد يفهّمني النسَب قبل ما أدوّخ!"
ريمـا تنفجر من الضحك رغم توتر الموقف.
الجد عبد الرحمن يمسح دموعه بتأثر:
الجد:
"ربنا يسعدكم يا ولاد…
ليل تستاهل واحد زيك يا عاصم… وانت تستاهلها.
اللهم ألف بين قلوبكم وبارك فيكم."
مازن يضع يده على كتف عاصم:
مازن:
"مبروك يا عاصم… بجد مبروك.
وبلاش تخاف من زياد… هو بيزعق كتير، بس قلبه أبيض."
زياد يهز رأسه بضيق مصطنع:
زياد:
"أيوة طبعا… قولوا كل حاجة وأنا نايم."
ملك تمسك يد حور وتهمس:
ملك:
"هو دا الفرح اللي كنتِ محتاجاه من أيام… الحمد لله رجعتِ تبتسمي."
حور ترد بابتسامة واسعة:
حور:
"أيوة… رجعت."
زين ينظر للجميع ويقول وهو يصفّر من جديد:
زين:
"طب بما إن في فرح فجأة…
عاوز أعمل لايف أونلاين: أهلاً بكم في حفلة قلبت من مشفى لقاعة أفراح!"
سليم يضربه بكوعه:
سليم:
"اقلع البطارية يا زين… الحفل لسه قدام."
ريمـا تضحك أكثر:
ريمـا:
"زين لو عنده زر إغلاق… حياتنا كانت أهدى."
الجميع يضحك…
والمشهد ينتهي بابتسامات واضحة، وراحة كبيرة في قلب زياد وحور…
والجميع يلتف حول عاصم يبارك له—
بينما هو لا يزال مذهولاً من أنهم تقبّلوا الأمر بسهولة أكبر مما تخيّل.
*********************
الجميع ما زال يضحك ويتبادل التهاني…
لكن فجأة…
يصمت عاصم، وتظهر على وجهه نظرة “كارثة” واضحة.
مازن (ينتبه):
"إيه يا عم؟ وشّك قلب ليه؟"
عاصم (يرمش بسرعة):
"بس… لحظة… لحظة واحدة."
ينظر حوله في الغرفة، يعدّ الوجوه واحدًا واحدًا.
"أدهم… حور… زياد… ملك… مازن… ريمـا… الجد… زين… سليم…"
ثم يرفع حاجبيه فجأة:
عاصم:
"إحنا… نسينا حد مهم جداً."
ريما:
"مين؟"
عاصم:
"العروسة."
الغرفة كلها تتجمد.
زياد:
"ن… نساينا بنتي؟!"
حور تضع يدها على رأسها:
"يا نهار أبيض… دا احنا بنبارك لجواز بنتي وهي مش موجودة أصلًا؟!"
ملك تنهار من الضحك:
"يا ربّي! ليل مش هنا أصلاً! دي في ألمانيا!"
مازن يصفق بيده على جبينه:
"إحنا حرفياً عملنا ‘حفلة من غير العروسة’!"
زين يقفز كعادته، يرفع إصبعه كمن يعلن اكتشافًا عالميًا:
زين:
"أنا عارف! عارف!
نعمل فيديو كول ونقول لها:
مبسوطين إنك اتجوزتي… تعالي بكرة ناخد صور الفرح!"
سليم الشرقاوي ببرود:
"زين… اسكت. بلاش أفكارك دي في يوم الناس فيه فرحانة."
زياد يلتفت لعاصم وهو يحاول أن يستوعب:
زياد:
"طيب… فين ليل دلوقتي؟ مع مين؟"
عاصم (يحك مؤخرة رأسه بخجل):
"هي… اه… في فيلا رامي."
حور اتصدمت:
"رامي؟ رامي المخابراتي؟!"
عاصم:
"أيوة. ومعاها ربى أختي… ونيروز أخت رامي.
كانوا واقفين معاها من ساعة ما بدأت المشاكل…
وسايبينها ارتاح شوية في ألمانيا."
أدهم يرفع حاجبه:
"طيب… وإحنا واقفين هنا بنعمل مسرحية…
مين هيرجع البنت مصر؟"
عاصم (ينفخ ضحكاً وتوتراً):
"أنا… هبعت رسالة دلوقتي."
يخرج هاتفه ويفتح مجموعة الواتساب الأسطورية:
“الفرسان الاربعة + البنات 😎🔥”
صورة المجموعة: لقطة قديمة لهم وهم طلاب، نصفهم نائم والنصف الثاني يضحك.
يكتب عاصم بصوت مسموع:
عاصم (وهو يكتب):
"يا بيجاد… يا سليم … يا رامي… يا بنات…
استعدّوا…
العيلة عرفت بكل حاجة…
وزياد وافق… وحور وافقت… والمصيبة الأكبر… كلهم عايزين ليل هنا فوراً."
زياد يصرخ عليه بلطف:
زياد:
"قولهم: فوراً يعني ‘فوراً’. مش بعد أسبوع!"
حور:
"وقل لرامي يخلي باله منها… دي بنتي."
عاصم يكتب بسرعة:
"عاوزكم تجيبوا ليل دلوقت وترجعوا مصر… و… آه…
العم زياد بيقول بسرعة."
يظهر إشعار على الفور:
بيجاد:
"يعني إيه بسرعة؟ الجو مطري عندنا!"
سليم القيصري:
"يا رب يكون هزار… أنا لسه نايم أصلاً."
رامي:
"إحنا جاهزين نمشي من نص ساعة…
بس… ليل مشغلة موسيقى وبتطبخ.
حد يفهّمها إن في حاجة مهمة؟"
حور تضع يدها على قلبها:
حور:
"بس… ليل هتتجنن لما تعرف.
أكيد دلوقتي قاعدة فاكرة إن الكل غضبان منها… أو إن الوضع لسه خطر."
زياد (بثقة):
"أهم حاجة… إنها ترجع وتشوفنا بخير.
وتعرف إن محدش هيقرب منها ولا من عاصم تاني."
مازن يقف بجانب عاصم ويضرب كتفه:
مازن:
"روح حضّر نفسك… شكلها جاية… وشكلها هتزعل بعد ما تلاقيك متعور."
عاصم ينفخ:
"أهي فرصة حلوة أراضيها."
زين يهمس لمازن بصوت عالي:
زين:
"إراضيها؟
دا هتضربه الأول… وبعدين تسامحه."
مازن يهز رأسه ضاحكًا:
مازن:
"أيوة… دي ليل."
الجميع يضحك…
والجو يتحول مرة أخرى لسعادة ودفء،
وكلهم ينتظرون اللحظة التي ستدخل فيها ليل الغرفة…
والتي يبدو أنها ستكون أقوى لحظة من كل ما فات.
*******************
في فيلا عيلة بيجاد
الفيلا هادية… ريحة القهوة مالية المكان.
منذر قاعد بيقلب في الجرنال، نظرته هادية وذكية… بس فيها تعب من كتر التمثيل قدّام الحيّة لمى.
نوال بتلف في المطبخ، تحضّر عصير وطبق كحك كرمًا لضيفتها.
وفجأة…
تطلع لمى بكل كبرياءها المصنوع: هدوم فاقعة، شعر منفوخ، برفان يخنّق…
وتدخل وراها تالين بخطوات مصطنعة وثقة أعلى من اللازم.
لمى تدخل كإن الفيلا ملك أبوها.
لمى (بابتسامة لزجة):
"وعليكم السلام… البيت منوّر بينا يا نونووو، مش كدا؟"
نوال (بابتسامة طيبة):
"إزيّك يا لمى؟ منوّرينا… إنتي وتالين."
تالين ترفع شعرها وترد ببرود:
"أهلا يا خالتي. إزيّك يا عمي منذر؟"
منذر يرفع عينه من الجرنال بنص ابتسامة:
منذر:
"تمام يا تالين… تمام. شكلِك طالعة لأمّك نسخة… ربنا يستر."
لمى تبتسم ابتسامة فيها سم:
لمى:
"يعني إيه يا منذر؟"
منذر (ببرود احترافي):
"قصدي ربنا يحفظكم… الواحد لازم يدعي للناس."
تالين تقعد زي الطاووس… وتبص حوالين الفيلا من فوق لتحت.
تالين:
"بس… فين بيجاااد؟
ليه مختفي بقاله فترة؟
وأنا… يعني… حابة أطمن."
نوال (برقة):
"والله ما نعرف يا حبيبتي… ما قالّناش حاجة. بس أكيد راجع قريب."
لمى تخبط رجلها في بعض وتعمل حركة كتف:
لمى:
"يعني ابنِك يسافر وما يقولّكيش؟
ولا يمكن… مسافر مع حد؟
ولا يمكن… في حدّ؟"
نظرة خبيثة واضحة…
بتلعب على الشك… وعاوزة تغيظ نوال.
لكن قبل ما نوال ترد…
منذر يقفل الجرنال بهدوء… ويرفع حاجب واحد بس.
منذر:
"هو مسافر شغل مهم.
وما حبّش يقلّق أمّه…
وبعدين لو قالّكم… كان زمانكم واقفين في المطار ماسكين الشنطة."
لمى تتلبّك:
لمى:
"يعني… إحنا إيه بنزعجه؟! إحنا أهله."
منذر (ببرود):
"أهله؟
ولا… طموحين تبقوا أهل البيت كله؟"
تالين تكتم نفسها!
لمى تتفاجئ وتحاول تدارى:
لمى:
"إنت… إنت قصدك إيه؟"
منذر:
"قصدي واضح.
بتسألي عن بيجاد كتير…
وبتحاولي تعرفي رايح فين وجاي منين…
وكإنه خطيب بنتك مثلًا؟"
تالين ترفع راسها:
تالين:
"ولو حصل… ما فيهاش حاجة.
أنا بنت خالته… ونَسَب محترم."
منذر يميل لقدّام… ويبتسم ابتسامة صغيرة مرعبة:
منذر:
"بيجاااد؟
عاوزة تتجوزي بيجاد؟
ده اللي مش راضي يرجع البيت أصلاً… من كتر ما بيهرب من النظرات اللي بترميها عليه!"
تالين تتوتر:
تالين:
"أنا؟! همشي وراه؟!"
منذر:
"أيوه… بتتزنبقي وراه.
والحقيقة؟
هو ما بيدّكيش ربع اهتمام."
نوال تتصدم:
نوال:
"منذر! ليه تقول كدا؟! تالين لسه صغيرة!"
لمى تمثل دور الضحية فورًا:
لمى:
"شايفاه يا نونو؟
شايفاه إزاي بيجرح بنتي؟
وانتي ساكتة؟!
مش هتدافعي عن بنت أختك؟!"
قبل ما نوال ترد…
منذر بنبرة ناعمة قويّة:
منذر:
"لو إنتي جاية زيارة… تشربي قهوتِك وترجعي.
بس لو جاية تدوري على مشاكل…
ولو جاية تطمعي في بيتي… وفي ابني…
فأنا موجود.
ومش هاسكت."
تالين تعض شفايفها من القهر.
لمى تقرّب منه خطوة… وبصوت فيه غِواية خبيثة:
لمى:
"إنت دايمًا قوي… وفاهم.
وأختي للأسف… ما تعرفش تدير بيتها زيّك…"
نوال تضحك بسذاجة:
نوال:
"أهااا لمى… تقصدي إنك معجبة بطريقة منذر؟"
منذر يبصلها بنظرة تحذير:
منذر:
"لمى… رجّعي مكانك.
عيب."
لمى تعصب، تسحب تالين من إيدها:
لمى:
"تمام… تمام.
يا نوال… لو جوزِك محترم معاكي… كنتي فهمتيني.
يلا… نمشي يا تالين."
وهي خارجة…
تبصّ على منذر بنظرة: استنى… هرجع لك.
منذر يرد بنظرة: جربي… وهتبقي ندمانة.
تخرج لمى وتالين معصّبين.
نوال تقعد جنب جوزها:
نوال:
"منذر… ليه تتعامل معاهم كدا؟ دول أهلنا!"
منذر بهدوء شديد:
منذر:
"أهلنا؟
ولا… سوسة في البيت؟
اسمعي يا نوال…
أختِك وتالين لو فتحّتلهم باب… هاياكلوا البيت كله."
نوال تتنهد، مش مقتنعة:
نوال:
"مستحيل… تالين طيبة… ولمى أختي…"
منذر يبتسم لها بحنان:
منذر:
"وإنتي أنضف من إنك تشوفي خبث حد.
علشان كدا… سيبّي الموضوع عليّ.
أنا هتعامل معاهم."
********************
في ألمانيا، عند ليل
كان المساء ثقيلاً كالعادة…
ثلج خفيف يلامس زجاج الشرفة، وضوء أصفر دافئ ينعكس على وجه ليل وهي جالسة على طرف السرير، تحدّق في فنجان الشاي الذي برد منذ نصف ساعة.
لم تكن تفكّر في شيء محدد… أو ربما كانت تفكر فيه فقط.
عاصم.
لم تعد تستطيع خداع نفسها… هي وقعت تمامًا، رسميًا، وبلا عودة.
كانت تتنفس ببطء، وكأن مشاعرها صارت ثقيلة لا تعرف أين تضعها:
كيف تحب رجلًا خطفها؟ كيف تعلّقت به بهذه السرعة؟ كيف تحوّل خوفها منه لطمأنينة؟ وكيف صار حضوره الدواء الوحيد الذي يسكّن روحها؟
قاطع شرودها صوت ارتطام خفيف ثم:
نيروز (بحماس عالي وهي تقفز داخلة الغرفة):
«ليييل!! يا بنت قومي! عندي خبر هيطير مخّك!!»
رفعت ليل رأسها بكسل، لكنها ما إن رأت ابتسامة نيروز الواسعة حتى شعرت بأن شيئًا كبيرًا يحدث.
ليل:
«في إيه؟ مالك؟ ليه مبسوطة كده؟»
نيروز (تجلس أمامها تمسك يديها بقوة):
«أنا راجعة مصر!»
اتّسعت عينا ليل:
«إيه؟! بجد؟ إزاي؟ إمتى؟»
نيروز (بحماس طفلة):
«لسه حالًا! عاصم اتصل برامي وبيجاد وسليم… وقالهم يجهزوا. هنرجع كلنا مصر… قريب جدًا!»
كانت الكلمات تهبط على قلب ليل كأمطار دافئة بعد شتاء طويل. شعرت بالروح تعود لصدرها لأول مرة منذ سبعة أشهر.
ليل (بصوت منخفض يكاد يرتجف):
«هــ… هرجع؟ أنا كمان؟»
نيروز:
«طبعًا! هو قال أنك هترجعي لأهلك… لأمك وأبوك وعيلتك. خلاص يا ليل… الكابوس ده انتهى.»
لم تستطع ليل منع دموعها—دموع فرح صافي.
عادت للوراء قليلًا وكتمت وجهها بين كفيها وهي تضحك وتبكي في نفس الوقت.
ليل:
«أنا… مش مصدّقة… هرجع لماما و بابا و ادهم و مازن..... كلهم وحشوني
نيروز (تداعب كتفها):
«يا مجنونة طبعًا!»
سكتت ليل لحظة…
وهناك، خلف الفرحة العارمة، انغرزَت شوكة صغيرة في قلبها.
لم يكن أحد يلاحظها… إلا هي.
لو رجعت… معناها الطلاق.
معناها خلاص… انتهت علاقتها بعاصم.
معناها مش هتشوفه كل يوم.
مش هتسمع صوته وهو يناديها "ليل".
مش هتشوف نظراته اللي تحفظها أكتر من اسمها.
رفعت وجهها بسرعة تمسح دموعها حتى لا تلاحظ نيروز.
نيروز (ببراءة):
«هو قال رامي يرتّب الطيارة الخاصة… وممكن نسافر خلال 48 ساعة. ياااه يا ليل… وحشتوني كلّكم. نفسي أشوف طنط حور وعمو زياد…»
ابتسمت ليل من القلب، لكن تعبًا خفيفًا مرّ على ملامحها.
ليل:
«أنا فرحانة علشانك يا نيروز… بجد. وهفرح أكتر لما أشوفهم…»
نيروز (تحدق بها):
«بس؟! مش باين عليك الفرحة اللي كنت متخيلاها.»
ضحكت ليل بخفوت:
«لا… فرحانة… جدًا. بس… استوعب الموضوع بس.»
نيروز اقتربت منها وعانقتها بقوة، كما لو كانت تعرف أن ليل تخبئ شيئًا ثقيلًا.
نيروز:
«كله هيتصلّح… كله هيتعدل. ربنا كبير.»
ليل أغلقت عينيها فوق كتف نيروز…
لكنها لم تتخيل أن اللحظة التي حلمت بها لسبعة أشهر… ستكون هذه المرة مؤلمة بهذا الشكل.
كيف يعود القلب لوطنه… وهو عالق في رجل؟
**********************
في مصر في زنزانة مراد الشرقاوي
كان الليل ثقيلاً داخل أروقة المبنى الأمني…
هدوء خانق لا يقطعه سوى صوت خطوات الحراس من بعيد.
في أعمق الزنازين، جلس مراد الشرقاوي على طرف السرير الحديدي، يداه مكبلتان، ووجهه مظلم أكثر من جدران الزنزانة نفسها.
عيناه تقدحان شررًا…
ليس ندمًا، بل حقدًا.
الحقد ذاته الذي أوقعه هنا.
كان يحدّق في الأرض بعنف، وكأنه يطحن الأسماء داخله:
زياد… حور… عائلة يونس… عاصم…
الكل سيدفع… الكل…
همس لنفسه بصوت مبحوح:
«لسّه اللعب ما خلصش… ولسّه عندي ورق كتير…»
وفجأة، تلاشت الظلال حين انفتح باب الممر.
خطوات ثابتة، بطيئة… لكنها تحمل ثقل سلطة يعرفها جيدًا.
رفع مراد رأسه، فوجد آدم يقف أمام باب الزنزانة، يده خلف ظهره، وابتسامة باردة من النوع الذي يغيظ أكثر من ألف إهانة.
آدم (بنبرة هادئة، كأنها صفعة):
«إزيّك يا مراد؟ مستريح؟ ولا السرير ناشف عليك؟»
لم يرد مراد…
لكنه شدّ فكه بعنف، والنار تشتعل في عينيه.
آدم (يميل قليلًا للأمام):
«كنت فاكر نفسك أذكى مننا كلنا، صح؟
بس شوف… في الآخر، وقعت بإيدك إنت.»
مراد بصوت خافت لكنه يقطر سمًا:
«لسّه… ولسّه هتشوفوا مني اللي عمركم ما شفتوه.»
ضحك آدم بخفوت، ضحكة انتصار واحتقار:
«إنت؟
إنت خلاص ورقتك اتحرقت.
دلوقتي… مش أكتر من مجرم مستني الحكم.»
اقترب آدم خطوة من القضبان، نظرته قاطعة، صارمة، لكن تحمل برودة رجل يعرف أنه انتصر.
آدم:
«استمتع بوقتك هنا…
لأن اللي جاي… مش هيعجبك أبدًا.»
ثم استدار وغادر بخطوات ثابتة، تاركًا الباب يُغلق بصوت معدني ثقيل…
بينما بقي مراد، وحده، يشتعل غضبًا أكثر، يحدّق في مكان آدم الذي اختفى، وكأن النار التي بداخله تكاد تحرق الجدران نفسها.
*********************
بعد عدة ساعات– مطار القاهرة – الليل
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين هبطت الطائرة القادمة من ألمانيا.
ضوء الطائرة قطع عتمة المدرج، والبرد الخفيف كان يلف المكان بينما صفّ من الوجوه المتعبة والقلقة يقف خلف الحاجز ينتظر.
زياد الزهراوي كان يتكئ على كتف مازن، وجهه شاحب من أثر الحادث، لكن عينيه… مشتعلة بالشوق.
حور واقفة بجانبه، يداها ترتجفان، تحاول أن تبدو صامدة… لكنها كانت على وشك الانهيار.
رؤى تكاد تقفز كل ثانية من مكانها، وزين يلوّح بيده بلا معنى حتى يفرغ توتره.
ريما وسليم الشرقاوي كانا يقفان في الخلف بصمت مشتعل… كل واحد يحبس دموعه.
الجد عبد الرحمن يضغط مسبحته بين أصابعه، ينتظر حفيدته الروحية التي كان يراها كابنته.
وفجأة… انفتح باب الطائرة.
وظهرت ليل.
كانت عيناها تتسعان باندهاش وانكسار وحنين دفعة واحدة… وشفتاها ترتجفان، قبل أن ترتسم ابتسامة صغيرة تحولت في لحظة إلى شهقة مكتومة.
ليل:
«ماما… بابا…!»
واندفعت راكضة على السلم قبل أن يكمل الطاقم إجراءات النزول. حقيبتها الصغيرة ارتطمت بدرج الطائرة وهي تهبط بسرعة، ضحكة صغيرة خرجت منها وسط دموع متلاحقة.
حور لم تحتمل… صرخت:
«يا روحيي!!»
وانطلقت نحوها، لكن زياد أمسك يدها، يبتسم رغم ألمه:
«سيبيها… سيبيها تجيلي.»
ليل هبطت آخر درجة… ورأت والدها.
رأت جبينه الملفوف بضمادة خفيفة، والآثار الزرقاء على ذراعه.
تفاجأت. توقفت لحظة.
ليل بصوت مبحوح:
«بابا… إيه اللي حصلك؟!»
فتح زياد ذراعيه رغم أن كتفه كان يؤلمه بشدة.
زياد بابتسامة مرتجفة:
«ولا حاجة… أهم حاجة إنك رجعتي. تعالي هنا يا بنتي.»
ركضت نحوه، وارتمت في حضنه بقوة.
زياد أغلق عينيه، كأن روحًا كانت ضائعة ورجعت إلى مكانها.
زياد بصوت خافت عند أذنها:
«وحشتيني… يا ليل.»
ليل تبكي:
«أنت أكثر… يا بابا، سامحني، أنا آسفة… خفت عليك قوي… قوي.»
زياد يهز رأسه:
«ولا كلمة. إنتي بخير… وخلاص.»
حور لحقت بها، وأمسكتها من كتفيها، تنظر لملامحها وكأنها لا تصدق أنها أمامها.
حور بصوت منكسر:
«كبرتي… وشك ضعف… بس انتي ليل… انتي ليل بتاعتي!»
ليل تضحك وتبكي:
«مامااا… وحشتيني!»
وحضنتهما الثلاثة تداخلت، زياد يضمها وهو متكئ بصعوبة، وحور تمسح على شعرها، وليل تبكي بلا توقف.
رؤى لم تعد تتحمل، صرخت:
«بطلوا تبكوا وخلوها تيجيلي بقى!»
ليل ضحكت وسط دموعها، ومدّت يدها لرؤى التي قفزت عليها قفزة واحدة كأنهما طفلتان.
رؤى:
«يا مجنونة!!! سبع شهور وقلبي بيتقطع!»
ليل:
«وأنا أكتر… وحشتيني يا روح قلبي.»
زين اقترب، فاتحًا ذراعيه بطريقة كوميدية:
«أنا فين؟ محدّش هياخد حضن للراجل ده؟!»
ليل ضحكت بصوت حقيقي لأول مرة منذ شهور.
رمت رأسها على كتفه بخفة:
«وحشتني نكتك السخيفة.»
زين:
«ده شرف ليا والله.»
ريما تقدمت ودموعها تنزل رغم محاولتها التماسك.
ريما:
«يا ليل… كنت خايفة نموت من غير ما نشوفك.»
ليل ضمّتها وهي تبتسم بحنان:
«ولا عمري هبعد عنكم تاني.»
ثم التفتت لسليم الشرقاوي. كان واقفًا ساكنًا، لكن عينيه بتحرق.
ليل ابتسمت له:
«ازيك يا سليم…؟»
سليم بخفوت لكنه صادق:
«الحمدلله دلوقتي.»
قبّل رأسها بخفة كأخ أكبر ثم تراجع.
الجد عبد الرحمن تقدم بخطوات بطيئة.
وضع يده على رأسها:
«رجعتي… نورتي البلد يا بنتي.»
ليل أمسكت يده وقبّلتها:
«وحشتني قوي يا جدو.»
وفي الخلف، كان يقف عاصم.
لم يقترب.
لم يتكلم.
يداه في جيبيه، وملامحه صلبة… لكن عينيه تقول كل شيء.
ليل شعرت به. التفتت.
للحظة… كل الأصوات اختفت.
عاصم نظر لها بنظرة اعتذار… حب… ندم… وشيء آخر لم يعترف به حتى لنفسه.
هو الذي سرقها من حضن هؤلاء البشر…
والآن يرى كيف كانوا ينتظرونها.
كل شيء داخله انكسر.
ليل لم تتقدم نحوه.
لكنها نظرت في عينيه نظرة طويلة…
فيها عتب… شوق… وامتنان غريب لأنه أعادها.
كانت ترى عالَمَين تصادما: عالمها القديم…
وعالم الشهور السبعة التي غيّرتها.
ثم همست:
«وحشتوني… كلكم… كل حاجة هنا وحشتني…»
زياد وضع يده على كتفها:
«ومن النهارده…
مفيش حاجة ولا حد هيبعدك عننا تاني.»
وبعيدًا قليلاً، وقف عاصم…
ينظر إليها بصمت،
وفي قلبه جملة واحدة ظل يكررها:
ليتني ما صدقت أحدًا… ليتني ما آذيتك.
***********************
بينما كانت ليل ما تزال في حضن والديها، التفتَت حور فجأة نحو الأصوات القادمة من باب الطائرة، وكأن قلبها اجتذب شيئًا مألوفًا. كانت ربى تجلس على الكرسي المتحرك، ويد بيجاد فوق مقبضه يدفعها ببطء كي لا تتعب. نيروز بجانبها تبتسم بخجل، بينما رامي يجر حقيبة صغيرة، وسليم القيصري يراقب الجميع بعين هادئة.
تجمّدت حور، وكأن الزمن عاد بها سبعة عشر عامًا للوراء…
مريم.
نفس الملامح. نفس الهدوء. نفس البراءة.
حتى نظرة العينين… كأنها نسخة روحية منها.
حور بصوت مخنوق:
"مريم…؟"
تقدّم زياد خطوة صغيرة، وضع يده على كتف زوجته يثبّتها، فقد شعر بالارتجاف في جسدها.
ربى بخجل وصعوبة في الكلام:
"خالة حور…؟ أنا… ربى."
لم تحتمل حور المسافة بينهما، تقدّمت بسرعة وانحنت لتحتضن ربى بقوة رغم الكرسي، وكأنها تعانق جزءًا لم يندثر من صديقتها الراحلة.
حور وهي تبكي:
"كبرتي… يا ربى… يا الله… أنتِ نفس ملامحها… نفس الطيبة…"
ارتبكت ربى، رفعت يدها ببطء حتى لا ترتعش.
ربى بخفوت:
"ماما كانت دائمًا تقول إنّكِ كنتِ أقرب الناس لها…"
انزلق دم من عين زياد، مسحه بسرعة كي لا تراه ابنته.
بينما ليل وقفت بجوارهم تمسح دموعها وتبتسم، فقد شاهدت كيف أنّ هذا اللقاء أعاد لأمها شيئًا ثمينًا.
نيروز بفرح:
"خالتي حور… أنا نيروز، تتذكريني؟ كنت صغيرة لما شفتكم آخر مرة."
حور تمسح دموعها وتبتسم:
"أكيد أتذكرك يا روحي… كبرتي وصرتي أحلى بنوتة… الحمد لله على سلامتكن كلكم."
مازن (خال ليل) ضاحكًا:
"والله رجعتوا لينا البيت كله نور يا بنات القيصري."
ملك (زوجة مازن) بابتسامة دافئة:
"الحمد لله إنكم رجعتوا سالمين. البيت اشتاقكن."
اقترب سليم القيصري وانحنى قليلًا تقديرًا.
سليم:
"شكراً لكم على استقبالكم. نحن ضيوف عندكم لحد ما تطمئن ليل وتاخذ راحتها."
زياد ابتسم رغم الألم.
زياد:
"أنتو مو ضيوف يا ابني… أنتو أهل."
عندها تقدّم بيجاد ووضع يده على كتف ربى بحنان.
بيجاد:
"خالتي حور… ربى بخير الحمد لله. العلاج ماشي، والأطباء متفائلين. وأنا معها خطوة بخطوة."
ابتسمت حور له بامتنان.
حور:
"الله يخليك إلها يا ابني… واضح إنها مستريحة معك…"
احمرّت خدود ربى فورًا، وتدفقت ضحكات خفيفة من الجميع.
---
التفتت ليل فجأة تبحث بعينيها عن أحد.
ليل:
"ماما… وين أدهم الصغير ومازن؟ ليش ما جابوهم؟ اشتقت لهم كثير..."
أجاب زياد بابتسامة هادئة رغم التعب:
زياد:
"نايمين بفيلا العيلة مع المربية… ما حبيت نصحيهم بهالوقت. بس لما يشوفوكي الصبح راح يطيروا من الفرح."
ليل بخيبة لطيفة:
"كنت بدي أحضنهم أول ما أوصل… بس ما مشكلة، بكرة."
رؤى قفزت نحو ليل وتعلقت برقبتها.
رؤى:
"بس أنا هون! توأمِك الروحية ما راح تفارقك هالمرة."
ضحكت ليل بقلبها.
ليل:
"اشتقتلك يا مجنونة."
زين بصوت مرح وهو يلوّح بيديه:
"وأنا؟ ما حد اشتاقلي؟ ألو! أفضل صديق رجع!"
ليل تضحك:
"زين! والله اشتقتلك أكثر من الجميع يمكن."
زين بتمثيل الدموع:
"هااا! سجلوها… ليل اعترفت أخيرًا!"
ضحك الجميع، وكان الجو دافئًا بشكل لم يشعروا به منذ أشهر طويلة.
---
من بعيد، كان عاصم واقفًا بجانب الطائرة، يراقب المشهد بصمت.
عينيه لا تفارق ليل.
انفراج ضحكتها… ارتعاش صوتها… دموع والدتها…
كلها أشياء كان قد سرقها منها دون أن يدرك.
اقترب منه أدهم (خال ليل) يربت على كتفه.
أدهم:
"تعال… أنت اللي رجّعتها إلنا. لازم تكون معنا."
عاصم بصوت منخفض:
"وجودي ممكن يسبب توتر… خلّي لحظتهم نظيفة."
أدهم بجدية هادئة:
"أنت غلطت… صح. بس رجعتها. هذا الشي لحاله… يكفي تخليك واقف بيننا."
رفع عاصم عينيه نحو ليل مرة أخرى.
كانت تضحك وهي ممسكة بيد والدها وأمها، وكل من حولها يحتفل بها وكأنها نجمة تعود من غياب طويل.
ابتسم… ابتسامة صغيرة، صادقة… وامتلأت عيناه بندم خفي.
عاصم (همسًا):
"الحمد لله رجعتي لبيتك… يا ليل."
*********************
بعد الضحك والأحضان والدموع…
بدأت ليل تبص حواليها، تدوّر على وشّين كانت دايمًا تشوفهم في عيلتها الكبيرة.
ليل:
"ماما… بابا… فين عمّي مراد؟ وفين نرمين؟ ليه مش شايفاهم؟"
الجملة كانت بسيطة…
بس وقعها كان زي الصفعة.
كل حاجة وقفت.
حتى الهوا حسّيته توقّف من التوتر اللي نزل فجأة.
ابتسامة زياد اختفت فورًا…
فكّه شدّ، كإنه بيكتم غضب مالوش آخر.
حور بصّت للأرض، وإيدها مسكت ذراع ليل من غير ما تحس.
حتى ريما وسليم—ولاد مراد—وشوشهم اتشدّت للحظة.
ليل (مستغربة):
"في إيه؟ أنا قلت حاجة غلط؟ ليه كدا سكّتوا؟"
ريما تخطّت الكل ومسكت إيد ليل بحنية.
ريما (بصوت واطي):
"مش وقته نحكي في الحاجات التقيلة… انتي لسه واصلة يا ليل. المهم إنك بخير."
ليل تهز راسها، متلخبطة.
ليل:
"بس عمّي مراد كان أقرب الناس ليا… إزاي مش موجود؟"
زياد أخد نفس عميق…
زي نفس حد بيحاول يمسك أعصابه بالعافية.
زياد (ببرود مر):
"مش كل الناس اللي بنحبّهم… بيطلعوا يستاهلوا الحب ده."
ليل رفعت حواجبها بصدمة.
دي أول مرة في حياتها تسمع النبرة دي من أبوها… خصوصًا عن مراد.
ليل:
"بابا؟ قصدك إيه؟ حصل حاجة؟"
وقبل ما زياد ينفجر ويقول اللي ما ينفعش يتقال…
اتقدم عاصم خطوة، كإنه بيحط جسمه بين ليل والحقيقة.
عاصم (بصوت هادي وواضح):
"ليل… مراد ونرمين مش موجودين عشان… الظروف ما تسمحش. ومش وقت الكلام عليهم دلوقتي."
ليل بصّت لعاصم كويس…
كان في حاجة في عينيه…
ندم؟
ذنب؟
وجع؟
مش عارفة، بس قلبها وجعها.
ليل (بإصرار):
"عاصم… أنت ساكت من أول ما نزلت. قولّي… فين عمّي؟"
عاصم اتردد ثانية… وبعدها بص لتحت.
عاصم:
"خلّينا نأجل السؤال ده. الليلة طويلة… وليكي حق تعرفي كل حاجة. بس مش دلوقتي."
زياد اتحرّك بحدّة، والغضب باين في صوته:
زياد:
"عاصم… دي بنتي. ولازم تعرف إن—"
أدهم قاطعه فورًا، وحط إيده على كتفه يهدّيه.
أدهم:
"زياد… مش هنا. مش قدّام البنت وهي مرهقة كدا."
ليل كانت بتبص عليهم كلهم…
كإنها شايفة خيوط سرية ماشية بين وشوشهم…
بتقول لها إن في كارثة حصلت وهي آخر واحدة تعرف.
ليل (بصوت مهزوز):
"في حاجة حصلت… وأنا آخر واحدة تعرف… صح؟"
حور بسرعة حضنتها من كتافها.
حور:
"حبيبتي… اللي حصل مش ذنبك. وانتي ما خسرّتيش حاجة الليلة… كلنا حواليكي.
تعالي ندخل… ناكل لقمة… ترتاحي شوية… وبعدين نتكلم."
سليم الشرقاوي اتقدم بخطوات مترددة… كإنه خايف من رد فعلها.
سليم:
"ليل… لو عايزة الحقيقة، نِقدر نقولهالك.
بس قلوبنا مش جاهزة الليلة… الموضوع كبير."
ريما كمان اتقربت.
ريما:
"وإحنا… أنا وسليم… وعمّي… متأذيين جدًا من اللي حصل.
فبتمنى تسمحيلنا الليلة بس."
ليل بصّت للجميع…
بعدها لباباها…
وبعدين لعاصم اللي شكله كان بيبلع صراعه الداخلي.
وفي الآخر…
هزّت راسها ببطء.
ليل:
"ماشي… خلاص.
بس بكرة… عايزة أعرف كل حاجة.
مش هعيش بنص حقيقة."
زياد قرب منها وضمّها تاني…
بس المرة دي الضمّة كان فيها وجع.
زياد:
"بوعدِك… بكرة مش هنخبي عنك حاجة."
وجواها…
حسّت إن مراد ما بقاش نفس الشخص اللي عرفته.
لكنها ما كانتش تتخيّل…
إن الحقيقة أكبر بكتير من اللي تتوقعه.
********************
الصبح اللي بعده – فيلا زياد
الشمس كانت لسه خجولة بتتزحلق من ورا ستاير أوضة الولاد لما مازن الصغير صحى الأول، بيجر رجليه من السرير بتقل.
اتثاوب قوي ومسح وشه، وبص ناحية سرير أخوه الكبير.
مازن بملل:
"يا أدهم… قوم. ماما قالت نفطر بدري النهارده."
أدهم كان صاحي من شوية، بس قاعد على ضهره، عينه في السقف… زي حد بيصارع فكرة مش عايز يصدقها.
أدهم بهدوء:
"مافيش نَفَس…"
مازن مكشر:
"أكيد عشان ليل مش هنا…؟"
أدهم ما ردش.
هو أصلاً ما اقتنعش بالقصة دي.
أخته الكبيرة مسافرة؟ قلبه كان بيصوّت إن في حاجة غلط.
مازن:
"طيب قوم… لو اتأخرنا هيسحبوا الفطار."
أدهم تنهد وقام.
الولاد لبسوا الشباشب ونزلوا السلم ببطء، متوقعين صباح هادي… من غير دوشة ليل اللي واخدين عليها.
لكن…
تحت، على الكنبة الرمادي الكبيرة…
كانت ليل قاعدة، شعرها سايب، ماسكة كباية شاي، وبطانية صغيرة جنبها.
رفعت رأسها لما سمعت خطواتهم…
وابتسمت.
ابتسامة أم… مش مجرد أخت.
ليل بدفا:
"صباح الخير… يا أحلى شابين في الدنيا."
الولاد اتثبتوا في مكانهم.
مازن كان أول واحد استوعب…
فتح بقه على الآخر… وفجأة صرخ بصوت طفولي عالي:
مازن:
"ليييييييييييل!!!"
وجري عليها بأقصى سرعته، لدرجة إنه اتلخبط في آخر درجتين، بس ما وقفش… زي قطة صغيرة فقدت عقلها من الفرح.
نط على الكنبة ورمى نفسه في حضنها، وشه مدفون في كتفها.
مازن وهو بيعيط:
"رجعتي! رجعتي! رجعتي!!!"
ضحكت ليل ومسحت على شعره وضهره.
ليل:
"آه يا روحي… رجعت. وحشّنِي موت."
ساعتها… أدهم لسه واقف.
ما اتحركش.
كان بيبصلها بنظرة حزينة قوية… خليط من صدمة وفرح وزعلة صغيرة.
ليل لاحظت…
فتحت دراعها له.
ليل:
"تعالى… يا أدهمي."
ما استحملش.
جرى عليها، بس ما نطّش زي مازن—
ارتمى في حضنها بقوة راجل صغير ضاع منه جزء ورجع له.
أدهم بصوت مخنوق:
"كنت عارف… كنت حاسس… إنك ما سافرتيش… ليه كذبتوا علينا؟"
ليل حسّت الوجع.
حضنته أكتر.
ليل بهدوء:
"أنا آسفة… آسفة قدّ الدنيا يا أدهم. والله ما كان بإيدي… وما حبيتش أفزّعكم."
أدهم رفع عينه لها…
عيونه بتلمع.
أدهم:
"أنا زعلت… قوي. بس… بس كنت بدعي ترجعي. كل يوم."
قبّلت جبينه.
ليل:
"ودعوتك وصلت… ورجّعتني."
مازن لسه ماسك في رقبتها:
مازن:
"طب ليه ما كلّمتيناش؟ ليه ما قلتيش رُحتي فين؟ ليه اختفيتي؟"
أدهم زق كتف أخوه شوية كأنه بيقول له يهدى… بس هو كمان مستني نفس الإجابة.
ليل ابتسمت ابتسامة فيها وجع بسيط.
ليل:
"أوقات… الظروف بتكون أكبر مني يا مازن. لو كنت أقدر أكلمكم… كنت كلمت الدنيا كلها. بس كنت بوعد نفسي… إن أول حضن آخده لما أرجع… هيبقى منكم."
مازن شهق وبكى تاني.
مازن:
"أنا اشتقتلك… قوي قوي…"
ليل:
"وأنا اشتقتلك قدّ البحر والسماء."
وبعدين ضحكت:
ليل:
"بصّوا عليا… بقيت أحن عليكم أكتر من ماما."
الولاد ضحكوا وهما بيعيطوا.
أدهم قعد جنبها وسأل:
أدهم:
"طب… إنتي رجعتي خلاص؟ مش هتمشي؟"
ليل بصت لهم بصدق:
ليل:
"آه… رجعت. ومش هامشي منكم تاني."
مازن مسح دموعه وابتسم:
مازن:
"طب تعالي شوفي أوضتنا! شلت كل لعبك عشان ما تتغبّرش."
أدهم بجدية طفل كبير:
أدهم:
"وأنا رتبت مكتبتك. قلت يمكن ترجعي فجأة."
ليل ما قدرتش تمنع دموع الفخر.
ليل:
"يااااه… أنا بحبكم قدّ إيه… تعالوا بقى… حضن جماعي."
واتكوروا كلهم في حضن طويل… دافي… ريحته بترجع الروح.
ولما كانوا ضاغطين عليها من الجنبين…
همست ليل جوا قلبها:
"هو ده… البيت."
رواية في قبضة العاصم الفصل العشرون 20 - بقلم سيليا البحيري
بعد كام يوم – فيلا خالد القاسمي – بالليل
الفيلا كانت غارقة في صمت يخوّف.
صور خالد القاسمي على الحيطان، وجزمة رائد القديمة قدّام أوضته…
كل تفصيلة بتفكر عاصم إنه رجع لنفس النقطة… بس مش هو نفس الشخص.
رجع وهو شايل فوق روحه حمل تقيل.
قعد على كنبة الصالة الواسعة، منوّر بس أباجورة أرضية نورها خافت.
قدّامه كوباية شاي بارد ما لمسهاش… وجنبه موبايله، ماسكه كل دقيقة… يبص فيه كأن ليل هتكلمه فجأة.
بس هي ما عملتش.
من يوم ما رجعوا من أربع أيام…
مسمعش صوتها.
ما سألتش عليه.
ولا حتى رسالة.
غمّض عينه بمرارة، وسند راسه لورا.
عاصم هامس لنفسه:
"هي حرّة…
وهي المفروض تكون حرّة من أول يوم… مش بعد ما بوّظتلها حياتها."
تنهد.
حاول يقنع نفسه إنه يستاهل الصمت ده.
فلاش باك – صوت ليل من ألمانيا
"إنت وجعتني…
سرقتني من أهلي… من كل حاجة."
"عمري ما كنت أتوقع تعمل كده فيّ يا عاصم."
فتح عينه بسرعة… كإن حد طعنه.
ضحك ضحكة قصيرة كلها وجع.
عاصم:
"وبعد كل ده… مستنيها تتصل؟
مجروحة مني… وعاوزها تبادر؟"
مد إيده، مسك الموبايل تاني، فتح الكونتاكتس… وصل لاسمها:
(ليــل)
فضل يبصل الاسم فترة… وبعدين قفل الشاشة.
عاصم:
"لأ… مش هكلمها.
مش هجرحها أكتر."
قام من مكانه، وبدأ يتمشى رايح جاي في الصالة…
خطواته سريعة ومتوترة.
كأنه بيهرب من فكرة بتجري وراه.
عاصم لنفسه:
"يا رائد…
سامحني يا أخويا.
جريت ورا انتقامك من الشخص الغلط…
ضيّعت بنت بريئة…
وكسرت قلب زياد…
وخّوفت البنت اللي…"
وقف.
ما قدرش يقول "اللي بحبّها" بصوت عالي.
رجع قعد… حط راسه بين إيديه.
عاصم:
"لو كنت راجل بحق…
كنت رجّعتها من أول يوم.
كنت صدّقت اللي كانوا بيقولوهولي.
بس… لأ.
تماسكت ورا العنادي… ورا نديم… ورا الغلط."
رفع راسه… عينه زجاج.
عاصم:
"وهي دلوقتي… رجعت لحضن أهلها.
المكان اللي يليق بيها…
مش هنا.
مش جنبي."
عدت لحظة طويلة…
سكوت…
وأنفاس محبوسة.
وبعدين قام.
راح لدرج صغير جنب المكتب… فتحه… وطلّع عقد الجواز.
بص للورقة فترة…
عدّى صوابعه على اسمها كإنها واقفة قدّامه.
عاصم بصوت مكسور:
"هطلّقها بكرة.
مش هسيب اسمي عليها يوم زيادة…
لازم ترجع بنت زياد…
مش زوجة واحد خطفها."
ضحك ضحكة قصيرة فيها سخرية من نفسه.
عاصم:
"كنت فاكر الانتقام هيعالج…
طلّع الندم بيوجع ميت مرّة أكتر."
قعد على طرف الكنبة… ميل بجسمه لقدّام.
عاصم:
"ربنا يكون في عونك يا ليل…
لو تقدري… سامحيني.
ولو ما تقدريش… حقّك."
نزلت دمعة على العقد…
مسحها بسرعة، كإنه خايف تسيب أثر.
عاصم:
"ياااه… يا غبائي.
غلط… وغلط أعمى."
مسك الموبايل تاني…
فتح الشات بتاع ليل…
كتب حاجة… ومسحها.
كتب كلمة تانية… ومسحها.
وفي الآخر… حط الموبايل بعيد.
عاصم:
"لأ… مش هكلمها.
كفاية اللي حصل.
فضل خطوة وأصلّح اللي أقدر أصلّحه."
وقف… بص من شباك الفيلا الكبير.
الشارع هادي… والليل سواد.
لكن جوّاه… كان مولّع.
عاصم بصوت ثابت بس موجوع:
"طلاق… وخلاص.
هي هترتاح…
وأنا أعيش بغلطي.
عادي… أستاهل."
غمّض عينه.
وفي الصمت…
كان واضح جدًا:
هو ما يريدش يطلّقها.
بس مقتنع إن ده العذاب اللي يستحقه…
والراحة اللي تستحقها هي.
*********************
في فيلا الزهراوي
كانت الشمس في منتصف الصباح، تتسلّل بخجل من بين ستائر الصالة الواسعة، ترمي خطوطًا ذهبية فوق الأرضية اللامعة. كان البيت ينبض بحركة خفيفة… دفء… وصوت ضحكات صغيرة تتناثر هنا وهناك.
ليل جلست على الأريكة، قدماها مطويتان بجانبها، وجهها أكثر إشراقًا مما بدا منذ أسابيع… ربما لأنه للمرة الأولى منذ زمن، كانت وسط عائلتها حقًا.
إلى يمينها كان مازن، الصغير ذو العشر سنوات، ملتصقًا بها كأن أحدًا قد يخطفها مجددًا لو ترك يدها.
وإلى اليسار جلس أدهم، الأكثر هدوءًا ورزانة رغم صغر سنه، لكنه كان يراقبها بعينين واسعتين تحملان شيئًا من القلق المكبوت.
من الطرف الآخر للصالة، كان زياد مستلقيًا على كرسيه الطبي المريح، يحتسي كوب الأعشاب الذي تصرّ حور أن يتناوله كل صباح. ورغم الآثار الواضحة لإصابته… إلا أن عينيه كانتا تلمعان كلما وقعت على ليل.
أما حور، فكانت تتحرك بخفة في المطبخ المفتوح، ترتّب الأشياء بلا هدف حقيقي… فقط لأنها سعيدة بوجود ليل تحت سقفها من جديد.
مازن (بحماس بريء وهو يهزّ قدمه):
ليل! قوليلي… ألمانيا حلوة؟ يعني… فيها ثلج؟ فيها ناس أشقر كتير صح؟
ليل (تضحك بخفّة، تمرر يدها على شعره):
أيوه يا مزون… فيها كل ده. الثلج، والناس الشقر… وكل حاجة.
مازن:
طب ليه ما صورتيليش فيديو؟ انتِ وعدتيني قبل ما "تسافري" إنك هتبعتيلهالي!
ضحكت ليل بخجل… ثم نظرت إلى والدها الذي خفض عينيه قليلًا.
تفهمت. إذن هما بالفعل أخبراه أنها سافرت.
ليل (بنبرة حنونة):
كان… كان صعب يا مازن. مكنتش قادرة أمسك الموبايل كتير. كان عندي ظروف.
أدهم (يرفع حاجبه بذكاء أكبر من عمره):
ظروف… ولا حد ضايقِك؟
أنا حاسس إن في حاجة. أنتِ… مكنتيش مبسوطة، صح؟
ليل جمدت لثانية.
زياد شدّ نفسًا طويلًا، كأن قلبه ضُرب فجأة، بينما حور استدارت بالكامل تنظر إلى أدهم بدهشة.
حور (بصوت منخفض):
أدهم…!
أدهم (بإصرار طفولي لكنه ناضج):
أنا فاهم كل حاجة يا ماما…
بابا اتعور… ليل اختفت… ورجعت فجأة…
وكل الناس كانت متوترة. يعني في حاجة حصلت، وأنا مش صغير للدرجة دي.
ليل شعرت بدمعة صغيرة تسخن أسفل جفنها، لكنها خبأتها بابتسامة هادئة.
ليل (تمد يدها وتشد أدهم لحضنها):
بس دلوقتي… أنا بخير. صدقني.
ومهما حصل… أنا رجعت، ومش هبعد عنكم تاني.
أدهم انكمش داخل حضنها، وسمحت له يريح رأسه على كتفها… بينما مازن صعد فوق الأريكة وحاصرها من الجهة الأخرى.
---
مازن (ينظر إليها بفضول أكبر):
طب… هو الشاب اللي كان معاكي… اسمه إيه؟ بابا قال عاصم؟
هو لطيف؟ بيضحك؟ بيحب يلعب كرة؟
زياد شهق بصمت…
حور تجمّدت مكانها، تمسك الملعقة بقوة…
ليل شعرت بقلبها ينكمش.
عاصم.
الاسم وحده يحمل طعمًا مرًا وحلوًا في آن واحد.
التفتت إلى الصغار… تحاول أن تبدو عادية.
ليل (بابتسامة صغيرة مرّة):
أيوه… اسمه عاصم.
و… هو طيب. جدًا. حتى لو الظروف بينا كانت معقدة شوية.
مازن (يفتح عينيه بدهشة):
هي كانت بينكم مغامرة؟!
يعني زي الأفلام؟
ليل ضحكت، لكن ضحكتها خافتة… ممزوجة بأشياء لا يفهمها طفلان في هذا العمر.
ليل:
حاجة شبه كده يا مزون…
زياد ترك الكوب من يده، واتكأ قليلاً للأمام.
زياد (بصوت أبوي تحمل فيه بقايا القلق):
ليل…
لو الجو تقيل عليك، نغير الموضوع.
ليل هزّت رأسها بلطف، وعيناها تلمعان بحنان:
ليل:
لا يا بابا… أنا تمام.
أنا معاكم.
ده أهم من أي حاجة في الدنيا.
أدهم رفع رأسه، ينظر إليها بثقة جديدة:
أدهم:
وإحنا كمان معاكي.
وأي حد يضايقك… بس قولي.
مازن رفع يده بحماس:
مازن:
حتى لو كان طويل وعضلات!
أنا هعضه!
انفجر الجميع بالضحك…
حور وضعت يدها على قلبها وهي تضحك حتى اختفت حدة التوتر من وجهها…
وزياد ضحك ضحكة خافتة لكنها صادقة.
ليل مسحت دمعة صغيرة—دمعة فرح خفيفة، أخيرًا… شعرت بالامان.
ليل (تحتضن الاثنين بقوة):
إنتوا أغلى حاجة عندي…
ومهما حصل… مش هبعد تاني.
ولا ثانية.
وهم التصقوا بها، واحد من اليمين وواحد من اليسار…
بينما البيت امتلأ بضحكات خفيفة…
ضحكات تشبه بداية شفاء.
*********************
ركض مازن وأدهم إلى الحديقة الخلفية، أصواتهما تتلاشى مع ضحكاتهما البريئة.
هدأ البيت فجأة… وكأن الصمت صار أثقل من الهواء نفسه.
ليل بقيت جالسة في مكانها، قدماها تسحبان فوق الأرض، يداها معقودتان فوق بعضهما كمن يخشى أن ينهار لو أرخاهما.
زياد أعاد ترتيب جلسته، يزيح الوسادة خلف ظهره ببطء… ملامحه جدية الآن، لكنها خالية من القسوة.
حور جلست بجانب ليل بهدوء، تضع يدها فوق يد ابنتها دون أن تتكلم.
زياد (بصوت منخفض لكنه واضح):
ليل…
إحنا محتاجين نتكلم عن حاجة.
وما ينفعش تفضّلي تهربي منها أكتر من كده.
ليل شدّت نفسًا سريعًا.
تجنّبت عينيه، وكأن نظراته تستطيع الوصول إلى عمق الجرح الذي تحاول إخفاءه.
ليل:
بابا… لو ممكن… نأجّل—
زياد (يقاطعها برفق):
لا.
الموضوع ده يهمّك… ويخصّ حياتك.
وإحنا مش هنا عشان نضغط عليك، بس عشان نساعدك تفهمي نفسك.
حور لم تقل شيئًا… لكنها ضغطت على يد ابنتها ضغطًا خفيفًا، وكأنها تقول احكي… أنا معك.
ليل أغلقت عينيها، وكأنها تحاول الهروب إلى الداخل… لكن الداخل نفسه كان معركة.
زياد:
نيّتك إيه مع عاصم؟
عايزة تكملّي… ولا تنفصلي؟
كأن السؤال صفعها.
فتحت عينيها ببطء… وبدلاً من الإجابة، خرجت ضحكة قصيرة، مرّة… سخرية من نفسها.
ليل:
أنا… أنا مش عارفة.
ولا حتى فاهمة أنا إزاي وصلت للمرحلة دي.
زياد انتظر.
لم يقاطعها.
ليل حركت يديها بعصبية، ثم وضعت كفّها على جبينها… تهرب، ثم تعود لنفس الدوامة.
ليل (تتنفس بثقل):
أنا… بحبه.
دي الحقيقة اللي مش قادرة أخبيها أكتر.
هو… كان قدامي شهور طويلة.
كنت بشوفه… وهو مش شايفني زي ما أنا.
وبعد كل اللي حصل… بعد اللي عمله…
لسه قلبي بيتشدّ ناحيته.
أنا بكره ده… بكره نفسي ساعات.
نزلت دمعة سريعة دون أن تنتبه.
حور (بحنان مؤلم)
ليل…
لكن ليل تابعت، كأن الكلمات تخرج بعد احتباس طويل:
ليل:
بس…
برغم كل ده…
أنا موجوعة.
موجوعة جدًا.
صوتها انكسر للحظة…
أخفضت رأسها كطفلة تُوبّخ بلا رحمة.
ليل:
هو خطفني…
هدّدني…
كسّر ثقتي…
وأذاني نفسيًا بشكل… أنا نفسي لغاية دلوقتي مش مستوعباه.
وازاي…؟
ازاي حد يحب حد… وفي نفس الوقت يبقى منهار منه؟
زياد أغمض عينيه لحظة، كأنه يشاهد كل ما مرّت به أمامه.
زياد:
اسمعيني يا ليل…
أنا مش هقولك تنسي اللي حصل.
ولا هقولك إنك لازم ترجعي له.
بس هقولك الحقيقة اللي أنا شايفها…
عاصم اتربّى هنا.
ومهما اتغير… الخير اللي فيه ما راحش.
هو غلط… غلط جامد…
بس كمان كان أعمى من كتر القهر.
وأنا… سامحته.
ليل رفعت عينيها بسرعة… صدمت.
ليل:
سامحته…؟
بابا، ده… ده اتّهمك…!
زياد (هونًا)
عارف.
وعارف إنه كان بيموت من جواه.
والإنسان لما ينكسر… ساعات بيأذي أكتر ناس بتحبه.
ليل تنفست بارتعاش.
كأن الكلام يضرب منطقة في قلبها كانت تخاف الاقتراب منها.
حور (بصوت هادئ جدًا):
بس يا ليل…
القرار قرارك.
مش قرارنا.
مش قرار عاصم.
لو رجعتي له… لازم تكوني متأكدة إن قلبك قادر يسامح.
ولو مش قادرة… الانفصال مش عيب.
ليل وضعت يدها على قلبها، تضغط عليه بخفّة… كأن الألم جسدي.
ليل:
أنا… تعبانة.
مش قادرة أفكر.
كل ما أقفل عيني… أفتكر لحظات صعبة.
وكل ما أفتكرها… ألاقي قلبي بيقولي إن في لحظات تانية كانت…
كانت حقيقية.
كانت دافية.
كانت… ليّا وأنا حتى ما كنتش فاهمة.
زياد مال للأمام، صوته منخفض لكن ثابت:
زياد:
يبقى خدي وقتك.
ما فيش حد هيجبرك.
ولا في قرار لازم يتاخد النهارده.
بس المهم… ما تهربيش من مشاعرك.
واجهِيها… حتى لو وجعتك.
ليل أغمضت عينيها للحظة طويلة…
ثم فتحتها ببطء.
ليل (بهمس):
أنا… هفكر.
بس مش دلوقتي.
لسه مش مستعدة… أكون أي حاجة غير بنتكم اللي محتاجة ترتاح شوية.
زياد ابتسم بحنان أبوي مؤلم:
زياد:
ده حقك… يا حبيبتي.
حور سحبت ليل لحضنها…
حضن طويل، يشبه حضن أمّ تعيد لابنتها الإحساس بأنها ليست وحدها.
ليل لم تتكلم بعدها…
الدموع انزلقت بهدوء…
وبين كل دمعة وأخرى… كانت تشعر بأن جزءًا صغيرًا من الاختناق يتفكك.
***********************
في سجن القاهرة – أوضة الزيارات
الأوضة كانت خانقة… الهوا واقف، واللمبة البيضا اللي فوق بتنزل نور فاضح… كإنها بتعرّي الروح قبل الوش.
حيطان رمادي وسخة… ترابيزة حديد في النص… وكراسي متصدّية ما تعرفش الرحمة.
الباب الحديد فتح بصرير يخوّف.
دخلت ريما الأول.
خطوتها كانت مترددة… مش من الخوف من الراجل اللي قاعد قدامها، لكن من الانهيار اللي عارفة إنه جاي.
وشها شاحب… عنيها حمر… وبقّها بيرتعش رغم محاولتها تتماسك.
وراها دخل سليم…
راسه لتحت… إيديه مضمومين… وشه باين عليه عشر سنين زيادة من الهمّ.
مراد بصّ عليهم…
نظرة واحدة… وبعدها رسم ابتسامة سخيفة، باردة، خالية من أي روح.
مراد (ساخر):
"هاا… العيلة المحترمة افتكرت إن ليها أب؟
ولا إنتو جايين تودعوني قبل ما أعفن هنا؟"
ريما وقفت ساكنة.
سليم ما رمش حتى.
تقدمت ريما خطوة صغيرة… صوتها مكسور بس ثابت:
ريما:
"إحنا جينا… مش عشانك.
جينا… نقول آخر كلمة.
نقفل الباب اللي سبتّه مفتوح… وجع سنين."
مراد ضحك… من غير ما يبصلها.
حطّ إيديه المتكلبشتين على الترابيزة… وانحنى كإنه مستمتع.
مراد:
"اتكلموا… سلّوني شوية.
الزنزانة أرحم من وشوشكم… بس مش مشكلة."
ريما عضّت شفايفها لحد ما الدم نزل.
بصّت له فترة… تدور على أي أثر للأب اللي رباها.
ما لقيتش.
لقيت غريب… قاسي… ميت من جواه.
ريما:
"كنت أتمنى…
بس كلمة منك تريحني.
كلمة أنا آسف…
أو حتى تقول سمعاكم.
بس أنت…
عمرك ما كنت أب."
مراد رفع حواجبه… كأنها بتحكي نكتة.
مراد:
"آه طبعًا… وأنا المفروض أوقف حياتي عشان بنت فقدت عقلها؟
ولا يمكن… سيبتي جوزِك؟ هـه؟"
ريما اتكسرت.
ريما (وجع):
"أنا ما سبتش بيتي كده…
أنا كنت بنخنق.
عايشة في ظِل جريمة… وإنت السبب.
هربت عشان أعرف الحقيقة…
وهربت عشان ما أظلمش ابني."
سليم لفّ بسرعة… مصدوم:
"ابنك؟!"
بس ريما ما بصّتش عليه…
كانت مركّزة بس على عنيْن مراد… مستنية أي رد فعل.
وهو؟
ولا كإنه سمع حاجة.
مراد (برود قاتل):
"طب… حامل… وبعدين؟
لازم أرقص؟
ولا أوزع شوكولاتة جوّا السجن؟"
الكلمة ورا التانية كانت سكاكين في قلب ريما.
ريما (تبكي):
"كنت أتمنى… لحظة بس… تبقى أب.
لحظة واحدة!"
مراد هز دماغه بزهق.
مراد:
"أنا ماليش دعوة لا بحملك… ولا بعيالك.
إنتو اخترتوا طريقكم… وأنا اخترت طريقي.
وكل واحد يشيل شيلته."
ريما حطت إيديها على بطنها… بتعيط بصمت.
وسليم؟
خلص… فاض بيه.
قرب فجأة… قعد بعنف على الكرسي اللي قدام مراد…
مال لقدّام لدرجة وشوشهم قربت جدًا.
سليم (صوت منخفض بيرتعش):
"عايز تعرف نتيجة اختياراتك؟
تعرف سيبت وراك إيه؟"
مراد بصّله بلا أي مشاعر.
مراد:
"اتكلم يا فيلسوف… وباختصار."
سليم ابتسم… ابتسامة موجوعة.
سليم:
"أنا…
أنا كنت فخور بيك.
كنت أمشي وراسي لفوق… بس عشان ابن مراد.
كنت أقول لروى إنك أعظم راجل…
أقولها: بابا بطل… بابا شريف… بابا قدوتي.
وكنت مصدّق الكذبة دي ٢١ سنة!"
صوته اتكسر…
إيده بترتعش.
سليم:
"يوم ما كل حاجة اتكشفت…
أنا انهرت.
رجولتي… اتكسرت.
ثقتي بنفسي… راحت.
كل حاجة… وقعت."
رفع عينه مباشرة لمراد.
سليم:
"تعرف يعني إيه الناس تبصّلي بخوف؟
تعرف يعني إيه أخرج الشارع… وأحس إن كل الناس شايفين فيّا نسخة مصغرة منك؟
تعرف يعني إيه أحب بنت… وأخاف ألمس إيدها… لأني شايف نفسي ابن مجرم؟"
مراد تنهد بزهق… كأنه بيسمع حكاية سخيفة.
مراد:
"خلصت؟
ولا لسه هتعيط شوية؟"
سليم (يصرخ):
"إنت… عمرك ما كنت أب!!!"
سكتت الدنيا لحظة.
سليم قرب أكتر… وشه كلّه حزن.
سليم:
"١٢ سنة… بقول لرؤى إنك أعظم أب…
إنك قدوتي…
يا ريتني مت قبل ما أعرف حقيقتك."
ابتسامة خبيثة اتوسعت على وش مراد.
مراد:
"آه… رؤى.
بنت أدهم.
بنت الحقير.
ولا تحلم تكون جزء من عيلتنا.
بنت عدوي؟
تبقى مجنون لو فاكر اني موافق عليها."
اتكسر شيء جوّا سليم… للأبد.
سليم (بصوت مبحوح قوي):
"تعرف أصعب لحظة في حياتي إيه؟
إني بقيت أشوفك… ميت.
ميت وانت عايش.
والأسوأ…
إني خايف أبقى زيّك يوم."
مراد ضحك بخبث… ضحكة سامة.
مراد:
"ما تخافش…
الدم ما بيكدبش.
وممكن… تطلع زيي فعلًا.
وأنا؟
أفتخر."
صرخة سليم طلعت من مكان ما حد لمسُه قبل كده:
سليم:
"لااا!!!
أنا مش زيّك!!!
ولا هبقى زيّك!!!
إنت…
إنت لعنة…
وأنا…
هقطعك منّي!
من قلبي!
من حياتي!"
الحراس قربوا.
ريما بتعيط بحرقة:
ريما:
"سليم… لا… خلاص… أرجوك…"
بس سليم كمل:
سليم (يصرخ):
"من اللحظة دي…
ما لكش ابن اسمه سليم.
ولا بنت اسمها ريما.
الدم بينا… انتهى.
إنت بالنسبالنا…
ميت.
ميت وخلاص."
مراد رفع كتافه ببرود:
مراد:
"براحتكم.
الاسم يفضل…
والدم يفضل…
غصب عنكم… إنتو ولادي."
سليم غمض عينه… دموعه نازلة.
ريما مسكت إيده… وسحبته ناحيّة الباب.
وقبل ما يخرجوا، مراد قال:
مراد:
"ما ترجعوش…
مش ناقص وشوش بتلومني على ضعفها."
سليم وقف لحظة…
لفّ، من غير ما يبص في وشه:
سليم:
"إحنا مش ضعاف…
إحنا مكسورين.
ونص الكسر…
كان إنت."
وخرجوا.
الباب اتقفل بصوت زي سقوط عالم كامل.
أما مراد…
قعد مكانه…
يهز رجله…
ويبتسم ببرود.
كإن ولا حاجة حصلت.
***********************
في مكتب عاصم في الشركة
الجو كان هادي بشكل يخوّف. ضوّ الشمس داخل من الزجاج الكبير، بس عاصم ما كان شايف منه ولا حاجة…
قاعد ورا مكتبه، وكإن الوقت واقف.
الأوراق قدّامه مكومّة… وهو مش بيقرا.
عنـيه ثابتة على نقطة مش موجودة… أكتر ما تكون قدّامه.
اسم ليل معدّي في دماغه كل ثانية.
تنفّس بعمق، ومسح وشه بإيده…
النهارده لازم يطلّقها.
ده اللي قاله لنفسه من أسبوع.
وده اللي مش قادر يعمله بقاله أسبوع.
طقّ خفيف على الباب قطع شروده.
والباب اتفتح من غير ما يستنى إذن…
دخل بيجاد الأول — طويل وضخم، وشه أغلب الوقت هادي بس عنيه بتفضحه.
ورا منه سليم القيصري، بابتسامة هادية لشخص شايف عاصم من أيام المدرسة.
بيجاد (ساخر بخفة):
واضح إنك مش هنا خالص.
قعدنا برّه ربع ساعة نشوف هنكسر الباب ولا لأ.
سليم القيصري:
كنت بقوله نكسره… بس قال ندّيك فرصة أخيرة قبل ما نرتكب جريمة.
عاصم ما ابتسمش… بس رفع راسه بنَظرة تقيلة.
عاصم:
إيه اللي جابكم؟
بيجاد قعد قدّامه من غير إذن.
سليم قعد في الناحية التانية، دايس دراع على دراع:
سليم:
جينا نشوف صاحبنا… اللي واضح إنه بيغرق لوحده.
عاصم ما اتكلمش.
الصراع اللي في عنيه كان واضح… خليط من غضب وخجل وضياع.
بيجاد (بصوت هادي):
هي عن ليل… مش كده؟
نظرة عاصم نزلت فورًا.
ما احتاجش يقول كلمة.
سليم:
عاصم… من يوم ما رجعتوا من ألمانيا وإنت مش طبيعي.
وأول مرة أشوفك بالمنظر ده… حتى وإحنا مراهقين وورطنا نفسنا زمان.
عاصم بلع ريقه، وفجأة وقف، حاطط إيديه على الطرابيزة بقوة:
عاصم:
أنا… مكسوف.
فاهمين يعني إيه؟
مكسوف من نفسي… ومن اللي عملته…
من الطريقة اللي عاملتها بيها هناك… كإني مش عارف قيمتها.
وبعدين أرجع هنا وأقول هطلّقها؟
أنا… مش عايز أظلمها أكتر ما ظلمتها.
بيجاد قرب منه، وحط إيده على كتفه:
بيجاد:
اللي حصل غلط… بس مش نهاية الدنيا يا أخي.
وإنت أكتر واحد عارف إنك كنت سايب غضبك يعميك وقتها…
ودلوقتي إنت غير.
عاصم هزّ راسه بقوة:
عاصم:
بس ليل… تستاهل حد أحسن.
خصوصًا بعد اللي شافته مني في ألمانيا.
أنا لو مكانها… ما كنتش سامحت.
ابتسامة فاهمة ظهرت على وش سليم:
سليم:
عاصم…
إنت بتحبها ولا لأ؟
سكت.
بس العيون فضحت…
والاتنين فاهمين.
عاصم (مكسور):
آه… بحبها.
غصب عني بحبها…
وبخاف عليها مني قبل أي حد.
سليم قرب، وحط إيده على كتفه التاني:
سليم:
تمام…
لو بتحبها، ما تهربش.
اللي حصل في ألمانيا خلص…
المهم اللي جاي.
بيجاد:
وخليني أقولك حاجة…
زياد—
(يبص له بجدية)
كان هيزعق لك لو عرف إنك بتجري بدل ما تواجه.
الراجل ربّاك على الرجولة… مش الهروب.
صدر عاصم ارتفع شهيقًا.
اسم زياد دايمًا نقطة ضعفه.
حس بالخجل أكتر.
عاصم (بصوت منخفض):
أنا خيّبت ظن الكل…
خيّبت ليل…
خيّبت زياد…
وخيّبتكم.
سليم ضحك بخفة:
سليم:
إحنا؟
ولا مرة خيّبتنا.
إحنا إخوات… مش أصحاب بس.
والأخ لو وقع… بنقومه.
بيجاد:
وإنت يا عاصم… مش عايز تطلّقها.
إنت عايز تهرب من إحساس إنك قصّرت.
بس هقولك الحق:
ليل بتحبك.
وإنت بتحبها.
والتنين اتعذّبتوا…
بس المرة دي لازم تواجه.
قعد عاصم تاني… كإن جسمه تقيل.
رفع عينيه لهم… وفيها وجع متدفن.
عاصم:
ولو رفضت تسامحني؟
سليم:
تحاول… مرة واثنين وعشرة.
المهم ما تسيبهاش قبل ما تقول لها اللي في قلبك.
بيجاد:
وهي أصلاً… مش عايزة طلاق.
هي عايزة راجل يكون صريح… مش راجل يهرب.
عاصم تنفّس جامد… خبّى وشه بإديه…
ولما نزلهم، كان فيه حاجة جديدة في عنيه — خوف… بس قرار.
عاصم:
هشوفها.
وهقول لها كل حاجة.
وأصلّح اللي أقدر أصلّحه… مهما حصل.
سليم ربت على كتفه:
سليم:
هو ده.
بيجاد:
وإحنا معاك… على طول.
نظرة امتنان مرقت في عيني عاصم…
ولأول مرة من أيام، ابتسامة صغيرة طلعت على وشه.
عاصم:
ربنا يخليكم…
لو ما كنتوش موجودين… كنت اتخنقت.
سليم:
إحنا لو إنت بتتخنق… بنسحبك غصب.
إخوات عمر يا راجل.
بيجاد (ضاحك):
ولو عايزنا نيجي معاك لليل… نيجي.
نحطّ رُعب ثلاث عائلات في ضهرِك.
عاصم ضحك…
ضحكة حقيقية أخيرًا.
عاصم:
لا…
المرة دي لازم أروح لوحدي.
أخوَف أجيبكم وتبوّظوا الدنيا.
سليم:
إحنا؟ نبوز؟
عيب الكلام ده!
بيجاد:
إنت اللي تخاف على ليل من سليم… مش العكس.
التلاتة ضحكوا…
والصمت رجع… بس صمت مريح المرادي.
وبصوت ثابت، قال:
عاصم:
النهارده…
هروح لليل.
وأقول لها كل حاجة…
ولو عايزة تمشي…
أكون راجل للنهاية.
بيجاد وسليم حطّوا إيديهم على كتفه… وزقّوه زقّة معنوية.
بيجاد:
قوم…
الوقت مش بيستنى حد.
سليم:
وروّح… وهات لنا خبر يفرّح القلب.
********************
فيلا الراوي – مائدة الفطار – الصبح
الفيلا كانت هادية على غير العادة…
شمس الصبح داخلة من الشباك الكبير، منوّرة الترابيزة اللي قاعدة عندها نوال، بتزقّ الأطباق قدّامها رايحة جاية بعصبية، كإنها بتفَرّغ توترها في الصحون.
منذر كان قاعد بهدوءه المعروف، بياكل بالراحة…
عينيه الشاطرة اللي ما يفوتهاش حاجة بتتنقل بين نوال اللي شكلها مضايق… وبين رُبى اللي قاعدة على طرف الترابيزة على كرسيها المتحرّك، بتحاول تخبّي ارتباكها ووجعها.
ربى كانت لابسة فستان بسيط… شعرها مرفوع بنعومة…
ورغم محاولتها تبتسم… عينها الشمال كانت كل شوية تهرب للأرض، وإيديها بتترعش وهي ماسكة الشوكة.
منذر (بهدوء متقن):
"اتفضّلي يا بنتي… كُلي. البيت بيتِك. مافيش حياء ولا كسوف."
ربى رفعت عينيها ببطء… صوتها طلع متقطّع زي حالتها من يوم ما بدأت تتحسن:
ربى:
"شـ… شكرًا… عمّي… منذر."
ابتسم لها برقة:
منذر:
"عمّي إيه؟ ده أنا أبو بيجاد… يعني أبوك. ناديلي عمّي… أو أبو بيجاد… اللي يريّحِك."
ضحكة خفيفة هربت من ربى… لكنها سكتت فورًا.
فجأة نوال رمت الفوطة على الترابيزة بعصبية:
نوال (بالغضب المكبوت):
"دي بنت… بنت مين؟
احنا ما نعرفش عنها حاجة!
اتجوزها فجأة كده؟ ومن غير ما يرجعلي؟
وإحنا عيلة… وعمرنا ما خبّينا حاجة عن بعض!"
ربى تجمّدت مكانها.
رجفة إيديها زادت، وبلعت ريقها بالعافية.
منذر بصّ لمراته ببطء… وبصوت هادي لكن قاطع:
منذر:
"نوال… البنت عملِتلك إيه؟
إيه ذنبها عشان تتكلمي عنها بالشكل ده؟"
نوال سكتت لحظة… وبعدين تنهدت بضيق:
نوال:
"ما عملتش حاجة… بس…
أنا أُم! وكنت عايزة ابني ياخد بنت نعرف أهلها…"
ربى حاولت تبتسم يمكن تهدي الجو… بس شفايفها خانتها وترجفت.
ربى (بصوت واطي ومتقطع):
"أنا… آسفة…
لو… لو كنت سبب ضيق ليكم…"
منذر خبط المعلقة في الترابيزة خبطة بسيطة بس مسموعة:
منذر (بحزم):
"لا.
مافيش حد هنا يعتذر… إلا اللي غلط."
نوال حرّكت راسها بعصبية… الإحراج باين عليها لكن لسه ماسكة في رأيها:
نوال:
"أنا مش ضدّها… بس…
كنت متصوّرة عروسة ابني تبقى بنت خالته…"
الجملة نزلت على الترابيزة زي الحِجر.
ربى اتطعنت…
عينها زاغت… ووشها شاحب فجأة.
منذر أخد نفس طويل… وبنبرة واضحة:
منذر:
"تالين؟ بنت لمى؟
اللي بقت داخلِة البيت عاملة حسابه؟
ولسانها أطول من شعرها؟"
نوال اتصدمت:
نوال:
"منذر! دي بنت أختي!"
منذر (بارد):
"وعارف هي إيه وتربيتها شكلها إيه.
وإنتي لو اتخدعتِ في أختك… أنا ما اتخدعتش."
ربى حاولت تقول أي كلمة… حتى لو كانت مش قادرة…
ربى (بتردد وبطء):
"لو… لو بيجاد… عايز… تالين…
أنا… أقدر… أرجع…"
نوال اتشدّت.
ومنذر لفّ عليها بسرعة:
منذر (لأول مرة بحدّة):
"إيّاك.
إيّاك تفكّري في الكلمة دي تاني يا ربى."
ربى عينها وسعت.
منذر (يلين شوية):
"بيجاد مش من النوع اللي ياخد قرار طايش.
ولو اختارك… يبقى اختارك بقلبه… وبعقله…
وأنا واثق في ابني زي ما بوثق في نفسي."
دموع ربى نزلت… هادية… من غير صوت.
كانت بتهز راسها بتأثر.
نوال حسّت بوخزة ضمير… بس لسه الغيرة من أختها وخوفها من تالين ماسكها.
منذر قرب من ربى، قعد جنبها، ومسَك إيدها اللي بترتعش:
منذر (بابتسامة أبوية):
"وبعدين يا بنتي…
إنتي قوية.
وشجاعة.
ولو ربنا كتبلك بعد إصابتِك ترجعي تتمشي… وترجعي تتكلمي…
يبقى ربنا مش هيكسرك في الباقي."
ربى شهقت بخفة…
ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت…
حسّت بالأمان.
نوال فضلت ساكتة… مكسورة من جوا… بس مخبية.
وفجأة…
موبايل نوال رن.
بصّت في الشاشة…
ووشها شِحِب.
الاسم: لمى.
منذر بصّ لها… نظرة فهم كل حاجة قبل ما تقول.
نوال بلعت ريقها…
وردّت.
**********************
في ساحة كلية الإعلام، صباح مشمس
كان الحرم الجامعي مزدحماً كعادته، طلاب يتحركون في كل اتجاه، وصوت ضحكات متناثرة هنا وهناك.
دخلت ليل من البوابة الرئيسية، تتنفس الهواء بعمق، وكأنها تلتقط قطعة من حياتها القديمة التي سُرقت منها.
شعرها الطويل المنسدل على كتفيها، وحقيبتها السوداء البسيطة، وهدوء خطواتها… جعلوا الجميع يلتفت.
ظهرت رُؤى تركض نحوها فوراً، حقيبتها تتمايل يميناً ويساراً.
رؤى (بانفعال حقيقي):
ليل!! ياااه أخيراً! أخيراً! تعالي هنا!
(تحتضنها بقوة)
أنا مش مصدقة… انتي بجد قدامي!
ليل تبتسم، لكن في عينيها لمحة ارتباك خفيف.
ليل:
وحشتيني يا رؤى… والله وحشتيني.
رؤى تمسك بكتفيها وتفحصها كما لو كانت تتأكد أنها بخير فعلاً.
رؤى:
انتي كويسة؟ مفيش حاجة ناقصاك؟ شكلك ضعّف شوية.
(تنظر لليل بقلق صريح)
بابا كان هيطير من عقله لما عرف إنك راجعة الجامعة النهارده.
ليل (تضحك بخفة):
أنا بخير… كله تمام. بس لسه باخد على الجو.
وفجأة…
تجمع حولهما ثلاث فتيات من القسم—مليكات، سارة، وهناء—وهن معروفات بالنشاط الاجتماعي… والتريندات 😅.
مليكات (بحماس طفولي):
يا جماعةااا! معقولة؟! دي ليل الزهراوي؟!
سارة:
إحنا منصدقش! إزيك؟ عاملة إيه؟!
انتي بطلة بجد… كأنك طالعة من فيلم أجنبي!
هناء (تغمز):
سبعة شهور يا بنتي! إحنا كنا في نص انهيار عصبي!
والإعلام قلب مصر فوقاني تحتاني!
ليل تشعر بالإحراج من كمية العيون الموجهة لها، لكنها تحاول أن تبقى هادئة.
ليل (بابتسامة بسيطة):
أنا مبسوطة إني رجعت… وبشكركم إنكم سألتوا.
مليكات (بلهجة فضولية جداً):
طب… يعني… صحيح اللي بيقولوه؟
إنك كنتي مختطفة؟ وإن اللي خطفِك كان…
سارة (تقطعها بخبث):
وسيم! آه آه! كان وسيم صح؟
الإعلام كلّه بيقول إن اللي خطف ليل الزهراوي “شاب خطر… ووسيم”!
رؤى تنفجر ضاحكة، بينما ليل تبتلع ريقها وتخفض عينيها.
ليل (بهدوء، تتفادى الحقيقة بذكاء):
اللي اتقال في الإعلام كتير… ومش كله صح.
الموضوع مش سهل أتكلم فيه دلوقتي.
هناء:
لا لا، براحتك طبعاً!
بس إحنا فرحانين إنك رجعتي بسلام… بس بقولك إيه…
(تقترب منها وتهمس)
بصراحة إحنا كنا متوقعين إنك ترجعي من غير صابعك أو حاجة!
رؤى تضربها على ذراعها.
رؤى:
يا شيخة! اسكتي! انتي بتخوفي البنت!
ليل تضحك رغم نفسها، الجو كان أخف مما توقعت.
تتقدم سارة بحماسة أخرى:
سارة:
طب… سؤال بس ومن الآخر…
إنتي قلتِ إنك مش هتتكلمي عن اللي حصل… تمام.
بس… بجد…
إشاعة إنك كنتي معاه في ألمانيا صحيحة؟
تشد رؤى يد ليل بسرعة وكأنها تحميها.
رؤى:
يا بنات ارحموها شوية… هي لسه راجعة النهاردة!
لو سمحتو خلّوها تاخد نفس.
مليكات:
أوكي أوكي… آسفين 😅
بس يعني… إحنا صحاب ولازم نعرف!
على الأقل… انتي بخير؟
مافيش… آثار نفسية؟
خوف؟ nightmares؟ أي حاجة؟
ترد ليل بهدوء أقرب للنضج مما كانت عليه قبل سبعة أشهر:
ليل:
أكيد… مش كل حاجة بترجع زي الأول…
لكن… أنا بحاول.
وعندي ناس حواليّ بيساعدوني أتخطّى.
رؤى تنظر لها بامتنان لأنها لم تذكر الزواج.
هناء (تلمح الخاتم في يد ليل):
استني… ده إيه؟
خاتم؟!
ليل تخفض يدها بسرعة وبهدوء شديد.
ليل:
ده… هدية.
من حد قرايب.
مليكات (بحدّة الفضول الأنثوي):
قريب؟ ولا “قريب قوي”؟
يا نهار أبيض…
ليل رجعت… متجوزة؟!
ليل تضحك ضحكة ناعمة بلا تفاصيل.
ليل:
مش متجوزة…
مش دلوقتي.
خلّونا نركّز في الدراسة شوية.
سارة (تضحك):
أيوه يا شيخة… بس لو اتجوزتي في السر، احنا عايزين نعرف!
احنا صحباتك برضو!
رؤى:
تعالوا نروح المدرّج… قبل ما تتجمع علينا باقي الدفعة ونلاقي ليل على “تريند رقم واحد”.
يضحكن جميعاً…
وتتحرك المجموعة باتجاه المدرّج، وليل وسطهن، تشعر بهدوء دافئ… شعور لم تذقه منذ أشهر.
وفي داخلها همسة صغيرة:
"لو يعرفوا إني رجعت… متزوجة من اللي خطفني."
لكنها تبقي السر داخل صدرها…
وتكمل طريقها.
**********************
كانت الأجواء صاخبة، ضحكات الطلاب، ورائحة القهوة، وأصوات خطوات متسارعة بين المحاضرات.
وفي وسط الزحمة…
ظهر زين العطّار—طويل، وسيم، شعره المنفوش قليلاً، حقيبته على كتفه—يسير بخطوات متمايلة وهو يغني بصوت منخفض لكنه واضح تماماً:
زين (يغني بصوت مرح):
"يا ولاااااد… يا ولااااد… الدنيا حلوة وياكم…"
ثم بدأ يصفر بانسجام، يهز رأسه على اللحن كأنه في حفلة، لا كلية.
كان ينظر للهاتف في يده وهو يواصل الغناء…
ثم فجأة—
بووووم!
اصطدم بشخص بقوة جعلت حقيبته تقريباً تسقط.
الصوت الآخر (بنبرة غاضبة جداً):
إنت مجنون؟!
مش تبص قدّامك ولا إيه؟!
هو احنا ماشيين في ملاهي؟!
زين يرمش مرتين… يرفع رأسه ببطء…
وأمامَه تقف تالية مراد—فتاة لافتة للنظر: شعر أسود ناعم، عيون واسعة، وملامح غاضبة جداً…
ويمكن هذا ما جعلها أجمل بنظره.
زين (بصوت هادئ جداً بشكل مستفز):
إحم… صباح الخير.
تالية (تنفجر):
صباح الخير؟!!
صباح الضربة اللي كسّرت لي كتفي!
حضرتك، انت ماشي فين؟ في السيرك؟!
ولا فاكر نفسك في فيديو كليب؟!
يبتسم زين بثقة:
زين:
هو على قدّ ما كلامك وجع… بس صوتك حلو أوي وانتي متنرفزة.
تالية:
إيه؟!
انت طبيعي؟!
زين (يرفع يديه باستسلام):
لا والله… طبيعي جداً… بس بصراحة إنتي عندك كارزما لما بتزعلي…
يعني لو في اختبار "أجمل واحدة بتتنرفز" هتفوزي من غير منافسة.
تالية تحدق فيه بصدمة…
ثم تتنفس بقوة.
تالية:
أنا مش مصدقة…
انت داخل عليّ هزار وأنا كنت هقع!
وانت مشيت بالصدفة عليّ؟ ولا كنت قاصد؟!
زين:
بصي، لو كنت قاصد… كنت هاصدمك بلطف أكتر.
يعني كنت أقول "بعد إذنك أعمل حادث بسيط هنا"
بس ده صدفة… صدفة لطيفة.
تالية:
لطفية؟!
انت لسه بتتكلم هزار؟
زين (يمسك حقيبته ويعدل كتفه، بنبرة مسرحية):
طيب ماشي…
أهو أنا…
زين العطّار…
أعتذر رسميًا ووِفقاً للائحة الجامعة عن الصدمة غير المقصودة وغير المرغوبة واللي كانت لطيفة رغم اعتراضك.
تالية:
إنت فاكر نفسك مين بالظبط؟
زين (يبتسم بثقة):
أنا؟
مجرد واحد… كان يومه عادي جداً… لحد ما خبطته بنت شكلها زعلانة من العالم كله.
تالية (تشد نفساً):
أنا زعلانة منك انت… مش من العالم كله!
زين يقترب خطوة… ويخفض صوته بمرح:
زين:
طب… نبدأ صفحة جديدة؟
معلش… كنت بسرح وبغني…
بس مش قصدي أزعلك.
تالية تتردد… ثم ترفع ذقنها:
تالية:
تمام… بس خليك مركز في طريقك بعد كده.
مش كل الناس هتستحملك.
زين:
موافق…
بس…
لو اتخبطت فيّ تاني… هاعتبرها إعجاب مش صدفة.
تالية (تتسع عينيها):
إعجاب؟!
إنت جرئ أوي.
زين:
ممكن…
وممكن انتي كمان اللي لفتّي نظري.
تسكت تالية… للحظة قصيرة، يتغير تعبيرها من الغضب إلى الارتباك.
ثم تهرب من الموقف:
تالية:
أنا… عندي محاضرة.
عن إذنك.
تلتف وتمشي بسرعة، شعرها يتحرك مع خطواتها العصبية.
زين يراقبها وهي تبتعد…
ثم يلمس كتفه ويغمز لنفسه:
زين (بدهشة مبهورة):
هو أنا اتخبطت… ولا اتخبطت في قلبي؟!
يا نهار أبيض…
البنت دي مش سهلة.
ثم يضحك ويرجع يصفر نفس الأغنية…
لكن هذه المرة، بابتسامة غريبة واضحة.
*******************
في فيلا الزهراوي، غرفة المعيشة الواسعة
كانت الشمس تتسلّل بخفوت من الستائر البيضاء، تنعكس على الجدران بلون ذهبي دافئ.
جلس زياد الزهراوي على أريكة كبيرة، ظهره مسنود بوسائد، بدت عليه آثار التعب… وجهه شاحب قليلاً، وكتفه ما زال مربوطاً برباط طبي.
كانت عمّة ليل تقف بجانبه ترتّب له الدواء والماء قبل أن تخرج بهدوء.
وبمجرد أن أغلقت الباب…
وصل صوت خطوات محسوبة في الممر…
ثم طرقة خفيفة على الباب.
زياد (يرفع رأسه ببطء):
ادخل… الباب مفتوح.
تحرّك الباب، ودخل عاصم عزيز… أنيق، مرتّب، لكن ملامحه مشدودة وكأن قلبه محمّل بما لا يقوله.
ما إن رأى زياد… توقّفت قدماه لحظة.
زياد (يبتسم بضعف):
يا أهلاً… أهلاً يا عاصم.
تعال… قرب يا ابني.
يتردّد عاصم لحظة قبل أن يتقدّم، عيناه تمتلئان بشعور مختلط: احترام، وخجل، وشيء عميق يشبه الندم.
عاصم (بصوت منخفض):
كيفك يا عمّي زياد؟…
إن شاء الله أحسن؟
زياد يشير له بالجلوس:
زياد:
أحسن… الحمدلله.
مجرد إرهاق… تعرف يا عاصم، الكسر يتصلّح، لكن التعب الحقيقي جوّا الروح.
بس نشكر ربنا… أحسن من الأول.
يجلس عاصم أمامه، ظهره مستقيم، يداه متشابكتان، وكأنه طفل جاء يعترف بخطأ.
زياد ينظر إليه نظرة أبوية:
زياد:
ايه يا عاصم… واقف على أعصابك كده ليه؟
شايف عيونك مش رايقة.
عاصم (ينزل بصره):
أنا…
كنت لازم أجي أطمن عليك.
ولو مهما عملت… يظل ده أقل من حقك عليّ.
يضحك زياد بخفوت، ثم يتنهد:
زياد:
يا ابني… اللي بينا أكبر من غلط وغفران.
أنا زعلان منك؟
كنت… آه.
وبعدها… فهمت.
انت ما كنتش مؤذي.
كنت تايه… وأنا سامحتك من زمان.
ترتجف نظرة عاصم للحظة… يشعر بثقل كبير يهبط من صدره دون أن يبتعد تماماً.
عاصم:
سامحتي…
هذا الشيء أنا مقدّره أكتر من أي كلام يا عمّي.
زياد (يميل للأمام قليلاً رغم ألمه):
اسمع…
أنا عارف إنك جاي النهاردة مش بس تطمن…
بس مش هسألك.
مش هضغط عليك.
لما تكون جاهز… قلّي.
يهز عاصم رأسه بامتنان عميق، صوته يختنق قليلاً:
عاصم:
والله… أنا عمري ما عرفت أبّ حقيقي…
بس حضرتك…
أقرب شيء شفته للصورة اللي يتمناها أي ولد.
زياد يبتسم بعطف، عينيه تلينان:
زياد:
وأنا يا عاصم…
عمري ما شفت في ليل ولد يليق إنه يبقى جنبها…
غيرك.
ينكمش وجه عاصم بخجل، وتلمع عيناه للحظة.
يشير زياد للمائدة الصغيرة:
زياد:
تشرب حاجة… فواكه ولا قهوة؟
ماتخلّيش الضيف يدخل كده من غير ما نضيفه.
عاصم (يحاول أن يبتسم):
قهوة…
بس لو حضرتك ما تتعبش نفسك.
زياد:
أنا؟
أنا عاجبني وجودك أكتر من القهوة كلها.
يبتسمان…
ومشاعر كثيرة معلّقة بينهما دون كلام.
ثم ينادي زياد الخادمة لتأتي بالقهوة… بينما يظل الاثنان صامتين للحظة، صمت مليء بتفاهم عميق.
**********************
كانت الأجواء قد هدأت قليلًا بين زياد وعاصم… حتى دخلت الخادمة بخطوات سريعة مرتبكة قليلًا.
الخادمة:
أستاذ زياد… في مكالمة ليك دلوقتي.
بيقولوا إنها “مهمة”…
والمتصل… أصرّ جدًا إن حضرتك ترد.
يرفع زياد حاجبه باستغراب.
زياد:
مين؟
الخادمة:
ماقالش اسمه يا باشا…
بس صوته كان… غريب.
نظر زياد إلى عاصم نظرة سريعة قبل أن يمدّ يده للهاتف.
أخذه، وضعه على أذنه…
زياد:
ألو…
مين معايا؟
صمت.
ثوانٍ… فقط ثوانٍ.
ثم جاء الصوت…
صوت يعرفه جيدًا.
صوت لا يمكن أن ينساه.
صوت خرج كالأفعى من سماعة الهاتف:
مراد:
إزيك يا زياد؟
وحشتني…
مش توقعت إنك هتسمع صوتي… صح؟
افتكرت إنك انتصرت؟
تصلّب جسد زياد.
اتسعت عيناه.
ونبضه ضرب بقوة لا تُخفى.
زياد (بصوت منخفض مصدوم):
…مراد؟
إنت…
إنت إزاي بتكلّمني؟
أنت في السجن!
ضحكة…
ضحكة باردة، ملتوية… جاءت من الطرف الآخر:
مراد:
السجن؟
لا يا صاحبي…
أنا في انتظارك.
ومش هاقولك زي الأفلام “اللعبة ما خلصتش”…
لأ…
لأن اللعبة لسه بتبدأ.
عاصم لاحظ تغيّر ملامح زياد… فاعتدل في جلسته فورًا.
زياد (يرتجف غضبًا وصدمة):
انت…
عايز إيه يا مراد؟
كفاية اللي عملته… كفاية الدم اللي سفكته… كفاية الخراب—
قاطعه مراد بصوت أكثر ظلامًا:
مراد:
لسه ما خرّبتش كفاية…
لسه ما دمرتكمش زي ما أنا عايز.
فاكر نفسك ربّيت أجيال؟
فوق يا “باشا”…
هامسح اسمك…
وهبدأ ببنتك.
هنا…
شهق زياد بصوت خافت و وقع الهاتف من يده على الأرض.
وقف عاصم بسرعة، مدّ يده ليمسك بكتف زياد:
عاصم:
عمّي!
في إيه؟
مين على الخط؟!
زياد لم يقدر أن يتكلم فورًا…
كان وجهه صدمة صافية.
انحنى عاصم بسرعة يلتقط الهاتف من الأرض…
لكنه سمع آخر الكلمات قبل أن يُغلق الخط:
مراد:
…لسه ما خسرتش.
استنّاني يا زياد…
استنّاني “كويس”.
ثم أُغلق الخط.
رفع عاصم رأسه…
وعيناه تتسعان بصدمة لم يستطع إخفاءها.
عاصم:
مراد…
ده صوت مراد…؟
مستحيل!
إزاي خرج؟!
زياد يضع يده على رأسه، يتنفس بصعوبة:
زياد:
كان…
بيهددني…
بيقول…
هيدمّرنا…
وهَيبدأ… بليل.
سقط الصمت على الغرفة كالصاعقة.
عاصم تجمّد مكانه…
عروقه نبضت بعنف…
ويداه انغلقتا بقبضتين.
عاصم (بغضب غامق):
لأ.
مراد ما يقربش من ليل… ولا منكم.
لو خرج… يبقى الحرب رجعت من أول وجديد.
وزياد، رغم خوفه… رفع عينيه نحو عاصم:
زياد (بهمس):
عاصم…
أنا… خايف.
وعاصم رد بنبرة منخفضة، لكنها صلبة:
عاصم:
وأنا…
مش هسيبه يلمس شعرة من بنتك.
أقسم بالله… مش هسيبه.