تحميل رواية «في قبضة العاصم» PDF
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ي السماء كانت مغيمة، والريح بتعدّي على الحصى كإنها بتوشوش بأسماء اللي راحوا. وقف عاصم القاسمي قدّام شاهد رُخامي أبيض، مكتوب عليه بخط حلو: "رائد القاسمي 29/9/1995 - 12/10/2022" المطر بدأ ينزل خفيف، بس عاصم ما اتحركش. نقطة ميّه نازلة من السما خلطت بنقطة تانية… ما كانتش ميّه. فضل يبُص للاسم كتير، وبعدين قال بصوت واطي ومبحوح: "أخي… كَم مرة وعدتك إني هافضل ضلك وسِترك؟ وها أنا دلوقتي جاي أزورك… بعد ما فشلت أحميك." ركع على رُكبُه، ومدّ إيده على التراب المبلول، وعينه سِرَحت في البعيد. كمّل بصوت مخنوق بي...
رواية في قبضة العاصم الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سيليا البحيري
في فيلا سليم القيصري – الصبح
نيروز صحيت على مهَل… عينيها لسه نص مفتوحة. نور الصبح كان داخل من ورا الستاير البيضا، ملامس المخدة بهدوء. مدّت إيديها ناحية الجنب التاني من السرير… لقت الفراغ بارد.
نيروز (تهمس بتنهيدة خفيفة):
"أكيد نزل الشركة…"
اتقلبت على جنبها… وفجأة عنيها لمعت.
جنبها بالظبط… وردة حمرا، نعمة كإنها متقطوفة حالاً. لونها كان لافت للدرجة اللي خلى كل إحساسها يصحى مرة واحدة.
وبعدين شافت الصينية الصغيرة على الكومودينو:
كوباية شاي دافي… وقطعة كرواسون… وجبنة… وكل حاجة مترتّبة بدقة أكتر من اللي سليم بيعمله عادة!
مسكت الوردة الأول… ضغطت عليها بخجل بين صوابعها، ووشها ابتدى يحمر لوحده.
نيروز (بابتسامة خفيفة، بتكلم نفسها):
"يا نهار أبيض… ده كله ليا أنا؟"
مدّت إيدها للورقة المطوية بطريقة بسيطة بس شيك.
فتحتها وقرت بُصوت واطي:
رسالة سليم:
"صباح الخير يا نيروز…
ماحبتش أصحيكي. شكلك كنتي تعبانة امبارح.
فطارِك جاهز، ولو برد… سيّحيني لما أرجع.
— سليم."
ابتسامتها وسعت… من النوع اللي مايتمدّش.
عضّت شفايفها بخجل، وقلبها بيدق بسرعة وهي مش عارفة تخبيه.
نيروز (تهمس، كأنها بتلومه وهو مش موجود):
"ليه لطيف كده…؟"
رفعت الوردة لأنفها، شمّت ريحتها، وبعدها غطّت وشّها باللحاف لحظة…
كأنها عايزة تهرب من ارتباكها حتى من نفسها.
بعد كام ثانية… طلعت راسها تاني، بصّت للصينية، وقالت وهي مبتسمة جامد:
نيروز:
"ده أنت هتودّيني في داهية يا سليم…"
وبدأت تفطر بالراحة… ولسه مسكة الوردة بإيدها
كأنها مش ناوية تسيبها خالص.
بعد ما حطّت الوردة جنب الفطار، فضِلت تبصّ لها كتير…
كأنها شايلة سؤال عمرها ما كانت جريئة تسأله.
سندت راسها على ظهر السرير، وأخدت نفس طويل وهي تهمس لنفسها:
نيروز:
"معقول…؟ معقول كل ده حصل في شهرين بس؟"
بصّت لجنب سليم على السرير…
الجنب اللي كان دافي قبل ما يمشي.
عدّت صوابعها ببطء على الشرشف…
كأنها بتدور على الأثر اللي سابه.
نيروز (بتتنهّد):
"إزاي…؟ إزاي قدرت أنسى كل اللي حسّيته لعاصم؟
سنين وأنا شايلة الحب ده جوايا…
سنين فاكرة إنه أول وآخر حب في حياتي…
وفي الآخر… يختفي كده؟"
ضحكت ضحكة قصيرة…
ضحكة فيها استغراب أكتر من الفرح.
نيروز:
"يمكن… يمكن ماكانش حب زي ما كنت فاكرة.
يمكن كنت متعلقة… أو موجوعة…
أو يمكن كنت بنت صغيرة وخلاص."
تبصّ للوردة تاني… وابتسامة هادية تطلع على وشّها.
نيروز:
"بس سليم…
الراجل الغريب ده…
ولا مرة طلب مني حاجه…
ولا مرة ضغط عليّ…
كان بيعاملني كأني أخته الصغيرة… مش مراته."
تهز راسها ببطء… وعينيها فيها لمعة خجل دافية.
نيروز:
"ويمكن… يمكن ده اللي ريّحني.
يمكن لطفه… حنيته… صبره…
يمكن هما اللي خلّوني أفتح قلبي تاني… من غير ما آخد بالي."
تمسك الوردة تاني… وتقرّبها من صدرها.
نيروز (بابتسامة خجولة قوي):
"والله يا سليم… لو تعرف قد إيه غيّرتني…
حتى خوفي من الحب… راح.
وبقيت… بقيت مستنياك ترجع البيت… من غير ما أفكّر."
تغمّض عينيها شوية… وتهمس بصوت واطي قوي:
نيروز:
"يمكن… يمكن فعلاً ابتديت أحبّك…"
*********************
في الجامعة – قاعة المحاضرات
القاعة كانت زحمة كالعادة…
الصفوف اللي ورا دوشة وضحك، والصفوف اللي قدّام قاعدين بهدوء وترقّب…
لإن الدكتورة سامية معروفة إن دقيقة تأخير عندها تعتبر جريمة رسمي.
ليل كانت قاعدة جنب رؤى في الصف التاني.
ليل شاردة… بتبص لدفترها المفتوح من غير ما تقرأ كلمة.
إيدها بتلعب في القلم من غير وعي.
رؤى لاحظت الشرود ده للمرة المية، فمالت عليها وقالت بنبرة حنونة:
رؤى:
"ليل… إنتِ مش هنا. صريحة بقى… لسه بتفكّري في موضوع عاصم؟"
رمشت ليل كأنها رجعت للواقع، وبعدين تنهدت:
ليل:
"لو أقدر أبطل أفكّر… كنت عملت كده من زمان."
رؤى شبكت إيديها على الترابيزة وقالت بجدّية:
رؤى:
"طب… وصلتي لإيه؟
هتطلّقي؟ ولا لأ؟"
هزّت ليل راسها بسرعة:
ليل:
"مش عارفة… والله يا رؤى مش عارفة."
رؤى رفعت حواجبها بدهشة لطيفة:
رؤى:
"ده مش جواب… ده صراع."
ليل ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها وجع، وسندت ضهرها على الكرسي:
ليل (بصوت واطي):
"قلبي… قلبي مش معايا.
كل ما أفتكر اللي عمله… بخاف.
سبع شهور… سبع شهور بعيد عن أهلي، عن بابا، عن كل حاجة.
خطفني… قيّد حياتي… وشكّك في بابا!"
وقفت شوية… كأن الكلام بيخنقها.
ليل:
"إزاي أسامح؟"
رؤى ما قالتش حاجة… سايبالها المساحة، فليل كملت:
ليل:
"بس من ناحية تانية…
لما اتكشف كل حاجة… ولما عرفت إنه هو كمان ضحية…
وإن مراد كان بيلعب بينا كلنا…
ولما شوفت عاصم ندمان… بيعيّط يا رؤى…
ومش قادر يقابل بابا…
مع إن بابا سامحه…"
شفتها ارتعشت…
ليل:
"ساعتها حسّيت… إنه يمكن… يمكن أنا اللي قلبي ضعيف…
أو يمكن… يمكن أنا بحبّه."
رؤى ابتسمت بأسف خفيف:
رؤى:
"مش يمكن… إنتِ بتحبيه يا ليل."
ليل بصّت للترابيزة… خايفة تعترف:
ليل:
"آه…
بحبّه.
ولو اتطلقت منه… هتوجع.
ولو فضلت معاه… خايفة أتوجع برضه."
رؤى:
"قلبِك بيقول حاجة…
وعقلِك بيقول حاجة تانية.
بس السؤال بجد…
إنتِ عايزة تعاقبيه؟ ولا عايزة ترتاحي؟"
ليل فضلت ساكتة…
وبعدين وطّت راسها:
ليل (بهمس):
"مش عايزة أعاقبه… ولا أعاقب نفسي.
بس… بخاف أثق فيه واتجرح تاني."
رؤى أخذت نفس، وبعدين قالت:
رؤى:
"وخايفة أقولك كلمة تزعلِك… بس لازم تتقال."
ليل بصّت لها:
رؤى:
"كلنا اتجرحنا يا ليل.
كلنا اتخدعنا.
سليم… ريما… إنتِ… وحتى هو.
عاصم خسر أخوه بسبب كدبة.
وإنتي خسرتي سبع شهور من حياتِك.
بس لو الاتنين ما تتشافوش مع بعض…
مين هيشفي مين؟"
ليل ضغطت على القلم بين صوابعها:
ليل:
"أنا محتاجة وقت…
بس هو… هو مستعجل.
عايز يعرف هنكمّل… ولا ننفصل."
رؤى:
"ومن حقه يعرف… ومن حقّك تتأكدي.
بس المهم… القرار يبقى طالع من قلبك.
مش من الخوف… ولا من الماضي… ولا من كلام الناس."
ليل ابتسمت لأول مرة:
ليل:
"تصدقين يا رؤى؟
نفسي حد ييجي يقولّي… اعملي كده وماتعمليش كده.
كان زماني مرتاحة."
رؤى ضحكت بخفة:
رؤى:
"يا بنتي… لو الحياة كده…
كان زمانك متجوزة ممثل كوري وعايشة في قصر!"
ليل ضحكت غصب عنها:
ليل:
"يا ريت…"
رؤى:
"طب خلاص… ناوية على إيه؟"
قبل ما ترد ليل… الدكتورة سامية دخلت فجأة.
والقاعة كلها سكتت في ثانية…
كأن عاصفة دخلت من الباب.
وقفت قدّامهم بنظرتها اللي تخضّ:
الدكتورة سامية:
"صباح الخير…
ويا رب تكونوا مستعدين…
عشان محاضرة النهارده مش سهلة."
رؤى مالت بسرعة على ودن ليل:
رؤى:
"بعد المحاضرة… مش هاسيبِك غير لما نكسر التردد ده."
ليل ابتسمت… ابتسامة صغيرة قوي، بس موجودة:
ليل (تهمس):
"إن شاء الله…"
وتفتحت الدفاتر…
بس قلب ليل لسه مفتوح على سؤال واحد
لسه ماخدتش فيه القرار.
**********************
برا سجن العقرب
خرج سليم الأول… خطواته كانت تقيلة، وملامحه مصدومة. وبعده بخطوتين طلعت ريما… وإيدها رايحة على بطنها من غير ما تحس، كإنها بتحمي سرّ محدش يعرفه.
وقفوا على الرصيف… ولا حد فيهم قال كلمة.
الهوا كان ساقع… وصمتهم أسقع.
ريما
بصوت مكسور شوية:
"إحنا… إحنا فعلاً كنا عايشين مع مين يا سليم؟"
سليم مسح على وشه بعنف… كإنه عايز يمسح صورة أبوه اللي كان قاعد ورا الزجاج وبيتكلم ببرود.
سليم:
"معرفش… معرفش يا ريما.
أنا… أنا طول عمري شايفه بطل… قدوة…
كنا بنقول: بابا أقوى واحد… أعدل واحد… أحنّ واحد."
يضحك ضحكة كلها وجع.
"وطلع… ولا حاجة من اللي نعرفه."
ريما شهقت بخفة، دموعها على طرف عينها بس مش بتنزل:
"سمعته؟ لما قلت له إني حامل؟
ما رفعش حتى راسه…
ولا حس… ولا اهتم.
ولا حتى قال: مبروك."
تغطي بقها بإيدها، وصوتها بيرتعش:
"ده طفل… حفيده…
وبرغم كده… كإنه مالوش علاقة."
سليم قرب منها بسرعة ومسك كتافها:
"ريما… اسمعيني…
انسِيه.
بابا… مات بالنسبة لنا من اللحظة اللي وقف قدامنا بالطريقة دي."
ريما رجفت:
"سليم… أنا خايفة.
خايفة من كامل…
خايفة من الناس…
خايفة على الطفل اللي جاي…
ذنب إيه يشيل اسم جده إنه مجرم؟"
سليم بصّ عليها بحزن تقيل:
"ولا طفل يشيل خطايا أهله…
وإنتِ… مش لازم تفضلي هربانة طول عمرك يا ريما."
ريما:
"طب ليه الكل يبصّ لنا بشفقة؟
ليه الكل يتجنبنا؟
حتى اللي ما يعرفوناش… بقوا يعرفونا.
كإننا إحنا اللي قتلنا… إحنا اللي لعبنا بعقول الناس."
قعدت على دكة صغيرة جنب الباب… منهارة.
ريما:
"بابا دمّر ناس كتير… بس إحنا اللي بندفع."
سليم قعد جنبها، حاطط مرفقيه على ركبته، وباصص في الأرض:
سليم:
"شفتي عمو أدهم؟
ما قاليش ولا كلمة…
بس عينه قالت كل حاجة.
ورؤى…؟
رؤى بتحبني… وأنا بحبها… بس…"
بلع ريقه:
"أبوها مش هيقبل بيا.
ومش هالومه.
أنا ابن مجرم… ابن واحد خان الكل."
ريما لفّت له بسرعة ومَسكت إيده بقوة:
"ما تقولش كده!
إنت أحسن من أبوك ألف مرة.
إنت أعدل واحد شوفته… وأطيب واحد."
سليم ابتسم ابتسامة مخنوقة:
سليم:
"بس اسم العيلة…
اسم الشرقاوي بقى لعنة خلاص.
أنا ورؤى… مستحيل."
ريما:
"وطفلي… هيعيش بلعنة برضه؟"
سكت سليم فترة… وبعدها رفع راسه بصوت حاد لكنه متكسر:
سليم:
"إحنا مش لازم نِتكسر.
بابا اختار طريقه… وإحنا لازم نختار طريقنا.
إنتِ تحمي ابنِك… وأنا… أحارب عشاني وعشان رؤى."
ريما بصّت له بدهشة صغيرة:
"وعمو أدهم؟ هيقبل بيك بعد اللي حصل؟"
سليم ضحك ضحكة حزينة:
سليم:
"معرفش…
بس لو ما حاربتش… هابقى نسخة من أبويا."
وشّ ريما اتغيّر… وبان عليه القوة لأول مرة من شهور:
ريما:
"إحنا الاتنين مش هنكون زيه…
ولا هنسيبه يتحكم في مصيرنا… وهو حتى في السجن لسه بيدمرنا."
سليم مدّ إيده على بطنها… لأول مرة… بلمسة أخ فيها شجاعة ودفا:
سليم:
"الطفل ده… هييجي الدنيا وهو عارف إن عنده خال مجنون… بس بيحبه.
وعنده أم قوية… أقوى من أي حاجة."
ريما ابتسمت بخفة… والدموع نزلت أخيراً:
ريما:
"وأنا عندي أخ… مستحيل يسيبني."
سليم وقف وساعدها تقوم:
سليم:
"نروح؟"
ريما:
"نروح…
بس… سليم؟"
سليم:
"نعم؟"
ريما:
"وعدني…
وعدني إن مهما حصل… نفضل سند لبعض.
أبوي خد كل حاجة منّا… ما ياخدناش من بعض."
سليم حط إيده على كتفها بثبات:
سليم:
"بوعدِك.
وإحنا هنِبني اسم جديد…
عيلة جديدة…
ملهاش أي علاقة بيه."
ومشوا سوا…
بس خطواتهم كانت تقيلة…
تقيلة قوي.
تقل الماضي… تقل الفضيحة… تقل أبوهم…
لكن وسط ده كله…
اتنين بس… بيحاولوا ينجوا.
********************
مقر المخابرات العامة المصرية
في مكتب العميد آدم العطار، مكتب واسع، مرتب بدقة، هادئ بشكل مخيف.
يدخل المقدم رامي … خطاه ثابتة، لكن صدره يعلو وينخفض بسرعة لا يراها إلا من يعرف كيف يقرأ الوجوه.
آدم يقف عند النافذة، ظهره لرامي.
لا يلتفت.
ولا يأمره بالجلوس.
رمز واضح لبدء التحقيق الحقيقي.
آدم
بصوت هادئ… مخيف أكثر من الصراخ:
"اتأخرت يا رامي."
رامي يقف باحترام كامل:
"تمام يا فندم… كنت براجع التقرير بتاع المهمة."
يضحك آدم بسخرية خفيفة، ثم يلتفت… نظرته حادة كالسيف:
آدم:
"مهمة؟
ولا غطاء لسبع شهور كنت متخفي فيهم… بتحمي عاصم القاسمي؟"
رامي لا يتحرك.
ولا يتهرب.
لكنه يرفع عينه بثبات:
رامي:
"يا فندم… أنا عمري ما خنت البلد.
ولا خنت الجهاز.
أنا كنت… أحمي الحقيقة."
يضرب آدم المكتب بقبضته فجأة فيصرخ:
"الحقيقة؟
الحقيقة لله يا رامي، مش لأفراد!
إنت مسحت أدلة…
ضليت جهاز كامل…
خبيت معلومة حساسة عن اختطاف بنت صديق عمري…"
يقترب منه خطوة…
"وفاكرني هعديها؟"
يمسك آدم بملف كبير على المكتب ويرميه أمام رامي:
آدم:
"كل مرة نوصل لطرف خيط… يختفي.
وإنت كنت المسؤول عن الملفات دي.
كل مرة أقرب لمكان ليل… يتغير.
وإنت كنت المسؤول عن الحركة دي."
يخطو رامي خطوة للأمام، صوته ثابت لكنه مكسور:
رامي:
"يا فندم… عاصم ماكنش خطفها عشان يأذيها.
كان ضحية زي الكل.
وأنا… أنا اللي شفته بعيني… إنه بيحاول يعرف مين قتل رائد.
كنت واثق إنه مش هيمس ليل بأذى…
وبرضه كنت واثق… إن الأستاذ زياد بريء."
ينفجر آدم غضباً:
آدم:
"مش شغلك تثق!
إنت ضابط، ولائك للمعلومات… مش للعلاقات!
رامي… إنت لعبت بالنار.
إنت عملت جريمة كاملة الأركان… اسمها إخفاء أدلة وتعطيل تحقيق مخابراتي."
يصمت لحظة…
نظرة آدم تتبدل من غضب إلى ألم خفيف:
آدم:
"زياد… كان بيموت كل يوم وهو بيدور على بنته.
ليل… بنتي أنا قبل ما تكون بنت صديقي…
كانت ممكن تموت بسبب قرارك."
ينزل رأس رامي… هذه الجملة تضربه في الصميم.
رامي:
"أنا غلطت…
وغلطتي كبيرة.
بس…
لو الزمن رجع…
هساعد عاصم تاني.
عشان لو ما ساعدتهوش… ماكنّاش هنكشف إن مراد هو القاتل.
و ليل… كانت هتضيع في النص."
تشتعل عيون آدم:
"وبعدين!
وبعدين يا رامي؟
نقعد نبرر؟
كل واحد يبدأ ياخد قرارات لوحده؟"
يرفع يده:
"إنت فاهم لو كل ضابط قرر يعمل زيك؟
إحنا نبقى جهاز فوضاوي…
مش مخابرات."
يتنفس آدم بعمق… يفتح درج مكتبه ببطء… يخرج ورقة مختومة بختم أحمر.
ينظر لرامي نظرة ثقيلة:
آدم:
"بعد مراجعة قيادتي…
وبناءً على حجم المخالفة…
وقيمة الضابط اللي قدامي…
قررت التالي:"
يتجمد رامي.
آدم يقرأ بصوت واضح:
1. إيقاف عن العمل لمدة ثلاثة أشهر دون راتب.
2. سحب جميع امتيازات العمليات الخارجية لمدة سنة كاملة.
3. نقل مؤقت إلى قسم التحليل المعلوماتي… عمل مكتبي.
4. وضعه تحت مراقبة داخلية لمدة ٦ أشهر.
ثم يرفع عينيه مباشرة نحو رامي:
آدم:
"العقوبة ما كانتش فصل…
ولا كانت محاكمة عسكرية…
لإنك مهما غلطت…
لسه ضابط كويس.
بس لازم تفهم…
إن البلد… مش لعبة."
رامي يرفع يده باحترام عسكري… صوته مبحوح:
رامي:
"تمام يا فندم…
أنا أتحمل العقاب.
وأعتذر… عن كل ألم سبّبته لحضرتك… و لليل… ولزياد بيه."
يلتفت آدم للنافذة… ويقول بجفاء مُتعب:
آدم:
"اطلع يا رامي…
وسامحني لو كنت قاسي.
بس البلد دي… ما بتسامحش الأخطاء."
يخرج رامي…
يغلق الباب خلفه…
ويتوقف للحظة في الممر…
صوته الداخلي:
"على الأقل…
ليل رجعت بخير."
***********************
في فيلا عيلة بيجاد
كانت الساعة قربت عالسبعة بالليل لما عربية بيجاد وقفت قدّام البوابة الحديد بتاعة الفيلا. التعب باين على وشه بعد يوم طويل في شركة العيلة، بس كان لسه مبتسم… ابتسامة راجل عارف إن جواه مستنيه حد بيخفّف عنه كل تقل الدنيا.
دخل من الباب الرئيسي. الردهة كانت واسعة، ضوّها هادي، وريحت العود ماليّة المكان. أول ما عينه وقعت عليها… ربى.
كانت قاعدة على كرسيها المتحرّك جنب شباك كبير، شعرها واقع على كتافها، وإيديها بترتعش وهي بتحاول تحرّك رجلها—علامة صغيرة إن حالتها بتتقدّم.
بيجاد ناداها بلهفة صريحة:
بيجاد (مبسوط):
– ربى! لسه صاحية ومستنياني؟
بصّت له ربى، وابتسامة خجولة ظهرت… فيها حنان، وفيها حتّة حزن هو لسه مش فاهم سببه.
ربى (بهدوء دافئ):
– وحشتني… يومك كان طويل؟
قرب منها، وانحنى وباس جبينها براحة كإنه بيرجع يتنفس… وقال بهمس:
بيجاد:
– طول ما هرجعلك… اليوم يهون مهما كان تقيل.
قبل ما تلحق ترد… ظهرت نوال، أمه، ماشية بخطوات واثقة وابتسامة باينة إنها مش ابتسامة خير.
نوال (ببرود لاذع):
– نوّرت البيت يا ابني… نوّرت… حتى لو النور ناقص شوية.
بيجاد بصّ لها باستغراب.
لكن ربى… وشها شِحِب فورًا، لأنها فهمت المعنى.
بيجاد (بحذر):
– في حاجة يا ماما؟
نوال ضحكت ضحكة قصيرة مستفزة:
نوال:
– لا يا حبيبي… بس الواحد أول ما يدخل بيت أهله… يستغرب لما يشوف "مراته" قاعدة على كرسي كده… بدل ما تكون في المطبخ… أو واقفة تستقبله زي الستات.
شفتين ربى ارتجفوا، رفعت إيدها كإنها هتقول حاجة… وما قدرتش.
الكسرة كانت باينة عليها.
ربى (بصوت مكسور):
– أنا… آسفة لو—
قاطعتها نوال بحدة:
نوال:
– آسفة؟! انتي أصلاً مش ناقصِك اعتذارات!
انتي مش مناسبة للبيت ده… ولا لابني…
تالين كانت أحسن، بنت ناس… واقفة على رجلها! مش…
بصّت للكرسي باحتقار.
مش كده.
الكلمات نزلت على قلب ربى زي السكاكين. دمعة نزلت بدون ما تقدر توقفها.
فجأة صوت جهوري دوّى في المكان… منذر، أبو بيجاد:
منذر (غاضب):
– نوال! بس! كفاية!
عيب اللي بتقوليه… الست دي بنت خالد، ومربّية أحسن تربية!
وبعدين! هي مرات ابنك! ومش محتاجة تسمع كلمة من اللي قولتيه!
نوال استدارت وهي بتدافع عن نفسها:
نوال:
– منذر! أنا بس بفكرّك! ابنك اتجوز واحدة معاقة! مش هتعرف تخدمه ولا—
منذر (قاطعها بغضب):
– ولو!
هو اتجوزها عشان تخدمه؟ ولا اتجوزها عشان بيحبها؟!
سكتت نوال… shocked، كإنها مش مصدّقة إنه زعق بالشكل ده قدامهم.
بيجاد كان واقف… ساكت…
لكن عينه كانت كلها وجع… وعتاب.
قرب خطوتين من أمه وقال بصوت هادي لكن ثابت:
بيجاد:
– ليه يا ماما؟
ليه تقلّي من ربى كده؟
دي إنسانة… وزوجتي… وكرامتها من كرامتي.
نوال فتحت بقّها عشان ترد… بس هو رفع إيده.
بيجاد:
– لأ…
أنا ساكت بقاله فترة احترام ليكي…
بس النهارده… جرّحتي اللي بحبها قدامي.
بصّ على ربى… اللي دموعها مبتقفش.
بيجاد (بلطف موجوع):
– تعالي… نطلع فوق.
مسك شنطته، وحط إيده على دراع الكرسي، وبدأ يزقّه ناحية المصعد الداخلي.
قبل ما يدخل المصعد… بصّ لأمه للمرة الأخيرة.
كانت نظرته مش غضب بس…
كانت خيبة.
بيجاد:
– كنت أتمنى تستقبليها كزوجة ابنِك… مش كعيب في البيت.
نوال حاولت تتكلم، لكن منذر مسك دراعها بقوة وقال:
منذر (بحزم):
– ولا كلمة.
طلع بيجاد مع ربى، والباب اتقفل وراهم…
وربى كانت بتبكي بهدوء موجوع.
في الردهة اللي فضيت… اترددت كلمة واحدة:
منذر (لنوال بغضب):
– لو خسرتي ابنِك من لسانِك… ساعتها ما تلوميش غير نفسك.
وسكت البيت…
بس الصمت كان بيقول كل حاجة.
***********************
في الجزائر – بيت كامل بن عبد الغني
زليخة قاعدة على الكنبة، إيديها متشابكة من القهر، وعنيها مورّمة من كتر البُكا.
عبد الغني قاعد جنبها، راجل هادي بس شكله النهاردة متضايق ومكبوت.
سميرة قاعدة جنب الشباك، رجلها بتتهز من العصبية.
أما ليلى – بنت عم كامل – فكانت عاملة نفسها هادية… وهي في الحقيقة مستنية أي خبر عن كامل وقلبها شغال.
زليخة (بقهر وعصبية):
– يا رب إحنا عملنالها إيه؟! إيه المصيبة اللي خلتها تهرب وتسيب جوزها كده… من غير ولا كلمة!
تقف بتوتر
– شهرين يا عبد الغني… شهرين! وهو كل يوم يتصل بيها وقلبه مولّع… وهي ولا كأنها تسمع! ولا حتى رسالة “أنا بخير”! يا لطيف… ده قلب إيه دا؟!
عبد الغني (يحاول يتمالك نفسه):
– كنت فاكرها بنت أصل… والله كنت شايفها ست بيت
مش اللي تهرب وتسيب جوزها محترق كده.
كامل بيضيع قدّامي يا زليخة… بيذبل!
سميرة (منفجرة غيظ):
– متقولوش ست بيت! دي ست خانتنا… خانتنا كلنا!
تخبط على الترابيزة
– تسيب أخويا كده من غير سبب؟! وتروح ترفع عليه خلع؟! بالله هي حصلها إيه؟
– كنا بنحبها واعتبرناها مننا… وطلعت ألعن مما نتخيّل!
زليخة (تمسح دموعها):
– يا بنتي… عمرى ما توقعت منها كده.
كامل بقى ظل إنسان… يرجع من الشغل ساكت… يوم يتكلم كلمة واتنين بالكثير.
ولا لما يتعصب؟ ولا لما يكتم؟ ولا يوم يضرب إيده في الحيطة؟
– ده كامل الحنين… كامل الطيب… تسيبه كده؟!
ليلى (ببرود بس فيه لمعة شماتة):
– بصراحة… أنا مش مستغربة. من الأول وأنا بقول: كامل يستاهل واحدة تقدّره… مش واحدة تهرب في نص الليل.
ترفع كتفها كأنها بريئة
– واللي ما يعرفش قيمة الراجل… يسيبه ويروح.
سميرة (تبصّ لها بحدة):
– ليلى… اسكتي أحسن. مش وقتك.
كامل عمره ما حب غير مراته… وانسي الموضوع.
ليلى (تظهر لا مبالاة لكن الغيرة فاضحة):
– ما هو مراته رفضاه… وأنا لا.
زليخة (تنفجر لأول مرة):
– ليلى! بلاش تزودي النار!
تتنهد بقهر
– مشكلتي مش معاكي… مشكلتي معاها هي… ريما.
– تتجوز وتقوم تهرب؟ من غير سبب؟ من غير حتى تفسير؟
– ربنا يهديها… يا ياخد حقّنا منها.
عبد الغني ينهض بنبرة قلقة:
عبد الغني:
– قالوا لي في الشغل… كامل النهارده ما فتحش بقه مع حد. اشتغل ساكت… وما تغدّاش.
– لو فضل كده… يمرض نفسه والله.
سميرة (بحزن):
– لما يشوف رقمها… إيده ترجف.
– وبعدها يقفل الموبايل ويقول: “يمكن النهارده ترد”.
– شهرين يا بابا… شهرين! وهي ولا حياة للي ينادي.
ليلى (بخبث ناعم):
– يمكن… ما تستاهلش أصلاً يتعب نفسه عليها؟
تبصّ للكل
– يمكن مش في خطر… يمكن هي مش شايفاه مهم.
زليخة:
– لو كانت في خطر كانت ردّت!
– لكن تروّح وتسيب له ورقة: “عايزة أتطلق”؟!
– يا ساتر…
صوت باب يتفتح فجأة
يدخل كامل.
وجه شاحب، دقن طالعة من الإهمال، عينين حمرا من البكا والسهر.
يرمي المفاتيح عالطربيزة… ما ينطقش ولا كلمة.
ماشي على السلم ببطء… رايح أوضته.
زليخة (تركض له):
– يا ضنايا… كلّيت؟
– كامل… رد بالك على صحتك يا ابني…
كامل (صوت مبحوح مكسور):
– مش عايز أتكلم… ما عنديش كلام.
عبد الغني (يحاول يوقفه):
– استنى يا كامل… لازم نتكلم.
كامل (لأول مرة صوته يرتجف):
– يا بابا…
يبتسم بسمة وجع
– هي ما بتحبّنيش… وما حبتّنيش يوم.
– كنت عايش حلم… وهم… بس أنا اللي متمسك.
سميرة (دموع تتجمع):
– خويا… بالله عليك…
كامل (يبصّ للجميع بعين منكسرة):
– شهرين… شهرين وأنا بابعت مسجات… بتصل… أترجّاها ترد… حتى تقول “أنا عايشة”.
– بس ولا رد… ولا صوت.
ياخد نفس كأنه مخنوق
– يمكن… الغلط مني… يمكن هي مش بتاعتي… يمكن جبتها البيت اللي مش لها…
زليخة (بصراخ موجوع):
– لا تقول كده!
– اللي ما تستاهلكش هي… مش أنت!
كامل (يرفع إيده يوقف الكلام):
– خلّص… ما بقتش قادر.
– هنام… عندي شغل بدري.
يطْلع السُلَّم بصعوبة…
إيده بترتعش… قلبه بيكابر… وروحه بتنزف.
يسود الصمت
زليخة (تبكي بصوت مختنق):
– يا رب… رجّع لنا كامل بتاع زمان…
عبد الغني (بحزن تقيل):
– الموضوع مش مجرد قلب مكسور…
– فيه سر كبير… هي مخبيه.
سميرة:
– أياً كان السر… ما يستاهلش الهروب كده.
ليلى (بهدوء بارد سام):
– يمكن… كان لازم يختار من البداية واحدة تانية.
تبتسم لنفسها بخبث خفيف
وتنتهي المشهد على وجوه العيلة…
كل واحد غارق في وجعه بطريقته:
غضب… قهر… خيبة… وقلق على كامل اللي بيتكسر ببطء.
*****************************
في فيلا الشرقاوي – غرفة ريما
الغرفة ضلمة، مافيهاش غير نور خفيف من الأباجورة اللي جنب السرير.
ريما قاعدة على أطراف السرير، لسا لابسة حجابها والبَلوفر الخفيف… ولا حتى فكّت هدومها من وقت ما رجعت من السجن.
عيونها محمّرة وتعبانة… وشها شاحب من كتر الكتم والدموع اللي ما نزلتش.
تشيل دبلة الجواز من صباعها، تبصّ لها… كإنها ذكرى موجعة.
ريما (بصوت مكسور، بتكلم نفسها):
– ليه كده يا رب؟
– أنا عملت إيه عشان أطلع من بيت جوزي ألاقي أبوي قاتل؟
– أعمل إيه؟ أعيش إزاي بالحقيقة دي؟
تحط وشها بين إيدها
– كامل… يا كامل… والله ما استاهلك… والله ما استاهلك!
تقوم وتتلف في الأوضة بعشوائية.
تفتح الشباك، الهواء البارد يدخل بقوة… وهي ولا حاسة بحاجة.
ريما:
– هربت… هربت عشان مش قادرة أشوف في عينه السؤال ده:
"ريما… بنت مجرم؟"
– مش قادرة أتحمل النظرة دي… مش قادرة أشوفه بيِتوجع بسببي!
تمسك بطنها بخوف…
الخبر اللي قالته لأبوها النهارده… ومع ذلك ولا اهتزّ.
ريما (توشوش، الدموع تنزل من غير ما تقدر توقفها):
– حتى لما قلتله إني حامل…
– ولا اهتم…!
– أب…؟! ده حجر يا رب… حجر!
تقعد على الأرض، تسند ضهرها للحَيطة، متكوّرة زي طفلة تايهة.
خبطة بسيطة على الباب.
صوت راجل كبير، هادي… فيه حنية.
عبد الرحمن (من ورا الباب):
– ريما… يا بنتي؟ أقدر أدخل؟
تمسح دموعها بسرعة… بس صوتها باين عليه البكاء.
ريما:
– اتفضل يا جدي…
يدخل الحاج عبد الرحمن، راجل كبير في السبعينات، طويل شوية، نظرة عينه فيها وجع لكن قلبه طيب.
أول ما يشوفها بالشكل ده… قلبه يتقطع.
يمشي ناحيتها ببطء…
لكن ريما تجري عليه قبل ما يوصل نص الأوضة.
ريما (ترتمي في حضنه وتنهار):
– جدييييي…
– تعبت… تعبت قوي!
يحوطها بإيده ويمسح على راسها بحنان أبوي صادق.
عبد الرحمن:
– يا بنتي… مالك؟
– سليم قالي إنك زورتي أبوكم النهارده… لقيتيه إزاي؟
ريما ترجف أكتر… السؤال جرّحها من جديد.
ريما:
– لقيته… مفيش!
– لا كلام… لا إحساس… لا سؤال!
– حتى لما قلتله "بابا… أنا حامل"
تشّهق
– ماعملش أي رد فعل!
– كإني قلت كلمة عادية!
عبد الرحمن (بحزن):
– يا خسارة يا بنتي… يا خسارة!
– والله لو الزمن يرجع… ماسمحتش له يغلط غلطة واحدة تضركم!
ريما:
– أنا خايفة يا جدي…
– خايفة من اسمي… من دمي…
– خايفة الماضي يلحق كامل.
تتوسل
– أرجعله إزاي وأنا بنت قاتل؟
– أواجهه إزاي وأنا أحس إني عار علي حياته؟
يمسك وشها بحنان، ينظر في عينيها.
عبد الرحمن:
– بصيلي كويس يا ريما…
– إنتي مالِكيش ذنب!
– الذنب ذنبه هو… مراد… ابني اللي ضيّع نفسه.
– إنما إنتي… انتي طاهرة وقلبك أبيض… والله أبيض!
ريما (تنوح):
– كامل طيب… نضيف… مايستاهلش مشاكل…
– وأنا حياتي كلها وجع!
– هجيب له الوجع بس.
عبد الرحمن:
– لا يا بنتي…
– إنتي هربتي مش عشان تحميه…
– إنتي هربتي عشان خايفة!
– وكامل بيحبك… واللي في بطنك محتاج صوت أبوه.
– ولازم ترجعي له.
ريما (تهز راسها بعناد وخوف):
– لااا جدي…
– أول ما يشوفني هيشوف اسم أبويا قبل وشّي…
– هيشوف عار!
يوسع حضنه ويضمها من جديد.
عبد الرحمن:
– يا حسرة قلبي عليكي…
– مراد هَدّ حياتنا… وأنا ندمان والله ندمان.
– بس ربنا عوّضنا فيكم… فيك وفي سليم.
ريما تهدى شوية… صوتها يطلع ضعيف:
ريما:
– أنا تايهة…
– أعمل إيه؟ أرجع؟ أواجه؟ أكمل هرب؟
– أنا حامل… ومن غير جوز… من غير سند… من غير أمان!
عبد الرحمن (يمسح دموعها):
– السند ربنا… وبعده كامل.
– والباب لسه ما اتقفلش…
– لو رجعتي دلوقتي… هتلحقي تصلّحي.
– بس بعدين؟ يمكن يفوت أوانك.
ينظر لها بثبات… نظرة معناها "ارجعي قبل تخسريه"
عبد الرحمن (بحنان):
– ريما… يا بنتي…
– لازم ترجعي لكامل… قبل ما يضيع من إيدك.
ريما تنهار في حضنه تاني، تبكي بصوت مخنوق…
وكأنها لأول مرة تخرج الوجع اللي حبسته شهرين.
الصورة تثبت على حضن الجد وهو يطبطب عليها…
بينهم دعوة صامتة…
وبصيص أمل صغير… بين سواد كبير.
*********************
فيلا الزهراوي / مكتب زياد
كانت غرفة المكتب تغرق في صمت خانق… فقط صوت أنفاس زياد المضطربة يملأ المكان. الهاتف ما يزال فوق الطاولة، شاشته مطفأة، لكن صداه يرنّ في رؤوسهم جميعاً.
زياد وقف قرب النافذة، كتفيه مشدودان، يده ترتجف وهو يضمها بإحكام.
عاصم يقف في المنتصف، فكه معقود، وعيناه تائهتان بين الغضب والخوف.
يدخل أدهم أولاً، ثم خلفه العميد آدم العطار.
زياد (بعصبية مكتومة وهو يمسح على وجهه):
مش قادر أصدق… مراد؟! من السجن يتصل؟! ويهددني أنا؟! ويقول "هارجع… وولا واحد فيكم هيفضل مرتاح"؟!
إزاي؟! إزاي يا آدم؟!
آدم (بجدية عسكرية):
مراد ما كانش يقدر يرفع سماعة في السجن من غير ما حد يساعده.
ده مش تهديد عابر… ده ترتيب.
في حد بيصرفله… بيوصلّه… وبيفتحله أبواب مش المفروض تتفتح.
أدهم (يحرك رأسه بحدة):
كنت متوقع يعمل حاجة، بس مش كده… مش بالجرأة دي.
مراد طول عمره مختبّي وبيتحرك من ورا الضهر… لكن إنه يتصل بيك يا زياد؟
ده معناه إنه مش خايف… ومعناه إنه مجهّز حاجة تقيلة.
زياد يضرب بيده على الطاولة فجأة، فيقفز عاصم من مكانه.
زياد (بصوت مرتفع مخنوق بالغضب):
ليه مش خايف؟! ليه؟!
حور وليل وولادي الصغيرين… أنا مش هاسمح المسخرة دي تتكرر!
أنا عشت مع الراجل ده سنين… وعمري ما تخيلت إنه هيطلع وحش بالشكل ده.
عاصم (يتقدم خطوة، صوته حاد):
وأنا…
أنا مش هاسمحله يقرب من ليل تاني.
ولا منك… ولا من البيت ده.
المرّة دي… لو فكر بس ييجي ناحية حد منكم… مش هرحمه.
زياد ينظر إليه بحدة، ثم بنفس اللحظة بنظرة امتنان مكتوم.
أدهم (موجهاً الكلام لآدم):
هو اتصل من رقم مجهول… قدرت تعرف مصدر المكالمة؟
آدم (يهزّ رأسه):
بيحاول يخفي أثره…
بس نبرة صوته؟
الهدوء؟
ده مش شخص محبوس بقاله شهور… ده شخص واثق إنه هيتحرر قريب… أو إنه حر بالفعل.
يصمت الجميع فجأة.
الكلمات الأخيرة سقطت عليهم مثل صاعقة.
زياد (بصوت منخفض يرتعش بالغضب):
عايز تقول إن في احتمال إنه برا السجن؟
آدم:
أقول إن في احتمال كبير إن حد بيسهّل له خروجه… أو خرّجه فعلاً.
والمصيبة… إن النفوذ اللي وراه مش قليل.
عاصم (يميل للأمام، صوته ينخفض لكنه يغلي):
لو خرج…
هتبقى حرب.
وأنا مش هقعد أتفرج عليه وهو بيدمر ليل تاني… وهي خلاص، لسه بتحاول تفهم حياتها… وأنا…
أنا مش مستعد أخسرها.
زياد ينظر إليه بنظرة طويلة، عميقة، كأنها المرة الأولى التي يرى فيها مشاعر عاصم واضحة بهذا الشكل.
زياد (بهدوء ثقيل):
أنت بتحبها… وأنا عارف.
وعارف إنك مش هتسيبها.
لكن إحنا كلنا دلوقتي في خطر… مراد لما يتوعد، بيتوعدش لأشخاص… بيتوعد لعائلات.
أدهم (يضرب بكفه على الطاولة):
اللي لازم نفهمه دلوقتي مش تهديده…
لكن مين اللي واقف وراه وبيساعده.
آدم:
وأنا هبدأ من دلوقتي أراجع كل التحركات…
مراد مش هيستخبى للدرجة دي لوحده.
زياد يتنفس ببطء، يحاول يستعيد سيطرته.
زياد (بحزم):
من اللحظة دي…
البيت ده في حالة طوارئ.
حور… ليل… الولاد… محدش يخرج لوحده.
وأنا… مش هسمح لأي ظل من ماضي مراد يدخل حياتنا تاني.
عاصم (ينظر للجميع، ثم ببطء):
ولو رجع…
أنا اللي هقف له.
ولو اضطرّيت…
هيكون آخر يوم في حياته.
الجميع يصمت.
المشهد يغلق على وجوه ممتقعة بين الغضب والخوف…
والهواء نفسه مشحون بقدوم شيء كبير…
شيء مظلم…
شيء اسمه عودة مراد.
********************
في سجن مراد الشرقاوي
كان الليل يهبط ببطء فوق مبنى السجن…
الجو خانق، والرطوبة تزحف على الجدران كأنها تراقب أنفاس كل سجين.
داخل غرفة الزيارة المغلقة، جلس مراد الشرقاوي مكبّل اليدين، ظهره مستقيم، وعيناه تلمعان ببرود شرير.
كان واضحاً أنه ينتظر أحداً… لا تبدو عليه أي آثار للندم أو الضعف، بل تعلو شفتيه ابتسامة مستفزة كأن السجن بالنسبة له مجرد استراحة مؤقتة.
فتح الباب الحديدي فجأة…
خطوات بطيئة.
ثابتة.
ثقيلة.
دخل شخص… ملامحه غير واضحة، رأسه منخفض قليلاً، معطف أسود طويل، وصمت يسبق ظله.
رفع مراد حاجبه، ثم مال للأمام، وابتسامة واسعة ومليئة بالتهكم شقت وجهه:
مراد بابتسامة ساخرة:
هاه… شوفوا مين قرر يشرفنا اليوم.
واضح إني ملك فعلاً… الكل بيشتاق لي حتى وأنا في السجن.
لم يرد الزائر.
جلس بهدوء أمامه… وضع يديه على الطاولة… لم يظهر من أصابعه إلا أنها يد لشخص ليس ضعيفاً.
مراد يضحك بخفوت:
إيه يا…
ما كنتش متوقعك تيجي بنفسك.
بس واضح إن الدنيا لسه بتحترمني أكتر من اللازم.
ظل الشخص صامتاً، لكن نظراته—رغم أننا لا نراها—كانت كافية لتسحب ابتسامة مراد لثوانٍ قبل أن يعيد رسمها.
مراد بصوت منخفض لكنه مليء بالشر:
إيه… جاي تتأكد إني لسه عايش؟
ولا جاي عشان ترتّب حاجتك اللي قولتلي عليها؟
لم يتحرك الزائر.
مراد يميل للأمام، نبرة صوته تصبح أغمق:
اسمع…
أنا قلتلك قبل كده…
اللي بدأته لازم نكمّله.
وصدقني…
السجن ده؟
مش هيوقفني.
ولا هيوقفك.
كان الصمت كثيفاً، كأنه جزء من مؤامرة.
مراد يتابع، بابتسامة باردة:
بلغ… إياه.
إنّي جاهز.
ولما أخرج…
مفيش حد هيفضل واقف على رجليه—لا زياد… ولا أدهم… ولا حد من العيلة دي كلها.
أخيراً تحرك الزائر…
نهض ببطء، وكأن حضوره وحده تهديد.
قبل أن يستدير، قال بصوت خافت، مشوّش، لكن يحمل نبرة أمر:
الزائر الغامض:
… الوقت قرّب.
عين مراد اتسعت بنشوة الانتصار:
مراد بخبث:
تمام…
بس خليك فاكر…
اللعبة دي…
أنا اللي ببدأها…
وأنا اللي بنهيها.
غادر الزائر دون أن يلتفت.
وبقي مراد، يضحك ضحكة مكتومة، فيها جنون وثقة قاتلة…
ضحكة تؤكد أن القادم أسوأ بكثير مما توقعه أي أحد.
رواية في قبضة العاصم الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سيليا البحيري
في مكان آخر
كان الليل يهبط ببطء فوق جبال الألب، والثلج يتساقط بخفة على نوافذ المبنى الأبيض المنعزل. المكان ليس مشفى، لكنه أقرب إلى مركز طبي خاص، مخفيّ، لا يدخله إلا القليل.
داخل غرفة كبيرة ذات جدران خشبية دافئة، يستلقي الشاب على سرير طبي مجهز بأحدث الأجهزة… ملامحه الوسيمة تبدو كأنها تنتظر أن تستيقظ لتكمل جملة كان يقولها قبل ثلاث سنوات.
مراقب نبض القلب يصدر صوتًا خفيفًا، منتظمًا، لكنه في الأيام الأخيرة أصبح… أعلى قليلًا، أسرع قليلًا.
علامة لا تخطئها إليانا مورو.
دخلت إليانا الغرفة بخطوات هادئة، تحمل ملفاً طبياً بين يديها. شعرها الأشقر مربوط، وملابسها الطبية خضراء، لكن على وجهها تلك الملامح التي يعرفها كل العاملين هنا: القلق… والاهتمام.
توقفت بجانب السرير، وراقبت وجهه للحظات طويلة.
إليانا (بهمس ناعم، وهي تلمس جبينه بحذر):
"أتعرف… ثلاث سنوات، وأنا ما زلت لا أُصدّق أنك ما زلت تقاتل. جسدك كان يستسلم، ثم يعود… وكأن شيئاً في داخلك يرفض الرحيل."
رفعت جهازًا صغيرًا، فحصت به عينيه المغلقتين.
إليانا:
"وآخر أسبوع… هذا ليس عادياً. هناك إشارات كهربائية جديدة في دماغك. نشاط… لم يظهر منذ الحادث."
ابتسمت لنفسها بخفة:
"هل ستفتح عينيك أخيراً؟"
وضعت الملف جانبًا وجلست على الكرسي قربه. مدّت يدها بهدوء، وأمسكت يده بين يديها.
ترددت لحظة… لكنها تركتها هناك.
إليانا (بصوت منخفض وصادق):
"أعلم أن الطبيب لا يجب أن يتعلّق بمريضه، لكن… أنت لست مريضًا عادياً. لا أحد يعرف قصتك الحقيقية، ولا من أتى بك هنا، ولا لماذا تم نقلك إلى مركز خاص بعيد عن العالم… ولا لماذا دُفعت تكاليفك بالكامل مقدّمًا."
تنهدت:
"لكنني كنت هنا… كل يوم. أنت لا تعرف اسمي حتى…"
سكتت فجأة.
صدر من جهاز القلب صوت مختلف… نبض أسرع.
إليانا وقفت فورًا.
إليانا:
"مستحيل… هل…؟"
توجهت للشاشة، أصابعها ترتجف. إشارات الدماغ ارتفعت. حركة صغيرة جدًا—لا تُرى تقريبًا—ظهرت على أحد أصابعه.
إليانا (بصوت مخنوق):
"لقد… تحركت…"
اقتربت أكثر، ركعت قرب السرير، ووضعت يدها فوق يده.
إليانا:
"إذا كنت تسمعني… فقط حاول مرة أخرى."
لحظة صمت طويلة.
ثم…
ارتجف جفناه ارتجافة خفيفة.
وضعت إليانا يدها على فمها من الصدمة، ثم بدأت تبتسم بدموع خفيفة.
إليانا:
"مرحبا… عدت أخيراً؟"
النبض يرتفع أكثر.
جفناه تتحركان…
ثم—ببطء شديد—تفتح عيناه للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات.
أول شيء رآه… كان وجه إليانا، بعينيها الزرقاوين اللامعتين، وقلبها الذي يخفق أسرع من أي جهاز في الغرفة.
**********************
عندما انفتحت عيناه أخيراً، كانت الرؤية مشوشة، ضبابية، كأن العالم يغرق في ضوء أبيض.
حدق في السقف أولاً… ثم تحركت عيناه ببطء نحو الوجه الأقرب إليه.
وجه امرأة… لا يعرفها… لكنها تنظر إليه وكأنها تعرف كل شيء عنه.
إليانا (بصوت مرتعش بين صدمة وفرح):
"يا إلهي… أنت فعلاً… استيقظت."
رفعت يدها لتغطي فمها، ثم اقتربت أكثر، خائفة أن يختفي هذا المشهد إذا رمشت.
الشاب (بهمس متحشرج، صوته ضعيف جداً):
"أين… أنا؟"
خرجت الكلمات من حلقه بصعوبة وكأنه يتعلم الكلام للمرة الأولى. حاول أن يرفع رأسه، لكن الألم ضرب صدغه بشدة، فأنّ خافتًا.
إليانا بسرعة:
"لا، لا تتحرك… رأسك سيؤلمك. هذا طبيعي. ثلاث سنوات… كنت في غيبوبة."
نزعت جهاز الفحص من على الطاولة واقتربت منه، تتفحص عينيه:
"هل تسمعني بوضوح؟"
الشاب (يغمض عينيه لحظة، ثم يفتحها ببطء):
"ثلاث… سنوات؟"
بدت على وجهه صدمة بلا ملامح واضحة، صدمة شخص لا يفهم ما يحدث له ولا يملك أي خيط يتعلق به.
إليانا بابتسامة دافئة رغم ارتباكها:
"نعم… ثلاث سنوات وأنا أراك كل يوم. وكنت أؤمن… أنك ستعود."
تراجعت خطوة كي تتيح له مساحة للتنفس:
"هل تتذكر شيئاً؟ أي شيء؟ اسمك؟ مكان؟ وجه؟ صوت؟"
أطال النظر فيها… كأنه يحاول الإمساك بذكرى تهرب منه.
أخيراً هز رأسه ببطء.
الشاب، بصوت مكسور:
"لا… لا شيء. فراغ… فقط فراغ."
شهقت إليانا قليلاً، لكنها سيطرت على نفسها. اقتربت منه من جديد، وضعت يدها على يده برفق، ليست كطبيبة فقط… بل كشخص انتظر هذا اليوم بشغف مؤلم.
إليانا بنبرة تطمينية:
"لا تقلق. هذا طبيعي بعد غيبوبة طويلة. ذاكرتك ستعود تدريجياً. لا تضغط على نفسك."
أدار عينيه في الغرفة وكأنها عالم غريب، لا ينتمي إليه. ثم قال بصوت خافت، متعب:
الشاب:
"لماذا… أنا هنا؟"
تجمدت إليانا لحظة. الحقيقة… أنها نفسها لا تعرف كل شيء.
لكنها تعرف أنه ليس مريضاً عادياً، وأن وجوده هنا… قرار اتُخِذ من أشخاص مهمين جداً.
إليانا:
"أنت… كنت ضحية حادث خطير. وتم نقلك إلى مركز خاص للعناية بحالتك. هذا كل ما سُمح لي بمعرفته."
سكتت، ثم أضافت بابتسامة حنونة:
"لكن الشيء المهم الآن… أنك عدت. وهذا ما يهمني."
نظر إليها طويلًا… كأنه يحاول فهم سبب هذا الاهتمام الكبير.
الشاب (بهمس ضعيف):
"هل… كنتِ هنا طوال الوقت؟"
ابتسمت، ابتسامة صغيرة لكنها صادقة حد الألم.
إليانا:
"نعم. كل يوم."
فتح فمه ليرد… لكنه شعر بدوار مفاجئ، فأغمض عينيه بقوة، واضعاً يده على رأسه.
إليانا بسرعة:
"لا بأس… جسدك سيحتاج وقتاً. سأستدعي الفريق… لكن لن أتركك وحدك."
وقفت بجانبه، يدها على كتفه بثبات، وكأنها تقول له دون كلام:
لا تقلق… أنت لست وحدك الآن.
***********************
في مصر
الشمس كانت بتغيب، ولونت السما بدرجات برتقاني هادية.
العربية السودة الصغيرة ماشية في طريق فاضي، وهوا المغرب داخل من الشباك اللي مفتوح نص فتحة.
ليل قاعدة قدّام جنب السواق… زين.
دراعاتها متشابكة على صدرها، وعينيها مسمّرة في الشباك، ووشّها باين عليه حزن تقيل.
في الكنبة اللي ورا، رؤى بتحاول تكسر الصمت وهي بتلف في إزازة مية في إيدها.
رؤى (بصوت واطي):
"ليل… ما تسكتيش كده. قولي لنا، بتفكري في إيه دلوقتي؟"
ليل ما ردتش على طول.
طلعت نفس طويل، كإنها بتطلع وجع من جواها.
زين وهو باصص لها في المراية:
"مش محتاجة تقول… واضح إنها بتفكر في سليم."
ابتسم بخفة:
"وأنا كمان بفكر فيه. الراجل اختفى من السوشيال ميديا… ودي لوحدها مصيبة."
ليل ما ابتسمتش.
ليل (مسندة راسها على الإزاز):
"زين… سليم مش كده. عمره ما كان ضعيف. عمره ما انهار… حتى أيام الكلية لما كان تايه مع نفسه.
بس دلوقتي…"
قفلت عينيها:
"حاسّة إن الدنيا وقعت على دماغه مرة واحدة."
رؤى:
"وما يقعش ليه؟ فجأة يعرف إن أبوه مجرم… قاتل… وخاين… وإن كل حياته كانت كدبة.
لو أنا مكانه كنت انهارت من أول دقيقة."
زين:
"بس اسمعوا… سليم مالوش ذنب في غباء أبوه.
ولا ريما ليها ذنب.
دول ناس طيبين، حياتهم كلها كانت مبنية على كدبة هما ما عملوهاش."
ليل هزّت راسها موافقة، وصوتها طلع مخنوق:
ليل:
"أنا أكتر واحدة عارفة سليم. اتربينا مع بعض…
كان بيعتبر أمي أمه، وأبويا أبوه.
وكان بيتغدى عندنا أكتر ما كان بيتغدى في بيته.
سليم… طيب قوي… وبارد شوية زيادة عن اللزوم، بس قلبه أبيض."
وطّت صوتها:
"وتخيلوا… دلوقتي حاسس إنه ما يستاهلش يعيش وسطنا."
زين سكت شوية، وبعدين قال بجدية مش معتادة منه:
زين:
"وعشان كده إحنا رايحين له النهارده.
مش زيارة وخلاص…
رايحين نرجّعه للحياة."
ابتسم بثقة:
"وبينّي وبينكم… مافيش حد يقدر يهرب من جناننا. حتى لو حاول."
رؤى ضحكت بخفة:
"فعلاً… ربنا يكون في عونه."
ليل فضلت سرحانة.
رؤى لاحظت، فمالت لقدّام ومسكِت إيد ليل من ورا.
رؤى:
"ليل… إنتي بتحبيه؟"
ليل رفعت راسها فجأة، متفاجئة:
"هاه؟ مين؟ سليم؟!"
لوّحت بإيدها:
"لا طبعًا! سليم أخويا… أخويا قبل ما يكون صاحبي."
زين وهو بيرفع حاجبه:
"دي باينة أصلاً.
ده لو كان في حاجة بينكم، ما كانش يعدّي يوم غير وإنتي متخانقة معاه."
رؤى ضحكت:
"صح! ليل لما بتحب حد تتعصب عليه الأول."
ليل خبطت الكرسي اللي ورا بإيدها بخفة:
"يا ساتر! بلاش هبل! أنا أصلًا…"
صوتها وطي فجأة:
"أنا مش متظبطة… دماغي مليانة من كل اللي حصل."
تنهدت:
"حاسّة إننا كلنا تعبنا… مش هو بس."
زين بصّ لها على جنب، وصوته بقى أهدى:
زين:
"بس في فرق…
إحنا تعبنا من أحداث.
هو تعب من أساس حياته."
التلاتة سكتوا لحظة…
صمت تقيل، بس مفهوم.
بعدين قالت رؤى:
رؤى:
"طيب… ناويين نعمل إيه بقى؟
ندخل فجأة ونقول لهم: مفاجأة! جايين نطلّعكم من الاكتئاب؟"
زين ابتسم بمكر:
"بالظبط."
وزوّد:
"وبالصوت العالي كمان."
ليل هزّت راسها وابتسمت لأول مرة النهارده:
ليل:
"لو سليم ما رماكش برّه البيت، يبقى أنا معرفوش."
ضحكوا كلهم، والضحك أخيرًا كسر الحزن التقيل.
والعربية قربت من بوابة فيلا الشرقاوي، رؤى شهقت:
رؤى:
"يا جماعة… النور كله مطفي!
شكلهم نايمين… أو بيعيطوا."
زين وقف العربية وقال:
"مش مهم…
النهارده هنطلعهم من الكهف بالعافية."
لفّ وشه لهم:
"جاهزين نرجّع الروح لاتنين مكسورين؟"
ليل أخدت نفس عميق.
ابتسامتها بقت أدفى… وأقوى.
ليل:
"جاهزين."
**********************
كان الطريق شبه فاضي، وضوء المغرب ينساب على وجوههم من زجاج السيارة الأمامي. ليل ظلت ساكتة دقائق… وبعدين التفتت ببطء نحو رؤى، وشرارة مكر طالعة من عينيها.
ليل (نبرة بريئة زيادة عن اللزوم):
ـ رؤى… هو سؤال بسيط كده… إنتِ بتحبّي سليم؟
رؤى عضّت شفتها، والإحمرار طلع على خدودها فورًا.
رؤى (متلعثمة):
ـ أهو… يعني… سليم إيه بس؟! إحنا اتربّينا سوا… زي أخويا.
زين (يقهقه وهو يتكئ للأمام بين المقعدين):
ـ أخ إيه يا ستّي؟! ده لو أخوكي كنتِ ما بتتشديش أول ما حد يقول اسمه! أنا شايف الودّ باين في عنيكي من زمان.
رؤى (ترفع صوتها دفاعًا):
ـ زين! بطل كلام فاضي!
ليل (تغمز لزين):
ـ بصراحة… أنا شايفة إن في حد بيضحك علينا من زمان وبتخبّي مشاعرها زي الطلبة اللي بيدسّوا الواجب تحت المخدة.
رؤى (تغطي وجهها بكفيها):
ـ يا ربي… أنتو تنصّلتوا إمتى من الرحمة؟!
زين:
ـ من أول ما شفناكِ بتسْتَنْفَرِي لو ريما قالت “سليم تعبان” أو “سليم زعلان”.
ليل ضحكت بصوت منخفض، لكن نبرتها رجعت جادة شوية وهي تحط يدها على كتف رؤى.
ليل:
ـ خلاص يا رؤى… ومش لازم تكذبي. احنا مش صغيرين… وإحنا عارفين.
بس قولي… بتحبّيه؟
رؤى نزلت إيديها ببطء، ونظرت من الشباك، وصوتها بقى أهدى وأصدق.
رؤى:
ـ … أيوه.
من زمان.
يمكن من قبل حتى ما أعترف لنفسي.
سليم… مختلف. طيب. حساس. وعمري ما حسيت بالأمان قدّام حد زي ما بحس وأنا بتكلم معاه.
زين فتح عينيه بدهشة مسرحية:
زين:
ـ بس كتمانا اللي فات ده كله؟! ده أنا لو مكانك كنت صرّخت من أول يوم!
رؤى رمته بنظرة حانقة:
رؤى:
ـ المشكلة مش فيّ… المشكلة إن الموضوع مستحيل أصلاً.
ليل رفعت رأسها بسرعة، وكُحل عينيها انعكس فيه القلق:
ليل:
ـ ليه مستحيل؟ مين قال كده؟
رؤى تنهّدت بعمق، وصوتها اتكسّر:
رؤى:
ـ أبويا… إنتي عارفة الوضع.
مراد كان مجرم… وأبويا هو أول واحد كشفه.
إزاي هيوافق إنّي أرتبط بابنه؟ حتى لو سليم مالوش ذنب.
أنا مش هحط بابا في موقف صعب… ومستحيل أحمّل سليم نظرات الناس ولا مشاكل مالوش يد فيها.
وبعدين… هو أصلاً يستاهل حدّ يقدر يديه كل حاجة… وأنا مش هقدر.
ليل نظرت لها طويلاً بطريقة فيها حنان وحزن معًا.
ليل:
ـ بس باباكي عمره ما قسّى قلبه على سليم ولا ريما.
هو بيكره ظلم أبوهم… مش هما.
رؤى (تهز رأسها بإصرار حزين):
ـ حتى لو… المجتمع مش بيرحم.
وأنا… مش هسمح لنفسي أحبّ حد وأنا عارفة إنها علاقة محكوم عليها بالفشل.
زين رفع حاجبيه وغمز ليل.
زين:
ـ يعني انتي بتحبيه… وبتعاقبي نفسك على جريمة هو ما ارتكبهاش؟
ده أنتي لو في فيلم هندي، كان البطل جه دلوقتي يرقص على السلالم ويقولك "الحب ينتصر"!
رؤى غمزته بخفة رغم الحزن:
رؤى:
ـ زين… اسكت بقى.
ليل مدت يدها ومسكت يد رؤى:
ليل:
ـ اسمعيني…
أوقات… بنفترض أسوأ سيناريو ونعيش عليه، لدرجة إننا بنبني قيود وهمية حوالين نفسنا.
لكن الحقيقة؟
لو ربنا كاتبها… هتحصل.
ولو مش كاتبها… هتختفي حتى لو كانت في إيدِك.
رؤى نظرت لها بعينين لامعتين، وابتسامة صغيرة حزينة ارتسمت على وجهها.
رؤى:
ـ يا ليت الأمور بسيطة زي كلامك.
زين ضرب كفّه في كف ليل:
زين:
ـ خلاص… أنا قررت. أول ما ندخل فيلا الشرقاوي… هنوّر الشموع ونحط موسيقى ونعملكم اعتراف رسمي!
رؤى (تضربه على ذراعه):
ـ زين!!! والله هنزلك من العربية!
ليل انفجرت ضاحكة لأول مرة من الصبح، وزين ضحك معها، بينما رؤى حاولت تبان زعلانة… لكن ابتسامتها فضحتها.
وبين المزاح والجدّ…
جو السيارة كله اتبدّل.
الثلاثة رايحين يشيلوا أحزان سليم وريما… لكن واضح إن كل واحد فيهم شايل وجعه الخاص.
*************************
في شركة سليم القيصري
كان سليم واقف عند النافذة الواسعة، يراجع ملفّات المشروع الجديد، وملامحه فيها تركيز وهدوء الرجل اللي تعب عشان يوصل. المكتب فخم، بسيط، مرتب—عكس الفوضى اللي بعد ثواني بس هتدخل عليه.
طرقات خفيفة… ثم الباب انفتح دون انتظار إذن.
دخلت رانيا.
كعبها العالي يرنّ على الأرض، عطر قوي يتقدّمها قبل خطواتها. شعرها مصفف بعناية مبالغ فيها، ونظرتها فيها ثقة باطلة… خليط من التملك والغيرة.
رانيا (بابتسامة عريضة متصنّعة):
ـ ســليم!
وحشتني يا رجل. بقالك قد إيه هارب مني؟
سليم دار عليها ببطء، والضيق واضح في عينيه أول ما شافها.
سليم (بنبرة باردة):
ـ رانيا.
إنتي بتعملي إيه هنا من غير موعد؟
رانيا تتقدّم بخطوات محسوبة، وتجلس على الكرسي المقابل للمكتب كأنها صاحبة المكان:
ـ يعني لازم موعد؟ بعد سبع سنين صحوبية؟
وبعدين… اشتقت لك. قلت أسلم، أطمن… وأبارك لك كمان.
سليم جلس على كرسيه، حافظ مسافة بينه وبينها، وصوته ثابت:
سليم:
ـ لو على المباركة… خلاص وصلت. تقدري تمشي.
ضحكت رانيا ضحكة لزجة، ومالت للأمام:
رانيا:
ـ تمشي؟ ده أنا لسة ببدأ!
أنا شوفتك في ألمانيا… وشوفت "العروسة".
بصراحة… كنت فاكرة أذكى من كده.
تتجوز بنت بسيطة… شكلها طفلة؟!
نظرة سليم تحوّلت لحدة مفاجئة، وصوته اتخفض لكنه اتقّل:
سليم:
ـ خلي بالك من كلامك.
نيروز مراتي… وأنا مش بسمح لحد يقلّل منها.
رانيا ضحكت بخفوت، لكن غيرة مسمومة بتلمع في عينيها.
رانيا:
ـ مرّتك؟
يا رجل… وده زواج إيه؟!
سفر، ورقة، اتفاق…
كل ده عارفاه. وأنا واثقة إنك مهما حاولت تغيّر الموضوع… لسه بتحبني.
وإلا كنت ناسي وجودي؟ سبع سنين يا سليم. سبع!
سليم (يعقد ذراعيه، ونبرة صريحة تقطع الوهم):
ـ رانيا…
أنا عمري ما حبيتك.
وده مش قسوة… ده حقيقة.
إحنا كنّا أصحاب… أو كنتِ فاكرة كده.
لكن اللي بيني وبين مراتي… مش شبه أي حاجة عرفتيها.
ممرّت ثواني صمت… رانيا فيها ذهول ممتزج بحقد.
رانيا (تبتسم ببطء، ابتسامة فيها جنون بسيط):
ـ بتحبها؟
إنت بجد بتحب البنت دي؟
دي… دي مش من عالمك!
لا في الشكل، ولا المنصب، ولا المستوى!
سليم ينهض واقفًا، ويضع يده على المكتب كأنه يحسم الموقف:
سليم:
ـ هي أنضف منك في كل حاجة.
وأهم من ده… وجودها ريّح قلبي.
وإنتي… وجودك عمره ما كان غير توتر.
رانيا تنهض فجأة، وتقف قدامه رغم إنه أطول منها:
رانيا:
ـ لو فاكر إنك هتهرب بالسهولة دي… تبقى غلطان.
أنا مش هسيبها تاخد حياتي مني.
مش هسيبها تمشي في شركة، وفلوس، واسم… المفروض يبقوا ليّ أنا!
سليم يشيح بنظره عنها، ويضغط على زر صغير على المكتب:
سليم:
ـ الأمن؟
في زائرة عايزة تمشي حالًا.
رانيا تتجمد، وعيونها بتلمع بغضب غريب… مزيج من جنون وجرح نرجسي كبير.
رانيا (بصوت منخفض، مخيف شويّة):
ـ إنت بتطردني؟
أنت… بتطرد أنا؟
سليم (بدون تردد):
ـ أيوه.
وبداية من النهاردة… مش عايز أشوفك في حياتي لا شغل ولا خاص.
رانيا تقرّب وجهها منه، وتقول جملة بصوت ملغوم:
ـ افتكر كلامي يا سليم…
اللي ليا… هاخده.
حتى لو كانت هي.
ثم تدور بكعبها، وتخرج… تاركة خلفها صمت مشبع بالتهديد.
سليم يقف لحظة، يتنفّس بعمق، ويحس بالانزعاج يتحوّل لقلق حقيقي.
ويهمس لنفسه:
سليم:
ـ يا نيروز… يا رب ما تتأذي بسبب مجنونة زي دي.
**********************
في شقة رامي رامي في القاهرة (ليلاً)
كان الليل هادئًا بشكل غير طبيعي…
هدوء لا يناسب حياة رجل مثل رامي.
جلس في شرفته الواسعة المطلة على النيل، بملابس بيتية بسيطة، ومع ذلك ما يزال يحمل هيبة الضباط. أمامه كوب شاي أسود ساخن، وبيده كتاب تاريخ عسكري. البيت فاخر جداً… لكنه فارغ، كأنّ كل غرفة تحكي عن عزلة قديمة هو اختارها بنفسه.
صفحة… ثم صفحة… ثم توقف فجأة.
لا لشيء في الكتاب، بل لشعور صامت داخله.
عقله ظل يعود كل ليلة للمكان نفسه: سويسرا. الغرفة. الشاب الملقى بين الحياة واللاوعي.
رنّ هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
اسم واحد فقط قادر يقلب كيانه كله:
Eliana.
أجاب فوراً.
رامي (بصوت هادئ لكنه مشدود):
ـ أليانا؟ في شيء؟
صوتها جاءه مرتجفًا… مختلطًا بالدهشة والصدمة.
أليانا:
ـ ه…هو استيقظ.
He opened his eyes, Rami… he woke up.
تجمّد رامي.
كأن روحه خرجت منه للحظة.
وقف من مكانه، الكوب اهتز على الطاولة، والكتاب سقط على الأرض دون ما ينتبه.
رامي (يهمس، وابتسامة غير مصدّقة تمتد على وجهه):
ـ استيقظ؟…
الحمد لله…
الحمد لله يا رب.
كان واضح إن الخبر ضرب قلبه قبل عقله.
ثلاث سنوات من الصمت والقلق والسر والبقاء على الحافة… انفجرت كلها في لحظة.
لكن قبل ما يكتمل فرحه… جاء صوت أليانا ينكسر:
أليانا:
ـ But… he doesn’t remember.
He opened his eyes… but he remembers nothing.
Not his name… not his past… nothing.
الابتسامة اختفت.
ورامي جلس ببطء على الكرسي، كأن أحد سحب منه الهواء.
رامي (بصوت منخفض، ثقيل):
ـ فقد الذاكرة… كامل؟
أليانا:
ـ Completely.
He asked “Who am I?”…
And he looked terrified.
I’ve never seen him like that.
رامي مرّر يده على وجهه بحركة حادة… مزيج غضب وألم وتأنيب ذات.
رامي:
ـ يا رب… ليه كده؟
ثلاث سنين وهو بين الحياة والموت… ولما يفوق… يفوق كده؟
أليانا بصوت متماسك لكنه متوتر:
ـ Rami… I need you here.
He needs a familiar face.
He’s confused… scared… weak.
رامي صمت لحظة.
عيناه كانت شاخصة نحو النيل… لكن دماغه في سويسرا.
ثم قال بصوت حاسم:
رامي:
ـ جهّزي كل حاجة.
هسافر الليلة.
أليانا بارتياح واضح:
ـ I’ll be waiting.
رامي أغلق الهاتف… وظل واقفًا دقائق كأنه يحاول يستوعب كل شيء.
البيت صار أضيق.
جدرانه تذكّره إنه الوحيد اللي يعرف السر.
الوحيد اللي يعرف إن الشاب ده لو اتكلم… هتتغيّر حياة ناس كثير.
الوحيد اللي يعرف ليه أنقذه… وليه خبّاه… وليه ما قالش لعاصم.
كان يسمع صوت داخله يكرر:
"لو افتكر… الدنيا هتتقلب."
نهض بسرعة.
دخل غرفته، فتح الخزنة، طلع جواز سفره والمستندات الخاصة بعلاج الشاب، وكل الأوراق اللي خبّاها ثلاث سنوات.
لبس جاكيته.
وقف أمام المرآة لحظة.
وجهه ثابت… لكن في عينيه خوف لا يناسب ضابط مخابرات خبير.
رامي (يهمس لنفسه):
ـ استنى… أنا جاي.
ومش هسيبك تواجه ده لوحدك… مش بعد كل اللي حصل.
ثم خرج من المنزل بخطوات سريعة…
كما لو أن القاهرة بأكملها لا تكفيه…
وكأن الحقيقة التي يحملها أصبحت أثقل من أن تبقى هنا.
*********************
في فيلا الشرقاوي
السيارة توقفت أمام البوابة الكبيرة للفيلا. كان الليل نازل بشويّة برودة، وهدوء المكان يخوّف… كأن الفيلا نفسها حزينة.
نزلت ليل أول وحدة، خطواتها ثقيلة، قلبها مليان همّ مش مفهوم.
رؤى نزلت بعدها وهي تحاول تخبّي توترها، وزيـن كالعادة حاول يضحك:
زين (وهو يحاول يخفّف الجو):
ـ اوف… المكان شكله فيلم رعب. حدّ يقول للناس إننا جايين نزور مش ندفن؟
ليل رمقته بنظرة مستسلمة:
ليل:
ـ اسكت يا زين… مش ناقصين.
ضغطت على الجرس، وبعد ثوانٍ، فتحت الخادمة أم زبيدة الباب.
كانت ملامحها مجهدة… عينان محمرّتان من البكاء.
أم زبيدة (بصوت خافت):
ـ أهلاً… يا ليل، يا حبيبتي. اتفضلوا… اتفضلوا.
رؤى اقتربت منها بقلق:
رؤى:
ـ مالكم يا أم زبيدة؟
في حاجة حصلت؟
تنهدت الخادمة، ومسحت طرف عينها بطرف الطرحة:
أم زبيدة:
ـ سليم بيه… وريما هانم…
راحوا يزوروا أبوهم في السجن النهاردة.
ورجعوا… منهارين.
أسوأ من كل مرة.
ليل عضّت شفتها… غضبها انفجر في عينيها، وحرارة طلعت في صدرها.
ليل (بغضب مكتوم):
ـ ليه راحوا؟ ليه يروحوا يشوفوا… الشخص ده؟
هو… هو دمّر حياتهم!
لسه قادر يأذيهم وهو جوّا السجن؟
زين قبض يده بعصبية:
زين:
ـ ده مش بني آدم.
ده لو كان إبليس نفسه… كان جه يتعلّم من مراد!
رؤى وضعت يدها على كتف ليل محاولة تهدئتها، لكنها نفسها كانت ترتعش من الغضب:
رؤى:
ـ حقيقي… مش فاهمة بيعمل كده ليه.
ليه كل زيارة يبهدلهم أكتر؟
ليل تمتمت بصوت منخفض… فيه مرارة عمرها ما شعرت فيها قبل:
ليل:
ـ عمري ما كرهت حد… قدّه.
مع إني… كنت بشوفه زي أبويا.
زي حد من دمي.
أم زبيدة نظرت لها بأسف وحزن:
أم زبيدة:
ـ يا بنتي… الزمن غريب.
اللي نحبّهم… مرات يطلعوا أبعد ناس عننا.
اتفضلوا… يمكن وجودكم يخفّف عنهم شوية.
دخل الثلاثة.
السكون داخل الفيلا ثقيل… السجاد، الجدران، اللوحات—كلها كأنها تبكي معهم.
طلعوا للطابق العلوي بخطوات حذرة، لحدّ ما ظهر لهم رجل كبير… واقف في الردهة.
عبد الرحمن الشرقاوي.
واقِف بعصاه، ظهره منحني بسبب العمر… لكن عينيه فيها طيبة تخوّف من شدتها.
أول ما شافهم… خصوصًا ليل… ابتسم ابتسامة متعبة لكنها صادقة.
عبد الرحمن (بفرحة واضحة):
ـ ليل! يا بنتي…
ورؤى…
وزين…
الحمد لله إنكم جيتوا.
والله إنتو نور البيت ده…
أحفادي ما بقوش يشوفوا خير من يوم المصيبة دي.
ليل أسرعت نحوه باحترام، وأمسكت يده برفق:
ليل:
ـ إزيّك يا جدي عبد الرحمن؟
طمني… هما فين؟ عاملين إيه؟
تنهد العجوز تنهيدة كسرت قلوبهم كلهم:
عبد الرحمن:
ـ من العصر قاعدين في أوضتهم.
ولا كلمة…
ولا نظرة…
ولا حتى دمعة.
الحزن لما يزيد… يبقى صمت يا بنتي.
مش صريخ.
رؤى شعرت بغصّة:
رؤى:
ـ طب… نقدر نقابلهم؟
عبد الرحمن ابتسم بحنان كبير، وقال:
عبد الرحمن:
ـ لو حد يقدر يوقّف العاصفة اللي جواهم… فهي أنتو.
سليم وريما بيحبوكم.
ويسيبوا الدنيا كلها… على كلمة منكم.
زين وضع يده على كتف العجوز:
زين:
ـ متقلقش يا حاج.
إحنا جايين نصلّح اللي نقدر عليه.
ويمكن…
يمكن نقنعهم إنهم ما يروحوش السجن تاني.
ولا يشوفوا وش الراجل ده… مهما كان أبوهم.
ليل شدّت يدها وغمغمت بغضب ما عرفت تخبيه:
ليل:
ـ لو أقدر… كنت منعتهم بنفسي.
وجوده… بيشوّه روحهم.
ده ما يستحقش حتى حلم إنهم يزوروه.
عبد الرحمن رفع عينه لها…
وفيها حزن أب… وخجل أب… وخيبة أب.
عبد الرحمن (بصوت منخفض):
ـ هو ضيّع نفسه يا ليل…
بس ما تضيعوش أحفادي معاه.
ساعدوهم… بالله عليكم.
ليل ابتسمت له بحنان، رغم الغضب اللي بيفور جوّاها:
ليل:
ـ إحنا هنا عشانهُم… مش عشانه.
وعد.
العجوز أشار لهم نحو الممر:
عبد الرحمن:
ـ أوضتهم هناك.
ادخلوا…
وخلّوا البيت يرجع يتنفس تاني.
تحركوا ببطء…
ليل في المقدمة، رؤى خلفها، وزين خلفهم الاثنين.
وكل واحد فيهم يعرف…
إن الباب اللي هيدقّونه بعد ثوانٍ…
وراه حزن عمره ما كان بسيط.
***********************
أمام غرفة سليم الشرقاوي
وقف زين أمام باب الغرفة لحظة.
الضحكة الجاهزة على وجهه… ما طلعت.
تنفّس بعمق، ثم طرق الباب طرقة خفيفة ودخل بدون انتظار.
الغرفة كانت شبه مظلمة. الستائر مسحوبة، والهواء ثقيل.
سليم جالس على طرف السرير، ظهره محني، كتفيه ساقطين، عينيه معلّقتين في الفراغ.
زين (بمرح مصطنع وهو يدخل):
ـ يا سلام على القعدة!
ناقص بس موسيقى حزينة ومطر على الشباك ونبقى في فيلم تركي.
ما في رد.
زين اقترب خطوتين، ضحك بخفة أعلى:
زين:
ـ إيه؟
ما في حتى تعليق ساخر؟
ولا نظرة باردة؟
ده أنا داخل على سليم الشرقاوي ولا على نسخة تجريبية؟
سليم ما تحرك.
صوته خرج منخفض، مبحوح:
سليم:
ـ لو جاي تضحك… امشي يا زين.
مش وقته.
توقفت ضحكة زين فجأة.
وجهه اتغير، المزاح سقط دفعة واحدة.
زين (بهدوء حاد):
ـ تمام.
يبقى نسيب الهزار على جنب.
اقترب أكثر، وقف قدّام سليم مباشرة.
زين:
ـ مالك؟
سليم ابتسم ابتسامة مكسورة، شبه سخرية من نفسه:
سليم:
ـ مالي؟
أبوي…
طلع شيطان.
طلع قاتل.
طلع كذبة كبيرة.
وأنا عشت عمري كله جوّاها.
زين شبك ذراعيه، عينيه مركّزة عليه:
زين:
ـ وبعدين؟
سليم رفع عينيه أخيرًا، وكان فيهم تعب عمره ما ظهر قبل كده:
سليم:
ـ وبعدين؟
انكسرّت.
اللي جوّايا اتكسّر.
والحاجة اللي تتكسر… ما بترجعش زي الأول.
زين شهق ضحكة قصيرة، غاضبة:
زين:
ـ لا يا شيخ؟
يعني خلاص؟
نقفل عليك وتعيّط؟
ده كلام إيه ده؟
إنت بتتكلم زي البنات الحسّاسات في المسلسلات!
سليم انتفض شوية:
سليم:
ـ متستهزأش!
زين فجأة صرخ:
زين:
ـ لا!
أنا هستهزأ!
لأني مش جاي أشوف صاحبي العظيم قاعد بيقول “اتكسرت”!
الغرفة اهتزت بصوته.
زين (وهو يشير لصدر سليم):
ـ إنت مش أبوك!
إنت ما مسكتش سكينة!
ما خُنتش!
ما قتلتش حد!
يبقى ذنبك إيه؟
سليم صوته بدأ يرتجف:
سليم:
ـ اسمي!
اسمي بس كفاية!
كل ما حد يبص لي… يشوفه هو!
يشوف الدم!
يشوف الخيانة!
زين قرب أكتر، لدرجة إن المسافة بينهم اختفت:
زين:
ـ لا.
اللي يبص لك ويشوف أبوك… يبقى أعمى.
وأعمى ده ما يهمّكش رأيه.
سليم بلع ريقه بصعوبة:
سليم:
ـ أنت مش فاهم…
ده أبويا.
الرجل اللي كنت أفتخر بيه…
اللي كنت أقول “نفسي أبقى زيه”.
صمت لحظة، ثم همس:
سليم:
ـ هو اللي كسرني يا زين.
زين مسك كتف سليم بقوة:
زين:
ـ لأ.
هو حاول.
بس الكسر الحقيقي… لما تقرر أنت تنحني.
سليم رفع رأسه شوية، عينيه تلمع:
سليم:
ـ وأنا تعبت.
مش قادر أرفع راسي.
زين قرب جبينه من جبين سليم، صوته نزل لكنه بقى أصدق:
زين:
ـ ترفعها غصب.
زي ما عملت دايمًا.
إنت مش من النوع اللي ينهار.
إنت البارد.
السّاخر.
اللي الدنيا كلها تستفزه وما يهتزّش.
سليم هز رأسه بضعف:
سليم:
ـ ده كان قبل…
قبل ما أعرف إني ابن مجرم.
زين ضحك ضحكة قصيرة، مريرة:
زين:
ـ طيب اسمعني كويس.
أنا ابن رجل عادي.
ولا عمري عملت حاجة عظيمة.
بس لو أبويا طلع مجرم بكرة…
ده ما يخلّينيش واحد.
ولا يقلّل مني.
ولا يحدد مين أنا.
سكت لحظة، ثم قال بصرامة:
زين:
ـ أنت بتتحدّد بأفعالك… مش بدمك.
سليم عينيه دمعت لأول مرة:
سليم:
ـ خايف.
خايف أعيش طول عمري بدفع ثمن حاجة ما عملتهاش.
زين مسح على شعره بعنف محب:
زين:
ـ وأنا معاك.
طول ما أنا موجود…
ما حدش هيكسر اسمك.
ولا يكسرك.
سليم تنفس بعمق…
كأن حملاً انزاح قليلاً عن صدره.
سليم (بصوت خافت):
ـ وحشتني…
نسيت يعني إيه حد يزعق لي عشان يقومني.
زين ابتسم أخيرًا، ابتسامة حقيقية:
زين:
ـ افتكر…
أنا هنا مش عشان أواسيك.
أنا هنا عشان أفكّك من الهبل اللي بتقوله.
ضحك سليم بخفة… أول ضحكة منذ أيام.
وكانت كافية…
لتثبت أن الكسر… لم يكن كاملًا.
********************
في غرفة ريما الشرقاوي
باب الغرفة كان مواربًا.
الضوء خافت، ورائحة عطر قديم معلّقة في الهواء… عطر امرأة كانت يومًا مطمئنة.
دخلت ليل أولًا، بخطوات حذرة.
وراءها رؤى.
ريما كانت جالسة أمام المرآة، شعرها منسدل بلا ترتيب، وجهها شاحب، يدها موضوعة على بطنها دون وعي… كأنها تحمي شيئًا هشًا.
لم تلتفت.
ليل (بصوت ناعم):
ـ ريما…
ريما ابتسمت ابتسامة باهتة في المرآة:
ريما:
ـ كنت عارفة إنكم هتيجوا.
دايمًا بتيجوا لما أحتاجكم… حتى قبل ما أطلب.
رؤى اقتربت وجلست على حافة السرير:
رؤى:
ـ وإحنا مش هنسيبك.
أبدًا.
صمت قصير.
ريما نظرت لانعكاسها، عيناها محمرّتان لكنها لم تبكِ.
ريما:
ـ شفتوه؟
شفتوا بابا… النهاردة؟
ليل قبضت يدها:
ليل:
ـ لا.
بس سمعنا.
ريما ضحكت ضحكة قصيرة، فارغة:
ريما:
ـ البرود…
البرود كان أسوأ من الشتيمة.
قلت له…
قلت له إني حامل.
التفتت لهما فجأة، عيناها تلمعان بقهر:
ريما:
ـ عارف قال إيه؟
رؤى هزّت رأسها ببطء:
رؤى:
ـ إيه؟
ريما (بصوت ثابت بشكل مخيف):
ـ قال:
"اعملي اللي إنتِ شايفاه. ده مش وقت عواطف."
ليل شهقت بصوت خافت:
ليل:
ـ إيه؟!
ده… ده بني آدم؟
ريما أعادت نظرها لبطنها، لمستها برفق:
ريما:
ـ اللحظة دي فهمت.
هو عمره ما كان أب.
كان دايمًا مشروع جريمة… بس إحنا كنا بنغطيه بالحب.
رؤى اقتربت منها أكثر، أمسكت يدها:
رؤى:
ـ ريما… إنتِ مش زيه.
ولا عمرك هتكوني.
ريما أغمضت عينيها:
ريما:
ـ عشان كده سيبت كامل.
رجل نظيف… زيادة عن اللزوم.
كان بيبص لي كإني حاجة غالية.
وأنا…
أنا ابنة مجرم.
ليل انفجرت:
ليل:
ـ لا!
إنتِ ست قوية، نقية، طيبة.
ذنبك إيه في اللي عمله؟
ريما دمعتها نزلت أخيرًا:
ريما:
ـ ذنبي إني من دمه.
كنت بحس إن كل مرة كامل يضحك لي…
أنا بخدعه.
كأني بسرق منه حياة ما يستاهلهاش مع واحدة زيي.
رؤى بعصبية مكتومة:
رؤى:
ـ وإنتِ قررتي تعاقبي نفسك؟
وهو؟
هو ذنبه إيه يتساب ويتخلع منه زوجته فجأة؟
ريما نظرت لها بانكسار:
ريما:
ـ كنت فاكرة إني بحميه.
ما كنتش عارفة إني بدمّره.
ليل جلست على الأرض أمامها، على مستوى عينيها:
ليل:
ـ وإيه ذنب اللي جواك؟
ريما شهقت، وضعت يدها على بطنها بقوة:
ريما:
ـ خايفة عليه.
خايفة يطلع…
ويكرهني لما يعرف أنا مين.
رؤى هزّت رأسها بحزم:
رؤى:
ـ لأ.
الطفل ده هيعرفك بأفعالك.
مش باسم جدّه.
ريما همست:
ريما:
ـ وباباه؟
ليل ابتسمت بحزن:
ليل:
ـ كامل بيحبك.
والحب الحقيقي… ما بيهربش من أول ظلمة.
ريما تنفست بعمق:
ريما:
ـ لو كان بابا رد عليّ النهاردة بكلمة واحدة دافية…
كنت قدرت أتحمّل.
بس…
قساوته قتلت آخر حاجة جوايا كانت بتدافع عنه.
سكتت لحظة، ثم قالت بصوت مكسور:
ريما:
ـ أنا تايهة.
ولا عارفة أرجع الجزائر…
ولا أكمّل هنا…
ولا حتى أفرح بحملي.
ليل مدت يدها، وضعتها على بطن ريما:
ليل (بهمس):
ـ ده نور.
مش لعنة.
رؤى وضعت يدها فوق يد ليل:
رؤى:
ـ وإحنا جنبك.
في أي طريق تختاريه.
ريما نظرت لهما…
ثم انهارت أخيرًا، دفنت وجهها بين كفّيها وبكت.
ليل ورؤى احتضنتاها دون كلام.
ثلاث فتيات…
ثلاث قلوب…
ووجع واحد.
وخارج الغرفة…
كان الليل طويلًا.
*******************
خارج السجن / مكان معزول ليلاً
بوابة السجن أُغلِقت خلفه بصوتٍ معدني ثقيل.
خطا مراد إلى الخارج…
وجهه شاحب، عيناه تلمعان بجنون غير طبيعي، وابتسامة ملتوية لا تشبه إنسانًا خرج للحرية… بل وحشًا خرج للصيد.
سيارة سوداء فاخرة كانت بانتظاره.
الباب الخلفي فُتح بهدوء.
جلس مراد، وما إن أُغلِق الباب حتى انطلقت السيارة.
داخلها…
كان زعيم المافيا جالسًا، رجل أجنبي، ملامحه جامدة، صوته لا يحمل انفعالًا واحدًا.
مراد ضحك ضحكة قصيرة، مجنونة:
مراد:
ـ أخيرًا…
شهر، وأنا بفكّر في اللحظة دي.
زعيم المافيا لم ينظر إليه:
زعيم المافيا:
ـ لا تفرح كثيرًا.
خروجك لا يعني أنك حرّ.
مراد التفت له بعينين حادتين:
مراد:
ـ أنا حر بما يكفي…
وأول حاجة هعملها…
هخلّص من الكل.
ابتسامته اتسعت:
مراد:
ـ زياد…
عاصم…
وكل واحد فكر يرفع راسه في وشي.
السيارة سادها صمت ثقيل.
ثم قال زعيم المافيا ببرود قاتل:
زعيم المافيا:
ـ لا.
لن تفعل.
مراد ضحك بسخرية:
مراد:
ـ تضحك عليّ؟
أنا اللي دفعت…
أنا اللي اشتغلت…
أنا اللي نفذت!
زعيم المافيا التفت إليه أخيرًا.
نظرة واحدة… كانت كافية لتجعل الدم يبرد في عروق مراد.
زعيم المافيا (بصوت منخفض):
ـ وأنت…
أنت السبب في أننا تحت أنظار الإنتربول الآن.
مراد تجمّد.
زعيم المافيا:
ـ قبل ثلاث سنوات…
عندما قتلت ذلك الشاب—
(توقف لحظة)
ظننت أنك ذكي.
مراد بلع ريقه:
مراد:
ـ كان لازم يموت.
زعيم المافيا اقترب منه قليلًا:
زعيم المافيا:
ـ لا يهمني من يموت.
لكن يهمني من يجلب الضوء إلى الظل.
صوته صار أكثر قسوة:
زعيم المافيا:
ـ أنت لم تقتل شخصًا فقط.
أنت جذبت الإنتربول.
جعلت أعمالنا…
تحت المجهر.
مراد بدأ يتنفس بسرعة، لكن حاول التماسك:
مراد:
ـ زياد هو السبب.
هو اللي كشفني.
هو اللي دمّرني!
زعيم المافيا قال ببرود أشد:
زعيم المافيا:
ـ زياد لا يهمني.
عاصم لا يهمني.
أطفالك لا يهمونني.
ثم مال نحوه فجأة، صوته صار همسًا مخيفًا:
زعيم المافيا:
ـ لكن لو ارتكبت حماقة أخرى…
سأجعلهم آخر شيء تراه قبل أن تختفي.
مراد ارتجف.
عرق بارد سال على جبينه.
لثوانٍ… كان مجرد رجل خائف.
مراد (بصوت مهزوز):
ـ أنت… أنت تهددني؟
زعيم المافيا ابتسم ابتسامة بلا روح:
زعيم المافيا:
ـ لا.
أنا أشرح لك الواقع.
صمت.
السيارة توقفت للحظة.
مراد أغمض عينيه، ثم فتحهما…
الجنون عاد.
القسوة رجعت لمكانها.
مراد (بابتسامة باردة):
ـ أنا فاهم.
مش هتحرك دلوقتي.
ثم أضاف ببطء:
مراد:
ـ بس لما أتحرك…
مش هتعرف توقفني.
زعيم المافيا نظر للأمام مجددًا:
زعيم المافيا:
ـ الانتقام العاطفي…
لعبة الأطفال.
مراد همس، وكأنه يقسم:
مراد:
ـ وأنا عمري ما كنت طفل.
السيارة انطلقت من جديد…
وفي عيني مراد،
كان قرارٌ واحد فقط:
إما هو…
أو الجميع.
******************
في فيلا الزهراوي / المساء
الجو في الصالون كان خانقًا…
ليس بسبب الحر، بل بسبب الصمت.
زياد كان واقفًا قرب النافذة، يضغط كفه على حافة الطاولة الخشبية بقوة.
عروق يده بارزة، وصدره يعلو ويهبط بنَفَسٍ غير منتظم.
عاصم يجلس قبالته، كتفاه مشدودان، عيناه لا تفارقان زياد…
ينتظر الحكم، لكنه يعرف أن الأمر لم يعد زواجًا فقط.
على الأريكة المقابلة جلس آدم العطار، ظهره مستقيم، نظراته حادة، عقل مخابراتي يعمل بصمت.
وبجانبه أدهم، ذراعاها متشابكتان، وجهه متجهم، عيناه مليئتان بالغضب والندم في آنٍ واحد.
قطع الصمت صوت زياد، مبحوحًا، ثقيلًا:
زياد:
ـ من ساعتين…
من ساعتين بس…
الرجل ده كلمني.
استدار إليهم فجأة، صوته ارتفع:
زياد:
ـ مراد…
كان بيتكلم وكأنه خارج من جحيم مش سجن!
عاصم انتفض قليلًا:
عاصم:
ـ قال إيه؟
زياد ضحك ضحكة قصيرة… بلا فرح:
زياد:
ـ قال لي:
"افتكر إنك نجوت المرة اللي فاتت…
المرة الجاية مش هتكون كده."
سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ مخنوق:
زياد:
ـ وأنا…
أنا عمري ما خفت على نفسي.
بس بنتي؟
مراتي؟
أولادي؟
ضرب الطاولة بقبضته:
زياد:
ـ لا…
دي حاجة تانية.
أدهم انحنى للأمام، صوته حازم:
أدهم:
ـ أنا قلتلك من الأول…
مراد مش خصم عادي.
ده حاقد.
والحاقد لما يخسر…
يحرق كل حاجة حواليه.
آدم تدخّل بهدوء محسوب:
آدم:
ـ المكالمة دي معناها إنه خرج من مرحلة التهديد…
ودخل مرحلة التنفيذ.
عاصم شدّ قبضته:
عاصم:
ـ لو قرب من ليل…
أقسم بالله—
قاطعه زياد بنبرة حادة:
زياد:
ـ لا!
ما تتكلمش كده في بيتي.
ثم نظر له بعينين ممتلئتين بالتناقض:
زياد:
ـ أنا عارف إنك بتحبها…
وعارف إنك مستعد تموت علشانها.
بس ليل مش درع.
ولا طُعم.
تنفّس بعمق:
زياد:
ـ أنا أبوها…
وحمايتها مسؤوليتي.
في تلك اللحظة، فُتح باب الصالون بسرعة.
دخل جواد، وجهه شاحب، ملف بني تحت ذراعه، عرق خفيف على جبينه.
آدم وقف فورًا:
آدم:
ـ إيه اللي حصل؟
جواد ابتلع ريقه:
جواد:
ـ عندي خبر…
مش هيعجب حد فيكم.
زياد اقترب خطوة:
زياد:
ـ اتكلم.
جواد:
ـ مراد…
خرج من السجن.
الصمت سقط كقنبلة.
زياد صرخ:
زياد:
ـ إزاي؟!
أدهم:
ـ مستحيل!
عاصم:
ـ مين اللي عملها؟!
جواد رفع الملف:
جواد:
ـ خرج قانونيًا.
القضية اتقلبت.
شخص تاني اعترف بالجريمة بالكامل.
آدم ضيّق عينيه:
آدم:
ـ اسم الشخص؟
جواد:
ـ واجهة.
اللي ورا الموضوع…
رجل أعمال إيطالي.
عاصم قال بحدة:
عاصم:
ـ مافيا.
جواد هز رأسه:
جواد:
ـ رسميًا؟
رجل أعمال فقط.
ولا دليل يربطه بأي تنظيم إجرامي.
زياد انفجر:
زياد:
ـ يعني واحد زي مراد يخرج؟
بعد كل اللي عمله؟
بعد ما دمّر بيوت؟!
صوته انكسر:
زياد:
ـ بعد ما حوّل حياتنا لجحيم؟
آدم وضع يده على كتف زياد بثبات:
آدم:
ـ اسمعني.
الغضب مفهوم…
لكن لازم نتحرك بعقل.
ثم نظر لعاصم مباشرة:
آدم:
ـ وزواجك من ليل…
مش هيبقى مسألة شخصية بعد النهارده.
عاصم شدّ ظهره:
عاصم:
ـ أنا جاهز لأي قرار…
بس ليل خط أحمر.
أدهم قال بهدوء ثقيل:
أدهم:
ـ مراد لما يطلع…
ما يطلعش علشان يعيش.
يطلع علشان ينتقم.
زياد أغمض عينيه لحظة…
ثم فتحهما بقرار واضح:
زياد:
ـ يبقى نحمي بعض.
كلنا.
من غير أخطاء.
ولا تهوّر.
نظر لعاصم نظرة أب قبل أن تكون نظرة حكم:
زياد:
ـ وأولهم…
بنتي.
رواية في قبضة العاصم الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سيليا البحيري
في فيلا عائلة رانيا / الليل
غرفة واسعة، فاخرة أكثر مما يجب.
مرايا ضخمة، إضاءة صفراء دافئة، لكن الجو بارد… خانق.
رانيا كانت جالسة أمام المرآة، شعرها مبعثر، مكياجها نصف ممسوح.
تحدّق في انعكاسها وكأنها تكره الصورة… لا نفسها فقط.
ضغطت بأظافرها على حافة الطاولة الزجاجية.
رانيا (تتمتم):
ـ تحبها…
قالها في وشي.
بكل برود.
ضحكة قصيرة خرجت منها، لكنها كانت أقرب للبكاء.
رانيا:
ـ نيروز…
ولا حتى تعرف تمشي في الدنيا.
ولا تلبس…
ولا تفهم حاجة.
نهضت فجأة، بدأت تمشي في الغرفة بعصبية.
رانيا:
ـ وأنا؟
أنا اللي كنت معاه سبع سنين؟
أنا اللي استنيته؟
أنا اللي يعرفني ويعرف ضعفي؟
توقفت أمام المرآة، عيناها اشتعلتا:
رانيا:
ـ قال عليّا رخيصة.
قال شمال.
ضربت المرآة بقبضتها، فاهتزت دون أن تنكسر.
رانيا (بصوت مبحوح مليء بالحقد):
ـ أقسم بالله…
هخليه يندم.
فُتح باب الغرفة دون استئذان.
دخلت صافي…
امرأة في الخمسينات، فستان ضيق لامع، شعرها مصبوغ بعناية، رائحة عطر قوية تسبقها.
نظرت لابنتها من أعلى لأسفل بازدراء.
صافي:
ـ إيه المنظر ده؟
هو انتي ناوية تعيشي دور الضحية ولا إيه؟
رانيا لم تلتفت.
رانيا:
ـ مش وقتك يا ماما.
ضحكت صافي بسخرية وهي تقترب من المرآة الأخرى:
صافي:
ـ وقتي دايمًا.
بس انتي اللي عمرك ما عرفتي تستغليه.
التفتت رانيا أخيرًا، عيناها محمرتان:
رانيا:
ـ سليم اتجوز.
صافي رفعت حاجبها بلا مبالاة:
صافي:
ـ آه…
سمعت.
ثم قالت ببرود جارح:
صافي:
ـ كنتي فاكرة إنه هيستناكي سبع سنين؟
وانتي بتجري ورا التمثيل واللاشيء؟
رانيا اقتربت منها خطوة:
رانيا:
ـ أنا كنت غبية.
بس دلوقتي…
دلوقتي مش هسيبه.
صافي ضحكت ضحكة عالية:
صافي:
ـ مش هتسيبيه؟
هو لعبة في إيدك؟
ثم اقتربت منها وهمست بسم قاتل:
صافي:
ـ انتي ضيّعتيه بإيدك.
وابن سليمان القيصري…
مش بيرجع لورا.
رانيا صرخت:
رانيا:
ـ هو حقي!
صافي نظرت لها نظرة قاسية:
صافي:
ـ الحق؟
الحق بيتاخد بالعقل، مش بالهوس.
سكتت لحظة، ثم أضافت بلا رحمة:
صافي:
ـ وبصراحة؟
انتي خيبت أملي.
رانيا شهقت، لكن الحقد كان أسرع من الدموع.
رانيا:
ـ هو قال إنه يحبها.
قال إنها أنضف مني.
صافي رفعت كتفيها بلا اكتراث:
صافي:
ـ الرجال دايمًا بيحبوا اللي سهل يسيطروا عليها.
طفلة بريئة…
طبيعي.
ثم اقتربت من حقيبتها:
صافي:
ـ بس انتي؟
انتي لو كنتي ذكية…
كنتِ لعبتيها صح.
رانيا همست، صوتها مظلم:
رانيا:
ـ وأنا هعمل كده.
هخليه يشوف وشها الحقيقي.
هخليها تخسره…
وتخسر كل حاجة.
صافي نظرت لها للحظة…
ثم ابتسمت ابتسامة باردة:
صافي:
ـ بس خلي بالك.
ما تجيبليش فضايح.
ثم استدارت نحو الباب:
صافي:
ـ أنا رايحة أجهز.
عندي حفلة الليلة.
توقفت عند الباب، دون أن تلتفت:
صافي:
ـ بالمناسبة…
وأنتي بتخططي لتدمير حياتهم…
حاولي تدمري حياتك أقل شوية.
وأغلقت الباب.
بقيت رانيا وحدها.
الصمت عاد…
لكن هذه المرة، كان مليئًا بالقرار.
اقتربت من المرآة، ابتسمت ابتسامة مظلمة:
رانيا (بهمس):
ـ الحب؟
لا…
أنا أعرف حاجة أقوى.
أخرجت هاتفها، ضغطت رقمًا محفوظًا بلا اسم.
رانيا:
ـ محتاجة خدمة.
كبيرة.
*****************
في فيلا عائلة الراوي / بعد الظهر
الفيلا هادئة… هدوء ثقيل لا يشبه الراحة.
أصوات بعيدة من الحديقة، ووقع خطوات خفيفة لخادمة تمرّ من الممر.
ربى كانت جالسة على الكرسي المتحرك قرب نافذة الصالون، يداها في حجرها، تنظر للخارج بلا تركيز.
جسدها لا يزال ضعيفًا، لكن روحها… كانت أضعف.
دخلت نوال من الممر، وجهها مشدود، تحمل هاتفها بيد، وباليد الأخرى عبثت بأساورها الذهبية بعصبية.
أغلقت الهاتف فجأة، ثم التفتت نحو ربى.
نوال (بصوت متوتر):
ـ ربى…
اسمعيني كويس.
رفعت ربى عينيها ببطء، ابتسمت ابتسامة صغيرة مهذبة:
ربى:
ـ خير يا طنط؟
نوال لم تبتسم.
اقتربت منها خطوة، ثم أخرى.
نوال:
ـ أختي لمى…
جاية النهارده.
تجمّدت ربى.
ربى:
ـ أه…
أهلاً وسهلاً.
نوال زفرت بضيق:
نوال:
ـ لا.
مش أهلاً ولا حاجة.
ثم قالت بحدة مفاجئة:
نوال:
ـ جاية علشان نتفق…
على خطوبة بيجاد وتالين.
سقطت الكلمات كصفعة.
ربى شهقت بخفة، ثم قالت بصوت واهن:
ربى:
ـ بس…
بيجاد—
قاطعتها نوال فورًا:
نوال:
ـ اسمعيني للآخر.
نظرت لها بنظرة فاحصة، باردة:
نوال:
ـ لمى وتالين…
ما يعرفوش إن بيجاد اتجوز.
ربى اتسعت عيناها:
ربى:
ـ إزاي؟
نوال شدّت شفتيها:
نوال:
ـ وهما مش هيعرفوا.
صمت ثقيل.
ربى (بهمس):
ـ يعني…
أعمل إيه؟
نوال تنفست بعمق، وكأنها تقول أمرًا بديهيًا:
نوال:
ـ تطلعي أوضتك.
وما تنزليش.
ولا صوت… ولا وجود.
ربى نظرت للأرض.
ربى:
ـ حاضر…
لكن نوال لم تكتفِ.
نوال (بنبرة قاسية):
ـ وجودك…
هيعمللي إحراج.
رفعت ربى رأسها ببطء:
ربى:
ـ إحراج؟
نوال أمالت رأسها قليلًا:
نوال:
ـ أيوه.
لمى لو عرفت إن بيجاد ساب بنتها
واتجوز واحدة…
(توقفت لحظة)
في حالتك…
سكتت، لكنها أكملت بلا رحمة:
نوال:
ـ علاقتي بأختي هتتدمر.
ربى بلعت ريقها، عيناها لمعتا بالدموع:
ربى:
ـ أنا…
ما كنتش عايزة أسبب مشكلة لحد.
نوال عقدت ذراعيها:
نوال:
ـ وده اللي كنتِ لازم تفكري فيه من الأول.
صمت.
ثم قالت نوال ببرود قاتل:
نوال:
ـ بصراحة؟
إنتِ مش مناسبة لبيجاد.
ربى ارتعشت.
ربى:
ـ أنا بحبه…
نوال ضحكت ضحكة قصيرة بلا دفء:
نوال:
ـ الحب ما يكفيش.
ابني محتاج واحدة
تقف جنبه…
مش واحدة محتاجة حد يشيلها.
الدموع سقطت أخيرًا من عيني ربى.
ربى (بصوت مكسور):
ـ أنا بتحسن…
الدكاترة قالوا—
قاطعتها نوال:
نوال:
ـ قالوا إيه؟
هتمشي؟
ولا هتفضلي نص إنسانة؟
شهقة مكتومة خرجت من ربى.
نوال اقتربت أكثر، خفضت صوتها وكأنها تنصح:
نوال:
ـ لو ذكية…
تطلبي الطلاق بهدوء.
رفعت ربى رأسها بصعوبة:
ربى:
ـ طلاق؟
نوال:
ـ أيوه.
بيجاد مع الوقت هيزهق.
وهيكره ضعفه…
وهيكرهك.
ثم أضافت دون تردد:
نوال:
ـ وساعتها…
هيرجع لبنت خالته.
تالين جميلة…
صحتها كويسة…
وتشرف.
سكتت، ثم التفتت نحو الخادمة التي كانت تقف على بُعد:
نوال:
ـ خديها أوضتها.
ربى لم تعترض.
لم تتكلم.
اكتفت بإيماءة خفيفة.
ربى (بصوت خافت):
ـ ممكن…
تساعديني؟
الخادمة اقتربت بسرعة، دفعت الكرسي المتحرك نحو السلم.
وقبل أن تبتعد، قالت ربى بصوت بالكاد يُسمع:
ربى:
ـ أنا آسفة.
نوال لم ترد.
في الممر،
وعند باب غرفتها،
طلبت ربى من الخادمة التوقف.
ربى:
ـ سيبيني لوحدي شوية.
دخلت الغرفة، أغلقت الباب بهدوء.
جلست على السرير،
نظرت إلى ساقيها…
ثم إلى يديها المرتعشتين.
همست لنفسها، بعزم غريب يولد من الألم:
ربى:
ـ أنا مش عبء…
ومش هكون سبب كسر لحد.
نظرت نحو النافذة،
وعيناها امتلأتا بقرار لم يتضح بعد.
قرار…
سيغيّر كل شيء.
******************
في — سويسرا / الجناح الطبي الخاص / مساء
الضوء الأبيض كان ناعمًا، هادئًا، ينعكس على الجدران الزجاجية.
الهواء بارد قليلًا، رائحة مطهّر خفيفة، وصوت جهاز المراقبة ينبض بإيقاع منتظم.
كان الشاب مستلقيًا على السرير، نصف جالس، رأسه مائل قليلًا.
عيناه الزرقاوان—المتعبتان—تتأملان المكان كأنه يراه لأول مرة…
وهو كذلك.
جلست إيلينا على الكرسي القريب، ساق على ساق، ترتدي فستانًا صيفيًا بسيطًا، قصيرًا قليلًا كما اعتادت، وشعرها الأشقر مربوط بعفوية.
كانت تنظر إليه بابتسامة تحاول أن تكون مطمئنة…
لكن قلبها كان يخفق بسرعة.
إيلينا (بصوت هادئ):
ـ كيف رأسك الآن؟
هل الألم أخف؟
الشاب وضع يده على صدغه، تنفّس بعمق:
الشاب:
ـ كأن…
كأن في ضباب.
مش ألم حقيقي…
بس ثِقل.
سكت لحظة، ثم نظر إليها مباشرة:
الشاب:
ـ أنتِ…
أنتِ مين؟
ابتسمت إيلينا، رغم أن السؤال مزّقها من الداخل.
إيلينا:
ـ أنا إيلينا.
طبيبتك.
ترددت، ثم أضافت بلطف:
إيلينا:
ـ وأنا كنت معك…
من وقت طويل.
عقد حاجبيه:
الشاب:
ـ قد إيه طويل؟
ابتلعت ريقها:
إيلينا:
ـ ثلاث سنوات.
فتح عينيه بدهشة صامتة.
الشاب:
ـ ثلاث…
سنين؟
نظر إلى يديه، إلى جسده، كأنه يحاول تذكّر شخصٍ كان هنا ثم اختفى.
الشاب:
ـ وأنا؟
مين كنت؟
إيلينا هزّت رأسها ببطء:
إيلينا:
ـ لا تضغط على نفسك.
ذاكرتك…
لسه نائمة.
ثم قالت بابتسامة خفيفة:
إيلينا:
ـ المهم إنك حي.
وإنك هنا.
نظر إليها طويلًا.
شيء ما في صدره تحرّك…
شعور غير مفهوم، لكنه دافئ.
الشاب (بصوت منخفض):
ـ صوتك…
مألوف.
قلب إيلينا قفز.
إيلينا:
ـ كنت أتحدث معك…
حتى وأنت نائم.
ابتسم ابتسامة خفيفة، أول ابتسامة حقيقية.
الشاب:
ـ إذن…
أنتِ الشيء الوحيد الحقيقي في هذا المكان.
وقبل أن ترد—
فُتح الباب دون طرق.
دخل طبيب شاب، شعره داكن، ملامحه وسيمة لكن نظراته وقحة.
ابتسامة جانبية لم تعجب إيلينا أبدًا.
الطبيب:
ـ مساء الخير، إيلينا.
نظر إليها من رأسها حتى قدميها دون خجل.
الطبيب (بمزاح رخيص):
ـ كالعادة…
تجعلين المكان أكثر إشراقًا.
شدّ الشاب جسده تلقائيًا.
شيء ما انقبض داخله.
إيلينا (ببرود مهني):
ـ مساء الخير، دكتور لوكاس.
هل من شيء عاجل؟
لوكاس اقترب خطوة إضافية، لا يزال ينظر إليها لا إلى المريض.
لوكاس:
ـ فقط أطمئن.
(ينظر إلى فستانها)
واضح أنكِ خرجتِ من العمل…
أم أن هذا اللوك الجديد للمرضى المحظوظين؟
ابتسم بوقاحة.
فجأة—
الشاب:
ـ ابتعد.
الصوت كان حادًا، غير متوقع.
لوكاس التفت إليه مستغربًا:
لوكاس:
ـ عفوًا؟
الشاب جلس باعتدال، عينيه اشتعلتا:
الشاب:
ـ لا تنظر إليها هكذا.
إيلينا اتسعت عيناها:
إيلينا:
ـ لا، لا—
كل شيء بخير.
لوكاس ضحك باستخفاف:
لوكاس:
ـ يبدو أن الغيبوبة أعادتك حساسًا أكثر من اللازم.
وقبل أن يُكمل—
الشاب نهض فجأة، رغم ضعفه، خطوة غير متزنة…
ثم—
ضربة قوية.
قبضة ارتطمت بوجه لوكاس.
سقط الطبيب للخلف مصطدمًا بالطاولة.
إيلينا صرخت:
إيلينا:
ـ لا! توقف!
لوكاس نهض غاضبًا:
لوكاس:
ـ أيها المجنون!
اندفع نحوه، اشتبك الاثنان.
الشاب كان أضعف جسديًا…
لكن الغضب كان يقوده.
إيلينا حاولت الفصل بينهما:
إيلينا:
ـ أرجوكما!
توقفا!
لوكاس صرخ:
لوكاس:
ـ أخرجوه !
الشاب أمسكه من ياقة قميصه، صوته مبحوح:
الشاب:
ـ لا تقترب منها.
أبدًا.
تجمّد لوكاس للحظة…
ثم دفعه بقوة.
تدخل ممرضون بسرعة، فصلوا العراك.
الشاب كان يتنفس بصعوبة، عرق بارد على جبينه، ينظر إلى إيلينا بعينين ممتلئتين بشيء جديد…
شيء مخيف حتى له.
إيلينا اقتربت منه، وضعت يدها على ذراعه المرتجفة:
إيلينا (بهمس):
ـ لماذا فعلت ذلك؟
نظر إليها…
وكأنه يحاول فهم نفسه.
الشاب (بصوت مكسور):
ـ لا أعرف.
لكن…
لم أحتمل.
إيلينا ابتسمت بخوف ودهشة معًا.
في الخارج،
كان القدر قد بدأ يحرّك قطعه.
والرجل الذي لا يعرف اسمه بعد…
بدأ يتذكّر شعورًا واحدًا فقط:
الغيرة.
*******************
كان لوكاس واقفًا وهو يعدّل ياقة قميصه بعصبية، خدّه محمر، نظراته مليئة بالاحتقار.
أما الشاب فكان واقفًا رغم الإرهاق، صدره يعلو ويهبط، عيناه ثابتتان عليه بثبات رجل لا يعرف اسمه… لكنه يعرف حدوده.
ضحك لوكاس بسخرية قصيرة:
لوكاس:
ـ تصدق؟
ده اللي ناقص…
مريض يصحى من غيبوبة ويقرر يضرب دكتور.
اقترب خطوة، صوته مليء بالاستعلاء:
لوكاس:
ـ أنت عارف إن ده اعتداء؟
أقدر أقدّم بلاغ رسمي…
وتطلع على مركز الشرطة مباشرة.
الشاب شدّ فكه، تقدّم خطوة رغم ضعف ساقيه:
الشاب:
ـ بلّغ.
بس قبلها…
اتعلّم تبصّ بعينك، مش بشهوتك.
لوكاس ضحك باستخفاف:
لوكاس:
ـ يا سلام!
بقيت واعظ أخلاقي فجأة؟
ثم أضاف بتهكّم:
لوكاس:
ـ واضح إن الغيبوبة عملت لك غسيل دماغ.
إحنا هنا في أوروبا،
مش في مسجد.
الهواء تجمّد.
عينا الشاب اشتعلتا غضبًا خالصًا، صوته خرج منخفضًا… لكنه حاد:
الشاب:
ـ سواء هنا أو في أي مكان…
المرأة مش منظر.
ولا لعبة.
ثم أشار بيده نحوه:
الشاب:
ـ واللي ما يعرفش يحترم…
يتعلّم.
إيلينا كانت صامتة حتى الآن…
لكن عند هذه الجملة، انفجرت.
تقدّمت بخطوتين، وقفت بينهما، عيناها تقدحان شررًا:
إيلينا (صارخة):
ـ كفاية يا لوكاس!
التفت لها بدهشة:
لوكاس:
ـ إيلينا، الموضوع مش—
قاطعته بحدة:
إيلينا:
ـ لا.
الموضوع بالضبط زي ما هو.
اقتربت منه أكثر، دون خوف:
إيلينا:
ـ مريض استيقظ من غيبوبة،
وأنت بدل ما تراجع حالته
كنت بتقيّمه كأنك في ملهى ليلي.
سكتت لحظة، ثم أضافت ببرود جارح:
إيلينا:
ـ وكلنا نعرف إن ده مش أول مرة.
لوكاس شحب:
لوكاس:
ـ انتِ بتتهميني؟
إيلينا (بثبات):
ـ أنا بقول الحقيقة.
ثم رفعت صوتها أكثر، لتسمع الممر كله:
إيلينا:
ـ ولو فكرت لحظة
تقدّم بلاغ ضده…
أنا هقدّم بلاغ تحرّش رسمي ضدك.
سكتت لحظة، ثم أردفت بابتسامة باردة:
إيلينا:
ـ ومع سجلّك؟
مش هتحب التحقيق.
لوكاس تراجع خطوة دون وعي.
لوكاس (بصوت منخفض غاضب):
ـ إنتِ بتلعبِ بالنار.
إيلينا:
ـ لا.
أنا بطفيها.
صمت.
لوكاس نظر إلى الشاب، ثم إلى إيلينا، ثم شدّ قبضته:
لوكاس:
ـ الموضوع…
مش خلص.
استدار وغادر الغرفة بعنف، الباب أغلق خلفه بقوة.
ساد صمت ثقيل.
الشاب كان يراقبه وهو يخرج، ثم قال بهدوء فيه شماتة واضحة:
الشاب:
ـ يبدو إن القانون…
مش دايمًا مع اللي يسيء استخدامه.
التفت إلى إيلينا.
نظر إليها نظرة مختلفة الآن…
أعمق.
أدفأ.
الشاب:
ـ شكراً.
إيلينا تنفّست بعمق، حاولت استعادة هدوئها:
إيلينا:
ـ ما عملتش حاجة غير الصح.
ثم نظرت إليه بقلق:
إيلينا:
ـ لكنك ما كان لازم تنهض.
أنت لسه ضعيف.
ابتسم ابتسامة خفيفة… صادقة:
الشاب:
ـ يمكن.
بس في حاجات…
تحسسني إني قوي.
تورد وجه إيلينا قليلًا.
إيلينا:
ـ زي إيه؟
نظر إليها مباشرة، بلا تردد هذه المرة:
الشاب:
ـ إنك ما خفتيش.
لحظة صمت…
ثم صوت جهاز القلب عاد واضحًا.
في مكان ما في ذاكرته المفقودة،
كان رجلٌ يعرف الشرف
يستيقظ ببطء.
ولوكاس؟
كان قد خرج…
لكن حقده لم يخرج معه.
********************
في مصر في فيلا الزهراوي
توقفت سيارة ليل أمام بوابة الفيلا أخيرًا.
أطفأت المحرك، أراحت رأسها على المقعد للحظة طويلة.
ليل (تتمتم):
ـ يوم جامعة…
يوم مشاعر…
يوم مراد الشرقاوي…
ناقص حد يطلعلي من الحيطة.
رفعت رأسها…
وعيناها وقعتا على سيارة سوداء مألوفة مركونة أمام الفيلا.
ضيّقت عينيها.
ليل (بسخرية مرهقة):
ـ آه…
طبعًا.
جوزي على الورق قرر يزور أهلي.
يا ترى جاي يعمل إيه؟
يوقّع على إيصال أمانة؟ ولا يسلّم نفسه للنيابة؟
نزلت من السيارة، أغلقت الباب بقوة خفيفة، وعدّلت حقيبتها على كتفها.
دخلت الفيلا بهدوء…
الصالة كانت شبه مظلمة، الإضاءة خافتة.
ليل (بصوت عادي):
ـ بابا؟
حد هنا؟
خطوتين للأمام…
وفجأة—
عاصم (من خلفها بصوت عميق مخيف):
ـ اتأخرتِ.
صرخة قصيرة خرجت منها دون تفكير:
ليل:
ـ آاااااه—!
استدارت بسرعة، قلبها يخبط في صدرها.
ليل (تضع يدها على قلبها):
ـ إنت مجنون؟!
عايز تموتني؟!
عاصم كان واقفًا خلفها، ذراعيه معقودتان، وجهه جاد… لكن عينيه تلمعان بمكر واضح.
عاصم:
ـ ده استقبال لجوزك؟
ولا ده برنامج رعب جديد؟
ليل (بغيظ):
ـ جوزي؟
ده أنا افتكرتك حرامي…
على الأقل الحرامي بيبقى عنده سبب واضح.
اقترب خطوة.
عاصم:
ـ وأنا سببي واضح جدًا.
ليل (تخلع حذاءها بعصبية):
ـ آه، أكيد.
بابا بعتلك استدعاء رسمي؟
“احضر فورًا للفصل في قضية زواج فاشل”؟
ابتسم ابتسامة جانبية.
عاصم:
ـ تقريبًا.
مرت بجانبه متجهة للدرج.
ليل:
ـ طيب كويس.
خلّصتوا؟
ولا لسه بيتناقشوا إذا كنتِ هدية ولا عبء؟
مدّ يده وأوقفها من معصمها بلطف مفاجئ.
عاصم:
ـ ليل.
نظرت إليه…
رغم السخرية، التعب كان واضحًا في عينيها.
ليل:
ـ إيه؟
عاصم (بنبرة أقل حدّة):
ـ كنتِ فين؟
ليل (تتنهد):
ـ عند ناس مكسورين.
ناس أبوهم طلع أسوأ مما تخيلنا.
وأنا… تعبت.
سكت لحظة، ثم أضافت بسخرية دفاعية:
ليل:
ـ بس متقلقش.
لسه قادرة أتنفس من غير إذنك.
عاصم نظر إليها طويلًا…
ثم قال فجأة:
عاصم:
ـ مراد خرج.
تجمّدت.
ليل (بهدوء مخيف):
ـ عرفت.
رفعت رأسها بثبات:
ليل:
ـ بابا اتكلم معايا.
وزين كان مولّع.
وأنا؟
أنا غضبانة.
اقتربت منه أكثر:
ليل:
ـ بس اللي يقهرني…
إنه اتجرأ يهدد بابا.
تصلّبت ملامح عاصم.
عاصم:
ـ عشان كده أنا هنا.
ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة:
ليل:
ـ آه طبعًا.
الفارس الأسود حضر متأخر بس حضر.
اقترب منها فجأة، صوته انخفض:
عاصم:
ـ أنا ما بخافش عليكِ من العالم،
أنا بخاف على العالم منك لما تغضبي.
رفعت حاجبها:
ليل:
ـ ده تهديد ولا غزل؟
عشان أحدد أرد إزاي.
ابتسم لأول مرة بصدق خفيف.
عاصم:
ـ تحذير.
ثم أضاف بنبرة أخف:
عاصم:
ـ وبالمناسبة…
آدم، إدهم، وزياد قاعدين تحت.
والحكم النهائي لسه ما نزلش.
وضعت يدها على خصرها:
ليل:
ـ آه لا.
مش داخلة محكمة عائلية وأنا بالشكل ده.
نظرت إليه بتحدٍ:
ليل:
ـ بس قولهم حاجة واحدة.
عاصم:
ـ إيه؟
ليل (بابتسامة شرسة):
ـ إن ليل الزهراوي
لسه واقفة…
ومش ناوية تقع.
نظر إليها بإعجاب صامت.
عاصم (يتمتم):
ـ وده بالضبط سبب إن الموضوع مش بسيط.
في الأعلى…
ضحكة قصيرة خرجت منها رغم كل شيء.
وفي الأسفل…
قرارات خطيرة كانت تُطبخ.
***********************
سادت لحظة صمت بينهما.
ليل كانت تهمّ بالصعود لغرفتها، لكن عاصم لم يتحرّك.
ظل واقفًا مكانه… ينظر.
نظر طويل.
أطول مما يجب.
ليل شعرت بالنظرة قبل أن تراها.
توقفت، التفتت ببطء.
ليل (بارتياب):
ـ في إيه؟
لم يجب فورًا.
عاصم كان شاردًا…
في تفاصيلها:
تعبها، خصلات شعرها المنفلتة، عينيها المتعبة لكن العنيدة.
عاصم (بصوت منخفض):
ـ ما كنتش واخد بالي…
إنك بالشكل ده.
اتسعت عيناها قليلًا.
ليل:
ـ بالشكل ده إزاي؟
اقترب خطوة.
عاصم:
ـ مختلفة.
قوية… ومتعبة… وجميلة.
تجمّدت.
احمرّ وجهها فجأة، وارتبكت بشكل واضح.
ليل (بعصبية خجولة):
ـ عاصم!
إنت بتبص كده ليه؟!
لوّحت بيدها أمام وجهه:
ليل:
ـ ركّز!
أنا بكلمك!
ابتسم.
ابتسامة مستفزة… مستمتعة.
عاصم:
ـ وأنا مركز جدًا.
تقدّم خطوة أخرى، حتى صار قريبًا أكثر مما تحب أن تعترف.
ليل (تتوتر):
ـ ابعد.
عاصم (هادئ):
ـ ليه؟
دفعت صدره بيدها بخفة غاضبة:
ليل:
ـ عشان أنا مش لوحة فنية!
ضحك بخفوت.
عاصم:
ـ لا.
إنتِ أخطر من لوحة فنية.
زادت حمرة وجهها، فاشتعل غضبها:
ليل:
ـ إنت قليل الذوق!
عاصم (يرفع حاجبه):
ـ قليل الذوق؟
ولا زوجك؟
توقفت.
نظرت إليه بحدة.
ليل:
ـ إنت بتستغل الكلمة دي قوي.
اقترب أكثر، صوته صار أهدأ:
عاصم:
ـ لأ.
بفكّرك بس.
ثم قال بثقة ثابتة:
عاصم:
ـ إنتِ مراتي.
وأنا جوزك.
مش غربا.
سكتت.
القلب سبق العقل.
ليل (بعناد):
ـ على الورق.
ابتسم… كأنه كان ينتظر الجملة.
عاصم:
ـ الورق ساعات أقوى من الواقع.
خصوصًا لما الواقع… عنيد زيك.
استدارت بسرعة لتخفي ارتباكها:
ليل:
ـ تصبح على خير.
تحرّكت خطوتين…
ثم صوته خلفها:
عاصم:
ـ ليل؟
توقفت دون أن تلتفت.
عاصم:
ـ مهما حاولتِ تتجاهلي…
إنتِ عارفة إن مفيش حاجة بينا عادية.
شدّت قبضتها… ثم قالت بحدة تخفي خجلًا واضحًا:
ليل:
ـ نام يا عاصم.
واضح إنك محتاج.
ضحك ضحكة خفيفة حقيقية هذه المرة.
عاصم (بهمس):
ـ محتاجك.
صعدت الدرج بسرعة…
لكن ابتسامتها خانتها.
وخلفها…
عاصم ظل واقفًا،
يعرف جيدًا أن المعركة بينهما
لم تبدأ بعد.
*********************
في الصعيد / فيلا مصطفى القناوي أخ نرمين— ليلًا
الغرفة واسعة… لكنها باردة.
سقف عالي، شباك خشب قديم مفتوح على زرع ساكن، وصوت صراصير الليل مالي المكان.
نرمين قاعدة على طرف السرير.
لابسة جلابية سودة بسيطة، شعرها مفرود على كتافها، عينها باصّة في الفراغ.
قدّامها شنطة سفر مقفولة…
ولا صورة لأولادها.
مدّت إيدها ببطء، مسكت طرف المخدة، وضغطت عليها كأنها بتكتم صرخة.
نرمين (بهمس مكسور):
ـ يا خسارة عمري…
يا خسارة سكوتي.
سكتت شوية…
والدمعة نزلت تقيلة.
نرمين:
ـ كنت فاكرة نفسي بحميهم…
طلعت بدمّرهم.
قامت من مكانها، قربت من الشباك، بصّت للغيطان.
نرمين (بصوت متحشرج):
ـ ريما…
يا بنتي، كنتِ دايمًا شايفاني قوية.
وأنا كنت أضعف من إني أقول كلمة حق.
حطّت إيدها على صدرها.
نرمين:
ـ وسليم…
ابني…
بصّته النهارده كانت أصعب من أي صفعة.
ولا شتيمة…
ولا حتى غضب.
رجعت قعدت، دفنت وشها بين إيديها.
نرمين:
ـ كرهوني…
وعندهم حق.
سكتت…
ثم تمتمت بندم صريح:
نرمين:
ـ شُفت…
وعرفت…
وسكِت.
صوت خطوات برا الغرفة.
ثم طرق خفيف.
مشيرة (من بره، بنبرة ناشفة):
ـ العشا جاهز.
نرمين ما ردّتش.
فتح الباب شوية، مشيرة دخلت بنص جسمها، عيونها مليانة برود.
مشيرة:
ـ مالك قافلة على نفسك كده ليه؟
مش غريبة يعني…
بس برضه.
رفعت نرمين رأسها، عيونها محمرة.
نرمين (بهدوء صعيدي موجوع):
ـ مش جعانة يا مشيرة.
سيبيني لحالي.
مشيرة ابتسمت ابتسامة مش حلوة.
مشيرة:
ـ زي ما تحبي.
بس ما تنسيش…
إنتِ هنا ضيفة.
قفلت الباب وراها.
الصوت اختفى.
نرمين فضلت قاعدة لحظة…
ثم انفجرت في بكاء مكتوم.
نرمين:
ـ ضيفة…
حتى في بيت دمي.
رفعت وشها للسماء.
نرمين:
ـ يا رب…
أنا غلطت.
بس ما كنتش شيطانة.
سكتت، صوتها اتكسر.
نرمين:
ـ كنت أم خايفة.
وخوفي قتلهم.
مدّت إيدها للتليفون…
فتحت الصور.
صورة ريما…
ثم سليم.
لمست الشاشة بإيد مرتعشة.
نرمين (همس):
ـ سامحوني…
لو يوم…
لو في يوم قدرتوا.
قفلت التليفون.
طفّت النور.
وبقيت قاعدة في الضلمة…
زي سر دفنته بإيديها
ومتأخرة قوي إنها تبكي عليه.
*******************
في الصالون
الصالون واسع، سقفه عالي، مراوح السقف بتلف ببطء، ونور أصفر واطي.
مصطفى قاعد على الكنبة الخشب الكبيرة، مسبحته في إيده، جلابيته ناصعة، وشه هادي لكن عينه تقيلة.
مشيرة داخلة من اتجاه السلم، وشّها مقفول.
مصطفى (يرفع عينه بهدوء):
ـ مالها أختي يا مشيرة؟
من ساعة ما جت وهي لا داخلة ولا خارجة.
مشيرة قعدت وهي تزفر:
مشيرة:
ـ زي ما هي يا مصطفى.
قافلة على روحها، لا بتاكل ولا بتتكلم.
وأنا بصراحة…
مش فاهمة جايانا ليه.
شدّ مصطفى المسبحة بين صوابعه.
مصطفى:
ـ دي أختي يا مشيرة.
داري هي دارها.
دخل كريم، قعد جنب أبوه، وبص لمراته زينة اللي كانت بتحط الشاي.
كريم:
ـ بصراحة يا بوي…
عمتي متغيّرة قوي.
مش هي اللي نعرفها.
زينة قعدت، بصوت هادي:
زينة:
ـ باين عليها همّ تقيل.
الست لما تسكت كده…
يبقى وجعها كبير.
مشيرة لوت شفايفها:
ـ ولا همّ ولا حاجة.
يمكن زعلت من عيالها،
ولا جوزها عمل حاجة…
الله أعلم.
مصطفى رفع صوته لأول مرة شوية:
ـ مشيرة.
كلامك دا ما يعجبنيش.
سكتت شوية، لكن عينيها لسه مليانة كره.
مصطفى (بصوت أهدى):
ـ نرمين من يوم ما جت وهي موجوعة.
وأنا أخوها…
وواجبي أسأل.
كريم حكّ دقنه:
ـ طب ما نسألها صراحة؟
السكوت دا مقلق.
هزّ مصطفى راسه بالنفي:
ـ لا.
الوجع اللي ما يتقالش
ما يتسألش بعافية.
صمت لحظة…
ثم أضاف:
مصطفى:
ـ اللي عايز يحكي…
بيحكي لما يحس بالأمان.
مشيرة ضحكت ضحكة خفيفة ناشفة:
ـ أمان؟
هي في بيت أخوها ولا في غُربة؟
رمقها مصطفى بنظرة حادة، سكتت فورًا.
مصطفى:
ـ طالما أنا عايش،
أختي في أمان.
تنهد، وبص قدامه:
ـ بس قلبي مش مطمّن.
الست دي شايلة حمل…
وأخاف يكون تقيل عليها.
زينة قالت بلطف:
ـ يمكن لو حسّت إننا قريبين منها…
تفتح قلبها.
مشيرة قامت:
ـ أنا عملت اللي عليّا.
اللي عايزة تتكلم تتكلم.
مش ناقصة همّ.
ومشت ناحية المطبخ.
سكت الصالون.
صوت المروحة بس.
مصطفى بص لابنه( بصوت واطي):
ـ خليك راجل يا كريم.
لو حسّيت إن عمتك محتاجة حاجة…
اقف جنبها.
كريم هز راسه:
ـ من عيني يا بوي.
مصطفى رجّع نظره قدّامه، مسبحته بتلف.
مصطفى (يتمتم):
ـ يا رب استر.
السكوت الطويل…
ورا مصيبة.
وفي فوق…
نرمين قاعدة في الضلمة،
ولا تدري إن تحت
قلق صعيدي تقيل
بيكبر بهدوء.
************************
في فيلا الشرقاوي
بوابة الفيلا الحديدية واقفة مفتوحة على غير عادتها.
الحارسان عند الباب… واقفين، عيونهم واسعة، أجسادهم متخشبة.
السيارة السوداء تقف ببطء.
ينزل مراد.
بدلته غامقة، ابتسامة باردة على طرف شفايفه، خطواته ثابتة كأنه داخل بيته بعد نزهة، لا سجن ولا قيود ولا جرائم.
أحد الحراس يهمّ بالكلام…
لكن صوته يختنق.
مراد يرمي عليه نظرة واحدة فقط.
مراد (ببرود متعالي):
ـ افتحوا عيونكم كويس.
اللي شاف شيطان…
ما يستغربش لما يرجع.
ولا واحد يتحرك.
مراد يدخل.
الداخل — الصالون الكبير
هدوء…
صوت تلاوة قرآن خافتة.
عبد الرحمن، الشيخ الوقور، قاعد على كرسيه الخشبي، المصحف في إيده، نظارته نازلة على طرف أنفه.
صوته مبحوح، لكن مطمئن.
فجأة…
صوت خطوات.
ثم صوت مراد، متعمد يعلّي نبرته.
مراد:
ـ البيت وحشني.
تتوقف التلاوة.
عبد الرحمن يرفع عينه ببطء…
ثم يتجمد.
يده ترتعش.
المصحف يقع على حجره.
عبد الرحمن (بذهول):
ـ مراد…؟
يقف بعصاه، صوته يهتز بين الغضب والصدمة.
عبد الرحمن:
ـ إنت…
إنت إزاي هنا؟!
مراد يضحك ضحكة قصيرة مستفزة، يدخل أكتر، يرمي المفاتيح على الطاولة.
مراد:
ـ خرجت.
زي أي مواطن شريف.
عبد الرحمن يضرب العصاية في الأرض.
عبد الرحمن (صارخًا):
ـ شريف؟!
إنت فاكر نفسك بتضحك على مين؟!
دم، خيانة، خراب بيوت…
وإنت تقولي شريف؟!
مراد يقرب، صوته يهدى… بس أخطر.
مراد:
ـ لا يا بابا.
أنا ما بضحكش.
أنا بنهي حسابات.
عبد الرحمن يشير عليه بعصاته، صوته يختنق:
عبد الرحمن:
ـ إنت خيبت أملي.
ضيعت اسم العيلة.
كسرت ظهري!
مراد يضحك، بس المرة دي بمرارة قديمة.
مراد:
ـ ظهرك؟
ولا قلبك اللي كان دايمًا مع زياد؟
يسكت لحظة، ثم يكمل، والغِلّ بيطلع:
مراد:
ـ طول عمرك بتحب زياد أكتر مني.
بتثق فيه أكتر مني.
صاحبك…
مش ابنك.
عبد الرحمن يتراجع خطوة، الألم باين في عينه.
عبد الرحمن:
ـ زياد راجل نضيف.
وأنا بحب النضافة.
إنت اخترت طريقك بإيدك.
مراد يصفق ببطء.
مراد:
ـ واهو…
طريقي رجّعني حر.
يقرب أكتر، يهمس تقريبًا:
مراد:
ـ وصدقني…
اللي جاي مش عاجبك.
عبد الرحمن بصوت مكسور لكن حازم:
عبد الرحمن:
ـ أوعى تمد إيدك على زياد.
أقسم بالله…
ما هسامحك لا دنيا ولا آخرة.
مراد يرفع راسه، عينه تلمع بجنون.
مراد:
ـ سامح…
ولا ما تسامحش.
أنا مش جاي آخد إذن.
يلتفت ناحية السلم، ثم يقف فجأة، يرجع يبص لأبوه.
مراد (ببرود قاتل):
ـ قول لزياد…
إن المرادي ما فيش حد هيقف في وشي.
هو…
وإدهم…
واللي فاكر نفسه حاميهم.
عبد الرحمن يصرخ من أعماقه:
عبد الرحمن:
ـ إنت شيطان!
والشيطان آخره الهلاك!
مراد يبتسم.
مراد:
ـ يمكن.
بس قبل الهلاك…
في حسابات بتتصفّى.
يصعد السلم ببطء.
عبد الرحمن يسقط على الكرسي، يرفع المصحف بيد مرتعشة.
عبد الرحمن (بصوت مبحوح):
ـ يا رب…
احفظ اللي باقيين.
وابعد شرّه عنهم.
*********************
مراد كان لسه واقف عند أول درجة في السلم.
ما إن سمع حركة خلفه…
التفت.
ريما و سليم نازلين ببطء.
ملامحهم شاحبة، عيونهم غارقة، خطواتهم مترددة كأنهم نازلين لمواجهة حكم نهائي.
الجد عبد الرحمن ينهض فور ما شافهم.
عبد الرحمن (بصوت متألم):
ـ ريما…
سليم…
مراد ابتسم فجأة.
ابتسامة غريبة… مصطنعة.
فتح ذراعيه على وسعهم.
مراد:
ـ ولادي!
وحشتوني…
تعالوا في حضن أبوكم.
ولا واحد اتحرك.
الهواء تقيل.
ريما شدت على إيديها.
سليم رفع راسه، عيونه مليانة غضب.
مراد ضحك بخفة مستفزة.
مراد:
ـ مالكم واقفين كده؟
ولا نسيتوا ريحة البيت؟
سكت لحظة، ثم أضاف ببرود:
مراد:
ـ أمكم فين؟
سابِتني وجريت زي العادة؟
سليم انفجر.
سليم (صارخًا):
ـ ما تجيبش سيرتها!
ولا سيرتك كمان!
مراد ضيق عينه.
مراد:
ـ إيه الصوت ده؟
نسيت نفسك ولا إيه؟
سليم ضحك…
ضحكة مجنونة، موجوعة.
سليم:
ـ أنا فاكر نفسي كويس.
فاكر إني ابن مجرم.
ابن واحد دمّر كل حاجة لمسها.
عبد الرحمن حاول يتدخل:
عبد الرحمن:
ـ سليم…
اهدَى يا ابني.
لكن ريما تقدمت خطوة، صوتها مكسور لكنه حاد.
ريما:
ـ سيبه يا جدو.
خليه يسمع.
مراد بص لها، بنظرة فاحصة.
مراد:
ـ إنتِ كمان؟
جاية تعملي فيها الضحية؟
ريما ضحكت بسخرية مرّة.
ريما:
ـ ضحية؟
أنا سيبت جوزي…
راجل نضيف، ما لوش ذنب…
سيبته عشان مش قادرة أعيش طول عمري
والناس باصة ليّ إني بنت مجرم.
عبد الرحمن شهق.
عبد الرحمن:
ـ يا بنتي…
مراد تجمّد.
مراد:
ـ إنتِ عملتي إيه؟
ريما، بعينين مليانين دموع:
ريما:
ـ خربت بيتي.
زي ما خربت حياتنا كلنا.
سليم قرب منها، وقف جنبها.
سليم:
ـ وإنت لسه واقف بتسأل ليه أمنا سابتك؟
إحنا الاتنين نفسنا نسيب اسمك
بس للأسف…
دمك فينا.
مراد غضب.
ملامحه انقلبت.
مراد (صارخًا):
ـ إنت بتغلط في أبوك؟!
ده عقوق!
حرام!
سليم انفجر ضحك.
سليم:
ـ عقوق؟
الحرام إنك تقتل وتخون
وبعدين تطلب احترام!
ريما هزت راسها، دموعها نازلة.
ريما:
ـ أنا حامل…
وعارفة أكتر حاجة موجعاني إيه؟
مراد اتسع نظره.
مراد:
ـ حامل؟
ريما صرخت:
ريما:
ـ موجعاني إني خايفة ابني
يطلع في يوم يشاور عليّ ويقول:
دي بنت مراد!
عبد الرحمن انهار، دموعه نزلت.
عبد الرحمن:
ـ حسبنا الله…
مراد فقد أعصابه.
اتقدم خطوة، رفع إيده.
مراد:
ـ إنتي بتتطاولِي!
ريما ما رجعتش خطوة.
ريما (بكسر حاد):
ـ اضرب.
اضرب زي ما ضربت كل حاجة حلوة في حياتنا.
الإيد كانت هتنزل…
وفجأة—
صوت قوي من الخارج، جهوري، قاطع المكان كالرعد:
الصوت:
ـ مراد!
تجمّد الجميع.
إيد مراد وقفت في الهوا.
سليم شد ريما ناحيته.
عبد الرحمن رفع راسه بذهول.
الصوت تكرر… أقرب… أخطر:
الصوت:
ـ كفاية لحد هنا.
مراد لف ببطء ناحية الباب....و صدمة حلت على الجميع
رواية في قبضة العاصم الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سيليا البحيري
في فيلا الشرقاوي
الصمت انكسر مع دخول الرجل.
خطوات ثابتة… ثقيلة.
بدلة داكنة، كتفان مشدودان، عينان تشتعلان.
كامل.
الاسم ما اتقالش،
بس الصدمة اتقالت في وشوش الجميع.
ريما شهقت، رجعت خطوة لورا.
ريما (بهمس مذهول):
ـ كـ… كامل؟!
سليم فتح عينه على آخرها.
الجد عبد الرحمن شبّك إيده على عصاه بقوة.
مراد لفّ بجسمه كاملًا ناحية الداخل…
وبص لكامل من فوق لتحت بابتسامة ساخرة.
مراد (بتهكم):
ـ يا سلام…
العيلة كملت.
كامل ما ردّش.
قرب خطوة.
وقف قدام مراد مباشرة.
الهواء بقى تقيل.
كامل (بصوت منخفض، مخيف):
ـ إيدك كانت رايحة فين؟
مراد رفع حاجبه بسخرية:
مراد:
ـ دي بنتي.
وأنت…
ضيف.
كامل ضحك ضحكة قصيرة، باردة.
كامل:
ـ لا.
أنا جوزها.
ريما اتجمدت.
قلبها كان هيطلع من صدرها.
مراد لفّ نظره لريما:
مراد (بسخرية):
ـ جوزك؟
مش كنتي هربانة؟
كامل لفّ وشه لريما فجأة.
نظرة واحدة جمعت غضب، عتاب، حب، شفقة.
كامل:
ـ سبتِني.
من غير كلمة.
من غير فرصة أفهم.
ريما بصوت مكسور:
ريما:
ـ أنا…
كنت خايفة.
مراد ضحك بصوت عالي.
مراد:
ـ شايفة؟
الضعف بيعدي.
وهنا…
كامل فقد أعصابه.
خطوة واحدة للأمام.
كامل (صارخًا):
ـ اخرس!
الصالون كله اتشلّ.
حتى مراد سكت لحظة.
كامل (مكمّل، وصوته بيطلع من صدره):
ـ إنت ما لكش حق ترفع صوتك عليها.
ولا تبصلها.
ولا تلمس شعرة منها.
مراد ضحك بسخرية أخطر:
مراد:
ـ واضح إنك مش فاهم انت واقف قدام مين.
كامل قرّب أكتر…
قريب قوي.
كامل:
ـ فاهم كويس.
واقف قدام مجرم.
واحد تاني شال بلاه.
عبد الرحمن رفع راسه فجأة.
عبد الرحمن (بدهشة):
ـ إنت تعرف؟
كامل هز راسه بهدوء:
كامل:
ـ أعرف اللي يكفي إني أقول
إني مش راجع الجزائر
غير لما أشوفه راجع مكانه الطبيعي.
بص لمراد مباشرة:
كامل:
ـ وده…
السجن.
مراد عيونه لمع فيها شر.
مراد:
ـ إنت فاكر نفسك مين؟
مستثمر؟
فلوس؟
كامل ابتسم ابتسامة جانبية.
كامل:
ـ أنا راجل.
وهي مراتي.
لفّ لريما، صوته هدّي فجأة.
كامل:
ـ وإنتِ…
حتى لو الدنيا كلها شاورت عليكي
وقالوا بنت مجرم…
أنا ما بسيبش مراتي.
ريما دموعها نزلت.
ريما:
ـ كامل…
أنا كنت بحميك.
كامل (بصرامة وحنان معًا):
ـ أنا ما طلبتش حماية.
طلبت شراكة.
سليم بص لكامل بإعجاب واضح.
سليم (بصوت واطي):
ـ شكراً…
كامل بص له وهز راسه.
كامل:
ـ إنتوا مش لوحدكم.
مراد اتراجع خطوة…
أول مرة.
عبد الرحمن اقترب من كامل، وضع إيده على كتفه.
عبد الرحمن (بفخر صادق):
ـ راجل…
والله راجل.
مراد بص للجميع، صوته نازل لكن سام.
مراد:
ـ اللعبة لسه مخلصتش.
كامل رد فورًا:
كامل:
ـ ولا هتخلص
غير وإنت محطوط في مكانك.
ريما قربت خطوة من كامل…
من غير ما تحس.
إيده اتحركت
ومسك إيدها
***********************
كامل كان لسه ماسك إيد ريما.
رفع راسه وبص حوالين المكان… نظرة واحدة كفاية.
كامل (بصوت ثابت، حاد):
ـ إحنا مش هنقعد هنا.
مراد ابتسم ببرود.
مراد:
ـ البيت ده بيتي.
واللي مش عاجبه…
الباب يفوّت جمل.
كامل لفّ ناحيته فورًا، خطوة للأمام.
كامل:
ـ بالظبط.
وعشان كده…
إحنا ما ينفعش نفضل هنا
لفّ لريما وسليم.
كامل:
ـ هتيجوا معايا.
إنتِ…
وإنت.
والحج عبد الرحمن كمان.
ريما اتفاجئت.
ريما (بتردد خفيف):
ـ كامل…
ده بابا برضه.
كامل هدّى صوته، لكنه ما رجعش عن موقفه.
كامل:
ـ فاهم.
بس اللي قدامنا ده
مش أب…
ده خطر.
ريما بلعت ريقها، عينيها نزلت الأرض.
وجعها واضح… بس ساكتة.
سليم ما استناش.
سليم (بحِدّة):
ـ أنا موافق.
وأنا مش قاعد ثانية واحدة
تحت سقف اسمه مراد الشرقاوي.
مراد ضحك ضحكة باردة.
مراد:
ـ شايف؟
ابني بيتبرأ مني
عشان واحد غريب.
سليم رد من غير تردد:
سليم:
ـ الغريب أرحم.
الجد عبد الرحمن كان ساكت…
وشه متجعد، نظره تايه.
عبد الرحمن (بصوت مكسور):
ـ ده بيتي…
أنا اللي بنيته حجر حجر.
مراد التفت له بنفاد صبر.
مراد:
ـ خلاص بقى يا حاج.
الزمن اتغير.
كامل قرب من عبد الرحمن، نبرة احترام حقيقي.
كامل:
ـ حضرتك صح.
دي دارك.
بس اسمحلي أقولك حاجة…
سكت لحظة، ثم أكمل:
كامل:
ـ المكان اللي يتعمل فيه شر
يفضل شايل ريحته
حتى لو صاحبه طيب.
عبد الرحمن غمض عينه.
الكلام وجعه…
لكنه لمس الحقيقة.
عبد الرحمن (بحزن عميق):
ـ عمري كله…
تعب، وعرق، وشرف.
وهو خده
وصرفه في خراب.
رفع راسه وبص لريما وسليم.
عبد الرحمن:
ـ ما ينفعش تفضلوا هنا.
مراد شدّ فكه.
مراد (ببرود سام):
ـ براحتكوا.
امشوا.
أنا مش ماسك في حد.
كامل لفّ ناحيته، نظرته ثابتة متحدية.
كامل:
ـ مش هنمشي هروب.
هنمشي حماية.
ثم قال بوضوح قاتل:
كامل:
ـ ولحد ما ترجع مكانك الحقيقي…
مراتي
و اخوها
وجدها
مش هيشوفوك.
مراد ابتسم ابتسامة خطيرة.
مراد:
ـ اللعبة لسه طويلة.
كامل رد فورًا:
كامل:
ـ وأنا نفسي طويل.
لفّ لريما، شدّ إيدها بلطف.
كامل:
ـ يلا.
ريما بصّت لوالدها نظرة أخيرة…
نظرة ألم أكثر من غضب.
سليم أخد شنطته من جنب السلم.
عبد الرحمن وقف، سند على عصاه، وبص للفيلا نظرة وداع.
عبد الرحمن (بصوت واطي):
ـ سامحيني يا سلوى محافظتش على الامانة…
اتلوّثت
الثلاثة مشوا ناحية الباب.
مراد واقف…
لوحده.
الفيلا فجأة بقت أوسع…
وأبرد…
وأوحش.
*********************
في فيلا الزهراوي / المساء
الصالون هادي… هدوء متوتر.
ليل واقفة قدّام الشباك، ضهرها لزياد، إيديها مقفولة بقوة.
عاصم قاعد شوية بعيد، ساكت، عيونه ما بتسيبهاش.
زياد (بصوت مرهق):
ـ مراد خرج…
والموضوع مش بسيط يا ليل.
لفّت فجأة.
ليل (بعصبية):
ـ وماله؟
يخرج، يدخل، يولع!
مش هخاف من واحد زيه.
زياد قرب خطوة، صوته مكسور.
زياد:
ـ إنتِ مش فاهمة.
الراجل ده…
ما عندوش حد.
ضحكت ضحكة قصيرة، مرة.
ليل:
ـ عنده كل حاجة!
فلوس، نفوذ، إجرام…
والدنيا كلها بتجري وراه.
ثم صرخت:
ليل:
ـ بس أنا؟
أنا مش واحدة من ضحاياه تاني!
عاصم رفع راسه، بص لها بحدة خفيفة.
عاصم:
ـ ليل.
سكتت، لكنها ما بصتش له.
زياد (بانكسار):
ـ يا بنتي…
أنا بطلب منك تسمعي كلامي.
مش عشان أنا أبوكي وبس…
عشان أنا شفت الشر ده قبل كده.
لفّت له بعينين مولعتين.
ليل:
ـ الشر ده
كنت بحسبه أب.
كنت بدافع عنه قدام الدنيا كلها.
صوتها خانها.
ليل:
ـ طلع هو اللي قتل رائد…
وهو اللي لعب بعاصم…
وخلاه يصدق إنك إنت القاتل.
زياد نزل عينه، الألم باين.
ليل:
ـ وهو اللي خطفني من حياتي!
سبع شهور يا بابا!
سبع شهور
بعيدة عنك
وعن نفسي
وعن كل حاجة.
زياد قرب أكتر، صوته ارتعش.
زياد:
ـ وأنا كل يوم
كنت بموت ألف مرة
وأنا مش قادر أجيبك.
عاصم قام من مكانه، قرب ببطء.
وقف قدام ليل، صوته هادي… لكنه قاطع.
عاصم:
ـ بصيلي.
ما ردتش.
عاصم (أقوى شوية):
ـ ليل.
رفعت عينيها غصب عنها.
عاصم ثبت نظره فيها.
عاصم:
ـ إنتِ قوية.
وأنا عارف إنك مش بتخافي.
قرب خطوة.
عاصم:
ـ بس القوة
مش إنك تعاندي الخطر.
القوة
إنك تعيشي.
ليل بلعت ريقها.
ليل (بعناد):
ـ مش ههرب.
ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة.
عاصم:
ـ محدش قال تهربي.
ثم قال بوضوح:
عاصم:
ـ بس تسمعي.
زياد رفع صوته لأول مرة، برجاء حقيقي.
زياد:
ـ أنا مش هستحمل
أخسرك تاني.
ليل التفتت له فجأة.
ليل:
ـ تاني؟
أنا عمري ما سيبتك.
زياد هز راسه بأسى.
زياد:
ـ بس كنت بعيد عنك…
غصب عني.
صمت ثقيل نزل.
عاصم قرب من ليل، مسك إيدها بهدوء.
عاصم:
ـ أنا اتجوزتك
مش عشان أمتلكك.
اتجوزتك
عشان أحميك.
ضغط على إيدها شوية.
عاصم:
ـ ودي مش معركة شجاعة…
دي معركة بقاء.
ليل بصت لإيده…
ثم لعاصم…
ثم لأبوها.
عنادها بدأ يتكسر.
ليل (بصوت واطي):
ـ وأنا تعبت.
زياد دمعت عينه.
زياد:
ـ وأنا تعبت قبلك.
عاصم قال آخر كلمة، قاطعة لكنها مطمئنة:
عاصم:
ـ اسمعي كلامه.
مش عشان تخافي…
عشان ترجعي تعيشي.
ليل سكتت طويلاً…
ثم أخيرًا هزّت راسها ببطء.
ليل:
ـ هسمع.
زياد خرج نفسه براحة ممزوجة بخوف.
عاصم شدّ إيدها شوية.
عاصم (بنبرة منخفضة):
ـ وأنا جنبك.
في كل خطوة.
ليل بصت له…
وفي عينيها لأول مرة
مش غضب
ولا عناد
بل ثقة متعبة.
*******************
صوت خطوات ليل يبتعد في الممر…
الباب يُغلق بهدوء.
زياد يفضل واقف مكانه شوية، كأنه فقد قوته فجأة.
يقعد على الكنبة ببطء، يمرر إيده على وشه المتعب.
عاصم واقف قدامه، صامت…
لكن عينيه مش ساكتة.
زياد (بتنهيدة طويلة):
ـ الشر لما يطوّل…
يتعب يا عاصم.
أنا حسيت إني كبرت عشر سنين في يوم واحد.
عاصم قرب وقعد قدامه، صوته واطي لكنه ثابت.
عاصم:
ـ إنت عملت اللي عليك…
وأكتر.
زياد رفع عينه له، ابتسامة حزينة ظهرت.
زياد:
ـ فاكر لما كنت بتيجي هنا وإنت عيل صغير؟
كنت بتجري في الجنينة
وكأنها بيتك.
ابتسم عاصم ابتسامة خفيفة، لحظة دفء نادرة.
عاصم:
ـ كانت بيتي…
وأنت كنت أبوي.
سكتوا شوية.
زياد فجأة شدّ قبضته.
زياد:
ـ مراد ده…
كسّر كل حاجة لمسها.
أخوّك…
بنتي…
بيتي…
حتى اسمي.
صوته رجف.
زياد:
ـ تعبت والله.
عاصم رفع عينه، نظرة مختلفة… مظلمة.
عاصم:
ـ وأنا مش هسيبه.
زياد بص له بقلق.
زياد:
ـ لا يا عاصم…
خلّيك في حدود القانون.
عاصم أنزل عينه لحظة، ثم رفعها بهدوء مصطنع.
عاصم:
ـ متقلقش.
لكن صوته كان أقسى من الكلمة.
عاصم:
ـ اللي عمله
ما يتنسيش.
زياد حسّ بحاجة، لكنه اختار يتجاهلها.
زياد:
ـ أخوك رائد…
كان طيب.
عمري ما نسيت وشه.
قبضة عاصم اتشدّت، أظافره غرست في كفه.
عاصم (بصوت مخنوق):
ـ ولا أنا.
صمت…
صمت تقيل.
زياد قرب من عاصم، حط إيده على كتفه.
زياد:
ـ أوعدني بحاجة واحدة.
عاصم رفع عينه.
زياد:
ـ متضيّعش نفسك
وأنت بتدور على حقنا.
عاصم هز راسه ببطء.
عاصم:
ـ أنا عارف أنا بعمل إيه.
كلمة بسيطة…
لكن نبرتها ما طمّنتش.
زياد وقف، كأنه حاسس إن الليل جاي بشيء أسود.
زياد:
ـ ربنا يستر.
عاصم وقف هو كمان، قبّل راس زياد بحركة تلقائية.
عاصم:
ـ أنا مش هخليك تدفع التمن لوحدك تاني.
زياد ابتسم، فخور وخايف في نفس الوقت.
عاصم لفّ ناحية الباب…
وقبل ما يخرج، وقف لحظة.
عينيه اتغيرت.
برد.
قسوة.
وعد صامت.
عاصم (في سره):
مش هسيبك للشرطة يا مراد…
ولا للعدالة البطيئة.
إنت ليّ أنا.
فتح الباب وخرج.
زياد فضل واقف لوحده في الصالون…
قلبه تقيل،
وحاسس إن العاصفة لسه ما بدأتش.
*********************
فأوضة ليل / فيلا الزهراوي – ليل متأخر
الغرفة دافئة، إضاءة خافتة.
ليل لابسة بيجاما بسيطة، شعرها مبلول ومفرود على كتفها.
قاعدة على طرف السرير، ركبتها متنية، ماسكة الفون من غير ما تبصله…
سرحانة.
ليل (في سرها):
بابا…خالو أدهم… عمو آدم… عاصم…
كلهم واقفين قدام وحش واحد.
وأنا؟
أنا مش هفضل متفرجة.
تمد إيدها للوسادة، تعصرها بعصبية.
ليل (همس):
ـ مراد…
إنت ما كنتش أب…
كنت قناع.
رنّة موبايل تقطع أفكارها.
الاسم يظهر على الشاشة:
«رؤى 🤍»
ابتسامة صغيرة، رغم كل شيء.
ليل:
ـ الو؟
يجيها صوت رؤى متوتر ومخنوق.
رؤى:
ـ قولي إن الإشاعة دي كدب…
قولي إن مراد الشرقاوي لسه في السجن.
صمت لحظة.
ليل تاخد نفس عميق.
ليل:
ـ لا يا رؤى…
طلع.
صوت شهقة واضحة من الطرف التاني.
رؤى:
ـ لا…
لا… مش معقول.
ليل (بحزن هادي):
ـ للأسف.
سكتوا ثانيتين…
ثقل الاسم لوحده خانق.
رؤى (بصوت واطي):
ـ سليم…
ليل تغمض عينيها.
ليل:
ـ قلبي واجعني عليه.
وعلى ريما.
رؤى:
ـ دول مش أصدقاء…
دول إخواتنا.
ليل تهز راسها وكأن رؤى شايفاها.
ليل:
ـ تخيلي إنك تبقي ابنة حد زي ده.
العار مش ذنبهم…
بس هو لاصق فيهم غصب.
رؤى تسكت لحظة، وبعدين صوتها يتغير… نبرة ماكرة خفيفة.
رؤى:
ـ على فكرة…
ليل ترفع حاجبها.
ليل:
ـ في إيه؟
رؤى (بخبث لطيف):
ـ سمعت إنك كلمتي كامل.
ليل اعتدلت في قعدتها، ابتسامة فخر واضح.
ليل:
ـ آه…
وكمان قولتله كل حاجة.
رؤى:
ـ كل حاجة؟
ليل (بثقة):
ـ من أول سبب هروب ريما
لحد قسوة أبوها
ونظرات الناس
وخوفها.
رؤى تضحك ضحكة خافتة.
رؤى:
ـ إنتي شيطانة ذكية…
تعرفي كده؟
ليل تميل على الوسادة، بفخر واضح.
ليل:
ـ ريما محتاجة راجل واقف في ضهرها.
وكامل ده
مش ملاك
بس مسؤول…
وبيحبها بجد.
رؤى:
ـ يعني متوقعة ييجي مصر؟
ليل (بثقة مطلقة):
ـ أنا متأكدة.
الراجل ده لما يحب
بيحب بعقله وقلبه.
سكتت لحظة، وبعدين بنبرة أكثر جدية:
ليل:
ـ وكمان…
وجوده هيحمي سليم.
مراد ممكن يؤذي أي حد.
رؤى تنهدت.
رؤى:
ـ خطوة ذكية.
قوية.
وعلى مزاجي.
ليل ضحكت.
ليل:
ـ على فكرة…
مش ناوية أسيب الموضوع عند كده.
رؤى:
ـ باين عليكِ.
إنتي من النوع اللي لما يدخل حرب
يدخلها وهو كاسب نصها.
صمت خفيف…
ثم رؤى بصوت أهدى:
رؤى:
ـ خلي بالك من نفسك يا ليل.
ليل صوتها يلين.
ليل:
ـ وإنتي كمان.
الأيام الجاية مش سهلة.
وقبل ما تقفل، رؤى قالت بخفة دم تخبي خوفها:
رؤى:
ـ بس لو كامل وصل مصر…
قوليلي.
عايزة أشوف وش مراد وهو بيكتشف
إن الدنيا مش ملكه.
ليل ابتسمت ابتسامة حادة.
ليل:
ـ قريب.
قفلت المكالمة.
حطت الموبايل جنبها.
قامت وقفت قدام المراية.
نظرت لنفسها بثبات.
ليل (بصوت واطي):
ـ الحرب دي…
مش حرب رجالة بس.
الإضاءة تخفت.
الليل ساكن…
لكن الخطر صاحي.
********************
في فيلا عائلة بيجاد / الصالون – مساء
الصالون فخم، مرتب زيادة عن اللزوم.
نوال قاعدة في صدر المكان، لابسة لبس استقبال، ابتسامة عريضة مصطنعة.
لمى قاعدة جنبها، ساق على ساق، نظرة انتصار في عينيها.
تالين جنب أمها، متأنقة، مكياج مبالغ فيه، بتلف شعرها بإصبعها بثقة مستفزة.
ضحكات خافتة…
باب الفيلا يُفتح.
صوت خطوات رجالية ثابتة.
بيجاد يدخل…
بدلته لسه عليه، ملامحه مرهقة من الشغل.
يرفع عينه…
يتجمّد.
بيجاد (بصدمة واضحة):
ـ خالتي…؟
تالين…؟
لمى قامت بسرعة، بابتسامة واسعة.
لمى (بحماس مصطنع):
ـ حبيبي بيجاد!
لسه كنا بنقول إنت هتتأخر!
تالين تتقدم خطوتين، بصوت ناعم مصطنع.
تالين:
ـ وحشتني.
بيجاد يبصلها نظرة سريعة… باردة…
ثم يرجع بعينيه لأمه.
بيجاد:
ـ إيه اللي بيحصل يا ماما؟
نوال تحاول تمسك نفسها، وتتكلم بنبرة “الأمر الواقع”.
نوال (بابتسامة متوترة):
ـ ما فيش حاجة…
خالتك ولمى جايين يزورونا
وقلنا…
ليه لأ؟
لمى تقاطع بسرعة.
لمى:
ـ قلنا نخلص الموضوع بقى!
إنت عارف، البنات ما ينفعش تستنى.
تالين تضحك بخبث.
تالين:
ـ وماما شايفة إن الوقت مناسب قوي.
بيجاد يفهم في لحظة.
الابتسامة تختفي.
الصوت يهدأ… لكن العين تشد.
بيجاد:
ـ موضوع إيه بالظبط؟
نوال تبلع ريقها.
نوال:
ـ خطوبتك على تالين.
النهارده.
صمت ثقيل.
لمى وتالين منتظرين رد فعل فرح.
بيجاد ثابت… بشكل مخيف.
بيجاد (بهدوء غير مريح):
ـ النهارده؟
لمى (بضحكة خبيثة):
ـ آه!
حاجة بسيطة كده، عائلية.
بيجاد يلف حوالين نفسه بهدوء، يبص في الصالون…
ثم يرجع يقف قدامهم.
بيجاد:
ـ يعني…
قررتوا مستقبلي من غيري؟
نوال تحاول تضحك.
نوال:
ـ يا بيجاد ما تبقاش مكبر الموضوع…
بيجاد يقاطعها، لأول مرة بنبرة حادة.
بيجاد:
ـ لا يا ماما.
كبير.
لمى تتدخل بنبرة دفاع.
لمى:
ـ إنت كده بتكسر بخاطر تالين.
تالين تعمل وش متأثر.
تالين:
ـ لو مش حاببني، قول.
بيجاد يبتسم ابتسامة جانبية… ساخرة.
بيجاد:
ـ لا.
الموضوع مش كده خالص.
يقرب خطوة من أمه، صوته يهدأ فجأة.
بيجاد:
ـ ممكن أطلع فوق دقيقة؟
نوال تتفاجئ.
نوال:
ـ تطلع؟
دلوقتي؟
بيجاد:
ـ آه.
أجيب الأمانة.
كلمة الأمانة تخبط في ودان نوال زي الرصاصة.
وشها يشحب.
نوال (بتوتر واضح):
ـ أمانة إيه؟
مش وقته يا بيجاد.
لمى تبص باستغراب.
لمى:
ـ أمانة؟
إيه الغموض ده؟
بيجاد يبتسم بهدوء قاتل.
بيجاد:
ـ مفاجأة.
تالين تشرق عينيها.
تالين:
ـ بجد؟
مفاجأة ليا؟
بيجاد (بنبرة ثابتة):
ـ ليكي…
ولخالتي.
لمى تضحك بثقة.
لمى:
ـ شوفتي؟
قلتلك قلبه معانا.
نوال تحاول تمسكه بنظرة، تكلمه بنبرة ترجّي.
نوال (واطي):
ـ بيجاد…
لو سمحت…
بيجاد يبص لها نظرة طويلة…
نظرة وجع، وعتاب، وحسم.
بيجاد:
ـ استني تحت.
هرجع حالًا.
يلف ويمشي ناحية السلم.
لمى وتالين يتبادلان نظرة انتصار.
تالين (بهمس):
ـ باين إنه ناوي يعمل حاجة كبيرة.
لمى بابتسامة سامة:
لمى:
ـ أكيد.
وأنا بحب الرجالة اللي يفاجئوا.
*********************
فأوضة بيجاد و ربى في فيلا الراوي
ربى قاعدة على السرير،
كتافها منحنية، عيونها حمرا،
دموعها بتنزل بصمت وهي ماسكة طرف الغطا.
الباب يفتح بهدوء.
بيجاد يدخل…
ويقف.
يشوف المشهد،
والقلب يقبضه،
لكن ملامحه تفضل ثابتة.
ربى تحس بوجوده، ترفع وشها بسرعة.
تشهق…
وتمسح دموعها بعجلة، كأنها اتقفشت.
ربى (بصوت مهزوز):
ـ إنت رجعت؟
بيجاد يقرب خطوتين.
بيجاد:
ـ مالك؟
ربى تهز راسها، تحاول تبتسم.
ربى:
ـ مفيش…
بس شوية تعب.
بيجاد عينه تنزل على إيديها المرتعشة.
يفهم كل حاجة من غير ما تسأل.
يقرب أكتر، صوته يهدأ:
بيجاد:
ـ قالتلك إيه؟
ربى تسكت.
ثانيتين…
ثلاثة…
ثم فجأة، بصوت ثابت زيادة عن اللزوم:
ربى:
ـ طلقني.
الكلمة تقع زي حجر.
بيجاد ما يتحركش…
لكن عينه تلمع بغضب مكتوم.
بيجاد (هادئ بشكل مخيف):
ـ نعم؟
ربى ترفع رأسها، تحاول تبقى قوية.
ربى:
ـ أنا…
مش عايزة أكون سبب مشاكل بينك وبين أهلك.
ولا أكون عبء عليك.
بيجاد يقفل فكه.
بيجاد:
ـ مين قالك إنك عبء؟
ربى تنزل عينيها.
ربى:
ـ والدتك.
قالت…
قالت إنك هتكرهني.
وإنك تستاهل واحدة سليمة…
مش واحدة زيي.
صوتها ينكسر في آخر كلمة.
بيجاد فجأة يلف ويمشي ناحية الدولاب.
يفتحه بعنف.
بيجاد (بغضب مكبوت):
ـ قومي.
ربى تنتفض.
ربى:
ـ أقوم؟
بيجاد:
ـ غيري هدومك.
حالًا.
نبرة صوته ما فيهاش نقاش.
حادة.
قاسية.
ربى تتلخبط.
ربى:
ـ ليه؟
إنت… إنت زعلان مني؟
بيجاد يلف لها فجأة، بعينين مشتعلة.
بيجاد:
ـ لا.
زعلان عشانك.
يقرب منها خطوة.
بيجاد:
ـ وأنا قلت غيري هدومك.
ربى تقوم بسرعة، الخوف واضح.
تسند نفسها على الكرسي، تحاول تثبت.
ربى:
ـ حاضر.
تمشي ناحية الخزانة، إيديها بترتعش.
بيجاد يستغل اللحظة.
يفتح درج صغير في دولابه.
يطلع فلاشة سوداء صغيرة.
يبص لها ثانية…
ثم يركبها في موبايله.
الشاشة تنور.
ملفات… تسجيلات… رسائل.
بيجاد يضغط على ملف معين.
شفته تتحرك بهمس غاضب.
بيجاد (بصوت واطي):
ـ سبع سنين خبث.
وسنين أكتر غسيل دماغ.
يقفل الموبايل بقوة.
بيجاد (بينه وبين نفسه):
ـ النهارده…
النضارة هتتكسر.
ربى من وراه، بصوت خافت:
ربى:
ـ بيجاد…
لو عايز تطلقني، قولها صريح.
أنا مش هتمسك.
يلتفت لها فجأة.
بيجاد (بحزم وصدق):
ـ طلاق؟
إنتي مجنونة؟
ربى تتجمد.
بيجاد:
ـ إنتي مراتي.
وما فيش قوة في الدنيا
تخليني أسيبك.
يقرب منها، ينزل قدامها لمستواها.
بيجاد:
ـ اللي هيحصل تحت ده
عشانك.
وعشان كرامتك.
يمد إيده.
بيجاد:
ـ اخلصي.
ربى تحط إيدها في إيده بتردد.
عينيها مليانة خوف… وأمل.
بيجاد يشدها بهدوء.
بيجاد (بنبرة وعد):
ـ محدش هيهينك و يقلل منك تاني.
************************
خطوات ثابتة على السلم.
الصوت يسبق الصورة.
لمى وتالين ما زالوا في قمة نشوتهم.
نوال قاعدة على الحافة، توترها واضح.
ثم…
يظهر بيجاد.
نازل السلم بهدوء قاتل،
يده ممسكة بيد ربى.
ربى ترتعش، كتفها مشدود،
لكنها واقفة…
مرفوعة الرأس.
بيجاد؟
على وشه ابتسامة مستفزة، ساخرة، باردة.
ابتسامة واحد داخل معركة وهو مستمتع.
الصالون يتجمد.
تالين تفتح عينيها بصدمة.
تالين (بهمس مصدوم):
ـ مين دي…؟
لمى تقوم فجأة، السعادة تتبخر من ملامحها، تتحول لغضب أسود.
لمى (بعصبية):
ـ بيجاد!
إيه اللي إنت عامله ده؟
نوال تشحب…
وشها يفقد لونه.
تحاول تقوم، رجليها تخونها.
نوال (بصوت مكسور):
ـ بيجاد…
لو سمحت…
بيجاد يوصل لمنتصف الصالون، يقف.
ما يسيبش إيد ربى.
ينقل نظره ببطء بين لمى… وتالين.
بيجاد (بابتسامة جانبية):
ـ بعرفكم على مراتي.
الصمت ينفجر داخليًا.
تالين (بحدة وصدمة):
ـ مراتك؟!
لمى تصرخ:
لمى:
ـ إنت بتستهبل؟!
بيجاد يضغط على يد ربى بهدوء، كأنه يثبتها.
بيجاد:
ـ لا.
أنا متجوز.
ينظر لتالين نظرة احتقار صريح.
بيجاد:
ـ وخليني أريحك من بدري…
لو تالين آخر ست في الكون
ما كنتش اتجوزتها.
تالين تحمر، عينيها تمتلئ حقد.
تالين (بكراهية):
ـ إنت ازاي تقول كده؟
عشان واحدة…
تتوقف، تنظر لربى من فوق لتحت باحتقار.
تالين:
ـ مش قادرة حتى تمشي؟
ربى تنكمش…
لكن بيجاد يتحرك فورًا، خطوة للأمام.
بيجاد (بحدة):
ـ كلمة كمان
وأخليكي تندمي إنك نطقتي.
لمى تلف ناحية نوال، نار الغضب في عينيها.
لمى:
ـ إيه اللي بيحصل ده يا نوال؟
إنتي كنتي عارفة؟!
نوال تحاول تتكلم…
شفايفها ترتعش.
نوال:
ـ أنا…
أنا…
الكلام يعلق.
لمى تصرخ:
لمى:
ـ خيانة!
خدعتيني!
ضيعتي مستقبل بنتي!
بيجاد يضحك ضحكة قصيرة… باردة.
بيجاد:
ـ مستقبل بنتك؟
ولا خزنة العيلة؟
لمى تتجمد.
لمى:
ـ إنت بتتهمني بإيه؟
بيجاد يلف ناحية أمه.
نظرة طويلة… موجعة.
بيجاد:
ـ ماما…
فوقي.
نوال تبص له بعينين مليانين خوف وارتباك.
نوال:
ـ بيجاد، ما تعملش مشاكل…
عشان خاطري.
بيجاد صوته يهدأ فجأة…
لكن الهدوء ده أخطر من الصراخ.
بيجاد:
ـ لأ.
المشاكل اتعملت من زمان.
والنهارده بس
هنشيل الستار.
ينقل نظره إلى لمى، بابتسامة خبيثة.
بيجاد:
ـ خالتي…
تحبي أقول لماما الحقيقة؟
ولا أسيبها لآخر مرة؟
لمى تتراجع خطوة لا إراديًا.
لمى (بعصبية مصطنعة):
ـ إنت بتلعب لعبة خطيرة.
بيجاد يشد ربى أقرب، كأنه يحتمي بها ويحميها.
بيجاد (بحسم):
ـ اللعبة خلصت.
ينظر لأمه مباشرة.
بيجاد:
ـ ماما…
اللي كنتي شايفاه حب
كان سم بطيئ
***********************
الهواء ثقيل…
الوجوه متجمدة.
بيجاد يخرج هاتفه ببطء.
يوصله بالفلاشة.
نوال تراقب الحركة بقلب يرتجف.
نوال (بصوت خافت):
ـ بيجاد…
لو سمحت…
بيجاد لا ينظر إليها.
عيناه مثبتتان على لمى.
بيجاد (بهدوء مخيف):
ـ لا يا ماما.
ده الوقت اللي لازم تشوفي فيه الحقيقة
من غير مساحيق.
يضغط زر التشغيل.
الفيديو الأول – صوت لمى فقط
صوت لمى يخرج واضحًا…
شريرًا… حاقدًا.
صوت لمى (من التسجيل):
ـ نوال دي عمري ما حبيتها.
ولا هحبها.
نفسي أطلع قلبها من صدرها بإيدي.
نوال تضع يدها على فمها.
عيناها تتسعان.
صوت لمى:
ـ من زمان وأنا بحاول ألفت نظر منذر…
بس كان دايمًا بيصدني.
فاكر نفسه شريف!
بيجاد يبتسم ابتسامة جانبية…
نظرة انتصار.
صوت لمى:
ـ أنا اللي أستاهله، مش هي.
هي غبية… ساذجة.
نفسي أشوفها في الشارع،
وأنا مكانها.
نوال تهتز…
تكاد تسقط.
صوت لمى:
ـ بيجاد لازم يتجوز تالين.
أخليه خاتم في صباعها.
وبعدها نرمي نوال بره…
وأنا أتجوز منذر.
الصمت ينهار.
لمى تصرخ فجأة.
لمى (بذعر):
ـ اقفله!
اقفله حالًا!
بيجاد يوقف الفيديو…
ويرفع رأسه ببطء.
بيجاد (بشماتة صريحة):
ـ كملي.
كنتي لسه داخلة في الحلو.
نوال تنظر إلى شقيقتها…
نظرة انكسار لا توصف.
نوال (بصوت مبحوح):
ـ لمى…
ده… ده كذب صح؟
لمى تحاول التقدم.
لمى:
ـ نوال اسمعيني، هو لعب في التسجيلات!
بيجاد يقاطعها فورًا.
بيجاد:
ـ تحبي نشغل التاني؟
يضغط زرًا آخر.
الفيديو الثاني – تالين
شقة مظلمة.
موسيقى صاخبة.
تالين ترقص بملابس فاضحة،
ضحك مبتذل،
رجال حولها.
تالين (في الفيديو، بضحكة ساقطة):
ـ سيبك…
أنا بعرف أطلع من الرجالة اللي أنا عايزاها.
تالين الحقيقية تصرخ.
تالين:
ـ اقفله!
لو سمحت اقفله!
لمى تنظر للشاشة…
وجهها يتحول للرماد.
لمى (بصوت مكسور):
ـ تالين…؟
بيجاد يوقف الفيديو.
يلتفت لأمه.
بيجاد (بحزم):
ـ بصي يا ماما.
بصي كويس.
يشير إلى ربى.
بيجاد:
ـ دي مراتي.
شريفة.
نظيفة.
وجعها في رجليها…
مش في أخلاقها.
ثم ينظر لتالين باحتقار مطلق.
بيجاد:
ـ ودي…
كنتِ عايزاني أتجوزها؟
أدخلها بيتي؟
تشيل اسمي؟
تكون أم عيالي ؟؟
تالين تبكي بغضب.
تالين:
ـ إنت قاسي!
بيجاد يضحك ببرود.
بيجاد:
ـ القسوة إن الواحد يبيع نفسه.
مش إنه يفضح الكدب.
يلتفت إلى لمى.
بيجاد:
ـ خالتي…
إنتي ما خسرتيش النهارده.
إنتي اتكشفتِ.
لمى تصرخ بانهيار.
لمى:
ـ نوال، قولي له!
قولي له يوقف!
نوال تنهض ببطء…
كأنها امرأة أخرى.
نوال (بصوت مرتجف لكن حاسم):
ـ لا.
كفاية.
تنظر إلى لمى بمرارة.
نوال:
ـ أنا اللي كنت عامية.
تلتفت إلى بيجاد…
تنظر إلى ربى…
وتنهار بالبكاء.
نوال:
ـ سامحيني…
سامحيني يا بنتي.
ربى تبكي بصمت.
بيجاد يشدها نحوه…
يحميها بجسده.
بيجاد (بحسم نهائي):
ـ من اللحظة دي…
مفيش لمى…
ولا تالين…
في البيت ده.
******************
فجأة…
صوت خطوات ثقيلة من الخلف.
الجميع يلتفت.
منذر يقف عند مدخل الصالون.
ملامحه جامدة…
عيناه مظلمتان،
كأنه سمع كل شيء…
وفعلًا، كان قد سمع.
لمى تشحب فجأة.
لمى (بصوت مرتعش):
ـ منذر…
إنت… إنت كنت هنا؟
منذر لا يرد عليها.
يتقدم بخطوات ثابتة…
يمر من جانبها كأنها هواء.
يقف أمام نوال.
نوال ترفع عينيها إليه…
وتنهار تمامًا.
نوال (بانكسار):
ـ سامحني…
أنا كنت غبية.
منذر لا يتكلم.
يفتح ذراعيه ويحتضنها بقوة.
نوال تبكي في صدره…
بكاء امرأة اكتشفت أن أقرب الناس لها كان خنجرًا.
بيجاد ينظر لوالده…
يفهم أن كل شيء كان بعلمه.
لمى تصرخ.
لمى:
ـ لا!
إنتوا متفقين عليّا؟
من إمتى؟
منذر يلتفت إليها ببطء.
نظرة واحدة…
كافية لدفن إنسان.
منذر (ببرود قاسٍ):
ـ من يوم ما حاولتي تكسري بيتي.
ومن يوم ما سجلتِ صوتك بإيدك.
لمى تتراجع خطوة.
لمى:
ـ التسجيلات دي كانت معاك؟!
منذر يهز رأسه بهدوء.
منذر:
ـ من سنين.
كنت مستني اليوم اللي نوال تشوف بعينها.
نوال ترفع رأسها فجأة.
تنظر إلى لمى…
دموعها تتحول لغضب.
نوال (بصرخة مبحوحة):
ـ إنتي!
إنتي عملتي فيّ كده ليه؟!
لمى تضحك ضحكة هستيرية.
لمى:
ـ ليه؟
عشان من وإحنا صغيرين
إنتي دايمًا المفضلة!
تقترب خطوة.
لمى:
ـ إنتي اللي خدتي حب بابا
وطيبة ماما
والكل كان شايفك ملاك.
نوال تهز رأسها غير مصدقة.
لمى:
ـ وأنا؟
أنا كنت دايمًا في ضلك.
نفس العيلة،
بس مش نفس الحظ.
نوال تصرخ.
نوال:
ـ ده مش مبرر!
مش مبرر تدمري حياتي!
لمى ترفع صوتها بحقد دفين.
لمى:
ـ كنت مستنية اليوم اللي أشوفك مكسورة.
زي ما كنت بكسر من جوه.
نوال هنا…
ينطفئ آخر أمل.
تبتعد خطوة…
ثم فجأة تمسك لمى من ملابسها بقوة.
نوال (بغضب لم يُعرف عنها يومًا):
ـ برا.
الجميع يتجمد.
نوال:
ـ برا بيتي.
تالين تصرخ.
تالين:
ـ ماما!
نوال تلتفت إليها بنظرة احتقار خالصة.
نوال:
ـ وإنتي كمان.
برا.
تحاول لمى الإفلات.
لمى:
ـ نوال، فكري!
إحنا دم!
نوال تجرّها بقوة نحو الباب.
نوال:
ـ الدم ما يبررش القذارة!
تفتح باب الفيلا بعنف.
الحراس يلتفتون بذهول.
نوال (بصوت آمر):
ـ ارموا دول برا.
ويا ويلك لو شوفتك تعتبي البيت ده تاني
ولو بعد مليون سنة.
الحراس يتقدمون.
تالين تبكي وتصرخ.
تالين:
ـ خالتي، عشان خاطري
نوال لا تنظر إليها.
نوال:
ـ أنا ما عنديش اخت ربت بنتها كده.
لمى تنفجر بحقد أخير.
لمى:
ـ فاكرة نفسك انتصرتي؟
إنتي هتفضلي ساذجة
والدنيا هتاكلك!
نوال تقترب منها…
عين في عين.
نوال (بهدوء مرعب):
ـ يمكن.
بس مش بإيدك.
تشير للحراس.
نوال:
ـ اقفلوا البوابة.
البوابة تُغلق ببطء…
صوت الحديد كأنه ختم نهائي.
لمى تصرخ من الخارج…
تالين تبكي.
داخل الفيلا…
صمت ثقيل.
نوال تسند ظهرها على الباب…
تنزلق ببطء وتجلس أرضًا.
منذر يقترب…
يمسك يدها.
منذر (بصوت منخفض):
ـ خلصت.
بيجاد ينظر لربى…
يشدها إليه.
ربى تهمس بصوت مكسور:
ربى:
ـ أنا…
أنا تعبت.
بيجاد يقبّل رأسها.
بيجاد:
ـ وأنا هنا.
دايمًا.
*********************
في سويسرا / غرفة التعافي – مساء هادئ
الثلج يتساقط خلف الزجاج الكبير.
الضوء خافت.
صوت أجهزة المراقبة منتظم… مطمئن.
رائد مستند على الوسائد، ملامحه ما زالت شاحبة لكن عينيه حاضرتان… عميقتان.
إيلينا تجلس بجواره، تحمل ملفه الطبي لكنها لا تقرأ… تنظر إليه.
لحظة صمت مريحة.
رائد (بابتسامة خفيفة):
ـ غريب…
إيلينا:
ـ ماذا؟
رائد:
ـ إن أول وجه شفته لما فتحت عيني
كان وجهك.
تتوتر قليلًا… ثم تبتسم.
إيلينا:
ـ كنت خائفة…
خفت تفتح عينيك وما تتذكرني.
رائد:
ـ لا أعرفك…
لكن أشعر أني أعرفك.
تنظر إليه مطولًا.
إيلينا (بصوت منخفض):
ـ أحيانًا…
الروح تتذكر قبل العقل.
رائد يضحك بهدوء.
رائد:
ـ طبيبة وتتكلمي عن الأرواح؟
إيلينا:
ـ بعد ثلاث سنوات بجانب شخص لا يرد
تتعلم أشياء لا تُدرّس.
يصمت قليلًا… ثم يسأل بهدوء:
رائد:
ـ كنتِ هنا… طول الوقت؟
تهز رأسها.
إيلينا:
ـ نعم.
لم أتركك إلا ساعات قليلة.
حتى في الإجازات… كنت أرجع.
رائد ينظر إليها بامتنان صادق.
رائد:
ـ لماذا؟
تتردد…
تبتلع ريقها.
إيلينا:
ـ لأنك كنت…
صديقي.
يرفع حاجبه مبتسمًا.
رائد:
ـ فقط صديق؟
تضحك بخجل.
إيلينا:
ـ في البداية…
ثم أصبح الأمر أعقد.
يقترب قليلًا بنظره.
رائد:
ـ أعقد كيف؟
تشيح بوجهها نحو النافذة.
إيلينا:
ـ تحب شخصًا لا تعرف إن كان سيفتح عينيه يومًا.
ولا تعرف إن كان سيحبك…
أو حتى سيتذكرك.
يصمت رائد…
ثم يقول بصدق:
رائد:
ـ أنا لا أتذكر حياتي كاملة.
لكن أشعر…
أن وجودك الآن
أهم من كل ما نسيته.
تلتفت إليه، عيناها تلمعان.
إيلينا:
ـ رائد…
قبل أن تكمل…
يرن هاتفها.
نغمة قصيرة، رسمية.
تنظر إلى الشاشة…
يتغير وجهها فجأة.
رائد:
ـ من؟
تضغط زر الرد، تحاول أن تكون هادئة.
إيلينا:
ـ نعم…
وصلت؟
صمت تستمع.
إيلينا:
ـ ساعتان؟
حسنًا… أنا هنا.
تغلق الهاتف.
رائد يراقبها.
رائد (بفضول):
ـ يبدو اتصالًا مهمًا.
تبتسم ابتسامة غير مكتملة.
إيلينا:
ـ شخص…
من الماضي.
رائد:
ـ ماضيي؟
تهز رأسها بسرعة.
إيلينا:
ـ لا.
ماضٍ آخر…
سيأتي وقته.
يحاول النهوض قليلًا.
رائد:
ـ لا أحب الأسرار.
تضع يدها على كتفه بلطف.
إيلينا:
ـ أعلم.
لكن أحيانًا
الحقيقة تحتاج توقيتًا رحيمًا.
ينظر إلى يدها…
ثم إلى عينيها.
رائد:
ـ أثق بك.
تتنفس بعمق، متأثرة.
إيلينا:
ـ هذا…
أثقل وأجمل شيء سمعته.
لحظة صمت.
خارج الغرفة، الثلج يشتد.
رائد (بهدوء):
ـ هل تخافين مما سيأتي؟
تفكر قليلًا… ثم تجيب:
إيلينا:
ـ أخاف أن يتغير كل شيء.
وأخاف أكثر
أن لا يتغير شيء.
يمد يده ببطء…
تتردد لحظة… ثم تمسكها.
رائد:
ـ أيًا كان القادم…
أريدك هنا.
تبتسم، دمعة تسقط بصمت.
إيلينا:
ـ أنا هنا…
منذ ثلاث سنوات.
**********************
في مكتب الدكتور لوكاس
المكتب أنيق… بارد.
إضاءة بيضاء قاسية.
لوكاس يجلس خلف مكتبه، وجهه مشوّه بالكدمات، شريط طبي على أنفه، شفته متورمة.
يحدّق في المرآة الصغيرة أمامه بكره.
يرمي المرآة فجأة على المكتب.
لوكاس (بصوت غاضب):
ـ همجي…
ثلاث سنوات نايم، يصحى ويبدأ يضرب الناس!
يُفتح الباب.
يدخل صديقه المقرب
شاب أشقر، عيناه باردتان، ابتسامة ساخرة دائمة.
اسمه ماتيو.
ماتيو (ساخرًا):
ـ ما شاء الله…
الطبيب لوكاس تحوّل لوحة تجريدية.
يلتفت لوكاس نحوه بغضب.
لوكاس:
ـ لا تضحك.
ماتيو:
ـ صعب.
وجهك يقول: حاولت تكون بطل… وانضربت.
يضرب لوكاس المكتب بقبضته.
لوكاس:
ـ ذلك القذر…
ذلك العربي!
يتوقف قليلًا، ثم يكمل بحقد:
ـ مصري…
مسلم…
جاي من الصحراء ويظن نفسه رجلًا!
ماتيو يجلس على الكرسي المقابل، يمدد ساقيه.
ماتيو:
ـ أوه، بدأنا بخطاب الكراهية…
هذا يعني أنك مهزوم فعلًا.
لوكاس (يضحك بمرارة):
ـ هل رأيت كيف نظرت له إيلينا؟
ماتيو:
ـ نعم.
كما تنظر دائمًا لأي رجل
ليس أنت.
يصمت لوكاس لحظة…
عينيه تشتعلان.
لوكاس:
ـ ثلاث سنوات وأنا هنا.
ثلاث سنوات!
وأنا أحاول…
وهو يستيقظ من غيبوبة
فتذوب له!
ماتيو:
ـ ربما لأنها تفضل الرجل الذي لا يتحرش بها
في غرفة مريض؟
يتجمد لوكاس.
لوكاس (بتهديد):
ـ انتبه لكلامك.
ماتيو (ببرود):
ـ أنا صديقك.
يعني مسموح لي أقول الحقيقة.
ينهض لوكاس، يدور في المكتب كوحش محبوس.
لوكاس:
ـ لن أتركه.
لن أتركه يأخذها مني.
ماتيو:
ـ يأخذها؟
متى كانت لك أصلًا؟
يتوقف لوكاس فجأة.
لوكاس:
ـ سأدمّره.
ماتيو (يرفع حاجبًا):
ـ كيف؟
بمحاضرة عن التفوق العرقي؟
أم بمحاولة أخرى تنتهي بك في الطوارئ؟
لوكاس يبتسم ابتسامة باردة.
لوكاس:
ـ هو مريض.
سجله الطبي بين يدي.
ماتيو يميل للأمام باهتمام.
ماتيو:
ـ آه…
ها قد بدأنا نسمع شيئًا ذكيًا.
لوكاس:
ـ غيبوبة ثلاث سنوات…
ذاكرة غير مستقرة…
انفعالات حادة.
يخفض صوته.
ـ ضغطة صغيرة…
تقرير واحد…
وسينقل إلى جناح مغلق.
ماتيو:
ـ وتظن أن إيلينا ستسامحك؟
يضحك لوكاس بسخرية.
لوكاس:
ـ هي ساذجة.
تتعاطف مع كل حالة ميؤوس منها.
يصمت ماتيو لحظة… ثم يقول بنبرة لاذعة:
ماتيو:
ـ غريب…
من الجامعة وأنت تقول نفس الكلام.
“هذه المرة ستقع في حبي”
“هذه خطتي الأخيرة”
ولا شيء يحدث.
يقف ويضع يده على كتف لوكاس.
ماتيو:
ـ ربما المشكلة ليست في العرب…
ولا في المسلمين…
ولا في المرضى.
ينظر في عينيه مباشرة.
ماتيو:
ـ ربما المشكلة أنك…
مقرف.
يدفعه لوكاس بعنف.
لوكاس (صارخًا):
ـ اخرس!
يتنفس بعنف.
ثم يقول ببرود قاتل:
لوكاس:
ـ ذلك الغريب…
لن يبقى طويلًا هنا.
ماتيو يلتقط معطفه، يتجه نحو الباب.
ماتيو (بابتسامة ساخرة أخيرة):
ـ فقط لا تنسَ…
آخر مرة توعدت شخصًا
خرجت من المستشفى بوجه جديد.
يخرج.
لوكاس يبقى وحده.
ينظر إلى صور الأشعة على مكتبه…
ثم إلى اسمه مكتوبًا على الباب.
لوكاس (بهمس مليء بالحقد):
ـ مرحبًا بك في سويسرا…
أيها البدائي.
*********************
في مصر في فيلا الزهراوي
كتب الجامعة مفتوحة، لابتوب، أقلام ملوّنة.
ليل جالسة على السرير، شعرها مرفوع بعشوائية، مركّزة… تحاول تدرس.
ليل (تتمتم):
ـ لو عدّى اليوم ده من غير مصيبة أبقى…
صوت فتح باب فجأة.
ليل (تصرخ):
ـ يا نهار أبيض!!
تلف بسرعة.
عاصم واقف عند الباب، ذراعيه معقودتين، نظرة باردة مستمتعة.
عاصم:
ـ مساء الخير.
ليل (تضع يدها على قلبها):
ـ إنت مجنون؟!
إزاي تدخل كده؟!
عاصم (ببرود):
ـ أدخل طبيعي.
ليل (غاضبة):
ـ دي أوضتي!
مش فندق!
ومش بيت ابوك
يتقدم خطوة.
عاصم:
ـ فيلا عيلة مراتي.
تحدّق فيه.
ليل:
ـ نعم؟!
عاصم (بابتسامة مستفزة):
ـ زوجتي…
انتي.
ترمي القلم.
ليل:
ـ بقى كده؟
داخل خارج على مزاجك؟
عاصم:
ـ استأذنت.
ليل (تضحك بسخرية):
ـ استأذنت مين؟
الحيطة؟
عاصم:
ـ حمايا العزيز.
تشهق.
ليل:
ـ بابا؟!
عاصم:
ـ زياد باشا بنفسه.
قال لي: اعتبر نفسك في بيتك.
تنهض بعصبية.
ليل:
ـ ده مؤقت!
فاهم؟
مؤقت!
عاصم (يرفع حاجبًا):
ـ مؤقت إيه؟
ليل:
ـ جوازنا ده.
أول ما قصة مراد تخلص…
أنا هتطلق.
يصمت لحظة…
ثم يبتسم بهدوء مستفز.
عاصم:
ـ استني.
ليل:
ـ بستنى اليوم اللي أتنفس فيه بعيد عنك.
يقترب أكثر.
عاصم:
ـ هتفضلي تستني.
ليل:
ـ قد إيه؟
عاصم (بثقة):
ـ طول عمرك.
تضحك بسخرية.
ليل:
ـ لا يا شيخ؟
عاصم:
ـ آه.
تقاطعه بعصبية:
ليل:
ـ إنت فاكر نفسك مين؟
أنا مش ملكك!
يتغير صوته…
ليس غضبًا… بل جدية قاتلة.
عاصم:
ـ لا.
تتجمد.
عاصم:
ـ إنت مش ملكي.
إنت…
لي.
تبتلع ريقها.
ليل:
ـ عاصم…
يقترب خطوة أخيرة، صوته منخفض لكن حاسم:
عاصم:
ـ اسمعي كويس.
أنا مش همشي.
ولا هسيبك.
تحاول الرد… لكنه يكمل:
عاصم:
ـ الموت بس
هو اللي يفرقنا.
تتسع عيناها.
ليل:
ـ إنت…
إنت بتهددني؟!
عاصم (بهدوء مرعب):
ـ لأ.
بوعدك.
يصمت المكان.
ثم يلتفت متجهًا للباب.
قبل أن يخرج، يقول دون أن ينظر لها:
عاصم:
ـ كملي مذاكرتك.
محتاجينك قوية.
يفتح الباب.
ليل (بصوت مخنوق):
ـ عاصم!
يتوقف لحظة…
ثم يخرج دون رد.
الباب يُغلق.
ليل تقف مكانها، قلبها يخفق، غاضبة… مرتبكة… متأثرة رغمًا عنها.
ليل (تهمس لنفسها):
ـ إيه البني ادم ده؟
مستفز…
مجنون…
و… خطير.
تجلس ببطء، تنظر للكتاب…
لكن لا ترى الكلمات.
*******************
يُغلق عاصم باب غرفة ليل خلفه بهدوء.
يمشي خطوتين…
ثم يتوقف فجأة.
أمامَه حور.
تقف تحمل طبق فواكه، ابتسامتها هادئة، عيناها مليئتان بالحنان.
يرتجف شيء في صدره.
عاصم (بصوت منخفض):
ـ خالتي… حور.
تحاول أن تبتسم أكثر.
حور:
ـ كنت داخلة أدي لليل فاكهة.
واضح إني جيت في وقت… حساس.
ينظر للأرض.
لا يستطيع رفع عينيه.
عاصم:
ـ أنا…
آسف.
تتفاجأ قليلًا، لكنها لا تُظهر ذلك.
حور (بلطف):
ـ آسف على إيه يا عاصم؟
يصمت.
ثم يتنفس بعمق.
عاصم:
ـ على سبع شهور…
خليتك تبكي كل يوم.
على إنّي خدت بنتك من حضنك.
على إني خليت زياد يشوفني عدو.
تدمع عيناها… لكنها تبتسم.
حور:
ـ وأنا أم.
والأم…
تزعل، آه.
تتوجع، آه.
بس ما تقدرش تكره ابنها.
يرفع رأسه ببطء…
يلتقي بعينيها لأول مرة منذ سنوات.
عاصم (مكسور):
ـ إنتِ سامحتيني؟
تمد يدها، تلمس كتفه بحنان.
حور:
ـ سامحتك من زمان.
من أول ليلة شوفت فيها ليل راجعة…
بخير.
تغصّ الكلمات في حلقه.
عاصم:
ـ أنا عمري ما نسيت إنك كنتِ…
أمي التانية.
ولا نسيت ماما مريم لما كانت تقعدوا بالساعات تضحكوا سوا.
تبتسم بحنين.
حور:
ـ الله يرحمها.
كانت ست طيبة…
وربّت رجالة.
يبتسم بخفة لأول مرة.
عاصم:
ـ لو كانت عايشة…
كانت ضربتني بالشلوت على اللي عملته.
تضحك حور بخفة، تمسح دمعة.
حور:
ـ يمكن.
بس كانت حضنتك بعدها.
يصمت لحظة.
ثم تتغير نبرتها قليلًا.
حور:
ـ عايزة منك طلب.
يعتدل فورًا.
عاصم:
ـ أي حاجة.
حور:
ـ ودّيني أشوف ربى.
وحشتني قوي.
تشرق عيناه.
عاصم:
ـ ربى هتفرح أوي.
هعتبرها وصية.
تتردد قليلًا… ثم تقول بهدوء موجع:
حور:
ـ وكمان…
عايزاك تاخدني قبر رائد.
يتجمد جسده لحظة.
عيناه تهربان منها.
عاصم (بصوت مخنوق):
ـ حاضر.
حور:
ـ نفسي أدعيله.
وحشني.
كان زي ابني.
يقبض يده دون أن تشعر.
عاصم:
ـ رائد…
كان ملاك.
تنظر له بتمعن.
حور:
ـ خلي بالك من نفسك يا عاصم.
إنت تعبت أوي.
يهز رأسه.
عاصم:
ـ طول ما إنتِ راضية…
أنا بخير.
تربت على كتفه بحنان أمومي.
حور:
ـ ربنا يهدي القلوب.
ويسترها.
تتحرك نحو غرفة ليل.
وقبل أن تبتعد، تلتفت:
حور:
ـ على فكرة…
ليل محتاجة صبرك.
زي ما إنت محتاجها.
يبتسم بخفة… مزيج ألم ورضا.
عاصم:
ـ عارف.
تمضي.
يبقى واقفًا وحده في الممر…
يغمض عينيه لحظة.
عاصم (يهمس):
ـ سامحتيني يا خالتي…
بس أنا لسه مسامحتش نفسي.
**********************
في مقر المخابرات / ليلًا
غرفة واسعة، إضاءة خافتة.
شاشات ضخمة ممتدة على الحائط.
آدم يجلس أمام الطاولة، وجهه متجهم.
بجواره جواد، واقف، يراجع ملفًا إلكترونيًا.
وفي الطرف الآخر أدهم، ذراعاه مكتوفتان، عيونه مليئة بالغضب المكبوت.
الصمت ثقيل.
جواد (بصوت منخفض لكن متوتر):
ـ التأكيد وصل من ثلاث مصادر.
مراد الشرقاوي خرج…
ومش لوحده.
يرفع آدم رأسه ببطء.
آدم:
ـ مين؟
يضغط جواد زرًا.
تظهر صورة لرجل أوروبي أنيق، نظراته باردة.
جواد:
ـ الاسم الظاهر في الملفات:
" ألِساندرو فيرّيتّي" رجل أعمال إيطالي.
بس الاسم الحقيقي…
غير مسجل.
أدهم يضحك بمرارة.
أدهم:
ـ يعني مافيا.
آدم:
ـ مش أي مافيا.
يقف، يتقدم نحو الشاشة.
آدم (بحدة):
ـ دي الشبكة اللي خلت الإنتربول يبلّغنا من سنتين.
اللي مراد قتل بسببها رائد…
وخرب نص البلد.
يصمت الجميع لحظة.
جواد (بصوت أخفض):
ـ وفي حاجة أخطر.
ينظران له.
جواد:
ـ مراد ما خرجش علشان يهرب.
خرج علشان…
ينهي حسابات.
يضرب أدهم الطاولة بقبضته.
أدهم:
ـ زياد.
ليل.
عاصم.
آدم يغلق عينيه لحظة.
آدم:
ـ كلهم.
تُفتح شاشة جانبية فجأة دون أن يلمسها أحد.
يظهر بث مباشر…
كاميرا مراقبة.
مراد داخل سيارته السوداء.
يبتسم… ابتسامة مجنونة.
يمسك هاتفه.
الصوت يخرج واضحًا في الغرفة.
مراد (من التسجيل، بصوت هادئ مرعب):
ـ اللعبة بدأت.
واللي فاكر نفسه آمن…
غلطان.
يقترب من الكاميرا.
مراد:
ـ الدور جاي…
واحد واحد.
ينقطع البث.
صمت قاتل.
جواد (بصوت مرتجف):
ـ التسجيل ده اتبعت من خمس دقايق…
لكل الأجهزة الأمنية.
أدهم يهمس:
أدهم:
ـ يعني أعلن حرب.
آدم يفتح درج الطاولة، يُخرج سلاحه.
آدم (بحزم قاتل):
ـ لأ.
ده وقّع حكم إعدامه بنفسه.
ينظر إليهما.
آدم:
ـ من اللحظة دي…
مراد الشرقاوي
هدف حي أو ميت.
***********************
الصمت لا يزال خانقًا.
جواد يمرر يده على شعره بعصبية.
جواد:
ـ يعني… حرب مفتوحة.
ومراد بقى بره.
والموضوع خرج من السيطرة.
آدم لم يرد.
كان ينظر إلى شاشة جانبية أخرى… لم تكن مضاءة بعد.
أدهم (بشك):
ـ إنت مش قلقان زيادة عن اللزوم يا آدم؟
ولا في حاجة إحنا مش شايفينها؟
آدم يضغط زرًا آخر.
تظهر صورة ثابتة من كاميرا مطار.
رجل يرتدي قبعة ونظارة شمسية…
رامي.
جواد (منصدم):
ـ رامي؟
هو… مسافر؟
أدهم يحدّق في الشاشة.
أدهم:
ـ سويسرا؟
إيه اللي يوديه هناك دلوقتي؟
آدم يتنفس بعمق…
زفرة غضب صامتة.
آدم:
ـ علشان كده
كان لازم يتراقب.
يلتفتا إليه في نفس اللحظة.
جواد (باستغراب):
ـ إنت…
لسه مراقب رامي؟
بعد العقاب اللي أخده؟
آدم يبتسم ابتسامة جانبية باردة.
آدم:
ـ أنا مش غبي.
رامي ذكي…
وذكي زيادة عن اللزوم.
أدهم يهز رأسه ببطء.
أدهم:
ـ بس إنت قلت تفهمت تصرفه وقت خطف ليل.
آدم:
ـ تفهمت…
مش وثقت.
يصمت لحظة ثم يضيف بغيظ مكبوت:
آدم:
ـ الراجل ده
قدر يحرق أدلة مخابرات
ويهرّب بنت
ويكذب على جهاز كامل
وأنا أسيبه من غير عين عليه؟
جواد يبتسم بسخرية خفيفة.
جواد:
ـ مع إن…
زين ابنك
عنده ٢١ سنة
وأعقل منه بكتير.
آدم يزفر بحدة.
آدم:
ـ متفكرنيش.
ابني بيذاكر…
ورامي بيخطط.
ثم بنبرة أخطر:
آدم:
ـ وأنا متأكد
إنه بيخطط لحاجة في سويسرا.
أدهم:
ـ مراد ممكن يكون مستهدفه.
آدم:
ـ وده سبب تالت يخليه يتراقب.
رامي طول عمره
يمشي ناحية النار
وما يستحملش يقف متفرج.
فجأة…
يرن هاتف آدم.
ينظر للشاشة.
اسم واحد:
"العميل – ألفا"
يرد فورًا.
آدم:
ـ اتفضل.
صوت شاب متوتر قليلاً يأتي من الهاتف.
العميل:
ـ أفندم…
أنا دلوقتي مع الهدف.
آدم:
ـ فين؟
العميل:
ـ مطار زيورخ.
رامي نزل من الطيارة
ومعاه شنطة صغيرة…
واضح مستعجل.
جواد يميل للأمام.
جواد:
ـ سألته؟
آدم يشير له أن يصمت.
آدم (للعميل):
ـ تواصلت معاه؟
العميل (بتردد):
ـ آه…
اتصلت بيه من رقم مجهول.
آدم:
ـ قالك إيه؟
العميل (يحاول يقلد صوت رامي):
ـ قلتله:
“مساء الخير، حضرتك الرائد رامي؟”
قالي:
“لو إعلان اقفل.”
قلتله:
“من جهاز سيادي.”
قالي:
“سيادي إيه؟ أنا في إجازة!”
وبعدها قفل في وشي.
لحظة صمت.
ثم…
جواد ينفجر ضاحكًا رغماً عنه.
جواد:
ـ والله دمه خفيف حتى وهو بيخالف التعليمات.
آدم لا يضحك.
يمسك جبهته بإرهاق.
آدم:
ـ طفل.
٢٧ سنة
وعقله أقل من زين.
ثم بنبرة حاسمة:
آدم:
ـ خلي عينك عليه.
ما يقربش من أي منشأة طبية
ولا أي أسماء عربية.
وأول ما يعمل حركة غلط
بلغني فورًا.
العميل:
ـ مفهوم يا فندم.
ينهي الاتصال.
أدهم ينظر لآدم بقلق حقيقي.
أدهم:
ـ إحساسك إيه؟
آدم يرفع عينيه…
نظرة ثقيلة.
آدم:
ـ إحساسي إن
رامي فتح باب
كان لازم يفضل مقفول.
جواد:
ـ باب إيه؟
آدم ينظر مرة أخرى لصورة رامي على الشاشة…
ويهمس:
آدم:
ـ باب…
كان المفروض
يُدفن من 3 سنين
رواية في قبضة العاصم الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سيليا البحيري
في مقر المافيا (مكان فاخر جدًا – أوروبا)
قاعة واسعة تغرق في الفخامة الباردة.
رخام أسود، جدران عالية، إضاءة خافتة محسوبة بدقة.
لوحات إيطالية قديمة… لا شيء هنا يوحي بالفوضى، كل شيء يوحي بالسيطرة.
في صدر القاعة،
يجلس أليساندرو فيريتي.
رجل في أواخر الخمسينات، شعره الرمادي مصفف بعناية، ملامحه هادئة حدّ الرعب.
بين أصابعه سيجار لم يُشعل بعد.
إلى يمينه يقف شريكه الأقرب:
ماركو دي لوتشيانو
رجل إيطالي صامت، عيناه حادتان كالسكاكين، لا يتكلم إلا عند الضرورة.
حولهم، رجال المافيا…
صامتون.
لا أحد يجرؤ على الحركة.
في المنتصف…
مراد
واقف، صدره مرفوع بغرور أعمى، عيناه تلمعان بالجنون.
يصمت أليساندرو طويلاً…
طويلاً جدًا.
ثم يتكلم بهدوء قاتل:
أليساندرو:
– هل تعرف ما أكثر شيء أكرهه يا مراد؟
مراد يبتسم بسخرية.
مراد:
– الخيانة؟
أليساندرو يبتسم ابتسامة صغيرة… خطيرة.
أليساندرو:
– لا.
الأغبياء الذين يعتقدون أن العالم يدور حول حقدهم.
يميل للأمام ببطء.
أليساندرو:
– ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات وأنا أنظف آثار قذارتك.
جثة هنا، اعتراف هناك، خطف فتاة، غسيل أدمغة…
وكل مرة أقول: مراد سيتعلم.
يصمت لحظة، ثم ينفجر فجأة:
أليساندرو (بحدة):
– لكنه لم يتعلم!
يضرب بيده على الطاولة.
الصوت يرتد في القاعة.
الرجال يتصلبون.
ماركو (ببرود):
– الـFBI فتح ملف.
والإنتربول راجع تحركاتنا.
كل هذا بسبب… مشاعرك.
مراد يضحك ضحكة قصيرة مجنونة.
مراد:
– لا تبالغوا.
رجل واحد… اسمه زياد.
سأُنهيه، وتنتهي المشكلة.
أليساندرو يحدق فيه…
نظرة طويلة، فارغة من أي تعاطف.
أليساندرو:
– أنت لا تفهم، أليس كذلك؟
ينهض ببطء من كرسيه.
كل خطوة محسوبة.
أليساندرو:
– أنا لا أقتل للانتقام.
لا أؤذي نساء.
لا ألمس أطفال.
أنا أعمل.
أُنجز.
أربح.
يقف أمام مراد مباشرة.
أليساندرو:
– وأنت؟
أنت طفل مختل…
تحب رؤية العالم يحترق فقط لأنك تحترق من الداخل.
مراد يضيق عينيه.
مراد:
– لا تنسَ نفسك، أليساندرو.
أنا من عرّفك على نصف هذه الطرق.
ماركو (ساخرًا):
– وعلّمتنا كيف نُلفت الأنظار مثل الهواة.
ضحكة خفيفة تنتشر بين الرجال…
تختفي فورًا عندما يرفع أليساندرو يده.
أليساندرو (بصوت منخفض مرعب):
– أخرجتك من السجن.
ليس لأنك مهم.
بل لأنني لا أحب أن أترك أوراقًا خلفي.
ثم يقترب أكثر…
حتى يكاد يهمس في أذن مراد:
أليساندرو:
– وهذه آخر مرة.
مراد يرفع رأسه بتحدٍ.
مراد:
– لن أتوقف.
زياد دمرني…
وسأدفنه حيًا.
سواء أعجبك أم لا.
القاعة تتجمد.
أليساندرو يتراجع خطوة…
ثم يبتسم.
ابتسامة جعلت ماركو يشد قبضته.
أليساندرو:
– إذًا اسمعني جيدًا، يا مراد.
يلتفت للرجال.
أليساندرو:
– من اليوم…
أي حركة منك دون إذني
تجعلني أعتبرك عائقًا.
يعود بنظره لمراد.
أليساندرو (ببرود قاتل):
– وأنا لا أتردد في إزالة العوائق.
حتى لو كانت… قديمة.
مراد يضحك، لكن ضحكته هذه المرة مهزوزة.
مراد:
– تهددني؟
أليساندرو ينفث نفسًا هادئًا.
أليساندرو:
– لا.
أنا أشرح لك المستقبل.
يصمت لحظة ثم يضيف:
أليساندرو:
– آخر تحذير.
ابتعد عن زياد.
ابتعد عن العائلة.
أو سأكون أنا…
أسوأ كوابيسك.
مراد ينظر حوله…
لا أحد في صفه.
يشد فكه، ثم ينحني انحناءة خفيفة… زائفة.
مراد:
– سنرى.
أليساندرو لا يرد.
يجلس ببطء.
يشعل سيجاره أخيرًا.
ماركو (وهو ينظر لمراد):
– بعض الناس لا يفهمون إلا متأخرًا.
مراد يستدير مغادرًا…
وعيناه تشتعلان جنونًا.
********************
– سويسرا / مستشفى خاص – غرفة رائد
الضوء الأبيض يتسلل بهدوء من النافذة الكبيرة.
ثلوج خفيفة تتساقط في الخارج… صامتة، باردة.
رائد مستلقٍ على السرير.
ملامحه شاحبة لكن عينيه يقظتان.
ينظر إلى السقف… وكأن عقله يدور في فراغ.
رائد (تفكير داخلي):
من كنت؟
لماذا أشعر أنني عشت كثيرًا… أكثر مما أتذكر؟
أشعر بقلب يعرف طريقه… لكن عقلي تائه.
يقبض يده ببطء.
هناك شيء بداخلي يرفض أن يكون ضعيفًا… حتى وأنا لا أعرف اسمي.
فجأة…
الباب يُفتح بعنف.
يرتد الصدى في الغرفة.
رائد يلتفت.
لوكاس يدخل.
وجهه مشوه بكدمات زرقاء، أنفه مكسور جزئيًا، شق واضح قرب عينه.
ملامحه مشدودة بحقد خالص.
يغلق الباب خلفه بقوة.
لوكاس (ساخرًا بمرارة):
– جميل…
ما زلت تتنفس.
رائد يحدق فيه بهدوء.
رائد:
– هل… أعرفك؟
ضحكة قصيرة مجنونة تخرج من لوكاس.
لوكاس:
– لا تتذكر؟
طبعًا لا.
العرب لا يتذكرون إلا الجِمال والخيام، أليس كذلك؟
رائد يعقد حاجبيه… لكنه لا ينكسر.
رائد:
– إن كنت تبحث عن الاحترام، فأنت في الغرفة الخطأ.
لوكاس يقترب خطوة.
لوكاس:
– اسمعني جيدًا يا… أيًا كان اسمك.
أنت هنا لأن هذا البلد متحضر.
ليس لأنك تستحق.
يشير إلى وجهه المشوه.
لوكاس:
– هل تعرف ماذا فعلت بي؟
ضربتني…
أنا طبيب.
وأنت؟
لاجئ عربي مسلم… بدوي ضائع.
رائد يأخذ نفسًا عميقًا.
شيء ما يستيقظ داخله… شيء قديم.
رائد (بهدوء مخيف):
– غريب…
لوكاس يتوقف.
رائد:
– لا أعرف من أكون.
لا أعرف ماذا فعلت في حياتي.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا.
يرفع نظره بثبات.
رائد:
– الرجل الذي يحاول لمس امرأة بالقوة…
أدنى من أن يكون طبيبًا.
لوكاس تتشنج ملامحه.
لوكاس (صارخًا):
– اخرس!
يتقدم أكثر.
لوكاس:
– أنت لا تفهم مكانك هنا.
أنتم جئتم من صحارى القتل والجهل،
وتريدون أن تعلّمونا الأخلاق؟
رائد يبتسم…
ابتسامة صغيرة، واثقة.
رائد:
– أنا مسلم.
وعربي.
ولو فقدت ذاكرتي ألف مرة…
لن أفقد كرامتي.
لوكاس يضحك باحتقار.
لوكاس:
– كرامة؟
دينكم يعلمكم العنف، أليس كذلك؟
عيون رائد تلمع.
رائد (بصوت ثابت):
– ديني علّمني أن الله يرى.
وأن الظلم لا يحتاج ذاكرة…
يحتاج قلبًا حيًا.
يسند نفسه قليلًا، رغم ضعفه.
رائد:
– وأشكر الله…
أنني لست رجلًا يختبئ خلف معطف أبيض
ليبرر قذارته.
لوكاس يفقد السيطرة.
لوكاس (مجنونًا):
– أنت لا شيء!
يرفع يده ليضربه.
في تلك اللحظة…
رائد (بحدة مفاجئة):
– جرّب.
الصوت وحده…
يُجمد لوكاس في مكانه.
نظرة رائد ليست نظرة مريض.
بل نظرة رجل يعرف نفسه… حتى بدون ذاكرة.
رائد:
– قبل يومين ضربتك دون أن أعرف من أنا.
تخيل…
ماذا أفعل عندما أتذكر.
لوكاس يتراجع خطوة، أنفاسه متسارعة.
لوكاس (هامسًا بحقد):
– سأدمرك.
سأجعلك تندم على وجودك هنا.
رائد (بهدوء قاطع):
– الرجال مثلك…
لا يدمرون إلا أنفسهم.
صوت خطوات في الممر.
لوكاس يلتفت بغيظ، ثم يقترب من أذن رائد:
لوكاس:
– هذه ليست النهاية.
يفتح الباب بعنف ويخرج.
الباب يُغلق.
الصمت يعود.
رائد يغمض عينيه…
ويضع يده على صدره.
رائد (تفكير داخلي):
لا أعرف اسمي…
لكنني أعرف أنني لم أخلق لأُهان.
********************
لوكاس لم يخرج.
أغلق الباب من الداخل بهدوء مصطنع… أخطر من الصراخ.
التفت إلى رائد بابتسامة جانبية خبيثة.
لوكاس:
– لا تنخدع بنفسك.
أنت لست في بيتك…
أنت مريض.
ضعيف.
ومربوط بأجهزة.
يشير بيده حول الغرفة.
لوكاس:
– وأنا؟
أنا الطبيب.
كلمة واحدة مني في ملفك…
تأخير دواء، “خطأ بسيط”، جرعة زائدة لا يلاحظها أحد.
ينحني قليلًا نحوه.
لوكاس (بهمس سام):
– هل تعرف كم مريضًا ماتوا في المستشفيات “بالصدفة”؟
رائد يبتلع ريقه…
لكن عينيه لا تنخفضان.
رائد:
– تهديدك…
أثبت لي شيئًا واحدًا.
لوكاس يرفع حاجبه.
رائد:
– أنك جبان.
لو كنت قويًا… لما احتجت معطفًا أبيض لتخيف رجلًا على سرير.
ضحكة قصيرة خرجت من لوكاس.
لوكاس:
– لا يهمني رأيك.
أمثالك يختفون…
ولا يسأل عنهم أحد.
وفي اللحظة التي مدّ فيها يده لزر استدعاء التمريض…
صوت رجولي قوي من الخلف، هادئ لكنه حاد كالسيف:
رامي:
– إرفع إيدك.
لوكاس يتجمد.
يلتفت ببطء.
رامي يقف عند الباب.
ملابس سوداء أنيقة، نظرة ثابتة لا تحمل أي انفعال.
عينان تعرفان أكثر مما تقولان.
لوكاس (باستخفاف):
– ومن أنت؟
حارس جديد؟
أحد أقرباء هذا… البدوي؟
رائد ينظر لرامي بدهشة.
لا يعرفه…
لكن يشعر بشيء غريب… أمان غير مبرر.
رامي يغلق الباب خلفه بهدوء…
ثم يتقدم خطوة.
رامي:
– أنا الرجل الذي…
لو كتبت اسمك الآن في هاتفي،
سيختفي لقب “دكتور” من حياتك خلال أسبوع.
لوكاس يضحك ساخرًا.
لوكاس:
– تهديدات؟
في سويسرا؟
هل تعرف أين أنت؟
رامي يبتسم…
ابتسامة قصيرة بلا روح.
رامي:
– أعرف بالضبط أين أنت.
وأعرف كم شكوى تحرش أُغلقت باسمك.
وأعرف أن أنفك لم يُكسر بسبب “سقوط عرضي”.
تختفي السخرية من وجه لوكاس.
لوكاس:
– أنت تكذب.
رامي يخرج هاتفه، دون أن يفتحه.
رامي:
– حاول فقط.
لمسة واحدة أخرى له…
وسأجعل هذا المستشفى كله يتبرأ منك.
يتقدم أكثر… حتى أصبح بينه وبين لوكاس أقل من نصف متر.
رامي (بصوت منخفض مرعب):
– وستقضي بقية حياتك تشرح للناس
كيف خسر طبيب سويسري مستقبله
بسبب مريض “لا أحد يعرفه”.
لوكاس يبلع ريقه.
لوكاس (بتحدٍ مهتز):
– ومن يضمن كلامك؟
رامي ينظر إليه نظرة احتقار خالصة.
رامي:
– أنا.
صمت ثقيل.
لوكاس يضحك ضحكة عصبية.
لوكاس:
– رائع…
بدوي آخر جاء لينقذ صديقه.
رامي لم يرد.
اكتفى بنظرة واحدة…
نظرة جعلت لوكاس يشيح بوجهه.
رامي:
– أخرج.
لوكاس يتردد.
رامي (بحدة مفاجئة):
– الآن.
لوكاس يفتح الباب بعنف ويخرج،
قبل أن يلتفت أخيرًا ويقول:
لوكاس:
– هذا لن ينتهي هنا.
يغلق الباب.
الصمت.
رائد ينظر إلى رامي…
طويلاً.
رائد:
– من أنت؟
رامي يلتفت إليه.
نظرته تلين لأول مرة.
يتقدم خطوة…
يقف قرب السرير.
رامي (بصوت هادئ جدًا):
– شخص…
مدين لك بحياته.
رائد يعقد حاجبيه.
رائد:
– هل نعرف بعضنا؟
رامي يصمت ثانية…
وكأن السؤال طعنه.
ثم قال بابتسامة خفيفة ممزوجة بشيء يشبه الشوق:
رامي:
– أكثر مما تتخيل.
رائد يحدق فيه…
وقلبه ينبض بإيقاع غريب.
رائد (بهمس):
– أشعر…
وكأنك لست غريبًا.
رامي يبتسم…
لكن عينيه تلمعان.
رامي:
– وهذا يكفيني الآن.
***********************
في / فيلا أدهم الزهراوي – الحديقة
الحديقة هادئة.
عشب أخضر، أشجار ياسمين، ونسمة خفيفة آخر النهار.
رؤى جالسة على الأرجوحة الخشبية،
تمسك هاتفها بلا وعي…
شاشة مفتوحة على محادثة قديمة مع سليم،
آخر رسالة منه:
“أنا جنبك مهما حصل.”
تتنهد…
وتغلق الهاتف ببطء.
رؤى (بهمس):
– جنبك…
بس الطريق بقى أطول من طاقتنا يا سليم.
صوت ضحكة طفولية يقطع أفكارها.
كارم يركض نحوها،
يحمل كرة صغيرة أكبر من يديه.
كارم:
– رؤىيي!
إلعبي معاياااا! 😄⚽
لا ترد.
عينها تائهة في الفراغ.
كارم يقف أمامها،
يميل رأسه قليلًا، يحدّق فيها ببراءة.
كارم:
– إنتِ زعلانة؟
تهتزّ قليلاً، كأنها استفاقت.
رؤى (بابتسامة خفيفة متعبة):
– لا يا حبيبي…
بس بفكّر شوية.
كارم (بعناد لطيف):
– ماما بتقول اللي يفكّر كتير
يكبر دماغه كده
وأنا مش عايزك تبقي كبيرة زيادة.
تضحك رغماً عنها.
رؤى:
– لا تقلق…
لسه بدري عليّا.
تمد يدها له.
رؤى:
– تعال، هات الكورة.
كارم يفرح فورًا ويعطيها الكرة،
لكنها تسقط من يدها دون قصد.
كارم يلاحظ الشرود.
كارم (بصوت منخفض فجأة):
– هو سليم زعّلك؟
تتجمد لحظة.
رؤى:
– ليه بتقول كده؟
كارم:
– عشان لما تزعلوا
إنتِ بتبصي في السما كده.
يرفع إصبعه للأعلى، يقلدها ببراءة.
عين رؤى تلمع.
رؤى (بهمس):
– سليم…
مش هو اللي مزعلني.
كارم يجلس بجانبها،
يحاول تقليد جلستها لكنه يفشل، فيضحك.
كارم:
– أمال مين؟
تسكت.
ثم تخرج الزفرة اللي كانت حابساها.
رؤى:
– الدنيا يا كارم.
أحيانًا الدنيا تبقى صعبة…
حتى على الناس الكويسين.
كارم يفكر قليلًا…
ثم يقول بجملة بسيطة كسهم في القلب:
كارم:
– بس بابا كويس.
وإنتِ كويسة.
وسليم كويس.
تنظر إليه بدهشة.
كارم (بثقة طفل):
– يبقى ربنا هيخلّيكم مع بعض.
تبتسم…
لكن الدموع تسبقها.
رؤى:
– يا رب.
تضمّه إلى صدرها.
رؤى (بصوت مكسور):
– أنا خايفة يا كارم.
كارم:
– من إيه؟
رؤى:
– إنّي أحب حد…
وأضطر أسيبه غصب عني.
كارم يرفع رأسه فجأة.
كارم (بحزم طفولي):
– لا تسيبيه.
إمسكيه كده ✊
زي ما مسكتيني وإحنا معدّيين الشارع.
تضحك وسط دموعها.
رؤى:
– يا سلام عليك.
كارم يقف، يمد يده لها.
كارم:
– قومي بقى.
إلعبي معايا.
وبعدين لما تكبري شوية
إبقي زعلانة.
تنهض، تمسح دموعها سريعًا.
رؤى:
– حاضر…
دلوقتي نلعب.
تركُل الكرة نحوه بخفة.
كارم يركض وهو يضحك،
بينما رؤى تراقبه…
وعيناها تعودان للهاتف في يدها.
تفتح المحادثة…
تكتب رسالة…
ثم تمسحها.
تهمس لنفسها:
رؤى:
– بحبك يا سليم…
بس مش عارفة هقدر أحارب الدنيا عشانك ولا لأ.
*********************
في القاهرة / شارع جانبي قريب من الجامعة
شارع واسع، أشجار على الجانبين، وقت العصر.
زين يقود دراجته النارية بسرعة محسوبة…
سماعاته في أذنيه، صوته أعلى من صوت المحرك.
زين (يغني بحماس ونشاز):
– “بحبك وحشتيني… وحشتينيييي!” 🎶😎
– الله على الإحساس! يا سلام!
يزيد السرعة قليلًا، يهز رأسه مع اللحن…
فجأة—
نور تعبر الشارع وهي تحمل كتبها.
زين:
– يا نهار أزرق! 😱
يضغط الفرامل بقوة، الدراجة تنزلق سنتيمترات…
تتوقف قبلها بلحظة.
الكتب تقع.
نور تتراجع خطوتين، قلبها يكاد يخرج.
نور (بغضب وصوت مرتفع):
– إنت مجنووون؟!
– هتقتلني؟!
زين ينزل بسرعة، ينزع الخوذة، شعره منكوش، ابتسامة تلقائية على وجهه.
زين:
– لا لا لا!
– والله كنت بغني بس…
– يعني… أقصد كنت سايق كويس! 😅
تنظر له بحدّة.
نور:
– بتغني وانت سايق موتوسيكل؟!
– هو الاستهتار بقى هواية؟
تحاول أن تخطو خطوة…
تصرخ فجأة.
نور:
– آه! 😖
تضع يدها على قدمها.
الكاحل متورّم بوضوح.
زين يقترب فورًا بانفعال.
زين:
– استني، استني…
– متتحركيش.
يمد يده دون تفكير.
نور (تصرخ):
– لأأأ!
– إوعى تلمسني!
يتجمّد مكانه فورًا، يرفع يديه للأعلى كأنه متهم.
زين:
– خلاص خلاص!
– رفعت الراية البيضاء 🏳️
– أقسم بالله ما هلمس شعرة.
تنظر له بريبة وغضب.
نور:
– إنت فاكر نفسك فين؟
– ما يصحش كده!
زين (مرتبك لكنه يحاول التخفيف):
– عندك حق…
– حقك عليّا، أنا غلطان.
ينظر للكاحل بقلق حقيقي.
زين:
– بس رجلك باين عليها واجعة قوي.
– نعمل إيه؟ أجيب إسعاف؟ تاكسي؟
نور (بعناد):
– لا إسعاف ولا تاكسي منك.
– كفاية اللي حصل.
تحاول الانحناء لالتقاط كتبها…
تتأوه.
زين ينظر حوله، ثم يبعد خطوتين احترامًا.
زين:
– بصي…
– أنا واقف هنا اهو، ولا سنتي زيادة.
– بس مش همشي وأسيبك كده.
تحدّق فيه باستغراب.
نور:
– وليه تهتم؟
يبتسم ابتسامة جانبية صادقة.
زين:
– عشان أنا اللي كنت هعمل كارثة.
– وبعدين…
– مش غريبة عني.
ترفع حاجبيها.
نور:
– نعم؟
زين:
– الجامعة.
– مكتبة الدور التالت.
– إنتِ اللي صحّحتِلي المعلومة يوم الامتحان…
– وقلتِلي: “اتقِ الله وانت بتغش.” 😅
تتسع عيناها.
نور:
– إنت؟!
– صاحب الشعر اللي واقف بالمقلوب؟
زين:
– أيوه!
– ولسه واقف بالمقلوب بالمناسبة.
رغم غضبها…
تفلت منها ابتسامة صغيرة، تحاول إخفاءها فورًا.
نور (بصرامة مصطنعة):
– الابتسامة دي غلطة.
– ما تتكررش.
زين (منتصر):
– تمام…
– بس اعترفي إنها طلعت لوحدها.
تشيح بوجهها.
نور:
– ركزي يا نور… ركزي.
يصمت لحظة، ثم يقول بجدية لطيفة:
زين:
– هاتليف لحد من أهلك؟
– أو صديقة؟
– أنا أفضّل حد ييجي ياخدك.
تنظر له، ترى لأول مرة أنه ليس مستهترًا كما ظنّت.
نور (بهدوء أقل حدّة):
– أخويا قريب…
– هكلمه.
تخرج هاتفها.
زين يتنفس براحة.
زين:
– كويس.
– وأنا هفضل واقف لحد ما ييجي.
تجلس على الرصيف بحذر.
زين يخلع جاكيت الدراجة، يضعه على الأرض أمامها دون أن يلمسها.
زين:
– تحطي الكتب عليه…
– الأرض مش نظيفة.
تنظر للجاكيت، ثم إليه.
نور (بصوت منخفض):
– شكرًا…
– بس المرة الجاية غنّي وانت واقف.
زين (ضاحكًا):
– وعد.
– أو أغيّر الأغنية لأغنية وطنية… أقل خطورة 😄
تنظر له نظرة تحذير…
ثم تضحك رغمًا عنها.
نور:
– ربنا يهديك.
زين (بابتسامة دافئة):
– آمين…
– ويمكن يهديكي لواحد سايق موتوسيكل بس قلبه كويس.
تصمت…
تنظر بعيدًا…
لكن ابتسامتها هذه المرة لم تختفِ.
*********************
في فيلا الزهراوي / صالون زياد
الصالون واسع، هادئ ظاهريًا…
لكن الجو مشحون.
زياد يجلس على الأريكة، ملامحه أقوى من الأيام السابقة، كتفه ما زال متيبّسًا قليلًا من آثار الحادث، لكن عينيه تقدحان نارًا.
أمامه آدم، واقف بثبات ضابط مخابرات يعرف أن ما سيقوله سيشعل المكان.
أدهم يجلس قريبًا، يراقب زياد بحذر.
عاصم واقف عند النافذة، يضغط على فكه بعصبية مكبوتة.
زياد يضرب بيده على الطاولة فجأة.
زياد (بغضب مكبوت):
– لا…
– المرة دي لأ.
– مراد خرج، ولسّه بيتنفس، ولسّه بيخطط.
– وأنا مش هستنى لما يحاول يقتل حد فينا تاني.
أدهم (بحزم هادئ):
– يا زياد، اسمعني.
– اندفاعك دلوقتي هو اللي هو مستنيه.
زياد يلتفت له بعصبية.
زياد:
– مستنيني؟
–ده اتسبب بخطف بنتي و عاشت رعب ٧ شهور بسببه
–خلى ابني عاصم عدوي
– ده حاول يقتلني!
– عطّل فرامل عربيتي وكأن روحي لعبة!
عاصم (بصوت منخفض لكن حاد):
– وعشان كده لازم نكون أذكى منه…
– مش أسبق منه بخطوة غلط.
زياد ينظر لعاصم، يهدأ قليلًا… لكن الغضب لا يختفي.
زياد:
– إنت فاكرني ضعيف؟
– فاكرني هقعد أعدّ أنفاسه وهو بيهدد بنتي؟
آدم (يتقدم خطوة، صوته صارم):
– محدش قال كده.
– بس اللي داخل فيه مراد دلوقتي… أكبر من كده بكتير.
يسود صمت ثقيل.
أدهم (ينظر لآدم):
– إنت وصلت لإيه؟
آدم يتنفس بعمق.
آدم:
– مراد مش لوحده.
– ولا عمره كان لوحده.
عاصم يلتفت ببطء.
عاصم:
– كنت متأكد.
زياد يحدق في آدم.
زياد:
– مين؟
آدم ينطق الاسم بوضوح متعمّد.
آدم:
– الساندرو…
– أليساندرو فيريتي.
الاسم يقع كالرصاصة.
أدهم (بذهول مكبوت):
– الإيطالي؟
آدم يومئ برأسه.
آدم:
– زعيم مافيا تقيل.
– مش بتاع استعراض ولا دم على الفاضي.
– رجل أعمال قذر… بس منظم.
زياد (بتهكم غاضب):
– مافيا؟
– يعني مراد بقى لعبة في إيد مجرم دولي؟
آدم:
– بالضبط.
– وده اللي مخوفني.
عاصم يعقد ذراعيه.
عاصم:
– احكي.
آدم يتقدم ويجلس، نبرته مهنية بحتة.
آدم:
– الساندرو ما بيقتلش عشان الانتقام.
– بيقتل عشان يكمّل شغله.
– ما بيقربش لستات ولا أطفال…
– بس لو حد عطّله؟
– يدفنه وهو عايش.
زياد يبتسم بسخرية مرة.
زياد:
– ومراد؟
– فين مكانه في الصورة دي؟
آدم:
– مراد بالنسبة له…
– طفل مختل.
– شغال بحقد، مش بعقل.
أدهم يهز رأسه بأسف.
أدهم:
– وده أخطر نوع.
آدم يكمل.
آدم:
– مراد بتصرفاته الغبية:
– حادثتك،
– اعترافه،
– دخوله السجن،
– خروجه المفاجئ…
– خلّى الشرطة الدولية والـ FBI يحطّوا عينهم على شبكة الساندرو.
عاصم يبتسم ابتسامة باردة.
عاصم:
– يعني الساندرو مش راضي عنه.
آدم:
– مش بس مش راضي…
– زهق.
زياد ينتفض واقفًا رغم الألم.
زياد:
– يبقى نضرب دلوقتي!
– قبل ما الدنيا تولّع!
أدهم (ينهض سريعًا):
– لا يا زياد!
– لو دخلت في خط الساندرو بنفسك، تبقى دخلت حرب دولية!
عاصم (بصوت عميق):
– ومراد عايز كده.
– عايز يجرّنا كلنا للنار معاه.
زياد ينظر لعاصم… عينيه تلمعان غضبًا ووجعًا.
زياد:
– ده قتل ابنه التاني في قلبي.
– رائد…
– ودمر حياة ليل، ودمّر حياتك.
يصمت عاصم لحظة… ثم يقول بهدوء مخيف:
عاصم:
– وعشان كده…
– لازم ننهى الموضوع صح.
آدم ينظر له بتمعّن.
آدم:
– اللي بفكر فيه…
– إن الساندرو نفسه ممكن يتخلص من مراد.
– بس مش قبل ما يخلص شغله.
أدهم:
– يعني مراد قنبلة موقوتة.
آدم يومئ.
آدم:
– وأي حركة طايشة مننا…
– تخليه يضغط على الزر.
زياد يغمض عينيه، يتنفس بعمق، صوته أخف لكن أقسى.
زياد:
– أنا مش هموت قبل ما أشوفه واقف عند حدّه.
آدم ينظر له بثبات.
آدم:
– وهتشوف.
– بس بالعقل…
– مش بالدم.
عاصم يلتفت ببطء نحو آدم، عينيه مظلمتان.
عاصم:
– قولّي…
– الساندرو بيكره إيه أكتر من الشرطة؟
آدم يبتسم ابتسامة خفيفة… خطيرة.
آدم:
– الفوضى غير المحسوبة.
صمت.
نظرات متبادلة.
إحساس أن الحرب بدأت… لكن بهدوء قاتل.
*********************
في جناح حور و زياد
الباب يُغلق بهدوء…
لكن أنفاس حور ليست هادئة.
تقف للحظة، تضع يدها على صدرها، تحاول أن تستوعب ما سمعته في الصالون.
اسم الساندرو يرنّ في رأسها كإنذار.
تتمتم بصوت مكسور:
حور (لنفسها):
– مافيا…
– دم…
– ومراد مجنون.
تتقدم نحو المرآة.
وجهها شاحب، لكن عينيها ثابتتان… عيني أم قررت تتحرك.
حور (بحسم منخفض):
– لا…
– أنا مش هستنى لما النار توصل لأولادي.
تفتح درجًا صغيرًا في الطاولة الجانبية.
تخرج هاتفًا آخر… قديمًا، لا تستخدمه إلا نادرًا.
تجلس على طرف السرير، تتنفس بعمق.
حور:
– لو الرجالة هتدخل حرب…
– الأم لازم تدخل مفاوضات.
تضغط على اسم محفوظ:
«ملك»
يرن الهاتف.
ملك (بصوت دافئ، مفاجَأ):
– حور؟
– خير يا بنت عمي؟ الساعة دي؟
حور (تحاول التماسك):
– ملك…
– محتاجة منك خدمة…
– خدمة كبيرة وخطرة شوية.
يسود صمت قصير في الطرف الآخر.
ملك (بقلق):
– حصل إيه؟
– زياد؟ ليل؟
حور تغمض عينيها لحظة.
حور:
– كلهم في خطر…
– وانا لازم أسبق الخطر بخطوة.
ملك (بحزم):
– قولي.
حور تنهض، تبدأ بالمشي في الغرفة كأنها ترتّب أفكارها.
حور:
– إنتِ فاكرة لما كنتِ في ميلانو من سنتين؟
– حفلات الجمعيات الخيرية؟
ملك:
– أيوه…
– كنتِ بتتبرعي معانا، فاكرة.
حور (بهدوء مقصود):
– في راجل…
– كان دايمًا حاضر.
– هادي، أنيق، ما بيتكلمش كتير.
صوت ملك يتغير.
ملك:
– استني…
– تقصدي الإيطالي؟
– فيريتي؟
حور تبتلع ريقها.
حور:
– أليساندرو…
– الساندرو.
صمت ثقيل.
ملك (بصوت منخفض):
– إنتِ تعرفي بتقولي اسم مين؟
حور:
– أعرف اللي يكفيني.
– راجل ما يحبش الفوضى.
– وما يحبش المجانين.
ملك:
– حور… ده مش شخص يتكلم معاه كده.
حور تقف أمام النافذة، تنظر للحديقة حيث لعبت ليل طفلة.
حور (بصوت أمومي موجوع):
– أنا مش رايحة أهدده.
– ولا أساومه على دم.
تستدير بحسم.
حور:
– أنا رايحة أقدّم له حل.
– حل يخلّصه من عبء اسمه مراد…
– ويحمي عيلتي.
ملك (مصدومة):
– إنتِ ناوية تقابليه؟!
حور:
– أو على الأقل…
– أوصل له رسالة واحدة.
ملك:
– ولو رفض؟
حور تبتسم ابتسامة صغيرة… موجعة.
حور:
– الأم لما تحس إن ولادها في خطر…
– ما بتفكّرش في نفسها.
تتنهد.
حور:
– أنا محتاجة توصليلي وسيلة تواصل.
– شخص موثوق…
– من غير ما حد يعرف.
صمت طويل.
ثم:
ملك (بصوت ثابت):
– هعمل اللي تقدري عليه.
– بس اسمعيني…
– لو دخلتي اللعبة دي، مفيش رجوع.
حور تغمض عينيها.
حور:
– الرجوع مش دايمًا شجاعة يا ملك.
تفتح عينيها، صلبة.
حور:
– أحيانًا…
– الشجاعة إنك تقفي قدّام الوحش
وتقولي له: كفاية.
ملك تهمس:
ملك:
– ربنا يستر.
حور:
– ربنا دايمًا موجود…
– بس لازم نتحرك.
تغلق المكالمة.
حور تضع الهاتف على الطاولة.
تجلس ببطء.
حور (لنفسها، همس):
– مراد لعب بالنار…
– وأنا…
– هطفيها قبل ما تحرق ولادي.
********************
في فيلا كامل
الإضاءة خافتة.
الستائر نصف مسدلة.
الهدوء يلف المكان بعد يوم صاخب ثقيل.
ريما تقف قرب النافذة، يداها على بطنها بلا وعي.
ملامحها شاحبة… لكنها أخفّ من قبل، كأن حملاً داخليًا بدأ يذوب.
كامل يدخل الغرفة بهدوء، يخلع سترته، يلاحظ وقفتها.
لا يتكلم فورًا.
يقترب… يقف خلفها، دون أن يلمسها.
كامل (بصوت منخفض):
– لسه واقفة كده من ساعة.
ريما تلتفت ببطء.
عيناها تلمعان بالدموع.
ريما (بصوت مكسور):
– كنت خايفة…
– خايفة أصدق إنك هنا بجد.
كامل يبتسم ابتسامة صغيرة… موجوعة.
كامل:
– وأنا كنت خايف أكون جيت متأخر.
صمت.
ريما تخفض رأسها.
ريما:
– كامل…
– أنا آسفة.
ترفع رأسها فجأة، الدموع تنساب.
ريما:
– آسفة إني سبتك.
– آسفة إني هربت…
– وآسفة أكتر إني فكرت إنك ممكن تشوفني بعين أبويا.
كامل يتنفس بعمق.
ثم يقترب خطوة، يرفع وجهها بلطف.
كامل (بحزم هادئ):
– بصّي لي.
تنظر له.
كامل:
– أنا اتجوزتك أنتي يا ريما…
– مش أبوكي
– ولا اسمه…
– ولا تاريخه.
يصمت لحظة.
كامل:
– إنتِ مسؤولة عن نفسك وبس.
– ولو كنت شفت فيكِ ذرة شر…
– ما كنتش بقيت دقيقة واحدة.
ريما تبكي أكثر.
ريما:
– بس الناس…
– النظرات…
– حتى أنا… كنت بشوف نفسي ابنة مجرم.
كامل يضع كفيه على وجنتيها.
كامل (بحب صادق):
– لأ.
– إنتِ ست قوية
– و محترمة…
– ومراتي.
يسحبها إلى صدره.
ريما تنهار تمامًا وتبكي.
ريما (من بين بكائها):
– تعبت…
– تعبت قوي يا كامل.
كامل:
– عارف.
– وأنا كنت هناك… بتعذب معاك من غير ما تعرفي.
تبقى لحظة في حضنه… ثم تبتعد قليلاً.
تتردد.
ريما (بصوت خافت):
– في حاجة…
– لازم تعرفها.
كامل ينظر لها، يشعر.
كامل:
– قولي.
ريما تضع يدها على بطنها بوضوح هذه المرة.
ريما:
– أنا…
– حامل.
الصمت يسقط كثيفًا.
كامل يحدّق بها…
ثم بعينيها…
ثم بيدها على بطنها.
كامل (بذهول):
– إيه…؟
يقترب خطوة، يهمس:
كامل:
– من إمتى؟
ريما (تبكي بخجل):
– من أسبوع قبل ما أمشي.
– كنت لسه عارفة…
– وخفت.
عيناه تلمعان… خليط من صدمة وفرح وعتب.
كامل (بصوت مبحوح):
– خفتِ؟
– وسِبتيني أنا؟
يجلس على حافة السرير، يمرر يده على وجهه.
كامل (بنبرة عتاب حنون):
– ريما…
– ده ابني.
– أو بنتي.
يرفع رأسه لها.
كامل:
– كان من حقي أعرف.
– حتى لو الدنيا كلها وقعت.
ريما تجثو أمامه، تمسك يده.
ريما:
– كنت فاكرة إني بحميك.
– بحميك من مراد…
– ومن اسمي…
– ومن كلام الناس.
كامل يبتسم بسخرية خفيفة.
كامل:
– وأنا؟
– ما حميتيش قلبي.
ثم يلين صوته.
كامل:
– بس خلاص…
– المهم إنك رجعتي.
يضع يده على بطنها بحذر… وكأنه يخشى أن يكون حلمًا.
كامل (بهمس):
– أهلاً بيك…
– يا صغيري.
ريما تبتسم وسط دموعها.
ريما:
– مش زعلان؟
ينظر لها بجدية.
كامل:
– زعلان؟
– أيوه.
– بس أكتر حاجة حاسسها دلوقتي…
يتنفس.
كامل:
– إني مش هسمح لحد يقرب منك تاني.
– لا مراد…
– ولا غيره.
يقف، ينظر لها بعينين صلبتين.
كامل:
– اللي حصل ده…
– نهاية مرحلة.
ثم بابتسامة واثقة:
كامل:
– واللي جاي…
– أنا مسؤول عنه.
ريما تحتضنه بقوة.
ريما (بهمس):
– وحشتني.
كامل:
– وانتي وحشتيني أكتر مما تتخيلي.
**********************
في جناح جانبي في فيلا كامل
الإضاءة خافتة.
الفيلا هادئة بشكل يخنق الصدر.
سليم يجلس على طرف السرير، ظهره محني، هاتفه في يده.
عيناه سوداوان… جامدتان، لا تشبهان عيني الشاب الطيب الذي كانه قبل أسابيع.
يتردد لحظة…
ثم يضغط اتصال.
يرد صوت رجل أجنبي، منخفض وحذر.
الصوت:
– ألو؟
سليم (بصوت ثابت، بارد):
– مساء الخير…
– معايا فيكتور؟
فيكتور:
– أيوه.
– مين؟
سليم:
– اسمي سليم.
– حدّ قالك قبل كده عنّي… من القاهرة.
صمت قصير.
فيكتور (بحذر):
– المصري؟
– ابن… الشرقاوي؟
سليم يغمض عينيه بقوة عند سماع الاسم.
سليم:
– ما تقولش الاسم ده تاني.
ضحكة قصيرة باردة من الطرف الآخر.
فيكتور:
– تمام.
– قولي عايز إيه؟
سليم ينهض، يبدأ بالمشي في الغرفة.
سليم:
– أنا محتاج مساعدة.
– مساعدة قانونية…
– بس مش نظيفة قوي.
فيكتور يصمت.
فيكتور:
– أنا رجل أعمال، مش قدّيس.
– بس مش بلعب ألعاب أطفال.
سليم يقف أمام المرآة، ينظر لانعكاسه.
سليم:
– ولا أنا طفل.
ثم، بنبرة مكسورة خرجت رغمًا عنه:
سليم:
– الراجل ده…
– دمّر حياتنا.
– دمّر أختي…
– خلاني أكره اسمي.
يتنفس بعمق.
سليم:
– خرج من السجن…
– وده غلط.
– ولازم يتصلّح.
فيكتور يزفر.
فيكتور:
– إنت فاهم اللي بتطلبه؟
سليم (بهدوء مخيف):
– فاهم.
– وفاهم الثمن.
ضحكة قصيرة.
فيكتور:
– عمرك كام؟
سليم:
– واحد وعشرين.
صمت أطول هذه المرة.
فيكتور (بلهجة تقييم):
– صغير…
– بس صوتك مش صوت واحد صغير.
سليم يضغط الهاتف بقوة.
سليم:
– أنا مش طالب دم.
– أنا طالب حق.
– والراجل ده لازم يرجع مكانه.
فيكتور:
– والسجن مش لعبة.
سليم:
– ولا اللي عمله لعبة.
لحظة صمت ثقيلة.
فيكتور:
– جنسيتي روسي.
– عمري سبعة وثلاثين.
– وأنا ما بحبش الشغل العاطفي.
سليم يبتسم ابتسامة بلا فرح.
سليم:
– ولا أنا.
– بس عندي سبب يخليك تسمعني.
فيكتور:
– قولي.
سليم (بصوت منخفض، حاسم):
– لأن اللي اسمه مراد الشرقاوي…
– مش هيقف عند اللي عمله.
– وأنا ابنه…
– وأكتر واحد عارف ده.
صمت.
ثم:
فيكتور:
– هفكر.
– ولو رجعت لك…
– هنبقى داخلين طريق مفيهوش رجوع.
سليم:
– أنا رجوعي خلص من يوم ما شفت حقيقته.
يغلق الخط.
سليم ينظر للهاتف لحظة…
ثم يضعه على الطاولة.
يهمس لنفسه، بصوت بالكاد يُسمع:
سليم:
– انت مش أبويا…
– انت عدوي.
*********************
في فيلا الزهراوي – غرفة ليل – بعد منتصف الليل
الغرفة يغمرها ضوء القمر.
ستائر خفيفة تتحرك مع نسمات باردة.
ليل نائمة على جانبها، شعرها منثور على الوسادة، أنفاسها هادئة…
أو هكذا يبدو.
الباب يُفتح بهدوء شديد.
عاصم يدخل بخطوات حذرة، كأنه يخشى أن يوقظ العالم كله لا هي فقط.
يقف عند الباب لحظة… يتأملها.
عيناه تضعفان.
يقترب ببطء، يجلس على طرف السرير.
يمد يده… يتوقف… يسحبها.
يهمس:
عاصم:
– نايمة…
صمت.
يبتسم ابتسامة صغيرة متعبة.
عاصم (بصوت منخفض):
– يمكن أحسن.
ينظر إليها طويلاً، ثم يبدأ الكلام…
كأنه يفرغ حملاً عاش في صدره سنوات.
عاصم:
– عمري ما كنت بعرف أتكلم.
– دايمًا القسوة كانت أسهل.
يتنهد.
عاصم:
– أبويا… خالد.
– كان راجل بسيط… قوي من جوّه.
– كان بيضحك كتير، وبيحب زياد كأنه أخوه.
يلمس حافة السرير دون أن يلمسها.
عاصم:
– وأمي مريم…
– كانت بتحب حور، وتيجي هنا دايمًا.
– وأنا صغير كنت بجري في الجنينة دي…
– أتعفرط… وأرجع أمي تزعقلي.
ابتسامة شاحبة تمر على شفتيه.
عاصم:
– كنا سعدا…
– رغم إن بابا وماما ماتوا بدري.
– بس كان عندي رائد… وربى.
يصمت لحظة، صوته يختنق.
عاصم:
– رائد كان كل حاجة.
– أخويا… ضهري…
– اللي علمني أكون راجل.
يخفض رأسه.
عاصم (بهمس موجوع):
– مراد قتله.
ليل تشد أصابعها تحت الغطاء… لكنها لا تتحرك.
عاصم:
– وربى…
– دمّرها.
– خلّاها تعيش في جسم مش ملكها.
قبضته تنغلق.
عاصم:
– وأنا؟
– أنا خلاني أصدق إن زياد…
– الراجل اللي كان صديق أبويا…
– هو اللي عمل كده.
يرفع رأسه، عيونه تلمع.
عاصم:
– نديم…
– لعب بعقلي.
– خلاني أكره… وأشك… وأتحول لواحد مش أنا.
يضحك ضحكة قصيرة مريرة.
عاصم:
– خطفتك…
– وأنا فاكر نفسي صاحب حق.
يمد يده أخيرًا… يلمس أطراف شعرها بخفة.
عاصم:
– وبعدين شوفتك.
– عينيك الرمادي…
– حسيت إن كل حاجة جوايا وقفت.
صوته يهدأ.
عاصم:
– حبيتك…
– وأنا مش عايز.
يميل أقرب، دون أن يلمس وجهها.
عاصم:
– لما أدهم بعتلي وقال الحقيقة…
– حسيت إني اتعرّيت.
– اتجوزتك عشان أحميك…
– مش عشان أنتقم.
يتنفس بعمق.
عاصم:
– بس الذنب…
– الذنب لسه عايش جوايا.
ينهض قليلًا، يمشي خطوتين، ثم يعود.
عاصم:
– مش مسامح نفسي إني شكّيت في زياد.
– ولا مسامح نفسي على كل لحظة خوف شوفته في عينك.
صوته يصبح قاسيًا فجأة.
عاصم:
– مراد…
– مش هسيبه.
ليل ينتفض من الداخل…
قلبها يضرب بقوة.
عاصم:
– لو الشرطة ما جبتهوش…
– أنا هجيبه.
يقترب منها مرة أخرى، ينحني.
عاصم (بصوت منكسر):
– بس قبل أي حاجة…
– كنت محتاج أقولك الحقيقة.
ينظر لملامحها الهادئة.
عاصم:
– لو صحيتِ يومًا…
– وكرهتيني…
– هفهم.
يمد يده… يلمس يدها أخيرًا.
عاصم:
– بس لو في يوم…
– قدرتِ تسامحيني…
– أنا ملكك.
ليل تكاد تبكي… لكنها تبقى ساكنة.
عاصم يهمس:
عاصم:
– تصبحى على خير… يا ليل.
ينهض، يتجه للباب.
وقبل أن يخرج…
ليل تفتح عينيها ببطء، دون أن يراه.
تدمع.
تهمس بصوت لا يسمعه أحد:
ليل:
– وأنا عمري ما كنت نايمة.
************************
في شرفة غرفة ليل
رنين هاتف يخترق السكون.
عاصم يتجمد لحظة…
يلتفت نحو ليل النائمة، يتأكد أنها لم تتحرك.
يسحب الهاتف بهدوء، يخرج إلى الشرفة ويغلق الباب خلفه نصف إغلاق.
الهواء بارد… القاهرة نائمة…
وعاصم ليس كذلك.
ينظر إلى الشاشة.
اسم واحد.
عاصم (بصوت منخفض):
– سليم؟
صوت سليم يأتي هادئًا… أكثر من اللازم.
سليم:
– كنت متأكد إنك صاحي.
عاصم يضيق عينيه.
عاصم:
– خير؟
صمت قصير في الطرف الآخر.
سليم:
– فاكر… الشخص اللي كان دايمًا سابقك بخطوة؟
– اللي كان يعرف إزاي يدخل دماغك… ويقفلها عليك؟
عاصم يشد قبضته على الهاتف.
عاصم:
– كمل.
سليم:
– الشخص اللي اختفى فجأة لما الدنيا ولعت…
– وساب وراه نار ودماغ مكسورة.
عاصم يزفر ببطء.
عاصم:
– بتلف ليه؟
ضحكة قصيرة من سليم.
سليم:
– عشان لما تسمع اللي جاي… ما تتسرعش.
صوت حركة، كأن سليم في مكان مفتوح.
سليم:
– من يومين وإحنا ماشيين ورا خيط.
– خيط رفيع… بس عنيد.
عاصم ينظر إلى المدينة، صوته يصبح أخفض وأقسى.
عاصم:
– وصلتوا لفين؟
سليم:
– لحد باب مقفول.
– باب صاحبه فاكر إن محدش يعرفه.
سكون ثقيل.
عاصم:
– وهو جوه؟
تردد بسيط… متعمد.
سليم:
– خلّينا نقول…
– إنه قريب قوي من إنه يفتح.
عاصم يبتسم ابتسامة باردة.
عاصم:
– قريب دي كلمة واسعة.
سليم:
– عاصم…
– في ناس ما ينفعش تتاخد من الشارع.
صوت نفس عميق من عاصم.
عاصم:
– وأنا قلت أجيبه منين؟
سليم يضحك بخفة.
سليم:
– عارف المخزن القديم؟
– اللي محدش بيدخله غيرك؟
عاصم يغلق عينيه لحظة.
عاصم (بهدوء مرعب):
– جهزوه.
صمت.
سليم:
– متأكد؟
عاصم:
– الشخص ده…
– ما ينفعش يتسلم.
– ولا يتساب.
نبرة سليم تصبح جادة.
سليم:
– طيب اسمعني.
– هو فاكر نفسه أذكى مننا.
– بس واضح إن الخوف بدأ يغلطه.
عاصم يقترب من سور الشرفة، يهمس:
عاصم:
– خلي الخوف يكمل شغله.
– وأنا هكمله.
تردد قصير… ثم:
سليم:
– تحب تعرف اسمه الحقيقي؟
– ولا لسه؟
عاصم يفتح عينيه…
ابتسامة بطيئة ترتسم.
عاصم:
– لا.
– لما أشوفه…
– هفتكره.
سليم يصمت ثانية… ثم يقول بصوت منخفض جدًا:
سليم:
– خلاص.
– هنقفل الدائرة.
المكالمة تنتهي.
عاصم يبقى واقفًا…
يحدق في الظلام.
يهمس لنفسه:
عاصم:
– كنت فاكر إنك خلصت.
– طلعت لسه البداية.
يلتفت نحو باب الغرفة…
نحو ليل.
وجهه يلين لحظة…
ثم يعود صلبًا.
عاصم (بصوت خافت):
– المرادي…
– الحقيقة هتطلع كلها.
*******************
في إيطاليا – ساحل أمالفي – قبيل الغروب
البحر هادئ…
لكن الهدوء هنا ليس سلامًا، بل انتظار.
أليساندرو فيريتي يقف أمام الشرفة الحجرية المطلة على الساحل.
بدلته الداكنة مفصلة بإتقان، سيجار غير مشتعل بين أصابعه.
عيناه ثابتتان… كمن حسم أمره.
صوت خطوات خلفه.
خفيفة… واثقة… بلا تردد.
لا يلتفت فورًا.
أليساندرو:
– تأخرتِ خمس دقائق.
صوت أنثوي هادئ، منخفض، لا يحمل اعتذارًا.
المرأة:
– لو جئتُ قبل الموعد…
– لظننتَ أنني متلهفة.
يلتفت أخيرًا.
امرأة في نهاية الاربعينات.
ملابس سوداء بسيطة لكن باهظة.
شعرها مرفوع بإهمال محسوب.
نظرة لا تطلب شيئًا… ولا تخشى شيئًا.
يبتسم أليساندرو ابتسامة جانبية.
أليساندرو:
– المصريات لا يتغيرن…
– حتى عندما يصبحن خطرات.
تقترب وتقف بجواره، تنظر للبحر.
المرأة:
– والخطر…
– لا يحب الإطراء.
يضحك بخفة.
أليساندرو:
– أحب هذا النوع من النساء.
– اللواتي لا يطلبن حماية.
يصمت لحظة، ثم:
أليساندرو:
– لقبك؟
تجيبه دون أن تنظر إليه:
المرأة:
– لا نيرا.
(السوداء)
يرفع حاجبه بإعجاب.
أليساندرو:
– اسم مناسب.
تشعل سيجارة، تسحب نفسًا ببطء.
لا نيرا:
– اسمي الحقيقي لا يهم.
– المهم… من أكره.
يلتفت إليها بجدية.
أليساندرو:
– مراد الشرقاوي.
تهز رأسها بخفة.
لا نيرا:
– ذكرته قبلي.
– هذا يعني أنك وصلت لنفس الاستنتاج.
أليساندرو:
– هو أصبح عبئًا.
– صاخب… متهور…
– يظن أن العالم كله مجرد مسرح لانتقامه الشخصي.
تبتسم بسخرية باردة.
لا نيرا:
– الرجال الذين يعيشون للانتقام…
– يموتون قبل أن ينتقموا.
يصمت أليساندرو، ثم يسأل ببطء:
أليساندرو:
– لماذا تكرهينه؟
لحظة صمت.
الريح تحرك خصلات شعرها.
لا نيرا:
– بعض الناس لا يكرهون لأنهم خسروا.
– بل لأنهم فهموا.
يلتفت إليها.
أليساندرو:
– هذا ليس جوابًا.
تنظر إليه أخيرًا…
نظرة عميقة، قديمة، متعبة.
لا نيرا:
– مراد…
– لا يدمر من يعاديه فقط.
– هو يدمر كل ما يلمسه… حتى من يظنهم أدواته.
تسحق السيجارة تحت قدمها.
لا نيرا:
– وأنا لا أقتل بدافع الألم.
– بل بدافع التصحيح.
أليساندرو يحدق فيها طويلًا…
ثم يبتسم ابتسامة رضا حقيقية هذه المرة.
أليساندرو:
– إذن نحن متشابهان.
– أنا لا أقتل لأنني أكره…
– بل لأن الحساب انتهى.
يمد يده نحوها.
أليساندرو:
– مراد يجب أن يُمحى.
– بهدوء… دون ضجيج…
– ودون أن يقودنا معه إلى الجحيم.
تضع يدها في يده، مصافحة قصيرة، حاسمة.
لا نيرا:
– لن يسمع أحد صوته وهو يسقط.
– ولن يعرف أحد من دفعه.
أليساندرو ينظر للبحر مجددًا.
أليساندرو:
– جميل.
– إذن… فلنغلق هذا الملف.
تستدير لتغادر.
قبل أن تختفي، تقول دون أن تلتفت:
لا نيرا:
– بالمناسبة…
– هو يظن نفسه ذكيًا.
يبتسم أليساندرو.
أليساندرو:
– كل الموتى كانوا يظنون ذلك.
**********************
في سويسرا – جناح خاص في المشفى – ليل متأخر
الثلج يتساقط خلف الزجاج بهدوء مخيف.
الإضاءة خافتة، أجهزة المراقبة تصدر أصواتًا منتظمة.
رائد نائم بعمق.
ملامحه هادئة… لكن جسده ما زال يحمل آثار المعركة القديمة.
خارج الغرفة، في الردهة الزجاجية، يقف رامي وإيلينا.
إيلينا تعقد ذراعيها حول نفسها.
وجهها متعب… ليس من السهر، بل من الخوف.
إيلينا (بصوت منخفض):
– كنتَ محقًا…
– تحسنُه سريع، لكن هذا لا يطمئنني.
رامي ينظر من خلال الزجاج إلى رائد.
رامي:
– التحسن لا يعني الأمان.
– أحيانًا… هو أخطر مرحلة.
تلتفت إليه فجأة.
إيلينا:
– رامي…
– من الذي يطارده فعلًا؟
يصمت لحظة.
ليس لأنه لا يعرف… بل لأنه يعرف أكثر مما يجب.
رامي:
– أشخاص لا يؤمنون بفكرة “انتهى الأمر”.
– رائد بالنسبة لهم… ملف مفتوح.
تتنفس بعمق.
إيلينا:
– ثلاث سنوات…
– ثلاث سنوات وأنا أراقب صدره يرتفع وينخفض،
– أقاتل فكرة أنه قد لا يستيقظ أبدًا.
تنظر إليه بعينين دامعتين.
إيلينا:
– والآن بعد أن استيقظ…
– أخاف أن أفقده بطريقة أسوأ.
رامي يشيح بنظره للحظة، ثم يعود إليها.
رامي:
– لهذا السبب…
– زيفتُ موته.
تحدق فيه.
إيلينا:
– أعلم.
– وأعلم أن العالم يراه ميتًا…
– لكن الأعداء لا يتوقفون عن البحث.
تخفض صوتها أكثر.
إيلينا:
– اليوم… لاحظتُ شخصًا في الممر.
– لم يكن من الطاقم.
عين رامي تضيق فورًا.
رامي:
– هل أنتِ متأكدة؟
إيلينا:
– نعم.
– كنت أراه خلال السنوات الثلاث…
– لا يراقب المرضى…
– بل يراقب الوجوه.
يسب رامي بصوت خافت.
رامي:
– هذا يعني أنهم اقتربوا أكثر مما يجب.
تتقدم خطوة نحوه.
إيلينا:
– رامي…
– هل أخطأتُ حين وافقت؟
يصمت.
رامي (بصدق نادر):
– لا.
– لو لم توافقي…
– لما كان حيًا الآن.
تبتسم ابتسامة باهتة.
إيلينا:
– هو لا يتذكرني…
– أحيانًا ينظر إليّ وكأنني غريبة.
رامي ينظر إليها بنظرة حادة لكن إنسانية.
رامي:
– الذاكرة تعود.
– لكن… ما يعود أولًا هو الإحساس.
ترفع رأسها.
إيلينا:
– أي إحساس؟
رامي:
– من وثق به…
– ومن كان الأمان الوحيد حين كان العالم مظلمًا.
تنظر إلى رائد من خلف الزجاج.
إيلينا (بهمس):
– أخشى أن يأخذوه مني قبل أن يتذكر.
رامي يضع يده على الزجاج، قرب رأس رائد.
رامي:
– لن أسمح بذلك.
– هذه المرة…
– لن أهرب.
تلتفت إليه بقلق.
إيلينا:
– ماذا تقصد؟
ينظر إليها مباشرة.
رامي:
– تقصدين أنكِ وحدك خائفة؟
– أنا من فتح هذه اللعبة…
– وأنا من سينهيها.
لحظة صمت ثقيلة.
إيلينا:
– هل يعلم أحد آخر الحقيقة؟
رامي:
– امرأة واحدة.
– لا تريد الانتقام…
– بل الإغلاق.
تفهم دون أن تسأل.
إيلينا:
– إذن… الحرب لم تبدأ بعد.
رامي يبتسم ابتسامة خفيفة، خطرة.
رامي:
– بل بدأت…
– فقط لم يسمعوا الطلقة الأولى.
ينظران معًا إلى رائد النائم.
إيلينا (بصوت مكسور):
– فقط…
– لا تجعله يدفع الثمن مرة أخرى.
رامي يجيب دون تردد:
رامي:
– هذه المرة…
– هم من سيدفعونه.
**********************
في – ممر جانبي في المشفى – بعد منتصف الليل
الضوء الأبيض القاسي ينعكس على أرضية لامعة.
الهدوء خانق… إلا من صوت خطوات خفيفة توقفت فجأة.
خلف جدار زجاجي نصف معتم، كان لوكاس واقفًا.
وجهه ما زال يحمل آثار الضرب:
كدمة أرجوانية قرب العين، شفة مشقوقة، غرور مهشم.
كان قد سمع كل شيء.
“زيفتُ موته…”
“الملف لم يُغلق…”
“امرأة واحدة تعرف الحقيقة…”
ابتسامة بطيئة، مريضة، تشق طريقها على شفتيه.
لوكاس (بهمس ساخر):
– مثير…
– مريض غيبوبة…
– بدوي عربي…
– وملف سري.
يميل برأسه قليلًا، وكأنه يحل لغزًا مسليًا.
لوكاس (باحتقار):
– لم أكن مخطئًا.
– هذا الهمجي ليس مجرد مصادفة.
يتحسس كدمته بأصابع مرتعشة، والألم يشعل حقده.
لوكاس:
– يضربني…
– يذلني أمامها…
– ثم يتضح أنه ليس حتى ميتًا.
ضحكة خافتة تخرج منه، بلا روح.
لوكاس:
– كم أنتم العرب بارعون في الكذب.
– حتى الموت… تزيفونه.
ينظر نحو باب غرفة رائد.
عينيه تلمعان بشيء أقرب للهوس.
لوكاس (ببطء):
– إن كان العالم يظنه ميتًا…
– فلماذا هو هنا؟
يمد يده إلى جيب معطفه الأبيض، يخرج هاتفه.
يفتح تطبيق تسجيل الملاحظات… لا يتصل بعد.
لوكاس:
– لا…
– ليس الآن.
يتنفس بعمق، كما لو أنه يستمتع باللعبة.
لوكاس:
– سأعرف كل شيء.
– من أنت أيها “المصري”…
– ولماذا يخاف عليك هذا البدوي الآخر أكثر مما يخاف على نفسه.
يتذكر نظرة إيلينا…
اشمئزازها الدائم…
رفضها المتكرر…
ثم كيف نظرت إلى رائد.
عيناه تشتعلان.
لوكاس (بغضب مكتوم):
– بالطبع…
– البطل الجريح.
– الرجل الغامض.
– القصة المثالية لتقع في حبه.
يضرب الحائط بقبضته، ثم يبتسم فجأة.
لوكاس:
– لكن كل قصة لها نقطة ضعف.
ينظر حوله… الممر فارغ.
لوكاس:
– ملف طبي…
– اسم مزيف…
– تحويلات مالية…
– زائرون ليليون.
يرفع حاجبه.
لوكاس:
– وأهمهم…
– رجل اسمه رامي.
ينطق الاسم ببطء، كأنه يتذوقه.
لوكاس:
– إن كان هذا “الرامي” مستعدًا لتهديد طبيب…
– فهذا يعني أن اللعبة أكبر من مشفى…
– وأصغر من أن تخفى عني.
يخطو خطوة للأمام، ثم يتوقف.
لوكاس (بهمس قاتم):
– لم أعد مهتمًا بك يا إيلينا.
– ولا حتى بالانتقام من الضربة.
يبتسم… ابتسامة مقلقة.
لوكاس:
– الآن…
– أريد الحقيقة.
رواية في قبضة العاصم الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سيليا البحيري
في فيلا القيصري – القاهرة – قبل الغروب
المكان شيك وبسيط ودافي… شبه صاحبه قوي.
في المطبخ المفتوح، كانت نيروز واقفة، لابسة فستان بيت ناعم بلون هادي، وشعرها مرفوع كده بعفوية.
كانت بتحاول تعمل وصفة ألماني اتعلمتها أيام دراستها…
بس واضح إنها مش مركزة أوي.
توقف شوية، تبص قدامها في الفراغ.
نيروز (بهمس لنفسها):
– غريبة…
– إزاي القلوب بتتغير من غير ما نطلب منها؟
تتنهد، وترجع تقلّب في الحلة، وفجأة يُسمع صوت باب الفيلا وهو بيتفتح.
صوت خطوات مألوفة.
تتجمد لحظة… وبعدها تبتسم من غير ما تحس.
سليم القيصري يدخل، الجاكيت على دراعه، الكرافتة مفكوكة شوية، ملامحه باين عليها التعب…
بس عينيه تنوّر أول ما يشوفها.
يقف مكانه، يتأملها في هدوء.
ابتسامة دافية، صادقة…
ابتسامة واحد مستني اللحظة دي عمره كله.
سليم (بصوت واطي دافي):
– مساء الخير يا…
(يقف لحظة، وبعدين يكمل بابتسامة)
– يا بيتي.
نيروز تلف بسرعة، عينيها تلمع وهي شايفاه.
نيروز (بفرحة حقيقية):
– سليم!
– رجعت بدري النهارده.
تسيب اللي في إيدها على طول، تمسح إيديها بسرعة وتروح ناحيته.
هو يفتح دراعاته تلقائي.
توقف قدامه لحظة، كأنها لسه بتتعود على القرب ده…
وبعدين تميل وتحضنه.
حضن بسيط… بس مليان أمان.
سليم (وهو مغمّض عينيه):
– لو تعرفي…
– كل مرة أرجع وألاقيكي هنا، بحس إن الدنيا لسه فيها خير.
تبعد شوية، تبصله بابتسامة مكسوفة.
نيروز:
– كنت بعمل حاجة…
– مش عارفة هتعجبك ولا لأ.
يرفع حاجبه بابتسامة خفيفة.
سليم:
– طالما من إيدِك؟
– أكيد هتعجبني.
يبص حواليه وبعدين لها.
سليم (بنبرة حنونة):
– شكلك هادية النهارده.
نيروز توطي عينيها شوية، تفكر.
نيروز:
– يمكن…
– أول مرة مش حاسة إني تايهة.
يسكت لحظة، يستوعب كلامها كويس، من غير ما يضغط عليها.
يمد إيده، يرفع دقنها برفق شديد.
سليم:
– خدي وقتك يا نيروز.
– أنا مش مستعجل.
تتفاجئ بنبرته، وبصدق عينيه.
نيروز (بصوت مخنوق شوية):
– ليه صبور كده معايا؟
يبتسم… نفس الابتسامة اللي عرفتها من وهما صغيرين.
سليم:
– عشان حبيتك وإحنا أطفال.
– وإنتِ…
– تستاهلي الصبر كله.
عينيها تدمع شوية، بس تضحك عشان تخبي تأثرها.
نيروز (بمزاح):
– ده اعتراف متأخر قوي.
يضحك بهدوء.
سليم:
– المهم إنه جه في وقته.
يشدّها برفق ويقعدوا على الكنبة القريبة.
قاعدين جنب بعض، من غير استعجال… من غير توتر.
المرة دي تسند راسها على كتفه من غير تردد.
نيروز (بهمس):
– سليم…
– أنا مبسوطة إنك رجعت.
يحط راسه فوق راسها، ويضمها بجسمه.
سليم:
– وأنا مبسوط إني رجعت لمراتي.
الكلمة تقعد ما بينهم…
دافية… و حقيقيه
***********************
في فيلا الراوي
الفيلا هادئة على غير عادتها.
لا ضحكات، لا زيارات… فقط صمت ثقيل يشبه الندم.
في الصالون الكبير، كانت نوال تجلس على الأريكة، ظهرها منحنٍ قليلًا، عيناها شاردتان في الفراغ.
ملامح امرأة انهارت فجأة بعدما اكتشفت أن أقرب الناس لها كان أكثرهم حقدًا.
أمامها كوب شاي لم تمسه.
تدخل ربى بهدوء، تمشي بخطوات متأنية، ما زال أثر التعب ظاهرًا عليها رغم تحسّنها، لكنها ترفض الجلوس أو الراحة.
تحمل بطانية خفيفة.
ربى (بلطف شديد):
– الجو برد شوية…
– حابة أحطلك البطانية؟
ترفع نوال عينيها ببطء…
تنظر لربى نظرة طويلة، مختلطة بين الخجل، الذنب، والانكسار.
نوال (بصوت مبحوح):
– بعد اللي عملته فيك…
– لسه بتسأليني؟
تقترب ربى، تضع البطانية على كتفيها، ثم تجلس قربها.
ربى:
– أنا هنا…
– وده المهم.
تنزل دمعة من عين نوال دون مقاومة.
نوال:
– كنت عميانة…
– مش بس مخدوعة، لا…
– كنت قاسية، ظالمة.
تغلق عينيها بقهر.
نوال (بألم):
– كنت شايفة فيكِ اللي نقصني أنا…
– قوتك… صبرك…
– وكنت بكرهك بدل ما أتعلم منك.
تتأثر ربى، لكن نبرتها تبقى ثابتة، حنونة.
ربى:
– أنا عمري ما شلت منك حاجة، يا طنط نوال.
– ولا حتى لما وجعتيني.
تلتفت نوال إليها بصدمة.
نوال:
– إزاي؟
– وأنا كنت بهينك…
– وبقلل منك…
– وبعاملك كأنك عبء؟
تبتسم ربى ابتسامة صغيرة، صادقة.
ربى:
– يمكن لأني عارفة يعني إيه الإنسان يتوجع…
– ويستنى اللي يفهمه.
تنهار نوال تمامًا، تضع يدها على وجهها وتبكي بحرقة.
نوال (بانهيار):
– سامحيني…
– سامحيني يا بنتي…
– أنا أذيتك، وأنا كنت مفكرة نفسي أم…
– طلعت محتاجة أتعلم الرحمة من واحدة كنت بحسبها أضعف مني.
تمد ربى يدها، تمسك يد نوال بلطف.
ربى:
– الأم مش اللي ما تغلطش…
– الأم اللي تعترف وتصلّح.
ترفع نوال رأسها، تنظر لها بعينين محمرتين.
نوال:
– انتي…
– ليه بتعملي كده معايا؟
– ليه واقفة جنبي بعد كل اللي حصل؟
تأخذ ربى نفسًا عميقًا.
ربى:
– لأنك أم بيجاد.
– ولأن الوجع لما يكبر…
– ما ينفعش يتساب لوحده.
تدخل منذر بهدوء من باب الصالون، يقف دون أن يقاطع.
ينظر للمشهد بعينين دامعتين… فخر صامت.
منذر (بصوت هادئ):
– ربى…
– انتي ربنا بعثك لينا رحمة.
تنظر ربى له بابتسامة خجولة.
نوال تمسك يد ربى بكلتا يديها الآن، كأنها تخاف أن تضيع.
نوال (بحزم باكٍ):
– من النهارده…
– أنا مش هكون غير أمك.
– مش حماتك…
– أمك.
تميل ربى، وتضع رأسها على كتف نوال.
ربى (بهمس):
– وأنا محتاجة أم.
الصمت يملأ المكان…
لكن هذه المرة صمت شفاء، لا صمت وجع.
**********************
ما زالت ربى مسندة رأسها على كتف نوال،
ونوال تمسح دموعها ببطء، تحاول استعادة تماسكها.
فجأة…
يُفتح باب الفيلا بقوة نسبيًا.
صوت مرح من الخارج:
– يا جماعة؟
– هو الصالون ده مول عزاء ولا إيه؟!
تلتفت الثلاثة في نفس اللحظة.
يدخل بيجاد بخطوات واسعة، رابطة عنق مفكوكة، جاكيت على ذراعه، وابتسامة مستفزة محببة على وجهه.
ينظر للمشهد…
نوال بعينين محمرتين
ربى قريبة منها
ومنذر واقف بهدوء
يرفع حاجبيه بتصنع.
بيجاد (بتمثيل):
– أوه…
– شكلي دخلت على مشهد درامي من النوع اللي بيخلّي الراجل يهرب!
تحاول ربى كتم ابتسامة، لكن تفشل.
ربى:
– بيجاد!
يقترب بيجاد أكثر، ينحني قليلًا لينظر لوجه نوال.
بيجاد (بخفة دم):
– إيه يا ماما؟
– أنا غبت ساعة بس…
– الدنيا ولعت كده ليه؟
تنظر له نوال، تمسح دموعها بسرعة، تحاول التماسك.
نوال (بصوت متعب لكنه صادق):
– سيبك يا بيجاد…
– أنا كنت بغلط، وربى بتصلّح.
يرمش بيجاد بدهشة مصطنعة.
بيجاد:
– آه…
– يعني كده رسميًا بقى عندي زوجة ومُصلحة اجتماعية في البيت؟
تضحك ربى رغمًا عنها.
ربى (تحذيرية):
– بيجاد!
يتقدم بيجاد خطوة، يمسك يد ربى بحنان واضح.
بيجاد (بجدية خفيفة):
– على فكرة…
– أنا فخور بيكِ.
ثم يلتفت لنوال.
بيجاد:
– وفخور بيكِ إنتِ كمان…
– الاعتراف مش سهل،
– بس اللي يعترف، يقدر يبدأ من جديد.
تنظر له نوال طويلًا…
ثم تبتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة منذ أيام.
نوال:
– أنا كنت فاكرة إني ربيت ابن…
– طلع ربنا مربّي راجل.
يمد بيجاد ذراعيه فجأة.
بيجاد (بحركة مسرحية):
– طب بما إن الجو عاطفي كده…
– حد فيكم عنده مانع في حضن جماعي؟
– ولا نسيبها للموسم الجاي؟
يضحك منذر بصوت مسموع لأول مرة.
منذر:
– تعال يا مجنون.
يتقدم بيجاد، يحتضن ربى أولًا بحنان واضح، ثم يربت على كتف نوال.
بيجاد (بمزاح):
– بس يا جماعة…
– أي دموع تاني بعد كده
– تتحسب عليّ فاتورة علاج نفسي.
تضحك ربى،
وتضحك نوال بخجل…
ضحكة حقيقية هذه المرة.
*********************
في إيطاليا – فندق فاخر على أطراف ميلانو – جناح خاص
الليل كثيف،
المطر يضرب زجاج النوافذ الطويلة بعنف،
وأضواء المدينة تبدو بعيدة… باردة… كأنها لا تعترف بوجود من في الداخل.
مراد الشرقاوي يقف أمام النافذة،
كأس ويسكي في يده،
ملامحه متصلبة، عيناه محمّلتان بجنون لا يهدأ.
على الأريكة خلفه تجلس امرأة…
ساق فوق ساق، كارلا
ابتسامة باردة، عيون تلمع خبثًا.
امرأة تعرف كيف تبتسم وهي تطعن.
ترتشف كارلا من كأسها ببطء، تراقبه دون أن تقاطعه.
كارلا (بنبرة ناعمة خبيثة):
– من طريقة وقفتك قدّام الشباك…
– واضح إن اسم زياد لسه بيحرقك.
يشد مراد على الكأس حتى تكاد تنكسر.
مراد (بصوت منخفض مسموم):
– زياد ما خسرش كفاية.
– عاش… وهو فاكر نفسه انتصر.
– خد مني كل حاجة…
– اسمي، سمعتي، أولادي،
– وطلع نفسه ملاك!
تضحك كارلا ضحكة قصيرة.
كارلا:
– والملاك دلوقتي محمي…
– عيلة، مخابرات، أصدقاء.
– حتى الساندرو نفسه بدأ يزهق منك.
يلتفت مراد لها فجأة، عينه تلمع بجنون.
مراد (بحدة):
– الساندرو ما يخوفنيش.
– اللي يخوفني إن الوقت بيخلص.
تنهض كارلا، تمشي ببطء نحوه.
كارلا:
– عشان كده…
– لازم ضربة واحدة.
– سريعة.
– توجّع.
تقترب أكثر.
كارلا (بهمس):
– أكتر حاجة توجع الراجل…
– مش فلوسه.
– ولا اسمه.
– ولاده.
يبتسم مراد ابتسامة مرعبة.
مراد:
– ليل.
تسكت كارلا لحظة، ثم ترفع حاجبها.
كارلا:
– مرات عاصم؟
– بنت زياد المدللة؟
يضرب مراد الكأس على الطاولة بقوة.
مراد:
– هي مفتاحهم كلهم.
– زياد، أدهم، آدم،
– وحتى عاصم نفسه.
يمشي ذهابًا وإيابًا.
مراد (بعصبية):
– أنا اللي خلّيته يخطفها قبل كده.
– وأنا اللي أقدر أعملها تاني…
– بس المرة دي…
– مش سبع شهور.
تنظر له كارلا بتمعّن.
كارلا:
– انت عايزها رهينة؟
يلتفت لها، يبتسم.
مراد:
– لا.
– عايز زياد يعيش كل ثانية وهو حاسس إنه فقدها.
– عايزه يشوفها تتكسر…
– قدّامه.
تتقدم كارلا خطوة، تضع يدها على صدره.
كارلا (بارد):
– ده خطر.
– ولو الساندرو عرف…
يمسك مراد معصمها بقوة.
مراد:
– الساندرو لو قرر يخلص مني…
– أنا هكون خلصت منهم الأول.
تسحب يدها بهدوء، تبتسم.
كارلا:
– طيب…
– عايزها تتاخد إزاي؟
تلمع عينا مراد.
مراد:
– مش خطف تقليدي.
– حادث.
– اختفاء.
– حاجة تخليهم يدوّروا…
– وما يلاقوش.
يصمت لحظة، ثم يضيف بسمّ:
مراد:
– زي ما عملت في رائد.
تتجمد كارلا للحظة… ثم تهز رأسها ببطء.
كارلا:
– إنت مش عايز تنتقم…
– إنت عايز تحرق الدنيا.
يضحك مراد ضحكة منخفضة مرعبة.
مراد:
– الدنيا اتحرقت من زمان.
– دلوقتي دورهم.
********************
صمت ثقيل يسقط بعد جملة مراد الأخيرة.
كارلا تنظر إليه مطولًا… ليس خوفًا، بل فضولًا قاتلًا.
تتقدم خطوتين، تميل بجسدها على ظهر الكرسي المقابل له.
كارلا (بصوت هادئ لكن حاد):
– على فكرة…
– دايمًا كنت عايزة أسألك.
يرفع مراد حاجبه دون أن يلتفت.
مراد:
– عن إيه؟
كارلا:
– رائد.
تتصلب كتفاه لحظة… بالكاد ملحوظة.
كارلا:
– الكل بيقول إنه مات في مهمة.
– انفجار… فشل… ضحايا.
– قصة نظيفة زيادة عن اللزوم.
يلتفت لها ببطء.
نظرة قاتمة، قديمة، كأنها خرجت من قاع بئر.
مراد:
– وإنتِ مصدقة القصص؟
تبتسم بخبث.
كارلا:
– أنا مراتك…
– السرّية.
– يعني أكتر واحدة المفروض ما تكذبش عليها.
يصمت مراد.
يعود للنافذة، يضع يده على الزجاج.
مراد (بصوت منخفض):
– رائد كان غلطة.
تتسع عينا كارلا قليلًا.
كارلا:
– غلطة إزاي؟
يشرب مراد رشفة طويلة، ثم يضحك… ضحكة بلا أي مرح.
مراد:
– لأنهم ربّوه غلط.
– زياد…
– أدهم…
– حتى خالد.
تشد كارلا على الكرسي.
كارلا:
– تقصد إيه؟
يبدأ مراد الكلام، وكأنه يفتح قبرًا قديمًا.
فلاش ذكريات – بصوت مراد
مراد:
– من أيام الجامعة…
– وأنا دايمًا في ضلّهم.
يلتفت فجأة، صوته يعلو قليلًا.
مراد:
– زياد!
– الطالب المثالي…
– ابن العم اللي بابا يشوفه أحسن مني!
يضرب بيده على الطاولة.
مراد:
– عبد الرحمن…
– كان يشوف زياد ابنه الحقيقي.
– وأنا؟
– فاشل.
– عبء.
كارلا تتابع دون مقاطعة.
مراد:
– خالد…
– أدهم…
– أوائل الدفعة.
– شغل، طموح، نجاح.
– وأنا؟
– أعيد سنة ورا سنة.
يبتسم بمرارة.
مراد:
– حتى حور…
– كنت فاكر إنها ليا.
ترفع كارلا حاجبها.
كارلا:
– حور؟
مراد:
– طلعت بتحب زياد.
– واتجوزته.
تضحك كارلا ضحكة قصيرة ساخرة.
كارلا:
– فبقى الحقد حبّس؟
ينظر لها بحدة.
مراد:
– بقى نار.
يتحرك مراد في الغرفة، خطواته ثقيلة.
مراد:
– دخلنا شركة سوا.
– هما بدأوا من الصفر.
– وأنا داخل بشركة أبويا.
يتوقف.
مراد (بغضب):
– وبرضه فشلِت.
– لأنهم أنجح.
– أنضف.
– أقوى.
تقترب كارلا خطوة.
كارلا:
– وخالد؟
يتغير وجه مراد… قسوة باردة.
مراد:
– خالد كان لازم يختفي.
يصمت لحظة، ثم يقول بلا أي ندم:
مراد:
– مكابح.
– تعديل بسيط.
تشهق كارلا شهقة خفيفة، لكنها لا تتراجع.
كارلا:
– ومريم؟
مراد:
– خسائر جانبية.
تضع يدها على فمها، ثم تبتسم ببطء.
كارلا:
– وخلّفت وراك تلات أيتام.
يبتسم مراد.
مراد:
– عاصم…
– رائد…
– وربى.
يتنهد.
مراد:
– زياد وحور وأدهم وجميلة…
– حضنوهم.
– ربّوهم.
صوته يتحول إلى سخرية.
مراد:
– وربّوا رائد…
– على الشرف.
العودة للحاضر
كارلا تميل برأسها.
كارلا:
– وهو دخل المخابرات.
يهز مراد رأسه.
مراد:
– وغبي كفاية يدور ورا الحقيقة.
تقترب أكثر.
كارلا:
– لحد ما لقاك.
تتقلص شفتا مراد.
مراد:
– واجهني.
– بعينيه…
– كان شايفني قاتل أبوه.
يصمت لحظة.
مراد (بغضب مكبوت):
– نسِي إني اللي ربّيته!
– نسِي إني كنت أبوه بعد خالد!
تسأله كارلا بهدوء قاتل:
كارلا:
– فقررت تموته؟
يرفع مراد إصبعه.
مراد:
– لا.
– قررت أخلص منه.
ينظر لها نظرة مظلمة.
مراد:
– انفجار.
– فرقة كاملة.
– رامي…
– جواد…
– دم، نار، فوضى.
يبتسم.
مراد:
– وهو؟
– مات هناك.
تحدّق كارلا فيه.
كارلا:
– وإنت مصدق؟
يصمت مراد لحظة أطول من اللازم.
مراد (ببرود مصطنع):
– طبعًا.
لكن في عينيه…
شكّ.
تضحك كارلا بخفة.
كارلا:
– يمكن عشان كده مستعجل على ضربة زياد.
– حاسس إن الأشباح بتقرب.
يشد مراد على فكه.
مراد:
– آدم العطار…
– طول عمره شايفني.
– من أول يوم جامعة.
ينظر لها.
مراد:
– آدم…
– ورائد…
– وليل.
يبتسم ابتسامة شيطانية.
مراد:
– كلهم لازم يختفوا.
تضع كارلا يدها على كتفه.
كارلا (بهمس):
– والظلام؟
– مستعد تمشي فيه للآخر؟
ينظر لها، عينه تلمع.
مراد:
– أنا عمري ما طلعت منه.
**********************
الجو مشحون…
مراد ما زال واقفًا قرب النافذة، بينما كارلا خلفه بخطوة واحدة فقط.
قريبة بما يكفي ليشعر بأنفاسها… وبعيده بما يكفي ليخاف نواياها.
كارلا تبتسم ابتسامة صغيرة، بطيئة…
ابتسامة امرأة تعرف أكثر مما تقول.
كارلا (بصوت ناعم جدًا):
– قولي يا مراد…
يلتفت نصف التفاتة.
مراد:
– إيه؟
تميل برأسها قليلًا، وكأنها تفكر في سؤال بريء.
كارلا:
– لو…
– بس لو يعني…
تتوقف عمدًا.
مراد (بنفاد صبر):
– لو إيه؟
تقترب خطوة.
تتكلم ببطء قاتل.
كارلا:
– لو رائد…
– ما ماتش.
الصمت يضرب الغرفة كرصاصة.
مراد يضحك فجأة.
مراد (ساخرًا):
– حلوة.
– بقى أشباح دلوقتي؟
كارلا لا تضحك.
تنظر إليه مباشرة.
كارلا:
– أنا بسأل.
– ما قلتش إنه حي.
يتجمد ضحكه.
مراد:
– انفجار دمّر فرقة كاملة.
– مفيش حد يطلع حي.
ترفع كتفيها بخفة.
كارلا:
– المخابرات بتعرف تعمل معجزات.
– مش كده؟
يشد مراد فكه.
مراد:
– تقصدي إيه؟
تدور كارلا حوله ببطء… كأنها مفترس.
كارلا:
– أقصد…
– لو كان حي فعلًا.
تتوقف أمامه.
كارلا (بهمس):
– إنت هتعمل إيه؟
عيناه تظلم.
مراد:
– أدفنه بنفسي.
تبتسم…
لكن ابتسامتها ليست إعجابًا، بل تسلية.
كارلا:
– بنفس الطريقة؟
تقترب أكثر.
كارلا:
– انفجار؟
– ولا مواجهة؟
يتنفس مراد بحدة.
مراد:
– رائد لو حي…
– يبقى فاكر نفسه بطل.
تضحك ضحكة خفيفة.
كارلا:
– وهو فعلًا كان شايف نفسه كده.
تلمع عينا مراد.
مراد:
– كان بيبصلي كأني وحش.
تميل كارلا برأسها.
كارلا:
– يمكن لأنه شاف الحقيقة.
يصمت مراد ثانية أطول.
مراد (بحدة):
– الحقيقة بيد اللي يعيش.
تضع كارلا يدها على الطاولة، تنحني قليلًا.
كارلا:
– بس الحقيقة أحيانًا…
– بترفض تموت.
يراقبها مراد بقلق لم يعترف به من قبل.
مراد:
– ليه السؤال ده دلوقتي؟
ترفع حاجبها ببراءة مصطنعة.
كارلا:
– فضول زوجة.
– ولا ده ممنوع؟
تقترب من وجهه.
كارلا (بصوت منخفض):
– ولا يمكن…
– عشانك خايف؟
ينفجر غضبه.
مراد:
– أنا ما بخافش من حد!
تضحك بهدوء.
كارلا:
– أكتر ناس بتقول الجملة دي…
– هم أكتر ناس خايفين.
يمد يده ويمسك ذراعها بقوة.
مراد:
– لو رائد حي…
– مش هيشوف شمس يوم واحد.
لا تسحب ذراعها.
تنظر ليده، ثم لعينيه.
كارلا (بهدوء مرعب):
– جميل.
تقترب أكثر حتى تلامس جبهته.
كارلا:
– يبقى خلّيك مستعد.
يقطب حاجبيه.
مراد:
– مستعد لإيه؟
تبتسم ابتسامة باردة…
ابتسامة من يعرف السر ولا ينوي مشاركته.
كارلا:
– لأي مفاجأة.
تفلت ذراعها بهدوء، تتجه نحو غرفة النوم.
وقبل أن تختفي، تقول دون أن تلتفت:
كارلا:
– بالمناسبة…
– الأشباح لما ترجع،
– ما بترجعش لوحدها.
يظل مراد واقفًا مكانه.
النافذة أمامه…
لكن انعكاسه في الزجاج لم يعد واثقًا كما كان.
الشك دخل.
ولن يخرج بسهولة.
**********************
في سويسرا – حديقة المشفى –
رائد يجلس على مقعد خشبي، معطفه مفتوح قليلًا،
ينظر إلى يديه كأنهما لا تخصّانه.
رامي يجلس بجانبه، ليس قريبًا جدًا ولا بعيدًا.
يعرف هذه المسافة…
مسافة من يخاف أن يضغط على جرح لا يراه.
صمت طويل.
رائد (بصوت منخفض):
– المكان هنا هادي قوي…
– زيادة عن اللزوم.
يبتسم رامي بخفة.
رامي:
– الهدوء أحيانًا علاج…
– وأحيانًا عقاب.
يلتفت رائد إليه.
رائد:
– إنت دايمًا بتتكلم كده؟
رامي (مازحًا):
– لما أبقى قلقان… آه.
يصمت رائد ثانية، ينظر للأشجار.
رائد:
– إنت قلتلي إننا صحاب.
رامي:
– أكتر من صحاب.
يرفع رائد حاجبيه.
رائد:
– طب ليه مش حاسس؟
– المفروض أحس بحاجة… أي حاجة.
يتنفس رامي ببطء.
رامي:
– الإحساس مش دايمًا بييجي مع الذاكرة.
– أحيانًا بييجي قبلها… أو بعدها.
ينظر رائد للأرض.
رائد:
– أنا كل يوم بصحى…
– وحاسس إني ضيف في جسمي.
تشد ملامح رامي للحظة، ثم يخفيها.
رامي:
– كنت دايمًا بتكره الإحساس ده.
يلتفت رائد بسرعة.
رائد:
– يعني…
– ده كان بيحصل قبل كده؟
يتدارك رامي.
رامي:
– أقصد…
– ما كنتش بتحب تحس إنك تايه.
يهز رائد رأسه، غير مقتنع تمامًا.
رائد:
– بحس إن في حاجة ناقصة.
– مش ذكرى…
– حاجة أكبر.
ينظر لرامي بتركيز.
رائد:
– إنت متأكد إنك مش مخبي عليّا حاجة؟
الصمت هذه المرة أثقل.
رامي ينظر أمامه، لا إلى رائد.
رامي:
– متأكد إني لو قلت حاجة غلط…
– هتتعب.
رائد (بابتسامة شاحبة):
– أنا تعبان أصلًا.
يلتفت رامي إليه أخيرًا.
رامي:
– بس لسه عايش.
– ولسه بتضحك.
– ولسه بتبص للناس بنظرة طيبة.
يبتسم رائد بسخرية خفيفة.
رائد:
– الطيبة دي ملهاش تاريخ؟
يضحك رامي ضحكة قصيرة.
رامي:
– للأسف…
– تاريخ طويل.
ينظر رائد بعيدًا، ثم يقول فجأة:
رائد:
– إيلينا…
يستدير رامي نحوه فورًا، لكن دون توتر ظاهر.
رامي:
– مالها؟
رائد (مترددًا):
– لما بتدخل الأوضة…
– بحس إني بأمان.
يصمت قليلًا.
رائد:
– وده غريب…
– لأني ما فاكرهاش من قبل.
يرتاح رامي قليلًا.
رامي:
– الأمان مش محتاج ذاكرة.
ينظر رائد إليه بعينين متعبتين.
رائد:
– إنت شايفني مين دلوقتي يا رامي؟
– مريض؟
– ولا واحد تاني؟
يفكر رامي لحظة.
رامي:
– شايفك راجل بيحاول يفهم نفسه من جديد.
– وده أصعب من أي مرض.
يسود صمت دافئ.
يمر مريض آخر مع ممرضة، ضحكة خافتة في الخلفية.
رائد (بصوت خافت):
– لو…
– لو افتكرت؟
يبتلع ريقه.
رائد:
– هبقى مبسوط؟
رامي لا يجيب فورًا.
ثم يقول بهدوء صادق:
رامي:
– هتبقى قوي.
– وده أحيانًا أصعب من السعادة.
ينظر رائد إليه طويلاً.
رائد:
– أنا واثق فيك…
– رغم إني ما عارفكش.
تبتسم عينا رامي، وفيهما شيء يشبه الوجع.
رامي:
– وده كفاية دلوقتي.
ينهض رائد ببطء.
رائد:
– نرجع جوه؟
– الجو برد.
يقف رامي معه.
رامي:
– زي ما كنت دايمًا تقول…
– “اللي جاي أهم من اللي فات”.
يتوقف رائد فجأة.
رائد:
– أنا قلت كده؟
يتجمد رامي لحظة…
ثم يبتسم بهدوء.
رامي:
– آه.
– وكنت مصدقها.
يسيران معًا نحو باب المشفى.
رائد مشتّت…
ورامي يعرف أن كل خطوة هادئة الآن
هي حرب مؤجلة مع الحقيقة.
**********************
في مصر – جامعة خاصة – كافتيريا الجامعة – منتصف النهار
ضجيج الطلبة، ضحكات، فناجين قهوة، موسيقى خافتة.
لكن عند الطاولة القريبة من الزجاج…
الصمت أثقل من كل ذلك.
ليل تجلس، كوب القهوة بين يديها، لم تشرب منه.
نظرتها ثابتة، لكنها ليست هنا.
(داخل ليل)
«كان صوته مكسور… عاصم ما بيكسرش بسهولة.»
«كان طفل سعيد… أخ كبير… ضحك في حديقة بيت بابا.»
«رائد… مات؟ ولا مات جواهم بس؟»
«إزاي صدق إن بابا قاتل؟ إزاي صدق و خطفني؟»
ترمش فجأة، كأنها تعود من مكان بعيد.
زين يجلس مقابِلها، ساقه تهتز بلا توقف، يحدّق في هاتفه المغلق.
يمرر أصابعه على الشاشة دون أن يفتحها.
(داخل زين)
«نادين…»
«أمي اختفت فجأة.»
«مش سافرت سياحة… سافرت حرب.»
«مخابرات، أوروبا، ملفات… و ولا رسالة.»
«حتى بابا ما بيقولش غير: شغل.»
يزفر بحدة، ثم يرفع رأسه فجأة.
سليم الشرقاوي يجلس بجانب رؤى، كتفاه مشدودتان،
يمسك هاتفه، رسالة مفتوحة:
Victor Müller – International Criminal Lawyer
“We can reopen the case. But you must be ready.”
يضغط سليم على الشاشة بقوة حتى تكاد تنكسر.
(داخل سليم)
«أب؟»
«ده مش أب… ده عار.»
«قتل… دمّر… شر.»
«لو العدالة بطيئة… أنا لأ.»
رؤى تراقبه من طرف عينها.
وجهه الذي كانت تحبه صار قاسيًا… غريبًا.
(داخل رؤى)
«مش ده سليم اللي كنت أعرفه.»
«مش ضحكته… مش صوته.»
«الكره ده هيبلعه.»
«و أنا؟ هفضل جنبه ولا هضيع معاه؟»
تمد يدها ببطء، تتردد… ثم تسحبها.
الصمت يستمر.
زين يقطعه فجأة، بنبرة خفيفة لكنها متعبة:
زين:
– هو إحنا اتفقنا نسكت…
– ولا الصمت ده حصل لوحده؟
ترفع ليل عينيها ببطء.
ليل (بهدوء):
– في حاجات…
– الكلام عنها بيخوف أكتر من السكوت.
يهز زين رأسه.
زين:
– أمي مختفية…
– و أنا مش عارف أزعل ولا أفتخر.
تنظر له ليل، تتفهم.
ليل:
– أحيانًا الناس بتمشي…
– عشان تحمينا.
يضحك زين بسخرية قصيرة.
زين:
– أو عشان تحارب…
– و تسيبنا نتفرج.
ينظر سليم إليهما، يتدخل فجأة بنبرة حادة:
سليم:
– في ناس ما ينفعش نسيبها تعيش.
– مهما كان الثمن.
تلتفت رؤى إليه بسرعة.
رؤى:
– سليم…
ينظر لها، عينيه مظلمتان.
سليم:
– إنتِ شايفة اللي حصل؟
– ده مش خطأ…
– ده تاريخ دم.
تبلع ريقها.
رؤى:
– بس الكره مش حل.
يبتسم بسخرية جارحة.
سليم:
– أومال إيه الحل؟
– نسامح؟
– نعمل نفسنا مش شايفين؟
تخفض رأسها.
رؤى (بصوت منخفض):
– نخاف…
– بس منتحولش للي بنكرهه.
تسود لحظة صمت ثقيل.
ليل تضع الكوب على الطاولة أخيرًا.
ليل:
– عاصم قال لي امبارح…
– إن الكذب ممكن يبني حياة كاملة.
– و الحقيقة…
– ممكن تدمّرها.
ينظر الجميع إليها.
زين:
– و إنتِ؟
– عايزة الحقيقة؟
تفكر، ثم تجيب بصوت صادق:
ليل:
– عايزة أعيش…
– من غير ما أكره.
ينظر سليم بعيدًا.
سليم:
– أنا لأ.
يقف فجأة، يحمل حقيبته.
سليم:
– لو العدالة نايمة…
– حد لازم يصحيها.
ينصرف.
رؤى تتابعه بعينيها، لا تلحقه.
رؤى (بهمس):
– يا رب ما يضيعش.
زين ينظر إليها، ثم إلى ليل.
زين (بنبرة أخف):
– واضح إننا كلنا في امتحان…
– بس مش في المنهج.
تبتسم ليل ابتسامة باهتة.
ليل:
– و لا في الكافتيريا.
تمر مجموعة طلبة تضحك، الحياة مستمرة…
بينما الأربعة يعرفون أن شيئًا ما
بدأ يتصدع من الداخل.
*********************
إيطاليا – فندق فاخر مطل على البحر – جناح خاص – منتصف الليل
الغرفة مضاءة بنور خافت ذهبي.
الستائر نصف مفتوحة، والبحر في الخارج ساكن… هادئ أكثر من اللازم.
نادين تقف أمام المرآة.
شعرها مرفوع بإتقان عسكري، ثوب أسود بسيط، بلا مجوهرات.
وجهها جميل… لكن عينيها؟
عيني امرأة عاشت أكثر مما ينبغي.
ترفع يدها ببطء، تلمس ندبة صغيرة قرب عنقها.
تبتسم.
نادين (بهمس):
– أمس…
– كنت واقفة قدامه.
ينعكس في المرآة طيف رجل إيطالي أنيق… الساندرو.
صوته يتردد في ذاكرتها:
(صوت الساندرو – ذكرى):
– “Odiare così… non è debolezza. È memoria.”
(الكراهية بهذا العمق… ليست ضعفًا، بل ذاكرة.)
تضحك نادين.
ضحكة قصيرة… باردة… مرعبة.
نادين:
– ذاكرة؟
– لأ… ده تاريخ دم.
تستدير، تتجه نحو الطاولة، تفتح درجًا سريًا.
تخرج صورة قديمة…
رجل بزي لواء مخابرات.
وجه صارم… نظرة أبوية.
نادين (صوتها يلين لحظة):
– بابا…
تغلق عينيها.
(فلاش باك – متقطع):
صوت رصاص.
ملف يُغلق بعنف.
خبر عاجل.
اسم واحد يتكرر: مراد.
تفتح عينيها بعنف.
نادين (بغضب مكتوم):
– قتلت جليل نادين.
– قتلت اسمي.
– و فاكر إنك كده خلصت؟
تضع الصورة جانبًا، تلتقط كأس ماء… لا تشرب.
تنظر للبحر.
نادين:
– عمرك ما اكتفيت، صح؟
– دايمًا عينك على اللي في إيد غيرك.
تتذكر…
حور.
مريم.
جميلة.
تشد قبضتها.
نادين:
– نساء شريفات…
– و إنت؟
– ذئب جبان.
تضحك مجددًا… أطول هذه المرة.
نادين (بسخرية):
– حتى أنا…
– حاولت تمتلكني.
تتغير نبرتها.
تصبح أخفض… أخطر.
نادين:
– و كسرت بيتي.
– كسرتني قدام آدم.
تتجه للسرير، تجلس، تحدق في الفراغ.
نادين:
– صدقك…
– و أنا سكتّ عشان ابني.
تغمض عينيها.
نادين (بألم):
– زين…
– ما يعرفش إن أبوه و أمه اتفرقوا بسبب شيطان.
تفتح عينيها فجأة.
نادين (بحدّة):
– بس دلوقتي يعرف.
تنهض، تتجه للمرآة مجددًا.
تنظر لنفسها مطولًا… ثم تبتسم ابتسامة غير إنسانية.
نادين:
– الدولة مسكتك… و سابتك.
– القانون حبسك… و طلّعك.
تقترب من المرآة حتى يكاد أنفاسها تضرب الزجاج.
نادين (بهمس مخيف):
– بس أنا؟
– أنا مش دولة…
– ولا قانون.
تخرج هاتفًا مشفّرًا، تنظر لاسم محفوظ بدون اسم…
رقم فقط.
لا تتصل.
تغلق الشاشة.
نادين:
– لسه بدري.
تستدير نحو البحر، تفتح الشرفة.
الهواء يصفع وجهها.
نادين (بصوت ثابت، قاتل):
– يا مراد…
– كل اللي خدتهم مني، هرجعهم.
– مش بالعدالة…
– بالقصاص.
تضحك.
ضحكة بطيئة، عميقة، تجعل الغرفة أبرد.
نادين:
– و لما أمسك قلبك…
– هفهمك حاجة واحدة متأخرة.
تتوقف، تنظر للظلام.
نادين (بهدوء مرعب):
– إن في ناس…
– ما ينفعش تلعب معاهم.
الستارة تتحرك مع الهواء.
البحر ما زال هادئًا.
لكن في مكان ما…
مراد يقترب من نهايته
ولا يدري أن المرأة التي كسرها يومًا
هي التي ستنهيه.
***********************
في مصر – مخزن مهجور على أطراف المدينة – ليل
ضوء أصفر متقطع يتدلّى من سقف مرتفع متآكل.
المكان رائحته صدأ وزيت قديم.
في المنتصف…
نديم
مربوط إلى كرسي حديدي، يديه خلف ظهره، رأسه منخفض، يتنفس بصعوبة.
أمامَه يقف عاصم.
ساكن…
سكون مرعب.
على الجانبين:
سليم القيصري يضم ذراعيه، نظراته باردة.
بيجاد يقف متوترًا، فكه مشدود، عيونه تحرق نديم حرقًا.
صوت خطوات عاصم يقترب ببطء.
عاصم (بهدوء مخيف):
– تفتكر…
– أنا لما كنت ببص لك، كنت شايف إيه؟
يرفع نديم رأسه قليلًا، يحاول التظاهر بالقوة.
نديم (بصوت مبحوح):
– كنت شايف صاحبك…
لكمة مفاجئة
رأس نديم يرتد للخلف بقوة.
عاصم (بصراخ انفجر فجأة):
– لاااا!
– كنت شايف سمّ!
يتقدم خطوة أخرى.
عاصم:
– سم دخل حياتي.
– سم خلاني أشك في راجل ربّاني.
– سم خطف بنت مالهاش ذنب.
يقترب أكثر، ينحني حتى يكون وجهه أمام وجه نديم.
عاصم (باحتقار):
– كنت بتبص في عيني وتكذب.
– بتتكلم عن رائد… وانت عارف إنه بريء.
نديم يبلع ريقه.
نديم:
– أنا… أنا كنت بنفّذ بس.
بيجاد (بغضب):
– تنفّذ؟
– وانت بتقول لي إن عاصم وافق يجوز أختُه ليك؟
– كنت هتسرق بنت مشلولة يا قذر!
يضربه بيجاد بقبضة في بطنه.
نديم يصرخ.
نديم (باهتزاز):
– والله… والله ما كنت عايز!
سليم (ساخرًا ببرود):
– ما كنتش عايز؟
– وانت بتحاول تدخله في مخدرات؟
– وانت بتلفّق له قضايا؟
ينظر سليم لعاصم.
سليم:
– ده مش غلط…
– ده مشروع سقوط كامل.
عاصم يضحك… ضحكة قصيرة، مكسورة.
عاصم:
– تعرف أكتر حاجة بتقهر؟
– إني كنت ضعيف كفاية أصدّقك.
يمسكه من قميصه بعنف.
عاصم (بغليان):
– كنت بتقولي زياد قتل رائد.
– كنت بتقولي إن الانتقام هو الحل.
– كنت بتقولي إن الغدر رجولة.
يضربه مرة أخرى.
ثم مرة.
سليم يمسك بذراعه.
سليم:
– عاصم… خلّيه يتكلم.
عاصم يتنفس بصعوبة، يتراجع خطوة.
عاصم (بصوت منخفض قاتل):
– اتكلم.
– قول الاسم… مع إنّي عارفه.
نديم ينهار.
دموع، أنفاس متقطعة.
نديم (منهار):
– مراد…
– مراد الشرقاوي.
بيجاد يضحك بمرارة.
بيجاد:
– مفاجأة عمرنا.
نديم يسرع بالكلام.
نديم:
– هو اللي قال لي أقرّب منك.
– قال لي أزرع الشك.
– قال لي أخلّيك تشوف زياد شيطان.
ينظر لعاصم برجاء.
نديم:
– كان بيدفع كويس…
– وكان بيهددني.
عاصم يقترب ببطء.
عاصم:
– و أنا؟
– لما كنت بتدمرني، كنت بتهددك؟
يهز نديم رأسه بخوف.
نديم:
– لأ…
– انت كنت ضحية سهلة.
صمت ثقيل.
عاصم يرفع رأسه، عيناه تلمعان بوحشية.
عاصم (بهدوء مرعب):
– آخر مرة حد يقول عليّا ضحية.
يضربه ضربة أخيرة، ثم يستقيم.
عاصم (لسليم):
– خلّيه صاحي.
ثم ينظر لبيجاد.
عاصم:
– ده مش حساب…
– ده بس بداية.
ينظر لنديم نظرة احتقار خالصة.
عاصم:
– انت ولا حاجة.
– مراد هو الهدف.
يتجه نحو الباب.
قبل أن يخرج، يلتفت.
عاصم:
– و صدّقني…
– اللي جاي هيخلّيك تتمنى إنك ما كنتش عرفتنا.
الباب المعدني يُغلق بصوتٍ مدوٍّ.
نديم يبقى وحيدًا…
يرتجف.
والظلام يبتلعه.
************************
نديم يترنّح على الكرسي، وجهه متورم، أنفاسه متكسّرة.
عاصم يقف أمامه… لم يعد يرى شيئًا.
العالم كله اختفى.
بقي الذنب… والغضب.
عاصم (بصوت مكسور مجنون):
– انت مش إنسان…
– انت أقل من تراب الجزمة اللي كنت بتمشي بيها وانا مصدقك.
يضربه مرة أخرى.
سليم يحاول الإمساك بذراعه.
سليم:
– عاصم خلاص!
– كفاية!
عاصم يزيحه بعنف.
عاصم (صارخًا):
– سيبني!
– ده دمر حياتي!
بيجاد يقترب، يحاول أن يوقفه.
بيجاد:
– لو قتلته…
– مراد كسب.
عاصم يضحك ضحكة هستيرية.
عاصم:
– مراد كسب من زمان!
يخرج السلاح من حزامه فجأة.
الجو يتجمّد.
نديم يصرخ، صوته يخرج مبحوحًا.
نديم (منهارًا):
– لا… لا والله أنا عبد مأمور!
– هو اللي قال!
– مراد قال لي أدمّرك!
السلاح يرتجف في يد عاصم.
عيناه حمراوان… دمع وغضب.
عاصم (بهمس قاتل):
– وأنا هخلّص العالم من قذارتك.
يحاول سليم الإمساك بالسلاح.
بيجاد يمسك بذراع عاصم.
سليم (بصرخة):
– عاصم! افتكر ليل!
لكن عاصم لا يسمع.
يرفع السلاح…
وفجأة—
يد قوية، ثابتة، تمسك بيده من الخلف.
بحركة خاطفة…
السلاح يُنتزع.
صوت غاضب يهدر في المكان:
زياد:
– كفاية!!
الجميع يتجمّد.
عاصم (مصدوم):
– زي… زياد؟!
سليم وبيجاد ينظران بذهول.
بيجاد:
– ازاي…؟
– ازاي عرفت المكان؟!
زياد يتقدم، وجهه متصلّب، عيناه تحترقان.
زياد:
– أبوك الروحي ما بيتأخرش لما ابنه يضيع.
ينظر لنديم باحتقار، ثم يعود بعينيه لعاصم.
زياد (بغضب شديد):
– كنت هتضيع نفسك عشان إيه؟
– عشان كلب مذلول؟
– عشان واحد مراد رماه زي الخرقة؟
عاصم ينفجر.
عاصم (بقهر):
– انت مش فاهم!
– ده خلاني أكرهك!
– خلاني أصدق إنك قاتل!
صوته ينكسر.
عاصم:
– ده خلاني أخطف بنتك…
– كنت هدمّرها…
– كنت هدمّر نفسي.
زياد يقترب منه ببطء…
ثم يضع يده على كتفه.
زياد (بصوت أهدأ لكنه حازم):
– وأنا سامحتك من أول لحظة.
– لأني عارفك…
– وعارف إن اللي حصل ده مش انت.
عاصم ينظر له، عينيه تلمعان بالدموع.
زياد:
– بس لو كنت قتلت نديم…
– كنت ضيّعت كل حاجة.
– وكنت سيبت ليل على ذمة مجرم… مش راجل.
عاصم يرتجف.
عاصم (بصوت منخفض):
– أنا بحبها…
– والله بحبها.
زياد يبتسم ابتسامة حزينة دافئة.
زياد:
– وأنا شُفت ده بعيني دلوقتي.
يلتفت لسليم وبيجاد.
زياد:
– خدوا الكلب ده.
– هيتسلّم بالطريقة الصح.
ثم يعود لعاصم.
زياد (بحزم أبوي):
– مراد… أنا وهو حسابنا طويل.
– ولما نخلص من شره؟
يصمت لحظة، ثم يقول بثقة:
زياد:
– هاعمل لك ولليل فرح يهز البلد.
– وتبقى جوزها…
– رسمي، قدّام الناس كلها.
عاصم ينهار.
يمسك يد زياد بقوة.
عاصم (بصوت مكسور ممتن):
– سامحني… يا بابا.
زياد يشدّه إلى صدره.
زياد:
– طول ما انت راجل…
– عمرك ما تخاف من الغلط…
– تخاف بس من إنك تسيبه يكملك.
نديم يُسحب بعيدًا.
الظلام ينسحب قليلًا…
ويظهر خيط نور.
*********************
في الجامعة – قبيل الغروب
ساحة الجامعة بدأت تفضى.
السماء مائلة للبرتقالي، والهواء أخفّ من المعتاد… لكنه مشحون.
ليل تجمع كتبها داخل حقيبتها، شاردة قليلًا.
رؤى تقفل زجاجة الماء.
رؤى (بتنهيدة):
– نطلع؟ بابا مستنيني.
زين (وهو يقف):
– أخيرًا… دماغي هتنفجر من المحاضرات دي.
سليم كان ساكت. عينيه على الأرض، ذهنه بعيد.
ليل (مبتسمة بخفة):
– يلا.
وقبل أن تتحرك…
صوت أنثوي ناعم، متردد:
الفتاة:
– ليل… لو سمحتي؟
ليل تلتفت.
فتاة في نفس عمرها تقريبًا، مظهرها بسيط، ابتسامة ودودة زيادة عن اللزوم.
ليل:
– أيوه؟
الفتاة (بخجل مصطنع):
– أنا اسمي مروة…
– دكتورة المادة طلبت مني أسألك عن البحث، قالت إنك شاطرة فيه.
ليل تتردد لحظة.
رؤى (بارتياب خفيف):
– البحث؟ مش الدكتورة قالت الأسبوع الجاي؟
مروة (سريعًا):
– آه… بس هي مستعجلة شوية.
تنظر حولها بتوتر، ثم تخفض صوتها.
مروة:
– ممكن نمشي دقيقتين؟ المكان هنا زحمة.
ليل تنظر لرؤى وزين.
ليل:
– خمس دقايق وراجعة.
زين (ضاحك):
– ما تتأخريش… مش ناقصين مصايب.
ليل تبتسم، ثم تمشي مع مروة.
ممر جانبي خلف مباني الجامعة
الضجيج يخفّ.
الخطوات يتردد صداها.
ليل بدأت تحس بشيء غير مريح.
ليل (بحذر):
– المكان هنا فاضي قوي…
مروة (بتوتر واضح):
– أيوه… بس أسرع.
تصلان إلى بوابة حديدية نصف مفتوحة، خلفها ساحة مهجورة، أشجار كثيفة ومخزن قديم.
ليل تتوقف فجأة.
ليل:
– لأ…
– احنا مش هنكمل.
تستدير.
مروة (بحدة مفاجئة):
– استني!
تمسك بذراع ليل.
ليل تحاول الإفلات.
ليل (غاضبة):
– سيبيني!
في تلك اللحظة…
خطوات ثقيلة خلفهما.
رجل طويل، قبعة تخفي نصف وجهه، يقترب بسرعة.
ليل تتراجع بخوف.
ليل (بصوت مرتعش):
– مين ده؟!
مروة تبتلع ريقها، تنظر حولها بقلق.
مروة (بهمس متوتر):
– بسرعة… خلّص.
الرجل يخرج منديلًا مبللًا.
يمسك ليل من الخلف.
ليل (تصرخ):
– رؤى!!
تحاول المقاومة، تضرب، ترفس…
لكن الرائحة تخنق أنفاسها.
ليل:
– لا… لا…
صوتها يضعف.
العالم يبدأ بالدوران.
مروة تنظر حولها بذعر.
مروة:
– أسرع!
– لو حد شافنا إحنا انتهينا!
الرجل يحمل ليل المترنحة.
الرجل (بصوت خشن):
– اتحركي.
ليل عيناها نصف مفتوحتين…
آخر ما تراه:
أضواء الجامعة من بعيد… تختفي.
تسقط حقيبتها على الأرض.
قطع مفاجئ.
قفلة الفصل
في ساحة الجامعة…
رؤى تلتفت فجأة.
رؤى (قلق):
– ليل اتأخرت.
زين ينظر حوله.
زين:
– غريبة… خمس دقايق وعدّت.
سليم ينهض فجأة، قلبه ينقبض بلا سبب.
رواية في قبضة العاصم الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سيليا البحيري
في إيطاليا – فندق فاخر / جناح مراد الخاص – ليلًا
الإضاءة خافتة.
ستائر سوداء نصف مسدلة، والمدينة الإيطالية تتلألأ بعيدًا بلا اكتراث.
مراد يقف أمام النافذة، كأس ويسكي في يده، ظهره مشدود كوتر مشدود على وشك الانفجار.
كارلا تجلس على الأريكة خلفه، ساق فوق ساق، تراقبه بصمت… بعينين حذرتين.
صوت الهاتف يرن.
مراد ينظر إلى الشاشة.
ابتسامة بطيئة، مريضة، ترتسم على شفتيه.
مراد (ببرود قاتل):
– اتكلم.
صوت الخاطف (من الهاتف):
– المهمة تمت…
– البنت معانا.
لحظة صمت.
ثم…
ضحكة.
ليست ضحكة فرح.
ضحكة جنون.
مراد يرمي الكأس على الحائط، يتحطم الزجاج، لكنه لا يرمش.
مراد (يضحك بصوت عالٍ):
– هاهاهاهاها!
– أخيرًا…
– أخيرًا يا زياد!
كارلا تنتفض لا إراديًا.
عيناها تتسعان، لكنّها تجبر نفسها على الثبات.
مراد (بصوت منخفض مخيف):
– قلبه…
– كنت عايز أحرق قلبه من زمان.
الخاطف:
– في مكان آمن، زي ما طلبت.
– محدش شاف حاجة.
مراد:
– ممتاز.
– خليها تتنفس…
– مش عايزها تموت بسرعة.
كارلا تشهق بخفة، تحبس صوتها في صدرها.
مراد (مقاطعًا، بنبرة سادية):
– عايز زياد يحس.
– كل ثانية.
– كل دقيقة.
ينهي المكالمة دون وداع.
الصمت يسقط ككفن.
مراد يستدير ببطء نحو كارلا.
عيناه تلمعان… ليس فيهما أي أثر لإنسان.
مراد (بابتسامة ملتوية):
– شايفة؟
– اللعبة بدأت بجد.
كارلا تحاول التماسك، تبتسم ابتسامة باهتة.
كارلا:
– أنت…
– كنت متأكدة إنك هتنجح.
لكن داخلها…
قلبها يخفق بعنف.
هذا ليس رجلًا.
هذا وحش.
مراد يقترب منها، ينحني قليلًا.
مراد (بهمس):
– زياد فاكر نفسه كسب.
– فاكر إن بنته فأمان.
يضحك مرة أخرى، ضحكة قصيرة، قاسية.
مراد:
– النهاردة…
– هبدأ أدفنه وهو عايش.
كارلا تشعر بقشعريرة تسري في جسدها.
لثانية واحدة… عيناها تكشفان رعبًا حقيقيًا.
لكنها تخفض بصرها بسرعة.
كارلا (بصوت ثابت مصطنع):
– لازم نكون حذرين…
– زياد مش سهل.
مراد يلوّح بيده بلا مبالاة.
مراد:
– ولا أنا.
يعود للنافذة، ينظر إلى الأضواء.
كارلا تنهض ببطء، تتجه نحو غرفتها الداخلية.
وفي داخلها، قرار يُحفر كوشم:
سأبتعد عنه.
هذا الرجل لا يعرف حدودًا.
ومن يبقى قربه… يحترق.
تغلق الباب خلفها بهدوء…
بينما ضحكة مراد تتردد في الجناح كصدى شيطاني.
*********************
في مصر – محيط الجامعة / قرب البوابة الخلفية – بعد الغروب
الجامعة بدأت تفرغ.
الضجيج المعتاد يختفي شيئًا فشيئًا، وتبقى خطوات متقطعة لطلاب متأخرين.
رؤى تقف قرب البوابة، هاتفها في يدها، تضغط على الشاشة للمرة العاشرة.
لا رد.
ترفع الهاتف لأذنها مرة أخرى.
رؤى (بصوت مرتجف):
– ليل… ردّي عليّ… لو سمحتي.
تُنزل الهاتف.
عيناها تدوران في المكان.
رؤى (لنفسها، بقلق):
– مستحيل تتأخر كده…
– هي قالت خمس دقايق بس.
تمر دقيقة.
ثم أخرى.
صوت خطوات يقترب.
زين يظهر من الجهة المقابلة، حقيبته على كتفه.
يلمح رؤى فيتوقف.
زين:
– رؤى؟
– إنتِ لسه هنا؟
ترفع رأسها، ملامحها شاحبة.
رؤى:
– ليل…
– ليل خرجت مع واحدة اسمها مروة، وقالت هرجع حالًا.
يقطّب زين حاجبيه.
زين:
– مروة مين؟
– أنا ما شوفتش حد معاها.
قبل أن تكمل، يصل سليم الشرقاوي مسرعًا، كأنه كان يبحث عنها.
سليم:
– رؤى!
– إنتِ كويسة؟
تنظر إليه…
وفجأة ينهار كل شيء.
رؤى (تنفجر بالبكاء):
– ليل اتأخرت…
– مش بترد…
– أنا حاسة إن في حاجة غلط.
تغطي وجهها بيديها، شهقاتها تقطع الهواء.
سليم لا يتردد.
يخطو خطوة للأمام ويحتضنها بقوة، وكأنه يحاول أن يمنعها من الانهيار.
سليم (بصوت ثابت لكنه قلق):
– اهدي…
– مفيش حاجة حصلت.
لكن عينيه تقولان العكس.
زين يقترب، يضع يده على كتف رؤى.
زين:
– رؤى بصّي لي…
– ليل مش بنت ضعيفة، صح؟
ترفع رأسها ببطء، عيناها محمرتان.
رؤى:
– بس…
– هي عمرها ما تعمل كده.
سليم يشدّها قليلًا إلى صدره.
سليم:
– يمكن تليفونها فصل.
– يمكن اتأخرت في حاجة بسيطة.
يصمت لحظة، ثم ينظر إلى زين نظرة فهم مشترك.
سليم (بصوت أخفض):
– بس إحنا مش هنقف نتفرج.
زين يومئ.
زين:
– أنا هلف حوالين الجامعة.
– وأكلم الأمن.
رؤى تمسك بكم سليم، أصابعها ترتجف.
رؤى:
– بالله عليك…
– ما تسيبنيش لوحدي.
سليم ينظر لها بجدية، نبرة صوته حاسمة.
سليم:
– مش هسيبك.
– ولا هسيب ليل.
تضغط رؤى رأسها على صدره، دموعها تبلل قميصه.
**********************
بعد دقائق
صوت سيارة يتوقف بعجلة.
سيارة أدهم.
ينزل أدهم بسرعة، ملامحه هادئة في البداية، يبحث بعينيه عن رؤى.
أدهم:
– رؤى؟
– يلا يا بنتي… اتأخرنا.
في اللحظة التي تلمح فيها رؤى والدها…
ينهار آخر خيط تماسُك.
رؤى (تصرخ باسمه):
– باباااا!
تركض نحوه، ترتمي في حضنه بقوة، تبكي بحرقة وكأنها طفلة صغيرة.
أدهم يتجمد.
أدهم (بقلق فوري):
– رؤى!
– في إيه؟ حصل إيه؟
ترفع رأسها، عيناها غارقتان بالدموع.
رؤى (بصوت مكسور):
– ليل…
– ليل اختفت يا بابا!
تسقط كلماتها كحجارة.
أدهم يشدّها أكثر، صوته يصبح صارمًا.
أدهم:
– اختفت إزاي؟
– مين كان معاها؟
ينظر إلى زين وسليم اللذين يقفان على مقربة.
أدهم (بحزم):
– إنتو… احكولي بالظبط.
يتقدم زين خطوة، يحاول أن يكون متماسكًا.
زين:
– من حوالي نص ساعة…
– ليل خرجت مع زميلة اسمها مروة.
يتوقف لحظة.
زين (بشك):
– قالت رايحة للأستاذة…
– بس لما سألنا، عرفنا إن الدكتورة مشيت من الجامعة من 3 ساعات.
يتغير وجه أدهم تمامًا.
العروق في عنقه تنتفخ.
أدهم (بغضب منخفض):
– يعني كانت كذبة.
رؤى تمسك بذراع والدها بقوة.
رؤى:
– بابا أنا حاسة بحاجة وحشة…
– قلبي مش مطمّن.
سليم، الذي كان صامتًا طوال الوقت…
ينفجر فجأة.
يضرب بقبضته الحائط القريب.
سليم (بصوت مبحوح غاضب):
– أنا عارف مين عمل كده.
الجميع يلتفت إليه.
أدهم:
– تقصد مين؟
سليم يضحك ضحكة قصيرة، مليئة بالمرارة.
سليم:
– أبوي.
صمت قاتل.
زين (بذهول):
– مراد؟!
سليم يرفع رأسه، عينيه مليئتان بالحقد.
سليم:
– مفيش حد غيره ممكن يعمل حاجة زي دي.
– هو دايمًا يضرب في أضعف نقطة.
أدهم يشتعل.
يتقدم خطوة، صوته يصبح كالرعد.
أدهم (بغضب شديد):
– أقسم بالله لو مسّ شعرة من ليل…
– لأدفنه حي، ومش هيشوف نور الشمس تاني.
رؤى تسمع الاسم…
مراد.
الخوف يتضاعف.
رؤى (بصوت مرتجف):
– بابا…
– هو ممكن يأذيها؟
أدهم ينظر إلى ابنته، ثم يضع يديه على كتفيها.
أدهم (بحزم مطمئن ظاهريًا):
– طول ما أنا عايش؟
– لأ.
ثم يلتفت لزين وسليم.
أدهم:
– كلكم معايا.
– من اللحظة دي، مفيش وقت للانتظار.
زين يومئ.
زين:
– زياد لازم يعرف… فورًا.
سليم يضغط على فكه.
سليم:
– وعاصم.
– لو عرف… الدنيا هتولع.
رؤى تشهق، دموعها تنهمر من جديد.
*******************
في مكان مجهول – شقة فاخرة شبه مظلمة / مساء
الستائر مسدلة.
إضاءة خافتة.
رانيا تجلس أمام مرآة كبيرة، تمسك هاتفها بعصبية، أصابعها ترتجف… ليس خوفًا، بل غيظًا.
على شاشة الهاتف:
صورة زفاف سليم القيصري ونيروز.
رانيا تضغط على الصورة بقوة حتى يكاد الزجاج ينكسر.
رانيا (بابتسامة ملتوية):
– نيروز…
– المتخلفة اللي كانت دايمًا تمشي ورا عاصم زي الظل.
ترمي الهاتف على الطاولة، تنهض بعصبية.
رانيا (باحتقار):
– وهي دي اللي تاخد سليم؟
– أنا؟ أنا اللي كان بيبصلي وأنا بعدّي؟!
تضحك… ضحكة باردة، خالية من أي إنسانية.
يُفتح باب الشقة.
يدخل رجل في أواخر الثلاثينات.
ملامحه ماكرة، عيناه لا تبشران بخير.
رانيا:
– اتأخرت.
الرجل:
– كنت بتأكد إن مفيش حد متابعني.
– قولتيلي الموضوع مستعجل.
رانيا تقترب منه ببطء، تدور حوله كأنها تفترسه.
رانيا:
– مستعجل جدًا.
– سليم القيصري اتجوز.
يرفع الرجل حاجبه.
الرجل:
– وده مضايقك للدرجة دي؟
رانيا تبتسم… ابتسامة شيطانية خالصة.
رانيا:
– لا.
– ده حكم إعدام.
تجلس على الأريكة، تعقد ساقًا فوق الأخرى.
رانيا:
– أنا مش هسيبه يعيش سعيد.
– ولا هي.
الرجل:
– تحبي نخلص عليها وخلاص؟
رانيا ترفع يدها بسرعة.
رانيا (ببرود):
– لأ.
– القتل رحمة.
تقترب من الطاولة، تفتح ملفًا مليئًا بالصور والمستندات.
رانيا:
– أنا عايزة سليم بنفسه يكرهها.
– يشك فيها.
– يحتقرها.
– ويرميها بإيده للشارع.
الرجل يقترب، ينظر للملف.
الرجل:
– واضح إنك محضّرة.
رانيا تبتسم بفخر.
خطة رانيا الشيطانية (تُقال ضمن الحوار):
رانيا:
– نيروز غبية… وطيبة زيادة عن اللزوم.
– وده ضعف.
تشير إلى صورة أخرى.
رانيا:
– عندها ماضي حساس.
– حب من طرف واحد لعاصم… وسليم ميعرفش.
الرجل يبتسم.
الرجل:
– ممتاز.
رانيا:
– الخطة بسيطة… وقذرة.
تنحني للأمام، تخفض صوتها.
رانيا:
نزرع شك.
– واحدة تتقرب من سليم في الشغل…
– تقول له بالصدفة إن نيروز كانت بتموت في عاصم.
الرجل:
– ده هيضرب غروره.
رانيا:
– بالضبط.
تزوير خفيف.
– صور مفبركة.
– شات قديم “معدل”.
– نيروز بتتكلم عن عاصم وكأنه لسه في قلبها.
الرجل:
– سليم عصبي… هيصدق.
رانيا تضحك.
رانيا:
– ولسه.
ضربة الشرف.
– إشاعة مدروسة إنها قابلت عاصم لوحدها.
– من غير ما نثبت حاجة… بس نخلي الكلام يوصل.
تنهض، عيناها تلمعان بجنون.
رانيا:
– سليم هيواجهها.
– وهي هتنهار.
– وانهارها ده… هيبان كاعتراف.
الرجل يصفق ببطء.
الرجل:
– قاسية.
رانيا:
– استنى.
الضربة الأخيرة.
– أنا أظهر.
– مش كعدوة.
– كـ امرأة بتحبه وبتخاف عليه.
تضع يدها على صدرها تمثيليًا.
رانيا (بصوت ناعم مزيف):
– “أنا ساكتة من زمان… بس الحق لازم يبان.”
تضحك ضحكة منخفضة مرعبة.
رانيا:
– وهو؟
– هيطلقها.
– يرميها.
– ويعيش طول عمره ندمان.
الرجل ينظر إليها بإعجاب ممزوج بالخوف.
الرجل:
– وإنتِ؟
– هتاخديه؟
رانيا تسحب نفسًا ببطء.
رانيا (بقسوة):
– لا.
– أنا بس عايزة أشوفه مكسور…
– زي ما كسرني.
تلتقط هاتفها، تنظر مجددًا لصورة نيروز.
رانيا (بهمس سام):
– انبسطي بالجواز يا نيروز…
– شهر العسل قصير.
*******************
في سويسرا – حديقة جانبية ملحقة بالمشفى / مساء بارد
أشجار صنوبر عالية.
هواء نقي، لكنه ثقيل.
رائد يجلس على مقعد خشبي، معطفه مفتوح قليلًا، ينظر للبحيرة أمامه وكأنها تحمل إجابات لا يتذكرها.
رامي يقف خلفه، يراقبه بصمت.
إلينا تقف على مسافة، تمسك ملفًا طبيًا، عيناها لا تفارقانه.
رائد (بصوت هادئ مشتت):
– المكان ده…
– بحس إني كنت هنا قبل كده، بس مش فاكر إمتى.
رامي يقترب ويجلس بجانبه.
رامي (بنبرة ثابتة دافئة):
– طبيعي.
– الذاكرة زي العضلة… لما تفضل نايمة، لازم تصحى واحدة واحدة.
رائد يلتفت له.
رائد:
– إنت قولت إنك صاحبي…
– بس حاسس إن الكلمة دي أقل من الحقيقة.
رامي يبتسم ابتسامة خفيفة، فيها ألم قديم.
رامي:
– خلينا نقول…
– أنا الشخص اللي عمره ما هيسيبك تقع.
صمت قصير.
إلينا تقترب قليلًا.
إلينا:
– رائد، لو حسيت بدوخة أو ضغط… لازم تقول.
رائد (بلطف):
– حاضر دكتورة.
ينظر إليها بنظرة أطول من اللازم.
إلينا تشيح بوجهها قليلًا، مربكة.
رامي يلاحظ… ولا يعلّق.
لحظة التحوّل
رامي ينهض فجأة، نبرته تتغير… تصبح عملية، حادة.
رامي:
– رائد، اسمعني كويس.
رائد يعتدل في جلسته.
رامي:
– من اللحظة دي… حياتك هتتغير.
إلينا تفتح فمها لتتحدث، فيشير لها رامي بعينه أن تصمت.
رامي:
– أنت مش مريض.
– أنت في حماية.
رائد يعبس.
رائد:
– حماية من إيه؟
رامي ينظر للبحيرة، ثم يعود له.
رامي:
– من ناس لو عرفوا إنك عايش…
– مش هيترددوا يخلصوا عليك.
إلينا تتدخل بقلق.
إلينا:
– رامي… اتفقنا بلاش صدمات.
رامي (بحزم منخفض):
– أنا مش بقوله الحقيقة كاملة.
– أنا بجهّزه.
يلتفت لرائد.
رامي:
– اللي هعمله دلوقتي، اسمه بناء هوية.
– مش تزوير… إعادة تشكيل.
رائد ينظر له بدهشة.
رائد:
– هوية؟
– يعني إيه؟
رامي:
– يعني من النهارده…
– اسمك هيفضل رائد، بس ماضيك لأ.
إلينا تزداد توترًا.
إلينا:
– رامي، ده خطر نفسيًا.
رامي:
– الخطر الحقيقي إن مراد يعرف إنه لسه عايش.
رائد يتجمد عند الاسم.
رائد:
– مراد؟
– الاسم ده…
– بيخليني أكره نفسي.
رامي يثبت نظره فيه.
رامي:
– طبيعي.
– عقلك فاكر إحساس… حتى لو نسي القصة.
الخطة تظهر
رامي يخرج هاتفًا مشفرًا، يعرض صورة شقة هادئة في ضاحية سويسرية.
رامي:
– الخطوة الجاية:
هتخرج من المستشفى رسميًا…
– كـ مريض تعافى جزئيًا.
هتعيش هنا.
– تحت اسم مختلف.
– شغل بسيط. حياة عادية.
رائد يبتسم بسخرية خفيفة.
رائد:
– وأنا؟
– هقبل كده بسهولة؟
رامي يميل نحوه.
رامي (بصوت منخفض صادق):
– لأ.
– بس ده الوحيد اللي يخليك تعيش.
إلينا تقترب وتضع يدها على ملفها.
إلينا:
– وأنا هكمل معاه.
– متابعة نفسية… بدون ضغط.
– أي ذكر للماضي هيكون تدريجي… لو هو طلب.
رائد ينظر إليها مطولًا.
رائد:
– يعني مش هتسيبيني؟
إلينا تتردد… ثم تهز رأسها.
إلينا:
– لأ.
رامي يلتقط النظرة بينهما، ويقول بهدوء خبيث:
رامي:
– كويس.
– لأنك هتحتاج سبب تعيش عشانه.
التحذير الأخير
رامي يقف، ينظر لرائد بجدية قاتلة.
رامي:
– في حاجة واحدة لازم تعرفها.
– لو في يوم الذاكرة رجعت فجأة…
– أو حسيت إنك عايز تعرف أكتر…
ينحني قليلًا.
رامي:
– ما تسألش حد غيري.
رائد يبتلع ريقه.
رائد:
– ليه حاسس إن حياتي قبل كده كانت حرب؟
رامي يبتسم… ابتسامة محارب قديم.
رامي:
– لأنها كانت كده.
صمت ثقيل.
إلينا تنظر لرائد بقلق، ثم لرامي.
إلينا:
– ومراد؟
رامي يستقيم، عينه تلمع بخطر.
رامي:
– مراد…
– دوره جاي.
– بس مش دلوقتي.
ينظر لرائد للمرة الأخيرة.
رامي:
– دلوقتي…
– أنت لازم تعيش.
********************
رامي كان يستدير ليغادر،
إلينا ما زالت واقفة قرب رائد،
ورائد يحدّق في البحيرة…
وفجأة—
صوت ساخر بارد من الخلف:
– ياااه…
– اجتماع عائلي دافئ؟
الثلاثة يلتفتون في آنٍ واحد.
لوكاس يقف هناك.
وجهه ما زال يحمل آثار الضرب.
ابتسامة معوجّة… مريضة.
لوكاس (بتهكم لاذع):
– واضح إنك مش “مريض عادي”…
– كنت متأكد من أول يوم.
ينظر إلى رائد من أعلى لأسفل باحتقار.
لوكاس:
– عينين يقظتين… جسد مستعد للعنف…
– بدوي آخر يلعب دور الضحية.
رائد يتجمد لثانية…
ثم يتغير وجهه.
رائد (بصوت منخفض مرعب):
– إنت…
يتقدم خطوة واحدة.
إلينا (بفزع):
– رائد، لا!
لكن لوكاس لم يتوقف.
يلتفت إلى إلينا، وصوته يقطر سمًا:
لوكاس:
– وأنتِ…
– خيبة أمل.
إلينا:
– لوكاس، كفاية.
لوكاس (ساخرًا):
– من أفضل طبيبة في القسم…
– إلى ممرضة لرجال عرب مشبوهين.
يضحك ضحكة قصيرة حقيرة.
لوكاس:
– هل هذا ما أصبحتِ عليه؟
– تخاطرين بمستقبلك…
– فقط لأنك تحبين لعب دور المنقذة؟
رائد ينفجر.
رائد (غاضبًا):
– اقسم بالله لو قربت منها—
ينقضّ نحوه،
لكن رامي يمسكه بقوة من كتفه.
رامي (بحزم):
– رائد… ورايا.
لوكاس يصفق ببطء.
لوكاس:
– رائع.
– بدويان… وحارسة ملاك.
رامي يستدير فجأة…
وفي ثانية واحدة يمسك لوكاس من ياقة معطفه ويرفعه قليلًا عن الأرض.
الابتسامة تختفي من وجه لوكاس.
رامي (بصوت منخفض قاتل):
– اسمعني كويس…
– كلمة كمان، وهنسى إني في مستشفى.
يضغط على الياقة أكثر.
رامي:
– وإنت مش ذكي كفاية تعرف إيه اللي ممكن يحصل.
لوكاس يحاول الحفاظ على هدوئه…
لكن صوته يهتز قليلًا.
لوكاس:
– أوه… تهديد؟
– هذا يؤكد شكوكي.
ينظر بينهم بمكر.
لوكاس:
– واضح إنكم تخططون لشيء أكبر.
– ربما… لو أخبرتوني؟
يبتسم.
لوكاس:
– قد أساعدكم.
رامي يضحك…
ضحكة قصيرة بلا أي مرح.
رامي:
– تساعدنا؟
يقرّبه من وجهه.
رامي:
– آخر شيء نحتاجه…
– هو طبيب عنصري فاشل،
– مهووس بزميلته،
– ويتجسس لأنه يشعر بالنقص.
لوكاس يزمجر.
لوكاس:
– إنت لا تعرف من أنا!
رائد يفلت من يد إلينا فجأة، يقترب خطوة.
رائد (بعينين مشتعلتين):
– وأنا أعرف نوعك.
– جبان…
– يتخفّى خلف لقب “طبيب”.
يرفع قبضته.
إلينا (تصرخ):
– رائد! توقف!
تمسك بذراعه بكل قوتها.
إلينا (بصوت مرتجف):
– أرجوك… لا.
رائد يتوقف…
يتنفس بعنف…
ثم ينظر إليها، يهدأ قليلًا.
رامي يرمي لوكاس بعيدًا خطوة.
رامي:
– آخر تحذير.
يشير بإصبعه إلى صدره.
رامي:
– اللي سمعته هنا…
– لو خرج حرف واحد منه…
– مش هتشوف شغلك ولا بلدك تاني.
لوكاس يعدّل معطفه، يحاول استعادة كبريائه.
لوكاس (بسخرية متوترة):
– تهديدات بدوية…
– مثيرة فعلًا.
لكن عينيه لا تضحكان.
لوكاس:
– سنرى.
يدير ظهره ويمشي…
خطواته سريعة أكثر مما يريد الاعتراف.
صمت ثقيل يسقط.
إلينا تضع يدها على صدرها، تتنفس بصعوبة.
إلينا:
– هذا خطر…
– لوكاس لن يصمت.
رامي ينظر في اتجاه رحيله، عيناه باردتان.
رامي:
– ولا إحنا.
رائد يقف صامتًا،
قبضته ما زالت مشدودة.
رائد (بصوت خافت):
– رامي…
– الشخص ده…
– خلاني أحس إني كنت وحش قبل كده.
رامي يضع يده على كتفه بقوة أخوية.
رامي:
– لأ.
– كنت سلاح…
– بس في إيد غلط.
*********************
في مصر – فيلا الزهراوي / مساء مشحون
الفيلا التي كانت يومًا ملاذًا دافئًا…
تحولت إلى ساحة حرب صامتة.
الهواء ثقيل.
الوجوه متجهمة.
الأنفاس متلاحقة.
زياد يقف في منتصف الصالة،
عروق رقبته بارزة،
قبضته مشدودة لدرجة أن مفاصل يده بيضاء.
زياد (بصوت مرتجف من الغضب):
– والله لو أمسكه… لأدفنه بإيدي.
يضرب الطاولة بقوة.
حور تجلس على الأريكة،
منهارة، تبكي بحرقة،
تغطي فمها بيدها كي لا يخرج صوتها صراخًا.
حور (ببكاء):
– بنتي…
– مش قادرة أعيش نفس الكابوس تاني…
– مش قادرة…
جميلة تحتضنها بقوة،
وعيناها دامعتان.
جميلة:
– اهدي يا حور…
– ليل قوية…
– وربنا معنا.
ملك تجلس بجانبها، تمسح دموعها.
ملك:
– والله ما هتضيع…
– إحنا كلنا معاها.
في الجهة الأخرى…
عاصم يقف كوحش مكبوت.
عيناه سوداوين من الغضب.
فكه مشدود.
صوته يخرج ببطء… لكنه مرعب.
عاصم:
– المرة دي…
– مش هسلّمه لشرطة…
– ولا قضاء…
– أنا اللي هحاسبه.
يلتفت للجميع.
عاصم:
– مراد مش إنسان…
– ده سرطان.
بيجاد يقترب منه بسرعة.
بيجاد (بحزم):
– عاصم… اسمعني.
– ليل محتاجاك عاقل… مش مجرم.
سليم القيصري يقف بجانبه.
سليم القيصري:
– أي حركة متهورة منك…
– ممكن تضيعها للأبد.
عاصم يضحك ضحكة قصيرة مظلمة.
عاصم:
– هو اللي بدأ.
– وأنا اللي هخلص.
آدم العطار يتقدم خطوة للأمام، صوته صارم كضابط مخابرات.
آدم:
– كلنا غاضبين.
– بس الغضب ده لو سيطر…
– مراد كسب.
ينظر مباشرة لعاصم.
آدم:
– ومراد ذكي…
– يستفزك علشان تغلط.
زياد (بانفجار):
– كفاية عقلانية!
– بنتي مخطوفة!
مازن يحاول تهدئته.
مازن:
– زياد…
– إحنا معاك…
– بس لازم نرجعها الأول.
في زاوية بعيدة…
سليم الشرقاوي (ابن مراد)
واقف بصمت.
وجهه شاحب.
عينيه مليئة بحقد بارد.
رؤى تراقبه بخوف.
رؤى (بهمس):
– سليم…
– أنت كويس؟
يرد دون أن ينظر إليها.
سليم الشرقاوي:
– لا.
– بس هبقى…
– لما أبويا يرجع تحت التراب أو وراء القضبان.
آدم يلتفت نحوه فجأة.
آدم:
– إنت بتقول إيه؟
سليم يرفع عينيه، بثبات مخيف.
سليم الشرقاوي:
– بقول الحقيقة.
– مراد لازم يتوقف…
– بأي ثمن.
صمت ثقيل يسقط.
حور فجأة تنتفض، تقف بصعوبة.
حور (بصراخ مكسور):
– بس رجّعولي بنتي…
– خدوا روحي…
– بس ليل لا!
ينهار الجميع للحظة.
زياد يتجه إليها، يحتضنها بقوة.
زياد (بصوت مخنوق):
– أقسم بالله…
– لو آخر نفس في عمري…
– هرجعها.
عاصم ينظر إلى صورة ليل المعلقة على الحائط.
صوته ينخفض… لكنه أكثر رعبًا.
عاصم:
– مراد…
– أنت فتحت باب جحيم.
– ومش هتقفله إلا لما أكون خلصت منك.
آدم يرفع هاتفه.
آدم:
– من اللحظة دي…
– كل تحركات مراد تحت عيني.
– ومش لوحدنا.
ينظر لزياد.
آدم:
– الحرب بدأت.
*******************
القاهرة – مكان مهجور / ليلًا
ظلام.
رائحة غبار وزيت قديم.
صوت تقطير ماء بعيد… طَق… طَق…
تتحرك ليل ببطء.
رأسها يؤلمها بشدة،
جفونها ثقيلة كأنها ملتصقة.
تئن بصوت خافت.
ليل (بهمس متقطع):
– آه… رأسي…
تحاول فتح عينيها.
الضوء الخافت يتسلل من نافذة مكسورة عالية.
ترى سقفًا متشققًا… جدرانًا عارية…
أرضية إسمنتية باردة.
تحاول التحرك…
فتسمع صوت سلاسل خفيفة.
تنظر ليديها.
مقيدتان بحبل خشن إلى كرسي معدني قديم.
يتسارع تنفسها.
ليل (بذعر مكبوت):
– لا… لا لا… مش تاني…
تحاول الوقوف،
الكرسي يهتز بعنف ويسقط صوت معدني مزعج.
تتوقف.
تغلق عينيها بقوة.
الفلاش باك يبدأ
صوت ضحكات في الجامعة.
الشمس.
الكافتيريا.
مروة تقف أمامها، مبتسمة بتصنع.
مروة (في ذاكرتها):
– ليل، أستاذة المادة مستنيانا…
– قالتلي المكان ورا المبنى القديم.
ليل تتذكر نفسها مترددة.
ليل (في ذاكرتها):
– بس ده بعيد شوية…
مروة:
– دقايق بس، متقلقيش.
تتغير الصورة…
مكان خالٍ.
صمت.
ظل رجل يظهر فجأة.
ليل (في الذاكرة – بصدمة):
– إنت مين؟!
رجل يضع يده على فمها.
رائحة غريبة.
عالم يظلم فجأة.
نهاية الفلاش باك
ليل تفتح عينيها بعنف.
صدرها يعلو ويهبط بسرعة.
ليل (بهمس مرتعش):
– مروة…
– هي… هي اللي ودتني…
تغالب دموعها.
ليل:
– يا رب…
– يا رب مش كده…
تحاول فَك الحبل.
جلدها يحترق من الاحتكاك.
تصرخ، لكن صوتها يخرج مبحوحًا.
ليل:
– حد يسمعني…
– لو في حد هنا…!
الصمت يرد عليها.
صوت باب حديدي يُفتح في مكان بعيد…
صرير بطيء…
جسدها يتصلب.
قلبها يكاد يخرج من صدرها.
ليل (بصوت داخلي):
– لا…
– مش هخاف…
– عاصم… بابا…
– أكيد هيلاقوني…
تبتلع ريقها بصعوبة.
تحاول التماسك.
ليل (بثبات مهتز):
– أنا مش ضعيفة…
– مش زي المرة اللي فاتت…
تستجمع أنفاسها.
تنظر حولها بدقة هذه المرة.
ترى:
بابًا حديديًا صدئًا
نافذة عالية جدًا
هاتفها غير موجود
حقيبتها على الأرض… فارغة
عيناها تلمعان بالدموع.
ليل (بهمس موجوع):
– مراد…
– أنت السبب…
– بس والله… مش هتكسرني.
صوت خطوات يقترب.
تشد قبضتيها رغم القيد.
ترفع رأسها بعناد.
ليل (بصوت داخلي قوي):
– أنا بنت زياد الزهراوي…
– ومش هكون فريسة.
*********************
صوت الباب الحديدي يئن وهو يُفتح ببطء.
يدخل الضوء قليلًا…
ثم يظهر ظل امرأة.
خطوات ثابتة… واثقة… متلذذة.
ليل ترفع رأسها فورًا.
عيناها تتسعان.
ليل (بصوت مبحوح مذهول):
– مـ… مروة؟!
مروة تظهر كاملة في الضوء.
ملابسها أنيقة أكثر من اللازم لمكان كهذا.
ابتسامة باردة، ملتوية… ابتسامة شخص انتظر هذه اللحظة طويلًا.
مروة (بشماتة):
– آه…
– أخيرًا صحيتِ؟
تقترب خطوة…
ثم أخرى.
تنظر إلى الحبال…
إلى الكرسي…
ثم تعود بنظرها إلى وجه ليل.
مروة:
– شكلك حلو حتى وإنتِ مربوطة.
– نعمة… مش كل الناس عندها الحظ ده.
ليل (بغضب مكبوت):
– إنتِ…
– إنتِ اللي عملتي كده؟
تضحك مروة ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
مروة:
– ذكية…
– بس متأخرة شوية.
تدور حولها ببطء، كأنها تفحص غنيمة.
مروة:
– من أيام الثانوية…
– وأنا مستنية اليوم ده.
ليل (تضغط على أسنانها):
– ليه؟
– أنا عمري ما أذيتك.
تتوقف مروة فجأة أمامها.
الابتسامة تختفي…
يحل محلها حقد قديم، متراكم.
مروة (بصوت منخفض مليء بالسم):
– لأنك كنتِ كل حاجة أنا مش إياها.
تقترب أكثر، حتى تصبح على بُعد خطوة.
مروة:
– إنتِ عندك عيلة.
– أبوكِ، أمكِ… ناس بتموت فيكِ.
تضحك بمرارة.
مروة:
– وأنا؟
– أب وأم اتطلقوا…
– كل واحد فيهم اتجوز وكمّل حياته.
– وأنا؟
– اتنسيت.
ليل تحاول الحفاظ على رباطة جأشها.
ليل:
– ده مش ذنبي.
مروة (بانفعال مفاجئ):
– لأ!
– ذنبك إنك موجودة!
تتنفس بقوة، ثم تكمل بنبرة ساخرة:
مروة:
– إنتِ جميلة…
– الكل بيحبك.
– عندك رؤى، عندك سليم، عندك زين.
تضحك ضحكة قصيرة خالية من الإنسانية.
مروة:
– وأنا؟
– ولا حد.
– صديقات؟
– كلهن علشان الفلوس… علشان المصلحة.
تقترب أكثر وتهمس:
مروة:
– حتى لما أضحك…
– ما فيش حد شايفني بجد.
ليل تنظر إليها بثبات رغم الخوف.
ليل:
– فقرّرتِ تبيعيني؟
تضحك مروة… ضحكة باردة.
مروة:
– مراد الشرقاوي ما بيشتريش حاجة ببلاش.
– دفع كويس.
– قوي كمان.
تتراجع خطوة، كأنها تستعرض قرارها.
مروة:
– وقاللي:
– “عايزها سليمة… دلوقتي”.
عينا ليل تشتعلان غضبًا.
ليل:
– مراد شيطان.
– وإنتِ اخترتي تكوني زيه.
ترفع مروة حاجبها بسخرية.
مروة:
– على الأقل…
– هو شايفني.
تسود لحظة صمت ثقيل.
ثم تميل مروة برأسها قليلًا، بابتسامة انتصار.
مروة:
– عارفة أكتر حاجة تفرحني إيه؟
ليل (بحدة):
– إيه؟
مروة:
– إنك لأول مرة…
– لوحدك.
تدير ظهرها وتتجه نحو الباب.
ليل (بصوت قوي رغم الارتجاف):
– لو فاكرة إنك كسبتي…
– تبقي غلطانة.
تتوقف مروة عند الباب، دون أن تلتفت.
مروة (ببرود قاتل):
– اللعبة لسه بدأت يا ليل.
صوت الباب يُغلق بقوة.
الظلام يعود… أثقل… أعمق.
ليل تبقى وحدها…
مقيدة…
لكن عينيها تلمعان بعناد قاتل.
*********************
بعد كام ساعة
إيطاليا – شقة فاخرة تطل على البحر
كارلا تجلس على الأريكة، ساق فوق ساق، كأس نبيذ في يدها.
الهاتف على أذنها… ملامحها متجهمة لكن عينيها لامعتان بحذر.
كارلا (بصوت منخفض حذر):
– لوكاس…
– لازم أتكلم معك بجدية المرة دي.
على الطرف الآخر، صوت لوكاس بارد، متعالٍ.
لوكاس (بملل واضح):
– إذا كان عن زوجك المصري… وفّري طاقتك.
– قلتُ لكِ سابقًا: لا أحب سماع حماقاتك العاطفية.
تشد كارلا على الكأس قليلًا.
كارلا:
– هذا الرجل…
– مراد…
– ليس طبيعيًا.
صمت قصير.
لوكاس (ساخرًا):
– أوه، اكتشفتِ ذلك الآن؟
– بعد أن تزوجتِ “رجلًا عربيًا ثريًا” فقط لأنه يملك المال والسلطة؟
تتنهد كارلا بحدة.
كارلا:
– هو مخيف، لوكاس.
– نظرته…
– طريقته في الضحك…
– أشعر أحيانًا أنه قادر على قتلي دون أن يرمش.
يضحك لوكاس ضحكة قصيرة باردة.
لوكاس:
– أنا ووالدنا رفضنا زواجكِ منه.
– حرفيًا قلنا لكِ: هذا حقير.
– لكنكِ عاندتِ…
– وتزوجتِ.
يتوقف لحظة، ثم يضيف ببرود قاتل:
لوكاس:
– تحمّلي نتائج أفعالك.
ترفع كارلا حاجبها بلا مبالاة.
كارلا:
– لا أطلب شفقة.
– أطلب نصيحة.
لوكاس:
– النصيحة؟
– اهربي.
– أمّني نفسكِ.
– خذي ما تستطيعين من المال…
– ثم اطلبي الطلاق.
تبتسم كارلا نصف ابتسامة ساخرة.
كارلا:
– وكأن الطلاق من رجل مثله بهذه السهولة.
يسود صمت قصير…
ثم يتنهد لوكاس وكأنه تذكر شيئًا يزعجه.
لوكاس (بنبرة حاقدة):
– بالمناسبة…
– لا أدري لماذا هذا الأسبوع مليء بالبدويين.
تضحك كارلا بخفة.
كارلا:
– بدويين؟
– أنت في سويسرا، ماذا تتوقع؟
لوكاس (باحتقار واضح):
– مريض كان عندنا…
– اسمه رائد.
– في غيبوبة ثلاث سنوات.
– استيقظ فجأة فاقد الذاكرة.
تشد كارلا شفتيها بلا اهتمام.
كارلا:
– مثير…
– أكمل.
لوكاس (بغضب):
– ليس المريض بحد ذاته.
– بل ذلك الآخر… رامي.
– بدوي مثله.
– جاء فجأة، سيطر على كل شيء.
– وأخذ … إلينا.
يضغط على الكلمات بأسنانه.
لوكاس:
– خطفها مني.
– وكأنها غنيمة.
ترتشف كارلا رشفة نبيذ، نبرة صوتها فاترة.
كارلا:
– لوكاس…
– أنت لا تحبها.
– أنت تحب امتلاكها.
يصمت لحظة.
لوكاس (بحدة):
– لا يهم.
– لا أتحمل فكرة أن عربيًا…
– بدويًا…
– يأخذ ما أريده.
تضحك كارلا ضحكة باردة.
كارلا:
– يا إلهي…
– كم أنت درامي.
ثم تضيف بسخرية لاذعة:
كارلا:
– طبيب سويسري أرستقراطي…
– يغار من “بدوي” فاقد الذاكرة.
لوكاس (مستفزًا):
– اسخري كما تشائين.
– هؤلاء خطر.
تتمدد كارلا على الأريكة، غير مكترثة.
كارلا:
– كل الرجال خطرون يا أخي.
– الفرق فقط…
– من يخيفك أكثر.
يصمت لوكاس.
لوكاس:
– على أي حال…
– إن كنتِ خائفة فعلًا من زوجك…
– اهربي قبل أن يفعل بكِ ما لا يُحمد عقباه.
تنظر كارلا إلى الفراغ…
ابتسامة خفيفة، غامضة، أنانية.
كارلا:
– لا تقلق.
– أعرف كيف أعتني بنفسي.
لوكاس:
– أتمنى ذلك.
– لأنني لن أنقذكِ هذه المرة.
تنهي المكالمة.
كارلا تُنزل الهاتف ببطء.
تتجه إلى المرآة…
تنظر إلى انعكاسها.
كارلا (تهمس لنفسها):
– الجميع وحوش…
– لكن الأذكى هو من يهرب في الوقت المناسب.
*********************
سويسرا – شقة رائد (ليل / مساء بارد)
باب الشقة يُفتح بهدوء.
رائد يدخل أولًا، يتوقف في المنتصف…
ينظر حوله وكأنه يرى المكان لأول مرة، رغم أن الجدران تحفظ روحه أكثر مما يحفظها هو.
شقة أنيقة، بسيطة، نظيفة بدقة… لكنها باردة.
رائد يمرر يده على ظهر الأريكة، ثم يقترب من النافذة المطلة على المدينة.
رائد (بصوت خافت متردد):
– غريب…
– أشعر أني أعرف هذا المكان…
– لكن لا شيء واضح.
يقف رامي خلفه، يراقبه بعين خبيرة، فيها قلق أخ أكبر من كونه مجرد صديق.
رامي:
– هذا طبيعي.
– الذاكرة لا تعود دفعة واحدة.
يصمت لحظة، ثم يتنحنح…
نبرة صوته تتغير، تصبح رسمية أكثر.
رامي:
– رائد…
– لازم أخبرك بشيء.
يلتفت رائد إليه فورًا، قلبه ينقبض.
رائد:
– ماذا؟
يتقدم رامي خطوتين، يضع حقيبته جانبًا.
رامي:
– سأعود إلى مصر الليلة.
تتجمد ملامح رائد.
رائد (بتوتر واضح):
– الليلة؟
– الآن؟!
رامي:
– مهمة عاجلة.
– لا أستطيع تأجيلها.
يقترب رائد خطوة، صوته ينخفض وكأنه لا يريد الاعتراف بخوفه.
رائد:
– يعني…
– سأبقى وحدي؟
ينظر رامي إليه مباشرة، نظرة حادة لكن دافئة.
رامي:
– لا.
– لن تكون وحدك.
يرفع رائد حاجبيه باستغراب.
رائد:
– كيف؟
رامي:
– سيكون معك العميل كارم.
يتنفس رائد ببطء.
رائد:
– كارم…
– ذاك الذي لا يبتسم أبدًا؟
يبتسم رامي ابتسامة خفيفة.
رامي:
– نعم، ذاك بالضبط.
– لا يتكلم كثيرًا…
– لكنه يراقب كل شيء.
يجلس رائد على الأريكة، يمرر يده على وجهه بتوتر.
رائد:
– رامي…
– أنا لا أتذكر شيئًا.
– أحيانًا أستيقظ وأشعر أني غريب حتى عن نفسي.
يتقدم رامي ويجلس مقابله.
رامي (بهدوء حازم):
– ولهذا بالضبط يجب أن تبقى هنا.
– بعيدًا عن الضغوط.
– بعيدًا عن مصر…
– وعن كل من قد يستغل ضعفك.
يرفع رائد رأسه ببطء.
رائد:
– وأنت؟
– ألا تخاف أن يحدث لي شيء؟
رامي (بصراحة):
– أخاف.
– لكن وجودي الدائم بجانبك لن يعيد ذاكرتك.
يصمت قليلًا، ثم يكمل:
رامي:
– هذه الشقة…
– هذا الهدوء…
– التفاصيل الصغيرة…
– هي التي ستوقظ ذاكرتك.
ينظر رائد حوله مجددًا…
اللوحات، الكتب، ترتيب الأشياء.
رائد:
– وكأن حياتي معلّقة هنا…
– تنتظر أن أتذكرها.
ينهض رامي، يضع يده على كتف رائد بقوة مطمئنة.
رامي:
– وستتذكر.
– لكن على مهلك.
ينظر رائد إليه بعينين ممتلئتين بالامتنان والخوف معًا.
رائد:
– لا تتأخر.
يبتسم رامي ابتسامة واثقة.
رامي:
– مصر لن تبتلعني.
– لدي حسابات لأغلقها…
– ثم أعود.
يتجه نحو الباب، يتوقف لحظة.
رامي (بصوت منخفض لكن حاد):
– رائد…
– لا تحاول أن تتذكر بالقوة.
– دع الذاكرة تأتيك.
يهز رائد رأسه موافقًا.
رائد:
– سأفعل.
يُفتح الباب…
رامي يخرج.
يبقى رائد وحده.
صوت المدينة بالخارج…
وصمت ثقيل بالداخل.
يجلس ببطء، ينظر إلى يديه، ثم يهمس لنفسه:
رائد:
– من أنا…
– ولماذا أشعر أن كل شيء لم ينتهِ بعد؟
********************
مصر – مطار القاهرة الدولي / صالة الوصول – ليلًا
بوابة الوصول تُفتح.
حركة مسافرين، أصوات عجلات الحقائب، إعلانات رتيبة…
وسط الزحام يظهر مراد.
بدلة داكنة أنيقة، معطف أسود، خطواته ثابتة كأنه يملك المكان.
على شفتيه ابتسامة باردة… ليست ابتسامة فرح، بل ابتسامة من يعرف أنه قادم ليحرق.
يتوقف لحظة، ينظر حوله…
يستنشق هواء القاهرة بعمق.
مراد (بهمس ساخر):
– اشتقت لكِ…
– دائمًا أعود إليكِ عندما يحين وقت الدم.
يتقدم بخطوات واثقة.
عند زاوية بعيدة عن العيون، يقف رجل ضخم، ملامحه قاسية، يرتدي قبعة منخفضة.
ما إن يرى مراد حتى يستقيم فورًا.
الرجل:
– وصلت بالسلامة يا باشا.
يتوقف مراد أمامه، ينظر إليه من أعلى لأسفل، ثم يبتسم.
مراد:
– السلامة؟
– لا…
– أنا لم آتِ لأكون سالمًا.
يميل الرجل قليلًا، صوته ينخفض.
الرجل:
– كل شيء جاهز.
– البنت تحت السيطرة.
– المكان آمن…
– ولا أحد يشك بشيء.
تتسع ابتسامة مراد، عينيه تلمعان بجنون خفيف.
مراد:
– ممتاز…
– ممتاز جدًا.
يسحب قفازه ببطء، كأنه يستعد لعمل قذر.
مراد:
– هل تعرف ماذا يعني أن تحرق قلب رجل مثل زياد؟
يهز الرجل رأسه نفيًا.
مراد (بمتعة شريرة):
– يعني أن تأخذ منه الشيء الوحيد
الذي كان يعتقد أنه محصّن…
– ابنته.
يصمت لحظة، ثم يضحك ضحكة منخفضة، مخيفة.
مراد:
– طوال عمره يظن نفسه أقوى مني…
أنظف مني…
– اليوم سيتعلم أنني لا ألعب بالقواعد.
يقترب من الرجل خطوة.
مراد (بصوت حاد):
– أين هي الآن؟
الرجل:
– في المكان المهجور…
– كما أمرت.
– ومروة نفذت دورها بالكامل.
يومئ مراد برضا.
مراد:
– فتاة حقودة…
– النوع الذي أحبه.
– الحقد يجعل الناس مطيعين.
ينظر إلى ساعته.
مراد:
– أريدها حية…
– متعبة…
– خائفة.
يتوقف قليلًا، ثم يضيف بابتسامة أبشع:
مراد:
– قبل أن تموت.
يتوتر الرجل.
الرجل:
– والبقية؟
– زياد؟
– عاصم؟
يضحك مراد، ضحكة قصيرة خالية من أي إنسانية.
مراد:
– دعهم يركضون.
– دعهم يصرخون.
– لا شيء ألذ من مشاهدة الرجال الأقوياء وهم ينهارون.
يمد يده، يأخذ هاتفًا آخر من الرجل.
مراد:
– السيارة؟
الرجل:
– تنتظرك خارج المطار.
يتجه مراد نحو المخرج، ثم يتوقف فجأة.
مراد (دون أن يلتفت):
– الليلة…
– سيتمنى زياد لو أنه مات قبل أن يولد.
يخرج من صالة الوصول.
أبواب المطار تُغلق خلفه.
الكاميرا تثبت على ابتسامته عبر زجاج السيارة السوداء وهي تنطلق…
ابتسامة رجل لا يرى في البشر سوى أدوات.
*********************
مكان مهجور – أطراف القاهرة / ليلًا
الظلام كثيف…
رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان.
ليل مستلقية على أرض باردة، يداها مقيدتان، رأسها يؤلمها، وجسدها ما زال ثقيلًا من أثر المخدر.
تفتح عينيها ببطء…
ترمش مرات متتالية، تحاول أن تفهم أين هي.
ليل (بهمس متقطع):
– أنا… أنا هنا؟
تحاول الجلوس، تتأوه، تتكئ على الحائط المتشقق.
صوت أنفاسها يتسارع… ثم فجأة
تغلق عينيها بقوة.
الهروب الوحيد المتاح لها الآن…
الذكريات.
ذكرى – فيلا الزهراوي / نهار
ضحكة دافئة.
زياد يجلس في الحديقة، يناديها:
زياد (بحب):
– ليل… تعالي يا روح بابا.
تركض نحوه، ترتمي في حضنه.
زياد:
– طالما أنا عايش، محدش في الدنيا يقدر يقربلك.
ذكرى أخرى
حور تمشط شعرها أمام المرآة.
حور (بحنان):
– الجمال الحقيقي مش في الملامح يا ليل…
– في القلب.
تبتسم ليل، تضع رأسها على كتف أمها.
تفتح ليل عينيها مجددًا.
تبتلع ريقها، تحبس دموعها.
ليل (بصوت مكسور):
– بابا…
– ماما…
ذكرى
ضحك طفلين.
أدهم الصغير يركض خلفها في الحديقة.
مازن الصغير يتعثر ويضحك.
ليل (ضاحكة):
– استنوا عليّ!
– يا شقايا!
تشعر بحرارة الذكرى في صدرها… كأنهم هنا معها.
تهز رأسها، تعود للحاضر.
الظلام… القيود… الصمت.
ثم…
وجه رؤى يقتحم ذاكرتها.
ذكرى – الجامعة
رؤى:
– لو خاف العالم كله، أنا معاك.
تضحكان، تمسكان أيدي بعضهما.
ثم زين، بابتسامته الهادئة.
وسليم، بنبرته الواثقة:
سليم:
– محدش يقدر عليكِ، صدقيني.
تتنفس ليل بعمق.
ثم…
يتغير كل شيء.
يأتي وجه عاصم.
صوته.
نظرته.
صمته الذي يحمل ألف معنى.
ذكرى – لحظة هادئة
هو يقف أمامها، مرتبك قليلًا.
عاصم:
– أنا مش بعرف أتكلم حلو…
– بس لو الدنيا كلها وقفت ضدك
أنا هكون واقف قدامها.
تشعر بقلبها يخفق بقوة حتى في الذكرى.
ليل (تهمس لنفسها):
– عاصم…
تتذكر كيف بدأ الأمر دون أن تنتبه…
كيف صار حضوره أمانًا.
كيف صار اسمه أول ما يخطر ببالها حين تخاف.
ترفع رأسها رغم التعب.
عيناها تلمعان، ليس بالدموع… بل باليقين.
ليل (بصوت ثابت رغم الارتجاف):
– هما هييجوا…
– بابا مش هيسيبني.
– عاصم مش هيتأخر.
تبتسم ابتسامة صغيرة، عنيدة.
ليل:
– وأنا مش ضعيفة…
– مهما حاولوا.
تسند رأسها إلى الحائط، تغمض عينيها مرة أخرى،
لكن هذه المرة…
ليس هروبًا.
بل انتظارًا.
*********************
فيلا الزهراوي – المساء
الفيلا تعجّ بالناس…
لكن الصمت أثقل من أي ضجيج.
وجوه متجهمة، عيون متعبة، قلوب معلّقة بمكان مجهول.
زياد يقف قرب النافذة، قبضته مشدودة حتى ابيضّت مفاصله.
عاصم يمشي ذهابًا وإيابًا كوحش محبوس، أنفاسه حادة.
حور جالسة، دموعها لا تتوقف، بين جميلة وملك اللتين تحاولان تهدئتها بلا جدوى.
في زاوية بعيدة قليلًا،
كان سليم الشرقاوي (ابن مراد) صامتًا…
هادئًا أكثر من اللازم.
هاتفه يهتز في يده.
ينظر إلى الاسم…
فيكتور.
يرد دون أن يصدر صوتًا، ويبتعد خطوة واحدة فقط عن الجمع.
سليم (بصوت منخفض جدًا):
– نعم.
يأتيه صوت فيكتور ببرود مهني قاتل:
فيكتور (عبر الهاتف):
– تأكد الخبر.
– مراد وصل القاهرة منذ أقل من ساعة.
تتغير ملامح سليم بالكامل.
عروقه تبرز، شفته ترتجف… ثم
ابتسامة بطيئة، مظلمة ترتسم على وجهه.
سليم:
– وحده؟
فيكتور:
– لا.
– رجلان معه.
– وهو الآن في طريقه…
(يتوقف لحظة)
– إلى فيلا العائلة.
تسكن الدنيا في أذن سليم.
سليم (بهمس مليء بالحقد):
– أخيرًا…
– رجعت بإيدك للنهاية.
فيكتور:
– تريد أن أتحرك؟
سليم:
– لا.
– خليك بعيد.
– الباقي… حساب شخصي.
ينهي المكالمة.
يبقى واقفًا ثانية واحدة فقط…
ثم يدير ظهره للجميع.
يمشي بخطوات هادئة، محسوبة.
لا أحد ينتبه له.
لا أحد… إلا اثنين.
زين كان يراقبه من بعيد.
شيء ما في تلك الابتسامة لم يعجبه.
زين (بصوت خافت لرؤى):
– رؤى…
– سليم مش طبيعي.
رؤى ترفع رأسها، تراه وهو يتجه نحو الممر الجانبي.
رؤى (بقلق):
– هو رايح فين؟
دون تفكير،
انه.
ممر جانبي – داخل الفيلا
خطوات سليم تتسارع قليلًا حين يبتعد عن الأعين.
يده ترتجف… لكنه لا يتوقف.
فجأة، صوت خلفه:
زين:
– سليم!
يتوقف سليم ببطء…
يأخذ نفسًا عميقًا…
ثم يلتفت.
ابتسامته لم تختفِ.
سليم (بارد):
– في إيه؟
رؤى تقترب خطوة، عيناها مليئتان بالخوف.
رؤى:
– إنت رايح فين؟
– شكلك… مش مطمّن.
ينظر إليهما لحظة طويلة.
ثم يضحك ضحكة قصيرة، بلا أي فرح.
سليم:
– بابا رجع.
تتسع عينا رؤى.
رؤى:
– مـ… مراد؟
زين (بحدة):
– وإنت عرفت منين؟
يرفع سليم هاتفه قليلًا، ثم يعيده لجيبه.
سليم (بنبرة مظلمة):
– من الشخص اللي بيراقبه.
– وهو جاي هنا… دلوقتي.
يصمت الثلاثة لحظة.
رؤى (مرعوبة):
– يعني…
– هو اللي خطف ليل؟
تشتد ملامح سليم،
يخرج صوته من بين أسنانه.
سليم:
– من غير شك.
تقترب رؤى منه، تمسك ذراعه.
رؤى:
– سليم، لو سمحت…
– ما تعملش حاجة لوحدك.
ينظر إلى يدها على ذراعه…
ثم إلى عينيها.
سليم (بصوت منخفض، حاقد):
– طول عمري كنت ابنه.
– سكت… تحملت…
– بس ليل؟
(يهز رأسه ببطء)
– دي آخر خط أحمر.
زين:
– إنت ناوي تعمل إيه؟
تلمع عينا سليم بوحشية صامتة.
سليم:
– أسبقهم.
– وأخليه يدفع…
– مش كأب.
– كعدو.
يحاول زين أن يتكلم،
لكن سليم يمر من جانبهما، عازمًا.
رؤى (بصوت مكسور):
– سليم…!
يتوقف للحظة دون أن يلتفت.
سليم:
– ادعوا بس إنكم تلحقوا ليل…
– قبل ما أنا ألحقه.
ثم يختفي في نهاية الممر.
زين ورؤى يتبادلان نظرة مذعورة.
زين:
– لازم نبلغهم… حالًا.
رؤى (وهي تكاد تبكي):
– قبل ما الدنيا تولع أكتر…
***********************
يخيّم صمت ثقيل بعد اختفاء سليم في آخر الممر.
رؤى واقفة مكانها، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وعيناها تلمعان بالدموع.
زين يضغط فكه، كأنه يحاول ترتيب ألف فكرة في رأسه في ثانية واحدة.
رؤى (بصوت مرتجف):
– زين…
– هو مش طبيعي.
– شُفت عينيه؟
– سليم لو وصل لمراد لوحده… هيعمل مصيبة.
زين يمرر يده على شعره بعصبية.
زين:
– عارف.
– اللي في دماغه مش مواجهة… ده انتحار.
تلتفت رؤى نحوه فجأة.
رؤى:
– طيب إيه؟
– نسيبه؟
– نرجع نقول لعمي زياد ولا لعاصم؟
يهز زين رأسه بسرعة.
زين:
– لأ.
– لو قلنا دلوقتي، هتحصل فوضى.
– وسليم هيكون سبقنا.
تصمت رؤى لحظة، ثم ترفع رأسها بعزم مفاجئ.
رؤى:
– يبقى نلحقه.
يرفع زين حاجبيه، ينظر لها بصدمة خفيفة.
زين:
– نلحقه؟
– إنتِ سامعة نفسك؟
رؤى (بإصرار):
– أيوه سامعة.
– سليم مش وحش… هو موجوع.
– ولو حد يقدر يهديه دلوقتي، يبقى إحنا.
يتنهد زين بحدة، ثم يبتسم ابتسامة قصيرة بلا أي مرح.
زين:
– إنتِ مجنونة…
(ثم يضيف بهدوء حاسم)
– بس عندك حق.
تتسع عيناها.
رؤى:
– يعني…؟
زين:
– يعني ما نضيعش ثانية.
– فين عربيتك؟
خارج الفيلا – موقف السيارات
الهواء بارد، لكن التوتر يحرق.
رؤى تفتح سيارتها بسرعة، يدها ترتجف وهي تحاول إدخال المفتاح.
زين (وهو يفتح الباب الآخر):
– رؤى، بصّيلي.
تنظر له.
زين (بجدية):
– مهما حصل…
– ما نسيبش سليم لوحده.
– حتى لو زعق… حتى لو حاول يبعدنا.
تومئ برأسها، دمعة تنزل رغمًا عنها.
رؤى:
– أنا خايفة…
– مش عليه بس.
– على ليل.
– وعلى عاصم لما يعرف.
يغمض زين عينيه لحظة.
زين:
– كلنا خايفين.
– بس الخوف مش هيوقف مراد.
تشغل السيارة، تنطلق بسرعة خارج البوابة.
داخل السيارة – الطريق ليلاً
المدينة تمر من حولهم كظلال.
صوت المحرك ممتزج بنبض القلوب.
رؤى (وهي تنظر للطريق):
– سليم طول عمره شايل ذنب مش ذنبه.
– الناس فاكرة إنه ابن مراد…
– بس محدش شايف قد إيه بيتألم من الاسم ده.
زين:
– عشان كده بالذات لازم نلحقه.
– مراد آخر شخص يستحق إنه يضيّع حياته عشانه.
تضغط رؤى على المقود بقوة.
رؤى:
– لو سليم عمل حاجة…
– ليل مش هتستحمل.
– وعاصم…
(تتوقف)
– عاصم هيتدمر.
زين (بصوت منخفض):
– وإحنا مش هنسمح بده.
ينظر إلى هاتفه، يفتح الخريطة.
زين:
– فيلا الشرقاوي قدّامنا بعشر دقايق.
– لو كان سليم سايق بجنون…
– إحنا متأخرين عنه دقيقتين بس.
تبتلع رؤى ريقها.
رؤى:
– يا رب نلحق.
قُبيل فيلا الشرقاوي
أضواء بعيدة تظهر في الأفق.
بوابة عالية… ظلال أشجار كثيفة.
زين (بحدة):
– أهو المكان.
تخفف رؤى السرعة، أنفاسها متقطعة.
رؤى:
– زين…
– لو لقيناه مسك مراد؟
ينظر لها نظرة ثابتة، عميقة.
زين:
– ساعتها…
– إحنا هنكون بينه وبين الجريمة.
تتوقف السيارة على بُعد أمتار.
صوت قلب رؤى يكاد يُسمع.
رؤى (بهمس):
– يا رب…
– يا رب نكون وصلنا قبل فوات الأوان.
**********************
فيلا الشرقاوي – البهو الداخلي
الفيلا غارقة في ضوء أصفر خافت.
صوت خطوات مراد يملأ المكان، ووراءه حارسان ضخمان، ملامحهما جامدة.
مراد يخلع معطفه ببطء، شفتاه منحنيتان بابتسامة انتصار مريضة.
مراد (ببرود):
– أخيرًا…
– مصر دايمًا بترحب بيا بطريقتها.
فجأة—
شفرة باردة تلامس عنقه.
تتجمد الحركة.
أنفاس الحراس تتسارع، أيديهم تتجه للأسلحة.
صوت مبحوح خلفه:
– خطوة واحدة…
– وأنا أفتحلك رقبتك.
يتسعُ نظر مراد قليلًا، ثم… يضحك.
ضحكة قصيرة، خبيثة.
مراد (بهدوء مستفز):
– استنوا.
يرفع يده للحراس دون أن يلتفت.
مراد:
– سيبوه.
– ده… ابني.
الكاميرا الذهنية تقترب:
سليم.
عينيه محمرتان، عروقه بارزة، السكين ترتجف لكنها ثابتة.
سليم (يصرخ):
– ما تقولش الكلمة دي!
– إنت مش أبويا!
– إنت عدوي… فاهم؟ عدوي!
يضغط السكين أكثر، نقطة دم رفيعة تسيل على عنق مراد.
الحراس يصرخون:
أحد الحراس:
– باشا…!
مراد (بابتسامة أبرد):
– قلتلكم… سيبوه.
يلتفت ببطء، كأن السكين لا تعنيه.
مراد (ساخرًا):
– شايف؟
– حتى وهو بيهددني… إيده بترتعش.
– طالع لي.
سليم (بجنون):
– اخرس!
– قولّي…
– ليل فين؟
– حالًا! دلوقتي!
مراد يحدق في عينيه، يتأمله كما لو كان يشاهد مشهدًا مسليًا.
مراد:
– ليل؟
(يضحك بخفة)
– ليه التوتر ده كله؟
سليم:
– ما تلعبش معايا!
– لو حصلها حاجة…
– أقسم بالله أقتلك حتى لو ده آخر يوم في عمري!
يميل مراد برأسه قليلًا، نبرة صوته تصبح أخطر.
مراد:
– يا سلام…
– الغيرة عاملة شغلها؟
تتشنج ملامح سليم.
سليم:
– إنت بتقول إيه؟!
مراد (بخبث مقصود):
– أصل واضح قوي.
– يمكن…
– بتحبها؟
يصمت المكان.
السكين ترتجف بعنف.
سليم (يزمجر):
– لااااا!
– متلوثش اسمها بوساختك!
يضحك مراد بصوت أعلى.
مراد:
– طب اسمحلي أقولك حاجة تزعل شوية.
– انساها.
سليم:
– ليه؟!
مراد (ببرود قاتل):
– أولًا…
– هي متجوزة.
يسحب نفسًا بطيئًا.
مراد:
– وثانيًا…
– مش هتعيش كتير.
يتجمد الدم في عروق سليم.
سليم (بصراخ هستيري):
– إنت قلت إيه؟!
يضغط السكين بقوة أكبر، الدم يسيل أكثر.
سليم:
– هتقتلها؟!
– إنت شيطان؟!
مراد (بابتسامة مظلمة):
– ساعات قليلة…
– وزياد قلبه هيتحرق للأبد.
سليم (بعينين دامعتين، بصوت مكسور):
– إنت مريض…
– ليل مش ملك حد…
– ليل أختي!
– فاهم؟ أختي!
يصمت مراد لحظة.
ثم ينفجر ضاحكًا.
مراد:
أختك ؟
يا سلام على الأخلاق اللي فجأة ظهرت -
يتحتى قليلا للأمام، متحديا السكرين
تمراد (يهمس سام)
الفرق بيني وبينك يا سليم ؟ -
إلى ما عنديش خطوط حمرا -
... ترتجف يد سليم
غضبه قهره اشمئزازه كل شيء يتصارع داخله
سليم (بصوت مبحوح)
... أقسم بالله
... لو شعرة واحدة من ليل اتاذت -
مراد ينظر في عينيه مباشرة، نظرة شيطان يعرف أنه أشعل النار
امراد
مش هتعيش تشوف شمس بكرة -
... تشوف -
يا ابني -
الدم يسيل بخط رفيع، وابتسامته المستفزة لم تختف
فجأة
السكين ما زالت على عنق مراد
صوت خطوات مسرعة
لفتح باب البهو بقوة
.... رؤى تدخل أولا
وما إن ترى المشهد حتى تصرح بقرع
رؤى بصوت مرتجف)
السليم -
الاااااا ابعد عنه
تضع يدها على فمها، عيناها تمتلكان بالدموع
اروی
لا ... لا بالله عليك -
... ما تعملش كده
اما تبقاش زيه -
يلتفت سليم قليلا عينيه حمراوان، مجنونتان
تسليم بقهر و انفجار)
از یه ؟ -
انت شايفة إلى زيه ؟ -
يضحك ضحكة مختلفة، مليئة بالألم
سليم
اده لازم يموت -
اده بيحزب حياة أي حد يقرب منه .
اده وسخ ... ووساخته بتعدي -
يتقدم زين خطوة سريعة، يرفع يديه بحذر
زين (بصوت هادئ رغم التوتر)
عليم -
... يصلي -
أنا هنا ... ما تعملش حاجة تدمرك -
يلتفت سليم فجأة، والسكين تقترب أكثر من عنق مراد
سليم (يصرخ)
امحدش يتحرك -
اولا خطوة واحدة -
او الا... والله أخلص عليه -
يتحمد الجميع
الحراس يشدون قبضاتهم، لكن نظرة مراد توقفهم
مراد (بهدوء شیطانی)
سيبود يتكلم -
واضح أن قلبه تقيل النهاردة -
روی (تیکی)
... سليم -
... انت مش قاتل -
... أنت طيب -
إنت مش هو -
يهز راسه يعنف
تسليم
شوفتي اللي حصل للي حواليه ؟ -
ا الطيبين بيموتوا با روی -
اكلهم دفعوا تمن وجوده.
تنهار روی اکثر
اروی
... ولو قتك -
اهتبقى انت كمان واحد من ضحاياه -
اهی کسب حتى وهو ميت -
... تتردد بد سليم للحظة
لكن صوت مراد يخترق الصمت
مراد (بهمس ساخر)
متسمعش -
هما دايما بيخافوا ياخدوا خطوة -
اتشتغل عينا سليم
سليم (يغضب أعمى)
الأخرس -
يضغط السكين أكثر
زين (بسرعة)
اسلیم -
افكر في ليل -
... لو عملت كده -
اعمرك ما هتقدر تبص في وشها -
تتوقف أنفاس سليم
اسم ليل يصيبه كرصاصة
وفي اللحظة التي بدأ فيها أن كل شيء سينفجر
صوت قوي حاسم مليء بالسلطة، يأتي من خلفهم
سليم -
السبب السكينة فوزا -
يصمت المكان
... حتى مراد
تختفي ابتسامته لأول مرة
والصوت يعاد أقرب أخطر
قلت سيبها ... دلوقتي -
رواية في قبضة العاصم الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سيليا البحيري
في فيلا الشرقاوي
عاصم ( بحدة)
سليم... سيب السكينة. دلوقتي -
تلتفت الأنظار ببطء
عاصم يقف عند المدخل
وجهه جامد... عيناه سوداوين بالغضب
فکه مشدود كأنه يكسر أسنانه
رؤى (بشهقة)
زين يتنفس براحة ممزوجة بالخوف
ا... عاصم -
سليم لا يبعد السكين، لكنه يهتز
تسليم (بصوت مبحوح)
... عاصم -
يتقدم عاصم خطوة واحدة فقط، يرفع يده بثيات
عاصم (بصوت منخفض لكنه أمر)
ما تقريش -
سببها يا سليم -
مش هتوسخ ابدلا بدمه
.... ينظر إلى مراد
نظرة قاتلة خالية من أي شيء إلا الحقد
يبتسم مراد ببطء... ابتسامة سامة
مراد (بسخرية لاذعة)
- آه...
فارس الأخلاق بنفسه -
يضحك ضحكة قصيرة
مراد
بصراحة ؟ -
أنا مش مستغرب إنك تطلع كده .
اتشتغل عينا عاصم
عاصم
اخرس -
مراد برود (مستقل)
ليه؟
الحقيقة بتوجع ؟ -
ينظر إليه من أعلى الأسفل
مراد
دم الخيانة كان دايما في عروقك -
.... أنا ما غسلتش دماغك -
أنا بس فتحت الباب اللي انت كنت مستني تفتحه .
يصمت المكان
مراد
... لو كنت طيب بجد.
ما كنتش صدقت إن زياد قتل رائد -
لكن جوال؟
كنت محتاج سبب نكرهه -
يرتعش فك عاصم
مراد
.... محتاج حد تهرب عليه غضبك -
... ضعفك.
فضلك -
ازین (غاضب)
ايس -
لكن مراد لا يتوقف
مراد يحقد)
خطفت بنته بايدك -
حبستها شهور -
ويتيجي دلوقتي تعمل فيها الضحية ؟ -
يرفع حاجيه
مراد
.... وبالمناسبة -
ليل لسه في قبضتي .
الصمت ينفجر
.... عاصم يتجمد الثانية واحدة
له
عاصم (بصوت وحشي)
ايبيه ؟ -
في حركة خاطفة
يتدفع للامام
عاصم ينتزع مراد من باقة ملابسه بعنف
سليم يفلت السكين تلقائيا
ويسدد له لكمة قوية تسقطه أرضا
روی تصرح
زين يحاول التقدم لكن يتوقف
عاصم يصرخ وهو يضربه)
اده علشان رائد -
لكمة ثانية
عاصم
ا أخويا اللي فعلته -
الكمة ثالثة
لعاصم
اده علشان ربی -
اعلشان الكرسي اللي حبستها فيه -
يحاول مراد الدفاع عن نفسه، بلا جدوى
عاصم (متفجر)
اده علشان ليل -
اسبع شهور عذاب بسببك -
يضربه مجددا، صوته يرتحف
لعاصم
اعلشان حاولت تقتل زیاد -
اعلشان كسرتنا واحد واحد -
مراد بضحكة مكسورة بين الضربات)
... متأخر -
اللعبة خلصت -
يمسكه عاصم من قميصه، يرفعه قليلا
عاصم (بعيون دامعة)
لا -
لسه ما بداتش -
يحاول زين وسليم الإمساك به
زین
اعاصم | كفاية -
امش كده -
تسليم
... الشرطة -
اليل أهم -
يتوقف عاصم فجأة
انفاسه تقيلة
.... ينظر إلى مراد الملقى أرضا
ثم يتمالك نفسه بصعوبة
مراد (بهمس سام)
... هتشوفها -
بس مش زي ما تحب -
يرفع عاصم رأسه ببط.
عاصم (بصوت بارد مرعب)
.... لو شعرة واحدة منها التأذت -
هخليك تتمنى الموت وما يجيش -
تعلق الكاميرا على وجه مراد
... وهو يبتسم
لكن لأول مرة
في عينيه ... خوف
في إيطاليا - فيلا الساندرو فيريتي / المساء
الفيلا غارقة في ضوء خافت
نوافذ زجاجية واسعة تطل على البحر أمواجه تضرب الصخور بإيقاع بطيء.... مقلق
الساندرو فيريتي يجلس على كرسي جلدي داكن
كوب قهوة إيطالية في يده، لم يشرب منها
يدخل أحد رجاله، ماركو روسي (أربعيني، ملامحه حادة)
عبداه تابستان... لا ترمش
ماركو بانحناءة خفيفة)
بوس -
يرفع الساندرو عينه فقط
الساندرو
تكلم -
لماركو
الرجل المصري ... مراد الشرقاوي -
تحرك بدون اذن -
خطف فتاة في القاهرة ... ابنة رجل اسمه زياد الزهراوي -
يضع ماركو ملفا رفيقا على الطاولة
مار کو
عملاؤنا أكدوا -
الفتاة مختطفة -
مراد في فيلته بمصر الآن -
الوضع هناك... بدأ يتحرك -
يصمت الساندرو لتوان
ثم يبتسم... ابتسامة باردة جدا
الساندرو (بهدوء مخيف)
قلت له -
ينهض ببطء، يتجه نحو النافذة
الساندرو
قلت له -
... لا نساء -
... لا أطفال -
الا ضوضاء -
يضرب الكوب على الطاولة
صوت الزجاج يتشقق
الساندرو (بغضب مكتوم)
وهو؟ -
اختار أسوأ شيء ممكن
يلتفت فجأة
الساندرو
هل تعرف ماذا يفعل الآن؟ -
ماركو
يجذب الأنظار -
الشرطة المحلية بدأت تشك -
وهناك تحركات... غير رسمية -
يضيق الساندرو عينيه
الساندرو
.... هذا الأحمق.
فوق رؤوسنا FBI لن يرتاح حتى يجلب الإنتربول و الـ -
يتنفس يعمق، ثم يقول بنبرة حاسمة
الساندرو
انتهى -
يصمت الجميع
ماركو (بحذر)
يوس... نقصد ...؟ -
الساندرو (قاطها)
مراد انتهى -
لا تحذير -
لا فرصة ثانية -
يمشي ببطء في القاعة
الساندرو
جهزوا الفريق -
خلال 48 ساعة تكون في مصر -
يتوقف، ثم يضيف بصوت منخفض لكنه قاتل
الساندرو
وأنا سأكون هناك -
تتسع عيدا ماركو
ماركو
بنفسك ؟ -
الساندرو
نعم -
يقترب من الطاولة، يلتقط صورة مراد من الملف
الساندرو (باحتقار)
هذا الرجل ظن نفسه لاعنا -
لكنه مجرد ضجيح
يمزق الصورة تصفين
الساندرو
... وسأ طفته
قبل أن يحرقنا جميعا -
يصمت، ثم يضيف بجملة أخيرة كالحكم النهائي
الساندرو
... من يكون قواعدي -
نمحي -
تعلق الستارة على وجه الساندرو
... وهو ينظر إلى البحر
وكان قرار الموت صار حقيقة لا رجعة فيها
القاعة عادت إلى سكونها
لكن الهواء نفسه صار أنقل
.... الساندرو يقف أمام الطاولة، يخرج هاتفا أسود قديما
رقم محفوظ باسم واحد فقط دون لقب
يتردد لحظة نادرة ... ثم يضغط الاتصال
... رئة ... دلتان
ياتيه صوت امرأة، هادئ لكنه مشحون
الصوت النسائي
توقعت اتصالك -
يرتسم ظل ابتسامة على شفتي الساندرو
الساندرو
وأنا توقعت أنك ما زلت تكرهينه بالقدر نفسه -
صمت قصير ... ثم زفير طويل المرأة
الكراهية لا تبرد يا ساندرو -
بل تنضج -
يجلس الساندرو ببطء
الساندرو
مراد تجاوز كل الخطوط -
لخطف فتاة ... ليل -
يتغير النفس في الطرف الآخر فجأة
المرأة بحدة مكبوتة)
ماذا قلت ؟
الساندرو
ليل الزهراوي -
في قبضته الآن -
يعلو الصوت لأول مرة
المرأة
... هذا الوعد -
.... أقسم أنني لو كنت هناك الآن.
يقاطعها الساندرو بنبرة باردة لكنها متفقة معها
الساندرو
ستكونين هناك -
معي -
صمت طويل ... تقبل
المرأة (بصوت يرتجف غضبا)
كنت أعلم أنه لن يتوقف -
... لم يكتف بما فعله بنا -
يتشدد صوتها، يصبح قاسيا
المرأة
الآن يمد يده إلى ليل ؟ -
... تلك القناة -
لیست مجرد ضحية -
هي ابني الذي لم أنجبه -
يغمض الساندرو عينيه لحظة
الساندرو
إذن تفكر بالطريقة نفسها -
المرأة
تريد قتله -
الساندرو (بلا تردد)
اريد محوه -
ضحكة قصيرة مظلمة تخرج من الطرف الآخر
المرأة
... أخيرا -
رجل يفهم -
تتنفس بعمل
المرأة
ساعود إلى مصر -
لا يهمني شيء آخر -
الساندرو
خلال 48 ساعة -
المرأة
سأكون جاهزة -
يصمتان لحظة، ثم نضيف بنبرة علينة بالحقد
: المرأة
مراد ظن نفسه الها -
.... لعب بحيوات الناس -
وكسر قلوبا لا تكسر -
الساندرو
.... وكل من يفعل ذلك -
يدفع الثمن -
المرأة (بقسوة)
... هذه المرة -
لن تكون له فرصة للهروب -
ينحني الساندرو قليلا للامام
الساندرو
ستفعلها مقا -
المرأة
معا
وقبل أن تغلق الخط، تقول جملة أخيرة، ببرود قاتل
المرأة
... لأجل ليل -
لن أرحمه -
يغلق الساندرو الهاتف ببطء
ينظر إلى الفراء أمامه
الساندرو (همشا لنفسه)
- مراد ...
انتهيت
روما - فندق قديم مطل على النهر / بالليل
الأوضة شبه ضلمة
ستارة الحقيقة بتتحرك مع هوا الليل
تادين قاعدة على طرف السرير
... في إيدها موبايل مقفول
أو على الترابيزة صورة قديمة
آدم.... وهي... وزين وهو طفل
.. تبص للصورة كثير
كثير قوي
نادین (بهمس مكسور)
... كبرت یا زین -
بقيت راجل أقوى مني
تبتسم ابتسامة صغيرة، مليانة وجع
الادين
ما بقيتش خايفة عليك -
تقوم، تقرب من الشباك، تبص على نور روما
... سامحتی با آدم -
نادين (حديث جواها، كان آدم واقف قدامها
ما عرفتش أكون زوجة عادية -
كنت دايما في حرب... حتى وأنا بحبك -
الغمض عينيها
نادين
... ما خنتكش -
أقسم إن قلبي ما عرفش غيرك -
... بس صدق الكذبة -
و مراد عرف ازاي يدمر كل حاجة -
تاخد نفس عميق، وصوتها بيترعش
لادين
... قتل أبويا -
.. وسايك تشك فيا -
وسرق من زين طفولته -
تمسح دمعة نازلة غصب عنها
نادين (كأنها بتكلم زين)
... كنت بشوفك نايم يا حبيبي -
وأوعدك إلى هحميك مهما كان الثمن -
تضحك بمرارة
دادين
... واهو انا -
لسه يوفي بوعدي
تلف ناحية المراية، تبص لنفسها
تادين
ما بقيتش الست اللي ينفع ترجع -
في دم... ما بيتنسيش -
تاخد الصورة وتضفها على صدرها
نادين بصوت مكسور قوی)
- ادم...
تقدر تحب من تاني -
ما تحسش بالذنب عشاني -
التنفس بالعافية
نادين
... وزين -
ما تكرهش الدنيا يسببي -
خليك أحسن منا كلنا -
... تسكت لحظة طويلة
وبعدين تهمس يحزم حزين
نادين
مراد مش هبادي حد تاني بعد كده -
ده آخر وعد مني -
تحط الصورة على الترابيزة بهدوء
كانها بتحط قلبها
النادين (آخر همسة)
... سامحوني -
أنا تعبانة -
تطفى النور
.... يفضل نور المدينة بس
وست عارفة انها ماشية لنهايتها لوحدها
سويسرا - مطار زيورخ الدولي / نهار بارد
لوكاس يقف قرب الحاجز الزجاجي معطفه مفتوح، سماعته الطبية ما زالت في جيبه كانها
صالة الوصول مزدحمة، أصوات الإعلانات تتردد بلغات متعددة
تذكره بالعملية التي تركها
ينظر إلى ساعته للمرة الرابعة خلال دقيقتين
لوكاس ايضجر واضح، يتمتم)
.... رائع ... تركت قلبا مفتوحا على طاولة العمليات -
لأقف هنا مثل سائق تاكسي -
يتنهد، يخرج هاتفه يكتب رسالة ثم يتراجع عن إرسالها
لوكاس مصطنعة لوكاس کارلا لوكاس كارلا كارلا لوكاس لوكاس
لا ... لا تستحق حتى رسالة -
يرفع رأسه فجأة حين يسمع صوت عجلات حقيبة تقترب
كارلا تظهر من بين الحشود: نظارة شمسية كبيرة، معطف أنيق، ملامح متوترة تخفيها بابتسامة
لوكاس يحدق بها لحظة ... ثم يبتسم ابتسامة جانبية باردة
أخيرا -
هل تعرفين كم شخصا كاد يموت لأنك قررت "الهروب" اليوم ؟ -
تنزع كارلا نظارتها، تنظر له ببرود مماثل
لا تبالغ -
انت تحب الدراما أكثر من العمليات -
يضحك بسخرية قصيرة
أنا أحب الانضباط -
شيء لم تسمعي به يوما -
تتقدم نحوه، تترك الحقيبة بجانبه
گفت تستطيع أن تقول لا -
لوكاس (بحزم)
وأتركك تعودين وحدك؟ -
... لا. ليس لأنني أخاف عليك -
بل لأن الفضيحة ستلحق باسمي -
ترفع حاجبها، مبتسمة
صادق كعادتك -
يتفخص وجهها بدقة طبية، يلاحظ الإرهاق
... تبدین
أقل أناقة من المعتاد -
كارلا ينقاد صير)
مورث باسبوع سيئ -
زواجك بأكمله كان أسبوعا سيئا -
تصمت لحظة، ثم تلتفت بعيدا
کارلا
مراد... ليس طبيعيا -
يلتفت إليها بسرعة
لوكاس
الآن فقط اكتشفت ؟ -
: قلت لك سابقا -
.... رجل لري، غامض، عربي، ومهووس بالسيطرة -
و صفة مثالية لكارثة -
تضغط على أسنانها
كارلا
لا يهم
انتهى -
لوكاس
ام هریت كعادتك وتظنين أن الأمور تمحى بالمسافة ؟ -
تنظر له بحدة
کارلا
انتهي ؟ -
جنت لأنني أحتاج مكانا أمنا -
الوكاس (باردا)
إذا لا تفكري في البقاء طويلا -
شقتي ليست ملجا للعلاقات الفاشلة -
تضحك بخفة مصطنعة
كارلا
... لا تقلق -
الن ازعجك أكثر مما أزعجتك الآن -
يننهد، يلتقط حقيبتها
الوكاس
سيارة الأجرة بانتظارنا -
.... لدي عملية أخرى بعد ثلاث ساعات -
وانت لديك قصة طويلة لن تهمني -
السير بجانبه، ثم تقول بنيرة مترددة
كارلا
... بالمناسبة -
.... مراد كان يحدثني كثيرا عن رجل بدوي -
قال إنه سبب له مشاكل كبيرة -
يتوقف لوكاس فجأة، يلتفت إليها بعينين حادثين
لوكاس
بدوي ؟ -
اكارلا
- نعم ...
اسمه راند، اظن -
بهر كفيه بلا مبالاة
الوكاس
لدي بدوي آخر دقر أعصابي هنا -
لكن العالم مليء بهم -
تضحك كارلا ببرود
کارلا
صدقة سخيفة -
الوكاس
.... العالم كله مبني على الصدق -
تم ندعي أننا لم نكن تعرف -
... يتابعان السير
كلاهما لا يعلم أن الخيوط بدأت تلتف حولهما ببطء
سويسرا - شقة رامي / مساء هادئ
الضوء الرمادي يتسلل من التوافذ الواسعة
رائد يقف وسط الصالة، شعره ما زال رطنا بعد الاستحمام، قميصه بسيط، ملامحه أقل
شحوبا ... لكن عينيه تحملان قلقا لا اسم له
انتهى من ترتيب ملابسه في الخزانة
تقدم بخطوات بطيئة، كان الشقة ليست غريبة ... ولا مألوفة
رائد (بصوت منخفض)
غريب -
أشعر أنني دخلت هذا المكان من قبل -
يمز قرب مكتبة خشبية، يلمح إطار صورة مقلوبا قليلا
يمد يده، بعدله
يتحمد
الصورة الأولى
رامي... شاب أكثر حيوية
إلى جانيه رائد نفسه، يضحك بحرية لا يعرفها الآن
و شخص ثالث... عاصم
تضيق عيناه
رائد (بهمس)
- هذا ...
هذا أنا؟ -
.... يمد يده لينفس الزجاج
وفجأة
وميض
ضحكة عالية
صوت محرك سيارة
يد على كتفه
صوت صبابي من الذاكرة)
شد حيلك يا بطل" -
يرتد رائد للخلف، يضع يده على رأسه
راند (بالم)
يسقط الإطار من يده، يرتطم بالأرض
اسان -
ينحني يتنفس بصعوبة
يرى صورة أخرى
رامي مع شابة جميلة، تضحك وتنشبت بذراعه
تراند
الصورة الثانية
... نیروز
قال لي رامي هذا الاسم -
نزداد نبضات راسه
صور تتلاحق
وميض اخر
صرخة مكتومة
اسم ينطق بحدة
صوت بعيد
اراند... انتبه" -
يركع على ركبتيه، يضغط على رأسه بكلتا يديه
رائد (بصوت مبحوح)
... توقفوا -
- کفی ....
في تلك اللحظة، يفتح باب الشقة بسرعة
إلينا تدخل معطفها الطبي فوق ذراعها، المفاتيح بيدها
النجمد حين تراه على الأرض
البنا (بفرع)
ارائد -
ترمي المفاتيح تركض نحوه، تجتو امامه
الينا
... انظر إلى
هل تسمعني ؟ -
يرفع رأسه بصعوبة، عرق بارد على جبينه
راند
... رأسي -
تنظر بسرعة إلى الصور الملقاة، تفهم فوزا
يؤلمني بشدة -
الينا بحزم لطيف)
.... قلت لرامي أن يبعد الصور -
الذاكرة لا تحب المفاجات -
تضع يدها خلف رأسه بلطف
إلينا
تعال
سنذهب إلى الغرفة -
يحاول الوقوف، يترنح
رائد (يضعف)
... رأيت أشخاصا -
... أشعر أنني أعرفهم -
تساعده على النهوض، ذراعه حول كتفيها
الينا
لكن لا أستطيع الإمساك بهم
هذا طبيعي
توصله إلى الغرفة، تجلسه على السرير، ترفع الوسادة خلف راسه
ذاكرتك تستيقظ لكنها خالفة -
إلينا بصوت هادئ جدا)
أغمض عينيك -
تنفس معي -
يفعل أنفاسه متقطعة
فراند
... الرجل في الصورة -
... عاصم -
لماذا أشعر أنه مهم جدا؟ -
تتردد لحظة ... ثم تختار الصدق الأمن
الينا
لأنه كان جزءا من حياتك -
لكن ليس الآن... ليس بعد -
تضع كمادة باردة على جبينه
إلينا
لا تجبر نفسك -
الذكريات ستعود حين تكون مستعدا -
يفتح عينيه قليلا، ينظر لها
راند (بامنتان صامت)
... كلما رأيتك -
أشعر بالأمان -
تبتسم ابتسامة صغيرة مهنية ... لكنها دافئة
الينا
هذا دوري -
وأنا هنا -
تغلق الستائر تخفض الإضاءة
.... رائد يستلقي أخيرا الألم يهدأ ببطء
لكن الصور لم تختلف
... خارج الغرفة الإطار المكسور على الأرض
ووجه عاصم يبتسم من الماضي
في مصر - مكان مهجور جنب الغابة / بالليل
الضلمة تقيلة ... ما بيقطعهاش غیر نور خافت داخل من شباك مكسور
ليل قاعدة على الأرض، ايديها لسه متربطة نص ربطة، نفسها سريع
بس عينيها مولعة بعناد
اليل يتكلم نفسها بصوت واطي
.. مش ها فضل هنا -
.... عاصم هييجي، بابا هييجي -
بس لو قدرت أخرج لوحدي... هخرج -
تبص حواليها
تلاحظ مسمار طالع من عمود خشب
تزحف بالراحة، وتبدأ تحتك بالحيل فيه
... دم خفيف
بس ما بتوقفش
اليل (بهمس مكسور)
الوجع أهون من إني استنى -
اطق
الحبل ينقطع
... تتحمد ثانية
مفيش صوت
تقوم بالراحة، تفتح الباب الحديد المخلوع نص فتحة
هوا الليل يخبط في وشها. حرية
تجري
.... فروع الشجر بتخبط في وشها، فستانها ببنقطع، نفسها بيتحرق
الغابة - لسه بالليل
بس ما يتقفش
وفجأة
صوت وراها غاضب
ا استنى -
واحد من الحراس
شافها
الحارس (بيزعق)
اوقفى يا بنت -
نزود جريها دموعها بتنزل، قلبها هيطلع من صدرها
ليل (بنفس متقطع)
... يا رب... خطوة بس... خطوة واحدة -
تشوف نور بعيد
طريق
تطلع من الغابة فجأة، وتجري من غير ما تبص
صوت فرامل حاد
خبطة جامدة
جسم ليل يتخبط ويتحدف على الأرض... ساكن
العربية - على نفس الطريق
العربية تقف بعنف
جواها نیرون ماسكة الدركسيون بايدين بيتر عشوا
انیروز (بفزع)
ايا نهار أبيض -
الا لا لا -
تنزل بسرعة، تجري على الجسم المرمى على الأرض
نیروز
.... بالله عليك قولي إنك كويسة ... أرجوك -
... تنزل على ركبتها
تور موبایلها
النور يقع على الوش
نیروز (بتشهق)
ال ... ليل ؟ -
تقع على ركبتها جنبها
نیروز (بانهبار)
... لا ... مستحيل -
اليل ردي عليا -
تمسك وشها، تلاحظ الكدمات والدم الخفيف
تیروز استقبط)
.... أنا... أنا ما شفتكيش... طلعتي فجأة قدامي -
تسمع صوت خطوات جای من بعيد
نیروز تلف تشوف ظل الحارس طالع من الغابة
... تتحمد لحظة
وبعدين تتحرك بغريزة
انیروز (بحزم رغم الخوف)
تفتح باب العربية اللي ورا بسرعة، وتشد ليل بكل قوتها
... مش هياخدوها -
... سامحيني... سامحيني -
نيروز (بتنهج)
تحطها في العربية، تقفل الباب بعنف، وتجري على الكرسي
الحارس يقرب وهو بيزعق
الاستني -
تشغل العربية وتدوس بنزين بأقصى سرعة
الطريق يبلعهم
ليل مغمى عليها، راسها على الكرسي
جوا العربية - بعد شوية
نیروز سايقة ودموعها نازلة
فيروز (بتكلمها كأنها سامعاها)
... كنت راجعة من الصعيد -
.... قلت أرجع القاهرة الليلة بدل الصبح
تضحك بمرارة
البروز
... سبحان الله
كان ربنا يعتني ليكي -
تبصلها بخوف وجب
نیروز (بحزم)
... أقسم لك -
محدش هيا خدك تاني -
تمسك الموبايل بايد بترتعش
نیروز
... سليم -
لازم تيجي فوزا -
..... العربية بتشق الطريق في الضلمة
ووراهم مكان الخطف بقى فاضي
في فيلا الزهراوي - الصالة الكبيرة / بالليل
الصالة مليانة ناس... بس في حاجة ناقصة
زياد واقف عند الشباك إيده مقفولة بقوة، عروقه باينة
حور قاعدة على الكتبة، عينيها موزمة من العياط، وجميلة وملك جنبها بيحاولوا يهذوها
فجأة أدهم يلف ويبص حواليه بتركيز
ادهم (بقلق فجاة)
... استنوا كده -
فين رؤى ؟ -
المكان يسكت لحظة
مازن
.... كانت هنا من شوية -
ادهم (يبص تاني حواليه)
وسليم ؟ -
وزين؟ -
وعاصم .... -
الهوا تقبل فجأة
خور (بصوت بيتر عش)
عاصم مش هنا ؟ -
زياد بلف بعصبية
زیاد
ايعني ايه مش هنا ؟ -
قبل ما الصوت يعلى أكثر
آدم التي كان ساكت طول الوقت يطلع نفس ببطء... نفس واحد فهم كل حاجة
يمرر ايده على وله وبعدين يرفع راسه يعينين سودا
ادم (بهدوء يخوف)
راحوا فيلا الشرقاوي -
الكل يبصلة مرة واحدة
جميلة (بفزع)
اليه ؟ -
ملك
ايعني راحوا عند مراد؟ -
ادم
سليم مستحيل يقعد هنا دقيقة وهو عارف إن أبوه هو اللي خطف ليل -
وزين عمره ما كان هيسيبوه لوحده -
ورؤى... قلبها بيغلب عقلها أول ما الموضوع يبقى فيه ليل -
البيض الزياد في عينه
ادم
... وعاصم -
لو ما راحش، أيقى أنا ما عرفوش -
زياد يخيط على الترابيزة بإيده
زیاد (بغضب مكبوت)
مراد لعب بالنار -
ادهم (يقلق آب)
... پس دول خیال یا آدم -
امراد ده شيطان، ومعاه سلاح، وحواليه حرس -
حور تقوم فجأة وكأنها هتفع، جميلة تمسكها
حور (بانهيار)
... بنتي هناك -
او ولادنا رايحين للموت -
آدم (بجزم قاطع)
- لا.
مش هسمح الليلة دي تتحول لبحر دم
يمشي ناحية الموبايل
مازن
هتعمل ايه ؟ -
ادم
أول حاجة مش هنطلع كلنا وراهم -
ده اللي مراد عايزه... لخبطه ودم -
ييض الزياد
تادم
يا زياد لو رحت وانت بالحالة دي... هتقتله .
أو هو اللي هيقتلك -
زياد يشد على سنانه... وما يعترضش
آدم (يكمل)
انا متصرف بطريقاني -
.... مراد مش موضوع عيلة وبس -
ده ملف امني -
يتصل صوته واطي بس حاسم
ادم (في التليفون)
عايز مراقبة كاملة على فيلا الشرقاوي حالا -
فعلوا الخطة ب -
من غير تدخل ... لحد ما أدي الإشارة -
. يقفل، ويبص للجميع
آدم
... عاصم وسليم وزين -
لو فاهمين هما بيعملوا ايه هيخلوا مراد يغلط بنفسه
ادهم
ولو ما حصلش كده ؟ -
ادم يبص في الأرض ثانية... وبعدين يرفع عينه
نادم
... ساعتها -
هندخل للحق اللي يتلحق -
حور نمسك إيد زياد بتعيط في صمت
حور (بهمس موجوع)
... رجعلي بنتي
... وكل الولاد -
بس رجعهملي -
زياد يحط ايده فوق ايدها، صوته مبحوح
زیاد
... أقسم لك -
مراد مش هيشوف صبح بعد الليلة دي -
فيلا الشرقاوي - الصالة الرئيسية / ليلا
مراد ملقى على الأرض
عاصم فوقه، يمسكه من ياقة قميصه ينهال عليه بالضرب بلا رحمة
وجهه ملطخ بالدم، انفاسه متقطعة
عاصم (وهو يضرب)
ادي علشان راند -
(ضربة)
اودي علشان ربی -
اودي علشان ليل... علشان كل نفس خدته وإنت بتفكر تأذيها -
(ضربة أقسى)
مراد يضحك ضحكة مختلفة بين الدم
مراد (بسخرية متكسرة)
... كفاية يا بطل -
عاصم يصرخ بجنون ويضربه مرة أخرى، لكن يده ترتجف... الإرهاق بدأ يظهر
إبدك تعبت ... وأنا لسه عايش -
الحراس يندفعون للأمام
حارس 1
الازم توقفه .
قبل أن يصلوا
سليم يقف أمامهم، سكينه لا تزال بيده
تسليم (بجنون)
إخطوة واحدة ... وأقسم بالله هتحفروا قبوركم هنا -
زين يقف بجانبه، يفتح ذراعيه بابتسامة ساخرة
زين (بيرود كوميدي)
الليلة دي حجز كامل مفيش استقبال ضيوف -
... يا جماعة براحة -
أحد الحراس يحاول الالتقاف
زين يلتفت بسرعة
ازین
لا لا لا ... الخروج المقبرة، اختار براحتك -
روى واقفة في الزاوية تبكي بشدة، يداها ترتجفان
روی (بصوت مكسور)
. عاصم... كفاية -
ابالله عليك كفاية ... هتضيع نفسك -
لكن عاصم لا يسمع
عيناه سوداوان... لا يرى إلا مراد
... يرفع قبضته ليضرب مجددا
..... وفجأة
يدخل حارس اخر من الباب الخارجي، وجهه شاحب، أنفاسه متلاحقة
الحارس (برعب)
... سید مراد -
... البنت
الصالة كلها تتجمد
تسليم
اليه ؟ -
ا البنت هربت -
رؤى (بشهادة)
اليل ؟ -
زين ينسى الكوميديا)
تهريت... إزاي يعني هربت ؟ -
مراد، رغم أنه تحت قبضة عاصم
.... تتغير ملامحه فجأة
الغضب بشتغل
مراد (بزار)
ا إنت يتقول ايه يا حيوان؟ -
يحاول النهوض، لكن عاصم يضغط عليه أقوى، يثبته بالأرض
عاصم (بصوت منخفض مرعب
.. بالكذب -
صح ؟ -
ينظر مباشرة في عيني مراد
عاصم
... دي تمثيلية -
... عايزنا نمشي -
عايز تشتت انتباهنا -
مراد يضحك ... ضحكة مجنونة
امراد
ايا سلام على الذكاء -
اشايفني في مسرح ؟ -
يلتفت للحارس بغضب
مراد
مين كان ماسكها ؟ -
افين الحراس اللي بره؟ -
الحارس (بصوت مهزون)
.... في حارس بيجري وراها -
يس
بس اختفت في الغابة اللي ورا المكان -
عاصم بشد قبضته أكثر
عاصم (بغضب مكتوم)
اقسم بالله هخليك تتمنى إنك من قبل اللي عملته في رائد -
... لو به كذب -
مراد ينظر له نظرة حقد خالص
مراد
ولو صدق ؟ -
هتعمل ايه ؟ -
هتجري في المجنون تدور عليها ؟ -
وتسيبني ؟ -
... عين عاصم تهتز لحظة
لحظة شك قاتلة
سليم (بصوت حاد)
... عاصم -
الو كانت فعلاً هريت..... لازم تتحرك دلوقتي -
رؤى (تبكي)
.... يمكن تكون مصابة -
ايمكن حد أذاها -
زين (بجدية غير معتادة)
لو مراد بيكذب هنرجه تكفل تكسير العضم -
.... بس لو بيقول الحقيقة -
كل ثانية بتعدي خطر -
... عاصم ينظر المراد نظرة طويلة
يحاول أن يقرأه
: عاصم (ببرود قاتل)
.... لو لمست شعرة منها بعد اللي حصل -
مش هسيب حد يدفنك -
ثم يدفعه بقوة أرضا ويقف
مراد يسعل، يضحك بدم
مراد
.... متأخر يا عاصم -
اللعبة بدأت من زمان -
قطع المشهد على
وجوه متوترة
قرار صعب
وخطر أكبر من أي وقت مضى
في مشفى قنا العام - ليلا
(محافظة قناء على الطريق بين القاهرة والأقصر)
أضواء النيون البيضاء قاسية
رائحة المطهرات خانقة
تمروز جالسة على أحد المقاعد البلاستيكية أمام غرفة العمليات
ممر طویل بارد و صوت خطوات متقطعة
... يديها ترتجفان
... وجهها شاحب
عيناها متورمتان من البكاء
باب غرفة العمليات مغلق
اللافتة الحمراء مضاءة
عمليات جراحية - ممنوع الدخول"
نیروز تضع يدها على المها، تحاول كنم شهقتها
انیروز (بهمس مكسور)
... يا رب -
..... يا رب ما يكونش حصلها حاجة -
... أنا ما كنتش شايفاها ... والله ما كنت شايفاها -
تمر ممرضة بجانبها، تنظر لها بشفقة تم تكمل طريقها
نیروز تخرج هاتفها بيد مرتجفة
... التردد ثانية
: ثم تضغط اسم
«سليم»
يرن
يرن
... في القاهرة
القاهرة - سيارة متوقفة على جانب الطريق
سليم القيصري يقف بجانب السيارة
وبيجاد خلف المقود يشرب قهوة باردة
هاتف سلیم برن
ينظر الاسم، يشعر بانقباض مفاجئ
سليم
نیروز؟ -
يرد بسرعة
مشفى قنا - اتصال هاتفي متقطع
تسليم (قلق)
نيروز؟ انت فين ؟ صوتك ماله ؟ -
يتفجر صوت نيروز بالبكاء
نیروز (بشهقات متقطعة)
... سليم -
.... أنا ... أنا خبطت حد
... خبطت ليل -
يصمت سليم فجأة
وجهه يتجمد
سليم (غير مستوعب)
انت بتقولي ايه ؟ -
نیروز (بذعر)
.... كانت طالعة من الضلمة -
... أنا ما لحقتش أفرمل -
... وقعت قدامي -
.... ولما نزلت من العربية -
(تنهار)
اطلعت ليل يا سليم... ليل -
في القاهرة
بيجاد ينتبه فوزا
بیجاد
افي ايه ؟ -
سليم يرفع يده له أن يصمت عينيه لا تزالان على الهاتف
سليم (بصوت مخلوق)
.... طيب... طيب اسمعيني
هي فين دلوقتي ؟ -
نیروز
.... في... في مشفى قنا العام -
... دخلوها العمليات -
... الدم كان كثير -
... أنا ... أنا كنت هموت من الخوف -
سليم يمرر يده في شعره بعنف، يدور حول نفسه
النسيم
انت لوحدك ؟ -
اليروز
- ايوه ...
.... معرفش أعمل ايه
... حاسة إن قلبي هيقف -
صوت باب غرفة العمليات يفتح لحظة
ثم يغلق من جديد
نیروز تنتفض
نيروز (تصرخ في الهاتف)
... يا سليم... أنا خايفة
.... لو جرالها حاجة -
امش مسامح نفسی -
صوت سليم يصبح حاسما فجأة، رغم ارتجافه الداخلي
سليم
... يضي لي -
متتحركيش من المشفى
اسمعيني كويس -
البروز
. حاضر ... حاضر -
السليم
أنا جاي حالا -
أنا وبيجاد -
ربع ساعة وتكون على الطريق -
ينظر لبيجاد
سليم (بحزم)
اتحرك ... دلوقتي -
بيجاد (من دون أسئلة)
قناء -
سليم يومئ براسه
بیجاد
مسافة طويلة ... بس توصل -
يعود سليم للهاتف
تسليم بصوت أهدا، دافي)
... نیروز -
... يضي عليا -
انت ما عملتيش حاجة غلط -
حصل قضاء وقدر -
نیروز نهر رأسها رغم أنه لا يراها
نیروز
... بس هي
.... هي أختهم -
... هي بنت زياد -
ليل -
تسليم
وانا جوزك -
ومش هسيبك لوحدك ثانية
استنيني... سامعة ؟ -
تيروز (بدموع)
... سامعاك -
يعلق الخط
مشفى قنا - من جديد
نیروز تنزل الهاتف ببطء
تضغط على صدرها
تنظر إلى باب غرفة العمليات
و تهمس بصوت مبحوح
نیروز
... استحملي يا ليل -
... عاصم اكيد جاي -
كلهم جايين -
صباح اليوم التالي - مشفى فنا العام
ضوء الصباح يتسلل من النوافذ العالية
باهت... متعب... كأنه هو الآخر لم يتم
الممر نفسه
المقاعد البلاستيكية نفسها
لكن نيروز تبدو أصغر، أضعف، كان الليل سرق منها سنوات
جالسة
ظهرها منحن
عيناها معلقتان على باب العناية المركزة
الكوب الورقي أمامها لم تلمسه
... الهاتف في يدها مطفأ
. وكأنها تخاف أن يرن
خطوات مسرعة تسمع من آخر العمر
ملامحه مشدودة، عيونه حمراء من السهر والطريق الطويل
سليم القيصري يدخل أولا
خلفه بيجاد أكثر هدوء لكن القلق واضح في قبضته المشدودة
نیروز ترفع رأسها ببطء
لحظة صمت
تم تنهار
نیروز
... سليم - أنقف فجأة، صوتها مبحوح
لم تكمل
ارتمت في حضنه بقوة
سليم يضفها فورا
كان العالم كله سيتفكك إن تركها
سليم
.... أنا هنا - بصوت منخفض، ثابت)
خلاص انا جيت -
نیروز تیکي دون صوت
كتفاها يهتزان
نیروز
.... دخلت العمليات امبارح بالليل -
... خرجوها من سوية -
... يس -
.... حظوها في العناية المركزة يا سليم - التراجع خطوة، تنظر له بذعر)
سليم يغمض عينيه لحظة
يأخذ نفسا عميقا
سليم
... طيب -
اسمعيني كويس
يمسك وجهها بين كفيه، يفرض عليها أن تنظر له
سليم
انت عملت اللي تقدري عليه
إنت أنقذنيها ... فاهمة ؟ -
نیروز نهز راسها نفيا، دموعها لا تتوقف
نیروز
... لو كنت أبطأ ثانية -
... لو كنت شايفتها بدري -
... كانت -
سلیم
يس - (يحرم لطيف)
"مفيش "لو -
بيجاد يقترب بهدوء، ينظر لباب العناية المركزة
بیجاد
الدكتور قال ايه ؟ -
نیروز تمسح دموعها بسرعة، تحاول التماسك
نیروز
.. النزيف اتوقف -
بس عندها ارتجاج شدید.
.... ولسه تحت المراقبة -
بیجاد یومی براسه، يفهم أكثر مما يقال
بیجاد
يعني المرحلة الجاية أصعب -
سليم يشد نيروز إلى جانبه، يجلسان معا
لحظة صمت ثقيلة
تم بيجاد يخرج هاتفه
سليم
هتعمل ايه ؟ - (ينظر له)
بیجاد
هبلغهم
دلوقتي -
نيروز ترفع رأسها بقلق
نیروز
مين ٢٠٠ -
ایجاد
ينسحب خطوتين بعيدا، يتصل
بیجاد
الكل -
... آیود یا زیاد بيه -
لیل اتلاقت - بصمت لحظة)
يتغير صوته، يصبح أنقل
بیجاد
- أيوه ...
في مشفى قنا العام -
... كانت في عملية طول الليل
دلوقتي في العناية المركزة -
يتنفس بعمق
یجاد
... نيروز هي اللي لاقتها -
حصل حادث وهي هربانة -
يصمت، يستمع
بیجاد
أبود... فاهم -
... بس أهم حاجة دلوقتي تيجوا بهدوء
الحالة حرجة، وأي توتر ممكن يأثر -
يغلق الخط
يعود إلى سليم ونيروز
بیجاد
زیاد عارف -
آدم.... عاصم ... كلهم في الطريق -
نیروز تشحب
نیروز
- عاصم...؟
سليم يشد يدها
سیم
عاصم هيهمه حاجة واحدة -
ان ليل تعيش -
ينظر في عينيها بثيات
سليم
... والباقي -
هيتحاسب -
ليروز تنظر مجددا إلى باب العناية المركزة
... عيناها ملينتان بالخوف
وبالأمل
من خلف الزجاج
.... أجهزة ... أسلاك
وجسد ليل ساكن، محاط بالضوء الأبيض
نیروز تهمس
نیروز
... سامحيني -
سامحيني بس قومي -
سليم يقبل رأسها بهدوء
سليم
متقوم -
... ليل قوية -
وأقوى من اللي حاول يكسرها -
فيلا الزهراوي - القاهرة - صباحا
.... الهاتف في يد زياد
الشاشة سوداء
المكالمة انتهت لكن صداها ما زال يرن في رأسه
زياد واقف في منتصف الصالون
ظهره مستقيم لكن كتفيه مثقلان
كان خيرا واحدا كسر كل ما يناه داخله
لا يتكلم
آدم يراقبة من بعيد
... يعرف هذا الصمت
هذا ليس صمت رجل قوي
هذا صمت آب خائف
الم
زياد...؟ - (بحذر)
زیاد برفع عينيه ببطه
فيهما شيء لم يروه فيه من قبل
زياد
لقوها - (بصوت مكسور)
الحظة صمت
حور تقترب خطوة، قلبها يخفق يعنف
حور
... في مشفى -
في قنا -
الصمت ينفجر
حور
اقنام - الصرخ)
ايعني ايه قنا؟ -
تركض نحوه تمسك بذراعيه بقوة
حور
بنتي فين ؟ -
اهي عايشة ؟ -
اقولي إنها عايشة يا زياد -
زياد يحاول أن يكون صلبا ... يفشل
زیاد
.... كانت في عملية طول الليل -
دلوقتي في العناية المركزة -
حور لا تسمع الباقي
تنهار
تجلس على الأرض فجأة
كان قدميها خانداها
حور
... ليل - (تبكي بحرقة)
... يا روحي -
... يا بنتي -
ملك تسرع إليها، تجتو بجانبها
ملك
حور... حبيبتي، قومي -
لازم تبقى قوية -
لكن حور تدفعها بعيدا، تزحف نحو زياد وتمسك بقدميه
حور
خدني ليها -
دلوقتي -
او الله ما أستنى ثانية -
تنظر له بعينين متورمتين
حور
زياد... دي بتنا -
زياد يتحني فوزا يرفعها من الأرض ويضفها بقوة
... لأول مرة
بيكي بصوت
زیاد
أنا معاكي -
هنروح -
ادهم يتقدم، وجهه منتجهم
أدهم
قدا مش ساعة ولا اثنين -
جميلة تمسك يد زوجها، عيناها مليئتان بالخوف
جميلة
لازم تتحرك بعقل -
يعني ايه ؟ -
نقعد نستلي ؟ -
أدهم
لا
بس مش كلنا نسيب الفيلا -
ينظر حوله
أدهم
... في ناس اختفت .
وفي لعب كبير شغال -
مازن يتنهد بعمق
مازن
صح
لو كلنا مشينا، تكون كشفنا نفسنا -
آدم يتدخل اخيرا، صوته حاسم
آدم
القرار بسيط -
ينظر إلى زياد مباشرة
ادم
زياد وحور لازم يروحوا -
ملك معاهم -
يلتفت إلى البقية
ادم
أنا وأدهم ومازن تفضل هنا -
الرتب... واستنى الأخبار -
حور ترفع رأسها فجأة
حور
لا -
أنا مش هسيب ليل ثاني -
زیاد
انت مش سايباها - يمسك يدها)
انت رايحة لها -
ثم ينظر للجميع، بنبرة لا تقبل النقاش
زیاد
اللي حصل ليل مش حادث -
واللي عمل كده ... لسه طليق -
صمت تقيل
.... ملك بصوت مرتجف) - هتشوفنا يا ليل
و هتعرفي إننا جايين -
حور تمسح دموعها يعنف، تقف
حور
خمس دقايق -
أغير هدومي -
. تم تلتفت إلى زياد، نمسك وجهه
حور
... لو ينتى جرالها حاجة -
زياد يقاطعها فورا
زیاد
"مفيش لو -
يضع جبهته على جبهتها
زیاد
ليل هنعيش -
وأنا مش هسيب حقها -
فيلا الشرقاوي - الصالون الرئيسي
فيلا الشرقاوي - الصالون الرئيسي
مراد ملقى على الأرض، أنفاسه منقطعة آثار الضرب واضحة على وجهه
الهواء تقيل
عاصم يقف فوقه صدره يعلو ويهبط قبضتاه ما زالتا مشدودتين
سليم الشرقاوي يمسح الدم عن يده
زین واقف بجانبه، يراقب بحذر
روی تیکی بصمت عيناها لا تفارقان المشهد
... فجأة
يرن هاتف عاصم
الجميع ينتبه
... عاصم ينظر إلى الشاشة
اسم بیجاد
یرد فورا
عاصم
صوت بيجاد يأتي متقطع، متوترا
قول - (بحدة)
بيجاد (من الهاتف)
... عاصم
لقينا ليل -
عاصم يتجمد
عاصم
-إزاي ...؟
اهي فين ؟ -
بیجاد
في مشفى... في فنا -
... حصل حادث -
نیروز... صدمتها بالعربية -
الصوت يختفي
الكلمات لا تصل كاملة ... لكنها كافية
وجه عاصم يفرغ من الدم
... عيناه تلسعان
. تم يفقد التركيز
عاصم
صدمتها ...؟ - بهمس مبحوح
الهاتف يسقط من يده
زين - عاصم ...؟
لكن عاصم لا يسمع
... يتراجع خطوة
.... ثم أخرى
، وكأن الأرض تهتز تحته
عاصم
ليل - (بصوت مكسور)
فجأة، يلتفت يعنف
يترك مراد تماشا، كأنه لم يعد يراه
سليم
اليه اللي حصل ؟ - (مستغرب)
عاصم يصرخ فجأة، صرخة مرعبة
عاصم
الحراس -
ا ادخلوا ... دلوقتي -
يدخل حراس عاصم مسرعين، مدججين عيونهم على سيدهم
عاصم
قيدوا مراد - (ببرود قاتل)
وكل رجاله -
مراد (يضحك بسخرية متقطعة ) - خايف عليها ؟
ولا واحد يتحرك -
... شكلك حبيتها بجد -
عاصم يلتفت اليه ببطر
تجعل الضحكة تختفي من وجه مراد
عاصم
، ولا كلمة
الحراس ينقضون يقيدون مراد ورجاله بقسوة
أنت ميت... بس الله.
... زين (بهمس لسليم) - أنا أول مرة أشوفه كده
ده مش عاصم اللي تعرفه -
سليم - دي نظرة واحد ممكن يولع الدنيا
عاصم يلتفت إليهم فجأة
عاصم
أنا ماشي دلوقتي - (يسرعة)
ينظر إلى رؤى
عاصم
انت معايا -
روی
ا أنا ...؟ - (مصدومة)
عاصم
مش هسيبك هنا -
يلا
تم ينظر إلى سليم وزين
عاصم
... انتوا -
اقعدوا مع الكلب ده -
يشير إلى مراد باحتقار
عاصم
.... لو فكر يتنفس من غير إذني -
اقطعوا النفس -
مراد (بابتسامة باهتة) - فاكر إنك سيقتني؟
اللعبة لسه مخلصاتش -
عاصم لا يرد
لا يلتفت
لا يسمع
يمسك يد رؤى بقوة، يكاد يجرها
رؤى
اعاصم ... هي هتعيش ؟ - (تبكي)
يتوقف فجأة
يلتفت إليها
... في عينيه خوف عار
غير ممود
عاصم
لازم -
تم يركض
... الباب يفتح يعنف
ويعلق يعنف أكبر
يبقى في الصالون
مراد مقید بلیت
سليم ينظر إليه بحقد صامت
زين يتنفس بعمق
زين
شكلك خسرت أهم ورقة يا مراد - بسخرية سوداء)
... مراد يبتسم
ابتسامة صغيرة ... غامضة
مطار ليوناردو دا فينشي - روما | صالة المغادرة الدولية
.... الضجيج منظم، بارد
أصوات النداءات، خطوات المسافرين، عجلات الحقائب
نادين نمشي بخطوات ثابتة معطف داكن، شعرها مرفوع بإحكام
عيناها لا تتحركان كثيرا ... لكن فيهما شيء خطير
... شيء لا يشبه الحزن فقط
بل قرار نهائي
إلى جوارها، الساندرو، أنيق كعادته، ابتسامة صغيرة واثقة على شفتيه
ينظر إلى لوحة الرحلات
الساندرو
روما... القاهرة - (بابتسامة انتصار)
أخيرا -
يلتفت إليها
الساندرو
.. بعد سنين -
مصيبة حياتي هتنتهي -
نادين لا تبتسم
لكن عينيها تلمعان... لمعانا مظلما
تادین
... مراد -
ما دفرش بس حياتنا -
هو قتل ناس جوه قلوبنا ولسه بيتنفس -
الساندرو يضحك ضحكة خافتة
الساندرو
وده أكثر شيء بيخليني مستمتع -
... لأول مرة -
هكون أنا النهاية -
يتقدم موظف المطار، يفحص جوازي السفر، يشير لهما بالمرور
بمشیان نحو بوابة الصعود
الساندرو
عندك أي تردد؟ - (وهو يسير)
نادين تتوقف فجأة
تنظر أمامها ... لا إلى الساندرو
نادين
الا -
... في حاجات -
تستأنف السير
ما ينفعش تتغفر -
في منطقة الانتظار، يجلسان قرب الزجاج الكبير
الطائرة واقفة ضخمة، صامتة ... كأنها شاهدة على ما سيحدث
... الساندرو يخرج هاتفه، ينظر إلى صورة قديمة
يمسح الشاشة
الساندرو
مراد فاكر نفسه دايما سابق بخطوة -
... بس نسي إن في ناس -
بتصير كثير -
نادين تشيك أصابعها بقوة
نادين
.... وهو نسي إن الدم - بصوت منخفض جدا)
لما يفضل من غير حساب -
بيرجع يطالب بثمنه -
ينظر إليها، لأول مرة بجدية حقيقية
الساندرو
انت مخيفة لما تتكلمي كده -
تلتفت اليه بيضاء
نادين
انا عادلة -
يعلن عبر مكبر الصوت
الركاب المتجهون إلى القاهرة ... يرجى التوجه إلى بوابة الصعود
يقف الساندرو فورا
الساندرو
لحظة تاريخية -
نادين تنهض معه
تأخذ نفسا عميقا
يتجهان إلى الصف
... وفجأة
.... صوت رجولي يأتي من خلفهما، هادئ
لكن مشبع بسخرية لاذعة
الصوت
القاهرة ؟ -
... يا لها من صدقة جميلة -
يتجمد الساندرو في مكانه
كيف نادين يتصلب
الصوت يقترب خطوة
الصوت
.... واضح أن الرحلة دي -
فيها حسابات كثير -
تادين لا تلتفت
الساندرو يضغط على فكه
الصوت يكمل، أخف... أخطر
الصوت
... تشرفنا -
واضح إننا هنقضي الرحلة سوا -
. ولا تكشف الهوية
قطع
.... يتقدم الرجل خطوة إلى الضوء
الملامح تنضح
رامی
يتوقف الزمن
عينا نادين تتسعان، أنفاسها تختنق
الدم يتجمد في عروقها حرفيا
رامي
... - بذهول ساخر)
لا نيرا ؟ -
.... نادين تفتح فمها ... تحاول الكلام
ولا يخرج منها سوى همسة مكسورة
نادين
الساندرو ينظر بينهما، ثم يبتسم ابتسامة واسعة مستمتعة
الساندرو
ايا سلام - (بمرح قاتل)
واضح أن الرحلة بقت ممتعة -
يلا بينا... الطيارة مش هنستنانا ولا أسراركم -
رامي يضحك ضحكة قصيرة، مليئة بالاستهزاء، وهو يثبت نظره على نادين
رامي
.... عمري ما تخيلت إن الصدمة الأكبر -
تطلع مش في القاهرة -
.... نادين تبتلع ريقها بصعوبة
... وجهها شاحب
وعيناها تقولان شيئا واحدا
الكشف السر
رواية في قبضة العاصم الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سيليا البحيري
في منزل لمى خالة بيجاد
كانت لمى جالسة على الأرض، ظهرها إلى الحائط، شعرها منكوش، تحدّق في الفراغ كأنها ترى أشباحًا لا يراها أحد. تضحك… ثم تصمت فجأة.
أمامها تالين، واقفة، ذراعاها متشابكتان، عيناها مشتعلة بالحقد.
تالين (بصوت مكبوت يغلي):
«شايفة؟ شُفتِ بعينك يا ماما؟ شُفتِ لما الحقيقة طلعت؟ ولا لسه مش مصدّقة؟»
لمى تضحك ضحكة قصيرة هستيرية، ثم تضرب الأرض بكفها.
لمى:
«أنا كنت عارفة… عارفة إنهم كذابين… كلهم… كلهم كدّابين!»
تالين تقترب منها، تنحني أمامها.
تالين:
«بس اللي وجعتني مش نوال… اللي وجعتني ربى.»
تشدّ على الكلمة الأخيرة بأسنانها.
تالين (بحقد صريح):
«ربى… الست المهذبة، الهادية، اللي داخلة بيت بيجاد كأنها أميرة. وأنا؟ أنا بنت خالته، دمي من دمه، واقفة أتفرج.»
لمى ترفع رأسها ببطء، عيناها زائغتان.
لمى:
«سرقتك… سرقت مكانك… سرقت حلمك…»
تالين (بانفعال):
«أيوه! سرقت كل حاجة!
الفلوس… الاسم… البيت… وحتى نظراته.»
تضحك بسخرية جارحة.
«عارفة؟ كانت بتبصلي كأنها بتشفق عليّ… شفقة!»
لمى تبدأ في هزّ رأسها بعنف.
لمى:
«الشفقة أسوأ من الكره… الشفقة بتكسر…»
ثم تصمت فجأة، وتخفض صوتها.
«بس أنا… أنا مش مجنونة… هم اللي خلّوني كده.»
تالين تبتلع ريقها، تنظر حولها للبيت الصغير.
تالين:
«شايفة ده؟ ده بيتنا الحقيقي.
مش الفيلا… مش الصور… مش الكذب.»
تجلس على الكرسي المهترئ، تضرب بقدمها الأرض.
«وبيجاد؟ بيجاد واقف في النص… ولا عمره شافنا.»
لمى تضحك مجددًا، لكن هذه المرة بدموع.
لمى:
«هو شاف… بس اختار ما يشوفش.»
لحظة صمت ثقيل.
تالين (بصوت أخف، لكنه أعمق):
«أنا مش عايزة أؤذيه… ولا حتى عايزة أؤذيها.»
ترفع عينيها، وفيهما نار.
«بس الكره ده… الكره ده مش راضي يطلع من قلبي.»
لمى تمد يدها، تمسك يد ابنتها بقوة غير متزنة.
لمى:
«خليه… خليه جواكي…
الكره عمره ما بيموت… بيستنى.»
تالين تنظر إلى يد أمها، ثم إلى وجهها المتعب.
تالين (بمرارة):
«وأنتِ؟»
لمى تبتسم ابتسامة مكسورة، نصفها وعي ونصفها جنون.
لمى:
«أنا استنيت كتير… واستنيت غلط.»
يخيم الصمت.
المصباح يومض.
تالين تهمس لنفسها، لا لأمها:
«ربى… فاكرة نفسك كسبتي؟»
لا تهديد.
لا خطة.
فقط حقد حيّ… يتنفس… وينتظر.
**********************
بعد فترة قصيرة
أغلقت تالين باب غرفتها بهدوء، كأنها تخشى أن يسمع أحد أفكارها.
أسندت ظهرها إلى الباب للحظة… أغمضت عينيها… وزفرت طويلًا.
تقدّمت ببطء نحو المرآة.
وقفت أمامها.
تأملت انعكاسها طويلًا.
شعرها مرتب رغم الفقر، ملامحها ناعمة، عيناها واسعتان، وجه لا ينقصه شيء.
مدّت يدها ولمست خدها بخفة.
تالين (تهمس لنفسها):
«أنا… شكلي مش وحش.»
ابتسامة باهتة ظهرت ثم اختفت سريعًا.
«عمري ما كنت ناقصة جمال… ولا عقل.»
سكتت.
عيناها بدأت تبتعدان عن الشكل… وتتعمقان أكثر.
وفجأة…
الذكريات هاجمتها.
نظرات حقد.
كلمات لاذعة قالتها بتهور.
غيرة صامتة تحولت لسمّ.
فرح الآخرين الذي كانت تفسده داخلها.
شدّت قبضتها.
تالين (بصوت مرتجف):
«بس روحي…»
تضحك بسخرية موجعة.
«روحي قبيحة.»
رفعت رأسها وحدّقت في عينيها في المرآة.
«أنا اللي خرّبت نفسي بإيدي.»
صمت.
تنفّست بعمق… مرة… مرتين.
تالين:
«كرهت ربى… مش عشان هي سيئة…
كرهتها عشان أنا كنت ضعيفة.»
تلمع الدموع في عينيها لكنها لا تسقط.
«كنت دايمًا بحط نفسي في مقارنة…
ودايمًا بطلع خسرانة.»
اقتربت خطوة أخرى من المرآة، حتى كادت تلامسها.
صوتها صار أكثر ثباتًا.
«بس كفاية.»
كلمة خرجت حاسمة.
تالين:
«كفاية حقد… كفاية دور الضحية… كفاية لوم.»
مدّت يدها ومسحت بخار أنفاسها عن المرآة.
وكأنها تمسح شيئًا أعمق.
«أنا مش محتاجة أدمّر حد علشان أكون أحسن.»
ابتسامة صغيرة… حقيقية… ظهرت لأول مرة.
«ولو فضلت كده… هبقى زي ماما… ضايعة… غرقانة… ومش فاهمة نفسها.»
ارتعشت للحظة.
ثم قالت بصوت منخفض لكن صادق:
«وأنا مش عايزة النهاية دي.»
تبتعد خطوة، تنظر لنفسها كاملة.
«أنا هتغيّر… مش علشانهم… علشان نفسي.»
سكتت، ثم أضافت وكأنها تعاهد نفسها:
«وهبدأ من دلوقتي.»
أطفأت المصباح.
بقي انعكاسها في الظلام…
*************************
في مشفى قنا – الممر أمام غرفة العناية المركزة
اندفع زياد أولًا في الممر، خطواته سريعة رغم تعبه،
وخلفه حور تكاد تركض، يدها على صدرها، أنفاسها متقطعة،
وملك إلى جانبهما تحاول أن تكون ثابتة لكنها ترتجف.
لمحوا من بعيد نيروز جالسة على الكرسي، وجهها شاحب،
وإلى جانبها سليم القيصري واقف، يضع يده على كتفها،
وبيجاد واقف أمام باب غرفة ليل، عيناه لا تفارقان الضوء الأحمر فوق الباب.
حور (بصوت مبحوح، يكاد ينكسر):
«ليل… بنتي فين؟»
اقتربت منهم بسرعة، كأنها تخشى أن تختفي الإجابة.
بيجاد التفت فورًا، صوته هادئ لكنه جاد:
«هي بخير يا طنط حور… الحمد لله.»
ثم أضاف بصدق:
«العملية نجحت… بس لسه ما فاقت.»
حور وضعت يدها على فمها،
وعيناها امتلأتا بالدموع دفعة واحدة.
«الحمد لله… الحمد لله…»
انهارت فجأة، كأن جسدها لم يعد يتحمل.
أمسك بها زياد بسرعة، احتواها بذراعيه.
زياد (بصوت منخفض، قوي رغم الارتجاف):
«هي قوية… زي أمها.»
في تلك اللحظة، نهضت نيروز ببطء.
خطت خطوات مترددة نحوهم، رأسها منخفض، عيناها حمراوان من البكاء.
نيروز (بصوت مكسور):
«أنا… أنا آسفة.»
توقفت، كأن الكلمات تخونها.
«أنا ما كنتش شايفة… خرجت فجأة قدامي… وأنا…»
بدأت تبكي، بكاءً صامتًا موجعًا.
«أنا صدمتها… أنا السبب.»
سليم القيصري حاول أن يتكلم، لكن زياد سبقه.
اقترب من نيروز،
نظر إليها بعينين مليئتين بالتعب… والحنان.
زياد:
«بصي لي يا نيروز.»
رفعت رأسها ببطء.
زياد (بحزم أبوي دافئ):
«إنتِ ما صدمتيش بنتي.»
نيروز شهقت:
«بس—»
زياد قاطعها بلطف،
ومدّ ذراعيه واحتضنها فجأة، احتضان أب حقيقي.
«إنتِ أنقذتيها.»
تجمدت نيروز للحظة… ثم انفجرت بالبكاء في حضنه.
زياد:
«لو ما كنتيش إنتِ في الطريق…
لو ما كانتش عربيتك ظهرت في اللحظة دي…
مكنتش بنتي رجعتلنا.»
حور اقتربت،
وضعت يدها على ظهر نيروز وهي تبكي معها.
حور:
«إنتِ بنتنا… قبل ما تكوني أي حاجة تانية.»
ملك مسحت دموعها، وقالت بصوت متأثر:
«ربنا بعثك في الوقت الصح.»
بيجاد تنفس بعمق، وكأنه أخيرًا سمح لنفسه بالراحة.
سليم القيصري شدّ يد نيروز برفق.
سليم:
«شايفة؟
ربنا اختارك تكوني سبب نجاتها.»
نيروز (ببكاء):
«كنت فاكرة إن حياتي انتهت…»
زياد:
«لا.»
ابتسم ابتسامة حزينة مطمئنة.
«حياة بنتي لسه مكملة…
وده بفضل ربنا… وبفضلك.»
ساد الصمت للحظة.
كلهم نظروا إلى باب غرفة العناية المركزة.
الضوء الأحمر ما زال مضاءً…
لكن هذه المرة،
كان في القلوب أمل.
***********************
كان الجميع ما يزال واقفًا أمام الباب،
حين دوّى صوت خطوات سريعة في آخر الممر.
التفتوا جميعًا…
عاصم.
ملامحه شاحبة، عيناه حمراوان، أنفاسه غير منتظمة،
وخلفه رؤى تركض بالكاد تواكبه، تبكي بحرقة وتضع يدها على فمها.
رؤى (بصوت متهدّج):
«ليل… فين ليل؟!»
اندفعت نحو حور، احتضنتها بقوة وكأنها طفلة صغيرة.
حور شدّت عليها بقلب أم:
«اطمني يا حبيبتي… لسه جوه، بس بخير.»
أما عاصم…
فلم ينطق.
تقدّم بخطوات بطيئة، نظر إلى باب الغرفة كأنه يخشى الاقتراب،
كأن مجرد لمسه للباب قد يكون اعترافًا بأن الأسوأ ممكن.
صوته خرج أخيرًا… مكسورًا:
عاصم:
«هي… عايشة؟»
بيجاد اقترب فورًا، وضع يده بقوة على كتف عاصم.
بيجاد (بحزم أخوي):
«عايشة يا عاصم.
والعملية نجحت.»
سليم القيصري أضاف بسرعة، محاولًا تثبيته:
«إصاباتها كانت خطيرة، آه…
بس ربنا ستر.»
عاصم أغمض عينيه فجأة،
وكأن جسده قرر أخيرًا أن يسمح للدموع بالنزول.
مرر يده على وجهه بعصبية:
«كنت فاكر…
كنت حاسس إني هفقدها.»
صوته انكسر في آخر الجملة.
اقتربت منه نيروز بخجل وألم:
«عاصم… أنا—»
لكن عاصم رفع يده فورًا، أوقفها.
نظر إليها بعينين موجوعتين… لكن بلا لوم.
عاصم:
«ولا كلمة.
إنتِ سبب إنها تكون هنا دلوقتي.»
ثم نظر إلى زياد:
«لو ما كانتش…»
زياد قاطعه بهدوء حاسم:
«قدر ربنا.»
وفجأة…
انفتح باب غرفة العناية المركزة قليلًا.
خرجت الممرضة، وعلى وجهها ابتسامة مهنية دافئة.
الممرضة:
«الحمد لله… الآنسة ليل فاقت.»
لثانية كاملة…
لم يتحرك أحد.
ثم—
حور:
«إيه؟!»
رؤى صرخت بفرح وبكاء معًا:
«فاقت؟!»
عاصم تقدّم خطوة واحدة، صوته خرج بالكاد مسموع:
«صح؟»
الممرضة ابتسمت أكثر:
«أيوه… فاقت، وبتسأل.»
وضعت يدها في الهواء بهدوء:
«بس لو سمحتم…
مش كلكم تدخلوا مرة واحدة.»
ضحكت بخفة:
«هي لسه ضعيفة.»
انفجر المكان بمزيج من البكاء والضحك.
حور سجدت مكانها:
«الحمد لله… الحمد لله.»
رؤى احتضنت نيروز بقوة:
«ربنا عوضنا… ربنا كريم.»
بيجاد تنفّس بعمق وكأنه كان حابس نفسه منذ ساعات.
سليم القيصري ابتسم أخيرًا ابتسامة ارتياح صادقة.
أما عاصم…
فوقف مكانه،
يده ترتجف،
عيناه معلّقتان بالباب.
زياد اقترب منه، وضع يده على ظهره.
زياد (بصوت منخفض):
«ادخل…
هي محتاجاك.»
عاصم هزّ رأسه ببطء،
وكأن الكلمات أثقل من أن تُستوعب.
ثم تمتم لنفسه:
«أنا جاي يا ليل…
ما سيبتكش… ومش هسيبك أبدًا.»
************************
في الطائرة المتجهة من روما للقاهرة
رامي جلس وذراعه معقودة، نظراته حادة، باردة، كأنها مشرط.
في المقعد المقابل نادين، شاحبة، عيناها حمراوان من البكاء الذي حاولت كتمه.
وعلى الطرف، بجانب النافذة، الساندرو… ساق فوق ساق، ينظر إلى الفراغ، لا يهمه سوى الوصول.
ساد صمت ثقيل…
قطعه رامي أخيرًا بنبرة ساخرة:
رامي:
«لانيرا…
اسم حلو، صح؟»
جسد نادين انتفض.
رفعت رأسها ببطء، وكأن الرصاصة جاءت متأخرة لكنها قاتلة.
نادين (بصوت مبحوح):
«إنت…
إنت عرفت إزاي؟»
رامي ابتسم… لكن بلا أي دفء.
رامي:
«لأنك غلطتي غلطة وحدة بس…
بس كفاية.»
اقترب قليلًا، خفّض صوته:
«في ملف قديم، متشال من الأرشيف من خمس سنين…
عميلة مصرية اختفت فجأة، وبعدها بسنة ظهرت لانيرا في شبكات المافيا الإيطالية.»
نظر مباشرة في عينيها:
«ونفس الأسلوب…
نفس البرود…
نفس الذكاء اللي بيلعب على الحافة.»
نادين أغلقت عينيها بقوة، دموعها انفلتت أخيرًا.
نادين (بانهيار):
«أنا ما كنتش عايزة كده!
مراد… مراد دمّرني!»
رامي (بقسوة):
«لا.
إنتِ دمّرتي نفسك.»
نادين رفعت صوتها، لأول مرة:
«قتل أبويا!
قتل اللواء عبد الكريم القناوي!»
بكت وهي تتكلم، أنفاسها متقطعة:
«وبعدها لعب في دماغ آدم…
خلّاه يصدق إني بخونه، خلّاني أطلع من حياته وأنا بريئة!
وأنا…
أنا كنت لوحدي، مكسورة، ضعيفة…»
رامي قاطعها بحدة:
«وضعفك ما يديكيش الحق تبيعي بلدك.»
الكلمة ضربتها كصفعة.
رامي تابع، صوته منخفض لكن قاتل:
«مراد ما مسكش إيدك ووقّعك.
إنتِ اللي اخترتي.
اخترتي المافيا…
اخترتي تكوني لانيرا.»
نادين صرخت هامسة:
«كان لازم أعيش!»
رامي:
«كان ممكن تعيشي بشرف.»
سكتت.
لم تجد ردًا.
من الطرف الآخر، الساندرو التفت أخيرًا، نبرة باردة، خالية من أي انفعال:
الساندرو:
«مشاعركم الوطنية دي مملة.
أنا يهمني شيء واحد بس…»
نظر إلى نادين:
«هل لسه ناوية تقتليه؟»
نادين مسحت دموعها بعنف، عيناها تحولتَا لشيء مظلم.
نادين (بحقد أسود):
«أنا رايحة أقتل مراد.
مش علشانكم…
ولا علشان البلد…»
نظرت إلى رامي مباشرة:
«علشان نفسي.»
رامي نظر لها باشمئزاز صريح، بلا أي محاولة لإخفائه.
رامي:
«الفرق بينا…
إني لو قتلت مراد، هكون بنفذ عدالة.
إنتِ رايحة تنتقمي…
والانتقام دايمًا بيخلّي القاتل شبه ضحيته.»
ساد صمت جديد.
الساندرو أعاد نظره للنافذة، كأن الحوار انتهى بالنسبة له.
الساندرو ببرود:
«باقي ساعتين ونوصل القاهرة.
بعدها…
كل واحد فينا يعمل اللي شايفه.»
نادين أغمضت عينيها.
صورتا آدم وزين مرّتا في ذهنها كطعنة أخيرة.
همست، بالكاد تُسمع:
«سامحوني…»
رامي لم يرد.
اكتفى بالنظر للأمام،
كأنه يرى النهاية…
ويكره الجميع الذين اختاروا هذا الطريق.
***********************
في شقة رامي في سويسرا
استفاق رائد ببطء.
لم يكن الألم أول ما شعر به…
بل الفراغ.
سقف الغرفة أبيض، مرتب، غريب.
الستائر نصف مفتوحة، ضوء رمادي بارد يتسلل من الخارج.
نهض قليلًا، أسند ظهره إلى الوسادة، ومرر يده على وجهه كأنه يتأكد أنه ما زال موجودًا.
نظر حوله.
هذه الغرفة… يعرفها، ولا يعرفها.
هذا السرير… مريح، لكنه لا يحمل أي ذكرى.
تنهد بعمق.
همس لنفسه، بصوت خافت:
«عاصم…»
توقف.
تعجب من نفسه.
لماذا هذا الاسم بالتحديد؟
لماذا كلما حاول أن يمسك بشيء في داخله، يظهر هذا الاسم كوميض؟
ضغط على صدغه، الألم عاد خفيفًا.
«مين أنت…؟
وليه حاسس إنك مش غريب عني؟»
شعر بضيق، كأن روحه تعرف أكثر مما يسمح له عقله.
في تلك اللحظة، سُمع صوت مفتاح في الباب.
ثم خطوات هادئة.
دخلت إلينا.
كانت تحمل صحنًا صغيرًا، يتصاعد منه بخار خفيف، ورائحة دافئة ملأت المكان.
ابتسمت فور أن رأته مستيقظًا.
إلينا (بلطف صادق):
«أحسن توقيت.
كنت لسه جاية أصحيك.»
اقتربت، جلست على طرف السرير، ومدّت له الصحن.
«حساء دجاج…
وعدتك إني أطبخ لك حاجة تشبه البيت.»
رائد نظر للحساء، ثم إليها.
ابتسامته كانت باهتة… لكنها حقيقية.
رائد:
«ريحته…
غريبة.»
ضحكت بخفة:
«غريبة ولا حلوة؟»
رائد:
«حلوة…
بس توجع شوية.»
رفعت حاجبيها بقلق:
«توجع؟ ليه؟»
أخذ الملعقة، حرّكها ببطء.
رائد:
«لأني حاسس إن في حاجة شبه كده في حياتي…
بس مش قادر أفتكرها.»
سكتت لحظة، ثم قالت بهدوء:
«وإنت مش مطلوب منك تفتكر دلوقتي.»
أخذ رشفة صغيرة.
تنفس بعمق.
رائد، بصوت مكسور قليلًا:
«إلينا…
أنا تعبان من التفكير.»
نظرت إليه باهتمام كامل.
«حاسس إني مش أنا.
حاسس إني شخص ناقص…
بلا ماضي، بلا حاضر.»
رفع عينيه لها، وفيهما شيء طفولي مؤلم:
«إزاي الإنسان يعيش وهو مش عارف هو مين؟»
اقتربت أكثر، دون أن تلمسه، لكنها كانت قريبة بما يكفي ليشعر بها.
إلينا:
«إنت مش بلا هوية، رائد.
إنت بس في مرحلة…»
بحثت عن الكلمة:
«…إعادة تعارف مع نفسك.»
ابتسم بسخرية خفيفة.
رائد:
«لوكاس قال غير كده.»
تجمدت ملامحها فورًا.
إلينا (بانزعاج واضح):
«لوكاس؟
إيه اللي قاله؟»
رائد أنزل نظره، صوته منخفض:
«قال إني مجرد شخص مجهول.
بلا ماضي، بلا جذور…
ويمكن بلا قيمة.»
رفعت رأسه فجأة، نبرتها حادة على غير عادتها:
إلينا:
«ما تسمحش له يقول عنك كده.»
رائد تفاجأ من حدتها.
إلينا تابعت، بعصبية مكبوتة:
«لوكاس مريض…
مش طبيًا بس، نفسيًا.»
تنهدت، ثم قالت بهدوء مصطنع:
«هو بيكره أي شخص قوي من الداخل.
وأنت… حتى وانت فاقد ذاكرتك، فيك قوة تخوفه.»
رائد نظر لها طويلًا.
رائد:
«غريب…
إنتِ بتتكلمي كأنك واثقة مني أكتر مني.»
ابتسمت بحنان، ومدّت يدها أخيرًا، وضعتها فوق يده.
إلينا:
«لأني شفتك ثلاث سنين، يا رائد.
حتى وانت نايم…
كنت بتحارب.»
ابتلع ريقه.
«تحارب إيه؟»
إلينا هزت رأسها بلطف:
«مش وقته.»
ثم أضافت، بنبرة دافئة:
«لكن اللي متأكدة منه…
إنك مش شخص بلا قيمة، ولا بلا هوية.»
نظرت في عينيه مباشرة:
«هويتك مش ذاكرتك بس.
هويتك في طريقة نظرتك، في إحساسك بالناس، في خوفك إنك تكون غلط.»
ساد صمت قصير.
رائد شعر بشيء يضغط على صدره…
لكن ليس ألمًا هذه المرة.
رائد، بصوت خافت جدًا:
«أنا لما بصحى…
أول حاجة بفتكرها، وشك.»
تفاجأت.
تورد وجهها قليلًا.
إلينا:
«رائد…»
قاطعها، صوته صادق، عاري:
«يمكن لأني مش فاكر غير اللي حقيقي.»
لم ترد.
اكتفت بأن ضغطت على يده برفق.
ثم قالت بهدوء:
«اشرب الحساء كله.
وبعدها ترتاح.»
ابتسم.
رائد:
«ولو قلت لك إني مش عايز أنام؟»
إلينا:
«ليه؟»
نظر لها، بعينين ممتلئتين بشيء جديد… شيء يشبه الحب:
«لأني لما أصحى…
بخاف أرجع أضيع.»
ابتسمت بحنان عميق.
إلينا:
«وأنا هنا.
ولو ضعت…
هتلاقيني.»
وفي تلك اللحظة،
رغم فقدان الذاكرة…
شعر رائد لأول مرة
أنه ليس وحيدًا.
************************
في مصر مشفى قنا
تحركت أصابع ليل ببطء.
رمشت… مرة… مرتين…
كل شيء ضبابي.
أول ما شعرت به… ألم.
ألم حاد في رأسها، كأن أحدهم يضغط عليه من الداخل.
همست بصوت متعب:
«آه…»
فورًا، اقتربت حور من السرير، وكأن قلبها كان ينتظر تلك الهمسة.
حور (بلهفة مرتعشة):
«ليل… حبيبتي… أنا هنا… أنا جنبك.»
فتحت ليل عينيها أكثر.
الصورة بدأت تتضح.
وجه أمها…
شاحب، عينان منتفختان من البكاء.
همست ليل بصوت واهن:
«ماما…؟»
انفجرت دموع حور فورًا، لكنها حاولت أن تبتسم.
حور:
«أيوه يا روحي… ماما هنا…
أنتِ بخير… الحمد لله… الحمد لله…»
مدت يدها تمسح شعرها بلطف شديد، وكأنها تخشى أن تتألم حتى من اللمس.
على الجانب الآخر، كان زياد واقفًا صلبًا… لكن عينيه تقولان كل شيء.
اقترب خطوة، أمسك يد ابنته.
زياد (بصوت منخفض لكنه ثابت):
«حمد لله على سلامتك يا ليل.»
نظرت له، ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الألم.
«بابا…»
ثم تحرك ببطء شخص ثالث…
كان واقفًا قرب النافذة، يراقبها منذ أن بدأت تفتح عينيها.
عاصم.
اقترب ببطء… وكأنه يخشى أن يكون حلمًا.
صوته خرج مبحوحًا:
«ليل…»
التفتت إليه.
وللحظة… نسيت الألم.
همست باسمه:
«عاصم…»
أغمض عينيه للحظة، كأنه يستعيد روحه التي غابت عنه ساعات طويلة.
اقترب أكثر، لكنه لم يلمسها… فقط انحنى قليلًا.
«كنتِ هتروحي مني…»
حور مسحت دموعها بسرعة، محاولة أن تبقى قوية.
ليل حاولت أن ترفع رأسها قليلًا، فتأوهت من الألم.
زياد بسرعة:
«براحة يا حبيبتي… ما تتحركيش.»
ليل بصوت ضعيف:
«رأسي… بيوجعني أوي…»
عاصم فورًا:
«هندّي الدكتور…»
ليل هزت رأسها بخفة:
«لا… استنى… أنا كويسة.»
تنفست بعمق… ثم فجأة، تغيرت ملامحها.
لم تعد الفتاة المتألمة فقط…
شيء في عينيها أصبح أكثر صلابة.
زياد لاحظ ذلك.
زياد (بنبرة هادئة لكن مباشرة):
«ليل…
مين اللي خطفك؟»
سؤال كان يعرف إجابته…
لكنه أراد أن يسمعها منها.
حور نظرت له بقلق:
«زياد… سيبها ترتاح شوية.»
ليل نظرت لوالدها… ثم إلى عاصم…
ورغم التعب، قالت بوضوح:
«مراد.»
ساد صمت ثقيل.
عاصم شدّ قبضته بقوة حتى برزت عروقه.
ليل أكملت، وصوتها أصبح أكثر ثباتًا:
«عن طريق مروة… زميلتي.»
حور شهقت:
«مروة؟!»
ليل أومأت.
«هي اللي استدرجتني… قالت إن في دكتورة مستنياني…
خدتني لمكان فاضي…
وبعدين واحد خدرني.»
تنفس عاصم بصعوبة، صوته أصبح مظلمًا:
«أذوكي؟»
ليل نظرت له مباشرة.
«لا…
بس كانوا مستنيين أوامر.»
نظرة واحدة تبادلها زياد و عاصم.
نظرة واضحة جدًا.
نهاية مراد… رسميًا.
زياد اقترب أكثر، صوته صار حاسمًا:
«اسمعيني يا ليل.
بعد شوية هييجي ضابط ياخد أقوالك.»
عاصم أكمل، ونبرته لا تقبل النقاش:
«هتقولي كل حاجة.
اسم مروة… واسم مراد.»
ليل نظرت لهما…
ثم قالت بإصرار واضح رغم التعب:
«هقول كل حاجة.
مش هخاف.»
حور أمسكت يدها بسرعة:
«بس من غير ما تضغطي على نفسك…»
ليل نظرت لأمها بحب.
«ماما… لو سكتنا… مش هيوقف.»
زياد عينيه لمعتا بفخر رغم القلق.
«دي بنتي.»
عاصم اقترب أخيرًا، جلس بجانبها، أمسك يدها برفق هذه المرة.
«أنا كنت هقتله بإيدي امبارح.»
ليل نظرت له بهدوء.
«عارفة.»
ثم همست:
«بس خلّيه يتحاسب صح…
عشان ما يأذيش حد تاني.»
صمت.
ثم أضافت، وعيناها تلمعان بإصرار:
«أنا مش الضحية.
هو اللي خلاص انتهى.»
عاصم ابتسم ابتسامة خطيرة.
زياد قال بهدوء قاتل:
«هو فعلاً انتهى.»
وفي تلك اللحظة…
لم يكن في الغرفة فتاة مريضة فقط…
كان هناك شهادة ستُسقط إمبراطورية رجل
عاش عمره يعتقد أنه فوق الحساب.
**********************
في فيلا الشرقاوي
رائحة العرق والغضب تملأ المكان.
مراد جالس على كرسي خشبي ثقيل، يداه مقيدتان خلفه، وقدماه مربوطتان.
وجهه متورم من ضرب عاصم…
لكن عينيه؟
لا تزالان مليئتين بالجنون.
صرخ فجأة:
«يفكر نفسه مين؟!
الولد الحقير ده يقيدني في بيتي؟! في بيتي أنا؟!»
ضحك ضحكة هستيرية قصيرة.
«أنا مراد الشرقاوي!
اللي الكل كان بيقف له احترام!
أنا اللي بنيت إمبراطورية!
أنا اللي لعبت بالكل زي الشطرنج!»
مال برأسه للخلف، يتنفس بسرعة، وكأنه يخطب أمام جمهور وهمي.
«خالد مات…
وادهم اتكسر…
زياد طول عمره كان تحت رجلي وهو مش واخد باله!
ورائد؟»
ابتسم ابتسامة مظلمة.
«اختفى… زي ما أنا حبيت.»
صوت المفتاح في الباب أوقف ضحكته.
انفتح الباب ببطء.
دخل سليم…
وفي يده صينية طعام.
خلفه مباشرةً، وقف زين، صامتًا هذه المرة… بلا ابتسامة.
مراد التفت، وعيناه اشتعلتا.
«أهو جه الابن العاق.»
سليم وضع الصينية على الطاولة أمامه بلا كلمة.
نظرة واحدة فقط…
نظرة احتقار صريح.
مراد ابتسم بسخرية:
«جايبلي أكل؟
ولا جايبلي سم؟»
سليم قال ببرود:
«ولا ده ولا ده.
لسه بدري على موتك.»
مراد ضحك:
«إنت فاكر نفسك راجل كده؟
تربيت في قصوري… أكلت من مالي…
وفي الآخر تبقى كلب لزياد؟»
سليم اقترب خطوة.
«ما تقولش اسمه.»
مراد نظر له بحدة.
«إنت ابني!
وازاي تسمح لحد يهين أبوك بالشكل ده؟»
قبل أن يرد سليم، تكلم زين لأول مرة.
صوته لم يكن مرحًا كعادته.
كان باردًا… قاطعًا.
«العم زياد دلوقتي مع ليل في المستشفى.»
مراد تجمد للحظة.
زين أكمل:
«ليل فاقت…
واعترفت بكل حاجة.»
الصمت نزل ثقيلًا.
مراد حدّق فيهما، غير مصدق.
«بتكذبوا.»
سليم قال بهدوء جارح:
«لا.
قالت اسمك.
وقالت اسم مروة.
والشرطة جاية تاخدك رسمي.»
مراد انفجر:
«مستحيل!
أنا فوق القانون!
أنا—»
قاطعه سليم، لأول مرة بصوت مرتفع:
«إنت مجرم.»
الغرفة صمتت.
مراد نظر لابنه بصدمة حقيقية هذه المرة.
«إيه؟»
سليم اقترب أكثر، عينيه تلمعان بالغضب المكبوت منذ سنوات.
«طول عمري شايفك قدوة.
فاكر إنك قوي… ذكي…
طلعت شيطان.»
مراد همس بذهول:
«إنت… بتكلمني كده؟»
سليم ابتسم بسخرية مريرة.
«أنا مستمتع بإهانتك.»
تلك الجملة نزلت كصفعة أقسى من كل ضرب عاصم.
مراد حدق فيه…
كأن الأرض اهتزت تحته.
«أنا أبوك.»
سليم رد فورًا:
«لا.
أنت عدوي.»
صمت.
زين قال ببرود:
«استعد للسجن يا مراد.
المرة دي مفيش خروج.»
مراد فجأة بدأ يضحك…
ضحكة خافتة في البداية…
ثم ارتفعت.
«فاكرين انتهيت؟
فاكرين اللعبة خلصت؟»
نظر لسليم مباشرة.
«زياد لسه عايش.»
سليم شد فكه.
مراد همس بجنون واضح:
«أنا هطلع.
وهقتله.
المرة دي قدام عينيكم.»
زين اقترب خطوة، عينيه اشتعلتا.
«لو فكرت تقرب منه…»
مراد قاطعه بابتسامة مريضة:
«هشوف قلبه بيتحرق على بنته…
زي ما أنا اتحرقت سنين.»
سليم لم يتحمل أكثر.
لكمه بقوة في وجهه.
«كفاية!»
ثم استدار للخروج.
زين نظر لمراد نظرة أخيرة.
«انتهيت.
حتى لو مش شايف ده.»
خرجا وأغلقا الباب خلفهما بقوة.
الصمت عاد.
مراد تنفس بصعوبة…
ثم بدأ يفكر.
عيناه تحركتا في الغرفة.
الحبال…
النافذة…
الحارس بالخارج…
ابتسم ببطء.
«لسه بدري…»
همس لنفسه:
«أول حاجة… أخرج.
تاني حاجة… زياد يموت.»
عيناه امتلأتا بظلام حقيقي.
«حتى لو كانت آخر حاجة أعملها في حياتي…
زياد الزهراوي لازم يموت بأبشع طريقة.»
والجنون في عينيه كان يؤكد شيئًا واحدًا…
الرجل لم يسقط بعد.
**********************
في مطار القاهرة الدولي
الركاب يخرجون تباعًا… حقائب تُسحب… أصوات إعلانات متقطعة.
تقدّم الثلاثة بخطى ثابتة.
الساندرو… ببدلته الداكنة ونظرته الباردة.
نادين… وجهها شاحب لكنه صلب.
رامي… هادئ… يراقب كل شيء بعين ضابط اعتاد قراءة الخطر.
وقفوا لحظة قرب بوابة الخروج.
صمت ثقيل بينهم.
كان يمكن لرامي أن يرفع سماعة صغيرة في أذنه الآن…
خمس دقائق فقط…
ويُعتقل الساندرو بتهمة دولية.
ونادين بتهمة أخطر.
لكنه لم يفعل.
الساندرو ابتسم ابتسامة جانبية.
«كنت أتوقع أساور معدنية بانتظاري.»
رامي نظر له دون انفعال.
«لو أردتك الآن… ما كنت خرجت من الطائرة أصلًا.»
الساندرو ضحك بخفة.
«إذًا؟»
رامي اقترب خطوة، صوته منخفض لكنه حاد.
«أنتما لا تريدان الهرب.
تريدان مراد.
وأنا… أريده أيضًا.»
نادين نظرت إليه بسرعة.
رامي أكمل:
«الفرق بيني وبينكما… أنني لا أتحرك بدافع الانتقام.»
نظرت له نادين نظرة طويلة… خليط بين الألم والتمرد.
«بل تتحرك بدافع القانون؟»
رامي ابتسم بسخرية خفيفة.
«القانون أحيانًا يحتاج مساحة ليتنفس.»
فهم الساندرو المعنى.
«تريدنا أن نقودك إليه.»
رامي لم يؤكد ولم ينفِ.
«مراد انتهى.
سواء بيدي… أو بيد غيري.»
صمت.
اقتربت نادين من رامي خطوة، صوتها انخفض.
«رامي…»
نظر لها.
لأول مرة… لم يكن ساخرًا.
كانت في عينيها رجاء حقيقي.
«لا تخبر آدم…»
توقف الهواء للحظة.
«لا تخبره أنني أنا… لانيرا.»
الاسم الذي أربك أجهزة استخبارات كاملة…
العميلة الغامضة التي أربكت مصر وأوروبا.
رامي حدق فيها طويلاً.
ثم قال بهدوء قاسٍ:
«أنتِ لم تُجبرِي على أن تكوني لانيرا.»
نزلت عيناها أرضًا.
«مراد قتل أبي… دمر حياتي… شتت أسرتي—»
قاطعها.
«وكنتِ تستطيعين مواجهته بالقانون.»
رفعت رأسها بعينين دامعتين.
«القانون أمسكه وأخرجه بعد شهور.»
رامي اقترب أكثر، صوته أصبح أعمق.
«أنتِ اخترتِ الطريق الأسهل…
الطريق المظلم.
لا تلقي ذنب اختيارك على مراد.»
الكلمات أصابتها في الصميم.
تنفست بصعوبة.
«آدم… لو عرف…»
رامي رد بسخرية لاذعة:
«آدم كان دائمًا يعرف أنكِ أقوى مما تظنين.
لكن يبدو أنكِ لا تثقين بنفسك كما كان يثق بك.»
سكتت.
الساندرو نظر لساعة يده.
«أقترح أن نتحرك.
لدينا عمل.»
رامي نظر إليه.
«مراد تحت المراقبة.
وأي خطوة طائشة منكما…
لن أتردد هذه المرة.»
الساندرو ابتسم ببرود.
«أحب الصراحة.»
نادين همست لرامي قبل أن تبتعد:
«إن انتهى كل شيء…
ورأيتَ آدم…»
رامي قاطعها دون أن ينظر لها:
«قوليها له بنفسك.
لو بقي لكِ حق في قول شيء.»
تجمدت للحظة.
ثم استدارت وسارت بجانب الساندرو نحو الخارج.
رامي بقي مكانه يراقبهما يبتعدان.
ضابط مخابرات…
ترك أخطر امرأة عرفتها أجهزتهم تسير أمامه دون أصفاد.
لماذا؟
لأنه يعرف شيئًا واحدًا…
مراد لن يسقط إلا إذا انكشف كل الظلام دفعة واحدة.
وأحيانًا…
تترك النار تحرق بعضها…
قبل أن تطفئها.
رفع هاتفه بهدوء.
«فريق المتابعة… الهدفان تحركا.
لا تدخل.
مراقبة فقط.»
ثم أضاف بعد لحظة:
«اللعبة دخلت مرحلتها الأخيرة.»
وأغلق الخط.
************************
في مشفى قنا
خرج زياد وحور بهدوء بعدما ألقى زياد نظرة عميقة على عاصم… نظرة أب يسلّم ابنته لرجل اختاره قلبه قبل عقله.
أُغلق الباب.
ساد صمت خفيف، لا يُسمع فيه إلا صوت الأجهزة الطبية المنتظم.
ليل كانت مستلقية، شاحبة قليلاً، لكن عينيها يقظتان… تبحثان عنه.
عاصم اقترب ببطء.
لم يكن ذلك الرجل الغاضب الذي كاد يقتل مراد قبل ساعات.
كان فقط… عاشقًا خائفًا.
جلس على الكرسي قرب سريرها.
مد يده… ثم تردد…
ثم أمسك أصابعها برفق.
صوته خرج منخفضًا:
«خوّفتِني.»
ابتسمت بخفة رغم ألم رأسها.
«أنا؟ أنت اللي دايمًا تخوّف الناس.»
تنفس بعمق، عيناه لا تفارقان وجهها.
«لما قالوا لي إنك في العمليات… حسّيت إن الدنيا بتتسحب من تحت رجلي.»
ارتجف صوتُه دون أن يشعر.
ليل رمشت ببطء.
«كنت واثقة إنك هتيجي.»
رفع عينيه لها.
«واثقة؟»
«آه.»
ابتسمت بضعف.
«حتى وأنا مربوطة… حتى وأنا بجري في الضلمة… كنت عارفة إنك مش هتسيبني.»
صمت.
كلماتها ضربته في قلبه.
انحنى قليلًا، صوته صار أصدق… أعمق.
«ليل…»
ترددت للحظة.
«أنا غلطت كتير… أذيتك… خطفتك… شكّيت في أهلك… صدقت كدبة…»
نظرت له بهدوء.
«كنت مكسور وقتها.»
«بس ده مش عذر.»
هزت رأسها برفق.
«يمكن… بس أنا عمري ما كرهتك.»
تجمد.
«ليه؟»
ابتسمت بخجل.
«لأني… كنت شايفة وجعك. مش غضبك.»
نظر لها طويلًا… وكأنها ترى ما يحاول هو نفسه الهروب منه.
أخذ نفسًا عميقًا… ثم قالها أخيرًا.
بلا مراوغة.
«أنا بحبك.»
صمت.
الكلمة خرجت صافية… ثقيلة… حقيقية.
«بحبك يا ليل. مش شفقة… مش تعويض… مش تعلق.
بحبك لأنك أنتِ.
لأنك أقوى مني… وأنضف مني… وأصدق مني.»
عيناها اتسعتا قليلاً… ثم احمرّ وجهها بخجل.
حاولت أن تتكلم… لم تستطع.
ابتسم بخفة.
«أهو… أسكتك أخيرًا.»
ضحكت بخجل خافت… ثم همست:
«أنا…»
توقفت.
نظر لها ينتظر.
«أنا كمان بحبك.»
قالتها بخجل، لكن بثبات.
«من زمان… من قبل ما أفهم يعني إيه حب أصلاً.»
اقترب أكثر، عينه تلمع بشيء لم يظهر فيه من قبل… أمان.
«بجد؟»
«كنت غبية؟»
هز رأسه بسرعة.
«لا… أنا اللي كنت أعمى.»
تنهدت.
«كنت دايمًا حاسّة إنك بتتوجع… وكنت نفسي أبقى السبب في شفاك… مش وجعك.»
ابتسم بحنان نادر.
«إنتِ شفائي فعلًا.»
مد يده الأخرى واحتضن كفها بين يديه.
«أقسم لك… بعد اللي حصل… وبعد ما كنت هفقدك…
مفيش حاجة في الدنيا تستاهل أخاطرك بيها تاني.»
نظرت له بجدية.
«ما تبقاش وحش علشاني.»
تجهم قليلًا.
«مش عايزاك تتحول لشخص تندم عليه بس علشان بتحبني.»
نظر لها طويلًا.
ثم قال بهدوء:
«علشان بحبك… لازم أبقى أحسن.»
صمت جميل بينهما.
ليل ابتسمت بخجل خفيف.
«بابا قال لي إن بعد ما كل ده يخلص…»
ابتسم هو.
«هيعمل لنا فرح؟»
اتسعت عيناها.
«إنت عرفت؟»
«أيوه.»
اقترب قليلًا وهمس:
«بس المرة دي… هتبقي زوجتي فعلًا. قدام الكل. من غير خوف… من غير مطاردة… من غير دم.»
احمرّ وجهها أكثر.
«عاصم…»
«هممم؟»
«أنا تعبانة… بس مبسوطة.»
ضحك بخفة.
«تركيبة غريبة.»
«لأني حاسة إن قلبي أخيرًا اختار صح.»
صمت.
ثم مد يده ولامس جبينها برفق، قبلة خفيفة… حذرة… مليئة بالرهبة لا الشهوة.
«ارتاحي.»
همست قبل أن تغمض عينيها:
«متبعدش…»
ابتسم.
«لو مشيت… هاخدك معايا.»
أغمضت عينيها، ابتسامة هادئة على وجهها.
عاصم جلس بجانبها… يمسك يدها.
ولأول مرة منذ سنوات…
لم يكن يفكر في الانتقام.
ولا في مراد.
ولا في الدم.
كان يفكر فقط…
كيف يحمي هذا السلام الصغير الذي بين كفيه.
***********************
في فيلا الراوي
كانت نوال جالسة على الأريكة، وجهها متعب لكن ملامحها أقوى مما كانت عليه قبل أسابيع.
ربى بجانبها، تمسك بيدها وتعدل الوسادة خلف ظهرها.
ربى بابتسامة دافئة:
«تتعبي نفسك ليه يا طنط؟ كنتِ ناديتي عليّ بس.»
نوال نظرت لها بحنان صادق.
«ربى… وجودك جمبي هو اللي مريحني.»
ابتسمت ربى بخجل، تميل برأسها قليلًا.
فجأة…
صوت جرس الباب.
تبادلت ربى ونوال النظرات.
ربى:
«هشوف مين.»
اتجهت نحو الباب.
فتحته.
تجمدت للحظة.
«تالين؟»
كانت تالين تقف أمامها… مختلفة.
لا مكياج مبالغ فيه.
لا نظرة تحدي.
ملامح هادئة… متعبة… وعيناها حمراوان كأنها لم تنم منذ أيام.
ربى بهدوء حذر:
«خير؟»
تالين بصوت منخفض:
«ممكن… أدخل؟ لو سمحتي.»
ترددت ربى لحظة… ثم فتحت الباب جانبًا.
دخلت تالين بخطوات بطيئة.
ما إن رأتها نوال…
اشتعلت عيناها غضبًا.
«إنتِ جاية تعملي إيه هنا؟!»
ارتجفت تالين، لكنها لم تتراجع.
تقدمت خطوة… ثم وقفت أمام خالتها.
صوتها كان مكسورًا.
«أنا… جاية أعتذر.»
ضحكت نوال بسخرية مريرة.
«تعتذري؟ بعد اللي عملتوه؟ بعد ما حاولتوا تكسّروا بيتي؟»
انخفض رأس تالين.
«عارفة… وعارفة إني ما استاهلش تسامح.»
ارتفع صوت نوال، قهر سنين يخرج دفعة واحدة.
«أمك كانت أختي! دمي! كنت فاكرة إن مهما حصل… في حد هيحافظ على العِشرة!»
دموع نوال انهمرت دون إرادتها.
«إزاي وصلتوا لكده؟ إزاي؟!»
ربى أسرعت تجلس بجانبها، تمسك بيدها.
«اهدِي يا طنط… صحتك.»
لكن نوال كانت تبكي…
ليس فقط على ما حدث…
بل على أختٍ ضاعت… وعلى بيتٍ كان يومًا مليئًا بالضحك.
تالين رفعت عينيها، الدموع تتجمع فيهما.
«خالتي… أنا غلطت. كنت حاقدة… غيورة… عمري ما رضيت بنصيبي.»
نظرت إلى ربى للحظة.
«كنت شايفة إن كل حاجة بتيجي لكوا بسهولة… وإن أنا دايمًا أقل.»
صوتها اختنق.
«بس الحقيقة… أنا اللي كنت قليلة من جوا.»
سقطت دمعة على خدها.
«أمي… اتحجزت في مستشفى أمراض عقلية.»
تجمدت نوال.
«إيه؟»
هزت تالين رأسها.
«حالتها ساءت جدًا… كانت بتتكلم لوحدها… تصرخ… تشوف حاجات مش موجودة.»
أغمضت عينيها لحظة.
«أنا سيبتها هناك… وماقدرتش أبص في عينيها.»
ساد صمت ثقيل.
تالين أخذت نفسًا عميقًا.
«أنا مسافرة تركيا… عند عيلة بابا. هبدأ من جديد.»
رفعت نظرها إلى نوال مباشرة.
«جيت بس… أطلب منك تسامحيني. مش علشاني… علشان أقدر أعيش من غير ما ضميري يقتلني كل يوم.»
نوال نظرت لها طويلاً…
وجهها ما زال متصلبًا… لكن الألم طغى على الغضب.
«إنتِ بنت أختي… وكنت بحبك.»
انكسرت تالين تمامًا.
«لسه بتحبيني؟»
ردت نوال بصدق موجع:
«قلبي ما بيعرفش يكره… بس موجوع.»
انفجرت تالين بالبكاء.
تقدمت نحو ربى بخطوات مترددة.
«ربى… أنا ظلمتك. حاولت أوقع بينك وبين بيجاد… قلت عليك كلام مش حقيقي…»
انخفض صوتها.
«كنت حاقدة عليكِ علشان هو اختارك.»
ربى نظرت لها بهدوء… بلا شماتة.
تالين همست:
«لو تقدري… سامحيني.»
اقتربت ربى خطوة.
ثم… فجأة…
احتضنتها.
تالين شهقت من المفاجأة.
ربى بصوت حنون:
«كلنا بنغلط… بس مش كلنا بنرجع نعترف.»
بكت تالين بحرقة بين ذراعيها.
«قولي لبيجاد إني آسفة… وقولي له يسعدك. أوعي تكسريه… هو طيب بزيادة.»
ابتسمت ربى وسط دموعها.
«هو فعلاً طيب.»
رفعت تالين وجهها، نظرت لنوال مرة أخيرة.
«أنا مش هنسى إني كنت جزء من البيت ده يومًا ما.»
نوال تمتمت بصوت خافت:
«خليكِ كويسة يا بنتي… ومتكرريش أخطاءنا.»
هزت تالين رأسها بقوة.
«مش هكررها.»
توجهت نحو الباب.
وقفت لحظة قبل أن تخرج.
التفتت…
نظرت إليهما…
وكأنها تودع نسخة قديمة من نفسها.
ثم خرجت.
أُغلق الباب بهدوء.
ساد صمت طويل.
نوال مسحت دموعها.
«يمكن ربنا أراد لها الخير… بعد ما كسرتنا.»
ربى تمسح دموعها أيضًا.
«يمكن ده أول قرار صح في حياتها.»
في الخارج…
كانت تالين تمشي ببطء نحو البوابة.
دموعها تنهمر… لكن في داخلها شيء مختلف.
ألم… نعم.
خسارة… نعم.
لكن لأول مرة…
لم يكن في قلبها حقد.
وكان ذلك… بداية النجاة.
************************
خارج فيلا الراوي – أمام البوابة
كانت تالين تسير بخطوات بطيئة، حقيبتها الصغيرة على كتفها، وكأنها تحمل فوقها سنوات من الذنب.
داخل الفيلا…
وقفت نوال فجأة.
نظرت إلى الباب…
ثم إلى ربى.
همست بصوت مرتجف:
«لا… مش كده.»
وقبل أن تعترضها ربى، كانت نوال قد نهضت مسرعة رغم تعبها.
«طنط! استني!» صاحت ربى وهي تلحق بها.
فتحت نوال الباب وخرجت إلى الحديقة، ثم نادت بصوت عالٍ اختلط فيه الألم بالحب:
«تالين!»
توقفت تالين عند البوابة.
جمدت للحظة…
ثم استدارت ببطء.
عيناها ممتلئتان بالدموع.
ركضت نوال نحوها، غير عابئة بألمها أو بضعف جسدها.
وقفت أمامها…
ثم فجأة…
احتضنتها بقوة.
تالين شهقت، ثم انفجرت باكية في حضن خالتها.
نوال وهي تبكي:
«كنتِ بنتي… ولسه بنتي. مهما حصل.»
تالين بصوت مكسور:
«أنا كسرت قلبك يا خالتي…»
شدتها نوال أكثر.
«القلوب بتنكسر… بس مش لازم تتحول لحجر. أنا كنت بخاف عليكِ… مش منك.»
بكت تالين بحرقة، تمسك بثوب خالتها كطفلة صغيرة.
«أنا ضيعت نفسي… وضعتكم معايا.»
نوال مسحت دموعها بيد مرتجفة.
«اسمعيني كويس… روحي عيشي حياتك صح. اشتغلي على نفسك. خلي روحك تبقى جميلة زي وشك.»
ارتجفت شفتا تالين.
«هحاول… أوعدك.»
نظرت لها نوال بجدية أم حقيقية:
«ما تكرريش أخطاءك. ما تمشيش ورا الغيرة والحقد تاني. دي نار بتحرق صاحبها قبل أي حد.»
أومأت تالين بقوة.
«مش هرجع للبنت دي تاني… خلاص.»
صمتت لحظة… ثم همست:
«هتوحشيني.»
ابتسمت نوال وسط دموعها.
«إنتِ دايمًا ليكِ مكان هنا… لو رجعتي إنسانة أحسن.»
اقتربت ربى منهما، عيناها دامعتان.
وضعت يدها على كتف تالين.
«سافري بسلام.»
أخذت تالين نفسًا عميقًا، وكأنها تودع فصلًا كاملًا من حياتها.
ثم ابتعدت خطوة…
نظرت إلى خالتها نظرة أخيرة…
ولوحت بيد مرتجفة.
استدارت… وغادرت.
وقفت نوال عند البوابة تتابعها حتى اختفت عن الأنظار.
همست لنفسها:
«ربنا يهديكي يا بنتي… ويردك لينا سالمة.»
كانت المرة الأولى التي يودعن فيها بعضهن… بلا حقد.
فقط حزن… وأمل ضعيف في بداية جديدة.
***********************
سويسرا – شقة رامي – مساء هادئ
الأنوار خافتة.
رائد كان واقفًا أمام الطاولة، يتأمل الصور ببطء.
توقفت عيناه عند صورة قديمة له بملابس رسمية… نظرة صارمة… كتفان مستقيمان…
لم يكن مجرد شاب عادي.
همس لنفسه:
"أنا… لم أكن مدنيًا."
فجأة،
شعور حاد اخترق رأسه.
ضغط على صدغه بقوة.
"آه…"
دخلت إلينا مسرعة من المطبخ.
"رائد؟ ماذا يحدث؟"
لم يجب فورًا.
تنفسه أصبح سريعًا، متقطعًا.
صور خاطفة بدأت تضرب عقله.
شارع مظلم.
سيارة مراقبة.
سماعة أذن صغيرة.
صوت عبر جهاز لاسلكي:
"تحرك الآن."
اتسعت عيناه.
"مهمة… كنت في مهمة."
اقتربت منه إلينا بسرعة.
"اجلس. تنفس ببطء."
لكنه لم يجلس.
ظل واقفًا كأن جسده عاد تلقائيًا لوضع الاستعداد.
"كنت مقدم مخابرات…"
نطقها بذهول، كأنه يكتشف شخصًا آخر.
إلينا تجمدت للحظة، لكنها لم تقاطعه.
"كنا نراقب هدفًا… كانت عملية ميدانية."
صوته بدأ يثبت… رغم الألم.
"كنت أتحرك نحو نقطة محددة…"
ثم فجأة…
شهق بقوة.
صوت انفجار هز أذنيه من الداخل.
وميض أبيض.
حرارة حارقة.
الأرض تنقلب.
صراخ بعيد.
رائد أمسك رأسه بكلتا يديه وصرخ من الألم.
إلينا أمسكت كتفيه بقوة.
"رائد! انظر إليّ! أنت هنا. أنت بأمان!"
لكنه كان يرى المشهد بوضوح الآن.
"قنبلة… كانت قنبلة."
أنفاسه كانت ثقيلة.
"لم يكن حادثًا… كان استهدافًا."
جف حلقه.
"آخر شيء رأيته… هو الانفجار."
سكت.
الصمت كان ثقيلًا.
ثم بصوت أهدأ… لكنه أعمق:
"ثم… ظلام."
رفع عينيه إليها ببطء.
"غبت."
إلينا همست:
"ثلاث سنوات."
أومأ برأسه ببطء.
"ثلاث سنوات…"
مرر يده على وجهه.
"أنا لم أكن ضائعًا. كنت في حرب."
لم يعد هناك ارتباك في صوته.
القطع بدأت تترابط.
نظر حوله في الشقة…
لكن نظرته لم تكن نفس النظرة السابقة.
لم يعد شخصًا يبحث عن هويته.
كان شخصًا استعادها.
ملامحه أصبحت باردة… محسوبة… صلبة.
التوتر العاطفي اختفى.
حلّ مكانه هدوء خطير.
إلينا سألته بهدوء حذر:
"رائد… ماذا تتذكر أيضًا؟"
نظر إليها مباشرة.
لم يصرخ.
لم يتوتر.
قالها بهدوء قاتل:
"أتذكر كل شيء."
سكتت.
أكمل بنبرة منخفضة ثابتة:
"كنت في مهمة ميدانية. تم تفجير قنبلة لاستهدافي. دخلت في غيبوبة… وفقدت الذاكرة."
ثم نظر حوله ببرود شديد… كأنه يقيم المكان، لا يعيش فيه.
لم يعد الرجل التائه.
عاد الضابط.
عاد العقل الاستراتيجي.
عاد الخطر.
قال أخيرًا:
"ذاكرتي عادت."
رواية في قبضة العاصم الفصل الثلاثون 30 - بقلم سيليا البحيري
في فيلا الشرقاوي — صباح اليوم اللي بعده
نور الصبح كان داخل من الشباك الواسع…
بس ما قدرش يطرد الضلمة اللي مالية الصالة الكبيرة.
مراد كان متربط في كرسي تقيل في نص القاعة.
هدومه مكركبة، وشه مورّم من ضرب عاصم…
بس عينيه؟
لسه فيهم نفس لمعة الجنون.
الباب اتفتح ببطء.
دخل زياد الأول.
وراه عاصم.
وبعدين سليم وزين.
مراد رفع راسه واحدة واحدة…
وأول ما عينه جت في عين زياد، ابتسم ابتسامة معوجة.
مراد بسخرية:
— أخيرًا… زياد الزهراوي بنفسه. جاي تتشفى؟
زياد ما ردش على طول.
مشي ناحيته بخطوات ثابتة.
مفيش في عينيه الراجل الطيب اللي الكل يعرفه…
كان في حاجة تانية. حاجة باردة.
زياد بهدوء مخيف:
— لأ. جاي أشوفك على حقيقتك… من غير أقنعة. من غير لعب.
مراد ضحك ضحكة مجنونة واطية:
— أنا عمري ما كنت مستخبي. إنت اللي كنت أعمى.
عاصم قبض إيده بعنف…
بس زياد شاور له يهدى.
زياد قرّب أكتر… لحد ما بقى واقف قدامه على بعد خطوة.
— قتلت رائد.
— خلت عاصم يكرهني ويصدق إني خنته.
— خليته يخطف بنتي ويوديها بلد غريبة سبع شهور.
— حاولت تقتلني بحادثة عربية.
— هددت عيلتي أكتر من مرة.
— وآخر حاجة… خطفت ليل تاني.
صوته ما عليش…
بس كل كلمة كانت كأنها قلم على وش مراد.
مراد بص له بحقد أعمى.
— عمرك ما كنت غير الأفضل في كل حاجة يا زياد… في الجامعة… وسط الناس…
حتى يوسف كان بيثق فيك أكتر مني.
اسم يوسف غيّر الجو فجأة.
سليم بص لأبوه بصدمة.
زين عقد حواجبه.
زياد قال بهدوء:
— يوسف كان عارف حقيقتك.
مراد ابتسم بسخرية مرّة:
— يوسف؟ الضعيف ده؟
كان دايمًا يقولي: "ارجع يا مراد… الطريق ده هيهدك."
وبص لعاصم:
— بس كان غبي زيكم. ما فهمش إن القوة بتيجي بالخوف.
عاصم اتحرك خطوة لقدام:
— ما تجيبش اسم عمي يوسف على لسانك.
مراد بص له باحتقار:
— وإنت… نسخة من خالد. نفس النظرة، نفس المثالية الغبية.
خالد كان بيكرهني… وإنت ورثت الكره.
عاصم بصوت واطي بس مرعب:
— إنت ما تستاهلش تنطق اسم أبويا.
مراد لف لزياد تاني:
— فاكر بنتك نجت بمعجزة؟ لأ. كانت صدفة غبية.
لو العربية دي ما ظهرتش…
زياد قاطعه ببرود:
— ما كانتش صدفة. كانت إرادة ربنا.
وسكت لحظة وبعدين كمل:
— نيروز بنت يوسف. الراجل اللي كنت بتخاف منه…
لأنه الوحيد اللي وقف لك في الجامعة.
حتى وهو عيان، ما سكتش.
مراد صرخ فجأة:
— كنت أقوى منه! أقوى منكم كلكم!
سليم، اللي كان ساكت طول الوقت، اتقدم خطوة.
بص لأبوه… نظرة مفيهاش أي احترام.
— أنا كنت فاكر إنك قدوة.
مراد لف له بعصبية:
— وأنا لسه أبوك!
سليم ببرود قاتل:
— لأ. أبويا مات يوم ما عرفت حقيقتك.
الكلمة دي وجعته أكتر من أي ضربة.
زين ابتسم نص ابتسامة ساخرة:
— وتحب أقولك الأحلى؟
ليل اعترفت عليك رسمي… وكل الأدلة ضدك.
مراد بص لهم كلهم… عينه مولعة.
— مش هتسجنوني كتير. هطلع.
وساعتها هقتل زياد بإيدي دي.
المرة دي مش هيفلت.
زياد ما اتحركش.
قرّب منه لحد ما بقوا وش لوش.
— الفرق بيني وبينك يا مراد…
إني في يوم من الأيام كنت فاكرِك صاحبي.
وإنت كنت بتحسدني… وبتكرهني…
وبتكبر الكره جواك سنة ورا سنة.
والنهارده… كل حاجة خلصت.
مراد همس بحقد:
— ما خلصتش حاجة.
زياد بص له نظرة أخيرة… نظرة واحد فقد كل وهم.
— خلصت.
— لأنك مبقتش تخوّف حد.
لف عشان يمشي.
عاصم وقف قدام مراد لحظة.
بص له بنظرة هادية… مختلفة عن غضبه قبل كده.
— مش هضربك النهارده.
— ولا هصرخ.
— هسيب العدالة تاخدك…
وده أقسى عليك من أي حاجة أقدر أعملها.
مراد حاول يضحك…
بس الضحكة طلعت مكسورة.
سليم وزين بصوا لبعض في صمت…
مفيش كلام يتقال.
الأربعة خرجوا من الصالة.
وسابوا مراد لوحده.
متربط.
باصص حوالينه…
ولأول مرة يستوعب إن العظمة اللي كان بيحلم بيها…
ما كانتش غير وهم كبير.
*********************
سويسرا — شقة رامي — صباح بارد رمادي
الستائر نصف مفتوحة. ضوء خافت يدخل إلى غرفة المعيشة.
الحقائب مفتوحة على الأريكة. ملابس مبعثرة. أوراق. جواز سفر. هاتف مفتوح على صفحة حجز الطيران.
رائد يتحرك بسرعة غير معتادة.
ليس ارتباكًا… بل قرار.
وجهه صار مختلفًا منذ الليلة الماضية.
لا حيرة.
لا ضياع.
برود عسكري حاد.
الينا وقفت عند باب الغرفة تراقبه بصمت لثوانٍ.
— رائد… ماذا تفعل؟
لم يلتفت إليها.
— حجزت أول رحلة إلى القاهرة. بعد ثلاث ساعات.
تجمدت.
— ثلاث ساعات؟! أنت بالكاد استعدت ذاكرتك أمس!
أغلق الحقيبة بعنف.
— ولهذا السبب تحديدًا يجب أن أذهب الآن.
اقتربت منه.
— جسمك لم يتعافَ بالكامل. نوبات الصداع لم تنتهِ. هذا ضغط عصبي هائل…
التفت إليها أخيرًا.
— ثلاث سنوات يا إلينا.
ثلاث سنوات وأنا ميت رسميًا.
مراد اعتقد أنه تخلص مني.
الجميع يظنني ضحية… أو ذكرى.
صوته كان منخفضًا… لكنه مليء بالغضب المكبوت.
— كنت في مهمة ميدانية. انفجار. فوضى.
ثم ظلام.
استيقظت بلا اسم… بلا رتبة… بلا وطن.
اقترب خطوة منها.
— أنا مقدم مخابرات يا إلينا.
ولدي عائلة.
وأخ… وأصدقاء… وناس يعتمدون عليّ.
تنفست بعمق.
— وهل تعتقد أنهم وحدهم في مواجهة مراد؟
— نعم.
قالها بلا تردد.
— مراد ذكي. خطير. يلعب بعقول الناس.
آخر ما أتذكره قبل الانفجار أننا كنا نقترب منه.
كنت أملك خيطًا يربطه بكل شيء.
إذا ظن أنني مت… سيشعر بالأمان.
عيناه اشتعلتا.
— سأظهر فجأة.
وسينهار كل شيء بناه.
الينا أمسكت بذراعه.
— أنت لا تعرف الوضع الآن. ربما الأمور تغيرت. ربما…
قاطعها.
— لا أملك رفاهية الانتظار.
صمتت لحظة، ثم قالت بصوت أهدأ:
— أنت لا تذهب فقط "لكشف الحقيقة".
أنت ذاهب لتنتقم.
توقف.
لم ينكر.
— لو أردت الانتقام… لما حجزت طائرة.
كنت سأختفي وأصل إليه بطريقة أخرى.
ثم أضاف ببرود:
— أنا ذاهب لأنهيه قانونيًا… أو بأي طريقة تُنهيه للأبد.
نظرت إليه بقلق حقيقي.
— وماذا عنك؟
ماذا عن حياتك هنا؟
ماذا عن…ّا؟
سكت لحظة.
نظر إليها… تلك النظرة التي تجمع بين الامتنان والوجع.
— حياتي لم تكن هنا أبدًا.
كنت هاربًا من نفسي… حتى بدون أن أعرف.
اقترب ولمس خدها بخفة.
— أنتِ أنقذتِني.
أعدتِني للحياة.
لكن حياتي هناك.
دمعت عيناها.
— وأنا؟
تنفس ببطء.
— لو طلبتِ مني البقاء… سأضعف.
صوتها ارتجف:
— إذن لا تطلب مني أن أكون قوية الآن.
لحظة صمت ثقيلة.
ثم ابتعد عنها قليلًا، وعاد إلى الحقيبة.
— الطائرة بعد ثلاث ساعات.
سأرسل لك العنوان فور وصولي.
قالتها بمرارة خفيفة:
— أنت مستحيل.
حتى وأنت عائد للحرب… تفكر كأنك في مهمة رسمية.
توقف لحظة.
— لأنها مهمة رسمية.
بل أهم مهمة في حياتي.
حمل الحقيبة.
— مراد يعتقد أن رائد مات.
سأريه أن الموت أحيانًا… يتأخر فقط.
اقتربت منه محاولة أخيرة.
— على الأقل دعني أرافقك.
هز رأسه.
— لا.
هذه حرب قديمة.
وأنا من بدأها… وأنا من سينهيها.
نظرت إليه بعجز.
— لن أستطيع إيقافك… أليس كذلك؟
أجاب بهدوء حاسم:
— لا.
ثم مر بجانبها نحو الباب.
وقبل أن يفتحه، توقف.
— إلينا… مهما حدث هناك… لا تصدقي أي خبر قبل أن تسمعيه مني.
همست:
— فقط عد حيًا.
فتح الباب.
— دائمًا أفعل.
وأغلقه خلفه.
بقيت واقفة في الصمت…
بين الخوف…
والإحساس أن شيئًا كبيرًا جدًا بدأ يتحرك.
*********************
سويسرا — بعد دقائق من خروج رائد
الينا بقيت واقفة في منتصف الغرفة لثوانٍ…
ثم فجأة تحركت.
التقطت هاتفها بيد مرتجفة، بحثت عن اسم واحد فقط.
رامي.
ضغطت اتصال.
رنّ مرتين فقط.
— ألو.
صوته ثابت… عملي… كعادته.
— رامي… رائد استعاد ذاكرته.
صمت قصير في الطرف الآخر.
لم يصرخ.
لم ينصدم.
تنفّس ببطء فقط.
— متى؟
— الليلة الماضية. والان خرج من الشقة. حجز تذكرة لمصر… بعد ثلاث ساعات. قال إنه سيُنهي مراد بنفسه!
خطوات خفيفة سُمعت من جهة رامي، كأنه ابتعد إلى مكان أكثر خصوصية.
— هل هو مستقر جسديًا؟
تجمدت لحظة من السؤال.
— أنت لا تسمعني؟! هو ذاهب للحرب!
— أسمعك جيدًا يا إلينا. لذلك أسألك. هل هو مستقر؟
أغلقت عينيها.
— جسده بخير… لكن داخله… كأن شيئًا انفجر.
رد بهدوء محسوب:
— جيد. هذا يعني أن قراره واعٍ… ليس اندفاع نوبة ألم.
انفجرت فيه:
— أنت هادئ بشكل مستفز! أوقفه!
— لا أستطيع.
قالها ببساطة.
— وحتى لو استطعت… لن أفعل.
سكتت لحظة.
— ماذا؟!
تنهد رامي ببطء.
— رائد عاش ثلاث سنوات بلا اسم.
أنتِ رأيتِ ماذا فعل به فقدان هويته.
الآن عاد له كل شيء… لن يستطيع الجلوس مكتوف اليدين.
— لكنه قد يُقتل!
— أو قد ينقذ الجميع.
نبرته لم تتغير.
— اسمعي جيدًا. رائد ليس مراهقًا مندفعًا.
هو مقدم مخابرات ميداني.
التحرك السريع جزء من تكوينه.
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:
— وأنا لن أتركه وحده.
رفعت رأسها.
— ماذا تقصد؟
— أقصد أنني سأسبق خطوته.
بدأ صوته يأخذ طابع الأوامر.
— أرسلي لي رقم رحلته الآن.
وسأرتب أمرين:
أولًا، استقبال غير معلن في القاهرة.
ثانيًا، تأمين مراقبة على تحركاته.
— مراقبة؟!
— نعم.
إذا قرر الذهاب مباشرة إلى مراد… سأكون هناك قبله.
تنفست بسرعة.
— أنت كنت تعلم أن هذا سيحدث… أليس كذلك؟
ابتسم ابتسامة خفيفة لم ترها، لكنها سُمعت في صوته.
— كنت أعلم أن ذاكرته ستعود يومًا.
وكنت أعلم أن أول شيء سيفعله… هو البحث عن العدالة.
سألته بخوف:
— هل مراد يعرف أنه حي؟
— لا.
توقف لحظة.
— وهذا أكبر سلاح معنا.
خفض صوته قليلًا.
— لكن إن ظهر رائد فجأة أمامه… سيصبح الهدف على ظهره.
— إذًا ماذا ستفعل؟
— سأدعه يصل… لكن تحت سيطرتي.
قالها ببرود استراتيجي.
— لن أسمح له أن يتحول من شاهد إلى ضحية.
صمتت لحظة، ثم همست:
— هو لا يستمع لأحد الآن.
— أعرف.
نبرة رامي أصبحت أعمق قليلًا.
— لذلك لن أحاول منعه… سأوجهه.
أغلقت عينيها.
— أنا خائفة عليه.
رد بهدوء صادق:
— وأنا أيضًا.
ثم عاد صوته صارمًا من جديد.
— إلينا، ركزي معي.
هل ترك أي مستندات هنا؟ أي أوراق قد تكشف شيئًا؟
— لا… أخذ كل شيء.
— جيد.
إذا تواصل معك بعد الوصول، لا تسأليه كثيرًا.
استمعي فقط.
واجعليه يشعر أن لديه نقطة عودة.
— نقطة عودة؟
— نعم.
كل جندي يحتاج إلى مكان يعود إليه… حتى لو لم يعترف بذلك.
سكت لحظة.
— وأنا سأكون في القاهرة خلال ساعات.
تجمدت.
— أنت لست هناك الآن؟
— لا. كنت في تحرك آخر.
لكنني سأغير خطتي.
ثم أضاف بهدوء حاسم:
— هذه المعركة لن تُحسم بالعاطفة.
مراد يلعب بالنار منذ سنوات.
لكن هذه المرة… كل القطع تتحرك ضده.
تنفست ببطء.
— اعتنِ به يا رامي.
رد بصوت ثابت:
— رائد أخي قبل أن يكون زميلي.
ولن أسمح أن يخسره أحد مرة أخرى.
أنهى المكالمة.
مصر — مكان غير معلن
رامي أنزل الهاتف ببطء.
وجهه لم يحمل ذعرًا…
بل تركيزًا.
فتح حاسوبه المحمول فورًا.
بدأ يكتب بسرعة.
رسائل مشفرة.
اتصالات قصيرة.
— فعلوا بروتوكول "ظل".
قالها لأحد رجاله عبر سماعة الأذن.
— هدفنا يصل القاهرة خلال ساعات.
لا احتكاك مباشر.
لا إظهار وجود.
مراقبة فقط.
ثم أضاف بصرامة:
— وأريد تقريرًا كاملًا عن وضع مراد الآن.
كل حركة. كل زائر.
أغلق الحاسوب.
رفع رأسه قليلًا… ونظر أمامه بشرود قصير.
— كنت عارف انك هترجع يا رائد…
لكن أتمنى أنك لا تتأخر دقيقة واحدة أكثر من اللازم.
أمسك مفاتيحه.
وغادر بخطوات ثابتة.
المعركة بدأت تتحرك فعليًا الآن.
**********************
فيلا الزهراوي — مساء هادئ ثقيل بعد العاصفة
البيت ممتلئ… لكن الصمت يملأه أكثر من الأصوات.
ليل كانت في غرفتها، مستندة إلى الوسائد، شاحبة قليلًا لكن عينيها يقظتان. آثار الإجهاد واضحة، وضماد خفيف على رأسها.
حولها دائرة صغيرة من الأمان:
رؤى ممسكة بيدها.
حور جالسة قربها تمسح على شعرها.
جميلة وملك ونيروز وربى قريبات، كل واحدة تحمل قلقها بطريقتها.
في الخارج، في الصالة القريبة من الغرفة، كان الرجال مجتمعين:
آدم، أدهم، مازن، سليم القيصري، وبيجاد.
الجو مشحون… لكن مضبوط.
داخل الغرفة
رؤى همست وهي تحاول الابتسام:
— أقسم بالله يا ليل لو تهوريتي مرة ثانية كده… هربطك في السرير بنفسي.
ابتسمت ليل بخفوت.
— كنت ههرب… ومش هرجع تاني.
حور احتضنتها فورًا.
— متقوليش كده… قلبي وقف عليكي.
نيروز اقتربت بخجل واضح.
— أنا لسه مش مسامحة نفسي.
ليل نظرت لها بامتنان صادق.
— أنتِ سبب إني أكون هنا… مش هناك.
لو سيارتك ما ظهرتش… كان ممكن أكون رجعت لنفس الجحيم.
ربى جلست قرب قدم السرير، صوتها هادئ لكنه قوي:
— أهم حاجة إنك وسطنا. والباقي يتحل.
جميلة تنهدت.
— الحرب لسه مخلصتش.
ملك سألت بقلق:
— هم ليه عاصم وزياد راحوا لوحدهم؟
في الصالة
آدم كان واقفًا أمام النافذة، يضم يديه خلف ظهره.
سليم القيصري جلس واضعًا مرفقيه على ركبتيه.
بيجاد يمشي ذهابًا وإيابًا.
أدهم ومازن جالسان بصمت ثقيل.
مازن قطع الصمت:
— مش مرتاح إني سايبهم يواجهوه لوحدهم.
آدم رد بهدوء عسكري واضح:
— لأن المواجهة دي مش مواجهة عضلات.
دي مواجهة ملفات.
نظر إليه بيجاد.
— تقصد إيه؟
آدم التفت لهم.
— مراد دلوقتي مقيد.
أي خطوة زيادة… أي احتكاك… ممكن تتحول لقضية ضدنا.
اللي لازم يكون موجود هناك… هو ولي الأمر، وصاحب القضية المباشرة.
أدهم فهم بسرعة.
— يعني زياد… وعاصم بصفته زوجها.
— بالضبط، قال آدم.
— لو دخلنا كلنا… الموضوع هيتحول لمواجهة عائلية.
لكن دلوقتي إحنا محتاجينها تبقى قضية رسمية.
سليم القيصري أضاف:
— وكمان… وجودنا هنا ضروري.
نظروا له.
— مراد مش شخص بيلعب بورقة واحدة.
لو عنده خطة احتياطية… ممكن يحاول يستهدف البيت.
ليل هنا… ونيروز… وربى…
مش هنسيبهم.
بيجاد توقف عن المشي.
— يعني إحنا خط دفاع.
— مش خط دفاع، صحح آدم.
— خط سيطرة.
سكت لحظة، ثم أكمل:
— عاصم لو انفعل… زياد هيكون موجود يوقفه.
زياد لو ضعف… عاصم هيكون سنده.
التوازن هناك موجود.
أدهم زفر ببطء.
— بس أنا كأب… مش قادر أقعد مستني.
آدم نظر له بنظرة عميقة.
— وأنا كأب مش قادر أسيب ابني زين يتحرك لحظة من غير ما أعرف هو فين.
لكن دي معركة أعصاب… مش اندفاع.
بيجاد قال بهدوء:
— والشرطة؟
آدم رد بثبات:
— الإجراءات ماشية.
والاعترافات اتسجلت.
ومراد مش هيطلع منها بسهولة.
داخل الغرفة مجددًا
ليل سمعت جزءًا من الحديث عبر الباب المفتوح نصف فتحة.
نظرت لأمها.
— بابا مش بيعمل كده من نفسه… صح؟
حور ابتسمت بحنان رغم القلق.
— أبوكي طول عمره طيب…
بس لما الموضوع يخصك… بيبقى شخص تاني.
رؤى ضغطت على يدها.
— وعاصم؟
تورد وجه ليل قليلًا.
— عاصم… مش هيسيب حقي.
ربى قالت بابتسامة هادئة:
— ومش هيسيبه ياخده بطريقه غلط.
نيروز تنفست بعمق.
— أهم حاجة إننا منغلطش زيه.
مراد وقع لأنه صدق إن القوة معناها سيطرة.
ملك أضافت:
— والقوة الحقيقية… إننا واقفين مع بعض.
ليل أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتها بعزم واضح.
— مش عايزة انتقام.
عايزة نهاية قانونية.
ساد الصمت لحظة.
ثم دخل آدم الغرفة بهدوء.
نظر لليل مطمئنًا.
— ارتاحي.
كل حاجة ماشية صح.
ليل سألته مباشرة:
— هو بابا هيرجع النهارده؟
آدم رد بثقة:
— هيرجع…
والمرة دي مش شايل خوف… شايل قرار.
نظرت ليل حولها.
كلهم هنا.
البيت ممتلئ بالحماية.
خارج الفيلا… الحرب تُدار بحساب.
داخلها… تُصان القلوب.
والمعركة هذه المرة… ليست فوضى.
بل ترتيب دقيق لنهاية رجل ظن نفسه لا يُهزم.
***********************
غرفة الصغار — فيلا الزهراوي
الغرفة مليئة بألعاب مبعثرة، سيارات بلاستيكية، مجسمات أبطال خارقين، وقطار صغير يدور في مساره بلا هدف… مثل أفكارهم تمامًا.
أدهم كان جالسًا على طرف السرير، مرفقيه على ركبتيه، شاردًا بطريقة أكبر من عمره.
مازن يتمدد على الأرض يقلب في لعبة بيده دون اهتمام حقيقي.
كارم يجلس على السجادة ممسكًا بدب صغير.
وآسر يحاول تركيب مكعبات فوق بعضها ثم يهدمها بضحكة قصيرة.
الصمت بينهم ليس طبيعيًا…
مازن قطع الصمت أولًا:
— هو ليه البيت بقى هادي كده فجأة؟
أدهم لم يرفع عينيه.
— مش هادي… هو بس… الكبار بيخبّوا حاجة.
كارم نظر لهم بعينين واسعتين.
— هو في وحش في البيت؟
مازن ضحك ضحكة قصيرة.
— لا يا عم، مش وحش… بس في مشكلة.
كارم شد الدب إلى صدره.
— زي لما بابا وماما يتخانقوا؟
أدهم تنفس ببطء.
— لا… أكبر.
سكت قليلًا ثم قال بنضج غريب:
— لاحظتوا إن ماما بقت تبص لليل كتير وهي نايمة؟
وإن بابا بقى ماسك تليفونه طول الوقت؟
و عمو آدم صوته واطي بس عينه مش مطمّنة؟
مازن اعتدل وجلس.
— أيوه… وكمان عاصم بقى بيشد على إيده جامد لما يقعد.
شوفت كده امبارح.
كارم همس:
— هو حد زعل ليل؟
أدهم نظر له، ثم خفض صوته.
— أظن… حد حاول يأذيها.
اتسعت عينا مازن.
— يعني يخطفها تاني؟
أدهم هز رأسه سريعًا.
— لا. مش هيقدر.
(ثم أضاف بثقة طفل يحاول أن يكون رجلًا)
لو حد حاول… أنا هكسر رجله.
مازن ابتسم بخفة.
— إنت؟ ده أنت لسه بتخاف من الضلمة.
أدهم رمى عليه وسادة.
— بطلت من زمان.
كارم رفع يده فجأة.
— أنا هعضه!
انفجر مازن ضاحكًا.
— يا سلام… كارم البطل.
آسر كان يراقبهم بصمت، ثم قال بكلماته المتقطعة:
— ليل… نايمة كتير.
ساد الصمت لحظة.
أدهم قال بهدوء:
— هي تعبانة شوية… بس هتبقى كويسة.
مازن نظر له بشك.
— إنت عرفت منين؟
أدهم تردد، ثم قال:
— سمعت بابا وهو بيقول إن الأمور تحت السيطرة.
— يعني إيه تحت السيطرة؟ سأل مازن.
فكر أدهم قليلًا.
— يعني… الكبار ماسكين المشكلة… ومش هيسيبوها تكبر.
كارم اقترب منه وجلس بجانبه.
— هو لما أكبر هبقى زيكم وأفهم؟
أدهم ابتسم لأول مرة.
— لأ… لما تكبر هتبقى أقوى مننا كلنا.
كارم فكر قليلًا ثم قال بجدية:
— طب أنا عايز أبقى زي عاصم.
مازن رفع حاجبه.
— ليه؟
— عشان بيخلي ليل تضحك.
ساد الصمت مرة أخرى… لكن هذه المرة دافئ.
أدهم تمتم:
— عاصم مش بس بيخليها تضحك…
هو بيخليها تحس إنها أمان.
مازن نظر له بدهشة.
— إنت بقت بتفهم في الحب كمان؟
أدهم احمرّ وجهه قليلًا.
— مش حب… بس باين.
آسر فجأة قال بصوت صغير:
— أنا بحب ليل.
كارم قفز:
— وأنا كمان!
مازن رفع يده:
— وأنا.
نظروا جميعًا إلى أدهم.
ابتسم بخفة، ثم قال بهدوء ناضج:
— كلنا بنحبها.
وعشان كده محدش هيقدر يقرب منها.
ثم نهض، واتجه نحو النافذة الصغيرة، ينظر إلى حديقة الفيلا حيث الأضواء خافتة.
مازن اقترب منه.
— لو في خطر حقيقي… هيقولولنا؟
أدهم رد دون أن يلتفت:
— لأ.
— ليه؟
— عشان إحنا صغار في نظرهم…
بس مش أغبيا.
كارم تمتم وهو يحتضن دبه:
— أنا سامع ماما بتعيط امبارح.
أدهم التفت بسرعة.
— متقولش كده قدامها.
هي بتبقى قوية عشاننا.
مازن تنهد.
— نفسي كل حاجة ترجع عادية.
أدهم نظر لهم جميعًا… ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها ثابتة.
— هترجع.
بس يمكن بعد ما نتعلم شوية حاجات.
— زي إيه؟ سأل مازن.
— إن العيلة أهم من أي حاجة.
وإن اللي يزعل حد مننا… يبقى زعلنا كلنا.
كارم رفع قبضته الصغيرة.
— فريق!
ضحكوا جميعًا، حتى آسر حاول أن يرفع يده الصغيرة مقلدًا إياهم.
ووسط براءتهم، كانوا يشعرون بشيء أكبر منهم…
توتر في الهواء.
نظرات الكبار.
أبواب تُغلق بهدوء.
همسات لا يفهمونها تمامًا.
لكن شيئًا واحدًا كانوا متأكدين منه بطريقتهم الطفولية البسيطة:
طالما هم معًا…
وليل بينهم…
فالبيت ما زال بيتًا.
************************
القاهرة — شقة فندقية فاخرة مطلة على النيل
الستائر نصف مسدلة… الضوء رمادي… الجو ثقيل.
الساندرو فيريتي يقف أمام النافذة، كوب قهوة سوداء بيده، عيونه باردة كأنها حجر.
نادين تجلس على الأريكة، ظهرها مستقيم، لكن أصابعها متشابكة بقوة.
يدخل أحد رجال الساندرو، ينحني قليلًا.
— تم التأكد يا سيدي.
مراد في فيلته… مقيد.
معه رجلان أكبر سنًا… وشابان.
الساندرو لم يلتفت.
— أسماء.
— زياد الزهراوي… وعاصم القاسمي… وسليم الشرقاوي… وزين العطار.
هنا فقط التفت ببطء إلى نادين.
— يبدو أنك تعرفينهم.
عينا نادين لمعتا بشيء بين الألم والكره.
— أعرفهم جيدًا.
خرج الرجل، وأغلق الباب بهدوء.
ساد صمت ثقيل.
الساندرو اقترب من الطاولة، وضع الكوب، وقال بنبرة ثابتة:
— إذًا… اللعبة انتهت.
مراد ضعيف الآن.
أفضل لحظة لقتله.
نادين رفعت رأسها ببطء.
— ليس قتله فقط…
يجب أن يموت وهو يدرك أنه خسر كل شيء.
ابتسم الساندرو ابتسامة باهتة.
— الانتقام ليس مسرحية يا نادين.
طلقة واحدة تكفي.
— لا.
(نظرت له بحدة)
أنت تريد التخلص من مشكلة.
أنا أريد إغلاق جرح عمره عشرون عامًا.
اقترب منها أكثر.
— أخوكِ الضابط حذركِ، أليس كذلك؟
رامي… قال لا تتجاوزا القانون.
ابتسم بسخرية خفيفة.
— أنا لا أتلقى أوامر من ضابط شاب مهما كان ذكاؤه.
نادين أغمضت عينيها لحظة.
— رامي لا يفهم.
لا أحد يفهم ماذا فعل بي مراد.
الساندرو جلس أمامها.
— حدثيني… مرة أخيرة.
تنفست ببطء، كأنها تستحضر شريطًا قديمًا.
— قتل أبي.
بدم بارد… ثم تلاعب بالأدلة.
جعل آدم يظن أنني خنته…
طلقني… وانهار كل شيء.
ثم… عندما كنت أبحث عن الحقيقة…
هددني… جرّني إلى عالمك… عالم القذارة هذا.
رفعت عينيها نحوه.
— أنا لم أكن “لانيرا” لأنني أردت المال.
كنت أبحث عن سلاح أواجهه به.
الساندرو ضحك ضحكة خافتة.
— الجميع يقول ذلك.
كل من يعمل معنا يدّعي أنه مجبر.
نظرت له ببرود.
— وأنت؟
لماذا أصبحت ما أنت عليه؟
صمت لحظة… ثم قال بصدق قاسٍ:
— لأنني أحب القوة.
ولأن العالم يحترم من يخشاه فقط.
تبادلوا النظرات… نظرات خالية من التعاطف.
نادين وقفت.
— مراد لن يذهب للسجن.
السجن رحمة.
هو يجب أن يموت.
الساندرو نهض ببطء.
— سنتحرك الآن.
فيلته تحت المراقبة… لكن رجالنا يمكنهم الدخول بهدوء.
نقتل الهدف… ونخرج.
— لا.
(نبرتها صلبة)
أنا من سيضغط الزناد.
رفع حاجبه.
— تثقين بيدك؟
— أكثر مما أثق بأي رجل في هذه المدينة.
اقترب منها، صوته منخفض:
— وإن كان هناك شهود؟
زياد… عاصم… ابنه؟
لم تتردد.
— من يقف بيني وبينه… يتحمل العواقب.
للحظة… حتى الساندرو نظر لها بإعجاب بارد.
— بدأتِ تشبهيننا فعلًا.
أجابته دون أن ترمش:
— أنا لم أكن ضعيفة يومًا.
كنت فقط أظن أن العدالة كافية.
سحب هاتفه وأرسل رسالة قصيرة.
— السيارة خلال خمس دقائق.
نذهب الآن.
وقفت أمام المرآة، نظرت لانعكاسها طويلًا.
وجه امرأة أنهكها الغضب… لكنه صار صلبًا.
همست لنفسها:
— انتهى زمن الانتظار يا مراد.
فتح الساندرو الباب، التفت إليها.
— عندما ينتهي هذا… لن يكون هناك طريق عودة.
أجابته بهدوء مخيف:
— لم يعد هناك طريق منذ زمن.
خرج الاثنان من الشقة…
الهواء في الممر بارد…
خطواتهما ثابتة.
وفي مكان آخر من القاهرة…
مراد مقيد… يظن أن خصومه هم من أمامه فقط.
لا يعلم أن الظلام نفسه يتحرك نحوه الآن.
************************
القاهرة — فيلا كامل — مساء هادئ ثقيل
الحديقة مضاءة بإضاءة صفراء ناعمة.
داخل الفيلا… كل شيء مرتب، راقٍ، هادئ.
هدوء لا يشبه العاصفة الدائرة في قلب ريما.
ريما كانت جالسة في غرفة المعيشة، يدها على بطنها المنتفخ قليلًا، والهاتف في يدها الأخرى.
المكالمة الخامسة… لا رد.
تنهدت بقلق واضح.
— سليم عمره ما يقفل تليفونه كده… عمره.
دخل كامل بهدوء، كان يرتدي ملابس منزلية بسيطة، لكن حضوره وحده يملأ المكان طمأنينة.
وقف خلفها لحظة، يراقبها بحنان.
— لسه مش بيرد؟
هزت رأسها ببطء.
— من ثلاثة أيام يا كامل…
حتى لما بيكون زعلان مني… بيرد.
ابتسم بخفة محاولًا التخفيف.
— يمكن الشبكة… يمكن مشغول.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالقلق.
— سليم مش بيختفي كده.
هو حساس… قوي قدام الناس… بس أنا عارفة قلبي.
لو حصل حاجة… بحس.
اقترب منها، جلس على الطاولة أمامها، وأمسك يديها برفق.
— اسمعيني يا ريما.
صوته دافئ… ثابت.
— أخوك راجل.
ومش لوحده.
همست بضعف:
— بس هو ابن مراد.
الاسم خرج منها كأنه شوكة.
خفضت رأسها.
— بخاف يكون بابا عمل فيه حاجة…
أو يكون سليم فقد أعصابه وعمل حاجة غبية.
كامل رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها برفق.
— ريما.
انتظرت.
— أنتِ تبرأتي من أفعال أبوكِ.
وسليم تبرأ.
الدم لا يحدد الإنسان.
نظرت له بعينين دامعتين.
— بس الناس ما بتصدقش ده بسهولة.
ابتسم ابتسامة هادئة واثقة.
— الناس لا تهمني.
ثم أضاف بجدية:
— يوم جيت لكِ وقلتي لي إنك هتسيبيني عشان ما تبقاشي “زوجة مجرم”…
فاكرة ردي؟
همست:
— قلت لي… إنك اخترتني أنا، مش اسمي.
— بالضبط.
مد يده ولمس بطنها بحنان.
— واخترت الطفل ده قبل ما يتولد.
مش مهم مين جده.
المهم مين أمه.
انكسرت دمعة من عينها.
— أنا خايفة عليه يا كامل…
خايفة يكبر ويسألني عن جده.
ابتسم بلطف عميق.
— هنقوله الحقيقة…
من غير تجميل.
ومن غير كره.
هنقوله إن الإنسان يُحاسب على أفعاله، مش أفعال غيره.
سكتت لحظة، ثم قالت بقلق متجدد:
— طب وسليم؟
تردد كامل جزءًا من الثانية… ثم قال بهدوء محسوب:
— سليم قوي.
وأنا متأكد إنه مش هيعمل حاجة تدمّر نفسه.
نظرت له بشك خفيف.
— أنت تعرف حاجة ومش بتقولي؟
اقترب منها أكثر، وضع جبينه على جبينها.
— أعرف إن الوضع متوتر.
بس كل حاجة تحت السيطرة.
— تحت سيطرة مين؟
ابتسم بخفة.
— رجال يعرفوا يتصرفوا صح.
هي لا تعرف التفاصيل…
ولا تعلم أن مراد الآن مقيد…
ولا أن عاصم وزياد هناك…
ولا أن سليم في قلب المواجهة.
كامل يعلم.
لكنه اختار أن يحمي قلبها الآن.
ريما تنهدت بعمق.
— نفسي أروح أشوفه.
— لا.
قالها بحزم لطيف.
— أنتِ مش هتتحركي خطوة واحدة برا البيت دلوقتي.
رفعت حاجبها بضعف ابتسامة.
— بتأمرني؟
ابتسم.
— بحميكي.
ثم أضاف بنبرة جزائرية خفيفة خرجت بعفوية:
— أنا وعدتك يا ريما…
أعوّضك عن كل وجع شوفتيه بسبب أبوكِ.
مش هسمح لأي حد يخوّفك تاني.
أغمضت عينيها للحظة واستندت إليه.
— أوقات بحس إني لو ما كنتش بنت مراد…
كانت حياتي هتبقى أسهل.
رفع وجهها بيده.
— يمكن.
لكن يمكن كمان… ما كنتش هتبقي بالقوة دي.
ولا كنتِ هتعرفي قيمة الطيبة زي ما تعرفيها الآن.
ابتسمت وسط دموعها.
— أنت دايمًا تعرف تقول إيه.
ضحك بخفة.
— لأ… أنا بس بحبك.
واللي بيحب… بيتعلم.
رنّ هاتف كامل فجأة.
نظر إلى الشاشة للحظة…
اسم يعرفه جيدًا.
أغلق الاتصال دون أن يجيب.
ريما لاحظت.
— مين؟
— شغل.
قالها ببساطة.
ثم عاد ينظر إليها.
— اسمعي… لو حصل أي حاجة… أنا أول واحد هيعرف.
وأول واحد هيحمي سليم.
سألته بخفوت:
— تحميه من مين؟
نظر في عينيها بعمق.
— من نفسه… لو احتاج.
سكتت لحظة، ثم قالت بصدق:
— أنا مش عايزة أبوه يموت…
بس مش عايزة حد تاني يتأذي بسببه.
أجابها بهدوء عاقل:
— أحيانًا… نهاية الشر ما بتكونش بدم.
بتكون بسحب قوته.
استندت إلى صدره.
— بس قلبي مش مطمّن.
احتضنها بقوة حانية.
— قلبي أنا مطمّن بدل قلبين.
ظل يحتضنها…
بينما في مكان آخر من المدينة،
العد التنازلي يقترب من لحظة فاصلة.
أما هنا…
فكانت ريما تحاول فقط أن تكون أمًا…
لا ابنة مجرم.
************************
مطار القاهرة — بعد نص الليل بشوية
الطيارة لمست الأرض بهدوووح…
بس جوا رائد ما كانش في ولا ذرة هدوء.
نزل من الطيارة بخطوات ثابتة.
ملامحه هادية… ساقعة… محسوبة.
ولا حد بص له مرتين.
راجل راجع من سفر عادي.
بس عينيه؟
لا…
عينيه ما كانوش عاديين.
خرج من بوابة الوصول.
شد نفس عميق من هوا القاهرة.
— رجعت…
قالها لنفسه بصوت واطي.
ما راحش صالة الاستقبال.
ما كلمش حد.
فتح موبايله… وبعدين قفله تاني.
— مفيش مفاجآت.
تمتم بيها.
ركب تاكسي قديم.
السواق بص له في المراية.
— على فين يا باشا؟
رائد سكت لحظة…
وبعدين قال عنوان محدش يتوقعه:
— مدينة نصر… شارع جانبي قريب من فيلا الشرقاوي.
السواق هز راسه ومشي.
جوه العربية
طلع رائد موبايل تاني صغير…
موبايل احتياطي قديم.
ركّب فيه شريحة كان محتفظ بيها من تلات سنين…
عمره ما رماها.
استنى.
إشارة ضعيفة…
وبعدين أقوى.
بدأ يكتب رسالة قصيرة مشفّرة، لرقم واحد بس:
"الطير رجع.
العش آمن؟"
بعتها.
ما كتبش اسم.
ما لمحش لحاجة.
بعد دقيقة…
الرد وصل:
"العش مولّع…
بس الحريقة تحت السيطرة."
عينيه جمدت لحظة.
— يعني إيه؟
قالها لنفسه.
ما كتبش تاني.
قفل الموبايل وحطه في جيبه.
العربية وقفت على بعد شارعين من الفيلا.
دفع الأجرة ونزل.
الليل هادي…
بس الإحساس في الهوا مختلف.
مراقبة.
رائد مشي على مهله.
ما راحش على البوابة على طول.
لف في الشارع،
راقب العربيات،
الكاميرات،
حركة الحراسة.
همس لنفسه:
— في حاجة اتغيرت.
قرّب أكتر.
شاف عربية يعرفها كويس…
عربية زياد.
ودي… عربية آدم.
وقف.
— ليه كلهم هنا؟
ملامحه ما اتغيرتش…
بس جواه الحسابات بدأت تشتغل بسرعة رهيبة.
— لو هما هنا…
يبقى يا مراد وقع…
يا اللعبة وصلت لنقطة مفيش رجوع بعدها.
قرّب من سور الفيلا…
وفجأة سمع صوت وراه:
— كنت عارف إنك مش هتستنى الصبح.
لف ببطء.
رامي.
واقف على بعد خطوتين،
إيده في جيبه،
وعينه راقباه بدقة.
رائد ما بانش عليه اندهاش.
— وأنا كنت عارف إنك هتسبقني.
رامي قرّب:
— ما سبقتكش…
كنت بأمّن الطريق.
تبادلوا نظرة طويلة…
ساكتة.
رائد قال بهدوء مباشر:
— ما تقوليش إنكم كشفته من غيري.
رامي ما ابتسمش:
— الأمور اتحركت أسرع ما كنا متوقعين.
— اعترف؟
— باللي يكفي.
عيني رائد جمدت جزء من ثانية.
— يبقى خلص؟
رامي هز راسه ببطء:
— لسه.
سكتوا لحظة.
رائد بص ناحية الفيلا:
— هو جوه؟
— أيوه.
مقيّد.
لمعة خفيفة ظهرت في عينيه…
مش فرح…
حساب.
— ومين يعرف؟
— أكتر ما كنت تتمنى.
رائد خد نفس طويل:
— كنت عايز أبقى أنا اللي أكشفه.
رامي قرّب خطوة:
— وهتكون.
رائد بص له بحدة:
— إزاي؟
— إنت الشاهد الحي.
سكت.
رامي كمّل:
— مراد كان فاكر إنك ميت.
وجودك هيقفل أي ثغرة دفاع.
رائد فهم في ثانية:
— عايزني أظهر رسمي.
— مش الليلة.
— إمتى؟
— بكرة الصبح.
— وليه مش دلوقتي؟
رامي بص له بنظرة صارمة:
— لأن الليلة…
في أطراف تانية بتتحرك.
وإحنا محتاجينك كورقة أخيرة…
مش شرارة جديدة.
رائد ضيق عينيه:
— مين؟
رامي ما ردش على طول:
— ناس شايفة إن قتل مراد أسهل من محاكمته.
الصمت تقّل فجأة.
— الساندرو.
قالها رائد من غير تردد.
رامي ما أنكرش:
— وممكن غيره.
رائد بص تاني ناحية الفيلا:
— يبقى الخطة إيه؟
رامي قرّب، صوته واطي بس حاسم:
— الليلة نمنع أي تصفية حسابات.
وبكرة الصبح…
إنت تظهر.
حي.
وبكامل وعيك.
وملفك القديم.
— والعملية اللي كنت شغال عليها؟
— محفوظة.
ومحتاجين شهادتك عشان نقفلها قانوني.
رائد فكر لحظة…
غضبه لسه موجود…
بس هادي أكتر.
— كنت عايز أخلص عليه بإيدي.
رامي رد بثبات:
— تخلص عليه إزاي؟
برصاصة؟
ولا تسجنه عمره كله قدّام الدنيا؟
رائد سكت.
وبعدين قال ببطء:
— عايزه يشوف إني رجعت.
يعرف إن انفجاره فشل.
رامي هز راسه:
— وهيشوف.
بس في قاعة محكمة…
مش في ضلمة ممر.
رائد بص للسما شوية…
وبعدين رجّع عينه على الفيلا.
— ماشي.
نمشيها بطريقتك.
رامي ابتسم ابتسامة خفيفة:
— مش طريقتي…
طريقتك القديمة.
لحظة صمت.
رائد سأل:
— ومين حارسه دلوقتي؟
— عاصم…
وزياد…
وابنه.
ملامح رائد شدّت شوية عند كلمة ابنه.
— سليم؟
— أيوه.
رائد تنهد:
— يبقى الليلة نمنع الدم.
وبكرة…
نكشف الحقيقة رسمي.
رامي مد إيده.
— رجعت للعبة؟
رائد بص لإيده…
وبعدين صافحه بقوة:
— أنا ما خرجتش منها أصلًا.
***********************
فيلا الشرقاوي — الصالة الرئيسية
الجو خانق.
الهواء ثقيل كأنه يرفض المرور بين الجدران.
مراد مقيد على الكرسي في منتصف الصالة.
يداه خلف ظهره.
قميصه مجعد… لكن عينيه؟
ما زالتا ممتلئتين بالغرور السام.
أمامه دائرة من الرجال.
آدم العطار واقف بثبات، هادئ كعادته… لكن عينيه حادتان.
زياد بجانبه، صامت، صلب.
عاصم يضع يديه في جيبيه، ينظر لمراد بنظرة شماتة واضحة.
بيجاد يقف قرب سليم الشرقاوي تحسبًا لأي انفجار.
سليم القيصري يراقب كل تفصيلة.
أدهم يقف خلف زياد، عينيه لا ترمش.
زين العطار قريب من سليم، متوتر لكنه ثابت.
والباب يُفتح…
يدخل رامي.
تتحول الأنظار إليه للحظة.
رامي ينظر لمراد نظرة واحدة فقط… نظرة تقييم بارد… ثم يقف بجانب آدم.
مراد ابتسم ابتسامة ساخرة بطيئة.
— يا سلام…
اجتماع عائلي؟
نظر حوله ببطء.
— ناقص مين كمان؟
ولا خلاص… جمعتوا كل اللي بيكرهوني؟
عاصم ابتسم بسخرية واضحة.
— لا يا مراد…
إحنا ما بنكرهش حد بدون سبب.
أنت اللي تعبت نفسك عشان تكسب الكره ده.
مراد نظر له بازدراء.
— إنت بالذات…
نسخة مشوهة من أبوك.
سادت لحظة توتر.
عاصم اقترب خطوة، عينيه تلمعان.
— على الأقل أبويا مات راجل.
مش مربوط على كرسي مستني حكمه.
بيجاد مد يده قليلًا كأنه مستعد لمنعه لو اندفع.
آدم رفع يده إشارة هادئة.
— كفاية.
ثم اقترب من مراد.
— خلينا نختصر.
كل الأدلة ضدك بدأت تتجمع.
محاولة قتل.
خطف.
تزوير.
تلاعب بقضايا قديمة.
مراد ضحك.
— أدلة؟
زي الأدلة اللي دخلتني السجن قبل شهرين؟
وخرجت بعدها بأسبوع؟
نظر مباشرة إلى آدم.
— فاكر؟
لبستوا واحد غلبان جرائمي…
وأنا خرجت أنضف منكم.
زياد شد فكه بقوة.
رامي قال بهدوء بارد:
— المرة دي مختلفة.
مراد نظر له باستهزاء.
— وأنت مين؟
الضابط الصغير اللي بيحاول يبقى بطل؟
الصمت اشتد.
رامي لم يرد فورًا.
— أنا الشخص اللي هيقفل كل الملفات اللي لعبت فيها.
مراد ابتسم بخبث.
— أنتوا فاكرين إنكم مسيطرين؟
أنا خرجت قبل كده…
وكنت أقوى من الأول.
سليم الشرقاوي، ابنه، كان واقفًا صامتًا طوال الوقت.
وجهه شاحب… عينيه ممتلئتان بخيبة أمل.
فجأة انفجر.
— كفاية!
الجميع التفت إليه.
اقترب من والده بخطوات سريعة.
— لحد إمتى هتفضل تكذب؟!
لحد إمتى هتفضل تمثل إنك الضحية؟!
مراد نظر له ببرود.
— ارجع ورا يا ولد.
— أنا مش ولد!
أنا ابنك!
واللي عملته… دمرني!
اقترب أكثر.
— كنت فخور بيك…
كنت بدافع عنك قدام الكل!
مراد لم يتأثر.
— غلطتك.
وهنا…
فقد سليم أعصابه.
اندفع للأمام رافعًا يده ليضربه.
لكن زين أمسكه من كتفه بقوة.
وبيجاد أمسك ذراعه الأخرى.
— سليم!
مش كده!
سليم كان يصرخ:
— سيبوني!
سيبوني أخلص عليه!
هو السبب في كل ده!
مراد نظر إليه بابتسامة باردة مستفزة.
— شفتوا؟
حتى ابني… مش قادر يستحمل ضعفه.
زين شدّه للخلف بقوة.
— إهدى يا سليم!
مش هتضيع نفسك عشانه!
سليم كان يتنفس بعنف.
— ده مش أبويا…
ده شيطان.
آدم تدخل أخيرًا، صوته قوي لكنه هادئ:
— سليم… بصلي.
سليم نظر له.
— لو ضربته… هتديه اللي هو عايزه.
فوضى.
دم.
وتتحول من ضحية… لمتهم.
سليم تجمد.
تنفس ببطء.
رامي أضاف:
— وهو ماهر جدًا في ده.
مراد ضحك بخفوت.
— والله فخور بيكم.
كبرتوا وبقيتوا رجالة… بس لسه بتلعبوا بقواعدي.
عاصم اقترب هذه المرة، نظر في عينيه مباشرة.
— لا.
القواعد اتغيرت.
مراد رد ببرود:
— وإنت فاكر إنك كسبت؟
أنا حتى وأنا مربوط… لسه عندي أوراق.
زياد أخيرًا تكلم، صوته منخفض لكنه حاسم:
— أوراقك اتحرقت.
مراد نظر إليه مطولًا.
— أنت أكتر واحد عارف…
إن الشر ما بيموتش بسهولة.
رامي رد بهدوء قاتل:
— يموت…
لما يتعرّى قدام الكل.
صمت ثقيل.
آدم قال أخيرًا:
— آخر فرصة.
اعترف.
وسهّلها على نفسك.
مراد رفع رأسه بتحدٍ واضح.
— ولا كلمة.
نظر حوله ببطء… واحدًا واحدًا.
— كلكم واقفين ضدي.
ولا واحد فيكم عنده الشجاعة يعمل اللي أنا عملته عشان يوصل للقوة.
عاصم ابتسم بمرارة.
— الفرق بينا وبينك…
إننا مش مستعدين نخسر نفسنا عشان نكسب سلطة.
رامي التفت لآدم.
— ننقله.
آدم أومأ.
— الليلة هيفضل تحت الحراسة.
الصبح الإجراءات تبدأ رسميًا.
مراد ابتسم أخيرًا ابتسامة غامضة.
— الصبح…
يمكن يبقى متأخر.
تبادل الرجال نظرات سريعة.
الجملة لم تمر مرور الكرام.
رامي عينيه ضاقت قليلًا.
— لو عندك حركة أخيرة…
نصيحة… فكر كويس.
مراد لم يرد.
اكتفى بالنظر إليهم جميعًا…
بحقد صافٍ.
كل من في الغرفة… ضده.
لا حليف.
لا ابن.
لا صديق.
ولأول مرة…
بدا أن شعوره بالقوة يتصدع… ولو قليلًا.
***********************
الصمت بعد كلمات مراد الأخيرة لم يكن عاديًا…
كان صمتًا يسبق انفجارًا.
مراد ظل ينظر إلى الوجوه حوله…
ثم توقفت عيناه فجأة.
على آدم.
طالت النظرة.
ثم… ابتسم.
ابتسامة بطيئة… خبيثة.
عاصم لاحظ التغير فورًا.
— بتبص له كده ليه؟
مراد لم يرد.
اكتفى بتثبيت نظره على آدم.
ثم قال بهدوء غريب:
— صحيح…
فين نادين؟
تجمد الهواء.
زياد التفت فورًا إلى آدم.
زين شدّ جسده.
رامي ضاقت عيناه.
آدم اقترب خطوة، صوته منخفض لكنه مليء بالغضب:
— اسمها ما يجيش على لسانك.
مراد ضحك بخفة.
— ليه؟
سليم الشرقاوي نظر لأبيه بعدم فهم.
بيجاد تبادل نظرة سريعة مع سليم القيصري.
عاصم تمتم:
— بيلعب.
مراد أكمل بنبرة مريبة:
— أصل الغريب إن محدش فيكم سأل نفسه…
هي فين؟
زين انفجر:
— مالكش دعوة بأمي!
مراد نظر له بابتسامة مستفزة.
— أمك؟
آه صحيح… أمك.
ثم نظر إلى آدم مجددًا.
— ما سألتش نفسك يا آدم…
هي فين الليلة؟
قبضتا آدم انقبضتا بقوة.
— هتندم لو كملت.
مراد اقترب بوجهه قليلًا رغم القيود.
— أنا أندم؟
ولا أنت اللي المفروض تقلق؟
رامي تدخل بصرامة:
— اسكت.
لكن مراد لم يتوقف.
— أصلها زمان…
كانت ذكية.
وعارفة تختار مصلحتها.
الشك بدأ يتسلل إلى عيني آدم رغم إرادته.
زياد لاحظ.
— آدم… ما تسمعش.
مراد استمتع باللحظة.
— تخيل…
لو اكتشفت إنها مش في مكان آمن زي ما أنت فاكر.
زين لم يحتمل.
اندفع فجأة وضرب مراد بقبضة قوية على فكه.
ارتد رأس مراد للخلف، نزف قليلًا من شفته.
— ماتجيبش سيرة أمي!
صرخ زين.
بيجاد أمسكه بسرعة.
سليم القيصري ساعده في إبعاده.
رامي اقترب من مراد وحذره ببرود قاتل:
— كلمة كمان… وهتتمنى السجن.
مراد مسح الدم من شفته ببطء…
ثم ابتسم.
— شوفته؟
نقطة ضعفك واقفة قدامك يا آدم.
آدم صرخ أخيرًا:
— اخرس!
لكن مراد همس ببطء:
— اسأل نفسك…
هي كانت فين لما كل ده حصل؟
مين كانت بتقابله؟
الشك أصبح واضحًا في عيني آدم.
نظرة واحدة… خاطفة… نحو الأرض.
وفي تلك اللحظة—
صوت باب الفيلا يُفتح بعنف.
كل الرؤوس التفتت.
خطوات نسائية ثابتة.
نادين.
تقف عند المدخل.
بجوارها… رجل طويل ببدلة سوداء، حضوره ثقيل.
الساندرو.
الهواء تجمد.
مراد نظر إليهما…
ثم ضحك ضحكة قصيرة منخفضة.
— آه…
ها هي.
آدم نظر إلى نادين…
وجهه شاحب.
— نادين…؟
زين همس:
— ماما…؟
نادين تقدمت بخطوات ثابتة إلى منتصف الصالة.
نظرتها لم تهرب من أحد.
ثم قالت بصوت واضح… بلا ارتعاش:
— ما يكملش هو.
صمت مطلق.
نظرت إلى آدم مباشرة.
— أيوه.
أنا مع المافيا.
الكلمة سقطت كالرصاصة.
عيون الجميع اتسعت.
بيجاد همس:
— مستحيل…
نادين تابعت، صوتها ثابت لكنه يحمل تعب سنوات:
— اشتغلت معاهم…
واتحركت معاهم…
وعرفت حاجات ما كنتوش تتخيلوها.
زين تراجع خطوة.
— ماما… إنتِ بتقولي إيه؟
لم تنظر إليه.
نظرتها بقيت على آدم.
— كنت بحارب بطريقتي.
بطريقة غلط… بس كنت فاكرة إنها الوحيدة.
آدم تراجع خطوة.
— لا…
مش أنتِ.
صوته مكسور.
نادين أكملت:
— والليلة…
أنا جاية أخلص الموضوع.
ثم التفتت إلى مراد.
— هقتله.
وأريحكم منه.
همهمة صدمة انتشرت في المكان.
رامي قال بحدة:
— نادين… فكري كويس.
الساندرو تكلم لأول مرة، صوته بارد أجنبي:
— الأمر بسيط.
رجل فاسد… يموت.
وينتهي كل شيء.
عاصم نظر إلى رامي.
— ده جنان.
زياد اقترب خطوة من آدم… الذي بدا وكأنه سيفقد توازنه.
— آدم…
آدم نظر إلى نادين…
وكأن الأرض انسحبت من تحته.
— كنتِ…
معاه؟
صوته خرج مكسورًا.
نادين لم تتراجع.
— كنت بحاول أصل للحقيقة.
ووقعت في مستنقع أكبر.
زين صرخ:
— ليه ما قلتيش لنا؟!
الدموع بدأت تتجمع في عينيه.
مراد ضحك فجأة.
— قلت لك يا آدم…
اسأل نفسك هي فين.
آدم ترنح خطوة للخلف.
لولا أن أدهم أمسك بذراعه…
وزياد سنده من الجهة الأخرى…
لكان سقط.
عينيه مثبتتان على نادين…
غير مصدق.
الصدمة تجمدت على وجه زين.
رامي ينظر بين الجميع…
اللحظة خرجت عن السيطرة.
نادين رفعت رأسها…
والساندرو يقف بجانبها بثقة باردة.
مراد يبتسم…
كأنه انتصر في شيء أخير.
الصمت ثقيل…
مخيف.
***********************
الصمت بعد اعتراف نادين كان كجدار سميك يفصل الماضي عن الحاضر.
مراد ابتسم أولًا…
ثم بدأ يلاحظ شيئًا في عينيها.
لم تكن تلك نادين التي عرفها.
لم تكن المرأة التي كانت تبكي في صمت.
كانت تقف الآن مستقيمة…
بعينين مظلمتين.
تقدمت خطوة نحوه.
— فاكرني؟
مراد ضحك بخفة مصطنعة.
— طبعًا فاكرِك…
مرات صاحبي
الكلمة الأخيرة قالها بنبرة مسمومة.
آدم شدّ فكه بقوة.
نادين اقتربت أكثر.
— لا…
فاكرني يوم ما دخلت مكتبي في الداخلية؟
يوم ما واجهتك بأوراق تثبت إنك بتغسل فلوس؟
ابتسامته بدأت تبهت.
— عبد الكريم القناوي…
اللواء.
أبويا.
اسم الرجل سقط ثقيلًا.
زياد همس:
— عبد الكريم…
آدم رفع رأسه فجأة.
نادين واصلت، صوتها يرتفع، لكنه ثابت:
— قتلته.
رصاصة واحدة…
وخليت الحادثة تبان سرقة.
مراد حاول الضحك.
— اتهامات عاطفية.
لكن عينيه لم تعودا ثابتتين.
نادين اقتربت حتى صارت أمامه مباشرة.
— وبعدها…
زرعت في عقل آدم إني بخونه.
نظرت إلى آدم للحظة… ألم خاطف مر في عينيها… ثم عادت لمراد.
— لعبت بعقله…
سربت صور… مكالمات مزورة…
خلّيته يشوفني خائنة.
آدم تمتم بصوت مكسور:
— أنا… صدقت.
نادين أغمضت عينيها لثانية.
— طلّقني.
وانكسرنا.
مراد بدأ يتململ في قيوده.
— ده اختياركم… مش ذنبي.
نادين انفجرت فجأة بصوت شرس:
— لا!
كنت عايز تبعدني عن الحقيقة!
كنت عايز تكسرني عشان أبويا ما كانش بيخاف منك!
ارتجف صوته لأول مرة:
— مفيش دليل.
اقتربت أكثر، حتى صار أنفاسها على وجهه.
— الدليل كان أنا.
وكنت مستعدة أموت عشان أجيبه.
ثم همست بنبرة جعلت حتى الرجال الواقفين يشعرون بقشعريرة:
— كل ليلة كنت أتخيلك وانت بتطلق النار على أبويا.
كنت بتنام؟
ولا كنت بتعد فلوسك؟
مراد ابتلع ريقه.
لأول مرة… الخوف ظهر في عينيه.
زين اندفع فجأة للأمام، صوته مكسور:
— يعني أنت السبب؟!
أنت اللي خلت بابا يطلق ماما؟!
آدم أغلق عينيه للحظة… الألم واضح على وجهه.
زين صرخ:
— كنت عندي ست سنين!
كنت فاكر إن ماما وحشة!
كنت بزعل منها!
اندفع نحو مراد بقهر، لولا أن بيجاد أمسكه بقوة.
— سيبني!
سيبني!
مراد بدأ يحاول فك قيوده بعصبية.
— أنا ما عملتش حاجة!
دي أوهام!
نادين ضحكت ضحكة قصيرة مظلمة.
— أوهام؟
زي ما كانت أوهام لما خرجت من السجن قبل شهرين؟
لما لبست واحد غلبان جرائمك؟
الساندرو كان يراقب بصمت…
ثم تنهد بملل واضح.
— مللت.
كل الأنظار التفتت إليه.
اقترب بخطوات هادئة من مراد.
— أعطيتك فرصة أخيرة عندما أخرجتك من السجن.
قلت لك… لا أخطاء.
نظر له مراد بذعر واضح.
— ساندرو…
أنا كنت مفيد ليك.
ما تعملش كده.
الساندرو أخرج سلاحه ببطء.
صوت الأمان المعدني كان كالرعد في الغرفة.
— لم تعد مفيدًا.
مراد بدأ يتلوى، يحاول فك القيود بقوة.
— لا!
أنا عندي معلومات!
عندي فلوس!
أقدر أرجع أقوى!
الساندرو اقترب أكثر، السلاح موجه إلى جبينه.
— أنت عبء.
مراد صرخ:
— سيدي!
أنا خدمت المنظمة سنين!
نادين كانت تنظر إليه بلا رحمة.
— اتوسل…
زي ما خلت أمي تتوسل يوم جنازة أبويا.
مراد نظر إليها برعب حقيقي.
— نادين…
كنتِ بتحبيني يومًا ما.
ابتسمت ابتسامة مرعبة.
— كنت غبية.
آدم كان ينظر إلى المشهد غير قادر على الاستيعاب.
همس لنفسه:
— كان صديقي…
كان أقرب واحد لي.
زياد شدّ على كتفه.
زين ما زال يقاوم بين يدي بيجاد، صوته متحشرج:
— اقتله!
خلصنا منه!
رامي صرخ:
— محدش يطلق نار!
لكن السلاح كان ثابتًا في يد الساندرو.
مراد يلهث… يحاول الانفلات…
العرق يغطي جبينه.
— أرجوك…
أنا أعمل أي حاجة!
الساندرو نظر في عينيه ببرود مطلق.
— انتهى دورك.
الغرفة كلها مجمدة…
آدم مذهول…
زين يصرخ…
نادين تنظر بشر بارد…
والسلاح على بعد سنتيمترات من رأس مراد.
والمشهد يتوقف…
قبل الطلقة.
**********************
الساندرو يضغط بإصبعه قليلًا على الزناد…
مراد يلهث…
نادين تنظر بشر بارد…
زين يصرخ…
آدم مذهول…
وفجأة—
صوت قوي، حاد، آمر:
— محدش يضرب نار!
الصوت ملأ المكان كالصاعقة.
الجميع تجمد.
عاصم أول من استدار…
وعيناه اتسعتا بشدة.
— مستحيل…
على مدخل الصالة…
يقف رجل…
ملامحه مألوفة…
لكنها أقسى....
الساندرو يضغط بإصبعه قليلًا على الزناد…
مراد يلهث…
نادين تنظر بشر بارد…
زين يصرخ…
آدم مذهول…
وفجأة—
صوت قوي، حاد، آمر:
— محدش يضرب نار!
الصوت ملأ المكان كالصاعقة.
الجميع تجمد.
عاصم أول من استدار…
وعيناه اتسعتا بشدة.
— مستحيل…
على مدخل الصالة…
يقف رجل…
ملامحه مألوفة…
لكنها أقسى.
رائد.
حي.
مراد شحب وجهه كأنه رأى شبحًا.
— لا…
لا…
رائد تقدم بخطوات ثابتة، عيناه لا تفارقان مراد.
سخرية لاذعة ارتسمت على شفتيه.
— وحشتك يا مراد؟
السلاح في يد الساندرو انخفض قليلًا من شدة المفاجأة.
عاصم همس بصوت مخنوق:
— رائد…؟
زياد لم ينطق… فقط يحدق.
زين توقف عن المقاومة.
آدم حدق فيه كأن الزمن عاد ثلاث سنوات.
مراد بدأ يرتجف فعلًا.
— أنت…
أنت مت!
رائد ضحك ضحكة قصيرة باردة.
— واضح إن حساباتك كانت غلط.
اقترب منه…
حتى وقف أمامه مباشرة.
ثم أمسك بذقنه بقوة وأجبره أن ينظر إليه.
— بص كويس.
أنا حي.
صوت أنفاس مراد تسارع.
رائد همس بقسوة:
— فاكر يوم الانفجار؟
فاكر لما ضغطت الزر بنفسك؟
الذهول انتشر في العيون.
آدم نظر إلى مراد ببطء.
— إنت اللي فجّرت العملية؟
مراد حاول سحب وجهه… لكن قبضة رائد كانت حديدية.
— العملية كانت تسليم عادي…
وأنت غيرت المسار في آخر لحظة.
لغمت العربية.
وكنت مستني أتأكد إني جوه.
رائد ترك ذقنه فجأة.
— كنت عايز تموتني عشان كنت قربت من ملفاتك.
مراد تراجع بالكرسي للخلف قليلًا.
— ما عندكش دليل!
رائد ابتسم.
— عندي حياة كاملة كدليل.
التفت قليلًا نحو الجميع.
— لما الانفجار حصل…
رامي كان في وحدة المراقبة.
كل العيون اتجهت إلى رامي.
عاصم نظر إليه بصدمة وغضب.
— إيه اللي بيقوله؟
رامي تنفس ببطء.
رائد أكمل:
— قبل العملية بيوم…
رامي شك في تغيير خط السير.
زرع جهاز تتبع احتياطي في بدلتي من غير ما حد يعرف.
رامي قال بهدوء:
— لما الانفجار حصل…
الإشارة ما اختفتش فورًا.
كان في نبض.
عاصم صرخ:
— يعني كنت عارف إنه حي؟!
رامي نظر إليه بثبات.
— عرفت إنه في احتمال.
وصلنا للمكان قبل ما فريق الطوارئ يوصل رسميًا.
طلعناه من تحت الحطام.
ونقلناه باسم وهمي.
زياد تمتم:
— سويسرا…
رائد أومأ.
— مستشفى خاص… بهوية مزورة.
رامي لفّ القضية كأن الجثة اتفحمت بالكامل.
ملف طبي مزيف.
تقرير نهائي بالموت.
عاصم تقدم نحوه بغضب مكبوت.
— وكنت سايبنا نعيش في جحيم!
كنت فاكرني كرهت زياد بسببه!
ليل اتخطفت!
رامي رد بحدة لأول مرة:
— لو الحقيقة ظهرت وقتها…
مراد كان هيختفي.
كنا محتاجينه يطمئن إن خطته نجحت.
رائد أضاف بهدوء قاتل:
— كنت محتاجه يفتح كل أوراقه.
يظهر كل تحركاته.
والحمد لله… عملها.
مراد كان يتلفت حوله بجنون.
— أنتم مجانين…
ده كله غير قانوني!
رامي اقترب خطوة.
— غير قانوني؟
زي التفجير؟
مراد فجأة استغل لحظة الفوضى…
تمكن أخيرًا من فك إحدى القيود التي أضعفها من قبل.
دفع الكرسي بقوة…
وسقط على الأرض…
ثم نهض وركض نحو الممر الجانبي.
— امسكوه!
صرخ زياد.
الجميع اندفع خلفه.
عاصم أول من ركض.
زين خلفه.
رائد بجانب رامي.
مراد كان يركض كالمذعور…
يتخبط في الجدران…
يلهث…
عيناه تبحثان عن مخرج.
وصل إلى باب خلفي…
مد يده ليفتحه—
وفي تلك اللحظة—
صوت طلقة واحدة.
حادّة.
قريبة.
الجميع تجمد.
مراد توقف فجأة.
نظر إلى صدره…
بقعة حمراء تتسع بسرعة.
عيناه اتسعتا…
كأنه لا يصدق.
خطوة…
ثم أخرى متعثرة.
ثم سقط على ركبتيه.
سعل…
دم يخرج من فمه.
سقط أرضًا.
رصاصة اخترقت قلبه.
صمت تام.
الساندرو سلاحه منخفض… لم يطلق.
نادين لم تتحرك.
رامي مذهول.
رائد عينيه تتسعان.
عاصم توقف مكانه.
آدم همس:
— مين…؟
مراد لفظ أنفاسه الأخيرة…
وعيناه مفتوحتان على اتساعهما…
ثم سكن.
الجميع ينظر حوله…
لا أحد يعترف بإطلاق النار.
************************
الصمت كان أثقل من الرصاصة نفسها.
مراد على الأرض…
الدم ينتشر تحت جسده ببطء.
الجميع ينظر حوله.
ثم…
صوت خطوات ثابتة من نهاية الممر.
امرأة تمسك سلاحًا بيد مرتجفة… لكن عينيها ثابتتان.
نرمين.
زوجة مراد.
أم ريما… وسليم.
الصدمة ضربت المكان.
سليم همس بصوت مخنوق:
— ماما…؟
عاصم اتسعت عيناه.
زياد لم ينطق.
رائد تجمد.
نرمين تقدمت خطوة… ثم أخرى…
حتى وقفت فوق جسد مراد.
لم تنظر لأحد.
فقط إليه.
باحتقار صافٍ.
ثم… بصقت في وجهه.
الجميع شهق.
مراد ما زال حيًا…
أنفاسه متقطعة…
ينظر إليها بذهول.
— إنتِ…؟
صوته خرج مكسورًا.
نرمين انحنت قليلًا، صوتها مليء بقهر سنوات:
— ضيعت عمري معاك.
دموعها لم تسقط.
كانت تحترق داخل عينيها.
— كنت بتخونّي كل ليلة…
كل ليلة مع واحدة أرخص منك.
التفتت إلى الجميع فجأة.
— سكتّ!
سكتّ عشان ريما وسليم!
سليم تراجع خطوة للخلف، كأن الأرض لم تعد ثابتة.
— ماما… لا…
لكنها واصلت، صرختها خرجت من أعماقها:
— كنت عارفة حقيقته!
كنت عارفة إنه وحش!
بس كنت بخاف على ولادي!
حور وليل وجميلة ورؤى وملك ومازن دخلوا الممر في تلك اللحظة…
وتجمدوا أمام المشهد.
ليل وضعت يدها على فمها.
جميلة شهقت:
— يا نهار أبيض…
نرمين نظرت إلى مراد من جديد.
— فاكر كارلا؟
مراد حاول أن يتكلم… الدم يخرج من فمه.
— اسكتي…
صرخت فيه:
— اتجوزت عليا!
إيطالية!
اسمها كارلا!
الاسم سقط كصاعقة.
سليم صرخ:
— إيه؟!
زياد نظر إلى رامي بدهشة.
نرمين تابعت بجنون ممزوج بالألم:
— كنت فاكرة نزوات!
طلعت زوجة!
زوجة تانية!
وأنا عايشة معاك سنين… أستحمل قذارتك!
مراد حاول أن يضحك بسخرية ضعيفة.
— كنتِ ضعيفة…
ولسه ضعيفة.
اقتربت منه بعينين مشتعلتين.
— ضعيفة؟
أنا اللي كنت بستر فضايحك!
أنا اللي كنت بواجه نظرات الناس!
ثم صرخت بمرارة:
— دلوقتي الكل بيشمئز مني!
بيفتكروني شريكة ليك!
التفتت للحظة نحو الفراغ، كأنها ترى ماضيها.
— حتى مصطفى… أخويا…
مش عايزني في بيته.
بس لأنه طيب… ما قالش.
صوتها انكسر أخيرًا.
— أنا مليش مكان.
رفعت رأسها… عادت نظرتها قاسية.
— فقلت أخلصكم منه…
وأدخل السجن.
أريح ضميري.
ثم نظرت إلى رامي.
— أو حتى أُعدم…
مش فارق.
سليم صرخ بقهر:
— ليه يا ماما؟!
إحنا مالنا؟!
ركض نحوها… لكنه توقف فجأة حين رأى الدم يغطي الأرض.
نظر إلى والده…
ثم إلى أمه.
انهيار كامل.
— إنتوا الاتنين دمرتوني!
مراد تنفس بصعوبة…
نظر إلى نرمين بحقد أخير.
— هتفضلي…
زوجتي…
مرات مراد الشرقاوي…
ثم همس بكلمة أخيرة مسمومة:
— محدش هيحترمك.
نرمين لم ترد.
فقط نظرت إليه بلا رحمة.
عيناه فقدتا التركيز…
جسده ارتخى…
أنفاسه توقفت.
انتهى.
صمت.
آدم أغمض عينيه…
زياد زفر ببطء.
رائد نظر إلى الأرض…
رامي ثابت لكنه مشدود.
كل واحد منهم…
تذكر ألمه الخاص.
كل واحد… آذاه مراد بطريقته.
ليل نظرت إلى سليم بشفقة.
نرمين أسقطت السلاح من يدها.
صوت سقوطه كان حادًا.
بعد دقائق—
أصوات سيارات الشرطة والإسعاف.
الأضواء الزرقاء والحمراء انعكست على الجدران.
دخل رجال الشرطة بسرعة.
غطوا جسد مراد بقماش أبيض.
سليم انهار على ركبتيه.
— باباااااا!
صرخة خرجت من أعماقه…
ليست حبًا…
بل قهرًا.
بيجاد ركع بجانبه واحتضنه بقوة.
— خلاص… خلاص…
سليم القيصري انضم إليهما، أمسكه من كتفه.
— إهدى… إحنا معاك.
لكن سليم كان يبكي كطفل صغير…
رغم أنه رجل.
نرمين لم تقاوم حين وضعوا الأصفاد في يديها.
مرت بجانب سليم…
توقفت لحظة.
نظرت إليه…
دمعة أخيرة سقطت.
— سامحني.
لكنه لم يرفع رأسه.
أخذوها بعيدًا.
الإسعاف حملت الجسد المغطى.
الباب أُغلق.
الصمت عاد…
لكن هذه المرة… ليس صمت خوف.
بل صمت نهاية.
وكل واحد في المكان…
يعرف أن جراحه لن تلتئم بسهولة…
لكن الوحش سقط أخيرًا