وقعت كلمات فؤادة الأخيرة وصوتها المجلجل بالنداء على فوزية كالمسامير المشتعله في أذني عامر فجمدت أنفاسه وجمدت الدماء في عروقه المشتعلة. أحس عامر في تلك اللحظة بخناق مُميت فالفكرة لم تعد مجرد مناورة من ملوك لكسر كبريائه بل تحولت إلى واقع مرير يتحرك أمام عينيه بسرعة وبمباركة والدته التي تقرر إدخال رجل غريب لصلب الدار.
سرى رعب حقيقي في أوصاله وهو يتخيلها تصبح لغريب يلمسها وتنام في حمى شخص من خارج الدار ويُغلق عليهما باب واحد في مضيفة عيلته وتحت سقف داره لتربي ابن عمر الراوي. ثار الدم في عروقه وتلاشت معها كل ذرة تعقّل فراح يبرر لنفسه هذا الهياج الأعمى بأنه صون لاسم شقيقه الراحل وحماية للطفل اليتيم من أن يتربى تحت رحمة رجل غريب قد يذله أو يسرق ورثه.
كل كلمة قالتها فؤادة عن الدخلة والاسبوع الجاي كانت تنزل على كبريائه ورجولته كالسياط وحدث نفسه بغيظ حارق أنه مستعد أن يرتكب جناية ولا أن يرى اسم عيلته يُداس بدخول هذا الأمجد إلى دارهم. تحول عامر إلى وحش مذعور مع كل نبرة عالية من صوت والدته وهي تنادي... يا فوزياااااه ليعلن أنه لن يسمح لهذه المهزلة أن تتم حتى لو اضطر لربط ملوك في الدار بالحديد.
هنا تحرك عامر كالعاصفة أطبق بكفه على مقبض الباب ليقفله ويصرخ بصوت زلزل المكان موجها حديثه لامه بنبرة قاطعة بعنف وهياج... ما حدش يِخطي خطوة واصل المحضر ده اتجفل.. وملك دي بقت مرت عامر الراوي وكتب كتابي عليها السبوع الجاي واللي هينطج اسم غريب في الدار دي تاني هيلاجيني قدامه. انتشت فؤادة أخيرا إن ابنها تحرك وصرح بمكنون قلبه المشتعل وعلمت أن خطتها قد نجحت في تليين رأسه اليابس الا انها اكملت بخبث لين ومسكنه ........
وليه يا ولدي تغصب نفسك بس ماتجهرنيش يا حبيبي ماعادتش ينفع خلاص والبت جالت كلمتها. وقف عامر أمامها جسدا هائجا تتطاير الشرور من عينيه وضغط على كفيه بقوة وهتف بغضب عارم........ اسمعي يا أمي أنا جولت خلاص الجوازه هتم لأجل لحم اخوي انا الكبير وانا اللي هشيل شيله اخوي وولد خي ومفيش غريب هيدخل عتبة الدار دي يشاركنا في عرضنا. هتفت الأم وهي تتابع اللعب على أوتار عناده وجرح كبريائه الصعيدي........
عايزالك بت بنوت تفرّح جلبي يا عامر تليج بمجامك العالي وتصون اسمك. صرخ عامر بعنف وجنون أخرس السرايا كلياتها........ أنا مابيهمنيش بطلي السيرة دي وجفلي عليها عاد ملك هي اللي هتكون مرت عامر الراوي. قام الجد سعفان من مجلسه وضغط على عصاه بغضب ونظر إلى ابن ابنه بحدة كاشفة كل ارتباكه وخوفه الخفي وهتف........ هو إيه إللي ما يهمكش أمال مسكت البت هلهلتها ليه فيه ايه عاد رساك على بر يا ابن الراوي .
تنحنح عامر بارتباك شديد ظهر في نبرة صوته وحاول أن يداري غيرته القاتلة خلف الواجب والأصول وقال........ دا دا كان كلام في وجت غضب ماكتش اجصد يعني هيا خلتني اغضب واجول كلام وخلاص المهم مصلحة الواد وولد خي الغالي ما ينفعش يتربى برة الدار. هتف الجد وهو يحرك رأسه بقلة حيلة وضيق من طيش عقل حفيده........
ماكتش تجصد إيه بالضبط. إنت جرالك إيه إنت مش ولدي عامر. انت زي مايكون اتمسيت ماعتش بتتحكم باعصايك بقيت نار والعه ليه اكده. تهينها ليه بس دانت بتحكم بلاد وناس ياما مش عارف تحكم لسانك ده. بس هيا ماهترضاش خلاص بعد كلامك. كلامك كان واعر والبت كرامتها غالية عليها يا عامر. وكلامك كان كيف السم في جلبها وما أظنش تجبل بيك بعد اللي سمعته. شعر عامر بغصة مريرة وخوف من أن تصمد ملوك على رفضها فهتف بقلة حيلة تداري لهيبه........
خلاص ناديلها يا جدي وشوفو هنتموها إزاي أنا أنا موافج على كل شروطها وشوف تتموها أزاي وإللي تطلبه هعملو بس الجوازة دي تتم شوف يرضيها ايه هعملو . تنهد الجد سعفان بعمق وضيق وهز رأسه قائلا........ أعملها إزاي دي يا ولدي بعد المعركه اللي تمت بيناتكو.بس هيا لو صممت علي أمجد ده ماهنطجش واصل طالما وافجت عليه يبقى مالناش كلمة عليها. صرخ عامر بجنون وهياج ........
لاه تنطج يا جدي وتوجفلها الجوازه لحم ولدنا إحنا أولي. ماحدش يربي لحمنا غيرنا والزفت أمجد ده لو لمح طيف السرايا هكون مخلص عليه. إنت تجدر تجول لا٧ يا جدي يرضيك الغريب ياخد ولدنا. هتف الجد محاولا اختبار مدى تمسكه بالمرأة وخوفه من ضياعها والتفت نحو عمار الصامت........ طب خلاص خليه عمار بلاش إنت طالما مش طايجها والبت واعر عليها كلامك. فصرخ عامر بصوت رعدي واندفع يقف بين الجد وعمار كالحائط السد هاتفا بعصبية ........
ماهياخدهاش غيري بجولك أنا الكبير اهنه يبقى انا اللي هاخدها خلاص بقه جفلوا السيرة دي ملك دي حرمتي أنا ومكتوبة على اسمي من الليلة دي. نظر الجد سعفان لعامر بقلة حيلة وهز رأسه محاولا إيجاد مخرج يحفظ هيبة العيلة بعدما تعقدت الأمور برأس ملوك اليابس. اندفع عمار براحه... ايوه يا جدي عامر الكبير وكمان واعر وهيا جويه وهو يجدر عليها وتجعد تربي الواد. هتف الجد سعفان بضيق لتنبيه حفيده الثائر.....
هي دلوك حطت راسها براسنا كلياتنا وجالت أمجد يبقى مفيش حل غير إننا نفكر إزاي نلايموا الموضوع من ناحية تانية. ضيق عامر عينيه ونظر لجده بغيظ حارق وعروق عنقه بارزة من شدة الغيرة ........ ونلايموها إزاي دي يا جدي عاد أنا مستحيل أسيبها تطلع برة الدار. تقدم عامر خطوات نحو جده وحسم أمره سريعاً بعقل مستشار يزن القوانين ويعرف كيف يقلب الطاولة ويحفظ كرامته كرجل وصعيدي........
إحنا مش هنترجوها واصل يا جدي.. إحنا هندخلوا لها من باب الحج والأصول اللي تِجبرها وتِلوي دراع عنادها ده بالشرع والجانون. التفتت فؤادة لولدها باهتمام وراحت تنصت لحديثه الذي ينم عن رغبة حقيقية في إتمام هذه الجوازة بأي ثمن وبأعلى رأس. تابع عامر بثقة وثبات.... أنا هطلع لها وهجول لها إن الجوازة دي هي تمن حريتها وجَعدتها مع ولدها اهنه. وانك يا جدي رافض أي غريب وأنا الكبير.
هجول لها إن كتب كتابي عليها هو اللي هيحميها من طمع أي حد ومن جيل وجال الناس.. وإنها لو رفضت يبقى هي اللي بايعة ولدها وطمعانة في حاجة تانية. ومش عايزه تجعد. واننا ماهنرضاش غريب يربي عيالنا. نظر إليه الجد بتمعن وضيق عينيه وسأله ........ وطب وكلامك الوعر اللي جُولته في حجها يا ولدي وهلهلت بيه كرامتها وجُولت ما تنفعلكش مَرة . تفتكر البت هتنسى الواعر ده وتوافج إكدة؟
رد عامر بكبرياء وثقة تخفي وراءها لهيب قلبه لكنها تظهر سطوته وهيبته كمستشار لا يكسره عناد امرأة........ هجول لها إن كلامي الأولاني كان بسبَب إني فكرت انها كت عايزه راجل غريب وهتهمل ولدها عشان سمعت أمجد بيطلبها ففكرت هترحل وتسيب ولدها. وترفض جوازاي في دارنا وده اللي عَمى عيني.. وعشان إكدة أنا وافجت على الجوازة دي دلوك لحماية اسم خوي وولد خي وبس.
أنهى عامر حديثه وعيناه تتجهان نحو الباب.. هطلع أنا اناديلها ولما تاجي تجول لها برضك ماشي. تنهد الجد وهز راسه واستدار عامر براحه ولكن قلبه متوجس من مجابهتها بعد كلامه. دخلت ملوك غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف وسندت ظهرها عليه وهي تنهج ........ راحت تلف حول نفسها في أرجاء الغرفة كالمجنونة وعقلها يغلي وغل الدنيا كلها تجمّع في صدرها المقهور. قبضت على خصلات شعرها بغيظ حارق وهي تتذكر نظراته الجافة وكلماته القاسية.
همست بقهر وغل أعمى..... أنا ما يعوزنيش أنا..... أنا يا ابن الراوي تبيع وتتشرا فيا كأني بضاعة رخيصة.. راحت تضرب كفيها ببعضهما البعض وصوتها يخرج مخنوقاً .... جوازة من سكات وتستر عليا ويرضى بيا . دأنت اللي المفروض تركع تحت رجليا لجل أرضى ألتفت لخلقتك. وجاي قدام جدك وأمك تِقول ما تنفعليش مَرة عامر لازم يبقى الأول ليه فاكر نفسك مين. صرخت بداخلها والوجع يشرخ قلبها....
أنت تطلع إيه عشان تتمنن عليا. آه متغاظه الزباله يا ريتني بطحته بحاجه أعمل إيه أنا مايرضاش بيا أمال يرضي بمين بالزرقه بنت عمه. جلست تغلي مقهوره لكن فجأة تلاشت ثورتها وحل محلها ذعر حقيقي عندما بدأت تسأل نفسها عن الورطة التي ألقت بنفسها فيها وتساءلت برعب...... يا مصيبتي دانا قولت أمجد طب إيه. هعمل إيه وأمجد ده ههبب معاه إيه. راحت تخاطب نفسها بجنون ورعب ...
هيا لسودت كده ليه أعمل إيه.. إيه أكلمه اتفق معاه يمثل الجوازة لا لا ده ما هيرضاش دا عايز جوازة ودخلة ورجولة. تنهدت بقهر وعضت على شفتيها بندم..... أعمل إيه بس.. مانا كان لازم أقهره وأكسر مناخيره اللي رافعها للسما دي وما سكتش على إهانته. تابعت بضياع.... وهتجوز إزاي وأنا أصلا مش زفت.. مش طايقة حد يلمسني ولا طايقة سيرة الرجالة من أساسه. خطت نحو النافذة ونظرت للأسفل برعب لتزيد من نبضات قلبها ........
تساءلت طب أنزل أراضي الحاج تاني أروح أتحايل عليه لجل يعفيني من الجوازة. طب اماطل واطفش بالواد أخده واهرب . لا مش هعرف دا السرايا مترشقه حرس والبيه ادي أوامر الواد مايخرحش عارف إني هطفش. طب ليه اخرج واعمل بلاغ في القسم.. تراجعت علي الفور... انت مخلوله دانتي منتحله شخصيه هتتحبسي وياخدو الواد. أعمل إيه أعمل إيه. انتفض جسدها كليا تملكها ذعر جعل الدماء تتجمد في عروقها وهي تتذكر سرها الأكبر المدفون.
يا مصيبتي السودا دا الحاج لو عرف إني مش ملك الحقيقية وإني منتحلة شخصية أختي التوأم لجل أحمي الواد لو عرفوا الحقيقة هيشّوني في النار. دا هيعلقوا لي المشانق في وسط البلد. عادت تلتفت حولها بقلة حيلة وضياع تام.... أروح فين هيخرجوني من البيت مانا مش حريمهم خلاص همشي القصه دي عشان أنا مرت اخوهم. غير كده هيطردوني من غير الواد أسيب عمر وأمشى. هزت رأسها بجنون....
لا استحاله أسيب روحي ولا أسيب ابن أختي لجل يربوه على الجفا والقسوة أموت ولا يفارق حضني. انهارت قواها بالكامل ولم تعد قدماها قادرتين على حملها بعد هذا الكم من الضغط والتهديد والمهانة. جلست ملوك على الأرض وركنت ظهرها إلى الفراش مقهورة كالعصفور المذبوح ودموعها متحجرة في عينيها لا تنزل من فرط القهر والوجع.
أغلقت عينيها بقوة محاولة الهروب من واقعها المرير وظلت تتلو آيات الله كي يهدأ روعها. راحت تردد الآيات في سرها والدموع المحبوسة تبلل رموشها متوسلة لرب العباد أن يدلّها على ما تفعله في هذه المصيبة الهابطة فوق رأسها. غلبتها سطوة التعب والقهر فاستسلمت لغفوة ثقيلة وهي على وضعها فوق الأرض بلا وعي. وراحت ملوك في نوم عميق هربا من واقعها المرير لتجد نفسها فجأة في عالم آخر يملأه بياض ناصع وراحة افتقدتها منذ زمن.
لمحت من بعيد طيفا مألوفاً يشع نورا يقترب منها ليتضح لعينها وجه شقيقتها التوأم الراحلة ملك. انقبض قلب ملوك في المنام واندفعت نحوها تمد يديها بلهفة وحنين جارف. أمسكت ملك بكفي ملوك وضغطت عليهما بحنو بالغ ونظرت في عينيها بعيون تملأها الطمأنينة والرجاء؟ قالت بنبرة هامسة دافئة ........ وافقي يا ملوك.وافقي ما تضيعيش أمانتي من ايدك . بكت ملوك في حلمها وهزت رأسها برفض وخوف من هذا المصير الحارق وجبروت عيلة الراوي. .......
ازاي أوافق يا ملك. عايزين يكسروني بجوازة جبر. أنا بموت بينهم يا قلبي. ابتسمت ملك ابتسامة غامضة وراحت تردد كلمات غريبة مشوشة لم تفهم ملوك مغزاها بالكامل في تلك اللحظة........ وافقي ومتخافيش الجوازة دي هي اللي هتبقى لقلبك راحه وهي اللي هتعوضك. هتبقي سعيدة معاهم يا ملوك. بحثت ملوك في وجه أختها عن تفسير لهذا الكلام غير المفهوم وكيف تسعد مع رجل كسر كبرياءها أمام الجميع......
أنسة إيه أنا مش بتاعه جواز ولا حب ولا مشاعر انت بتقولي ايه اختك ميته انا هنا عشان الواد. اقتربت ملك تابعت كلامها بنبرة آمرة حانية وهي ترفع يد ملوك وتضعها فوق قلبها لتأخذ منها ميثاقا غليظا لا رجعة فيه.... مين قال دا هنا كل المشاعر بس مستنيه تطلع. وافقي يا قلبي انا جايالك اهديكي للطريق الصح وافقي انت هتبقي ملوك العشق فاهمه وافقي يا روحي وابني هينسعد مابينكو.
هاخد عهد عليكي يا ملوك. عاهديني إنك مش هتفارقي البيت ولا تسيبي الواد. وافقي على الجوازة لجل خاطر أمانتي. نظرت ملوك الي عينيها المستعطفتين وشعرت برباط خفي يشدها نحو طيفها الراحل ويجبرها على الانصياع. هتفت ملوك بعبرات سالت في المنام ونبرة صادقة.... عاهدتك يا ملك.. عاهدتك وعمر ما أمانتك هتطلع من حِضني .
ما إن نطقت بالعهد حتى تلاشت ملك في النور الأبيض بسرعة فائقة وكأن الأرض انشقت وابتلعتها. قامت ملوك منفوضة وهي تلهث بشدة وجسدها يرتجف. جلست على فراشها وهي تلتفت حولها بذعر وعيناها متسعتان وصوت أختها وعهدها يترددان في أذنها كأنه حقيقة لا خيال. وضعت ملوك يدها فوق صدرها تتحسس دقات قلبها التي تكاد تخترق ضلوعها من أثر الرؤية والعهد. همست ملوك بذهول وضياع تام...
ايه ده إزاي الكلام ده. وافقي هتبقي سعيدة وجوازة كويسة إزاي بس يا ملك ده جحيم مش جوازة . وايه ملوك العشق دي راخره يا رب أنا تعبت تعبت. تذكرت عهدها الذي قطعته في المنام وقفت على قدميها وراحت تخطو في الغرفة ببطء وهي تشعر بثقل الأمانة قالت ملوك لنفسها بقلة حيلة وقهر..... أنا عاهدتك خلاص يا قلب أختك.. ومستحيل ملوك ترجع في كلمة عاهدت بيها طيفك. بس إزاي هعملها وأنا مش ملك إزاي هتهبب أتجوز. فكري يا ملوك فكري.
جلست ساهمه ومدت يدها لتليفونها وبدأت تكتب بعض الأشياء ظلت تقرأ في صمت وقلبها يرجف ليأتي في بالها حلا أو بالأصح مصيبه اخري تزيد من مصائبها. بعد فترة من الصمت المشحون بالتوتر داخل الغرفة سمعت ملوك نقرا هادئا ولكنه حازم على الباب فقامت تفتح ببرود وثبات لتجد عامر يقف أمامها شامخا فهتفت بسخرية لاذعة وهي تربع يديها ........ إيه جاي تاخد نمرة أمجد عشان نتم الجوازة ونخلص.
تجلد عامر بقوة وضغط على أسنانه حتى لا يندفع ويقتلها من فرط غيظه من برودها وهتف ببرود مصطنع تماما ووضع يديه امام صدره ........ جدي مش موافج على أمجد واصل. رفعت ملوك حاجبيها ببطء ومطت شفتيها قائلة باستهزاء وبرود شديد يضرب كبريائه في مقتل........ ليه مش موافق مش عايزين راجل والسلام. هتف بجمود... لا مش أي راجل لازم يبقي راوي مش غريب. مطت شفتيها بامتعاض...
اممم تمام يبقى أدهم أهو أدهم ابن عم عمر ومفيش غريب هيدخل السرايا وكله في بيت واحد والواد يتربى وسط أعمامه. صرخ عامر فجأة بعنف وضاع بروده المصطنع في ثانية واحدة من فرط غيرته وغيظه القاتل ........ إيه إنتِ ما بتصدجي تلاجي سيرة راجل تمسكي فيها عاد ولا أدهم كمان هيدخل الدار دي كزوج ليكي طول ما أنا فوج الدنيا دي وافهمي دي زين. تنهدت ملوك بعمق وراحت تتأمله بملل وضيق شديد وهتفت ببرود تستفز سطوته ........
مافاضلش الا عمار انا زهقت. صرخ بنفاذ صبر... ولا زفت ده كمان هو إيه ده حرجه الدم دي. هزت راسها بدهشه وهتفت بغضب.... ايه هتجوزوني سايس الخيل والا خدام السرايا.... ما تقول جاي ليه يا باشا و هازز طولك قدام الباب كده وعامل فيها قاضي االبلد هات اللي في عبك يا سيادة المستشار وخلصنا إنت طالعلي ليه. تمالك عامر نفسه بأعجوبة ومسح على وجهه بكفه وضيق عينيه وهو ينطق الكلمات بصعوبة بالغة جراء غطرستها التي تجننه وتثير ثورته........
جدي جال إن يعني يعني.... اجصد إحنا جعدنا مع بعض وشوفنا إن الصح والأصول لجل مصلحة الواد الصغير إن إن... هنا قاطعته ملوك بحدة ونفاد صبر ولم تتركه يكمل حديثه المتردد بل مدت يدها ودفعت يده بخفة لتتحرك من أمامه وتتركه خلفها بغير اهتمام........ هو إنت مرسال جدك طب على إيه وجع الدماغ ده هنقف ساعة تقول حاسب كده ونقف نقرف بعض أروح للكبير أسهل .
تركت ملوك عامر متصنما في مكانه من الصدمة ولم يصدق أنها تركته كحشرة لا قيمة لها ونزلت الدرج تتهادى ببرود دون أن تقيم له وزنا. فاشتعلت النيران في عروقه واندفع خلفها كالإعصار وقبض على ذراعها بقوة وعنف وهتف بغضب عارم ........ البارت 31...
تركت ملوك عامر متصنما في مكانه من الصدمة ولم يصدق أنها تركته كحشرة لا قيمة لها ونزلت الدرج تتهادى ببرود دون أن تقيم له وزنا. فاشتعلت النيران في عروقه واندفع خلفها كالإعصار وقبض على ذراعها بقوة وعنف وهتف بغضب عارم ........ أنتِ سيباني ورايحة فين وبتدفعي يدي وبتنزلي من غير إذني هو أنا هوا قدامك واتكلمي معايا عدل إيه ده . نظرت إليه ملوك باستعلاء شديد ونفضت ذراعها من بين كفيه بقوة وتحدثت بكبرياء أحرق دمه تماما........
أنا رايحة فين دي حاجة ما تخصكش أنا نازلة تحت عشان هجيب الكلام من صاحب الكلام الكبير اللي كلمته بتمشي على الكل. هتف عامر بغيظ قاتل ........ أنا صاحب الكلام وصاحب الجوازة دي كلياتها ومفيش كلام هيتِجال في السرايا دي غير اللي هيطلع مني أنا وبس أنا هنا كبير وكلمتي ما عادش يِتنى لها حد. قطبت ملوك جبينها بذهول وراحت ترقبه ونظرت إليه من فوق لتحت ببرود قاتل زاد من اشتعال النيران في صدره وهتفت لتضع كبريائه تحت قدميها........
أنا مش معتبراك الكبير ولا هعتبرك في يوم كِدة أنا كبيري هنا الحج سعفان وبس. تنحنح عامر مسرعا والشرار يتطاير من عينيه بكلمات حارقة دمرت ما تبقى من وقاره الصعيدي وقال بغيره ........ انت مالك متمسكه بامجد ده بتحبيه أمال إيه هجعد عمري كله لعمر. أمجد ماهتتجوزهوش فاهمه ماينفعلكيش. هزت راسها بيأس.... انت متخيل اني بحب أمجد هو اللي انا فيه ده يخليني اعرف أحب انت بتقول ايه. انا هنزل اتكلم اشوفلي حل في مصيبتي
وقف امامها كس منيع وهتف بثبات..... جبل ما تنزلي جدي مش موافج حد غيري يتم الجوازة دي لجل ان أنا كبير الرجال من بعده وأنا اللي لازم أشيل شيلة أخوي عمر الله يرحمه أنا إللي هتجوزك . تجمدت هيا في مكانها وكأن الزمن قد توقف فجأة ليعيدها إلى نقطة الصفر. رفعت بصرها نحوه ببطء وعيناها مليئتان بأسئلة حائرة وذهنها يحاول فك طلاسم ما يحدث. قالت بصوت بصدمه.... اللي هو إزاي مش قفلنا الموضوع ده من شوية هو فيه إيه بالظبط.
لم تكن عيناه تكشفان عما يدور في خلده . هتف ببرود قاطع لا يقبل الجدال...... لاه... جدي مصمم والكلمة كلمته. هو اللي أصر إني أنا اللي أتمم الجوازة دي. سخرت منه بحدة ممزوجة بالألم.... إيه؟ بيلزق لك جوازة غصب عنك هو إحنا في أي زمن يا باشا فهمني. إنت عايز تقنعني إنك بتتغصب على حاجة مش عايزها؟ إنت فعلًا الشخص اللي بيرضى لنفسه كده. استشاط عامر غضبا من كلماتها التي فهتف مندفعا ...... لاه عايزها.
تجمدت الكلمة على لسانه وتلاقت نظراتهما في صمت مشحون بالتوتر. نظرت إليه بذهول . الا انه أكمل هو بنبرة أقل حدة محاولا تبرير اندفاعه.... أجصد عايزها لأجل ابن أخوي عشان ما يخرجش بره عشان أضمن له حقه ومكانته ودي هي الغاية. مطت ملوك شفتيها بسخرية مريرة وذكرته بكلامه القاسي الذي قاله في الأسفل وجرح به أنوثتها وهتفت بنبرة تقطر وجعا ........
بس سيادتك عايز بنت بنوت تفرح قلب أمك وتليق بمقامك العالي وأنا واحدة مش قد مقام المستشار عامر الراوي. اندفعت خطوات عامر نحوها بخطوة سريعة وعيناه تلتمعان بأسف خفي وندم يداريه خلف عصبيته وتلعثم وقال بارتباك شديد لأول مرة في حياته........ على فكرة أنتِ السبب في كل اللي حصل ده أنتِ إللي خلتيني اجول أكدة بكلامك وعنادك وخلتيني اجول كلام مايصحش. ابتسمت بسخريه....
ليه انا اللي قولتلك تقف تتجبي عليا. انا رفضتك يا باشا وإنت هنت دا الفرق انا ماعملتش حاجه. تلبك عامر في حديثه وتابع يبرر موقفه وعيناه تتهربان من نظراتها الحادة التي تخترق حصونه ........
آيوه أنتِ السبب أولا لما كُنتي واجفة وبتضحكي مع أمجد تحت تخيلتك هتتخلي عن الواد وعن الدار ولما جولتي مش رايدة جوازتي جولت هتمشي وتتجوزيه وتتخلي عن ابن أخوي لجل تعيشي حياتك وعشان كِدة أنا اتعصبت وعمي عيني وجولت كلام بزيادة ما كانش ينفع يتجال واصل. تنفست ملوك قليلا وهدأت ثورتها بعدما سمعت اعترافه وتبريره ولكن ألمها وكسرة كرامتها كما هي في قلبها لم تتغير فأكمل عامر بصوت خفيض ونبرة لينه تحمل رجاء مستترا........
أنا ما جصدتش الكلام يطلع بالشكل الوعر ده. نظرت إليه ملوك بنظرة طويلة وهتفت بنبرة باردة وضعت بها النقاط على الحروف وكسرت آخر ما تبقى من كبريائه الثائر........
بص يا باشا إنت طلعت اللي جواك إنت شايفني جربوعة إنت شايفني قليله دا جواك في طبيعتك وشخصيتك ليك مبدأ ماشي عليه وحاطط وراسم ليك حاجات معينه. انا في نظرك مش هانم ماتليقش بيك. ما تجيش دلوقتي تقول كلام ما عادش ينفع يتقال وإنت طالع ومتأكد إني استحالة أوافق فطالع تحدفلي كلمتين هما أساسا مالهمش لازمة عندي. هتف عامر بنبرة جادة وصادقه والتكلم بالعقل والمسؤولية... هو إحنا هنحاسب بعض على غضبنا وغلطنا وهننسي مصلحة الواد؟
نظرت إليه بابتسامة باهتة قالت بنبرة هادئة لكنها تقطر شماتة مغلّفة بالثبات.... مصلحة الواد... مصلحة الواد ياباشا بتيجي بالاحترام مش بالتحقير. انت دايما اي كلمه مني بتقابلها لإهانة وتجني كاني في نظرك مصدر للغلط وبس. تحرك عامر خطوة نحوها، كانت عيناه تلمعان ببريق يجمع بين الرغبة في التهدئة والحيرة وتابع بصوت خافت.... أنا عارف إني زودتها والسم اللي كان في كلامي كان نابع من خوفي على الواد خلاني أتخبط.
لم تلتفت له بل ظلت تنظر للفراغ أمامها ثم ردت عليه بصوت واثق...... الخوف مش مبرر للإهانة . إنت قولت أنا آخد واحدة ما تنفعليش مرة وفعلا إنت صح تماما. اقترب أكثر صوته الآن كان نبرة رجاء متخفية خلف وقار مظهره..... إنتِ ليه مصممة تحطيني في خانة العدو. أنا عايز نلم الشمل لجل خاطر اللي ملوش ذنب في صراعاتنا. توقفت عن الحركة، واستدارت لتواجهه بنظرة حادة وشامخة.....
لأنك في لحظة غضبك ورتني وشك الحقيقي. مصلحة الواد في عيوني وهحافظ عليها بس من غير ما أكون واحدة ما تنفعلكش مرة. صمت عامر وشعر لأول مرة أن هيا ليست تلك المرأة التي يمكن استمالتها بسهولة بل هي قلعة حصينة لا تفتح أبوابها إلا لمن يثبت أنه يستحق المفتاح. تراجع عامر خطوة محاولا استجماع هدوئه اقترب منها بليونة غير معهودة.....
أظن إنت بتجولي حجانيه وتعرفي الغلط. إنتِ خلتيني اغضب لما تجي في وسط الكل وذكرتي الاسم تحديدا وجولتي لو هموت ماخدوش وانت كنتِ عارفة إن عمار كان جزء من الحسبة ومع ذلك رميتي كلمتك اللي هنتيني فيها. ليه مادخلتيش عمار وجمعتنا ليه. ارتبكت هيا داخليا فهيا فعلا لم ياتي ببالها عمار من أساسه ولا تفهم لماذا هاجمت عامر فقط.. تجلدت و نظرت إليه وأجابت بنبرة واثقة....
ممكن أكون غلطت في طريقتي ممكن أكون انفعلت إللي مكاني تتجنن من جبروتك. بس أنا في عمري ماكنت اقصد اهانتك انت اللي هنت واتجاوزت . صمتت للحظات قبل أن تضيف بتهكم مرير.... وبعدين هو أنا اللي محتاجة أهينك إنت كفيل بإنك تهين نفسك بنفسك لما تفتكر إن الكلمة بتقلل مني أو إن تلميحاتك المتعاليه دي ممكن تكسرني. شعر عامر بلسعة كلماتها فاندفع يدافع عن نفسه بقوة مبررا تسرعه....
أنا ما كنتش قاصد الإهانة كان غضب الخوف على الواد بيخليني اتجاوز أحيانا. وانت برضك ماسكتيش دانت مادخلتيش واندفعت زي الوابور جولتي مافي الخمر وانا سكت. قاطعته بسخرية أكبر..... ماتقصدش.... لا يا باشا اللي إنت قلته كان اعتراف من جواك بجربوعتك اللي شايفها قدامك . ثم تابعت بلهجة متهكمة.... تفتكر إنك بكلمتين لينين دلوقت هتمسح اللي فات إنت طالع ومتأكد إني هرفض. فليه ليه أصلا نعمل في بعض كده.
هتف عامر بضيق محاولا السيطرة على أعصابه.... إنتِ ليه مصممة تحولي كل محاولة مني ااقرب الدنيا لمعركه أنا بحاول ألم الليلة دي قبل ما تضيع من إيدنا. ردت ببرودة...... الليله ضاعت من بدري يا باشا بس فعلا لازم أتكلم في المفيد قدام الراجل الكبير هشوف كلامه النهائي هنعمل إيه. انفجرت الكلمات من عامر فجأة بلهفة جارفة وهو يقترب منها خطوة وعيناه تترجيان ثباتها........
يعني إيه نعمل إيه مافيش عمايل نازله ليه من غير مانخلص.. طب أنتِ يعني هتوافجي عليا يا ملك. نظرت إليه ملوك باستغراب شديد وذهول من تبدل حاله بهذه السرعة فارتبك عامر وارتبكت ملامحه واستعاد لهجته الصارمة بسرعة ليداري لهفته المفضوحة........ جدي تعبان وداخل على عيا ومش حمل وجع دماغ وعناد واصل هتوافجي إديني رد دلوك وخلي الليلة دي تعدي على خير.
هتفت ملوك ببرود تام وهي تشيح بوجهها عنه وتستعد لمواصلة هبوط الدرج بكبرياء لا ينحني........ قولتلك هدي للي طلبني الرد وجدي هو اللي طلب يبقى هو اللي هيسمع. التفتت ملوك لترحل فاندفعت يد عامر وقبضت على معصمها بقوة يمنعها من التحرك وهو يشعر بأن زمام الأمور يفلت من بين أصابعه وصاح بضيق........ ما أنا بكلمك أهو وواجف جِدامك وطالب الرد عاد.
نظرت ملوك ليده القابضة على معصمها ثم رفعت عينيها إليه وتلاقت نظراتهما في تحدٍّ وهتفت بنبرة حادة وساخرة زلزلت كبريائه مجدداً........ إنت ما طلبتنيش يا سيادة المستشار إنت طالع تقول جدك بيقول وأنا هنزل أديه هو الرد ففوتني من قدامك عشان نخلص من الليله دي زي مابتقول. . انفعل عامر من ثباتها وبرودها الذي فاق توقعه واندفع صوته بحدة.... طب أنا بطلبك.. هتتجوزيني هتوافجي؟
تجمّدت ملوك في مكانها شعرت برهبة غريبة تتسلل إلى أعماقها واستغراب لم تعهده من قبل. اقترب منها عامر خطوة أخرى هذه المرة لم يكن الغضب هو ما يغلف صوته بل لين غريب جعل أنفاسها تضطرب. كرر سؤاله بصوت خافت كأنه يرجو غفرانًا لم يطلبه..... تتجوزيني يا ملك. اقترب منها عامر وتلاشت حدة ملامحه هتف برجاء لا يليق بهيبته.. ملك.. أنا بطلبك وموافق على كل شروطك أي طلب هتطلبيه أنا ليه جاهز وسداد.
نظرت إليه ملوك ببرود وكانت عيناها تحملان طعنة من رده سألته بنبرة ساخرة تقطر مرارة.... هتدفع فلوس يعني عشان تتجوزني هو أنا رخيصة قوي كده في عينك؟ تراجع عامر كمن تلقى صفعة على وجهه واندفع بحدة مغلفة بالخوف من فهمها الخاطئ: لا لا.. لا والله .. إنتِ فاهمة غلط. ثم أضاف بتبرير يحاول فيه ترميم ما انكسر لكنه زاد الطين بلة....
أنا كل اللي في دماغي إني بضمن حج الواد.. إنتِ فاكرة إنك لما تتجوزي غريب هيحس بيه زي ما أنا هحس. إنتِ عارفة إن الراوي مش هيسيب لحمه. وأنا المستشار اللي الناس بتعملي ألف حساب إنتِ عايزة تحطيني في موجف إني أشوفك في دار تانية والناس تشوفك في حضن واحد تآني وأنا موجود الكبير يسيب لحمه.... وأنا اللي كنت شايفك.... سكت فجأة كانت عيناه تلمعان بوجع لم يستطع إخفاءه أكمل بصوتٍ خفيض جريح... أنا كنت شايفك...
مش هينفع أجول بس اللي أعرفه إنك لو اتجوزتي حد تآني الواد هيضيع. استمات عامر في محاولة إقناعها وقف كالحائط أمامها يمنعها من التحرك نحو الجد، صوته الآن يرتجف.... أنا بطلبك لأني مش متخيل إن حد غيري يلم شمل الواد.. وافجي وأنا بكررها كل شروطك مجابة. رفعت وجهها لتتأمل ملامحه باحثة في عينيه عما يخفيه فرأت نظرة غريبة نظرة لم تألفها فيه من قبل مما زاد من ارتباكها ورهبتها. سألته بصوت متقطع بالكاد يخرج.... يعني...
إنت بترجع في كلامك؟ هزت رأسها بأسى والتفتت بجسدها بعيدا عنه تحاول الهروب من تأثير نظراته. حينها هتف بلهفة واضحة كسرت حدة الموقف..... برجع في كلامي كله. رفعت نظرها اليه وقلبها يرجف... اقترب عامر بلهفة ووقف أمامها مباشرة مقتحما مساحتها الخاصة وقال بصوت يملؤه رجاء غير معهود يحاول مداراه اندفاعه... برجع في كلامي كله يا ملك.. عشان.... عشان الواد وعشان ننهي الليلة دي بقرار يرضي الكل.
نظرت إليه وقد ارتسمت على وجهها ملامح بلاده وبداخلها وجع من استرساله وكأنها تضع جدارا عازلا بينها وبينه. قالت بصوت يحمل نبرة استنكار قوية.... آه.. بترجع في كلامك كله عشان المصلحة لكن الحقيقة كل شيء زي ما هو الكلمات اللي رمتها في حقي. والتقليل اللي حاولت بيه تكسرني ما اتغيرش منه ذرة.
تجاهلت توسلاته تحركت ملوك من أمامه بخطوات سريعة وواثقة وهبطت الدرج متجهة مباشرة حيث يجلس الحج سعفان تاركة عامر خلفها في حالة من الذهول والضياع قلبه يرتجف ليس فقط خوفاً على الواد بل خوفا من أن تكون قد اتخذت قرارها بكسره للأبد. وهيا تردد..... يبقي كلامي مع إللي هتفق معاه . كان عامر يسير خلفها وعيناه تشتعلان بنيران الغيظ والقهر والخوف ينهش صدره لأول مرة من أن تطيح بـ هيبته أمام جده وتفسد كل شيء بلسانها السليط.
دخلت ملوك الغرفة بقوة ووقفت أمام الجد سعفان مباشرة دون أن تلتفت لعامر الواقف خلفها كالبركان الموشك على الانفجار. في تلك اللحظة اقترب الجد بخطواته الثقيلة وملامحه التي تكسوها رغبة صادقة في إصلاح ما انكسر. وقف بينهما ونظر لـها بنظرة أب حكيم وبدأ بكلمات هادئة.... تعالي يا بتي.... ربت علي كتفها.....
عامر ما كان جصده اللي فهمتيه الغضب بيعمي الجلوب أحيانا. هو طلبك وعايزك بالحلال وكلنا عايزين نلم لحمنا ونداري على بيتنا. حجك علينا وما عاش اللي يهينك في دارنا. بس أنا ماعايزش غريب يخش عالواد الله اعلم النفوس وانا عمري خلاص اخاف عالواد وعليكي برضك .
كان عامر واقفا في زاوية الغرفة تائه بين كبريائه الذي كُسر وبين رغبة دفينة بدأت تنمو في صدره بأن تلين ملوك وتوافق كان قلبه يرتجف خوفا من رد فعلها وعيناه تراقب ملامحها بدقة باحثا عن أي أثر للقبول. اقتربت فواده باكيه ملقية بنفسها أمام ملوك. بدأت تمثل التعب والإعياء ببراعة وتنوح بصوت يملأ المكان...
أرجوكِ يا بتي.. سامحينا. والله عامر بيجدرك وعارف إنت إيه بس هو انفعل وإنت برضك ماسكتيش ورديتي وهو سكت مانطجش وده مش ولدي كلامه آه واعر بس إنت رديتي بكلام يموت برضك وأنا ولدي كبير في نفسه وماتطحش ليه بقه لانه عارف ان الكلام كان واعر . بالله عليكي ريحي جلوبنا الواد يتربي وسط دارنا وسط اعمامه لحمه. مفيش غيرك اللي يجدر يلم شملنا وعضم التربه. وافجي وحجك علي راس راسي والله جال مايجصد .
ظلت فؤادة تعتذر وتتوسل إليها حتى توافق في حين كان عامر يقف مشدوها قلبه يرتجف من نظرات ملوك التي أصبحت الآن محاصرة بين ضغوط الجد وتوسلات فؤادة المريضة. اقترب الجد ومسك يدها بحنان.... عارفه لو ماكلتيش إنه كت بقت سهله والله بس جد نا انك أمه. رجف قلبها بعنف وقهر وهمست.... لو ماكتش أمه كت هتعمل اية يا حج يعني. هتف الحج بوعيد....
يمين الله ماتباتي فيها لحظه. الجريحة دي جايمه وحايده عشان إنت إمه والورطه دي عشان إنت آمة والشبكه عشان إنت آمة.. غير اكده والله ماكنت جعدتك وخلصناها. تجمدت ملوك وعلمت إن هذه نهاية حريتها نهايه حياتها. فضلت الموت عن ترك روح أختها...
علمت ان قرارها مصيري لابد من الأقدام عليه بلا رجعه حتي لو قتلوها بعد ذلك. تنهدت ملوك وتذكرت كلام أختها ووعدها عهد أخذته علي نفسها والمخرج الذي ستخرج منه من تلك الجوازه و تحفظ وجودها بينهم دون فضحها. صمتت بينما أنفاس الجميع بانتظار كلمتها. ليخرج صوتها بنبرة مقتضبة لم تكن تحمل مودة بل كانت تحمل مسؤولية ثقيلة تفرضها الظروف... تمام يا حاج.. أنا موافقة.
في تلك اللحظة شعر عامر وكأن الأرض مالت به. امتزجت في أعماقه مشاعر متناقضة لم يختبرها من قبل راحة غامرة لأن المعضلة قد حُلت، وفرحةٌ طاغية تغلغلت في كيانه لا يصدق أنها بكل عنادها وكبريائها ستكون ملكا لاسمه أخيراً. كان ينظر إليها بنظرات تائهة يغمرها الحب الذي لا يعلم عنه شيا بداخله. لكنه الآن وقف عاجزا عن فهم حقيقة ما يشعر به أهو فعلا حمايه للولد أم هي رغبة في تملك تلك الفرسة.
ظل واقفا في مكانه قلبه يرتجف بانتظام . لم يصدق أن كلمتها جعلت المستحيل واقعا. فهي الآن بقرارها هذا أصبحت جزءا من قدره واسما مقترنا باسمه أمام الجميع. كانت عيناه تلاحقان حركاتها بلهفة لم يستطع إخفاءها. ليتجمد حين اكملت.....
هوافق عشان خاطر عمر أنا هعمل كل اللي تقوله يا حج والكلام اللي اتفقتوا عليه هيتنفذ والرد اللي جابه مرسالك أنا موافقة عليه بس حابة بس أشهدك على كلمتين يا حج عشان لما الزمن يعدي ما ترجعش تقول ملك خانت الكلمة أنا كلمتي سيف على رقبتي وعمري ما برجع فيها .
التفتت ملوك فجأة بكامل جسدها نحو عامر واقتربت منه خطوات بطيئة ومرعبة وثبتت عينيها في عينيه اللامعتين بالشرار وهتفت بنبرة تقطر سما زحف إلى عروقه وأحرق دمه تماما أمام جده العجوز........ زي مانت قولت مانفعلكش أنا كمان بقولهالك وبأكدها عليك قدام جدك إنت كمان ما تنفعليش. ساد صمت ثقيل في الغرفة صمت يسبق العاصفة. تصاعد غضب عامر وبرزت عروقه و تشنجت يديه لكنه حبس غضبه احتراما لوجود الجد والا يفسد تلك الموافقه. .
اكملت ملوك كلامها بثبات... الجوازة دي عشان ابنكم وبس وعشان أحميه . أنا كدة بنهي حياتي ودنيتي كلها بجوازي منك أهي موتة وخلاص وما تفرقش كتير بس اربي إبني انتو غصبتوني أوافق بس عشان أوافق ليا شروط عشان الجوازه وشرطي هو اللي هيمشي......
صمت الجميع.. حتى الهواء في الغرفة بدا وكأنه توقف عن الجريان. ملوك لم تكتفِ بالموافقة بل جعلتها موافقة . عامر لم يصرخ كما هو متوقع بل تراجعت عيناه للداخل وظهرت في ملامحه عاصفة من الهدوء القاتل. تشنجت يده خلف ظهره لدرجة أن مفاصل أصابعه أصبحت بيضاء كالثلج وهو ينظر لملوك. اقتربت من عامر نظرت في عينيه ببرود يشل الأطراف وهمست بصوت سمعه الجد بوضوح....
######. ملوك لم تقبل بالهزيمة بل حولت جوازها من عامر لـ حبل مشنقة لـ كبريائه وعامر يقف لأول مرة عاجزا امام لسانها الذي ينقط سم وجبروتها الذي هز هيبته امام جده الكبير. الليلة لن تمر علي خير وكتابة العقد لن يكون مجرد مجرد ورقة بل ستكون بداية لـ معركة تكسير عظام بين المستشار وبين بنت البندر.... بس إيه هو شرط ملوك الصادمه اللي هتقوله للحج سعفان وهيقلب موازين الجوازة كلها ويجنن عامر زيادة؟!
وهل عامر سيصمت على الإهانة دي وكسر هيبته قدام جده وإلا ستري منه وجه الصعيد القاسي فور ما ان يتقفل عليهم الباب ؟! إيه رأيكم في موقف ملوك هل قدرت تاخد حق كرامتها اللي اتهانت في الأسفل وإلا عامر لسه مخبي أوراق تانية في جعبتها؟ والسؤال الاكبر كيف سيقفل الباب اساسا المصيبه التي ستقدم عليها ملوك لتتم الجوازه.. فهيا مابين الطرد أو البقاء مع الروح. الغريق يتعلق بقشه حتي لو كانت قشه الموت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!