المكان: شقة مريم (غرفتها) – ليلًا.
كانت الغرفة عبارة عن حقل ألغام من الكتب والمراجع؛ "أطلس" التشريح مفتوح على السرير، وكتب "الفيزيولوجيا" تفترش الأرض، ورائحة البخور الخفيفة تحاول يائسة التغلب على "كآبة المذاكرة". مريم كانت تجلس على المكتب، ترتدي "بيجامة" شتوية مريحة، وتربط شعرها بطريقة عشوائية (كحكة)، بينما كانت سارة منبطحة على السرير، وبدلاً من كتاب "البايوكيمستري"، كانت تمسك بقطعة بيتزا باردة.
سارة (وهي تمضغ بستمتاع): "بقولك إيه يا مريم.. سيبي اللي في إيدك ده وتعالي كلي حتة، البيتزا دي بتفرز 'إندورفين' أحسن من أي دواء في الصيدلية.. الميتابوليزم بتاعك هيشكرك والله!"
مريم (دون أن ترفع عينها عن الكتاب): "يا بنتي سيبيني أخلص، 'دورة كريبس' دي عاملة زي المتاهة، كل ما أطلع من حتة أدخل في التانية.. وبعدين إنتي إزاي قادرة تاكلي ونفسك مفتوحة والامتحان فاضل عليه يومين؟"
سارة (وهي تقترب من مكتب مريم): "بصي يا دكتورة.. أنا قررت أتعامل مع الطب بمبدأ 'اللي يتفهم يتفهم، واللي ميتفهمش يتسكن'. وبعدين تعالي هنا.."
(سارة سحبت القلم المحفور عليه اسم مريم من وسط الكتب بابتسامة خبيثة).
"القلم ده بقاله أسبوع مش بيفارق إيدك.. هو المذاكرة منه فيها 'بركة عسكرية' ولا إيه؟"
مريم (بتحاول تسحب القلم وخجلها بدأ يظهر): "هاتي يا سارة وبطلي غلاسة! ده قلم عادي بس خطه مريح، وبعدين حرام أضيع هدية غالية زي دي وما أستخدمهاش."
سارة (بغمزة): "قلم عادي؟ طب وعيونك اللي بتلمع كل ما بتمسكيه؟ والـ 'سرحان المفاجئ' اللي بيجيلك وإنتي بتبصي لمجسم القلب الجديد؟ مريم.. أنتي 'وقعتي' يا دكتورة، والوقعة المرة دي جاية من القوات الخاصة يعني مفيش فيها هزار!"
مريم (تنهدت وسندت ظهرها على الكرسي بنظرة سرحانة): "تفتكري يا سارة؟ أنا خايفة أكون ببالغ في التفكير.. يعني هو أكيد عمل كدة ذوقياً عشان المجسم اللي انكسر ، والضابط عمر أكيد حياته مليانة انضباط وجدية، مش هيشغل باله بطالبة طب 'دحيحة' كل همها تخلص من مادة 'الفارماكولوجي'."
سارة (وهي تطبطب على كتف مريم بجدية نادرة): "يا هبلة.. اللي يقتحم 'مشرحة' ببدلة شيك عشان يديكي هدية، ميبقاش بيعمل واجب ذوقي.. ده بيبقى بيعمل 'عملية اقتحام' لقلب الدكتورة.. وبعدين أنتي مش أي دحيحة، أنتي مريم ، واللي يقف قدام محمود المشاكل عشان حقه، مفيش ضابط في الدنيا يقدر يقاوم شجاعته."
مريم (بابتسامة رقيقة): "ماشي يا 'فيلسوفة الغبرة'.. قومي بقى وريني شجاعتك في شابتر 'الكربوهيدرات' ده، بدل ما نلبس في الحيط إحنا الاتنين بعد بكره."
سارة (وهي ترجع للسرير بكسل): "حاضر يا ستي.. بس ينفع أطلب 'سي فود'؟ أصل أنا محتاجة 'أوميجا 3' عشان الذاكرة!"
ضحكت مريم من قلبها، وشعرت أن حمل المذاكرة أصبح أخف قليلاً، بينما كان القلم في يدها يهمس لها بأن القادم أجمل.
الساعة الرابعة عصراً – أمام بوابة الكلية.
خرجت مريم وسارة من بوابة الكلية الحديدية، والزحام حولهما في ذروته؛ أصوات "الكلاكسات"، نداءات الباعة، وحركة المارة السريعة. كانت مريم تحمل حقيبتها الثقيلة وتعدل "طرحتها" التي أرهقها هواء اليوم الطويل، بينما كانت سارة تثرثر كعادتها عن صعوبة أسئلة "الفارما".
فجأة، توقفت مريم عن المشي وتجمدت عيناها على جانب الطريق. هناك، خلف زحام السيارات، كانت تقف سيارة "جيب" سوداء فخمة ونظيفة لدرجة تعكس ضوء الشمس، ويستند عليها عمر. لم يكن يرتدي البدلة الرسمية، بل كان يرتدي قميصاً أبيض "سليم" وبنطالاً زيتياً، ونظارته الشمسية السوداء كانت تخفي عينيه، لكن وقفته كانت تقول بوضوح إنه "ينتظر شخصاً ما".
سارة (بشهقة مكتومة وهي تضرب مريم في كتفها): "مريم! شوفي مين واقف هناك.. يا لهوي! ده قالب المكان 'سينما'. أنا قلت برضه 'البسطار' اللي سمعناه في المشرحة مش هيقف لحد هنا!"
ارتبكت مريم وحاولت الالتفاف للجهة الأخرى: "سارة، بلاش جنان.. يمكن مستني عميد الكلية، أو عنده مصلحة هنا.. تعالي نمشي بسرعة قبل ما يشوفنا."
لكن عمر كان أسرع، فقد رفع نظارته الشمسية فوق رأسه، وارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الهادئة التي "تزلزل" ثبات مريم، وأشار لهما بيده.
عمر (وهو يقترب منهما بخطوات واثقة): "دكتورة مريم.. دكتورة سارة. كويس إنكم خلصتوا، أنا كنت لسه هفكر أدخل المشرحة تاني أدور عليكم."
مريم (بصوت يخرج بصعوبة وخجل): "أهلاً.. يا عمر. حضرتك واقف هنا بقالك كتير؟"
عمر (وهو ينظر في عينيها مباشرة): "مش كتير.. المهم إنكم طلعتوا بالسلامة من يوم 'الضغط العالي' ده. شكل التعب باين عليكم جداً."
سارة (بمناغشة مصرية أصيلة): "تعب بس يا سيادة الضابط؟ ده إحنا 'اتشرحنا' النهاردة أكتر من الجثث اللي جوه! أنا عن نفسي الـ ATP عندي خلص، ومحتاجة 'شحن' فوري."
عمر (يضحك برقي وهو يفتح باب السيارة): "وده بالظبط السبب اللي خلاني أقف هنا. أنا قلت أكيد الدكاترة محتاجين 'هدنة' قبل ماراثون الامتحانات اللي بيبدأ الأسبوع الجاي.. وعشان كدة، الغدا النهاردة عندي، وممنوع الاعتراض."
مريم (بتردد): "بس يا عمر.. إحنا لسه ورانا مذاكرة، وكمان..."
سارة (بتقاطع مريم وبسرعة الصاروخ): "كمان إيه يا مريم؟ المذاكرة مش هتطير! وبعدين السيادة الضابط بيقول 'ممنوع الاعتراض'، وأنا كطالبة ملتزمة بسمع الأوامر العسكرية جداً.. وخصوصاً لو الغدا فيه 'سي فود' وأوميجا 3 زي ما اتفقنا!"
عمر (بغمزة ذكية لسارة): "سي فود.. ومكان هادي يطل على النيل، عشان مريم تنسى 'دورة كريبس' والميتابوليزم خالص لمدة ساعتين. ها.. يا دكتورة؟ موافقة؟"
نظرت مريم لعمر، وجدت في عينيه إصراراً مغلفاً بحنان لم تعهده، وشعرت أن مقاومتها تتبخر أمام هيبته. ابتسمت برقة وقالت: "موافقة.. بس بشرط، سارة اللي هتختار المنيو عشان هي اللي بتفهم في الشحن الفوري!"
عمر (بابتسامة انتصار): "اتفقنا.. اتفضلوا."
ركبت مريم في المقعد الأمامي بجانب عمر، بينما قفزت سارة في الخلف وهي تهمس لنفسها: "يا عيني على الرومانسية الميري.. النهاردة الغدا أوميجا 3، وبكره القلب BPM يوصل للألف!"
وانطلقت السيارة تشق زحام القاهرة، تاركة خلفها أسوار الكلية، لتبدأ رحلة جديدة بعيدة عن الكتب والجثث.
الساعة الخامسة مساءً – مطعم هادئ يطل على النيل.
استقرت السيارة أمام مطعم خشبي أنيق، النيل يمتد أمامه كمرآة تعكس ألوان الغروب البرتقالية والبنفسجية. المكان كان هادئاً، بعيداً عن صخب "القصر العيني" وضجيج "الميكروباصات". نسيم النيل البارد بدأ يداعب خصلات شعر مريم المتمردة من تحت طرحتها، مما جعلها تشعر براحة لم تذقها منذ شهور.
جلسوا على طاولة مستديرة بجانب السور مباشرة. سارة كانت مشغولة بتصوير المنظر "سناب شات" وكأنها في مهمة قومية، بينما كان عمر يراقب مريم التي كانت تتأمل المياه بصمت.
عمر (بصوت منخفض وهادئ): "المكان عجبك يا مريم؟"
مريم (بابتسامة رقيقة): "جداً يا عمر.. بجد كنت محتاجة الهدوء ده. الكلية والكتب بيخلوا الواحد ينسى إن في جمال زي ده في القاهرة."
سارة (بمقاطعة وهي تضع المنيو): "الجمال الحقيقي هو اللي هيتحط على الترابيزة دلوقتي! أنا طلبت 'شوربة سي فود' وكابوريا مشوية.. الأوميجا 3 يا جماعة بتنادينا!"
ضحك عمر، وبدأ الحوار ينساب بينهم بعفوية. عمر حكى لهم عن صعوبة التدريبات في القوات الخاصة بلهجة فيها فخر وتواضع، ومريم كانت تسمع له بتركيز وكأنها تداوي تعبه بآذانها. وفجأة، اهتز هاتف مريم على الطاولة.
الشاشة تضيء بـ: (زياد يتصل...)
تغيرت ملامح مريم قليلاً، وشعرت بارتباك. نظرت لعمر الذي لاحظ تغير وجهه فوراً، لكنه ظل محتفظاً بهدوئه وبروده العسكري.
مريم (بتردد): "ده.. ده زياد زميلي في الدفعة، أكيد بيسأل على 'شيت' العملي."
فتحت مريم الخط، وجاء صوت زياد حاداً وقلقاً:
"أيوة يا مريم، أنتي فين؟ سألت عليكي في الكافتيريا وقالوا إنك مشيتي مع.. مع الضابط ده. أنتي عارفة إننا ورانا مذاكرة والوقت ضيق؟"
مريم (بثبات وهي تنظر لعمر): "أنا في استراحة قصيرة يا زياد، محتاجة أغير جو عشان أقدر أكمل. المذاكرة مش هتطير في ساعتين.. شكراً لسؤالك، سلام دلوقتي."
أغلقت مريم الهاتف، وساد صمت قصير قطعه صوت عمر الواثق.
عمر (بابتسامة ذكية): "يبدو إن زميلك مهتم بمذاكرتك جداً.. أو ربما مهتم بحاجة تانية."
سارة (بغمزة): "زياد ده يا سيادة الضابط 'رادار' الدفعة، بس الرادار بتاعه بيعلق دايماً لما مريم بتغيب عن عينه."
مريم (بخجل): "يا جماعة بلاش إحراج.. زياد مجرد أخ وزميل جدع، هو بس قلقان من الامتحان."
عمر (بجدية مفاجئة وهو يقترب بجسده قليلاً): "مريم.. أنا مش ضابط بس، أنا كمان بعرف أقرا العيون كويس. والمهم عندي دلوقتي مش زياد.. المهم هو أنتي. أنا عايزك تركزي في امتحاناتك، وعايزك تعرفي إن 'الهدنة' دي مش الأخيرة.. أنا موجود لو احتاجتي أي دعم، عسكري أو طبي."
نظرت مريم لعينه، وشعرت أن قلبها الذي كان يدق بعنف بدأ يهدأ ويشعر بالأمان. وفي تلك اللحظة، وصلت أطباق "السي فود" الساخنة، لتعلن سارة بداية "المعركة" اللذيذة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!