الفصل 56 | من 83 فصل

في مدينة الإسكندرية الفصل السادس وخمسون 56 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

المشاهدات
14
كلمة
1,753
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

يستمعون للنداء في كل مكان لكن لا يعلموا إلى أين يذهبوا في متاهات الذرة هذه والأصوات تصبح بعيدة كلما تحركوا وكأنهم يتحركون في الطريق الخطأ، وما يزيد الأمر سوءًا هو الأفرع التي تجرح اذرعتهم المكشوفة ووجوههم التي أصبحت خريطة حمراء

بالإضافة إلى ذلك الحرارة الشديدة والاختناق في المكان وكأن الأكسجين مسحوب من هنا، حتى أن يوسف قد أحمَّر وجهه كثيرًا وهو على شفا جرفٍ من نوبة ضيق تنفس

سقط كريم أرضًا بعدم انتباه لبؤرة تعثرت قدمه بها والأسوء من هذا أنه سقط على أرض مرتوية بالماء لذا أصبحت ركبتيه وكفيه عبارة عن وحل، جذبه حمزة بسرعة حتى يقف فصرخ الآخر بتلف الأعصاب وهو ينظر إلى حالته المزرية المثيرة للشفقة :

-احـيــه خرجوني من هــنــا

كانت صرخته أشبه بامرأة تلد وهذا ما جعل يوسف ينفجر ضحكًا رغمًا عنه فهجم عليه كريم يفرغ به غيظه المكبوت من هذا المكان الخانق :

-انت بتضحك على ايه بتضحك على ايــــه، تايهين وهنموت مخنوقين هنا وانت بتضحك

جذب حمزة شقيق بقوة وهو على شعرة من الانفجار بهما وحرق كل هذه الذرة التي حولهم، دفعه أمامه ودفع بيوسف كذلك حتى يتحركوا صائحًا بهما :

-مسمعش صوت حد فيكم علشان مش ناقص خلينا نشوف حل ونخرج من هنا

بدأوا بالسير مرة أخرى وقد تفقد حمزة هاتفه للمرة العاشرة وللأسف لا توجد إشارة هنا، استمعوا إلى نباح كلاب ظهر فجأةً وقد افزع ثلاثتهم ولا يعلموا من أين قادمة الأصوات، والمشكلة هنا أن يوسف يخاف الكلاب ولا يطيقها لذا تحرك بخطوات سريعة في إتجاه عكس الأصوات حتي يبتعد عنهم

لحق به حمزة بسرعة وهو يجذب شقيقه حتى لا يضيعوا من بعضهم فيكفي أنهم قد ضاعوا من حسن والبقية :

-استنى يا يوسف

وتوقف الآخر بالفعل ولكن ليس لطلبه بل لأن قدميه قد غاصت في وحل ولم يتمهل حتى ينذرهم أن يتوقفا إلا ووجدهما جانبه وأقدامهم أيضًا قد غاصت في الوحل

تحولت ملامح كريم للبكاء بينما حمزة للاشمئزاز الشديد، ورغم أن الوحل ليس به شئ بل هو عبارة عن تربة قد اختلطت بالماء إلىٰ أنه لا يطيق إتساخ جزء منه أبدًا وحذائه بأكمله قد أصبح طين

تحرك بسرعة للخلف حتى يعود للأرض اليابسة وبسبب سرعته هذه انزلقت قدمه بسبب الوحل، وقبل أن يسقط قد تمسك في قميص يوسف والآخر كرد فعل أمسك بكتف كريم لتكون النتيجة هى سقوط ثلاثتهم وإتساخهم وإتساخ ملابسهم في الوحل

وهنا لم يعد كريم يتحمل شئ آخر في هذه القرية ليطلق صرخة قوية مقهورة على ملابسه وحاله وذراعيه وعنقه والحكة الشديدة التي يشعر بها فيهم

ولم يكن حال حمزة أفضل حال، إذ حاول مسح أصابعه من الطين وملامحه عبارة عن الازدراء الشديد عكس ملامح يوسف الهادئة، أجل يشعر بالضيق مثلهم ولكنه هادئ وليس مثل كريم الذي لا يزال يصرخ كسيدة تم إلقائها في الشارع كالمشردين رفقة أبنائها الخمسة


حاول حمزة أن يقف وبدأ يشعر بالندم أنه أتى إلى هنا، لما لم يجلس مكانه كافي خيره شره مثل يونس الذي رفض أن يأتي معهم وبقى مع البقية في منزل عبد الجواد، تبًا لكريم الذي جذبه رغمًا عنه حتى يأتي معهم إلى هذه الحقول الممتلئة بأفرع الذرة الطويلة من أجل التنفيس عن أنفسهم

نظر إلى حاله بإزدراء شديد فالوحل كان يغطي حذائه وكفيه، ومؤخرة البنطال أصبحت عبارة عن طين، هذا غير الحكة التي يشعر بها في كل جزء مكشوف من جسده، والعرق الذي أغرقه بالمعنى الحرفي وجعل رائحته لا تطاق

حاول كريم أن يقف ولكن كان ينزلق في كل مرة فتحرك ببطء على ركبتيه وكفيه بعيدًا عن هذا الطين ثم صاح بصوت مرتفع :

-أنا لما أطلع من هنا هاخد القطر وأرجع على بلدنا عدل وأقطع رجلي إن فكرت أروح الصعيد تاني

-يعني مش هتحضر كتب كتابنا

نطق بها يوسف ببسمة ساخرة غير معتادة منه وهو يشير إلى هو وحمزة فصاح الآخر بهما بصوت ثرثري حاد :

-أولعوا انتوا الإتنـيـــن

استقام من مكانه وقد مسح الطين الذي في يديه بملابسه المتسخة على أي حال ثم جلس على الأرض في انتظار النجدة ليجد يوسف قد جلس إلى جانبه هو أيضًا بينما حمزة لا يزال يقف ينظر حوله بحيرة وقد اختفى تمامًا صوت حسن المنادي عليهم

جلس إلى جانبهما عندما شعر باليأس وقد كانت حالتهم أشبه بالمتسولين وهم يجلسون إلى جانب بعضهم وملابسهم متسخة يملؤها العرق

-طب ايه هنطلع من هنا إزاي، انا خايف الشمس تغيب ومحدش يلاقينا لحد الليل وأعتقد المكان هنا بالليل هيبقى أسوء

نطق بها يوسف محاولًا البحث عن حل فقال حمزة بضيق شديد :

-انا تليفوني مفيش فيه إشارة الشبكة قاطعة خالص وانت سيبت تليفونك في البيت وكريم تليفونه مع لؤي

-بس خلاص يا جماعة إحنا هنموت في المكان ده

نطق بها كريم وقد ذم شفتيه بطريقة توشك على انفجار وشيك في البكاء، وقبل أن يتحدث حمزة سبقه هو عندما صاح فزِعًا وهو يستقيم من مكانه مهرولًا بعيدًا عنهم :

-اجــــروا ده في قطيع كلاب جاي علينا

استدارا حمزة ويوسف بسرعة ليجدا أكثر من عشر كلاب قادمين نحوهم، ويلي من أي تأتي كل هذا الكلاب

ورغم أن حمزة لا يخاف الكلاب إلىٰ أن أي رجل سيجد أمامه كل هذا العدد سيفر نافدًا بجلده لذا هرول خلف يوسف الذي لحق بكريم بسرعة وثلاثتهم باتوا يركضون خلف بعضهم وسط الحقول

ولكن وكأن الحظ السيئ طاقته عالية في هذا المكان، تائهين وخلفهم بعض الكلاب وأمامهم متاهات لا آخر لها من حقول الذرة ذات الأفرع الحادة، ليجدوا بصعوبة قطعة أرض مزروعة برسيم

وهنا قد سقط كريم على البرسيم متنفسًا بعنف وبجانبه قد ألقى يوسف نفسه والاكسجين هنا أفضل من الداخل ألف مرة، بينما وقف حمزة أمامهما يرى الكلاب لم تتوقف عن اللحاق بهم

بل وقد أخذوا في الظهور من بين الذرة يذومون عليهم في علامة إستعداد للعض، ليصدح صوت فتاة حاد في المكان بكلمة لم يفهمها ثلاثتهم ملقية بعض الحجارة نحو الكلاب ففروا فورًا خوفًا من الحجارة

استدارت الأعين نحوها ليبصروا نور في مظهر لم يبصروها به من قبل، إذ كانت ترتدي جيب أسود مبقع بالطين عند ركبتيها وقميص صيفي بكم، بالي نوعًا ما وحجابها عليه قبعة ولكن ليست أي قبعة بل تلك التي يرتدنها الفتيات على البحر، ويديها ملوثتين بالتراب وفي يدها أداة حادة تشبه سكين الموز لكن بشكل أكبر

كان مظهرها رث ولكن ليس مثلهم أبدًا

صاح كريم بإستنجاد بالأمل الذي سيخرجهم من هنا، وقد كان يحاول أن يستقيم من على الأرض ولكن لم يقدر فجلس على ركبتيه قائلًا :

-نورهان ربنا بعتك نجدة طلعينا من هنا يا شيخة إلهي تنستري

وقد كانت الأخرى ترمقهم بذهول شديد على حالتهم السيئة بل شديدة السوء، لتظهر عائشة في الخلفية ترتدي مثلها ولكن بدون قبعة ثم وقفت من مكانها بعدما كانت تقتلع بعض الحشائش الضارة، ترمقهم بإندهاش شديد :

-مين عمل فيكم كده؟! انتوا أصلًا جيتوا الغيط إزاي وحدكم؟؟

لم يجبها أحدهم فما سيقولونه يخجل بشدة يكفي حالتهم البشعة أمامهما، خاصةً حمزة الذي جلس محاولًا إخفاء نفسه عن نور فهو مهووس بالمظهر الجميل المنمق ويوأد حي ولا يظهر أمام شخص غريب بهذه الهيئة البالية

ولكن قد فات الأوان ورأته نور بل وتقدمت نحوه حتى تراه بشكل كامل، ملابس متسخة بشدة، حذائه لا يظهر من الطين، جسده متعرق من كل مكان، وجهه به خدوش حمراء كثيرة، وشعره لأول مرة تراه بهذا الشكل الفوضاوي

لذا لم تمنع نفسه من الضحك على هذا الشكل الذي لم تتخيل حمزة الوسيم المنمق به، فقد كان أشبه بأولاد الشوارع :

-حمزة

همست بأسمه وهى تضم ضحكتها فقال الآخر عاكسًا عينيه بعيدًا، يشعر بالخجل الشديد منها، عجبًا حمزة يشعر بالخجل ومن مَن؟! من نور!!

-انا في أسوء أسوء حالاتي أرجوكِ بلاش تعليق يا نور

حدق بهما كريم بتشنج ثم صاح بغيظ شديد ولا يزال جالسًا مكانه على ركبتيه

يا جدعان خرجوني من هنا وابقوا حبوا في بعض بعدين، انا ويوسف بننهار هنا

في مدينة الإسكندرية |الجزء الثاني|
قريبًا....

(علشان تعرفوا بس مش كل اللي جاي نكد👀)

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...