الفصل 5 | من 7 فصل

رواية في ممرات الحب الفصل الخامس 5 - بقلم Hanaa

المشاهدات
9
كلمة
39
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

المكان: طرقة الاستقبال بمستشفى القصر العيني – الساعة الرابعة فجراً.

كان الممر يغص بحركة مجنونة لا تهدأ؛ صرخات استغاثة، "تروليات" تجري بسرعة الصاروخ، ورائحة المعقمات النفاذة التي أصبحت "العطر الرسمي" لمريم وشلتها. مريم كانت تقف بـ "السكرابز" الأزرق السماوي، شعرها مربوط بـ "كحكة" عشوائية تحت الكاب الطبي، وفي رقبتها سماعة الطبيب التي تعانق السلسلة الذهبية الرقيقة (هدية عمر).

سارة (وهي تجري بجانب مريم ببالطو مليء ببقع القهوة): "مريم! الحالة اللي في أوضة 4 ضغطها بيقع، والنائب الرزل مش بيرد على موبايله.. شكلنا هنلبس في أول 'شفت' لوحدنا يا دكتورة!"

مريم (بثبات الدكاترة اللي اتعودوا على النار): "اهدي يا سارة، جهزي الـ IV Line فوراً واطلبي التحاليل، أنا هتعامل مع الحالة لحد ما النائب يصحى.. إحنا دكاترة امتياز، يعني إحنا اللي بنشيل الليلة!"

بعد ساعتين من "المعافرة" والتوتر، استقر الأربعة (مريم، سارة، أحمد، وزياد) في "غرفة الأطباء" الصغيرة المتهالكة، وسط أكواب القهوة الفاضية ولفات الفلافل الباردة.

أحمد (وهو يفتح لفة الفلافل بيأس): "يا جدعان، أنا بقالي 24 ساعة صاحي، وحاسس إن عيني بدأت تعمل 'رفرفة' زي اللمبات المحروقة.. الفلافل دي هي اللي مخلية قلبي لسه بيدق!"

زياد (بضحك وهو يرمي عليه علبة مناديل): "رفرفة إيه يا ابني؟ ده 'رمد' من كتر المذاكرة! بس بجد، حد كان يتخيل إننا هنخيط جروح لبلطجية بجد؟ أنا امبارح واحد كان عايز يضربني بالمشرط لو مخلصتش بسرعة!"

فجأة، اهتز هاتف مريم بنغمة عمر الخاصة، لترتسم على وجهها المنهك ابتسامة رقيقة جداً. فتحت الخط بهدوء: "أيوة يا عمر.."

لم تكد تنطق الاسم حتى تحولت الغرفة لساحة "مناوشات" بقيادة سارة.

عمر (بصوت هادئ عبر الهاتف): "الدكتورة مريم لسه صامدة في وردية الليل؟"

مريم (بتحاول تبتسم برقة): "لسه يا عمر.. الاستقبال النهاردة كان عامل زي ساحة حرب بجد."

سارة (بصوت عالي وهي بتمثل إنها بتكلم مريض): "يا حاج! وسع كدة يا حاج عشان الدكتورة مريم بتكلم 'سيادة الجدار البشري'! افتحوا الطريق يا جدعان للرومانسية الميري!"

مريم (بإحراج وهي بتغطي الموبايل): "سارة! بس بقى فضحتيني.. معلش يا عمر، أصل.."

عمر (بيضحك في التليفون بصوت مسموع): "ولا يهمك، أنا سامع سارة.. قولي لها إن 'الجدار' سامع كل حاجة."

أحمد (بينادي بصوت عالي وهو بياكل): "يا سيادة الضابط! لو في 'دعم لوجستي' جاي، خلي فيه 'حواوشي' زيادة، زميلتك مريم مأكلتناش غير فلافل وبروتين نباتي طول الليل!"

زياد (بابتسامة وهو بيناغش مريم): "قوليله يا مريم يسيبك تركزي، الرومانسية دي بتعمل Vasodilation (توسع أوعية) في المخ وبننسى الجرعات!"

مريم (بوجنتين محمرتين): "عمر.. أنا بجد بعتذر على الشلة البايخة دي."

عمر (بحنان وثقة): "مبسوط إنك وسط صحاب بيحبوكي كدة. المهم، أنا قدام بوابة المستشفى دلوقتي، وسايب شنطة 'طوارئ' مع الأمن، فيها قهوة وحواوشي مخصوص لأحمد عشان ميفضحناش.. اطلعي خديها قبل ما تبرد."

مريم (بدهشة وفرحة): "بجد يا عمر؟ أنت جيت مخصوص في الوقت ده؟"

سارة (بتحط ودنها جنب الموبايل وبتصرخ): "بتقول إيه؟ حواوشي؟ طب ما فيش 'صاعقة' تيجي تاخدنا من هنا بالمرة؟ الكلية دي محتاجة مداهمة يا فندم!"

مريم (قامت وقفت بسرعة وهي بتضحك): "خلاص يا عمر، أنا طالعة حالاً.. سلام قبل ما يخلصوا عليا هنا!"

أغلقت مريم الخط، والتفتت للشلة وهي بتمثل العصبية: "ارتحتوا؟ فضحتوني قدام الراجل! والله ما حد فيكم هياكل لقمة من الشنطة دي!"

سارة (وهي بتجري ورا مريم): "بقينا كدة يا مريم؟ نبعت لك عمر يلمك؟ استني يا دكتورة، الحواوشي ده حق 'الأنتيم' والسهيرة!"

وانطلقوا جميعاً يجرون في الممر بضحكات خفتت من تعبهم، لكنها أضاءت ليل المستشفى الطويل.



المكان: كورنيش النيل – ليلة هادئة.

كانت مريم تسير بجانب عمر بخطوات بطيئة، نسمات الهواء الباردة تداعب وجهها، بينما كان الصمت بينهما يحمل الكثير من الكلمات. مريم اليوم كانت تبدو شاردة، وكأن ضغط العمل في المستشفى بدأ يختلط بقلق من نوع آخر.

عمر (بصوت هادئ وهو يلاحظ شرودها): "الدكتورة مريم فين النهاردة؟ بقالنا ساعة ماشيين وأنتي ما قلتيش ولا مصطلح طبي واحد.. ولا حتى سارة رنت عليكي تطلب 'أوميجا 3'!"

مريم (تنهدت بابتسامة باهتة): "موجودة يا عمر.. بس كنت بفكر في 'الصعوبات' اللي بنواجهها كل يوم. أنا في المستشفى بشوف الموت والحياة كل دقيقة، وأنت في شغلك.. حياتك دايرة بين الخطر والواجب."

توقفت مريم ونظرت إليه بعينين يملؤهما التساؤل:

"عمر.. أنت ما بتخافش؟ قصدي.. لما بتطلع مأمورية، أو لما بتواجه خطر.. ما بيفكرش قلبك في الناس اللي بيحبوك ومستنيين رجوعك؟"

عمر (نظر للنيل بعمق، ثم التفت إليها بجدية): "الخوف موجود يا مريم، اللي يقول مابخافش يبقى بيكذب.. بس الفرق إن 'الواجب' عندي أقوى من الخوف. زمان كان خوفي على أهلي بس، لكن دلوقتي.."

(صمت عمر قليلاً ثم أكمل بنبرة دافئة)

"دلوقتي بقى عندي سبب زيادة يخليني أحافظ على نفسي وأرجع بالسلامة.. عشان في دكتورة شجاعة مستنياني ومعاها 'شنطة الإسعافات' بتاعتها."

مريم (بدموع محبوسة): "أنا بدعي لك في كل سجدة يا عمر. بس بجد، الحياة صعبة.. أحياناً بحس إننا بنحارب في جبهتين؛ جبهة الطب وجبهة القلق."

عمر (أمسك يدها بلطف لكي يطمئنها): "دي ضريبة الطريق اللي اخترناه يا مريم. أنتي اخترتي تداوي جروح الناس، وأنا اخترت أمنع الجروح دي قبل ما تحصل. إحنا الاتنين 'جيش' واحد، بس بملابس مختلفة."

في هذه اللحظة، رن هاتف عمر بنغمة "خاصة" وسريعة. تغيرت ملامحه فوراً، تحولت نظراته الدافئة إلى نظرات صقر مستعد للانقضاض. رد باقتضاب: "تمام يا فندم.. نص ساعة وأكون في الموقع."

أغلق الهاتف ونظر لمريم بأسف: "لازم أمشي يا مريم.. مأمورية طارئة."

مريم (وقلبها انقبض فجأة): "عمر.. خلي بالك من نفسك. وحياة أغلى حاجة عندك، ارجع لي بخير."

عمر (بابتسامة واثقة وهو يبتعد): "وعد يا دكتورة.. نلتقي بكرة."

مريم ظلت واقفة مكانها، تراقب خياله وهو يبتعد بسرعة، وشعور غريب بالانقباض يسيطر على صدرها، كأن شيئاً كبيراً على وشك الحدوث.



المكان: طوارئ مستشفى القصر العيني – الساعة الثالثة فجراً.

كان السكون يطبق على الممرات، ومريم تجلس خلف مكتبها، شاردة في "سماعة الطبيب" والسلسلة التي في رقبتها، وكأن قلبها كان يشعر بالعاصفة القادمة. فجأة، انشق صمت الليل بصوت "سارينات" الإسعاف المتداخلة، صرخة معدنية هزت جدران المستشفى.

سارة (قفزت من نومها مفزوعة): "في إيه؟ القصر العيني اتهد ولا إيه يا مريم؟"

لم ترد مريم، بل ركضت نحو البوابة الخارجية. ما رأته كان يفوق الخيال؛ أسطول من سيارات الدفع الرباعي المموهة تقتحم الساحة، رجال ملثمون بأسلحتهم يقفزون منها، وصوت أحذية عسكرية (بساطير) تضرب الأرض بإيقاع جنائزي.

المسعف (يصرخ وهو يجر "الترولي" بعنف): "حالة طلق ناري نافذ! نزيف داخلي حاد! العمليات لازم تفتح حالاً!"

اندفعت مريم وسط الفوضى، تشق القفازات الطبية بأسنانها من السرعة. وفجأة، تسمرت مكانها. رأت عمر. لم يكن "عمر" الذي تعرفه بملابسه الأنيقة أو هدوئه القاتل. كان يرتدي زيه العسكري الممزق، وجهه مطلي بسواد البارود ومخطط بدم جاف، وعيناه العسلية التي كانت دوماً واثقة، كانت الآن غارقة في رعب لم تره من قبل.

كان يدفع "الترولي" بنفسه، ويداه تضغطان بكل قوتهما على صدر رفيقه خالد.

عمر (بصوت مبحوح، يصرخ بجنون وهو يرى مريم): "مريم! مريم إلحقيني! خالد بيضيع مني.. الدم مش عايز يقف يا مريم! عملت كل الإسعافات اللي اتعلمتها ومش عايز يفتح عينه!"

مريم (بذهول لثانية واحدة): "خالد؟!"

عمر (امسك بكتف مريم بقوة هزت جسدها، وصوته يرتجف): "أرجوكي.. أنتي قلتي إنك دكتورة شاطرة.. أثبتي لي ده دلوقتي! خالد أخد الرصاصة مكاني يا مريم.. كان المفروض أنا اللي أكون مكانه! لو جرى له حاجة أنا مش هسامح نفسي.. مش هسامح نفسي!"

كانت مريم ترى "بطلاً" ينهار أمامها، لكن غريزة الإنقاذ كانت أقوى. صرخت مريم بصوت هز ردهة الطوارئ، صوت لم يعهده عمر منها:

مريم (بصرامة): "سيادة الضابط! شيل إيدك فوراً! أنت بتضغط غلط وممكن تدمر الرئة! سارة.. 4 أكياس دم O Negative حالاً! بلغي دكتور الجراحة إننا داخلين "Major Trauma" (إصابة كبرى)! عمر.. ابعد عن الطريق، دلوقتي أنا القائد هنا.. فاهم؟"

دفعته مريم بقوة ليفسح المجال للممرضين، واختفت مع الترولي داخل ممر العمليات المظلم، تاركة عمر يقف في منتصف الصالة، يداه مرتجفتان ومغطيتان بدم رفيقه، ينظر للباب الذي أُغلق في وجهه وكأنه باب القدر.

الفقرة الدرامية: "خلف أبواب العمليات"

مرت الساعات كأنها دهر. في الخارج، تحول الطرقة لغرفة انتظار حربية. عساكر وضباط يقفون بصمت، وعمر يجلس على الأرض، مسنداً رأسه على الحائط البارد، وعيناه مثبتتان على الضوء الأحمر فوق باب العمليات.

اقترب زياد ببطء، حاملاً كوباً من الماء الممزوج بالسكر. جلس بجانب عمر على الأرض، في مشهد كسر كل حواجز الغيرة القديمة.

زياد (بهدوء): "اشرب دي يا سيادة الضابط.. عشان تقدر تقف على رجلك لما يخرج."

عمر (دون أن ينظر إليه، وصوته كأنه خارج من بئر سحيق): "أنا شفت الموت كتير يا زياد.. بس أول مرة أخاف كدة. خالد مش بس رفيقي، ده أخويا.. كان بيضحك معايا قبل المأمورية بنص ساعة وبيقولي 'هعزمك على سبوع ابني اللي جاي'.. ودلوقتي هو جوه بين إيدين مريم."

زياد (بثقة): "وعشان هو بين إيدين مريم، أنا بقولك اطمن. مريم في العمليات مابتشوفش قدامها غير هدف واحد.. إنها ترجع الروح لجسمها. هي مش بس دكتورة، هي محاربة زيك بالظبط."


ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...