تحميل رواية «في مدينة الاسكندرية» PDF
بقلم صابرين عامر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
1- إجازة في الصعيد بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜 صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜 &;كنت أغرد فتبتسم وتصمت&;.. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه&;&; ثقيلة وثقلها أرهق قلبي&;. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟&; أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع ا...
في مدينة الإسكندرية الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
"مقتطف مستقبلي"
تنفست بصعوبة وهي تنظر من خلف زجاج السيارة إلى المبنى الذي يقع به مكتب النائب العام حيث سيتم التحقيق معها للمرة الثانية، ففي المرة الأولى تم التحقيق معها في القسم لأن الدليل كان قوي ألا وهو التسجيلات التي قلبت الناس عليها
لا تدري ماذا سوف تقول، أخبرها حمزة عندما كان معها في المشفى من يومين أن تطمئن وأنه سيتصرف بما أنه أصبح المحامي الخاص بها الآن
ورغم أن أبيها وأعمامها رفضوا أن يكون حمزة هو المحامي الذي سيدافع عنها بسبب صغر سنه وقلة خبرته بالتأكيد، لكن حمزة أكد لهم أنه قادر على إخراجها من هذه القضية
تدرك جيدًا أن حمزة يحبها ولديه مشاعر لها وهي لا تترك له فرصة أبدًا ليعبر عن هذا ولن تدع له فرصة أبدًا وعليها الآن التوقف عن التفكير بالأمر فلديها كارثة يجب أن تخرج منها
فتح لها والدها السيارة فخرجت وهي تستند عليه نظرًا للطعنة النافذة التي بجانبها لا تساعدها على الوقوف بإعتدال حتى الآن، ساندها من الناحية الأخرى عمها الأصغر حسن فقالت نور وهي تنظر إلى من أتى معها ولم ترى لا والدتها ولا واحدة من الفتيات فقالت :
-هى ماما مجاتش ليه؟!
وأجابها والدها بإستنكار قائلًا :
-وليه تيجي عمامك كلهم هنا وجوز عمتك وولد عمتك جاي في الطريق هو والمحامي
توقفت نور تنظر إليه بقلق وخوف :
-هو حمزة مفيش فوق؟ اومال انا هدخل لوحدى!؟
اجابها حسن يحاول أن يهدئها :
-اهدي وتعالي ندخل الوقفة هتتعبك كده
ساندها الاثنين للدخول إلى المبني ثم جعلاها تجلس على مقاعد الإنتظار إلى أن ينادي العسكري على اسمها من أجل أن تدلف إلى وكيل النيابة، وقد ظلت تنتظر لربع ساعة ولم يأتي حمزة حتى الآن فنظرت إلى أعمامها قلِقة ثم قالت :
-هو محدش جِه ليه؟! انا مش عايزة ادخل لوحدي
تحدث عمها عبد الجواد وهو يُدخل هاتفه في جيبه بعد أن اتصل على إسماعيل وأخبره أنهم قادمين في الطريق :
-اتصلت على إسماعيل وقال إنهم جايين وجايبين شاهدة تشهد على الواد دِه
اتسعت عيني الأخرى بذهول لتقول بشكل عفوي دون الإدارك لما تقول :
-هيجيب رحمة أخته تشهد زي ما قالي؟! أكيد لأ مش هيخليها تقول حاجة عن نفسها زي كده
عقد عمها حاجبيه ليسألها بنبرة مريبة متوجسة قائلًا :
-وهو قالك كده امتى؟ انتي في المستشفى بقالك يومين وهو مشفكيش خالص في اليومين دول
فكرت نور بسرعة في كذبة تختلقها، أجل هي لا تحب الكذب بل لا تطيقه لكن لن تخبرهم أنه أتى في وقت الفجر منذ يومين من أجل أن يتحدث معها :
-هو جه قبل كده مع ولد عمه يونس واتكلم معايا بخصوص الواد ده وعن تصرفاته في المدرسة حتى براءة كانت موجودة معايا يومها هى وماما
آماء الآخر وصمت فقال حسن وهو يربت على يدها قائلًا :
-حاسة بتعب ولا حاجة من القعدة تحبي تتمشى شوية؟؟
نفت الأخرى برأسها ثم اضافت :
-مش حاسة بتعب كَد ما انا خايفة
-متخافيش حاسس إن المحامي ده هيطلعك من القضية
نطق بها حسن بثقة رغم أنه لا يطيق حمزة هذا بسبب نظراته المباشرة والواضحة لابنة أخيه، لكن عندما طلب أن يكون هو المحامي الخاص بها وافقه في هذا لأنه رأي في عينيه أنه سيفعل المستحيل من أجل أن يبرئ نور من هذه القضية
استدارت الأعين إلى ناحية معينة وعندما أدرات نور رأسها ابصرت سليم يسير وأمامه والده ومحامي غزى الشيب رأسه دليلًا على تقدمه في العمر، توقفوا بالقرب من نور وأعمامها بينما ذهب المحامي لينهي بعض الأشياء بخصوص دلوف سليم إلى وكيل النيابة
كانت هناك حرب باردة مشتعلة في الأعين خاصةً من أعمام نور الذين ودو لو يهبطوا بالضرب المبرح على سليم هذا ويكسروا عظامه هو وأبيه لما فعلاه بابنة أخيهم سواءً التحرش بها أو تحريض النساء في الحجز على ضربها بهذه الوحشية
بينما نور كانت لا تحيد بنظراتها عن سليم ولم تكن نظراتها غاضبة بقدر ما كانت متحسرة لتنطق بما في خلدها ناظرةً إلى عينيه بعمق :
-هترتاح لما تدخل السجن وتضيع مستقبلك علشان لمسات لا زادت ولا قلت في نفسك المريضة، نصحتك مرة وحذرتك التانية، والتالتة لما اتمدت عليا عملتلك فيها تمزق في الاربطة واديك هتتحبس أهو
نظر سليم إلى والده لا يدري بما يجيب فهو هنا معتمد إعتماد كلي على والده وذلك المحامي وما سيطلب منه قوله سيقوله دون تفكير
وقد أجابها سعيد غانم بنفسه هذه المرة قائلًا :
-لأ انا ابني لا هيدخل السجن ولا مستقبله هيضيع وهتشوفي
ابتسم له عبد الجواد متقدمًا بقوة وهيبة تمثلت في نظراته وكلامه القوي الخشن :
-ما إحنا هنشوفوا وكله هيتشاف بس الصبر وحق بنت اخويا هنجيبه حتى لو مش بالقانون
اقترب منه المحامي الخاص بسليم قائلًا بمراوغة :
-علفكرة الكلام ده غلط عليك وعلى بنت اخوك وممكن يتقيد ضدها
اقترب محفوظ من عبد الجواد فكلام ذلك المحامي صحيح، لكن عبد الجواد قبل أن يتحرك نظر إلى سليم ذو الوجه المكدوم والكف المصاب الملفوف بالشاش الأبيض ليعلو صوته ببسمة مفتخرة :
-بنت ابوكي يا نورهان وتسلم ايديكي على اللي عملتيه في العيل ده، صدقيني فرحان كَد ايه علشان وريتي الناس كلها مش بناتنا اللي تتمد الايدين ليهم بالغلط وترجع سليمة
وهذا الحديث لم يعجب سعيد وكاد أن يأخذ رد فعل لولا أن العسكري نادى على ابنه فتحرك مع المحامي وخلفهم سليم مطأطأ الرأس
بينما استدار عبد الجواد إلى نور مضيفًا على حديثه :
-بس انا بعاتب عليكي في حاجة طالما ضربتيه واتصورتي والموضوع انتشر كنتي كسرتي ايديه الأتنين ورجليه بالمرة، قليل اللي عملتيه فيه دِه
ابتسمت نور بسمة صغيرة لعمها رغم أنه ثار في البداية لكنها تعلم أن هذا من خوفه عليها، فعمها عبد الجواد ورغم عصبيته إلىٰ أنه لا يترك حق عائلته ويأتي به ولو كانت جميع الظروف منقلبة ضده :
-معلش يا عمي اللي قدرت عليه بقى
-أهو حمزة جه أهو
نطق بها محفوظ فتحركت الأعين بإتجاه حمزة الذي كان يأتي مسرعًا من نهاية الممر وخلفه يونس وإسماعيل وبرفقتهم لؤي ورحمة، توقف حمزة أمامهم وعينيه تبحث عن نور لكنه لم يراها بينما قال محفوظ متسائلًا :
-اتأخرتوا كده ليه؟؟
-معلش حاولنا تاني مع الستات اللي في الحجز نخليهم يعترفوا إن حد حرضهم على ضرب نور بس ولا واحدة فيهم راضية تتكلم، واضح إني مدفوع كتير ليهم علشان يسكتوا، هي فين نور؟؟
-اهِه
نطق بها علي مشيرًا إلى ابنته التي تجلس بينه وبين حسن لكنها لم تظهر بسبب جسد عبد الجواد الواقف أمامها، نظر حمزة إلى نور وللحظات كانت عينيه تظهر بها الاشتياق والخوف فهو لم يراها منذ يومين ولكن أخفى هذا سريعًا نظرًا لأن جميع أعمامها موجدين ويحدقون به لذا قال بشكل عفوي :
-عاملة ايه دلوقتي؟؟
واتته الإجابة ساخرة من حسن يحدق به بشرار :
-تعبانة ومكسورة وخايفة زي ما انت شايف، معلش ربنا ما يكتبها عليك وتقعد قعدتها متهم في قضية وداخل لوكيل النيابة بعد شوية
رمقته نور بنظرة مصدومة من هذا الحديث القاسي من وجهة نظرها لتقول :
-هو انت بتعايرني يا حسن؟؟ انت بترش على جروحي ملح بكلامك ده
ربت حسن على كتفها بحنو قائلًا :
-انا بجاوب على سؤاله عملت ايه يعني؟؟
-وهو كلمة الحمد لله وحشة قلبت على البت المواجع قوم
هتف بها علي بحدة فقام الآخر متذمرًا ووقف بجانب أخيه ماهر بينما جلس حمزة على المقعد المقابل لنور تمامًا متحدثًا بجدية شديدة :
-بصي هندخل جوا هتحكي كل حاجة تعرفيها عن سليم وكل اللي عمله في أول مرة وتانية مرة معاكي انتي، مش عايزك تخافي أي سؤال يتوجه ليكي مش عارفة اجابته انا هجاوب مكانك
-طب وبالنسبة للستات اللي ضربوني احكي برضو
تنهد حمزة ثم قال :
-هتحكيه بس للأسف مش معانا دليل إن سعيد عمل كده، مفيش ولا واحدة من الستات اللي عملوا كده فيكي راضية تعترف
تحدث ماهر بنبرة غاضبة قائلًا :
-مش راضين يعترفوا يعني ايه؟ ما تجربوا أي حاجة إن شاء الله تدوهم علقة
واتته الإجابة من يونس هذه المرة بنبرة مستهزئة :
-علقة أشد من اللي خدوها من الستات اللي وزِّيتهم عليهم؟؟ معتقدش، دول أكيد اخدوا فلوس أكتر من اللي اخدوها في الأول علشان يسكتوا وميفتحوش بوقهم بحاجة
نظر إلى رحمة ولؤي وبالتحديد إلى رحمة ليقول :
-بس مش مهم على الأقل عندك شاهدة تشهد معاكي ضد الكلب اللي دخل ده
اقتربت رحمة من حمزة ووقفت بجانبه محدقة في نور بحزن على حالها هذا فقالت الأخرى مبتسمة بسمة حزينة :
-شكلي مش اللي هو صح؟! أكيد بتقولي مين دي؟؟
-هما اللي عملوا فيكي كده؟!
آماءت نور بصمت فقال حمزة وهو يضم أخته بذراعه :
-رحمة عارفة هتقولي ايه جوا صح؟؟
هزت الأخرى رأسها بسرعة بينما قالت نور وهي ترمق رحمة بدهشة :
-كنتي خايفة تقولي لاخواتك وأمك عن اللي عملوا، هتقولي ده دلوقتي قدام حد غريب!؟
وهذه المرة رمقها حمزة بلوم ثم أضاف :
-كنتي غلطانة لما خبيتي حاجة زي كده، انا سألتك تلات مرات ومكنتيش بتقولي الحقيقة، يمكن لو كنتي قولتي وقتها وكنت كسرت عضمه على اللي عملوا لأختي مكنش رفع راسه في واحدة أبدًا
طأطأت نور رأسها أرضًا ربما معه حق لم يكن عليها أن تخفي شيئًا كهذا لكن رحمة أوصتها ألا تفعل وهي لم ترد أن تكسر بخاطرها، ربت والدها عليها مخبرًا إياها أن هذا قدر ومكتوب بينما قال حمزة وهو ينظر إليها بتركيز :
-انا كتبت فيه محضر قبل ما نيجي هنا وزي ما هجيبلك حقك هجيبلك حقها ولؤي هيشهد باللي حصل يومها صح يا لؤي؟؟
آماء لؤي بإيجاب لتنظر إليهم نور بشكر حقيقي وهناك أمل بدأ يشع بداخلها ليضيف حمزة يزيد شعورها بالأمل أكثر :
-ومش بس دول الشهود اللي هيشهدوا، زي ما خلوا الرأي العام يتقلب عليكي بالفيديوهات اللي نزلوها هخليه يجي في صفك لما الطلاب في المدرسة يشهدوا ليكي باللي كنتي بتعمليه معاهم وإنك مش مفترية ولا حاجة
-كنت بعمل ايه؟؟
تساءلت بها نور لا تتذكر شيئًا مما كانت تفعل فقالت رحمة مُذكرة إياها :
-كنتي بتعملي ايه؟ انتي بجد مش فاكرة؟! مش فاكرة تاليا لما جاتلها Period في حصة الرياضة والكل قعد يضحك وانتي حطيتي شال عليها وهزأتيهم كلهم علشان ضحكوا، مش فاكرة تامر أنه كان بيقعد طول فترة الاستراحة في الفصل علشان خايف ينزل الاولاد يتنمروا عليه وانتي جبتيله حقه لا واديتي أدهم درس في الأخلاق وعلمتيه التنمر وحش قد ايه، مش فاكرة رقىٰ لما جاتلك تعيط وقالتلك في واحد اتحرش بيها وانتي جبتلها حقها، مش فاكرة ولا مرة لما كنتي بتدخلي احتياطي وبتعلمينا عن الأخلاق والصلاة والألفاظ والأفعال الغلط المنتشرة في الزمن ده
ابتسم حمزة للسعادة التي تلتمع في عيني نور بوضوح فأكمل هو :
-دول كلهم هيشهدوا معاكي يوم المحاكمة وكمان هيطلعوا لايفات علشان يقولوا اللي كنتي بتعمليه معاهم على السوشيال ميديا
-إزاي دي هتروحوا لدول كلهم أمتى؟؟
ضحك يونس عليها ثم قال :
-ازاي؟ بقى حد يعرف رقية ويقول ازاي ينشر خبر على السوشيال في دقايق، دي رقية من صباح ربنا اخدت البنات وبتنزل لايفات للعيال دي هي وأهاليهم على المواقع كلها مش بس موقع جريدتها، بس مش هتشوفي اللايفات دي دلوقتي لما تدخلي جوا
ابتسمت نور بشدة وودت لو تبكي من الأمل الذي كبر في داخلها، منذ يومين كانت بائسة وفي أشد حالات اليأس والآن اعطوها أمل في أن تخرج براءة، بل وتصبح أمام الناس امرأة طيبة وليست متوحشة متسلطة كما أظهروها :
-ده كله عملتوا في اليومين اللي فاتوا؟؟
وأجابتها رحمة بنبرة ضاحكة إذ قالت :
-ده حمزة منامش بقاله يومين، لا نام ولا خلى حد ينام
حك حمزة خصلات شعره بشئ من الحرج وهو ينظر إلى نور، بينما الأخرى ابتسمت بسمة خجولة وابعدت عينيها عن ناظريه لينتفض كلاهما على صوت حسن والذي هتف بتهكم :
-ومنمتش ليه يا مِتر لازم تنام لأحسن قلة النوم تجيب هلاوس، ولا قدر الله يوم المحاكمة تجيب للبت إعدام بدال ما تطلعها من القضية
وصاح به أخيه حسين وهو ينكزه في جانبه بقوة حتى يصمت عن الصراخ ككلب أجرب داست عليه شاحنة :
-اسكت وحط لسانك في بوقك انت عمال تفول على البت
حمحمت نور لتحاول الوقوف من على المقعد محدثة رحمة إذ قالت :
-رحمة معلش اسنديني ادخل الحمام
سارعت رحمة في مساعدتها لتسير معها نور بخطى بطيئة تبعتها نظرات حمزة القلقة مغلفة باللهفة الواضحة فهمس له يونس بخفوت وتحذير وهو يجلس إلى جانبه :
-شيل عينيك بقى فضحتنا، عمامها كلهم موجودين حتى ابوها تلاقيه اخد باله منك
اخفض حمزة رأسه أرضًا يفرقع أصابعه بينما يرد ليونس بنفس الهمس الخافت :
-مش عارف بجد، وحشاني أوي وخايف عليها رغم إن القضية حلها في جيبي، بقالي يومين مطبق بسببها ومسمعتش صوتها فيهم حتى
نكزه إسماعيل دون أن ينتبه أحد لكن بالطبع الجميع يلاحظ همسهما الغريب هذا :
-طب واقع ماشي بس مش كده يا حمزة اتقل شوية
صمت حمزة ماسحًا على ذقنه النابتة، محدقًا أمامه في نقطة وهمية يراجع جملة إسماعيل في عقله
عن أي ثقلٍ يتحدث وهو سيجن من ثقلها هي، لا تترك له فرصة ليتحدث معها وتتهرب منه دائمًا، أجل يعلم بتدينها وحياءها الشديد لكنه كان يريد منها فرصة للتحدث معها ولكن الأخرى كانت تقول له بتهربها الدائم منه أن لا فرصة للتقرب منها إلا بالحلال
فعل ورفضه والدها، وهو لم يكن ينتوي لها أي شئ سئ بل كان فقط لا يريد التسرع مثل ما فعله مع خطيبته السابقة، كان يريد أن يعلم عنها أكثر، يراها أمامه، يتحدث معها ولكن لم يتلقى من نور في أغلب الوقت إلا الصد
يقول في أغلب الوقت لأنها احيانًا كانت تتبسم له من حين إلى آخر أو تختطف له بعض النظرات، متأكد من أنها تُكِّن شيئًا له كما هو يفعل لكن الفرق بينهما أنها تجاهد في ألا تُظهر هذا وتخفي وتمنع نفسها دائمًا من الوقوف معه أو مبادلته أي حديث
وهو على النقيض تظهر لهفته ومشاعره لها بوضوح خاصةً في الآونة الأخيرة
لم يعلم معنى الغيرة إلا عندما كان يشك دائمًا أن بينها وبين ياسر ابن عمها حب متبادل وهذا بسبب أريحية حديثها معه، كان يغار كثيرًا عندما يراها تقف وتتحدث معه بل لم يكن يطيق وجود ياسر معهم
وجُن في يوم من الأيام وسأله بطريقة غير مباشرة عن الأمر ليتضح أنه يعشق واحدة أخرى ونور هي نقطة الوصول بينهما بل وللعجب هي أيضًا نقطة المنع بينهما
اللهفة، يكون متلهف لرؤيتها وعندما تكون موجودة لا يستطيع أن يبعد عينيها إلا بصعوبة وقد لاحظ الجميع عليه هذا حتى والديه بل وزوجة عمه أسماء فتحت معه الموضوع بسبب نظراته التي تفضحه
يُقال أن الخوف على من تحب هي أول علامات الحب وهو لا يزال يتذكر أول مرة شعر بالخوف عليها، كانت عندما خرجت من المنزل الساعة التاسعة صباحًا وقد أذن المغرب وهي لم تظهر بعد
وما جعل الجميع يقلق عليها أنه عندما وجدوا سائق سيارة الأجرة ذاك وأعترف أنه كان ينوي اختطافها لكنها جرحته بمقص في عنقه وفرت هاربة حتى أنها تركت جميع ما اشترته في السيارة ولاذت بالفرار
عادوا بعدها إلى البناية لتستقبلهم أسماء وهي تشعر بذعر حقيقي على ابنة أخيها لتتمسك في ابنها هاتفة بخوف شديد من أن يكون ذلك السائق فعل شيئًا سيئًا لها :
-لقتوها صح!؟ اوعوا يكون عمل فيها حاجة؟
حاول إسماعيل تهدئتها بصوته الهادئ إذ قال :
-اهدي يا ماما هو معملش ليها حاجة الحمد لله خرجت من التاكسي بس مش عارفين هي فين، نزلت في سيدي بشر ودي منطقة واسعة جدًا مش عارفين ندور فين بالظبط وخلاص الليل نزل
-يعني اختي ضاعت يعني ولا ايه!؟
هتفت بها عائشة وقد كان وجهها شديد الإحمرار من شدة البكاء فلتوها منذ ساعة أتت من الجامعة وصُدمت بخبر عدم العثور على شقيقتها، أجل هي ونور دائمتان الشجار وهذا طبيعي لكونها اختين لكن والله لا تستطيع تحمل شيئًا سيئًا بها فها تبكي دون توقف ولا أحد يستطيع إصماتها
اقترب منها ياسر ووقف أمامها مباشرةً مع حفظه لمسافة ارغمها على نفسه لينظر إلى دموعها وشئ بداخله يهتز لهذه الدموع، وهو هكذا يقف دون القدرة على لمسها فقط لسانه هو ما يستطيع الكلام لذا حاول أن يخفف عنها قائلًا :
-هنلاقوها والله متبكيش
رفعت نظرها له بجفنين متورمين وكانت الحمرة تنتشر في حاجببها وانفها وعينيها بعدما تحولت عروقها الداخلية إلى اللون الأحمر، ارتعش قلب ياسر عليها لم يراها من قبل تبكي بهذه الطريقة فلطالما عهدها قوية جريئة ليس أي شيءٍ يُبكيها
ولكن رغم هذا يعلم أن محبوبته رقيقة وشديدة الحساسية إن مس سوءًا والديها أو شقيقتيها حينها تنكسر قشرة القوة ويظهر ضعفها الداخلي للجميع وهو لا يود أن يراها أحدهم في حالة الضعف هذه
ازدرق لعابه بتوتر لم تستطع عينيه أن تخفيه وهو يطلب من براءة أن تسحبها من أمام الجميع :
-براءة خديها تغسل وشها ومتخليهاش تبكي
فعلت الأخرى ما قال فظل ياسر ينظر إلى طيفها إلىٰ أن ابعد عينيه رغمًا عنه عندما قالت عمته أسماء :
-ياسر اوعى تكون قولت حاجة للي في البلد صفية تجنن والله على بنتها
هز الآخر رأسه بلا ثم نظر إلى شروق الواقفة بصمت وقلق ظهر في ملامحها ليسألها قائلًا :
-ملهاش أي حد تروح عنده؟؟ صاحبة، زميلة أي حد تعرفه في المدرسة
هزت شروق رأسها برفض ثم قالت :
-صحاب ايه يا ياسر ما انت عارف نور مش بتعرف تتصاحب مع حد وبتمشي دايمًا في حالها حتى مس ناهد معاها في المدرسة مش بتروح معاها ولا بتيجي معاها غير بتروح وحدها وبتيجي وحدها كل يوم
-فيه هاجر بشوفهم كل يوم بيقعدوا في الملعب في الحصص الفاضية أو الفسحة
نطقت بها ناهد متذكرة هاجر تلك الفتاة الخجولة التي تشبه كثيرًا نور في عدم اختلاطها بأحد وتفضيلها للجلوس بمفردها أو الجلوس مع نور، تحدثت شروق بسرعة لتذكرها أن نور تحدثت عن هذه الفتاة من قبل :
-ايوه نور تعرفها بس معتقدش إنها ممكن تبقى عندها لإني نور متعرفش هي ساكنة فين بس ممكن نتصلوا عليها
تحدث حمزة بسرعة متسائلًا :
-معاكى رقمها؟؟
-لأ للأسف مع نور وتليفون نور مقفول جوا ومحدش يعرف الرمز
نظر حمزة إلى والدته لربما يكون معها رقم هذه الفتاة فقالت الآخر رافعة منكبيها بقلة حيلة :
-البنت دي منعزلة من وقت ما جات مش معايا رقمها
-بس أكيد في الإدارة طالما هي مُدرسة معاكم
نطقت بها رقية بتركيز فقالت الأخرى مُحبطة اياهم :
-ماشي في الإدارة لكن مفيش حد في المدرسة دلوقتي هنجيبوا رقمها منين
صمت وخيبة أمل خيموا على الجميع لتجلس أسماء على الدرج واضعة يدها على رأسها ترثي الحالة التي هم بها فقال محفوظ وهو يمسكها من كتفيها حتى تقف :
-تعالي يا أسماء اقعدي جوا متقعديش على السلم وإن شاء الله هنلاقوها
امتثلت أسماء لكلامه بينما استدار ياسر إلى الشقة التي يسكن بها الفتيات وقد رأى عائشة لا تزال تبكي فتنهد ووقف أمام الباب دون أن يدلف، لقد طلب نقل عمله من السويس إلى الإسكندرية حتى يكون بجانبها وكم كان متشوق ومتلهف لرؤيتها بعد أن غابت عن عينيه لأكثر من شهرين وكان يتوقع أن يكون اللقاء غير البحث عن نور المفقودة
كانت هذه أطول مرة لا يراها بها ففي العادة وبحكم عمله في إحدى شركات البترول هو يغيب لخمسين يومًا فعمله شهرين وعشرَ أيام إجازة وفي العشرِ أيام هذه يكون أكثر من متلهف لرؤية حبيبته... عائشة
تلك الصغيرة ذات العقل الراجح الذي لا يتناسب مع سنها فلطالما كانت عائشة أكثر الفتيات في العائلة حكمة حتى أنها أعقل من نور التي تكبرها بخمس سنوات، احبها كثيرًا ولربما تخطى كلمة حب معها فهو بدأ يدرك أنه يحبها منذ أن دلفت إلى الثانوية
ليس لأنها ابنة عمه بل لذاتها المميزة بالنسبة إليه
لا يزال يتذكر صدمة والديه عندما اخبرهم أنه يريد الزواج من عائشة، توقعوا أحدًا غيرها بالطبع فعائشة تصغره بعشر سنوات وهذا فارق ليس بصغير وايضًا ليس بكبير
حبه لعائشة يمتلك الكثير والكثير من العقبات أولهم فارق السن هذا
ثانيًا رفض عمه للإرتباط بعائشة بشكل رسمي وهذا لأن عمه لا يريد أن يكسر بنور لأنها الكبرى ولا تزال عزباء حتى الآن، فلا يريد جرح شعورها بزواج اختها الصغيرة أو الأقل ارتباطها بخطوبة وهي لا
ثالثًا عائشة نفسها لا تعلم عن حبه شيء فقد رفض عمه أن يصرح لها بأي شئ إلا في إطار رسمي، أجل وعده أن عائشة لن تكون لأحد سواه لكن بشرط أن يحافظ عليها من نفسه ولا يتقرب منها أبدًا، فأصبح كسجين يبصر المفتاح على بعد متران منه وينظر إليه بلهفة لكن القيود تمنعه من التحرك له
رابعًا عائشة لا تزال صغيرة وهذا اخبره به عمه فحتى إن تزوجت نور وهذه أكبر عقبة بالنسبة إليه، هو سينتظرها حتى تكمل العشرين على الأقل
خامسًا وهذه العقبة تراوده كثيرًا ولا يعلم اني كانت حقيقية أو لا، يشعر دائمًا ان عائشة لا تراه سوى ابن عمها وإن سنحت له الفرصة في التحدث إليها لا يرى منها سوى النظرات العادية رغم أنه على نقيضها تمامًا يذوب عشقًا بها
كل هذه العقبات تقف في وجهه وهو يجاهد للتمسك بها والمحافظ عليها بحبٍ طاهرٍ لا يشوبه أي شهوة أخرى
هو عاشقٌ لها في الكتمان، لو تعلم فقط هذه الصغيرة عن العاشق الذي يهيم بكل تفصيله بها لكنها تفضل تعذيبه بلامبالاتها المقصودة أو ربما غير المقصودة
رن هاتف في الداخل فاستقامت براءة واحضرته وقد كان هاتف نور ومكتوب على الشاشة اسم هاجر، رفعت نظرها إلى عائشة عندما تساءلت قائلة :
-مين بيرن؟ ماما صح؟؟
-لأ دي هاجر زميلة نور في المدرسة
اعتدل ياسر بسرعة في وقفته ثم دلف وسحب منها الهاتف وقد رد هو على الإتصال :
-الو
أما على الناحية الأخرى تعجبت هاجر أن الذي رد عليها رجل رغم أن نور اخبرتها أنها تسكن رفقة شقيقتها وابنتي عمها أي لا رجل معهم :
-الو مش ده تليفون نور مين حضرتك؟!
-انا ابن عمها
-آه تمام طب هي نور في المستشفى ينفع حد يجي ياخدها علشان انا مش عارفة بالظبط هي ساكنة فين
-مستشفى ايه؟؟
نطق بها ياسر متسائلًا ليأتيه نفس السؤال من عمته في الخلف فأجابتها براءة عوضًا عن ياسر الذي كان يستمع إلى العنوان :
-لقينا نور يا عمتي
-وهي في المستشفى!؟ حصلها ايه؟
أغلق ياسر مع هاجر واتجه إلى الخارج مناديًا على إسماعيل حتى يذهب معه فهو لا يعلم الكثير هنا في الإسكندرية :
-اســمـاعـيل تعالى معايا نجيب نور عرفت هي فين
اوقفته أسماء تحاول أخذ منه جملة تهدئها :
-يا ياسر البنت مالها بتعمل ايه في المستشفى
وأجابها الآخر بسرعة وهو يجذب ذراعها بخفة من كفيها الممسكان به :
-مش عارف يا عمتي هاروح اجيبها اهو، خليكي انتي مع البنات
أما على الناحية الأخرى أغلقت هاجر الهاتف ثم نظرت إلى نور الغافية والمعلق في يدها محلول خافض لحرارة، خرجت إلى الممر بضعف وهي تستند على الحائط ويدها على معدتها
-مالك انتي كويسة؟!
رفعت نظرها بسرعة إليه لتجده يقف مستندًا بظهره على الحائط فهتفت بإندهاش :
-هو انت لسه قاعد ممشتش؟!
رفع سفيان منكبيه مجيبًا إياها بعدم فهم :
-لسه قاعد عادي، فيه انتي بقى مش مظبوطة كده ليه؟؟
هزت الأخرى رأسها وهي تجلس على أقرب مقعد ثم قالت :
-بطني وجعاني وجسمي وجعاني شكلي اخدت دور برد تقيل
هز سفيان رأسه مغيرًا الموضوع إذ قال :
-اتصلتي على أهل البنت دي؟
-آه قالوا إنهم جايين في الطريق انا هستنى لحد ما يجوا لو عايز تمشي انت عادي انا هاروح بتاكسي
عقد سفيان ذراعيه متحدثًا معها بما يدور في خلده :
-علفكرة يا لوزة
-هاجر
-أيًا يكن، السواق مش هيطلع هو السفاح
رفعت الأخرى حاجبيها بإستغراب قائلة :
-وانت تعرف منين ما يمكن يكون هو؟
رمقته بإستغراب أشد ثم أضافت :
-هو انت تعرف مين السفاح؟!
آماء الآخر وهو يحدق أمامه بصمت فقالت الأخرى بفزع :
-تعرفه ومقبضتش عليه!؟ طب ليه؟
-علشان مفيش دليل قوي
ضحكت هاجر ساخرة على حديثه هذا ثم قالت :
-اومال عرفته منين من غير دليل يا حضرت الظابط بالاحساس!؟
أدار سفيان رأسه لها ببطء شديد أصابها بالخوف ليقول بنبرة شديدة الهدوء زادت الخوف في نفسها
-انتي بتتريقي عليا؟! لا ده انتي قلبك جامد بقى
-مش... مش قصدي والله انا بتكلم معاك بعفوية بس
لم تتغير ملامح الآخر ولو إنشًا واحد بل ظل يحدق بها بنفس الملامح الجامدة فصمتت هاجر ونظرت أمامها بصمت لكن ألم معدتها يزداد لا تدري ماذا أكلت وتسبب لها في هذه الآلام
-هو انتي ازاى ساكنة في العمارة من غير عقد أو إيجار أو أي حاجة
رفعت الأخرى منكبيها مجيبة على سؤاله الغريب هذا :
-عادل هو اللي سكني في الشقة دي ومقاليش على إيجار او عقد ملكية وانا مسألتوش
نظرت إليه بسرعة مُعرِّفة عن عادل حتى لا يظن بها شيئًا مشينًا :
-عادل يبقى ابن جوزي وهو اللي كان موجود بالليل قدام العمارة يوم ما بلغت عنك
-عارف
ارتفعا حاجبي هاجر بإندهاش لمعرفته مثل هذا الأمر فأكمل الآخر :
-وانتي ساكنة في العمارة من غير عقد علشان أصلًا العمارة بالمنطقة كلها تحت ايدهم، ليهم فيها نسبة كبيرة من وراء شغلهم في الاستثمارات
وزادت إندهاش الأخرى فلم تكن تعلم شيئًا كهذا وهذا بسبب عدم اهتمامها بأعمال العائلة أو مدياتهم، كل ما تعلمه أن لديهم شركة استثمارات كبيرة وأيضًا سلسلة مطاعم مشهورة في الإسكندرية، غير هذا لا تعلم
أدارت رأسها إليه بإنتباه مقترحة :
-طالما المنطقة تبع عيلة الدخيلي أقدر أطلب من عادل يساعدكم معتقدش انه ممكن يرفض
-إحنا عملنا كده فعلًا لما عجزنا نوصل للتسجيلات من غير تدخل مالكي المنطقة، بس لما لجأنا لعيلة الدخيلي اتضح اني الكاميرات العمارات كلها حتى المحلات متهكرة وهما بيحاولوا من مدة يلاقوا علاج للموضوع ده بس شكله هاكر شاطر أوي اللي عارف يسيطر على الكاميرات
-يعني مش كفاية السفاح قتال قتلة كمان هاكر محترف
نطقت بها هاجر بتبرم لتصمت قليلًا لكنها لاحظت أن سفيان يحدق بها بشدة وبطريقة غامضة مخيفة فأزدرقت لعابها بتوتر ثم قالت :
-هو... هو حضرتك بتبصلي كده ليه؟! انا بخاف علفكرة من نظراتك دي
فك سفيان عقدة ذراعيه ليقف أمامها مباشرة يفصلهما مترًا واحدًا ليضع كفيه داخل جيوب بنطاله وعينيه لا تحيد عنها ثم تحدث بصوت هادئ بث لها الرهبة رغم هدوءه :
-تعرفي انا بقالي في المنطقة شهر وأكتر، وفي الفترة دي كنت براقب كل السكان خاصةً العمارة اللي انا قاعد فيها وعرفت معلومات عن الكل بس أكتر شخص كان الوصول لمعلوماته صعب هو انتي، ولحد دلوقتي فريق البحث بتاعي بيجمع معلومات عنك
عقدت الأخرى حاجبيها متراجعة بجسدها إلى الخلف إلىٰ أن التصقت بالحائط لتقول بتوتر أسفل نظراته المربكة لها :
-غريب؟! مع اني بسيطة أوي مفيش حاجة تستخبى في حياتي
-يا راجل!؟ ده كل ما توصلي معلومة عنك بتفاجأ أكتر من الأول
اقترب منها قليلًا مربكًا اياها أكثر بطريقة مقصودة منه ثم قال :
-هاجر حاكم عبد السلام يتيمة الأم والأب معندكيش أي قرايب، مقطوعة من شجرة يعني علشان كده الوصول لمعلومات عنك كان صعب، انتي أرملة حاتم الدخيلي اللي اتجوزتيه من عشر سنين بعد وفاة ابوكي وأمك وتعرفي العجيب جدًا إني حاتم مات مقتول وانتوا بنفوذكم خبيتوا الموضوع على الناس وقولتوا إنه مات موتة طبيعية
هزت هاجر رأسها بفزع شديد لإكتشافه شيئًا كهذا بل ومن نظراته هذه يتهمها بقتله :
-انا مقتلتوش والله حتى مش انا اللي خبيت الموضوع، ولما حققوا معانا في السر انا مكنتش محل الشك، محدش في العيلة قتله ولا حد كان مشكوك فيه واتقيد الموضوع ضد مجهول
-بس سعاد مراته الأولى اتهمتك انك انتي اللي قتلتيه وطلعتي منها علشان الطبيب الشرعي قال إنه مات مسموم بسم طويل المدى بيقعد تلات أيام ومات في اليوم التالت بطريقة مفاجأة حتى أنتوا معرفتوش أنه كان مسموم غير من الطبيب الشرعي واتقيد ضد مجهول علشان في الوقت اللي المفروض حاتم اخد فيه السم كان مسافر برا مصر ولما رجع بلده بيوم مات
-والله ما انا اللي قتلته
نطقت بها وترقرقت الدموع في عينيها فقال سفيان وبحكم عمله لم يشعر بشفقة نحوها ولم يهتز من الأساس :
-دي معلومة عرفتها عنك ومعلومة كمان زادت حيرتي فيكي أكتر، انتي من كام سنة كنتي بتتعالجي نفسيًا والغريب إنك كنتي بتتعالجي في البيت من غير ما حد يشوفك ولا يعرف اصلًا إنك بتتعالجي، حتى الدكتور كان من برا مصر؟! والأغرب من كده إنك كنتي بتتعالجي من الهلاوس كنتي بنتخيلي حاجات كتير والموضوع كان بيوصل معاكي لضرب نفسك واللي حواليكي وده اللي قالته الخدامة لما استجوبناها
-بس أتعالجت والله حتى اتصلك على الدكتور ده واسأله بنفسك
نطقت لها بسرعة ولهفة فقال الآخر وهو يخرج كفيه من جيوبه ويعقدهما خلف ظهره :
-لأ مش محتاجة إحنا اتكلمنا معاه فعلًا وقال إنك اتعالجتي بس يا لوزة قالي حاجة خلتني احطك ضمن التلاتة اللي انا شاكك إنهم السفاح، قالي إني حالتك النفسية لو كانت اتأخرت من غير علاج كانت هتوصل لإنفصام في الشخصية، انتي فاهمة يعني ايه يبقى عندك إنفصام في الشخصية؟
تنفست هاجر بصعوبة وهي تضغط بكفها على معدتها بسبب تزايد الآلام عندها وقد لاحظ سفيان هذا لكن لم يعلق :
-انا... انا معنديش... انفصام.... معنديش انفصام في الشخصية
-وانتي تعرفي منين اللي انا اعرفه اني المريض بالمرض ده يبقى عنده شخصيتين، أحيانًا ميبقاش عارف الشخصية التانية بتعمل ايه بالظبط لما تظهر، ده غير إني بسمعك كل ليلة بتعيطي واحيانًا بتصرخي
شعرت الأخرى بصدمة من حديثه ورعب من أن يكون حقيقي، هل هي تعاني من انفصام؟ هل هي بالفعل السفاح وهي لا تدري؟!
مال قليلًا فأصبح وجهه مقابل لها مع بعض المسافة ليحدق في بنيتيها الدامعتين قائلًا :
-انا كنت شاكك فيكي الفترة اللي فاتت لحد يومين بس لما اتقلتت المذيعة اللي اسمها مروة والطبيب الشرعي قال الوقت اللي ماتت فيه واللي نفسه الوقت اللي انتي كنتي موجودة فيه في القسم معايا لما بلغتي عني
ابتسم ابتسامة هادئة يحدق في دموعها التي تسيل على خديها وملامحها المصدومة الشاحبة ليقول بنبرة شديدة الهدوء ليس وكأنه كان يحرق في اعصابها منذ ثوانٍ :
-معلش لو طريقتي خضتك بس إحنا في أمن الدولة بنتعامل بالطريقة دي، بنلعب على أعصاب المجرم بكل الطرق الممكنة علشان ناخد منه معلومات، وبصراحة لسه مخرجتكش بشكل كامل من دايرة الشك، مش معنى انك كنتي متواجدة معايا لما اتقتلت آخر ضحية اني ده معناه إنك بنسبة ١٠٠٪ مش السفاح
مسحت هاجر عينيها من الدموع هاتفة بدفاع وغضب لطريقته هذه والتعامل معها على أنها مجرمة :
-بس انا مقتلتش حد، انا لو فعلًا عندي انفصام زي ما بتقول كان أول ناس هقتلهم هما عيلة الدخيلي، هقتل ليه ناس معملوش ليا أي حاجة واسيب الناس اللي اذوني عشر سنين من حياتي
تأوهت بصوت مرتفع وهي تتقوقع على نفسها ضاممة معدتها بذراعيها فقال سفيان وهو يشعر أن بها مكروهًا فهي على هذا الحال منذ أن دلفوا إلى المشفى، نظر حوله بحثًا عن طبيب أو ممرضة رغم أن ساعة العمل انتهت لكن بالطبع هناك طبيب بدوام مسائي هنا
أوقف بسرعة ممرضة ظهرت في بداية الممر ليسألها قائلًا :
-لو سمحتي فيه دكتور هنا المدام دي تعبانة ومش عارف هي أكلت ايه شكل عندها تسمم الحقيها لتموت
اتسعت عيني هاجر بصدمة صارخة :
-تسمم وأموت حرام عليك انت بتفول عليا؟! انت معندكش أي إحساس ولا ذوق ابدًا
رفع الآخر حاجبه بتهكم لا يعجبه حديثها فلو كان لا يمتلك أي ذوق أو إحساس لما أتى معها إلى المشفى؟ ولما يوقف الآن ممرضة حتى تساعدها :
-فعلًا والله خيرًا تعمل شرًا تلقى
نظر إلى الممرضة ثم اضاف بينما يخرج هاتفه الذي يرن من جيبه :
-شوفيها لو سمحتي ولو عندها تسمم اعمليلها غسيل معدة انا لسه محتاجها
تركهما وتحرك بعيدًا بعد أن رأى أن المتصل عمر أخيه، بينما اقتربت الممرضة من هاجر وساعدتها على الوقوف حتى تذهب معها إلى الطبيب الموجود في هذا الدوام المسائي
وأثناء سيرهما توقفت هاجر في الطريق وبدا على ملامحها أنها تود التقيئ فقالت الممرضة بسرعة :
-عايزة ترجعي!؟
أشارت بأجل فسارعت الأخرى وقربتها من إحدى سلة المهملات الموضوعة في الممر فتقيأت هاجر وما إن انتهت حتى جلست أرضًا بإعياء وهي تمسح فمها بمنديل أعطته لها الممرضة ثم قالت :
-شكلك أكلتي حاجة مش نضيفة أو بايظة
هزت الأخرى رأسها بنفي ثم قالت وهي تضم معدتها التي تؤلمها بيدها بقوة نوعًا ما :
-لأ انا أصلًا مأكلتش حاجة ومليش نفس من الصبح مع إني إمبارح كان نفسي آكل حاجات كتير
ابتسمت الأخرى ابتسامة أقرب للضحك ثم قالت وهي تنظر إلى كفيها وبالتحديد إلى أصابعها :
-هو الراجل اللي كان واقف معاكي يبقى جوزك؟؟
جفلت الأخرى من هذا السؤال وتمنت لو ان ما أتى في رأسها يكون غير صحيح :
-ليـ.... ليه السؤال؟!
-أصل دي أعراض حمل حضرتك وممكن تكوني حامل!؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أغلق الثلاجة بحثًا عن أي شئ يشربه لشعوره الشديد بالظمأ ليبصر زجاجة عصير مختبئة في الثلاجة، سحبها بسرعة دون الاكتراث أنها قد تكون لأحد أشقائه لكن هل سيهتم؟؟ لا فليذهب كلاهما للجحيم
فتح الزجاجة وكاد أن يتجرعها دفعة واحدة لكنها سُحبت من يده ثم تلىٰ صياح يعلم صاحبه يقول :
-ايـــه عندك هترميها في بلاعة ولا ايه دي بتاعتي
حدق بها الآخر بضيق ليمد يده حتى يأخذها قائلًا :
-طب هاخد شفطة وأرجعهالك يا رقية عطشان
صاحت به الأخرى بنفس النبرة وهي تشير إلى الصنبور من خلفه :
-ما عندك حنفية اهو اطفح منها
اتسعت عيني يونس مصدومًا من لفظها هذا والذي بالطبع تعلمته من اختلاطها بجميع درجات عامة الشعب :
-عندي ايه!؟ وكمان اطفح ده انتي يومك مش معدي النهاردة
ما إن ختم حديثه حتى سحب أحد أدوات المطبخ دون أن يبالي ثم ركض خلفها في أرجاء الشقة ولم يبالي أيضًا بصياح والدته بأن يتوقفوا، صاحت رقية منادية على والدها فقال يونس بشر من خلفها :
-أبوكي مسافر يا عسل ووالله ما حد هينجدك مني النهاردة يا رقية والله لأربيكي واطلع عليكي القديم والجديد
ولم تجد الأخرى حلًا غير الاستنجاد بيوسف ففرت إلى غرفته تحتمي بها وهي تنادي بصراخ عليه، بينما الآخر كان يهم بالخلود إلى النوم عندما استمع إلى صراخ شقيقيه فزفر بضيق وهي يتجه إلى الخارج وإذ به يصطدم برقية والتي اختبأت خلفه بسرعة وتجعله هو في وجه يونس
رفع ذراعيه بسرعة يمنع الآخر من الوصول إليها بينما صاح يونس بشر وهو يحاول الإمساك برقية :
-يا يوسف اوعى أبوك مفيش علشان يدافع عنها سيبني اديها علقة البنت دي
تحدثت الأخرى من خلف ظهر يوسف شاهقة بصدمة بدت مصطنعة بشدة :
-عايز تضربني علشان أبوك مش موجود هي دي الأخوة يا عديم الرجولة
-يا يوسف سيبني اضربها دي لسانها عايز يتقص منه مترين
دفعه يوسف ناحية الفراش فسقط الآخر بقوة نوعًا ما لثقل جسده، وتزامنًا مع سقوطه أطلق تأوه مرتفع بسبب اصطدام رأسه المصابة في ظهر الفراش ففزع يوسف على أخيه وهرول إليه يتفحصه بلهفة قائلًا :
-يونس انت كويس حقك عليا مش قصدي ازقك جامد كده
وأتته الإجابة ساخرة من رقية إذ قالت :
-يا عم انت صدقته ده بيستهبل ولا بيأثر فيه ضرب نار حتى، طب سيبوا كده وهو يقوم ياكلنا إحنا الإتنين
رمقها يونس بشر ولولا ألم رأسه لوقف وأبرحها ضربًا فقالت الأخرى وهي تلقي له زجاجة العصير ثم اتجهت إلى الخارج :
-خد مع إنها خسارة فيك بس اعمل ايه في طيبة قلبي اللي جيباني وراء
ألقى الآخر عليها الزجاجة باصقًا عليها بتصنع ثم قال :
-لا كتر خيرك مش عايزها
ضحكت الأخرى وهي تهجم عليها مراعية الإبتعاد عن رأسه لتدغدغه عالمة أنه يكره هذه الحركة لتفاعل جسده معها فصاح الآخر وصوته اختلط بالضحكات التي حاول أن يخفيها خلف غضب
ابتسم يوسف وابتعد عنهما وأخذ هو زجاجة العصير وأخذ يشرب منها تزامنًا مع إتصاله على إسماعيل حتى يسأل إن كانوا احضروا ابنة خاله هذه أم لا تزال مفقودة، وأجابه الآخر بأنهم وجودها في المشفى بالفعل وقادمين في الطريق
أغلق يوسف الهاتف ونظر إلى أخويه اللذان كانا يحدقان به في غضب فقال بتعجب :
-فيه ايه؟!
-في الآخر انت اللي شربت ازازة العـــصـيـر
صاح بها كلاهما في نفس اللحظة فألقى الآخر الزجاجة متحدثًا بعجرفة مصطنعة :
-ايه يعني خسارة فيا ما انا طول عمري بسيبلكم حاجاتي
ابتسمت رقية بخبث ليعلم الآخر نواياها التي لن تروق له فقال رافعًا إصبعه في وجهها بتحذير :
-عارفة لو قربتي مني هضرب علطول
ضحكت رقية وفضلت عدم الاقتراب فهو يده ثقيلة بالفعل ولا تريد أن تترك يده أثرًا على جسدها، رن هاتفها الساقط أرضًا بسبب مزاحها مع يونس وما إن أبصرت اسم عمر يعلو الشاشة حتى سارعت في سحب هاتفها وتخبئته بكفها من ثم وقفت هاممة بالخروج :
-انا هرد على التليفون وجاية
خرجت بخطوات سريعة دون الإستماع إلى إجابة فقال يونس وهو يعتدل يبحث عن الأدوية التي احضرها معه من المشفى :
-روحي منك ليه حاسس دماغي هتتفلق، يوسف أنهي المسكن في دول
رفع رأسه إلى أخيه عندما لم يتلقى أي إجابة ليجده شاردًا بشكل غريب ففرقع أصابعه أمام عينيه جاذبًا انتباهه ثم قال :
-ايه يا يوسف روحت فين كده؟؟
-اسم عمر كان مكتوب على الشاشة
نطق بها الآخر ولا يزال الشرود يجذبه فقال يونس بعدم فهم :
-شاشة ايه؟ انا مش فاهم حاجة!؟
أدار يوسف رأسه إليه هاتفًا بجدية شديدة وقد كانت الحيرة تنعكس في عينيه :
-اسم عمر على شاشة تليفون رقية، اللي بيتكلم معاها دلوقتي عمر!؟
صمت الآخر بشكل مريب ليميل برأسه وانعكست في مقلتيه الحدة فآخر ما يريده هو أن تفعل اختهم شيئًا من خلف ظهورهم :
-عمر مين؟؟
-هو فيه عمر ممكن يكون في حياة اختك غيره
نطق بها يوسف بشئ من الحدة يحاول ألا يجعل الغضب يتحكم فيه قبل أن يتحدثا معها في هذا الأمر، فإن كانت اختهم تتحدث بالفعل مع عمر دون علمهم والرجوع إليهم في شئ كهذا، فهذا يعتبر كسر ثقة ليست بهينة
قطع هذا الصمت الذي حل عليهم لثواني عودة رقية لكن بدت على ملامحها الحماسة الشديدة وهي تصيح قائلة :
-يونس قوم يا يونس بسرعة
وقف الآخر لا يدري ماذا حدث فجأةً لها حتى أنه لوهلة نسىٰ أمر عمر :
-فيه ايه؟؟ حصل ايه!؟
-السفاح ناشر بث مباشر ورايح يرمي واحدة تانية من فوق عمارة، ومش هتصدق لو قولتلك العمارة دي فين؟؟ في ميامي هنا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
ارتشف البعض من الشاي وعينيه تحدق في صورة معلقة على الحائط، هذه الصورة التي تعود إلى عشر سنوات حيث كان يوم زفافه، كان يومًا جميلًا لا ينكر وهو بالطبع يوم جميل بالنسبة للجميع وإلا ما كانوا أطلقوا عليه ليلة العمر
لكن أتعلمون ما هو الغير الجميل هي المشاكل التي تلحق الزواج وانت وحظك مع شريكك في الحياة إما يكون متفهم لا يهوى المشاكل وإما يكون على النقيض يحب المشاكل ليل نهار
أو يكونا كلاهما يحاولان الإستقرار وهناك مشاكل خارجية تنغص عليهما حياتهما
وهو حياته بعد الزواج تجمع خيارين هو لا يحب المشاكل بينما زوجته تجري خلفها المشاكل، يعلم أنها لا تقصد ان تفعل مشاكل لكن حيثما تحركت أو تكلمت تجد مشكلة، وهو دائمًا ما يحاول معها وحتى بعد مرور عشر سنوات لا يزال يحاول
أبعد كوب الشاي عن شفتيه عندما ابصرها تخرج من غرفة النوم وهي تتفقد حقيبتها بينما تحدثه بنبرة مستعجلة وهي تقول :
-إسماعيل انا هاروح اشتري حاجة من السوق وبعدها هاروح اكشف للؤي عايز حاجة
تنهد الآخر على مهل ثم قال :
-تكشفي ايه يا غادة هو انا سباك يا حبيبتي ما انا دكتور اهو
-لا يا حبيبي انت دكتور نسا وتوليد انا عايزة دكتور أطفال
قلب إسماعيل عينيه وهو يرفع كوب الشاي مرة أخرى حتى يرتشف منه ما تبقى :
-هى هى، الدكاترة كلهم بيدرسوا كل حاجة في الاربع سنين، التخصص بيبقى بعدين
-معلش انا عايزة دكتور أطفال
-طب يلا علشان اخدكم معايا المستشفى
نطق بها وهو يستقيم من فوق الاريكة فهتفت الأخرى معترضة بشدة :
-مستشفى؟! لأ طبعًا مش هاروح هناك انت ناسي لما لؤي كان تعبان وركب الكانولا هناك علشان المحلول والدكتورة المتخلفة ضربت الكانولا في العصب مش الوريد، حبيبي ابني معرفش يحرك ايده لأسبوعين لقدام، انت مش فاكر ولا ايه؟؟
وأجابها الآخر بنبرة هادئة عكسها إذ قال :
-فاكر والموضوع حصل من كذا سنة والدكتورة دي كانت تحت التدريب وكانت خايفة علشان كده ايدها اترعشت، انتي هتكشفي بس، أي حاجة هعملها انا حتى الدواء هجيبه انا
وعقدت الأخرى ذراعيها غير موافقة على هذا :
-لأ من بعد اللي حصله ده وانا مش بثق في المستشفيات انا هاروح اكشفله برا احسن وعند دكتور شاطر
تنهد إسماعيل يعلم أنها لن تقتنع بسهولة بل لن تقتنع أبدًا بشخصيتها العنيدة هذه لذا قال :
-ماشي يا غادة براحتك بس متتأخريش علشان الولد جوا تعبان وانا همشي علشان المستشفى
ارتدت الأخرى حقيبتها نافية برأسها ثم قالت :
-لأ ربع ساعة وارجع مش هشتري حاجات كتير ومتخافش مش هتخطف زي بنت خالك
كادت أن تتحرك لكن قام إسماعيل بسحب ذراعها وإعادتها أمامه مرة أخرى ثم قال وهو يسحب حجابها للأمام :
-شعرك باين يا غادة
سحبت الأخرى نفسها منه بسرعة قبل أن يفسد حجابها قائلة :
-طب استنى هعدله انا
أخرجت هاتفها ووعدلته عليه أسفل نظرات إسماعيل الغير راضية البتة فقالت غادة عاقدة حاجبيها :
-ايه مش عاجبك؟!
-لأ طبعًا الطرحة أصلًا قصيرة لا ساترة وراء ولا قدام لفاها ليه كده؟؟
زفرت غادة بضيق وقد هداها تفكيرها لشئ آخر إذ قالت وهي تضع كلتا يديها في خصرها بحركة آثارت غضب إسماعيل لكنه لم يظهر :
-قصدك ألبس خمار زي الستات الكبيرة صح؟ لأ يا إسماعيل انا لسه صغيرة من حقي ألبس على الموضة وألف طرحتي على الموضة
جلس إسماعيل بعدما أطلق تنهيدة يهدئ بها نفسه حتى يدخل معها في حوار حاد هدفه اقناعها بشئ :
-حبيبتي البسي على الموضة مقولتش لأ بس تختاري الموضة اللي تستر، من كام سنة واعتقد أنه لسه ساري الموضوع ده خرجت حاجة اسمها خمار ماليزي، انا بشوف بنات كتير لابساه وبيبقي ساتر وموضة زي ما بتقولي
-زي بنات اخوالك صح؟!
زفر إسماعيل بقوة ليقف من مكانه ممسكًا بمتعلقاته متجهًا نحو الباب تزامنًا مع قوله :
-خروج بالطرحة القصيرة دي مفيش يا غادة ومش هتلبسي طرح قصيرة تاني
امسك بمقبض الباب ثم استدار إليها مكملًا حديثه وعلى شفتيه ابتسامة هادئة :
-انا بغير عليكي يا غادة ومش عايز أي حد غريب يشوف من مراتي اللي مسموح ليا انا بس أشوفه
أغلق الباب ورحل بعدما ترك ما يقنعها وهو يعلم أنها ستفكر في الموضوع، النساء عقولهن صغيرة، يستطيع الرجل أن يمتلك قلوبهن وتفكيرهن بكلمة
وهكذا فعلت غادة فما إن رحل حتى اعتلت ابتسامة شديدة الإتساع على وجهها لتلقي حقيبتها على الاريكة مهرولة إلى غرفتها وبالتحديد إلى الخزانة الخاصة بحجاباتها واخذت تبحث عن المطلوب وأخيرًا وجدته
فردت الحجاب أمام عينيها وقد كان شالًا واسعًا من اللون الأسود المزركش، لم يكن خمارًا وإنما حجابًا كبيرًا فهي لا تفضل النوع الثاني، خلعت عنها شالها القصير ثم فتحت هاتفها وكتبت في محرك البحث
"لفات على الموضة وساترة للطرح الكبيرة"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
استندت بكفيها على الفراش حتى تستطيع أن تستيقم لتبعد هذا الغطاء الثقيل من فوقها وهي تأن بألم من الصداع الذي يلفح رأسها وكأن هناك طاحونة تدور به، هذا بالإضافة إلى الجفاف والمرارة بحلقها التي جعلتها تنظر حولها بحثًا عن كوب ماء
هبطت من فوق الفراش حتى تذهب إلى المطبخ تسير بخطى بطيئة غير متزنة تشعر وكأنها على متن سفينة في وسط البحر وليس أرض ثابتة
ارتشفت القليل من زجاجة وجدتها موجودة فوق رخام المطبخ لتفتح الثلاجة وهي تبحث عن طعام تأكله فهي حقًا تشعر بالجوع، وتزامنًا مع بحثها كانت تتدفق الذكريات إلى عقلها لتجحظ عينيها فجأةً ثم أغلقت الثلاجة وأخذت تبحث عن أحد في الشقة تسأله كيف وصلت إلى هنا
هي آخر ما تتذكره أنها غفت بشكل لا إرادي في منزل هاجر لكنها لا تتذكر أي شئ آخر بعدها، توقفت أمام إحدى الغرف وقد وجدت ابنة عمها نائمة أسفل الغطاء وكأنها قنفذ في بيات شتوي
هزتها بشئ من العنف صائحة :
-شروق يا شروق حصل ايه عشية
حاولت أن توقظها لكن لم تتلقى من الأخرى غير همهمات معترضة فزفرت بضيق وهي تجلس على الفراش تنظر حولها بحيرة لتقفز في عقلها المدرسة وأنها على الأرجح تأخرت، وبالفعل قد وجدت أن الساعة تجاوزت معاد الطابور
قفزت بسرعة تبحث عن شئ ترتديه حتى تذهب، لكن القدر كان معاندًا لها حيث لم تجد أي شئ ترتديه لا عندها ولا عند بنات عمها وهذا لأنه كان من المفترض أن تغسل الملابس بالأمس وعلى الأرجح لم يغسلهم أحد نيابةً عنها في غيابها
لم تجد أي ملابس مناسبة إلا عند براءة لكنها لن ليق عليها أبدًا وهذا لأن براءة أطول منها، وجميع ما عندها يصل إلى الأرض وكأنها فتاة صغيرة ترتدي ملابس شقيقتها الكبيرة
نظرت إلى نفسها بالمرآة لتشعر بتكاسل يصيبها على عدم الذهاب، هي لم تغب من قبل وهي الآن لا تريد الذهاب لسببين، الأول هي تشعر بالمرض والثاني لا يوجد ملابس إلا بناطيل وهي توقفت عن ارتدائها منذ سنوات
إذًا لن تذهب، لكن مهلًا ماذا عن رحمة وحضور ولي أمر سليم؟!
أما في المدرسة كان يجلس محفوظ وناهد بصفتهما أولياء أمور لؤي ورحمة بينما كان يقف سليم بمفرده يحدق في المدير الذي كان يتحدث مع أخيه في الهاتف قائلًا :
-تمام يا دكتور عاصم هننتظرك كمان ساعة بس اتمنى متتأخرش
أغلق الهاتف ونظر إلى محفوظ وناهد ثم قال :
-معلش تقدروا تستنوا ساعة لحد ما ولي أمر سليم يوصل؟؟
نظر محفوظ إلى ساعة يده عاقدًا حاجبيه ثم قال :
-تمام لو ساعة تمام
مال عليه لؤي مبتسمًا بإتساع :
-طب ما تمشي انت وانا هقدر أسِد عادي
-آه علشان تعمل مشكلة أكبر من الأولى مش عارف انت طالع بتحب مشاكل لمين؟! رحاب وإسماعيل عكس كده تمامًا
رفع الآخر منكبيه هاتفًا بعدم إهتمام :
-نور بتقول اني جيناتي لخوالي طبعهم شديد وانا شكلي طالع ليهم
آماء محفوظ مبتسمًا بيأس ثم قال تزامنًا مع استقامته :
-انا قولت برضو من يوم ما اتولدت إنك هتطلع لأمك ولعيلتها
اتجه ناحية الباب لكنه توقف على صوت ابنه وهو يسأله إلى أين يذهب فأجابه الآخر قائلًا :
-هخلص شغل نص ساعة وجاي متعملش مشاكل يا لؤي
نظر إلى ناهد ثم أضاف :
-ناهد ابقي اتصلي عليا لما يجي الطرف التالت ده وخلي بالك من العيال
تركهم وذهب بينما نظر المدير إلى رحمة ولؤي وسليم قائلًا :
-اتفضلوا على فصولكم وانا ساعة كده وهبعت حد يجيبكم، وانتي يا مس ناهد شوفي عندك ايه حصص لإني فيه حد من الإدارة جاي النهاردة مرور مفاجئ والله أعلم مين وهيجي امتى
آماءت الأخرى بإيجاب لتسحب ابنتها معها للخارج بينما نظر لؤي إلى سليم بنظرات حادة رغم الابتسامة التي على شفتيه، لم يبالي سليم فكان هناك شئ آخر يقلقه وهو حضور عاصم اليوم، هو يخافه كثيرًا ربما أكثر من والديه، وعندما يعلم أنه تحرش بالفتاة فلا يضمن رد فعله
توقف بسرعة عندما اصطدم بشاب ذو جسد طويل لينظر إليه بتعجب فهو يذكر أنه رآه من قبل، بينما الآخر كان يرمقه بجمود قبل أن يرفع يده وينفض بعض التراب الوهمي من على كتف الآخر مرددًا بهدوء عاصف :
-انت سليم بقى
وهز الآخر رأسه ولا يزال يحاول تذكر أين رأى هذه الملامح وهذا الشعر الطويل :
-ايوه انا مين انت؟؟
ابتسم حمزة له ابتسامة مربية ليسحبه بشكل مفاجئ من تلابيب زيه المدرسة هامسًا بشر ظهر بين طيات نبرته الباردة :
-انا حمزة عثمان هواري اخُ رحمة الكبير واللي هيعلقك في نص المدرسة دي لو لمحتك جنبها، عارف لو شوفتها معدية في مكان تلف وتعدي من مكان تاني خالص
حاول الآخر التماسك والثبات رغم انه أجبن من هذا لكنه قال :
-أنا معملتش حاجة
وشدد الآخر على تلابيب ثيابه مهددًا إياه بنبرة آثارت فيه الخوف رغم أن ملامح حمزة وملابسه توحي إلى شخص راقي إلىٰ أن حديثه ونبرته كانا معاكسين لهذا :
-هنشوف عملت ولا معملتش وادعي ربك تيجي على تنمر زي ما سمعت، ده مش معناه اني هسكتلك على انك اتنمرت على اختي لكن لو طلعت عملت اللي في بالي هكسر إيدك اللي لمستها بيها
دفعه بعنف من أمامه ثم قال :
-اختفي يلا من قدامي لحد ما أشوف حد كبير اتكلم معاه واعرف مين نسي يربيك
وكان الآخر أسرع من أن ينهي الآخر كلامه فقال حمزة وهو يرفع خصلات شعره إلى الأعلى ويهندم من وضعية سترته :
-بيخرجوا مني دايمًا شخصية انا بحاول مخرجهاش يستحملوا بقى
توجه إلى والدته حيث كانت تقف مع رحمة تحاول على الأرجح أن تجعلها تتكلم وكادت بالفعل أن تقول لها عما حدث فيبدو أن نور لن تأتي اليوم لأنها مريضة :
-ماما انا كنت في الحمام ومكنش فيه حد هناك، غسلت ايدي وكنت هطلع بس سليم كان واقف قريب من الحمامات وكان بيـ
صمتت بسرعة عندما لاحظت ان أخيها كان يقف بالقرب منهم ويستمع بتركيز لما تقول وعندما صمتت صاح بقنوط قائلًا :
-كان بيـ ايه؟! بقالنا تلات أيام بنحاول نسحب منك كلمة يا بنتي انطقي علشان لو كسرت ايديه ميبقاش حرام عليا
والأخرى خافت وخجلت من أن تتكلم أمام أخيها فقالت ناهد وهي تدفع ابنها بخفة للخلف :
-امشي يا حمزة هي خايفة تتكلم قدامك
أطلق الآخر زمجرة مغتاظة وهو يبتعد عدة خطوات عنهما لكن لا تزال عينيه تراقب رحمة بتركيز، روت رحمة لأمها ما حدث همسًا وعندما انتهت لاحظ انقلاب وجه أمه للغضب وهي تقول :
-طب يلا روحي فصلك دلوقتي علشان الحصة متفوتش عليكي
-طب متقوليش لحمزة أو بابا يا ماما معلش علشان خاطري بالله عليكي
همست بها برجاء شديد فربتت الأخرى على كتفها تدرك خوفها هذا جيدًا فالمئات يتعرضن للتحرش بشكل يومي ولا أحد يعلم شئ بسبب خوفهن من تبليغ أحد
رحلت رحمة فاقترب حمزة من أمه بسرعة قائلًا :
-ها قالتلك ايه؟؟
صمتت الأخرى وهي تنظر إليه بتفكير، فهمت الآن لما نور لم تقل شيئًا وادَّعت أنه تنمر عليها، لم تكن تريد أن تحرج رحمة لكن على الأقل كانت أخبرتها هي لأنها والدتها :
-الولد اتنمر عليها يا حمزة
رفع الآخر إحدى حاجبيه بعدم تصديق لهذا، لما يصر الجميع على أنه تنمر عليها بينما هو يدفعه عقله من تصرفات رحمة وخوفها إلى شئ آخر :
-لا والله تُنمر؟! مش مصدق علفكرة
-يعني انا كدابة؟؟
نطقت بها ناهد بتهكم مصطنع فزفر الآخر بضيق وقبل أن يبرر هذا استمع كلاهما إلى صوت امرأة يبدو حادًا وهي تنادي على إحدى الطالبات اللواتي كُن يسرن في الفناء
نظرت إليها ناهد بسرعة ثم عادت ونظرت إلى ابنها مرددة :
-ارجع البيت انت يا حمزة انا هتكلم مع ولي أمر سليم لما يجي يلا سلام
وقبل أن تسمع منه إجابة تركته واتجهت إلى تلك المرأة التي هي من الإدارة وتمسك بفتاة ترتدي زي مخالف وتقوم بتوبيخها، حاولت الابتسام وركن ما سمعته من رحمة على جنب الآن ولن تمرره بالطبع مرور الكرام :
-صباح الخير يا مدام صباح شرفتينا
-مس ناهد قوليلها اني مُدرسة هنا مش مصدقاني
أدارت ناهد رأسها إلى الصوت الذي ظهر هذا لتتسع عينيها لرؤيتها لنور ترتدي سترة طويلة من اللون الأحمر الغامق وبنطال قماشي أبيض وحجاب من نفس اللون وكانت تضع على رأسها قبعة سوداء بلسان أمامي
وقبل أن تتحدث بكلمة كانت الإدارية هذه تصرخ بنور غاضبة :
-انتي مُصرة على الكذب؟؟ مُدرسة ايه اللي في حجمك ده انا بنتي في تانية ثانوي أكبر منك
تحدثت ناهد بسرعة وهي تسحب ذراع نور من يد الأخرى :
-يا مس صباح هي فعلًا مُدرسة هنا
-مُدرسة ايه انتي كمان، هو انتي هتغطي عليها؟!
نطقت بها الأخرى بعصبية ثم أكملت وهي تشير إلى نور من الأعلى إلى الأسفل :
-دي آخرها طالبة في تالتة إعدادي دي متعديش متر ونص
برمت نور شفتيها بتذمر لكلماتها هذه ثم قالت :
-طب انا واحدة ربنا خلقها كده طولها ١٥٦سم ووزنها ٤٧ كيلو هنعترض يعني
استدارت إليها ناهد هاتفة بذهول :
-انتي ٤٧ كيلو بجد؟! يخربيتك دي انتي حجمك صغير، ليها الحق تفتكرك طالبة باللبس ده، بالذات بالطاقية اللي فوق راسك دي
نظرت إلى الإدارية أمامها ثم استكملت :
-يا مس صباح دي المس نورهان اللي جات من الصعيد علشان تدرس دراسات إجتماعية واحنا بعتنا ليكم بالخبر ده وهي بقالها شهرين وأكتر معانا
نظرت الأخرى إلى نور متسائلة :
-انتي عندك كام سنة؟؟
-٢٣ سنة
-سبحان الله جسمك وطولك يدي واحدة عندها مش أقل من ١٥ سنة
حاولت نور الابتسام رغم تضايقها من الأمر فقالت ناهد وهي تدعوها للرحيل :
-خلاص يا نور روحي انتي شوفي حصتك
وبالفعل رحلت دون إضافة كلمة لتسير بخطوات سريعة دليلًا على غضبها، هذا ما كانت تخشاه بعدما ارتدت هذه الملابس التي أظهرتها بالفعل كطالبة في الخامسة عشر من عمرها، لكن ما باليد حيلة لم تجد ما ترتديه بسبب إتساخ جميع الملابس
دلفت إلى الفصل ملقية تحت السلام بعدما طرقت طرقة خفيفة على الباب، صمت جميع الموجدين متسائلين بهمس عن هويتها
وضعت حقيبتها على طاولة المعلم وقبل أن ترفع رأسها وتتحدث استمعت إلى صوت أحد الطلاب الجالسين في الصف الأول القريب بالذات إلى الطاولة، يقول بنبرة عابثة :
-استني بس يا مزة رايحة فين المس لو دخلت هتزعق علشان هتقعدي مكانها
رفعت نور رأسها له مصيبة الآخر بذهول بينما هي هتفت بتهكم وهي تسحبه من مقدمة ثيابه نحوها :
-مزة يا اسامة!؟ انت يومك مش هيعدي النهاردة
تأتأ الآخر في حديثه ولم يقل كلمة سليمة، لتستمع إلى صوت من خلفها حاد رغم رقته يقول وصاحبته جذبتها من سترتها بعنف :
-انتي مين انتي سيبي أسامة بدال ما
ولم تكتمل جملتها إلا وشهقت مصدومة ثم قالت وهى تبعد يدها بسرعة عن سترة نور :
-احيه مس نورهان؟!
ابتسمت نور بذهول وهي تنزع عنها قبعتها :
-هو للدرجة دي مش باينة اني واحدة كبيرة واللبس مصغرني لسنكم
علت الأصوات في الفصل بطريقة مزعجة لها عن أنها بالفعل صغيرة في هذه الملابس ولم يظهر عليها ابدًا بل لم يتعرفوا عليها، صرخت بهم نور بغضب لأصواتهم هذه قائلة :
-بـــس، علفكرة انا متعصبة من الصبح وتعبانة وجايبة آخرى ومش فاكرة حاجة من عشية واقسم بالله اسمع نفس هطلع غيظي كله فيكم
انقطعت الأصوات والأنفاس فجلست نور في مقعدها متنهدة بتعب لشعورها بالهزل في جسدها أثر نزلة الانفلونزا الشديدة التي اخذتها على الأرجح لسيرها أسفل المطر البارحة
رفعت رأسها تبحث في الأوجه عن رحمة فهذا هو فصلها لتجدها بالفعل متواجدة فنادت عليها حتى تأتي لتأخذها وتقف أمام الباب بعيدًا عن مسامع الطلاب :
-رحمة حصل ايه عشية انا مش فاكرة حاجة
عقدت الأخرى حاجبيها مرددة بدهشة :
-هو محدش حكالك إني انتي كنتي تايهة وكنا بندور عليكي؟!
هزت نور رأسها بنفي فقالت رحمة بإندهاش أكبر :
-ده مفيش حد مخرجش يدور عليكي اخواتي وولاد عمي وبابا وعمي محفوظ وبنات عمك حتى مرات عمي أسماء جات
-ده كله؟! ولقيتوني أمتى وفين؟؟
نطقت بها نور مصدومة فأجابتها الأخرى رافعة منكبيها بتذكر :
-تقريبًا جابوكي على العشاء من المستشفى
-مســتـشـفــى!!؟
صاحت بها مذهولة وعقلها لا يستوعب شيئًا بسبب عدم تذكرها لتعلو الأصوات خلفها في الفصل فدلفت غاضبة بشدة ثم طرقت على الطاولة بكفيها بقوة، هادرة بصوت افزعهم :
-اقسم بالله انتوا شعب ما يجي بالكرامة أبدًا وانا عارفة ازاي اخرسكم، كله يطلع ورقة وقلم عندكم امتحان مفاجئ واقسم بالله تاني لو حد مقفلش في الامتحان ده هزفه في نص الفصل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تنهد بقوة وهو يعيد رأسه للخلف بتعب شديد بعدما اشتد جرح رأسه الحديث وزاد الصداع الطين بله، لكن لا بأس فقد قبضوا على السفاح البارحة وانتهى الأمر على الأقل لم يذهب تعبه سدىً
تأوه بخفوت وهو يستقيم من فوق المقعد ثم دار حول المكتب متجهًا إلى المرحاض حتى يغسل وجهه بعد سهره البارحة لربما يستعيد بعض النشاط
خرج من المرحاض يجفف يديه بالمناديل ليجد رسالة بتسجيل قد وصلت إلى هاتف يوسف الذي استعاره منه بسبب ضياع هاتفه في الوقت الحالي، جلس أمام المكتب وفتح التسجيل ليتبين أنه التسجيل الذي طلبه من صاحب أحد المحلات التي اصطدمت سيارته أمامها
حدق به بتركيز حتى يعلم من الفتاة التي ساعدته وأخذت هاتفه ومفاتيح السيارة، ظهرت شروق ماررة من أمام المحل أسفل المطر ثم توقفت فجأة وهى تضع نظارتها داخل حقيبتها في اللحظة التي ظهرت سيارته بها وقد تفاداها بسرعة قبل أن يدهسها لينتهي الأمر مصطدمًا في أحد أعمدة النور
حسنًا الآن علم كيف حدث الحادث ومن الجيد أنه لم يدهسها وإلا ما كانت لتخرج منها حية ابدًا
مسح على لحيته وهو يركز في تفاصيل التسجيل بالتحديد إلى ردات فعلها ليجدها لم تتركه بل فتحت السيارة تطمئن إن كان لا يزال على قيد الحياة أم لا، ضحك بخفوت عندما سقط عليها وقد وجدت صعوبة شديدة في إعادته إلى مكانه
وزادت ابتسامته وهو يراها تحاول البحث عن أحد يساعدهما، حسنًا ليكن معترفًا لم يكن يعلم أنها بمثل هذه الشجاعة والشهامة فنظرًا للسانها السليط كان يظنها مجرد فتاة جبانة مدللة تختبئ خلف سلاطة لسانها لا أكثر، هذا الموقف حقًا غيرها في نظره
عقد حاجبيه عندما رأي اقتراب شاب مريب الهيئة منها وما جعله مريب له هو أنه أخذ ينظر يمينًا ويسارًا قبل أن يساعدها، لم يتبين له بالتحديد ماذا فعل لكن شروق اندفعت وسحبت منه شيئًا كان يهم بوضعه في جيبه
تحفزت خلاياها وزاد انعقاد حاجبيه عندما رأي أن ذلك الشاب اخرج عليها سلاحًا أبيضًا وكم بدت خائفة وهى تنادي على أحد وبالطبع لم يسمع لأن التسجيل بدون صوت
هو لا يذكر أيًا مما حدث هذا، حتى لا يذكر أنه وقف ودافع عنها، تنهد بإرتياح عندما رأى أن الشاب هرب دون أن يؤذيها لكنه سقط أرضًا ويبدو أن جسده قد نال من التعب ما يكفي حينها
ابتسم هذه المرة ابتسامة مختلفة تمامًا يبصرها تجلس بجانبه وسط المطر والماء تحاول كتم الدماء حتى أنها كانت تحاول منع المطر عنه رغم أن ملابسها قد ابتلت بشدة، الآن علم لما البارحة كان مظهرها متعبًا يبدو أنها اصيبت بزكام حاد أثر ما حدث
زادت بسمته إتساعًا يراها تجاهد على حمله حتى تضعه داخل السيارة ليقهقه بقوة عندما وضعته وأخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة ورغم أنه كان من الممكن أن تجلس داخل السيارة إلىٰ أنها لم تفعل وظلت في الخارج
ورغم أيضًا أن كاميرا التسجيل غير واضحة قليلًا إلىٰ أنه لاحظ أنها ترمقه بقلق حتى أتت سيارة الإسعاف وأخذته وهي اغلقت السيارة وأخذت المفاتيح معها وهكذا انتهى التسجيل
لا يعلم لما ورد على عقله ذكرى لنفس الموقف مع بعض الاختلافات كان حينها لا يزال في بداية العشرينات وحدث نفس الموقف لكن كان مع عايدة وكانت الأخرى لم تُظهر هذا الإهتمام حتى ولو من باب الشفقة برغم من أنه كان يحبها بشدة في تلك الفترة ومن المفترض أنها كانت في حكم خطيبته
قالت أنها كانت فزعة خائفة بل ظنت أنه مات لذا تركته بعدما طلبت الإسعاف وهو صدقها لأنه كان ساذجًا حينها، أدرك لاحقًا أن عايدة لم تحبه ولم تبادله الحب يومًا رغم أنه كان يحبها بشدة
لقد كانت فتاة طائشة خافت من أن يكون مات في الحادث لأنها من كانت تقود عكس شروق الآن، وبالرغم من أنه لم يكن يتعامل معها بلطف إلىٰ أنها لم تتركه أبدًا بل كانت تحاول أن تنقذه بكل ما أوتيت من جهد
يبدو أن المرء لا يظهر معدنه إلا في وقت الشدة، والمظاهر دائمًا ما تكون خدَّاعة
أغلق الهاتف واتجه إلى الخزانة الموجودة في مكتبه ثم أخرج منها حقيبة فتيات بُنية اللون، وضعها على المكتب ثم خرج من المكتب محدثًا العسكري الذي يقف بالقرب من الباب :
-بص يا ابني روح للعسكري اللي بيكتب المحاضر واسأل عن واحدة عملت محضر بسرقة شنطتها اسمها شروق حسين صفوان، أكيد سابت رقمها جبهولي
دلف إلى مكتبه مرة أخرى ثم جلس في مكانه وفتح حقيبتها التي وجدها في نفس اليوم الذي قدمت به البلاغ، لكنه لم يكن يطيقها حقًا بسبب تجاوزها المستمر عليه بلسانها لذا لم يعطيها لها ولم يخبرها أنه وجد حقيبتها
اخرج من الحقيبة رزمة أموال وبطاقة تعريف جامعية وكم كانت تظهر بها في هيئة غريبة لكن ليست بغرابة بطاقة التعريف الشخصية التي كانت تظهر بها في منظر شديد القبح وكأنها ليست هي، عجبًا لما الجميع لا يظهر بشكل جيد في البطاقات؟!
وجد محفظة فتيات بها بعض الأموال البسيطة "الفكة" ووجد أيضًا صورة شخصية لها بداخل المحفظة، حدق بصورتها ولوهلة ركز في ملامحها رغم أنه لم يكن يهتم، كانت في الصورة بدون تلك النظارة الكبيرة التي تخفي جزءًا من وجهها
وكم بدت جميلة بدونها أظهرت خديها الممتلئين وعينيها ذات اللون البني الغامق وعلى عكس ملامحها الجادة أو الغاضبة في أغلب الوقت كانت في الصورة مبتسمة وكم بدا وجهها مشرقًا بهذه الابتسامة وهذا الحجاب أيضًا الذي يليق مع لون بشرتها القمحي
طرق باب المكتب فسمح للطارق بالدخول تزامنًا مع إعادة كل شئ إلى الحقيبة كما كان ولم يبصر صورتها التي سقطت أسفل مكتبه :
-ادخل
دلف العسكري وأعطى له نسخة من المحضر مع رقم هاتفها فشكره يونس ثم رفع هاتف يوسف وطلب رقمها دون أن يسجله، انتظر قليلًا قبل أن يستمع إلى صوتها الهادئ وقد كان به بحة من النعاس :
-الو
-صباح الخير شروق حسين معايا صح؟؟
-ايوه انا مين حضرتك؟
نظر يونس إلى حقيبتها القابعة في يده ثم قال :
-انا يونس يا شروق ولقيت شنطتك المسروقة
اتسعت عيني شروق واختفى منها النعاس لتصيح متفاجئة مما قال :
-لقيت شنطتي صِح!؟ طب احلف
ضحك الآخر بخفوت على الناحية الأخرى للهجتها الصعيدية ثم قال :
-ايوه شنطتك معايا اهي تقدري تيجي تاخديها لو عايزة
اتجهت أنظاره ناحية أحد الأركان حيث كان موضوع بعض الحقائب البلاستيكية ومظلة ثم أضاف :
-وآه لو بنت عمك تقدر تيجي علشان تتعرف على سواق التاكسي اللي كان عايز يخطفها، يا ريت تيجي علشان ياخد جزاءه
-نور؟! تمام هدور عليها واجيبها
نطقت بها بحيرة فهي استيقظت منذ دقائق وبحثت عن نور في أرجاء الشقة ولم تجدها وكادت أن تتصل عليها لكن سبقها هذا الإتصال، عقد يونس حاجبيه متعجبًا من حديثها هذا إذ قال :
-تدوري عليها؟! هي تاهت تاني ولا ايه؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقف أمام أحد الفصول وقد كُتب عليه 2/3، طرق الباب ثم فتحه مطلًا على الفصل وعندما لم يجد أي معلم نادى على شقيقته التي تجلس في الصف الثاني قائلًا :
-رحمة خدي تعالي عايزك
نظرت الأخرى بسرعة خلفها إلى نور التي كانت تجلس في الصف الأخير حتى تراقب الجميع بشكل أفضل، وعندما طلب حمزة من رحمة الخروج معه هبت واقفة من مكانها ثم قالت :
-استنى عندك تطلع فين؟ هو مفيش حد تستأذنه ولا انا شوال بطاطس قاعدة في الفصل وخلاص
تفاجأ الآخر بشدة منها وهذا لسببين الأول أنها ولأول مرة تقريبًا تتحدث معه بمثل هذه النبرة الخالية من أي خجل، السبب الثاني هو مظهرها الذي يشبه باقي الطالبات فهو لأول مرة يراها ترتدي بنطال وحجاب عادي وليس خمار وملابس طويلة متسعة
فتلك الملابس كانت تعطيها سنًا أكبر قليلًا لكن بهذه الملابس الشبابية يكاد يقسم أن جسدها لا يفرق عن جسد شقيقته الصغيرة إلا في بعض السنتيمترات :
-نور؟ دي انتي بجد؟!
رمقته نور بتهكم فحتى هو لم يعرفها ولم يفرقها عن باقي التلاميذ، وقبل أن تجيبه الأخرى كانت أذنها تلتقط صوتًا خافتًا بجانبها لإحدى الطالبات وهي تقول بينما عينيها معلقة بحمزة :
-يا لهوي بجد على شعره أموت انا في الحلاوة دي
أدارت نور رأسها ببطء للفتاة ترمقها بنظرة مميتة ومن هذه النظرة علمت الفتاة أنها استمعت إليها وقبل أن تفتح فمها وتبرر أي شئ كانت نور تمسكها من ثيابها كما اللصوص ساحبة إياها بعنف ودون تفاهم، هامسة بفحيح :
-انتي قولتي ايه؟؟
-مقولتش حاجة
-لا قــولتــي
هدرت بها بغضب فقالت الأخرى وهي على وشك البكاء :
-والله ما قولت حاجة
-يخربيت الكدب وكمان بتحلفي بربنا كدب
رفعت أنظارها إلى حمزة الذي كان يقف مندهشًا لتعاملها الذي كان معاكسًا لشخصيتها التي يعلمها بل يبدو أنه حتى الآن لا يعلم شخصية نور :
-لو سمحت يا أستاذ حمزة تطلع برا دقيقتين
-نعم؟!
-اطلع برا لو سمحت اقولك انا اللي طالعة
نطقت بها بصوت أكثر جدية بل وظهرت به الحدة محاولةً كبتها، سحبت الفتاة معها للخارج بعيدًا عن الفصل فمد رأسه للخارج حتى يرى ما الذي ستفعله بالفتاة لكن وجدها تتحدث معها بصوت هادئ لم يسمعه والفتاة مطأطأة رأسها بخجل
أما عند نور نظرت إلى الفتاة بحدة لقولها الذي قالته إذ قالت محاولةً جعل صوتها هادئ قدر الإمكان :
-ينفع واحدة محترمة تقول اللي انتي قولتيه؟!
رفعت الأخرى رأسها لها مبررة :
-مس والله انا قولت كده بصوت واطي أوي حتى هو مسمعش ولا البنات اللي جنبي مش عارفة ازاي انتي سمعتي؟!
-مينفعش يا جوري مينفعش واحدة تقول كده لراجل، لما البنت اللي المفروض عندها خجل وحياء تقول كده يبقى الولد يقول ايه؟!
طأطأت الفتاة برأسها معتذرة عما قالت فتنهدت نور قائلة :
-ماشي سماح المرة دي واعتبريه درس، بعد كده متسمحيش لنفسك تقولي حاجة زي كده تاني، خليها في نفسك يا ستي ومتطلعاش، البنت غالية ومعززة يا جوري مينفعش تنزل نفسها أبدًا
ربتت على كتفها ودفعتها أمامها حتى تعود للفصل ثم قالت :
-يلا قدامي علشان تكملي امتحانك
عاد حمزة للخلف عندما وجدها قادمة وقد لاحظ نظرات الطالبات المعلقة به لكنه لم يبالي فهن في النهاية مراهقات ذوي مشاعر شديدة الاضطراب وقد لاحظت نور هذا عندما دلفت إلى الفصل
بل ورأت عدد من الأولاد يغشون من الكتاب فطرقت على الباب بكفها بعنف مسببًا صوت افزع الموجدين حتى حمزة نفسه ذُهل من قوة ضربها للباب بهذه الطريقة، وقفت نور في منتصف الفصل صائحة بغضب وهي تشير إلى الطلاب الذين كانوا يغشون :
-انت وانت واللي قدامكم اطلعوا برا وهاتوا ورقكم
نظرت إلى الفتيات ثم أكملت بنفس النبرة لكنها كانت أكثر حدة :
-وانتوا ما شاء الله آخد واحدة اعلمها برا ألاقي الباقين جوا عينيهم عليه وشوية وهتقوموا تاخدوا صورة معاه، يا أختي اتكسفي على دمك منك ليها ده انا مقدرش أرفع عيني في عين راجل غريب لخمس ثوان، مش عارفة ايه جيلكم اللي من غير أخلاق دِه
استدارت إلى حمزة الذي كان يقف في مكانه مذهولًا من حدة صوتها، ربي أين خجلها وصوتها المنخفض الذي بالكاد يُسمع، وهو من كان يظن أن لؤي ورحمة يبالغون في وصف نور وطباعها الحادة معهم، يبدو أنهم بالفعل على حق :
-ينفع حضرتك بقى تطلع وانا جاية
وبالفعل خرج ولازال الذهول مرتسمًا على وجهه بينما أدارت نور رأسها إلى الطلاب الذين اخرجتهم :
-صفر انتوا الأربعة واستنوا اخلص مع الراجل وهوريكم الغش يبقى عامل ازاى
اتجهت إلى الخارج ولكنها استدارت نصف استدارة إلى باقي الفصل هاتفة بوعيد :
-اقسم بالله وانا اقسمت هسمع نفس، هلمح واحدة عينيها برا بعيد عن ورقتها لتشوفوا مني وش مش بطلعه غير للحبايب ومش هيخليكم تعدوا من السنة دي
خرجت وهي تخرج منديل تعطس به ساببة الجميع في الداخل :
-منكم لله محدش مراعي حتى اني عندي برد وتعبانة
-اومال لو مكنش عندك برد كنتي كلتيهم ولا ايه انا حقيقي اتصدمت
نطق بها حمزة مذهولًا فقالت نور محمحمة بحرج وهي تعقد كفيها خلف ظهرها تزامنًا مع اخفاضها لعينيها أرضًا قائلة :
-زي بعضه زعطك من الفصل انا آسفة
رمش الآخر بأهدابه ولم يفهم نصف الجملة الأول لكنه تغاضى عن هذا هاتفًا بذهول وهو يشير إليها :
-طب ازاي؟! انتي دلوقتي شخصية واللي كانت جوا شخصية تانية خالص عملتيها ازاي!؟
عقدت نور حاجبيها بتعجب لتحاول تبرير الأمر لكن تلعثمها لم يساعد فقال حمزة حتى يوقف حرجها هذا مانعًا نفسه من الضحك :
-خلاص خلاص انا كنت عايز رحمة علشان ولي أمر الزفت اللي اسمه سليم ده جاي في الطريق
هزت الأخرى رأسها بتفهم لتستدير قائلة :
-تمام هنادي رحمة وانزل انا كمان معاكم
نطقت بها بجدية وهمت بالاستدارة لولا أنه نادى عليها موقفًا إياها، ولم تكد ترد عليه إلا وأطلقت عطسة قوية تبعها تجمع بعض الدموع في عينيها فرفعت رأسها إليه معتذرة وهي تتفقد جيوب سترتها بحثًا عن مناديل، لتطلق عطسة أخرى جعلتها تترنح ولولا إتكائها على الحائط لكانت سقطت
اخرج حمزة بسرعة علبة مناديل من جيبه وأعطاها لها تزامنًا مع قوله بعفوية الجملة التي نحفظها منذ كنا اطفالًا :
-يرحمكم الله اتفضلي مناديل
أخذتها منه وشكرته لتنظف أنفها مُديرة رأسها وما إن انهت حتى أعادت له علبة المناديل شاكرة إياه للمرة الثانية :
-شكرًا
لم تتلقى منه إجابة لثواني ولم ترى جيدًا بسبب الدموع العالقة في عينيها فأخذت تمسحها جيدًا بينما حمزة قال محاولًا التركيز وترك أمر تحديد لون عينيها هذا على جنب :
-خليها معاكي
رفعت نور رأسها رافضة بلباقة إذ قالت :
-لا شكرًا انا معايا واحدة جوا في الشنطة
وللمرة الثانية جذبه لون عينيها لكن هذه المرة كان مختلف، المرة الأولى التي يركز بهما كانا عسليتين مائلتان للأخضر لكن الآن أصبحا باللون الأخضر الباهت ، لا يدري لما تغيرا الآن لكنهما كانا حقًا جميلتين رغم ملامح وجهها المتعبة
وقد كانت الشمس لها عامل مهم في بروز لون عينيها ولأول مرة يشرد في عيني فتاة رغم انه كتب عن هذا الأمر عشرات المرات في كتبه ورواياته وقد كان يكتبه بإحساس عالي رغم أنه لم يجرب الأمر، حتى مع خطيبته الأولى لم يفعل
شعور جميل له كان كفيل بأن ينسيه ما كان يود قوله لكن أفق يا حمزة ألا يقال أن حتى النظرة حرام
وهذه المرة كان هو أول من يبعد عينيه إذ أخذ منها العلبة ونظر إلى جهة أخرى بينما عادت نور إلى الفصل وجعلت أحد الطلاب يقف عليه قائلة :
-معتز انت خلصت صح؟؟ تقف عليهم العشر دقايق دول ولما الحصة تخلص تلم الورق وتديه لأي مدرسة تُحت تشيله لحد ما ارجع انا، عارف لو حد غش هعرف متسألش ازاي ولو ده حصل انسى إنك تقفل في أعمال السنة انت واللي غش
سحبت حقيبتها وأخذت رحمة معها وخرجا تزامنًا مع رنين هاتف نور باسم شروق فردت عليها وهي تتأخر في السير وتركت حمزة ورحمة يسيران أمامهما :
-الو يا شروق
-انتي فين يا ولية انتي؟ هو انتي كل يوم ضايعة
ابتسمت الأخرى على حديثها يبدو أنه فاتها الكثير من أحداث أمس وهى يجب أن تعلم كل شئ :
-انا في المدرسة، شروق هو حصل ايه عشية هو انتوا قعدتوا تدوروا عليا فعلًا!؟
وأتتها الإجابة من حمزة في الأمام دون أن يستدير إليها قائلًا :
-ده إحنا لفينا عليكي إسكندرية كلها
استدار إليها نصف استدارة ثم أضاف براحة حقيقية :
-بس الحمد لله جات على حمى بس والسواق الحقير ده معملكيش حاجة
لم تفهم منه نور شيئًا بل جعل عقلها يدور أكثر ليأتيها صوت شروق على الناحية الأخرى وهي تقول :
-طب انا داخلة المدرسة أهو كنت حاسة انك هناك، انزلي بقى وخدي إذن علشان نروحوا القسم انا وانتي ضروري
-قسم ايه؟؟
نطقت بها بشئ من الفزع ولم يأتيها رد بل استمعت إلى صوت رجل غريب ينادي باسم ابنة عمها ثم اختفى الصوت، نظرت بسرعة إلى فناء المدرسة بحثًا عنها
خاصةً عندما رأت أن حمزة قد توقف أيضًا وعينيه تعلقت بشئ لتدرك أن هذا الشئ هو ابنة عمها وهى تقف مع سليم ورجل غريب لا تعلمه فتساءلت بصوت مسموع قائلة :
-مين دِه؟!
وأتتها الإجابة للمرة الثانية من حمزة وهذه المرة كانت نبرته غريبة لا هي غاضبة ولا هي هادئة :
-ده عاصم سعيد غانم ولي أمر العيل اللي اسمه سليم، يا ريت يونس كان هنا كان هيشمت في عاصم وانا بهزقه هو وأخوه
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
بسم الله
أولًا اقرأ كل حاجة علشان مهمة
المشاهدات زادت والحمد لله بس التعليقات بين الفقرات قَلت وانا زعلانة
بالنسبة لتدريب براءة المفروض تكون سنة كاملة امتياز وانا بصراحة كنت فاكرة ست شهور بس، ولما سألت في الموضوع طلع سنة كامل فعلشان الرواية تكون واقعية المفروض تكون براءة قضت في إسكندرية أكتر من ٨ شهور واعتمدوا الوقت ده باقي الرواية علشان مهم
حبيت انزل اقتباس علشان مش هنزل فصل غير يوم الجمعة، عارفة إنها بعيد بس ده يوم ميلادي وحبيت انزلكم فصلين في اليوم ده هدية مني ليكم وده اقتباس تصبيرة لحد يوم الجمعة
ومين عارف لو قدرت اكتب فصل تالت هنزله معاهم مفيش دلع أكتر من كده بقى فردوا الدلع على جروبات الفيس وصيحوا 👀🌹
وانتوا طيبين وبخير مقدمًا على كل معايدة منكم 🤍
متنسوش التعليقات بين الفقرات لصابي 🤍
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أخرج السيجارة الأخيرة من العلبة وقد اشعلها ملقيًا بالعلبة الفارغة داخل سلة المهملات الممتلئة بأعقاب السجائر، ابتسم ساخرًا وهو يخرج إلى الشرفة فعندما يرى يوسف كم السجائر التي شربها سيثور عليه بالطبع
ولكن عليه أن يلتمس العذر له فهو يشعر أن عقله سينفجر من كم الضغوطات التي يمر بها، وهذه السجائر هى من تخفف عنه حدة الضغوطات، فمن جهة ذلك السفاح الطليق، ومن جهة أخرى شروق الشاهدة الوحيدة عليه والتي لا تتحدث بسبب الصدمة التي تعرضت لها
ومن جهة رقية وكسر ثقتهم بها بعدما علموا أنها تقابل عمر من خلف ظهورهم منذ أسابيع، ومن جهة أخرى عاصم الذي يحب شروق وكم ظهر هذا واضحًا في عينيه، ذلك الحقير الذي وكأن القدر ساقه لينغص عليه حياته
لكن لا، فوالله لن يترك له شروق كما ترك له عايدة سابقًا ولو انقلب قردًا
نفخ الدخان في الهواء فأصبح يتطاير أمام عينيه وهو شارد في هذه الحياة المبعثرة التي يحيا بها، وإذ بجسده يستدير بشكل عفوي على صوت فتح باب الغرفة ليجده يوسف وملامحه قلقة، فقال وقد تسرب قلقه إليه :
-فيه ايه يا يوسف؟!
-هى ريحة الدخان دي جاية من عندك انت؟؟
-دخان؟!
نطق بها يونس مستفهمًا ليقول الآخر وهو يدلف، وبالطبع لم يعجبه كونه يدخن منذ البارحة بهذه الطريقة :
-فيه ريحة شياط مش عارف جاية منين
نفخ يونس الدخان في الهواء هاتفًا بنبرة ساخرة :
-مش من عندي، انا لسه مولع السيجارة والدخان بيروح في الهواء تلاقيها واحدة فاشلة حرقت الأكل
وما إن أنهى حديثه حتى صدح صوت صراخ انثوي من الطوابق السفلى فقال وهو يؤكد الأمر :
-مش قولتلك
علىٰ هذا الصراخ بشكل مخيف فقال يوسف وهو يركض للخارج :
-ده مش شياط دي أكيد حريقة
هبط هو ويونس بسرعة للطابق الثالث تزامنًا مع خروج عثمان وابنيه من الشقة لأن الصراخ كان يصدح من شقة الفتيات، ليتجه إليها عثمان طارقًا الباب بعنف وصوت الصراخ يعلو ولا ينخفض، حتى أن سكان البناية بدأوا في التجمع
وعندما لم يجد عثمان اي استجابة من الداخل صرخ في ابنيّه وابنيّ أخيه قائلًا :
-انتوا هتتفرجوا عليا؟! تعالوا اكسروا الباب ده
اقترب حمزة ويوسف من الباب ودفعاه سويًا مرة واثنتين، وفي الثالثة انفتح الباب من تلقاء نفسه وظهرت من خلفه براءة بأعين زائغة يملأها الخوف، فقال حمزة بقلق وهو يحاول أن يختلس النظر للداخل :
-فيه ايه؟ مين بيصرخ جوا؟؟
عادت براءة بسرعة للخلف لتقول بنبرة فزعة وهى تحاول إخفاء خصلات شعرها أسفل زونت المنامة الشتوية التي ترتديها، فمن شدة تخبطها بين طرقات الباب العنيفة وصوت صراخ شروق داخل المطبخ لم تستطع أن تحدد ماذا تفعل خاصةً انها لا تزال مستيقظة على أصوات الصراخ :
-شروق جوا المطبخ وفي نار عالية مش عارفة ادخلها ولا هى عارفة تطلع
دلف يونس وعمه عثمان وابنيّه متجهين إلى المطبخ بسرعة وتبعهم يوسف لكنه استدار إلى براءة محدقًا بعدم رضا وغيرة في منامتها الضيقة التي تحدد جسدها بأكمله وقد رآها الجميع هكذا :
-ادخلي البسي حاجة واسعة جسمك كله متحدد
تركها ودلف خلفهم إلى المطبخ وكان الأمر كالتالي، يحاول حمزة وكريم وعمه عثمان إخماد النيران، ويونس يبحث عن شروق ولا يراها من كثرة الدخان، والأخرى انقطع صوت صراخها فور دخولهم فلا يستطيع تحديد مكانها
ولكنه ابصرها في النهاية متكومة أرضًا في إحدى الزوايا تحاول التقاط أنفاسها من كثرة الدخان وكأنها اصيبت بنوبة ضيق تنفس، اتجه إليها بسرعة وجثى أمامها يحاول سحبها حتى يخرجها من هنا، ولكن جسد الأخرى أعطى رد فعل آخر إذ أخذت تدفعه بهستيريا
صرخ بها يونس يحاول إيقافها عن هذا يعلم أنها في دائرة اللاوعي مثل تلك المرة التي كادت تصدمها السيارة أمام قسم الشرطة ولولا أن عاصم سحبها لكانت ميتة
وعندما لم يجد فائدة من جعلها تتوقف مد ذراعيه واحاطها بقوة رافعًا جسدها من على الأرض ثم خرج بها للخارج بعيدًا عن الدخان، بينما شروق تصرخ وتبكي دون وعي منها وفي تخيلاتها أن السفاح امسك بها ويريد قتلها
شعر يونس بالخوف عليها خاصةً انها لا تستطيع التنفس وتصرخ في آنٍ واحد وهكذا ستتعرض لإنهيار عصبي وشيك، اقتربت منه والدته ورقية صائحة به وهى تحاول جذبها من قبضته :
-سيبها يا يونس مش عارفة تتنفس
افلتها الآخر فساعدتها رقية وعبلة على الجلوس على الاريكة وهى تحاول أن تجعلها تهدأ، وبعد فترة من الوقت خرجوا من المطبخ وهناك بقع سوداء على وجوه البعض واحتراق في ملابس البعض الآخر ولكنهم قاموا بإطفاء ذلك الحريق في النهاية
نظرت ناهد بقلق إلى شروق التي هدأت بصعوبة بين ذراعي شقيقتها لتقول متسائلة :
-انتي كويسة؟! النار طالتك؟
واجابتها عبلة نافية بعدما تفحصت شروق جيدًا :
-لا الحمد لله مفيش حاجة، هى جالها ضيق تنفس بس من الدخان
تحدث عثمان وهو ينظر إلى المطبخ الممتلئ بالسواد أثر النيران متحدثًا بضيق :
-الحريقة دي حصلت ازاي نسيتوا حاجة على النار أكيد
وهذه المرة اجابته براءة بحيرة شديدة وهى تنفي برأسها :
-انا كنت نايمة وشروق جنبي ومحطتش حاجة على النار قبل ما أنام تلاقيها نورهان
وتحدث حمزة بقلق وهو يبحث عن نور في الموجدين ولم يجدها، وأيضًا تذكر أن لا أحد كان في المطبخ سوى شروق كما أن يونس اخرجها :
-وهى فين نور؟!
بحثت براءة بعينيها في الموجودين وبالفعل لم تكن نور متواجدة رغم أن ما حدث جعل جميع المتواجدين في البناية يأتوا إذًا أين هى :
-مش عارفة؟! والنهاردة اجازة رسمية أكيد مش في المدرسة، مش عارفة راحت فين؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وهى جملة واحدة هقولها :
"اللي فات حماده واللي جاي سواد 🙂💔"
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
فصلين هدية زي ما وعدت، تعليقات كتير بين الفقرات بقى 👀❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
كانت تسير في ممرات المشفى متجهة إلى الكافتيريا، تصفر بضجر شديد وهي تضع كلتا يديها في جيوبها تشعر أن هذه المستشفى ستأخذ زهرة شبابها، ربي متى تنتهي فترة التدريب هذه وتعود إلى بلدها
اتجهت يسارًا ماررة بغرفة العمليات لتقف أمامها محدقة بها بإشمئزاز قائلة :
-بقى انا هقضي بقية حياتي في أوضة العمليات؟! طب والله ده ما يرضي ربنا
كادت أن تتحرك لولا أنها استمعت إلى نداء باسم يوسف ومجدي حتى يتجهان إلى غرفة العمليات لإجراء عملية متعجلة، برمت شفتيها وكأنها على وشك البكاء وهي تتلفت يمينًا ويسارًا :
-طب اروح فين طيب يا ربي من الشغلانة اللي هتجيب أجلي دي، انا مفطرتش ومخدتش الدواء بقالي أربع أيام ومقدرش أقف بالساعات على رجليا
ختمت حديثها وهي تتجه ناحية غرفة الممرضات لربما تجد مع احداهن شطيرة أو ما شابه تتناولها قبل الدخول إلى غرفة العمليات، ربي لو لم تتكاسل في الصباح وأعدت شيئًا لتتناوله أو هبطت إلى الصيدلية واشترت حبوب الدواء
لكن كيف وهذا الكسل يجري في دمائها اعتمدت على أنها ستشتري شيئًا من الكافتيريا والآن لن تستطيع أن تذهب وستضطر للدلوف إلى العملية على معدة خاوية منذ عصر أمس، فبسبب اختفاء نور لم تتناول لا الغداء ولا حتى العشاء والآن الإفطار
وكل هذا سيؤدي إلى زيادة فقر الدم في جسدها بالإضافة إلى الوقوف ساعات في غرفة العمليات وسينتهي بها الأمر مغشيًا عليها على الأرجح
وصلت بصعوبة إلى غرفة الممرضات لتنظر بها ولم تجد غير إحدى زميلاتها تدعى وفاء فقالت بسرعة وهي تدلف حتى تغير زيها هذا إلى الآخر الذي يتناسب مع غرفة العمليات :
-وفاء معلش مش معاكي حاجة تتاكل على السريع
وأجابتها الأخرى نافية هذا :
-لا والله يا حبيبتي مش معايا لسه مخلصة فطاري دلوقتي
-طب ولا باكو بسكويت حتى
نطقت بها بإستفسار وهى ترتدي البنطال على السريع فقالت الأخرى وهي تستقيم :
-لأ والله مش معايا استني هاروح الكافتيريا اجيبلك
استوقفتها براءة وهي تعدل حجابها دون أن تنظر إلى المرآة :
-مش هلحق أخده منك انا داخلة العمليات دلوقتي
فتحت الباب لتجد في وجهها إحدى الممرضات والتي قالت بجدية :
-براءة دكتور يوسف عايزك في العمليات دلوقتي حالًا
أشارت براءة إليها تنظر لوفاء بمعنى أرأيتي فقالت الأخرى تصبرها :
-معلش يا حبيبتي العملية ساعتين وتخلص وبعدها اقعدي وكلي اللي انتي عايزاه
-يا وفاء المشكلة اني مأكلتش حاجة من عصر عشية وعندي انيميا ونقص حديد مقدرش اقف أكتر من ساعة رجليا مش هيستحملوا
وقفت الأخرى على الباب تمنعها من الذهاب مقترحة بطيب خاطر منها :
-طب بقولك ايه خليكي انتي واروح انا مكانك
ولوت براءة شفتيها ساخرة من هذا الاقتراح إذ قالت :
-وفكرك الدكتور يوسف هيوافق يدخل عمليات وانا مش موجودة ده كان جابني من قفايا ده بيندهلي بالاسم يا وفاء
ضحكت وفاء على شكوتها المستمرة من الطبيب يوسف لتقول :
-هو لو عرف إنك تعبانة مش هيقول لأ ده طيب والله
اشاحت الأخرى بيدها وهي تهم بالذهاب إلى غرفة العمليات فيبدو أن لا مفر :
-طيب ايه بس، كل المستشفى تقول طيب وانا شايفاه أبو لهب انا اللي ظالمة يعني
أسرعت بخطاها إلى غرفة العمليات لكنها توقفت في منتصف الطريق تستند على الحائط وهي تتحسس قدميها بألم فـفقر الدم معها وقلة فيتامين الحديد يؤثر بالسلب ويأتي بدوار مزمن فلا تستطيع الوقوف أو السير وهي لا تتناول منذ أيام دواء الفيتامينات
وصلت أخيرًا إلى الغرفة لتجد أن الممرضين ادخلوا المريض ودلف معه مجدي وإحدى الممرضات تدعى سُمية وبالمناسبة هذه الممرضة لا تستلطفها
تحدث يوسف من خلفها وهي يتجه إلى الداخل قائلًا :
-واقفة كده ليه يلا ادخلي؟!
استوقفته براءة سريعًا قبل أن يدلف قائلة بينما عينيها على سمية التي أخذت تجهز الأدوات بمهارة :
-دكتور هي سمية هتبقى معانا في العمليات ليه!؟ هى مش شغلها كله في المشرحة
وأجابها الآخر وهو يرتدي قفازات بلاستيكية من أجل العملية :
-عندنا نقص في الممرضات وبعدين سمية شاطرة أوي في العمليات دي اشطر منك
برمت الأخرى شفتيها بضيق شديد ثم هتفت بحنق فلا يعجبها ابدًا أن يقلل أحدهم منها :
-خلاص يا دكتور طالما هي شاطرة خليها هى معاك واعتقني انا على الأكل أروح أفطر
كادت بالفعل أن تتحرك بعدما جعل دمائها تفور بحديثه فحتى إن كانت تفعل كل ما بوسعها لا يُسمعها كلمة تشجيع واحدة بل طوال الوقت ينعتها بالكسولة، وقبل أن تذهب وجدته يسحبها من طرف كمها فسحبت الأخرى ذراعها منه بعنف، تحدجه بتحذير من لمسها فضحك يوسف قائلًا :
-خلاص يا ستي متتقمصيش ويلا ندخل بدال ما الست تموت جوا
دلفت براءة وهى تدعي ربها ان تكتمل العملية دون أن تسقط هى في منتصفها، وبعد دقائق كان الجميع منغمس بتركيز في الجراحة فقد كانت صعبة بالفعل ويبدو أنها ستحتاج لوقت، ولاحظت براءة أن كلما طلب منها شيئًا سارعت سمية واعطته له
هي لا تبالي حقًا لكن ما سيضايقها أن يوسف سوف يخبرها بعد إنتهاء العملية أنها لم تحرك ساكنًا منذ دلفت، لن يصدقها أن سمية لم تعطي لها مجال خاصةً وأنه يرمقها بنظرات غريبة كلما ناداها ولم يجدها
لذا سحبت نفسها ووقفت بجانب مجدي حتى تساعده هو طالما أن سمية مهتمة بمطالب يوسف، تحدثت بجدية وهي مستعدة لإحضار ما سيطلب :
-دكتور مجدي اساعدك في حاجة؟؟
نظر إليها مجدي من أسفل كمامته ثم نظر إلى يوسف الذي تابعهما بتركيز بينما لم يفقد تركيزه بما في يديه، عاد مجدي بنظره لها ثم قال :
-لأ حاليًا لأ بس خليكي مركزة ماشي
آماءت براءة بينما أبعد يوسف نظره عنهما زافرًا بهدوء، فما الفرق إن كانت بجانب مجدي أو بجانبه هى في غرفة العمليات تتدرب وهذا المطلوب، لكن ما بال لسانه كلما طلب شيء يقول براءة رغم علمه أن التي بجانبه سمية وآخر مرة ذكر اسمها قال بسرعة وصوت مرتفع بسبب انفجار الجرح بالدماء :
-بـــراءة فوطة وقطن بسرعة يا براءة
والأخرى انتفضت واحضرت بما طلبه وقبل أن تعطيه له كانت تسحبهما سمية بقبضة عنيفة مرسلة إليها نظرات رأتها واضحة وكأنه تحذرها من الاقتراب، ما بال هذه المجنونة هل تحذرها بالفعل من الاقتراب من يوسف؟!
هى لا تهتم ولا تبالي لكن لما تفعل هذا، هل تغار عليه أو ما شابه؟! لا تريد أن تتهمها بشئ فهى لا تعلم عنها الكثير سوى أنها تساعد الطبيب المسؤول عن المشرحة وهذا بالنسبة إليها شئ مخيف بشدة، بل سمية نفسها مخيفة فلطالما كانت تحاول أن تتجنبها بسبب نظراتها الحادة هذه وهدوءها المخيف وكأنها جثة تتحرك بينهم
استدارت بسرعة على صوت مجدي إذ قال وهو يبتعد يحاول مسح عينيه من الدماء التي تناثرت عليه لكن القفازات كانت غارقة في الدماء ولم تساعد، سارعت إليه وهي تسحب إحدى المنشفات التي يستخدموها في كتم الدماء تعطيه له فشكرها الآخر قائلًا بسرعة :
-شكرًا يا براءة خيطي بسرعة الجرح اللي في جنبها الشمال علشان ميتفتحش أكتر
-انا
نطقت بها الأخرى فارغة الفاه فهي لم تفعلها من قبل رغم أنها رأت يوسف عشرات المرات يفعلها، تحدث يوسف بسرعة وهو منشغل في الجرح الذي بيديها يدرك حيرتها الآن لأنه لم يجعلها تخيط جرحًا من قبل :
-تعالي يا براءة خياطة الجرح زي خياطة الهدوم تقلي قلبك بس
وآماءت براءة بحسنًا ثم اقتربت من جسد المرأة الغائبة عن الوعي ممسكة بالأدوات، وقد شعرت برهبة لأنها أول مرة تَخِيط جسدًا حقيقيًا يشعر مثلها حتى إن كان غائبًا عن الوعي
ازدرقت لعابها ووضعت الإبرة بداخل جسدها وأخذت تخيط الجرح بأيدي مرتعشة حاولت تثبيتها ويوسف عينه معها ومع ما يفعل أيضًا وعندما أخطأت قال بسرعة :
-استني رايحة بعيد كده ليه الجرح اهو قدامك خيطي حواليه مش بعيد عنه
حاولت براءة أكثر من مرة لكن جسد الإنسان ليس كالقماش كما قال، وكانت تشعر بالذعر كلما وضعت الإبرة في جسدها ليزيد الأمر سوءًا معها خاصةً عندما صاحت بها سمية قائلة :
-انتي يا بني آدمة انتي بوظت جنب الست الغرز دي هتسيب أثر حرام عليكي
وكانت جملتها هذه كالزر الأخضر للإنسحاب فتركت الأدوات قائلة :
-مش هكملها، دكتور مجدي تعالى انت كملها
وما كان من الآخر غير أنه سحب ذراعها بشكل عفوي منه قائلًا :
-تعالي هعلمك انا متخافيش
سحبت براءة ذراعه منه ناظرة بتركيز لما يفعل، إذ خاط غرزتين ثم أعطاها تكمل وكان بجانبها فيما تفعل وكلما شارفت على الخطأ امسك بيدها وقام بعدلها وكل هذا أمام أنظار يوسف المتابعة
وكم حاول التغاطي عن الأمر لكن ماضي وحاضر مجدي المشرف مع النساء أرسل إشارات لعقله أنه يحاول التقرب منها مستغلًا كونه في عملية جراحة، خاصةً وأنه يقترب منها بشدة ويكاد جسده يلامس جسدها، وهذا ما آثار شيئًا بداخله يجعل دمائه تفور
ترك ما يفعل واتجه نحوهما جاذبًا مجدي بشئ من الهدوء، محاولًا كبت هذا الشئ بداخله إذ قال :
-مجدي كمل انت الناحية التانية يلا
والآخر لم يعترض إذ ذهب على الناحية الأخرى واكمل مكان يوسف بينما يوسف أخذ منها الأدوات وأخذ يخيط الجرح أمام عينيها ويعلمها كيف مع مراعاته للحدود وكم شعر براحة لكونه الآن بجانبها وليس مجدي
استمرت العملية وكم شعرت براءة بتعب وانخفاض شديد في ضغط الدم وبدأت قدامها تؤلمانها بشدة لتقول :
-دكتور يوسف مش قادرة أكمل انا
ويوسف ظنها حجة منها كالعادة بسبب كسلها فقال :
-معلش يا براءة نص ساعة ونخلص
-دكتور والله ما هقدر أقف خمس دقايق كمان انا تعبانة
تنهد يوسف مستكملًا ما يفعل ولم ينظر إليها حتى ويرى ملامح وجهها المتعبة بالفعل ثم قال :
-وانا كمان تعبت والله بس لازم نتعب احنا علشان الناس دي تعيش
ابتلعت الأخرى لعابها وهي تستند بيديها على الفراش حتى لا تسقط فقال مجدي ولاحظ هو تعبها الواضح :
-خلاص يا براءة كفاية انتي اطلعي
رمقه يوسف بتحذير لتدخله هذا، ولا يعلم لما لكنه لا يطيق مجدي الآن :
-مجدي خليك في اللي ايديك انا مش عايزها تطلع موظفة كسولة، وانتي انسي تعبانة دلوقتي
نطق بجملته الثانية مديرًا رأسه إليها ولتوه لاحظ إصفرار وجهها وتعرقه رغم أنهم في فصل الشتاء واستنادها بكل ثقلها على الفراش الموضوعة عليه الحالة
شعر بالفعل أنها متعبة ولا تتكاسل وقبل أن يتحدث كانت هي تجيبه على ما قال بصوت بالكاد سمعه :
-مش قادرة تعبانة
وما إن ختمت حديثها حتى سقطت أرضًا على ركبتيها بعدما فشلا ساقيها في التحمل أكثر من هذا وأعلن جسدها أنه لم يعد أي طاقة للصمود...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من سيارته بعد أن ركنها أمام مدرسة شقيقه ثم دلف وعلى عينيه تقبع نظارته السوداء تخفي عينيه البنية ورغم ملامحه الوسيمة إلىٰ أنها كانت ضائقة، ليس لأنه الآن متواجدًا في هذا المكان لأن أخيه افتعل مشكلة بل لأن اليوم هو الثاني الذي لم تحضر محاضراتها ولم تدلف إلى الكلية ويخشى أن يكون أصابها مكروه وهو لا يعلم
ووالله لم يكن يعلم أنه يُكن لها كل هذا الحب إلا عندما غابت عن ناظريه
استدار عندما استمع إلى صوت شقيقه ينادي عليه من الخلف مسارعًا بخطواته نحوه لكنه توقف عندما أبصر فتاة تدلف إلى المدرسة ترتدي فستانًا شتويًا من اللون الأخضر الغامق يعلوه خمار أزهري بلونٍ يليق عليه
إنها هى؟! لا يصدق أنها خرجت من خياله وتجسدت بواقعية أمامه
تنفس بعدما انقطعت أنفاسه لوهلة وانقشع وجهه بابتسامة خلابة وهو ينزع عن عينيه نظارته وقد كانت عينيه معلقة بها حتى أنه لم ينتبه إلى أخيه الذي سأله عما ينظر، لم يبالي بأي شئ إلا بها هى لينطق باسمها بصوت شبه مرتفع واتجهت خطواته نحوها :
-شـــروق
رفعت الأخرى نظرها بحثًا عن المنادي لتخفض الهاتف الذي كانت تحدث به ابنة عمها مزدرقة لعابها لرؤيتها للمعيد الذي كان السبب في تغيبها عن الجامعة ليومين بسبب ما قيل في جروب الدفعة عنهما
ووالله لولا أن عائشة اوقفتها يومها وهدأتها من نوبة الغضب التي كانت بها لكانت اختلقت شجار مع أولئك الفتيات اللواتي كتبن عنها هذا دون أن تبالي بالنتائج
أجل تتعجبون أن عائشة هدأتها ولم تذهب معها وتختلق الشجار لكن صدق أو لا تصدق عائشة أعقل واحدة بهن هن الأربعة ورأت أن الأمر لا يستحق لأن في الرسائل لم يمسوا كرامتها بسوء وإنما كان حديث فتيات لذا منعتها من افتعال أي شجار حتى لا تصبح هي في موقف سئ
ورغم أنها بالفعل هدأت إلىٰ أنها رفضت أن تحضر محاضرته بل اكتفت بحضور المحاضرة الأولى فقط وعادت بعدها إلى البيت، حتى لم تذهب اليوم أيضًا لأن محاضرته ستكون الأولى، وايضًا لأنها تشعر بالتعب الشديد أثر نزلة الانفلونزا التي أصابتها وهي مبتلة أسفل المطر
حمحمت وأغلقت الهاتف عندما أصبح أمامها فعادت للخلف خطوة ضاممة يديها داخل جيوب فستانها :
-صباح الخير يا دكتور عامل ايه؟؟
وزادت ابتسامة الآخر حتى كادت تشق وجهه، يمئ برأسه بلهفة رغم أنه من المفترض أن يتحلى بالرزانة نظرًا إلى سنه لكن أي رزانة هذه وهو يفقد تركيزه عندما ينظر إليها، يبدو أن حالته تسوء للأسف :
-كويس بس انتي مش بتيجي ليه المحاضرات؟؟
-عندي برد يا دكتور ومقدرتش آجي
-بس انتي إمبارح حضرتي أول محاضرة وبعدها مشيتي
وهزت الأخرى رأسها هاتفة بنبرة شديدة الجدية :
-لأنها كانت محاضرة مهمة وانا بعدها تعبت جدًا ومقدرتش أكمل
آماء عاصم ببطء متعجبًا نبرته الجدية الباردة، لم تستخدم معه قبلًا هذه النبرة :
-ألف سلامة عليكي انا هبقى اجهزلك محاضراتك اللي فاتت، حتى محاضرات باقي الدكاترة ولو عايزني اشرحهم ليكي تمام
-شكرًا لحضرتك يا دكتور
كادت أن تتحرك منهية هذا الحوار لكن وجدت أبنة عمها تقف على رأسها قائلة :
-شروق جيتي يعني؟ ومين دِه!؟
تساءلت بالسؤال الثاني بنبرة منخفضة فقالت شروق بنفس النبرة :
-ده دكتور عندي في الكلية
همهمت الأخرى بتفهم ثم نظرت إلى عاصم وإلى سليم الذي كان يقف خلفه خائفًا منها على الأرجح :
-حضرتك تبقى ولي أمر سليم
آماء عاصم بإيجاب فقالت نور بجدية وهي لا تنظر إلى عينيه مباشرة بل كانت توجه نظراتها إلى سليم ولا تعلم من أين أتت بجرأتها هذه في الحديث ربما لأنها على حق :
-تمام انا ابقى معلمة هنا واللي ضربت أخوك
اتسعت عيني عاصم مما قالت مرددًا وهو ينظر إلى أخيه :
-ضربتيه؟!
وآماءت نور مؤكدة الأمر ثم قالت :
-ايوه ضربته علشان لفظ خارج مينفعش يقوله واتمنى يكون حكالك عمل ايه مع طالبة زميلته في المدرسة وكمان أصغر منه بما إن حضرته عاد الإعدادية أكتر من مرة
نفى الآخر وهو يشعر أن ما سيسمعه لن يروق لها أبدًا :
-طالبة ايه سليم قالي انه اتخانق خناقة عادية مع واحد زميله
-لا والله؟! واضح كده إني الباشا مش بس قليل الأدب وإنما برضو كداب
تنفس عاصم يحاول أن يهدأ حتى يفهم منها ماذا حدث :
-لو سمحتي اخويا عمل ايه بالظبط قولي بشكل مباشر بلاش تلفي وتدوري
نظرت نور حولها وعندما تأكدت أن لا أحد حولهم غير شروق نطقت بثقة وغضب ظهر في صوتها بينما رفعت عينيها لعاصم بحدة :
-أنا مش بلف وادور، أخوك يا دكتور اتحرش بزميلته
ووقعت هذا الجملة عليه هزته، ماذا الذي تقوله هذه الفتاة!؟ أخيه الصغير تحرش بفتاة صغيرة في الإعدادية؟ أخيه سليم الصغير تجرأ وفعل هذا؟ هل كانوا غافلين عنه لدرجة أن يفعل مثل هذه التصرفات؟ ومَن يعلم ربما ليست الأولى
هل فشلوا في تربيته حتى تطول يده وتستبيح ما لا يجوز النظر إليه حتى
تنفس بقوة وهذه المرة حاول كتم غضبه إذ قال وهو ينظر إلى أخيه الذي طأطأ رأسه أرضًا يشعر بالخوف من عاصم أكبر من أي شئ :
-لأ سليم ميعملش كده
-لا هو عمل كده فعلًا وبصراحة اتصدمت دلوقتي إني ده أخوك
نطقت بها شروق فنظر إليها عاصم بشئ من الضياع بينما استكملت هى :
-كان ممكن أقول ده محصلش بس انا شوفت رحمة وكانت خايفة ومرعوبة لدرجة إنها خايفة تقول لابوها وأمها عمل ايه وضحكت عليهم وقالت أتنمر عليا
زاد غضب عاصم ليضم كفه ضاغطًا عليه ثم قال بهدوء عاصف :
-فين البنت دي؟؟
اجابته نور وهي تفكر في أمر ما :
-في مكتب المدير هي واخوها وأمها، ورجاءً يعني بلاش تتكلم عن الموضوع بشكل مباشر علشان هو حساس والبنت مش عايزة حد يعرف وزي ما قالت شروق هى قالت لأهلها أنه تنمر
-بس حقها لازم يرجع
نطق بها بصوت حاد وود لو يأخذ سليم الآن ويعود للمنزل حتى يعيد تربيته على طريقته هو وليس على طريقة والديه المدللة
وتحدثت نور بحيرة لا تعلم ما العمل فحق رحمة يجب أن يعود لكن رحمة خائفة من أن يعلم أحد، هى صغيرة وفي عقلها تظن أن التكتم أفضل :
-رجعه مقولتش حاجة بس شوف هتعمل كده ازاى من غير ما تفضح البنت قدام أهلها، والأهم من كده ربي أخوك وعلموه غلط وحرام اللي بيعملوا في بنات الناس وهيتردله في يوم من الأيام
نظر عاصم إلى سليم بنظرة مخيفة ارعبت الآخر ثم همس بصوت مرعب ظهرت خيبة الأمل في طياته :
-لأ من الناحية دي هخليه يفكر ألف مرة قبل ما يبص على بنت أصلًا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقفت أمام إحدى محلات المثلجات حتى تشتري منها رغم أن الأجواء شديدة البرودة فهم في منتصف ديسمبر لكنها تعشق تناول المثلجات في مثل هذه الأجواء، تشعر حينها بسعادة وإنتشاء، وزيادةً على هذا احتفالًا بالقبض على السفاح
أخذت من الرجل علبة المثلجات ثم شكرته لتجلس على الكورنيش في مواجهة البحر الهائج مستمتعة بهذه البرودة لإطمئنانها أنها لن تصاب بنزلة انفلونزا نظرًا لثقل ملابسها
فتحت العلبة وأخذت تأكل منها وهي شاردة في البحر الهائج الذي يشبه حياتها هذه الفترة، حياة كمركب صغير في وسط بحرٍ كهذا لا يعلم إلى أين سيأخذه وإلى أي شاطئٍ سوف يرسو
أطلقت تنهيدة وهي تخفض المعلقة البلاستيكية تحدق في هاتفها حيث علىٰ صوت رنينه باسم عمر الذي ابدلته البارحة لقمر، بعد أن شعرت أن شقيقها يوسف رأى الاسم وشك بها
تشعر حقًا بالندم لأفعالها ولمقابلتها لعمر دون علم عائلتها، لكنها لا تستطيع أخبارهم بعد أن علمت أنهم كذبوا عليها، اخبروها أن عمر بعد الحادث أصيب لإكتئاب تركها وسافر خارج البلاد ولا يريد أن يكمل معها، بينما كانت الحقيقة أنه فقد ذاكرته ومُحيت منها
لما لم يخبروها الحقيقي واظهروا عمر بهذه الطريقة في نظرها، هل حتى تكرهه وتخرجه من حياتها؟؟
ألم يشعروا بالشفقة حتى نحوها عندما ظلت ليالي تبكي على كسر فؤادها وفرحتها يوم كتب كتابها، لم تعلم يومها على من تلوم وما الذي يحدث حولها، انقلبت حياتها رأسًا على عقب في يومين
يوم كتب الكتاب حيث وصلهم خبر انقلاب سيارة فياض ابو المجد "والد عمر" على الطريق
واليوم الثاني حين عادت مرة أخرى للمشفى ولم تجد عمر أو أحد ليخبرها والدها وشقيقيها أن عمر سافر خارج البلاد ولا يريد أن يكمل هذه الزيجة
كذبوا عليها واخبروها هذا وفي المقابل هي تكذب الآن ولا تخبرهم انها عادت لعمر وتحاول جاهدةً أن تجعله يتذكرها، لكنها حقًا تشعر بالسوء لكذبها هذا فهى لم تعتد الكذب أبدًا
تنهدت وقد لاحت على وجهها بسمة لتذكرها البارحة حين قبضوا على السفاح، يا إلهي لا تصدق أنها كانت في الحدث بل وقامت بتصويره، للصدق عمر هو من قام بالتصوير وليس هى، لكن على الأقل كانت موجودة في الحدث
ضحكت بشدة لتذكرها كيف لعب القدر معها البارحة فحين وصلت مع يونس إلى مسرح الجريمة حيث كان السفاح على وشك إلقاء ضحية أخرى من فوق المبنى، وجدت حينها عمر هناك والسئ أن يونس كان معها والأسوء من هذا ان سفيان أيضًا كان هناك
هبطت حينها من سيارة الأجرة التي كانت تستقلها مع أخيها نظرًا لأن سيارته تحت الصيانة، كانت تمسك بهاتفها تفتحه على البث المباشر الذي ينزله ذلك السفاح من هاتف الضحية بالطبع
نظر يونس إلى المبنى بتركيز يتأكد بيده أن سلاحه معه ليهرول بسرعة إلى المبنى ولم يكن يعلم الكثير بالأمر رغم أن البث يعمل لكن لكون السفاح فوق سطح البناية لم يعلموا بعد على أي بناية هو، لذا كان يونس أول الشرطة وصولًا
لحقت به رقية بسرعة تجهز كاميرتها لأجل التقاط أهم حدث سيهز إسكندرية بل مصر بأكملها، ولكن حال يونس بينها وبين يونس إذ سحب منها الكاميرا قائلًا :
-لأ يا حبيبتي متحلميش باللي في دماغك ده
وسارعت الأخرى في استعطافه قائلة :
-لا بالله عليك يا يونس ده انا اللي قولتلك انه هو في المبنى ده محدش لسه عرف غيرك يعني هتاخد ترقية لو مسكته
ركن يونس تعجبه من أنها بالفعل علمت قبل أن تعلم الشرطة نفسها وسوف يسألها عن هذا لاحقًا، أما الآن فهناك من أهم، دلف إلى المبنى دون إلقاء بالًا لها محتفظًا بكاميرتها معه بينما رقية لحقت به بسرعة مقررة التصوير بكاميرا هاتفها
وكل هذا ذهب هباءً وتوقفت في مكانها عندما ابصرت عمر يخرج من المصعد فقامت بسحب يونس من ذراعه بعنف جاررةً إياه ناحية الدرج، قائلة بسرعة :
-انت هتستخدم الاسانسير ولا ايه اطلع السلم
وسحب الآخر ذراعه منها هاتفًا بذهول :
-سلم ايه عايزني أطلع عشرين دور؟! ده انا نفسي يتقطع
-ويتقطع ليه ده انت ظابط ثم انت مش بتحضر أفلام ولا ايه؟ انت تركب الاسانسير من هنا والسفاح يعطله من هنا علشان انت تتحبس جوا وهو يهرب اطلع يا يونس بسرعة اطلع
ختمت حديثها وهي تدفعه بعنف للأعلى فاستجاب الآخر لدفعاتها هذه، وعندما رأته رقية اختفى عن ناظريها سارعت للخارج بحثًا عن عمر لتجده يقف خارج البناية أمام إحدى السيارات يواليها ظهره
سارعت له بخطوات سريعة وفي نيتها أنها ستحاول جعله يذهب من هنا رغم أنه بنسبة كبيرة سيرفض لكن ستحاول حتى لا يراه يونس :
-عــمــر انت جيت ليه؟؟
ترك الآخر ما بيديه ناظرًا إليها بحاجبين مرفوعين بدهشة :
-ايه جيت ليه دي؟! مش إحنا شغالين مع بعض علشان نمسك السفاح، أومال انا قولتلك ليه على مكانه علشان تروحي وحدك؟!
نظرت رقية حولها عاضضة اناملها بتفكير لتلاحظ أن الجميع يسير بشكل طبيعي ليس وكأنه هناك ضحية على وشك السقوط الآن من الطابق العشرين
استدارت إلى عمر مردفة بتعجب :
-هو ليه الناس طبيعية كده ولا كأني فيه حاجة بتحصل؟ ثم إزاي انت عرفت بالمكان والبوليس لسه؟!
وأجابها الآخر وهو يعبث في حاسوبه المحمول وهو يضعه فوق مقدمة إحدى السيارات المرتكنة أمام البناية :
-علشان تتبعت موقع البث ثم متخافيش البوليس وأمن الدولة كمان هتلاقيهم ناطين دلوقتي وهيبقى فرح هنا، سيبيني بقى أركز قبل ما الناس ما تتجمع
ولم تركز الأخرى إلا في جملته الأولى حين ذكر أمر أمن الدولة فقالت متسائلة :
-وأمن الدولة هيجي ليه؟؟
-اخويا ظابط أمن دولة وانا قولتله وهتلاقيه على وصول
-الله يــخـربــيتك
صاحت بها رقية مصدومة فصاح بها الآخر غاضبًا من سبها له :
-الله يخربيتك انتي
ضربت الأخرى الأرض بقدميها صائحة به بعدم إدراك فإن أتى سيفان سوف يراه يونس بالطبع :
-انت قولت لأخوك ليه دلوقتي؟؟
-ايه اللي قولت لأخوك ليه؟! وانتي قولتي لاخوكي ليه؟ هو عند أخوكي الموضوع حلو علشان يمسك هو السفاح ويترقى وانا اخويا كخة!؟
نطق بها عمر ساخرًا فسحبت رقية خصلات شعرها وهى تدور حول نفسها تفكر في حل لكن على الأرجح فات الأوان فها هى سيارة سفيان تتوقف أمام البناية ثم ترجل منها متجهًا إليهما فهمست رقية بصدمة وهى تبعد اناملها عن شعرها الذي فسد مظهره :
-يا ليلتك اللي مش معدية يا رقية
اقترب سفيان منهما متعجبًا وجود رقية لكن لم يعطي لها بالًا، فمن المفترض الآن أمام عمر أنه لا يعلمها :
-عمر كويس إنك جيت حاول تتحكم في الكاميرات اللي محاوطة المكان ولو متهكرة حاول توقف التهكير ده بس بسرعة يا عمر
آماء الآخر بجدية وهو يمسك حاسوبه لكن ظهرت لمحة قلق في عينيه وهو ينظر حوله :
-مش متهكرة بس السفاح وقت دخوله مش ظاهر للأسف، متخافش انا هتصرف بس هو انت محدش جه معاك ليه؟؟
ربت الآخر على كتفه يدرك خوفه عليه إذ قال :
-متخافش عليا أخوك أسد يلاه خلي بالك انت من نفسك
ختم حديثه واتجه إلى البناية بخطوات سريعة بينما رقية نظرت إلى طيفه متوترة من تصادمه مع يونس بالأعلى، استدارت إلى عمر لكنها لم تجده مكانه بل وجدته يتجه إلى الجانب الآخر من الطريق
هرولت إليه بسرعة وقد ابصرته يخرج من حقيبته كاميرا طائرة كالتي تُستخدم في تصوير الأفلام، فشهقت منبهرة أن واحدة كهذه معه :
-انت جبت دي منين؟!
اجابها الآخر وهو يتأكد من تشغيلها إذ قال :
-من لندن بستخدمها في شغلي التاني اللي محدش يعرفه غيرك دلوقتي
أعطى لها جاهزه الحاسوب المتصلة به الكاميرا، ثم امسك هو بعصا التحكم الخاصة بها، من ثم قام بتشغيلها لترتفع الكاميرا من الأرض ناحية السماء، بينما تعرض ما تصوره على حاسوبه الممسكة به رقية والتي قالت بإنبهار أشد :
-انت كل مرة بتبهرني عن المرة اللي قبلها، انت تعلمت ده كله أمتى؟!
ابتسم عمر ولم يعلم أن لسؤالها مغزى آخر غير الذي وصل إليه :
-عيب عليكي انا مش سهل وإلا مكنتش حيرت مباحث الإنترنت ورايا ولحد دلوقتي ميعرفوش عني حاجة
أما في الأعلى وخاصةً في الطابق الأخير حيث كان كان السفاح يمسك بهاتف ضحيته الجديدة ويقوم بتقيدها في مقعد مائل للخلف قليلًا، متصل بحبل طويل مربوط طرفه في إحدى أجهزة إشارة التلفاز، بحيث إن انقطع الحبل سقطت الفتاة بالمقعد للخلف
أما الفتاة كانت تبكي بقوة خائفة حتى من أن تحاول الاهتزاز فتسقط من فوق بناية يبلغ طولها عشرون طابق، حاولت استعطافه بنظراتها التي كانت تشرح معنى الرعب بشكل واضح، لكن الآخر كان من الجمود الذي جعله أشبه بصنم لا يشعر حتى بأي ذرة شفقة نحوها
بل امسك بزجاجة خمر وسكبها أمام الكاميرا لتسقط أرضًا أسفل الحبل، ثم ألقى بالزجاجة أرضًا فتهشمت لعشرات القطع، من ثم اخرج علبة كبريت من جيبه مشعلًا عود الثقاب، ناظرًا إلى عينيها بأعين خاوية من ثم قال :
-بلغي سلامي لأبويا لما تروحي جهنم
هم بإلقاء العود فوق الخمر حتى يشتعل لكن وجد صوت من خلفه يهدر بغضب تزامنًا مع صوت لسحب أجزاء لسلاح بارودي :
-عندك إياك تعملها وإلا هضربك بالنار
تجمد الآخر في مكانه برعب ثم استدار ليبصر شاب في أواخر العشرينات يشهر سلاحًا في وجهه ولا يظهر الخوف أبدًا في عينيه، تحدث بسرعة في أول ما ظهر في عقله إذ قال وهو يحاول أن يغير صوته الحقيقي :
-تمسكها ولا تمسكني؟؟
فهم يونس لعبته القذرة التي ينتويها وقبل أن يتأخذ أي قرار كان الآخر يلقي بعود الثقاب المشتعل فوق الخمر فاشتعلت النيران، صاح يونس بقوة وهو يهرول إلى الفتاة لعله يمسك الحبل قبل أن تأكله النيران
وبالفعل أمسك بالحبل لكن اهتزاز الأخرى بعنف عندما رأت الحبل سينقطع جعلتها تسقط للخلف، فأصبح يونس يمسك بالحبل وهي معلقة به، حاول سحبها بكل قوته دون أن ينفلت الحبل منه
وأثناء هذا استغل السفاح هذه الفرصة وهرب بإتجاه مخرج السطح وقبل أن يخرج وجد لكمة قوية تصطدم في صدره جعلته يسقط أرضًا، بينما كان صاحب اللكمة هذه سفيان الذي أغلق المخرج الوحيد ثم نظر إليه بشر قائلًا :
-وأخيرًا اتقابلنا دوختنا عليك يا راجل
حدق به الآخر بقلق لينظر حوله بسرعة بحثًا عن مخرج بينما علىٰ صوت يونس بقوة قائلًا :
-اوعى يهرب منك يا ســفــيـان
رفع الآخر أكمام سترته قائلًا :
-يهرب ده ايه، على جثتي
وقف الآخر بسرعة وركض في إتجاه يونس أي في إتجاه حافة السطح ففزع سفيان وهرول خلفه لظنه أنه يود الإنتحار أفضل من القبض عليه، وبالفعل قفز من فوق البناية فوقف سفيان مصدومًا وقد كان يونس أكثر صدمة منه إذ صاح وهو لا يزال يمسك بالحبل :
-ده موقعش؟!
واقترب الآخر من الحافة بسرعة فرأى أنه تعلق في شبكة كبيرة كانت موضوعة في الطابق الثامن عشر تمنع أي شئ من السقوط للأسفل، نظر سفيان ويونس لبعضهما لقد قفز لعلمه أن هناك شبكة إذًا كيف كان سيلقي بالفتاة وهو يعلم أن هناك شبكة ستحول بين الأمر أم أنه لم يكن يعلم؟؟
عاد سفيان بسرعة للخلف تزامنًا مع قوله :
-شد البنت يا يونس انا هجيبه بسرعة قبل ما يهرب
أما يونس هز رأسه بنفى وهو يرى الآخر يحاول الاعتدال حتى يهرب من الشرفة المقابلة فنظر إلى الفتاة المعلقة في المقعد تصرخ بصوت مكتوم ثم قال :
-معلش يا اسمك ايه بس زي ما قال الشاعر فداكِ فداكِ يا مصر
ترك الحبل فتهاوى جسد الفتاة مصطدمًا بالآخر فوق الشبكة فأصبح السفاح في الأسفل والفتاة بمقعدها فوقه، وهكذا تم القبض عليه وذهب يونس مع سفيان بعدما أخذوا السفاح مباشرةً إلى أمن الدولة
وحمدًا لله لم يراها مع عمر
لكن ما أفسد سعادتها أن سفيان رفض أن يقوموا بنشر مقطع الفيديو الذي صورته الكاميرا الطائرة متحججًا أنه يجب التكتم على الأمر لوقتٍ لاحق، حسنًا هذا الفيديو معها هى وعمر إذًا لا خوف
شهقت رقية بقوة حين استمعت إلى صرخة قوية من خلفها من عمر إذ قال :
-انا مش بتصل من صباح ربنا مش بتردي على التليفون ليه
وضعت الأخرى يدها على قلبها الذي ينتفض داخل ضلوعها من شدة الفزع وسرعان ما تداركت الأمر لتقف أمامه صائحة :
-ايه كنت سرحانة ثم متزعقش فيا يا بني آدم خليك جنتل مان مرة واحدة ده انت مكنتش كده خالص
لم يفهم عمر معنى جملتها الأخيرة لكنه لم يبالي فالخبر الذي معه كفيل بجعل الأخرى تصرخ بجنون :
-عرفتي يا اختي اللي حصل!؟
-حصل ايه؟ ثم عرفت مكاني ازاي؟؟
-تتبعت تليفونك مش محتاجة ذكاء
وقلبت الأخرى عينيها زافرة بهدوء تحاول تمرير طريقته الساخرة هذه :
-مش هرد عليك علشان مبوظش سعادتي واحتفالي بالقبض على السفاح
ضحك عمر بسخرية لاذعة ليقول صادمًا إياها :
-اسكتي مش اللي قبضوا عليه مطلعش السفاح
وكانت رقية في حالة من الذهول التام لما سمعت إذ قالت وهي تحاول تجميع كلماتها :
-مطـ مطلعش السفاح يعني ايه؟! اومال طلع مين؟؟
-طلع تيكتوكر كان بيعمل كده علشان يلم مشاهدات من اللايف اللي فتحه وقال ايه مكنش يعرف اني ده كله هيتقلب عليه
افرغت الأخرى فمها بذهول لا تصدق لما يُقال إذ قالت :
-ايه الهبد اللي بتقوله ده؟! انا مش مصدقة طبعًا ده كان هيرمي واحدة من الدور العشرين هيلبس نفسه قضية قتل علشان يعلي عنده المشاهدات!؟
-ما هي الواحدة اللي انتي بتقولي عليه دي طلعت اخته وعملت الدور معاه علشان برضو المشاهدات
هزت رقية رأسها مصدومة فقال عمر ضاحكًا بقلة حيلة :
-انا برضو كنت مصدوم كده لما اتصلت على سفيان علشان أقوله اني هنزل الفيديو فراح قالي لا فيديو ولا هباب ده تطلع من بتوع التيك توك عايز يعمل مشاهدات بأي طريقة فاستغل شهرة السفاح وأنه نزل لايف قبل كده عمل ملايين المشاهدات، فحب يقلده بس من غير ما حد يموت
تهاوى جسد رقية فوق الكورنيش متسعة العينين لتضحك بعدم تصديق قائلة :
-يعني بعد اللي اتعمل كله وكاميرا وتنطيط وأحداث مش بنشوفها غير في الأفلام ميطلعش هو السفاح؟!
ضربت فخذيها بقوة صائحة بحسرة :
-آه يا تعبك يا روكا اللي راح، ويونس؟! ده يونس هيتجلط لما يعرف
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ابتسم متكئًا على المقعد خلف مكتبه بينما أمامه كانت تجلس نور وشروق التي تضم حقيبتها كحبيب فقدته لسنوات، يحاول جاهدًا ألا يضحك عليها فمظهرها الآن مضحك خاصةً وهى تتأكد مما بداخلها إذ كانت تقول :
-وادي الكارنية ومش هتذل لحد علشان ادخل الكلية، وادي الألفين جنيه مش ناقصين حاجة مش عارفة ازاي بس الحمد لله، والبوك الصغير، حتى علبة المناديل زي ما هى
رفعت نظره إلى يونس متسائلة :
-هو الحرامي أمين قوي ولا ايه ازاي الشنطة مش ناقص منها حاجة وبقالها معاه فوق التلات اسابيع؟!
حمحم يونس مختلقًا كذبة فبالطبع لن يخبرها أنها كانت معه :
-انتي ليكي الشنطة ولا الأسئلة؟ يا ستي أهي رجعتلك
آماءت شروق متعجبة طريقته الهادئة في الحديث ولولا هذا الشاش الأبيض الذي يحيط رأسه لقالت أن من أمامها يوسف الهادئ الرزين وليس يونس ذو اللسان السليط والطبع الاستفزازي
مد يونس يده لها ولازال على هدوءه والذي زاد من تعجبها :
-التليفون والمفاتيح بقى
انتبهت الأخرى لما قال ففتحت بسرعة حقيبتها التي معها مخرجة مفاتيحه وهاتفه اللذان بقيا معها في الحقيبة منذ البارحة :
-اتفضل أهم انا نسيتهم خالص والله بسبب اللي حصل عشية لنور، بس انت عرفت منين إنهم معايا هو أنت فاكر اللي حصل؟!
أخذهم يونس منها ووضعهم على المكتب ثم اجابها قائلًا :
-لأ شوفتك في كاميرات المحل علشان كنت عايز اعرف مين البنت اللي طلبتلي الإسعاف
وهمست الأخرى كعادتها التي لن تنسلخ عنها قائلة :
-وهو انا طلبت الإسعاف بس ده انا اتمرمطت معاك وخدت دور برد ما يعلم بيه إلا ربنا
ابتسم يونس وقد سمعها لكنه لم يعلق بل نظر إلى نور التي كانت تجلس وملامح وجهها متعبة بشدة ثم قال وهو يخرج ورقة من درج المكتب :
-آنسة نور إمبارح قبضنا على سواق التاكسي اللي حاول يخطفك وبعد طبعًا ما استجوبناه أو حمزة هو اللي استجوبه بطريقته
نطق بها ساخرًا وهو يتذكر جنون حمزة على السائق وطريقته الهمجية الغير معتادة منه، حتى ابن عمها ياسر تعجب طريقته، وقد زاد غضب كلاهما عندما اعترف السائق أنه كان يود أن يأخذها في مكان بعيد ويشرع في الاعتداء عليها
حمحم مكملًا حديثه إذ قال :
-حمزة عملك محضر بأنه حاول يخطفك وانتي دافعتي عن نفسك امضي على المحضر وانا هبعت اجيب الواد علشان تتعرفي عليه ولو هو، هيترحل على النيابة علشان ياخد جزاته
نظرت إليه نور بعدم انتباه فهي تشعر بدوار شديد وأن جسدها بات يغلي من شدة السخونة التي تشعر بها :
-امضي على ايه انا معملتش محضر؟!
تعجب الآخر حالتها هذه فنظر إلى شروق التي بدورها نظرت إلى نور بقلق متسائلة :
-نورهان انتي كويسة مالك؟!
اجابتها الأخرى وهي تمسك رأسها بكفيها الإثنين تشعر أنها تطرق بقوة شديدة كجرس كنيسة :
-تعبانة قوي حاسة إني جسمي كله بيصل عليا ومش قادرة افتح عينيا
وقفت شروق بسرعة ورفعت رأسها من بين يديها متحسسة جبينها لتصيح مصدومة وهي تبعده بسرعة :
-يا لهوي يا نور جسمك مولع مكنش ينفع تطلعي النهاردة خالص وانتي كنتي هتموتي عشية من السخونة
تحدث يونس متسائلًا إذ قال :
-طب تقدر تتعرف على السواق وتقول إذ كان هو ولا لأ وبعدها تقدر تمشي
نظرت شروق إليها تسألها إذا كانت تستطيع فهزت الأخرى رأسها بحسنًا :
-ماشي بس بعدها نمشي علطول مش قادرة انا والله
نادى يونس على العسكري الذي يقف بجانب الباب وبدلًا من أن يدخل عليه وجد شقيقته هى من تدلف صائحة بطريقة افزعته :
-يـــونـــس عرفت اللي حصل؟؟
انتفض الآخر من مكانه خوفًا من أن يكون هناك مكروه أصاب عائلته خاصةً وأن والده في عمل خرج الإسكندرية :
-فيه ايه حد حصله حاجة؟! يوسف وماما وبابا كويسين؟؟
ورمقته رقية بشفتين مذمومتين ثم قالت بآسى شديد وكأنها على وشك البكاء :
-السفاح اللي قبضت عليه مطلعش هو السفاح يا يونس
ظل الآخر يحدق بها ولم يبدو أنه استوعب من قالت، هو كاد قلبه يتوقف منذ قليل بسبب خوفه من دلوفها المفاجئ هذا، وقد توقع كارثة قد حدثت وهي تقول له.... مهلًا ما الذي قالته هذا؟؟ كيف السفاح الذي قبضوا عليه البارحة ليس هو السفاح هل تمزح معه الآن!؟
وقبل أن يبادر بقول كلمة كانت صرخة شروق من خلفه ترج المكتب باسم نور، استدار كلاهما بسرعة ليجدا نور تفترش الأرض ولا تتحرك بينما تهيمن عليها شروق وهى تحاول أن تجعلها تفيق ولكن لا حياة لمن تنادي...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
ما هو شعور الفخر المختلط بالسعادة؟؟
أن تنتصر في شئ ظننت أنك ستخسر به؟ ربما
أن يفاجئك أحد بهدية قيمة لا يمتلكها أحد؟ أيضًا ربما
أن تكون الأول على دفعتك في اختبار فشل به الجميع لتصبح أنت المميز بينهم، أجل أيضًا هذا مرجح بل هذا ما كانت تشعر به عائشة في هذه اللحظة تستمع إلى المعيد يمدحها على نجاحها في اختبار لم يتوقع لأحد أن يفوز به خاصةً وأن هذه أول مرة يدلفوا بها إلى المعمل الكيميائي الموجود في كليتهم :
-انا بصراحة منبهر ومصدوم في نفس الوقت متوقعتش حد يجيب درجة زي دي في الدفعة كلها، انتي بتبهريني كل مرة يا عايشة ليكي مستقبل باهر في الصيدلة يمكن نسمع عن العالمة عائشة صفوان في يوم من الأيام
هذا المدح حقًا جعل ابتسامتها تتسع من هذه الأذن لهذه الأذن، وأول ما خطر ببالها أنها كانت تود أن تلتحق بكلية الطب، هل كانت لتأخذ هناك كل هذا الثناء أيضًا
اخفضت نظرها وأخذت تجمع مستلزماتها ما إن طلب منهم المعيد هذا لأن دفعة أخرى تنتظر في الخارج للدخول إلى المعمل خلفهم
وفي أثناء خروج زملائها ودلوف طلاب الصف الرابع استمعت إلى فتاة تقول وقد تعمدت أن تتحدث بصوت مرتفع حتى تستمع إليها :
-هو ليه دايمًا الناس اللي بيمدحوهم يا إما تخان زي البراميل يا إما نظرهم رايح
رفعت عائشة رأسها لها تقول بصوت ساخر :
-علشان أمثالك المتنمرين مستحيل يبقوا في مرتبة المتفوقين
رفعت الفتاة حاجبها المرسوم بشكل احترافي لتقترب منها محاولةً دفعها وهي تقول :
-على الأقل انا مش بتنادى في ضهري الدبة التخينة
امسكت عائشة بيدها في قوة شديدة تألمت لها الفتاة لتقول عائشة بصوت أكثر سخرية :
-بغض النظر عن كلامك السخيف بس ايدك يا ماما لأقطعها مش انا اللي تتنمروا عليها
دفعتها بقوة جعلتها تصطدم في الحائط أمام دفعتها ودفعة الصف الرابع، اقترب منهم المعيد محاولًا فهم ما يجري :
-فيه ايه يا بنات؟ فيه ايه يا عايشة!؟
أدارت عائشة ظهرها وقبل أن تتحدث سمعت فتاة أخرى تقول بصوت منخفض :
-ايوه تعالى يا دكتور انصفها وامدحها زي كل مرة، والله حاسة اني البنت دي بتعمل حاجة في الخباثة مش معقول كل المدح ده من فراغ
ألقت عائشة حقيبتها على أحد الطاولات واستدارت للصوت مشتعلة العينين لتقول بصوت غاضب مرتفع :
-لا الحاجة اللي بتتعمل في الخباثة دي يعملها امثالك انتي يا حقيرة
هجمت عليها عائشة ساحبة إياها من خصلات شعرها ولم تترك بها مكانًا إلا وقامت بضربه أو عضه وكما يقولون "مسحت بها أرضية المعمل" وكم حاول الفتيات حولها فك الشجار لكن بنية عائشة كانت قوية رغم أنها فتاة فلم يستطع أحد سحب الفتاة من بين يديها
لم يُفك الشجار إلا على أيدي أمن الكلية حينها فقط أدركت عائشة ما حدث، الفتاة رغم أنها تستحق إلىٰ أنها بهيئة مدمرة أمامها وعلى الأرجح ستحصل على فصل من الكلية بسبب ما حدث
هي ليست نادمة لكن ويلها من نور عندما تعلم...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جالسًا في أحد المقاهي القريبة من بنايته، يراجع آخر قصصه القصيرة التي ينشرها على صفحته على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن لا يشعر أن لديه أي شغف ليكمل فعقله لا يزال مع ما حدث لشقيقته والذي يصر الجميع على إخفائه عنه حتى نور نفسها تقنعه أنه مجرد تنمر لكن عقله يقول ان الأمر ليس هكذا
تنهد مغلقًا حاسوبه بعدما فقد شغفه تمامًا ليظل يحدق في الفراغ أمامه منتظرًا كريم والذي أخبره أنه سيأتي بعد قليل، وبالفعل انتظر دقائق أخرى ثم وجد كريم يقف بدراجته النارية أمام المقهى، سحب حاسوبه ثم خرج لها وقبل أن يهبط كريم من فوق الدراجة كان الآخر يصعد خلفه قائلًا :
-اطلع يلا
وتعجب الآخر ناظرًا له بعدما نزع خوذته إذ قال :
-اطلع فين مش قولت هنشرب حاجة هنا؟!
-لا تعالى نشربها عند غادة
-غادة؟!
نطق مندهشًا بينما أكد له الآخر قائلًا :
-آه مزاجي مقلوب عايز اروح انكد عليها واتخانق معاها علشان افك شوية اطلع بقى واوعى تقلبنا معرض الكتاب بعد عشرين يوم
ضحك كريم بشدة ثم وضع الخوذة على رأسه وانطلق بالدراجة، ولكنه كان سريع بشدة فصاح حمزة وهو يتمسك به حتى لا يسقط :
-يا جذمة بقولك اوعى تقلبنا هدي شوية حد قالك إني عايز اروح المستشفى
ولم يهدئ الآخر السرعة ولم يلقي له بالًا حتى إلىٰ أن توقف أمام البناية التي يقطن بها إسماعيل وهى قريبة من منزل عمهم محفوظ، هبط حمزة ساببًا أخيه بكل السبات النابية التي يعرفها فضحك كريم وهو يركن دراجته على جنب قائلًا :
-أخلاقك يا متر مش كده وانا اللي كنت فاكرك مؤدب وخلوق
تركه الآخر وصعد إلى شقة غادة وقد لحق بها كريم وفي أثناء هذا كانت غادة لا تزال تجرب في أحدث صيحات الحجاب الساتر واستقرت على وضعية اعجبتها حيث كان الحجاب ساترًا لها من الخلف والأمام وقد حرصت على عدم إظهار أي شعرة
ابتسمت وهى تدور حول نفسها متحمسة لرؤية رد فعل إسماعيل عليها سيسعد كثيرًا بالطبع
دق جرس الباب فعقدت حاجبيها بتعجب، لا يعقل أن يكون إسماعيل قد عاد فالساعة لا تزال العاشرة، خرجت إلى البهو ثم فتحت الباب لتجد أمامها كريم وحمزة اللذان تعجبا تغيرها الجزري هذا ليقول كريم ضاحكًا :
-لو مكنتش عارف إنك غادة كنت شكيت إننا خبطنا على شقة غلط، ايه التغيير ده يا غادة يا ترى مين اللي اقنعك به
ابتسمت غادة ابتسامة متسعة وهى تفتح الباب وتُظهر نفسها لهم إذ كانت لا تزال ترتدي ملابس الخروج :
-ايه رأيكم شكلي حلو؟!
ابتسم حمزة لها يعجبه تغييرها هذا وهو بالطبع للأفضل ليقول :
-حلو بس، خدعونا وقالوا الحلىٰ حلىٰ العسلِ والحلىٰ ها هو أمامي
ضحكت غادة بشدة بينما صاح كريم مصفقًا بقوة :
-الله ايه كلام الشعراء ده بس وربنا جوزها نفسه ما يعرف يقوله
استكملت غادة من بعده قائلة :
-تتحسد أول مرة تقولي كلام حلو من يوم ما كنت لابسة الفستان الأبيض من عشر سنين
دفعها حمزة من أمامه حتى يدلف ثم قال وهو يجوب الشقة :
-معلش اهو جبر خاطر اومال إسماعيل فين
اجابته الأخرى وهى تغلق باب الشقة بعدما دلف كريم هو الآخر :
-في الشغل، خير بقى ايه سر الزيارة دي
اجابها حمزة وهو يجلس على الاريكة واضعًا قدمًا فوق الأخرى :
-بصراحة زهقان وجاي اتخانق معاكي فشوفي ايه يعصبك هنا لو اتكسر علشان أقوم اكسره وندب بعدها خناقة، بس قبلها انجري اعمليلي كوباية نسكافية من غير لبن
حدقت به غادة بذهول لم يدوم إذ وقفت أمامه مشيحة بيدها بغضب :
-ايه قومي انجري دي هو انا الخدامة ثم تكسر مين يا متخلف ده انا اكسر دماغك
وكالعادة وقف كريم بينهما حتى لا يسوء الأمر قائلًا :
-بس يا جدعان صلو على النبي نفسي تقعدوا مع بعض مرة من غير خناق ولا تقوموا تمسكوا في بعض
تراجعت غادة الخلف وهي ترمق حمزة بحدة والآخر على وضعيته المستفزة بالنسبة إليها فقال كريم :
-اخاف أروح اعمل انا نسكافية ارجع الاقيكم ماسكين في شعر بعض
-لا عيب يا كريم انا أرقى من اني انزل بمستوايا الرفيع لأمثالها
نطق بها حمزة متفلسفًا عليهما بينما اجابته غادة لاوية شفتيها بتهكم :
-اهو بدأ في خطاباته وهنصدع دلوقتي
ووقف حمزة معترضًا على سخريتها هذه :
-ده اسمه أدب بس أقول ايه ما انتي صيدلية آخرك تبيعي البامبرز
كاد كريم ان يعترض على مشاجرتهم هذه لكن عندما سمع ما قاله حمزة افرغ فمه مصدومًا ثم قال :
-استني ده معاه حق، يعني انا بعد اربع سنين في صيدلية هقف في صيدلية وابيع بامبرز وزيت شعر؟!
وصاحت به غادة بغضب قائلة :
-انتي بتقول ايه انت كمان ده غيران مننا وحقودي علشان احنا دكاترة وهو حتة محامي طالع من أدبي
-بس علفكرة المحاميين بيكسبوا أكتر من دكاترة الصيدلية، انتي مشوفتيش في مسلسل نعمة الافوكادو كسبت عشرة مليون جنية في قضية
هتف بها كريم مؤيدًا حديث أخيه فقال حمزة وهو يدفع غادة في رأسها من الخلف :
-سمعتي يا دكتورة
ودفعت الأخرى يده بعيدًا صائحة :
-ده تمثيل يا حبيبي ثم المحاميين البريمو المشهورين بس هما اللي بيبقوا فوق أما انت كحيان لسه تحت
امسك حمزة برأسها ووضعها أسفل ذراعه طارقًا عليها بمزاح فهو يعشق الشجار معها ومشاغبتها رغم كونها الأكبر :
-مشهورين ايه ده انا أشهر منهم، ده انا متابعيني تسعة مليون جوا مصر وبرا مصر، انتي يعرفك ١٥ واحد حتى
صرخت الأخرى أسفل ذراعه صائحة :
-يا حيوان هتبوظ الطرحة بقالي ساعة ونص بلف فيها
ختمت حديثها ودفعته بقوة بعيدًا عنها فسقط حمزة على الاريكة وتوالت عليه الأخرى بالضربات بكل ما تطوله يديها بينما الآخر يقهقه بقوة وكريم يتابع ما يحدث يائس من أن يتوقفا ليقول جملة ابيه الشهيرة في مثل هذه المواقف :
-بابا معاه حق والله محدش فيكم اتربى
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تنهدت بهدوء وهى تنظر إلى المحلول المعلق في يدها تنتظر أن ينتهي حتى تعود إلى البيت وتخلد إلى النوم بعد هذا اليوم الطويل الذي انتهى بفقدانها للوعى في منتصف غرفة العمليات
دق الباب وقد اطل من خلفه إسماعيل ويوسف والذي ما إن رأته حتى عقدت حاجبيها وذمت شفتيها وكانت جملة "حسبي الله ونعم الوكيل" على طرف لسانها لكن لم تبح بها
ابتسم يوسف بحرج وعلم أن هذه النظرات الغاضبة موجهة إليه وفضل ألا يتحدث الآن خاصةً وأن إسماعيل قد تشاجر معه بعدما علم ما حدث لها، متهمًا إياه أنه أثقل عليها لدرجة أنها فقدت الوعي من التعب
تحدث إسماعيل وهو يسحب أحد المقاعد ويجلس أمام الفراش الذي تجلس عليه، هاتفًا بنبرة مهذبة :
-كده يا براءة تخضينا عليكي عامةً ألف سلامة وإن شاء الله مش هتكرر بس انتي خدي بالك من أكلك وعلاجك انا حللت دم ليكي وطلعت الانميا عندك عالية كتبتلك على محاليل حديد ومع ذلك برضو متهمليش أكلك، وابسطي يا ستي أجازة يومين
نظرت براءة بسرعة إلى يوسف فقال إسماعيل ما إن رأى نظراتها توجهت إلى الآخر :
-وصحيح نقلتك تحت تدريب دكتور تاني هو دكتور أمراض باطنة شاطر ومتأكد أنه مش هيضغط عليكي ولا يحملك فوق طاقتك لدرجة يغمى عليكي وسط العمليات
ختم حديثه رامقًا يوسف بإتهام وحِدة ولم يُجب عليه يوسف بل ظل صامتًا وقد أدرك بالفعل أنه كان يحمِّل براءة فوق طاقتها، وقد تحدث معه مجدي أكثر من مرة في الأمر ولكنه لم يكن يستمع، ظن أن الجميع يمتلك طاقة تحمل وشغف مثله وكم أراد أن يجعل براءة هكذا لكن يبدو أن لا أحد يتشابه
وقد تفاجأت براءة من أمر نقلها هذا إذ قالت :
-يعني انا مش هبقى تدريب في جراحة وادخل اوضة العمليات تاني؟
-ده على أساس اني الباطنة مش فيها عمليات وكمان انتي كلية مش معهد يعني رتبتك أعلى ضروري تتعلمي في العمليات
نطق بها إسماعيل موضحًا لها فقالت براءة مسترسلة :
-تمام ينفع تتصلي على حد من البنات مش هعرف أروح لوحدي
-انا اتصلت على ياسر علشان يجي علشان مع معايا بصراحة رقم حد من البنات وقالي أنه هيجيب واحدة من البنات ويجي
تحرك يوسف من سكونه هذا متقدمًا نحو المحلول الذي نفد لينزعه عنها وقد انتظرت منه براءة أي بادرة إعتذار لكن لم تتلقى منه سوى الصمت واكتفى بقول جملة اعتيادية وكأنها مريضة من مرضاه :
-ألف سلامة عليكي ويارب تقومي بالسلامة
خرج من الغرفة دون إضافة شئ آخر فقالت براءة بإنزعاج فور خروجه :
-ايه تقل الدم ده مكلفش نفسه وقال آسف حتى
تنهد إسماعيل مضيفًا :
-معلش هو مضايق بسبب اللي حصلك محمل نفسه الذنب، وهو لما يضايق بيفضل ساكت، حتى هو اللي قالي أدي تدريبك لحد تاني بعد ما اتخانقت معاه علشان تقل عليكي رغم إنك قولتيله إنك تعبانة ورفض تسيبي العملية وتطلعي
-احسن برضو كان مطلع عيني معاه
ابتسم إسماعيل ابتسامة هادئة وظل معها إلىٰ أن دق الباب ثم فُتح على مهل واطلت من خلفه عائشة تستكشف مَن بالداخل قلقًا من أن تكون أحدًا غير براءة وتصاب بحرج لكن عندما أبصرتها هى حتى دلفت بسرعة قائلة بمزاح :
-ايه براءة واحدة عشية وانتوا النهاردة؟! احنا اتحسدها علفكرة
حدقت براءة في وجهها بتعجب وكذلك إسماعيل إذ قال وهو يشير إلى علامات خربشة واضحة على خدها :
-مين عمل في وشك كده
وضعت الأخرى يدها على خدها تتحسسه ببطء ثم قالت :
-اتخانقت مع واحدة وخربشتني في وشي
رفعت براءة حاجبها بشك قائلة إذ أن عائشة من النوع الذي لا يترك حقه أبدًا ولو انطبقت السماء على الأرض :
-وانتي عملتي ايه بعدها؟؟
-لا انا عملت قبلها مسحت بيها بلاط المعمل
هز إسماعيل رأسه مذهولًا إذ قال :
-ايه الافتراء ده؟! عامةً حطيلها مرهم علشان متسبش أثر في وشك
نظر إلى براءة ثم أضاف تزامنًا مع استقامته من فوق المقعد :
-انا هطلب من واحدة من الممرضات تجيبلك هدومك علشان تغيري زِي التمريض ده وتمشي وألف سلامة عليكي يا براءة
هزت براءة رأسها مبتسمة بمجاملة وبعدما خرج بعدة دقائق طرق الباب فسمحت عائشة للطارق بالدخول وقد كان الطارق ياسر والذي قبل أن تأتي عينيه على براءة المسطحة على الفراش أتت على عائشة ذات الوجه المخدوش، فقال عاقدًا حاجبيه وقد اقترب منها هى محدقًا في وجهها بقلق وغضب في آنٍ واحد من أن يكون هناك من مد يده عليها :
-مين عمل في وشك كده يا عائشة؟؟
ورفعت براءة حاجبيها بإندهاش مغلف بالحنق فهى المريضة هنا وليس عائشة والآخر عينيه لا تزاح من عليها ولكنها اكتفت بهمسة خافتة إذ قالت :
-اهو بدأ محن ولد عبد الجواد
تنحنحت عائشة وهى تعتدل في جلستها ثم اردفت بالحقيقة فلم تعتد أن تخبئ عن أحد مشجاراتها، خاصةً عن ياسر والذي تعتبره في مثابة أخيها الكبير، وهذا لأنه كان يدافع عنهم هو وعمها الصغير حسن أثناء مصائبهن المدرسية وهذا بسبب أنهما كانوا الأكبر سنًا :
-واحدة طولت لسانها عليا مش كفاية إنها متنمرة حقيرة كمان قالوا عليا كلام زبالة زيهم
-قالت ايه
نطق بها ياسر بهدوء مخيف فترددت الأخرى في الإفصاح عن هذا لكن ما باليد حيلة لن يتركها وشأنها إلا عندما يعلم، اعتادت هذا الأسلوب منه والذي يستخدمه معها بالذات لسبب غير معلوم :
-انا شاطرة في الكلية والدكاترة كلهم بيحبوني علشان انا شاطرة مش علشان حاجة وحشة بس ازاي بتفكريهم الزبالة ده تقول أكيد بتعمل حاجة ليهم في الخباثة
اشتعلت عيني ياسر بغضب مخيف لم تراه عائشة بسبب استكمالها للحديث :
-مسحت بيها المعمل قدام الناس كلها ومحدش شالها من ايدي غير الأمن وللأسف أنكرت الهانم إنها قالت حاجة وانا لازم اجي ومعايا حد علشان سلوكي مشاغب وضربت زميلتي بدون سبب واستنى لما نور تعرف علشان هى تعبانة ومش بتحب المشاكل
-مش هتقوليلها حاجة وانا اللي هاروح معاكي بكرة
نطق بها ياسر بهدوء شديد وهو يعتدل في وقفته بعدما كان شبه منحني ناحية عائشة نظرًا لأنها جالسة وهو يقف، بينما عقدت الأخرى حاجبيها مرددة :
-وشغلك انت طالع ازاي دلوقتي أصلًا
-ملكيش دعوة بشغلي انا هاجي استنيني قدام الكلية
أشار إلى وجهها المجروح ثم أضاف بنبرة حانية آثارت ذهول براءة لتحوله السريع هذا :
-وحطي مرهم لده اوعي تنسى علشان تخف بسرعة
-يــاسـر
نطقت بها براءة منادية عليه فنظر إليها ياسر بانتباه بينما الأخرى استكملت بابتسامة مصطنعة :
-مرارتي يا بابا خف ماشي، ثم انا هنا التعبانة وحتى ما عبرتني بنظرة
قلب الآخر عينيه بضجر مجيبًا عليها :
-ما اديني جاي على ملا وشي علشانك ثم ايه حكايتكم واحدة عشية والتانية النهاردة انا جاي اشتغل ولا ألف عليكم في المستشفيات
واتسعت أعين براءة مذهولة لتشير إلى عائشة صائحة :
-يعني عندنا احنا لأ وعند دي عادي؟ طب احنا تعبانين والمرض بإيد الخالق طب واللي عملت مشكلة في الكلية وهى لسه مكملتش تلات شهور حتى، ده عادي؟!
أدارت عائشة رأسها لها محدقة بها في ضيق بينما قال ياسر ببرود مستفزًا إياها وهو يضع كفيه داخل جيوبه :
-وانتي مالك تعمل اللي هي عايزاه على قلبي زي العسل، هى تكسر وتخرب وانا أصلح من وراها اطلعي منها انتي بقى
ظنت عائشة انه قال هذا ليغيظها فقط لا غير بينما الأخرى كانت تعلم انه يقصد كل كلمة قالها لذا تحدثت غاضبة بعدما وقفت عائشة حتى تفتح الباب للطارق :
-ماشي يا ياسر افتكرها علشان لما تقولي ظبطي الجو من الست الحسن هقولك عندك امك
رن هاتفها فالتقطته من جانبها لتجد أن المتصل شروق، فتحت الخط ووضعت الهاتف على أذنها تستمع إلى الأخرى تقول بصوت متعب :
-ايه يا براءة انتي فين؟ اتصرفي وتعالي بدري النهاردة علشان تطبخي وتغسلي الغسيل اللي متغسلش من عشية دي
ابتسمت الأخرى بسخرية وكادت أن تخبرها أنها ستأتي بالفعل مبكرًا لكن لن تستطيع أن تحرك شيئًا في الشقة بسبب آلام قدميها الناتجة عن نقص الحديد، وكانت شروق أسرع منها إذ قالت معترضة وهى تعلم ردود شقيقتها الكسولة :
-وقبل ما تقولي هاجي مهدودة وهنام هقولك انا تعبانة وعندي دور برد تقيل والبنت نور متلقحة على السرير قدامي جسمها مولع ومعلقين ليها محلول فيلا انجزي وتعالي سلام
اغلقت في وجهها دون الاكتراث لإجابتها فنظرت براءة إلى الهاتف بغضب قائلة :
-ده على أساس اني انا اللي سليمة؟!
-فيه ايه؟؟
نطقت بها عائشة وهى تضع ملابس براءة على الفراش فأجابتها الأخرى بعد تفكير لثواني :
-احنا محتاجين عمتك اسماء تيجي تبيت عندنا ولا اقولك...
قطعت حديثها بإتجاه نظرها إلى ياسر ثم استكملت بابتسامة متسعة :
-ياسر طبعًا ابوك وابويا وعمي علي قالولك تخلي بالك مننا علشان انت الراجل اللي حيلتنا في الغربة فبص بقى نور تعبانة وشروق تعبانة وانا تعبانة والبنت الغلبانة دي بتسهر تذاكر، تعرف بقى تطبخ وتغسل ومتخافش دي غسالة اتوماتيك بتغسل وتنشف يعني مش هتعصر حتى
وما كان رد فعل الآخر غير أنه استقام مغلقًا سحاب سترته ثم قال بنبرة هادئة بشدة كانت أقرب للبرود، موجهًا حديثه لعائشة :
-ساعديها تلبس وخديها وروحوا انا ماشي وبكرة على معادنا قدام الكلية
ختم حديثه وخرج من الغرفة وكأنه لم يسمع أي شئ مما قالته براءة بينما الأخرى صاحت بغضب وذهول فور خروجه :
-أبو تقل دم امك يا ياسر
صمتت مليًا ثم قالت متراجعة :
-ولا بلاش امك علشان تبقى خالتي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جالسة في إحدى العيادات بصمت شديد فهى على هذا الوضع منذ البارحة، صامتة هادئة وعقلها فقط هو ما يسترجع جميع الذكريات المشابهة لما يحدث معها الآن
هى تحمل في احشائها طفل من حاتم، يبدو أنه أبى تركها وشأنها حتى بعد مماته فترك بذرته داخلها، لم تبتئس أو تحزن فقد بعث الله لها ونيس في وحدتها، ستربي طفلها وتجعله سندًا لها في الدنيا فلم يتبقى لها أحد
لكن تدعو الله أن يتم الأمر ولا يلحق بأخويه اللذان ماتا قبل أن يخرجا للدنيا، تتذكر أول مرة عندما علمت أنها حامل، كانت خائفة، مصدومة، مرتعبة، أجل مرتعبة من الأمر فقد خافت عليه من سعاد وأبنائها حتى من حاتم نفسه، إن لديه خمس أبناء فلما سيقبل بطفل آخر؟!
خرجت حينها من المرحاض تحمل في يدها اختبار الحمل لكن عندما ابصرت حاتم في غرفتها حتى خبأت الاختبار بسرعة داخل منامتها تحدق في ظهره بخوف إذ كان يقف أمام الخزانة يغير ملابسه إلى أخرى تناسب النوم
ازدرقت لعابها بتوتر وهى تتقدم للأمام فأستدار حاتم عندما شعر بخطواتها مبتسمًا لها كم يرتاح لهذه الصغيرة تنسيها كثيرًا همومه يكفيه النظر إلى وجهها حتى ينسى الدنيا وما فيها :
-تعالي يا هاجر
وقفت الأخرى أمامه تنظر إلى منامته الموجودة في يده :
-هو.... هو انت هتبات هنا؟؟
هز رأسه بأجل وهو يمسك بذقنها بلطف ثم قال :
-ايوه ولا عندك مانع
ونفت الأخرى برأسها فقال حاتم وهو يترك ذقنها ويحدق في عينيها البنية :
-تعرفي؟ برتاح في اوضتك ومعاكي أكتر علشان انتي هادية ومطيعة مش زي الغرابة اللي انا متجوزها
اخفضت هاجر رأسها تكتم ضحكتها على ما قال لترفع رأسها عندما وجدته يجلس على الفراش ويهم بالخلود للنوم لتمسك بالاختبار بكفها داخل جيبها وهى تفكر في بإخباره، حاتم لا يكرهها وهى لا تكرهه أيضًا
أنه رجل حنون معها ولا يُحزنها أبدًا أجل اتمم زواجه منها رغم عدم رغبتها بالأمر وقد تضايقت بشدة لهذا لكن ضيقها لن يقدم شيئًا لذا استسلمت للأمر وتقبلت كونها زوجته وتقبلته هو أيضًا
فقط ما كان ينغص عليها حياتها هى سعاد ومشاكلها فقد أقسمت بعد زواجها من حاتم أنها ستذيقها الويل وقد صدقت، كان يدافع عنها حاتم ويهدد سعاد بعدم الاقتراب منها أو أذيتها ولكنه كان كثير السفر والأخرى كانت تستغل هذا بل ولم تكن تهتم لتهديداته فهى امرأة ذات جبروت ولا تخاف
حتى أنه في مرة ضرب سعاد بشدة بعد أن قامت بحرقها بالنار وحبسها داخل إحدى الغرف دون طعام ولولا عادل اخرجها وبناتها أيضًا اللواتي اشفقن عليها بل وشعرن بالخوف من ابيهن عندما يعود من السفر ويعلم لكانت ماتت في تلك الغرفة، بل تقسم أنها في دقائقها الأخيرة شعرت بالموت يحوم حولها
لقد ضربها لدرجة انه كسر لها ذراعها والأخرى لم تتعظ بل زاد الكره في قلبها ناحيتها ولم تتوقف عن مضايقاتها
جلست على الفراش بجانبه وأخرجت الاختبار رفعته أمام عيناه هاتفة بتوجس :
-حاتم انا.... حـ حامل
حدق الآخر في الاختبار بعدم تصديق لما يراه هل هى بالفعل حامل منه؟! لم يصدق أن شيئًا كهذا قد يحدث ولم يكن ينتوي حتى، أما هاجر شعرت بالخوف من رد فعله وكانت تراقبه بتوجس لتشعر بالراحة قليلًا عندما رأت الابتسامة ترتسم على وجهه مصحوبة بقوله :
-حامل بجد؟! انا.... مش مصدق
-هو انت فرحان؟!
نطقت بها بتعجب فقال الآخر متعجبًا سؤالها هذا :
-ايوه فرحان وهزعل ليه!؟
-توقعت كده علشان انت عندك خمس أولاد
قلب حاتم عينيه وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة :
-انا يأست من العيال دول أصلًا يمكن مفيش حد عدل فيهم غير عادل والباقي ضاعوا خلاص، يمكن اللي جاي ده يكون أحسن منهم علشان انتي هتبقى أمه وهتربيه كويس وانا متأكد من ده
ابتسمت هاجر بسعادة وراحة لحديثه لكن لم تكن راحتها كاملة إذ كانت تخشى أن تعلم سعاد، حتى حاتم نفسه اخبرها أن تتكتم على الأمر ولا تخبر أحدًا به، لكن سعاد كان لها أعين وآذان في كل مكان إذ في خلال يومين عرفت بالأمر
ولا اخبركم ماذا فعلت إذ في ساعات قليلة من معرفتها كانت تقف بها على الدرج وقد أصبحت أسفله غارقة في دمائها وبالطبع أنكرت انها فعلت ذلك أمام حاتم، ولكن الجميع كان يعلم أنها هى ربما حتى الخدم في البيت كانوا على علم ببغضها وحقدها الذي تكنه لها
وما كان من رد فعل حاتم إلا أنه وقف أمام سعاد بجبروت يضاهي جبروتها مخبرًا إياها أنه سينجب غيره، طوال العشر سنوات التي عاشتها بين جدران منزلهم كانت ترى أن حاتم أحيانًا يعتبرها زوجة له ووصية تركها الرجل الذي خدمه لسنوات
وأحيانًا كانت ترى أنها أداة يستخدمها لإغضاب سعاد كما توعد لها قبل أن يتزوجها، يعاند سعاد بها وهذا كله كان يهبط فوق رأسها هى ولا أحد غيرها
وبعد فعلتها هذه اتخذت احتياطات وأصبحت تاخذ حبوب لمنع الحمل حتى لا يحدث شئ آخر لكن كلمة الله نافذة وحملت بعد خمس سنوات من حملها الأول وقد كانت مرعوبة من أن تفعل سعاد لها شيئًا كالمرة السابقة
لذا أخذها حاتم معه وسافر، لكن لم يمر أسبوعان على سفرهم إلا وأجهضت جنينها بعد أن اعتدت عليها امرأة مجهولة بالضرب المبرح، حتى أن روحها كادت تخرج يومها مع جنينها لكن يبدو أن في عمرها بقية حتى تتجرع عذاب سعاد
والآن ها هى للمرة الثالثة تحمل ومن حاتم لكن ستتكتم جيدًا على الأمر هذه المرة حتى لا يعلم أحد ويخرج طفلها حي لها
-هاجر حاكم
استمعت إلى اسمها من الممرضة فأستقامت من فوق مقاعد الإنتظار وتحركت معها لتدلف إلى الطبيبة التي كانت تجلس خلف مكتبها ذو اللون البني، كانت امرأة في منتصف العمر تظهر بعض الخصيلات البيضاء في منبت شعرها
جلست هاجر أمام المكتب فابتسمت لها الأخرى ابتسامة هادئة :
-أهلًا مدام هاجر
هزت الأخرى رأسها مُرحبة بها ثم قالت بهدوء شديد :
-انا جاية اتابع مع حضرتك الحمل
-إن شاء الله خير اتفضلي معايا علشان اكشف عليكي
ووقفت معها هاجر متجهة إلى السرير الطبي الموضوع في إحدى زوايا الغرفة لتبدأ الطبيبة في الكشف عليها وهى تسألها بعض الأسئلة :
-هو ده أول حمل ليكي
-لأ التالت بس ربنا مأرادش اني الحمل يكمل وكنت بجهض
آماءت الأخرى بتفهم لتنزع القفازات ثم عادت خلف المكتب مضيفة سؤال آخر :
-آخر مرة الدورة الشهرية جاتلك أمتى؟؟
اجابتها هاجر وهى تعدل من ملابسها ثم جلست في المقعد الأمامي للمكتب قائلة :
-مش عارفة يمكن من أكتر من شهر
-تمام هطلب منك بعض التحاليل علشان نعرف الحمل بقاله قد ايه، وطبعًا مش عايزة اقول لازم راحة وتاكلي أكل صحي وتاكلي برضو فاكهة وخضار كتير، وبما اننا في الشتاء مش اي دواء تاخديه حتى لو جالك نزلة برد، ترجعيلي الأول علشان متضريش البيبي تمام
وآماءت الأخرى برأسها بسرعة متسائلة :
-هو الحمل تمام؟ طيب البيبي تمام مفيش فيه ايه مشاكل؟!
ابتسمت لها الطبيبة بعملية قائلة :
-مدام هاجر إحنا لسه في البداية وحضرتك تقريبًا حامل في شهرين أو شهر ونص وحملك مستقر متخافيش
قطعت لها ورقة بالتحاليل التي طلبتها منها لتعطيها له ثم قالت :
-في العمارة اللي قدامنا فيه معمل تحاليل كويس اعملي التحاليل دي واشوفك الأسبوع الجاي في نفس المعاد إن شاء الله
أخذت منها هاجر الورقة وخرجت من العيادة تمسد على بطنها بحنان متشوقة لرؤية صغيرها، تدعو الله أن يكتمل الحمل على خير وألا يصيبه أي مكروه
خرجت من البناية متجهة إلى الأخرى لتقوم بالتحاليل التي طلبتها وقد كانت هناك أعين تراقبها عن كثب في إحدى السيارات ليخرج صاحب هذه الأعين ويتبعها حتى يعلم إلى ذاهبة، وعندما وجدها دلفت إلى معمل التحاليل حتى هبط من البناية بسرعة مخرجًا هاتفه، متصلًا على ربة عمله :
-الو يا سعاد هانم خرجت من عيادة النسا والتوليد ودخلت دلوقتي معمل تحاليل
وأتته الإجابة على الناحية الأخرى عالية بشدة لدرجة انه أبعد الهاتف قليلًا عن اذنيه يستمع إلى صراخها وكأن المرأة أصابها الجنون :
-تتصرف وتجيب نسخة من التحاليل دي النهاردة قبل بكرة
وما كان من الآخر غير أنه هز رأسه وكأنها تراه :
-تمام يا سعاد هانم اللي تؤمري به
اغلقت في وجهه دون إضافة شئ آخر لتلقي بهاتفها على الاريكة الفاخرة في منزلها بغضب، تسير في البهو ذهابًا وايابًا وكأنها جمرة مشتعلة لتمسك بإحدى المزهريات وتحطمها على الأرضية السيراميكية فتناثرت قطعها المكسورة في كل مكان
وعلى صوتها أتى سكان البيت، أتى ثلاثة من أبنائها لتقول إحدى بناتها وهى تحدق في الشظايا المكسورة :
-فيه ايه يا ماما
وصرخت بها الأخرى بصوت رن صداه في أرجاء البهو :
-فيه ايــه؟! طبعًا ما انتوا مش فاضيين من خروجاتكم وسهراتكم وانا اللي بعدل المصايب اللي بتحصل
اجابها ابنها كاظم بهدوء شديد وهو يدفع الشظايا بعيدًا حتى يصل إلى الاريكة ويجلس عليها :
-مصيبة ايه قولي!؟
ختم حديثه جالسًا على الاريكة، ثم قام بفرد ذراعيه بطولها بينما يستمع إلى والدته والتي قالت بكل غضب :
-بنت البواب شكلها حامل
اندهش جميع الموجدين لتقول ابنتها بذهول :
-حامل؟! حامل من مين؟؟ اكيد مش من بابا
استدارت لها والدتها رامقة اياها بسخرية بينما لم تنخفض نبرتها الحادة :
-أكيد من ابوكي، هى ملهاش في الحرام وحاتم مات من شهر بس يعني حتى العدة بتاعتها لسه مخلصتش كنت قولت اتجوزت وحامل من جوزها
-وانتي متعصبة كده ليه سقطيها زي المرتين اللي فاتوا حتى مفيش بابا ومش هتخافي وهى ملهاش حد أصلًا
نطقت بها الابنة الثانية بلامبالاة فقال كاظم بسخرية :
-ومين قال ملهاش حد ده عادل ناوي يديها ورثها بعد الأربعين واستنوا يعرف إنها حامل هيبقى ورثها وورث اللي في بطنها واستنوا لما نعرف جنس البيبي كده هيبقى ليها أكتر من الربع في كل حاجة الشركة والمطاعم والعمارات
صرخت به سعاد وكأن تلبسها الجنون من خلف حديثه هذا :
-على جثتي بنت حاكم البواب تورث ولا اللي في بطنها يورث مع عيالي كفاية كانت قرفاني عشر سنين مهما كنت أعمل فيها لا بتطفش ولا بتموت، وحاتم الله يحرقه في جهنم كان متمسك بيها كأنها سحراله
تحدث كاظم بهمس إلى شقيقته التي كانت تجلس بجانبه قائلًا :
-امك اتجننت برأيي ناخدها مستشفى الأمراض العقلية وعلى الأقل المجانين ملهومش ورث والتُمن اللي كانت هتاخده يرجع لينا احنا
رمقته الأخرى بغضب وإزدراء لحديثه هذا فلطالما كان معروف كاظم بينهم باللامبالاة ومزاحه السوداوي الذي لا يطاق، حولت انظارها إلى والدتها بغضب وشفقة على الفتاة من أفكار والدتها الشيطانية
أجل في البداية كانت لا تطيق هاجر لأنها سرقة منهم والدهم لكن مع مرور الوقت بدأت تشفق عليها مما كان يحدث لها، تقسم أن هاجر كادت تموت أكثر من مرة بسبب أفعال والدتها لولا عادل وأبيها وحتى هى كانت تساعدها في الخفاء معهم، ترسل إليها الطعام، تعالج جروحها، تحاول أن تخفف عنها
وكل هذا في الخفاء فهى حقًا تخاف من جبروت والدتها وليست كعادل الذي يقف في وجه الجميع ويقول لا دون أدنى اكتراث بأحد
والآن زاد الأمر عن حده فحتى بعد أن تركتهم ورحلت نابذة كل شئ لا تتركها والدتها وشأنها، وقفت من فوق الاريكة صائحة بوالدتها بغضب :
-حرام عليكم سيبوها في حالها ما سابت الجمل بما حمل وصدقت ما خلصت منكم عايزين منها ايه تاني؟! وعلفكرة انا هقول لعادل علشان يحميها منكم ومش هسكت لو سقطيها المرة دي كمان ولو كنت زمان خايفة منك فدلوقتي مش هسيبك تأذيها وتأذي اللي في بطنها واللي هيبقى اخويا
وكانت إجابة الأخرى صفعة دوى صداها في أرجاء المكان جعلتها تسقط على الفراش كما كانت ولم تلبث لثواني حتى تستوعب ما حدث إلا ووجدتها تسحب خصلات شعرها بقوة هادرة في وجهها بغضب ارعبها حقًا فقد اعمت الغيرة والحقد قلب وعيون سعاد :
-اسمع اخويا دي منك تتقال لحد غير عيالي اتبرى منك، ثم صعبانة عليكي وانا مش صعبانة عليكي لما كنت أبات كل ليلة دمي محروق منها هي وابوكي الله يحرقه مكان ما راح، حارق دمي وهو عايش وهو ميت
دفعت رأسها بعنف مبتعدة عنها فقال كاظم لشقيقته وهو لا يزال على وضعيته على الاريكة ولم يتحرك إنشًا :
-طلعتي يا اختي اللي في قلبك اديكي اخدتي قلم محترم منها استفدتي ايه بقى؟!
نظر إلى والدته يراها تكمل صراخها الحاد وهى تمسك بمزهرية أخرى وتحطمها فوق الأرضية :
-اتأكد بس هى حامل ولا لأ وانا وديني لاقتلها واقتله زي اخواته
-هتقتلي مين؟؟
وخرج هذا الصوت من عادل الذي دلف إلى البهو رافعًا سترته على كتفه بينما يحدق في الجميع بأعين زرقاء باردة، لتأتيه الإجابة من كاظم وهو يرفع يديه عاليًا وكأنه يحييه :
-عادل تعالى شوف آخر الأخبار، مرات أبوك حامل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
امسك بهاتفه بعد تفكير طويل ليقوم بنشر رسالة على جروب دفعة للصف الثاني في قسم علم النفس يقول بها
"بكرة امتحان مفاجئ شامل على كل اللي اخدناه والحضور إجباري لأن الامتحان عليه درجات"
أغلق هاتفه وهو يفكر ان كانت ستحضر أم لا، بالتأكيد سوف تحضر ولن تفوت اختبار عليه درجات قد تضيع منها
مسح على دقنه يفكر جديًا في هذه العلاقة المعقدة، يريد أن يأخذ خطوة نحوها لكنه يخاف الرفض منها، هى لا تزال في التاسعة عشر من عمرها بينما هو يكاد يكمل الخامسة والثلاثون من عمره أي يكاد يكون ضعف عمرها
ومشكلة أخرى تقف أمامه، إن تقبلت فارق السن هى لا تزال عزباء بينما هو مطلق ولديه طفلة تبلغ من العمر أربع سنوات هل ستتقبل شروق كل هذا؟!
طرق باب غرفته فتوجه نحو الباب حتى يفتحه وقد كان أبيه يقف أمامه، تحولت ملامحه للجمود عندما مد الآخر كفه له مردفًا بكلمة واحدة :
-المفتاح
ورغم أنه فهم ما يعنيه إلىٰ أنه تصنع الغباء، عاقدًا ذراعيه أمام صدره ثم قال :
-مفتاح ايه؟؟
-متستهبلش يا عاصم هات مفتاح الأوضة اللي حابس فيها أخوك
نطق بها والده بغضب فقال عاصم معتدلًا في وقفته وقد حاول كتم غضبه فهو في النهاية يقف أمام والده ووجب عليه احترامه :
-وانت قبل ما تقول هات المفتاح مش تسأل انا حبسته ليه؟
-أيًا يكن السبب ملكش الحق تعمل في اخوك كده انا لسه على وش الدنيا لما ابقى اموت ابقى ربيه على الطريقة اللي انت عايزها، ودلوقتي هات المفتاح يا عاصم
-ابنك اتحرش ببنت في تانية إعدادي
نطق بها عاصم بجدية شديدة وخيبة أمل في أخيه الصغير وقد تفاجأ والده حقًا لما قال، لم يتوقع أن فِعلًا كهذا قد يخرج من ابنه، حمحم منظفًا حلقه ثم قال وقد عاد ومد يده له :
-هات المفتاح يا عاصم
-هتعمل ايه؟؟
نطق بها وهو يخرج المفتاح من جيبه يعطيه له ولم يجبه الآخر بل اتجه إلى الغرفة التي يحبسه عاصم بها وقد كانت تعود لبعض الأدوات، لحق به عاصم وعندما فتح سعيد الغرفة وجد ابنه مقيد بها فوق مقعد وعلى فمه شريط لاصق ويبدو أنه تلقى الكثير من الصفعات وهذا واضح من احمرار خديه
نظر إلى عاصم بغضب لما فعله به فهو صغيره في النهاية بل والمدلل لديه كونه أصغر أبنائه :
-ايه اللي انت عامله في الولد ده؟!
اتسعت أعين عاصم بذهول من رد فعله هذا يراه يتجه إلى سليم يفك وثاقه وهو يعتذر له فقال مصدومًا :
-ايه انت اللي بتعمله ده؟! بقولك اتحرش بواحدة واقسم بالله لولا إنها كانت عايزة تلم الموضوع كنت خليت أهلها عملوا محضر فيه
اجابه والده وهو يقف أمامه صائحًا :
-وانا مش هعدي الموضوع عادي بس بطريقة صح، اتكلم معاه مش تضربه وتربطه وتحبسه فوق اوضة زي الحيوانات
-والله انا شايف انه فعلًا زي الحيوانات شهوته اتغلبت على عقله ولو متاخدش بالقوة مش هيرجع وبدال ما يبقى دلوقتي تحرش هيبقى بعدين اغتصاب
ابعده والده من أمامه ساحبًا معه سليم ثم قال :
-انا هربيه انا بالعقل مش بالضرب هل سبق وضربتك انت ولا اخواتك البنات
زفر عاصم يقف على جنب، يحاول أن يهدئ نفسه قليلًا ثم قال :
-بس اللي عمله يا بابا مصيبة لا انا ولا اخواتي عملناها، والتحرش حاجة ميتسكتش عليها وانت حضرتك مش هتتعامل معاه بالعقل قد ما هتعدي الموضوع علشان هو دلوع العيلة
واجابه الآخر بعناد لما في رأسه :
-ده ابني واربيه على طريقتي يا عاصم روح انت ربي بنتك قبل ما تبقى مشتتة بين أبوها وأمها وشوف حل في الوضع ده
تركه ورحل بينما صفع عاصم الباب بعنف ثم هبط للأسفل حيث كانت تجلس عايدة مع ابنته تالين ومن المفترض أنها ستبيت معها هى، وعندما هبط وجدها تجلس بشرود ويبدو الحزن والانكسار على ملامحها ورغم هذا وقف أمامها هاتفًا بجدية :
-عايدة حضانة البنت هتـ
وقبل أن يكمل حديثه كانت الأخرى تقاطعه بنبرة ضائعة وكأن روحها شاردة لا تجد شاطئ ترسو عليه :
-عاصم انا عايزة نرجع لبعض
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
(حد لاحظ حاجة كده وسط السرد 👀🙂)
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
جماعة هو موضوع المقتطفات المستقبلية دي حلوة ولا بايخة 👀
"مقتطف مستقبلي"
-نورهان علي صفوان
انتفض جسدها بخفة عندما نادى العسكري باسمها فنظرت بتلقائية ناحية حمزة والذي بدوره استقام من فوق المقعد وقد كان هادئًا عكسها تمامًا، وقف أمامها معيدًا ما قاله عليها بنبرة حانية بشدة :
-متخافيش أبدًا انا معاكي عايزك تقولي كل اللي حصل ماشي
وآماءت له نور مستعدة للدخول إلى النائب وما إن خرج سليم والمحامي الخاص به حتى دلفت هى رفقة حمزة متحاشية النظر إلى سليم فلن تفيد النظرات بشئ، أصابتها الرهبة من الموقف حيث جلست هنا نفس الجلسة لكن في القسم وتوالت عليها الإتهامات دون رحمة بأشياء لم ترتكبها
ازدرقت لعابها بتوتر عندما دفعها حمزة للأمام بخفة فتقدمت وجلست على المقعد الأمامي للمكتب وجلس حمزة في المقعد المقابل، بدأ النائب اسألته إذ هتف بجدية :
-نورهان علي صفوان انتي متهمة بضرب شاب بطريقة وحشية في المدرسة قدام الطلاب والمعلمين وتم تصوريك وانتي بتعملي كده، ما هى أقوالك فيما نُسب إليكِ؟
تنفست نور بهدوء ثم قالت بينما تقبض بكفيها المتعرقين على ملابسها :
-حصل وعملت كده فعلًا علشان سليم أتحرش بيا وانا ضربته فعلًا منكرش، رد فعل طبيعي من أي واحدة اتحرش بيها حد، بس مكنتش أعرف إني بتصور
-كانت ايه علاقتك بسليم؟؟
-مفيش علاقة أصلًا مجرد طالب وانا المُدرسة وسبق وحصل موضوع التحرش ده مع أكتر من طالبة وانا نصحته وحذرته وهو متعظش لدرجة انه اتحرش بيا انا
نظر النائب إلى الكاتب بجانبه حيث كان يسجل كل ما يُقال، ثم عاد ونظر إلى نور وسألها :
-بس سليم أنكر إنه عمل كده
وهذه المرة تحدث حمزة بدلًا عنها قائلًا :
-بس هو حصل فعلًا وفيه شهود على إن سليم متحرش ومش أول مرة يتحرش بواحدة
-مين؟؟
-رحمة عثمان هواري ولؤي محفوظ هواري طلاب في المدرسة اللي كان فيها سليم قبل ما بتنقل المدرسة اللي حصلت فيها الحادثة وهما برا دلوقتي
استدعى النائب العسكري الذي يقف في الخارج طالبًا منه إحضار رحمة ولؤي هذان ليدلفا الاثنين وعندما سألهما النائب عن شهادتهم تحدث لؤي أولًا :
-انا اعرف سليم من لما كنت في تانية إعدادي كان هو لسه منقول جديد مدرستنا وكان أكبر من الكل عنده ١٧ سنة تقريبًا علشان كان بيسقط ويعيد، وبصراحة كانت سمعته مش أحسن حاجة طالب فاشل العيال حواليه علشان فلوس أبوه وكان بيكلم بنات سواءً في المدرسة أو السنتر وانا كنت عارف انه مش تمام بس مشوفتش عليه حاجة عن التحرش غير في يوم كده
أدلى لؤي بما رآه يوم تحرش سليم برحمة فنظر النائب موجهًا حديثه إلى رحمة قائلًا :
-سليم اتحرش بيكي ازاي؟
نظرت رحمة إلى أخيها بقلق والآخر ابتسم مشجعًا إياها رغم أنه يعلم أن ما سيسمعه لن يعجبه أبدًا، ابتعلت الأخرى لعابها بتوتر ثم تحدثت عن ذلك اليوم البشع :
-كنت يومها في حمام المدرسة ولما خرجت منه كان سليم واقف جنب الباب وحط رجله علشان يوقعني وانا اتكعبلت بس هو مسكني قبل ما أقع... مسك دراعي بايد وايده التاني كان... يعني
ارتعش جسدها وادمعت عينيها لتذكرها هذه الذكريات السيئة فقال النائب مراعيًا حالتها :
-خلاص تمام امضوا على أقوالكم وتقدروا تتفضلوا
فعل الاثنين ما قاله وخرجا بينما تنفس حمزة بقوة قابضًا على كفه وكان أشبه بمن يجلس على جمر، ووالله لولا أن أي فعل قد يرتكبه في سليم سيجعل موقف نور سئ لخرج الآن وحطم رأس ذلك الحقير على ما فعله بشقيقته الصغيرة
انتبه للنائب عندنا وجه حديثه إلى نور قائلًا :
-آنسة نور عايز أعرف ايه اللي حصل من سليم بالظبط، انتي بتقولي مش أول مرة يعملها عايزك تتكلمي وتقولي كل مرة عمل ايه؟ وقولتيله ايه؟ ولما تحرش بيكي حصل ايه بالتفصيل
آماءت الأخرى برأسها مستعدة للبوح بالأمر للمرة الثانية بينما في الخارج وعندما خرج لؤي ورحمة استقبلهما محفوظ وعثمان يسألانهما عما حدث بينما سحب عثمان ابنته بعيدًا وجعلها تقف امامه ثم هتف بجدية :
-رحمة انا وامك واخواتك سألناكِ سليم ده عملك ايه ليه مقولتيش الحقيقة وقولتي اتنمر عليا؟؟
طأطأت الأخرى رأسها مجيبة عليه بنبرة خافتة يكسوها الندم :
-كنت خايفة يا بابا
وضع الآخر يده على كتفها متحدثًا بغضب مكتوم :
-كنتي خايفة من ايه؟! واحد حيوان زي ده يتحرش بيكي وإحنا منعرفش؟!
-انا آسفة
زفر عثمان بضيق وهو ينظر إليها بتأنيب ثم عاد وجلس في مكانه في إنتظار خروج نور من الداخل، وأثناء الانتظار ظهرت شروق وعائشة لتقف شروق بسرعة أمامهم ملتقطة أنفاسها وهى تنظر حولها بحثًا عن نور :
-نور فين؟؟
وقف حسين والدها أمامها هاتفًا بتساؤل :
-انتوا اللي جايين منين؟!
رفعت شروق أمامه هاتفها حيث علىٰ فيديو لفتاة تبرئ نور وتتحدث عن كم كانت معلمة جيدة وخلوقة ومحترمة وسط الجميع، ابتسم يونس مفتخرًا بما فعلت شقيقته :
-لا رقية شكلها عملت إنجاز
آماءت عائشة يإيجاب وبالكاد تلتقط أنفاسها بسبب ركضهم :
-عملت إنجاز فعلًا بالجريدة اللي شغالة فيها، اقنعنا كذا واحد وواحدة بالموضوع وناس كتير تعاطفت مع نور بعد الفيديوهات دي والبركة في مس ناهد وهاجر جابوا عنوانين الطلاب من إدارة المدرسة وسبنا رقية وبراءة وهاجر يكملوا وجينا إحنا على هنا
-هى نور دخلت؟؟
تساءلت بها شروق وهى تبحث عن نور بعينيها فقال ياسر وهو يشير إلى مكتب النائب العام :
-دخلت من عشر دقايق وإن شاء الله خير بإذن الله
آماءت عائشة تدعو لأختها في نفسها ثم قالت ببعض الحرج :
-طب انا عايزة ادخل الحمام، فيه حمام هنا؟؟
-في الدور اللي تحت
نطق بها يونس فحملت عائشة نفسها وذهبت وقد لحقت بها شروق كذلك وعندما هبطا إلى الطابق الأرضي ابصرا والد سليم المدعو سعيد غانم يتحدث رفقة رجل آخر فنظرت له عائشة بحنق وودت لو تغرز اظافرها في وجهه لكنها اتقت الشر ولم تفعل
اتجه كلاهما إلى المرحاض تزامنًا مع خروج سليم من مرحاض الرجال وقد اصطدم كتفه بكتف عائشة فقال بإعتذار دون أن ينظر :
-لا مواخذة
وكانت إجابة الأخرى ضائقة حتى أنها لم تتعرف إليه لكونه مخفضًا رأسه :
-يا عم روح هى ناقصاك انت كمان
استدار سليم إليها وقد شعر بغضب من حديثها ليقول بحدة :
-احترمي نفسك ما قولت لا مواخذة اوطي على جزمتك يعني ابوسها
وقفت شروق وعائشة يحدقان به بدهشة لكونه ذلك الفاسد سليم، والآخر لم يتعرف عليهما فهو لا يعلم غير نور ولم يرى أقارب لها سوى المعلمة ناهد، ابتسمت عائشة بشر وهى تضع حقيبتها على جنب :
-لأ قاصد وانا هخليك فعلًا توطي على جذمتي تبوسها
ضحك الآخر بسخرية شديدة ليدفع عائشة في كتفها قائلًا :
-طب بس يا شاطرة العبي بعيد
نظرت عائشة إلى كتفها في موضع دفعته وبكل قوتها دفعته هى بيديها فسقط سليم على ظهره من عنصر المفاجأة ثم هتفت شروق وهى تهم بخلع حذائها :
-احنا نوروك دلوقتي الجذمة وهى بتنزل على راسك يا متحرش يا زبالة
أما بالأعلى خرجت نور مع حمزة وهى مبتسمة بإتساع فقال علي مستبشرًا من بسمتها :
-خير عملتوا ايه؟؟
واجابته الأخرى بسعادة وهى تحتضنه بقوة قائلة :
-اخدت إفراج لحالتي الصحية والأدلة مع حفظ القضية ليوم الأربعاء
-يعني ايه مش فاهم؟؟
وهذه المرة أجابه حمزة مبتسمًا لسعادة نور الواضحة منتظرًا سعادتها الكبرى عندما يبرئها تمامًا مما اتهموها به :
-يعني مش هترجع القسم هترجع معانا ويوم الأربعاء إن شاء الله هتكون المحاكمة
اندهش يونس لهذه السرعة إذ قال :
-ايه السرعة دي؟ يوم الأربعاء بعد يومين؟!
-ايوه طبعًا متنساش إن القضية رأي عام علشان كده لازم تخلص بسرعة وإن شاء الله هتطلع براءة انا مستبشر خير
ختم حديثه ناظرًا إلى نور بتلك النظرات التي تجعلها تخجل وقد جاهدت على كبت ابتسامتها هذه المرة لكون والدها يقف الآن، استمع الجميع إلى أصوات مرتفعة قادمة من الأسفل فقال حسن بقلق :
-هما مش البنات تحت
هبط بسرعة هو واخوته فقال حمزة وهو ينظر إلى إسماعيل :
-بنات مين؟؟
-شروق وعائشة مش عارف فيه ايه اتمنى الموضوع ميكونش له علاقة بيهم
تحركت نور من مكانها عندما سمعت اسم شقيقتها وابنة عمها لتهبط ببطء بسبب جرحها إلى الأسفل وقد لحق بها حمزة وقبل أن تنهي الدرج كانت تقف مذهولة مما ترى
شروق وعائشة يمسكان سليم كل واحدة من جهة، واحدة تعض والأخرى تضرب وسعيد يصرخ في الجميع وهو يحاول إنجاد ابنه من أسفل يديهما
بينما اعمامها يقفون دون تدخل متشفين في سليم، وبصعوبة ابعدوا شروق وعائشة ليصرخ المحامي الخاص بسليم ناظرًا إلى اعمامها قائلًا :
-انا هقدم محضر باللي حصل ده ومش هسكت أبدًا
وبهدوء نظر عبد الجواد إلى ابنتي اخويه قائلًا :
-عملكم ايه؟؟
-اتحرش بينا
نطقا بها في نفسٍ واحد فصرخ سليم مدافعًا عن نفسه :
-والله ما حصل انا معملتش كده
وبنفس صراخه قالت شروق وهى تهبط بحذائها فوق رأسه :
-لا عملت كده يا كداب يا ابن الكدابة هنتبلى عليك يعني
وبدأت المشاجرة مرة أخرى وعلت الأصوات بينما قال حمزة بخفوت لنور :
-واضح إنهم بيتبلوا عليه فعلًا ومعملش كده علشان مستحيل يعملها في المكان ده بالذات وهو لابس في قضية تحرش، بس شكل بنت عمك واختك شافوه فادوه علقة وده مجرد مبرر، شكل عرق الجنان ده في عيلتكم كلها
نظرت إليه نور رافعة حاجبيها وقد ساعد انعكاس الشمس من النوافذ في بروز لون عينيها الخضراء لتقول :
-يعني احنا غلطانين اننا بندافع عن نفسنا؟!
-لأ طبعًا ده انا مبسوط إنه ادوه علقة كنت هموت وادهاله بس يلا سبقوني
ازدرقت نور لعابها بتوتر تريد أن تسأله نفس السؤال الذي سألته له في المشفى عن عدد السنوات التي قد تحكم عليها إن لم تُبرأ من القضية :
-حمزة
-قلبه
وقلبها هى من دق لكلمته لتشيح بوجهها الناحية الأخرى مدعية الغضب رغم ابتسامتها التي تعافر للخروج :
-اهو جينا للكلام اللي ملوش لازمة
-انتي شايفة إن كلامي ومشاعري ملهومش لازمة؟؟
نطق بها معاتبًا بينما عينيه لا تحيد عن عينيها التي رفعتها له لجزء من الثانية ثم اخفضتها مرة أخرى من ثم قالت :
-انا اقصد كلامك معايا بالطريقة دي من غير أي حاجة رسمية بينا حرام
-انا مستني اخلصك من القضية دي وهتقدملك تاني، مستعد والله اتقدملك دلوقتي بس مش وقته
رفعت الأخرى عينيها له بحزن لتقول بنبرة بائسة :
-حمزة اهلي مش هيوافقوا متعلقش نفسك بحبال دايبة وتعلقني معاك، ومتسألش حبال دايبة يعني ايه، يعني حبال هتتقطع في أي لحظة
ابتسم الآخر مردفًا بثقة :
-حبي ليكي مش حبال دايبة يا نور مستعد أعمل اي حاجة علشان تبقي مراتي
قلبت الأخرى عينيها كاتمة بسمتها بكل ما أوتيت من قوة ثم تساءلت :
-هتعرف تطلعني براءة من القضية؟؟
-وإن مطلعتش حبيبتي براءة مين اللي هطلعه؟!
ضربت نور كفها على فخذها مديرة رأسها الناحية الأخرى بعدما فشلت في كبت بسمتها لترتسم بإتساع على ثغرها تزامنًا مع قولها :
-لا إله إلا الله يا ابني حرام ركبتنا ذنوب، انا ماشية
هبطت آخر درجات السلم متجهة إلى اعمامها ووالدها الذين كانوا يشحنون الشجار الذي احتد فنادى حمزة عليها وعندما استدارت إليه هتف بصدق ودون حرج كعادته وكأنه لا يزال لا يدرك أن ما يفعله لا يجوز :
-عينيكي حلوة بتخطف القلب وانا في حضرتهم قلبي خفيف بيتخطف بسهولة، جهزي نفسك ليوم الأربعاء وانا في ضهرك وكوني واثقة في ده
لم تجعله يكمل كلامه واستدارت عاضضة شفتيها بقوة من خجلها، ويلي لولا أن اعمامها منشغلين بالمشاجرة بعد تصريح شروق الكاذب بأن سليم تحرش بهما والأصوات مرتفعة لماتت خجلًا من حديثه
وقفت بجانب ياسر بينما هبط حمزة الدرجات المتبقية متجهًا بخطى واثقة ناحية المحامي الخاص بسليم والذي كان يقسم أنه سيفعل الأفاعيل بسبب ضربهم لسليم، وقف أمامه مباشرةً ناظرًا له بحدة رغم هدوء نبرته :
-اهدى على نفسك يا متر بدال ما انا اطلع للنائب دلوقتي وارفع قضية تحرش زيادة غير اللي هتوصلك من البنات اللي اتحرش بيهم سليم في المدرسة والسنتر، اصل انا مقولتلكش البنات دول كلهم هيشهدوا معانا ضد الزبالة ده فنصيحة مني بلاش تكمل في القضية دي علشان هتخسرها وهتبقى وحشة في تاريخك الطويل علشان انا اقسم بالله وقسم على قسمك لأحبسه
صاح الآخر غاضبًا من تهديده هذا إذ قال :
-سليم قال إنه معملش حاجة وده يبقى افتراء
ضحك الآخر بسخرية ثم قال مشيرًا إلى سليم خلف والده :
-افتراء ايه يا باشا محسسني إنه الشيخ البخاري ده لابس في قضايا تحرش؟! بس وماله قضية بقضية ونطلع سوا نقدمهم في بعض بس معتقدش إن واحد متقدم فيها محاضر تحرش هيتصدق إنه بنتين بيتبلوا عليه إنه اتحرش بيهم
تابعت نور حديثه بإنبهار بذكائه وسرعة تفكيره فبالرغم من أنه يعلم أن شروق وعائشة كاذبتان إلىٰ أنه قلب الأمر على سليم بكل سهولة، ابتسمت بسمة متسعة وهى تراقبه عن كثب تتذكر غزله لعينيها والذي قاله أول مرة
كانت حينها مستيقظة في الصباح الباكر من تلك الحمى للمرة الثانية ولا تزال إبرة الكانولا معلقة في يدها، خرجت إلى الشرفة وهى تحكم الحجاب القطني عليها وفي يدها كوبًا من القهوة الذائبة "نسكافية"
تراجعت بسرعة عندما وجدت حمزة يجلس في الشرفة يقرأ في كتاب، عادت للخلف وقررت أن تحتسي الكوب في الداخل ولكنها تذكرت أمرًا فأسرعت واحضرته ثم دلفت إلى الشرفة محمحمة فانتبه الآخر رافعًا نظره من الكتاب منبهرًا بجمال عينيها ولا يدري ما تلك الصدفة ففي الكتاب كان يقرأ سطر يصف جمال عيني نور الآن
ولعينيها حكاية أخرى فـتارة هى عسلية وتارة هى خضراء وفي كلتا الحالتين تخطف قلبي المسكين بكل سهولة
بينما نور لم ترى نظرته هذا إذ مدت المظلة له مخفضة نظرها سريعًا كما العادة :
-اتفضل الشمسية
نظر الآخر لها ببؤس لإخفاء عينيها فترك الكتاب ونظر إلى المظلة قائلًا :
-لو قولتلك احتفظ بيها هترديها زي الكتاب؟!
-ايوه طبعًا اتفضل شمسيتك
اخذ منها حمزة المظلة متمتمًا :
-انتي عنيدة أوي علفكرة
لاحظ وجود إبرة الكانولا في يدها فقال :
-صحيح سمعت باللي حصلك إمبارح ألف سلامة عليكي، اوعي تنزلي أبدًا تحت المطر طالما مناعتك متستحملش
هزت الأخرى رأسها بهدوء وبالكاد سمعها وهى تقول بنبرة خافتة وهى تنظر إليه :
-الله يسلمك
سُحر الآخر للون عينيها البراق أسفل شروق الشمس المنعكس في مقلتيها فقال دون وعي لما سيقول، فقط قال ما أتى على عقله دون إدراك للنتائج :
-عيونك حلوة بتخطف القلب
جفلت الأخرى من غزله الصريح هذا لتعلو ضربات قلبها بتوتر شديد ودون زيادة كلمة فرت من أمامه إلى الداخل مختبئة من عينيه فقال الآخر مذهولًا :
-لا ثواني ايه اللي حصل ده هى اتكسفت أوي كده ليه
نادى عليها بصوت مرتفع معتذرًا منها إذ قال :
-يا نور مش قصدي حاجة وحشة والله طلعت مني بشكل عفوي، طب تعالي اقعدي في البلوكة زي ما انتي عايزة انا اصلًا ماشي ورايح الشغل
أما بالنسبة إلى الأخرى لم تجب بل ضمت كفيها بقوة واغمضت عينيها هامسة لنفسها بتحذير من أن تدع أي مشاعر تتسلل لها :
-لا يا نورهان لأ ده حرام وهو أكيد عايز يتسلى مش أكتر، بس مش على حساب قلبك وكرامتك والثقة اللي حطوها ابوكي وأمك فيكي
فتحت عينيها مقررة عدم التصادم معه تحت أي ظرفٍ كان، فهى ليست الفتاة الغبية التي تصدق أي شاب غازلها بجملة جميلة فتنصاع خلفه كما الحمار، هى اعفى وأطهر من هذا...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلس على فراشه يربط الحذاء بينما عينيه معلقة على شقيقه الذي كان يقف أمام المرآة يمشط شعره استعدادًا للذهاب للعمل لكن هناك فرق عن كل يوم، ملامحه بائسة حزينة على غير العادة وهو على هذه الحالة منذ يوم أمس، حتى أنه لم يتناول العشاء كما أخبرته والدته
-يوسف
انتبه الآخر له فاستدار منتظرًا ما سيقول ليقول يونس وهو يرمقه بقلق من هذه الحالة البائسة التي هو بها :
-فيه ايه يا ابني مالك حزين كده ليه؟! امك قالتلي إمبارح متعشتش وكنت زعلان ومقولتش لحد ودخلت تنام وانا بصراحة كنت مشغول إمبارح بالبت اللي اغمى عليها دي والسفاح اللي مطلعش السفاح بس سيبك من ده كله انت مالك مش مظبوط كده ليه؟!
-مفيش مرهق شوية
نفى بها يوسف تزامنًا من ارتدائه لساعته فقال يونس بصوت تحذيري :
-ولاه سبق وقولتهالك لو هتكدب على الدنيا كلها مش هتعرف تكدب عليا، انت آه وقت زعلك كتوم وبتسكت سكوت مريب بس مش عليا يا يوسف
تنهد الآخر مستندًا بكفيه على السرّاحة بينما ينظر إلى انعكاس أخيه تزامنًا مع قوله :
-إمبارح في اوضة العمليات براءة تعبت أوي ووقعت على الأرض بسبب نقص فيتامين الحديد عندها وانا كنت بضغط عليها ورفضت إنها تسيب العملية وتمشي رغم إنها قالتلي أكتر من مرة إنها تعبانة ومش قادرة تقف
ابتلع لعابه بتوتر متذكرًا حالتها بعدما سقطت أرضًا بكل ضعف تهمس إنها متعبة ولا تستطيع أن تكمل :
-مكنتش اعرف إني عندها انيميا حادة ومأكلتش من إمبارح، انا في نظرها طول الوقت دكتور مفتري بيأمرها طول الوقت تروح وتيجي بس انا شخصيتي كده مش بحب أقعد ساكت وعندي عمليات ومرضى لازم أمر عليهم، وهى للأسف كسولة أوي كنت فاكرها عايزة تخرج وخلاص وفضلت اقولها لأ لحد ما وقعت
-وبعدين؟؟
نطق بها يونس بهدوء منتظرًا أن يكمل فاستدار إليه الآخر مكملًا وكأنه يتحدث مع نفسه فعلاقته مع يونس رغم اختلاف شخصياتهم إلىٰ أنها متينة بشدة :
-انا طول الليل بفتكر لما كانت تمشي ورايا ببطء وانا أفضل اقولها روحي وتعالي، لما كانت تقعد وتقول مش قادرة أقف ومش هكمل، لما كانت تطلب أجازة وانا اقولها لأ، ده كله كانت بتبقى تعبانة وانا كنت فاكرها بتتكاسل
-يآه ده انت طلعت مفتري أوي
لوى الآخر شفتيه بضيق وهو من كان يشكو له ليخفف عنه والآن أصبح يسكب على جراحهه ملحًا :
-يعني انا بشكيلك علشان تقولي كده
-ده الواقع وانا بصراحة عارفك مش بترحم في الشغل وأكتر من مرة تغير الممرضة المساعدة ليكي بسبب حركتك الكتيرة دي، بس بصراحة شابوه للبنت دي أول ممرضة تكمل معاك تسع شهور باين ومتقولش انا عايزة اتنقل
زفر يوسف بحنق من حديثه هذا فقال يونس ضاحكًا لحنقه الواضح :
-مش كل حاجة شغل شغل شغل إدي لنفسك ولغيرك راحة شوية، انت عمرك يا يوسف ما اخدت أجازة من شغلك حتى في عِز تعبك ومرضك بتروح، حرام عليك نفسك دي برضو محتاجة راحة، ده انت مرة سبتنا في العيد وروحت المستشفى علشان حالة طارئة، آه انت عندك ضمير في زمن ما يعلم به إلا ربنا وانا معجب بده، بس زي ما قولتلك ارحم نفسك شوية
وقف امامه مباشرةً فأصبحا كإنعكاس واحد من ثم أضاف بنبرة عابثة غير معتادة منه :
-بس قولي خوفت عليها ولا ضميرك وجعك عليها بس يا ابو ضمير صاحي
حمحم الآخر وكاد أن يكذب فقال يونس بتحذير :
-عارف هتحور هديك بالبونية في وشك
ابتسم له بعبث ثم قال :
-البنت عجباك صح ما انا بصراحة مش هلومك بقالها معاك أكتر من ٨ شهور ويوميًا معاك وطول الست ساعات ماشية وراك، أكنها كتكوت ماشي وراء أمه
ضحك يوسف بشدة على هذا التشبيه فقال يونس بخبث :
-عجباك صح؟؟ قول قول البنت عجباك واقطع دراعي إما كانت داخلة دماغك
واستسلم الآخر لإصراره هذه إذ قال :
-خلاص آه عجباني ويمكن بدأت احبها كمان، معرفش ليه رغم إننا مختلفين بس دايمًا فيها حاجة بتشدني، طريقتها في الكلام لبسها المحتشم حتى استفزازها ده بحبه
ابتسم مدركًا سبب رفضه لكل مرة تطلب إجازة أو أن تتدرب مع طبيب آخر :
-كان معاك حق لما كدبت على إسماعيل انا عايزها فعلًا جنبي بس.... خلاص انا نقلت تدريبها لدكتور تاني
-ليه بس كده؟؟
نطق بها يونس مستنكرًا فعلته هذه فقال الآخر بقلة حيلة :
-علشان انا فعلًا زي ما قولت بضغط على الكل حتى على نفسي بسبب الشغل وهى مش حمل ضغط علشان كده سيبت تدريبها لدكتور تاني وبصراحة بدأت احس بندم
-خلاص رجعها
-مش هعرف انا اللي نقلتها مش هعرف ارجعها إلا بطلب منها هى وبعدين هى مش طيقاني بعد اللي حصل فمعتقدش إنها هتطلب ترجعلي تاني
سحب يونس مفاتيحه ثم قال رامقًا إياه بحنق :
-خلاص يا اخويا اولع في نار الندم، اديك مش بس بعدتها عنك لأ وكمان مبقيتش طيقاك مع اني أشك إنها كانت طيقاك من الأول
عقد يوسف حاجبيه يراه يضع سلاحه في بنطاله فقال :
-انت رايح فين ده لسه بدري على معاد خروجك؟!
-لأ ما انا مش رايح القسم، رايح باقوس
وزادت إنعقاد حاجبي الآخر ثم قال بتعجب :
-عندك مهمة هناك
-لأ
نفى بها يونس ثم أضاف بنبرة ساخرة لتذكره أكثر شخص يحب إستفزازه والذي سيذهب هناك من أجل مقابلته :
-رايح أشوف سفيان فياض
واتسعت أعين يوسف بشدة لهذا الاسم الذي لم يسمعه منذ أربع سنوات تقريبًا، من ثم هتف بتوجس ولا يريد أن يكون التوقع الذي قفز في عقله هو الصحيح :
-ليه؟؟
-علشان سفيان شغال على قضية السفاح بس من ناحية أمن الدولة وكان موجود ليلة ما قبضنا على اللي كان عامل فيها السفاح ده
تنهد يوسف براحة وسرعان ما هتف بتساؤل :
-صحيح مش كانت رقية موجودة معاك يومها، هو مسألش عليها؟!
نفى الآخر وهو يقف أمام المرآة يعدل من خصلات شعره السوداء :
-مشفهاش أصلًا ومسألش عنها ولا انا سألت عن عمر مكناش فاضيين نتفاجئ أساسًا
نظر إليه بتركيز في استرسل :
-صحيح سألت رقية عن موضوع رقم عمر اللي رن عليها قبل ما تقولي السفاح ناوي يرمي واحد في ميامي؟؟
-آه سألتها وقالتلي الاسم مش عمر دي زميلتها في الجريدة واسمها قمر
تنهد يونس بحيرة ينظر إلى المرآة أمامه ثم قال :
-حاسسها بتكدب
-وانا كمان
-طب وبعدين؟؟
نطق بها يونس وهو يحوّل أنظاره له فقال يوسف بجدية شديدة :
-هى راحت الجريدة دلوقتي حاول ترجع بدري من الشغل وانا وانت هنقعد معاها ونسألها بطريقة مباشرة ومن غير لف ودوران واتمنى تكون رقية قد الثقة اللي احنا حاطينها فيها، علشان لو بجد بتقابل عمر من ورانا؟ انا مش هعديلها تصرفها ده على خير
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كان يقف وهو يضع كلتا يديه داخل جيوب سترته البنية، ينتظرها أمام كلية الصيدلة كما اخبرها في انتظار أن تصل، حسنًا لقد تلقى تحذير من شركة البترول التي يعمل بها لكثرة استئذانه للخروج منذ أن بدأ العمل بها لكن فليحترق الجميع من أجلها
لقد ترك العمل في نفس الشركة في السويس من أجل أن يبقى بجانبها هنا في الإسكندرية في حال احتاجت لمساعدة وها هى تحتاج أسيقول لها لا من أجل تحذير!؟
أخرج هاتفه عندما دق بأسمها أو على الأحرى الاسم الذي يطلقه عليها "حُلمي البعيد" يطلق عليها هكذا لأنها بالفعل حلم بعيد له لكن سيظل يحلم بها إلى أن يأذن الله وتصبح زوجته، رد عليها متسائلًا أين هى فقالت الأخرى :
-انا داخلة على البوابة اهو انت فين
ابصرها ياسر قادمة من الداخل فعلم أنها أتت مبكرًا، اغلق الهاتف واتجه إليها بخطى واسعة وعندما رأته اقتربت منه بسرعة مردفة :
-جيت بدري يعني انا اتصلت اشوفك صحيت أصلًا ولا لأ
تقدم ياسر أمامها مردفًا بجملة واحدة قائلًا :
-فين مكتب العميد
رفعت الأخرى حاجبها متعجبة هدوءه الشديد هذا لكنها لا تشك في أنه سيحل الأمر، فلطالما كان ياسر يحل جميع المشاكل التي يرتكبونها، ولطالما الجميع كان يصفه بأنه ورث ذكاء ورزانة جده ووالده عبد الجواد
سارت خلفه وتخبره بالإتجاهات إلىٰ أن توقفا أمام مكتب كُتب عليه بالخط العربي "عميد الكلية"
طرق ياسر الباب تزامنًا مع نظره إليها مذكرًا إياها بما يقوله كل مرة تُشرك نفسها في مشكلة بسبب لسانها :
-هندخل جوا متتكلميش انا هحل الموضوع
آماءت له عائشة بينما فتح ياسر الباب بعدما استمع إلى صوت يسمح له بالدخول، وما إن دلف حتى أبصر رجل عجوز يجلس خلف المكتب وأمامه يجلس رجلان متقاربان من العمر، بينما تقف فتاتان واحدة منهما في حالة سيئة من الجروح التي تملأ وجهها وذراعيها التي ظهرت عليهما آثار أسنان تركت أثرًا واضحًا
كتم ياسر ضحكته على شراسة تلك القصيرة وكم تروق لها جرأتها هذه، هو مستعد لحل جميع مشاكلها من هذا النوع، على الأقل هى لا تصمت على حقها ومن يرشها بالماء ترشه بالنيران كما يقولون
دلف إلى الداخل بخطوات ثابتة ملقًا التحية تزامنًا مع وقوف أحد الرجلين وقد بدت ملامحه غاضبة إذ قال وهو يتجه إلى عائشة :
-انتي بقى المتخلفة اللي ضربتي بنتي انا مش عارف اشكالك ازاي تدخل صيدلـ
واستوقفه ياسر إذ رفع يديه دافعًا إياه بخفة للخلف ليقول بنبرة خشنة قاسية رغم هدوء ملامحه :
-مش فيه راجل قدامك؟! تكلمه وملكش دعوة بيها خلي الموضوع راجل لراجل، وبالنسبة للكلمة اللي رميتها فدي هتبقى حق عليك علشان احنا داخلين بذوق وانتي بدأتها بقلة ذوق
تحدث العميد جاعلًا ذلك الرجل يتراجع :
-أستاذ كامل إحنا عايزين نحل الموضوع بشكل وُدي، فلو سمحت أقعد
جلس الآخر مكانه رامقًا عائشة بحدة فقال ياسر بقوة وهو يقف أمام عائشة مخفيًا إياها خلف ظهره فلا يود أن ينظر إليها أحد بنظرة لا تروق له :
-قولت لحضرتك خلي الموضوع راجل لراجل وبنتك غلطت في بنت عمي وهى ردت عليها
رفع الآخر حاجبه ساخرًا إذ قال :
-وغلطت ايه بنتي علشان بنت عمك تبوظ وشها بالشكل ده
-غلطت في شرفها وقالت اكيد بتعمل مع الدكاترة حاجة في الخباثة علشان كده هما بيمدحوا فيها طول الوقت
اختلفت نبرته إلى الحدة ليكمل بنبرة أشد خشونة :
-لو انت راجل ترضى حد يقول الكلام ده في حق بنتك فأنا مرضاش يتقال على بنت عمي واللي هتبقى مراتي واحنا صعايدة منرضاش الكلام ده على بناتنا
نظرت له عائشة بإستنكار لكلمة "هتبقى مراتي" ولكنها اسرَّتها ولم تتحدث بينما قال الرجل الثاني محدثًا الفتاة وقد كان المعيد، والذي كان متواجدًا في المعمل أثناء ما حدث :
-ايه الكلام ده يا صفا ازاي تقولي كلام زي ده عن زميلتك؟! مش معنى اني كل الدكاترة بيثنوا على ذكائها وشطارتها اللي متتنكرش يبقى ده معناه اني هى بتعمل حاجة حرام ده اسمه رمي محصنات
نظر والد الفتاة لها بحدة ثم قال :
-انتي قولتي كده فعلًا؟؟
ابتلعت الأخرى لعابها بخوف وبشكل طبيعي انكرت هذا إذ قالت :
-لأ انا مقولتش كده
تحدث العميد بصرامة قائلًا :
-آنسة صفا أنتي لو مقولتيش الحقيقة هتتفصلوا انتوا التلاتة وهتتحرموا من درجات الترم الأول
فزعت عائشة من تهديده هذا لتنظر بسرعة إلى ياسر الذي بدوره كان ينتظر ما ينتويه العميد، إذ بالفعل خافت الفتاة الأخرى والتي تنمرت على عائشة في البداية، وقد خافت من أن تُحرم من الدرجات فاعترفت قائلة :
-لأ قالت، انا سمعتها قالت كده فعلًا على عايشة
نظر العميد إلى والد صفا مردفًا بنبرة بعملية :
-أستاذ كامل التربية قبل التعليم وده شئ معروف، انا آسف لمكانتك بس انا مضطر اعاقب بنت حضرتك على اللي قالته في حق زميلتها
آماء الآخر بتقبل ثم نظر إلى ابنته بغضب وخيبة أمل :
-انا عمري ما علمت ولادي يغلطوا في حد خاصةً لو الغلط ده يمس الشرف وانا آسف بجد على اللي حصل
تحدث ياسر بعدم تقبل لإعتذاره هذا إذ قال :
-وانا برضو آسف مش متقبل إعتذار حضرتك لوحده، لازم بنتك تعتذر لعائشة
نظر الآخر لابنته بصرامة أن تعتذر فقالت الأخرى وهى تنظر إلى عائشة بغل :
-انا آسفة يا عايشة
-عائشة يا ماما انطقي الاسم صح
نطقت بها الأخرى بتهكم فأبتلعت صفا اهانتها هذه تستمع إلى العميد يقول :
-اتفضلي يا آنسة صفا بس مش على المدرج، على بيتكم انتي مفصولة أسبوع من الكلية ومحرومة كمان من بعض الدرجات وده علشان تفكري قبل ما تغلطي في بنت في شرفها وتفتكري إنك بنت زيها وأكيد ده هيتردلك في يوم من الأيام
تحركت الأخرى للخارج بعصبية وقد تبعها والدها بينما نظر العميد إلى عائشة مضيفًا :
-ده مش معناه إنك برضو معفاة من العقاب يا آنسة انتي استخدمتي العنف في حال كان ممكن تيجي تشتكي ليا وده اترتب عليه إنك كسرتي أدوات في المعمل
-انا مستعد ادفع تمن اللي اتكسر كله
نطق بها ياسر بجدية شديد جعلت عائشة تشعر أنه من الجيد انها أخبرت ياسر وليس نور التي لم تكن حقًا لتتقن التصرف في هذه الحالة بشخصيتها المسالمة
خرجا من المكتب ليقول ياسر بجدية وهو يحدق في ساعته :
-عندك محاضرات دلوقتي صح؟؟
ورغم تعجب الأخرى من معرفته بموعد محاضراتها إلىٰ أنها قالت :
-ياسر ابقى قول لبابا على موضوع الفلوس بلاش تدفعهم انت، أكيد مش معاك حاليًا وانا دبستك في الموضوع
وابتسم لها الآخر بحنو وود لو يضربها على رأسها ويخبرها أنه يتمنى أي ظرف يحدث يقربه منها حتى ولو لدقائق :
-بس يا هبلة، انا معايا ومتشليش هم، كسري اللي انتي عايزاه وانا أصلح من وراكي عندنا كام عائشة يعني
تبسمت الأخرى بحرج وسرعان ما تذكرت ما قاله بالداخل فرفعت رأسها له هاتفة بجدية :
-علفكرة مكنش ينفع تقول بنت عمي وهتبقى مراتي ليه الكدب يعني
ورغم أنها لتوها ألقت صخرة على قلبه من وراء لسانها إلىٰ أنه قال محاولًا إدعاء الابتسام :
-يا ستي فرضًا بما سيكون يعني ولا انا منفعش يعني
-لا يا ياسر
وقد كانت هذه الصخرة أكثر ثقلًا لكنه أسرَّها في نفسه رغم أن هناك غصة مريرة استحمكت حلقه وود لو يصرخ بها لما هى قاسية معه هكذا، لما هى دائمة الصد له هكذا، ما السئ به حتى ترفضه ألأنه أكبر منها؟! أجل الفارق بينهم كبير لكن عشر سنوات لا تمنع اثنين من الارتباط ببعضهما
ألا يكفي ما يفعله عمه به ورفضه التام للتقرب منها إلىٰ أن تتزوج نور لتأتي هى وتسكب ملحًا على جراحه بكلامها هذا
ورغم أن كلامها كان قاسيًا إلىٰ أن القلب لا يكره المحب لذا تحدث بهدوء كاتمًا الغصة في صدره :
-خلي بالك من نفسك ولو احتجتي حاجة قوليلي، انا جاي إسكندرية أصلًا عشانكم
راقبته عائشة وهو يرحل لتقول بهمس وهى تشد الحقيبة على كتفها :
-ربنا يصلح حالك يا ياسر مرة أحسك عايز اختي ومرة أحسك عايزني انا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلف إلى المدرج بخطىٰ هادئة رغم لهفته في أن يراها وقد بحث عنها بعينيه في ارجاء المدرج ولكنه لم يبصرها، عجبًا هل عاندت ولم تأتي رغم علمها بأن هناك اختبار؟ أم لم تعلم من الأساس؟!
اعتدل جميع الطلبة فور رؤيته بينما هو اتجه ليجلس في مكتبه ممسكًا بكشف الأسماء ليشرع في المناداة على أسماء الطلبة حتى يعلم مَن الحاضر ومَن الغائب، وعندما وصل إلى اسمها ونادى عليها استمع إلى صوتها فرفع رأسه بسرعة يبحث عنها وعندما لم يراها نادى مرة أخرى متصنعًا أنه لم يسمع :
-فين شروق حسين صفوان؟؟
-انا هنا يا دكتور
وقفت شروق حتى يراها إذ كانت تجلس بجانب الحائط تمامًا وبجانبها عدد كبير من الفتيات ولم تظهر منهم، أما عاصم تعجب جلوسها في هذا المكان الغير معتاد لكن لم يعلق على الأقل أتت ورآها
أنهى كشف الحضور والغياب ثم أخذ يوزع أوراق الأختبار ثم عاد وجلس مكانه وعينيه كانت تتابعها بشغف يفكر جديًا في التقدم لها، وحتى إن تم رفضه سيكون أفضل من أن يتلظى بنيران الندم ويقول ليتنا تقدمت لها ولم أُضعها من يدي
مر أكثر من نصف الوقت بسرعة ليسمع أحد الطلاب يسأل إن كان يُسمح بالخروج لمن أنهى الاختبار وكان رد عاصم :
-آه اللي خلص يقدر يتفضل بعد ما يسلم الورقة
تقدم بعض الطلاب بأوراق الاختبار فقد وضع عاصم الاختبار سهل وهذا لأنه لم يكن لديه الوقت الكافي ليلة أمس ليضع اختبار صعب، وهذا بسبب والده وأخيه وأيضًا طلب طليقته
وعلى ذكر عايدة لقد تفاجأ كثيرًا بطلبها لعودتهم مرة أخرى من أجل ابنتهم تالين، لا يدري لما كانت ملامحها بائسة هكذا؟ هو لا يعلم ماذا حدث في هذا الشهر الذي انفصلوا به لكنه يعلم أن هذا الشئ أثر بشكل كبير على نفسيتها حتى أصبحت الكسرة في عينيها واضحة هكذا
ورغم كل هذا هو لن يعود إليها فليس بعدما جرب طعم الحب مع أخرى بالنسبة إليه أفضل منها، هو لم يخبرها هذا صراحةً البارحة بل قال بعد صمت طويل أنه سيفكر في الأمر، وقد قال هذا متحاشيًا كسر خاطرها فهى في النهاية والدة ابنته وكانت زوجته في يوم من الأيام
سيرفض بالطبع لكن بعد أن يعلم لما طلبت منه هذا، وهل لأهلها يد في الأمر
-اتفضل يا دكتور
نطقت بها شروق وهى تمد له ورقة الاختبار فأخذها منها عاصم مبتسمًا لها :
-ايه اخبار البرد دلوقتي؟؟
-الحمد لله
هتفت بها بإختصار شديد وهمت بالخروج فقال عاصم مناديًا عليها تزامنًا مع إخراجه لبعض الأوراق من حقيبته :
-استني يا شروق
بينما الأخرى توقفت ولم تستدير تشعر بضيق شديد يعتمر صدرها، لقد أتت اليوم لمحاضرته رغمًا عنها بعد أن علمت أن هناك اختبار عليه درجات، لا تريد أن تتصادم معه أو تتحدث معه طالما تحدثهما سويًا يسبب لها شبهة هى في غنى عنها
استدارت له تحاول أن تبقى هادئة وألا تهتم بنظرات بعض الفتيات اللواتي تركن الاختبار وأخذن يراقبن بإنتباه ما سيحدث، وكأن هناك فيلمًا يعرض أمامهن :
-نعم يا دكتور
أعطى عاصم لها بغض الأوراق ولا تزال الابتسامة مرتسمة على وجهه :
-اتفضلي المحاضرات اللي فاتتك
-شكرًا يا دكتور اخدتها كلها من واحدة زميلتي
تعجب الآخر هذا ليرجع يده للخلف وقد تعجب أكثر من نبرتها الجامدة وكأنها تجبر نفسها على الوقوف معه، ورغم هذا حاول أن يكون لبقًا عارضًا عليها عرض آخر :
-تمام لو حاجة وقفت معاكي تقدري
ولم تدعه حتى يكمل حديثه إذ قالت بنبرة أكثر جمودًا وقد تضايقت بشدة لرؤيتها للبعض يهمس والانظار معلقة عليهما :
-شكرًا يا دكتور هخلي زميلتي تشرحهم ليا هى شاطرة ومن أوائل الدفعة عن أذنك
تركت المدرج بأكمله ورحلت تسب وتلعن في جميع مَن بالداخل، لما كانوا يتهامسون؟؟ تبًا لهم أجمعين هل تقف معه في وضع مخل حتى يتحدثوا عنها بسوء!؟
لما يحب الناس دائمًا التحدث على الآخرين دون أن يدركوا إن هذه تدعى غَيبة
دلفت إلى المرحاض المتواجد في إحدى الأدوار وحمدًا لله أن لا أحد موجود بالداخل، ألقت بحقيبتها بعنف على جنب ناظرةً إلى المرآة بغضب، تود العودة إليهم والصراخ بهم عن الذي يتهامسون به عليها
تنهدت بضيق وهى تشعر بإختناق يضيق داخل صدرها، سحبت حقيبتها ودلفت إلى أحد المراحيض المرتصة بجانب بعضها لتلبث في الداخل لدقائق وعندما أنهت استمعت إلى الباب الخارجي للمرحاض يدفع بقوة
أخرجت رأسها حتى ترى من فعل هذا وقد اتسعت عينيها بصدمة عندما وجدت فتاة ساقطة أمام باب المرحاض التي هى به، جاحظة الأعين وكأنها ترى أمامها ملك الموت
كادت أن تخرج وتساعدها على الوقوف لولا أنها استمعت إلى صوت رجولي قال تزامنًا مع إغلاقه للباب الخارجي :
-فريال صدقيني مفيش مكان هتعرفي تهربي مني فيه
اختبأت شروق خلف الباب وفقط جزء من عينيها يراقب ما يحدث إذ رأت من خلال انعكاس المرآة رجل يرتدي قبعة بلسان وقد نزعها وظهر لها فقط نصف وجهه
أما عن تلك المسكينة الساقطة أرضًا هتفت برعب :
-انت عايز مني ايه يا اخي، خلاص كل واحد هيروح لحاله سيبني في حالي مقدرش أكمل معاك
هبط الآخر إلى مستواها متحدثًا بحزن حقيقي :
-بس انا حبيتك يا فريال ايه الوحش فيا علشان ترفضي تكملي علاقتنا، انا ابن ناس وحسب ونسب زي ما بيقولوا
-هـــو بالعافــــية
تلىٰ صرختها هذه صرخة أكبر عندما امسك بخصلات شعرها بقوة هامسًا بشر :
-آه بالعافية ما هو انا مترفضش مرتين واللي ابقى عاوزها تروح لغيري انا عايزك يا فريال ذوق عافية هتتجوزيني
-لأ
صاحت بها الأخرى برفض فترك خصلات شعرها ونظر إليها لبرهة صامتًا قبل أن يقول وهو يخرج سكين حاد من جيبه جعل شروق تتراجع للخلف برعب حقيقي تسمعه يقول من الخارج :
-عارفة كنت بستغرب لما اسمع عن واحد قتل واحدة رفضت ترتبط به، كنت بسأل نفسي يعني هى آخر واحدة في الدنيا علشان يقتلها لأنها رفضت ترتبط به
احتدت نظراته بشكل مخيف وهو يرفع السكين أمام وجهها مسترسلًا :
-هو مش بيقتلها علشان هى آخر واحدة في الدنيا وإنما إحنا الرجالة لما نتعلق بواحدة ونبقى عايزينها وهى تقول لأ وتروح لغيرنا دي بتوجع رجولتنا جدًا وأحيانًا البعض بيتهور ويقتل
كادت المدعوة فريال أن تصرخ لعل أحدًا ينجدها لكن سبقها الآخر واحكم يده على فمها وقيدها بحيث جعل ظهرها ملاصقًا لصدره بينما قال وهو يجعل السكين يمر على وجهه من أعلى جبينها إلى أسفل خدها مسببًا جرح كالخط الرفيع :
-انا حبيتك بجد يا فريال وكنت مستعد اعمل أي حاجة علشانك بس انتي نهيتي علاقتنا بقسوة وقولتي لأ مش هكمل وانا رجولتي وكرامتي اتوجعت
وضع السكين على عنقها بينما الأخرى كانت تتحرك بهستيريا أسفل يده ليقول وهو يقرب شفتيه من أذنها وقد تجمعت الدموع في عينيه :
-لو خليتك تعيشي معايا غصب عنك هتسيبيني في الآخر وانا مش عايزك تسبيني فهخليكي تروحي مكان أحسن من الدنيا، بلغي سلامي لأبويا لما تروحي جهنم يا فريال
وما إن ختم حديثه حتى سحب السكين بعنف على عنقها ناحرًا اياها فسقطت الأخرى من يدها وجسدها ينتفض بسبب خروج الروح منهاط بينما صرخ الآخر بقوة وقد سالت الدموع من عينيه لأول مرة أو لنقول لثاني مرة فالأولى كانت عندما زهق روحًا لأول مرة :
-غـــبـيــة رفضتيني علشان ابن عمك زي ما الأولى رفضتني وراحت لغيري بس انا معرفتش اقتلها فقتلتك انتي
وكانت شروق تستمع إلى هزيه المستمر من الخارج لتشهق بصدمة عندما ابصرت دماءً تتسلل من فتحة الباب بالأسفل وعندما استمع الآخر إلى هذه الشهقة وقف بسرعة ودفع أحد أبواب المراحيض لكن لم يكن بها أحد فاتجه إلى الثاني وفعل نفس الشئ
وعندما استمعت شروق إلى دفعه للأبواب أغلقت عليها من الداخل بقوة ولم تلبث لثواني إلا ووجدته يدفع الباب بجنون وهو يصيح :
-اطــلـعـي
وكرد فعل سريع منها دفعت الباب بظهرها بقوة ولم تجد حلًا غير الصراخ فاخذت تصرخ وتصرخ بكل ما أوتيت من صوتها وعندما استمع الآخر إلى طرقات عنيفة على الباب الخارجي سحب قبعته ووضعها على وجهه وقفزت من النافذة ولحسن حظه كان المرحاض في الطابق الأول وقفزته أدت لإلتواء بسيط في قدمه لكنه لاذ بالفرار
أما بالداخل توقفت شروق عن الصراخ عندما كُسر الباب واستمعت إلى صوت إحدى الفتيات تصرخ قائلة :
-الـحقـونـي في واحدة مقتولة هـــنـا
تهاوى جسد شروق أرضًا بعدما ارتخت جميع أعصاب جسدها منتفضة بخفة من الرعب وقد زاد الرعب أضعافًا عندما رفعت كفيها الذّين تلوثا بالدماء فجثة فريال تقع خلفها مباشرةً يفصلهم فقط الباب...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
فصل أطول من العادي ووعد الفصل ده مختلف هتضحكوا كتير فيه 👀❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
هبط من سيارة الأجرة التي استقلها إلى هنا فلن يخطئ نفس الخطأ مرتين ويأتي بسيارته ثم يجدها إما مكسورة من حسد النساء أو مسروق منها شئ، ففي هذه المنطقة الشعبية لا يُنصح بالذهاب إليها ومعك شئ ثمين لأن أغلب الناس هنا من الطبقة التي هى أسفل الصفر
نزع نظارته وهو يحدق في البناية التي تسكن بها جدته، مهلًا هذه ليست بناية وإنما حفنة من الطوب المرتص فوق بعضها وعليه بعض الأسمنت، لا يدري لما هى متمسكة بالعيش في هذه المنطقة الحقيرة بينما تستطيع أن تسكن معهم في واحدة من أرقى المناطق في الإسكندرية
وكلما فاتحها هو وعمر في هذا الأمر ترد عليهم الرد المتوقع
-انا مش هسيب بيتي يا أولاد زينب ده في ريحة جوزي وريحة الحبايب اسيبه ازاي
عن أي رائحة حبائب تتحدث وهو لا يشتم إلا رائحة المجاري التي تصدر من الشوارع، لا يعلم كيف يتحمل عمر العيش هنا
وقف أمام شقتها ثم طرق الباب ليأتيه صوت تلك الفتاة شبه المقيمة مع جدته :
-أيوه يا اللي بتخبط جاية
فتحت حنان الباب لتفزع بشدة شاهقة تزامنًا مع عودتها للخلف فقال سفيان ساخرًا :
-ايه شوفتي شيطان؟! اوعي
دلف إلى داخل الشقة بحثًا عن جدته متسائلًا بينما عقد حاجبيه بإنزعاج من صوت الموسيقى الشعبية التي تصدح من التلفاز :
-ايه مفيش حد هنا ولا ايه؟؟
انتظر الرد منها لكن عوضًا عن هذا وجدتها تهم بالخروج من باب الشقة فأمسك بملابسها من الخلف جاررًا اياها للداخل مرة أخرى ثم قال بطريقة مخيفة :
-سرقتي ايه وبتهربي به!؟
تلعثمت الأخرى في حديثها قائلة بينما تتحاشى النظر إلى عينيه الحادة :
-وربنا يا باشا ما سرقت حاجة، حضرتك مش مصدق ليه إني مش حرامية ده انت حققت معايا قبل كده
تركها الآخر ولا يزال يرمقها بإتهام فكلما رأته تهم بالهروب، ولا يدري لما هى تخافه هكذا فلا يذكر أن أحدًا نشر عنه أنه يعض البشر :
-اومال عايزة تهربي ليه؟؟
-وانا ههرب ليه يا باشا ده انا افتكرت في توابل ناقصة في المطبخ فقولت انزل اجبها
جلس سفيان على الاريكة المهترئة في البهو بعدما نفض بعض الغبار من عليها ليضع قدم فوق الأخرى متسائلًا :
-جدتي وعمر فين؟؟
-الاستاذ عمر نايم وام زينب بتستحمى جوا
ضحك الآخر بسخرية وهو يقف متجهًا إلى غرفة عمر :
-وهو في حد بيستحمى على الصبح كده في عِز شهر ١٢
امسك بمقبض الباب لكنه أدار رأسه إلى حنان التي كانت تنظر إلى الباب تفكر في العودة إلى أمها فلا تريد الجلوس مع هذا الرجل المخيف أسفل سقفٍ واحد :
-اعملي اتنين شاي بلبن واوعي تنسى الشفاطة لعمر
نظرت إليه الأخرى بتهكم من هذا الطلب الغريب والذي يطلبه بنبرة مخيفة لا تليق على طلبٍ قد تطلبه أم لابنها الصغير، ما خطب هذه العائلة فمنذ أن بدأت تتعامل معهم وهى تسمع وترى العجب
دلف سفيان إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه وقد تغيرت ملامحه 180% درجة من البرود إلى الحنو، لتعتلوا وجهه ابتسامة واسعة وهو يبصر أخيه الصغير ربيب يديه ينام بشكل فوضاوي على الفراش متدثر بغطاء ثقيل على الأرجح وضعته جدته الحنونة عليه، فهو يعلم عمر لا يحب الاغطية الثقيلة ولا يطيقها
اقترب من الفراش نازعًا حذائه بسرعة ثم رفع الغطاء ودلف أسفله ليُصدر الفراش صوتًا نظرًا لقدم عُمر الخشب، وعلى هذا الصوت رفع عمر رأسه بأعين ناعسة وقد شعر بوجود جسد ضخم إلى جواره من ثم استمع إلى صوت محبب لقلبه يقول :
-قوم يا عم صحصح كده مينفعش كل يوم تصحى الساعة عشرة وتنام نص الليل مطبق على اللاب بتاعك ده
ضحك عمر ودون أن يقول كلمة كان يضم أبيه قبل أن يكون أخيه الكبير، سفيان بالنسبة إليه هو الأعين التي يرى بها العالم بل هو العالم بأكمله بالنسبة إليه :
-كان نفسي اقولك وحشتني بس انا لسه شايفك أول إمبارح فملحقتش
ضربه الآخر على رأسه بخفة قائلًا :
-ايه قلة الأدب دي؟! يعني انا اعلمك قلة الأدب فتقوم تقل أدبك عليا
قهقه الآخر بقوة فقال سفيان وهو يدفعه بعيدًا عن أحضانه :
-يخربيتك اوعى كده دلوقتي تلاقي جدتك داخلة علينا ولما تشوفك قافش فيا كده مش بعيد تظن فينا ظن السوء، انا عارفها نيتها مش سالكة
اعتدل عمر وهو لا يزال يقهقه يدرك أن اليوم سيكون ممتلئ بالضحكات بسبب وجود سفيان وجدته أسفل سقفٍ واحد فالاثنين كما الهر والفأر يتشجاران طوال الوقت
حمحم ساحبًا حاسوبه المحمول من على الشاحن بعدما سهر عليه طوال الليل :
-صحيح انا مش مصدق لحد دلوقتي اني الواد اللي قبضتوا عليه مش السفاح حاسس انه ملعوب منكم يا أمن الدولة
لوى الآخر ثغره بسخرية يتذكر صدمته عندما أعترف الشاب على نفسه أنه مجرد تيكتوكر وكان يريد أن يصنع المشاهدات ولم يكن يدري ان الأمر سينقلب بهذه الطريقة :
-لأ صدق حتت عيل كان بيلعب بس اللعبة اتقلبت عليه
-مش ممكن يكون بيلعب عليكم انتوا
نطق بها عمر متسائلًا فقال الآخر بإستنكار :
-انت هتعملي زي يونس هواري؟! وهقولك نفس اللي قولتهوله ده اخد علقة كفيلة تخليه يعترف انه ست لو اتطلب منه، وعلشان برضو يكون تحت عيونا مرمي في مبنى أمن الدولة هو والبنت اللي ساعدته دي، واهو لو مش هو يتربى
انتظر سفيان أن يسأله عن يونس هواري، فبالنسبة لما تحكيه رقية عمر يعلم كل شئ عنها أي بالطبع يعلم أن يونس هواري يكون اخاها ولكن الآخر بدا منشغلًا بما يفعله بالحاسوب فسحبه منه بغضب قائلًا :
-يعني انا قاعد معاك علشان تقعد انت على ده؟ وعلفكرة جدتك بتقول انك ليل نهار عليه عايز اعرف بتعمل ايه؟؟
ختم حديثه وأغلق الحاسوب وقد رأى بالصدفة صورة لفتاة تشتنشق بعض المواد المخدرة لكنه ظن أنه فيلم لذا لم يبالي واغلقه، منتظرًا إجابة من عمر والذي رفع منكبيه هاتفًا بهدوء :
-ولا حاجة عادي بضيع وقت
-وليه تضع وقت؟! ما تشتغل
رفع الآخر نظره له معترضًا :
-ما انا بشتغل على اللاب وعلفكرة شغل كويس وبيكسب جدًا
قلب سفيان عينيه بعدم اقتناع من أعمال الإنترنت هذه، هو لا يعلم ما نوع العمل بالظبط لكنه يعلم أن هناك الكثير من الأعمال المتاحة على شبكات الإنترنت :
-انا قصدي شغل بعيد عن الإنترنت، مش عايزك تقعد لوحدك عليه اخرج شوف الناس
-سفيان بس انا مهندس برمجة مش ميكانيكي يعني طبيعي شغلي كله يبقى على اللاب والإنترنت
اعتدل سفيان في جلسته مخرجًا بطاقة ورقية ثم هتف بحماس :
-وانا جايبلك شغل هتشوف فيه الناس وبرضو على الإنترنت
اخذ منه الآخر البطاقة الورقية ولم يكن مكتوب بها سوى عنوان ورقم هاتفي فقال بتعجب :
-عنوان ايه ده؟؟
-جريدة محتاجين فيها مهندسين برمجة ايه رأيك تقدم
هز عمر رأسه برفض فلا يروق له أن يعمل في جريدة وأعلى منه مدير يتحكم به، هو يحب العمل الحر وخاصةً أن العمل الذي يعمله لن ترضى بنشره أي جريدة لخطورة ما به :
-لا يا سفيان مش عاجبني الموضوع، ثم انا معنديش سي في أقدم به فأنسى
وأجابه الآخر بنبرة باردة مثيرًا بها غضب الآخر :
-لا ما انا جهزتلك سي في وقدمتلك به هناك مش فاضل غير المقابلة مع المدير واللي فاضل عليها ساعة
وقد ثار عمر لفعلته هذه إذ صاح قائلًا :
-ليه كده يا سفيان انا مش عايز يا سيدي اشتغل في جريدة ومش هروح المقابلة دي
-عـــمـــر
صاح بها سفيان بصوت أقوى من صوته جعل الآخر يجفل مدركًا ما فعل فلم يسبق وأن رفع صوته على سفيان، بينما قال سفيان غاضبًا :
-كبرت وبقالك صوت وبترفعه عليا، ثم انا عملت كده ليه؟ مش علشان تخرج من القوقعة اللي انت حابس نفسك فيها من وقت ما رجعت من لندن، وحتى بطلت تروح للدكتور وبطلت تاخد الدواء، هتفضل كده لحد أمتى!؟
وأتته الإجابة منكسرة منه جعلت فؤاد الآخر يتألم على ألم أخيه :
-لحد ما ربنا ياخدني عند ابوك وأمك، مبقاش للدواء فايدة يا سفيان وانا تعبت من المحاولة
تنهد سفيان بقوة ليضم أخيه مربتًا عليه بينما قال الآخر وقد سالت دموعه على كتف أخيه :
-انا من كام يوم قابلت واحد في الشارع وفضل يسلم عليا أوي وازيك يا عمر ووحشتني واختفيت فين وفضل يتكلم معايا في حاجات انا مش فاكرها، كان شعور وحش أوي يا سفيان وانا مش فاكر اسم الراجل حتى وعامل فاهمه وانا مش فاكر حاجة من اللي بيقولها
زاد سفيان في عناقه له يسمع الآخر يشكو وقلبه هو يتألم لكن عليه الصمود من أجله، يجب دائمًا أن يظل جامدًا وصامدًا من أجل أخيه فإن انهار من الذي سوف يحتوي عمر :
-بس اهدى أهو انا مكنتش عايزك تنزل مصر قبل ما ترجعلك ذاكرتك علشان كده، مش عايزك تنهار والدكتور قال غلط عليك زيادة التفكير على عقلك
ابتعد عمر منه ماسحًا الدموع من عينيه بينما أكمل الآخر بحنان شديد :
-انا آسف لو ضغط عليك في موضوع الشغل لو مش عايز تروح براحتك، بس انا كنت عايزك تخرج
-هروح بس موعدكش اني أكمل لو زهقت هبطل
نطق بها عمر بإستسلام فابتسم سفيان مضيفًا برجاء :
-وترجع تاخد العلاج
وانكمشت ملامح الآخر برفض شديد إذ قال بشكل قاطع :
-لأ علاج تاني لأ، وابلبع برشام تاني ليل نهار مش هيحصل
-تبلبع؟! ايه كلام الشمامين ده؟؟ اهو كله من وراء جدتك والحتة المعفنة اللي عايشين فيها دي
وأتته الإجابة فورية من جدته التي كانت تسترق السمع من خلف الباب، لكن ما إن سمعته يأتي بسيرتها هى حتى دفعت الباب بقوة صائحة بحنق :
-ومالها جدته بقى يا سفيان ده انا حتى اللي واخدة بالي منه مش زيك كل شهر نشوفك يا مرة يا اتنين، حتى مبترفعش سماعة التليفون تطمنا انت حي ولا بقيت من ضمن الأموات
اتسعت عيني عمر بذهول من قولها مستعدًا لمشاجرة كلامية حادة الآن، وبالفعل كما توقع إذ اجابها سفيان بكل برود وهو يضع قدمًا فوق الآخر في منظر استفز جدته كثيرًا :
-ازيك يا جدتي انتي لسه حية لحد دلوقتي؟!
لوت الأخرى شفتيها بتهكم متوقعة هذا الرد إذ قالت :
-وانا هستنى ايه يعني من تربية فياض، أبوك لسانه كان أطول من لسانك واقسم بالله لولا إني البنت بنتي كانت هبلة وبتحبه انا مكنتش خليته يحلم يشوف ضفرها مش يتجوزها بس
أشارت إلى عمر الذي كان يجلس على الفراش مواليًا ظهره للحائط يكتم ضحكاته عليهم :
-حتى الواد عمر الغلبان اللي في عيلتكم قليلة الأصل دي، اتعلم قلة الأدب والبجاحة من وراء راسك
وزادت ابتسامة الآخر برودًا مستفزًا الأخرى بشدة ثم قال :
-الله مش انا أخوه؟! وإن معلمتوش انا قلة الأدب والبجاحة مين يعلمه؟؟
وقف سفيان أمامها مستكملًا وكم يروق له استفزاز جدته ونس سريعة الغضب :
-ثم انتي كنتي واقفة على الباب بتتصنتي يا جدتي؟! متعرفيش اني حرام التجسس؟ حتى يا شيخة راعي اني رجلك والقبر ده اللي زيك بقى في القبور مش بس على سجادة الصلاة
-احترم نفسك يا سفيان بدال ما السعك بالقلم
نطقت بها الأخرى بغضب بينما قال سفيان مكملًا حديثه :
-لا بتكلم معاكِ بجد انتي مش ناوية تموتي ليه؟! ابوكِ وامك ماتوا، وجوزك مات، واخواتك ماتوا حتى بنتك ماتت ودفنتيها، ايه مستنية تدفينيني انا وعمر علشان تتوكلي بعد ما تتأكدي إنك دفنتي العيلة كلها؟!
انفجر عمر بالضحك بينما نظرت ونس إلى حفيدها باسقة عليه بتصنع ثم قالت :
-خسارة فيك الكلام يا ابن فياض اتفو عليك
تركته وخرجت فقال عمر عاقدًا حاجبيه :
-شكلها قفشت
-آه باين كده
-طب ايه؟! روح راضيها
هز سفيان رأسه بمعنى حسنًا ليمسك بمقبض الباب مديرًا رأسه له :
-ماشي ألبس انت علشان تروح وانا هطلع أراضيها
ختم حديثه وأغلق الباب ثم خرج إلى البهو بحثًا عن جدته ليجدها تجلس القرفصاء على الاريكة وأمامها طبق تسالي فقال بصوت مرتفع وهو يتجه إليه مبتسم الثغر :
-ايه يا ونس زعلتي ولا ايه عارفة اني بهزر معاكي
-آه يا اخويا عارفة انك مش متربي فعادي
ضحك سفيان وهو يجلس إلى جانبها ليقول وهو يمد يده إلى طبق التسالي مشاكسًا اياها :
-ألا قوليلي يا جدتي كسرت المية ولا لسه
زفرت الأخرى بضيق وهى تضرب كف على الآخر :
-روح يا بعيد تقع على جدور رقبتك تتكسر
-وأهون عليكي يا ونس؟! ده احنا اللي فاضلين ليكي في الدنيا، اكسبي رضانا علشان لما تموتي تلاقي حد يعملك جنازة بدال ما جتتك تترمي في مدافن الصدقة
لم تستطع أن تكتم ضحكاتها أكثر من هذا فقهقهت بعلو صوتها قائلة :
-جاتك ايه يا سفيان شبه ابوك، صحيح كان بيحرق دمي بس كان بيضحكني أوي
ابتسم سفيان متكئًا بظهره على الاريكة ثم قال وهو يتفحص ملامحها التي بدأ الكبر يخفيها :
-عاملة ايه بتاخدي الدواء بتاعك؟ الفلوس اللي ادتهالك خلصت تاخدي غيرها؟؟
وردت الأخرى له الإبتسامة بأخرى أشد حنانًا ثم قالت وهى تربت على فخذه :
-صحيح وارث كتير في ابوك في شكله وشخصيته بس حنين زي امك، احنا الحمد لله يا حبيبي انت عامل ايه؟؟ بتغيب كتير وانا بخاف عليك يا سفيان
-متخافيش يا جدتي العمر واحد والرب واحد
تنهدت ونس ترمقه بقلق ثم قالت فاتحة معه الموضوع للمرة التي لا تعلم عددها :
-طب ولحد أمتى هتفضل وحداني كده؟؟ ولا انت عاجبك لقب المطلق ده انت خلاص بقى عندك ٣٥ سنة هـ
-٣٦
نطق بها ببرود مقاطعًا إياها فصاحت الأخرى بغضب قائلة :
-كمان بقيت ٣٦ سنة وانت ولا عيل ولا تيل، ده انا ابويا لما كان عنده ٣٦ سنة كان مخلف سبع عيال، هتخلف أمتى وتربي عيالك أمتى انت بقى؟!
مسح الآخر وجهه بضيق محاولًا أن يجعل اعصابه مستقرة :
-عندك واحدة تستحملني؟!
وسرعان ما انفرجت أسرار الأخرى لتقول بلهفة :
-لا إذا كان كده ففي كتير قولي انت في دماغك ايه
ابتسم لها الآخر ابتسامة بدت مصطنعة بشدة ليرفع كفه أمام وجهها عاددًا على أصابعه :
-عايزها متكنش نكدية وتنكد على اللي جابوني كل شوية زي فرحة الله يحرقها، تبقى هادية ومطيعة، متكنش نكدية، ذكية تعرف تمتص غضبي علشان ببقى غبي لما بتعصب ولو واحدة اتعصبت قبالي ممكن اديها كف يلوحها، متنكش نكدية، مش عارفة حاجة في الدنيا مش عايزها خبيثة عايز اربيها انا على ايديا، مش عايزها رغاية تسأل عشر اسئلة مرة واحدة وروحت فين وجيت منين انا شغلي مش بيخليني انام نوم كامل علشان اكون فاضي اروح اخونها يعني، وآخر حاجة متكنش نكدية مش ارجع من مهمة مهدود تروح تستقبلني بالنكد زي فرحة الله ياخدها عملتلي تروما
ختم حديثه ناظرًا إلى جدته التي كانت تطالعه بحنق فقال مبتسمًا لها بإتساع :
-ايه رأيك عندك واحدة كده؟!
ولوت الأخرى شفتيها بتهكم ساخرة منه إذ قالت :
-في الجنة هناك هتلاقي واحدة زي كده من الحور العين بس ده لو وردت على جنة من أصله يا ابن فياض
سحب سفيان طبق التسالي ثم هتف بلا مبالاة :
-اهو ده اللي عندي لو لقيتي واحدة بالمواصفات دي مستعد اتجوز غير كده لا
-يا ابني ربنا يهديك وانا اجيبلك منين واحدة بالمواصفات دي؟!
تنهدت بتعب ثم قالت :
-يا سفيان اتجوز انا مش ضامنة اعيش ولو ربع اللي عشته، مش عارفة لما أموت هتعمل ايه من بعدي انت واخوك
-هنوزع على روحك قُرص ويوستفندي بس اتكل على الله انتي وموتي
هتف بها مستفزًا اياها فصاحت به الأخرى بغضب :
-انا عرفت دلوقتي ليه فرحة اتطقت منك، علشان كرهت العيش معاك علشان انت كائن لا تطاق
نادت بصوت مرتفع على حنان ظنًا منها أنها بالمطبخ فقال سفيان بهدوء أقرب إلى البرود :
-مش هتلاقيها
-ليه راحت فين؟!
-قالت إنها راحت تجيب توابل بس أعتقد هربت ومش راجعة تاني
صاحت به جدته وهى تستقيم من فوق الاريكة :
-ليه عملت في البنت ايه؟؟
-وانا هعمل فيها ايه يعني دي بنت هبلة
عقد حاجبيه بتعجب ثم أضاف :
-صحيح يا جدتي انتي مطلعة إشاعة عني إني باكل الناس؟ انا لما بمشي في الشارع العيال بتخاف وتجري حتى البنت الهبلة اللي قاعدة معاكي دي
لوت الأخرى شفتيها بتهكم مجيبة عليه بنبرة ساخرة :
-الوحاشة مش بتستخبى يا سفيان، انا رايحة اجيب البنت علشان تعملنا غداء
استدارت إليه قبل أن تخرج من باب الشقة محذرة إياه :
-ويكون في علمك مش هخليك تتحرك من هنا غير لما تتغدى معانا
ابتسم لها سفيان فرغم مناقرتهم إلىٰ أنه لو بحث في الدنيا بأكملها لن يجد من هو أحن من قلب جدته، فالجدة والدة الأم هى أحن شخص قد يعرفه المرء في يوم :
-هتغدى واتعشى وأبات كمان
ابتسمت ونس له ثم خرجت حتى تأتي بحنان التي ذهبت خوفًا من سفيان بالطبع، وبعد دقائق قليلة طرق الباب فتحرك سفيان حتى يفتحه متعجبًا سرعتها هذه فلم يمر دقيقتين
وسرعان ما تبدد التعجب وحل مكانه ابتسامة متهكمة عندما ابصر وجهًا حاول مرارًا تقبله لكنه لم ينجح فالقبول من عند الله كما يقولون :
-يونس محمد هواري، خير!؟
رفع يونس حاجبيه متوقع وقاحته هذه لكنه أكثر وقاحة منه لذا قال :
-جاي اشرب شاي
-معندناش
دفعه يونس من امامه دالفًا إلى الداخل فهذه ليست أول مرة يأتي إلى هنا ثم قال بوقاحة أشد من وقاحته :
-يبقى مياه ولا قاطعة عندكم؟؟
جلس على الاريكة تزامنًا مع إغلاق سفيان للباب ثم استدار عاقدًا ذراعيه أمام صدره من ثم قال :
-ايه اللي جابك يا ابن الهواري؟!
واجابه الآخر وهى يتكئ على ظهر الاريكة بكل أريحية وكأنه في منزله :
-ناسي إننا شغالين في قضية واحدة ثم وصل للمأمور إمبارح من جهاز أمن الدولة اني اللي قبضنا عليه مش السفاح ورفضوا يقولوا أي معلومة تاني بس بما اني اختي حبيبتي تعرف أي معلومة بسهولة عرفت منها انه طلع بتاع فيدوهات كان عايز يعمل شهرة مش أكتر
جلس سفيان أمامه على الاريكة المقابلة ثم هتف بتساؤل رغم أسلوب نبرته الجامدة :
-مقدرتش أسألك يومها، مستغربتش وجودي يوم ما قبضنا على اللي كان عامل فيها السفاح ده، ولا المأمور فتن؟؟
-آه المأمور فتن وكمان قالي أنه أتقبض عليك بعد ما واحدة قالت إنك السفاح
ختم حديثه مقهقهًا بقوة ثم أكمل أسفل نظرات سفيان الحانقة :
-بقى بنت تعمل فيك كده يا سفيان فياض ابو المجد، واسمك الثلاثي اللي قرفتني به طول فترة معرفتي بيك
-إلهي ما ترجع المعرفة دي تاني
نطق بها سفيان بغيظ شديد فإن كان هناك شخص ينجح في إثارة غضبه فهو هذا اليونس الجالس أمامه، وكم من مرة كادت أن تفشل علاقة عمر ورقية من خلف رأسيهما، لكن كان الأمر يُحل في النهاية
خرج عمر على ضحكات غريبة لا تعود لأخيه ليجد أحد أشقاء رقية التوأم يجلس معه، وحقًا لا يدري ماذا يفعل هنا ولكنه ألقى التحية على أي حال ثم وجَّه حديثه إلى أخيه قائلًا :
-صباح الخير، انا ماشي يا سفيان عايز حاجة
نفى الآخر وكان مثل يونس يركز في رد فعل عمر لكن لم يصدر منه شئ آخر غير الجملة التي نطق بها ثم رحل فنظر يونس إلى سفيان متسائلًا :
-هو لحد دلوقتي مفتكرش
-لا للأسف لا افتكرتك ولا افتكر أختك
-زعلان عليه بصراحة ولحد دلوقتي رقية مش عارفة انه فقد الذاكرة ومش فاكرها، وفاكرة انه سافر بعد موت أبوه وأمه بعد ما جاله اكتئاب زي ما قولنا، وفركش الخطوبة علشان كده
ولم يقل يونس هذا من فراغ بل لشئٍ في رأسه بينما سفيان نظر إليه عاقدًا الحاجبين يبدو أن تلك الحمقاء رقية لم تخبر اخويها بأنها تحاول أن تجعل عمر يتذكرها، حسنًا لا يبالي كثيرًا بأمرها فشقيقه هو المهم بالنسبة إليه، لكن إن علما يونس ويوسف أنها تخبئ أمرًا كهذا سيثورا عليها
غير الموضوع عندما طال الصمت منهما ليقول :
-جاي ليه يا يونس عارف اني معلومات أمن الدولة مش سهل تتنقل للشرطة العادية
اعتدل الآخر في جلسته مخرجًا هاتفه بعدما فتحه على موقع ثم قال وهو يمد يده له :
-اكتشفت معلومة مش عارف وصلت ليها ولا لأ بس احنا شبه في مهمة واحدة ولازم نساعد بعض
امسك سفيان بالهاتف يقلب في الموقع هذا تزامنًا مع استماعه ليونس وهو يكمل :
-الموقع اللي قدامك ده بيتنشر فيه فضايح كتير للناس سواءً ناس فاسدة ولا لأ وأهم واحد بينشر على الموضوع ده واحد مدى لقب على نفسه باسم "NO ضد الفساد" بينشر أغلب الفضايح واللي منها عن أبناء كبار الدولة اللي بيشربوا ويصيعوا ويعملوا كل حاجة فاسدة، أو كبار الدولة نفسهم واللي بيعملوا بلاوي خلف ستار اسمهم زي ما انت عارف؛ محدش عارف يجيبه ولا يعرف هو راجل ولا ست اصلًا، حتى مباحث الإنترنت فشلت لدرجة انهم شكوا انه مش مصري بسبب مهارته دي، ركز كده في اللي ناشر عنهم لسنة لوراء هو بينشر كل أسبوع أو عشر أيام فضيحة لشخص
قلب سفيان أكثر في منشوراته ليلاحظ أن منهم من ضحايا السفاح، رفع رأسه إلى يونس بسرعة مذهولًا فآماء له الآخر هاتفًا بذكاء :
-نسبة ٥٥٪ من اللي نشر عنهم صاحب المنشورات دي قتلهم السفاح على مدار سنة عدت يمكن على بداية شهرة الصفحة دي، وده معناه حاجتين إما السفاح بيراقب الصفحة دي وبيقتل اللي بيتنشر فضايحهم لسبب معين وده لأن أغلب ضحايا السفاح أبناء كبار الدولة أو...
ترك سفيان الهاتف ثم اجابه بذكاء مماثل :
-أو يكون صاحب المنشورات دي هو نفسه السفاح وده الاحتمال الأقوى لاني لو زي ما بتقول محدش عارف يمسكه يبقى هو هاكر شاطر وانا بقالي فترة براقب منطقة في سيدي بشر معلوماتنا أكدت بنسبة كبيرة اني السفاح هناك لاني جثث كتير للسفاح بتترمي حوالين المنطقة، حتى فيه خمس جثث لقيناهم في المنطقة نفسها وفي عمارة من العمارات بلغ حد عنها إنه لقي دم في بير السلم كأن فيه حد كان بيسحب جثة ولما حللنا الدم ده لقينا انه فعلًا مطابق لواحدة من الضحايا اللي قتلها السفاح
-طب انتوا ليه مفرغتوش الكاميرات أكيد ظهر فيها
نطق بها يونس متسائلًا فأجابه الآخر بجدية :
-دي أول حاجة عملتها بس الكاميرات متهكرة علشان كده بقولك اني الهاكر ده احتمال يبقى هو السفاح، بينشر فضايحهم وبعدين يقتلهم بس ليه الفئة دي بالذات مش عارف
-طب انت وصلت لايه من خلال مراقبتك للمنطقة دي؟؟
-انا بقالي أكتر من شهر هناك متخفي في هيئة مستأجر عادي عرفت معلومات عن كل اللي ساكنين في المنطقة حتى أصحاب المحلات، وتالتة بس تحت الشك وكتبت تقارير عنهم وهبعتها النهاردة لمركز أمن الدولة علشان يحققوا معاهم لاني فترة مراقبتي كده خلاص خلصت
همهم يونس بتفهم ثم تساءل :
-أقدر اعرف مين هما؟! وليه بالذات التلاتة دول؟؟
عاد سفيان للخلف متكئًا على الاريكة يفكر في الأمر، معلومات أمن الدولة من الصعب مشاركتها بل يكاد يكون الأمر مستحيلًا لكن يونس يعمل معه على نفس القضية بل وقام بمشاركته معلومات الآن لذا لا ضرر في مشاركته هو ايضًا :
-أول واحد سيد متولي شاب غريب كده مش طبيعي أهله متبريين منه علشان هو ابن حرام يعني لا اب موجود ولا ام بتهتم، الواد بيشتغل في شغل على النت عايش على مكسبه بيختفي كتير بالليل وكذا مرة أحاول اراقبه بيفلت مني علشان كده حطيتوا على قائمة المشكوك فيهم، التانية هاجر حاكم
-بنت؟!
نطق بها الآخر متفاجئًا فقال سفيان ضاحكًا بسخرية :
-عملت زي كده واستبعدتها لفترة بس لما عرفت معلومات عنها حطيتها على القائمة، البنت دي الوصول لمعلوماتها كان شبه مستحيل ولما عرفت طلعت أرملة مستثمر مات من يجي شهر كده والغريب انه مات مقتول وكانوا مخبيين علشان السوشيال وسمعة شغلهم وكده، المهم البنت دي عندها اضطرابات نفسية وصرع ومريضة تهيؤات وعلى كلام الدكتور اللي كان بيعلاجها كانت بتعمل حاجات وتقول محصلش وتشوف حاجات محدش شايفها لدرجة اني حالتها كانت هتوصل لإنفصام
-بص معاك حق تشك فيها من كلامك ده لاني أغلب قتالين القتلة يا مدمنين يا مرضى نفسيين، بس معتقدش اني السفاح واحدة لاني الفيديو الحقيقي للسفاح كان صوت راجل والواد قبل ما يموت كان بيكلمه على أنه راجل؟!
-انا اصلًا هستبعدها قبل ما اسلم التقارير بس مش علشان ست أو راجل علشان أكتر من مرة تحصل جريمة القتل ويبقى عندها حجة قوية، آخر ضحية الصحافية اللي اسمها مروة في وقت موتها كانت موجودة معايا وقتها لما بلغت عني
-طب والتالت؟!
سأله يونس بفضول فقال الآخر بنبرة غامضة :
-عادل الدخيلي صاحب المنطقة نفسها شاب بارد كده لا مبالي واللي خلاني أشك فيه أنه المنطقة كلها تحت ايده ولما طلبنا منه تسجيلات الكاميرات قال إنها متهكرة رغم اني أصحاب المحلات قالوا اني مش بس المنطقة والعمارات تبعه حتى الكاميرات تحت ايده فـليه بقى ميكونش هو السفاح ومشفر الكاميرات بمعرفته ورافض يجيب متخصص علشان جرايمه، كمان في نفس المعاد اللي اتقتلت مروة فيه كان هو موجود قدام العمارة المشكوك فيها ومروة اكتشفوا جثتها في صندوق زبالة من الصناديق الكبيرة الموجودة جنب العمارة بعمارتين كده
آماء يونس ولا يعلم أبدأت تتضح الخيوط أم تتعقد أكثر :
-كده فيه اتنين هتحققوا معاهم بعد ما تستبعد اللي اسمها هاجر، تمام انت تهتم بالتحقيقات دي وانا ههتم بصفحة المنشورات بحيث لو نزل فضيحة لحد تاني يبقى تحت مراقبتنا جدًا علشان لو حد حاول يقتله واللي أكيد هيكون السفاح يبقى إحنا جاهزين للقبض عليه
هز سفيان رأسه بحسنًا معجبًا بذكاء الآخر إذ قال :
-بقيتي اذكى من الأول يا يونس وبقيت برضو بجح وغتت أكتر من الأول
ضحك يونس بسخرية ساحبًا هاتفه الذي يرن :
-من بعض ما عندكم يا سفيان ده احنا بنتعلم منك البجاحة
رد على الهاتف عندما أبصر اسم أحد زملائه في القسم :
-الو
وجاءه الرد من الناحية الأخرى بمعلومات جعلته يقفز من مكانه بسرعة جاذبًا انتباه سفيان :
-طب انا جاي حالًا مسافة السكة سلام
أغلق بسرعة معه فقال سفيان مستقيمًا من فوق الاريكة :
-فيه ايه؟!
-السفاح قتل طالبة في علم نفس وفيه شاهدة شافت اللي حصل ولسه حية الحمد لله وهى دلوقتي في القسم
اتسعت عيني سفيان بصدمة ليسحب بسرعة متعلقاته من على المنضدة مسرعًا خلفه فقال يونس قبل أن يخرج من الشقة :
-سفيان علشان نكسب وقت انا هاروح على القسم وانت روح الجامعة شوف مسرح الجريمة ممكن تلاقي دليل هناك
ورغم موافقة الآخر على هذا الاقتراح إلىٰ أنه لم يمنع لسانه من قول هذا إذ هتف بسخرية :
-اول مرة اشوف نقيب شرطة كحيان بيأمر مقدم أمن دولة؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تجلس في مكتبها المخصص في الجريدة، تدور بالمقعد المتحرك يمينًا ويسارًا دون هدى، تفكر في مكالمة يوسف منذ قليل إذ اخبرها أن تأتي مبكرًا اليوم لأنه يريد التحدث معها هو ويونس في أمر هام
حسنًا منذ كذبت عليه في رقم عمر والندم يجلدها ولا تستطيع أن تركز، هذه أول مرة تكذب على اخويها في شئ خاصةً يوسف والذي يُعتبر الأقرب لها
هى تحب يونس أيضًا، تحب كلاهما ولا تستطيع الاستغناء عن أحد فيهما فإن كان يوسف ترتاح في الحديث معه، يونس هو الأسد الذي يحميها فلطالما أتى بحقها طوال الوقت
قررت أن تحادثهم في الأمر الليلة وان تكشف سرها وإن رفضوا أن تستمر مع عمر لأنه فاقد الذاكرة سوف تذكرهم بما فعل عمر من أجلها، ليس فقط في المرة الأولى بل والثانية أيضًا حين كاد أن يفقد حياته في سبيل الدفاع عنها
لا تزال تتذكر ذلك الموقف وكأنه أمس كانت في نفس الكلية من أجل رحاب ابنة عمها أيضًا محبة التأخير تلك، لكن تلك المرة انتظرتها في مكان آخر بعيدًا عن الأنظار حتى لا يضايقها أحد مثل المرة الماضية ولكن ليتها لم تفعل
فحين وقفت في مكان بعيد قليلًا عن تجمعات الطلبة بجانب أحد المباني، لم تلاحظ وجود بعض الشباب على مقربة منها إذ كانت منشغلة في الإتصال على ابنة عمها
ألتقطت أذنها بعض الهمسات وعندما نظرت إلى مصدرها أبصرت بعض الشباب غريبي الهيئة بل ويشربون أشياء غريبة في علب صفيح ويبتلعون بها بعض الحبوب التي علمت ماهيتها من هيئتهم المربية هذه
ويلي كيف دخلوا بها إلى الجامعة من الأساس؟!
حملت نفسها وكادت أن تذهب عندما رأتهم يحدقون بها ويتهامسون عليها، لذا قررت أن تذهب إلى تجمعات الشباب أفضل بكثير من أن تظل هنا بمفردها
سارت بالفعل عدة خطوات مبتعدة لكنها استمعت إلى صوت صرخات مكتومة قادمة نحوهم وعندما دفعها فضولها للنظر ابصرت أحدهم يمسك بفتاة ويكممها والأخرى تستغيث
فزعت بشدة ونظرًا لصغر سنها وقلة خبرتها في الحياة اتجهت للفتاة حتى تنقذها دون التفكير في أن عددهم كبير، أو أن من الأفضل أن تستعين بشخص، وعندما وصلت ابتعد الشاب عن الفتاة ليتبين لرقية من هيئة الفتاة المربية أنها معهم بل نظرت إليها الفتاة ضاحكة :
-ايه يا قطة صدقتي
عادت رقية للخلف بخطوات متعثرة ولتوها فهمت أنهم فعلوا هذه الدراما لتقترب منهم، كادت أن تهرول هاربة لكنها اصطدمت في واحدٍ منه كان يقف خلفها ليلتفوا حولها محاصرين إياها ولم يكن لديها شئ الآن غير الصراخ
وبالفعل أطلقت صرخة قوية قطعها أحدهم عندما لطمها على وجهها مخرسًا إياها فسقطت أرضًا وانساب خط دماء من انفها ولكن هذا لم يمنعها من الصراخ وطلب النجدة لتتلقي ضربة قوية في معدتها من نفس الشخص الذي لطمها فقال تلك الفتاة بسرعة وهى تدفعه للخلف
-انت بتعمل ايه يا جاسر احنا قولنا هنخوفها علشان تاخد حقك من اللي عمله عمر في وشك، بس مش هنضربها بالشكل ده
دفع هذا المسمى جاسر تلك الفتاة من أمامه متجهًا إلى رقية وهو يقول دون وعي من فعل الحبوب المخدرة التي شربها :
-اوعي كده انا عمر يعملي عاهة في وشي بسببها
مال على رقية ممسكًا بخصلات شعرها بعنف رافعًا رأسها حتى ترى وجهه ليقول مشيرًا إلى أعلى أنفه إذ ظهرت آثار جرح ترك أثرًا ليس واضحًا كثيرًا للبعيد لكن يظل أثر :
-شايفة ده؟ عمر عمله علشانك وانا مش عارف آخد حقي منه علشان أبوه وأخوه شغالين في أمن الدولة فهاخده منك انتي وقضاكِ جابك لهنا يا عسل
حدقت به رقية بخوف وخافت أن تصرخ فيضربها مجددًا، ولكن حتى دون أن تصرخ قام هو بضرب رأسها بعنف في الأرض فسالت الدماء من رأسها مطلقة صرخة متألمة أتى على اثرها شابين أحدهما يكون عمر
والذي ما إن رأى تجمع بعض الشباب وهناك فتاة مسطحة أرضًا وعلى رأسها ذلك المدعو جاسر ذو السمعة السيئة، حتى تقدم بسرعة منهم رغم أنه لا يعلم من هذه لكن شهامته كرجل جعلته يهم بالدفاع عنها صارخًا بغضب :
-أبعد عنها يا حــــيوان
لحق به زميله الآخر فلن يتركه يواجه هذا بمفرده وقد فر البعض من الموجدين، منهم تلك الفتاة بينما جاسر هم بضرب رأس رقية مرة أخرى في الأرض لكن عوضًا عن هذا سقط على وجهه بعد أن رُكل بقوة
وقد كان الفاعل عمر والذي اقترب من الفتاة بسرعة يرفعها من على الأرض ليتبين له هويتها، إنها تلك الفتاة صاحبة الشعر الأسود الذي دافع عنها منذ أسابيع من هؤلاء الأوغاد
جعلها تقف معه بسرعة بينما اشتبك صديقه مع آخر كاد أن يهرب لكن تم الإمساك به :
-انتي كويسة؟!
هزت رقية رأسها بتشوش بالكاد تسمعه وقبل أن تنطق بشئ كان جاسر يلكم عمر في وجهه بقوة جعلته بترنح للخلف عدك خطوات، ثم لكمه مرة أخرى جعله يسقط، وكاد ان يهم بإعطائه ضربة ثالثة لشدة غله لكن صديق عمر قام بتقيده من الخلف بعنف والآخر تحرك بهستيريا دافعًا إياه ناحية الحائط فصاح الآخر متألمًا من قوة الدفع
أجل جاسر ليس بصاحب بنية شديدة القوة لكن في جسده مخدرات وبعض الأنواع منها ترفع الطاقة في الجسد فيصبح بقوة عشر رجال، اتجه إلى عمر الذي كان على وشك الوقوف هاممًا بتخليص حقه منه إذ رفع حجر من على الأرض منتويًا ترك له علامة كالتي تركها له
وعندما رأت رقية هذا امسكت بحجر مشابه والقته نحوه بعنف فاصطدم برأسه، استدار لها جاسر محدقًا بها في شر بأعين لم تبدو طبيعية بالنسبة إليها، عادت للخلف بفزع شديد ليمسك عمر به من اكتافه من الخلف صادمًا جسده في الحائط ثم عاد وسحب جسده ملقيًا به على الأرض بعنف
سقط الآخر ولم يقف فظن عمر أنه فقد الوعي لذا اتجه إلى رقية التي تناسب الدماء من رأسها لكنها لا تشعر بشئ الآن سوى بالرعب، اخرج من جيبه علبة مناديل ثم مدها إليها هاتفًا بنبرة هادئة لعلها تبث لها بعض الطمأنينة :
-اهدي متخافيش
-حاسب يا عـــمــر
صاح بها زميله بقوة وهو يحاول أن يقف وينقذ صديقه فاستدار الآخر بسرعة مخفيًا رقية خلف جسده ليجد نصل حاد اخترق معدته بينما حدق جاسر في عينيه بشئ من الفزع لما اقترفه، يرى الدماء تسيل بغزارة من عمر بينما صرخات رقية الفزعة تكاد تصم اذنيه
كاد أن يموت يومها بسبب ما خسره من الدماء، حتى أن الكبد تلف بعد أن صالها النصل الحاد، وقد تبرعت له والدته بفص من كبدها، هذا ما تتذكره عندما ذهبت مع والديها لزيارته في المشفى وشكره على دفاعه عنها
ولا حاجة لأن تذكر ما فعله سفيان ووالده واخيها أيضًا بذلك الجاسر الحقير
وبعد أن استعاد عمر عافيته وكأي فتاة صغيرة حمقاء في سنها أُعجبت كثيرًا بعمر وقد كانت تراقبه من بعيد، حتى أنها كانت تتحجج بالذهاب لرحاب الكلية حتى تراه، وقد كانت تلاحظ أنه يراها ويبتسم لكن لم يتجرأ ويتحدث لها
وكان أكثر يوم سعيد بالنسبة إليها حتى كادت تطير من فرط سعادتها حين أخبرتها رحاب أن عمر طلب رقم عمها محمد من أجل أن يحدد معه ميعاد يتقدم فيه لابنته لطلب يدها
خرجت رقية من فاقعتها الوردية هذه، مبتسمة الثغر على صوت رنين هاتفها وعندما ابصرت صاحب الرقم زادت ابتسامتها إتساعًا لترد سريعًا، فهذا العسكري الذي يقف على مكتب أخيها وهو من يوصل لها الأخبار التي تحدث في القسم :
-الو يا سمير فرحني بخبر ربنا يفرحك
-ضحية جديدة للسفاح مش عارف مين بالظبط بس فيه شاهدة وهى في مكتب يونس باشا دلوقتي وهو جاي في الطريق
انتفضت رقية من مكانها بسرعة مستبشرة بهذا الخبر لتقول وهى تسحب متعلقاتها من فوق مكتبها الصغير :
-يا ما انت كريم يارب ايوه كده خلوا الواحد ياكل عيش وينزل خبر يكسر السوشيال بدال اللي اتفكس ده
هرولت بسرعة خارج مكتبها تتأكد من وجود كاميرتها العزيزة داخل حقيبتها، وأثناء هذا اصطدمت في جسد رجل جعلها تتراجع للخلف كرد فعل طبيعي وقبل أن تعتذر اتاها صوته الرجولي مختلط بالضحكات :
-انتي طول الوقت كده ماشية بسرعة
ارتسمت الابتسامة على وجه رقية وانعقدا حاجبيها بإندهاش لوجوده هنا إذ قالت متسائلة :
-عمر بتعمل ايه هنا؟!
وضع الآخر كفيه في جيوب سترته الجلدية وهو ينظر حوله إلى الجريدة التي يطلب منه أخاه العمل بها :
-سفيان اخويا عايزني اشتغل هنا مهندس برمجة، مكنتش اعرف إنك شغالة في الجريدة دي بالتحديد
ورفعت الأخرى حاجبيها بذهول وقد وصل إلى عقلها أن سفيان يريد أن يجمعها به :
-بجد هتشتغل هنا؟؟
-لأ طبعًا، انا اشتغل في الجريدة المعفنة دي وابقى تحت مدير يشخط وينتر، وانا اللي يزعق فيا اخرسله صوته اللي فرحان به ده، صحيح كنتي بتجري ليه
تذكرت رقية أمر الشاهدة فدفعته بسرعة من أمامها قائلة :
-فيه جريمة حصلت تاني بس المرة دي في واحدة شافت السفاح ومتحفظين عليها في قسم المنتزه دلوقتي
ابتسم عمر بإتساع ليقول بسرعة وهو يلحق بها وقد وجد حجة للهروب من هذه المقابلة :
-طب استني جاي معاكي
وتذكرت الأخرى ما قاله سمير وأن يونس قادم إلى القسم لذا قالت بنفي وهى تمنعه من الخروج :
-لأ طبعًا تيجي فين مش انت جاي تقدم هنا روح يلا روح
رحلت بسرعة لكنها استدارت رافعة اصبعها، محذرة إياه مرة أخرى :
-إياك تيجي يا عمر
رمق الآخر طيفها بحنق شديد ثم قال :
-أقسم بالله البنت دي هبلة وانانية كمان، تقولي نبقى فريق ونكشف السفاح وفي الآخر عايزة كل حاجة لوحدها، بس ده بُعدها اخلص بس من المقابلة الشؤم ده وانطلها هناك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من سيارته متعجلًا حتى لم يبالي بركنها بل ألقى بالمفاتيح إلى أحد العساكر قائلًا :
-اركن يا ابني العربية وابقى هاتلى المفاتيح
دلف إلى القسم بخطوات سريعة يكاد يأكل الأرض تحت قدميه، لا يصدق إلى ما وصل إليه ذلك السفاح المجنون، يقتل طالبة وفي الجامعة دون خوف أو قلق، سيصاب حقًا بالجنون إن لم يمسك به
لكن ها هناك بصيص أمل من تلك الحادثة فعندما ذبح تلك الطالبة في مرحاض الفتيات كما فهم من الشرطي الذي أبلغه بالأمر، أبلغه أيضًا أنه كان في المرحاض فتاة أخرى شهدت الحادثة وقد رأت كل شئ وهي الآن في مكتبه تنتظره
الشاهدة الوحيدة التي رأت وجه السفاح الذي استغرق من وقته شهر وأكثر من أجل أن يمسك عليه شيئًا :
-يــــونــس
لم يستدر بل توقف في منتصف القسم ضاربًا وجهه بكفه لمعرفته لصاحبة الصوت جيدًا، تلك الكارثة التي هي شقيقته للأسف، كيف تعلم بالخبر وتكون في موقع الحدث قبل وجوده هو شخصيًا؟ هل تعين جواسيس في القسم هنا؟؟
استدار ليبصرها تهرول ناحيته وفي يدها كاميراتها العزيزة وعلى وجهها ابتسامة شديدة الإتساع وكأنها ذاهبة إلى نزهة رفقة والديها
وضع يد على خصره والأخرى مسح بها وجهه ليقول من بين أسنانه :
-انتي ايه اللي جابك هنا؟!
اتسعت عيني الأخرى لا تفهم كيف يسأل سؤالًا كهذا لها :
-ايه اللي جابني؟! في مكتبك دلوقتي شاهدة شافت سفاح إسكندرية اللي محدش عارف يمسكه بقاله سنتين وهي الوحيدة اللي شافت وشه، خبر زي ده مش عايزني ابقى موجودة فيه!؟
-انتي ايه اللي عرفك بالموضوع أساسًا ده انا اللي ماسك القضية لسه عارف من نص ساعة؟؟
رفعت إحدى حاجبيه تدعي الغرور وهي تعدل من لياقة سترتها الشتوية :
-يونس لآخر مرة بقولك متسألش سؤال زي ده لصحافية
-طب يا ست الصحافية انتي مش معاكي إذن يسمحلك تشوفي الشاهدة أصلًا فـ يلا زي الشاطرة ارجعي جريدتك
امسكت رقية بذراعه بسرعة قبل أن يرحل راسمة على وجهها ملامح استعطاف حيث قالت :
-بس انا اختك يا يونس
-مليش في الوسايط والله أجري بعيد
كاد أن يرحل لكنها تمسكت بذراعه مرة أخرى قائلة :
-طب بص والله مش هاخد ولا صورة هسمعها بس، سيبني استرزق وأكل عيش الله يخليك
-تسترزقي وتاكلي عيش ايه؟؟ هو احنا فارشين خضار في سوق الجمعة!؟
نادى بصوت مرتفع على أحد العساكر فاستبشرت رقية لظنها أنهم سيذهبوا الآن إلى تلك الشاهدة، ولكن خابت آمالها بل تحطمت حين قال يونس فور أن أتى ذلك العسكري الذي نادى عليه :
-خد ارمي البنت دي في الحجز
سحب ذراعه منها واتجه إلى مكتبه تاركًا الأخرى تنادي عليه ولم يهتم، فتح باب المكتب ليكون أول وجه يقابله هو أكثر وجه تمنى تمزيقه بيديه ولكن للأسف لم تسنح له الفرصة
لم يحتج الكثير من الوقت ليتعرف على صاحب هذا الوجه الارستقراطي "عاصم غانم" أكثر شخص كرهه ولا يعتقد أنه قد يأتي يوم ويصفى قلبه إتجاهه فستُ أعوامٍ لم تفعل
-ها فين الشاهدة واقف كده ليه
هتفت بها رقية بعد أن أفلتت من العسكري لقولها انها شقيقة يونس وانه كان يمزح لا أكثر، نظرت إلى الناحية التي ينظر إليها أخاه لتتسع عينيها بذهول وفقط سؤال قفز إلى عقلها
ما بال الماضي يلاحق يونس هذه الأيام؟ في البداية عايدة والآن عاصم!؟
دارت بسرعة بعينيها في المكتب لتهتف مذهولة أكثر من ذهولها لرؤية عاصم هنا :
-شروق؟؟
وأخيرًا أبعد يونس عينيه عن عاصم والذي كان يدور بينهما معركة نظرات باردة فور أن استمع إلى اسم تلك الفتاة صاحبة الحقيبة الضائعة والتي تسكن بنايتهم ولكن.. لما تبدو هكذا؟؟
دلف إلى المكتب فأدارت عينيها له وكأنها استوعبت أن الباب قد فتح من الأساس، لم تكن هي وكأنه شبح لها، عينيها جاحظة بطريقة مخيفة تشرح رعبًا قد عاشته، وجهها شاحب كالأموات ويديها ترتعش فوق قدميها وكأنها فرت من ملك الموت قبل أن يقبض روحها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
انتهت المحاضرة العملية التي اخذوها في المعمل ليبدأ الجميع في الذهاب فقد انتهى اليوم وانتهت جميع المحاضرات لجميع الطلاب، وأثناء خروج الجميع دلفت هى متخفية أسفل قبعة وكمامة لتدخل متجهة إلى وجهتها وأعينها تقدح شرارًا، بينما تُخرج من جيبها منديل سبق وسكبت عليه بعض المخدر
وأثناء انشغال عائشة بجمع أشيائها حتى تذهب وجدت فجأة من كتم أنفاسها من الخلف ثم أسقطها أرضًا، ليبدأ جسدها كرد فعل طبيعي بالانتفاض والمحاولة بالفكاك حتى أنها جرحت صاحب اليدين هذه بأظافرها
بدأت الرؤية تتشوش عندها واعصابها ترتخي لتقوم الأخرى بتركها لكن لم تبعد المنديل عن وجهها إلا عندما تأكدت أنها فقدت الوعي، دفعت جسدها أسفل الطاولة حتى لا يراها العامل أثناء إغلاق المعامل ثم امسكت بهاتف عائشة وحطمته هاتفة بغل :
-علشان متعرفيش تتصلي على حد يلحقك قبل بكرة يا زبالة
خرجت من المعمل بعدما أنزلت سكين الكهرباء حتى لا تفتح الأضواء بالليل ويخرجها أمن الكلية، وقد وسوس لها الشيطان أن هذه أفضل طريقة تنتقم منها بعدما فُصلت من الكلية وخسرت درجاتها، وقام والدها بمعاقبتها من وراء رأسها وكل هذا لأجل جملة ألقتها فقط
خرجت ولم تبالي بها أو حتى تبالي أنها قد تبقى بالداخل لأيام دون أن يصل إليها أحد، ففي ظنها أنها ستظل لليل حتى تفق وتظل تصرخ وتنادي إلى أن ينقذها أحد أو في أسوء الحالات ستظل ليوم غد حتى يأتي الطلاب
لم يأتي على بالها أن النشرة الجوية أكدت أن هناك عاصفة رعدية يوم غد لذا المدارس والجامعات وكل شئ سيكون إجازة ليوم وربما أكثر...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
كنت هنزل الفصل بكرة بس قولت أنزله النهاردة هدية للجميلة جوليا وائل على دعمها الكبير على جروبات الفيس، شكرًا يا جوليا بجد ❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
خرج من سيارته مبتسم الثغر بعدما نجح في كسب قضية أخرى تضاف إلى سجل القضايا التي نجح بها، وما يسعده أكثر أنه أصبح له اسم في مكتب المحاماة الذي يعمل به بعدما كان بالكاد يُرى وسط أكثر من عشرين غيره
حسنًا لا يأتي النجاح بسهولة فها هو على أول درجاته ولديه طريق طويل يشقه حتى يصبح ذو اسم وسط عالم المحاماة، دلف إلى البناية بخطوات شبه متراقصة يتذكر ثناء المحامي المنافس بنفسه إذ قال :
-بص انا مستغرب اني خسرت القضية قدام محامي مبتدئ زيك بس واضح انك شاطر أوي وشطارتك دي في خبثك ولفك حوالين زوايا القضية لحد ما جبت الحل انت كنت بتترافع بثقة كبيرة وأسلوب حلو، استمر حاسس في يوم من الأيام إني هسمع عن اسمك
خرج من المصعد وأخرج مفتاحه الخاصة ثم فتح الشقة ودلف ليجد مشهد لا يراه إلا في حدوث الكوارث إذ كان جميع إخوته مجتمعين في البهو وكأنهم في جنازة، حتى إن إسماعيل يجلس معهم
ألقى تحية السلام وهو لا يزال مبتسمًا ولم يسألهم عن سبب هذا البؤس حتى لا يَفسد مزاجه الجميل، فأكتفى بالجلوس على الاريكة رافعًا قدميه على الطاولة بدون اهتمام والجميع يحدق به في ذهول لمزاجه العالي هذا إذ قالت غادة بتهكم :
-ايه الفرحة المرسومة على وشك دي؟!
وزادت ابتسامة الآخر مجيبًا إياها وهو يعيد رأسه للخلف على ظهر الاريكة :
-مبسوط ومش عايز اي حاجة تعكر مزاجي لو سمحتم
-أمك هتسيب البيت وتمشي
نطق بها اخوته الثلاثة في آنٍ واحد ليس وكأنه اخبرهم منذ ثوانٍ أنه لا يريد أن يسمع شيئًا يفسد مزاجه، قهقه إسماعيل بصوت مرتفع بينما صاح حمزة وهو يحدق في اخوته الثلاثة بحنق :
-اومال لو مكنتش قولت مبسوط ومش عايز اي حاجة تعكر مزاجي كنتوا قولتولي العمارة بتولع
اخفض قدميه من على الطاولة متمتمًا بغيظ :
-منكم لله يا بعدة بوظتوا مزاج، ها احكوا ماما هتسيب البيت وتمشي ليه؟!
ولم يجد أي إجابة مقنعة من أحد إذ قالت رحمة :
-انا رجعت من الدرس لقيتها متخانقة هى وبابا
وقال كريم :
-وانا رجعت من الجامعة لقيت ماما بتحلف وتقول والله لاسيبلكم البيت وامشي
وقالت غادة :
-جيت انا واسماعيل علشان نتعشى سوا زي ما بابا قال لقيت رحمة وكريم بيقولوا ماما وبابا متخانقين ومحدش راضي يفهمني حصل ايه علشان محدش فاهم أصلًا حصل ايه
رفع حمزة حاجبه بتعجب قائلًا :
-وهما ماما وبابا فين دلوقتي؟؟
أشار كريم إلى غرفة نومهم ثم قال :
-ماما بتلم هدومها وبابا بيحاول يقنعها تهدى
وقف حمزة من مكانه متجهًا بهمة ناحية غرفة والديه حيث كانت ناهد بالفعل تجمع ملابسها وتضعهم في حقيبة بينما عثمان يأخذ ما في الحقيبة ويعيده مرة أخرى إلى الخزانة قائلًا :
-ناهد خلاص متكبريش الموضوع سيبي الهدوم مش هتمشي
اخذت الأخرى ملابسها منه صائحة بضغط نفسي شديد :
-مكبرش الموضوع يا عثمان هو مفيش رحمة لسه مرتبة كل حاجة الصبح قبل ما اطلع ارجع ألاقي البيت يضرب يقلب وكل المواعين بقيت في الحوض وكمان تقولي عازم غادة واسماعيل على العشاء وجايب أكل المطلوب مني أعمله وارتب البيت التاني وانضف المطبخ تاني وانا راجعة مهدودة من الشغل هو مفيش رحــــمـة اومال لو مكنش عيالك كبار كنتوا عملتوا فيا ايـــه
وقف حمزة أمام الباب وقد استمع إلى ما قالت والدته فقال بشكل مازح رغم جدية حديثه :
-بصي احنا ولاد ستين في سبعين ولا تزعلي نفسك ومحدش في البيت ده راحمك انا عارف، بس لو مشيتي البيت هيتقلب حريقة من غيرك علشان انتي عمود البيت
سحب مفتاح الغرفة ثم أغلق الباب بالمفتاح هاتفًا بصوت مرتفع من الخارج :
-دكتور عثمان حل بقى علشان مش هخرجكم من الاوضة غير وانت مصالحها، إن شاء الله تجيب اخ رابع لينا
توجه إلى البهو حيث كان يقف الجميع وقد استمعوا لكل ما قيل لتقول رحمة بذهول :
-هو انت بجد قفلت عليهم بالمفتاح
وضع حمزة المفتاح في جيبه مجيبًا عليهم بنبرة هادئة :
-آه الحل سهل نقفل عليهم يعملوا اللي يعملوه جوا وفي الآخر هيطلعوا متصالحين، إن شاء الله يقعدوا تلات أيام جوا
تحدثت غادة وهى تنظر إلى إسماعيل :
-يبقى كده يا إسماعيل اعتقد مفيش عشاء تيجي نروح
وقبل أن يجيب إسماعيل كان حمزة يصرخ بهما بصوت افزعهما عن حق :
-تروحوا فين اقسم بالله ما حد هيروح في حتة قبل ما البيت ده يتعمل
أشار إلى غادة قائلًا بأمر :
-تاخدي اختك دي وتدخلوا المطبخ تنضفوا وتعملوا أكل وانت يا كريم يا بتاع الكورة هات المكنسة واعتبر البيت ماتش والعب فيه وانت يا إسماعيل
أشار إسماعيل إلى نفسه مذهولًا فهل سيجعله هو أيضًا يعمل بينما قال الآخر بأمر :
-يا تغسل الغسيل يا ترتب البيت مع كريم اختارلك حاجة من الاتنين
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أعادت خصلة من خصلات شعرها شديدة النعومة خلف أذنها وهى تفرك يديها بتوتر بينما عينيها تتجول في أرجاء المنزل ليس وكأنها عاشت هنا لستِ أعوام، لكنها بدأت تشعر وكأنها غريبة عنه
وقفت بسرعة عندما وجدت سيدة المنزل قد أتت متقدمة نحوها بخطى ثابتة ثم وقفت أمامها لتمد يدها بهدوء مصافحة يد طليقة ابنها :
-أهلًا يا عايدة خير زياراتك بقيت كتيرة يعني وانتي مطلقة دلوقتي وانتي عارفة المطلقة بالذات لازم تحافظ على سيرتها كويس
دهشت عايدة لوقاحتها المقصودة هذه لكنها حاولت الابتسام قائلة :
-بس انا وعاصم هنرجع لبعض
وشعرت الأخرى بصدمة شديدة جعلتها تجلس على الاريكة الفاخرة في بهو منزلها، مرددة بذهول :
-نعم هترجعوا لبعض؟!
هزت عايدة رأسها بأجل وهى تجلس كما كانت ثم اضافت :
-آه انا اتكلمت معاه في الموضوع وهو قالي هفكر
ضحكت والدة عاصم بسخرية والآن فهمت الأمر :
-اها هيفكر ازاي يرفض من غير ما يجرح مشاعرك، طيب اوي عاصم دايمًا أقول أنه أطيب اخواته مع أنه اكبرهم
لم تفهم عايدة ما ترمي اليه بينما شرحت له الأخرى وهى تحاول أن تجعل نبرتها هادئة قدر الإمكان لكن خرجت منها مبطنة بنبرة مستهزئة :
-بصي يا حبيبتي عاصم مش هيرجعلك لأنه ببساطة قالي من تلات اربع أيام كده إنه بيحب واحدة وعايز يتجوزها اسمها شروق تقريبًا
صعقت عايدة مما قالت بينما اكملت الأخرى غير راحمة صدمتها هذه :
-مش هيرجعلك يا عايدة علشان كده متفتحيش الموضوع ده تاني
نفس الجملة تسمعها للمرة الرابعة، نفس الجملة الرافضة لها مرة من يونس ومرة من رقية وأخرى من يوسف والآن من عاصم، تعرضت للرفض للمرة الرابعة؟!
ابتلعت لعابها بصعوبة تشعر أنها تبتلع شفرات حادة لتقف حافظة ماء وجهها والمتبقي من كرامتها بعد رفض والدة عاصم الصريح لتقول بنبرة خافتة مهتزة :
-بعد إذنك انا همشي
توقفت على صوتها إذ أوقفتها الأخرى قائلة :
-عايدة انا لما جوزتك لابني كنت شايفة فيكي واحدة جميلة محترمة رغم إني اهلك كان باين عليهم انهم طمعانين، ورغم اني طمعهم بان أكتر مع الوقت بس عاصم قال هديكي فرصة وانتي اللي ضيعتيها لما اتغيرتي للأسوء
ختمت حديثها مشيرة إليها من الأعلى إلى الأسفل بالأخص إلى ملابسها مستكملة :
-لو شوفتي صورة قديمة ليكي ودلوقتي هتشوفي فرق فظيع، مش كل الأغنية أخلاقهم منحلة وانا مش بشك في شرفك وإنما لبسك اتغير ١٨٠٪ من الستر للعُرى، وابني راجل واتكلم معاكي أكتر من مرة بس حضرتك كنتي عايزة تعيشي الحياة المرفهة للطبقة المخملية وأدي النتيجة
خرجت عايدة دون الاستماع إلى كلمة أخرى منها، متجهة إلى سيارتها ولم تجلس تبكي بها بل على النقيض انطلقت بسرعة مخيفة وقد فتحت سقف السيارة جاعلة الهواء يتخللها لعل الهواء يطفئ من حرارتها التي تنبعث من كل جسدها
العيب بها هى؟!
جملة تردد صداها في عقل عايدة وكلام والدة عاصم الاخير يتردد في ذهنها مع صوت آخر ليوسف عندما ذهبت إليه في محاولة أن تجعله يساعدها في العودة إلى يونس وقابلها برفض، ربما أشد من رفض رقية ويونس إذ قال :
-عايدة احنا اتخلقنا في الدنيا دي علشان نختار ونندم على اختياراتنا علشان مش كلها بتبقى صح، وانتي اختارتي واتحملي اختيارك وبصراحة واعتبريها نصيحة مني متقلبيش في الماضي وشوفي مستقبلك وحاولي تغيري من نفسك انا معرفتكيش يا عايدة انتي اتغيرتي للأسوء
لم تكن تريد سوى أن تشعر أنها مرغوب بها لكن يبدو أنها بالفعل بالسوء الذي يراها الجميع به، ودعوني قليلًا أروى قصتي من منظوري لكم لربما لا تتخيلوني بالسوء الذي انا به
انا عايدة عبد العزيز
فتاة مثل ملايين الفتيات تحلم منذ مراهقتها عندما تكون في منزل والدها بفتى الأحلام الذي ستعيش معه في تبات ونبات كما يقولون لكن لم تكن الحياة بهذه الوردية التي يحلم بها جميع الفتيات
كاد الأمر أن يسير على هذه الوتيرة إذ تقدم لها عندما كانت في الثانية والعشرون من عمرها شاب وسيم يقربها في العمر يُدعي يونس هواري يدرس في كلية الشرطة ومن عائلة ثرية، وافقت عليه وتم قراءة الفاتحة
وقد علمت منه أنه كان معجب بها كثيرًا منذ الثانوية ولم ينتظر أن يكمل الكلية وتقدم لها، لقد كان يونس يحبها كثيرًا وهى كانت سعيدة بهذا الحب رغم عدم مبادلته لكن مثل أي فتاة تحب أن تتلقى الإهتمام والحب
ولكن لم يكتمل الأمر إذ قبل أن تتم خطبتها من يونس بشكل رسمي تقدم لها شاب آخر يدعي عاصم سعيد غانم وكان أكثر ثراءً من يونس إذ كان والده تاجر ذهب وعندما علما والديها بهذا الأمر جُنا بالمعنى الحرفي
حتى أنهما قبلا به دون الإهتمام بأمر يونس وعندما اعترضت عن الأمر مذكرة اياهم بأنها شبه مخطوبة ليونس الآن ثارت والدتها عليها إذ قالت :
-يونس مين يا بت بقولك عاصم ابوه تاجر دهب انتي متخيلة هينقلك وينقلنا ازاي
-ايوه يا ماما بس يونس مش فقير
لوت والدتها شفتيها بتهكم قائلة :
-ماشي يا اختي يونس مش فقير وابوه معاه كتير وشريك في عمارة في ميامي بس عاصم أغنى بكتير
-بس يونس بيحبني اوي يا ماما أما عاصم ده عايز يتجوزني جواز صالونات
-يا حبيبتي الحياة مفيش حاجة فيها بتمشي بالحب كله بيمشي بالفلوس، ثم الحب قبل الجواز ده مدة صلاحيته بتنتهي بسرعة وانت وشطارتك مع عاصم بالمعاملة الكويسة تكسبيه وهيحبك وتحبيه ويبقى معاكي حب وفلوس
لم تقتنع بالأمر ببساطة لكن والدتها ظلت تلح عليها وكما يقول المثل "الزنن على والودان أمر من السحر" وانتهى الأمر مع يونس بأن جعلتها والدتها ترسل له جميع الهدايا وتخبر شقيقته أن لا نصيب لهما ثم اغلقت خطها تمامًا
وبعد أسبوع واحد تمت خطبتها لعاصم وبعد شهر تم الزواج وقد كان عاصم شاب وسيم ومحترم لم ترى منه سوءًا وهو كان يتقبلها رغم أن زواجهما زواج صالونات كما قالت
كانت الحياة جميلة بشدة وقد استفاد والدها أكثر من هذا النسب إذ ارتفع في المجتمع بعدما كانوا ضمن الطبقة المتوسطة، وهى أيضًا شعرت بإختلاف شديد، إذ بدأت تتعرف على سيدات المجتمع الراقي وقد تغير اسلوبها وشخصيتها
لقد تعلمت من صديقاتها الجدد أسلوب جديد سواءً في طريقة تحدثها أو أسلوب ملابسها الذي تغير من البساطة إلى الأناقة والجمال من وجهة نظرها، وقد بدأت تقلدهن في كشف أجزاء من جسدها تحت مسمى جميع سيدات المجتمع يرتدين هكذا، هذا المسمى الذي يأخذنه جميع هذه الطبقة كحجة
ومع الوقت بدأ يتضايق عاصم من تغيرها في طريقة ملابسها وخروجها الكثير مع صديقاتها والسهرات، وقد تضايق أكثر عندما علم بأمر يونس حتى أنهما تشاجرا
وبدلًا من أن تراجع نفسها روت الأمر لصديقاتها وكان الرد منهن ساخرًا إذ كان
-ده عايز يعمل عليكي راجل يا حبيبتي واحنا مبقناش في زمن سي السيد، يتحكموا فينا ونسكت يزعقوا ويضربوا ونسكت، إحنا في زمن المرأة دلوقتي، اوعي تسبيه يتحكم فيكي ويقولك اعملي ايه ومتعمليش ايه
وبكل غباء انصاعت خلفهن وكثرت المشاكل وإهمالها لعاصم واهتمامها بنفسها وتجربة كل ما حرمت منه، فحياة الطبقة المتوسطة مختلفة اختلاف جذري عن حياة الطبقة الثرية
لتتفاجئ في يوم من الأيام أنها حامل وهذا بعد أن كانت تؤجل الأمر رغم رغبة عاصم في إنجاب طفل، لكنها كانت تود أن تعيش حياتها قليلًا قبل أن تدخل في مسؤليات الأطفال، سعدت هى وعاصم بالخبر وقلت المشاكل كثيرًا بينهما وانجبت طفلة جميلة اسموها تالين
لكن لم يلبث الأمر كثيرًا إلا وعادت لصديقاتها واهتماماتها هى، بالكاد كانت ترى عاصم وابنتها وهذا لأن أصحاب الطبقة الثرية لديهم خدم يربون الأطفال نيابةً عنهم، وظلت على هذا الحال إلىٰ أن تفاجأت في يوم بطلاقها من عاصم لتسأل نفسها كيف حدث هذا وما الخطأ الذي ارتكتبه
ظلت أسبوعين بمفردها تراجع نفسها بعيدًا عن الجميع حتى عن والديها الذين شعرا بالسخط لطلاقها وهى لا تزال في زهرة شبابها، بل ولأنها خسرت رجلًا كعاصم
وظلت هكذا إلىٰ أن افتقدت الإهتمام والشعور بأنها مرغوب بها لتشعر بالحنين إلى الماضي، إلى يونس
لتحاول العودة إليه مرة أخرى وانتم تعلمون ماذا حدث بعدها
كانت تريد فقط أن تشعر بأن هناك من يحبها لكن الجميع رفضها لأن العيب بها ولا أحدًا سواها
توقفت بسرعة بالسيارة عندما غامت عينيها بالدموع فخشيت أن تصطدم أحدًا، نظرت حولها إلى المنطقة لتجد أنها قريبة كثيرًا من قسم الشرطة الذي يعمل به يونس
أعادت تشغيل السيارة وانطلقت بها إلى هناك، لا تعلم ماذا ستفعل أو ماذا ستقول لكنها تود حقًا الإعتذار منه على ما بدر منها في حقه وحق مشاعره فلم يكن يستحق يونس ما فعلته به
توقفت أمام القسم وهبطت من السيارة متجهة بخطوات مترددة إلى الداخل، لتتجه مباشرةً إلى مكتب يونس حيث وجدت الباب مفتوحًا ولا يوجد عسكري، وقبل أن تدلف أصابها الذهول مما ترى
عاصم ويونس في مكانٍ واحد، هذا اللقاء لم تتوقع أن يحدث يومًا
حاولت فهم ما يحدث وما تلك الفتاة التي تجلس بينهما ويبدو الضياع والخوف على ملامحها بينما يونس وعاصم كلاهما يقفان ندًا لند والتحدي يظهر داخل نظراتهمابوضوح، ليقول عاصم بنبرة شديدة الحنو وهو يهبط قليلًا لمستوى تلك الفتاة هامسًا باسمها وبنبرة حانية جعلتها تدرك أن هذه هى الفتاة التي يحبها عاصم :
-شروق انا فاهم إنك مصدومة دلوقتي وخايفة تتكلمي وانا مش هخلي حد يضغط عليكي
جذب يونس المقعد الذي كانت تجلس عليه شروق هاتفًا بغضب :
-وانت مالك يا بني آدم انت؟! انت اصلًا ايه اللي مقعد هنا؟ بصفتك مين؟! لا انت من الشهود ولا ظابط ولا حتى ولي أمرها
وصاح به عاصم وقد تخلي عن رُقيه بعدما استشعر نبرة غيرة من يونس وكأن شروق تخصه هو :
-انا الدكتور بتاعها وانا اللي جبتها هنا وهى دلوقتي في صدمة متقدرش تستجوبها
-طب يا سيدي شكرًا لانك جبتها هنا انا ابقى قريبها وساكن في نفس العمارة اللي ساكنة فيها ولو مش مصدق اسألها، يعني حضرتك اتفضل كده وانا هستجوبها واوصلها البيت بنفسي
-مش هتستجوبها دلوقتي بقولك، انت مش بتفهم ولا ايه
استمعت عايدة إلى صراخ رقية بهما وقد كانت تواليها ظهرها أي لم ترها لتسمعها تقول ما جعلها تُصعق لا تُصدم فقط :
-هو انتوا هتتخانقوا والبنت وسطكم، هتعيدوا الزمن تاني زمان عايدة ودلوقتي شروق؟!
-عن إذنك يا آنسة
نطق بها شاب ضخم لم تتعرف عليه عايدة إذ دفعها جانبًا ثم دلف إلى الداخل بينما هى ذهبت بسرعة قبل أن يراها أحد مستقلة سيارتها، ثم عادت بسرعة إلى منزل والدها الجديد الذي اشتراه كي يليق بمركزه الجديد فهو نسيب تاجر الذهب الأشهر في الإسكندرية، أو لنقول سابقًا
صعدت بسرعة إلى غرفتها لا تستوعب أنها خسرت عاصم وخسرت يونس والآن كلاهما يريدان نفس الفتاة؟! تذكرت تلك الفتاة والتي رأتها قبلًا في مكتب يونس، تلك الفتاة ذات الملابس الأزهرية الفضفاضة، والحجاب الواسع، تكاد تجزم أن لا شئ كان يظهر منها سوى وجهها وكفيها
وقفت أمام المرآة تحدق في نفسها وتسأل ذاتها ما الأفضل في شروق ليس موجود به، إنها أجمل منها بكثير، لكن يونس وعاصم لم يبصرا بها الجمال بل نظروا للشئ الذي ينقصها هى.... الاحتشام والأخلاق
فتحت خزانتها تتطلع إلى ملابسها لتبدأ بسرعة في إخراج جميع ما تملك من فساتين قصيرة أو كاشفة أو بناطيل ضيقة وملابس لا تلائم أبدًا فتاة مسلمة
وضعتهم جميعًا على الأرض ثم جلست بينهم وأخذت تمزق بهم وهى تتذكر كلام والدة عاصم الذي يكوي ضميرها لتصرخ بجنون وهى تبكي وتمزق في الملابس :
-انا مش عايزة ابقى كده، انا مش وحــشــة مش عايزة ابقى كــــده
أتت والدتها بسرعة على صراخها وعندما وجدتها تمزق في الملابس بتلك الطريقة صرخت بها قائلة :
-ايه اللي بتعمليه ده؟! بتقطعي الهدوم كده لـــيـه
وصاحت بها الأخرى بغضب شديد وبدت غير واعية بما تفعل :
-اطلعي برا يا ماما اطلعي برا، سيبيني في حــالـي
دفعتها للخارج واغلقت الباب من الداخل ثم عادت تمزق في الملابس وتصرخ، ووالدتها تطرق على الباب بعنف مرتعبة على ابنتها والحالة التي بها وكأن أصابها الجنون
ولم تهدأ الأجواء إلا بعد ساعة من صراخ عايدة وصراخها هى أيضًا فظنت أنها غفت لذا ابتعدت عن الباب، بينما كانت عايدة تضم نفسها أرضًا كالجنين بين قصاصات الملابس ودموعها أفسدت وجهها بعدما اختلطت بالكحل الأسود الذي كانت تزين به عينيها
ولم تغفو إلا بعد معاناة وآخر سؤالٍ قد طرحه عقلها عليها، هل لا تزال لديها فرصة لتتغير إلى الأفضل وتصبح مرغوب بها؟ أم غرقت في الفساد ولا نجاة لها....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أما في القسم وقبل عشرِ دقائق من وصول عايدة عندما تفاجأ يونس ورقية بأن شروق هى الشاهدة، وكان الأكثر مفاجأةً بالنسبة إليه هو وجود عاصم معها
دلف يونس إلى الداخل دون إلقاء أي بال لعاصم بينما الآخر حدق به وقد تعرف عليه بسهولة، أجل لم يقابله من قبل لكن يعلم اسمه كاملًا "يونس محمد هواري"
وهذا الاسم كُتب على مقدمة المكتب الذي يجلس أمامه، إذًا مَن أمامه الآن هو يونس خطيب طليقته والذي كان يحبها حبًا جمًا وهو أخذها منه
وقف يونس أمام شروق مواليًا ظهره لعاصم محدقًا في عينيها المرتعبة وهو يشعر بالأسى عليها يبدو أنها رأت ما لا يجب أن تراه :
-شروق
همس باسمها بخفوت حتى يجذب انتباهها، رغم أنها تنظر إليه لكن يبدو أنها لا تراه، اقتربت رقية منها واضعة كفها على كتف الأخرى فانتفضت شروق من مكانها برعب حقيقي، وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة تهدئها كان عاصم يدفع يونس من أمامه بخفة حتى يصبح هو أمامها وبشكل عفوي منه مد يده وامسك بكفيه كفيها الباردين يشعر بخوف شديد عليها :
-شروق اهدي اهدي متخافيش
ولم يلبث لثواني إلا ووجد كف خشن يدفعه بعيدًا عنها ووقف أمامه يونس يطالعه بشرر يقدح من عينيه :
-ايه ده بقى؟ انت بتمسك ايديها عادي مفيش احترام حتى لخمارها اللي لابساه ده
عقد الآخر حاجبيه لا يفهم سر غضبه هذا ولكنه حاول أن يخفض صوته وأن تكون نبرته هادئة إذ قال :
-انا بحاول أهديها هى مش واعية بنفسها عندها صدمة عصبية لأني لحد دلوقتي مدتش رد فعل من اللي شافته، دي شافت واحدة بتدبح قدامها
حدق يونس في شروق خلفه التي اخذت رقية تهدئ بها، ثم عاد بنظره إلى عاصم متسائلًا :
-هو انت كنت موجود أثناء وقوع الجريمة دي؟؟
-لأ انا كنت في محاضرة بس اللي شافوا اللي حصل قالوا إنهم سمعوا صوت صريخ من الحمام ولما كسروا الباب لقيوا فريال ودي طالبة في سنة رابعة مدبوحة على الأرض وشروق جوا واحد من الحمامات وكانت في حالة من الصدمة وتقريبًا شافت اللي حصل
استدار يونس بشكل كامل إلى شروق لينظر إلى عينيها بتركيز شديد قائلًا :
-انتي شوفتي القاتل يا شروق
ولم يتلقى منها اي رد بل بدت وكأنها تسبح في ملكوت آخر، فقال يونس بتركيز شديد يميل عليها قليلًا وهو يستند بكفه على سطح المكتب :
-طب تعرفي توصفي شكله، صوته، سمعتيه قال حاجة للبنت اللي ماتت
بدأ يونس يطرح عليها الكثير من الأسئلة ضاغطًا على أعصاب شروق بدون قصد، فصاح به عاصم وقد تخلى عن هدوءه بسبب طريقة يونس هذه إذ دفعه بعيدًا عنها بخفة، ثم قال :
-لو سمحت مش هينفع كده انت بتضغط على اعصابها
وقف يونس ينظر إليه بحدة والآخر بحدة مماثلة بينما شروق تجلس على المقعد بينهما تشعر بضياع وكأنها لا تعي ما يحدث حولها
ابعد عاصم عينيه عنه ثم تحدث بنبرة شديدة الحنو وهو يهبط قليلًا لمستوى شروق هامسًا باسمها وبنبرة حانية :
-شروق انا فاهم إنك مصدومة دلوقتي وخايفة تتكلمي وانا مش هخلي حد يضغط عليكي
جذب يونس المقعد الذي كانت تجلس عليه شروق هاتفًا بغضب :
-وانت مالك يا بني آدم انت؟! انت اصلًا ايه اللي مقعد هنا؟ بصفتك مين؟! لا انت من الشهود ولا ظابط ولا حتى ولي أمرها
وصاح به عاصم وقد تخلي عن رُقيه بعدما استشعر نبرة غيرة من يونس وكأن شروق تخصه هو :
-انا الدكتور بتاعها وانا اللي جبتها هنا وهى دلوقتي في صدمة متقدرش تستجوبها
-طب يا سيدي شكرًا لانك جبتها هنا انا ابقى قريبها وساكن في نفس العمارة اللي ساكنة فيها ولو مش مصدق اسألها، يعني حضرتك اتفضل كده وانا هستجوبها واوصلها البيت بنفسي
-مش هتستجوبها دلوقتي بقولك انت مش بتفهم ولا ايه؟؟
وهنا تدخلت رقية صائحة بهما، تشعر بالشفقة على شروق بينهما :
-هو انتوا هتتخانقوا والبنت وسطكم!! هتعيدوا الزمن تاني، زمان عايدة ودلوقتي شروق؟!
قطع هذه الأجواء دلوف سفيان إلى المكتب وقد لاحظ أن الأجواء مشحونة، كما أنه استمع إلى جملة رقية لكنه لم يفهم مغزاها الخفي لذا قال منتحيًا عن الأمر فهذا ليست وقته :
-فين الشاهدة اللي اسمها شروق؟؟
اتجهت الأعين نحوه ليقول يونس متعجبًا وجوده هنا وليس في الكلية أي في مسرح الجريمة :
-انت بتعمل ايه هنا؟! ليه مروحتش الجامعة؟؟
-انا لسه جاي من هناك فعلًا والظابط اللي هناك بلغني إني الجثة اتنقلت للمشرحة والشاهدة اللي كانت في الحمام لما وقعت الجريمة اتنقلت للقسم وبالنسبة للقاتل طلبت تفريغ كل الكاميرات لعل وعسى نعرف شكله مع اني أشك إني ده مش السفاح
-هو
نطقت بها شروق بصوت خافت جعلت حواس الجميع تنتقل إليها لتقول رقية بسرعة وهى تقترب منها :
-هو السفاح يا شروق انتي متأكدة؟؟
نظرت إليها شروق بأعين زائغة تتذكر تلك الجملة التي نطق بها، والتي هى نفسها التي سمعتها من الفيديو الذي نشره السفاح قبل أن يقتل إحدى ضحاياه، ذلك الفيديو الذي شاهده الجميع وهى من ضمنهم :
-بلغي سلامي لأبويا لما تروحي جهنم يا فريال، قال كده، هو السفاح
اقترب منها سفيان بسرعة وها هو السفاح الحقيقي قام بخطأ سوف يوقعه، وهو كان ينتظر هذا الخطأ منه بفارغ الصبر :
-طب انتي شوفتي شكله؟؟
هزت رأسها بأجل فقال يونس بتركيز أشد :
-تعرفي توصفي شكله يا شروق انا هطلب رسام
-وليه رسام انا هوريها صور اللي انا شاكك فيهم يمكن يطلع واحد منهم
نطق بها سفيان وقد هم بإخراج هاتفه حتى يتصل على مساعده يرسل له الصور بينما شروق عادت تتخيل وتتذكر ما حدث لترفع يديها الملطختين بالدماء وإذ بتنفسها يضيق بشدة وبالكاد تشعر أنها تلتقط انفاسها
علىٰ صوت شهقاتها وعندما لاحظت رقية هذا علمت أنها تمر بنوبة ضيق تنفس فصاحت بالجميع أن يخرجوا حتى تفك عنها حجابها :
-اطلعوا برا هى مش عارف تتنفس
خرج الثلاثة بعد أن رأوا حالتها هذه ليقول عاصم بغضب شديد :
-قولتلكم متضغطوش عليها لسه في صدمة عصبية مينفعش تستجوبوها دلوقتي خالص، على الأقل لحد ما تهدى وده أشك انه هياخد أيام
تنهد يونس ولا يعجبه أن يوافقه في الرأي لكن ما باليد حيلة :
-سفيان الصور معاك انا هحاول على الأقل اخليها تشاور على واحد فيهم لو هو القاتل
هز عاصم رأسه نافيًا هذا الاقتراح أيضًا :
-ايًا يكن الصور دي، لو القاتل واحد فيهم هتتعرض لإنهيار عصبي شديد
-هو انت دكتور نفسي؟؟
تساءل بها سفيان متعجبًا طريقته ليقول عاصم بإيجاب :
-انا أخصائي نفسي بس بتدرس في كلية الآداب قسم علم النفس
-طب انت ايه علاقتك بالجريمة؟؟
تنحنح عاصم فهل سيقول أنه أتى مع شروق خوفًا عليها وأنه ارتعب عندما رآها وسط الدماء في المرحاض :
-احم انا مليش علاقة الجريمة ومشوفتهاش
-خلاص اتفضل شكرًا لخدماتك
نطق بها يونس وهو يرسم على وجهه بسمة بدت مصطنعة بشدة فقال عاصم مندهشًا من وقاحته هذه :
-هو فيه ايه؟! كل شوية تطرد فيا، هو علشان انت ظابط هنا فاكر القسم كله بتاعك، انا مش همشي علشان تفضلوا تضغطوا عليها لحد ما تنهار منكم
أشار يونس إلى الداخل بكفه هاتفًا بسخرية وحِدة :
-ما تدخل تستجوبها انت؟! ما الباشا فاكر نفسه وكيل نيابة بقى
-هو انتوا الاتنين بتحبوا البنت دي؟!
نطق بها سفيان ملقيًا هذا السؤال بجرأة معروفة عنه فهو صريح لأبعد الحدود ولا يبالي بالحديث الذي يقوله مهما كان
نظر عاصم ويونس لبعضهما متفاجئيّن من سؤال سفيان هذا
عاصم لم يكن يعلم أن هناك رجل آخر يكن لشروق مشاعر لكنها لا ترتدي خاتم خطبة إذًا لا تزال عزباء، ويجب أن يسرع في أمر التقدم لطلب يدها ما دام هناك آخر يريدها وهو يجب أن يسرع
بينما يونس يعلم أن لا مشاعر الآن لديه بإتجاه شروق، هى قد بدأت تشغل جزءًا من تفكيره مؤخرًا لكن عاصم يبدو أنه حقًا يريدها وهذا ما سيجعله يتمسك بشروق، فحتى إن كانت مشاعره لا تزال غير مفهومة بالنسبة إليه لكنه لن يتركها لعاصم ويتنازل كما تنازل سابقًا
وعندما رأى سفيان الصمت منهما اتجه إلى الباب طارقًا عليه حتى تفتح رقية بعدما أغلقته، تزامنًا مع قوله :
-طالما سكتوا يبقوا انتوا الاتنين بتحبوها وفي الحالة دي اطلعوا منها انتوا الاتنين وانا اللي هستجوبها
فُتح الباب بسرعة قبل أن يطرق لتخرج رقية مهرولة، فقال يونس بقلق من سرعتها هذه وقد خشى أن يكون مكروهًا أصاب شروق بالداخل :
-رقــيــة فيه ايه؟!
بينما الأخرى لم تجيب بل لم تسمعه وصوت عمر يصدح من هاتفها الذي تمسكه يقول من على الناحية الأخرى وهو يخرج من سيارة الأجرة متجهًا إلى القسم :
-انتي يا بنتي روحتي فين انا قدام القسم
توقفت رقية أمام الباب الداخلي للقسم، أمام الدرج بالتحديد، وقد ابصرت عمر مر من البوابة دخولًا للداخل فهبطت على الدرج بسرعة تمنعه من الدخول، وهذا لأن يونس إن رآه قد يحدث ما لا تتوقعه وما لا تحسب له حساب :
-عمر استنى
وقفت امامه بسرعة تمنعه من إكمال الدرج بينما عقد الآخر حاجبيه يسمعها تقول وهى تسحبه خلفها للأسفل :
-تعالى تعالى متطلعش
سحب عمر يده منها متعجبًا حقًا اسلوبها هذا من أول يومٍ تعاملت معه، تتحدث وتتعامل معه بأريحية ليس وكأنها تعلمه من أسابيع فقط بل وكأنها تعلمه منذ سنوات، كما أنه لم يمرر وجودها في منزل جدته ومحاولة جدته إخفاء كيفية وجودها وإدعائها انها ابنة عمته رغم أنها أول مرة ترى رقية
أو ربما ليست أول مرة فهناك شئ يحاك من خلف ظهره له علاقة بهذه الفتاة، وبالطبع طلب سفيان أن يعمل في نفس الجريدة التي تعمل بها ليس من محل الصدفة
وهو مستمر في جعلها في حياته حتى يعلم ما خلفها وليس لكشف السفاح كما طلبت هى، فطريقة دخولها لحياته وسرقتها للفلاشة مريبة بالنسبة إليه، والمريب أكثر هو تصرفاتها هذه الأيام ومحاولاتها لإبعاده عن أي شئ يخص السفاح سواءً هنا أو آخر مرة منذ يومين
وهناك شعور داخلي يخبره أن الأمر بعيد كل البعد عن السفاح فهناك ما تخفيه رقية ولا تود أن يعلمه هو، لذا تحدث بنبرة حادة فور أن سحب ذراعه منها قائلًا :
-هو فيه ايه بالظبط ها؟! ايه مخبياه ومش عيزاني اشوفه؟؟
ختم حديثه وهو يصعد مرة أخرى متجهًا إلى الداخل لكن عادت رقية وسحبته مرة أخرى بقوة تعجب لها حتى أن نبرتها كانت متوترة خائفة اثارت الريبة أكثر وأكثر بداخله :
-لا متدخلش ما اصل اصل الشاهدة مطلعتش في القسم ده، طلعت في مكان تاني تعالى هنروح هناك
زادت في سحبه للأسفل فأنصاع الآخر إليها مندهشًا لهذا، ليصدح فجأةً صوت جمد رقية في مكانها وقد شعر أن كفيها تيبسا حول ذراعه :
-رقــــيــة
استدار عمر للصوت ليجد أن صاحبه هو يونس شقيق رقية وقد كان يقف أمام الباب في نهاية الدرج وعندما رآه اتسعت عينيه مصدومًا وكأنه ابصر عفريتًا أو ما شابه، عاد ببصره إلى رقية ليجدها تحدق في أخيها برعب والصدمة والخوف مرتسمين على وجهها الذي بهت بشدة وكأن الدماء ما عادت موجودة به...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ربطت خصلات شعرها جيدًا ثم وضعت فوقهم البندانة حتى تلف عليها الحجاب وأثناء هذا لاحظت انعكاس زوجها في المرآة يقف أمام الباب وقد كان يحدق بها مبتسم الثغر
استدارت إليه بعدما أنهت ارتداء حجابها، تسأله عن سر تحديقه هكذا :
-مالك يا إسماعيل فيه ايه؟!
واجابها الآخر بنبرة حانية بشدة وهو يتقدم إلى الداخل بعدما تأكد أن لا أحد في الغرفة غيرها :
-شكلك بقى أحلى بالطرح الكبيرة متلبسيش تاني طرحة صغيرة
وكعادة الأخرى العنيدة لم توافق بسهولة بل همهمت بمراوغة وهى تنظر إلى نفسها بالمرآة :
-هفكر
اقترب إسماعيل منها ضاممًا جسدها من الخلف وهو يستند بذقنه على كتفها هاتفًا بتذمر :
-اخوكي خلاني امسح الأرض يرضيكي كده، وانا كنت فاكر حمزة أكيت واحد في العيلة، ده طلع مفتري
عضت غادة شفتيها تنظر بطرف عينيها إلى شقيقتها التي كانت تجلس على المقعد أمام مكتبها الصغير وعلى الأرجح لم يراها زوجها وإلا ما كان ليفعل هذه الحركات :
-إسماعيل احنا مش في البيت عيب
-طب يلا نروح البيت
وفي هذه الأثناء دلف كريم إلى الغرفة وعندما أبصر هذا المشهد شهق بقوة شهقة جعلت إسماعيل يبتعد بفزع عن غادة وعندما ابصره كريم صاح بغيظ قائلًا :
-ايه يا كريم مش تخبط
-اخبط على ايه يا اخويا هو انت فاكر نفسك في اوضة النوم، ثم عيب قلة الأدب دي متتعملش هنا
ورفع الاخر حاجبيه مرددًا بذهول :
-قلة أدب ايه دي مراتي، ثم محدش كان في الاوضة غيرنا انت اللي دخلت زي قطر من غير سواق
وتحدثت رحمة من خلف المقعد الذي تجلس عليه مسببة لإسماعيل صدمة :
-وانا ايه يا إسماعيل كيلو طماطم؟!
أشار إسماعيل إليها محدثًا زوجته بذهول إذ قال :
-هى كانت معانا في الاوضة وانا مكنتش شايفها؟!
آماءت غادة ضاحكة ليقول إسماعيل وهو يضع يدها داخل ذراعه :
-خلاص نروح بيتنا أحسن نتستأذن إحنا واه لؤي الصغير هيبات معاكم النهاردة
ختم حديثه ومر من جانب كريم والذي هتف بصوت مرتفع اندمج بالضحكات :
-لو ناويين على بيبي جديد هيبقى اسمه كريم يا إسماعيل ماشي
وافقه إسماعيل مودعًا إياه وعندما خرجوا من المنزل وجدوا حمزة في الخارج يضع كيس القمامة في الحاوية الصغيرة بجانب الباب، ليقول بتعجب وهو ينظر إليهما :
-انتوا رايحين فين مش هتتعشوا معانا؟!
-لا هاخد غادة ونتعشى برا
ابتسمت له غادة بسعادة فلم تكن تتوقع هذا، بينما قال حمزة وهو يضع يده في خصره لاويًا شفتيه بتهكم وكأنه حمىٰ لغادة إذ قال :
-حافظ على فلوسك يا ابني المرتب بيخلص بسرعة ثم دي أشكال تدخل مطاعم خسارة فيها
-يا حــيــوان، وانت مالك انت
صرخت بها غادة وهى تهم بضربه لولا إسماعيل الذي حال بينها وبين حمزة يدرك جيدًا أن الآخر قال هذا لإغاظتها فقط لا غير :
-خلاص يا غادة يلا نمشي وانت كفاية كيد لو سبتها عليك هتقطعلك شعرك
-طب تبقى تعملها كده بنت ناهد المقشفة دي
ولولا أن إسماعيل ادخلها إلى المصعد لعادت غادة وقطعت له خصلاته بالفعل، ضحك حمزة وهو يستمع إلى سبابها عليه وكاد أن يدلف لولا أنه استمع إلى باب الشقة المقابلة يُفتح وظهرت من خلفه نور ترتدي فستان شتوي من اللون البنفسجي الغامق يعلوه خمار مزركش من اللونين الأبيض والبنفسجي
ابتسم لها عندما رفعت عينيها ولكنها اخفضتهما بسرعة حتى قبل أن تصطدم عينيها بعينيه، وكأنها تبينت هويته ثم انطلقت ناحية المصعد تضغط على زر الصعود فقال حمزة وقد شعر أنها شبه هربت عندما رأته :
-طب قولي مساء الخير حتى مش السلام لله زي ما بيقولوا
ولم ترد الأخرى أو تستدير بإحراج ملقية التحية بل توجهت بسرعة إلى الدرج ولم تنتظر المصعد، وهنا علم أن حمزة انها تتهرب بالفعل فرفع حاجبيه مرددًا بذهول :
-هى لسه مكسوفة من وقت اللي حصل الصبح
أما بالنسبة إلى نور كانت تهبط الدرج بسرعة عاقدة الحاجبين من رؤيته، تريد حقًا تفادي أي موقف يجمعهما فيبدو أنها تساهلت في التعامل معه مؤخرًا فظنها فتاة سهلة يريد العبث منها
أخرجت هاتفها من حقيبتها متصلة على هاجر والتي لا تجيبها منذ البارحة، تود شكرها حقًا على مساعدتها، وحمدًا لله لقد اجابت هذه المرة إذ استمعت إلى صوتها على الناحية الأخرى تقول :
-الو يا نور
-ايه يا بنتي انتي فين انا قولت موتي ولا حاجة
نطقت بها بمزاح فقالت هاجر مبتسمة بإرهاق :
-لا يا حبيبتي انا تعبانة اليومين دول علشان كده مقدرتش اجي المدرسة، انتي عاملة ايه والحمى عملت فيكي ايه؟؟
تعجبت نور صوتها المتعب بشدة من الناحية الأخرى رغم أنها تستمع إلى أصوات أخرى وكأنها في الشارع :
-لو انتي تعبانة بتعملي ايه في الشارع؟!
-بشتري شوية حاجات للبيت يا نور معنديش حد يطلع غيري حتى لو تعبانة.... ولا ليا حتى حد يزورني
همست بآخر جملة بصوت خافت سمعته نور من الناحية الأخرى وكم آلامها هذه وشعرت بشفقة عليها، فكم هو يؤلم شعور الوحدة خاصةً أنها تذكرت كلمتها عندما كانت عندها
"انا يتيمة ومليش حد في الدنيا دي غير ربنا وقطتي المكسورة دي"
ذمت نور شفتيها تفكر في أمر جنوني لكنها لا تحب أن ترى شخص وحيد يتمنى أن يسأل عليه أحد، تشعر وكأنها في يومٍ من الأيام ستصبح هكذا تتمنى لو أن أحدًا يفكر بها حتى :
-طب بقولك ايه عندك غداء حلو انا جيالك زيارة
عقدت هاجر حاجبيها بدهشة وعدم تصديق لما تقول :
-جاية عندي بجد؟!
-اممم هركب مشروع على قولتك بس أوصفيلي بالله عليكي علشان متوهش، وانا هجيبلك زيارة حلوة واجي ما زيارة المريض صدقة
آماءت هاجر بسعادة وكأنها تراها لتقول بسرعة :
-هستناكي عند المكان اللي بيوقف عنده المشروع اركبي واحد ينزلك في سيدي بشر ولو حسيتي نفسك تايهة اتصلي عليا ماشي
اغلقت معها تشعر بسعادة لأن أحدًا سيسأل عليها لتنظر إلى البقال طالبة منه أشياء كثيرة لتعدها فاليوم لن تأكل لمفردها ككل يوم
أخذت منه الطلبات وسارت في الشارع دون أن تدري أن هناك من يراقبها لتصطدم في شخص وسقط ما معها وما معه، هبطت بسرعة معتذرة منه وهى تلملم ما يخصها بينما سحب ذلك الشخص علبة عصير كبيرة ووضع أخرى تشبهها مكانها حتى تأخذها هاجر ثم اعتذر منها ورحل
بينما الأخرى وضعت كل ما اشترته داخل حقيبة المشتريات خاصتها وتحركت عودةً لبنايتها حتى تبدأ في صنع الطعام قبل أن تأتي نور
ارتكن ذلك الرجل إلى إحدى الجدران متصلًا على ربة عمله إذ قال :
-ايوه يا سعاد هانم العلبة اللي فيها العصير اللي حقنتي فيه السم معاها دلوقتي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
جماعة بلاش جملة اني الفصل قصير علشان بجد بتضايق، والفصل اللي بتقرأوه في ربع ساعة بياخد معايا تلات أيام، الكتابة مش حاجة سهلة بالعكس دي متعبة جدًا سواءً في تجميع الأحداث وابتكارها والتفكير في الحبكة، ثم الفصل مش صغير ده ٥٠٠٠ كلمة واحيانًا بيبقى أكتر من ٦٠٠٠ مش فاهمة ايه أكتر من كده عايزين فصل عشرين ألف كلمة ومحدش بينزل كده ابدًا؟!
اتمنى بلاش تقولوا الجملة دي تاني فضلًا 👀
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
سار بين الأروقة يرتدي الزي الموحد للعمل فهو يعمل من ضمن فنو الصيانة في إحدى شركات البترول، يقوم بصيانة المعدات والأجهزة إن أصابها تلف أو ما شابه
ولج إلى إحدى الغرف الواسعة والموجود بها إحدى الأجهزة الضخمة والتي يستوردوها من الخارج وقد كان يحيط بهذا الجهاز عدد من مهندسي الصيانة مثله، وعندما أبصره أحدهم حتى صاح مناديًا عليه :
-تعالي يا صعيدي واقف ليه
ابتسم ياسر على هذا اللقب والذي أطلقوه عليه منذ أن أتى إلى هنا بعد أن علموا أنه من الصعيد، ربما هذا اللقب معروف عن اسمه الحقيقي، اقترب منهم ليقول ذلك المهندس الذي نادى عليه وقد كان أكثرهم خبرة أي يعمل جميع مهندسين الصيانة تحت إدارته هو :
-بص يا ابني أدي الجهاز قدامك وفيه خلل تعرف ازاي
ابتسم ياسر وعلى الأرجح يظن أنه لا يزال مبتدئ :
-يا بشمهندس انا مش أول مرة اشتغل انا كنت في نفس الفرع بس في السويس واشتغلت هناك خمس سنين
-انت عندك كام سنة؟!
نطق بها الآخر متسائلًا فأجابه ياسر بهدوء :
-عندي ٢٨ سنة
-العمر كله، متجوز بقى؟؟
-لأ لسه بس شبه خاطب وابوها مطلع عيني ادعيلي بالتساهيل
ربت الآخر على كتفه داعيًا له بحسن نية :
-معلش ابوها بيعززها علشان تحافظ عليها، بص بقى بما إنك اشتغلت خمس سنين فعندك خبرة
أخذ يشرح له طبيعية العمل هنا وياسر يستمع له بتركيز ليشرع بعد دقائق في بدئ العمل بحرافية فهو يحب هذا المجال وقد اجتهد في دراسته حتى يصل إليه
وعندما قاربوا على الانتهاء ارتكن إلى ركن وقد اتصل على عائشة يطمئن عليها، أجل الصباح ألقت على قلبه صخرة لكن قبل أن تكون حبيبته هى ابنة عمه ويجب أن يطمئن عليها، حتى وإن كان لا يطيقها الآن
وقد أجابت موظفة الشركة للمرة الثالثة بأن الرقم مغلق أو غير متاح، عقد حاجبيه معيدًا الإتصال بها وقد أتاه نفس الرد فوضع الهاتف في جيبه يشعر بالقلق عليها لكن حاول اقناع نفسه أن الهاتف مغلق لأن البطارية نفذت على الأرجح
اتجه إلى الجهاز ببال شارد ولم ينتبه اين يخطوا إلا عندما صرخ به البقية بأن يتوقف ويعد للخلف ولكن قد تأخر إذ انفجر الجهاز بالدخان ومن قوته اندفع جسده للخلف مصطدمًا بعنف في الحائط وقد أصيب جسده بعدة جروح ورضوض أثر الدفعة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كان الهدوء يعم في الغرفة ينقصها صوت صرصور الليل حتى يكتمل المشهد، إذ كان يمسك كريم بكتاب شقيقته رحمة يحاول أن يفهم منه شئ حتى يشرح لها الدروس التي لا تفهمها، بينما الأخرى تجلس أمامه كفها أسفل وجنتها تنتظر منه أي شئ
وعندما طال صمته وتحديقه في الكتاب صاحت به بغيظ إذ قالت :
-طب ايه اخلص بقى هتفضل مبحلق في الكتاب
أشار الآخر إلى كتابها متسع العينين :
-انا اصلًا مش فاهم حاجة، ايه دولة رومانية وبابلية مش بابل دي في العراق؟ انتوا بتدرسوا تاريخ مصر ولا العراق!؟
قلبت الأخرى صفحات الكتاب بعيدًا عن قسم التاريخ قائلة :
-طب سيبك من التاريخ هو مكلكع فعلًا شوف الجغرافيا كده
نظر الآخر وقد اصطدم في وجهه درس الأقاليم أكثر درس كان يكرهه، ألقى الكتاب إلى رحمة ثم قال :
-بقولك ايه انا اصلًا علمي لا بفهم لا في تاريخ ولا في جغرافيا وآخر مرة اخدتهم كنت في أولى ثانوي روحي لحمزة هو خريج أدبي وكلام المشعوذين ده مر عليه
زفرت رحمة بضيق وهى تسحب كتابها متجهة إلى غرفة أخيها، من ثم فتحت الباب لتجده غافي على الفراش بعمق شديد فعلمت أن لا مجال ابدًا ليفيق، وهذا لأن نوم حمزة ثقيل بشدة ولا يفيق بسهولة
دلفت إلى الداخل جالسة على فراش كريم أي مقابل فراش الآخر لتهزه بشئ من العنف قائلة :
-حمزة قوم ذاكرلي انا عندي امتحان شهر بعد يومين قوم يلا
ولا حياة لمن تنادي وكأنها تنادي على صنم، نظرت بجانبها وقد وجدت كوب ماء ففكرت في سكبه عليه ولكنها تراجعت عن الفكرة، أجل نومه ثقيل لكن إن استيقظ على مثل هذه المقالب لا تضمن رد فعله قد يضربها بدون وعي منه
خرجت مرة أخرى إلى كريم ولكن وجدته يهم بالخروج فقالت متعجبة :
-انت رايح فين يا كريم؟!
وأجابها الآخر وهو يفتح باب الشقة قائلًا :
-رايح أحضر الماتش اخوكي نايم جوا ولو شغلت التليفزيون مش بعيد يقوم يفتحلي دماغي فـعلى ايه انا اخد نفسي واحضره على أي كافيه
عاد لها مجددًا قبل أن يرحل مشيرًا إلى لؤي ابن غادة واسماعيل الغافي فوق الاريكة ثم قال :
-خلي بالك من لؤي، حمزة نايم وابوكي وامك حابسينهم في أوضتهم لو ولع في البيت محدش هيتلام غيرك
ختم حديثه ورحل تاركًا الباب مفتوح فجلست الأخرى على الاريكة ببؤس وهى تحدق في الدرس تحاول أن تفهم منه شئ، وقد تكاسلت عن غلق الباب فتركته مفتوحًا وإذ بها تستمع إلى طرقات الشقة المقابلة وعندما رفعت رأسها وجدتها نور فابتسمت بأمل عندما راودتها فكرة، متجهةً إليها :
-مس نور مس نور ربنا بعتك ليا والله
استدارت نور إلى الصوت لتجدها رحمة وفي يدها كتاب مادة الدراسات الإجتماعية لتكمل الأخرى هاتفة برجاء :
-بصي يا مس انتي النهاردة مجتيش المدرسة وكان علينا دراسات واخدتها أستاذ منصور وشرح درس في التاريخ مفهمتش منه أي حاجة، والمشكلة انه قال الدرس هيجي في امتحان الشهر بعد يومين
وآماءت الأخرى بهدوء تدق الجرس لعل أحد يستجيب بالداخل تزامنًا مع قولها :
-ماشي بس حد يفتح الأول
اخذت تدق الباب بيد والأخرى على الجرس ولا يوجد استجابة فقالت رحمة :
-يمكن مفيش حد جوا؟؟
-مفيش حد ازاي ده المغرب على أذان اومال راحوا فين؟!
ختمت حديثها وأخرجت هاتفها تتصل على براءة بعدما وجدت عدة مكالمات فائتة منها ولم تجب عليها لأن الهاتف كان على الوضع الصامت، ربي متى تنسلخ عن هذه العادة فهى دائمًا ما تنسى هاتفها على الوضع الصامت
استمعت إلى صوتها من الناحية الأخرى فقالت :
-انتي فين يا براءة؟؟
-انتي اللي فين؟! قولتي هنزل اشتري دواء من الصيدلية وروحتي فين؟؟
حكت الأخرى شعرها من أسفل حجابها في حركة اعتادتها فعلها ثم قالت :
-كنت بزور هاجر كانت تعبانة ومش معقول يعني البنت تساعدني وتوديني المستشفى ولما اعرف إنها تعبانة مزورهاش حتى
-خلاص ماشي بصي انا في المستشفى هجيب شروق وجاية، يعني تلت ساعة كده ونبقوا عندك
واتسعت عيني الأخرى من ذكر أمر المستشفى للمرة الثانية اليوم لتقول :
-حتى شروق في المستشفى مالها؟!
-موضوع طويل لما ارجع بس مين تاني في المستشفى
-ياسر حصلتله إصابة عمل وكلمني وقال إنه ادوه أجازة وهيرجع البلد، وصِح سألني عن عائشة وقالي تليفونها مقفول هى معاكم؟؟
هزت الأخرى رأسها نافية وكأنها تراها، تحدق في شقيقتها الغافية على الفراش ورأسها ملتف بشاش ابيض :
-لأ مش معانا انا حتى اتصلت عليها من شوية وتليفونها مغلق
قلقت نور على شقيقتها فمن المفترض أن تكون هنا منذ ساعة ونصف فأين ذهبت، ولما هاتفها مغلق :
-طب سلام دلوقتي هتصل عليها تاني وأشوف
اغلقت معها ثم نظرت إلى رحمة والتي كانت لا تزال واقفة ثم قالت بشئٍ من اللباقة :
-معلش يا رحمة لما براءة ترجع هشرحلك الدرس
وأشارت الأخرى إلى شقتهم مقترحة :
-طب ما تيجي عندنا لحد ما يجوا هتفضلي واقفة هنا يعني
رفضت نور هذا الاقتراح بشدة فلا تريد التصادم مع المدعو حمزة هذا :
-لأ طبعًا أخواتك جوا مينفعش أدخل
-محدش موجود كريم نزل وحمزة في سابع نومه ومش هيقوم خالص وبابا وماما نايمين في أوضتهم يعني مفيش غيري، تعالي بالله عليكي مش فاهمة حاجة في الدرس ولحد ما يرجعوا هتكوني خلصتي
فكرت نور في الأمر مرة واثنين، هى لن تقف هنا بالفعل حتى يأتوا، ولا يستحب أن تهبط إلى الأسفل فقد غربت الشمس وحل الليل :
-خلاص ماشي بس متأكدة اني اخوكي نايم؟؟
-والله نايم حتى مردش عليا ولا رضي يشرحلي حاجة
ختمت حديثها وهى تتجه إلى شقتهم وخلفها نور تقبض على حقيبتها بقلق فلا تحب الدخول إلى منزل أحد غريب خاصةً هذا المنزل الموجود به حمزة والذي قررت تجنبه، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
دعتها رحمة للجلوس ثم قالت وهى تضع أمامها الكتاب :
-ثواني هجيب كراسة وقلم وجاية
تركتها وتحركت بسرعة ناحية غرفتها بينما أخرجت نور هاتفها تتصل على ياسر وتخبره بإختفاء عائشة الغير مبرر، وفي هذه الأثناء خرج حمزة من المرحاض يجفف وجهه بالمنشفة متجهًا إلى البهو وإذ به يستمع إلى صوت فتاة لا يعود إلى اختيه، تتحدث في الهاتف بينما تواليه ظهرها :
-معرفش يا ياسر ما انا بتصل عليها ومغلق ومش مع براءة وشروق، حتى عمتك أسماء معاهم كنت قولت إنها عندها
علم حمزة أن المتحدثة نور ليتوقف بجانب ممر الغرف وهو يستمع إليها يود أن يعلم حقًا هل العلاقة بينها وبين ياسر أبناء عم فقط أم أكثر من هذا، لأنه سمع زوجة عمه أسماء تقول أن ياسر سيتزوج من إحدى بنات عمه علي وهى في حكم خطيبته، وهو يعلم أن بنات علي هما نورهان وعائشة ولا يعلم أن كان هناك ثلاثة أو لا
لكن إن كانت نورهان هى الفتاة التي سيتزوجها ياسر سيخرجها من عقله فلا يحبذ أن يكون طرف ثالث في علاقة
صمتت نور تستمع إلى غضب ياسر وقلقه الواضح على عائشة لتقول :
-طب انت بتزعق فيا ليه دلوقتي ثم ازاي تيجي وانت تعبان، هى إن شاء الله تيجي دلوقتي انا عارفة اختي مبتحبش تلف ولا تروح في حتة تلاقيها اتعطلت في المواصلات
أغلق ياسر معها بعد أن اخبرها أنه سيأتي ولا داعي للنقاش، وضعت نور الهاتف أمامها قلقة على شقيقتها حتى انها لم تنتبه على المحادثة الخافتة التي تقام خلفها إذ سحبت رحمة أخيها بسرعة هامسة :
-حمزة بتعمل ايه هنا؟!
وحدق بها الآخر بتعجب لهمسها بل وهمسه هو أيضًا إذ قال :
-ايه بعمل ايه هنا؟؟ واقف في بيتنا هو انا واقف في بيت دعارة!؟
-طب ادخل أوضتك ومتطلعش منها
وزاد تعجب الآخر قائلًا :
-وده ليه بقى ان شاء الله!؟ ثم انتي بتهمسي كده ليه هو احنا عاملين مصيبة؟
-لا خفيف بس علشان نور متتكسفش منك وتمشي، وانا عايزاها تشرحلي الدرس وقولت ليها إنك نايم يلا بقى اتكل على الله شوف حاجة تعملها ومتطلعش الصالة
ختمت حديثها ودفعته بخفة ناحية غرفته بينما هى خرجت لنور حتى تبدأ الدرس وقد تركت الباب مفتوحًا تحت طلب نور لهذا، أما حمزة حدق قليلًا في ظهر نور ثم اتجه إلى غرفة والديه مسترقًا السمع ولم يجد غير الهدوء مع بعض الهمسات فابتسم وعلم أنهما تصالحها لذا تركهما وعاد لغرفته حتى يكتب قصة جديدة
وقد أخذت انامله تكتب بشغف شديد وقد راوده سؤال، هل نور أحد متابعينه؟؟
أجل يعلم أنها تقرأ له وقد سبق وصرحت برأيها في كتاباته دون أن تعلم أنه هو كاتب الظل، وفجأة ترك الكتابة واتجه إلى محرك البحث وكتب اسم "نورهان علي صفوان" وكم وجد من الأسماء المشابهة ولا يعلم من منهن هى
اتجه إلى الأصدقاء عنده وفتح صفحة ابنة عمه رحاب وبحث في أصدقائها لعلها تكون من بينهم وقد وجدها بالفعل، ابتسم وقرر ان يلعب معها لعبة صغيرة بما أنها تلعب معه الهر والفأر وتبدأ بالتهرب منه وهو يروق له هذا
نشر عدة جمل مميزة وقد قام بالإشارة إليها أسفل المنشور باسم كاتب الظل حتى لا تعلم أنه هو حمزة، وقد كان محتوى المنشور يدل على أن الفتاة المشار إليها هو معجب بها
"لو يعلمن المتبرجات ما مغزى نظرة الرجال إليهن لرفعتِ رأسك مفتخرة بعفافكِ وخجلكِ الذي جذبني كما الفراشة للنيران"
فعل هذا ليجعل قلبها يتعلق بكاتب الظل فهو يعلم أن قلوب الفتيات تعلقهن كلمة، لا يعلم لما يفعل هذا لكنها لا ينتوي سوءًا لها، يريد فقط التقرب قليلًا ومعرفة القليل عنها قبل أن يتقدم لها بشكل رسمي
يشعر أن هذه الطريقة خاطئة، لكنه لا يود التسرع في خطبة كما فعل مع سها، يريد فقط أن يعلم إن كان بينها وبينه توافق ولكن الأخرى لا تدع له فرصة للتحدث إذًا سيلجأ لهذه الطريقة ويرى إن كانت سترسل له على الخاص أم لا
خرج من غرفته يريد أن يرى رد فعلها على المنشور لكن الأخرى كانت منشغلة في شرح الدرس لرحمة وعندما رأته رحمة يقف أشارت له بأن يذهب، وقد كانت نور شديدة الملاحظة إذ لاحظت أنها تشير إلى أحد خلفها
وما إن استدارت وابصرته حمزة حتى انتفضت من مكانها بسرعة وقد عادت بنظرها إلى رحمة بضيق وحِدة وكأنها تخبرها بأن أخيها ها هو وليس نائم كما قالت،سارعت رحمة في التبرير إذ رفعت منكبيها بقلة حيلة هاتفة :
-طب صحي طيب انا اعمل إيه؟!
أتجه حمزة إلى المطبخ متحدثًا بهدوء :
-اقعدي كملي انا داخل المطبخ مش هقعد معاكم يعني
ترجتها رحمة بأن تجلس وتكمل فقد تبقى القليل فقط، وقد جلست الأخرى بالفعل لكن لم تكن مرتاحة أبدًا وكأنها تجلس على جمر مشتعل وقد بدأت تعض اناملها ندمًا أنها دلفت إلى منزل به رجل غريب يتجول حولها ولا تستطيع أن تفتح فمها معترضة فهو منزله
كما أنها تشعر وكأن نظراته كلها مصوبة نحوها ولم تملك الجرأة بأن تستدير وتتأكد، وقد كان حمزة بالفعل يقف مستندًا على إطار باب المطبخ وهو لا يحيد بعينيه عنها ينتظر أن تتحدث ولكنها التزمت الصمت تمامًا ما إن علمت أنه موجود حولها
ابتسم بتعجب شديد لهذه الفتاة لأي درجة هى خجولة؟! وكيف مَن تجلس هكذا بكل خجل حتى تخجل من التحدث، هى نفسها من كانت تتعامل بغلظة وشدة مع الطلاب البارحة؟!
لديها شخصيتين مناقضتين لبعضهما ولكن للحق الشخصيتين تروقان له، هذه الفتاة تروق له
وقفت نور بعدما فشلت في التحكم في نفسها لتسحب حقيبتها تتحدث بلتعثم وسرعة وهى تهم بالذهاب :
-انا همشي دلوقتي وفاضل جزنـ... جزئية أكملها ليكي بكرة علشان كده... كده أجازة رسمية بكرة
خرجت بسرعة من شقتهم وهبطت للأسفل حتى لم تنتظر رد رحمة بينما الأخرى نظرت إلى أخيها بغضب صائحة بتذمر :
-قولتلك يا حمزة متطلعش أهي مشيت أهي
ورفع الآخر منكبيه مبتسمًا بخفة ثم قال :
-وانا مالي هو انا اللي طردتها يعني؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وما أثقل من هذا الصمت عليها إذ كانت تشعر حقًا بخوف من القادم، خاصةً وهى ترى ملامح أخيها الجامدة وهو يقود السيارة بسرعة على غير عادته، حتى أن زوجة عمها في الخلف قالت :
-براحة يا يونس هدي السرعة شوية احنا مش في سباق
نظر لها يونس في مرآة السيارة الأمامية ثم حوّل نظره إلى شروق الجالسة في المنتصف بين شقيقتها وعمتها وهى ما بين الوعي واللاوعي، ورأسها ملفوف بشاش أبيض أسفل الحجاب الملتف بعشوائية حول رأسها، وهذا بعد أن كادت أن تصدمها سيارة أمام القسم وهى تسير بعدم وعي منها ولولا أن عاصم سحبها لكانت صدمتها
لكن وحتى بعد أن سحبها عاصم ابعدته عنها بعنف شديد لدرجة جعلتها تسقط للخلف وقد اصطدم رأسها بالرصيف من ثم فقدت وعيها تمامًا
هدأ السرعة قليلًا ولم يبالي ابدًا بشقيقته الجالسة بجانبه في ضغط نفسي يمارسه عليها بصمته، وهو في هذه الحالة يمنع شيطانه عنها يحاول التحلي ببعض الهدوء حتى لا يطحن عظامها، فهو يود أن يأخذ أسلوب الإستماع ثم بعدها التصرف
لكنه متأكد تمامًا أن تصرفه لن يكون جيدًا فهو ليس مثل يوسف يتعامل بالعقل والرزانة بل غضبه ويديه يسبقان تفكيره، وهذا أكبر عيب في شخصيته للأسف
وصلوا أمام البناية وقد هبط من سيارته وفتح الباب بسرعة لزوجة عمه حتى يخِرجوا شروق والتي لم تكن تقوى على التحرك رغم إسناد عمتها وبراءة لها وكل واحدةٍ من جهة
وعندما رأى يونس هذا أغلق باب السيارة مقترحًا :
-تحبوا اشيلها واطلعها انا؟؟
رفضت براءة بسرعة تحاول أن تجعل شقيقتها تسير ولكن الأخرى لم يكن بها أي أعصاب تستطيع التحكم بها، بالكاد تستطيع أن تقف بمساعدتهم، وعندما شعرت أسماء أنهن لن يستطيعن تحريكها فهى شبه فاقدة للوعي، قالت :
-الضرورات تبيح المحذورات تعالى يا يونس شيلها
ولم يمانع الآخر إذ ما إن ابتعدن عنها حتى حملها هو وصعد بها الدرجات الأولى للباب الداخلي للبناية، وعندما أتجه إلى المصعد رآه يُفتح وقد أطل من خلفه ياسر ونور واللذان فزعا لرؤية شروق على هذه الحالة
انهالا بالأسئلة عليه عن حالتها وكيف حدث لها هذا، وقد كان الآخر لا يملك ذرة صبر فقال بضيق وهو يحكم قبضتيه حولها حتى لا تسقط منه قائلًا :
-طب افتحوا الباب اطلعها وبعدين اسألوا
فتحت نور باب المصعد وصعدت معه هى ورقية التي تحمل حقيبة شروق، بينما أتجه ياسر بشئ من البطء إلى عمته متسائلًا :
-شروق مالها يا عمتي
نظرت له الأخرى بتركيز ولم تغفل عن كونه تحرك ببطء شديد وكأنه يعاني من آلام في ظهره :
-وقعت ورأسها اتخبطت في الرصيف وخيطناها انت مالك بقى؟ ماشي كده ليه ضهرك فيه حاجة؟؟
وأجابها الآخر كاذبًا عن الحقيقة فهذه عادة به منذ صغره أن يخبئ ما يؤلمه حتى إن كان الأمر خطيرًا :
-انا كويس الحمد لله وقعت بس في الشغل جامد على ضهري بس انا تمام
عقد حاجبيه متسائلًا بقلق شديد عما لم يغفل عنه إذ قال :
-عمتي هى عائشة مكنتش معاكم تلفونها مقفول وهى مش فوق
وفزعت أسماء بشدة لما قال فما بال المصائب تتقاذف فوق رؤوس بنات اخوتها هذه الأيام :
-مال عائشة كمان هو كل يوم واحدة تحصلها بلوة؟ راحت فين فين البت!؟
حاولت براءة أن تهدئها قليلًا فصوتها بحق مرتفع :
-تعالي يا عمتي طيب نطلعه مش هنتكلم هنا يعني
أما في الأعلى فتحت نور بالمفتاح الذي في حقيبة شروق ليدلف يونس إلى الداخل خلف نور والتي ارشدته إلى غرفتها، ثم وضعها ببطء وراحة على الفراش محدثًا نور :
-هاتي بطانية تانية علشان تغطيها
أما الأخرى كانت تحدق بملابس شروق التي تملؤها الدماء من الأسفل وعلى أكمامها، ربي ماذا حدث للفتاة بل ماذا يحدث إليهن هذه الأيام، هى منذ يومين والبارحة براءة والآن شروق وياسر، والعلم عند الله ماذا حدث لعائشة ولما هى مختفية
هزته رقية بسرعة عندما لم تجب إذ قالت :
-يا نورهان عايزين بطانية علشان نغطيها
انتبهت له فسارعت وسحبت غطاء آخر من الخزانة وغطتها ثم خرجت خلف يونس ورقية لتجد البقية قد صعدوا بينما تحدث يونس بعد أن تنهد بهدوء لصعوبة ما سيقول :
-مرات عمي سألتيني في المستشفى ليه شروق كانت موجودة معانا انا ورقية في القسم وانا قولتلك هقولك بعدين، الحقيقة شروق حاليًا شاهدة على جريمة قتل ومش أي جريمة دي السفاح اللي مدوخ إسكندرية بقاله سنة ودلوقتي محدش يعرف شكله غيرها هى بس
وما إن لفظ هذا الخبر حتى تهاوى جسد أسماء على الاريكة بصدمة حالها كحال الموجدين لتكمل رقية وهى تشعر بالأسى على ما قد عاشته شروق :
-شافت واحدة في الكلية بتدبح قدامها في الحمام ومن وقتها وهى في صدمة حتى معرفناش نسحب منها كلمة عن شكله
أكمل يونس من خلفه بشكل آمر إذ قال :
-وبما إنها عرفت شكله ممكن تكون في خطر علشان كده المأمور ألزمني بحمايتها، وبما إنها ساكنة معايا في نفس العمارة فشروق متخرجش لوحدها ولا مع واحدة فيكم، الموضوع مش لعبة يا جماعة ده سفاح وقاتل لحد دلوقتي فوق ١٠٠ شخص يعني مش هتصعب عليه أنه يقتلها، ولو حصل أي حاجة انا موجود فوق وحاولوا تخففوا عنها وتخلوها تعدي الصدمة اللي هى فيها
ختم حديثه ونظر إلى شقيقته التي كانت تطالع الجميع بشفقة ليقول بنبرة جامدة مغلفة بالبرود :
-يلا قدامي
تحرك أمامها بينما رقية حدقت في ظهره بخوف لكن ما باليد حيلة، ليتها قالت الحقيقة ليوسف عندما سألها فـعلى الأقل يوسف هادئ في حديثه وتفهم، أما يونس فلا تضمن رد فعله الآن والذي لن يكون جيدًا البتة، خاصةً أن والدها في القاهرة وغير موجود
رحلت رقية تاركة الجميع صامتين في صدمة شديدة لتقول أسماء بشرود :
-لا إله إلا الله، ايه بس اللي حاصل معاكم اليومين دول
رفعت رأسها إلى الفتيات مسائلة بقلة حيلة :
-لو حد معاها رصيد فيكم تتصل على عمها محفوظ عايزة اقوله هبيت ليلة تاني هنا معاكم
أخرجت براءة هاتفها تتصل على محفوظ زوج عمتها، بينما اخرج ياسر هاتفه أيضًا واتصل على عائشة وقد أعطاه أيضًا مغلق فوضع هاتفه مجددًا في جيب سترته وقد قرع قلبه بقلق عليها فأين هى حتى الآن :
-نورهان معاكي رقم أي حد من صحاب عائشة أو زمايلها، أي حد يقولنا هى طلعت من الكلية أمتى ولا راحت فين
نظرت إليه الأخرى وتذكرت ان شقيقتها لم تأتي حتى الآن، وهى لا تمتلك رقم أي أحد من زميلاتها للأسف :
-مش معايا رقم حد من زمايلها يا ياسر ومقالتش هتتأخر كده، أصلًا عمرها ما اتأخرت برا لحد المغرب
وما إن قالت نور هذا حتى اتجه إلى الباب بخطوات واسعةليخرج، فقالت أسماء بسرعة وتركت محفوظ يتحدث على الهاتف :
-رايح فين يا ياسر؟؟
-رايح الكلية على الأقل أعرف هى طلعت منها ولا لأ
سحبت نور حقيبتها بسرعة متجهة إلى الخارج معه ثم قالت قلقة على شقيقتها الصغيرة :
-استنى يا ياسر انا جاية معاك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
فتح الباب بالمفتاح ودلف إلى الداخل ينظر إلى أرجاء الشقة التي عاش بها لأكثر من شهر والآن حان وقت الذهاب، أخذ الأوراق الموضوعة على المنضدة ينهيها قبل أن يأتي أحد زملائه في جهاز أمن الدولة ويبدأ في إحضار المشتبه بهم حتى يحققوا معهم في مبنى أمن الدولة بنفسه
لو فقط تحدثت تلك الشاهدة لانتهى الأمر لكنها تعاني من صدمة تجعلها شبه غير مدركة للواقع الذي يدور حولها كما زعم ذلك المختص النفسي، حقًا يالا سخرية القدر
وضع الأوراق داخل الملف وبدأ يمزق جميع من خرجوا من دائرة الشك وتبقى ثلاث أوراق بثلاث أسماء "عادل الدخيلي، سيد متولي، هاجر حاكم" امسك بورقة هاجر حيث دُوِّن بداخلها جميع ما يخصها من معلومات حتى ماضيها النفسي، حدق بصورتها وهناك ابتسامة متعجبة على ثغره
فرغم ما جمعه عن هاجر من معلومات إلىٰ أن هناك معلومات لا تزال غير معروفة عنها، متعجب أن فتاة بمثل هدوءها ورِقتها كانت تعاني من هلاوس وصرع، ترى ماذا حدث لها جعلها تعاني من هذه الأمراض
لقد استبعدها تمامًا بعد أن قالت شروق أن الذي قتل تلك الفتاة التي تدعى فريال هو السفاح وقد ذكرت أنه رجل إذًا هاجر ليست السفاح رغم الغموض الذي كان ولازال يحاوطها
طرق الباب طرقات خفيفة فترك الورقة فوق الملف واتجه يفتح الباب ليجدها أمامه وكأنها خرجت من تفكيره فقال رافعًا إحدى حاجبيه :
-لو كنت بفكر في عشرة جنية مكنتش ظهرت قدامي بالسرعة دي
واتسعت أعين الأخرى بدهشة هامسة بخجل وقد زاغت عينيها بإرتباك :
-هو انت كنت بتفكر فيا؟!
-لا دماغك متروحش بعيد يا لوزة، ايه اللي جابك عندي بقى
فركت الأخرى كفيها بإحراج مما ستقول :
-القطة بتاعتي عندك؟؟
نظر سفيان إلى الداخل وبالتحديد إلى الشرفة إذ كانت مغلقة إذًا لن تستطيع قطتها الدخول :
-البلكونة مقفولة قطتك أكيد مدخلتش هنا تلاقيها بتصيع مع قط شوارع ولا حاجة
أفرغت هاجر فمها بذهول لما قال وقبل أن تتحدث كان صوت هاتف سفيان بالداخل يصدح في الأجواء فنظر إليها هاتفًا بهدوء :
-شوفي قطتك فين بقى يا لوزة عن أذنك
أغلق الباب دون الإستماع لإجابة منها ثم اتجه إلى هاتفه وقد كان المتصل يونس وما إن فتح الخط حتى أتاه سيل من السباب على الناحية الأخرى :
-يا حيوان يا زبالة قولت لأختي ترجع لأخوك من غير ما ترجع لابوها ولا لأخواتها ليه معندهاش راجل ترجعله ولا مقطوعة من شجرة!؟
أبعد سفيان الهاتف عن اذنيه عاقدًا حاجبيه بضيق من السباب التي يليقها الآخر دون توقف، علم أن رؤيته لعمر مع رقية اليوم لن يمر على خير لكن لم يتوقع أن يكون بهذه السرعة
أعاد الهاتف على اذنه مرة أخرى عندما قال :
-انت فين مش بترد ليه؟!
-مستنيك تخلص قلة أدب
نطق بها بهدوء شديد استفز الآخر فصاح بغضب شديد :
-قلة أدب؟ هو انت لسه شوفت قلة أدب يا سفيان ده انا
قاطعه الآخر بسرعة قبل أن يكمل هاتفًا بجدية :
-يونس من غير غلط انا مكنتش اعرف اني رقية مخبية عنكم، انا آه معنديش اخوات بنات بس اللي مرضهوش على نفسي مش هرضاه على غيري وانا مكنتش ناوي ارجع عمر لرقية غير بعد ما حسيت بيأس إني اخويا ذاكرته مش هترجعله فقولت استعين بيها يمكن تفكره بحاجة خاصةً واني عمر كان بيحب رقية جدًا ولو اتعامل معاها وشافها قدامه طول الوقت ممكن ذكرياته معاها ترجع
-غلطان يا سفيان إنك اتواصلت مع رقية ولغيتني انا ويوسف وابوها مش راجل اللي يعمل كده
صاح سفيان بغضب عندما تجاوز الآخر حدوده معه لكنه يعلم أن غضبه يعميه عما يقال كما أنه يلتمس له العذر :
-يــــونس عندك ومتكملش انا لو مش راجل مكنتش قولت لوالدك عن إني عايز رقية وعمر يرجعوا لبعض، ومش عارف بقى هو قالك انت ويوسف أو مقالكمش ده ميخصنيش لانه مجاوبش عليا أصلًا
وضع يونس يده على رأسه يسحب خصلات شعره بقوة، كيف يعلم والده ولم يخبرهم بأمر كهذا، تنفس بغضب وهو يستمع الي سفيان يكمل :
-مقدر إنك متعصب جدًا وانا لو مكانك هعمل واقول أكتر من كده بس يا يونس اختك بنت محترمة وكان غرضي اني اخويا ترجعله ذاكرته، غلطنا بجد اننا بعدناهم عن بعض من غير ما ناخد رأيهم بس الظروف كانت أقوى وأبوك عارف السبب الحقيقي، لما تهدى اتصل بيا سلام
أغلق معه ثم زفر بضيق شديد فلم يكن ينقصه هذا الأمر أيضًا، رن هاتفه مرة أخرى وقد كان مساعده هذه المرة ليجيب قائلًا :
-ايوه يا أمين فيه ايه؟؟
-ازيك يا سفيان باشا انت كنت قولتلي اراقب موقع كده بينزل فضايح الناس والعياذ بالله خاصةً صفحة اسمها NO باين أو ON
-اخلص يا أمين وخش في الموضوع
حمحم الآخر ثم استرسل :
-المهم صاحب الصفحة دي لسه منزل حالًا صور لواحدة بنت رجل أعمال بتشرب مخدرات والبنت اتفضحت على الآخر
فرك الآخر أعلى أنفه بتعب ثم قال :
-ابعتلي الصور
-تمامًا يا باشا
وفور أن أغلق سفيان معه أتته رسالة بالصور، وما إن فتحها حتى ضيق عينيه يفكر أين رأى هذه الفتاة؟!
وسرعان ما انتفض من مضجعه بصدمة احتلته، هذه الفتاة نفسها التي رآها على حاسوب أخيه، حتى نفس الصورة موجودة بين الصور وهذا الرمز الذي اعتاد أخيه وضعه على أي شئ يخصه وعندما كان يسأله كان يقول
-ده يعني النانو عمر NO أخوك مسمينه النانو في الكلية
تهاوى جسد سفيان على المقعد يتذكر عدة جمل تربط عمر بقضية السفاح
"الكاميرات كلها متهكرة هنا ومحدش عارف يفك التهكير ده أكيد اللي عامل كده هاكر شاطر"
"مش كفاية السفاح قتال قتلة كمان هاكر محترف"
"أو يكون صاحب المنشورات دي هو نفسه السفاح وده الاحتمال الأقوى لاني لو زي ما بتقول محدش عارف يمسكه يبقى هو هاكر شاطر"
عمر هو الهاكر... عمر هو السفاح
انتفض بسرعة راكضًا للخارج لا يصدق أن أخيه الصغير قد يفعل شيئًا كهذا، ولما لا وقد كان الحادث الذي مات به والديه مدبر لأن والده كشف الستار عن رئيس جماعة شيوعية بعدما كان في نظر الجميع رجل فاضل، وعمر ينتقم منهم بفضحهم هم وابنائهم ومن يخصهم على الإنترنت ثم يقوم بقتلهم
اخرج مفاتيح السيارة بسرعة تزامنًا مع توقف عدد من السيارات أمام البناية وهبط منها ضابط زميل له وعندما رآه على هذه الحالة من التشتت قال :
-مالك يا سفيان متلخبط كده ليه
حدق به الآخر بضياع شديد ولأول مرة تظهر هذه النظرة في عينيه منذ اليوم الذي فقد به والديه، ابتلع لعابه بصعوبة وكأن به شفرات مسننة، لن يستطيع الإفصاح عن الأمر، فهذا أخيه الوحيد والمتبقي له ومَن يحيى لأجله
حاول التماسك ليعدل من سترته هاتفًا بهدوء حاول بجهد اصطناعه :
-مفيش بس عرفت اني جدتي تعبانة ولازم انقلها المستشفى
-لا الف سلامة عليها طب فين الملف علشان نجيب المشتبه بهم القضية دي طولت اوي يا سفيان ولازم تخلص دي بقيت رأي عام
اجابه سفيان بتشتت حتى أنه نسيٰ أن ورقة هاجر لم يقطعها أو يستبعدها بل تركها فوق الملف :
-هتلاقيه فوق على الترابيزة في الصالة وانا نسيت باب الشقة مفتوح اصلًا، ابقى خلي الرجالة ترتب المكان انا مدة مهمتي كده خلصت
آماء الآخر ليسأله بقلق وهو يراه يهم بالصعود لسيارته :
-تمام بس متأكد انك كويس لو مش هتعرف تسوق ابعت حد معاك من الرجالة
واجابه بسرعة رافضًا الأمر يشعر أن أعصاب جسده ستنهار إن كان عمر بالفعل هو السفاح :
-لأ انا تمام تمام
شغل سيارته ورحل بسرعة بينما صعد ذلك الضابط ومعه أربع رجال لأجل القبض على المشتبه بهم دون إثارة أي انتباه لهم
أما بالأعلى عند هاجر دلفت إلى شقتها بعد أن أغلق سفيان الباب، تجر خيبة الأمل خلفها فأين ذهبت قطتها العزيزة وهى مكسورة، اتجهت إلى مطبخها وأخذت قطعة كيك من الثلاجة وبدأت تقطم منها بتلذذ، كم كانت تود أن تتناول منه نور لكنها اعتذرت وطلبت أن تذهب قبل أن تغرب الشمس
نظرت بضيق إلى علبة العصير الفاسدة بالثلاجة وكم كانت ستشعر بإحراج إن قدمتها إلى نور فطعمها سئ بشدة، حتى أنها لم تستطع أن تكمل الكوب، وحمدًا لله أن نور لا تحب عصير الفراولة هذا ورفضت أن تشربه وطلبت شيئًا آخر
امسكت بالعلبة والقت بها داخل سلة المهملات وهى تنتوي التشاجر مع صاحب البقالة الذي أعطاها علبة عصير منتهية الصلاحية، رن هاتفها وعندما نظرت إليه وجدت المتصلة "لمار" الابنة الصغرى لحاتم
شعرت بقلق وتوتر حتى أنها لم تجب لكن عندما اتصلت مرة أخرى اجابت بإرتباك قائلة :
-الو
واتاها الصوت من الناحية الأخرى متردد وقلق :
-هاجر هو انت حامل؟؟
سقط قلب الأخرى وشعرت برعب فكيف علموا؟! وبشكل غير إرادي هتفت كاذبة :
-لأ مش حامل
-مش وقت كدب ماما عرفت انك حامل وحالفة لتسقطك وتقتلك المرة دي
احاطت هاجر ببطنها الذي لا يزال مسطحًا وكأنها تحمي ابنها من بطش سعاد بينما أكملت الأخرى وهى تنظر حولها قلقًا من ان تأتي والدتها وتسمعها :
-بصي عادل عرف وهو مش هيعرف يوقف ماما عن حاجة حطتها في دماغي بس هيحاول يوديكي في حتة أمان، اوعي تاكلي حاجة من برا أو أي حاجة حاجة انتي مش ضمناها وقومي دلوقتي لمي هدومك علشان بعد الجنازة عادل هياخدك حتة تانية
-جنازة ايه؟!
واجابتها لمار وهى تنظر إلى أخيها ذو الوجه البارد الهادئ هدوء مبالغ به وكأن من ماتت ليست فتاة كان يعشقها حتى إن لم يكن مقدر لهم الزواج، وهى حقًا تشك في هدوءه هذا :
-فريال اتقتلت الصبح يا هاجر
اتسعت أعين الأخرى بصدمة وعدم تصديق لما يقال بينما قالت لمار من على الناحية الأخرى بقوة :
-سيبك من الجنازة واللي اتقتلت دي علشان لو ممشتيش من عندك هتتقتلي انتي كمان
وسقط الهاتف من يدها عندما استمعت إلى طرقات عنيفة على الباب ليتيبس جسدها بخوف من فكرة أن تخسر جنينها مرة أخرى
تقدمت للخارج بخطىٰ مرتعشة والطرقات تزداد عنفًا لتقف خلف الباب هامسة بصوت مرتعش غير مسموع :
-مين؟ مين برا؟!
ولم تتلقى أي إجابة لتفتح الباب ببطء ماددة رأسها للخارج وقد ابصرت أمامها رجل ضخم يقف خلفه أربع رجال لا يقلون عنه ضخامة، ارتابت هاجر منهم لتقول بخوف شديد :
-مين حضراتكم!؟
نظر الشاب أمامها لورقة بيده لم تعلم ماهيتها بينما رفع الآخر رأسه وقد كانت الصورة مطابقة للفتاة أمامه فقال بهدوء شديد وهو يضع الورقة داخل ملف أصفر اللون :
-اتفضلي معانا يا مدام
زادت الريبة في قلب هاجر ليقفز في عقلها أن هؤلاء الرجال قد ارسلتهم سعاد لقتلها، وبرد فعل غير إرادي منها اغلقت الباب في وجوههم واوصدته من الداخل ثم هرولت إلى المطبخ حتى تأتي بهاتفها بينما علىٰ الطرق مرة أخرى وبطريقة أقوى
عاد الضابط للخلف آمرًا الرجال بأن يقوموا بكسر الباب، بينما هاجر في الداخل كانت تبحث وسط الأرقام عن رقم عادل تستنجد به وعندما استمعت إلى محاولة كسر الباب علمت أن لا مفر غير أن تساعد نفسها وتهرب هى وطفلها من هنا
سحبت سكين تدافع به عن نفسها ثم وقفت بسرعة بجانب عمود يقع تمامًا خلف الباب، أي إن كسروا الباب ودلفوا لن يروها وهى هكذا قد تستطيع الفرار إن دلفوا للداخل
وكما توقعت كسروا الباب وولجوا بسرعة ليقول ذلك الضابط وهو ينظر في أرجاء الشقة :
-هاتوها بسرعة شوفوها مستخبية فين
مدت هاجر رأسها حتى ترى ولكنها وجدت ذلك الشاب الطويل لا يزال يقف عند الباب مواليها ظهره بينما البقية بدأوا يبحثوا عنها في الغرف، فكرت بسرعة كيف تخرج وهو يقف هكذا ليهديها تفكيرها إلى دفعه ثم الهرب
وبالفعل فعلت هذا إذ خرجت من جانب العمود وبكل ما ما أوتيت من قوة دفعته مسقطة إياه ولكن تدارك الآخر الأمر نظرًا لأنه ضابط وعندما استدار وجدها تركض ناحية الأسفل
صاح برجاله بأن الفتاة تهرب ثم هرول خلفها وإن كان تصرفها هذا وهروبها يدل على شئ فهو يدل على أن هذه الفتاة خلفها كارثة تهرب منها
أما عند هاجر فكانت تركض للأسفل بسرعة شديدة محاولة عدم السقوط حتى لا تؤذي جنينها وقبل أن تصل إلى الباب الرئيسي للبناية وجدت يد قوة سحبتها من حجابها بعنف ليدق ناقوس الخطر برأسها وكرد فعل طبيعي صرخت بقوة لعل أحدًا ينجدها :
-الحــقــونـي الحقوني يا نــــاس
كمم الآخر فمها حتى لا تصرخ فلديهم أوامر أن يقبضوا على المشتبه بهم دون لفت نظر، بينما هاجر أخرجت بسرعة السكين وجرحت يده التي تقبض عليها، وعندما خفف قبضته من عليها كادت أن تلوذ بالفرار لولا أن صاح أحدهم من فوق الدرج قائلًا :
-عندك وإلا هضربك بالنار
استدارت هاجر بسرعة وهى ترفع السكين أمامهم بتهديد واهي فهى أضعف من أن تذبح دجاجة لكن غريزة البقاء على قيد الحياة هى ما كانت تشجعها وتدفعها للمقاومة :
-اقسم بالله اللي هيقرب مني هقتله سيبوني امشي
رفع الضابط يديه يحاول أن يهدئها ويحتوي الموقف :
-اهدي انتي كنتي بتضري نفسك
كان يقصد أنه يزيد الجريمة عليها بينما الأخرى كانت تفهم عكس هذا تمامًا إذ صرخت بهم وهى تعود للخلف حتى تخرج من هنا :
-انا مش ههدى انتوا عايزين تقتلوني
ضيق الضابط عينيه بتركيز يلاحظ ارتعاش يدها الممسكة بالسكين فنظر إلى أحد رجاله مشيرًا إليه بإشارة فهمها الآخر إذ وبسرعة سحب زيناد سلاحه حتى يشوش عليها، وبالفعل نظرت إليه هاجر بفزع وقد استغل الضابط تشتت انتباهها وسحب منها السكين من ثم هبط على وجهه بلطمة جعلتها تسقط أرضًا فاقدة للوعي
أطلقت زفرة قوية وهو ينظر إلى يده النازفة ثم حوّل عينيه إلى رجاله آمرًا إياهم بأن يحملوها :
-هاتوها دي ليلتها مش هتعدي النهاردة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثلاثون 30 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
وقف بجانب الباب بعدما فتحه بالمفتاح الخاص به ثم أشار لشقيقته بالدخول هاتفًا بغضب مكتوم :
-اتفضلي يا آنسة يا اللي اتعلمتي الكدب واللف والدوران
دلفت إلى رقية إلى شقتهم بخطىٰ مرتعشة وقد مرت من جانب أخيها وتحاشت النظر إلى عينيه التي ترمقها بسهام حارقة، وما إن دلفت حتى ابصرت يوسف يقف في البهو ينتظرها ويبدو الغضب ظاهرًا على ملامحه، لأول مرة ترى الغضب على ملامح يوسف موجهة إليها إذًا يبدو أنه هو أيضًا علم بالأمر
دلفت مطأطأة رأسها لينتفض جسدها بخفة على صوت إغلاق الباب بعنف وعلى أثر صوته خرجت عبلة من المطبخ وقد ابصرت أبنائها مجتمعين في البهو وما جعلها تتعجب هو أن الأجواء تبدو مشحونة :
-فيه ايه!؟
نطقت بها بإستفهام وهى تنضم إليهم ليجيبها يونس بنبرة حادة وهى يحدق في رقية بغضب وخيبة أمل كبيرة :
-في إني الهانم نسيت الأصول ونسيت الغلط من الصح وبتقابل عمر من ورانا والله أعلم الكلام ده من امتى
نظرت عبلة إلى ابنتها بدهشة، أجل اخبرها زوجها منذ عدة أسابيع أن سفيان حدَّثه وأنه يريد أن يعود رقية وعمر لبعضهما، ولكن لم تعلم أنه قد نفذ الأمر، ولغضب يونس الظاهر يبدو لم يكن يعلم ولا حتى يوسف
استكمل يونس وقد زادت نبرته حدة يتقدم من رقية بخطوات غاضبة :
-بتقابليه من امتى؟!
وأجابته الأخرى بالحقيقة فالكذب سيعقد الأمر أكثر ولن يحله :
-من شهر ونص
وما إن استمع يونس إلى اجابتها هذه حتى هدر بها وقد اشتعل رأسه من شدة الغضب حتى أنه رفع كفه وكاد يهوي به عليها :
-من شهر ونـــص؟ وانتي مستغفلانا من شهر ونص؟!
رفعت رقية كفيها بسرعة تحمي وجهها ما إن رأته على وشك ضربها، وعندما رأت عبلة هذا ضمت ابنتها بسرعة داخل أحضانها هادرة بابنها ورغم هذا لم يكن صوتها مرتفعًا كما صوته :
-ايه يا يونس هتمد ايدك على اختك؟! ثم وطي صوتك هتلم علينا الناس وتبقى فضيحة
-وهى لسه مبقيتش فضيحة لما بنتك تقابل راجل غريب من ورانا، دي متبقاش فضيحة؟!
أخرجت رقية رأسها من أحضان والدتها صائحة بدفاع عن نفسها وكم بدا صوتها مختنقًا لكتم دموعها من الإنهمار :
-لا مش فضيحة انا كنت بقاله في أماكن عامة ومفتوحة ثم عمر كان هيبقى جوزي يا يونس ولا انت ناسي
صرخ بها يونس وكلامها يزيد من فتيل غضبه :
-لأ مش ناسي بس انتي اللي ناسية انه مكتبش كتابه عليكي والموضوع عدى عليه سنين ثم هو سابك ومشي، بتجري وراه ليه؟!
ولم تعد الأخرى تتحكم في دموعها ولا فيما تقول إذ صاحت به بنفس طريقته ووقفت امامه تمامًا صارخة به :
-انت كداب يا يونس عمر مسبنيش ده فقد ذاكرته ونسيني وانا لو كدبت ومقولتش اني بقابله فعلشان انتوا كدبتوا عليا، لقيتكم كدابين فعملت زيكم
وتلىٰ حديثها صفعة دوىٰ صوتها في أرجاء البهو لتصرخ عبلة بقوة وهى تضم ابنتها قبل أن تسقط أرضًا، وهنا تحرك يوسف من سكونه وامسك بيونس الذي جن جنونه من حديثها، ليقبض عليه مقيدًا جسده فأخيه غاضب بشدة وإن طال رقية قد يكسر عظامها في موجة غضبه هذه
انهارت رقية باكية في أحضان والدتها بينما صرخات يونس تخرج منه ترج المكان :
-وانتي قبل ما تتهمينا اننا كدابين عارفة احنا ليه كدبنا أصلًا؟؟ علشانك انتي يا متخلفة علشان قلبك ميوجعكيش وانتي شايفاه قدامك لا فاكرك ولا عارفك وبيعاملك زي الغريبة، تقدري تقوليلي كنتي هتكملي معاه ازاي أو هو لو عرف كان هيقبل يتجوز واحدة ممسوحة من دماغه مش فاكر حتى اسمها
زاد نحيب رقية وعلىٰ صوت شهقاتها بينما دفع يوسف أخيه إلى إحدى الغرف وأغلق عليه ليعود إلى الأخرى ساحبًا اياها من أحضان والدته ليقول بحدة وخيبة أمل التمعت في عينيه :
-عاجبك كده يا رقية الفضايح دي؟ ليه تعملي كده من ورانا ليه؟؟ بنضربك ولا عاملين ليكي رعب نفسي علشان تكدبي علينا، بندلعك وبنقول لكل حاجة عايزاها حاضر وماشي وفي الآخر تدوري برا على الحنان ليه كده لــيــه
امسكت عبلة بيده ترجوه أن يتوقف :
-خلاص يا يوسف بالله عليك ما تضربها انت كمان، عيلة وغلطت دي لسه صغيرة
نظر إليها يوسف بقوة رافضًا ما تقول :
-مش صغيرة يا ماما دي عندها ٢٣ سنة والغلط معروف والصح معروف
أدار رأسه إلى شقيقته ثم أكمل بنبرة معاتبة مغلفة بالغضب وقد ترك ذراعها من قبضته :
-لو جيتي قولتيلي يا يوسف انا عرفت إنكم كدبتوا عليا وعمر فقد ذاكرته كنت هقولك على الحقيقة، انا كنت ضد اننا نكدب عليكي وعلى عمر بس كان الأحسن ليكم علشان مكنتوش هتعرفوا تكملوا مع بعض لا انتي هتستحملي ولا هو هيرضى بالوضع، إحنا مش في رواية ولا فيلم علشان البطل والبطلة حبهم ينتصر رغم كل الظروف، فيه حاجة اسمها واقع ونصيب وده أقوى من أي حاجة حتى لو الاتنين بيعشقوا بعض مش بس بيحبوا بعض
ارتفع صوت يونس بالداخل وكأنه يتشاجر مع أحد على الهاتف، ثم بعد دقيقة خرج وعينيه تقدح بشرار الغضب، ليقول موجِّها حديثه إلى رقية :
-ابوكي كان يعرف إنك بتقابلي عمر علشان تحاولي ترجعيله ذاكرته؟! سفيان قالي إنه قاله
صمتت رقية بخوف ودهشة، هل حقًا والدها يعلم ولم يعطي أي رد فعل، لما فعل هذا؟! هل كان يشاهد بصمت منتظرًا النتائج فوالدها ذو طبع هادئ يتعامل برزانة وعقلانية ولا يفضل إستخدام العنف مهما كانت المشكلة
تقدم منها يونس بغضب لتمنعه يد يوسف أكثر من هذا، ورغم منع يوسف له إلىٰ أنه قال بغضب :
-عامةً ابوكي يومين وراجع وفي اليومين دول مشوفش رجلك في الشارع لا للجريدة ولا هتروحي في أي حتة، وحتى تليفون مش هيكون معاكي
ختم حديثه ساحبًا حقيبتها الملقاة أرضًا بكل مقتنياتها، فانتفضت رقية من مكانها وكادت أن تتحرك نحوه لولا يوسف الذي سحبها من خصرها بذراعيه مقيدًا إياها لتصرخ رقية بهما قائلة :
-حرام عليكم عايزين تحبسوني في البيت
-آه يا رقية نحبسك ولو بابا دلعك لدرجة تعملي اللي على هواكِ سواءً صح أو غلط وتعتبرينا مش موجودين، فأنا مستعد أعيد تربيتك من أول وجديد واقسم بالله كلمة تاني هبحسك جوا اوضتك
أنهارت رقية أرضًا من بين يدي يوسف وأخذت تبكي بقوة وهى تردد حديثًا يخرج من صميم قلبها :
-حرام عليكم حرام عليكم ده كله علشان حاولت أرجع للبني آدم اللي حبني وكان هيموت مكاني وهو بيدافع عني، ده هو رد الجميل بدال ما نقف معاه في محنته قررتوا تكدبوا وتمحونا من حياة بعض ولا كأنكم كسرتوا قلبي وفرحتي من قبلها
اجهشت عبلة في البكاء على ابنتها الصغيرة بينما ازداد بكاء رقية وهستيرتها في الحديث إذ أكملت أسفل أعينهم المتابعة :
-بابا اللي بتقول أنه مربنيش يا يونس لو كان هنا مكنتش مديت ايدك عليا، لما في حياته بتضربوني وتحبسوني أومال لو مات هتعملوا فيا ايه؟! وهو اللي دايمًا بيقول إنكم ضهري من بعده
انفطرت قلوبهم ولانت على كلماتها ليهبط يوسف إلى مستواها أرضًا وقام بضمها داخل أحضانه ولم يستطع أن يغضب أكثر من هذا، كان متوقع أنها تقابل عمر منذ أن رأي اسمه على هاتفها، وكذبها عليهم كان رد فعل منها بسبب كذبهم عليها سابقا، وكذبتهم لم تكن أبدًا بهينة خاصةً أنها كانت تحبه كثيرًا
رفع أنظاره إلى يونس والذي كان يتابع بكاء رقية وشهقاتها بأعين حزينة رغم جمود ملامحه، عاد إلى الخلف وفتح الباب ثم خرج من الشقة بل من البناية أكملها، أخرج مفاتيح سيارته وضغط على أحد الأزرار لتصدر الأخرى صوتًا دليلًا على فتحها
صعد يونس السيارة وألقى بحقيبة رقية في المقعد الخلفي بينما أعاد هو رأسه على المقعد يشعر بالصداع يكاد يفتك رأسه من هذا اليوم الطويل
قضية السفاح التي تزداد تعقيدًا، المأمور الذي يضيق عليه الأمر وكل دقيقة يخبره أنه سيسحب القضية إن لم يحلها، وشروق التي لا تتحدث من صدمتها رغم أن بكلمة منها تحل كل القضية
وأُختتم اليوم بشقيقته، ولا يصدق حقًا أنه رفع يده عليها، روكا الصغيرة والتي كان يحطم رأس من يتسبب في بكائها وهبوط دموعها، ليصبح هو اليوم المتسبب بهذا بل قام بضربها
كم آلمه قلبه على جملتها الأخيرة ولكن ما فعلته ليس بسهل تقلبه كما أن ما فعلوه معها ليس أيضًا بالسهل عليها تقبله
تنهد بقوة وكأنه يحاول إطفاء النيران المندلعة في صدره، وما زاد الأمر عليه سوءًا هو جرح رأسه الذي ساءت حالته بسبب الضغوطات التي يمر بها هذه الأيام وإهماله للإعتناء به
شغل سيارته وانطلق بها بسرعة، لا يعلم أين وجهته؟! لكنه لا يريد أن يترك عقله للتفكير في الكوارث التي تدور من حوله تنهش به دون رحمة وكأنه كتب عليه تحمل كل هذا...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وضع حاسوبه المحمول أمامه بعدما انتهى من نشر فضيحة أخرى لأحد أبناء كبار الدولة، ثم جعل عقله يتفرغ للتفكير في أمر رقية والموقف المريب الذي حدث صباحًا مع أخيها، إذ عندما نادى عليها وقد كان الغضب والصدمة باديتان على ملامحه، بينما الخوف والتوتر على ملامح الأخرى
هبط حينها وسحب رقية بعنف وكأنه سيقتلع ذراعها ثم عاد بها إلى داخل القسم بعدما رمقه بنظرة حارقة وكأنه رآهما في مشهد غير لائق أو ما شابه، نظر إلى هاتفه وهو يفكر في الإتصال عليها، ثم يسألها بطريقة مباشرة إن كانت موجودة في حياته قبل ذلك الحادث وفقدان الذاكرة الذي أصبح كالمرض الخبيث ينهش في حياته
امسك بهاتفه وأتى برقمها، وقبل أن يضغط على زر الإتصال استمع إلى طرقات عنيفة على باب شقة جدته وكأن الطارق على وشك كسر الباب، وقف بسرعة من فوق فراشه وخرج ليرى من هذا الطارق، وقد سبقته حنان وفتحت الباب ليندفع جسدها للخلف بفعل يد سفيان والذي دفعها بغضب حتى يدلف
وما إن أبصرت ونس أن الطارق سفيان حتى هتفت بقلق فلم يسبق وأن طرق الباب بهذه الطريقة التي أشبه بطرقات الشرطة حين يهمون بالقبض على مجرم :
-فيه ايه يا سفيان يا ابني هتكسر الباب
-عمر فــيــن؟؟
ولأول مرة سفيان يتحدث بهذا الصوت المرتفع مع جدته، وعندما رأى عمر منه هذه الطريقة علم أن هناك كارثة قد حلت لذا تقدم للأمام حتى يراه هاتفًا بهدوء شديد حتى يفهم ماذا قد حدث جعل أخيه في هذا الطور من الغضب الشديد :
-انا هنا يا سفيان
أدار الآخر رأسه إليه ليرى عمر أنه يطالعه بأعين تقدح غضبًا، من ثم اتجه إليه بسرعة وكأنه سيدك الأرض أسفل قدميه وبقبضة قوية امسك ذراعه وسحبه خلفه إلى الغرفة، وعندما رأت جدتهم هذا حتى هرولت خلفهم رغم كبر سنها ولكنها شعرت بالخوف على عمر من غضب أخيه الغير مبرر
دلف سفيان إلى غرفة عمر ثم دفعه على الفراش حيث حاسوبه، هادرًا :
-افتح الزفت ده
عقد عمر حاجبيه بضيق شديد من طريقته هذا ليقول وقد حاول أن يجعل نبرته هادئة فـ سفيان قبل أن يكون أخيه الكبير هو والده الروحي :
-فيه ايه يا سفيان مالك؟؟
ونفس الجملة طرحتها ونس وهى تدلف مستندة على عكازها لتمسك بذراعه في محاولة واهية لجعله يهدأ :
-استهدى بالله يا ابني مالك بس حصل ايه؟!
نظر إليها سفيان ولم يهدأ غضبه بل وزاد أكثر لرؤيته لتلك الفتاة حنان تقف بجانب الباب بفضول شديد لمعرفة ماذا يجري، وإذ به يصيح بها بطريقة مخيفة جعلت الأخرى تلتصق بالجدار خلفها :
-انتي واقفة عندك بتعملي ايه؟ غوري امشي من هنا مش عايز ألمحك في الشقة
استدارت ونس بسرعة إلى حنان تدفعها بخوف عليها هى أيضًا من بطش سفيان هذه الليلة :
-امشي يا حنان بسرعة امشي
سحب عمر حاسوبه يفتحه بسرعة تنفيذًا لما قاله وحتى أيضًا ليعلم ماذا يريد من حاسوبه ولما هو غاضب هكذا ويصرخ بالجميع :
-اهو فتحته ماله بقى
-هات الموقع بقى اللى بتنشر عليه فضايح الناس يا اللي مدوخ شرطة الإنترنت وراك
اتسعت عيني عمر بصدمة من حديثه فكيف علم أخيه بأمر صفحته؟؟ وإن كان علم هو فهل هذا يعني أنه تم كشف أمره؟!
مد أنامله ببطء يفتح صفحته السرية بينما كانت تتابع ونس ما يحدث ولا تفهم أي شئ، أدار عمر الحاسوب لأخيه وما إن أبصر الآخر صور لنفس الفتاة التي تم نشرها حتى نظر إلى أخيه بنظرة قتلت الآخر في مكانه :
-انت السفاح يا عمر اللي انا ماسك قضيته
لطمت ونس وجنتيها بصدمة مما قال بينما نفى عمر بقوة هذا الاتهام قائلًا :
-لأ مش انا يا سفيان مش انا، ازاي تشك اني اعمل كده أصلًا
صاح سفيان وقد فاض كيله :
-وماله أقولك الكاميرات متشفرة في المنطقة اللي 90% السفاح موجود فيها واللي مشفرها لحسابه هاكر شاطر، في نفس الوقت ظهر من مدة هاكر بينشر بلاوي الناس وفضايحهم وجرايمهم بس مش أي ناس لأ دول من كبار الدولة التقال اللي محدش يعرف يمسك عليهم غلطة، في نفس الوقت برضو يظهر سفاح يقتل القريبين من كبار الدولة الفاسدين دول وأكتر الضحايا بيبقى ولادهم وأكتر من 50% من اللي بينزل فضايحهم على النت اتقتلوا بعدها بأيام بسيطة، واتفاجئ النهاردة اني اخويا يبقى هو الهاكر ده، ايه رأيك بقى في وجه التشابه ده يا بشمهندس عمر؟؟
بلل عمر شفتيه لا يصدق إتهام أخيه إليه ولكنه محق ولم يلاحظ قبلًا أن السفاح يقتل من ينشر عنهم، نظر إلى سفيان بعينين قويتان ثم قال :
-انا مقتلتش حد يا سفيان ولو بعمل اللي بعمله ده وافضح الناس علشان هما يستاهلوا والطريقة دي الوحيدة اللي تكشف لعبهم الوسخ المستخبي وراء بدلة حلوة وكرافتة وكلام معسول بيضحكوا به على الناس، واللي يكشف حاجة عنهم يبقى يتقتل
تجمعت الدموع في مقلتيه لكنها أبت النزول أمام أخيه بضعف :
-فاكر أبوك اتقتل ليه يا سفيان علشان كان راجل عنده ضمير مرضيش يسكت على حاجة غلط عرفها، ولما قبض على واحد من أكبر الإرهابين في البلد باقي جماعته قرروا يقتلوه فيعملوا ايه يقلبوا عربيته وهو فيها مع مراته وولاده
هبطت الدموع من عينيه بعدما فشلت في الثباتِ أكثر من هذا ليكمل بصوت متحشرج وونس تتابع ودموعها تهبط بحسرة وصمت :
-ابوك وأمك ماتوا يومها يا سفيان وانا فقدت الذاكرة وفضلت عايش سنين بتعالج من الاكتئاب والنسيان وانت فضلت تتحمل كل الضغوطات لوحدك ولحد دلوقتي لسه بتتحمل
جلس على الفراش ببطء وقد مسح عينيه من الدموع العالقة ثم أكمل بنبرة صلبة :
-مش انا السفاح يا سفيان علشان لو انا، هقتل ليه ولادهم؟ ايه ذنبهم يعني في وساخة أهلهم، ما اقتلهم هما
تهاوى جسد سفيان على أحد المقاعد البلاستيكية الموجودة في الغرفة، يضع رأسه بين يديه بحيرة لتميل جدته عليه واضعة كفها على كتفه، ثم قالت بنبرة باكية :
-صدقه يا سفيان اخوك ميقتلش يا ابني ده عمر، ده انت كنت بتتريق عليه وانتوا صغيرين علشان مرضيش يدخل شرطة زيك وقولت انت اللي زيك ميعرفش يدبح فرخة علشان يدخل شرطة تقوم دلوقتي تقولي هو السفاح طب ده كلام تصدقه؟؟
-اطلعي برا يا جدتي معلش
ولم تخرج هذه الجملة من سفيان بل من عمر فنظرت إليه الأخرى برفض شديد، وقبل أن تعترض تحدث عمر بهدوء حتى تخرج وتدعه يجلس مع أخيه بمفردهما :
-اطلعي يا جدتي معلش عايز اتكلم معاه شوية
خرجت ونس بتردد ولم تغلق الباب بل تركته مفتوحًا فإن حدث شئ آخر تدلف بسرعة، نظر عمر إلى أخيه بحزن شديد هامسًا :
-مقدر شكك فيا ما انت ظابط ولازم تشك في أي حد مشتبه فيه ولو حتى بـ 2% وانا لو مكانك برضو هشك وهاجي اتهمك
ابتسم ابتسامة ساخرة ظهر الحزن بها مبطنًا :
-كفاية مجبتش ظابط وعساكر وجيت تاخدني من قفايا في بوكس زي ما عمل زين القناوي في أخوه في مسلسل نسر الصعيد
رفع سفيان رأسه رافعًا إحدى حاجبيه بتهكم مما قال :
-ايه اللي انت بتقوله ده؟! اسكت يا عم اسكت
صمت عمر وصمت الآخر ليقول بعد برهة وهو يرفع رأسه مجددًا له :
-طب عندك صفحة وبتفضح عليها الناس كنت قولي، يكون عندي علم على الأقل
عقد الآخر حاجبيه مرددًا بإستفهام :
-يعني انت مش مضايق من موضوع الصفحة نفسها واني بفضح الناس وكده؟؟
-وانا هضايق ليه ما يولعوا بجاز، دول عالم وسخة عايزين يتحطوا كلهم في صفيحة زبالة معفنة زيهم ويولعوا كلهم يمكن البلد تنضف
صمت عمر مندهشًا من سبابه ليظلا محدقين ببعضهما لعدة ثواني قبل أن تبدأ ضحكاتهم في العلو بشكل تدريجي، وعندما رأت ونس هذا من خلف زجاج الباب سحبت نفسها وتركتهم بعدما اطمأنت أن الأمر انتهى دون خسائر
خفتت ضحكاتهم ليقف سفيان من فوق المقعد من ثم جلس على الفراش بجانبه وقام بضمه أسفل ذراعه قائلًا :
-قولي على كده من زمان شغال على الموضوع ده
-اها من أكتر من سنة من لما رجعت مصر
صمت مليًا ثم قال وهو يبعد ذراعه عنه حتى ينظر إليه :
-بقولك بما إني ليلة اعترافات دي فقولي تعرف منين يونس محمد هواري
اعتدل سفيان في جلسته وقد توقع سؤاله هذا بعد إتصال يونس :
-يبقى ظابط زميل، آه هو شرطة وانا أمن دولة بس شغالين على قضية السفاح مع بعض
علم عمر أن هذه الإجابة إجابة مراوغة منه ورغم هذا سأله مباشرةً عن رقية قائلًا :
-طب ورقية محمد هواري
-تبقى أخته
-بس!؟
ضحك الآخر بسخرية مرددًا :
-لأ أخته وأمه في الرضاعة، ايه يا عمر الأسئلة دي
زفر بضيق من مراوغة سفيان في الأجوبة ليسأله هذه المرة سؤال جعل أعين الآخر تتسع بذهول :
-لما فوقت من الحادثة زمان وعرفت اني بابا وماما ماتوا وجالي انهيار وقتها ونمت بمهدئ، لما فوقت المرة التانية سألتني مش عايز تشوف رقية وانا قولتلك رقية مين، كان قصدك رقية مين يا سفيان؟وهل رقية محمد هواري اللي ظهرت في حياتي فجأة دي تبقى نفسها رقية اللي سألتني عنها؟!
اندهش الآخر من تذكره لشئٍ كهذا إذ قال :
-انت فاكر حاجة زي دي إزاي
-اهو سبحانه بقى، قولي نفسها رقية محمد هواري
تنهد سفيان ولم يرحه أيضًا هذه المرة إذ قال بمساومة :
-هقولك بس بشرط، ترجع تاخد الدواء يإنتظام وتيجي نروح بكرة للدكتور بتاعك
ضرب عمر الفراش بكفيه معترضًا على هذه المساومة الغير عادلة ليقول :
-لأ يا سفيان، لا هاروح لدكاترة ولا هاخد دواء
ودفعه سفيان بكفه في وجهه بخفة مسقطًا إياه على الفراش ثم صاح به بحنق :
-خلاص غور مش هقولك حاجة ويلا اتحتح شوية عايز اتخمد
اعتدل الآخر من فوق الفراش مرددًا بغيظ وذهول :
-اتحتح وتتخمد يا ابني دي ألفاظ تتقال دي، أومال لو مكناش مولدين ومتربين في جليم ومكناش بنيجي الحتة المعفنة دي غير كل فين وفين كانت ألفاظك هتبقى عاملة إزاي!؟
وضع الآخر الوسادة على رأسه بعدما فرد جسده على الفراش المتهالك والذي كان يعود لوالدتهم قبل أن تتزوج من أبيهم أي قبل أربعين عامًا وربما أكثر :
-لما تتعامل مع مجرمين وارهابيين وناس من الطبقة السفلية هتتكلم كده واطفي بقى النور واتكل على الله علشان مش بعرف أنام في الدوشة
تعجب عمر منه يراه يهم بالخلود للنوم بالفعل
فقال :
-انت هتنام هنا ليه مش المفروض تبقى موجود في المهمة بتاعتك؟!
-لأ ما انا خلصتها وأديتهم المشتبه فيهم ويبقوا يحققوا معاهم بمعرفتهم بقى انا كده أجازة
-طب مش هتتعشى على الأقل
وقبل أن يجيبه الآخر علىٰ صوت جدتهم من الخارج وهى تقول :
-يا عمر نادي أخوك وتعالوا حطوا العشاء، الفالح طرد البنت وانا عندي خشونة في الركبة مقدرش أقوم
وصاح سفيان وهو ينزع الوسادة من فوق رأسه مجيبًا إياها فلا يطيق حقًا أي صوت يصدر من حوله أثناء نومه :
-وطالما عندك خشونة يا جدتي لسه عايشة ليه لحد دلوقتي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط على درجات السلم ولم يستخدم المصعد يشعر بطاقة يريد إفراغها في أي شئ وما أحب على قلبه غير القراءة في أجواء غائمة على وشك ان تسقط منها أول قطرات المطر
تباطأت خطواته عندما ابصر ابن عمه يجلس على الدرجات الداخلية للبناية ويبدو أنه ينتظر أحد، جلس إلى جانبه ثم تساءل وقد علم أنه يوسف فيونس مصاب في رأسه :
-ايه يا يوسف اللي مقعدك في البرد كده في الساعة دي.
نظر إليه الآخر بأعين حزينة رغم هدوء ملامحه ليجيبه وهو يحكم إغلاق سترته الثقيلة التي يرتديها :
-يونس برا البيت من المغرب ولحد دلوقتي لسه مرجعش واديني اهو مستنيه يرجع
-وليه يا ابني جلد الذات ده قاعد في البرد كده ليه؟! قوم اطلع فوق ثم لو لحد دلوقتي مرجعش اتصل عليه
تنهد يوسف فقد اتصل عليه بالطبع لكن عندما يتركهم يونس ويذهب غاضبًا لا يرد على الهاتف ابدًا ولو اتصل عليه وزير الداخلية بنفسه، ولا يكون لديهم حل غير إنتظاره
فهم حمزة من صمت الآخر أن هناك مشكلة قد حدثت خاصةً وأنه قد سمع صراخهم ومشاجرتهم ولكن فضَّل عدم التدخل فالبيوت أسرار :
-شكله طفش منكم صح؟!
-شديت انا وهو ورقية شوية
نطق به يوسف مخفيًا السبب فلن يفضح اخته بالطبع ويخبره أن شقيقته تقابل رجلًا من خلف ظهورهم، حتى وإن كان هذا الرجل على وشك الزواج منها لكنه لم يفعل ويظل غريبًا عليها
غير الموضوع تمامًا إذ قال وهو يتطلع إلى ملابسه التي توحي بأنها ملابس للخروج :
-صحيح قرب معرض الكتاب مش في يناير تقريبًا؟!
-اها بعد تلات أسابيع بإذن
-وكتابك اسمه ايه المرة دي
ابتسم حمزة يدرك أنه يغير الموضوع بطريقته فأجابه وهو يندمج معه في الحديث بينما عينيه تعلقت بالقمر الغائم في السماء وهو شبه مختفي خلف الغيوم :
-قمري الغائم
-شكلها رومانسي يا عم الرومانسي انت
نطق بها يوسف ضاحكًا فقال حمزة وهو يحدجه بنظرات ماكرة :
-آه رومانسي وسمعت إني عندك مشكلة رومانسية يا دوك
-يونس قالك صح؟؟
نفى الآخر برأسه ثم قال :
-يونس مين يا ابني، انا خبرة في العلاقات الرومانسية أكتر من أي حد ممكن تتخيله، ميغركش اني لسه سنجل أو اني أول ما خطبت فركشت، بس لو عندك مشكلة عاطفية قولي وانا عارف اني عندك
-معنديش يا حمزة
-طب وبراءة
عقد الآخر حاجبيه بتعجب من معرفته فلم يصرح لأحد إلا ليونس :
-متأكد إني يونس مقالكش حاجة!؟
-لأ بس انا أعرف نظرت المحب للمحبوب، ده انا ياما كتبت عنها، علفكرة البنت مؤدبة وخلوقة وأكيد انت عارف دي بقالها شهور معاك، ها بقى مش ناوي تتلم وتتجوز
ضحك يوسف لجملته الأخيرة ثم قال :
-ايه اتلم دي هو انا فلاتي بتاع نسوان ولا ايه؟!
-عامةً البنت مش مطولة في إسكندرية الحقها دلوقتي قبل ما تطير منك
ختم حديثه ووقف من جانبه يعدل من ملابسه فقال يوسف بتعجب :
-انت خارج ولا ايه؟! دي الساعة داخلة على عشرة؟؟
-لأ طالع أشوف كريم اتأخر برا وناسي تليفونه فوق
ختم حديثه وهو يتقدم للأمام فقال يوسف وهو يقف أيضًا من فوق الدرج :
-هتلاقيه في الكافية بيتفرج على الماتش وسرقه الوقت
-ما انا رايح اجيبه من هناك بتاع الكورة ده، ما هو ده المكتوب على الأخ الكبير ياخد باله من أخواته
نظر يوسف إلى طيفه وترن جملته في عقله، رفع رأسه إلى الأعلى حيث شرفة شقيقته والتي حبست نفسها بها بعد انهيارها وحتى الآن لم تخرج رغم ترجي والدتها لها بأن تتحدث إليها حتى
تقدم إلى الأمام وخرج من البناية وتخطى الطريق وصولًا إلى البحر والذي يكون هائجًا بالليل، خاصةً وأنها قد تمطر بعد قليل، أخرج هاتفه واتصل على والدته لعلمه أن هاتف رقية مع يونس الآن وعندما اجابته هتف متسائلًا :
-ايه يا ماما لسه حابسة نفسها برضو
وأجابته الأخرى وهى تمسح عينيها الذابلة من الدموع :
-لأ لسه حتى يونس لسه مرجعش
-طب بابا لو أتصل اوعى تقوليله على حاجة لحد ما يرجع
-اتصل آه وسأل عليكم ومعرفتش اقوله ايه، يعني أقوله ولادك اتخانقوا سوا وضربوا بعض
مسح يوسف وجهه مستغفرًا ثم تنهد وقال :
-ماما انتي انتي كنتي تعرفي اني بابا عارف بالموضوع واني سفيان كلمه وقاله عمر ورقية يرجعوا لبعض
-هو قالي كده فعلًا من فترة بس مقاليش حاجة تانية بعدها ولا قالي رقية بتقابل عمر وانا مفتحتش الموضوع تاني
نظر يوسف إلى البحر عاقدًا حاجبيه بتفكير ثم قال :
-طب بصي روحي لرقية واعملي نفسك مخضوضة وقوليلها يوسف خبطته عربية قدام البحر انا عايزها تنزلي وانا عارف إنها هتتخض وتنزل
أغلق معها ثم جلس على الكورنيش منتظرًا هبوطها وبالفعل ما هى إلا دقائق حتى وجدها تقف أمام باب البناية تبحث عنه ويبدو القلق واضحًا على ملامحها، ابتسم ونادى عليها حتى تراه لتهرول الأخرى إليه بسرعة والقلق ينطق من عينيها، تبحث عن أي جرح به ولكنه كان بخير وهو أكد هذا إذ قال :
-انا كويس متخافيش بس كنت عايزك تخرجي من القوقعة اللي حابسة نفسها فيها
ختم حديثه وهو يطالع ملامح وجهها الذابلة وانتفاخ جفنيها من كثرة البكاء، أشار بعينيه إلى مكان بجانبه حتى تجلس وقد استجابت الآخر بإستسلام تام ليعم الصمت المكان لا يقطعه سوى أمواج البحر المصطدمة ببعضها
وقطع هذا الصمت رقية إذ قالت وهى تتذكر يوم عقد قرانها :
-فاكر يا يوسف يوم كتب الكتاب
أدار رأسه إليه واكتفى بإماءة بسيطة لتكمل الأخرى بصوت هادئ بشدة يظهر به البرود :
-طب فاكر عمر كان بيحبني قد ايه، ده انا حبيته من حبه ليا
نظرت إليه بأعين معاتبة ثم استكملت حديثها :
-هو عمر كان وحش يا يوسف علشان تعملوا فيه وفيا كده وتكدبوا عليا، ده أول ما حس أنه معجب بيا اتقدملي ودخل البيت من بابه يعني مكنش بيلعب بيا علشان لما يجي وقت شدة عنده تسحبوني غصب عني من حياته، هو ده رد الجميل على أنه كان هيموت وهو بيدافع عني وعن شرفي
عادت ونظرت أمامها مرة أخرى وعينيها تشرح كل ما تشعر به من حزن وألم :
-ازاي بابا قدر يعمل كده ده قالي يوم كتب الكتاب عمر ابن حلال وبيحبك وشاريكي اوعي يا رقية تزعليه ولو حصلتله مشكلة خليكي في ضهره، زي ما الراجل سند الست هى برضو تبقى سنده في ازماته
هبطت الدموع من عينيها للمرة التي لا تعلم عددها اليوم حتى أصبحت تشق خديها كالمجرى :
-قوم لما تحصله مشكلة حتى قبل ما ابقى مراته تكدبوا عليا وتقولولي عمر سافر برا مصر يتعالج ومش عايز يكمل في العلاقة دي، هانت عليكم كسرتي يومها؟! هونت عليكم يا يوسف؟؟
ونفى يوسف برأسه وهو يمد ابهامه يمسح دموعها التي تنهمر بغزارة على خديها، مفصحًا عما خبأوه عنها :
-مش لوحدك اللي مصدومة اني ده حصل احنا نفسنا يومها اتصدمنا بطلب بابا اني علاقتك انتي وعمر لازم تنتهي والحجة تبقى أنه هو جاله اكتئاب وسافر برا مصر يتعالج ومش عايز يكمل معاكي، عمر أصلًا معرفش ولا احنا شوفناه ولا اتكلمنا معاه حتى، ابوكي يومها كان متعاطف مع عمر بس لما اتكلم مع سفيان لوحدهم تفكيره اتغير، جه وقالنا لازم عمر ورقية يسيبوا بعض ولحد دلوقتي منعرفش ايه الحوار اللي دار بينهم
مسحت رقية دموعها العالقة في اهدابها ثم تساءلت :
-أمتى ده؟؟
-بعد ما اغمى عليكي لما عرفتي اني فياض أبو المجد مات هو ومراته وعمر بين الحياة والموت
عادت الأخرى بذكرياتها إلى ذلك اليوم إذ كانت تركض بين ممرات المشفى ترتدي فستان سهرة من اللون الأحمر القاني وشعرها مصفف بعناية وكأنها سندريلا هاربة من الحفل ولكن ملامحها كانت على النقيض لملابسها الجميلة الراقية
فقد كانت الدموع تجري على وجهها مختلطة بمستحضرات التجميل التي فسدت بسبب بكائها وأصبح وجهها مخيفًا بتلك الألوان، وكم كان الخوف والذعر واضحين في عينيها وهى تبحث حولها بضياع عن غرفة العمليات، وخلفها يركض اخوتها ووالديها بملابس أنيقة فقد كانوا في انتظار عريس الليلة وقد وصلهم خبر انقلاب سيارته قبل وصوله
-سفيان هناك أهو
نطق بها يوسف وهو يشير ناحية إحدى الممرات حيث كان يجلس سفيان على مقاعد الإنتظار في هيئة رثة للغاية إذ كان وجهه مليئ بالجروح والكدمات بينما قميصه ممزق وبه بقع دماء جافة
اقترب منه محمد بسرعة ليواسيه في هذه المحنة قائلًا :
-سفيان يا ابني ايه اللي حصل فيه ايه؟؟
رفع الآخر رأسه إليه بأعين ضائعة في ملكوت آخر حتى أنه لم يجب على سؤاله، بل عينيه تعلقت بباب غرفة العمليات في إنتظار خروج أي أحد حتى يطمئنه ولو بكلمة عن عائلته
وعندما رأى يوسف صمت الآخر علم أنه يعاني من صدمة فقال مواسيًا إياه :
-انا هدخل واطمنك عليهم متقلقوش
وبحكم أن يوسف طبيب جراح استطاع الدخول ليغيب بالداخل لربع ساعة قبل أن يخرج وملامح الأسى مرتسمة على وجهه بوضوح، انتفض سفيان من مكانه فور خروجه منتظرًا منه كلمة ليقول الآخر بحزن وتردد وكم يكره هذه اللحظة في حياته المهنية وهو إنعاء عائلة المريض بوفاته :
-البقاء لله يا سفيان في والدك ووالدتك، هما وصلوا متوفين
انطلقت صرخة من عبلة ورقية من هذا الخبر بينما اقترب محمد ويونس من سفيان حتى يواسوه، بينما الآخر وكأنه لم يسمع شيئًا ظل يحدق في يوسف بعدم استيعاب فماذا الذي يقوله هذا الأخرق
منذ ساعة فقط كان مع عائلته في السيارة متجهين إلى منزل محمد هواري من أجل عقد قران أخيه الصغير، وقد كانت الضحكات ترج السيارة من قوتها، ويقول له الآن ان الموت اختطف والديه هكذا بكل سهولة!؟
وضع يده على قلبه يشعر بأن دقاته تتباطأ ليجعله محمد يجلس بسرعة على المقعد، واضعًا يده فوق موضع قلبه وقبل أن يسأله عما يؤلمه كانت صرخة سفيان تشق السكون من حولهم
ذهبت الأم وذهب الأب، ذهب الحنان وذهب السند، وسيبقى هو يتلظى بنيران فراقهما في هذه الدنيا
هبطت دموع رقية بعجز لتنظر بسرعة إلى أخيها تسأله بلهفة :
-طب وعمر يا يوسف!؟
رفع سفيان رأسه على سؤالها ينتظر إجابة الآخر والدموع متجمدة في عينيه تأبى الهبوط، ليجيب يوسف أخته بنفس النبرة الآسية :
-عمر عنده نزيف داخلي وكسور وكدمات كتير والأسوء من كده فيه خبطة في راسه سببت شرخ في الجمجمة يارب بس متأثر على المخ في حاجة وهنشوف ده بعد ما يعملوا أشعة على المخ
فُتح باب العمليات وخرج منه عمر على الفراش الطبي المتنقل ولا تظهر ملامحه من الشاش الطبي والكدمات، نظر سفيان إلى أخيه بحسرة وألم شديد عندما مر من أمامه وآلام قلبه تزاد حتى بات يشعر أن الضربات داخل ضلوعه كالمطرقة
ترنحت رقية في وقفتها عندما رأته وقد امسكت بها والدتها بسرعة قبل أن تسقط لتقول الأخرى بنبرة ضائعة وهى تشير إلى عمر الذي أخذه الممرضين إلى غرفة الأشعة :
-عمر..... ماما.... عمر.. هـ.... هيروح مني
لفح الدوار رأسها بشدة وزاد ترنحها لينتهي بها الأمر فاقدة للوعي بين أحضان والدتها
انتقلت إلى إحدى غرف المشفى وقد كانت معها والدتها واخويها بينما ظل والدها يواسي سفيان ليدخل إليهم بعد ساعتين أو أقل وملامح وجهه جامدة بشدة
نظرت عبلة إليه مندهشة من وجوده هنا لتقول متسائلة بنبرة متحشرجة :
-جيت ليه يا محمد خليك واقف جنب سفيان هو محتاج للدعم دلوقتي، أبوه وأمه ماتوا وأخوه بين الحياة والموت دلوقتي
تنهد محمد بقوة ثم نظر إلى يوسف قائلًا :
-الدكتور قالك ينفع ناخد اختك ونمشي
عقد الآخر حاجبيه متعجبًا بشدة من نون الجمع هذه، إذ قال :
-نمشي فين يا بابا؟ والراجل اللي أبوه وأمه ماتوا دول، لازم نقف معاه
-هنقف معاه فعلًا في الجنازة دلوقتي إحنا برضو نفهم في الأصول بس أختك مش هتكمل مع عمر تنساه خلاص من حياتها
ضحك يونس بخفة ضحكة ساخرة مغلفة بالدهشة ثم قال :
-تنسى ايه معلش هو مسمار خبطها في رجلها علشان تنسى الوجع وخلاص كده؟!
-يـــونــس
صاح بها محمد بغضب من طريقته الساخرة بينما صاح الآخر مذهولًا مما يقول والده :
-يونس ايه يا بابا، انت سامع نفسك بتقول ايه!؟ هو ده وقته أصلًا عمر أبوه وأمه ماتوا يعني لازم نقف جنبه مش تسيبه، وهى بتحبه وهو بيموت فيها مين هيقف جنبه غيرها في المحنة دي
-عمر الأشعة بينت أنه الخبطة أثرت على الذاكرة يعني لما يفوق هيبقى ناسي أختك وناسي الدنيا ومش بعيد ينسى هو مين أصلًا
اقترب يوسف من والده لا يعجبه ما يقول أبدًا، بل شيئًا كهذا غير متوقع منه :
-وده سبب أكبر إننا نقف جنبه يا بابا يعني مش بس خسر أبوه وأمه وكمان فقد ذاكرته وآسف في اللفظ اللي جاي بس بنتك هتبقى واطية بنت ستين في سبعين لو سابته في الحالة دي
ارتبكت حدقتي محمد بشكل لاحظه يونس جيدًا ليعلم أنه يخفي شيئًا خلف إصراره هذا إذ صاح الآخر قائلًا :
-عمر أصلًا هيسافر الليلة علشان يكمل علاجه برا مصر ورقية دلوقتي هتروح البيت ولما تصحي هتقولولها انه سافر يتعالج وعنده اكتئاب حاد ومش عايز يكمل الجوازة دي وإياكم تقولوا أنه فقد الذاكرة علشان متتمسكش به أكتر
وقفت عبلة من جانب ابنتها معترضة على حديثه، فهكذا سيكسر قلب ابنتها دون محال :
-يا محمد اللي بتقوله ده مينفعش
-لأ ينفع انا أدرى بمصلحة بنتي ومش عايز كلام تاني في الموضوع ده ويلا علشان نقف جنب الراجل في جنازة أبوه وأمه
أنهى يوسف روي ما حدث في تلك الليلة لتقول رقية بدهشة لحديث والدها المناقض لما حدث أول تلك الليلة :
-أكيد في حاجة غلط
-طبعًا فيه حاجة غلط حصلت لما قعد مع سفيان في الساعتين دول، وقد ايه ايه حاولنا نعرف منه ده حتى أمك رفض يقولها حاجة
نظرت إليه بتركيز متسائلة بتردد :
-تفتكر لو سألته هيجاوبني ولا هيكدب تاني
-بصي يا رقية كلمة يكدب مينفعش تتقال كده لبابا علشان لما قولتيها ليونس مد ايده عليكي، بابا أكتر حد ممكن يخاف علينا وأكيد عمل كده لسبب أقوى من اني عمر فقد ذاكرته وحوار إنه نسيكي ده، ولما يرجع إن شاء الله أكيد هنسأله
آماءت الأخرى بموافقة ليقول يوسف بعد صمتهما الذي استمر لدقيقة :
-بالنسبة للحصل مع يونس وأنه مد ايده عليكي
برمت رقية شفتيها بسخط لذكره لهذا الأمر فقال يوسف بغيظ من سخطها الواضح هذا :
-بلاش تتقمصي كده عارفة إنك كمان غلطانة عايزانا يعني نسكت لما نعرف اني اختنا يتقابل راجل من ورانا، طب يا ستي عرفتي اننا كدبنا عليكي تعالي واجهينا مش تكدبي انتي كمان
لم تستجيب الأخرى بل عقدت ذراعيها أمام صدرها وذمت شفتيها بشدة فقال يوسف وهو يمد أنامله لشفتيها يفكهم وهو يقهقه بعلو :
-طب خلاص يا قموصة هانم فكي التكشيرة دي بقي
نظر إلى البناية وقد رأى بالصدفة يونس يقف أمام سيارته وعينيه عليهما، وما إن رأى أن يوسف قد رأه حتى تقدم نحوهما متخطيًا الطريق
وعندما رأته رقية قادم اشاحت بوجهها الناحية الأخرى فلا تزال ضائقة بشدة لضربه لها، خاصةً أنها مدللة العائلة ولم يتعامل أحدهم معها بهذه الطريقة العنيفة من قبل
أما يونس نظر إليها بطرف عينيه ثم قال موجهًا حديثه إلى يوسف وكأنها غير موجودة :
-بتعمل ايه هنا يا يوسف
-قاعد مستنيك علشان اصالحكم على بعض ويلا كل واحد يعتذر للتاني علشان نخلص من الليلة دي
وصاحت رقية بدلال رافضة الأمر ولا تزال مشيحة بوجهها الناحية الأخرى بعيدًا عن يونس :
-لأ طبعًا انا مش هعتذر الأول علشان هو اللي غلط الأول وضربني كف حاسة اني نص وشي وارم لحد دلوقتي، ثم يرجعلي شنطتي وموبايلي أعتذر غير كده لأ
ابتسم يونس بإستهزاء شديد ليضع كفيه داخل جيوب بنطاله هاتفًا بسخرية :
-يا اختي حلوة وكمان بتتشرطي!؟ طب خدي دي عندك انا مش هعتذر ولا هرجع الشنطة ولا الموبايل، والبحر وراكي اشربي منه على قدر ما تقدري ولو انتي دماغك ناشفة فأنا دماغي حجر
استدار وهم بالرحيل فنظرت رقية إلى يوسف بغيظ وكأنه تقول انظر كم هو وقح بينما الآخر رفع منكبيه بقلة حيلة غير متعجب من وقاحة أخيه، عاد يونس لهما مرة أخرى بعدما سار عدة خطوات فقط ليقول بضيق وهو يشير إليهما :
-ويلا أنجر منك ليها قدامي علشان هتمطر دلوقتي وانا معنديش طاقة أسهر على حد فيكم لو خد دور برد
تعالت ضحكات يوسف في المكان ثم قال وهو ينكز رقية والتي ابتسمت كابتة ضحكتها فهم اخوة رغم الاختلافات :
-والله أحن بني آدم ممكن تشوفيه بس عيبه إنه دبش ميعرفش يعبر عن اللي جواه بالكلام
اتجه ثلاثتهم إلى البناية تزامنًا مع حضور حمزة وهو يجر كريم خلفه كما الكتكوت والآخر يضحك بقوة على سباب أخيه المتتالية منذ أن أتى به من المقهى والذي مكث به غير مدرك للوقت مندمجًا في متابعة مبارايات كرة القدم
وقف حمزة محدقًا في أبناء عمه الثلاثة ولوجودهم الآن معًا فعلى الأرجح تم حل الخلاف بينهم، تحدث بضيق وهو ينظر إلى أخيه محدجًا إياه بغيظ :
-يلا يا كراميلا اطلعي وعيب بعد كده تفضلي برا البيت بعد الساعة تسعة خافي على سمعتك
ضحك كريم بقوة وهو يضم ذراع أخيه ثم هتف بصوت أنثوي مدعي الخجل :
-خلاص بقى يا أبيه هو انت يعني جايبني من شقة مفروشة
طالعه حمزة بتشنج بينما اخفضت رقية وجهها أرضًا تكتم ضحكاتها خاصةً عندما قال يونس وهو يشير إليهما :
-شايفين الأخوات مش انتوا رافعين ضغطي أربعة وعشرين ساعة حتي محدش فيكم مراعي إني راسي متخيطة
توقفت سيارة أجرة أمام البناية جاذبة انتباههم ثم ترجلت منها نور وهى تسير مستندة عليها بينما وجهها يبدو عليها أثر البكاء الحاد، عقد حمزة حاجبيه بتعجب لوجودها في الخارج حتى هذه الساعة المتأخرة وقد زاد انعقاد حاجبيه عندما أبصر ياسر يترجل هو الآخر من السيارة
تقدم هو ويونس ويوسف منهما بينما ظلت رقية تقف مع كريم في الخلف يتابعون ما يحدث، إذ تساءل يونس متعجبًا وجودهما في الخارج حتى هذه الساعة :
-فيه مشكلة معاك يا ياسر ولا ايه؟؟
مسح ياسر وجهه يشعر بقلق شديد على عائشة فحتى الآن لا يزال هاتفها مغلقًا ولا أثر لها في أي مكان :
-مش لاقين عائشة وتليفونها مقفول وروحت الكلية ومش موجودة هناك، لفينا عليها أوضة أوضة مع العامل وحتى سألنا عنها في المستشفيات مفيش
ضرب كريم كف على الآخر لا يدري ما الذي أصاب هؤلاء الفتيات فكل يوم تحدث كارثة لواحدة منهن :
-لا إله إلا الله انتوا لو حد عملكم سحر مش هيبقى كده، هو كل يوم واحدة فيكم تايهة
نظر حمزة إلى نور الواقفة خلف ياسر ووجهها أرضًا وكم ود أن يسألها إن كانت بخير فلا تبدو كذلك، نظر خلفه إلى رقية حتى تتقدم وتسألها هى بدلًا عنه، والأخرى كانت سريعة الفهم والملاحظة وفهمت ما يريد
تقدمت من نور حتى تواسيها قائلة :
-هنلاقيها يا نور ان شاء الله متخافيش، انتى كويسة؟؟
رفعت الأخرى وجهها إليها بعينين منتفختين من شدة البكاء على اختفاء شقيقتها تشعر بالذعر الشديد من أن يحدث مع عائشة مثل ما حدث معها هى حين حاول ذلك السائق اختطافها، نفت برأسها سؤالها الثاني فقال حمزة وهو يحاول أن يكون هادئًا :
-خديها يا رقية فوق ومتخافيش يا نورهان هنلاقيها بإذن الله
أيد يونس حديثه إذ قال موجهًا حديثه لياسر :
-انا هتصل على الأقسام القريبة علشان لو حصلها حاجة وهخلي يوسف يشوف المستشفيات القريبة من الكلية، بس هى ليها حد ممكن تروحله يعني زي ما حصل مع نور وطلعت عند صاحبتها اللي اخدتها المستشفى دي
نفت نور وهى تمسح وجهها من الدموع التي أخذت تهبط دون إرادة منها ثم قالت :
-معرفش ليها صحاب علاقتها معاهم زمالة وبس علشان لسه أول سنة
آماء يونس وهو ينظر إلى قطرات المطر التي بدأت في الهطول معلنة بِدأ العاصفة الرعدية التي تحدثت عنها الارصاد الجوية :
-خير ان شاء الله تعالوا بس جوا علشان هتمطر دلوقتي
سارت نور مع رقية للداخل بينما قال ياسر وهو يسير ببطء يشعر أن جروح ظهره قد فتحت بسبب المجهود الذي بذله وهو يذهب ويتحرك هنا وهناك للبحث عن عائشة :
-يوسف هو مش انت دكتور؟
آماء يوسف بأجل ولم يخفى عنه سيره ببطء هكذا وكأنها مصاب :
-ايوه يا ياسر مالك انت كويس؟؟
ورغم أن حالته الآن سيئة بشدة فمن قوة دفعه للحائط انشق جرح عميق في ظهره وقام الطبيب بخياطته وطلب منه الراحة ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن للأسف :
-انا تمام بس عندي جرح في ضهري بسبب إصابة عمل عايزك تشوفلي كويس ولا لأ وتغيرلي على الجرح علشان مش هعرف أطوله انا، معلش هتعبك معايا
-لأ خالص مفيش تعب انا اصلًا دكتور ودي وظيفتي
سانده حتى يسير معه وصعدوا إلى الطابق الثالث حيث كان صياح أسماء يصدح من الداخل وهى تسأل نور مائة سؤال في الدقيقة الواحدة فقال ياسر وهو يجذب يوسف حتى لا يدخلوا :
-معلش يا يوسف خدني مكان تاني علشان لو عمتي شافت الجرح هتصوت وتطلم انا عارفها
اقترح كريم الدخول عندهم فوافق ياسر بعد تردد فكريم وحمزة رجال البيت موجودين ويونس ويوسف سيدخلون معه إذًا لا حرج في الدخول
جلس على الاريكة وأخذ ينزع ملابسه العلوية ببطء وصعوبة بمساعدة يوسف والذي عقد حاجبيه من الشاش الملتصق بظهر ياسر من الأعلى إلى الأسفل، ليشعر ان الجرح ليس أبدًا بهين وهذا ما ثبت عندما نزع الشاش بحذر، مبصرًا جرح طويل وعميق مقطب بخمسة عشرَ غرزة على الأقل
اتسعت أعين كريم مما رآه وقد دلف حتى يحضر شاش وقطن لكن ما ان رأى هذا الجرح حتى هتف مصدومًا :
-ياسر انت حصلك إصابة عمل ولا اتخانقت مع بلطجي وعملك عاهة مستديمة بمطوة؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍