تحميل رواية «في مدينة الاسكندرية» PDF
بقلم صابرين عامر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
1- إجازة في الصعيد بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜 صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜 &;كنت أغرد فتبتسم وتصمت&;.. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه&;&; ثقيلة وثقلها أرهق قلبي&;. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟&; أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع ا...
في مدينة الإسكندرية الفصل الاول 1 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
بسم الله والحمد والصلاة والسلام على رسول الله، نبدأ تجربة جديدة ومغامرة جديدة مع ناس جداد ونبدأ دايمًا بالصلاة على النبي
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
تحرك إلى داخل قسم المباحث بخطوات سريعة وخلفه ابن عمه الذي أبى الجلوس مكتوف الأيدي ونورهان تجلس الآن في القسم متهمة بقضية لم تفعلها وهذا بعدما قلب عليها والد ذلك الحقير المدلل الطاولة وأصبحت هي المتهمة بدل المجني عليها
وخلفهم بالطبع والده وعمِّيه وبالكاد جعلوا شقيقتها وبنات عمها وعمتهم أسماء يبقَين ولا يأتين، اتجه مباشرةً إلى مكتب الضابط الذي ألقى القبض عليها، وقد ساعده منصبه على تخطى العسكري، ليسبقه حمزة ابن عمه في قوله إذ هتف بجدية شديدة لم تستطع أن تخفي القلق الذي ظهر متخفيًا في كلماته :
-نورهان علي صفوان انا المحامي الخاص بيها هى فين
اجابه الآخر بهدوء يحسد عليه وسط هذا الجو المشحون :
-في الحجز
اتسعت عيني الآخر هاتفًا بغضب :
-حجز ايه من غير تحقيق ومحامي؟! ازاي يحصل كده يا يونس؟؟
أنهى حديثه موجهًا هذا السؤال الي ابن عمه فقال الآخر ماسحًا وجهه بضيق فقد اوقعت نور نفسها في ورطة بعد تورطها مع سعيد غانم وابنه :
-طبيعي يا حمزة يحصل كده دي السوشيال ميديا مقلوبة بسببها، انت شوفت الفيديوهات بنفسك وتعليقات الناس وهجومها عليها، ده البعض بيتهمها إنها إرهابية
تحدث حمزة بإنفعال شديد بسبب الباطل الذي يلقى على تلك المسكينة الذي كل ما فعلته أنها لم تصمت على حقها ودافعت عنه في زمن أصبح الحق يدفنه صاحبه خوفًا من المجتمع :
-بس هي معملتش حاجة الناس متعرفش الحقيقة متعاطفين مع ابن سعيد غانم ومشافوش النص التاني للحقيقة
وهنا تحدث الضابط وقد استفز الواقفين بشدة بسبب بروده هذا :
-والله هي هتبات النهاردة في الحجز وهتتعرض بكرة على النيابة، ونشوف بقى مين الظالم ومين المظلوم
نظر والد يونس إليه يعترض أن تبات نورهان في الحجز مع أدنى فئة من النساء فوالله لن تتحمل الفتاة الجلوس هناك لساعة، ويبدو أنه محق في تفكيره إذ دلف العسكري اللي مكتب الضابط هاتفًا بتوتر :
-محمود باشا البنت اللي لسه داخلة الحجز من ربع ساعة، الستات عدموها العافية والبنت شبه قاطعة النفس
انتفض المدعو محمود بغضب متجهًا إلى حجز النساء وقد لحق به يونس وحمزة فمن ستكون التي دلفت إلى الحجز من ربع ساعة إلا نورهان، ورغم أن هذه كانت الحقيقة لكن حمزة تمنى أن يخالف القدر توقعاته ولكن يبدو أنه لن يفعل هذه المرة
توقف ولم يدخل مع يونس والضابط الآخر بل ظل متصنمًا أمام الباب يبصر جسدها ملقى أرضًا وكأنها جثة هامدة، قاطعة النفس كما زعم العسكري، ارتفع صوت يونس في الجميع أن يحضر أحدهم سيارة إسعاف
وهو تحرك إلى الداخل ببطء وعينيه لم تفارقها وكلما اقترب يتضح له ما حدث لها، يبدو أنها تعرضت للضرب الوحشي من أولئك المدعون نساءً، فقد كان وجهها متورم وتنساب الدماء من انفها
بينما ذراعها ليس على وضعه الطبيعي فيبدو أنه كُسر، بل وهناك بقعة دماء كبيرة على ثيابها ومن الواضح أنه من أثر طعن بنصل حاد
وقف محمود صارخًا في النساء على ما فعلوه الفتاة المسكينة :
-انتوا مــجــانـيـن عملتوا في البنت ايه حتى مفيش احترام لحجابها شلتوه ومقطعين شعرها ده انتوا هتروحوا في داهــيــة
تهاوت قدمي حمزة بجانبها لكن سحبه يونس بعيدًا عنها حتى لا يزيد أصابتها سوءًا فقد لا يكون ذراعها وحده المكسور :
-حمزة
تحدث الآخر وقد كان خوفه عليها واضحًا بشدة :
-نور يا يونس... عملوا... بص عملوا فيها ايه
وجه يونس حديثه إلى الضابط محمود هاتفًا بغضب :
-مش هينفع نستنى الإسعاف تيجي دمها كده هيتصفى، ثم ازاي يا حضرت الظابط يبقى فيه أداة حادة جوا الحجز دول ضاربنها في جنبها بسكينة
ترك حمزة الاثنين يتناوشان واقترب منها واضعًا كفه على وجهها الذي لم تعد ملامحه ظاهرة مناديًا عليها بصوت مختنق :
-نور يا نور
لم يتلقى منها إجابة ولن يتلقى فكانت الأخرى فاقدة للوعي بعد كم الضرب الذي تلقته منهن وهذا بالطبع لم يكن سوى تهديد مباشر من سعيد من أجل أن تتنازل عن القضية التي رفعتها على ابنه الفاسد
وهكذا هو المجتمع اليد العليا هي الأقوى حتى ولو كانت فاسدة
لم تفق نورهان إلا على آلام شديدة تجتاحها فلا يوجد منطقة في جسدها لا تصرخ متألمة، لم تستطع حتى فتح عينيها رغم كل الأصوات التي تدور حولها وقد استطاعت تمييز صوت والديها واعمامها المرتفع
مرحى لقد علمت عائلتها بما حدث والآن هنيئًا لكِ نورهان على الكارثة التي اوقعتي نفسكِ بها، وكل هذا لأنها لم تصمت على حقها وإنما أخذته بيديها في نفس ذات اللحظة أمام مرأى ومسمع الناس حتي يكون عبرة لغيره
وفي الحقيقة يوجد غيره الكثير فما عاد هناك من يحترم المرأة ويتذكر ربه قبل أن ينظر إليها
أصبحت الآن هي المتهمة بل وستصبح قضيتها قضية رأي عام بعد أن أصبحت البلاد كلها على علم بما فعلت، والكارثة أنهم لا يعلمون لما فعلت هذا بذلك الطالب المسكين من وجهة نظرهم، فآخٍ لو يعلموا ماذا فعل هو
لو يعلموا الحقيقة التي اخفاها من نشر ذلك الفيديو واظهرها خلف الشاشة أستاذة متجبرة ظالمة تضرب طالب مسكين بوحشية شديدة أمام مرأى جميع زملائه في منتصف المدرسة دون شفقة أو رحمة
حتى أن البعض اتهمها بالتخلف والرجعية والإرهاب، كل هذا لأنها لم تصمت عن حقها مثل كل أنثى تتعرض بشكل يومي للتحرش من قبل كائن يدِّعي الرجولة وهو غلبت شهوته على عقله كالحيوانات
ليتها لم تطأ اسكندرية، ليتها لم تقبل الوظيفة، ليت والدتها صفعتها كفين على وجهها عندما ألحت عليها أسبوعًا حتى تأتي إلى الإسكندرية وتبقى مع اختها وبنات عمها
ليت قريبتها تلك لم تخبرها بحاجة مدرستهم إلى معلمة، تلك المدرسة التي كانت السبب في كل ما هى به الآن
انفصل عقلها حتى ينسى الألم والأصوات وعادت تتذكر كم كانت متحمسة سعيدة لدرجة البلاهة عندما كانت في القطار المتجه إلى الإسكندرية عروس البحر المتوسط والتي لم تقربها سوى مرتين من قبل أو ثلاث، وكانت حينها مراهقة صغيرة وليست ناضجة مثل الآن
"قبل القضية بثلاثة أشهر"
اتصلت حينها وهي في القطار على بنات عمها حتى يأتوا لإستقبالها من المحطة لكن لا يوجد حقيرة بهم ترد فنفخت بضجر واضطرت للإتصال على عمتها وإفساد المفاجأة لكنها مضطرة الآن
فمن إذًا سيأتي ويساعدها في نقل كل هذا فقد كانت والدتها وزوجات اعمامها من الكرم الشديد الذي جعلهن يرسلن معها كل هذه الزيارة من أجلها عمتها التي تعيش في مدينة الإسكندرية رفقة زوجها وأبنائها
وايضًا شقيقتها الصغرى وبنات عمها الذين انتقلوا إلى الإسكندرية وهذا من أجل العمل الإجباري والدراسة فقد ألقى التكليف بابنة عمها التي تصغرها بأشهر في الإسكندرية حتى تتم أشهُر التدريب ولحظها عملت في مشفى هناك، لا تدري اسمه لكنها تعلم أنه في منطقة راقية في الإسكندرية
أما عن ابنة عمها الأخرى فمجموع الشهادة الثانوية لم يتناسب إلا في جامعة الإسكندرية حيث الآن هي في عامها الثاني في كلية علم النفس، وشقيقتها نفس الأمر رغم أن كان هناك محافظة أخرى تقبل بمجموعها أقرب من الإسكندرية لكنها أصرت على الذهاب إلى هناك مثل ابنة عمها
اجابت عمتها على الهاتف فقالت بسعادة وصوت مرتفع نسبيًا بسبب الضوضاء المحيطة بها وصوت القطار :
-الو يا عمتي عاملة ايه
-الو مين معايا صفية ولا نور
-وهي يعني امي هتقولك يا عمتي ليه انا نور
-عاملة ايه يا نور اخبارك؟؟ ايه صوت الدوشة دي!؟
اجابتها الأخرى بسعادة شديدة قائلة :
-انا في القطر وجاية عندكم
-جاية عندنا فين؟؟
-جاية الصومال يعني جاية إسكندرية عندكم
هتفت بها بمزاح ساخر فقالت الأخرى بتعجب :
-حتى انتي كمان!؟ طب جاية زيارة أسبوع وتمشي ولا ايه؟؟
-لأ إقامة بقى زي الباقي
-انا مش فاهمة حاجة
نظرت نور إلى بطارية هاتفها وقد كانت على وشك النفاذ بسبب لهوها به طوال الطريق لطول وقت السفر :
-طب بصي هقولك لما اجي التليفون هيفصل مني انا في الطريق وعديت القاهرة من ساعة كده ابعتي حد يجيبني من المحطة علشان معايا حاجات كتير وشوفي البنات مفيش كلبة فيهم بترد
-ماشي ماشي سلام خلي بالك من نفسك
أغلقت معها وبعدها تمامًا انطفأ هاتفها فألقت به داخل حقيبتها وعادت تنظر إلى النافذة بحماس، نسمات الهواء العليلة تصطدم في وجهها وتجعل حجابها الطويل يتطاير من خلفها
لقد كانت في أسعد لحظات حياتها فهي من عشاق السفر لكن للأسف لا تسافر أبدًا إلى أي مكان خارج حدود قريتها بشكل خاص، ومحافظتها بشكل عام
كم اعجبتها حقول القطن والمصانع التي لم ترى مثلها من قبل فهذه أول مرة تسافر صباحًا فآخر مرة لها أتت الإسكندرية منذ ما يقارب السبع سنوات مع العائلة من أجل زفاف ابنة عمتها كان الجو حينها ليلًا ولم تتمتع بمثل هذه المناظر
تنفست بسعادة مغمضة العينين تريح رأسها على مقعد القطار الضخم هذا، تستمع بهذه اللحظات القصيرة التي لن تدوم، وإذ بصوت صافرة قطار تعلو بشدة بشكل مزعج ولكنها لم تهتم فيبدو أنه على الأرجح قطار آخر يمر من بجانبهم
ولكنه لم يمر من جانبهم هذه المرة ففي ثواني اصطدم القطارين ببعضهما ولتشهد مصر عن حادثة قطارٍ أخرى...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خطت إلى داخل المدرج بخطوات رزينة، تقبض على كتف حقيبة الظهر خاصتها ووجهها جامد لا يقصه السيف، فهذه هي عادتها منذ كانت صغيرة عندما تسير في الطريق خاصةً إن كانت بمفردها، لا تتلف يمينًا أو يسارًا
أو حتى تتحدث في الهاتف كأغلب فتيات سنها اللواتي يسرن وعلى أذنهن الهاتف أو سماعة بلوتوث متصلة بالهاتف إما تحدث أحدهم عليها أو تسمع الأغاني
جذبت أنظار البعض فتيات وفتيان وليس لشدة جمالها أو ما شابه فهي فتاة قصيرة تمتلك ملامح عادية بجمال بسيط وبشرة بيضاء، وأعين بندقية بل وذات جسد ممتلئ قليلًا
لكن ما كان يجذب انتباههم أنها ورغم حضورها الذي لم يكمل الشهر ونصف إلا أنها جذبت اهتمام جميع المعلمين والدكاترة في الكلية فهذه هي "عائشة"
الفتاة الذكية المجتهدة التي اثبتت من أول شهر فقط في كلية الصيدلة مدى تفوقها العلمي حتى أن بعض الدكاترة يطلقن عليها مندليف المصري لشدة ذكاءها في الكيمياء بكل أنواعها
ولم يكن هذا الشئ الغريب الوحيد في عائشة أي من الغير طبيعي الذي قد يحب مادة الكيمياء، بالإضافة إلى ذلك هي الفتاة الوحيدة في الدفعة بأكملها من تنحدر من الصعيد
ليس وكأنها الوحيدة في صيدلية من تنحدر من الصعيد ولكن هي الوحيدة التي لا تزال متمسكة بلهجتها عكس البقية من اعتادت ألسنتهم على الحديث الاسكندراني وترقيق الكلمات
جلست عائشة في مكانها المفضل من الأمام وعلى الحافة كما يقولون لتستمع إلى صوت إحدى الفتيات اللواتي يجلسن في الخلف تقول ممازحة إياها :
-ايه يا عايشة مذاكرة للامتحان النظري ده الدكتور فهمي امتحاناته صعبة
-ايوه مذاكرة اتمنى تكونوا انتوا مذاكرين
-والله يا عايشة نص ونص كده بالله عليكي يا مندليف مصر خليكي معانا
نظرت إليهن عائشة بنظرة غاضبة لتجيبها بقوة ونبرة ساخرة :
-وانا سهرت الليل كله اذاكر عشان اديكم إجابات على الجاهز؟!
رد قوي اصمتهن فهذا المعتاد من عائشة لسان قوي يضرب أي أحد لا يعجبها حديثه لكن للحق هي ليست وقحة وإنما تتحدث برزانة غريبة على عمرها وكأنها تمتلك عقل امرأة أربعينية في جسد فتاة لم تبدأ في عقدها الثاني بعد
دلف المعيد فاعتدل الجميع ودقت القلوب وتوعكت البطون كأي طالب على وشك خوض اختبار فمن منا لم يجرب هذا الشعور؟!
نادي المعيد على الأسماء بالكشف الذي معه حتى يسجل الحضور وعندما وصل إلى اسم عائشة نظر إلى مكانها المعتاد مبتسمًا :
-ايه يا عايشة مستعدة للإمتحان
-نوعًا ما
-انا عايز اشوف قدراتك فيه ابهريني زي ما ابهرتي دكتور سامح ده قال فيكي شعر
-آه وانا أقول عشية نفسي كانت مسدودة عن المذاكرة اتاريني كنت محسودة
تحدثت بها بصوت منخفض فبدأ بتوزيع الورق عليهم بعدما جعل مسافة بين كل طالب والآخر وساعد غياب البعض على صنع مسافة فقد تغيب عدد كبير خوفًا من الإختبار
بدأت عائشة في اختبارها وكعادتها التي لن تتركها، تفر بالسؤال حتى قبل أن تكمله وكم ساهم هذا في جعلها تخطئ في سنواتها السابقة فوالله لولا هذه العادة السيئة لأتت بمجموع الطب لكنها تحمد ربها ففي النهاية هي تعشق الكيمياء والعلوم
وها هي عادة سيئة أخرى لها أنها تنهي الاختبار مبكرًا ولا تراجعه إلا مرة واحدة وقد لا تفعلها في بعض الأحيان، أقترب منها المعيد عندما أغلقت ورقتها ووضعتها أمامها ظنًا منه أن هناك ما توقف أمامها :
-لا متقوليش خلصتي؟؟
-لا خلصت فعلًا هو ينفع أسلم وأمشي اعتبرني زي بنتك مفطرتش لحد دلوقتي والله
-طب راجعي الأول يمكن ناسية حاجة
-راجعت هتاخدها ولا
مد يده وأخذ ورقتها متحمسًا لرؤية اجاباتها بينما أخذت عائشة تلملم أشيائها ومنهم أنها فتحت هاتفها بعدما اغلقته قبل الاختبار وما إن انفتح حتى انهال سيل من الرسائل منهم عدة مكالمات فائتة من شقيقتها الكبيرة "نورهان"
وكعادة شباب الشعب المصري اجمع لا يمتلكون رصيدًا في هواتفهم، ربما يمتلكون إنترنت لكن لا رصيد لذا ارسلت لها رسالة تستفهم منها لما اتصلت كثيرًا هكذا
اتجهت الي كافتريا الجامعة حيث ستقابل ابنة عمها هناك وفي أثناء الطريق شعرت بأعين تتابعها فهكذا نحن الفتيات لدينا حس أمني بأن هناك من أعين مسلطة علينا حتى ولو لم ننظر نحن له، لكنها لا تبالي ولن تبالي
أتت هذه الجامعة في هذه المحافظة البعيدة عن مسكنها من أجل أن تتعلم لا لأن تقيم علاقات والتي من الأساس ممنوعًا منعًا باتًا عندهم في عرف الصعيد ومن المفترض في نفس أي شخص مسلم، لقد وضع والديها بها ثقة وهي لن تخذلهما ابدًا
جلست على أحد مقاعد الكافتيريا ولم تطلب شيئًا بل أخرجت كيس طعام من حقيبتها به بعض الشطائر والتي اعدتها لها في الصباح من أجل هذه اللحظة تزامنًا مع إخراجها لمذكرة المادة حتى تراجع ما كتبت في الاختبار
خُطفت إحدى الشطائر من أمامها ولم تكن بحاجة لمعرفة هويته بل سحبت الشطيرة من بين انامل ابنة عمها التي تكبرها بعام هاتفة بغيظ :
-سرقة عيني عينك كده وفي صباح ربنا طب استأذني الأول
سحبت الأخرى منها شطيرة غيرها تقطم منها وكانت ملامحها متهكمة ضائقة بشدة من الكلام الغريب اللي سمعته في المحاضرة :
-مش عارفة هو عقلي كان جوا حلة مكرونة لما اصريت وعاندت ادخل علم نفس حتى ولو في اسكندرية، انا اتغربت علشان كلية السحرة دي؟؟
قطمت عائشة من شطيرتها متمتمة بنفس حديث الأخرى يوم علمت أن علم النفس في جامعة الإسكندرية يقبل بمجموعها :
-مش مهم علم نفس علم نفس المهم هيبقى برضو اسمي الدكتورة شروق حسين صفوان
زمت الأخرى شفتيها ببؤس وندم على أنها دلفت إلى هذه الكلية رافضة أن تجلس بجانب والدتها في المنزل مرددة أغنية التحفيز النسائي "اللي قادرة على التحدي والمواجهة" :
-مكنتش عارفة اني هتمرمط قوي كده ده انا اتسحلت يا عائشة ولسه اهو في بداية سنة تانية قدامي تلات سنين مش عارفة هيعدوا ازاي من غير ما يجيني دربوكة في دماغي
نظرت إلى عائشة التي كانت تنظر إلى مذكرتها بتركيز شديد فعدلت نظارتها الطبية هاتفة بغيظ :
-ما تركزي معايا مش بشكيلك همي
أشارت الأخرى إلى مذكرتها هاتفة بنفس النبرة :
-وانا بشوف عملت اي في الامتحان اصبري شوية لأحسن أكون غلطانة والله هتشل فيها علشان سهرت لحد الساعة واحدة بالليل علشان اخلص المادة المكلكعة دي
امسكت شروق بهاتفها وظلت تعبث به إلى أن تنتهي الأخرى لكن ما إن تذكرت أن ابنة عمها نورهان اتصلت كثيرًا وهي بداخل المحاضرة حتى عاودت الإتصال بها فهي لم تستطع الإجابة عليها في وسط المحاضرة واضطرت لتفعيل الوضع الصامت للهاتف
وها هي تستمع إلى صوت تلك المرأة التي يحفظ الشعب المصري نبرتها جيدًا تقول بلغة عربية فصحى :
-الرقم المطلوب مغلق أو غير متاح
ذمت شفتيها وقامت بوضع الهاتف أمامها، ليست من عادة نور أن يكون هاتفها مغلقًا فهي من النوع الذي لا يجعل بطارية هاتفها تنفد ابدًا، رفعت نظرها لتجدها تحدق في اتجاه آخر وملامح وجهها مقلوبة
استدارت حتى ترى ما الذي تنظر إليه وإذ بها ترى ذلك الشاب الذي يقطن في الشقة التي أمامهم، والذي هو بالمناسبة ابن صاحب البناية بأكملها والذي لا تطيقه عائشة "لله فلله" كما يقولون
عادت بنظرها إلى عائشة هاتفة بابتسامة ضاحكة :
-خفي ايه، حتة وتقومي تاكلي الواد بقلمين
زفرت الأخرى حانقة تبعد عينيها عن ذلك المدلل الطائش _من وجهة نظرها _ والذي يزعجها بسبب صوت تلفازه المرتفع كل ليل وكأنه يعيش في منتجعه الخاص وليس هناك بشر من حوله يريدون النوم والدراسة
ولسوء حظها غرفتها في ظهر غرفته تمامًا وهي من النوع الذي لا ينام بسهولة إن كان هناك ضوضاء ولو قليلة من حوله :
-يا اخي الناس كلها تصحى الصبح تنام الليل إلا الكائن ده، ده حتى الوطاويط معروفة بتنام امتى، مش عارفة بقى ده جنسه ايه
نظرت إليه شروق بنظرة متفحصة ليس وكأنها لم تره من قبل لكنها معجبة بتنسيق ملابسه وتصفيفة شعره، هي ليست معجبة به كشخصية لكنها تعجب بهذا النوع من الرجال الذي يهتم بملابسه وشكله
حيث كان "كريم" من هذا النوع الذي يهتم بملابسه وشكله الخارجي ويعشق الضوضاء والسرعة وشئ يدعي كرة القدم فهو يبات كل ليلة يشاهد مبارايات لأشهر اللاعبين المحترفين داخل مصر وخارجها حتى أنه في يوم من الايام كان يحلم بأن يكون لاعب كرة قدم
ولكن حلمه هذا تبخر في الهواء كما معظم أحلام الشباب في مثل سنه ليفيق من غفلة متأخرة أن لا شئ أهم من شهادته العلمية، أما الباقي عبارة عن شكليات حتى ولو كانت تعجب المعظم لذا ألتحق بكلية الصيدلية كوالده، ولكن في النهاية لم يستطع التخلص من إدمانه لكرة القدم
أبصر شروق وعائشة تجلسان في إحدى الطاولات في الكافتيريا فاتجه إليهما بخطوات مسرعة ثم وضع أمامها كيس طعام هاتفًا باختصار :
-صباح الخير رقية بعتته معايا ليكم علشان انتوا طلعتوا بدري الصبح
أنهى جملته ورحل فلا يريد الاحتكاك كثيرًا بهما لعلمه أنهما من النوع المتحفظ الذي لا يخالط الرجال، بالإضافة إلى ذلك هو لا يعلم عنهما الكثير فقط يعلم أن اثنتيهما بالإضافة إلى أخرى ثالثة سكنوا في الشقة الفارغة التي تقابلهم
لا يعلم لما قبل والده وعمه بهذا واللذان يمتلكان هذه البناية الراقية التي تطل مباشرةً على البحر في "مِيامي" واحدة من أرقى المناطق في الإسكندرية وكانت إجابة والده متعقلة هادئة
-الشقة بتاعت حمزة وكان هيتجوز فيها وبقالها سنة مركونة ومش بنأجرها لحد علشان حمزة كان رافض، فيها ايه لما نخليهم يقعدوا فيها بدال ما يروحوا آخر الدنيا، وهما قرايبنا يبقى عيب في حقنا ومش أصول نخلي بنات زيهم يتغربوا في إسكندرية وياخدوا إيجار غالي واحنا معانا عمارة طويلة عريضة وفيها كذا شقة فاضية
ابتعد كريم عنهما متجهًا إلى مدرجه وهو بالطبع متأخر عن المحاضرة بسبب سهره أمام إحدى المباريات، امسكت شروق بكيس الطعام وفتحته لتصطدم انفها بأجمل رائحة للمخبوزات الجاهزة
تحدثت عائشة مازحة تشير إلى الكيس بقلمها :
-اوعي تكون رقية خزوقتنا وبعتت مخدرات نوزعها في الجامعة، الرهان كان على أكلة حلوة
ردت لها الأخرى المزاح قائلة :
-لو كانت جابت كنا هنكسبوا كتير علفكرة هو فيه حاجة بتكسب أكتر من المخدرات اليومين دول
-وتجارة الأعضاء برضو بفكر أبيع كليتك ونقب على وش الدنيا
هتفت بها بجدية مضحكة فرفعت الأخرى أنظارها لها تحدق بها بوجه جامد لتطرق على الطاولة هاتفة بذهول :
-وما نبيعوا كليتك يا اختي ولا انتوا تقبوا على قفايا
-ما انا هحتاج كليتي!؟
-ده على اساس اني أخطبوط وعندي وحدة احتياطي
هتفت بها متهكمة لتسحب هاتفها تأتي برقم رقية تلك الفتاة الاجتماعية الودودة ابنة عم كريم والتي كانت أول شخص يقوموا بمصادقته منذ أن انتقلوا إلى العيش في بنايتهم
اجابت الأخرى وقد كان صوت انفاسها مرتفع فقالت شروق عاقدة حاجبيها باستغراب :
-بترمحي ليه
كادت أن تجيبها الأخرى لولا أنها لم تفهم هذه الكلمة العجيبة فقالت مرددة الكلمة الأولى :
-يعني ايه ترمحي!؟
-تجري يا رقية بتجري ايه
اجابتها رقية بلهفة وسعادة غير مبررة تجري في محطة إسكندرية التي يعم بها الهرج والمرج تلتقط بكاميرتها الحديثة بعض الصور للضباط وبعض مسؤولين المحافظة دون أن يلاحظ أحدهم :
-فيه قطر كان جاي اسكندرية وعمل حادثة في البحيرة وانا رايحة هناك
-ورايحة تعمل ايه؟ هو أي تنطيط وخلاص يا بنتي ياربي لو معايا نص الطاقة دي كنت هبقي في حتة عاشرة خالص
لم تقل هذا شروق من فراغ إذ كانت رقية تعمل صحافية ومن عادة الصحافيين الصغار هو الفضول والحماس لأي خبر جديد أو غير جديد يطرأ على البلاد ورقية بالذات كان لديها طاقة شديدة لمعرفة اخبار البلاد المعروفة والغير معروفة :
-كفاية حسد لأحسن موصلش زي القطر اللي موصلش ده، يلا سلام علشان ألحق اروح ويبقى أول سبق صحفي من نصيبي انا
اغلقت دون أن تسمع اجابتها فوضعت شروق الهاتف في حقيبتها متمتمة بخفوت :
-سبحان الله اللي يشوفها ميشوفش خلقة اخوها المقلوبة ١٨٠٪ ناحية زواية القرف ولا اخوها التاني اللي مطلع عين براءة ومخلي البت تتحسبن عليه ليل نهار
-كفاية تنمر على خلق الله هتخشي جهنم
-اسمعي مني انا علم نفس وأعرف الناس من ملامحهم والتلاتة دول مش شبه بعض، الصراحة رقية عسل في نفسها كده بس رغاية قوي ومحدش ينكر، وأخواتها الكبار التوأم اللي شبه بعض دول واحد محترم ذوق بس براءة بتقول ابو جهل في نفسه وهي طبعًا أعلم علشان طول الوقت معاه في المستشفى وياما ناس محترمة من برا طلعت معاقة متخلفة، والتاني غضب ربنا على وشه، ماشي مش طايق اللي حواليه اكنه أبوه رستم باشا ملك مصر
حدقت بها عائشة ولتوها لاحظت أنهم يتنمرون على سكان هذه المدينة للمرة التي لا تعلم عددها فما إن تجتمع مع شروق أو يجتمع كلاهما مع براءة يذكرن جميع من يعرفن فحتى الناس الذين يستضفنهن في بنايتهم في منطقة لم يحلمن في المرور منها لم يسلموا منهن
تتساءل هل بهن عيب أم جميع البشر على هذه الشاكلة والنساء على وجه الخصوص...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صوت صافرة الإسعاف يصدح في المكان جعل الهرج يعم والمسعفين ينطلقوا إلى خارج المشفى حتى يستقبلوا المصابين وفي هذا الوقت كانت هناك ممرضة من ضمن الممرضات تهرول في الإتجاه المعاكس لركض الجميع تضم إليها حقيبتها وكأنها تهرب
وهي بالفعل كانت كذلك إذ كانت تعلم أن وصول هذه السيارة يترتب عليه مصاب قد يحتاج إلى جراحة، والجراحة تحتاج إلى طبيب جراح، وهذا الجراح لن يكون سوى الطبيب يوسف محمد هواري
تتساءلون ما دخلها هي في هذا كله؟ ولما تهرب؟ وهذا لأنها وبغير بساطة مساعدة يوسف الذي يجرها خلفه في أي جراحة وأي عملية، حتى ولو سيجري كشف بسيط على طفل يجرها معه وهي الآن تريد تناول إفطارها الذي لم تتناوله منذ الصباح
على الأقل تتناول شطيرة واحدة قبل أن تدلف إلى عملية قد تستغرق ساعات بدلًا من أن تسقط بينهم في منتصف العملية
وها هو ما كانت تخشاه إذ استمعت إلى صوت أحد الأطباء ينادي في الممرضات أن يجهزن غرفة العمليات فورًا ويبلغوا الطبيب يوسف حتى يجهز لجراحة متعجلة
حدقت بهم بشفتين مذمومتين ساببة الجميع دون تفرقة فمنذ وطأت قدمها هذا المشفى وهي تعمل الست ساعات دون راحة :
-يا اولاد ال طب اكل سندوتش طيب هموت من الجوع
دلفت إلى غرفة الممرضات وأخرجت شطيرة من حقيبتها ووضعت جزء منها في فمها تزامنًا مع خلعها للزي التمريض العادي وارتداء آخر يناسب غرفة العمليات
أجل أصبح هذا حالها مؤخرًا تتناول طعامها وهي واقفة أو وهي تمر مع يوسف علي المرضى أو قد لا تتناوله من الأساس، إنها حياة شديدة البؤس وهي تعلم
انفتح الباب مسببًا لها الفزع لتجد إحدى زميلاتها تصيح بها مذهولة :
-انتي لسه مدخلتيش العمليات يا براءة ده الدكتور يوسف قالب عليكي المستشفى
قطمت المدعوة براءة قطمة من الشطيرة هاتفة بعض الكلمات المتذمرة وهي تلوك الطعام في فمها فأصبح كلامها غير مفهوم البتة بل وهناك بعض الكلمات التي لا يفهمها من في المشفى منها بسبب لهجتها الصعيدية وهذا ما يزيد أيضًا من حنقها
هرولت إلى غرفة العمليات بخطوات سريعة لا راكضة ولا بطيئة ووالله لو كانت على عهدها القديم لأخذت الطريق ببطئ سلحفاة تسير في الرمال فهي بطبعها كائن شديد الكسل ولكن ما إن تعرفت على عدو الراحة المدعو يوسف وهي أصبحت مثل الأرنب تقفز وتركض من هنا لهنا
توقفت أمام غرفة العمليات لتقطم آخر قطمة من الشطيرة من ثم رفعت الكمامة على وجهها متكلة على ربها مستعدة لأن تقف على قدمها ساعات داخل هذه الغرفة الكئيبة التي يطوف ملك الموت حولها بإستمرار، فمن يدري من سيتوقف قلبه بداخلها
دلفت متسللة وقد ساعدها الضجيج الذي ينتشر لإستعدادهم لبدء العملية، عقمت يديها جيدًا لترفع أنظارها سريعًا لذلك الشاب الطويل والذي يبدو في نهاية العشرينات يرتدي كمامة تخفي جزء من ملامحه، فقط عينيه البنية هي ما تظهر :
-هي براءة فين؟؟ كل شوية أدور عليها مش معقول كده!
-انا هنا
هتفت بها بهدوء كاظمة غيظها فهو ورغم أنه شخص محترم هادئ ذو عقلية رزينة ولكن ما ان يدلف إلى هذه الغرفة يصبح شخص آخر وكأن غرفة العمليات يسكنها مارد يتلبسه فور دخوله فيصبح على شعرة من الانفجار في أحد لا ينفذ أمر واحد قد يصدر منه
وقفت بجانب زميلتها ينتظران طبيب التخدير ينهي عمله حتى يبدأ يوسف في الجراحة لتحاول هي صب تركيزها كله معه حتى لا تخطئ في شئ أو تغفل فينتهي بها الأمر واقفة أمامه تتلقى محاضرة في كم الكوارث التي قد تحدث في غرفة العمليات بسبب أخطاء صغيرة
لم تعتد بعد على هذه الأجواء فهي بدأت في العمل كمساعدته منذ أقل من شهر ونصف وهذا بعد أن ألقى بها تكليفها إلى محافظة الإسكندرية في منطقة لا تعلم بها شيئًا تدعي مِيامي ثم ألقى بها الحظ مساعدة لهذا الرجل عديم الراحة
اتسعت عينيها تحدق فيما يفعل يوسف وترى كيف يشق بالمشرط جسد الرجل دون خوف وبشجاعة شديدة فمهنة الجراح تتطلب حقًا الكثير من الشجاعة فبين يديه روح عليه إنقاذها بأي طريقة ممكنة
-ضربات القلب كام
اجابته الممرضة الأخرى المتواجدة معهم في غرفة العمليات فقال الآخر ذون دون أن يحيد بعينيه عما يفعل :
-براءة ارفعي الأكسجين
لم يحدث أي تغير فقامت الممرضة الأخرى بفعل هذا وعندما لاحظ يوسف أن براءة لا تتحرك هتف بشدة :
-مش انا قولت ارفعي الأكسجين
-ما وفاء زودته
-ضغطه كام
نظرت براءة إلى جهاز الضغط لكن مهلًا... ويلي هي لا ترى بوضوح لقد نسيت ارتداء نظارتها، نظرت إلى صديقتها بإستنجاد في حين صاح يوسف ما إن رأي تأخيرها :
-الضغط كـــام
اقتربت بسرعة من جهاز الضغط ثم قالت :
-١٣٠
-عقمي قطنة وأمسحي الدم حوالين الجرح وبسرعة
وبسبب هذه العجلة كادت زجاجة المعقم أن تسقط من بين يديها ولكن عالجت الأمر واسرعت تمسح الدماء من حول الجرح فقال يوسف متسع الأعين :
-انتي مش لابسة جوانتي!؟
حدقت به الأخرى ببلاهة فمال بال رأسها مدار اليوم :
-نسيت
-نسيتي ايه؟ دي أرواح ناس، أقل غلطة نروح في مصيبة
-ايديا متعقمة كمل بدل ما الراجل يموت في ايديك
-هيموت بسببك انتي
-طب يارب يموت
هتفت بها بصوت منخفض سمعه يوسف ولكن لم يعلق الآن فليس الوقت المناسب ابدًا، اكمل جراحته وحاولت براءة تفادي الأخطاء على قدر استطاعتها حتى تمر هذه الساعات على خير
وبالفعل لم يمر الكثير هذه المرة فمعروف عن يوسف جديته وصرامته أثناء ساعات الجراحة وهذا بالرغم من صغر سنه ولكنه تتدرب على يد واحد من أهم أساتذة الجراحة لذا هو ماهر في عمله
تم نقل المريض لغرفة أخرى لتسرع براءة في خطواتها للخارج حتى تكمل إفطارها وهذا بالطبع بعد أن تغسل يديها مئة مرة بالصابون من رائحة الدماء هذه فهي من مهووسي النظافة
ولكن دائمًا ما نتمناه لا يكتمل إذ استمعت إلى صوت يوسف يخرج خلفها هاتفًا بغضب :
-بتدعي الراجل يموت! يارب تموتي انتي قبل ما تموتيني انا
استدارت إليه نازعة الكمامة ليكمل الآخر مستشيطًا منها فأكثر ما يكرهه هو الإهمال وهي تهمل ولا تهتم :
-داخلة عملية من غير جوانتي هتجيبي للراجل تلوث حرام عليكي
-والله حرام عليك انت يا دكتور، طب انت مش تعبان وعايز ترتاح واقف بقالك كتير على رجليك ما تروح ترتاح وتسيبني انا كمان ارتاح
اغمض الآخر عينيه بضيق فمن يحادث من الأساس فتلك الفتاة بكسلها هذا لن تكمل تدريبها على خير حال ولولا أن والده اوصاه عليها لأنها كانت قريبتهم ومتغربة لا تعلم أحد لكان ألقى بتدريبها إلى شخص آخر فلا طاقة له بتحمل كسولة مثلها :
-روحي يا براءة روحي
ولم تكذب خبرًا تركته وذهبت ببساطة شديدة لتدلف إلى غرفة الممرضات حيث تركت حقيبتها هناك ومنها دلفت إلى المرحاض مباشرةً لتبدأ حملة النظافة فلن تمث الطعام وهذه الرائحة التي تشبه غرفة العمليات تفوح من يديها
خرجت من المرحاض لتجد زميلتها وفاء التي تتواجد في الغالب معهم في غرفة العمليات كمساعدة أخرى، نظرت إليها براءة وقد كانت يدها ترتعش كبوادر جلطة لظنها أنها أتت لتنادي عليها من أجل جراحة أخرى :
-هو لحق يبدأ عملية تانية لا كده كَتير
قهقهت الأخرى بصوت مرتفع ترفع أمامها شطيرة أو كما نقول عليه نحن المصريين "ساندوتش طعمية" :
-جاية افطر انا كمان ما انا مفطرتش زيك
جلست الأخرى بجانبها تسحب حقيبتها بحثًا عن طعامها متمتمة ببعض الكلمات الحانقة :
-أحسابي جاية تنادي عليا علشان عملية جديدة كنت هصوت وألم عليكم المستشفى وأقول اعتقوني لوجه الله مش مشترين عبدة من سوق العبيد
أخذت تأكل بينما وفاء كانت تحدق بهاتفها وملامح وجهها مقبوضة فقالت براءة متسائلة :
-ايه حد بعتلك صورة لجوزك وهو بيخونك
حدقت بها الأخرى ولا تدري اتشعر بالسوء من أجل ما رأت أم اتضحك على حديث براءة المتشائم فهذه عادتها لها تمازح بالتشاؤم، فلا تنفك عن تحليل الموقف أمامها إلى أن ينتهي بالبؤس وحادثة متشائمة حتى ولو لم يكن هذا واقع ما سيحدث :
-لأ ده بيقولك قطر جاي من الصعيد خبط في قطر جاي من مطروح من ساعتين والحادثة في البحيرة باين
-أعوذ بالله ايه يا ربي البلد اللي كل أسبوع حاجة تحصل فيها، علشان كده عايزة أسافر الكويت واسيب البلد دي بس يبقى معايا فلوس الأول
استمعت إلى رنين هاتفها لتجد عمتها هي المتصل لذا أجابت بعدما ابتلعت ما في فمها هاتفة ببعض الكلمات التي تقال في العادة :
-صباح الخير يا عمتي عاملة ايه
-الحمد لله بخير بقولك لو فاضية تعالي معايا المحطة علشان نجيبوا بنت عمك، اتصلت على عائشة وشروق وباين وراهم محاضرات مش هيقدروا يجوا دلوقتي
-بنت عمي مين؟؟
هتفت بها بتوجس ما ان سمعت كلمة محطة في بداية الحديث فأجابت الأخرى :
-يا بنتي نور جاية من الصعيد وتلاقيها قربت على المحطة ده متصلة عليا من ساعتين أو من ساعة ونص كده، عايزة ألحق اروحلها بدل ما تستنى هناك دي معاها حاجات كتير
ابتلعت براءة لعابها برعب شديد تسحب الهاتف من يد وفاة تحدق في مشهد لقطارين قد اصطدما ببعضهما ومتهشمين من الأمام :
-نور جاية في قطر جاي من الصعيد وآخر مرة كلمتيها كان من ساعتين؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
المواعيد زي ما قولت كل يوم سبت الساعة ٨ مساءً بتوقيت مصر
رأيكم مهم... أي رأيكم في البداية ♥️ 👀
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثاني 2 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
أصوات النحيب يعلو ولكنها لا تعلو على صوت ملك الموت الذي كان يقبض أرواح من راحت أرواحهم نتيجة تصادم القطارين، حادث يسمع به الكثير ويصنع الضجة في البلاد فعشرات الأرواح تروح ضحايا مثل هذه الحوادث
ولكن كانت ربما هذه مختلفة قليلًا إذ كان أحد القطارين أسرع من الآخر فنتج عن هذا تحطم مقدمة كلا القطارين وبعض العربات الأمامية فراح ضحيتها البعض، والبعض أصيب ببعض الجروح والرضوض، والبعض الآخر لا يزال على قيد الحياة
وها هم ملقون على المحطة والارصفة وسط المسعفين وصافرات الإسعاف والشرطة، حتى بعض الصحافة قد حضرت فمن سيفوت أول سبق صحفي لحادث قطارين وقع في إحدى محافظات الدلتا
ومن ضمن هؤلاء الصحفيين كانت رقية التي تمسك بكاميراتها تدور بها وتلتقط عدة صور للقطار والناس والمسعفين والمصابين حتى تضعها على موقع الجريدة، فما عاد أحدهم يقرأ الجرائد إلا العجزة الذين لا يزالون على قيد الحياة منذ أن تم تحرير مصر من الحملة البريطانية
وأثناء التقاطها للصور لاحظت فتاة في أوائل العشرينات تقف حائرة بمفردها وكأنها ضائعة وحيدة وسط مدينة واسعة لا تعلم بها أحدًا، ألتقطت لها صورة هي أيضًا فملامح الحيرة والتخبط هذه مناسبة جدًا لما ستكتب
تقدمت للأمام وهي تحدق بالصورة فاستدعتها ملامح الفتاة التي لم ترها بوضوح من بعيد ولكن رأتها في الصورة، هي تعلم هذه الملامح تبدو مألوفة لها كثيرًا، رفعت رقية أنظارها لها تضيق عينيها تحاول تذكر أين رأت هذه الفتاة
تقدمت منها بعدما فشلت في تذكر هويتها وقررت أن تسألها لربما تعرفها وعقلها قد نسي فهي ترى الكثير من الأشخاص يوميًا بحكم عملها، وصلت إليها لتتبسم لها بمجاملة :
-رقية محمد هواري صحافية، انتي كنتي من ركاب القطر صح؟
حدقت بها الأخرى في ضيق فماذا تريد منها هذه الآن، لتتركها في الهم الذي هي به فلا خلق لها بالحديث مع أحد، والأشخاص الوحيدين الذي تريد التحدث معهم لا تستطيع الوصول إليهم بسبب بطاريتها الفارغة، حتى أنها لا تعلم مِن مَن تطلب المساعدة وهي غريبة في هذه البلاد
حملت اشيائها وهمت بالابتعاد عنها فسارعت رقية في استوقافها قائلة :
-استني بس انا بصراحة حاسة اني اعرفك بس مش فاكرة بالظبط
نظرت إليها الأخرى بتفحص من الأعلى الأسفل فتاة نحيفة نوعًا ذات شعر حالك السواد طويل وعيون سوداء وبشرة قمحية مائلة إلى البياض بفعل الكريمات على الأرجح، ترتدي سترة طويلة بنية أسفلها بنطال جينزي واسع
هزت رأسها بنفي فمثل هؤلاء الفتيات لا تقابلهم ابدًا إلا خلف شاشة هاتفها أو شاشة التلفاز :
-لا معتقدش اني أعرِفك شكلك غلطانة
همت بالرحيل من أمامها مرة أخرى ولكن هذه المرة هي من وقفت حينما قالت رقية :
-هو انتي بتتكلمي صعيدي؟؟ طب تعرفي واحدة اسمها عائشة أو شروق؟
استدارت إليها هاتفة بلهفة فيبدو أن ربها لن يتركها وحيدة فأرسل لها من يساعدها رغم أنها لا تدري من هذه الفتاة وما صلة القرابة التي قد تكون بينهم :
-عائشة اختي وشروق بنت عمي
-يبقى انتي نور
هتفت بها بسعادة لأنها تذكرت فعقدت نور حاجبيها والآن زاد على حيرتها حيرة، فمن هذه الفتاة وكيف تعرفها وتعرف شقيقتها وابنة عمها، بينما الأخرى قالت :
-انا رقية يا نور انتي مش فكراني؟ بصراحة عندك حق آخر مرة شوفتك كان من سبع سنين ده حتى عائشة وشروق وبراءة معرفوش انا مين لما شوفتهم عندنا في العمارة
حسنًا لقد بدأ رأسها يؤلمها أكثربسبب هذه الحيرة والتخبط، وعندما رأت رقية هذا تحدثت ببعض الهدوء حتى تفهم الأخرى :
-مش انتي من كام سنة جيتي انتي والبنات مع عيلتكم من الصعيد علشان فرح رحاب بنت طنط اسماء اللي هي تقريبًا
-عمتي أسماء
-ايوه ايوه انا بقى بنت اخ زوج عمتك مش عارفة هتفهميها ولا لأ بس المهم يعني اننا قرايب وكنا في الفرح حتى بالأمارة بعد الفرح عمامي عزموكم علشان واجب ضيافة وكده قبل ما ترجعوا تاني الصعيد، واتعرفت عليكي انتي وبراءة هناك فاكرة ولا زي بنات عمك واختك اللي قعدت ساعة افكرهم
آماءت نور تتذكر بالفعل الزفاف وهذه الفتاة التي جلسوا معها كثيرًا وصادقتها هي وبراءة في فترة المراهقة، لكن نسوها بالطبع بسبب مرور السنوات :
-جدك هواري ابن عم جدي صفوان
حدقت بها الأخرى ببلاهة فلم تكن تعلم أن هذه هي القرابة التي تربطهم باقاربهم في الصعيد :
-مش عارفة بصراحة انا ورقة بيضة في شجرة العيلة بس لو انتي عارفة Ok
خبطت جبينها بيدها هاتفة بإعتذار :
-اهو شجرة العيلة اخدتنا في الكلام، انتي كنتي في القطر طب انتي كويسة؟ حصلك جروح أو كسور؟
نظرت نور إلى نفسها حسنًا ستكون كاذبة ان قالت انها بخير فهي بالكاد تقف على قدميها رغم أنها لم تصاب بالكثير من الرضوض ولكن الرعب الذي عاشته داخل القطار كفيل بجعلها تعاني حمى من شدة الفزع، فكم هو مخيف أن ترى نفسك على حافة الموت بينك وبينه شعرة
تحدثت رقية وهي تنظر إلى القطارين قائلة :
-انتي جاية لوحدك فيه حد جه معاكي أو حصله حاجة
-لأ جاية لوحدي بس فيه شنط ضاعت مش عارفة اجيبها من القطر بسبب المدعكة دي تلاقيها ضاعت أصلًا
-حاجات ايه طب هي مهمة؟
-كانت زيارة لعمتي بط وحمام وفريك وكده، بس الحاجات اللي عرفت اطلع بيها اهي شنطة الهدوم والشنطة اللي فيها حاجاتي المهمة
عقدت رقية حاجبيها بتساؤل :
-انتي كنتي جاية اسكندرية
آماءت لها الأخرى هاتفة ببؤس :
-ايوه بس الواضح اني هرجع تاني بعد ما تعرف امي اني كنت هموت في حادثة قطر في أول مرة سافرت فيها لوحدي
وضعت رقية كاميراتها في حقيبتها هاتفة ببسمة متسعة :
-ميهمكيش يا سكر حمد الله على سلامتك انتي بس وأي حاجة تانية تروح في داهية تعالي بقى بما انك كنت رايحة اسكندرية اوصلك لأختك وبنات عمامك
-طب قولي والله
هتفت بها بعدم تصديق فضحكت الأخرى وهي تتقدمها :
-والله تعالي انا معايا عربية جيت بيها
حمدت نور ربها جهرًا أنه أرسل لها مساعدة بعدما كادت أن ترتكن إلى أحد الجدران تبكي وحيدة بائسة لا تدري ماذا قد تفعل، حملت حقيبتها الخاصة وحقيبة ظهر ضخمة وأخرى خاصة بالسفر، وهؤلاء من استطاعت أن تخرج بهم حية من القطار
استدارت رقية حتى لا تضيع منها وسط هذا الزحام الغير عادي، وما إن رأت معها كل هذه الحقائب حتى سارعت في الحمل معها قائلة :
-هاتي واحدة اشيلها معاكي
-لا لا شكرًا مش عايزة اتعبك كفاية ربنا بعتك ليا نجدة والله
حملت معها حقيبة رفقًا بها لأنها خارجة من حادث صعب كهذا وسبحان من اخرجها حية :
-سبحان الله شوفي حكمته جيت اخد كام صورة للخبر علشان انزله لقيتك واقفة وحدك كأني ربنا بعتني ليكي
خرجت بها من هذه المحطة الصغيرة التي تعود إلى إحدى مراكز محافظة البحيرة لتتجه إلى سيارتها أو لنقول سيارة أخيها يوسف والذي سرقتها من أمام المشفى حتى تذهب بها إلى البحيرة، وضعت الحقيبة في الخلف وفتحت لها السيارة فقالت نور متعجبة :
-هو انتي هنا لوحدك ودي عربيتك
-لا بصراحة دي عربية اخويا بس متخافيش بعرف أسوق فضلت ازن على راس إخواتي لحد ما علموني وشوفي جه التعليم بفايدة
صعدت نور بجانبها حامدة ربها ألف مرة أنه ارسل لها مساعدة بحكمته وتدابيره...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
"وها هو يرى ظلها من بعيد تقف شاددة شالها على وجهها وكأنها تحرمه حتى فرصة أخيرة للنظر إلى وجهها الشرقي الجميل، أخذته بذنب شعبه في حين عشقها هو بشدة، ولكن كان الفراق هو ختام حكايتهم، فهنا في ميناء اسكندرية حيث هذه النقطة الأخيرة لعودة الإنجليز لموطنهم واستقلال مصر كان آخر مرة يرى بها صاحبة الأعين الكحيلة "
ضغط على آخر زر في جهازه الحاسوب وهكذا أنهى قصة قصيرة أخرى نشرها على صفحته الإلكترونية في إحدى تطبيقات التواصل الاجتماعي حيث لصفحته ملايين المتابعين فهو" كاتب الظل" صاحب مئات القصص القصيرة المشهورة على موقع الفيس بوك
وصاحب الكثير من الكتب الأدبية التي ينزل منها كل عام كتاب يتوافد عليه الآلاف فهو صاحب صيت وشهرة رغم أنه يمتاز بهالة من الغموض الشديد، فلم يسمع أحدهم بأسمه الحقيقي، ولو مر في الشارع لن يعلمه أحد من معجبينه
وهذا لأنه لم يحضر قبلًا معرض أو حفل توقيع كتاب من كتبه إلا وظهر متخفي أسفل كمامة وقبعة وكأن هذا الرجل يحب كونه الكاتب الغامض
-عارفها انا التنهيدة دي يا حمزة أكيد خلصت قصة جديدة
هتف بها يوسف وهو يضع على الطاولة الصغيرة بجانب حاسوب حمزة كوبين من القهوة الذائبة أو ما يسمى "النسكافية"
اجابه الآخر وهو يدلك عنقه بسبب انكبابه على الحاسوب حتى ينهي هذه القصة التي استغرقت معه أسبوعين وأكثر :
-وانتهت صاحبة الأعين الكحيلة
امسك يوسف بكوبه وقربه من فمه متمتمًا ببعض كلمات التشجيع له، ربما هو لا يهوى كثيرًا القراءة خاصةً قراءة النوع الذي يكتبه حمزة لكن الآخر يستحق حقًا التشجيع، فشاب في مثل سنه الذي لم يتعدى الثامنة والعشرون وصل إلى هذه الدرجة من الثقافة حتى أصبح لديه اسم بين جميع الكتَّاب المشهورين يستحق بحق التشجيع والثناء :
-ربنا يوفقك يا حمزة لكل أحسن، أي بقى أخبار القضايا ولا هتسبب شغلك وتمسك في شغفك التاني
-والله الحال على ما هو عليه إن مسكني مدير المكتب قضية بحلها، وإن لأ اديني قاعد بكتب وبقرأ ايه الجديد
-طب اي اخبار المكتب
عقد حمزة حاجبيه وعلم عن من يسأل بالضبط فقال بهدوء وهو ينزع نظارته التي لا يرتديها إلا في حين يكتب لحفظ نظره لا أكثر :
-يوسف يوسف لو سمحت والله الموضوع اتقفل مش عارف ليه مُصرين تفتحوه، انا اتجهت لحالي وهي راحت لحالها، خلاص يا جماعة ثم الموضوع فات عليه شهرين وانا خلاص نسيت وهي تقريبًا نسيت
-مستغرب عليك كنت متمسك بيها يا حمزة وعايزها محدش كان متوقع انه اللي يسيب التاني هو انت
وضع الآخر قدم على الأخرى، ساحبًا كوبه الخاص حتى يرتشف منه البعض، هاتفًا بعدم اهتمام فهو من النوع الذي ينسى بسرعة بسبب انشغاله الدائم :
-كان عندي انبهار في الأول واختفى وانا مقتنع دايمًا اني النصيب أقوى من أي شعور تاني
فُتح باب الشقة وقد دلف شقيقه بعدما فتح بمفتاحه الخاص ليسير بترنح إلى أقرب مقعد ملقيًا بجسده عليه مطلقًا بعض السباب المرتفعة وهو يخلع عنه حذائه
-كريم بابا أقلع جوا انت هتقلع في الصالة ثم اقفل الباب ده سبته مفتوح ليه
هتف بها يوسف بضيق يبصر الآخر كان على وشك خلع سترته أيضًا، نظر إليه كريم لبرهة ثم سحب من يديه الكوب مرتشفًا منه من ثم همهم بتلذذ وهو يرتخي على مقعد الاريكة :
-نسكافية عدالة يعدل الدماغ التعبانة
حول نظره إلى يوسف الذي وقف يعد لنفسه كوب آخر فقال ممتنًا :
-والله يا يوسف مش عارفين نودي احترامك ده فين، عارف لو انا اخدته من يونس كان كسر المج فوق دماغي وخلاني اعمله غيره حتى لو مشربتش منه حاجة
نظر حوله ولم يستمع لأي صوت في البيت فقال متعجبًا :
-انتوا قتلتوا اهل البيت ولا ايه، حتى البنات مش سامع صوت من عندهم في الشقة اللي قدامنا كالعادة يعني
اجابه حمزة بعد وقت وهو يحدق امامه في الفراغ شاردًا في قصة جديدة كعادته التي يبدو أنه لن يتخلص منها ابدًا :
-واحدة من قرايب البنات عملت حادثة في القطرين اللي خبطوا في بعض النهاردة الصبح فابوك وعمك راحوا مع مرات عمك محفوظ اللي هي عمة البنات علشان يستلموا جثتها باين
اتسعت أعين الآخر بذهول وهو يبعد الكوب عن شفتيه :
-يا ستار يارب وانا اقول عائشة وشروق كانوا بيجروا برا الجامعة أكنه في مصيبة اتاري كان فيه مصيبة فعلًا
نظر حمزة إلى شقيقه هاتفًا بتعجب :
-شفتهم بيجروا ومسألتهمش مالكم ولا فيه حاجة معاكم
-لأ وانا مالي
هتف بها ببساطة شديدة رافعًا منكبيه فقال حمزة بغيظ ملقيًا عليه أحد وسادات الاريكة :
-وانت مالك ده بتاع ايه، افرض كانوا في مصيبة ومحتاجين مساعدة، مش ابوك وعمك وصوك عليهم علشان انت في الجامعة معاهم يا متخلف
ابعد الآخر الوسادة بغيظ بعدما كادت أن تتسبب في قلب الكوب عليه :
-وانا مالي هما مش بيحبوا ولد يتكلم معاهم ولا يقرب منهم أأقرب انا ليه، ده النهاردة الصبح اديتهم حاجة بعتتها رقية معايا بعد ما اتحايلت عليا، يدوب حطتها قدامهم ومشيت لقيت شباب الكلية والكليات المجاورة جم يسألوني
اعتدل في جلسته يقلد بعض زملائه في حديثهم :
-انت تعرفهم يا كريم، طب ليك سكة معاهم يا كريم، طب دول قرايبك يا كريم، ايــــــه هو انا خاطبة ولا هما أول مرة يشوفوا بنات، يا جدع اشحال ما كانت الجامعة كلها مزز
أتى يوسف مقهقهًا من الداخل ليقول بنبرة ضاحكة وهو يجلس معهم :
-تعرف يا كريم انت شبه غادة اختك أوي، أول مرة آخد بالي من ده
لوى كريم شفتيه بعدم رضا لتشبيه بغادة شقيقته الكبيرة والتي تمتاز بالبرود ونقص حاد في هرمون محبة الناس، وضع الكوب الفارغ على الطاولة وسحب الذي في يد يوسف فهو من عشاق القهوة وهذا بسبب سهره الكثير أمام مبايارت كرة القدم :
-هو يونس فين؟؟
اجابه يوسف وهو يأخذ الكوب الثاني الذي أعده فهو أعد كوبين لعلمه أن كريم سيأخذ كوبه فور أن ينهي ما في يده :
-مرجعش لسه، اومال انا قاعد معاكم ليه علشان محدش فوق كلهم برا البيت
أبعد كريم الكوب عن فمه سريعًا يقول بذهول :
-يونس مرجعش لحد دلوقتي؟ ده بقاله تلات أيام بايت برا البيت وده الرابع، ليكون اتقتل واحنا منعرفش؟؟
صاح به يوسف بغيظ فألا يكفي تشاؤم براءة المستمر في العمل فيأتيه هذا الآخر :
-أعوذ بالله منك هو معاه قضية صعبة السفاح اللي بقاله سنتين بيقتل في الناس ده، محدش عارف يمسكه، ده يونس الظابط العاشر تقريبًا اللي يمسك القضية دي
-انا مستني يونس يقبض عليه ويدلي السفاح ده بأعترافه علشان اعمله كتاب مخصوص يبقى اسمه سفاح إسكندرية
وبالطبع المتحدث هنا لم يكن سوى حمزة والذي يعشق أن ينسج من الواقع الذي يراه كتاب أو قصة جديدة مع إضافة بعض التعديلات من خياله الواسع، أكمل حديثه بشغف حقيقي يرى أمامه أحداث مثيرة تريد أن تُكتب داخل أوراق بيضاء بخطوط منمقة :
-قاتل محترف لعامين لا يستطيع أحد أن يمسك عليه دليل، فلا الشرطة قادرة ولا الشعب قادر، كان يقتل كل شهر شخص حتى كثرة ضحاياه وبات يقتل كل يوم شخص فتُرى من سيكشفه في النهاية وما ستكون نهاية سفاح إسكندرية
اعتدل كريم في جلسته يقول بخوف مبالغ به وكم بدا مصطنع بشدة :
-بيقتل كل يوم شخص ده على ما يقبضوا عليه هيكون خلص على إسكندرية كلها، أمانة عليك يا حمزة لما تكتب النهاية تخلي نهايته بشعة علشان تشمت فيه أهالي إسكندرية كلها
-انت بتتريق عليا؟؟
أوقف يوسف هذا النزاع قبل أن يبدأ هاتفًا بضحك :
-بصراحة يا حمزة خيالك واسع أوي، في دقيقة ألفت كتاب وانت قاعد
وضع حمزة قدم على الأخرى معيدًا خصلات شعره السوداء شديدة النعومة والطول إلى الخلف، إذ كان يمتاز حمزة بشعر أسود طويل يصل إلى عنقه وهذا بسبب اهتمامه الشديد به، ليهتف بغرور :
-محدش يعرف يعني ايه خيال بدون نطاق ولا حدود إلا تلات شخصيات يا إما كاتب يا إما قارئ يا إما محامي وانا بسم الله ما شاء الله عليا التلاتة فوسعوا من قدامي كده علشان اللي زي مش بيقف مع عامة الشعب
ختم حديثه مستقيمًا من على الاريكة وقد سحب حاسوبه حتى يستعد لمراجعة قصته قبل نشرها في الموعد المحدد، نظر كريم إلى طيفه بتهكم ليشير ناحية غرفته التي اختفى بها حمزة محدثًا يوسف :
-والله ما غايظني إلا شعره الطويل ده شبه الممثلين التركيين اللى غادة كانت بتحضرهم زمان، ده عنده شامبو بـ 300 جنية وانا بكسل اشتري واحد ليا بستين جنية فبغسل شعري بالمياه بس
-ما علشان انت معفن يا كريم
هتف بها ضاحكًا بشدة وإذ به يستمع إلى صوت شقيقته في الخارج أمام شقة الفتيات فنادى عليها حتى تأتي قائلًا :
-تعالي يا رقية مش هتلاقي حد عندك
أما في الخارج كانت رقية تطرق على الشقة التي يسكنها الفتيات والتي هي مقابل شقة عمها :
-هو مفيش حد جوا؟ غريبة ده الساعة داخلة على تلاتة يعني المفروض براءة رجعت من الشغل على الأقل
تنهدت نور بتعب لقد هلك جسدها بسبب كثرة الأحداث اليوم وتريد النوم قبل أن تنام على نفسها، استمعت إلى رجل ينادي من الشقة الأخرى ذات الباب المفتوح، ينادي على رقية بأن تأتي فاتجهت الأخرى دون تردد قائلة :
-تعالي يا نور اتفضلي ده بيت عمي تعالي نستنى لحد ما البنات يجوا أو اتصل انا عليهم
دلفت إلى الشقة ليقابلها يوسف بحديثه حيث قال بهدوء مريب :
-انتي اخدتي العربية من قدام المستشفى يا رقية
آماءت الأخرى دون خوف تضع حقيبة نور إلى جانب الباب :
-يس اخدتها عندك مانع
-آه عندي انا رجعت ماشي على رجليا ثم سوقتيها ازاي من غير مفتاح يا بنت انتي
-معايا نسخة ثم ايه ماشي على رجليك، ده بين المستشفى والعمارة خطوة
رفع يوسف أصبعه بتحذير قائلًا :
-عارفة لو كنتي خبطتيها أو خدشتيها بس، يونس هيعلقك ومش هدافع عنك، ثم ايه الشنطة دي بتاعت مين
كادت الأخرى أن تجيبه لكنها لاحظت أن نور لم تدخل خلفها فعادت للخارج بسرعة لتجدها تقف في مكانها تضغط على الحقيبة في يديها بتوتر فقالت رقية بتعجب :
-فيه يا ابنتي اتفضلي والله ما هنعملك حاجة
نظر كريم ويوسف ناحية الباب لا يعلموا مع من تتحدث رقية، أما نور فكانت مترددة بشدة في الدخول فحتى لو كانوا أقاربهم هي لا لم تعاشرتهم من قبل ولا تضمن شخص هذه الأيام سواءً كان قريب أو بعيد
ولكن إن فكرت قليلًا ستجد أن رقية النجدة الوحيدة لها في هذه الغربة على الأقل هي على صلة بأختها وبنات عمها، اقتربت ببطء من الباب وسرعان ما توقفت عندما ابصرت شابين في الداخل فقالت رقية ترفع عنها الحرج :
-تعالي ده يوسف اخويا وكريم ابن عمي، حتى هنسيب الباب مفتوح علشان تتطمني
قبضت نور على حقيبتها تدلف إلى الداخل وقلبها ينبض بتوتر فهذه أول مرة لها تسافر خارج حدود محافظتها وبمفردها، وسبحان الله يحدث حادث بين قطارين، تتعطل سيارة رقية لساعة في الطريق، يتعطل المصعد بهم
هل هناك علامة أخرى على ضرورية عودتها إلى بلدها وعدم الخروج منها مرة أخرى؟؟
ابتعد كريم وجلس بجانب يوسف على الاريكة حتى تجلس هي على المقعد وكله تساؤل هو ويوسف عن هوية هذه الفتاة المحجبة ذات الملابس الفضفاضة
نظرت رقية حولها هاتفة بتعجب :
-ايه الهدوء ده؟ هو مفيش حد غيركم ولا ايه؟؟
نفى يوسف برأسه هاتفًا بهدوء :
-ابوكي وعمك راحوا مع البنات المحطة تقريبًا في حد من قرايبنا في الصعيد كان في القطر اللي عمل حادثة النهاردة الصبح، والله أعلم حي ولا مات
اتسعت عيني نور بذهول ولم تكن رقية أقل ذهولًا منها إذ نظرت إلى الأخرى هاتفة بدهشة :
-سبحان الله انا عمري ما شوفت ترتيب قدر أكتر من كده
تحدث كريم بنفاذ صبر فلا يطيق شيئًا يدعي انتظار :
-مين دي يا رقية؟
-دي قريبتنا اللي كانت في قطر الصعيد اللي عمل حادثة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وليس هناك ما أكثر من صوت البكاء الذي يعم المحطة فقطار الصعيد هذا كانت وجهته المحددة هي الإسكندرية وكم من عائلة كانت على انتظار شخصًا في ذلك القطار والآن أصبحت المحطة مقلوبة فلا يوجد مكان واحد تستطيع الوقوف به من كم العدد الذي حضر
ووسط كل هذا كانت تجلس عائشة تجلس بجانب براءة محمرة الوجه، تبكي بشدة فلا تصدق أن شقيقتها الآن قد تكون بين يدي الله، رحلت دون حتى أن تودعها
وبجانبهم كانت تقف شروق تحاول للمرة المئة الإتصال بهاتف نور وفي كل مرة يأتيها الرد بأنه مغلق، رفعت أنظارها إلى عمتها والتي كانت تجلس على أحد مقاعد المحطة تبكي وتنوح
فحتى ان كانت عاشت سنوات طويلة في اسكندرية لم تنسى جذورها الصعيدية وعرق النواح النسائي الذي تجده في غالبية نساء الصعيد :
-يا لهوي البت راحت حتى قبل ما تيجي، أقول لأخويا ايه أقوله ماتت ازاي، يا ترى هنلاقوا جثة تتدفن اصلًا ولا لأ
صاح بها زوجها محفوظ أن تتوقف عن هذا فلربما تكون الفتاة حية وهي تنوح عليها بلا سبب :
-يا أسماء بس بقى هو احنا نعرف حية ولا ميتة، بيقولوا ناس كتير لسه عايشين وناس عندها إصابات وأغلب اللي ماتوا كانوا من الدرجة الأولى وهي أكيد يعني مركبتش في الدرجة الأولى فإهدي بقى
نظر إلى أخويه محمد وعثمان اللذان حضرا معه فلا يصح أن يتركاه في مثل هذه الظروف، والتي كانت في القطار أيضًا من أقاربهم :
-وبعدين هنفضل مستنين كده
اجابه عثمان بقلة حيلة فلا شئ في ايديهم ليفعلوه :
-انت سمعت الظابط قال ايه، كل الناس اللي عايشة جايين في قطر تاني والمصابين انتقلوا لمستشفى هناك في البحيرة، لو مكنتش من ضمن اللي في القطر هنروح البحيرة ندور عليها في المستشفى هناك
تحدث أخاه محمد قائلًا :
-محفوظ هو انت قولت لأهلها في البلد
-مقولتش بس مش عارف هما عرفوا ولا لأ، ده مصر كلها عرفت، بس هما لو كانوا عرفوا كانوا اتصلوا عليا أو على أسماء فمعتقدش إنهم عرفوا
رن هاتف شروق في يدها لتجد أن المتصل هي رقية، وهنا تذكرت أن رقية ذهبت صباحًا إلى البحيرة في موقع الحادث لربما تعلم شيئًا لذا أجابت سريعًا قائلة :
-الو رقية انتي لسه في البحيرة ولا رجعتي
-الو يا شروق انا نور انتوا فين؟؟
صاحت الأخرى بعدم تصديق تنظر إلى عمتها وإلى عائشة مشيرة إلى هاتفها :
-دي نور يا عائشة على التليفون، الو يا نور انتي كويسة؟ انتي اللي فين؟؟
اجابتها الأخرى وهي لا تزال تجلس مع رقية في شقة عمها هذه هاتفة بتعب :
-انا كويسة وفي الشقة اللي قبال الشقة اللي انتوا قاعدين فيها
-انتي في مِيامي؟! جيتي ازاي ده القطر لسه موصلش
-رقية جابتني
لم تفهم شروق أي شئ لكنها أجلت الحديث الآن لتغلق معها بعدما أخبرتها أنهم آتين إليها، أعطت نور الهاتف لرقية هاتفة بخفوت :
-شكرًا تعبتك معايا
أخذت منها الأخرى الهاتف ووضعته في جيب سترتها مبتسمة بهدوء :
-لا تعب ولا حاجة الحمد لله انكِ كويسة وبخير يا سكر
صمتت لبرهة ثم تساءلت بعدما فشلت في لجم روح الصحافية بداخلها :
-هو بما انك كنتي جوا القطر حسيتي بأيه أول ما القطريين خبطوا في بعض
-يعني انتي شايفة وقت اسئلة يا رغاية هانم سيبني البنت شكلها تعبان أوي، افصلي يا رقية افصلي
هتف بها كريم حانقًا من ابنة عمه عاشقة معرفة أي شئ وكل شئ، تحدث يوسف بنبرته الهادئة قائلًا :
-تحبي اجيبلك مسكن أكيد مطلعتيش من الحادثة من غير لا خبطة ولا إصابة
رفضت الأخرى سريعًا وخيل لها خيالها الواسع انها لن تشرب مسكن وإنما شئ آخر قد تكون نتائجه غير حميدة بالمرة :
-لا شكرًا مش عايزة حاجة
-كويس يا بنتي انك رفضتي علشان كنا ناويين نديكي مخدر وناخد اعضائك
اتسعت عينيها بذهول فور أن قال كريم هذا فنكزه يوسف حتى لا يخيفها لعلمه أنه يمزح لا أكثر، وفي هذه الأثناء خرج حمزة كالثور الهائج من غرفته في يده كتاب مقطوع وفي الأخرى طبق بلاستيكي ناويًا تحطيمه فوق رأس أخيه الذي يشاركه الغرفة :
-كـــريــم انا مش قولتلك متقربش على كتبي
وكعادة بعض البشر يفعلون قبل أن ينتبهوا لأي شئ ليكتشفوا مؤخرًا أنهم يخطئون الهدف، وقد اكتشف حمزة بعد أن هبط بالطبق على رأس الجالس على المقعد الذي كان يجلس عليه كريم أن كريم يجلس بجانب يوسف ولا يجلس على المقعد
وفي الثانية التالية كانت صرخة نور المتألمة ترج الصالة، كانت رأسها تؤلمها بسبب الحادث لكن الآن أصبحت كطاحون يدور بعد هذه الضربة القوية، نظر يوسف وكريم إلى حمزة بذهول تزامنًا من انتفاضة رقية مهرولة إلى تلك المسكينة التي تأن ألمًا وهي تضم رأسها بين يديها :
-احيه يا حمزة فتحت راس البنت
أما عن حمزة فكان في موقف لا يحسد عليه المرء، إذ تفاجئ مثلهم بما فعل حتى انه لا يعلم من التي ضربها هذه وهذا لأنه يقف خلف المقعد وليس امامه
استدار يقف بجانب يوسف وكريم يحدق في هذه الفتاة الغريبة عليهم بالطبع فلا يعتقد أن أحدٌ من فتيات العائلة ترتدي هذه الملابس الواسعة وهذا الخمار الطويل
هذا بالطبع إن استثنى الثلاث فتيات اللواتي يسكن الشقة المقابلة لهم وعلى الأرجح هذه واحدة منهن :
-مين دي؟؟
اقترب منها يوسف يحاول تفحصها فقد تكون اصيبت بجرح أو ما شابه، لكن الأخرى انتفضت واقفة ما إن رأته يهم بلمسها فقال الآخر بهدوء :
-اهدي انا دكتور، ممكن يكون حصلك جرح أو ورم ولا انتي كويسة؟؟
اجابته الأخرى بأنها بخير تدلك رأسها بتألم وفي الواقع هي ليست بخير فتشعر أن رأسها قد شُطر إلى نصفين، رفعت نظرها تنظر إلى من سأل عن هويتها وبالطبع هو من ضربها
حمحم حمزة يرى الأخرى تحدق به بأعين تقدح غضبًا فعلم ما إن رأى ملامحها أنها ليست من الثلاث فتيات :
-احم آسف مكنتش اقصد اضربك انتي، اصل كريم كان قاعد مكانك وكنت اقصده هو
لوى كريم شفتيه بسخرية ثم قال :
-لدرجة دي نظرك اتلحس من الكتب لدرجة مبقتش عارف تفرق اللي قدامك راجل ولا ست
نظر إليه الآخر بنظرة مخيفة مشيرًا إلى الكتاب المقطوع في يده فقال كريم يبرئ نفسه :
-مش انا والله هو انا أقدر أقرب من كنوزك الثمينة تلاقيها رحمة أو ابن غادة
وهذا لم يكن مبرر كافي له فأخيه يجن بالمعنى الحرفي إن اقترب أحدهم من كتبه، وما نَجَده هو دخول والدته رفقة زوجة عمه محمد "والدة يوسف" فقالت والدته ولم تلاحظ وقوف نور بسبب وقوف رقية أمامها فالأخرى طويلة بينما نور قصيرة :
-ايه يا أولاد عثمان ومحمد جم، عرفوا إذا كانت البنت لسه عايشة ولا لأ
أشار كريم إلى نور التي لا تزال تضع يدها رأسها لشعورها بالدوار :
-معاكي المرحومة بذات نفسها يا ماما
ابتعدت رقية من أمام نور لتتضح للأخرى من تقف خلفها حيث ابصرت فتاة ذات جسد نحيف أسفل هذا الفستان الزهري الواسع بعض الشئ وترتدي خمار منقوش بالأبيض والزهري يحيط بوجهها القمحي المستدير فقالت "عبلة" والدة يوسف ورقية متسائلة :
-انتي نورهان بنت علي صفوان؟؟
آماءت لها ببطء بسبب ألم رأسها تقاوم هذا الدوار والألم الذي بدأ يتراكم في جسدها، تريد حقًا أن تلقي بثقلها على فراش حتى تريح جسدها المسكين، دارت بعينيها بين الاثنتين لا تدري من منهما "الأستاذة ناهد" والتي هي السبب في مجيئها من الصعيد إلى الإسكندرية
اقتربت منها المرأة الأخرى داعية إياها للجلوس :
-حمد الله على سلامتك والحمد لله انك طلعتي سليمة من الحادثة ده، اقعدي اقعدي واقفة ليه
امتثلت نور لكلامها وجلست فقالت الأخرى مبتسمة :
-انتي عارفة انا مين؟ انا ناهد اللي كلمت مامتك
-انتي مس ناهد؟!
اومأت لها الأخرى فقالت نور صادمة اياها بحديثها حين قالت :
-يا ريتك ما قولتيلي آجي دي كانت ساعة سودة لما ركبت القطر اهو عمل حادثة، والعربية اللي جابتني عطلت في طريقة صحراء في الشمس، والاسنسير عطل ربع ساعة، والبني آدم ده ضربني على راسي حاسة إنها ورمت، انا خلاص غيرت رأيي رجعوني البلد أمي كان معاها حق لما رفضت أروح من أساسه
توجهت الأبصار ناحية حمزة الذي أشارت إليه نور لتقول ناهد بذهول :
-انت ضربتها!؟
مسح الآخر وجهه بضيق صائحًا بهم :
-والله ما اقصد كنت فاكرها كريم
-ليه هو كريم بيقعد بطرحة في البيت
هتفت بها والدته بهذه الجملة ساخرة فقال كريم لاويًا شفتيه بسخط وهو يتجه خارج الشقة بأكملها :
-ايه قلة القيمة دي، والله لأسيبلكم البيت وامشي ومن غير سلام عليكم
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
سار بين التجمع متجهًا ناحية هدفه بدقة ولا يحيد ببصره يمينًا أو يسارًا، تكثر الاقاويل حوله من الناس منها ما تلتقطها أذنيه ومنها ما لا تلتقطها، فهذا هو الشعب المصري يمارس عادته المحببة وهو الفضول
حتى ولو فضولهم يقودهم لرجل يفجر نفسه بقنبلة، يتجمهرون حينها من حوله حتى يشاهدوا ماذا سيحدث
وصل إلى النقطة التي يتجمعون حولها حيث كان هناك سيدة مذبوحة وملقاة بالقرب من البحر وقد زعم بعض الشهود أن هناك من ألقى بجثتها من السيارة وفر ولم يستطع أحد أن يعلم حتى أرقام السيارة
تنهد بحيرة يبصر الضحية الرابعة عشر في هذا الشهر فقط وفي كل مرة يجدوا الجثة من مكان مختلف ولا علاقة لها بالأخرى، وهذا يصعب إيجاد القاتل، كما أنه لا يقتل جنس معين ولا يترك خلفه أي بصمات أو دليل يوصلهم لطرف الخيط حتى
دار حول الجثة المغطاة بغطاء أبيض ملطخ بالدماء يستمع إلى تقرير الطبيب الشرعي بجانبه :
-مساء الخير يا يونس بيه ضحيتنا النهاردة سيدة في الأربعين من عمرها اتقتلت بنحر في رقبتها لدرجة دقيقة جدًا بتبين أنه محترف ومش أول مرة يقتل
-طبيعي مش أول مرة يقتل ده قاتل في الشهر ده ١٤ واحد وقبل كده عشرات بقى بس زاد أوي عن حده الأيام دي
تساءل الطبيب بحيرة إذ قال :
-يونس بيه ليه متأكدين انه واحد اللي بيعمل ده كله ممكن يكونوا أكتر من واحد، حضرتك المخدرات لحست دماغ الشباب، وممكن يوصل الأمر عندهم للقتل علشان يوصلوا للسم بتاعهم ده
نفى الآخر وحدسه يقول ان الفاعل شخص واحد، لا يدري أذكر هو أم أنثى لكنه شخص واحد وهذا ما توصل إليه حتى الآن منذ امسك بالقضية :
-لأ واحد اللي بيعمل كده علشان بيستهدف طبقة معينة لو اخدت بالك كل اللي اتقتلوا من طبقة السياسين ورجال الحكومة والإدارة، هو مقتلش لحد دلوقتي رجل سياسي أو نائب أو مدير وإنما بيقتل القريبين منهم زوجاتهم، ولادهم، اخواتهم
-شكله منفسن منهم وإن جيت للحق يا يونس باشا كتير بيكرهوا السياسين ورجال الدولة علشان ظلمة حتى المذيعين بقوا طبالين ليهم
-طب اسكت وكمل شغلك اعرفلي الست دي اسمها ايه وتبع مين المرة دي علشان اتكلم مع أهلها
نظر الآخر إلى ملامح يونس المتعبة رغم جدية ملامحه ليقول بإشفاق :
-بس يا يونس باشا انت بقالك أربع أيام مطبق محتاج ترتاح
رفع الآخر يده يعتصر أعلى أنفه حتى يسكن هذا الصداع ولو قليلًا فهو مستيقظ منذ أربعة أيام بالفعل ولم ينم إلا سويعات قليلة :
-ما انت شايف أهو قدامك، هو انا ملاحق على اللي بيقتلهم كل يوم، انا مش عارف بيلحق يختارهم ويخطفهم ويقتلهم امتى
استمع إلى صوت مألوف له فاستدار مبصرًا شقيقته تحاول المرور من العساكر فزفر بضيق ساخطًا على من اختار لها الصحافة لتدرسها، أشار يونس للعساكر بأن يدعوها تأتي
فدلفت رقية متعدية هذا الشريط الأصفر، رافعة كاميرتها حتى تلتقط عدة صور للجثة من أجل تقريرها الصحفي تزامنًا مع قولها :
-اهو دي فايدة أنه الواحد يبقى عنده واسطة
همت بإلتقاط عدة صور لكن يد يونس كانت حائل إذ اخفض الكاميرا مانعًا إياها من إلتقاط أي صورة فقالت الأخرى بإعتراض :
-ايه يا يونس متقطعش عليا أكل عيشي يا جدع
تنهد الآخر بغيظ من أفعالها المجنونة هذه :
-انتي بتعملي ايه هنا؟ ونازلة من البيت الساعة عشرة بالليل يا رقية دي أفعال دي؟!
-الله ما انت اهو في نفس الساعة بل وبقالك أربع أيام برا البيت
-انا ظابط وده شغلي
فرقعة الأخرى اصبعيها تكمل جملته بعدما استغلتها لصالحها :
-وانا صحافية وده شغلي زي ما انتي بتجري على أكل عيشك انا كمان بجري على أكل عيشي وسع بقى
رفع يونس إحدى حاجبيه هاتفًا بعدم رضا :
-ايه كلام بياعين الفجل ده!؟ امشي يا بنت روحي البيت وحاولي تقللي قعادك مع البنات اللي جايين من الصعيد دول كلامك بدأ يتغير
قهقهت الأخرى تلتقط صورة للجثة رغمًا عنه تزامنًا مع قولها :
-مش منهم علفكرة ده بسبب اختلاطي بالناس يوميًا، ده انا لسه كنت في البحيرة النهاردة عند حادثة القطرين اللي حصلت
اتسعت عيني الآخر بذهول لا يصدق هذه الأفعال، ألهذه الدرجة وصلت شقيقته بسبب هوسها بالأخبار :
-سافرتي البحيرة لوحدك يا رقية!؟
-جه الموضوع بفايدة علفكرة جبت البنت نور معايا والله أعلم كان هيجرى للبنت ايه وحدها
-انتي بتقولي ايه؟ مين نور دي؟
شعر حقًا بالغرابة مما تقول فأجابته رقية وهي تكشف عن وجه الجثة دون خوف أو اشمئزاز قائلة :
-دي بنت عم براءة والبنات كانت جاية في قطر الصعيد اللي عمل حادثة وشوفتها هناك، أوه ماي جاد دي حرم السياسي سامح شلبي!!
عقد يونس حاجبيه بتعجب :
-عرفتيها ازاي؟؟
-عيب عليك اختك تعرف نص البلد زي ما عرفت برضو ان السفاح قتل ضحية جديدة، أصل معارفي كتير
غطتها كما كانت بعد أن ألتقطت لها صورة فقال يونس بتعب يشعر أنه يرى تشوش والصداع أصبح يدق رأسه كمطرقة وسندان :
-طب يلا علشان اروحك وأروح انا كمان حاسس اني الأصوات بدأت تدخل في بعض
-طب سؤال أخير بس من صحافية للظابط اللي ماسك القضية تفتكر مسار السفاح ده ايه
اجابها الآخر بما يدور في عقله بصراحة مفرطة :
-ماشي على خط هيروين بيشمه كل يوم، مستحيل اللي بيعمل كده يبقى شخص عادي اكيد مبرشم، ويلا نروح بقى علشان بدأت أهلوس
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثالث 3 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
نزلت الفصل الجمعة لأني السبت عندي اختبار ومش هكون متفرغة، اتمنى يعجبكم واعرف رأيكم 👀 ❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
خطىٰ إلى داخل الشارع يتفادى الطين وبركات المياه الملوثة الناتجة عن سكب الماء المستمر من نساء هذا الشارع واللواتي يجلسن الآن أمام البيوت في جلسة نسائية هدفها النميمة والغيبة وفلانة قالت وفلانة فعلت
آخٍ على هؤلاء النساء لو يعلمن أن أفعالهن هذه ستلقي بهن في جهنم لجلسن في بيوتهن دون كلمة، ولكن من تنصح وهو كالداء في عقولهن
-اتفضل يا أستاذ عمر السندوتشات
تناول منه هذا المسمى عمر بعض شطائر الفلافل التي ابتاعها من أحد الباعة المنتشرين _في هذه المناطق الشعبية_من أجل أن يتناول إفطاره، نظر حوله إلى الأطفال والنساء والباعة المتجولين، هنا تجد كل ما هو غريب وعجيب والضوضاء منتشرة في كل مكان فلا تصم الضوضاء إلا في وقت الفجر تقريبًا
يسأل نفسه للمرة الألف وخمسمائة تقريبًا لما يسكن في هذه المنطقة الشعبة في حال أن لديه شقة كبيرة ورثها عن والديه المتوفين موجودة في منطقة أرقى من هذه بكثير
ألأنه سئم الوحدة هناك وأجواء الصمت التي تكاد تبتلعه بعد أن فقد والديه وأصبح أخاه يتصل عليه كل أسبوع مرة حتى يطمئنه أنه لا يزال على قيد الحياة؟؟
أم لأنه لا يريد ترك الشخص الوحيد المتبقي له من رائحة والدته "جدته" والتي ترفض رفضًا قاطعًا ترك هذا المستنقع وأن تعيش معه في منزله، وكلما فاتحها هو وأخيه في الأمر قالت :
-انا عايزة اعيش عيشة ابويا وامي وأعيش وأموت هنا، عايزين تبقوا معايا أهلًا بيكم أحفادي حبايبي، معجبكمش الوضع وسبتوني لما اموت هقول لامكم الله يرحمها معرفتيش تربي يا زينب ولادك العرر سابوني لوحدي وراحوا يسكنوا في بيت ابوهم اللي بيطل على البحري
تمشى في الشارع بإتجاه المقهى الشعبي المعروف في العادة بإسم "قهوة" حيث يجلس الشباب والرجال بالساعات إليها فهي الحضن الحنون للرجل حينما يشعر بالضجر من زوجته وعائلته
وعكس جميع الموجودين جلس هو في ركن على طاولة بمفرده طالبًا طلبه المعتاد :
-الشاي بلبن بتاعي يا ابني ومتنساش الشفاطة
أخرج حقيبة مستطيلة الشكل تشبه الوسادة وقد كانت هذه الحقيبة بداخلها جهاز الحاسوب المحمول الخاص به والذي يعامله عمر كحبيبته أو ربما أكثر فهذا كل حياة عمر بالنسبة إليه
أتى الصبي الذي يعمل في المقهى وضع أمام كوب كبير من الشاي بالحليب الذي لا يشربه أحد سوى هذا الشاب الذي يأتي بشكل يومي الي المقهى منذ أكثر من عامين ويجلس على نفس الطاولة ويفعل نفس الشيء ألا وهو اللعب على هذا الجهاز لساعات
لو يدري هذا الصبي أن من أمامه لا يلعب في جهازه فقط بل يفعل ما يقلب البلاد بشكل مستمر فأصبح لمواقع التواصل الإجتماعي أهمية غير طبيعية في المجتمعات بأكملها لا هذا المجتمع فقط
وعكس جميع البشر كان هذا الشاب بالتحديد لا يروق له الجلوس على حاسوبه والعمل عليه إلا في وسط الضوضاء ولم يجد مكان أنسب من مقهى شبعي في وسط منطقة من مناطق باقوس الشعبية حيث لا ضوضاء أشد من هنا
فها هناك بعض الشباب يشاهدون أحد مباريات كرة القدم التي لا تنتهي، وهناك بعض الرجال "يشيشوا" وهناك وهناك وهناك فهنا كما قولت الحضن الحنون للرجل فستجد به كل الأنواع
وبين كل هذه الضوضاء كل هو يمارس شغفه الوحيد في هذه الحياة، نشر فساد كل فاسد ونشر فضائح كبار الدولة من لا يستطيع أحد إمساك شئ عليهم، ومن يستطيع لا يستطيع فتح فمه والتفوه بكلمة
ارتفعت ابتسامة على وجهه وقد كانت خبيثة بشدة ليضغط على زر من أزرار الحاسوب ناشرًا فضيحة لأحد أبناء السياسيين وصور له وهو يتناول المواد المخدرة
امسك بكوب الشاي واضعًا القشة "الشالموه" في فمه وكان هذا المنظر أشبه بطفل في السابعة من عمره لا شاب يبلغ من العمر ستٌ وعشرون عام
اتسعت عينيه الغامقة بذهول مضحك يرى كم السباب التي يكتبها الناس في التعليقات فقد رأى الصور أكثر من خمسة آلاف شخص في هذه الدقيقة فقط ولا تسأل كيف فالناس يعشقون هذه المنشورات فلا أحب على قلبهم من رؤية فضائح الناس والتحاكي بها
أبعد القشة عن فمه ضاغطًا على بعض الأزرار ناشرًا المزيد من الصور له في أوضاع أخرى وهو يحتسي بعض الخمر، وهو يشرب السجائر الملفوفة بذلك النبات المخدر
عاد وامسك بالقشة مبتسمًا بسعادة :
-يلا مبروك عليك الفضيحة يا كتكوت بابا
أعاد رأسه للخلف وهو يسحب الشاي بالحليب من خلال القشة والسعادة ظاهرة على وجهه، وأقول لكم سعادة لا شماتة فهو لا يفعل هذا من أجل انتقام أو ما شابه بل هو أشبه بمهووس إنترنت والأخبار، وللحق ما يفعله هذا يجني من خلفه الكثير من الأموال
فالملايين من يشاهدون منشوراته وفيديوهاته التي ينشرها لأولئك الحثالة المدللين أبناء كبار الدولة، والذين افرطوا في دلالهم لأبناءهم لدرجة وصلت إلى فسادهم
لا يدري حقًا لما يفعل هذا لكن ما يعلمه أنه وما إن يعلم الناس بحقيقة أولئك الناس الذين يدعون الشرف وهم في الواقع في قاع المجتمع من شدة دناءتهم، يصبح حينها في أوج لحظات سعادته حتى بات يشعر أنه مريض نفسي
كم من مرة حاول أهالي هؤلاء الأولاد الوصول إليه من أجل قتله بالطبع، ولكن يفشلون في هذا فكما قولت لكم هو مهووس بالإنترنت وقرصان محترف ينشر الخبر من صفحة على موقع مهم وفي دقيقة تختفي تمامًا وكأن لم يكن لها وجود
وفي الأسبوع الذي يليه ينشر فضيحة أخرى عن مدلل آخر وهكذا هي حياته منذ تقريبًا أن فقد والديه، قلب على الموقع قليلًا ليرى خبر ضحية جديدة عن سفاح إسكندرية، عقد حاجبيه بتعجب متمتمًا بغيظ :
-هو فيه ايه؟؟ هو الجدع ده مش يناوي يبطل قتل فيهم، طب لما هو يقتلهم انا أفضح مين بعد كده
نظر إلى صاحب المنشور ليرى انها صفحة عامة لإحدى الجرائد ومن كتب المنشور هو :
-رقية الهواري صباحك منيل النهاردة
امسك بهاتفه سريعًا يتصل على رقم غير مسجل عنده ليأتيه صوت فتاة ناعس فقال ساخرًا :
-ايه صحيت البطة من النوم قومي يا أختي وفوقي كده مش كل ما اتصل تبقي نايمة وتقفلي في وشي
اعتدلت رقية من فوق الفراش تفرك وجهها بضيق وقد علمت من المتصل من صوته، هي لا تعلم جيدًا من هو لكنه يتصل عليها كل صباح منذ أسبوع تقريبًا ولا يكمل جملتين إلا وتغلق في وجهه لظنها أنه ظريف يريد أن يتحدث فقط كأغلب الأرقام الغريبة التي تتصل لكن هذا يتصل في الصباح لا في الليل :
-مين انت بقى، قدامك خمس ثواني لو مقولتش مين هقفل في وشك وآخرك بلوك زي كل يوم
-ليه خمس ثواني كتير من وقت معالي الوزيرة خليها ثانيتين بس
نظرت إلى الهاتف بغيظ لتغلق في وجهه وتلقي برقمه في سلة المحظورات ثم عادت تنام مرة أخرى، ولم تكتمل راحتها لدقيقة واحدة إلا وكان صوت هاتفها يعلو فامسكت به ونظرت إليه بذهول
أنه يتصل من نفس الرقم كيف وهي حظرته الآن بل لحظة هي تحظره كل يوم ويرن من نفس الرقم، اجابت بسرعة وقبل أن يتحدث هو تحدثت هي هاتفة بتعجب :
-هو انت هاكر!؟
-وانتي مال أهلك، انتي رقية هواري ولا لأ؟؟
-اقدر اقولك وانت مال اهلك، بس مش هنزل بمستوايا لواحد زيك، انا هي عايز ايه
-عايز الفلاشة بتاعتي اللي سرقتيها
عقدت الأخرى حاجبيها بعدم فهم لتقف سريعًا متجهة إلى حقيبتها مفرغة ما بها وهي تستمع إلى صوته في الهاتف يكمل حديثه اللاذع :
-الفلاشة اللي سحبتها من اللابتوب بتاعي وبعدها فلسعتي زي الفار
ابتلعت الأخرى هذه الإهانة ونظرت إلى الفلاشة التي بيدها وقد كانت على شكل موزة لتقول بتعجب :
-هو انت بتاع الفلاشة؟ انتي جبت رقمي منين!؟
-وانتي يخصك في ايه انا عايز الفلاشة
استندت الأخرى على السراحة تحدق في فلاشته هذه هاتفة بضيق :
-يا عم هجبهالك ثم انا مسرقتش حاجة انا استعرتها بس مش أكتر
-يا راجل ليه هو انا ببيع كتب، اشحال ما كانت الكاميرات جابتك كنتي قولتي اشترتها منك
زفرت رقية بضيق شديد متمتمة بغيظ وهو تبعد الهاتف قليلًا :
-ايه يا ربي الأشكال اللي نصطبح بيها دي
-سمعتك علفكرة بقولك ايه انا عايز الفلاشة، مكان ما اخدتيها تجيبيها
ابتسمت بتهكم هاتفة بلباقة تضطر أحيانًا التعامل بها من أجل أن تصل إلى ما تريد :
-طب انتي عصبي كده ليه حضرتك ده انا حتى بتكلم بذوق، انا استعرت منك الفلاشة علشان شوفت عليها صور عجبتني لما كنت موجودة في الكافية اللي كنت فيه انت كمان، وتسلم ايدين اللي صور بصراحة فكنت هاخد نسخة من الصور وهرجعلك الفلاشة ويا دار ما دخلك شر
مسح عمر وجهه بضيق من هذه اللصة المتصنعة ليقول بنبرة ساخرة :
-ده على أساس انك عرفتي تفتحي الفلاشة أساسًا
-بصراحة لأ ده حتى اخدتها لكذا حد وقالي لو الباسورد اتفك كل حاجة عليها هتتمسح فأنا هرجعلك الفلاشة بس تديني نسخة من الصور بيس يا مان
-هو انتي ليه محسساني انك بنت خالتي والفلاشة عليها صور رحلة عائلية في البحر وعايزة نسخة منها، ده انتي حرامية يا بت
اشتعلت أعين الأخرى بشدة لتقول بغضب :
-طب اشرب من البحر معنديش فلاشات
كادت أن تغلق في وجهه لكنها تراجعت عندما هتف الآخر من الجهة الأخرى وهو يعبث في الحاسوب أمامه :
-رقية محمد هواري 23 سنة متخرجة من صحافة وبتشتغلي في جريدة الوطن بس شغلك كله على السوشيال ميديا، عندك أخين أكبر منك ووالدك دكتور متقاعد بس عنده مركز طبي، ووالدتك موظفة حكومية، وساكنين في ميامي تحبي اقولك رقم العمارة اللي هي اصلًا ملك والدك وعمك ولا وكفاية كده
نظرت إلى الهاتف مرددة بفزع :
-انت مخابرات ولا ايه!؟
-ملكيش فيه هتجيبي الفلاشة ولا اجيبك انا من قفاكي
عضت رقية اناملها وهي تفكر في حل وسط لتقول بعد دقيقة كاملة من التفكير :
-طب ماشي هقابلك في نفس الكافية النهاردة الساعة عشرة الصبح
-وإن مجيتيش؟؟
-يا عم هاجي خلاص بقى
اغلقت معه وظلت تحدق في الفلاشة بيدها لتلقي بها داخل الحقيبة ثم خرجت حتى تعد شيئًا تأكله فلا تستطيع التفكير وهي على معدة خاوية، خرجت إلى البهو لتجد شقيقها يونس فقط يجلس شارد وفي يده سيجار فقالت وهي تتجه ناحية المطبخ :
-أكيد بابا مش هنا علشان كده مولع سيجاره
لم يجبها بل ظل على وضع الشرود إلى أن خرجت من المطبخ وفي يدها عدة شطائر قد اعتدهم والدتها قبل أن تذهب إلى العمل لعلمها انها فاشلة في كل ما يخص المطبخ، وإن دلفت اليه لن تعد شيئًا صالحًا للأكل بل ستفسد كل شئ
اخذت تسعل بسبب الدخان المنتشر في البهو فقامت بفتح أحد النوافذ هاتفة به غاضبة :
-ما تطفي يا عم البتاعة دي حرام عليك يا يونس صحتك وصحتنا، مش عارفة انا مين اللي بلاك بيها
اطفأ الآخر السيجار حتى قبل أن ينهيه ثم تنهد بحيرة شديدة وهو يعيد رأسه على ظهر الاريكة فقالت رقية وهي تعطيه شطيرة :
-خد خد بدل ما انت مصطبح على السجاير اللي حاسة اني ابوك هيكشفك في يوم وانت عارف انه هو بيكرهها
نظر إليها رافعًا إحدى حاجبيه بعدم رضا :
-انا عندي تسعة وعشرين سنة علفكرة
-اومال مش بتشربها قدامه ليه
-احترام مش خوف
قطمت رقية من الشطيرة بغيظ فأخيها عنيد بشدة ولا يرضخ لأي شئ بسهولة، وهو عكس يوسف توأمه تمامًا فالشبه الوحيد بينهما هو الملامح غير هذا لا يوجد، لا طباع ولا شخصية ولا حتى في طريقة الحديث
عقد يونس ذراعيه ناظرًا إليها بتساؤل ثم قال :
-انتي كنتي بتكلمي مين في التليفون من شوية
-شغل شغل
-طيب انا رايحة الشغل أوصلك في طريقي يوسف ساب العربية
هتف بها وهو يتجه إلى غرفته وقد أخذ بقايا سجائره معه حتى لا يكتشف والده أنه يشربها، بينما اجابته رقية وهي تفكر في صاحب الفلاشة ذاك وكيف يعطيها الصور التي عليها والتي سوف تنقلها نقلة اسطورية في عملها :
-لا اتكل على الله انت انا مش هروح دلوقتي بس أمانة عليك لو السفاح قتل حد تاني ابقى اتصل عليا اختك غلبانة وبتجري على أكل عيشها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
اخترقت أذنيها ضوضاء غير معتادة عليها سببت لها الأرق فاستقامت من على الفراش تحدق فيما حولها بأعين ناعسة لتجد نفسها في منتصف غرفة راقية بشدة وكأنها قد دلفت إلى التلفاز
فركت شعرها المعقود على شكل ثلاث ضفائر وأخذت تحك به وكأنها جرباء وفي الواقع هي ليست كذلك وإنما هذه هي تعاني من "قشرة الشعر" لعنة الشتاء كما تطلق عليها
تنهدت بصوت مسموع وهي تقف من على الفراش حتى تغلق هذه النافذة التي تأتي ببرودة وضوضاء ليستوقفها أحد أندر المناظر التي قد يراها المرء في حياته
تسللت الإبتسامة إلى وجهها تبصر منظر مبهج للبحر، منظر لم تره طوال حياتها الثلاثة والعشرون فحتى في تلك المرة التي أتت بها إلى مدينة الإسكندرية لم ترى البحر بهذا الجمال، محظوظ من يسكن هذه المنطقة من صفوة المجتمع فما بالك بمن لديه بناية كاملة
استدارت على صوت فتح الباب لتجد شقيقتها متجهزة للخروج وعندما لم تجدها في الفراش قالت :
-كويس إنك صاحية المفتاح في الباب انا ماشية لو عوزتي حاجة اوعي تتصلي عليا بقفل التليفون في المحاضرات ابقي اتصلي على براءة
-ده على أساس انكم بتردوا قوي ثم هتمشوا كلكم وتسبوني
-براءة راحة الشغل وشروق سبقتني على الجامعة علشان محاضرتها قبلي، وانا ادينا رايحة بس قولت اشوفك صحيتي ولا لسه مقتلولة من عشية
فركت الأخرى وجهها بخمول شديد تجلس على الفراش بإهمال :
-كنت حرفيًا على تكة ويغمى عليا وانتوا وعمتكم مسبتونيش غير لما قولت كل حاجة
عدلت عائشة خمارة أمام المرآة للمرة السابعة والعشرين تقريبًا ثم قالت :
-طيب انا هاروح عايزة حاجة
وقفت نور بسرعة رغم أنها تشعر أن عظامها تؤلمها كثيرًا من حادث البارحة :
-ايوه انا برضو لازم امشي بس مش عارفة طريق المدرسة منين
-يا بنتي ارتاحي الأول هتطير المدرسة اللي مقولتيش عنها حاجة يا ندلة
-يا ستي لازم اروح ضروري المس ناهد قالتلي إنها قالت للمدير اني هبقي بكرة اللي هو انهاردة، مينفعش مروحش ثم بكرة الجمعة يعني هرتاح بعدها يومين
نظرت عائشة إلى ساعتها لتقول بإستعجال :
-تمام هاروح انا علشان اتأخرت الشقة اللي قدامنا هي شقة مس ناهد ولسه مراحتش المدرسة روحي معاها
لم تنتظر اجابتها ورحلت لتقول وهي تتجه لخارج الشقة :
-اوعي تنسي تقفلي بالمفتاح يا نور وخلي المفتاح معاكي
وهكذا رحلت تاركة إياها تقف في هذا المكان الغريب وحدها لا تدري ماذا تفعل ولا اين تذهب حتى، ولكن ما باليد حيلة لتعتمد على نفسها كما تفعل دائمًا فإن لم تكسب من هذه التجربة الجديدة شيئًا فماذا ستخسر
أما خارج الشقة اتجهت عائشة بخطوات سريعة إلى المصعد وما إن دلفت حتى وجدت من دلف خلفها ضاغطًا على زر الهبوط لتجد نفسها بمفردها داخل المصعد معه وهذا ما هو غير مقبول تمامًا بالنسبة إليها
وقبل أن تخرج تاركة له المصعد بأكمله انغلق استعدادًا للهبوط فعادت للخلف متأففة بضيق وكل هذا أمام نظراته المتعجبة من تصرفها هذا فقال وهو يشم سترته الشبابية :
-هو فيه ايه؟؟ هو انا جربان ولا ريحتي معفنة!؟
لم تحسب عائشة أنه يكلمها أو هي من تصنعت أنها لم تنتبه فتمتم بينه وبين نفسه وهو يتكئ على الجدار :
-يبقى العيب فيها هي مش فيا
ولأن المكان كان ضيقًا سمعته الأخرى ومن طباعها أنها لا تصمت ابدًا على إهانة توجه إليها حتى لو بنظرة فقالت بصوت حاد :
-لا فيك ولا فيا بس انا مكنتش عاوزة اركب الاسانسير معاك علشان هتبقى خلوة
فُتح المصعد فخرجت دون إضافة كلمة أخرى تاركة الآخر يحدق بها ببلاهة يسمعها تقول وهي تتحرك إلى خارج البناية :
-غبي ما كفاية أنه قارفني كل ليلة بصوت التلفزيون هيبقى قرف صبح وليل
انتفض كريم للخارج ولم يعجبه أبدًا أن تتحدث عنه بهذه الطريقة وما إن خرج من البناية وجدتها قد ابتعدت لأمتار وإن تحدث لن تسمعه فقال مذهولًا :
-ايه السرعة دي ثم اعرف منين اني صوت التليفزيون مضايقها كانت قالت من غير شتيمة
رفع منكبيه بعدم إهتمام متجهًا إلى دراجته النارية والتي ابتاعها له والده بشكل خاص حين حصل على مجموع مرتفع في الثانوية دلف به إلى كلية الصيدلية
وضع الخوذة على رأسه وقد وسوس له شيطانه بإخافتها بالدراجة فاعجبته الفكرة وكاد أن يفعل هذا بالفعل ولكنه تراجع على آخر لحظة مبتعدًا عنها حتى لا يظنه الناس يحاول التطاول عليها أو ما شابه وهو ليس من هذا النوع من الشباب...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقفت على باب المدرج تتنفس بصوت مرتفع ساببة نفسها بداخلها على تأخرها في الاستيقاظ وقد انتهى بها الأمر تركض على الدرج من أجل أن تصل قبل وصول معيد المادة، ويا فرحتها وصلت في نفس وقت وصوله فها هي تقف أمام المدرج وهو أمامها
رفعت يدها ملقية عليه تحية الصباح وهي بالكاد تستطيع التنفس فخرجت الكلمات منها مبحوحة بشدة فقال الآخر بهدوء شديد :
-خدي نفسك الأول وبعدين ابقي قولي صباح الخير يلا ادخلي
دلفت شروق ولم تجلس في مكانها المعتاد هذه المرة، ثم دلف خلفها المعيد ملقيًا تحية الصباح بلباقة معتادة منه ليقول بعد أن أخذ كشف الحضور وسجل الغياب :
-مين عنده جرأة يطلع يشرح اختصار مبسط لمحاضرة إمبارح
ولم يتلقى الآخر سوى صدى صوته لشدة الهدوء الذي حل عليهم فقال وقد احتل الجمود ملامحه :
-تمام المدرج كله يكتب شرح مبسط عن المحاضرات اللي فاتت كلها في ورق خارجي، واللي هيعك ويكتب اي فتِي من عنده هينقص في الدرجات
وكما حل الهدوء فجأة، علىٰ الاعتراض فجأة فطرق الآخر على مكتبه صائحًا في مكبر الصوت :
-طب تمام حلو نص ساعة والتلخيص يبقى مكتوب، وباقي وقت المحاضرة هختار بشكل عشوائي من الكشف مجموعة يطلعوا يقروا اللي كتبوه قدامي، ما هو انا مش بشرح بقالي شهر وانتوا نايمين في العسل
اخرج الطلاب أوراق فارغة مجبرين على هذا ومن ضمنهم كانت شروق التي أخذت تسب بداخلها فلم تراجع شيئًا من المحاضرات الفائتة وأولهم محاضرة أمس، فسبب انشغالها مع نور والذي حدث لها وشرح لما أتت إلى الإسكندرية، كل هذا انساها أن تراجع المحاضرة
ولكن ما باليد حيلة حالها كحال البقية عليها أن تكتب ملخصًا لجميع المحاضرات الفائتة حتى ولو كانت ستكتب وصفة المكرونة بالصلصة في المنتصف من أجل أن تُكثر ما ستكتبه
ولا تتعجب أيها القارئ لقد فعلت هذا بالفعل لظنها أنه مثل باقي المعلمين سيصيبهم الكسل من قراءة أكثر من مئة ورقة وسيفوت بعض الأوراق لشدة الضجر
ولحسن حظها لم يقع الأختيار عليها لتخرج وتشرح ما كتبت، لكن ما لم تحسب له حساب أنه سيجلس ويقرأ ما كتبه الطلاب بينما يستمع إليهم في آنٍ واحد، أجل صدق أو لا تصدق فهكذا هو الدكتور عاصم ذو تركيز شديد ورجاحة عقل ولا يمر شئ من أسفل يده بسهولة ويا ويله من يتذاكا عليه
لو كانت القاعة يعمها الصمت لأستمع الجميع إلى دقات قلبها التي تقرع برعب وعينيها معلقة بالورق في يده، ربي أين كان عقلها عندما كتبت تلك الحماقة داخل الورقة، هي راسبة في هذا لا محال فقد قالها بلسانه أي حديث خارج في الورقة نتائجه صفر كبير
اتسعت عينيها بخوف تراه ينظر إليها رافعًا إحدى حاجبيه، كلا ليست هذه النظرة التي تجعلها تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها، وضعت كفيها على رأسها تخبئ وجهها تتمتم بينها وبين نفسها :
-يارب يضربونا بنووي، يارب القيامة تقوم، يارب تنزل عليه جلطة وهو قاعد
رفعت رأسها تنظر إليه لتجده يضع ورقتها على جنب ويكمل ما بيده فقالت وهي تحدث نفسها :
-حطها على جنب علشان يوريها للعميد وهيرحلوني على البلد عند أمي
-انتي بتقولي ايه يا بنتي
هتفت بها إحدى الجالسات بجانبها فقالت شروق بعدم اهتمام لها :
-يا عمة اقعدي على جنب ده انا هاروح في داهية
بمرور حلزون على رمال صحراء قد مر الوقت وبدأ الطلاب في الإنصراف واحدًا تلو الآخر بعد أن انتهت المحاضرة، لتكون هي أول الفارين بالطبع وإذ بصوته يصدح في المكبر باسمها :
-شروق حسين صفوان تستنى
هل إن ركضت الآن ستكون حمقاء أم تأخذ برأي المثل الذي يقول "الجري نص الجدعنة" تحولت الأنظار إليها فتوقفت ترسم على وجهها ملامح هادئة خلفها فأر يحاصره قط جائع :
-نعم يا دكتور
امسك ورقتها ورفعها أمامها هاتفًا بسخرية :
-اي ده حضرتك؟؟
فركت يديها ببعضهما بتوتر تراه ينتظر الطلاب ليرحلوا حتى يقوم هو بتهزئها على ما كتبت ليعطي لها الورقة هاتفًا بجدية :
-يلا سمعيني
اغمضت الأخرى عينيها وأصبحت في منتصف ملابسها كما يقولون فقال الآخر :
-انتي عملتي كده قبل كده ولا دي أول مرة
-ايوه عملت كده في الإعدادي كتبت اي كلام في موضوع التعبير وعداها عادي لأنه مقراش حاجة
وضع كفه على فمه يدعي التنحنح ليخفي عنها ضحكته، لا يدري أيضحك على حديثها أم على لهجتها التي يحب سماعها منها، أخذ ورقة فارغة من دفتره ومدها لها قائلًا :
-اتفضلي ورقة جديدة واقعدي اكتبي من الأول من غير وصفة المكرونة، انا مرضتش اهزئك قدامهم علشان شكلك ميبقاش وحش ومش هعتمد العك اللي انتي كتبتيه وهديكي فرصة تانية
أخذت شروق منه الورقة وحدقت به بحيرة ثم قالت تحاول استعطافه فلطالما كان هذا المعيد متساهل معها منذ أن كانت بالصف الأول، لا تدري لما هي بالذات لكنها تحمد ربها أن هناك من يتعاطف معها يكفي أن المواد صعبة ولا تطاق أسيكون المعلمون ايضًا لا يطاقون :
-طب ينفع أراجع المحاضرات وأكتب الشرح
-لأ هتكتبي دلوقتي وهنا
اتسعت عينيها مشيرة إلى الفراغ حولها فأصبح المدرج فارغ إلا منهما :
-هنا
آماء لها بهدوء مشيرًا إلى ساعة يده :
-قدامك نص ساعة يلا
تحركت مجبرة لتجلس في مكانها مخرجة أقلامها تعيد هذه المأساة مجددًا تدعو ربها ان يلهمها بأي شئ تتذكره من المحاضرات الماضية فها هي فرصة أخرى لها ولا تتكرر الفرص كثيرًا
اتكأ عاصم على المكتب يعقد أصابعه أمامه وعينيه معلقة بها، هذه الفتاة عجيبة تجذبه بشكل غير طبيعي ولا يدري لما، هي ليست بصاحبة جمال عالي فملامحها عادية ببشرة قمحية وأعين بنية غامقة تظهر وكأنها سوداء من بعيد تعلوها نظارة طبية
حتى أن جسدها ليس بجذاب فهي نحيفة وذات طول فوق المتوسط فلا هي قصيرة ولا هي طويلة بشدة
ربما ما يجذبه هو اختلافها لأنه من الطبقة الاسطقراطية ووالده واحد من ملوك الذهب في الإسكندرية بينما هي.... مجرد فتاة أتت من الصعيد العام الماضي لأجل أن تدرس علم النفس والجميع يشهد بأخلاقها
فحتى عندما اتهموها العام الماضي في سكن الطالبات بتلك التهمة التي اشهرتها في الكلية بأكملها، انقذها أخلاقها وشهادة أغلب الفتيات أنه من المستحيل على فتاة في مثل تدينها واخلاقها أن تسرق
وفي النهاية ثبتت برائتها لكنها رفضت الجلوس في سكن الطالبات مرة أخرى ولا يعلم حتى الآن أين تجلس لكنه يرجح أن هناك أقارب لها في الإسكندرية وتجلس عندهم
مرت النصف ساعة بأكملها وهو يراقبها حتى انه تعجب من نفسه كيف لم يرفع عينيه عنها، وقفت شروق من مكانها متجهة إليه وهي تحدق في الورقة تراجع ما قرأته لتمدها له بتردد وعندما سحبها منها هتفت برجاء :
-بالله عليك متعرضش الدرجات بكرة علشان الفضايح ومن ستر عبدًا ستره الله يوم القيامة وسلام عليكم
أخذت نفسها واسرعت للخارج تاركة الآخر يبتسم على حديثها وهو يحدق في أثرها بنظرات لم تكن أبدًا بنظرات معيد لطالبة عنده...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرجت من الشقة وأغلقتها بالمفتاح ثم وضعته في حقيبة الظهر خاصتها ولا تعلم هل هذه النسخة الوحيدة أم مع غيرها نسخة أخرى فهي لا تدري متى قد تعود، نظرت يمينًا ويسارًا بحيرة وأمامها تلك الشقة التي دلفتها البارحة عندما أتت مع رقية
وبشكل تلقائي وضعت يدها على رأسها تتذكر تلك الضربة التي أخذتها من تلك الشاب ذو الشعر الأسود الطويل، بالله لقد آلمتها كثيرًا ولولا أنها كانت متعبة البارحة لما جعلت الأمر يمر مرور الكرام
تقدمت للأمام تقدم خطوة وتؤخر اثنين هي في العادة لا تحب أن تحادث الغرباء أو تطلب منهم مساعدة، تشعر كثيرًا بالاحراج حينها فتتراجع، ولكنها الآن مضطرة فلا تعرف أحدًا في هذا المكان غيرهم
بالإضافة إلى ذلك ناهد هي التي ستأخدها إلى المدرسة لا أحد غيرها لذا لا يوجد أمامها حل آخر، رفعت يدها ورنت الجرس ودقات قلبها تعلو وشعور الإحراج بدأ يتملك منها حتى شعرت أنها تريد أن تتراجع عن فعل هذا
ولكن فات الأوان وانفتح الباب وإذ بفتاة مراهقة تطل من خلفه ذات بشرة حنطية وشعر بني قصير بالكاد يصل إلى كتفيها
ابتسمت لها نور هاتفة بحرج اخفته خلف ابتسامتها قائلة :
-صباح الخير هي مس ناهد موجودة؟؟
هزت الفتاة رأسها بأجل متعجبة من هذه الفتاة المحجبة أمامها وتتحدث بلهجة صعيدية :
-ايوه موجودة اقولها مين؟!
-قوليلها نور علي صفوان وهي هتعرفني
ابتعدت الأخرى من أمام الباب قليلًا مفسحة مجال لها حتى تدلف ثم قالت :
-طب اتفضلي
-لا شكرًا نادي عليها وانا هستنى هنا
رفعت الأخرى منكبيها بعدم اهتمام منادية على والدتها فأتت الأخرى ورأت نور تقف على الباب ويبدو عليها التوتر فقالت مبتسمة لها :
-صباح الخير يا نور عاملة ايه دلوقتي يارب أحسن
-الحمد لله تمام هو المفروض نروح أمتي لسه بدري يعني ولا ايه النظام
رفعت الأخرى حاجبيها مندهشة ثم قالت :
-هو انتي هتروحي؟ انا والله قولت هتبقى تعبانة فمش ضروري تيجي النهاردة
ابتسمت الأخرى تفرك يديها من خلف ظهرها :
-لا معلش عايزة أعرف النظام، كل يوم هيعدي هيتعبتي بعدين ده الدراسة بدأت بقالها شهر
-طب تعالي اتفضلي هلبس الجذمة واعمل كام حاجة ونطلع :
-تمام هستنى هنا
عقدت الأخرى حاجبيها بعدم رضا قائلة :
-وليه تستني قدام الباب تعالي جوا
كادت أن تعترض نور فشئ غريب عليها أن تجلس في منزل لا تعلم به أحد، لا تشعر بإرتياح وكأنها تجلس على نمل، سبقتها ناهد قبل أن تعترض ساحبة يدها إلى الداخل :
-بجد هزعل إحنا قرايب علفكرة تعالي
دلفت الأخرى خلفها تشدد على حقيبتها تزامنًا مع قول ناهد وهي تدعوها إلى الدخول :
-مش عارفة انا ايه الكسوف اللي فيكم انتوا الأربعة ده، اومال لو مكناش قرايب
-شكرًا لذوق حضرتك
هتفت بها نور وهي تجلس على الاريكة متحاشية الجلوس على ذلك المقعد مرة أخرى فقالت تلك المراهقة التي فتحت لها الباب وقد كانت تحمل على ظهرها حقيبة مدرسية :
-يلا يا ماما بقى علشان الطابور
نظرت نور إلى تلك الفتاة فقالت ناهد وهي تشير إليها :
-دي بنتي رحمة أصغر واحدة في أولادي في تانية إعدادي هتشوفيها كتير علشان انتي هتمسكي المرحلة الإعدادية
اتسعت عيني الأخرى نابثة بصدمة :
-المرحلة الإعدادية كلها؟؟
-لأ طبعًا انتي والأستاذ مدحت بس مفيش تالت بصراحة ده احنا لقيناكي بالعافية
هتفت نور ولازلت على صدمتها :
-اسكندرية كلها مفيش فيها مدرس دراسات!؟
-لا مفيش ولا مدرس في الإدارة ولا الإدارات التانية وكنا هنجيب من محافظة تانية ومحدش وافق، وكنت أعرف من أسماء اني واحدة من بنات أخواتها متخرجة من تربية قسم دراسات إجتماعية جغرافيا وتاريخ فاخدت رقم والدتك واتصلت عليها بس بصراحة امك عنيدة أوي أسبوع لحد ما اقتنعت
صاحت رحمة بأن الوقت يمر فذهبت ناهد سريعًا حتى تحضر نفسها بينما نظرت رحمة إلى نور متسائلة :
-هو انتي هتبقى مُدرسة الدراسات الجديدة
آماءت لها الأخرى مبتسمة :
-إن شاء الله ايوه
-الحمد لله ده احنا كنا فقدنا الأمل اننا ننجحوا في المادة دي، ده حتى الأستاذ مدحت تعب من اللف من سنة أولى لتانية لتالتة مش ملاحق يا عيني
اقتربت وجلست أمامها تحدق في ملامحها الهادئة هذه وخجلها وتوترها الواضح :
-بس شكلك كيوت أوي يارب تعرفي تسيطري ومتهربيش مننا
استمعت رحمة إلى نداء والدتها وعلى الأرجح تبحث عن شئ ضائع منها فأسرعت لها وتركت نور جالسة تحدق حولها إلى التصاميم والديكور، يشبه كثيرًا الشقة الأخرى لكن الألوان مختلفة فالأخرى تصميمها شبابي أكثر من هذه
ولكن للحق الشقق هنا جميلة بشدة يكفي المنظر الذي استيقظت عليه هذا الصباح بغض النظر عن الضوضاء التي كانت تأتي من الشارع
تصنمت في جلستها عندما رأت شاب يمر من أمام البهو متجهًا إلى الناحية الأخرى ولكنها لم يرها ولم ترى ملامحه بوضوح ولكن من خلال هذا الشعر علمت من هو
ارتبكت في جلستها وزاد احراجها ولم تعد مرتاحة، فهي بجانب أنها لا تحب الدخول إلى منازل الاغراب تصاب بإرتباك شديد إن كان هذه المنازل يحتوي على رجالًا فحينها تشعر انها تود الفرار وهذا ما كانت تنتويه في هذه اللحظة
إذ وقفت ترفع الحقيبة على كتفها مستعدة للخروج والانتظار في الخارج فاستوقفها صوته رجولي رغم لهجته المختلفة والتي بالنسبة إليها تكون ناعمة عكس الخشونة التي تظهر في نبرة رجال الصعيد المعتادة على سماعها منهم :
-هو مين سايب الباب مفتوح؟؟
استدارت لتجده هو نفسه من ضربها على رأسها البارحة يقف بالقرب من ارائك البهو وفي يده طبق به بعض الشطائر، بينما حمزة تفاجأ من وجودها هنا فليس في العادة يأتين هؤلاء الفتيات إلى منزلهم أو منزل عمهم
فمنذ أن سكنوا في بنايتهم منذ شهر تقريبًا وهن لا يختلطن بأحد ولا يتحدثن مع أحد فحتى رقية هي من تخالط عليهن وليس العكس
أما عن نور فما إن رأته يحدق بها حتى قالت وكأنها تبرر وجودها في منزله :
-انا مستنية المس ناهد علشان تاخدني المدرسة علشان مش هعرف... مش هعرف طريقها
لاحظ أنها تتلعثم في الحديث من شدة التوتر والاحراج الذي أصابها فقال :
-اهدي انا مش هعمل حاجة والله ولا انتي خايفة تضِّربي على راسك زي إمبارح
ختم حديثه بمزاح وعندما لم يبدر منها أي شئ سوى أنها شددت على حقيبتها ولم ترفع عينيها حتى من على الأرض، قال :
-تمام انا هنادي لماما
-ماما
هتفت بها بصوت منخفض بشدة لم يسمعه تكتم ضحكة على هذه الكلمة التي لم تسمع من قبل رجل ينطق بها، أجل هي لا تبالغ ولا تسخر منهم ولكن في العادة الاولاد حتى الأطفال منهم في قريتها ينادون أمهاتهم بشكل اخشن من هذا ولا يقول اغلبهم إلا "أمي أو أما"
(مش بتريق بجد كل الناس على راسي وإنما ببين الفرق بين الصعيد وأهل اسكندرية حتى في أصغر الكلمات👀)
رحل حمزة حتى لا يصيبها بالإحراج أكثر ولكنه استدار هاتفًا بتساؤل :
-أكيد مش مضايقة من ضربة إمبارح صح؟؟
لم تجبه ولم ترفع عينيها حتى فرحل وهو متعجبًا من هذا :
-ايه الهدوء المبالغ فيه ده
أتت ناهد ورحمة لتوصي ناهد ابنها عدة وصاياها المعتادة قبل أن ترحل ومنها لا تنسى النار مفتوحة وتذهب للعمل، لا تنسى المفتاح من الداخل الخ الخ الخ... ويا ليته حتى يستمع لما تقول وينفذ
نظرت إلى نور ثم هتفت مبتسمة :
-يلا
آماءت لها الأخرى مستعدة لهذه التجربة وكلها حماس وقد تناست كل ما حدث البارحة من تعب وأرق نفسي، فها هي مقبلة على واحدة من تجارب حياتها المهمة فلم تُدرس من قبل وهذه ستكون أول مرة لها وفي مدينة مختلفة مع طلاب الصف الإعدادي فترى هل ستكون تجربة جميلة أم لا...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الرابع 4 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
تصبيرة لحد يوم السبت 😊❤️
هبط من سيارته متعجلًا حتى لم يبالي بركنها بل ألقى بالمفاتيح إلى أحد العساكر قائلًا :
-اركن يا ابني العربية وابقى هاتلى المفاتيح
دلف إلى القسم بخطوات سريعة يكاد يأكل الأرض تحت قدميه، لا يصدق إلى ما وصل إليه ذلك السفاح المجنون، يقتل طالبة وفي الجامعة دون خوف أو قلق، سيصاب حقًا بالجنون ان لم يمسك به
لكن ها هناك بصيص أمل من تلك الحادثة فعندما ذبح تلك الطالبة في مرحاض الفتيات كما فهم من الشرطي الذي أبلغه بالأمر، أبلغه أيضًا أنه كان في المرحاض فتاة أخرى شهدت الحادثة وقد رأت كل شئ وهي الآن في مكتبه تنتظره
الشاهدة الوحيدة التي رأت وجه السفاح الذي استغرق من وقته شهر وأكثر من أجل أن يمسك عليه شيئًا '
-يــــونــس
لم يستدر بل توقف في منتصف القسم ضاربًا وجهه بكفه لمعرفته لصاحبة الصوت جيدًا، تلك الكارثة التي هي شقيقته للأسف كيف تعلم بالخبر وتكون في موقع الحدث قبل وجوده هو شخصيًا؟ هل تعين جواسيس في القسم هنا؟؟
استدار ليبصرها تهرول ناحيته وفي يدها كاميراتها العزيزة وعلى وجهها ابتسامة شديدة الإتساع وكأنها ذاهبة إلى نزهة رفقة والديها
وضع يد على خصره والأخرى مسح بها وجهه ليقول من بين أسنانه :
-انتي ايه اللي جابك هنا
اتسعت عيني الأخرى لا تفهم كيف يسأل سؤالًا كهذا لها :
-ايه اللي جابني؟ في مكتبك دلوقتي شاهدة شافت سفاح إسكندرية اللي محدش عارف يمسكه بقاله سنتين وهي الوحيدة اللي شافت وشه، خبر زي ده مش عايزني ابقى موجودة فيه!؟
-انتي اللي عرفك بالموضوع أساسًا ده انا اللي ماسك القضية لسه عارف من نص ساعة؟؟
رفعت إحدى حاجبيه تدعي الغرور وهي تعدل من لياقة سترتها الشتوية :
-يونس لآخر مرة بقولك متسألش سؤال زي ده لصحافية
-طب يا ست الصحافية انتي مش معاكي إذن يسمحلك تشوفي الشاهدة أصلًا فـيلا زي الشاطرة ارجعي جريدتك
امسكت رقية بذراعه بسرعة قبل أن يرحل راسمة على وجهها ملامح استعطاف حيث قالت :
-بس انا اختك يا يونس
-مليش في الوسايط والله أجري بعيد
كاد أن يرحل لكنها تمسكت بذراعه مرة أخرى قائلة :
-طب بص والله مش هاخد ولا صورة هسمعها بس، سيبني استرزق وأكل عيش الله يخليك
-تسترزقي وتاكلي عيش ايه؟؟ هو احنا فارشين خضار في سوق الجمعة!؟
نادى بصوت مرتفع على أحد العساكر فاستبشرت رقية لظنها أنهم سيذهبوا الآن إلى تلك الشاهدة لكن خابت آمالها بل تحطمت حين قال يونس فور أن أتى ذلك العسكري الذي نادى عليه :
-خد ارمي البنت دي في الحجز
سحب ذراعه منها واتجه إلى مكتبه تاركًا الأخرى تنادي عليه ولم يهتم، فتح باب المكتب ليكون أول وجه يقابله هو أكثر وجه تمنى تمزيقه بيديه ولكن للأسف لم تسنح له الفرصة
لم يحتج الكثير من الوقت ليتعرف على صاحب هذا الوجه الارستقراطي "عاصم غانم" أكثر شخص كرهه ولا يعتقد أنه قد يأتي يوم ويصفى قلبه إتجاهه فست أعوامٍ لم تفعل
-ها فين الشاهدة واقف كده ليه
هتفت بها رقية بعد أن أفلتت من العسكري لقولها انها شقيقة يونس وانه كان يمزح لا أكثر، نظرت إلى الناحية التي ينظر إليها أخاه لتتسع عينيه بذهول وفقد سؤال قفز إلى عقلها
ما بال الماضي يلاحق يونس هذه الأيام؟ في البداية عايدة والآن عاصم!؟
دارت بسرعة بعينيها في المكتب لتهتف مذهولة أكثر من ذهولها لرؤية عاصم هنا :
-شروق؟؟
وأخيرًا أبعد يونس عينيه عن عاصم والذي كان يدور بينهما معركة نظرات باردة فور أن استمع إلى اسم تلك الفتاة صاحبة الحقيبة الضائعة والتي تسكن بنايتهم ولكن.. لما تبدو هكذا؟؟
دلف إلى المكتب فأدارت عينيها له وكأنها استوعبت أن الباب قد فتح من الأساس، لم تكن هي وكأنه شبح لها، عينيها جاحظة بطريقة مخيفة تشرح رعبًا قد عاشته، وجهها شاحب كالأموات ويديها ترتعش فوق قدميها وكأنها فرت من ملك الموت قبل أن يقبض روحها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الخامس 5 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
آسفة على التأخير الفصل اتمسح وانا بعدله فأضطريت أرجع لنسخة احتياطي وأعدله من الأول
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
"مقتطف مستقبلي "
فتحت عينيها على ألم يسحق ذراعها سحقًا، وهذا بالإضافة إلى ذلك الألم الذي ينخر خصرها والآلام المنتشرة في باقي جسدها ووجهها، دارت بعينيها في هذه الغرفة الكئيبة وأصوات مرتفعة تصدح من الخارج، بينما بجانب الباب كانت تجلس شقيقتها وابنة عمها فقالت بصوت ظهر فيه التعب جليًا :
-عائشة.... يا شروق
استقاما الاثنتين نحوها وأنهالا عليها بالأسئلة عن أحوالها وبما تشعر الآن لتقول من بين ثرثرتهم هذه وقد ضاق صدرها من هذا الألم :
-انا عايزة اشرب هاتولي مياه
لم يكن هناك أي قنينات أو ماء موجود في الغرفة فخرجت شروق حتى تحضر لها بينما وضعت عائشة يدها على جبين شقيقتها هاتفة بلهفة :
-انتي كويسة؟ حاسة بإيه؟!
-لأ انا مش كويسة جسمي كله واجعني، إدوني مسكن أي حاجة مش قادرة استحمل الوجع ده
اجابتها الأخرى وقد التمعت الدموع بين جفنيها المتورمين لشدة بكائها على ما حدث لنور :
-مينفعش انتي اخدتي مسكن قوي ولسه فايقة منه مشوفتيش نفسك وانتي بتصرخي من الوجع مينفعش تاخدي واحد تاني استحملي شوية
أتتهم شروق وفي يدها زجاجة مياه وخلفها قد دلفت براءة وتركت الباب مفتوحًا، وقبل أن تعطي لها الأخرى الماء حتى تشرب دلف اعمامهم واحد تلو الآخر
وعلى رأسهم بالطبع عمها عبد الجواد والذي صاح بنورهان وهي بالفراش بصوت انتفض اربعتهم له وقد وقفت عائشة أمام شقيقتها وفي اعتقادها أن عمها سيهم بضرب نور فهو ذو طباع حادة :
-عجبك اللي عملتيه وقعتي نفسك في مشكلة وصوركي وانتي بتضربي عيل ونشروها على النت، لبستي نفسك في قضية
وقف حسن وعلي في وجه عبد الجواد حتى لا يقترب لها فيكفي ما هي به الآن بينما الآخر لم يتوقف عن الصياح :
-حرام عليكي عملتي في نفسك كده ليه، عمرك ما كنتي بتاعت مشاكل من دونهم كلهم، كنتي بتتقي شر المشاكل روحتي لبستي نفسك قضية يا بت علي
علت الأصوات في الغرفة وصفية تضم ابنتها التي كانت تبكي وينتفض جسدها من شدة الألم والخوف ووالدها يدافع عنها وباقي اعمامها يجرون في عبد الجواد حتى لا يصل إلى نور ويضربها في نوبة غضبه هذه
بينما ارتفع صوت عمتها أسماء على أخيها تدافع عن هذه المسكينة التي فوق المشاكل التي حطت على رأسها يصرخ عليها الآخر ويحملها ذنب كل ما حدث :
-اسكت يا عبد الجواد حرام عليك سيبها في حالها كنت عايزها تسكت وواحد بيتحرش بيها ثم ده مش عيل، وبنت ابوها أنها ردت عليه بأيديها قبل لسانها ولو كانت سكتت كان هيبقى رد إنه ده عادي ويكمل اللي بيعمله معاها أو مع غيرها
لم يهدأ الآخر أو يخفض صوته يشعر بالغضب والقهر عليها فما فعلته قد يلقي بها في السجن ويسئ سمعتها بعد أن أصبحت البلاد بأكملها تتحدث في الأمر والجميع يتهمها هي لا غيرها، وها هي طريحة الفراش وهذا أقل ما قد تراه بعد أن اتهمت ابن ذلك الرجل الثري ورفعت عليه قضية
دلف يوسف سريعًا وقد أتى يركض هو وحمزة ويونس ووالديهما على أصوات الصراخ التي ارتفعت مرة أخرى وبصوت أعلى، وما إن رأي يوسف ملامح حمزة تنبئ بإنفجار حقيقي وعينيه تعلقت بنور التي أقل ما يقال أنها في حالة انهيار عصبي حتى سارع هو بقوله :
-ايه يا جماعة ده انتوا بتتخانقوا في اوضتها، مينفعش كده اطلعوا برا
سحب محفوظ وعثمان عبد الجواد للخارج وبدأوا بالإنسحاب واحدًا تلو الآخر حتى بقى يوسف وبراءة وحمزة ووالدي نور التي تبكي وتصرخ ألمًا في أحضان والدتها وقد زاد كلام عمها على آلامها
خاف عليها حمزة وهو يراها في هذه الحالة مرة ثانية بعد أن أتو بها إلى المشفى فصاح بيوسف قائلًا :
-هتفضل واقف كده!؟ اتصرف شوفها
تحدثت براءة بفزع ترى الأخرى من شدة آلامها تنازع فوق الفراش وزوجة عمها صفية تبكي بدون فائدة :
-لازم تاخد مسكن مش هتستحمل هي الوجع ده كله
أجابها الآخر وهو يكشف على ذراعها المكسور والأخرى لا تكف عن التلوي والانين :
-مش هينفع دي واخدة مسكن نومها أكتر من سبع ساعات ولسه فايقة منه، على الأقل نستنى ساعتين أو تلاتة تاني علشان تاخد حاجة مسكنة
تحدث علي وقد استشاط غضبًا يرى ابنته في حالة مزرية :
-مش هتستحملش هي ساعة كمان اديها أي حاجة
-والله ما هقدر خطر عليها تستنى على الأقل ساعة، لازم تبطل حركة كل ده هيزيد الالتهابات والوجع عليها
بكت صفية على ابنتها تسب نفسها علانيةً لأنها وافقت من البداية أن تأتي ابنتها إلى هنا فقالت براءة ولا تدري أتهدئها أم تهدئ نور، تشعر بالحزن على كلاهما :
-مينفعش كده يا خالتي يعني كنا هنعلم الغيب
استدار يوسف حتى يتركهم وقد سحب حمزة معه بينما نور كان عليها تحمل كل هذه الآلام بمفردها وفوق كل هذا لم يرحمها عقلها تسمع والدتها تسب وتلعن اليوم الذي أتت به إلى هنا دون وعي منها أنه لا يجوز سب الأيام :
-كان يوم أسود يا بنتي لما جيتي هنا كان مالك ومال المشاكل دي بس
أجل امي لم يكن يوم جميل عندما أتت إلى هنا بدايةً من الحادث، كانت هذه على الأرجح إشارة أن تعود إلى ديارها وتنسى أمر هذه الوظيفة تمامًا، ولكن كيف وكانت تجربة ومغامرة جديدة بالنسبة إليها فتمسكت بها حتى تبتعد عن الضجر والملل
وكم كانت سعيدة في أول يوم لها في المدرسة، كانت تسير خلف ناهد بعد أن انتهى الطابور المدرسي وبدأ الطلاب يتحركون إلى فصولهم، كانت تحدق حولها وعينيها تتسع بإندهاش فلم تبصر قي يوم مدرسة بهذا الاتساع من قبل
وهذا لأن المدراس في بلدها صغيرة ليس مثل هذه التي على الأرجح من ضخامة المباني وألوانها الحديثة قد تكون مدرسة خاصة وليست مدرسة حكومية عادية
اسرعت خلف ناهد بعد أن كادت أن تفقدها لتقول متسائلة :
-مس ناهد هي المدرسة دي مدرسة خاصة
-لأ تجريبية
عقدت الأخرى حاجبيها مرددة :
-تجريبية؟؟ طب انا بعمل ايه هنا انا آداب قسم دراسات إجتماعية مش لغة انجليزية
استدارت لها الأخرى مبتسمة بهدوء كم تبدو هذه المرأة هادئة ولطيفة وهذا شئ يريحها حقًا :
-العلوم والرياضيات انجليزي بس اللغة العربية والدراسات زي ما هما
آماءت لها بتفهم وظلت تسير خلفها وهي تنظر حولها فهذه عاداتها تحب النظر حولها خاصةً إن كانت في مكان لأول مرة تذهب إليه وليس مثل شقيقتها عائشة التي تسير كما الجنود لا تنظر يمينًا ولا يسارًا
دلفا إلى أحد المباني ومنها إلى مكتب المدير وهذا بالطبع يظهر عليه ولا يحتاج لتفكير، دقت ناهد الباب مبتسمة بهدوء :
-صباح الخير يا أستاذ ممدوح
رفع الآخر نظره بعدما كان يتحدث مع "منصور" _استاذ الدراسات الوحيد في المرحلة الإعدادية_ في أمر معلمة الدراسات التي ستأتي اليوم، وما إن أبصر ناهد حتى قال :
-كويس انك جيتي ها فين المُدرسة اللي جبتيها عايز ابعت أمر للإدارة علشان اثبتها وتبدأ بقى فات شهر على الدراسة
ابتعدت الأخرى من أمام الباب حتى يبصروا نور قائلة :
-المس نورهان جات من الصعيد مخصوص علشان تساعدك يا أستاذ منصور
نظر منصور والمدير إلى تلك نورهان ليبصروا أمامهم فتاة محجبة في بداية العشرينات ترتدي رداء إسلامي متسع باللون الرمادي يعلوه خمار من نفس اللون ولكن افتح قليلًا، تحدث مدير المدرسة هاتفًا بذهول :
-هي دي؟؟
شعرت نور أنه يقلل منها أو ما شابه فنظرت إلى ناهد التي قالت بدورها :
-مالها مش فاهمة؟؟
-صغيرة أوي، انتي عندك كام سنة
-بدأت في ٢٣ سنة الشهر ده
هتفت بها نور بهدوء فقال منصور مذهولًا :
-دي لسه متخرجة هتعرف تتعامل من طلاب الإعدادية ازاي
نظرت ناهد إلى نور بحيرة قائلة :
-طب ايه تبدل ما حد من الابتدائي اهو طلاب الابتدائي أسهل لأني الإعدادية متمردين فعلًا ممكن متقدرش عليهم
-طب ما تخلوني أجرب أعتقد هعرف اسيطر عليهم
هتفت بها نور مقاطعة اياهم فلا تريد أن تذهب منها هذه الوظيفة وتعود للضجر مرة أخرى وهذا لان الفتيات جمعيهن هنا ولا أحد هناك في بلدهم فتجلس بمفردها طوال الوقت، اكملت حديثها عندما رأتهم انتبهوا لها :
-انا عندي ٢٣ سنة وهما من ١٣ لـ ١٥ سنة سنهم قريب من سني وعارفة تفكيرهم والتعامل معاهم
فكر المدير قليلًا ثم سأل منصور قائلًا :
-الحصة الأولى دراسات في أنهي فصل
-سنة تالتة عندهم حصتين
-مفيش غير سنة تالتة!؟
رفع الآخر منكبيه بأنه لا يوجد فنظر المدير إلى نور ثم قال :
-طب بصي هتاخدي الحصة الأولى في فصل ٣/٣ وانا هاجي وراكي اشوف النظام معاكي ايه ربنا معاكي بقى
ابتسمت نور ودق الحماس اوصالها لتنظر إلى ناهد مبتسمة فقالت الأخرى :
-ربنا معاكي على رأي المدير سنة تالتة عايزين شدة جامدة يارب ما تشدي في شعرك لو احتجتي حاجة قولي لأي طالب نادي على مس ناهد مُدرسة العلوم
شكرتها نور وخرجت من المكتب شاددة حقيبتها على كتفها وما إن خرجت من المبنى حتى توقفت في منتصف الملعب تنظر حولها ولا تدري أين تذهب فأين هو مبنى الصف الثالث وحتى إن وجدته كيف ستجد الفصل
قرضت اظافرها تبحث عن أحد حتى تسأله ولكنها لا ترى أحدًا فالحصة الأولى قد بدأت ولا أحد موجود إلا أقلة، في النهاية وجدت فتى يتجه إلى أحد المباني ولا يبدو أنه من طلاب الابتدائية فسارعت خلفه حتى تسأل أين هو فصل ٣/٣ :
-لو سمحت هو فصل ٣/٣ فين
ظل الآخر يحدق بها بتعجب من اللهجة فقالت الأخرى بضجر :
-هتوديني هناك ولا اسأل حد تاني
سارع الفتى في الموافقة قائلًا :
-انا من فصل ٣/٣ اصلًا وكنت طالع علشان اشوف مين هياخد احتياطي حصة الدراسات
-طب يلا على الفصل انا اللي عليكم
رفع الآخر حاجبه يحدق بها في استغراب فلا يتذكر انه رآها من قبل في مدرستهم فمن هذه :
-انتي اللي هتاخدي الاحتياطي
-لا انا أبلة الدراسات الجديدة
-أبلة؟!
نطق بها ببلاهة فقالت نور وقد بدأت تفقد اعصابها من كثرة هذه الأسئلة :
-ايوه يا بابا هنطلعوا ولا هنكملوها تحقيق على السلم
لن يبالغ الآخر إن قال انه فزع منها بحق خاصة بلهجتها الصعيدية الخشنة، لا تشبه ما يسمعه على التلفاز ولكن أيضًا لا تليق على وجهها اللطيف هذا، صعد أمامها وهي خلفه ولم تمنع نفسها بالطبع من التلفت حولها وقد أُعجبت كثيرًا بهذا المبنى ولازلت مقتنعة أن هذه المدرسة ليست أقل من مدرسة خاصة
سارت خلف ذلك الطالب بالممر وقد ألقت نظرة على الفصول وجميع من كان يراها كان ينظر إليها متعجبًا منها سواءً الطلاب أو المعلمين فحجمها الضئيل لا يدل على أنها في العشرينات بل طالبة من الطلاب
وكل هذه النظرات جعتلها تنظر أمامها وتكف عن النظر إلى الفصول فلا تحب ابدًا أن تكون مصدر إهتمام والجميع ينظر إليها حتى ولو متعجبين، تشعر كثيرًا بالحرج حينها
توقف الفتى أمام فصل معين ودلف به فدلفت الأخرى ويالا اندهاشها مما رأت، قد توقعت من جمال المدرسة ورقيها أن يكون الطلاب كذلك ولكن لم يفرقوا عن طلاب المدراس الحكومية نفس التصرفات، فالفصل الذي يكون بدون معلم يكون أشبه بحارة شعبية هناك زفاف مقام بها
جلس ذلك الفتى في مقعده ولم يكن انتبه الجميع إليها فطرقت بكفها بقوة على الباب حتى تستدعي انتباههم وها هي نفس الخصلة في المدرستين فما إن يدلف المعلم يصمت الجميع بطريقة مريبة وكأنه نفس الزفاف الشعبي ولكن الكهرباء انقطعت عنه مرة واحدة
جلس الجميع في أماكنهم فاتجهت هي إلى مكتب المعلم تضع عليه حقيبتها وقد علت الهمسات عن هويتها بالطبع فاجابتهم هي قائلة :
-انا مس نورهان أو نور مُدرسة الدراسات الاجتماعية الجديدة
رفعت نظرها إليهم ولا تكذب شعرت برهبة شديدة فهذا أول مرة لها تقف أمام كل هذا العدد وتكون هي مركز الإهتمام حيث كل الأعين مسلطة عليها، تحدثت إحدى الفتيات وقد انتبهت إلى هذه اللهجة المختلفة :
-مس هو حضرتك صعيدية!؟
آماءت نور بتوجس ولم تجلس بعد بل ظلت واقفة بجانب المكتب :
-ايوه صعيدية حد عنده مانع؟؟
لم يُجب أحد فقالت الأخرى وقد زادت رهبتها فلم تكن تتوقع أن الأمر سيكون بهذه الصعوبة :
-طيب حد معاه كتاب دراسات وعايزة أعرف وصلتوا لحد فين
اجابها الفتى الذي أتى بها إلى هنا وقد خمنت أنه دحيح الفصل على الأرجح فلا يوجد طالب يخرج من الفصل حتى يبحث عن معلم إلا إذا كان لا يريد أن تضيع الحصة هباءً :
-اخدنا أول درس جغرافيا وأول درس تاريخ
-بس!؟
آماء لها الآخر مراعي صدمتها هذه فها هو مر شهر كامل ولم يأخذوا إلا درسين فتمتمت نور بينها وبين نفسها وهي تنظر إلى السبورة :
-يعني شهرين بس وألم المنهج كله؟! أنت المعين يارب
نظرت إليهم ثم أكملت مشيرة إلى السبورة :
-حد يطلع يمسح الصبورة من الهبل اللي عليها ده وحد يديني كتاب دراسات
رفعت إحدى حاجبيها وقد ألتقطت أذنها بعض الهمسات بتعليقات سخيفة على كلمتها "يديني وصبورة" فيبدو أنهم معتادون على "يجيب ليا" مع ترقيق الجيم بالطبع و"سبورة" بالسين، ولكنها لم تبالي بهم فليذهب من يسخر منها للجحيم لن تغير لهجتها من أجل أحد :
-هتطلعوا تمسحوا الصبورة ولا مستنين امسحها انا
نطقت بها بإنفعال طفيف فقال أحدهم بنبرة ناعمة أصابتها ببعض الغثيان :
-براحة يا مس أعصابك
أدارت رأسها تمنع ضحكة كادت أن تنفلت منها، تمنع نفسها بصعوبة عن الضحك عليهم يبدو أنها سترى الكثير هنا :
-ماشي يا مس اعصابي اطلع امسح الصبورة بقى
-انا؟؟
-اومال خيالي ما تطلع ياد
وقف الفتى ومسح لها السبورة بينما هي كانت تقلب في الكتاب لتلقي بنظرة سريعة على الفتى وإذ بها تجده أطول منها فقالت بذهول وهي تنظر إلى فرق الطويل بينهم، هو لم يكن كبيرًا لكنه كان فرق :
-ياه للدرجادي انا قصيرة!؟
نظر إليها الآخر قائلًا :
-نعم يا مس بتقولي حاجة؟؟
-لا ادخل اقعد مكانك
نظر إليها الآخر مطولًا ثم اتساءل يلاحظ عينيها الخضراء أو العسلية فهي بين هذين اللونين :
-مس هي دي عيونك ولا عدسات؟
-لا عينيا ادخل بقى
امسكت بقلم السبورة فهذه سبورة ضوئية وليست مثل تلك التي يستخدموا لها الطباشير على أيامها هي، وها هو فرق الطول يظهر، بالله كيف ستصل إلى الأعلى لتكتب العنوان، لما لم يضعوا السبورة في ارتفاع أقل قليلًا
رفعت يدها إلى آخرها حتى تكتب العنوان وفي النهاية وصل إلى ما فوق منتصف السبورة قليلًا، وإذ بها تستمع إلى ضحكات خافتة تصدح من خلفها فألقت القلم على المكتب، ناظرة إليهم بحاجبين معقودين من ثم هتفت بهدوء مخيف :
-مين ضحك؟؟
وبالطبع لم تتلقى منهم أي إجابة فقالت بصوت أكثر حدة :
-مين ضحك عايزة أعرِف؟
ومرة أخرى لم يجب أحد فوقفت في منتصف الفصل تنظر إليهم بأعين غاضبة ثم هتفت بتحذير صارم وهي تسير بين المقاعد :
-طيب علشان نبقى على بينة ونور، انا مش علشان اسمي نور وعيوني ملونة هتفتكروني كيوت ولطيفة، انا وحشة قوي لما بتعصب وبقول وبعمل حاجات انا نفسي بتفاجأ بيها، هتبقوا ولاد ناس معايا انا بنت ناس معاكم، هتقلوا ادبكم هقل أدبي وهتبقى ساعة سودة عليكم كلكم
دارت بنظراتها في اوجههم ثم اكملت بنبرة حادة اجبرت الجميع على الصمت :
-تريقة على كلامي ولهجتي مش عايزة، لو سمعت ضحكة واحدة على كلمة انا قولتها هخرس صاحبها واخليه يخاف يتنفس وانا موجودة وانا مش بقول تهديد انا من النوع اللي بينفذ علطول
-هتتضربينا مثلًا
همسة بالكاد خرجت من ناحية الفتيات فنظرت نور ناحيتهم هاتفة بتهكم :
-لا انا مش بضرب لأني الضربة دقيقتين وتروح انا بعمل حاجات مش بتروح من الذاكرة وإن شاء الله لو فضلت في المدرسة دي هتفضلوا دايمًا فاكرين واحدة اسمها نورهان
توجهت إلى المكتب تزامنًا مع قولها :
-البت اللي قالت هتتضربينا مثلًا تطلع على الصبورة يلا
جلست على المقعد منتظرة الفتاة أن تخرج لكن لم تفعل فقالت مبتسمة بسمة ليست ابدًا بسعيدة، هي لا تعلم مَن الفتاة التي تكلمت لكنها ستجعلها تخرج بنفسها :
-لو مطلعتيش هطلعك انا بس وقتها مش هيبقى بالذوق لأنه واضح انه مش هيجي سكة معاكم يا سنة تالتة
خرجت الفتاة مجبرة ووقفت أمام السبورة فقالت نور وهي تجلس على مقعدها معطية لها القلم :
-اتفضلي امسكي اكتبي س سؤال ما هي خطوط الطول ودوائر العرض في قارة أوربا
فعلت الفتاة كما قالت فابتسمت لها نور بمكر :
-جاوبي يا حلوة ولو معرفتيش هتتضربي زي ما كنتي عايزة
اتسعت حدقتي الأخرى لتقول بتلعثم وهي تنظر إلى صديقاتها بإستنجاد :
-يا مس احنا اخدنا الدرس ده من زمان نسيتوا
-يا راجل نسيتي؟؟ نسيتي تاكلي أو تشربي أو تاخدي مصروف من ماما وانتي نازلة، منستيش ليه ترفعي بنطلونك ده علشان تبيني رجليكي اللي هتتشوي في جهنم إن شاء الله
طرقت على الطاولة بشئ من العنف قائلة :
-ميخصنيش ناسية ولا مفتكرة، درس خدتيه سألتك فيه تجاوبي عليه، ولو لأ هتفضل واقفة مكانك لحد ما تجاوبي أو تضربي مع اني مش بحب الضرب علشان التعليم مش بالضرب بس عندًا في اللي قولتيه هتتضربي
نظرت إلى باقي الصف هاتفة بنبرة صارمة :
-كله يطلع كتبه ويحفظ الدرسين علشان هتطلعوا واحد واحد تكتبوا السؤال وتكتبوا اجابته كفاية مرقعة شهر كامل ويا ويله اللي مش هيعرف يجاوب هعلقه في نص الفصل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تهاوى جسدها على المقعد تشعر بألم شديد في ساقيها بعد سبعِ مرات صعود وهبوط، وثلاث ساعات تقف بها بجانب الطبيب في غرفة العمليات من أجل بضعة أشياء يمكنه أن يفعلها بنفسه _من وجهة نظرها_
أطلقت تنهيدة متعبة ترفع هاتفها الذي يرن باسم نور فتركته يرن حالما تستطيع الرد فهي الآن في وضع لا يسمح لها سوى بالتنفس والرمش
استدار يوسف على صوت رنين هاتف فوجد أنه هاتف براءة الملقاة على أحد كراسي العناية ويبدو أن بطاريتها قد نفدت تمامًا، قلب عينيه وهو يخط بعض الكلمات على الدفتر الموجود في الفراش الطبي من أجل معرفة حالة الماكث على الفراش، تزامنًا مع قوله :
-هو انتي بتعاني من حاجة زي سكر أو ضغط او حاجة زي كده
وعندما لم يتلقى أي إجابة استدار مرة أخرى ليجدها على وضعها، هاتفها يرن وهي فاردة قدميها أمامها وكفها مستقر على جبينها وكأنها رجل متزوج انتهى من عمله الشاق وينتظر زوجته أن تأتي ببعض الماء المختلط بالملح حتى تدلك له قدميه بها
صاح بها مذهولًا من هذا الوضع :
-هو انتي قاعدة على الكنبة في بيتكم ايه ده
رفعت الأخرى كفها هاتفة بتعجب وهي تشير إلى نفسها :
-انت بتكلمني انا؟!
-اومال بكلم اللي غايب عن الوعي قدامي، سألتك انتي بتعاني من سكر أو ضغط وانتي مردتيش
نفت براءة برأسها عاقدة الحاجبين ثم قالت :
-لأ معنديش حاجة زي كده الحمد لله، بس ليه السؤال؟؟
-براءة انتي بتشتغلي معايا من كام يوم
-اممم شهر وعشرة أيام تقريبًا يعني أربعين يوم، ليه برضو السؤال؟؟
أجابها الآخر بعدم رضا فلم يمر يوم في الأربعين إلا وقام بتعنيفها على حالات كسلها هذه وحقًا الأمر بدأ يخرجه عن هدوءه :
-انتي ليه كسولة يا براءة سؤال محيرني والله انا عمري ما دخلت عملية أو عملت مرور إلا واضطريت ادور عليكي، يا بنتي اتقي الله في شغلك علشان تاخدي امتياز في تدريبك، لأنه على حال كائن الكوالا اللي انتي عايشة فيه ده كده هتبقي من ضمن فراشين المستشفى مش ممرضة
حدقت به بضيق ولم تجب فقال يوسف وهو يعلق الدفتر في الفراش :
-الحالة اللي لسه خارجة من العمليات من ساعة في اوضة كام؟؟
-اوضة ٣٤
توجه الآخر للخارج قائلًا :
-طب يلا نروح نعمل مرور عليه
-قصدك تعمل مش نعمل، بلاش نون الجمع دي انت واحد عندك صحة وعايزة تهدرها في الروح والجاي انا لأ
-يعني انتي هتفضلي قاعدة هنا؟
هتف بها بصبر يحاول كبت غيظه منها فقالت الأخرى تحاول استعطافه :
-مش قادرة اقوم والله
استدار إليها محدقًا بها في غضب فعلمت براءة أنه لن يتركها تجلس لذا أطلقت زفرة حانقة وسارت خلفه للخارج، أخرجت هاتفها وقد أعادت الإتصال بنور ولم تطيل الأخرى واجابت فقالت براءة بعدما استفهمت منها عما تريد :
-مش عارفة احتمال عائشة وشروق يتأخروا وانا كمان ساعة وجاية استنى شوية عندك
ذمت شفتيها تستمع لما تقول الأخرى على الجهة الأخرى ثم قالت :
-طب خلاص طالما معاكي المفتاح افتحي وادخلي وبالله عليكي اعملي أي حاجة تتاكل عبال ما اجي انا منزلة فرخة من الفريزر اسلقيها واعملي بقى شوية رز وبطاطس بس بلاش البطاطس الطبيخ مش بحبها اعمليها في صنية وشوية بصل بقى وطماطم وتوابل بطريقتك الحلوة دي علشان حرفيًا هاجي أكل وانام للمغرب علشان بكرة الجمعة
-هو انا الخدامة الفلبينية وانا مش عارفة؟؟
-ده كله علشان هتعملي انتي الغداء!؟ ده انتي اصبري بس لما نرجعه هنشيلوكي مسؤولية الغداء علشان انتي على كده أول واحدة بترجع وكمان شكلك هتاخدي المواعين علشان بنرموهم على بعض من يوم ما سكنا في الشقة وهتلبسيهم انتي يا اسطا
انتفضت على أثر صراخ يوسف من إحدى الغرف فأغلقت الهاتف وهرولت له فعلى الأرجح اندمجت مع نور على الهاتف ونسيت ذلك الذي كان من المفترض أن تلحق به
وصلت إلى الغرفة لتجده يحاول إسعاف تلك الحالة التي خرجت من العمليات بينما هناك فتاة غريبة تقف بجانب الفراش ومنخرطة في البكاء، صاح بها يوسف أن تتحرك وتساعده فسارعت الأخرى وفعلت وعندما استقرت حالته نظر إلى تلك الفتاة صائحًا بغضب :
-انتي مين سمحلك تدخلي هنا ده لسه خارج من العمليات
التصقت الفتاة بالحائط وهي تبكي فقالت براءة بعدم تعاطف البتة وبتشاؤم معتاد :
-كان ممكن يموت حضرتك من الجهد اللي عمله وهو بيكلمك ترضيها يعني
مسحت الأخرى دموعها هاتفة بنبرة مختنقة :
-انا بس كنت عايزة اطمن عليه كنت قلقانة أوي
-هو طالع من عملية قلب مفتوح، ده حديده دخلت في جنبه مش أكتر
تمتمت بها براءة بخفوت فاستدار يوسف إليها هاتفًا بحزم :
-مفيش حد يدخل هنا قبل أربع ساعات على الأقل
-طب حضرتك بتزعق فيا ليه ما تعاقب للسمح بانها تدخل
نظر يوسف إلى الفتاة فقالت الأخرى وهي تتجه إلى الخارج :
-انا بس كنت عايزة اطمن عليه عن اذنكم
خرجت براءة خلفها غير مبالية بيوسف تمامًا تنظر إلى ساعة هاتفها التي تشير إلى الواحدة والربع، ربي متى تأتي اثنين حتى تعود للمنزل وتتسطح على الفراش بعد هذا اليوم الطويل
-بــــراءة
صاحت الأخرى بغيظ وهو تعود مجددًا للغرفة :
-ياربي يا تاخده يا تاخد صوته علشان ميعرفش ينادي تاني علي
دلفت مجددًا إلى الغرفة لتجده يقف مستندًا على الحائط ويهز قدمه بغضب، يبدو أن وجود الفتاة اغضبه فهو لا يحب التهاون والتساهل ابدًا خاصةً في حياة المرضى، بأختصار يوسف من الشخصيات القليلة التي لا تزال تمتلك ضميرًا في زمن أصبح الضمير فيه يُباع :
-نعم يا دكتور
حدق بها الآخر بأعين بنية غاضبة :
-هو انتي بختفي ليه كل شوية، نفسي في مرة ابص جنبي ألاقيكي واقفة زي أي ممرضة
صمتت براءة ولم تحاول التحدث بل اكتفت بضم كفيها خلف ظهرها تستمع بعدم رضا ولا تتحدث فهو للأسف أمرها بيده ولا يجب أن تتطاول على الطبيب الذي تعمل تحت تدريبه
أشار يوسف إلى المحلول المعلق في يد المريض ثم هتف بصوت حازم :
-ضيفي حقن فيتامينات على المحلول وممنوع حد يدخل لأي حالة لسه خارجة من العمليات واعرفيلي مين سمح للبنت دي تدخل هنا
اتجه ناحية الباب حتى يخرج لكن ما إن وقف بجانبها حتى أضاف بتحذير :
-بدايةً من بكرة اشوفك متهاونة ولا بتسرحي يمين وشمال تقييمك هيبقى تحت الجيد مش جيد جدًا حتى
وإلى هنا لم تستطع عدم الاعتراض إذ قالت بتهكم :
-يا دكتور انا بعمل اللي عليا اعمل ايه تاني
-لا مش بتعملي كل اللي عليكي يا براءة، كسولة، متساهلة، مهملة في بعض الحاجات، كل ما احتاجك مش بلاقيكي والمفروض انتي تدريب يعني تعملي كل حاجة علشان تاخدي تقييم ممتاز، ده آخر تحذير ليكي
تركها ورحل فنظرت الأخرى أمامها بضيق وإذ بها تستمع الي صوت المريض يقول بخفوت فهذه المشاجرة حدثت امامه :
-شكله عصبي أوي
اجابته الأخرى بتذمر وهي تحقن بعض الفيتامينات في المحلول المعلق في يده :
-مفتري ربنا يخسف بكل مفتري الأرض
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
-لو سمحت هو الظابط يونس هواري موجود؟؟
رفع العسكري نظره لصاحبة هذا الصوت الرقيق ليبصر أمامه امرأة في نهاية عقدها الثاني على الأرجح، ترتدي ملابس أنيقة ذات ألوان متناسبة وكأنها من الطبقة الآرستقراطية
اعتدل الآخر في وقفته ثم قال :
-ايوه موجود بس هو مشغول دلوقتي
أعادت الأخرى إحدى خصلاتها البنية شديدة النعومة خلف أذنها ثم قالت :
-بجد؟؟ طب انا كنت عايزة ادخله ضروري عايزة أأقدم بلاغ
-طب ايه البلاغ وانا اكتبه؟؟
شعرت الأخرى أنه لن يفيدها بشئ فتركته وتقدمت للأمام بحثًا عن مكتب يونس، هي لا تعلم ما هي رتبته ولا تعلم أين تبحث فهذه اول مرة تدخل بها إلى قسم شرطة، استوقفت أحد الماريين بجانبها ثم قالت :
-لو سمحت ألاقي فين يونس هواري
-يونس باشا في المكتب اللي جنبك ده
شكرته بلباقة ودقت الباب ولم تجد عليه عسكري أو ما شابه فأتاها صوته الخشن من الداخل يسمح للطارق بالدخول، أصابتها رجفة من الداخل حين استمعت لصوته لتفتح الباب مستعدة لرؤيته بعد كل هذه السنوات
توقفت في مكانها تنظر إليه بأعين لامعة لقد تغير بشكل جذري أصبح أكثر رجولة وأكثر وسامة بداية من جسده الذي ترك نحافة المراهقة وأصبح أكثر طولًا وعرضًا، جسد يليق بضابط شرطة
وشعره الأسود الناعم المصفف بعناية، ولحيته المحددة والتي تعطي له مظهر رجولي وبالطبع كمعظم الضباط المصريين هذا الشارب لا يفارق وجوههم وكأنه علامة مميزة لهم
استمعت له يحادثها بصيغة مذكر وعينيه التي اشتاقت النظر إليها تحدق في عدة أوراق أمامه وهو يستند بكفيه على المكتب ثانيًا أكمام قميصه وتظهر من أسفلها عضديه العضليين وعروق يديه البارزة بوضوح :
-فيه ايه يا سمير حصلت حاجة
-يونس
خرج اسمه من بين شفتيها محملًا بالكثير من المشاعر فرفع الآخر رأسه عندما استمع إلى صوت انثوي لا يعود بالطبع إلى سمير العسكري الذي يقف أمام مكتبه
اصطدمت بنيتيه برماديتها وقد استغرق بضع ثواني حتى يتعرف عليها، اعتدل في وقفته وقد اتسعت عينيه مذهولًا، لا يعقل أنها هنا تقف امامه بعد كل هذه السنوات التي ساهمت في نسيانها
ورغم أنه تعرف عليها إلى أنه هتف بهدوء وقد عادت عينيه كما كانت بل وظهر بها لمحة برود :
-حضرتك مين؟؟
ازدرقت الأخرى لعابها بتوتر واحراج لا تصدق انه لم يتعرف عليها، لكن لا تتعجب كثيرًا ربما قد نسيها ولما لا وقد مر ستُ أعوام على آخر مرة رأوا بهما بعضهما البعض :
-انا انا عايدة يا يونس عايدة عبد العزيز
ظهرت في عينيها لمحة رجاء أن يتذكرها ولا يزيد في إحراجها وعندما رأي منها هذه النظرة ابتسم مدعيًا التفكير وهو يحك ذقنه بإبهامه :
-عايدة عبد العزيز؟؟ حاسس اني سمعت الاسم ده
شعرت عايدة بغصة قهر اختلطت بالخجل لأنه لم يتذكرها فقالت بخفوت :
-انا عايدة زميلتك في الثانوية يا يونس انتي بجد نسيتني؟؟
آماء برأسه وعلى شفتيه ابتسامة هادئة بشدة ولا تزال هذه النظرة الباردة في عينيه :
-اها افتكرتك، معلش سنين عدت وضغط شغل بقى
-ينفع أأقعد
أشار إلى المقعد القابع أمام مكتبه دون إضافة كلمة وقد جلس هو مكانه وجمع الأوراق جانبًا يرى لما قد أتت هذه وتذكرته من الأساس، جلست عايدة في المقعد الذي أشار عليه مرددة بعض الكلمات الشكر الراقية فقال يونس :
-تشربي ايه؟؟
-ممكن قهوة سادة
انتظرت ان يعلق عليها وأن يقول متى تحولت إلى القهوة السادة بهذه الطريقة ولكنه احبطها ولم فعل، حتى أنها انتظرت أن يفتح هو الحديث بأي شئ ولكن أيضًا لم يفعل بل فقط طلب لها القهوة وصمت، ويلي لما هو ثقيل إلى هذه الدرجة
بدأت هي التحدث إذ قالت :
-انا عايزة أأقدم بلاغ
آماء لها صامتًا بأن تكمل فقالت :
-انا شنطتي اتسرقت
رفع حاجبيه إلى الأعلى مدعي الاندهاش والصدمة :
-يا ستار يارب اتسرقت مرة واحدة، ايه ياربي البلد دي خلاص كده اي حد عواطلي يروح يسرق
-هو انت بتتريق!؟
نطقت بها عايدة متعجبة بعدما شعرت أنه يسخر فقال الآخر وهو يقف ويدور حول المكتب متجهًا إلى الباب :
-لا خالص اتريق ازاي
فتح الباب ونادي على أحد بصوت جهوري جعلها تنفض في مقعدها :
-ســـمـــيـر
أتي المدعو سمير راكضًا فهمس يونس بحدة وهو يمسكه من تلابيب ثيابه بيد واحد :
-انت كنت فين وسايب اللي رايح واللي جاي يدخل مكتبي عادي كده أكنه حمام عمومي
-والله يا باشا كنت في الحمام ومعرفش اني حد دخل
ترك الآخر ثيابه وأشار إلى عايدة الجالسة بالداخل هاتفًا بهدوء زائف :
-المدام اتسرقت شنطتها خدها تعمل محضر
-بس انا جاية ليك انت
اعترضت بها عايدة لكن سرعان ما صححت جملتها عندما ابصرت العسكري ينظر إليها بتعجب بينما يونس بنظرة بأخرى غريبة لم تفهمها :
-قصدي جاية اعمل المحضر عندك انت علشان تلاقيها أسرع وكده
-يعني انا واسطة
كادت أن تنفي هذا فلم تقصد أن تأخذه كواسطة فهي لا تحتاج إلى واسطة من الأساس، ولكن سارع يونس في حديثه إذ قال وهو ينظر إليها بهدوء شديد وكما هي نظرات البرود في عينيه :
-تمام بس لازم تعملي المحضر برا مش هنا علشان دي سرقة عادية مش جاية تقدمي بلاغ بجريمة قتل، وانا ههتم بالموضوع علشان الزمالة اللي كانت بينا يا مدام عايدة
ضغط على آخر جملة حتى يصل إليها ما لا يريد البوح به، فإن باح به فسيكون عتاب، والعتاب بين الأحبة وهي لم تعد من أحباءه، فقد نزعها من قلبه كما نزعته هي من حياتها
استقامت الأخرى من نكانها محدقة في عينيه بعتاب وقبل أن تبادر بقول كلمة قاطعها صوت رقية وهي تقف بجانب الباب هاتفة بتعجب :
-واقفين ليه من برا هو فار جوا ولا ايه؟؟
مدت رأسها تنظر إلى الداخل لتجد امرأة جميلة بشدة فافرغت فمها بذهول :
-جايبين نسوان يا يونس
ضربها الآخر على رأسها من الخلف فقالت عايدة متسائلة وهي تشير إلى رقية :
-هي دي رقية اختك
آماء لها صامتًا فقالت عايدة بابتسامة راقية وهي تمد يدها لها حتى تصافحها :
-ازيك يا رقية انا عايدة، كبرتي أوي مكنتش هعرفك بصراحة
اتسعت عيني الأخرى بصدمة لتمد يدها ببطء مصافحة إياها وعينيها على أخيها الذي دلف إلى الداخل وجلس مكانه بعدم إهتمام فاستدارت إليه عايدة متسائلة :
-ممكن اجي أمتى علشان اخد الشنطة
-اللي هتكتبي عنده المحضر هيعرفك على التفاصيل
رد مختصر آخر جعلها تشعر بالضيق الشديد بسبب ردوده المختصرة وعدم اهتمامه الواضح فرحلت مع سمير تاركة إياه مع شقيقته والتي نظرت إليه مذهولة :
-دي عايدة؟؟
-اها جاية تقدم بلاغ اني شنطتها اتسرقت
-طب وانت
رفع نظره إليها هاتفًا بتعجب زائف :
-انا نقيب بمسك قضايا مش العسكري المسؤول عن المحاضر الخاصة بالسرقة
-مستهبلش يا يونس فاهم انا اقصد ايه وعلفكرة دي اتطلقت من شهرين
أعاد الآخر ظهره للخلف هاتفًا بجدية صارمة وصوت خشن :
-لو آخر واحدة على الكوكب مش هبصلها يا رقية
ابتسمت الأخرى برضا فوالله لو كان قال عكس هذا لتغيرت نظرتها به وهبط من نظرها فما فعلته عايدة به ليس بهين ووالله تستحق ما هو أكثر من التجاهل لكنه سيؤلمها أكثر من أي شئ
تحدث الآخر عاقدًا حاجبيه :
-استني بس هو انتي عرفتي منين انها اتطلقت!؟
-عيب يا ابني انا صحافية يعني مفيش خبر في البلد معرفوش
قلب يونس عينيه بضجر وقبل ان يسألها لما أتت له رن هاتفه برقم أحد زملائه فأجاب على الفور مستمعًا إليه من الناحية الأخرى، وإذ بجسده ينتفض من مضجعه يجمع اشياؤه المهمة :
-انا جاي جاي حاول تسيطروا على الموقف واوعوا يهرب منكم
وقفت رقية بسرعة على انتفاضته هذه هاتفة بتحفز :
-فيه ايه يا يونس؟؟
أجابها الآخر على عجلة وهو يرتدي سترته :
-السفاح منزل بث مباشر على صفحة لواحد ورايح يرميه من سطح عمارة في كليوباترا
اتجه بسرعة إلى الخارج وبالطبع لحقت به رقية هاتفة بحماس شديد :
-ياما انت كريم يارب خبر جديد
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السادس 6 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
أخرجت المفاتيح من جيب حقيبتها وفتحت الباب ويكاد التعب يجعلها تسقط على وجهها حتى قبل أن تصل إلى الفراش، وسرعان ما تحولت ملامحها المتعبة إلى أخرى متحمسة حين اخترقت أنفها رائحة شهية جعلتها تسير على هداها بدون وعي
وقفت أمام المطبخ وقد ابصرت الطعام يغلي على الموقد والرائحة منتشرة في المكان، رفعت الغطاء تشتم الرائحة عن قرب أكثر لتهمهم بتلذذ قائلة :
-اشطر واحدة تعمل بطاطس بالتخديعة في العيلة، المفروض تقولي على الطريقة
اخذت واحدة رغم كونها ساخنة ووضعتها داخل رغيف وبدأت تقطم منه، وقد خرجت تبحث عن نور في الشقة منادية عليها فآتاها صوتها من داخل إحدى الغرف :
-انا هنا يا براءة تعالي
دلفت الأخرى إلى الشرفة لتجدها تجلس على المقاعد الموجودة بها فهذه الشرفة متسعة لتحمل مقعدين وطاولة وأكثر من هذا، أشارت إلى الكتب الموضوعة أمامها هاتفة بمزاح :
-هترجعي تذاكري من أول وجديد ولا إيه
رفعت الأخرى منكبيها بقلة حيلة ثم قالت :
-اعمل ايه اشتريت ملخصات مخصوص علشان اراجع دروس الإعدادية، ادوني سنة تانية كلها وكام فصل في تالتة والأستاذ الوحيد الموجود معايا خد سنة أولى وباقي فصول تالتة
قطمت براءة من الشطيرة التي صنعتها هاتفة بتساؤل :
-عملتي ايه النهاردة؟ العيال جننوكي ولا العكس
-لا عيب عليكي مشيتهم على عجين ميلخبطهوش ده انا تخصص تربية عيال
-براحة عليهم يا نور دول ولاد ناس ميستحملوش عصبيتك والله
اغلقت الأخرى الكتاب تغير الموضوع تمامًا :
-طب قوليلي ازاي قاعدين في الشقة الحلوة دي في المكان الفظيع دي وعلى البحر، ده اللي يأجر شقة هنا لازم يبيع كليته
-حصل والله محدش مصدق اننا قاعدين في ميامي على البحر بس أهو ربك، صحاب العمارة هما الرجلين اللي شوفتيهم مع زوج عمتك محفوظ عشية دول، يبقوا اخواته يعني نسايب عمامك، المهم إنهم قرايبنا وهما اللي اتكلموا مع زوج عمتك علشان نقعد هنا بدال ما ناخد إيجار برا
-ايوه صح كنتوا عايزين تاخدوا إيجار ليه مش كنتوا موافقين تقعدوا مع عمتكم أسماء
رفعت الأخرى منكبيها بعدم اهتمام :
-بابا هو اللي قال ناخدوا برا بس قريب من عمتك يعني علشان في الأول كانت شروق وكانت في سكن بس بعد ما البنات هناك سرّقوها واتهموها بالسرقة قعدت مع عمتك لحد ما خلصت سنة أولى، بس دلوقتي بقيت انا علشان التكليف الزفت اللي حطني هنا وعائشة دخلت صيدلية هنا بقينا كتير عليهم
-وجوز عمتك وافق عادي تمشوا؟؟
-لا بصراحة عمك محفوظ اضايق وقال ليه ياخدوا برا وانا موجود اها وده بيت عمتهم برضو، في الآخر أخوه اسمه عثمان باين قال يقعدوا في الشقة اللي قبالهم جاهزة وكانت بتتأجر في الصيف علشان مصيف وكده بس دلوقتي لا، في الأول بابا وعمامك مكنوش موافقين من غير إيجار بس عثمان وأخوه رفضوا وقالوا ده احنا قرايب ونسايب وكلام من ده وادينا اهو قاعدين في الشقة العسل دي بقالنا شهر
ضحكت نور غامزة لها :
-جاتلكم على طبق من دهب مكنتوش تحلموا تعدوا في المنطقة دي
-حصل جدًا يا بتي كفاية منظر البحر اللي قدامك ده، ولو ننزلوا على الشط تحت ده لوحده فوتوسيشن خيالي
ضحكت نور مرة أخرى لكن اصمتتها براءة بقولها :
-اشش وطي صوتك
-ايه يا بتي ده احنا في التالت يعني محدش هيسمعني من هنا
-مش قصدي كده شايفة البلكونة اللي جنبينا دي تبع أوضة ولاد عثمان وفي العادة بيقعدوا فيها يعني حاولي صوتك يكون واطي ولو طلعتي البلكونة تطلعي بطرحة أو بخمار الصلاة أفضل
-ولاده مين؟؟
-اللي شوفتيهم عشية دول واحد في الكلية اسمه كريم والتاني اللي شعره طويل وسايح ده
انقلبت ملامح نور بتذكرها لذلك الشاب الذي ضربها على رأسها فقالت بعفوية منها :
-إلهي تنشل ايده اللي ضربني بيها
اتسعت أعين براءة وليس من سبها له فمن طبع نور أن تتحدث دون أن تلقي بالًا لحديثها سواءً كان جيد أو سئ، هي تسميها عفوية منها لكن الاغلب يسميه "دبش" :
-ضربك!؟
-ايوه قبل ما تيجو كان الأعمي فاكرني أخوه قال وهوب خبطني بحاجة فوق راسي حسيتها اتفتحت
وضعت براءة يدها على فمها تضحك بشدة تزامنًا مع تكملة الأخرى حديثها بحرقة شديدة :
-والله ولولا إني كنت في بيتهم وهما أغراب عني لكنت مسكت أم الحاجة اللي ضربني بيها دي واديته بيها فوق راسه
حاولت الأخرى اصماتها وهي تضحك بشدة :
-يخربيتك اسكتي ليكون جوا ويسمعنا
صمتت الأخرى قالبة وجهها بينما براءة ظلت تضحك وهي تتخيل حمزة يضرب نور على رأسها :
-يا لهوي طب كان فاكرك اخوه ازاي!؟
-ما انا بقولك أعمى يلا بقى يصلح حاله ربنا
توقفت الأخرى عن الضحك وقد وقفت تنظر إلى باب الشرفة الأخرى وعندما وجدته مغلقًا عادت مكانها وقالت بأريحية :
-والله من كتر الشتايم اللي بياخدوها الناس دول مننا العمارة هتوقع بيهم
قطبت الأخرى جبينها ولم تفهم فاكملت الأخرى :
-من ساعة ما سكنا هنا واحنا مش عاتقينهم لوجه الله، تنمر ودعاوي مقولكيش يعني، عندك المفتري اللي بتدرب تحت ايده يبقى ابن محمد اخو عثمان، منه لله من وقت ما بقيت تحت تدريبه وهو يقولش بينا تار عدوه يشوفني قاعدة، ساحبني وراء زي الجاموسة روحي يا براءة تعالي يا براءة، إلهي يتشل في ركبه البعيد
علت ضحكات نور لكنها متشفية في براءة تلك الكسولة أخيرًا وجدت من يردع حيوان الكسلان الذي تتخذه مثل أعلى في حياتها، بينما الأخرى اكملت :
-أخوه التوأم شبهه بالملي بس مش عارفة تحسيه ابوه رستم باشا زي ما بتقول عليه شروق
-يعني ايه؟؟
هتفت بها متسائلة فقالت الأخرى :
-أول مرة جينا هنا كان معانا شنط كتير وكان الاسانسير عطلان فمن شهامة عثمان محمد خلوا ولادهم يطلعوهم معادا اللي بقولك عليه ده اسمه يونس كان واقف تحت وشروق ماسكة اتقل شنطة فيهم وحتة وهتقع بيها، مش عارفة هو مشفهاش ولا كان مطنش المهم مساعدهاش راحت وقعت فعلًا وهي بتطلع السلالم راح خد باله بقى قالها اساعدك فشروق تعديها عادي
-لأ طبعًا دي عصبية تلاقيها لمت عليه الناس
-قالتله بصوتها العالي مش عايزين منك حاجة شكرًا بلد الرجالة فيها شاحة
شهقت نور بصدمة ثم قالت :
-وهو عمل ايه؟؟
-ولا حاجة مردش وجه عمك محفوظ شال منها الشنطة ومن يومها كل ما تشوف خلقته تقعد تبرطم فاكر ابوه رستم باشا ولا الملك فاروق واحد معندوش دم مش يقول ضيفة اساعدها
-ايه الافورة دي
-اهي شروق وعقليتها، بس بصراحة بحسه في العادة لما يشوفها بيبصلها بقرف أو كأنه مش طايقها
-يا أما طبيعي دي قالتله مش عايزين حاجة بلدكم الرجالة فيها شاحة، ده كويس انه مطردهاش وهو أبوه صاحب العمارة
نفضت براءة يدها بعدم إهتمام ثم أكملت :
-اهو ده اللي حصل عائشة بقى ليل نهار تدعي على كريم
-اختي وانا عارفاها تعمل مشاكل مع طوب الأرض لو حد عصبها
-بصي هو الواد معملش حاجة لأني أوضته وهو حر، هو بيشغل التليفزيون الليل كله يحضر فيه ماتشات كورة وعائشة أول سنة عندها طحن مذاكرة حرفيًا ومش بتعرف تركز بسبب الصوت العالي لأني الأوضة لازقة في الأوضة والصوت واضح
-طب ما تروح اوضة تانية ده فيه تلات أوض في الشقة
-واحدة بنام فيها انا وشروق والتانية برضو بتذاكر بالليل ودي صوتها عالي والتانية صوتها عالي مينفعش يقعدوا في اوضة واحدة، بقيت عائشة تنام هنا بعد ما تخلص مذاكرة في اوضة تانية علشان الصوت، بس حتى النوم يا عيني مش متهنية بيه ده بيقعد لحد الساعة اتنين وتلاتة لحد ما يقفل وينام، بحس احيانًا عائشة عايزة تنط في بلكونتهم وتجيبه من شعره وتقولوا اطفي ونام بقى عايزة أنام
ضحكت نور بشدة بالله كم اشتاقت لهؤلاء الثلاثة والجلوس معهم بعدما كانت تجلس وحيدة في بلدهم تضع يدها على خدها في انتظار أن يحدث شئ مثير للإهتمام
قفزت بسرعة من مكانها عندما تذكرت أنها تركت الطعام على الموقد حتى ينضج واندمجت مع براءة في الحديث ونسيته :
-يا لهوي يا براءة البطاطس تلاقيها اتحرقت
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حاول الصراخ ولا شئ يخرج منه إلا أصوات مكتومة بسبب هذا الشريط اللاصق الموضوع على فمه، عينيه جاحظة وملامحه تملؤها الرعب يبصر ذلك المختل يمسك بهاتفه وينشر بث مباشر بينما هو مقيد أمامه بحبل نهايته في يد ذلك المختل
نظر خلفه وجسده ينتفض من شدة الرعب بالمعنى الحرفي حين اصطدمت عيناه بنهاية غير محدودة فهو معلق الآن على حافة بناية يبلغ طولها خمسٌ وعشرون طابق، نظر إليه هاتفًا بجذع :
-انت بتعمل كده ليه انا عملتلك ايه
نظر إليه الآخر بأعين باردة وتعلو شفتيه ابتسامة ساخرة ليحرك الحبل الذي يمسكه بيمينه بينما يمسك الهاتف بيساره فصرخ الشاب مرتعبًا فوالله إن أفلت هذا المجنون الحبل لن يصل إلى الأرض قطعة واحدة :
-لا أرجوك أرجوك والله همشي عدل ومش هعمل حاجة غلط تاني، هتربى والله
لم يتلقى منه سوى ابتسامة باردة ولأول مرة هاتفًا بنفس جملته التي يقولها لضحاياه قبل موته :
-لما تروح جهنم بلغ سلامي لأبويا
وما إن اختتم حديثه حتى أفلت الحبل من يده فاندفع جسد ذلك الشاب للخلف ساقطًا إلى الأسفل بقوة، من ثم أصطدم جسده بالأرضية الصلبة وقد صدق فيما كان يتوقع فلم يصل جسده قطعة واحدة
أما في الأعلى أغلق هاتف الشاب وألقى به إلى الأسفل ثم نزع القفازين ووضعهما في جيب سترته متمتمًا ببعض الكلمات وهو يحدق في السماء الغائمة :
-شكلها كده هتمطر ويا دوب هعرف ارجع
اتجه إلى باب السطح وفتحه مستقلًا السلم فقد كان المصعد مشغولًا الآن بسبب الناس التي صعدت البناية حتى تعلم كيف سقط هذا الشاب فجأةً، رفع زونت سترته على رأسه ووضع سماعاته هابطًا الدرج بكل هدوء لا يليق بالموقف وهو يستمع إلى إحدى الاغاني الأجنبية
خرج من البناية وقد أخرج منديلًا من جيبه ووضعه على أنفه وكأنه يعطس وظل على هذا الحال حتى وصل إلى بداية الشارع بعيدًا عن الزحام الذي حاوط جثة الشاب المسكين ليستقل هو سيارة أجرة وصعد بها هاتفًا بهدوء :
-سيدي بشر يا اسطا
أما عن جثة ذلك الشاب قد تحطمت عظامه بشكل كامل وأصبحت الدماء تدفق من كل مكان في جسده حتى طبعت الغطاء الذي وضعوه عليه الناس لحين وصول الشرطة
وبعد فترة وجيزة وصل يونس ليخرج من سيارته دالفًا إلى هذا التجمع وخلفه رقية التي جهزت كاميراتها بسرعة جاهزة لإلتقاط بعض الصور التي ستهز صفحة الجريدة على الإنترنت
اقترب من الجثة حيث وصل فريق الطب الشرعي قبله ليقول موجهًا حديثه إلى الطبيب :
-ها عندنا ايه المرة دي
نظر إليه الآخر ذاممًا شفتيه بشفقة على حال هذا المسكين :
-عصام الحريري ابن المذيع المشهور مختار الحريري، مات نتيجة سقوطه من على بناية أدت لتكسير كل عظمة في جسمه وتهشم في جمجمة الرأس
تنهد يونس بصوت مرتفع ينظر إلى الشاب بأسى :
-في كل مرة بتكون الجريمة أبشع من اللي قلبها
-لا والمرة دي قتله على العام وهو بيعمل لايف على تليفون الولد، انا بصراحة مشوفتش جحود أكتر من كده، السفاح ده قلبه مات وشبع موت
هتفت رقية بهذه الجملة وهي تلتقط صورة للجثة فقال الطبيب الشرعي برفض :
-يا آنسة ممنوع التصوير
نظرت اليه الأخرى برفض أشد منه هاتفًا بقنوط :
-متقطعوش برزرقي سيبونا ناكل عيش بقى
نظر إليها يونس مقلبًا عينيه بعدم اهتمام ليقول موجهًا حديثه إلى الطبيب الشرعي :
-عرفتوا تمسكوا الولد ولا هرب
-ده هرب ومحدش عارف شكله لاني الكاميرات متعطلة
رفع الآخر حاجبيه بإستنكار :
-حتى لو الكاميرات متعطلة محدش شافه وهو بيدخل بيه العمارة ولا طار به على السطح علطول
وهذه المرة اجابته رقية بثقتها الزائدة :
-لا برجح أنه دخل بالليل أو الفجر في وقت محدش بيبقى صاحي فيه، لاني المرحوم مختفي من امبارح وأهله عملوا بلاغ أنه مرجعش من صالة الجيم من العشاء إمبارح وكانوا خايفين السفاح يكون قتله واهو شكهم طلع في محله
حدق بها الاثنين باستغراب شديد ليقول يونس مستفهمًا :
-وانتي عرفتي منين انه مختفي من امبارح وأهله عملوا بلاغ
-يونس، بابا، انا صحافية مش بياعة جرجير يعني اعرف دبة النملة قبل ما تدبها
قلب الآخر عينيه متجهًا إلى الضابط الذي اتصل به حتى يستفسر منه عما حدث :
-طب ارجعي البيت انتي ايه اللي جابك ورايا أساسًا
-الله ما قولت متقطعوش برزقي سيبونا ناكل عيش ده انا مستفيدة أوي اليومين دول على قفاك يا يونس
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صمت شديد يخيم على هذا البهو المتسع الراقي الممتلئ بالنساء والرجال وجميعهم يتشحون بالسواد، ولا يقطع هذا الصمت سوى صوت القرآن الكريم بصوت أحد الشيوخ ومعه بعض التمتمات التي كانت تخترق مسامعها من بعض النساء
"مسكينة اترملت وهي لسه في عز شبابها"
"هو ده اللي انتي عاملة عليه؟ ده ولاده ومراته سعاد هياكلوها حية مش بعيد يطردوها ويحرموها من الورث "
"ما كانت تعمل حساب اللحظة دي قبل ما تتجوز واحد في عمر ابوها واهو مات"
"يا حبيبتي ما تظلمهاش انا سمعت من حنان اخت سعاد أنه اتجوز البنت دي غصب عنها علشان يرجع معاها شبابه، صغيرة وحلوة وملهاش لا أب ولا أم ولا أي أحد "
" وهي مكنتش تعرف تقول لأ مثلًا أهي بقيت أرملة ويا عالم هتعرف تاخد من ولاد المرحوم نصيبها الشرعي ولا لأ، تلاقيها هتموت منقوطة باين عليها الزعل والخوف"
لاح شبح ابتسامة على شفتيها ولا تزال ثرثرتهم تخترق اذنيها، يتحدثون ويتحدثون سواءً بالحقيقة أو بما سمعوا ولكنها لا تبالي بكل هذا، يظنون أنها حزينة ومنكسرة بسبب موت زوجها؟؟
بالعكس هي الآن في أوج لحظات سعادتها بأنها ستتحرر أخيرًا ويكتب لها إفراج بعد عشر سنوات في سجن حاتم وزوجته المتجبرة وابنائه المتسلطين
فتحت عينيها البنية وأول ما وقع نظرها عليها كانت "سعاد" ضرتها، وكعادتها تحدق بها وكأنها تريد أكلها حية أو كأنها تريد الوقوف وجرها من شعرها خارج هذا الفيلا الضخمة صارخة بها ألا تريها وجهها مرة أخرى
عدلت حجابها الأسود وألتزمت الصمت، هذا الشعور الوحيد المسوح لها به، فلا يحق لها السعادة حتى لا تثير غيرة أبناء حاتم، ولا يحق لها الشكوى حتى لا تثير غضب سعاد، ولا يحق لها البكاء والتألم حتى لا تثير ضيق وحنق حاتم الذي تزوجها لإسعاد نفسه لا لسماع بكائها ونواحها بسبب ظلم سعاد وأولادها
تنهدت على مهل وهي تدور في الأوجه حولها، سيدات ورجال في ثياب راقية منمقة فهذه هي الطبقة المخملية التي من المفترض أنها واحدة منهم بعد زواجها من "حاتم الدخيلي"
واحد من أهم المستثمرين في مدينة الإسكندرية والذي لجأ للزواج من فتاة في عمر بناته من أجل الهرب من زوجته وأبنائه الذين يأتون له بالمشاكل من جميع النواحي، لتكون هي ضحية قراره هذا وظلم زوجته واستبداد أبنائه
شريط العشر سنوات يمر أمام عينيه لا تطيق صبرًا لإنتهاء هذا العزاء البلا فائدة وتصبح حرة مرة أخرى، لا تعلم أين ستذهب وكيف ستعيش لكنها ستخرج من سجن آل الدخيلي هذا وأخيرًا
-هاجر
رفعت رأسها بسرعة إلى صوت عادل أكبر أبناء حاتم من الذكور واقلهم ظلمًا واستبدادًا لها فهو من النوع الهادئ حد البرود وحين تزوج والده بها كان يدرس في الخارج ولم يبالي على حد علمها
وقفت هاجر وخرجت معه حين أشار لها بأن تأتي خلفه وبالطبع لحقتهم عيون اخواته ووالدته، خرجت معه خارج الفيلا ووقفا على الباب الخارجي، مد لها مفتاح وعَقد هاتفًا برسمية شديدة :
-ده عقد شقة في سيدي بشر وده مفتاحها بقيت باسمك هتروحي هناك ومترجعيش هنا تاني، ومش محتاجة اقولك طبعًا أنه ده علشانك مش علشاني لأني لو فضلتي هنا لا وطالبتي بورثك لا إخواتي ولا ماما هيرحموكِ
رفعت عينيها له تحدق به بهدوء شديد فأكمل الآخر مسترسلًا :
-هاجر الشخص الوحيد اللي كان حابب وجودك في البيت ده خلاص مات وانا علشان مظلمكيش اشتريت الشقة دي وكتبتها باسمك وكل أول شهر هيوصلك مبلغ يعيشك مرتاحة ومش محتاجة حد
-انا عايزة أشتغل واصرف على نفسي مش عايزة منكم حاجة
حك عادل جانب ذقنه متمتمًا بخفوت :
-تمام انتي خريجة فنون جميلة صح؟؟ هحاول ألاقي ليكي شغل قريب من منطقتك في أقرب وقت
نظرت إلى الداخل وبالتحديد إلى والدته واخوته فقال عادل وهو يغير الموضوع :
-تقدري تمشي دلوقتي بلاش تستني لما هما يطردوكِ، السواق مستني برا هيوصلك لحد باب العمارة وهيطلعلك شنطتك فوق لحد الشقة
رفعت إحدى حاجبيها بإندهاش يبدو أنه جهز لكل شئ من أجل ذهابها وهذا في الحقيقة شئ يسعدها، على الأقل ليست مضطرة لسماع بعض الكلمات المسمومة من والدته وأخواته الفتيات قبل رحيلها
ويبدو أن القدر لم يستجيب لها للمرة التي لا تعلم عددها إذ وجدت سعاد وابنائها أمامها ينظرون إليها نظرة اللص الحقير الذي وجوده يسرق في منزلهم، اقتربت منها سعاد وامسكت بعضدها بقوة لدرجة شعرت أن اظافر الأخرى ستخترق جلدها :
-طبعًا مش محتاجة أقول مش عايزة أشوف وش امك تاني هنا
سحبت ذراعها من يدها بعنف ولا تزال ملامحها هادئة لترفع قليلًا هذا الفستان الأسود الراقي متجهة خارج حدود الفيلا مستقلة السيارة التي ستخرجها من هذا السجن أخيرًا، تلحقها نظرات حارقة من البعض وباردة من البعض
فأبناء حاتم الذكور لا يهتمون كثيرًا بها عكس الإناث اللواتي كن يشعرن بالغيرة إن شعرت بالسعادة وبالراحة مرة أو اثنتين في العام
رفع أحد أخوات عادل يده يحك شعره وهو بصره معلق على السيارة التي صعدت بها هاجر :
-تفتكروا هترجع وتطالب بالورث
-لأ معتقدش صدقت ما طفشت منكم
هتف بها عادل ببرود شديد تشوبه بعض السخرية فقالت إحدى اخواته هاتفة بتهكم :
-ده على أساس أننا كنا بنعذبها أوي
نظر إليها عادل بسخرية شديدة فكلمة عذاب هينة على ما كانوا يفعلونه بتلك المسكينة، لقد كان حقًا يشعر بالأسى عليها من جميع العائلة ووالدهم في المقدمة
حتى في بعض الأحيان كان يدافع عنها من بطشهم حين يرى الفتاة على شعرة من تقطيع عروق يدها وترك هذه الحياة، ولم يكن يبالي كثيرًا بوالدته التي كانت تصرخ حينها بأن ابنها الكبير يصِف مع زوجة ابيه ويترك والدته تحترق غضبًا
على اي حال كُتب أخيرًا لتلك المسكينة النجاة من بطشهم، رغم أنه يعلم أنهم لن يتركوها وسيضعوها تحت مراقبتهم ولكن على الأقل أصبحت خارج حدود سجن آل الدخيلي كما كانت تسميه...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وقفت أمام المصعد تنتظر هبوطه وفي عقلها تجهز لحمام دافئ، يليه طعام ساخن وكم تتمنى ألا يكونّا الفتيات أنهين الطعام فوالله ستأكلهن بدلًا منه فهي تسامح في أي شئ إلا في الطعام
ورغم أنها تتناول سبع وجبات أو أكثر في اليوم ولكن لا يظهر عليها أبدًا فيظل جسدها نحيفًا كما هو مهما تناولت
وصل المصعد تزامنًا مع استماعها إلى صوت رقية يأتي من باب البناية الرئيسي وهي تثرثر كعادتها وهذه المرة كانت تثرثر مع أخيها يونس وإن سألتوا كيف فرقت بينه وبين أخيه يوسف ستقول بصراحة مفرطة أن هذا يظن نفسه ابن رستم باشا
ولا تسألوا لما تطلق عليه اللقب فيكفي غروره وعجرفته وذلك الموقف السخيف في أول مرة رأته بها اعطتها طابع ليس بجميل عنه، كما يقولون "كلنا أولاد تسعة" فلما يظن هذا الأحمق أنه يمتلك ثروة العالِم نوبل
دلفت إلى المصعد وقد دلفا خلفها فأصبحت هي في الخلف وهما أمامها ولم ينتبه أحدهما لها فقد كان يونس اعصابه مشدودة وفي يده سيجارة أصابتها سريعًا بالاختناق، ورقية تثرثر معه وهو لا يجيب :
-تفتكر يا يونس هتعرفوا تكشفوا السفاح ده ولا لأ، بس عليه دماغ بنت ايه وانت الظابط العاشر اللي يمسك قضيته شكله كده محدش هيعرف يمسكه وسكان إسكندرية هيخلصوا على أيديه
انتفضت شروق في مكانها وكذلك رقية على أثر صياح يونس في شقيقته إذ قال :
-بـــــس بقى اقفلي بوقك شوية رغي رغي رغي هلاقيها منك ولا من اللي داير يقتل كل يوم واحد لحد ما قتل ١٥ واحد في شهر اسكتي بقى
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
استدار كلاهما على هذا الصوت ليبصرا شروق تقف خلفهما، لم يهتم يونس ونظر أمامه بينما قالت رقية مبتسمة وكأنها لم تتعرض لموقف محرج الآن أو وكأنها معتادة على هذا وهي بالفعل كذلك، فيُطلب منها فوق العشر مرات أن تصمت وتكف عن الثرثرة سواءً من عائلتها أو من الغرباء
لكن كيف تطلب من صحافية أن تصمت؟! هذا وكأنك تطلب منها أن ترمي نفسها في تيزاب، لذا اعتادت على مثل هذه المواقف وأكثر وفي النهاية لا تصمت فطبعان لا تستطيع أن تنسلخ منهما ابدًا، الفضول والكلام :
-هاي ازيك يا شروق عاملة ايه؟
وفور أن أنهت حديثها توقف المصعد بشكل مفاجئ بهم فقالت رقية زافرة بغضب :
-لا كده كتير الاسانسير ده لازم يتصلح، من إمبارح وهو بيوقف
-ما لو فيكم خير كنتوا صلحتوه
همست بها شروق بصوت هامس لم تسمعه رقية ولكن سمعه يونس فاستدار إليها يحدق بها في غضب، هذه الفتاة حقًا سليطة اللسان، فوق أنهم يستضيفونها هي واختها وبنات عمها في بنايتهم تقوم هي بسبهم
للحق لم يرى من براءة وعائشة شئ سئ لكن هذه يجب قص مترين من لسانها بسبب طوله
نظرت إليه شروق رافعة إحدى حاجبيها عندما رأته أطال النظر بها بهذه الملامح الغاضبة وكأنها سبته وهي بالفعل كذلك، لكن وهل تبالي؟ بالطبع لا :
-فيه حاجة ولا ايه؟؟
-فيه لسان طويل عايز يتاخد منه مترين
همهمت بضيق وقد علمت أنه سمعها ولكنها لم تصمت إذ ما إن استدار حتى قالت بنفس الهمس :
-ده على أساس انه عنده أخلاق نجيب محفوظ قوي
تشنج وجه الآخر ولم يجب أو يأخذ رد فعل فليس من شيم الرجال ضرب النساء
أخرجت رقية هاتفها تتصل على حارس البناية حتى يصلح المصعد مرة أخرى فقد تعطل بها البارحة هي ونور، وبالطبع لم تغفل عن شجار هذان الاثنان الصامت، هي تعلم بالصدام الذي حدث بينهما فقد حكى يونس لها وليوسف الموقف وكان ردها أنها أُعجبت بلسان شروق السليط
بينما يوسف ذلك العاقل قال انه ربما لم تعتقد أنك لم تراها حين صعدت هي بتلك الحقيبة الثقيلة وظنت بك عديم الإحساس بالفعل
سعلت شروق بسبب الدخان الذي ملأ المصعد فقالت رقية بهدوء :
-يونس اطفي السيجارة
-لأ
رد بارد جعلها تُذهل وتلك التي في الخلف صاحت بذهول :
-هو ايه ده معلهش اللي لأ انا بتخنق من ريحة السجاير لو سمحت طفيها
أدار يونس رأسه لها هاتفًا بنفس البرود :
-لأ
اتسعت عينيها من هذه الوقاحة واحتقن وجهها بشدة فسحبت رقية السيجارة واطفأها فقد بدأت تشعر بالضيق هي أيضًا، نظر إليها يونس بغيظ بينما همست شروق وهي تستند بظهرها على الحائط :
-مفيش ذوق خالص
وهذه المرة استدار إليها بكامل جسده فاعتدلت الأخرى بتحفز تستمع له يقول بشر فقد سمعها تتمتم لكن لم يفهم ما قالت :
-قولتي ايه؟؟
لم تجب شروق وإنما نظرت إلى رقية والتي سحبت ذراع أخيها قائلة :
-في ايه يا يونس اهدى شوية معاها حق ريحة السجاير خنقت المكان
نظرت إلى شروق ثم اضافت :
-معلش يا شروق هو عصبي شوية بسبب القضية اللي ماسكها واللي هي صعبة شوية
-وهو كل واحد ماسك قضية هيتنطط على خلق الله
لم تتب هذه الفتاة إذ همست بهذه الجملة بصوت ناصي فصاح يونس في رقية صارخًا :
-اتصلي بحد يصلح الزفت الاسانسير هرتكب جريمة وربنا
لم ينهي حديثه إلا وكان المصعد يتحرك إلى الأعلى ثم فُتح في الطابق الثالث فخرجت شروق بهدوء تاركة الاثنين في الداخل فدفع يونس رقية للخارج صارخًا بغيظ :
-اطلعي يلا خلينا ندخل شقتنا
-بس شقتنا في الرابع
هتفت بها بتعجب وكادت أن تعود مرة أخرى إلى المصعد ولكن سحبها يونس من ملابسها خلفه على الدرج وما إن وصل إلى الشقة حتى دق الباب بعنف ففتحت والدته فزعة من أن يكون هناك كارثة قد حدثت لتتفاجئ بيونس يلقي ناحيتها رقية هاتفًا بتهكم :
-كان يوم ملوش ملامح يوم ما دخلتي بنتك صحافة
تركهما ودلف إلى غرفته بخطوات سريعة غاضبة فقال يوسف وهو ينظر إلى طيفه متعجبًا :
-ماله يونس؟!
عدلت رقية من هيئتها التي تبعثرت على يد ذلك الغاضب هاتفة بحنق :
-عنده عصبية زايدة بسبب القضية اللي ماسكها ابقى خده انت وحمزة وكريم بكرة معاكم الجيم يطلع غيظه في أي حاجة بدال ما يطلعه فينا احنا
دلفت إلى غرفتها بخطوات سريعة وما إن اختلت بها حتى زفرت بصوت مرتفع بها تنهيدة حيرة، ملقية بجسدها على الفراش تتذكر عندما ذهبت في الصباح من أجل مقابلة ذلك المدعو عمر في نفس المقهى الذي سرقت منه هناك الفلاشة كما يقول
دلفت إلى المقهى تدور بأعينها بحثًا عنه لتجده يجلس على إحدى الطاولات وأمامه جهاز الحاسوب، ظلت في مكانها لدقيقة تتفحصه بنظراتها، شاب في منتصف العشرينات على الأرجح لا هو سمين ولا نحيف، يمتلك خصلات شعر بنية وأعين سوداء غامقة ولحية خفيفة
تنهدت على مهل واقتربت من طاولته وجلست عليها فرفع الآخر نظره لها محدقًا بها بنظرات ساخرة :
-شرفت الوزيرة بعد نص ساعة تأخير
لم تعلق على هذه الجملة بل هتفت متسائلة :
-عرفت ازاي اني انا اللي اخدت الفلاشة
-ارفعي راسك وانتي تعرفي
رفعت رأسها لتجد كاميرات المراقبة موضوعة فارتسمت ابتسامة على وجهها قائلة :
-وطبعًا اخترقتهم بس إزاي!؟
-والله ميخصكيش هاتي الفلاشة
-مش معايا
وما إن هتفت بها بهدوء استفزه حتى هتف بسخرية يشوبها الذهول :
-يا اختي حلوة اومال انتي جاية تعملي ايه هنا؟؟
أعادت الأخرى ظهرها للخلف متكئة على المقعد ثم هتفت بهدوء شديد :
-جاية نشرب اتنين مانجا مع اني الجو برد بس اشطا وندردش سوا على موضوع الفلاشة ده
وضع عمر يده أسفل وجنته مستندًا بذراعه على الطاولة ثم قال مستهزءًا :
-ما اوصلك بالمرة
-تبقى جنتل مان بجد علشان انا جاية تاكسي اخد مني ميت جنية علشان يجيبني هنا
طرق الآخر على الطاولة بكفيه بغيظ شديد فقالت رقية منادية على النادل :
-اتنين مانجا لو سمحت
استندت بكفيها على الطاولة أمامها مبتسمة بإتساع :
-قولي في شغل الهاكر ده أكيد تعرف أخبار كتير ومعلومات حلوة
رفع عمر إحدى حاجبيه مشيرًا إلى نفسه ثم قال :
-هو انتي تعرفيني!؟
بهتت ملامح الأخرى وحاولت التحدث لكن الآخر سبقها مكملًا حديثه :
-انتي ليه يا بت انتي محسساني إنك خطيبتي، ده انتي حرامية سارقة مني فلاشة لا وفي نص الكافية مشوفتش انا حرامي بالجرأة دي
تنفست رقية بصعوبة حتى باتت تشعر أن الأكسجين نفد من حولها فوقفت ساحبة حقيبتها معها ثم قالت بهدوء زائف :
-انا هاروح الحمام
لم تنتظر اجابته بل انطلقت إلى هناك مخرجة هاتفها تبحث عن رقم معين من ثم اتصلت عليه، وما إن رد حتى انفجرت باكية بشدة تستمع إليه يقول :
-فيه ايه يا رقية بتعيطي ليه؟ شوفتي عمر؟ قابلتيه؟؟
وضعت يدها على فمها تكتم صوت بكائها فقال الآخر من على الجهة الأخرى :
-طب اهدي عايز أفهم فيه ايه؟؟
-ده مش فاكرني بجد، ده نسيني تمامًا يا سفيان كأني ممرتش على حياته
-ما انتي عارفة انه ده الحقيقة
-بس مكنتش متوقعة انه هيبقى بالصعوبة دي، صعب اوي انك تشوف شخص بتحبه مش فاكرك وبيعاملك زي الغريب
أجهشت في البكاء مرة أخرى لا تستمع إلى ما يقوله الآخر بل مستمرة في البكاء والنحيب، لا تصدق أنه وعندما وجدته اخيرًا بعد أكثر من أربع سنوات تكون هي محيت من ذاكرته
لم يعد هو كما عهدته، لم تعد نظراته تقطر لها حبًا كما سبق بل أصبحت باردة عادية، لم تعد نبرته الحنونة المازحة التي اعتادت عليها بل أصبحت ساخرة غير مبالية، لم يعد عمر حبيبها كما هو لقد نسيها
صرخ سفيان من الناحية الأخرى بعدما سمع بكائها هذا :
-أهو كنت متردد اقولك علشان كده علشان هتتعبي وانتي شايفاه مش فاكرك، علشان كده فسخت خطوبتك منه وأخدته وسافرت لما نسيكي ونسي كل صحابه واللي كان يعرفهم، علشان قلبك هيوجعك عليه وعلى نفسك
وضعت يدها على فمها حتى تُهدئ من بكائها تستمع إليه وهو يكمل :
-عرفتك على مكانه علشان ترجعي عمر وتخرجيه من اللي هو فيه ده، بقى شخص انطوائي على اللابتوب طول الوقت كأنه بيهرب بيه من اللي حواليه، انا عارف إنك هتخرجيه من ده زي ما عملتي قبل كده رجعيلي اخويا يا رقية
مسحت دموعها ساحبة قدر كبير من الأكسجين، سيحتاج الأمر الكثير من الصبر حتى يتذكرها هو لم يتخلى عنها عندما كانت في أشد الحاجة للعون وهي لن تتخلى عنه أبدًا :
-انا عايزة اقوله يا سفيان مش هعرف اتعامل معاه كأني غريبة
-لأ إياكِ سبق وحالته انتكست لما قابل صاحبه في لندن وهو مكنش فاكره، هو عارف انه عنده فقدان ذاكرة ومن وقتها وهو حاسس نفسه عنده نقص وحالته النفسية ساءت أكتر، اتعاملي معاه وكأنك اول مرة تقابليه، صعب انا عارف خاصةً انه لسانه بقى طويل من قعدته في باقوس مع جدتي بس استحملي علشانه يا رقية
آماءت له وكأنها تراه مستديرة إلى المرآة تحدق في انعكاسها وكأنها ترسل لنفسها طاقة تشجيع :
-اقفل يا سفيان علشان هطلعله دلوقتي
أغلق معها الآخر بينما هي غسلت وجهها مرارة ثم جففته مستعدة لخوض هذا من أجل عمر، هي لديها طاقة صبر كبيرة بحكم عملها فعسى ألا تنتهي قبل أن يتذكرها
خرجت من المرحاض لتجد أن النادل احضر العصير وهو يشرب منه الآن فجلست في مكانها مبتسمة بهدوء :
-ها شربت العصير وروقت كده ندخل في المهم
رفع إحدى حاجبيه في انتظار أن تكمل فقالت الأخرى وقد زادت ابتسامتها إتساعًا :
-الفلاشة اللي اخدتها تفتحها واخد منها كام صورة وارجعهالك ويا دار ما دخلك شر
-تعرفي يعني اي ملح بالتركي
نفت رقية برأسها عاقدة حاجبيها بتعجب فقال الآخر وهو يضع حاسوبه في حقيبته الخاصة :
-هي دي اجابتي على اقتراحك ده، بكرة هاجي في نفس المعاد في نفس الكافية وتجيبي معاكي الفلاشة وإلا والله مش هعاملك برقي ابدًا
-ده على أساس إنك اتعاملت معايا كده برقي أومال شخصية الجرابيع عاملة ازاي؟؟
وضع كفيه على الطاولة واقترب منها فعادت الأخرى للخلف ملتصقة في المقعد بينما هو هتف بتهديد مظهرًا لها شخصية الجرابيع هذه :
-بصي يا بنت انتي مش علشان ماسك لابتوب ولابس شيك ابقى من مِيامي ولا جليم ولا ابن ناس حتى، انا متربي في حواري إسكندرية ولو مرجعتيش الفلاشة اللي سرقتيها مني وربنا احبسك في عالم افتراضي اخليكي تلطمي علشان تطلعي منه
عاد كما كان وسحب متعلقاته ورحل وقبل أن يبتعد عن الطاولة استدار لها وقال :
-وآه حاسبي انتي علشان مش بحاسب لحرامية
نظرت رقية لطيفه وهو يرحل متسعة العينين هامسة :
-لأ ده مش عمر اللطيف اللي اعرفه ابدًا ده واحد شوارعي، مش معقول سنتين في باقوس يعملوا فيه كده؟!
افاقت رقية معتدلة من على الفراش لتتجه إلى خزانتها تخرج من بين ملابسها صورة تعود لها عندما كانت في سنتها الأولى في الجامعة تجمعها مع عمر والذي كان في سنته الأخيرة في الجامعة وكلاهما كان يبتسمان، فلم يكن حينها ما يروق حياتهما :
-شوارعي شوارعي يا عمر يا انا يا انت، ويا تفتكرني يا اضربك على راسك علشان تفتكرني مش هقبل بغير كده
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السابع 7 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
هدوء شديد جعلها تبتسم ابتسامة ناعسة لا تصدق أن اليوم الجمعة ولن تذهب للعمل وتتحمل ذلك الطبيب المتسلط الذي يسخرها هنا وهناك حتى تشعر أن قدميها أصبحت كالخيوط
تثاءبت بنعاس وهي تحك خصلات شعرها المتشابكة، تتحرك في الشقة ببطء شديد بسبب النوم وكأنها تمتلك الوقت كله ولما لا واليوم هو الجمعة، لكن معروف أن لا يوجد شئ جميل يكتمل إذ طرق الباب منتشلًا إياها من هذه الراحة فنفخت بضيق قائلة :
-مين الغتت اللي جاي على صباح ربنا ده
ألتقطت خمار الصلاة وارتدته مكتفية به فوق هذه الملابس العجيبة فلا هي ترتدي بجامة عادية ولا ملابس بألوان متناسقة، وهذه هي عادتنا نحن الفتيات في المنزل نرتدي أي شئ ولا نهتم، عسى أن نرتدي بنطال برتقالي وقميص وردي لا نهتم
فتحت الباب لتجد ابن عمتها أسماء الأصغر والذي يبلغ من العمر 15 عامًا :
-ها صباح الخير يا لؤي جاي من صباح ربنا من بيتك لميامي، انا والله لو مكانك ما هعملها
ضحك الآخر مشيرًا عليها من الأعلى إلى الأسفل هاتفًا بنبرة ضاحكة :
-ايه المنظر ده اي الألوان اللي بتنور دي
مسحت براءة وجهها مستندة على الباب ولا يزال النعاس في عينيها فهي كانت تريد أن تشرب وتعود للفراش ولا تستيقظ من عليه إلا في الظهر :
-كل الألوان الغامقة في الغسيل اقعد من غير هدوم يعني
-طب يلا ادخلي غيري وصحي البنات علشان امي عزماكم على الغداء وبعتتني اجيبكم علشان متوهوش زي المرة اللي فاتت وننزل ندور عليكم
-هو مش انتوا لسه عازمينا الأسبوع اللي فات هي شغلانة
رفع الأخرى طرف شفتيه بإزدراء، تلك الكسولة لا تقول هذا كنوع من التواضع أو الإيثار وإنما لأنها كسولة تحمل عناء الطريق وأنها ستترك الفراش في يوم الجمعة وترتدي ملابس خاصة بالخروج وتأتي معهم :
-الأسبوع اللي فات مكنتش معاكم نور فأمي هتعزمكم انتوا الكل علشانها
ابتسمت له براءة ابتسامة مصطنعة بشدة هاتفة :
-نور نايمة وتعبانة وطالعة من حادثة قطر، الجمعة اللي جاية تتعوض إن شاء الله
حدق بها الآخر بتشنج ليجد أن نور مدت رأسها من الباب حتى ترى مع من تتحدث براءة فقال لؤي :
-كدابة وكسولة وفيكي كل العبر هتروحي من ربنا فين يا شيخة
دلفت براءة إلى الداخل ثم هتفت بعدم إهتمام تاركة الإثنين يقفان على الباب :
-اهي نور خدها واقفلوا الباب وراكم انا النهاردة إجازة وعايزة أنام
نظر لؤي إلى نور غير مبالي بتلك الكسولة ليقول ممازحًا :
-انتي لسه حية، والله انا أول ما عرفت إنك كنتي في قطر الصعيد اللي عمل حادثة قولت تلاقي البنت اتفرمت ومش هنلاقي ليها جثة
ضربت الأخرى كف على الآخر لا تدري ما بال جميع من سمعوا انها نجت من ذلك الحادث لتقول بقنوط :
-لا إله إلا الله مفيش حد يقولي حمد الله على سلامتك عادي من غير ما يفول عليا، محدش يقولي بركة إنك لسه حية بدال انتي إزاي لسه حية
-طب فكك من ده كله بركة إنك حية يا ستي ادخلي غيري كده وهات التلاتة اللي جوا دول علشان امي عزماكم
ارتسمت على وجه نور ابتسامة متسعة متسائلة :
-طب عاملين ايه ابهروني
-أنواع سمك مسمعتيش بيها في حياتك
-عاملين كبدة إسكندراني؟؟
-اقولك سمك تقولي كبدة إسكندراني
-مليش فيه انا أول حاجة عايزة اضوقها هي دي
كتم لؤي ضحكته على لهجتها المفخمة بشدة لكلمة اتذوقها :
-اضوقها
-انت بتتريق طب غور
أغلقت الباب في وجهه دون تفاهم فقال الآخر من الخارج بصوت مرتفع :
-طب اجهزي طيب وصحي البنات علشان آخدكم، انا هستنى عند عمي عثمان ماشي
استدار ليجد ابنيّ عمه يهبطان على الدرج ومن هذه الملابس الشبابية، اليوم هو الجمعة وهم يذهبون إلى نادي رياضي في هذا اليوم :
-صباح الخير يا يونس ويوسف أيًا يكن مين يوسف ويونس علشان مش بعرف أفرق والله
ابتسم له يوسف ثم قال مشيرًا ناحية شقة الفتيات :
-بتعمل ايه هنا على الصبح كده؟
-جيت اخدهم علشان عازمينهم على الغداء انتوا رايحين فين كده
اجابه يونس وهو يطرق على باب شقة عمه عثمان حتى ينادوا على كريم وحمزة، أو بمعنى أصح حتى يجر كريم الكسول من فراشه ويحضر ذلك الآخر من قفاه فكلاهما يعشقان التأخير على أي حال، وكأنه عادة مقدسة لا يجب خرقها :
-رايحين الجيم تيجي معانا
-كان على عيني والله بس لو سبت البنات يروحوا وحدهم هيضيعوا زي المرة اللي فاتت وننزل ندور عليهم بس طالما معاهم نور المرة الجاية يجوا لوحدهم بتحفظ الأماكن بسرعة البنت دي
ضحك يوسف متذكرًا تلك المسكينة عندما ضربها حمزة على رأسها، بالله كانت الضربة حقًا قوية من الجيد أن الفتاة لم تفقد الوعي
فُتح الباب وأطل من خلفه كريم بهيئة مبعثرة وأعين ناعسة وشعر يشبه فراء الخراف فقال يونس دافعًا إياه للخلف :
-هو انتي لسه ملبستش مش انا متصل من ساعة وقولتلك انت واخوك تجهزوا علشان نروح الجيم
وبهدوء شديد دون أن يضيف أي كلمة تحرك ناحية البهو ملقيًا بجسده على الاريكة مكان نومه طوال الليل وهذا بعد أن طرده حمزة من الغرفة بسبب اكتشافه أنه هو من قطع ذلك الكتاب وليس أحد غيره
دلف يوسف ولؤي خلف يونس الذي أمسك بوسادة وألقى بها على رأس كريم جعل الآخر ينتفض من فوق الاريكة صارخًا :
-ايه يا عم الغباء ده هو انا انام جوا هو يضربني، اطلع برا انت تضربني، ارمي نفسي في البحر وأغرق علشانكم؟!
جلس يوسف دون إضافة كلمة ينظر إلى أخيه بإهتمام، لا يبدو طبيعًا بالمرة، أجل هو ذو طبع عصبي لكن لا يصل الحال به إلى هذه الدرجة إلا إذا كان هناك شئ قد حدث معه، لم يقتنع بكلام رقية البارحة عندما قالت انه متوتر وضائق بسبب تلك القضية المعقدة التي يمسك بها
هناك شئ آخر يقلب مزاج يونس غير القضية
خرجت ناهد على هذه الأصوات المرتفعة لتقول مبتسمة ما إن لاحظت وجود يونس ويوسف ولؤي كذلك :
-صباح الخير موجودين عندنا على الصبح يعني
تحدث لؤي رافعًا منكبيه :
-انا جاي آخد البنات عندنا بس دول هيروحوا الجيم وابنك الكسول ده شكله مش رايح
-لا يروح ميروحش ليه حتى حمزة يروح
ابتسم كريم ابتسامة ناعسة لها ثم قال وهو بضيق عينيه :
-عايزانا نحافظ على لياقتنا البدنية يا ماما
-لا عايزة تتطلع انت واخوك من البيت ولو تعرفوا تاخدوا رحمة خدوها معاكم علشان انضف البيت على روقان بال، مش هي ترفع ضغطي وانت تجبلي صداع بالماتشات بتاعتك والتالت يفضل جاي رايح في الشقة ويبوظهالي
تعالت الضحكات بينما قال كريم وهو يحدق في طيف والدته التي دلفت إلى المطبخ :
-كده يا ناهد طب ماشي لما يرجع بقى هخليه يطلقك علشان تعرفي تنضفي براحتك في البيت اوعى يا عم كده
ابتعد يونس تاركًا الآخر يمر بينما هو جلس بجانب أخيه يمسح وجهه ولحيته واعصاب وجهه مشدودة وكأن هناك ما يورق تفكيره، يعرف أخاه جيدًا ويحفظه رغم اختلاف شخصيتهما لكنهما توأم في النهاية
ابعد عينيه عن يونس منتبهًا إلى لؤي الذي سأله قائلًا :
-صحيح يا يوسف أخبار براءة معاك في التدريب ايه
انقلبت ملامحه مقلبًا عينيه بضجر ليسبقه الآخر في قوله إذ هتف بنبرة اختلطت بالضحك :
-أكسل خلق الله صح
-لا شكلها كده معروفة بالطبع ده مش بس في الشغل
-هي فعلًا كسولة أوي وعندها برود ولا مبالاة، يعني لو الدنيا بتولع جنبها هي تبقى عادي والدنيا ربيع والجو بديع قفلي على كل المواضيع، صبرًا بس هتجيبلك جلطة من الكسل اللي فيها ده
-أكتر من كــــده
هتف بها مذهولًا فوالله لن يتحمل يومًا آخر بكسل تلك الفتاة، وإن لم تتطبع بطبع النشاط وتترك خمولها هذا ستأخذ تقدير سئ ولن يفرق معه إن كانت قريبتهم أم لا، فلا يكره في حياته أكثر من الكسل واللامبالاة وهذه تأخذ جائزة نوبل في الكسل
خرج حمزة من غرفته يضع اللمسات الأخيرة على شكله، فهكذا هو حمزة يجن أن وطأ خارج حدود منزله وهو في هيئة غير مرتبة يشعر حينها وكأنه من ضمن المشردين، فهو مهووس بشئ يدعى نظافة وأن يكون المرء في هيئة مرتبة جميلة
صفرت رحمة معجبة بهذا الوسيم والذي كأنه خرج من التلفاز التركي لتوه، دارت حول أخيها تثني على جماله هذا :
-قمر، عسل، سكر، تحفة، يا ربي رح موت من ذا الجمال
قهقه حمزة بشدة بينما وقفت رحمة تحدق في ملابسه المهندمة إذ كان يرتدي بنطال جينزي ثلجي يعلوه معطف شتوي باللون الرمادي يظهر من أسفله قميص باللون الأسود
وبالطبع لم ينسى حمزة شعره الأسود الطويل والذي أعاده للخلف وقد تساقطت بعض الخصلات على الجوانب معطية له مظهر يشبه أحد الممثلين الأتراك والذي لا تتذكر اسمه في الوقت الحالي :
-بالله أكاد اذوب من الحلاوة دي، انا صحابي كلهم بيكرشوا عليك يا حمزة لما تيجي تاخدني من المدرسة انا وماما بيعتبروك فارس الأحلام، يا سلام لو بتوع الروايات بقى عرفوا إنك كاتب هيتهوسو
ضحك الآخر واتجه الي الاريكة حتى يرتدي حذائه الرياضي ذو اللون الرمادي حتى تكتمل اناقته :
-بس معتقدش اني صحابك يعرفوا حاجة ليا، انا اللي بكتبه يناسب عقلية أكبر
-مش فاهمة هو انت بتتريق عليا انا وصحابي يعني؟؟
-لا مش قصدي كده، انا كتاباتي بيفضل قراءتها المرحلة الثانوية أو الجامعية لإني معظم بنات الإعدادية دول بيفضلوا أنواع الروايات الرومانسية أكتر ومش بيفضلوا الرومانسية الواقعية اللي انا بكتبها، عايزين حاجات تضحكهم أو تأكلهم فراشات ونهاية سعيدة، انا معظم نهاياتي مأساوية علشان واقعية يستوعبها أصحاب العقلية الأكبر
حدقت به الأخرى عاقدة الحاجبين متمتمة بينها وبين نفسها :
-مفهمتش حاجة برضو
قلب الآخر عينيه بضجر جالسًا بجانب البقية في انتظار كريم ليقول لؤي محدقًا في شعر حمزة :
-بالله عليك يا حمزة تقولي بتستخدم ايه لشعرك ده انا شعري مقارنةً بشعرك فروة معيز
ضحك الجميع على تشبيههم هذا حتى يونس والذي استدار لحمزة هاتفًا بسخرية :
-ودعلي شعرك لما تلعب معايا ملاكمة يا حمزة
اتسعت أعين الآخر بذهول مرددًا :
-ملاكمة مين؟ انا رايح معاكم أجري شوية على آلة الجري دي علشان ميبقاش عندي كرش لكن تقولي ملاكمة وضغط وتنطيط لا مليش فيه، انا مش ظابط انا محامي يعني آخري أقف قدام القاضي وأقول سيدي القاضي، مش سليم الأنصاري انا واتنطط علشان أجيب المجرم من قفاه
تحدث يوسف سريعًا عندما وجد يونس قد حول أنظاره له هو :
-ولا انا طبعًا انا جراح ايه جاب الجراحة للملاكمة، انا بنقذ الناس بدال ما يحصلهم عاهات مستديمة مش أعملهم انا عاهات مستديمة
أشار ناحية لؤي مكملًا :
-خد لؤي ابن عمك نفسه يبقى ملاكم
ابتسم لؤي ليونس ابتسامة بلهاء ثم قال بتبرير :
-نفسي ابقى ملاكم آه بس برضو نفسي أعيش، انا شايف انه يونس شكله متعصب النهاردة وممكن آخد ضربة منه منفعش تاني فخليها لوقت لاحق يكون مزاجه هادي، ثم لو انا روحت معاكم مين يوصل البنات ومين ياكل السمك اللي في البيت ومين يطلب المطافي علشان غادة جاية النهاردة
انتبه حمزة ورحمة للحديث فور ذكره لاسم غادة لتقول رحمة :
-هو انتوا عازمين البنات عندكم وغادة هتيجي
-أكيد مش إسماعيل جاي ثم مينفعش متجيش كمان المرة دي، علشان المرة اللي فاتت اعتذرت وقالت مجياش
-ربنا يستر ويكون بنات اخوالك عندهم مرارة يا لؤي
هتف بها حمزة ساخرًا يعلم أن هذا اليوم لن يمر بخير على بيت عمه محفوظ ما إن تجتمع شقيقته بأولئك الفتيات، فقال لؤي بسخرية أشد :
-معندهمش للأسف عندك شروق عصبية وعائشة لو حد بصلها بصة متعجبهاش بس معندهاش مانع تجيب صاحب البصة دي من شعره، ولا براءة يا لهوي تتقطع حية ولا تسكت لحد يقول كلمة وحشة ليها، يمكن نور الوحيدة اللي فيهم اللي مش بتحب المشاكل وبطنش أي كلام يتقال بس التلاتة التانيين لا وانتوا أختك متتوصاش يا حمزة يارب عدي اليوم ده من غير مشاكل
تساءلت رحمة سريعًا عندما أتى لؤي بذكر نور فقالت :
-صحيح تعرف اني بنت خالك هتبقى مُدرسة الدراسات الجديدة
-بنت خالي مين؟؟
-اللي اسمها نور يا ابني جات إمبارح المدرسة بس انت تقريبًا كنت غايب
لم يكن يعلم لؤي بكل هذا، هو لم يتساءل عن سبب حضور نور إلى الإسكندرية ظنها مجرد زيادة عادية :
-طب قولي والله يعني نور هتبقى مُدرسة الدراسات وهتبقى معانا السنة كلها
-آه حتى كل اللي دخلت الفصل عنده بيقول إنها شديدة أوي وصعبة بس تبان كيوت، والله ميظهرش عليها ده كله
حدق بها لؤي للحظات قبل أن يخرج من الشقة بأكملها متجهًا إلى شقة الفتيات يستفسر عن هذا الأمر، نظر حمزة ناحية اخته قائلًا :
-المهم بتعرف تشرح؟؟
-مدخلتش فصلنا بس بيقولوا إنها بتشرح فعلًا بس شديدة وانا خايفة من ده أوي
-مش مهم بقى شديدة شديدة، على الأقل تشد عليكي في المادة اللي انتي واقعة فيها خالص دي يا فاشلة
برمت الأخرى شفتيها معترضة على هذا :
-انا مش فاشلة يا حمزة بس مش بحب المادة دي مكلكعة أوي ورخمة
-طب يلا بينا احنا
هتف بها كريم وهو يقف أمامهم مرتدي بنطال ملابس رياضي باللون الأسود والأخضر أقرب للتلك التي يرتديها الشباب في المنزل، فوقها معطف أزرق لا يليق أبدًا، ويرتدي خُف أبيض أو لنقول "شبشب" ويضع يديه في جيوب المعطف وهذا كله بالإضافة إلى شعره الذي لم يكلف نفسه ويرتبه حتى فتركه كما فراء الخراف
نظر يوسف إلى حمزة ثم إلى كريم قائلًا :
-سبحان الله فرق السماء من العمى واحد كأنه رايح يخطب والتاني كأنه رايح يجيب سجاير من الكشك اللي تحت البيت
فتح كريم المعطف محاولًا خلعه بينما يقول بقنوط :
-انا جذمة أساسًا اني قومت ولبست علشان اروح معاكم
وضعت رحمة يدها على فمها تكتم ضحكاتها وهي تقول :
-لبست ايه يا كريم انت طالع بنفس الترينج اللي نايم بيه بس لبست عليه جاكيت واللي أصلًا بقى صغير عليك وماما طلعته علشان تديه لحد تاني
دفعها كريم من امامه متجهًا إلى الاريكة التي كان ينام عليها ليقول بتهكم موجهًا حديثه إلى يونس :
-قوم يا عم كده عايز اتخمد
وقف يونس بالفعل لكن لم يفسح له بل سحبه من طرف سترته ساحبًا إياه للخارج معه لينظر إلى يوسف وحمزة اللذان لا يزالا جالسين فقال رافعًا إحدى حاجبيه بتهديد واضح :
-مستنين دعوة ولا اجيبكم من قفاكم انتوا كمان؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دفعت الباب بعنف وكأنها من شرطة مكافحة المخدرات لتجد حفيدها نائم على هذا الفراش القديم بطريقة فوضوية يضع الوسادة فوق رأسه لا أسفلها مثل باقي البشر :
-حمار نايم مش بني آدم أبدًا
حولت أنظارها ناحية هاتفه والذي صوته تسبب لها بصداع نصفي فهو يرن منذ ربع ساعة تقريبًا وهذا الأبله لا يسمع شيئًا
اقتربت من الفراش لتسحب الوسادة الذي يغطي بها وجهه هابطة بها فوق رأسه فقفز الآخر من على الفراش صائحًا بألم فلم تكن الوسادة ناعمة أو من قطن ناعم بل على الأرجح من قطن تم صنعه منذ مائة عام لدرجة أصبح كالحجارة داخل الوسادة
نظر حوله بأعين ناعسة لا يبصر بها سوى صور مشوشة وصوت رنين هاتفه مختلط بصوت جدته تقول :
-تليفونك صحى الجيران وانت نايم زي الحمار ده لو ميت مدفون كان صحي
فرك عمر وجهه يتثائب بنعاس فضربته مجددًا بتلك الوسادة مجددًا صائحة :
-انت لسه هتتاوب قوم رد على التليفون ده
امسك الآخر منها الوسادة وألقى بها بجانب الخزانة فصرخت الأخرى بغضب وهي تهبط بيدها على رأسه :
-المخدة يا حيوان ما انت مش تعبان في فلوسها انت عارف دي بقالها قد ايه معايا
-ده كان المفروض تتدفن مع جدي الله يرحمه، دي بقيت من ضمن الآثار انتي نفسك يا جدتي بقيتي آثار
اتسعت عيني الأخرى بذهول مشيرة إلى نفسها فقال الآخر وهو يمد جسده يلتقط الهاتف وقد أصدر الفراش أصواتًا لقدم عمره فمن الجيد أنه لا يزال قطعة واحدة من الأساس :
-صحيح صباح الخير علشان لما أسألك عن الأكل متقوليش اهو ده اللي فالح فيه صاحي على الأكل الناس تقول صباح الخير وانت تقول جعان
-انت خسارة فيك الكلام اصلًا ومفيش طفح يا ابن زينب أنزل اطفح في حتة تانية
تركته ورحلت فقال عمر وهو يهبط من على الفراش :
-انتي بتتلكي أصلًا يا جدتي وكل يوم تعملي حكاية علشان أنزل قبل ما تيجي البنت اللي بتنطف البيت وتطبخلك قال ايه خايفة اعمل حاجة كده ولا كده، هي دي يتبصلها أصلًا شبه عود القصب مفيش فيها ريحة أنوثة
وكان كل كلامه همسًا حتى لا تسمع جدته وتسيقه الويل لسبه لتلك لفتاة التي تعتبرها في مقام حفيدتها، لا يدري لما لا يستلطفها ولا يطيقها على وجه العموم بملابسها الغريبة تلك ذات الألوان الفسفورية
نظر إلى هاتفه ليجد أن المتصل كان رقية، من الجيد انه لا يسجل اسمها وإلا اتهمته أنه يصادق الفتيات ولم تكن لترتاح حتى تطرده خارج البيت متهمة إياه أنه سيلوث المنزل بأفعاله القذرة
رد على الهاتف ولا يزال أثر النعاس باديًا على صوته ليستمع إلى صوت الأخرى تصيح على الناحية الأخرى ولا يدري أكان ما سمعه هذا حقيقي أم أنه أثر النعاس لا أكثر :
-عمر انت فين؟؟
كانت نبرتها خائفة قلقة تشوبها بعض اللهفة فنظر إلى الهاتف رافعًا إحدى حاجبيه بتعجب :
-مين معايا
-انا رقية يا عمر
-أهلًا جنابة الصحافية اللي سارقة الفلاشة وبتروح وتيجي في الكلام علشان مترجعهاش، بصي يا بنت انتي لو وقفتي على شعر راسك مش هتعرفي تفتحيها، يعني هي في ايدك حتة حديدة ملهاش لازمة رجعهالي احسنلك
تداركت رقية ما نطقت به وكم كان صوتها ملهوفًا عليه ولكن ليس بيدها فقد حدث حادث قريب من المقهى الذي كان من المفترض أن يلتقوا به والساعة الآن العاشرة والربع صباحًا الميعاد المحدد بينهما فظنت أنه هو من كان في الحادث
تنفست بصوت مرتفع تضع يدها على صدرها تهدئ من روع نبضات قلبها المضطربة :
-انا... انا في الكافية، انت فين الساعة دلوقتي عشرة ونص فين الإلتزام بالمواعيد ولا فالح تعمل محاضرة ليا انا؟
نظر عمر سريعًا إلى هاتفه ووجد أنه تأخر بالفعل عن الموعد، ولو لم تكن جدته ايقظته لم يكن ليذهب من الأساس، وضع الهاتف على اذنه هاتفًا بفظاظة :
-حرامية وبتقاوحي
اتكأت الأخرى على ظهر السيارة التي بالطبع سرقتها من اخوتها دون أن يعلموا، تضغط على شفتها تمنع ضحكة كادت أن تفلت منها، يعجبها هذه الشخصية الجديدة من عمر، مختلفة عن عمر الذي تعرفه ولكنها حقًا تعجبها :
-طب وريني هتاخد الفلاشة ازاي
أغلقت في وجهه وها هي أول خطوة لإعادة عمر تنجح فهو يجن بالمعنى الحرفي إن تجاهله أحد فما بالك وأن هذا الأحد يمتلك شيئًا هو يريده
وهذا ما كان يحدث على الجانب الآخر فبعد أن أغلقت رقية في وجهه حاول الإتصال بها مرة ثانية وثالثة وسابعة والأخرى لا تجيب، صرخ بغيظ شديد وهو يقلب في ملابسه يبحث عن شئ ليرتديه وهو يتمتم ببعض الكلمات المغتاظة :
-انا تقفل في وشي الحرامية بنت الحرامية والله لأجيبها من قفاها واخلي عيال الحارة يزفوها زفة الإنجليزي في العشة
خرج من الغرفة وهو يرتدي سترته ليصطدم في حنان تلك الفتاة التي تأتي إلى جدته كل صباح حتى تساعدها في تنظيف الشقة وتحضير الغداء فلا طاقة لها بفعل كل هذا بعد أن أصبحت كبيرة في السن
تحدث عمر بضيق قبل أن تبادر الأخرى بأي كلمة إعتذار :
-يا اختي اوعي انتي كمان بطرحتك أم ترتر دي رايحة حنة خالتك
اتجه بسرعة للخارج يهرول على الدرج وفي يده هاتفه، حاول الاتصال بها مرة أخرى لكن هذه المرة أعطاه مغلق فصاح بذهول :
-قفلت التليفون طب ماشي تقولش بشحت منها تربية ميامي دي والله لأوريها تربية باقوس
توقف أمام البناية يبصر الشارع مقلوب رأسًا على عقب بسبب مشاجرة كبيرة تشن بين أفراد الشارع وكالعادة تكون على سبب تافه بشدة، إما بسبب النساء أو الأطفال أو على عشرِ جنيهات خسرها أحدهم في لعبة فتشاجروا
حسنًا ربما أعتاد لسانه على طريقة حديثهم لكن لا يحب هذه المشاجرات التي تقام كل يوم فهو ليس من محبي المشاجرات بل يميل إلى العزلة أكثر رفقة حاسوبه العزيز
حاول الخروج لكن كلما حاول يعود للخلف قبل أن يتلقى ضربة من أحدهم فكانت المشاجرة حادة بشدة، وما إن رأي أنهم قد بدأوا يستخدموا السلاح الأبيض حتى فر إلى الأعلى بدلًا من أن يأخذ ضربة تسبب له عاهة مستديمة
عاد مجددًا إلى شقة جدته وهو يتصل هذه المرة على الشرطة حتى يأتوا لأولئك الحثالة ويلقوا بهم داخل السجون، حدقت به جدته "ونس" وهو يدلف مجددًا إلى غرفته يصيح بصوت مرتفع فأتت حنان من خائفة فكم هم يخيفون أحفاد الجدة ونس
ربما عمر هادئ قليلًا لا يحب الشجار ولا يخيف إلا في حالات عصبيته النادرة لكن ذاك الآخر الذي لا تعلم اسمه مخيف بدرجة كبيرة له هالة مرعبة تحيط به تجبرك أن تبتعد من أمامه عندما يمر
من الجيد أنه يختفي كثيرًا ولا يأتي هنا إلا نادرًا فلا تنسى ذلك اليوم الذي حطم به عظام أحد شباب الحارة لأنه استهزأ به عندما وجد أنه يتلقى الكثير من المدح من الجميع رجالًا ونساءً بسبب طوله الفارع وعرض منكبيه فقال حينها :
-تلاقيها نفخ ده كله بينفخ اليومين دول، حتى الرجالة مبقيتش رجالة بقيت تنفخ زي الستات
وعلى أثر هذه الجملة جلس في منزله ثلاثة أشهر في الجبيرة لا يتحرك بعد أن أراه الفرق بين النفخ والطبيعي
وهو وسيم مثل عمر لكن أيضًا مخيف حد اللعنة فعندما يكون هنا تتحجج بأي شئ حتى لا تأتي إلى الجدة ونس
جلست إلى جانب الجدة التي أخرجت هاتفها تعطيه إياه قائلًا :
-خدي يا بنت يا حنان هاتيلي رقم واحدة اسمها رقية
-رقية مين؟؟
-يا بنت وانتي مالك هاتي الرقم وانتي ساكتة
أخذته منها تبحث عن الرقم لكن ما إن رأت عمر خرج حتى اختطفت منها ونس الهاتف بطريقة غريبة وأغلقته بينما عمر قال وهو متخصر أمامهما :
-انتي سبتي إسكندرية كلها وسكنتي انتي وجدي في أدنى الأرض، ملقتوش منطقة انضف من دي؟ كل يوم خناقة كل يوم صداع
-بس البلد دي أحسن من غيرها يا أستاذ عمر
هتفت بها حنان بعد رضا عن التحدث عن منطقتها بهذه الطريقة فقال الآخر مشمئزًا :
-بس يا بنت يا أم ترتر انتي بطرحتك دي
نظرت الأخرى إلى شالها اللامع الذي تلقيه بإهمال على راسها لا يخفى سوى جزء من رقبتها وشعرها الذي صبغته من الأمام باللون الأصفر
-ده مش ترتر يا أستاذ عمر دي بربروق
-بربروق ايه ده اسم سم فيران مش قماشة
اسكتت ونس حنان حتى تدلف وتتركها مع عمر :
-ادخلي انتي يا حنان طلعي فرخة من الفريزر علشان إحتمال سفيان يجي يتغدى معانا النهاردة
-ها طب بقولك ايه يا أم زينب ما تسبيبي أروح الله لا يسيئك انا بخاف أوي من اللي اسمه سفيان ده عليه بصة تقطع الخلف وربنا
ضحكت الأخرى بشدة لا تنكر هذا فحفيدها بالفعل لديه هالة مخيفة :
-لا متخافيش اعملي الغداء انتي ورتبي البيت وامشي، يلا يلا بس قبل ما يجي
تركتهما الأخرى ورحلت بينما قال عمر بهدوء وهو يجلس في مقابل جدته :
-مين قالك اني سفيان جاي
-انا هتصل عليه يجي مرفعش السماعة عليا بقاله أسبوع الجذمة
-معتقدش أنه هيجي يا جدتي مشغول أوي اليومين دول الله يعينه
لوت الأخرى شفتيها بقنوط قائلة :
-يعني مش فاضي ساعة يقعد معايا ولا حتى خمس دقايق يطمني هو حي ولا ميت
ابتسم عمر يمازحها حتى يخفف عليها يعلم أن شقيقه لا يتجاهلهم لكن عمله حقًا صعب :
-متزعليش بقى يا ونس ما انتي عارفة أنه بيضغط أوي بسبب شغله هو يعني شغال سباك ولا نجار ده ظابط
-هو يعني حصّل ايه من شغله ده غير أنه بياخده من الكل حتى مراته طلبت منه الطلاق بسبب اهماله ليها
-جدتي متظلميش سفيان فرحة هي اللي كانت شكاكة لما كان بيتأخر في شغله بالأيام كانت بتتهمه أنه متجوز عليها ومهما يحلفلها أنه بيشتغل مكنتش بتصدق وفضلت على شكها فيه لحد ما أتطلقت، ما بابا الله يرحمه كان شغال نفس الشغل وكان بيتأخر، هل في يوم امي اتهمته أنه بيعمل حاجة من وراها ولا بيخونها؟ لأ
زاد قنوط الأخرى بسبب ذكره لعمل والده والذي هو السبب في حرمانها من ابنتها فقالت دون وعي :
-ايوه ايوه شغل أبوك اللي جاب أجله هو وأمك
انقلب وجه عمر بشدة وظهر الانكسار على ملامحه فكاد أن يقف ويذهب يختلي في غرفته كعادته لكن الأخرى امسكت بيده لاعنة نفسها ألا يكفي ما حدث لهذا المسكين حتى تأتي وتزيد الأمر عليه :
-حقك عليا يا ابني مكنش قصدي والله متزعلش وتاخد على خاطرك
لم يشأ أن يتحدث ويحرجها فهي أيضًا مقهورة على موت ابنتها الوحيدة، جلس وابتلع غصة مريرة في حلقه كلما أتت سيرة موت والديه الذي كسر ظهره وحمله الغم وعمرًا آخر فوق عمره فلا يكسر المرء سوى فراق الأحبة
-طب مش هتتصل على سفيان يجي
هتفت بها فاتحة معه موضوع آخر بعدما صمت عمر تمامًا بطريقة جعلتها تعض اناملها ندمًا، هز الآخر رأسه بحسنًا دون كلمة يخرج هاتفه ويتصل على شقيقه الذي من المؤكد سيجد هاتفه مغلقًا لكنه سيفعل ما تريد
نظرت إليه ونس نادمة على ما قالت تراه صامتًا وعينيه محملة بالهم، بالله أين كان عقلها عندما قالت هذا؟ الآن سيصبح صامتًا لبقية اليوم وهي لا تريد هذا، تريد أن يتحدث ويملأ المنزل بصوته لا أن يصمت وينعزل فما أتى له الحزن على فقدانه لوالديه إلا الإنعزال عن الدنيا وفقدان الذاكرة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دارت بأعينها حول هذه المنطقة الجميلة وما كثرة المباني بها، هي ليست في جمال مِيامي بالطبع لكن تعتبر أيضًا منطقة جيدة نظيفة، سارت خلف لؤي وخلفها الفتيات حتى يدلفوا إلى البناية لكن توقفوا على صوت طفل ينادي على لؤي
ورغم الإبتسامة المتسعة التي ارتسمت على فم الآخر إلى أنها اختفت فور أن لمح شيئًا خلف ذلك الطفل الذي كان يهرول له
توقفت نور على جانب وبجانبها براءة وشروق وعائشة راسمين على وجوههم ابتسامة مجاملة لبقة عندما رأوا خلف ذلك الطفل كان يسير ابن عمتهم الكبير وعلى الأرجح المرأة التي تسير بجانبه هي زوجته
وتحولت هذه البسمات إلى تعجب عندما قال لؤي بصوت ناصي قبل أن يتجه إلى أخاه :
-بالله عليكم حاولوا تمسكوا أعصابكم ومتتعصبوش النهاردة
لم تفهم ولا واحدة منهن ما يقصد لؤي بهذا الا شروق التي قالت بصوت منخفض سمعه ثلاثتهن :
أكيد قال كده علشان مرت إسماعيل ربنا يستر منها
نظرت الفتيات إلى زوجة اسماعيل _ابن عمتهم_ بنظرة سريعة، كانت فتاة في بداية الثلاثينات على الأرجح تمتلك طول فارع لدرجة ان الفاصل بينها وبين زوجها سنتيمترات قليلة، ترتدي فستان شتوي أسود قصير قليلًا أو ما يسمى "ميني دريس"
وعلى رأسها حجاب أو لنقول نصف حجاب فقد كانت خصلات شعرها شديدة السواد تظهر من أسفله وتلقي بطرفي الحجاب على كلتا كتفيها بإهمال، وكم كان وجهها يشع بيضاءً وهذا بفعل مستحضرات التجميل والكريمات بالطبع وعينيها كانت تختفي أسفل هذه النظارة السوداء الأنيقة
-تعرفوا مين دي يا بنات دي تبقي غادة
هتفت بها شروق بصوت خافت فقالت براءة وعائشة مذهولتين :
-هي دي غادة؟؟
لم تفهم نور مَن غادة هذه ولم تتسح لها الفرصة لتسأل بسبب اقتراب إسماعيل منها هي بالتحديد قائلًا بمزاح يشبه مزاح أخيه فكلاهما يملكان نفس الطباع :
-نورتي إسكندرية يا نورهان بقى أول مرة تيجي القطر يتقلب
ابتسمت له الأخرى مجاملة لا أكثر فحتى إن كان ابن عمتها فهو أيضًا رجل غريب عنها بل هذه أول مرة تراه منذ ما يقارب السبع سنوات، وكم احرجها عندما مد يده لها لمصافحتها فاضطرت لفعل هذا حتى لا تحرجه هي
وما إن لمست فقط أصابعها أصابعه حتى أبعدتها فلم تتركه يضغط على يدها من ثم اجابته :
-قضاء وقدر الحمد لله اني لسه حية
تفهم إسماعيل سحب يدها السريع هذا، يبدو أنها لا تميل إلى مصافحة الرجال كما الثلاثة الأخريات، استدار إلى براءة والفتيات ملقيًا عليهم التحية من ثم نظر إلى ابنه البالغ من العمر عشر أعوام ثم قال :
-تعالى لؤي سلم على عماتك
ضحكت شروق ناظرة إلى لؤي الآخر ثم قالت :
-هو اسمه لؤي!؟
اجاابه هذه المرة اسماعيل قائلًا بينما اختلطت بنبرته بعض الضحكات :
-يوم ما اتولد لؤي وعرف الشحط اللي جنبك ده فضل يتنطط علشان نسميه لؤي فسميته لؤي أعمل إيه بقى
نظرن الفتيات في إتجاه لؤي الصغير قد كان جميلًا بحق يمتلك شعرًا أسودًا شديد النعومة وعينين خضراوتين تميل إلى الزرقة فاقتربت منه عائشة محدقة في عينيه بتركيز :
-ده ورث عيون جدي صفوان
-اها أمي طارت من الفرحة يوم ما شافت عينيه قالت نسخة من عيون ابوها اللي هو جدي، تعالي يا بابا سلم عليهم
تردد الطفل أن يسلم عليهن فقد شعر بالخجل واختبأ خلف والده فقالت براءة بصوت قلدته كالأطفال :
-يا اختي حلوة بطة بتتكسفي؟ تعالي ياد سلم
ضحك اسماعيل يرى ابنه يسلم على الفتيات بخجل غريب حقًا، فهو مشاغب بشدة ونادرًا ما يظهر الخجل عليه، تحدثت زوجته غادة من الخلف بضيق ظهر جليًا في صوتها :
-طب هنفضل واقفين قدام باب العمارة واللي رايح واللي جاي يبص علينا
ابتسم اسماعيل بهدوء معرفًا زوجته عليهن والعكس :
-غادة مراتي يا بنات معتقدش انكم اتقابلتوا كانت تعبانة الفترة دي
همست شروق بصوت خافت سمعته براءة فقط فوضعت يدها على فمها تخفي ابتسامتها :
-لا شوفناها ومشوفناش خير بصراحة غرابة متجوزها يا إسماعيل
رفعت غادة نظرها إلى براءة لاوية شفتيها بتبرم فهي تقف تضحك بينما اسماعيل يعرفها عليهم :
-فيه حاجة بتضحك؟؟
وسرعان ما حاولت الأخرى استعادت ملامحها الجادة كاظمة ضحكتها بصعوبة شديدة :
-لا مفيش حاجة العسل الصغير ده عمل حاجة تضحك بس
اقترب لؤي الكبير من المصعد هاتفًا بهدوء :
-طب هطلع البنات انا وانت اطلع لما الاسانسير ينزل علشان احتمال الوزن يكون كبير
صعدن الفتيات رفقة لؤي وكانت شقة عمتهم أسماء في الطابق الرابع عشر وما إن انغلق المصعد حتى انفجرت براءة ضاحكة بقوة :
-شوفتوا لابسة ايه وتقول الناس هتبص علينا ما الناس هتبص علينا علشانك انتي، لا وانا فاكرة نفسي طويلة دي ما شاء الله طالت زوجها في الطول، انا لو مكان اسماعيل اتكسف أقف جنبها
شاركنها الفتيات بالطبع هذا التنمر فكيف يفوتن فرصة كهذه، ونور على رأسها الطير لا تفهم شيئًا بينما قال لؤي وهو يشعر حقًا أن اليوم لن يمر على خير طالما أنه بدأ بهذه الطريقة مع غادة زوجة أخيه المتعجرفة التي لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب كما يقولون :
-بالله عليكم بلاش تتنمروا عليها قدامها استنوا تمشي ولو قالت حاجة، أي حاجة عدوها اعتبروا نفسكم مسمعتوش حاجة
توقفت الضحكات فجأة وتوجهت الأعين إلى لؤي بنظرة اخافته لتقول عائشة رافعة إحدى حاجبيها :
-ليه معندناش لسان نرد بيه لو نادية الجندي ابدت رأيها اللي ملوش لازمة
-مين نادية الجندي؟؟
تساءلت بها نور متعجبة فقالت عائشة :
-هي طبعًا نضارتها شبه نادية الجندي في الفيلم اللي عاملة فيه نادية الجندي جاسوسة لابسة نضارة واكلة نص وشها
قلبت الأخرى عينيها بضجر تنظر إلى لؤي من ثم قالت :
-روحهم يا عم، مرت اخوك باين عليها من النوع المنكوت ودول لسه مدخلناش بيتكم ونازلين تنمر عليها كده بيتكم هيتقلب حريقة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثامن 8 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
السلام عليكم ورحمة الله
من غير مقدمات كده انا هوقف الرواية دي، وده لسبب اني معنديش وقت أو شغف أكتب، انا بقالي عشر أيام مكتبتش كلمة حرفيًا بسبب اختبارتي وكان المفروض مبدأش في الرواية غير لما ابقى مستعدة، بس انا قولت هضغط شوية وأنزل كل أسبوع فصل لحد ما الشهرين دول يخلصوا لكن معتقدش إنها كانت فكرة سليمة
علشان كده انا هوقف الرواية وهبدأ كتابة فيها لما اخلص لكن مش هبدأ نشر غير لما اخلصها كتابة وده لبسبب مهم
الرواية زي ما قولت مقتبسة من واقعنا يعني فيها أحداث كتير مش لازم تتكروت ومحتاجة وقت لأني الرواية هتبقى طويلة جدًا نظرًا لكثرة الأحداث وانا عايزة اطلعها في صورة تمام، بحيث يحس القارئ أنه بيقرأ واقع سمع عنه أو مسمعش عنه مش مجرد رواية والموضوع ده هيحتاج كام شهر اتمنى بجد متنسيش فيهم
السبب التاني بالنسبة للشغف حاسة لأني الرواية كل أسبوع مرة بعضكم مأجلها لحد ما تخلص وانا لو مكانكم هعمل كده بصراحة، فلما اخلصها كتابة وابدأ نشر ممكن انشر تلات فصول في الأسبوع وده هيكون أفضل بالنسبة ليكم كقراء
في النهاية اتمنى بجد بجد متنسيش ولما أبدأ نشر في الرواية اللي هو أمتى الله أعلم هبقى أنزل قبلها هنا وعلى الفيس اني هبدأ علشان تعيدوا الست فصول دول ونبدأ وقتها بجد في شاطئ ميامي
دعواتكم 🤍
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل التاسع 9 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
نزلت الفصل بدري شوية أحب أشوف كومنتات كتير بقى 🤍👀
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
صعد على الدرج بخطوات سريعة تملؤها اللهفة يرتدي ملابسه الرسمية الخاصة بكلية الشرطة ولم يبقى إلا القليل حتى يتخرج وأخيرًا ثم يخطب الفتاة التي يتمناها بشكل رسمي وليس فقط حديث بين الأهلين فقد نفذ صبره وهو ينتظر أن ينهي كليته من أجل هذا اليوم
ترك حقيبته بجانب الباب وطرق بيد والأخرى على الجرس من شدة حماسه وما هي إلا ثواني حتى استمع إلى صوت شقيقته الصغيرة البالغة من العمر سبعةَ عشرَ عامًا تصرخ أنها قادمة
فُتح الباب وأطلت هي من خلفه فوضع يده خلف رأسها دافعًا إياها ناحية صدره، ضاغطًا على رأسها بعنف في حركة أعتاد مشاكستها بها، علت ضحكاته وهو يستمع إلى صرخاتها المكتومة وهي تحاول دفعه ليأتي يوسف على أصواتهم هذه من غرفته التي يعتكف بها بسبب دراسته
وإذ بالابتسامة ترتسم على وجهه ثم تحولت إلى ضحكة يبصر أخيه وتوأمه يقف على الباب يناغش شقيقتهم كالعادة، اتجه له بسرعة وعانقه فهو لم يعد يراه بسبب كلية الشرطة هذه التي تسرق منه كل وقته
أفلت يونس رقية وضم أخيه له مبتسمًا بشدة :
-عامل ايه الدكتور بتاعتنا اللي هتخرج قبله
ضحك الآخر ساحبًا إياه معه للداخل فقال يونس وهو يضرب رقية على رأسها :
-هاتي الشنطة يا بنت
لم تفعل بل أغلقت الباب بعنف صارخة به :
-مع نفسك يا بابا شغل الخادمات اللي كنت بتعاملني به ده خلص انا ثانوية عامة وامتحاناتي على أبواب
جلس يونس على الاريكة يخلع عنه سترته بسبب الحرارة الشديدة وهو يقول بنبرة ساخرة :
-ده على أساس اني البنت علمي علوم ده انتي عار على العيلة يا بت كلهم علمي علوم ودكاترة وانتي وحمزة العار اللي تحت ده دخلتوا أدبي
وقفت الأخرى أمام باب غرفتها واضعة يدها في خصرها من ثم هتفت بوعيد :
-ماشى يا يونس الأدبي دي هتدخل صحافة وإعلام ولما اشتغل هبدأ على كشف الظباط الفاسدين وانت هتكون أولهم وهحبسك وهتشوف
سارعت بسرعة إلى الداخل بسرعة شديدة قبل أن يصطدم حذائه بها والآخر قبل أن يليقه نظر إلى يوسف هاتفًا بتوجس :
-ولاه يا يوسف امك مش هنا صح؟؟
قهقه الآخر بشدة وهو ينفي برأسه بينما رقية أخرجت رأسها من الباب تقول بصوت مرتفع :
-ايوه حضرت الظابط اللي بيخاف منه أمه يا اخي انت عار على مصر اتفوخس عليك أمير كرارة برقبتك
أما يونس ما إن علم أن والدته ليست بالمنزل حتى ألقى بالحذاء ناحيتها وهو مطمئن أنها لن تخرج من إحدى الأماكن بطريقة غير متوقعة صارخة به أن هذه ليست سوى أفعال أطفال وأنها سئمت منهم ومن جنونهم
والأخرى أبعدت رأسها بسرعة إلى الداخل ثم أغلقت الباب متقية شر يونس، وهنالك يوسف غرق في الضحك على تصرفاتهم الصبيانية هذه :
-كفاية والله جنبي وجعني من الضحك
اتكأ يونس على الاريكة بأريحية زافرًا بإرتياح تزامنًا مع قوله :
-يآه بجد فاضل أيام واتخرج وارتاح من الهم ده
-ده على أساس اني بعد التخرج مش هيبقى فيه هم أكبر منه
-بس هيبقى فيه واحدة هتهون عليا الهم ده
هتف بها وارتسمت ابتسامة على وجهه وعلى النقيض انقلب وجه يوسف بشدة والآخر لم يلاحظ هذا بل أكمل وعقله يرسم له خيالات واسعة :
-بفكر يوم الخطوبة يبقى يوم تخرجي علشان مش هستنى، ايه رأيك تنزل معايا نشتري لبس جديد من دلوقتي وناخد حمزة معانا ذوقه حلو في الهدوم الواد ده
نظر ناحيته في إنتظار إجابته لكن وجده ينظر في الأرض بملامح واجمة فقال متعجبًا :
-فيه ايه يا يوسف مالك؟!
نفى الآخر برأسه مردفًا بتلعثم :
-مفيش لأ.... مفيش... تحب ننزل لحمزة تلاقيه فاضي أو
أتت رقية وملامحها متوترة بعدما سمعتهم فعلم أن هناك خطب ما لذا هتف بتوجس مغيرًا الحوار حتى يكشف الأمر بطريقة ذكية :
-رقية ينفع تديني تليفونك اتصل على عايدة تليفوني فاصل شحن
-ما هو يعني
-ما هو ايه مجابتش تليفون من لما تليفونها وقع في المياه من أسبوع؟؟
نفت له الأخرى صامتة فقال يونس بجدية :
-انتي بتكدبي علفكرة فيه ايه؟ انا بقالي أسبوع مش عارفة اتصل عليها بسبب الإشارة الضعيفة في سكن الكلية وكل ما كان يبقى فيه شبكة بيديني مغلق ولما اتصلت عليكي تطمنيني عليها بحكم صحوبيتك معاها قولتيلي تليفونها وقع في المياه ومش بيشتغل
-انساها يا يونس
هتف بها أخيه بهدوء شديد فقال الآخر رافعًا إحدى حاجبيه ولم يفهم المعنى من هذه الجملة :
-معلش قولت ايه؟ هي ايه دي اللي انساها!؟
-انسى عايدة مش نصيبك
قرع قلب الآخر بخوف ولم يأتي في باله ولو بنسبة واحد بالمئة أن حبيبته قد تركته :
-عايدة حصلها حاجة يا يوسف؟؟
ابتسمت رقية بسمة حزينة مرددة بينها وبين نفسها :
-خايف عليها والكلبة باعته
نظر ناحيتها يونس ولم يسمع ما قالته لكنه سمع منها همهمات فقال بغضب :
-فيه ايه انتوا الأتنين عايدة فيها ايه!؟
نظرت رقية ناحية يوسف والذي وقف أمام أخيه واضعًا يديه على كتفيه حتى يحتويه مراعيًا أن ما سيقوله سيكون مؤلمًا بالنسبة للآخر فكم هو مؤلم شعور الخزلان وكسر الخاطر خاصةً من شخص كان في الاعتقاد حبيب :
-عايدة مش نصيبك راحت لغيرك انساها وفكر في غيرها الدنيا مش هتوقف عليها
-راحت لغيري ازاي؟؟
هتف بها مصدومًا فقالت رقية بغضب مكتوم مقهورة على أخيها :
-اتخطبت يا يونس
صاح الآخر بغضب شديد لا يصدق هذا الهراء :
-هو انتوا بتهزروا انا متقدم ليها تقولوا اتخطبت لغيري، دي اشتغالة منكم ومنها علشان أغير، عملتيها فيا انتي وهي يا رقية قبل كده بس دي وسعت منكم أوي
ألتمعت عيني الأخرى حزنًا على أخيها تراه يدور في المنزل كأسد حبيس فقالت :
-اتخطبت من أسبوع وآخر مرة كلمتها كانت من ٨ أيام اتصلت عليا وقالت قولي ليونس ملناش نصيب في بعض مزودتش ولا كلمة وقفلت في وشي ومهما اتصل تليفونها مقفول
أكمل يوسف خلفها وقد ضاق على حال شقيقه أمامه :
-مرضناش نقولك علشان متتقهرش هناك بس خلاص يا يونس انت كنت مشتريها وهي اللي باعت، كويس انك لسه على شط الأمان ولا هي خطيبتك ولا هي مراتك
استدار يونس بشكل مفاجئ ناحية رقية ثم قال :
-هاتي تليفونك
-ليه؟؟
-هاتي تــلـيــفـونــك
انتفضت الأخرى وهرولت لغرفتها تأتي بهاتفها وما إن أعطته له حتى دلف الآخر مباشرةً إلى إحدى مواقع التواصل الاجتماعي يسمى "انستغرام" ومنه إلى حساب عايدة الشخصي ليجدها ناشرة الكثير من المنشورات في هذا الأسبوع أهمها
"جماعة انا خلاص غيرت من عازبة لمرتبطة"
ارتسمت على فمه ابتسامة ساخرة متألمة يراها ملتقطة العديد من الصور رفقة شاب يكبره بعدة سنوات تقريبًا، لم يعلم من هو لكن عندما قرأ اسمه علمه فورًا هو أكبر أبناء تاجر الذهب المدعو سعيد غانم
تلك العايدة هل ذهبت له من أجل أنه أكثر ثراءً منه فقط؟؟
وصل إشعار سريع ولتوها قد نشرت صورة أخرى برفقة ذلك الأحمق في أحد المقاهي المشهورة في الإسكندرية فقال بصوت هادئ ظهرت به بحة مخيفة :
-انا عارف الكافيه ده
ألقى بالهاتف ناحية رقية واتجه إلى حذاءه يرتديه بينما يوسف ورقية حدقوا في الصورة ولم يكادا يستوعبا شيئًا إلا ووجدا يونس يركض ناحية الخارج
انتفض يوسف يسحب شيئًا يرتديه سريعًا حتى يلحق به بينما الآخر هبط إلى شقة عمه طارقًا الباب بشيئًا من القوة ففتح حمزة الباب فِزعًا من هذا الطرق وسرعان ما استبشرت ملامحه عندما أبصر يونس وعلمه بالطبع من هذه الملابس الرسمية فقال بترحاب :
-حمد الله على السلامة يا يـ
قاطعه الآخر بصوت جاد مخيف انبأه أن هناك كارثة قد حدثت :
-عربيتكم تحت صح؟؟
-ايوه ليه؟
معلش عايز المفاتيح هاروح مشوار سريع وآجي
-فيه ايه يونس!؟
تساءل بها حمزة وقد شعر بالقلق عليه فصاح الآخر بنفاذ صبر :
-هتجيب يا حمزة ولا اروح آخد تاكسي
دلف الآخر بسرعة حتى يحضر المفاتيح تزامنًا مع هبوط يوسف على الدرج ممسكًا بعضد أخيه قائلًا :
-متستاهلش والله إنك تشوفها، اللي زي دي متستاهلش إنك تزعل عليها حتى
لم يسمع منه الآخر ولا كلمة وقد خرج حمزة على هذه الأصوات وفي يده المفاتيح فمد يونس يده حتى يأخذها منه لكن ذراع يوسف حالت بين ذلك إذ دفع يد حمزة صائحًا :
-دخل المفاتيح يا حمزة ده هيروح يعمل مصيبة على كده
صرخ به يونس وقد وصل إلى آخر مراحل غضبه :
-انا هعمل جناية مش مصيبة وهخربها فوق دماغها ودماغه هو كمان
اختطف المفاتيح من حمزة وهرول إلى الأسفل لا يرى سوى وجه ذلك الأبله وهو يسحقه بيده ثم يأتي بتلك الأخرى من خصلات شعرها ويهينها أمام جميع مَن بذلك المقهى
صبرًا يا حقيرة وهو من كان يتلهف لرؤيتكِ طوال هذا الأسبوع وكان قِلقًا عليكِ بينما أنتي كنتي مع رجلٍ آخر
-يا حــمــار ايه الغباء ده
هتف بها حمزة واضعًا يده على وجهه بألم من الضربة التي أخذها لتوه من يونس والذي وقع حظه السئ معه حتى يلعب ملاكمة والآخر كان من العنف الذي يجعله يضرب وكأنه يتعامل مع إرهابي
وقد حاول تفادي الكثير من ضرباته العنيفة هذه وفي النهاية أخذ واحدة في وجهه بجانب شفتيه بالتحديد لذا صاح به بهذه الجملة حتى يتوقف بينما قال كريم والذي كان يتابع من الخارج مع يوسف هذا النزال الغير عادل بالمرة :
-ما تاخد فرامل يا يونس شوية بوظت وش الواد، قدك ده حرام عليك
عاد يونس بضع خطوات للخلف وقد أدرك ما يحدث يبدو بالفعل أنه زاد في الأمر بسبب تذكره لتلك الذكريات التي تجعل دماؤه تفور بشكل لا إرادي
اقترب كريم من الحلبة ليقف في المقابل لحمزة قائلًا :
-حمزة بص عليا كده ليكون حصلك إعاقة ولا حاجة
نظر حمزة ناحيته متسائلًا ان كانت الضربة أثرت بشدة أم لا وما كانت ردة فعل الآخر غير أنه نظر إلى يونس صارخًا كامرأة ابصرت زوجها خرج من شجار شعبي وكان به خاسرًا :
-حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مفتري وربنا لأرفع عليك قضية يا يونس واجرجرك في المحاكم ضيعت الراجل اللي حيلتي
اتسعت أعين حمزة بصدمة من ثم صاح في يونس قائلًا :
-عملت في وشي ايه يلاه!؟
اجابه يوسف هذه المرة وكعادته يشاهد ويضحك :
-يا عم ده بيبالغ دي مجرد كدمة جنب بوقك هبقي اجيبلك مرهم
اعترض كريم على هذا الأمر إذ قال :
-لا مش هيعدي الموضوع بشكل ودي كده، لازم القانون ياخد مجراه ولا علشان هو ظابط يفتري على الغلابة اللي زينا
خلع يونس قفازات الملاكمة وألقى بها ناحية كريم من ثم قال :
-بس يلاه الفتنة نايمة لعن الله من ايقظها
اقترب يوسف ناحية أخيه ونظر إليه بشك ونظرات ذات مغزي وكأنه يخبره أنه يعلم أنه ليس بخير :
-مالك يا يونس فيك ايه؟؟
وضع الآخر يده على جسر أنفه ضاغطًا عليه بشدة حتى يمنع هذا الصداع الذي أصبح يلازمه كثيرًا هذه الأيام :
-مضغوط شوية يا يوسف
اقترب كريم منهما وصاح بيونس مصرًا على أن يجعله يلعن الدقيقة التي احضره بها معهم ولم يتركه يكمل نومه على الاريكة بسلام :
-وانت علشان مضغوط تطلع ضغطتك على أخويا وتبوظله وشه
نظر إليه الآخر بعدم رضا من ثم قال :
-هو فيه هو حد عينك محامي لأخوك، ده حمزة اللي هو المحامي نفسه والمضروب واقف مفتحش بوقه
-يونس
استدار يونس لحمزة عندما نادى عليه وقبل أن يفتح فمه بكلمة تلقى منه ضربة قوية جعلته يعود للخلف مصطدمًا بالحبال بينما الآخر قال بنبرة باردة :
-معلش كانت هتبقى حازة في نفسيتي لو معملتهاش اصلي مش بحب أسكت لحد ضربني ومردش الضربة حتى ولو كان ابن عمي
ضرب يوسف جبينه متجهًا ناحية حقيبته الرياضية حتى يحضر لكلاهما كريم للكدمات احضره خصيصًا اليوم عندما وجد أن مزاج يونس متعصب وأن اليوم لن ينتهي دون إصابة لأحدهم
وهنا كريم الإذاعة المحلية صاح في حمزة عندما وجد أنف يونس بدأت تقطر دمًا :
-كده يا حمزة كسرت مناخير الواد!؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
انا هاجر حاكم عبد السلام مجرد فتاة ولدتُ لأجد نفسي في فيلا جميلة راقية بشدة وكأنها قصر ولكني لم أكن من سكان هذا القصر بل كنت ابنة حارس القصر ذلك الرجل البسيط حاكم عبد السلام الذي ألقت به الدنيا ليعمل حارس
عمل بسيط بشدة يعيل به عائلته الأشد بساطة والمتكونة منه هو وزوجته وابنته الصغيرة والتي كانت هي عالمه الجميل وما يحيا من أجله، كان حاكم وحيد في هذه الدنيا "مقطوع من شجرة" كما يقولون، وحيد في هذا العالم لا يمتلك سوى أسرته الصغيرة هذه
وكان دائمًا حامدًا ربه على أن لديه عمل ومسكن بجانب عمله تمامًا وزوجة صالحة تعينه فقد كان هو يهتم بأمر الحراسة بينما زوجته تهتم بالمطبخ فهي كانت الطاهية للعائلة التي تسكن المنزل والتي كانت تتكون من رجل وامرأة وخمس أبناء
الرجل "حاتم الدخيلي" واحد من أهم المستثمرين في البلاد يمتلك أموالًا طائلة لا عدد لها بسبب استثماراته المتعددة وكانت أهم استثماراته هم أبنائه الخمسة الذي كان يجمع الأموال من كل حدبٍ وصوب من أجلهم
والزوجة "سعاد" ولم تكن أبدًا تمتلك نصيبًا من اسمها فمن يعرفها لا يعرف السعادة أبدًا، امرأة تبحث عن التعاسة دائمًا لجميع من حولها حتى بات كل من يعرفها لا يريدها لشخصها بل للربح الخارج منها فهي واحدة من سيدات المجتمع اللواتي يشتهرن بالرقي واللباقة
ولكن الرقي واللباقة كانت تمتلكهم هذه المرأة كانوا خارج المنزل فقط لا غير أما بداخله فستجد امرأة متجبرة متسلطة لا تهتم لما تفعل أو تقول طالما أنه يصب في مصلحتها أولًا ثم في مصلحة بناتها الثلاث المدللات وولديها ثانيًا
آخٍ كم سمعت منها ما يجرح لها ولوالدتها المسكينة التي لم يكن يمر يوم إلا وتسمع من سعاد ما يُهين ويُذل حتى ولو ستخرج سببًا من باطن الأرض تزعجها من أجله، وكانت والدتها مسكينة تصبر على هذا وكلما سألتها لما تتحملين كل هذا يا أمي كانت الآخر تقول بقلة حيلة :
-نستحمل يا هاجر يعني نروح فين، هنا أهون من برا على الأقل هنا فيه شغل ليا ولأبوكِ وبيت صغير في الجنينة قاعدين فيه لكن برا يا عالم هنعيش إزاي وفين، الصبر يا بنتي دايمًا الصبر مفتاح الفرج
وهكذا حييتُ حيث تعلمت الصبر والصمت فقط، الصمت حتى ولو سأسمع ما يهين لي اسمع واصمت كما تعلمت من أمي، هكذا عشت طفولتي ومراهقتي أدرس وأعين والدتي في المطبخ حتى أصبحت طاهية ماهرة يثني عليها الجميع
لكن بالطبع كما كانت تبحث سعاد عن الخطأ لأمي كانت تبحث عنه لي، وبالإضافة إلى ذلك بناتها المدللات اللواتي كُنَّ يزعجنني دائمًا رغم اني ليست أفضل منهم في شئ فهن أجمل مني وأثرى مني ويمتلكن جميع ما لا أمتلكه أنا
ورغم هذا كنت حامدة ربي على حالي البسيط وأقول دائمًا أني أفضل من غيري، وهكذا كنت حتى وصلت إلى سن الثامنة عشر سن البلوغ والنضج حيث بدأت الأعين تتوجه لي بطريقة لم أكن افهمها
فأنا بطبعي كنت منغلقة صامتة لم أصادق أحد في يوم من الأيام وكانت هذه النظرات خاصةً ما تكون من "كاظم" ابن حاتم الثاني فالأكبر كان يدرس في الخارج
بينما هذا كان يدور حولي بشكل لا يطاق حتى منعتني أمي عن الدخول إلى المطبخ مرة أخرى بعدما لاحظت نظراته لي ولكنها تحججت أنه يجب أن اهتم لدراستي أكثر خاصةً أني أصبحت في الجامعة الآن
كان كاظم واضحًا في نظراته لي لم أكن أعلم أن هناك من ينظر لي في الخفاء ولا يوضح هذا ولم أكن اتوقع في يوم أنه قد يصدر من الرجل الكبير بنفسه
وهذا لأن حاتم كان يعيش دائمًا في مشاكل بسبب زوجته محبة التعاسة وأبنائه الفشلة الذين لا يحضرون له سوى المشاكل، ربما الوحيد الجيد بهم هو عادل "الابن الأكبر" لذا جعله يكمل الدراسة في الخارج لعل وعسى يصبح شيئًا له قيمة بدلًا من الأربعة الآخرين الذين فقد الأمل بهم
وكما قولت كان حاتم يعيش في تعاسة حتى أني في يوم من الأيام دلفت إلى قصرهم لأول مرة منذ أن جعلتني والدتي لا أخطو إلى هنا مرة أخرى، لكن حالي كان كحال جميع من يعمل بهذا المنزل جميعهم أتو على صوت مشاجرة حادة بشدة
ربما كانت أكبر مشاجرة تحدث في هذا المنزل حيث كانت إحدى بنات حاتم تتعاطى المخدرات والأخرى أتت للمنزل في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ولا داعي أن أقول ماذا كانت ترتدي يوضح أين كانت هي
كان حينها يجمعهم جميعًا في بهو منزلهم، الأربعة يقفون بجانب بعضهم حتى سعاد تقف على جنب بينما حاتم يصرخ في منتصف المنزل بجنون أنه أضاع عمره هباءً في اللا شئ من أجل أن يصبح أبنائه بهذا الفشل وما كان رد سعاد إلا :
-خلاص بقى يا حاتم فضحتنا في نص الليل ده بدال ما تلم على ولادك موقفهم زي العيال جنب بعض أكنهم بتعاقبهم ما كل الناس بتغلط كفروا عيالك يعني
-انتي تخرسي مش عايز اسمع صوتك ما انتي اللي مدلعاهم لحد ما أهو واحدة جاية في نص الليالي زي بنات الليل والتانية مدمنة والتالتة فاشلة والرابع بايظ وفاشل أكتر من الكل، كنتي انتي فين؟ انتي ملكيش لازمة
-لا عندك ايه ملكيش لازمة دي ما تحاسب نفسك قبل ما تحاسبني هما ولادي لوحدي يعني ما انا مش فاضية ولا ملاحقة
نظر إليها الآخر حينها بنظرة مخيفة ثم قال :
-ماشي يا سعاد ورحمة امي لأقهرك واجبلك اللي تخليكِ فعلًا مش فاضية ولا ملاحقة
ضحكت الأخرى مستهزئة ثم قالت :
-هتتجوز ولا ايه؟؟
ابتسم لها ابتسامة مبهمة ثم نظر إلى أبنائه الأربعة صائحًا :
-خروج من البيت مفيش ولا فيه تليفونات ولا عربيات ولا خروجات ولا فلوس ولا تطلعوا الجنينة وتشوفوا نور ربنا حتى، ووالله لأربيكم من الأول يا أولاد سعاد
نظر إلى زوجته ثم أكمل بوعيد :
-وانتي صبرك عليا
تركهم وذهب وكنت انا من اصطدمت في وجهه فظل يرمقني بنظرة غريبة إلى أن سحبتني أمي من أمامه
مر ربما أسبوع على هذا الأمر ونفذ تهديده في أبنائه كما قال ولكن لم ينفذه بعد في سعاد وهي لا تبالي بالأمر فما دخلها، ظلت تهتم بكليتها حتى أتي يوم كان كالنار عليها وهو بالفعل كان نارًا
إذ كانت تجلس في خارج حدود منزلهم الصغير الذي هيئه حاتم باشا لهم وفي يده كتبها تنتظر والدتها بالداخل تعد لهم الغداء والذي تأخر بسبب تأخر والدها في الخارج
لا تدري ماذا يفعل فقد خرج منذ ساعتين ولم يعد وهي حقًا بدأت تشعر بالجوع لكنها تصبر نفسها بإنتظار والدها حتى يتجمعوا ثلاثتهم كأسرة
وها هي ابصرت والدها يأتي من بعيد وفي يده حقيبة بلاستيكية سوداء اللون لم تعلم ما بها ولكنه استقبلته بلهفة قائلًا :
-حمد الله على السلامة يا بابا اخيرًا جيت هموت من الجوع
ابتسم لها والدها بحنان ولم يجيبها بلسانه بل أعطى لها تلك الحقيبة ولا تزال الإبتسامة متسعة على وجهه، وما إن ابصرت ما بداخلها حتى ضحكت بسعادة حقيقة تبصر عنب أسود والذي رأته البارحة في التلفاز وقالت لوالدها أنها تود تجربته وما كان الرد إلا من والدتها إذ قالت برفض :
-عنب ايه يا بنتي في الشتا ده انتي عارفة العنب هيبقى بكام لا ده وعنب أسود يجبلك منين هو عنب أسود؟؟
ربما هذا شئ بسيط بشدة منه لكنه حقًا أسعدها فالناس البسطاء مثلهم أقل شئ يسعدهم، قبّل والدها جبينها مبتسمًا لها :
-مينفعش تبقى بنتي الوحيدة نفسها في حاجة ومجبهاش بس بقولك اي متقوليش لأمك على سعره لتولع في البيت
تسأل نفسها حقًا أكانت أبواب السماء مفتوحة أم هذه صدفة فقد لا غير ولكنها كانت صدفة مخيفة بل مرعبة إذ ما إن اتجها إلى منزلهم الصغير حتى يرو إن الغداء قد نضج أم لا حتى انفجر المنزل بالنيران التي اندلعت وكأنها بركانًا كان خاملًا
أطلقت صرخة قوية رجتها من الداخل باسم والدتها وقبل أن يصدر منها أي رد فعل آخر دفعها والدها للخلف بقوة نوعًا ما حتى لا تتحرك ناحية النيران وانطلق هو ناحية المنزل لربما ينقذ زوجته
بينما هي على أثر هذه الدفعة سقطت أرضًا وقد اصطدمت رأسها بإحدى أحجار الحديقة فأصبحت الرؤية مشوشة بالنسبة إليها ورغم هذا عافرت لتقف وكان آخر ما ابصرته قبل اغمائها هو قدوم الحرس ناحية منزلهم ومشهد والدها وهو يلقي بنفسه داخل النيران
نيران أحرقت جميع ذكرياتها، احرقت ماضيها وحاضرها ومستقبلها، احرقت روحها وكيانها
افاقت على هذا الحادث ويا ليتها لم تفيق، لتجد نفسها في غرفة جميلة على الواضح إحدى غرف منزل حاتم وقد كان بالفعل كذلك، فقد كان يقف حاتم على إحدى الجهات في الغرفة وبجانبه يقف طبيب علمت منه أنها نائمة منذ أكثر من عشرين ساعة وأنها خسرت أهم من لديها في هذه الحياة
والدتها والتي توفيت بسبب انفجار أسطوانة الغاز في المطبخ ووالدها والذي دلف إلى النيران حتى ينقذ زوجته ولكنه أصيب بحروق بالغة أدت إلى وفاته هو ايضًا بعد والدتها بعدة ساعات وكان آخر شئ قاله أنه أوصى حاتم رب عمله على ابنته الوحيدة
هي لم تعد تمتلك أي أحد في هذه الحياة من بعدهم لا أخوال ولا أعمام، لديها عم واحد وهذا مهاجر إلى ليبيا وحاكم نفسه لا يعلم عنه أي شئ منذ سنوات طويلة حتى ظن أنه مات
ظللت أسابيع لا أعلم الواقع من الأحلام، أنام ساعات طويلة هروبًا من الواقع، بينما الساعات التي استيقظها أظل أبكي وأنوح عليهما إلى أن أغفى مرة أخرى
لم أفق من هذه الفقاعة إلا على مضايقات سعاد وأبنائها، رغم أن حاتم مانعًا أي أحد يطأ الغرفة التي انا بها سوى الخادمة بالطعام إلىٰ أن هذا لم يمنع الثلاث فتيات من الوقوف أمام باب الغرفة يسمعنني كلامًا يجبرني على البكاء أكثر على حالي
ورغم كل هذا لم أغادر، فأين أذهب ولا أحد لي، لم أنتفض من دائرة الاكتئاب هذه إلا عندما وجدت في ليلة من الليالي كاظم يفتح باب الغرفة عليّ، حينها فقط علمت أني لم أعد في أمان، لقد رحل أمني وأماني واحترقا مع والداي
لم يدلف إلى الغرفة لغرض الإطمئنان عليّ كما برر عندما وجدني مستيقظة ولست غافية وإنما لشئ خبيث آخر في عقله المريض
وبرغم تأخر الوقت ليلتها إلىٰ أني هبطت بسرعة من تلك الغرفة متجهة مباشرةً إلى غرفة المكتب الخاصة بحاتم حيث كان يعمل هناك طالبةً منه أن أرحل من هنا فسألها الآخر بنبرة متعجبة :
-ليه عايزة تمشي حد عملك حاجة؟؟
وكما تعلمت الصمت دائمًا لم تجبه وتخبره بمضايقات بناته أو بما فعله ابنه من قليل، لقد خافت ألا يصدقها وينكر أبنائه ويصدقهم هم، وعندما لم يجد منها سوى الصمت قال متنهدًا :
-طب انتي عايزة تروحي فين يا هاجر
سؤالٌ مهم طرحته على نفسها، أين ستذهب؟ من لها لتذهب له؟
طأطأت رأسها بإنكسار وتجمعت الدموع في مقلتيها البنيتين فقال حاتم وهو يتجه من خلف المكتب إلى المقعد الذي أمامها ماددًا لها منديل ثم قال :
-بس متعيطيش والدك وصاني عليكي قبل ما يموت وانا مش عايزك تمشي، انتي ملكيش حد غيرنا، انتي اتولدي في البيت ده ومكنش ليكي غير والدك ووالدتك هتروحي فين من بعدهم
لم يزد هذا إلا المزيد من الألم على قلبها والدموع في عينيها إذ انفجرت في بكاء مرير جعل حاتم يطالعها بشفقة حقيقية سرعان ما انقلبت إلى نظرة أخرى مختلفة بشدة
حدق في ملامحها بتركيز هاجر فتاة جميلة رغم بساطة ملامحها فهي تمتلك أعين بنية وبشرة بيضاء بخدين أحمرين طبيعيين، كان جمالها هادئ بسيط وهو لم يفكر في يوم بها بشكل آخر غير أنها ابنة أحد عمال منزله رغم أنها شبت وكبرت أمامه
والآن أنحاز تفكيره بها إلى منطقة أخرى، حك جانب ذقنه وهو يقول :
-هاجر انتي ملكيش حد وزي ما قولتلك والدك وصاني عليكي وانا مش هعرف اخليكي في البيت ده غـ
قاطعته الأخرى تقول برجاء :
-انا كنت بشتغل مع ماما في المطبخ قبل ما ادخل الجامعة أقدر أرجع تاني وأعيل نفسي بس خليني قاعدة هنا، مش عارفة هترجع ترمم البيت الصغير اللي اتحرق ده بس انا معنديش مكان تاني اروحه
-انتي في كلية ايه؟؟
-فنون جميلة
ابتسم الآخر بسمة غامضة ثم قال :
-هخليكي تكملي كليتك وهتقعدي في أحسن أوضة في البيت ده ولا سعاد ولا بناتها هيعرفوا يضايقوكِ بكلمة علشان هتبقي ست البيت ده
لم تفهم الأخرى ولا كلمة مما يعني إلىٰ أن أكمل صادمًا إياها :
-تتجوزيني يا هاجر؟
انتفضت من فوق المقعد وقد أصابتها صاعقة من طلبه هذا لتقول بصدمة :
-انا قد بنتك!؟
-اسمعي بس انتي ملكيش حد ولو خرجتي برا البيت ده لا هتعرفي تعيشي ولا تتأقلمي لوحدك دي غابة وانتي بنت هياكلوكِ حية ثم انا مش بطلب منك حاجة حرام ولا هتجوزك في السر انا هتجوزك على سنة الله ورسوله وهعلنك قدام الناس كلها زوجة ليا
أغروقت عينيها بالدموع وهي تنظر إلى خارج الغرفة ناحية النافذة بالتحديد، هي بالفعل لا تستطيع أن تعيش بمفردها في هذا العالم المخيف لكن أيضًا لا تستطيع أن تتزوج رجل في عمر أبيها لن تستطيع
مسحت دموعها بكف يدها تقول بصوت مختنق :
-طب ما أقعد واشتغل هنا والله ما عايزة حاجة تانية
-فكرك كاظم هيسيبك؟؟
تفاجأت حقًا من أنه يعلم بأفعال ابنه بينما الآخر أكمل ضاغطًا على جميع اوتارها الحساسة :
-كاظم عمره ما هيسيبك إلا إذا بقيتي متنفعيش له يعني تبقي من محارمه
-وانت عايز تتجوزني ليه حضرتك متجوز وعندك أولاد أكبر مني وقدي
ابتسم لها حاتم مقنعًا اياها بأسلوبه الدبلوماسي :
-علشان أحافظ عليكي من اللي برا ومن اللي جوا كمان، اوعي تفتكري إنك رخيصة يا هاجر أو إني بستغل إنك لوحدك انا عايز أعمل بس بوصية المرحوم ومش هقربلك، هسيبك تفكري يومين بس كوني عارفة لو مبقتيش على ذمتي لا كاظم ولا إخواته ولا امه هيرحموكِ
لم تكن تمتلك الكثير من الاختيارات إما أن تواجه العالم القاسي في الخارج أو تبقى هنا أسفل ظل حاتم، ولكن إن عاد بها الزمن ربما كانت ستختار العالم القاسي فلا تعتقد أنها كانت سترى ما هو أقسى مما رأته داخل جدارن هذا المنزل الراقي من الخارج والمرعب من الداخل
يالا حسرتها عندما كانت تظن أن حاتم سيكون لها سندًا وظلًا، لا تظلم الرجل بما أنه أصبح أسفل التراب الآن لقد كان عطوفًا عليها في أول أشهر زواجهم لكن بعد هذا تغير الأمر وتغيرت هي معه
لقد تعرضت للكثير من الظلم والإهانات بدايةً من إتمام زواجها من حاتم غصبًا ثم تركها هكذا تتلقى الضرب من سعاد وبناتها، والسجن، والحرمان من الطعام والشراب أبسط حقوقها، والخوف من النوم، حتى أنها وصلت للجنون بسببهم، وإرغامها على العلاج النفسي أسفل سقف سجنها لا خارجه حتى
كل هذا ورد في عقلها وهي تحدق في شعلة الموقد المشتعلة، تحدق بالنيران التي عاشت بها لعشر سنوات متواصلة لم تتركها النيران التي حرقت والديها ظلت ملازمة لها تحرقها كل يوم ببطء شديد كقطعة قماشٍ بيضاء مسها رمادِ النيران فأصبحت تحترق ببطء مميت
وكانت تتلقى كل هذا بصمت، تكتم حسراتها وآهاتها بداخلها فإن فتحت فمها ستتلقى منهم ما هو أسوء، في الحالتين كانت تعيش بعذاب والعذاب الأقوى حينما كانت تشتكي لحاتم ربما في مرات قليلة كان يدافع عنها وما كانت النتيجة هي المزيد والمزيد من عذاب سعاد لأنها اشتكت ولا يحق لها هذا
أغلقت الشعلة مطلقة تنهيدة قوية تصبر نفسها أن كل هذا انتهى، مات حاتم وخرجت من سجنها أخيرًا وهي الآن بعيدة عنهم في هذه الشقة التي جعلها عادل تمكث بها
خرجت من المطبخ وهي تربط خصلات شعرها البنية وترفعهم إلى أعلى تتحرك في الشقة بضجر ووحدة قاتلة، تفكر في شراء حيوان أليف أو ما شابه يؤنس وحدتها هذه
رن هاتفها في المطبخ حيث تركته فنظرت له مطولًا وقد اقشعر جسدها، مَن يا ترى قد يتصل عليها؟
امسكت به وأجابت لتجده عادل ابن زوجها الكبير، الشخص الوحيد الذي كان يدافع عنها في ذلك السجن ربما أكثر من حاتم نفسه، كم كانت تُثير شفقته وحتى الآن :
-الو
-ازيك يا هاجر عاملة ايه؟؟
كاذبة إن قالت أنها بخير فلا خير مر عليها ولكن من سيستمع لها لذا اجابت بهدوء شديد كاذبة على نفسها قبله هو :
-كويسة
-عجبتك الشقة؟؟
-كويسة
-أوك تمام انا جبتلك شغل زي ما انتي كنتي عايزة مع إني والله مش هحرمك من نصيبك وكنت هبعتلك كل شهر فـ
قاطعته غير مبالية بكل هذا تسأله عن العمل :
-الشغل فين يا عادل؟ هشتغل ايه؟؟
-هتشتغلي مُدرسة رسم في مدرسة في مِيامي اسمها محمد رجب انا ظبطت كل حاجة وتقدري تبدأي يوم الأحد بما أني النهاردة الجمعة وبكرة كمان أجازة
-شكرًا
همست بها بخفوت وارتسمت على فمها ابتسامة مرتاحة أنها ستقابل أناسًا وتتعامل بشكل طبيعي وكأنها إنسانة عادية، ستخرج للعالم وتتعامل مع قسوته بنفسها فلم تعد تلك الفتاة المراهقة ذات الثمانية عشر عامًا، أصبحت الآن امرأة في نهاية العشرينات تستطيع الإعتماد على نفسها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلك بجانب شفتيه مكان اللكمة التي تلقاها من يونس وهو يلقي السباب عليه فأجابه الآخر وهو يضع الكريم الذي أعطاه له أخيه على أعلى أنفه التي جُرحت بسبب الآخر :
-ما تسكت بقى هو انت شوية وأخوك شوية ثم راح فين مش سامع صوته يعني؟
-يا ريتك جبت في سيرة حاجة عليها القيمة أهو جاي وراك أهو
استدار يونس مبصرًا كريم يأتي وهو يمسح وجه من العرق وقد ابتلت ملابسه رغم أن الجو ليس حارًا لكن من المجهود الذي بذله :
-ها على ايه الكلام
-انت كنت فين
-كنت بلعب ماتش
قلب حمزة عينيه بضجر سيجن أخيه في يوم من الأيام بسبب كرة القدم :
-هو في البيت وبرا البيت ارحمنا يا عم، فين يوسف كان معاك؟؟
-لا يوسف بيتشقط برا
هتف بها كريم ببساطة شديدة فنظرا له الإثنين ببلاهة إذ قال يونس مصححًا له :
-بيتشقط ولا بيشقط!؟
-يشقط ايه يا عم صلي على النبي في قلبك ده الأنثى الوحيدة اللي بيكلمها أخوك بأريحية هي أمه وبعدين أخته، أخوك محترم يا يونس لدرجة لو واحدة بصتله بيبص الناحية التانية بينما انت لو بنت بصتلك
اعتدل في وقفته مقلدًا يونس إذ جعل نبرته أخشن قليلًا ورفع إحدى حاجبيه قائلًا :
-شايفة قدامك أحمد السقا ولا ايه ما تبصي قدامك
قهقه حمزة بشدة بينما يونس لم يعجبه هذا التقليد، أجل هو تعامله خشن بالفعل وهذا بحكم عمله فلا يعتقد أن هناك ضابط شرطة قد يكون لطيفًا فلا يتناسب هذا الأسلوب مع المجرمين أبدًا
اتجه ناحية الخارج فقال حمزة وقد اختلط صوته بالضحكات :
-أستاذ أحمد السقا رايح فين؟؟
-رايح لأخويا اللي بيتشقط
وقبل أن يخرج وجد أخيه يدلف عاقدًا الحاجبين ووجه محتقن وخلفه إسماعيل ابن عمه ويبدو أنه يكتم الضحكات بسبب انتفاخ عروق وجهه وضمه لشفتيه بقوة
تخطاهم يوسف وجلس على المعقد يهز قدميه بعنف وأصبح وجهه أحمر من الغضب على الأرجح فقال يونس وهو ينظر إلى إسماعيل متغاطيًا عن سؤاله ماذا يفعل هنا :
-عملوا في الواد ايه برا؟؟
ولم تأتيه الإجابة من إسماعيل بل من يوسف نفسه إذ صاح غاضبًا :
-مبقاش فيه أدب ولا أخلاق ولا حتى حياء، يعني اي بنت تيجي لشاب لا تعرفه ولا يعرفها وتقوله وهي بتتسهوك لحد ما قلبتني بطني، بصراحة شوفتك وانت بتجري على آلة المشي وعجبتني لياقتك ممكن نتعرف، لما البنات تعمل كده يبقى سابوا ايه للشباب
-ده كان بيتشقط بجد
هتف بها حمزة مذهولًا بينما قال كريم بنبرة ساخرة :
-لا الشباب في حتة موازية يا يوسف الكلمتين دي مش معاكسة بالنسبة ليهم بص هوريك
مال قليلًا في وقفته بحيث أصبح يتكئ بذراعه على كتف إسماعيل بينما جعل نبرته عابثة وحاجبيه يتراقصا أثناء قوله :
-طب ايه يا قمر مش ناوي تحن على البشر وتنزل الأرض
نفض إسماعيل ذراع الآخر من على كتفه متقمصًا دور الفتيات فقال بينما يسير بعيدًا عنه :
-قلة أدب
-طب براحة على الأرض يا قمر دي مش قدِك
انفجر جميع من بالغرفة ضاحكًا حتى يوسف نفسه والذي قال مشيرًا إلى إسماعيل وكريم :
-انتوا بتعاكسوا بنات من ورانا
جلس إسماعيل بجانبه ثم أجاب :
-اعاكس مين يا عم صلي على النبي ده انا متجوز
-وانت صحيح ايه جابك مش معزومين عند ابوك النهاردة ومعاك بنات اخوالك دول، ولا حصلت مصيبة
هتف بها حمزة مؤكدًا على آخر جملة وهو يقصد بالطبع شقيقته غادة التي لم تمر أي تجمع عائلي ولم تعكر صفو أحدهم به، فقال اسماعيل وقد ارتسمت ابتسامة متهكمة على شفتيه :
-أروح من اختك فين يا حمزة
-عملت ايه قولي، موتها وسمها عرقنا الصعيدي دي مش بتطيقوا فعملت ايه؟؟
-اتغدينا وكله تمام فجأة كده نزلت فوق دماغي انا عايزة ارجع البيت، انا عايزة اروح عند ماما النهاردة وعدتها إني هاجي وده كله علشان ايه مش عارف حتى البنات متكلموش معاها قولت يمكن حصل حاجة بس هما مقربوش منها أصلًا
قاطعه حمزة وكريم إذ قالا في نفس الصوت :
-غادة عندنا في البيت!؟
-ايوه عند مرات عمي
اعتدل كريم ساحبًا سترته وارتداها فوق ملابسه قائلًا :
-بس كده حلو أوي انا هاروح على أي قهوة أحضر كام ماتش ولما تمشي غادة من البيت ابقى رن عليا يا حمزة علشان أرجع
-ده على أساس اني هرجع البيت وغادة فيه والله ما يحصل غير لما إسماعيل يقوم ياخد مراته ويروح بيتهم أومال انت متجوزها ليه علشان ترجعهالنا وتقرفنا إحنا
مسح إسماعيل وجهه كاتمًا ضحكاته فلا أحد منهما يطيق غادة بسبب تصرفات الأخرى معهما فهي تعطي امتيازًا لنفسها بالتحكم فيهما والتدخل في حياتهما لأنها شقيقتهم الكبيرة، لا يدري حقًا متى تقتنع أنهم أصبحوا رجالًا ولا يحق لها التدخل في حياتهما رغمًا عنهما
بالإضافة إلى ذلك هي شخص ناقد ولا يعجبها أي شئ بسهولة فدائمًا ما تسخر من حب حمزة للقراءة وهوس كريم بكرة القدم، حتى رحمة الصغيرة لم تسلم منها
وقف يونس من مكانه عازمًا الرحيل فقال :
-طيب طالما حمزة مش راجع البيت فتعالى معايا
وقف كريم أمامه معترضًا طريقه ثم تساءل وقد وجد حجة للهروب من العودة إلى المنزل ومقابلة غادة :
-على فين إن شاء الله؟ هتجر الواد معاك ورايحين فين؟ رجلي على رجلكم معلش معندهاش رجالة تقعد مع رجالة لوحدهم
دفعه يونس من أمامه يأخذ المفاتيح من سترة يوسف دون أن يستأذنه أسفل نظرات الآخر المتشنجة :
-وماله تعالى انت كمان هو اسأله عن كام نقطة في القضية بما أنه محامي وأكيد عنده رأي، وانت ارميك في الحجز علشان جبتلي صداع
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل العاشر 10 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
"مقتطف مستقبلي "
توقفت السيارة قريبًا من المشفى في حدود الساعة الثالثة فجرًا وهذا بالطبع لم يكن يعجب يونس البتة فقد أصر حمزة على أن يذهب الآن إلى المشفى في هذا الوقت بالتحديد وجره هو خلفه متحججًا أنه لن يستطيع الدلوف إلى المشفى بدونه وهذا لأنه ضابط
-ها يلا ننزل
هتف بها حمزة بنبرة مغلفة بالهدوء فنظر إليه الآخر بعدم رضا ثم قال :
-هو حد يعمل كده جاي الساعة تلاتة الفجر علشان تشوفها مش عارف تستنى للصبح قتلك الشوق للدرجة دي
-شوق ايه يا يونس؟ انا بس مش هقدر اشوفها الصبح لاني عمامها وأهلها هيبقوا موجودين وانا مش عايز اعملها مشاكل خاصةً وانا حاسس إني عمها اللي اسمه حسن ده ملاحظ نظراتي ليها، كل ما ابصلها في وجوده بلاقيه باصص ليا انا بالذات كأنه هيقوم ياكلني قلمين
رفع يونس إحدى حاجبيه بعدم تصديق البتة فقال الآخر زافرًا بإستسلام :
-ماشي انا مش عارف أنام كل ما اغمض بشوف شكلها لما كانت في الحجز بين الحياة والموت، بسمع صوتها وهي بتصرخ من الوجع يا يونس، عايز اشوفها عايز أطمن عليها، هبصلها من بعيد لبعيد مش هدخل الأوضة الموجودة فيها حتى
-طب لو حد من عمامها فوق هيبقى وضعك ايه؟؟
-محدش معاها غير بنت عمها براءة، يوسف واخد شفت مسائي وقالي
هبط يونس من السيارة مستسلمًا للأمر فعلى الأرجح جن ابن عمه فهو لا يتصرف بشكل طبيعي منذ حادثة نور هذه :
-أنزل يا عم الرومانسي والله هنروح في داهية بسببك، هندخل إزاي بس في وقت زي ده المستشفى
هبط حمزة بعدما أطفأ السيارة ثم قال :
-انت هتدخل بصفتك ظابط وطبعًا نور دلوقتي متهمة فعايز تتأكد إني العساكر مراقبينها كويس
-طب وانت؟؟
-هدخل المستشفى من ناحية التانية لما تتكلم انت معاهم
لم يدع له فرصة للإجابة وتركه متجهًا إلى مدخل آخر للمشفى بينما حدق يونس في طيفه بغيظ :
-والله شكلنا هنروح في داهية
استدار ناحية البوابة وتأكد من وجود بطاقته معه ليقف حراس المشفى عندما وجدوا أن أحدهم قادم في إتجاههم، أما عند حمزة فقد دلف إلى المشفى بسهولة بسبب انشغال الحرس مع يونس وهو كان مخطِطًا العودة مرة أخرى بالليل بعد رحيل جميع أقارب نور
لم يكن يبالغ عندما قال انه لم يستطع النوم، فوالله لم يجافيه ولو لدقيقة كلما اغمض عينيه أتاه منظرها وهي ملقاة أرضًا كالجثة داخل حجز النساء
دلف إلى المشفى وفي هذه الساعة لم يكن أحدهم مسيقظًا لا أطباء ولا ممرضين ولا حتى مرضى فكان التحرك سهلًا بالنسبة إليه لكن... هو لا يذكر نور في أي غرفة؟ يبدو أنه سيذهب إلى يوسف أولًا حتى يعلم أين هي
انتفض بقوة على صراخ سرى بين الممرات بشكل واضح بسبب الصمت الذي يحل على المكان، يبدو أنه سيعلم أين هي دون اللجوء إلى يوسف فصوت الصراخ هذا صوتها
أما قبل دقائق وفي الغرفة القابعة بها نور كانت نائمة فوق الفراش ولكنها لا تغط في النوم فلتوها استيقظت منذ ساعة تقريبًا وكانت براءة نائمة في فراش آخر، وعلى الأرجح هي من باتت معها الليلة
حاولت الإعتدال على الفراش بعدما راودها شعور الذهاب إلى المرحاض ولكنها لم تستطع وبراءة لا تفيق فنومها ثقيل بشدة، حتى أنها حاولت أن تستدعي إحدى الممرضات من خلال الأزرار هذه لكنها لا تدري أي زر فهي لم تبات قبلًا في مشفى
حسنًا لا فائدة لا تستطيع التحمل، استندت على الفراش بذراعها السليم ودفعت جسدها للأعلى ثم أنزلت قدميها على الأرض ووقفت بعد معاناة، ساندت نفسها حتى تصل إلى براءة
وصلت أخيرًا لها لتهزها بشئ من العنف منادية عليها والأخرى وكأنها مصابة بتخدير فكانت تهمهم دون فتح عينيها وعندما يئست منها نور اتجهت للخارج وهي تستند على الحائط تسير ببطء شديد، ومن الجيد أنها أتت كثيرًا إلى هذا المشفى من قبل بحكم عمل براءة به لذا هي تعلم مكان المرحاض
سارت في الممر ولم تكن يبارح كفها الحائط فلا تستطيع السير حتى بسبب هذا الألم الحقير في جنبها، نظرت حولها بحيرة هي لم تمر من قبل بهذا الممر، فلن تعلم إذًا أين هو المرحاض وهي لن تستطيع العودة مرة أخرى دون الذهاب إلى هناك لا تستطيع التحمل
ظلت تسير ببطء وهي تحاول تذكر الممرات وكم كانت تشبه بعضها حتى شعرت أنها إن استمرت في السير فستفقد طريق العودة، توقفت في المنتصف لا تعلم أين تذهب وقد هلكها التعب بشدة فليس فقد جانبها هو من يؤلمها بل جميع عظامها تؤلمها
جلست بتعب شديد على مقاعد الإنتظار في منتصف الممر تتنفس بصوت مرتفع فعلى بالك كانت تركض ل
لأميال لا تسير ببطءٍ كسلحفاة داخل بعض الممرات، ادمعت عينيها بسبب ضعفها هذا وقد صدقت الحكمة التي تقول الصحة تاج على رؤوس الأصحاء
مسحت عينيها من الدموع وهي تنظر حولها لربما يكون هناك أحد يمر ويأخذها للمرحاض وعوضًا عن هذا اصطدمت عينيها بزجاج النافذة ولأن الجو ليل بالخارج وهناك ضوء بالداخل كان الزجاج كالمرآة ابصرت نفسها به بوضوح
كانت ترتدي ملابس المشفى المنقطة هذه وحجابها مربوط بإهمال حول وجهها، ذراعها في جبيرة بيضاء والتعب ظاهرًا بوضوح عليها، ولكن ما جعل الدموع تجري من عينيها هو وجهها المنتشر به بقع حمراء وبنفسجية لدرجة لم تعد ملامحها تظهر ولو رأت صورة لها على هذه الشاكلة ما كانت لتعرف نفسها من شدة تشوه وجهها بالضرب
اختنقت بغصة في حلقها فأصبحت تشهق بقوة وكأن الأكسجين اختفى من حولها، حاولت أن تقف وتبتعد من أمام النافذة حتى لا تبصر نفسها هكذا وما كانت النتيجة إلا أنها سقطت مجددًا على المقعد
لكن هذه المرة اصطدم جانبها المصاب بذراع المقعد فأطلقت صرخة متألمة دوى صداها في الممر وربما وصل للممرات الأخرى في هذا الليل الصامت
وضعت يدها على جنبها تبكي بقهر شديد على نفسها، وحيدة في هذا الليل لا تستطيع أن تقف وتعين نفسها وتذهب إلى المرحاض حتى، هل هناك ما هو أشد بؤسًا من هذا؟؟
ومن شدة بكائها لم تكن تدرك بحالها أنها تصرخ حتى جذبت لها الموجودين في المشفى فمن ناحية استيقظ الممرضين والطبيب الموجود في الدوام الليلي وهو يوسف، ومن الناحية الأخرى أتى حمزة وهو من أتاها أولًا
أما حمزة فظل يهرول في الممرات لا يدري من أين أتت تلك الصرخة ولكن ما إن علىٰ البكاء بصوت مسموع حتى اتبعه ليجدها أخيرًا تجلس على مقاعد الإنتظار ضاممة جسدها بذراعها السليم وتكاد تنتفطر من شدة بكائها
ركض إليها وقد سمع أصوات قادمة لا يعلم لمن تعود هل الممرضين أم الحرس ولكنه لم يبالي، وصل إليها ليجلس أرضًا أمامها يتفحصها بعينيه دون لمسها وكانت نبرته أكبر دليل على خوفه عليها في هذه اللحظة :
-مالك فيكي ايه؟ انتي برا بتعملي ايه أصلًا!؟
وكانت اجابتها متقطعة اختلطت بها البكاء فلم يفهم منها سوى كلمات قليلة :
-وشي.... جنبي.... جسمي
أطلقت آه قوية هزته من الداخل فوقف بسرعة وامسك بذراعها السليم حتى تقف :
-طب قومي هاخدك عند يوسف أو الإستقبال قومي
لم يشعر في يوم بالتوتر والتخبط أكثر من هذه اللحظة، لا يدري ماذا يفعل والمشفى فارغ هكذا وهي تبكي دون توقف وفكر ألف مرة أن يحملها ويذهب بها إلى الإستقبال لكن هي لن تقبل بهذا
أتته النجدة من السماء عندما وجد يوسف ومعه براءة وممرضة أخرى قادمين من نهاية الممر فنظر حمزة إلى نور هاتفًا بطمأنة :
-اهدي خلاص جم
جعلها تجلس مرة أخرى تزامنًا مع اقتراب براءة وتلك الممرضة منها، بل وقد حضر يونس ومعه العسكري المسؤول عن مراقبة نور وعلى الأرجح لم يكن متواجدًا أمام غرفتها فإن كان هناك فماذا تفعل نور هنا بمفردها
سحب يوسف عضده مذهولًا من وجوده في المشفى في مثل هذه الساعة :
-بتعمل ايه هنا يا حمزة!؟ دخلت إزاي أصلًا؟؟
ولم يكن بال الآخر معه بل مع نور التي ما إن حاوطتها براءة تضمها حتى تهدأ حتى زاد بكاء الأخرى وهي تقول :
-وشي يا براءة وشي، عملوا فيا ايـــــه
تحدث يوسف موجهًا حديثه لبراءة والممرضة الأخرى :
-خدوها أوضتها وانا جاي اكشف عليها
ختم حديثه وهو يسحب معه حمزة بعيدًا عن المكان وذهب به إلى غرفة الأطباء، وهناك جعله يجلس رغمًا عنه من ثم صاح به بعدم تصديق :
-انت عقلك راح فين يا حمزة مش معقول كده جاي في وقت زي ده وانت وهي بس في الممر
-انت بتقول ايه انت كمان؟؟ انت مكنتش شايف يعني وضعها عامل ازاي!؟
-شايف وعارف، مش عارف ايه خرجها في الوقت ده بس اللي عايز أعرفه يا حمزة انت بتعمل ايه في المستشفى؟
صمت الآخر يضم يديه بقوة ولم يُجب فقال يوسف تزامنًا مع دخول يونس الي الغرفة واكتفى بالصمت ومتابعة ترقيح يوسف لحمزة :
-حمزة انا عارف اني عندك مشاعر ليها واتحركت أكتر من خوفك عليها بسبب اللي حصل بس لازم تحط حاجة قدام عينيك إني نور صعيدية وعمامها وأبوها وعيلتها كلها هنا، وضعك كان هيبقى ايه لو مكنتش براءة هي اللي موجودة النهاردة وكان حد تاني وشايفها وهي تقريبًا في حضنك
اتسعت أعين الأخرى معترضًا على هذه المبالغة إذ هدر قائلًا :
-أعقل كلامك يا يوسف انا كنت بساعدها تقف، كنت ماسك دراعها مش واخدها في حضني!؟
-اشش وطي صوتك ده أولًا، ثانيًا انت حتى لو كنت بتساعدها من بعيد مكنش باين كده، والله انا أول ما شوفتكم كنت فاكر حاجة تاني، بقولك كده علشان تاخد بالك لأني لو حد من عمامها أو ابوها شاف وضعكم مكنتش أول حاجة ممكن تيجي على باله إنك بتساعدها تقف، كان ممكن تلبسها مصيبة تانية مع عيلتها فوق المصايب اللي عندها
استدار إلى يونس وقد أعطاه نصيبًا هو الآخر من التريقح إذ قال :
-وانت كنت فاين لما وافقت تخليه يجي في وقت زي ده، ما انت أكيد جاي معاه
رفع يونس إحدى حاجبيه بإعتراض ثم قال :
-انت بتزعقلي انا؟
-هو ده اللي فارق؟! تاخد حمزة وترجعه ومتخليهوش يجي هنا تاني نظراته لوحدها فضحاه والناس دي لو حد بص لبناتهم مش بيعدوها بالساهل، فمال بالك بواحد واقف معاها لوحدهم في نص المستشفى في الفجر ممكن تقلب جناية عندهم عادي
خرج وتركهما فنظر يونس إلى حمزة الذي كان يجلس ويستند بذراعه على فخذيه ولا يبدو الرضا أبدًا على وجهه وهذا واضح من حاجبيه المعقودين ووجهه المحتقن :
-معاه حق بصراحة انا أول ما دخلت الممر وشوفتك انت وهي أول حاجة جات في دماغي إنك اتهبلت ورايح تحضنها علشان تهديها
-اهو التاني هو كمان بيقول هحضنها، انا عمري ما فكرت في نور بطريقة وحشة وعارف قد ايه هي محترمة ومتدينة وبتتنفض لو حد لمس ايدها أو وقف جنبها حتى، هاجي انا وابوظ شكلها قدامكم وتقولوا كنت حاضنها في نص المستشفى كده عادي، والله يا يونس كنت عايز اخليها تقوم علشان تروح الإستقبال علشان أعرف هتموت نفسها من العياط كده ليه
استند الآخر على الحائط بكتفه ملاحظًا إنفعال ابن عمه الواضح وهو يبرئها فقال متسائلًا :
-انت من امتى وانت بتحب البنت دي أوي كده لدرجة تخليك تتصرف من غير تفكير زي مجيتك في الفجر علشان تتطمن عليها بس، انا آه لاحظت من كام شهر نظرات إعجاب منك ليها، بس قولت عادي إعجاب وهيروح، أمتى تحول كده؟ مع العلم أنت مكنتش بتتعامل معاها إلا نادرًا يمكن موقفين تلاتة اللي اتكلمتوا فيهم غير كده كانت هي بتصد أي كلام أو موقف يجمعكم
زفر حمزة بقوة وأعاد شعره للخلف ولديه مشاعر متخبطة بين كلام يوسف المنطقي، وخوفه ولهفته على نور الآن، وسؤال يونس المهم هذا
متى تحول إعجابه بنور الخجولة التي كانت تصاب بتوتر وحرج إن رأته أو أي رجلًا على وجه العموم، لم تكن تتصرف معه فقط هكذا لكن يزداد حرجها منه هو بالذات وكأنها كانت تعلم أنه معجبٌ بها، متى تحول ذلك الإعجاب إلى هذا الجنون الآن
متى أُعجب بها من الأساس فلا يتذكر أنه كان يهتم أو أنها لفتت انتباهه من بعد أن ضربها على رأسها في ذلك اليوم وهذا بسبب صمتها الشديد، ربما ظل أسبوعين بعدها غير مهتم حتى أتي اليوم الذي فعلت أو لنقول قالت ما جعله يهتم
كان ذلك اليوم مدعو به جميع العائلة على الغداء عندهم وعندما يقول جميع العائلة يقصد عميه محفوظ ومحمد وعائلتهم وشقيقته غادة بالطبع وعمته الكبيرة والوحيدة وأبنائها
كان يوم ملئ بالأحداث
بدايةً من إنتظاره في السوق، جالسًا في السيارة، منتظرًا والدته تأتي بالطلبات وفي يده كتاب يقرأه ويبدو عليه الإندماج الشديد قبل أن ينتفض في مكانه وسقط الكتاب على أرضية السيارة على أثر طرق شديد جعله يظن أن هناك لص يريد تثبيته
اخفض الزجاج ليجد أنه ليس بـلص وإنما هذه شقيقته رحمة تحمل العديد والعديد من الحقائب البلاستيكية وعندما رأته اخفض الزجاج حتى صاحت به قائلة :
-افتح العربية يا حمزة صوابعي ايديا اتكسروا
فتح لها بسرعة الباب وأخذ منها الأكياس ووضعهم أسفل المقعد الذي بجانبه هاتفًا بذهول :
-ايه الطلبات دي كلها هي أمك هتعمل مائدة الرحمن!؟
-ده لسه الأكياس اللي معاها واللي مع المس نور
رفع حمزة رأسه لها هاتفًا بتعجب :
-والمس نور دي بتعمل معاكم ايه؟؟
-قبلناها جوا بتجيب طلبات الأسبوع ليها هي وبنات عمها وكانت تايهة يا عيني ففضلت ماشية معانا وساعدتنا برضو في شيل الأكياس
فتحت الباب الآخر وجلست على المقعد بجانبه في إنتظار حضور نور ووالدتها فقال حمزة وهو يمسك بهاتفه الذي يرن :
-خليكي هنا يا رحمة هرد على التليفون وجاي
رفعت الأخرى حجابها هاتفها بشك :
-وما ترد هنا ليه ترد بعيد؟!
ضحك الآخر وهو يفتح الباب ثم قال :
-مش بكلم بنات متخليش دماغك تحدف شمال زي الواد كريم
خرج وأغلق الباب وجلس على مقدمة السيارة والأخرى لم تهتم له بل امسكت حقيبة نور التي أخذتها منها لأن الأخرى تحمل الأكياس الثقيلة التي لم تستطع هي حملها فلم ترد أن تثقل عليها وقالت ستأخذ حقيبتها معها إلى السيارة حتى تعود
نظرت إلى تصميم الحقيبة بإعجاب يبدو أنها ستحصل على حقيبة جديدة تشبهها، فتحت سحاب الحقيبة ببطء حتى ترى إن كانت خامتها من الداخل جيدة، وما كانت النتيجة إلا أن سقطت الحقيبة على أرضية السيارة وسقط جميع ما بها
شهقت رحمة مصدومة لتسرع في جمعهم وقد توترت بشدة خاصة وهي ترى حمزة أنهى مكالمته فوضعتهم بفوضوية ولم تدرك ماذا تضع من الأساس
فتح حمزة الباب وجلس تزامنًا مع إغلاقها للسحاب فقال مشيرًا إلى الحقيبة :
-شنطة مين دي مش انا قولتلك الصبح حطي ازازة المياه في شنطتك وانتي قولتي مش معايا شنطة
-دي شنطة المس نور
-وشنطة المس نور كنتي فتحاها ليه يا رحمة؟!
تساءل بها وعقد حاجبيه فقالت الأخرى مبررة فعلتها :
-الشنطة اتقلبت في العربية فلميت اللي وقع منها وقفلتها تاني والله
أخذ منها الحقيبة وألقى بها في المقعد الخلفي ثم نظر إلى رحمة مكملًا :
-أمك ناوية تعمل ايه أكل النهاردة
-كل ما لذ وطاب هتعمل محشي ورق عنب ومحشي بتنجان ولحمة وفراخ والرز حاجة أساسي طبعًا فلا يخلو الرز من أي عزومة
خرج حمزة من السيارة وفتح الباب الخلفي عندما رأي والدته قادمة من بعيد هي وتلك الفتاة نور التي اقتربت ووضعت الأكياس في السيارة زافرة بتعب وهي تنظر إلى أصابع يديها التي انقلبت إلى أحمر ممتزج بالأزرق نتيجًا لحبس الدماء بهما
-ألف سلامة
نطق بها حمزة بهدوء وهو ينظر إلى يديها فضمتهما سريعًا وسحبت حقيبتها من السيارة بسرعة مخيفة مبتعدة للخلف، وكل هذا ولم تنظر إليه ولكنه يعلم أنها سمعته وتصرفها هذا يدل على أن هذه الفتاة على الأرجح مصابة برهاب إجتماعي فماذا قال هو لتتهرب هكذا
يقسم أنه لم يكن في نيته شيئًا سيئًا أو عبثيًا، فقط قال هذا لأنه شعر بالشفقة عليها لا أكثر فأراد التخفيف بكلمة خاصةً أنها ساعدت والدته وشقيقته في حمل الحقائب الثقيلة ولم يكن من الذوق النظر إليها والصمت
أتت ناهد فأخذت منها نور بعض الحقائب ثم قالت :
-طب انا همشي تحتاجي حاجة تاني
-تمشي تروحي فين؟؟
نطقت بها الأخرى متسائلة تضع الأكياس داخل السيارة ثم استدارت لها عندما قالت نور :
-هروّح للبنات هاروح فين يعني
-تمام ما إحنا كمان راجعين للبيت تعالي نوصلك بدال ما تاخدي مواصلات
عادت الأخرى خطوتين للخلف معتذرة بلباقة :
-لا هرجع انا عادي عارفة الطريق
كادت أن تتحرك ولكن ناهد امسكت بذراعها قائلة :
-انتي عنيدة أوي علفكرة وهشتكيكِ لعمتك علشان حتى وإحنا راجعين من المدرسة مش بترضي تركبي معانا وترجعي ماشية على رجليكِ أو تاخدي مواصلات
-يا مس ناهد مش عايزة اتعبكم انا عـ
لم تسمح لها بالتكملة وجعلتها تجلس في الخلف بجانبها في السيارة :
-يعني انتي تساعديني وفي الآخر اسيبك ترجعي ماشية طب والله عيب، اطلع يلا يا حمزة اطلع
صعد حمزة السيارة وانطلق بها من ثم قال وهو ينظر إلى والدته في المرآة الأمامية :
-عايزة حاجة وإحنا في الطريق علشان هوصلكم ورايح مشوار مش هرجع انا والشباب غير على الغداء
-هات حلويات معاك وانت راجع علشان مش هلحق اعمل في البيت ده انا لو لحقت أعمل ده كله وانجز قبل العصر هيبقى تمام أوي
نظرت رحمة إلى والدتها متعجبة :
-ليه هو انتي هتبقى لوحدك ولا ايه مش هتيجي غادة وطنط عبلة وطنط أسماء
-عبلة راحت للدكتور ومش هتعرف تيجي خالص غير على المغرب وأسماء عندها يوم نضافة شامل النهاردة، أما غادة دي الله يعينها على حالها بس تعرف تشيل نفسها وتشيل بيتها
-الله يعينك والله
هتفت بها نور بصوت منخفض بينما قال حمزة موجهًا حديثه إلى رحمة :
-ما تخلي رحمة تساعدك اومال انتي مخلفاها ليه
ابتسمت الأخرى بتوتر فقالت ناهد بسخرية :
-دي برضو الله يعينها على نفسها لو غسلت كوباية في البيت يبقى عملت إنجاز
-صح وانا أشهد بناتك الاتنين ملهمش فايدة اتبري منهم
هتف بها حمزة بجدية شديدة فقالت رحمة مخرجة شخصية الحواري راكنة شخصية ابنة ميامي هذه على جنب :
-اسم الله يا بابا ده انت دخلت المطبخ علشان تسلق بيضة قعدت على النار تلات ساعات كل ما تخلص المياه تزودها قال ايه عندي إحساس انها لسه مستوتش، ولا حضرته التاني ليل نهار على الماتشات مش عارفة دخل صيدلة إزاي ده بروح محمد صلاح اللي
لطمها حمزة بمزاح على وجهها قائلًا :
-خلاص أعوذ بالله ماسورة مجاري واتفتحت دخلي روح الشراشيح دي جواك متطلعش تاني
توقف أمام البناية فلم يكن يبعد السوق عن هنا كثيرًا، هبطت ناهد وحملت بعض الأكياس وساعدتها رحمة ونور في هذا ودلفوا إلى البناية بعدما رحل حمزة بالسيارة
وبينما تصعد ناهد الدرجات الأولى في مدخل البناية تعثرت بفستانها الطويل وسقطت على ركبتيه وقد أتى كفها على شئ حاد داخل الحقائب فتسبب لها بجرح عميق وسرعان ما تدفقت الدماء من يدها بغزارة
انتفضت رحمة مهرولة إلى والدتها بينما صعقت نور من المنظر وتركت ما بيديها بسرعة قائلة :
-بسم الله مش تاخدي بالك
لم يكن الجرح أبدًا بهين وينزف بغزارة فساعدتها نور على الوقوف قائلة :
-تعالي تعالي هخلي براءة تضمدها ليكي
طلبت رحمة من حارس البناية أن يأخذ الحقائب إلى شقتهم بينما هي أسرعت خلف والدتها ومن منظر الجرح والدماء ستحتاج إلى خياطة
طرقت نور باب شقتهم بعنف شديد ففتحت شروق وهي تحاول وضع الحجاب بشكل صحيح على رأسها ولكن ما إن رأتها نور بل ومعها ناهد والدماء تدفق بغزارة من كفها لدرجة أفسدت ملابسها حتى تركت الحجاب وافسحت لهم بالدخول
جعلتها نور تجلس على الاريكة في البهو، متجاهلة شروق التي أخدت تسأل عن الذي حدث لتتجه إلى الغرفة النائمة بها براءة فاليوم هو الجمعة وهي تكون نائمة في هذا اليوم حتى الظهر
هزتها بعنف شديد منادية باسمها بصوت مرتفع لدرجة استيقظت عائشة بجانبها وظنت أن هناك كارثة قد حدثت بينما براءة رفعت جسدها وعينيها مغمضة تمامًا تستمع للأخري تقول :
-قومي يا براءة قومي بسرعة ألحقي
سحبتها خلفها دون أن تدري براءة إلى أين هي ذاهبة أو أين تخطو من الأساس بينما قالت نور موجهة حديثها إلى عائشة :
-عائشة هاتي القطن والشاش اللي في الدرج
وعندما رأتها لم تتحرك ولا سنتيمترًا واحدًا من فوق الفراش صرخت بها فالمرأة في الخارج ستنتهي دماؤها وتلك لا تتحرك :
-قومي يـــــلا
-هو فيه ايه مين اتعور؟ ولا ادبح؟ ولا فيه ايه اصلًا؟!
تحدثت براءة بهذا وهي بالكاد تستطيع فتح عينيها لتجد نفسها في ثوانٍ جالسة أمام ناهد التي تضع حول كفها قماشة قد تصبغت بالأحمر من الدماء أو ربما هي التي لونها أحمر لا تستطيع أن تحدد هذا وهي لا تزال بين حالة النعاس والاستيقاظ
رفعت رأسها عندما نادى أحدهم عليها لتجد فتاة بشعر بني قصير تتحدث معها، من هذه منذ متى تعلم هي أناسًا بمثل تصفيفات الشعر الجميلة هذه :
-يا براءة ماما ايدها اتعورت في سكينة كانت جوا كيسة من الكياس شوفيها كده عايزة خياطة ولا هتعرفي تعالجيها انتي
-بس انا مش دكتورة انتوا غلطانين في العنوان
هتفت بها وهي تتثاءب بنعاس شديد لتجد من امسك بفكها بقوة وعينين خضراوتين تحدقان بها في غيظ :
-فوقي يا براءة فيه ايه المرة دمها هيتصفى وانتي بتعيد سيناريو الحلم في عقلك
سحبتها شروق من يديها حتى تقف مكملة :
-روحي اغسلي وشك وتعالي يلا
ضغطت ناهد على الجرح حتى تكتم الدماء هاتفة ببؤس :
-شكلي هلغي العزومة النهاردة مع اني هتبقى كسفة بس مش هعرف أعمل كده حاجة بإيدي المتعورة
فكرت نور قليلًا لتقول بطيب خاطر منها حتى لا تحزن الأخرى وتضع في نفسها :
-لو محدش جه يساعدك هساعدك انا والبنات ونعملوا الأكل
ودعوتها هذه للمساعدة لم تعجب لا شروق ولا عائشة ولا حتى براءة التي كانت تقف خلفها، بالله ينتظرون يوم الجمعة بفارغ الصبر حتى تقحمهم هي في هذا بل والأمر لا يخصهم بشئ فهم حتى ليسوا من ضمن المدعوين...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
طرق الباب منتشلًا ذلك الذي بالداخل من شروده بعدما كان يحدق في السقف بشرود فقال بمزاح :
-ابن عمي النقيب اللي مشرفنا ومشرف إسكندرية كلها، والله وما ليك عليا حلفان بتفشخر بيك أكتر من الواد حمزة
نظر يونس إلى المتحدث فوجده كريم ابن عمه فقال متعجبًا من وجوده داخل القسم :
-بتعمل ايه هنا؟؟
جلس كريم على إحدى المقاعد الأمامية للمكتب دون إنتظار دعوة الآخر مجيبًا إياه بكذبة اخترعها قبل أن يدخل إلى مكتبه :
-قولت يلاه يا كريم ما تروح تطمن على ابن عمك تلاقيه يا عيني مش عارف يشوف الستة من التسعة من كتر ما السفاح ملففة حوالين نفسه
-باين عليك الكدب يا كريم قول جاي ليه من غير تحوير
حمحم الآخر بحرج ثم قال الحقيقة :
-واحد من ظباط المرور أخد المكنة مني فجيتلك تحل الموضوع
-وأكيد حضرتك كنت بتسوق بغباء كالمعتاد
-مش أوي علفكرة ايه يعني سايق على سرعة عالية ما أي واحد معاه الموتسكل هيسوق على سرعة عالية انا آخد مخالفة ليه
مسح يونس وجهه بضيق قائلًا :
-بغض النظر عن إني الموتسكل بالذات مينفعش حد يسوقه على سرعة عالية علشان حوادثه كتير، بس تستاهل يا كريم علشان انت متسرع ومتهور وابن أبوه الظابط اللي خد منك المكنة
لوى كريم شفتيه بقنوط ثم قال :
-يعني ايه هتجيبها ولا لأ
-هرجعها بس والله هتسوقها بجنان تاني هبعهالك خردة مش حمل فرهدة مستشفيات انا لو عملتلك حادثة بيها
-اشطا عليك، هاخدها دلوقتي؟
-لأ دلوقتي فين على آخر النهار كده
آماء الآخر بموافقة ثم مازحه قائلًا :
-هتيجي طيب على الغداء ولا السفاح ده هياخدك مننا؟
-لأ هاجي ثم السفاح أصلًا مريح بقاله أسبوعين ومقتلش حد من وقت ما رمى الواد في كليوباترا يارب يكون اتقتل ويريحني من القضية دي، خليك هنا هدخل الحمام وأرجع
وقف حتى يذهب فقال كريم وهو يستقيم هو أيضًا :
-لا انا هاروح انا كمان ده العصر فاضله ساعة هاروح أرجع البيت بقى اشوف ناهد عملت ايه أكل، اوعى تتأخر انت بقى ولو مش هتيجي ابقى قول علشان اعمل حساب اني آخد نصيبك في الأكل
ضحك وخرج دون أن ينتظر رده وفي الخارج أبصر شروق تقف بالقرب من مكتب العسكري الخاص بالمحاضر فوقف يسأل نفسه هل يتطفل ويسألها ماذا تفعل هنا أم يرحل
وكالعادة أختار الرحيل فهو من النوع الذي لا يحب أن يتدخل في شئون الآخرين، وللأسف ابصرته قبل أن يذهب إذًا لا مهرب يجب أن يسألها إذا كانت تحتاج مساعدة وبعدها سوف يرحل :
-بتعملي ايه هنا في حاجة حصلت معاكي؟
عدلت الأخرى من وضعية نظارتها هاتفة بضيق شديد بل هي الآن في أكثر حالاتها المزاجية سوءًا :
-شنطتي اتسرقت من ساعة وانا مش عارفة أعمل إيه
وأجابها الآخر بصراحة واضحة ودون تفكير :
-ادخلي ليونس هو موجود في القسم ده أكيد هيساعدك
وسرعان ما انقلبت ملامح شروق بتشنج، تطلب من ابن رستم هذا أن يحضر لها حقيبتها، بالله لقد كان من الفظاظة التي تجعله لا يساعدها وهو تكاد تنقلب على وجهها بسبب الثقل الذي كانت تحمله، أسوف يساعدها الآن!؟
لا بالطبع لن تدخل لذلك المغرور الفظ المستفز ولو على جثتها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرج يونس من مرحاض مكتبه مجففًا يديه ليجد كوب القهوة خاصته قد احضره العم شعبان القهوجي، جلس بأريحية على مقعده ممسكًا بعلبة التبغ خاصته كعادته التي لن تنسلخ منه، وقبل أن يشعل أحد لفافات السجائر وجد باب المكتب يطرق ثم دلف العسكري الذي يقف أمام الباب
ولكن ليس هذا ما لفت أنظاره فبين فتح الباب وغلقه في هذه الثانية بالتحديد رآها تقف في الخارج بحاجبيها المعقودين طوال الوقت وملامحها المتنغنضة تتأفف بشكل واضح
انتبه إلى صوت العسكري عندما قال فور أن أغلق الباب :
-يونس باشا في واحدة برا عملت محضر اني شنطتها اتسرقت من ساعة كده بس لما شافتك في الطرقة اصرت تدخلك وبتقول إنها تعرفك
-دخلها
هتف بها بهدوء وقد وضع السيجار الأبيض بين شفتيه وقبل أن يشعله تذكر أنها لا تطيق رائحة الدخان أو التبغ والتدخين بشكل عام، وهذا بالطبع لم يجعله يتراجع بل أشعل السيجار من أجل اغضابها فقط لا غير
فتح العسكري الباب فدلفت الأخرى وما إن رأته مشعل سيجار من سجائره حتى نفخت بضيق، هي مضطرة لتحمله حتى تعود لها حقيبتها، على الأقل ستدّعي تحمله لساعة أخرى
خرج العسكري فاتجهت نحو المقعد القابع أمام مكتبه وقبل أن تجلس قال هو :
-هو انا قولتلك اقعدي!؟
حدقت به بشر هاتفة من بين اسنانها :
-ليه يا ابن رستم باشا اكونش مجرمة ولا متهمة وانا مش عارفة، انا جاية اقدم بلاغ اني شنطتي اتسرقت وانت المفروض تجيبهالي مش الشرطة في خدمة الشعب؟؟ وانا من الشعب يعني انت في خدمتي دلوقتي، يعني المفروض انت اللي تقوم وانا اقعد
ضغط على شفتيه بغيظ ألا يستطيع في مرة هزيمتها في الحديث ولا ترد على الكلمة بعشرة، نفث دخان سجائره في الهواء ثم قال :
-اتسرقت الشنطة منك ازاي وفين؟
-قريب من القسم هنا سحبت فلوس من مكنة فوري بابا بعتهم ليا على فودافون كاش، وأول ما حطيت الفلوس في الشنطة جه واحد راكب موتسكل وسحبها مني
-فين السوبر ماركت ده اسمه أي
-ده كشك صغير كده مش كبير اسمه المصطفى تقريبًا
آماء ببطء لينادي العسكري في الخارج وما إن دلف حتى قال يونس بجدية :
-ابعت حد يجيب الواد سلامة أيًا كان هو فين ويجيب كل اللي سرقه النهاردة
نظرت شروق إلى يونس متعجبة ثم قالت :
-بالسرعة دي!؟ ثم عارفين انه حرامي وعارفين طريقه وسايبينه عادي
-أصله سوابق وخرج من السجن في قضية سرقة برضو بس اللي في داء مش هيبطله
-طب قول لنفسك
رفع إحدى حاجبيه بتشنج قائلًا :
-ليه حرامي انا قدامك ولا ايه؟؟
زفرت الأخرى بضيق تحرك كفها أمام وجهها تبعد الدخان الذي ملأ المكان ويكاد يملأ رئتيها :
-انا على السجاير دي ولو سمحت اطفيها اتخنقت
أعاد ظهره للخلف بأريحية ثم قال مستفزًا إياها :
-لو مش عاجبك اطلعي برا
-لأ مش هطلع يا ابن رستم باشا وهطّفيها يا خادم الشعب
اغتاظ منها بشدة ليهتف بعناد :
-لا مش هطفيها
وقفت شروق بعنف من المقعد متجهة ناحيته فظن انها ستختطفها من بين انامله لكنها خالفت توقعاته واتجهت إلى النافذة ووقفت أمامها بعيدًا عن الدخان تزامنًا مع دخول امرأة تبدو في نهاية عقدها الثاني ترتدي ملابس راقية وكأنها خرجت من التلفاز :
-صباح الخير يا يوني عامل ايه
اتسعت عينيها مذهولة من هذا اللقب المضحك لتضع يدها على فمها تتابع هذا المشهد الهزلي المضحك من وجهة نظرها، والمحرج بشدة من وجهة نظر يونس، إذ اعتدل في جلسته يحدق في عايدة _إحدى زميلاته من أيام الدراسة_ والتي أصبحت تتردد عليه بشكل مستفز هذه الأيام :
-أهلًا مدام عايدة اتفضلي
جلست عايدة على المقعد هاتفة بابتسامة راقية ولبقة :
-عملت ايه في موضوع شنطتي اللي اتسرقت أكيد جبتها صح
مسح الآخر وجهه بضيق هل سيتم نقله لمهام البحث عن لصوص الحقائب أم ماذا؟!
تنحنح يحاول صبغ نبرته باللباقة رغم أنها ليست أبدًا من شيمه فأي لباقة هذه يتعامل بها مع اللصوص والمجرمين وبائعي المواد المخدرة :
-لا والله لسه، مفيش في كل المسروقات اللي لقيناها حاجة بالمواصفات اللي انتي قولتي عليها
-لا ارجوك اتصرف يا يونس دي فيها شيك بعشرين ألف جنية وخاتم سوليتير تمنه خمسين ألف جنية
-وانتي ماشية بالمبلغ ده كله في شنطتك ومش عايزة تتسرقي!؟ ده انا اتسرقت مني شنطة بمتين وخمسين جنية لسه جديدة وفيها ألفين جنيه حاسة اني هتشل عليهم
نظرت عايدة في اتجاه الصوت ولتوها ابصرت هذه الفتاة التي تقف بجانب النافذة ترتدي ملابس أزهرية وحجاب طويل فقالت متعجبة ومن لهجة الأخرى علمت أنها ليست ابدًا من سكان مدينة الإسكندرية وإنما يبدو أنها من الصعيد على الأرجح :
-طب المفروض امشي ومعايا ايه!؟ ثم حضرتك برضو اتسرقت شنطتك؟
-ايوه وجيت لحضرت الظابط يونس اللي ماسك وردية الشنط المسروقة علشان يجبهالي بس
نظرت إلى يونس ثم اكملت بنبرة ساخرة عاقدة ذراعيها أمام صدرها :
-بس شكله مش هيجيبهم إذا كان شنطتك انتي اللي شكلك من أغني أغنياء اسكندرية وفيها سبعين ألف جنية مجاتش، شنطتي انا اللي فيها ألفين جنية يتامى هتيجي!؟
نظرت عايدة إلى يونس هاتفة بدهشة وعدم تصديق :
-يعني ايه يا يونس؟ كده الشنطة ضاعت!؟
وهنا وانفجر بهما ولم يعد يتحمل سماع صوت واحدة، فأمامه الآن أكثر امرأتين يبغضهما وهو يحاول الآن أن يتصرف برقي ولا يطردهما من مكتبه ولكن يكفي :
-انا ظابط برتبة نقيب بقبض على المجرمين والديلر وقتالين القتلة، مش فاضي انا لحضاراتكم اسيب ده كله وسفاح اسكندرية اللي داير يقتل كل يوم واحد علشان أنزل ادورلكم على شنطكم، مش ترزي حريمي قدامكم انا؟!
برمت عايدة شفتيها بعدم رضا بينما قالت شروق وهي تتجه ناحية الخارج متمتمة كعادتها :
-ولا هتعرف تقبض عليه تلاقيك داخل الشرطة دي بواسطة أبوك
أمسكت بمقبض الباب حتى تخرج ولا تعلم متى تحرك يونس من خلف المكتب وأصبح بجانبها وقد دفع الباب بعنف مغلقًا إياه مرة أخرى وفعلته هذه جعلتها تعود للخلف متفاجئة وقبل أن تبادر بقول كلمةٍ واحدة كان الآخر يقول بهدوء مخيف وكم بدا وكأنه يكتم موجة غضب لا يريد أن يفجرها بها :
-ما أقدر برضو بما اني ظابط بواسطة أبويا ادخلك الحجز دلوقتي ليه بقى بتهمة التطاول على ظابط داخل الشرطة بواسطة أبوه
-وهو انا إطاولت عليك أصلًا!؟
هتفت بها مذهولة فقال الآخر غاضبًا :
-بنت انتي انا عمري ما حد اتطاول عليا قد ما بتعملي انتي وأقسم بالله لولا إني مراعي القرابة وانا أصلًا من النوع اللي مش بيراعي حد لكنت مسكتك كده من قفاكِ زي المجرمين ورميتك في الحجز أسبوع علشان تتربي
لم تتحمل شروق أن تصمت على هذه الإهانة فهي شخصية عصبية ترد الكلمة التي لا تعجبها بعشر :
-ليه يا بابا ناقصة تربية؟ على الأقل مش ببص على الناس بتعالي ويا أرض اتهدي ما عليكي كَدي، على الأقل لما بشوف حد محتاج مساعدة بساعده مش بقف زي اللي واقف بياخد صورة
وقفت عايدة بعدما احتدت هذه المشاجرة وعلى الأرجح يونس يعلم هذه الفتاة جيدًا ومن أقاربه على حسب ما سمعت منه الآن :
-فيه ايه يا جماعة مش كده
جفلت بصدمة عندما أدار يونس رأسه من ثم صرخ بها قائلًا :
-ملكيش فيه انتي، اقعدي على جنب
استدار إلى شروق والتي كانت بدورها جافلة هي أيضًا من صراخه هذا، فبدا وكأنه يريد طردها رغم أن الأخرى لم تفتح فمها بشئ فهي من تستفزه هنا وليست هي :
-وانتي لما كنتي شايلة الشنطة انا مكنتش شايفك ولا واخد بالي أصلًا غير لما وقعتي على السلم وقتها بس قولتلك أساعدك ما انا مش معدوم النخوة ولا الرجولة أشوف واحدة محتاجة مساعدة وأقف اتفرج زي ما حكمتي انتي، لا وبلسانك الطويل قولتي جملة وربي لولا إنك قريبة عمي محفوظ ومراته لكنت دفنتك مكانك على معناها، بس انا عملت حساب ليهم ولإنك اتكسفتي لما وقعتي قدامي علشان كده سكتلك
كان أسلوبه هجوميًا بشدة جعلها لا تتحدث بل تراجعت مزدرقة لعابها بتوتر من ثم هتفت بخفوت :
-انا عايزة الشنطة بتاعتي هتعرفوا ترجعوها ولا استعوض ربنا فيها
أجابها الآخر وهو يعود إلى مقعده ولا يزال حاجبيه معقودان دليلًا على غضبه لذا اكتفى بجملة مختصرة وهي يهز قدمه بعنف :
-تقدري تروحي ولو سلامة هو اللي سارقها هرجعهالك
رحلت شروق وما إن خرجت من مكتبه حتى تنفست بعنف وكأنها خرجت من معتقل للتو، ربما تكون ظلمته بالفعل وهو لم يكن يراها بينما هي انفجرت به من غيظها وخجلها أنها سقطت أمامه كما قال
أما بالداخل وما إن جلس يونس مكانه حتى قالت عايدة بقنوط وهي تضم ذراعيها إلى صدرها بعدم رضا :
-انا تزعق فيا يا يونس
ابتسم الآخر ابتسامة بالكاد ظهرت ولم تكن سوى ابتسامة متهكمة فأعاد ظهره للخلف مشيرًا ناحية الباب :
-شايفة الباب ده يا مدام عايدة؟ هتطلعي منه تاخدي يمين تفضلي ماشية لحد ما تبقي في نص القسم هتلاقي هناك مكتب كبير واقف عليه اتنين عساكر تروحي هناك وتقولي انا عملت محضر من إسبوعين بإني شنطتي اتسرقت، لقيتي خبر عنها خير وبركة ملقتيش تطلعي من القسم وتستعوضي ربك فيها بقى
رمشت الأخرى بعدما استيعاب، هل هو يطردها بطريقة لبقة، تنحنحت وهي تسحب حقيبتها من على مكتبه قائلة :
-طب يونس انا كنت عايزة أعرف هو رقـ
-اطلعي برا
اتسعت عينيها وقد انعقد لسانها من الصدمة فقال يونس وعينيه أصبحت تقدح غضبًا منها فماذا تود من زياراتها السخيفة له، قد نسيها ومحاها تمامًا من حياته فلما عادت مجددًا وباتت تزعجه، هل تظن من كل عقلها الصغير أنه قد يعود إليها بعدما تطلقت؟!
والله إن أصبحت ذهبًا لن يعود إليها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍