تحميل رواية جامحه بقلبه بقلم داليا السيد pdf
بقلم داليا السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ جامحه بقلبه بقلم داليا السيد.
الفصل 1
مرض.. لقاء
لم تعد ساقيها تحملانها، سارت كثيرا بلا هدى، لم تجف دموعها ولم يهدأ قلبها
تنفست عبير البحر، اليود قد يقتل اليأس ويعيد لها أي طاقة إيجابية جديدة لكن..
للأسف، مات الأمل، سقط وهي ترى الطبيب يخبرها بدم بارد أن التحاليل إيجابية.. الزمن توقف عندها.. فقدت أي شعور بما يمر من حولها..
"للأسف مدام، التقارير تقول أن هناك ورم خبيث ومن الأفضل البدئ بعلاج كيميائي"
أغمضت عيونها البنفسجية، لونهما كانا هبة من جدة والدتها الفرنسية، كما هو لون شعرها الأحمر القاتم، مائل للنحاسي..
جمالها كان مميز، لم ترث الجمال فقط بل الذكاء، المهارة، بعملها كمديرة تسويق إعلانات، امتازت بلمسة فنية وذوق رفيع بكل شيء خاص بالفن، حتى أنها سعت لشركات الأزياء على وجه الخصوص للعمل لحسابها ونجحت ولكنها لم تتوقف عن هوايتها المفضلة حتى..
صافرة سيارة عابرة بسرعة على الكورنيش جعلتها تفزع وتتجمد بمكانها، مرت السيارة بجوارها حتى كادت تلامسها وهي لم تكن تشعر بشيء
كل ما كانت تفكر به هو ابنتها.. ما زالت صغيرة لتستوعب فكرة مرض أمها، بل موتها، ذلك المرض لا شفاء منه
ركبت السيارة الأجرة، لم يمكنها القيادة منذ عرفت باحتمالية اصابتها بذلك المرض.. الآن بعد أن تأكدت عليها النظر لأمور كثيرة بحياتها..
عمتها رحلت لباريس حيث ستبقى مع ابنتها لوقت لا تعلم نهايته، كل أقارب أمها انفضوا من حولها منذ رحلت أمها، ماتت بنفس المرض وقد صارعت الكثير قبل رحيلها وهي الآن تنتظر نفس المصير..
الآن أيلا، ابنتها..
هي كل ما ترغب بتأمينها ومنحها حياة تستحقها وهي لا تعرف كيف تفعل ذلك؟
ما أن نزلت على أول شارعهم حتى تنفست وسارت حيث الشقة الفاخرة التي تقيم بها، عملها مربح جدا، لم تعاني من الفقر لا بحياة والدها ولا منذ سلكت ذلك الطريق ومع ذلك حقيقتها ستظل تلاحقها
ألم يخبرها ذلك؟
لفت ذراعيها حول جسدها، الدموع جفت، عليها التوقف عن البكاء لأن لا فائدة منه.. التفكير بمستقبل أيلا هو كل ما عليها فعله الآن..
تلقتها ابنتها ذات الأعوام الثلاثة بحضن تعشقه وهي ضمتها لها بقوة وهي تركع على الأرض أمامها
لولا الفحوصات التي أجرتها فقط لمجرد الاطمئنان على نفسها لأن والدتها وخالتها ماتا بذات المرض، ما سقطت بهذا الكابوس المخيف
هتفت الصغيرة "مامي تأخرتِ، سهيلة أخبرتني أنكِ لن تتأخري هكذا"
أبعدتها وهي تتأمل وجه صغيرتها الجميل، نفس العيون لكن أكثر قتامة بلون رمادي مثير، شعر أسود بدلا من النحاسي وبشرة تميل للأبيض أكثر من القمحي
"آسفة حبيبتي، الوقت سرقني"
حملتها بين ذراعيها وتحركت وفتاة عشرينية تقف أمامها "هل أعد الغداء مدام؟"
سهيلة مربية وطباخة ومدبرة منزل رائعة، حصلت عليها عندما كانت ترغب بعمل بأستوديو حيث كانت تقوم بتصوير أحد الإعلانات ورفضها المسؤول فبكت وهي لم تتحمل فأخذتها لتعمل عندها ونجحت خاصة مع أيلا..
جلست على الأريكة المريحة والفتاة بأحضانها وهي تنظر لسهيلة "هل تناولت أيلا طعامها؟"
لكن أيلا هي من أجاب " لا مامي، أنتظرك"
وضعت قبلة على وجنتها وقالت "حسنا حبيبتي، لنتناوله معا"
لعبت مع ابنتها محاولة تجاوز مأساتها وحدها حتى رحل اليوم
بالمساء استعدت لحفل يقيمه مدير الشركة التي تعمل بها بمناسبة حصوله على عقد شراكة مع شركة أزياء معروفة ولم يخبر أحد عن اسمها تاركا الأمر مفاجأة سيفجرها اليوم بالحفل وأمام الصحافة
الأمر كان بمثابة إنقاذ له من السقوط بالإفلاس..
كعادتها باختيار ملابسها كانت أنيقة جدا، بسيطة رغما عن ذلك، الكعب العالي مميز مع قامتها المعتدلة، فستانها الذهبي لمع مع احمرار خصلاتها المتهدل معظمها على أكتافها حتى منتصف ظهرها
كل العيون تحركت لها على الفور، هي تسرق الإعجاب بكل مكان تتحرك له والآن تفعل ومع ذلك لا تتلذذ بأي كلمات إعجاب من أي رجل
رجل واحد من كانت تنتظر منه كلمة واحدة وهو..
"أهلا بمهرتنا الجامحة"
سليم كامل، مدير تنفيذي بالشركة، نظراته لم تتبدل منذ أول يوم عمل لها بالشركة، حاول معها مرة ولكن جمودها أردعه
"أهلا سليم"
تجولت عيونها على الحضور، مساحيق التجميل أخفت آثار البكاء، نزعت الحزن وسجنته داخلها، هي المكلفة فقط بحمله وحدها وهي تفعل
"تبدين فاتنة كعادتك"
تعلمت كيف تكون حكيمة مع الغير، خاصة بعد أن أفقدها تسرعها كل شيء جميل بحياتها "شكرا، أين مستر محمود والباقين؟"
أشار بيده التي تحمل كوب العصير الذهبي وأجاب "الفريق كله هناك، لكن مستر محمود لم يظهر بعد، يقال أنه سيأتي مع شريكه الجديد"
عادت له وعيونها امتلأت بالفضول "والذي هو..!؟"
ابتسم وعيونه السوداء تلمع مع ضوء الحفل عليها "الذي لم يعرفه أحد بعد، ألا تخفين أنتِ الأمر عنا؟"
أشاحت بوجهها بعيدا عنه وهي تتجول على المدعوين "لا شيء لدي لأخفيه، اسمح لي"
وتحركت حيث يقف باقي فريق العمل الخاص بالشركة.. اعتادت عليهم مع الوقت، أمضت من الوقت معهم ما يكفي لتصبح واحدة منهم ومع ذلك كانت تضع قوانين لنفسها..
أطلقوا أصوات للترحيب بها، هي تحبهم جميعا وهم المثل.. المنافسة بينهم مشروعة لكن شريفة وإغلاق أبوابها بوجه الرجال أوقف غيرة النساء من حولها
اندمجت معهم، محاولة تجاهل ما تحمله من هموم.. سرقت لحظات سلام مع نفسها فما من داعي للسقوط الآن، عليها تأمين ابنتها أولا..
"لقد وصلوا"
وصلتها الكلمات، التفتت مع الجميع للباب، الانتظار شيء سيء، والفضول أسوء
رجال الصحافة تجمعت عند الباب الرئيسي للقاعة والكاميرات والهواتف اتخذت وضع الاستعداد حتى ظهر حشد كبير من الرجال المبالغ بمظهرهم، هكذا هم عادة أصحاب النفوذ والأملاك و.. السلطة
لم ترى أي وجوه من الازدحام..
الفلاشات أضاءت هنا وهناك، تعرفها وباتت تفر منها..
والجميع انفض من حولها متحركين تجاه الوفد الذي دخل وسرق كل الأضواء وكادت تتحرك هي الأخرى لكنها تجمدت بمكانها عندما ارتفعت تلك الرأس فوق الجميع..
هي تعرف تلك القامة، ذلك الشعر الأسود القاتم.. طويل يكاد يعانق عنق صاحبه..
تلك الجبهة العريضة التي ارتسمت عليها خطوط عريضة تعلن عن جدية صاحبها..
كانت تحدق به وقبل أن ترتفع رأسه أكثر لترى باقي ملامحه كانت قد عرفته فليست بحاجة لترى أكثر من ذلك لتعرف الرجل الذي كان بيوم ما..
زوجها..
****
الهواء البارد لم يفعل أي شيء معها، ما زالت حرارتها تتزايد بلا توقف، الحديقة لم تمنحها أي سكينة ولا إجابات على السؤال
إلى متى ستظل هاربة؟
لم تكن تعرف أنها ستنهار هكذا كالفأرة عند رؤيته بعد مضي تلك الأعوام، لم يرى أحدهما الآخر ولو حتى بالإعلانات..
رفضت تتبع أخباره، قررت نبذه خارج حياتها ولم ترغب بذكر اسمه حتى أمامها
لم يفكر يوما بأن ينظر خلفه، للحطام التي تركها ولم يبكي عليها بأي لحظة
أغمضت عيونها بألم، لماذا اليوم كل الصدمات تصفعها؟ لماذا تجمع الألم كله دفعة واحدة حتى أصبحت مخدرة من قوته؟
لماذا اليوم تجمع كلاهم.. المرض واللقاء؟
وضعت يدها على قلبها الذي حمل الألم فجأة لها وجعلها ترغب بالصراخ ربما يتوقف ولكن..
"ما زلتِ جبانة وتتجنبين المواجهة"
فتحت عيونها والدموع تحجرت بهما، صوته مميز، جاف، قاسي، لم يحمل الحنان بأي يوم
لم تلتفت له، دقات قلبها عالية، قد يسمعها ويهزأ منها كما اعتاد أن يفعل من كلماتها عن الحب..
الحب الذي حاولت أن تخبره به، تطالبه بأن يعرفه.. لكنها اعترفت أن ما بداخل صدره ليس قلب بل قالب من الثلج، حجر، لا ينبض بالحياة
لم تسمع خطواته، حذائه الأرماني الفاخر بالطبع لا يطلق همسة واحدة، قامته سدت ضوء القمر عنها، ولم ترفع وجهها لمواجهته
الضعف، الهزيمة بنظراتها له لذا، ظلت تحدق بصدره الذي واجها
لا قوة لها على اللقاء
"لا تخبريني أن معلوماتك أسقطت اسمي ولم تعرفي أني الشريك المنتظر، لذا أنتِ هنا؟"
هذه هي الحقيقة والتي لن يصدقها، لو علمت أنه هو الشريك المنتظر ما أتت أبدا لكن..
التفتت لتذهب، لا طاقة لها بحرب هي لن يمكنها أن تخوضها الآن، الهروب وسيلة جيدة لمنع الهزيمة أمام خصم هي لا قبل لها به لكنه لم يكن ليتركها..
ثلاثة أعوام ونصف مرا وكأن شيء لم يمر، ما زالت جميلة كما عرفها
عرف بأنها مسؤولة الإعلانات اليوم، منذ نصف ساعة بالتحديد ومحمود يتحدث عنها بفخر، وقتها حارسه الشخصي تحرى وعرف أنها هي ومنحه التأكيد.. ولم يكن هناك مجال للتراجع
الآن المواجهة.. اللقاء
هل سيتركها تفر؟
"لم يكن لدي أي معلومات عن أي شيء، الأمر لم يكن يخصني"
لطالما كانت جامحة، عنيدة، تواجهه بكبرياء، تثير غضبه وجنونه وتتحداه بطريقة لم يعرفها سوى معها حتى اصطدما بحائط سد وكان الانفصال والطلاق من بعده
نفخ دخان سيجاره بالهواء البارد ووصلها رائحة التبغ خاصته، تعرفه جيدا
كانت تحفظ كل ما يخصه، عرفته قبل أن يعرفها بشهور وسقطت بين معجباته بلا حذر ولكنها لم تستطع الحفاظ على الحلم
استيقظت على كابوس الطلاق..
صوته القاسي نفض عنها أي ذكرى "وأنتِ تستغلين أي طريق لتحقيق أحلامك؟ لا أظن ذلك"
استفزها، كعادته، التفتت، وسَحره البنفسجي بعيونها كما كان يفعل به
جمالها لا يمكن التغاضي عنه مهما حاول أن يفعل..
التصقت خصلة برموشها الطويلة وهي تبعدها بأصابعها الرفيعة والغضب سكن حتى نبرة صوتها لكنها كانت تجيب بهدوء اندهش منه
"تعلم أني لم أكن استغلالية بأي يوم رحيم، أنا كأي شخص يسعى لتحقيق ذاته لكني لم ألجأ لأي.. "
انحنى، اقترب من وجهها، أوقف الكلمات على أعتاب شفتيها، ونظرته القاتمة تخيفها، الاحتقار هو كل ما رأته وصوته جعلها ترتجف
"خداع؟ هل هي الكلمة التي تاهت منكِ؟ أنت أكبر مخادعة عرفتها بحياتي"
ارتفعت أنفاسها، لم تظن أن تأثيره عليها ما زال كما هو، لم ينتهي رغم ما كان بينهم، لطالما كانت تخافه وتهاب حتى الجدال معه
كانت صغيرة وهو لم يرى سوى أنها مخادعة..
الدموع حاولت السيطرة عليها ولكنها لم تمنحها الفرصة وهي ترد بنفس الهدوء "أنت تعلم أني لم أخدعك أبدا، كنت صريحة معك بكل شيء"
لم يبتعد، عطره الثقيل والفاخر ملأ أنفها، لا يستبدله أبدا، كل حياته روتين لا يتبدل وهي كانت جزء من الروتين حتى مل منها ولفظها بلا ندم..
"حقا!؟ وماذا عن كل ما كان؟"
الإجابة فرت منها، لم تعرف لماذا تهرب منها شجاعتها أمامه؟ ترى الضعف داخلها والانهزام مصيرها
همست "أنت حكمت قبل أن تسمعني، أنا كنت على استعداد لشرح كل شيء لكنك اخترت تصديق الأسهل وانتهى الأمر"
صمت حل بينهم، لم تجادله كما اعتادت، هل انتهت المعركة معها هكذا ورفعت رايتها البيضاء بسهولة؟
التفتت لترحل لكن قبضته كانت تقبض على ذراعها الرفيع لتوقفها "لم آذن لكِ لتذهبي"
أغمضت عيونها، هي لم تعد ترغب بأي جدال أو معارك مما كانت تملأ حياتهم، هي متعبة، مهزومة
ارتدت له، رفعت وجهها فهزمته دون أن تدرك بعيونها التي تلقي داخله قذيفة مميتة
غضبه ارتفع، كيف ما زال لها تأثير عليه بعد كل ما كان!؟
قالت بقوة واهنة "ظننت أننا انتهينا"
ظل وجهها مرتفعا ليواجه وجهه الغاضب، نظراته تكاد تحرقها بمكانها، أصابعه تعتصر ذراعها، أنفاسه تسقط على بشرتها الناعمة
صوت ناعم أوقف الحرب الصامتة بينهما "رحيم حبيبي هل هذا أنت؟"
أفلتها بالحال واعتدل ليواجه امرأة أنيقة جدا وجميلة تقف على بعد أمتار قليلة منهما..
بينما فركت هي ذراعها من أثر قبضته ولم تفكر بالنظر للمرأة ولم تهزها كلمة حبيبي، لطالما كانت تعرف أنه لن يكون لها بأي يوم
صوته تبدل بلحظة، التف بالحنان بعد القسوة والهدوء بعد العاصفة "أهلا حبيبتي، هذه مهرة، زوجتي السابقة"
أدركت من صوت كعب الحذاء أن المرأة تقترب وعندما وقفت بجواره كان عليها منحها نظراتها
كثيرا ما سمعت عنها وقت كانا متزوجين، الكل من حولها كان يتحدث عن نارا، المرأة التي كان من المفترض أن تتزوجه واختفت بمجرد إعلان زواجهم
عيون نارا العسلية لمعت عندما التقت بعيون مهرة، فستانها الأحمر كان جريء جدا وذراعه التفت حول خصر الجميلة بطريقة تملكية وعيونه تسقط عليها بنظرة لم تراها بعينيه من قبل
يد المرأة استقرت على صدره وهو يقول "هي تعمل لحساب محمود، مديرة الإعلانات لديه" ولف وجهه لها واختفت النظرة لأخرى تحمل القسوة لها "نارا خطيبتي"
لم تجد ما يمنعه من بدء حياة جديدة بعيدا عنها، كانت تحمل داخلها سكينة تجاه كل من حولها، فهي بطريقها للموت
حاولت الابتسام بصدق "أهلا نارا، مبارك الخطوبة"
ضحكت نارا بدلال مقصود طبعا "تأخرت المباركة ولكني سأعتبرها للزواج فنحن سنتزوج بعد عدة أيام، أليس كذلك حبيبي؟"
عاد لها، لا يعلم لماذا تبدل شيء داخله؟
حتى ابتسامة خطيبته بدت غريبة عنه؟
هناك ابتسامة أخرى كانت تأخذ عقله، تدير الدنيا من حوله وقد نساها لكن اليوم عادت تلف حوله وتجعله يبحث عنها
"بالطبع نارا"
إجابته كانت مختصرة لكن لم ينتبه أحد ومهرة تقول بلا ضغينة "إذن مبارك عليكم الزواج، اسمحوا لي"
وتحركت خارجة وأفلت هو المرأة ليجذب علبة السجائر من جيبه ويخرج واحدة ونارا تنفض ابتسامتها لتتبعه بنظراتها "لم تخبرني أنها ستكون هنا؟"
نفخ الدخان ونظراته تحولت للظلام الممتد عبر الحديقة الصامتة وهو يجيبها "عرفت ونحن بطريقنا إلى هنا، تعلمين أننا لم نكن على تواصل منذ الطلاق"
وقفت بجواره، كانت تحدق بجانب وجهه، تحبه منذ كانت بالخامسة عشر، هي ابنة صديق والده المقرب وقد قرر الآباء خطبتهم منذ كانا أطفال
هي من نفس الوسط الخاص به، عائلة معروفة، الثراء سمة مشتركة، جدها ينتمي لعائلة كانت تحمل لقب البيك بيوم ما لذا لديها فخر ينبض داخلها
لكن كي يكون لها، أخذ ذلك منها سنوات كثيرة
"أخبرتني أنك لم تحبها بأي يوم رغم زواجكم السريع"
لم ينظر لها ولم يدع الذكريات تحتل وقته، بل جذب نفس عميق من سيجارته ونفث الدخان بقوة وقال "وأخبرتك أيضا أني لا أحب التحدث عن ذلك الأمر"
نبرته حملت تحذير خفيف تعرفه، لمست ذراعه وأسندت رأسها عليه "ولكنك تبدو عكس ذلك"
لف وجهه ونظراته تسقط على رأسها المستقر على ذراعه ومرت لحظة صمت قبل أن يقول "فقط لا أحب المفاجآت، هل نعود للجميع؟"
رفعت وجهها ومنحته ابتسامة رقيقة، للحظة ظل واجما وهي توافقه على العودة ثم دفع ما كان بعيدا وارتد للواقع
مهرة مرحلة وانتهت وعليه دفعها خارج تفكيره كما اعتاد من قبل..
عندما عاد للداخل لم يجدها.. هي الأخرى دفعته خارج حياتها ولكن.. من داخله شعر أن هناك شيء تبدل بتلك المرأة
مهرة ليست جواد هزيل كما رآها اليوم.. كانت دائما تدخل أي سباق وتجاهد لتنتصر، لذا ظل ذهنه مشغول بتلك المهرة الجديدة التي شعر أنها تختلف عمن عرفها
ومع ذلك تجذبه وعادت تأخذ عقله..
قاومت البكاء بسيارة الأجرة وبغرفة ابنتها وهي تضع قبلة حارة على وجنة الصغيرة النائمة بسكينة
لكن ما أن أغلقت باب غرفتها واستندت عليه حتى أغمضت عيونها وتركت الدموع حرة، نظراته امتزجت بالظلام الذي سكن عيونها، غضبه، احتقاره لها، ظنونه بها
فتحت عيونها ولكن الدموع غشت رؤيتها، تحركت بلا اهتمام لما بطريقها فهي تحفظ ما أمامها، جلست على طرف الفراش.. تاركة سيل الدموع ينهمر.. قلبها واهن من كثرة ما يحمله..
حزن يرفض تحريرها، ألم يمزقها، لماذا رأته الآن؟ لماذا الآن وهي مهزومة وممزقة؟
لماذا الآن وهي لا تعرف مصير ابنتها؟
وانتفض قلبها، وانتبه عقلها..
ابنتها، ورن جرس من داخلها
الفصل 2
الصباح أتى بالغيوم وهي تنهض بصداع قوي من أثر البكاء، أبعدت الهاتف غير راغبة برؤية العناوين التي تعرف أنها ستحتل الصدارة
اغتسلت وبدلت ملابسها وخرجت لترى أيلا تجلس على الأرض والألوان تفترش المكان حولها وكتب التلوين التي أحضرتها لها أمامها
رؤيتها لابنتها يثير داخلها مشاعر مختلطة من الحب والحنان والخوف من فقدانها، تمنت لو عاشت معها حتى تراها تكبر وتنهي دراستها الجامعية وتتزوج بل وتنجب أطفال لكن..
ذلك المرض اللعين لن يمنحها فرصة لأي حلم، الطبيب لم يخبرها الكثير.. جلسات الكيماوي ستبدأ بعد إجراء آخر فحوصات وقتما تقرر هي وقد تأتي بنتيجة جيدة أو ربما لا، وهي لم تقرر حتى الآن ماذا ستفعل؟
قاومت البكاء مرة أخرى، عليها بتقبل مصيرها والرضا بقضاء الله وتدبر أمورها والبحث عن مصير جيد لابنتها وهي وجدته بالفعل لكن الوصول له صعب..
"صباح الخير حبيبتي"
رفعت الفتاة وجهها لها بابتسامة مشرقة وأجابت " صباح الخير مامي، الكتب رائعة، شكرا"
انحنت ووضعت قبلة على وجنتها الصغيرة "سعيدة أنها أعجبتك، هل تناولتِ إفطارك؟"
عادت الصغيرة للكتاب وهي تجيبها "ليس بعد، كنت أنتظرك"
سهيلة وضعت الأطباق "صباح الخير مدام، الطعام جاهز"
منحتها هزة من رأسها المتعب "شكرا سهيلة، هيا أيلا كي لا أتأخر على العمل"
نهضت الفتاة بلا تذمر، اعتادت كلاهما على منح الأخرى تعاملا كأصدقاء والفتاة بدت مطيعة رغم صغر عمرها
****
لم يعرف أحد أنها كانت زوجة الملياردير، رحيم العزايزي، السابقة، وهي لم تخبر أحد ولن تفعل..
الاجتماع الذي انتظرها لم تكن تعرف به من قبل، تم تحديده قبل وصولها بلحظات ودليلة السكرتيرة تكمل كلماتها "الشريك الجديد هنا وهو من طلب ذلك"
منحتها نظرة خاطفة قبل أن تجلس خلف مكتبها، هي لم تصل لهذا المكتب بسهولة بل بكفاح وصراع دام ثلاث سنوات وعليها الحفاظ عليه قبل أن تسقط صريعة المرض القاتل
"امنحيني خطوط عريضة لما يرغب بمناقشته"
لم تتحرك دليلة وهي تجيبها "لا شيء، لم يمنحنا مستر محمود أي شيء، فقط اجتماع لكل المدراء بعد نصف ساعة"
ارتدت بالمقعد وظلت صامتة، رحيم اسم على غير مسمى فهو لا يرحم، لا بالعمل ولا بحياته الشخصية لذا عليها توقع الصعب بما هو آت
لم تتأخر عن موعد الاجتماع، رغم عناوين الميديا التي احتلتها صورته مع النجمة المتألقة والزوجة المستقبلية 'نارا أبو المجد' ابنة العائلة المعروفة، إلا أنها كانت هادئة ولم تظهر أي شيء على وجهها
الجميع وصل معها وانتهت أفكارها وكلمات المجاملة تتصدر الساحة وجلست بمقعدها حول طاولة الاجتماعات الطويلة ومكان الرئيس ما زال خاليا
مال عمر الألفي، مدير قسم التخطيط عليها وقال "عرفت أن الإدارة لن تكون لمستر محمود"
لفت وجهها له، التساؤل غشى نظراتها، وهو لم يمنحها فرصة لتسال بل أكمل "رحيم العزايزي لا يأخذ أوامره من أحد والشراكة تعني سيطرته على كل شيء"
هي تعرف عنه ذلك فلم تجادل، لم ترد بكلمة والصمت سقط
لفت وجهها لتراه يدخل بقامته المعروفة لها، أناقته المميزة كمصمم أزياء اشتهر خصيصا لدي نجمات السينما المعروفين ورغم زواجهم الذي دام شهور قليلة إلا أنها لم تراه ولا مرة يرسم أمامها
وضع هاتفه على رأس المائدة وحارسه الشخصي الذي ما زالت تذكره، يقف خلفه
عاد هو يرفع رأسه ليواجهم بلا اهتمام بها، تجاهلها وكأنها ليست موجودة وربما تجاهل صوت دقات قلبها الذي علا على الصمت الذي لف الجميع
"لسنا بحاجة للتعارف فالجميع يعرفني كما أعرف الكل"
بداية غير ودية، الوجوه وجمت وهي لم تعد تنظر له، أخفت نظراتها بأصابعها وأظافرها القصيرة المطلية بدقة وسمعته يكمل بعد أن جلس على رأس المائدة
"مستر محمود لن يشاركنا الاجتماع، فقط أنا وأنتم، سنناقش أمور العمل ونضيف ما يتناسب مع خط العزايزي للأزياء"
فهمت أن اسم شركة محمود انتهى والآن أصبحت واحدة تابعة لجروب العزايزي
كلماته واقتراحاته كانت قوية، مثيرة للإعجاب كما اعتادت أن تفعل، لطالما عشقت العزايزي جروب
حلمت وهي فتاة بالعمل لحسابهم حتى حققت الحلم، نالت عمل صغير بالجروب قبل أن تتخرج من الجامعة ثم ثبتت مكانتها بعد أن نالت أفكارها إعجاب مديرها و..
"مدام مهرة أنا أنتظر ردك!؟"
انتبهت لصوته، رنة الغضب أخبرتها أنها تاهت عن الاجتماع مما أغضبه فاعتدلت وتورد وجهها وهي ترى النظرات كلها تتحرك لها
"آسفة، لقد شردت لحظة"
التقت بالجمرة الرمادية بعينيه تخبرها أن ذلك ضد قوانينه "تلك اللحظة أنا أدفع ثمنها من مالي الخاص لذا هي ملكي ولا يجوز منحها لسواي"
شحب وجهها، جف حلقها ومع ذلك قالت بهدوء مزيف "تمام"
ضاقت عيناه مخفيا التساؤل عن استسلامها الغريب ولكنه تخطاه "خطتك تجاه الصيف وخطه المنتظر؟"
لم تحتاج لأي أوراق كعادتها وهي تمنحه خطوط عريضة وهو يضجع بمقعده حتى انتهت فلفظ كلماته بلا أي مجاملة "هذا أسلوب تقليدي قديم وبحاجة لنظرة للزمن الذي نسايره، نحن بعصر الفضائيات مدام"
سرت همهمة خفيفة بين الحضور، لكنها لم تنهزم أمامه كما ظن، هي فقط اختارت عدم الحرب لذا قالت بهدوء "الإعلان ليس مجرد صورة حلوة مستر رحيم، الإعلان إحساس يصل للناس ويجعلهم يصدقون ما نريده، والطرق التقليدية لم تفشل أبدا بذلك بل الجميع يرتد لها حاليا بكل المجالات فهي تعلق بقلوب الكبار وتدق أبواب الصغار"
نظرات تحركت بين الجميع وهو صامت، لطالما كانت تبهره بالعمل وهو لم يمنحها كلمة إعجاب واحدة بأي يوم رغم ذلك
اعتدل بالمقعد وقال "ومع ذلك عليكِ اتخاذ طرق جديدة مدام، المياه الراكدة تقتل الحياة"
شحب وجهها مرة أخرى، منذ متى كان يعجبه شيء مما تقدمه بالعمل؟ لطالما انتقدها وقذف بنجاحتها بوجهها مما جعلها تشعر بالفشل بأوقات كثيرة..
أسلوب تقليدي قديم.. هل هكذا يرى عملها؟
انتهاء الاجتماع كان أمنية سكنت عقولهم جميعا بعد أربع ساعات متتالية بلا استراحة وما أن اتخذوا طريقهم للخارج وهي خلفهم حتى سمعته يقول بصوت منخفض
"أريدك"
رفعت وجهها له، لم تنتبه أنه وقف ومنحها كلماته ولا أنه ابتعد لمكتب محمود وقذف ملفاته عليه بلا اهتمام
فقط صوت غلق الباب جعلها تفيق من ذهولها وهو لا يمنحها نظراته بل يعبث بهاتفه باهتمام قبل أن ينتهي ويعود لها
"كنت جاد بأمر العمل، نحتاج لطرق جديدة لتسويق أعمال الشركة فمحمود كاد يتهاوى بالفترة الأخيرة بسبب الركود الذي أصابه"
مؤخرا عرفت أن الشركة كادت تعلن إفلاسها لذا سعى محمود للشركة من رجل كرحيم لينقذه من الهاوية والآن هي أول من سيقف بوجه الريح
سألته "هل اطلعت على آخر حملات إعلانية لنا؟"
هو فعل، لا ينكر إعجابه بأفكارها، لن يخبرها بذلك بالتأكيد، ابتعد لمكتبه جاذبا سيجاره ليشعلها ثم قال دون أن يجلس "بالطبع"
وعاد ليقف أمامها وواجه نظراتها التائهة وهي لا تعرف هل بإمكانها الاستمرار بالعمل معه بعد ذلك أم لا؟
ألن يعود للقاهرة؟
يتركها لسكينتها الضائعة ومرضها المسيطر وابنتها التي عليه أن يعرف بها وهي من عليها إخباره..
سقطت وسط دوامة دخانه الكثيف ولم تبتعد وهو يكمل "هل اطلعت أنتِ على سجل المبيعات لكم؟"
مالت رأسها تستنكر تلميحاته "أنت ترى أن إعلاناتي سبب هبوط المبيعات؟"
ظل صامتا، يعلم أن الأمر ليس كذلك ولكن منذ متى منحها علامة تقدير على عملها؟
ابتعد من أمامها وقال "تعلمين أن قسم الاعلانات لدى العزايزي يمتاز بفريق رائع وربما يقدم لكِ اقتراحات تساعدك بالقادم"
نجح باستفزازها حقا "هل أنت جاد رحيم؟"
جذب فنجان من على المكان المخصص ووضعه عند ماكينة القهوة وتساقط السائل البني بالفنجان ثم جذبه وأخذ رشفة مع السيجارة وأجابها "تعلمين أني لا أمزح بالعمل، استعيني بهم قبل أن أضع أحدهم بمكتبك"
لماذا يتعمد إذلالها؟
هي لم تقف بطريقه بأي يوم، رحلت بهدوء وتركت البلد كلها له، والآن هو من يفرض سيطرته عليها ويرغب باقتلاعها بلا سبب
"يمكنني الرحيل رحيم، لو رغبت بأن أستقيل سأفعل"
ضاقت عيونه والتقى بالجدية بعينيها، لكانت مهرة التي يعرفها، تصارعه الآن وتصرخ بوجه وتتركه وترحل للنادي وتركب حصانها المفضل وتأكل التراك به
لكن مهرة التي تقف أمامه شخص آخر، لا يعرفها
تحرك ودهس السيجارة بالمطفأة وأنهى القهوة وعاد لها حتى وقف أمامها وواجه نظراتها وأدرك رحيل البريق الذي كان يسكن مقلتيها "لتعودي لعدنان؟"
هو يطرق أبواب الماضي بعد أن أغلقوه وهي لا ترغب بفتحه، ابتلعت ريقها ويدها تدفع خصلة شاردة لخلف أذنها وأجابت "لأفعل ما أشاء بحياتي فهي تخصني وحدي"
ضم أصابعه بقوة بجواره محاولا كبت غضبه وعدم التصرف بشكل متهور معها "لم تكن حياتك تخصك وحدك وقتها"
لم تفر، الفرار الآن يعني التسليم بما كان وهذا ليس صحيح لذا رفعت رأسها بشموخ وقالت "وأنت لم تسمع لأحد سوى نفسك وظنونك"
فتح فمه ليرد ويكمل ما لم ينتهي لكن..
الباب انفتح وصوت نارا مرة أخرى، يفصلهم "انتظرت كثيرا رحيم فمتى ستنتهي؟"
المواجهة ظلت بينهما لحظة، أنهاها هو بكلماته "لقد انتهيت نارا"
كانت سعيدة لدخول امرأته ومنحتها نظرة بلا معنى "مرحبا آنسة نارا، اسمحوا لي"
تحركت خارجة وهو يجذب سيجارة جديدة ويشعلها ونارا تتحرك له
الغيرة حية تزحف بلا عقبات توقفها..
توقفت خلفه وهو يقف أمام نافذة المكتب والكورنيش هو ما يظهر أمامه لكنه لم يكن يرى سوى الماضي
صوت نارا جذب انتباهه "ألا تظن أني بحاجة لتوضيح"
نفخ الدخان وقال "توضيح ماذا؟"
ظلت بمكانها ولكن بلا رغبة بإجاباته الفارغة، بل برد مقنع "توضيح ما تفعله معها رحيم؟ الأمس واليوم و.. "
لف وجهه لها، رأى نظرة تعني الإصرار ورفض الاستسلام لكلمات واهية فعليه أن يواجها فقال "لا شيء يحتاج توضيح نارا، مهرة تعمل عندي وبمركز هام للشركة، لقاءاتي بها لا تحتاج لمبرر لا لكِ ولا لأحد"
ظلت تواجه كلماته بصمت، تسمعه، تبحث عن أي شيء بكلماته لكنه لا يمنحها إلا ما يرغب به "أنت تنسى أنها كانت زوجتك"
أشاح بيده ببرود وقال "تسمعين نفسك؟ أنتِ أجبتِ، كانت"
ظلت صامتة فارتد لها وقال "أنتِ الآن من يحمل خاتمي وبعد عدة أيام ستحملين اسمي فلا أظن أن هناك مجال لتلك الغيرة التي لا معنى لها من الأساس"
وعاد للمكتب ليطفئ السيجارة ويجذب هاتفه دون منحها فرصة لأي شيء "دعينا نذهب لتناول الغداء"
دائما يفعل ما يشاء وقتما يشاء ولا يمنح من أمامه فرصة لرغباته.. هكذا عرفته مهرة وهكذا تعرفه نارا وكلاهم لم تسقط كلماته..
****
لم تعرف بأي جهة ستحارب؟
ذلك الرجل بقوته وغروره؟
أم المرض؟ والذي لا تعرف هل تملك الشجاعة لمواجهته أم لا؟
هل سيمكنها تحمل آثار العلاج؟ رؤية شعرها وهو يتساقط خصلات كما كانت أمها؟
هل يمكن لابنتها أن تتفهم ما تمر به أمها؟
لا..
أغمضت عيونها وأسندت رأسها على أصابعها وارتجافه مرت بجسدها..
لا يمكن أن تدع ابنتها تواجه كل ذلك..
وبلا مقدمات ظهرت عيونه أمامها، المواجهة التالية ولكنها ليست مواجهة بالعمل بل..
مواجهة تخص حياة ابنتها ومصيرها وسعاداتها..
مواجهة لابد من أن تخوضها حتى ولو على حساب كرامتها، فقط لأجل ابنتها
صوت السكرتيرة نزعها من دوامة الأفكار "مكالمة هامة على الخط الثاني مس مهرة"
فتحت عيونها والتقت بالفضول بنظرات الفتاة، بالتأكيد ما دار بالداخل انتشر بأنحاء الشركة ولكنها لا تهتم
"حسنا"
العمل أخذها وقبل الغداء لملمت أشياءها وتحركت خارج المكتب وقالت للسكرتيرة "لن أتأخر على موعد جلال مرزوق، أعدي العقود حتى أعود"
وتحركت وهي تضع البالطو الصوفي على أكتافها وعقلها مجهد من التفكير بكل ما يدور بحياتها..
ما زال رحيم يأخذ جزء آخر من تفكيرها ولكن عقلها مشوش.. لا تعرف من أين تبدأ أو لأين تنتهي..
هل الصدف تتلاعب بها؟
نفس المطعم، مائدة قريبة.. وزوجها السابق وخطيبته يجلسون لتناول الغداء وهي تجمدت عند باب المطعم..
لم يراها بالبداية لكن عندما سارت همهمة بالمكان رفع عيونه من حوله لوجوه الرجال التي تحركت لمكان واحد تبعهم له وعرف السبب
لطالما كان جمالها يأخذ عقول كل من حولها وهي ما زالت جميلة بل جميلة جدا..
التقت بنظراته للحظة ومسؤول المكان يتحرك لها "أهلا مدام، سيد جلال بانتظارك"
انتبهت ومنحته ابتسامة تقليدية وهي تشكره وتتحرك معه وجلال يقف للقائها وما زالت نظراته تتبعها ولم يلحظ أن نارا كانت تتابعه هي الأخرى حتى رأت مهرة وهي ترحب بالرجل الذي نهض لها بالحال
عادت له "كنت تعلم أنها قادمة؟"
جذبته من اهتمامه بمهرته وعاد لها "ولماذا أفعل؟ هل قررتِ ما ستتناولين؟"
حاولت تصديق أنه لا يهتم وهي تحدق به قبل أن تجيبه "نعم، متى سنعود القاهرة؟"
نفخ دخان السيجارة والرجل يأخذ الطلبات وأجابها هو "عندما تستقر الأمور هنا، ربما يومان"
تراجعت بالمقعد وعيناها ثابتتان على وجهه الذي فصله الدخان عنها "أنا لا يمكنني البقاء أكثر، تعلم أن داد عائد من باريس غدا لحضور الزفاف، ولابد أن أكون بانتظاره، والإعداد للزفاف"
تفهم ما تقول، والدها كان صديق مقرب لوالده الراحل، العائلتان كانا متقاربان جدا وبموت والده وانطلاقه هو بمجال الأعمال سقط الكثير بينهم "معكِ حق، لن أتأخر عن يومان، تعلمين أني أحاول إنهاء كل شيء قبل اجازة الزواج"
ابتسمت، عندما يتحدث عن زواجهم السعادة ترفعها للسماء "هل حقا تحبني رحيم؟ هل سنكمل زواجنا حقا؟ هل تعلم منذ متى وأنا أنتظر ذلك اليوم؟"
بلا وعي منه كانت نظراته ترحل لها، لم يدرك أن بحياتها رجال.. كيف تجرؤ على لقاء رجل بنفس المكان وهكذا بلا حياء؟
"رحيم هل تسمعني؟"
عاد لها ولم تتبدل ملامحه وهو يجيبها " بالطبع حبيبتي، منذ متى تنتظرين؟"
نظرات الشك بعيونها رحلت وهي تجيبه "منذ كنت بالخامسة عشر، أحببتك ولم أتوقف يوما عن حبك، حتى عندما فاجأت الجميع بزواجك المتسرع منها، كنت أعلم أنك ستندم وتعود لي"
أطفأ السيجارة ونظراته انغلقت على ما بداخله..
كان قرار الزواج أسرع قرار اتخذه بحياته، إعجابه بمهرة كان مفاجئ له ويوم بعد يوم وجد نفسه يريدها، ليس كفتاة تعمل بشركاته وتحوز على إعجاب الجميع وإنما..
أرادها له.. زوجة.. زوجته هو وحده
ونال ما أراد ولكن.. نال بعدها مشاكل لا حصر لها معها وصراعات لم تنتهي بينهم إلا بالطلاق
سكت عندما وضع الرجل الأطباق، وآخر يفعل على مائدتها وهي تتابع كلمات جلال باهتمام محاولة منع نفسها من التأثر بوجود رحيم القوي
"وهكذا تنال الشركتان مكسب جيد"
تناولت الطعام بطريقة أنيقة وردت " أنا لا أسعى لمكسب جيد سيد جلال بل مكسب فوق الممتاز وهذا لن يتحقق بتلك الحملة البسيطة، لدي خطة أفضل ولن أرفض عارضتك التي ترغب بها"
حدق بها لحظة ثم قال "طموحك يفوق الواقع مهرة"
ابتسمت بتأني، لم تمنح أحد أكثر من ذلك "الطموح يصنع المعجزات، لنضع طبيعة المنتج بالمقدمة، نحن نتحدث عن عطور نسائية، هذا يعني الرقة، الانسيابية والإغواء وعارضتك بحاجة لبعض الليونة"
تراجع بالمقعد للحظة قبل أن يعود لها "حسنا! ترغبين بحضور التصوير أليس كذلك؟"
هزت أكتافها بلا مبالاة وقالت "لو شئت فعلت ولكني لن أقبل بمشاهد لا تعجبني"
هز رأسه وعاد للطعام وهو يقول "كنتِ صعبة قبل أن ينال الأسد الفريسة كلها، فماذا ستفعلين بعد أن جلس على العرش؟"
رفعت وجهها له ونظراته تتحرك لرحيم ففهمت سؤاله..
لم تتبع عيونه بل عادت للطعام وقالت "أنا أؤدي عملي بالطريقة التي أراها صواب جلال ولا أعلم ما إن كانت تناسب من هم أعلى أم لا"
هز رأسه وقال "أنتِ رقم واحد بالإسكندرية مهرة وتعلمين ذلك، محمود كان لا يجيد استغلال حملاتك لأنه لم يكن يدفع ما يكفي"
أنهت طعامها وتناولت رشفة من العصير وقالت "لكل شيخ طريقته، متى ستبدأ التصوير؟"
عاد للجدية وقال "يومان ونبدأ"
لكنها كانت ترغب بإنهاء كل ما هو عالق قبل أن تتقدم بطلب اجازة لبدء العلاج لذا قالت "لا، غدا، كل تأخير بثمن، لننتهي من الأمر لنبحث عما هو جديد"
ضحك بطريقة لفتت انتباه رحيم "أنتِ لا يمكن إيقافك"
رائحة التبغ خاصته وصلتها، ورغما عنها وجدت عيناها تتحرك له لتلتقي بالدخان الكثيف يتطاير حوله وما أن تلاشى بعضه حتى واجهت نظرات نارية تكاد تحرقها بمكانها
وارتجفت..
ما زال يملك ذلك التأثير القوي عليها..
ارتبكت للحظة قبل أن تعود وترفع العصير لتتناوله ربما تعيد سيطرتها على نفسها مرة أخرى..
****
اعترفت أنه كان يوم كارثي.. اللقاء الأخير بالعمل فشل..
لم تحصل على السعر الذي حدده رحيم وكان عليها أن تبحث عن بديل ولكن التعب هاجمها فقررت الرحيل..
ككل يوم انتظرت سيارة الأجرة ورحلت بها للبيت وما أن أخرجت مفتاح شقتها حتى سمعته يقول "بدا أنكِ تحصلين على حياة مرفهة"
فزعت وهو يخرج من الظلام من حيث لا تدري ليقف أمامها ووجهها الشاحب يواجه نظراته القاتمة ويكمل "هل تنالين مقابل جيد من هؤلاء الرجال الذين تقابلينهم؟"
الإهانة مؤلمة ورغبت بأن ترد لكن الكثير يمنعها..
فتحت فمها لتخبره أن الرجال كلهم يخصون العمل لكن باب الشقة انفتح قبل أن تنطق وصوت الصغيرة يهتف "مامي.. تأخرتِ، هل أحضرتِ لي لعب جديدة؟"
والتفت وجهه للصغيرة التي تقف عن عتبة الباب وتجهم وجهه..
الفصل 3
عبثا البحث عن كلمات بتلك المواقف، فالأنفاس فقط هي ما علا صوتها
لف جسده كله ليواجه الجسد الصغير الواقف أمامه وعلت دقات غريبة داخل صدره.. نظرات الطفلة بريئة..
كأمها..
هي كلها قطعة من أمها.. اتساع عيناها مع اختلاف بسيط باللون.. وجهها بتقاطيعه الرقيقة..
اختلف لون شعرها وبشرتها لكن المجمل العام هي ابنتها مائة بالمائة
ولكن بها شيء غريب آخر لا يفهمه؟؟
تحركت الفتاة لتنال الأكياس من يد مهرة التي توقف الزمن حولها ودموع تكونت داخل عيونها
تشعر أنها كانت غارقة ببحر عميق يكاد ضغط المياه يفجر صدرها.. لم تعرف ماذا تفعل أو تقول؟
سقطت الأكياس من يدها ولكن لتمسك يد صغيرة بها وتجذبها "هيا مامي، لنفتح اللعب سويا قبل أن أنام"
ولم تنظر له وهي تتبع ابنتها وهو جامد بمكانه.. فقد القدرة على النطق
وقبل أن ينغلق الباب لفت وجهها لتلتقي بنظراته المحترقة، الرمادي بها تبدل للأسود
وأظلم كل شيء حوله عندما انغلق الباب بوجهه
هل تزوجت؟
لديها طفلة.. ابنة من إن لم تكن قد تزوجت؟
كيف فكرت برجل آخر؟ ليس من حقها
ولماذا؟ ألم يضع امرأة أخرى بحياته وعدة أيام وستكون زوجته؟
الفتاة جذبتها إلى ركن الألعاب الخاص بها وجلست على الأرض والأكياس ما زالت تنال كل اهتمامها "مامي اجلسي وساعديني"
ولكنها ظلت ثابتة، دموعها تنهار.. قلبها يتألم بشدة ولا تعرف كيف توقف الألم
بلحظة كانت الفتاة تهلل من السعادة وتلف ذراعيها حول ساق مهرة "مامي أنتِ أفضل أم بالعالم، لكم أردت تلك اللعبة"
وسقطت على الأرض لتضم صغيرتها لأحضانها ولا توقف الدموع..
تلك هي الشيء الذي ترفض المرض بسببه، تتمنى أن تعيش أطول عمر لتبقى معها، تحتضنها، تراها تكبر، تبتسم، تحقق كل أحلامها
لماذا اختارتها الأقدار ووضعتها بهذا الاختبار المؤلم؟
لمن ستترك ابنتها؟ من سيرعاها ويمنحها الحب والحنان؟
لا إجابة..
****
ظل واقفا بشرفة غرفته بالفندق. كوب المشروب والسيجارة هما رفيقاه بتلك الأمسية المملة
صورة الفتاة لا تفارق ذهنه، والأسئلة لا تتوقف
هل يكلف رجاله بالبحث عن الإجابات؟ وماذا لو تسرب اهتمامه للصحافة أو الميديا؟
خبر طلاقهم مات بسرعة بسبب سفره للخارج ولم يسمح لأي تلاعب على اسمه لكن أن يعود ويلف حول طليقته فهذا قد ينثر ضوضاء حوله
دقات على الباب ثم صوت حارسه الشخصي مسلم "هاتفك مغلق"
عمله لا يتوقف على تصميم الأزياء فقط، بل يدير مجموعة كاملة للتسويق لكل ما هو خاص بالأزياء، يعمل لديه مصممين من أفضل ما وجد بالقاهر بل بمصر كلها
العزايزي جروب حلم كل مصمم سواء بالأزياء أو الإكسسوار، الأحذية، الحقائب، حتى أنه فتح قسم للرجال مؤخرا بكل لوازمه أيضا
تناول المشروب ولم ينظر لمسلم وهو يقول "هل هناك شيء هام؟"
كان مسلم رجل غير عادي بالنسبة له، حارسه الخاص ورفيقه الأول "لا، فقط أنت لا تفعلها كثيرا"
فرغ الكوب وانتهت السيجارة فالتفت وعاد للداخل وقد فك ربطة عنقه وأزرار قميصه العليا وقال "كنت أحتاج لحظة هدوء بلا ضوضاء الهاتف، هل نارا بغرفتها؟"
خلع جاكته وتركه باهتمام على الأريكة وجلس ومسلم يجيبه "لم تطلب العشاء ولم تنزل منذ عادت من الغداء"
الغداء كان على غير ما يرام بسبب مهرة وجدالهم أغضبه فانتهى كل شيء بطريقة مزعجة وحتى المساء انتهى معه على باب شقتها
بطفلة..
رفع وجهه الجامد لمسلم وقال "هي بحاجة للراحة، وأنا أيضا"
أحنى مسلم رأسه وقال "كما تشاء، طابت ليلتك"
وتحرك خارجا وارتد بالأريكة يسند رأسه على ظهرها، أغمض عيونه ولا يرى سوى مهرة، عيونها الفاتنة، شعرها المثير، جسدها المتناسق بشكل يثير الجنون
رآها وهي تتحرك كما العارضات بأناقتها وتتحرك بين الجميع بثقتها المعروفة، ثم وهي على ظهر الفرس، تتحرك بقوة الفارس المتمكن من فرسته..
كانت تهزم أي متسابق تنافسه..
ماهرة بكل شيء ومع ذلك أسقط نجاحها بلا رحمة.. دائما ما كان يخبرها أن نجاحها لا شيء وهي كانت..
كانت ماذا؟
كانت تصمت.. تختار الإيمان بكلماته والموافقة على كل ما يقول..
فتح عيونه..
لحظة مواجهة مع نفسه لم يفعلها عندما سقطت علاقتهم بشباك الصراعات التي لا سبب لها سوى عجرفته وغروره..
نهض، خلع قميصه وتركه ودخل الحمام.. مهرة انتهت من حياته ونارا الآن هي من تستحق أن تكون بحياته
مهرة لديها زوج وابنة.. لقد قذفته خارج حياتها وعليه أن يفعل المثل..
لكن.. هل سيمكنه أن يفعل؟
****
اليوم بدأ وكأن كل شيء يتكرر بلا توقف لكن مع تكرار عدم الرغبة بترك ابنتها وحدها والوقت بعمرها أصبح محسوب
عندما نزلت كان لسيارة الأجرة التي توقفت بها أمام الشركة بنفس الوقت الذي توقفت فيه سيارته ومسلم يفتح له وهي تجنبت النظر تجاهه وهي تتحرك لداخل الشركة..
المصعد هو ما جمعهم والصمت رفيق ثالث فقط قال "صباح الخير"
وهي منحته رد قصير "صباح النور"
مسلم ظل صامتا، لم يمنحها أي كلمات رغم معرفتهم السابقة لكنه يؤتمر بأمر من رحيم لذا لم يتحدث
قبل أن تخرج من المصعد قبض على معصمها فتوقفت بذهول وهي تواجه نظراته القوية وصوته الهادئ "أريدك بمكتبي بعد ربع ساعة"
وتجاوزها خارجا وهي ظلت جامدة مكانها.. هل فكر بشيء؟ بل هل عرف شيء؟
دقات قلبها صارعتها.. تؤلمها.. الحقيقة أيضا تؤلمها ولكن تبقى حقيقة ولا يمكن استبدالها..
القهوة كانت تنتظرها، تناولتها دون أن تفتح أي عمل ولا تعرف ماذا يريد منها؟
ما أن دخلت مكتب السكرتارية حتى نظرت لها همت فقالت "مستر رحيم يرغب برؤيتي"
لكن الفتاة قالت "خطيبته بالداخل، سأخبره بوجودك"
ولم تعترض، لكن وخزة غريبة ألمت بصدرها..
خطيبته لا تفارقه، بكل مكان معه، عندما بدأت علاقتهم لم يمنحها خطبة، اسبوع واحد على تعارفهم وبنهايته كان زفافهم
ربما هذا هو الخطأ!؟ أنهم لم يتعارفوا جيدا..
مرت دقائق قبل أن يجيب همت "أخبريها أن تعود على العاشرة"
التفتت لهمت وقالت "اعتذري له، لدي موعد مع مندوب شركة السلام"
وتحركت خارجة دون اهتمام.. هي ليست لعبته ينالها وقتما يشاء
لم يهتم كلاهم باللقاء المؤجل بلا موعد لانشغالهم بالعمل وبعد انتهاء موعد الغداء بوقت طويل رحلت عائدة للبيت والتعب ينهشها
ما أن دخلت حتى استقبلتها سهيلة بملامح تحمل القلق "من الجيد وصولك مبكرا، هاتفك غير متاح"
تركت حقيبة عملها وبدا القلق عليها وهي تقول "كان لدي اجتماع ونسيت أن أفتح الهاتف، ماذا حدث؟ أين أيلا؟"
تحركت لغرفة طفلتها وسهيلة تتبعها "متعبة، حرارتها ارتفعت ومنحتها خافض لكن بلا فائدة، أخشى أن تكون الأزمة"
سقطت على الفراش بجوار طفلتها النائمة والعرق بلل وجنتها وجبينها وتملكها هي الفزع.. تلك الأزمة تصيبها بالهلع رغم تكرارها خاصة بالشتاء
نظرت لسهيلة وقالت "هل طلبتِ الطبيب؟"
رنين جرس الباب جعل سهيلة تهرع لتفتح وقلب مهرة يسقط خوفا على قرة عينها
الطبيب انتهى وقال "من الأفضل أن تنزل المشفى للحصول على جلسة النفس حتى تتحسن أنفاسها، صدرها مغلق ككل مرة"
لم تجادل وهي تحمل ابنتها وتدثرها جيدا وما أن نزلت تنتظر سيارة الأجرة حتى رأت سيارة أخرى فاخرة تعرفها جيدا ولم ينتظر مسلم ليفتح له بل نزل والجو ينذر بالمطر
كان الموعد المؤجل بينهم وهو اختاره الآن ليراها بتلك الحالة
توقف أمامها وبدا عليه الاهتمام "ماذا حدث؟"
لم تملك وقت للجدال ولا اهتمام بمن هو، فقط أجابت بقلق وخوف واضحين "هي بحاجة للمشفى، جلسة نفس"
تفهم وهو يفتح لها الباب "حسنا ادخلي"
ولم تجادل.. دخلت السيارة
نفس السيارة، لم تختلف، نفس الفخامة والثراء الطاغي، وهو نفس الطاغية المغرور
كانت تحتضن طفلتها بخوف وحنان والفزع واضح على وجهها الشاحب وهو ظل يتابعها من مكانه بلا كلمات..
الطبيب تلقى الفتاة باهتمام وتم منحها كل ما يلزم بسرعة وهي لا تترك يد ابنتها.. تعلم أنها ليست مرتها الأولى لكن بكل مرة تظل رهينة الخوف حتى تستعيد ابنتها من براثن المرض
استقرت الفتاة بغرفة صغيرة بدلا من الطوارئ ولم تعرف أنها كانت أوامره وعندما دخل الغرفة ووجدها ترقد بجوار الفتاة وتمسك بيدها أدرك أن مهرة لم تعد الفرسة الجامحة
بل أم..
أم تتراجع أمام ضعف ابنتها..
وعندما زاغت عيونه على الصغيرة عاد له ذلك الشعور بأن تلك الفتاة بها شيء غريب يجذبه لها ولكنه لا يفهمه
وقف بجوار الفراش متابعا الجهاز الذي يمنح الفتاة نفسا وعلاجا ليساعدها على التنفس وقال "هل هي مرتها الأولى؟"
تذكرت وجوده، مسحت دموعها ولم تنظر له وهي تجيبه "لا، لديها صدر حساس لذلك الجو والأتربة والروائح والبرد، وأحيانا تجتاحها الأزمة بلا سبب كالليلة وتكون جلسة النفس هي الحل"
وضع يداه بجيوبه وهو لا يفهم سبب اهتمامه؟ امرأة أخرجها من حياته من أربعة أعوام تقريبا وظن أنه نساها لكن الآن..
ظلت نظراته ثابتة على وجه مهرة الباكي وهو لا يذكر ضعفها هذا إلا قليلا وقت كانا معا "ستكون بخير، الطبيب قال أنها ستفيق بعد الجلسة ويمكننا الرحيل بعدها"
ظلت صامتة، اهتمامه غريب، لم تظن أنه سيهتم، وجوده أصلا غريب
رفعت رموشها الطويلة لتلتقي بنظراته "شكرا لاهتمامك"
والنظرة كانت كرصاصة ثقبت صدره..
احتلت تلك المرأة جزء كبير من اهتمامه مؤخرا ولا يعرف كيف سمح بذلك؟
بل يعرف..
فهي مهرة تهز الأرض تحت ساقيها وتواجه الريح بقوتها، تصارع أوراق الشجر المستقرة على الأرض فتبعثرها بالهواء بلا رحمة
وهي الآن تبعثره هو ولا يعرف كيف؟
لم ينزع نظراته من عيونها الجميلة، لطالما كانت تبهره وما زالت
"من والدها؟"
اخترق السؤال قلبها كقذيفة مميتة جعلتها ترتجف بقوة، كانت تتوقع السؤال لكن لم تظنه سيأتي بسرعة هكذا..
أخفضت عيونها وهي تبحث عن رد..
اقترب من الفراش وانحنى ليصل لها وهمس "متى تزوجتِ؟"
وعادت تنظر له وقد كان قريبا جدا..
وهي أضعف ما تكون بقربه، تتهاوى، تفقد كل سيطرتها وهي بالأساس واهنة حد الضياع
قبل أن تصل لرد كانت الدقات على الباب تفصل بينهم وهو اعتدل والممرضة تدخل لتتابع الجهاز
أطلقت أنفاسها، حررت الهواء من صدرها وهي تتابع الفتاة وهو تحرك للنافذة دون أن يخرج، لديه شيء يدفعه للبقاء حتى يعيدهم البيت
مسؤولية ليست له ومع ذلك فرضها على نفسه بلا سبب
تلاشى السؤال بين زحام الممرضة والطبيب ثم مسلم يخبره باتصالات نارا التي لا تتوقف لكنه لم يهتم حتى يطمئن أولا على أيلا
خرج ليهاتف نارا وهي أسندت رأسها على جبين ابنتها والقلق يأخذها وربما جزء من قلبها تهاوى بوجود ذلك الرجل معها..
دخلت الممرضة لتعيدها لواقعها "الطبيب يطلبك ليمنحك تعليمات نهائية قبل الرحيل مدام، سأبقى معها"
لمست وجنة ابنتها التي بدأت تستجيب للدواء وهمست لها "هل أذهب حبيبتي؟"
هزت أيلا رأسها رغم التعب الواضح عليها فوضعت قبلة على جبينها ونهضت للطبيب وسرعان ما عاد هو ليجد الممرضة فقط فسأل بطريقة آمرة "أين المدام؟"
التفتت له الممرضة، منذ رأته وهي تهيم به، كل البنات سقطوا أمام جاذبيته ووسامته لكن هو لم يبالي بأحد "عند الطبيب، يمنحها تعليمات نهائية"
كان قد وصل للفراش والممرضة ترفع وجهها له بإعجاب واضح وهو أجاب "حسنا يمكنك الذهاب، سأبقى معها"
ابتسمت بطريقة متصنعة، الرجل كنز يسير على الأرض، ملابسه، حذاؤه، كل شيء به يدل على الثراء "يمكنني.."
قاطعها بحزم وهو يرفع يدها ويضع بها مبلغ مالي كبير "أعلم أنه يمكنك ولكن لا حاجة لنا به"
شحب وجه الفتاة ويده تترك يدها ونظراتها تسقط على المال المكوم بيدها وهو تفاداها للصغيرة الراقدة فتحركت خارجة
أيلا رفعت الماسك من على وجهها وهي تحدق بالقوي الكبير الواقف أمامها وقالت "أنت من كنت مع ماما بالأمس، من ساعدها بإحضار الألعاب؟"
صوتها الرقيق كان كنغمة رقيقة تعزف على أوتار الكمان وقت الغروب، عيونها التي تشبه عيون المهرة تراقبه بطريقة جذبته
لم يفر منها وهو يجيبها "نعم"
لم تعيد الماسك وهي تسأل مرة ثانية "هل أنت ممن يعمل بمحل الألعاب؟"
ابتسم رغما عنه.. هي تجذبه حتى بكلماتها "ربما، هل لديكِ طلبات محددة سيدتي الصغيرة؟"
بدت غاضبة بوهن المرض وهي تجيبه "أنا لست سيدة ولست صغيرة، لدي أعوام ثلاثة كاملة، أنا آنسة وجميلة مثل مامي"
حقا!؟
لأول مرة يرغب بالضحك بطريقة طبيعية دون تصنع ولكنه اكتفى بالابتسامة الهادئة وجلس على طرف الفراش وقال "وربما مثل والدك؟ أليس وسيما؟"
الأطفال لا تعرف الكذب وهو يدرك ذلك وهي لم تتراجع بغضبها "لا، أنا أريد أن أكون جميلة مثل ماما، هل تعرف أنها نالت جائزة أجمل أم العام الماضي بالحضانة التي كنت أذهب لها؟"
بالتأكيد يدرك أنها ستهزم أي نساء أخرى حولها بجمالها، هو نفسه انهزم أمام جمالها وبدا أنه يعيد الكرة "هذا يعني أن والدك يغار عليها بالطبع؟"
لكن الفتاة لم تمنحه ما أراد، فقط قالت "هل يمكن أن تأخذني لمحل الألعاب الذي تعمل به لأرى اللعبة التي أبحث عنها؟ مامي لم تعرفها وليس لديها وقت لتأخذني معها"
ابتسم مرة أخرى وقال "حاضر، عندما تتحسن صحتك نفعل"
هتفت رغم ضعفها "حقا؟ هل هذا وعد؟"
ودخلت المهرة الشاردة ولم تسمعه وهو يمنح الصغيرة الوعد، فقط نهض واقفا وهي شعرت بارتجاف جسدها وبرودة تسري به لرؤيته مع الفتاة وحدهما وهو لم يتراجع من أمامها
"حبيبتي لماذا تنزعين الجهاز من على وجهك؟"
وضع يداه بجيوبه وتابعها وهي تفحص الجهاز وأيلا تقول "كنت أتحدث مع أبيه، لم يعرف أنكِ نلتِ جائزة أجمل أم"
تورد وجهها وهي تحاول إعادة الجهاز ولم ترفع عيونها له وهي تقول "أبيه لا يهتم بتلك الأمور أيلا فهي لا تخصه، هل تضعي الجهاز لننتهي ونرحل؟"
لم تعارض أيلا وهي تلف وجهها له فابتسم وغمز لها فاستسلمت لوالدتها التي رفعت وجهها له رغما عن مشاعرها المتضاربة "يمكنك الذهاب، هي ستكون بخير وبعدها سنعود البيت"
تحرك ليقف بجوارها وقال "تعودين وحدك بالثالثة فجرًا!؟"
التقت بنظراته، سيطرته تنهي كل المعارك بلحظة، قوته تسطو على عقلها فتوقفه عن العمل.. وكأنها فقدت كل طاقتها وعطل كل جسدها عن العمل بقربه
قالت بلا تردد " ليست المرة الأولى، أخبرتك أنها تمرض كثيرا"
كانت تواجه بعيونها الساحرة، تلك العيون تسحقه، تشل أفكاره عن التوارد وابنتها هي الأخرى تملك بعض من تأثيرها "أنا بالخارج حتى تنتهي"
وتحرك وهي أغمضت عيونها ومن قوة دقات قلبها رفعت يدها على صدرها ربما تهدأ الدقات أو تنتظم الأنفاس..
لم يستأذن وهو يحمل أيلا من بين ذراعيها قبل أن تنزل من السيارة والطفلة كانت نائمة بسكينة وراحة، ولم يستأذن أيضا وهو يتقدم لداخل الشقة بمجرد أن فتحت الباب ونظراته تتجول بالمكان
تبعته بعصبية واضحة "رحيم توقف، لا يمكنك.. "
سقطت نظراته عليها ورأت الغيوم الرمادية تواجها، نظرته التي تعرفها، سيفعل ما يريد ولن يوقفه شيء "بل يمكنني، أين غرفتها؟"
سهيلة لم تظهر، بدا أنها نائمة، أشارت لغرفة أيلا فتحرك ووضعها بالفراش وهي تجذب عليها الغطاء واطمأنت لاستقرارها ولم تجده
تنفست بقوة وهي تعلم أنه لن يذهب هكذا.. بل سيطالب بإجابات
هل هي مستعدة لتجيب؟
الفصل 4
الحياة لا تمنح كل شيء، هي تقايض.. تبيع وتشتري والفائز من يخرج بالأرباح
أغلقت الباب خلفها ببطء، ربما لا ترغب بأن يشعر بها وقد تمنت رحيله لكن من داخلها عرفت أنه لن يفعل
وقف بمنتصف الصالة الواسعة، سيجارته بين أصابعه ونظراته تجوب المكان وكأنه يبحث عن شيء لا يراه..
هو بالفعل كان يبحث..
يبحث عما فعلته بحياتها بعد تركه والذهاب لبلد أخرى بعيدا عنه
التفتت له، تبحث عن قوة المهرة داخلها، جموحها بلا شيء يوقفها
واستحضرتهم من حيث كانت تسير معهم طوال سنوات عمرها ولكن عندما حاولت أن تبدو طبيعية..
علمت أنها لم تكن كذلك..
التفت لها، عيونه ضاقت عليها وهي تتحرك تجاهه ومنحها ما يفتح به حوار "كنتِ تنوين تركي واقفا هكذا كثيرا؟"
صوته خرج هادئا.. هدوء تعرفه جيدا، الهدوء الذي يسبق العاصفة ويخيف من يلفهم
اقتربت خطوة وقالت بهدوء متكلف، أحاطت نفسها به منذ عرفت بمرضها وعودته لحياتها "ظننت أنك رحلت بعد أن أحضرتنا"
جذب نفس عميق من سيجارته، ثم أخرجه ببطء وكأنه يتسلى بإفقادها هذا الهدوء الذي لا يعرفه عنها وواجه نظراتها "وأتركك ترحلين وكأن الأمر عادي؟"
تجمدت ملامحها للحظة، الخوف لا مكان له الآن لذا تماسكت سريعا "أمر؟ أي أمر؟ أنا.. لا أفهم ماذا تقصد؟"
ابتسم.. ابتسامة خفيفة بلا روح، ابتسامة لم تملأ حتى نصف فمه "حقا!؟"
عاد واقترب خطوة، ثم أخرى.. حتى أصبح قريبا منها بما يكفي ليجعل أنفاسها ترتبك وأفكارها تتبعثر "أنتِ تجيدين تعليم الفتاة الحديث، كلماتها ذكية"
انقبض قلبها داخل صدرها، لكن ملامحها لم تتحرك "الأطفال تتحدث كثيرا، لا يمكننا التحكم بكلماتهم كما تظن"
أمال رأسه قليلا، يدرس وجهها وكأنه يقرأ ما خلفه "أنا لا أظن.. أنا متأكد"
صمت لحظة، ثم أكمل بصوت أخفض ولكن له تأثير سوط قوي على جلد عاري "هي تعرف كيف تخفي كل ما يخص والدها.. أمامي"
ارتجفت أصابعها دون أن تشعر، فشبكت يديها معا لتخفي ذلك وبحثت عن كلمات ترد بها "هي مجرد طفلة لا تعي ما تقول"
ضحك بخفوت، ضحكة قصيرة بلا مرح "هي لم تبدو وكأنها لا تعي ما تقول"
صمت.. ونظرته لها مباشرة، نظرة اخترقت كل محاولاتها للثبات "تقصد من؟"
ورفعت ذقنها بقوة غريبة لا تعلم من أين واتتها "أخبرتك أنها.. طفلة"
ضاقت عيناه من عنادها وتمسكها بكلماتها والغضب بدأ ينجح بالتسرب لنبرته "ولكن أنا لست طفل مهرة"
سكتت.. لم تجد أي رد
اقترابه منها كاد يسحب كل الهواء من حولها، ينسف المسافات ويحطم خطوط الدفاع الباقية وصوته أصبح أخفض.. أخطر
"تزوجتِ؟"
وكان السؤال تلك المرة كالسهم.. مباشر
رفعت البنفسجية القاضية له، لمعت ببريق غريب لم يعد يعرفه، للحظة كادت الحقيقة تخرج منها.. لكنها ابتلعتها والعناد سيطر
"حياتي الشخصية ليست من حقك"
تصلب فكه، اشتدت قبضته على ما تبقى من السيجارة وجز على أسنانه والحقيقة تصفعه "كان من حقي بيوم ما"
ردت بسرعة، متشبثة بحبل أمان ضعيف ولكنه الوحيد "ولكنه انتهى بهذا اليوم"
صمت.. لحظة ثقيلة مرت بينهم والنظرات لا تنفصل
فجأة نطق بكلمات مختلفة "نحن انفصلنا بالطلاق منذ ثلاث أعوام وعدة شهور.. ربما أربع أعوام"
تجمد جسدها بالكامل
أكمل هو وعيونه ثابتة عليها "وهي عمرها؟"
السؤال كان قنبلة أصابتها وأحرقتها بمكانها.. وضاعت الكلمات من حلقها.. لم تجد شيئا تقوله
تراجع خطوة، يراقبها.. كالصياد يراقب فريسته بعد إصابته لها وصمته بعدها كان أشد من أي كلمات..
كان فقط يراقب صمتها والصمت أحيانا كان أبلغ من أي إجابة حتى.. ابتسم وقال "من الواضح أنكِ وجدتِ البديل بسرعة"
الكلمة جرحتها.. اعتاد إهانتها وهي تسقط مهزومة بسهولة ومع ذلك لم تظهر ذلك.. بل ظلت مرفوعة الرأس وهي تبادله القذيفة
"وأنت؟"
لم تعطه الفرصة، أكملت بقوة "ألم تعلن خطبتك؟ أم أنها ليست بديل؟"
اشتعلت عيناه من الغضب، هذه هي مهرته التي يعرفها، مهرة جامحة، تجمح به بلا حدود، لذا شيء آخر ظهر مع الغضب، شيء يشبه الغيرة
اقترب فجأة، صوته خرج خافتا لكنه مشحون "هناك فارق"
ظلت تواجه نظراته بتحدي رغم ضعفها الساكن داخلها "وما هو؟"
انحنى قليلا، حتى أصبح قريبا منها بشكل أربكها، أفزعها، وكأنه يقصد إخافتها لتهتز قوتها "أنا لم أخفي أي شيء بأي وقت"
الكلمة ضربتها بمكان حساس، بل بمقتل لكنها لن تستسلم، ليس الآن، لم تستعد بعد "ولا أنا"
صمت.. طويل.. خانق
وابتعد فجأة، أطفأ سيجارته بعنف واضح "لا مهرة.. أنتِ تخفين الكثير"
تحرك نحو الباب، ثم توقف قبل أن يفتحه ودون أن يلتفت لها قال بصوته الهادئ المخيف "وأنا سوف أعرف"
تصلبت مكانها
أكمل.. بنفس النبرة "حتى ولو لم ترغبي بقول شيء"
وفتح الباب وغادر أخيرا..
ما أن أغلق الباب خلفه حتى سقطت على المقعد خلفها، أنفاسها تتلاحق، يدها ترتجف وهي ترتفع إلى صدرها
قلبها..
لم يعد يحتمل
والخوف..
لم يعد يمكن إخفاؤه
****
ما أن دخل الفندق حتى رأى نارا تتحرك له من قاعة الانتظار، الوقت مبكرا جدا والمكان يكاد يكون خاليا من الأشخاص..
أجلت عودتها لتبقى معه وهو تركها ونساها
رفع رأسه لها وهو يلتقي بها بمنتصف القاعة والغضب بدا واضحا على معالم وجهها
"لست بالشركة ولا بالفندق، وإجاباتك مختصرة بالهاتف، هل لي بتفسير رحيم؟"
أشعل السيجارة ومسلم تراجع لمنحهم مساحتهم الشخصية وهو نفخ الدخان وقال "حبيبتي تعلمين أني لا أحب تلك اللهجة ولا تلك الطريقة"
لم تهتم بغروره ولا برودته معها بل أكملت "أين كنت رحيم؟ اختفيت.. لا شركة ولا فندق.. حتى العشاء نسيته وكأن لا شيء كان بيننا، بقيت لأجلك وأنت لا تهتم"
أبعد وجهه والضيق تملكه فلف وجهه لها وقال "هذا ليس مكان مناسب للشجار نارا، لنصعد لجناحي ونتحدث، أنا حقا متعب"
لكنها لم تتحرك فأدرك أنها لن تتراجع فمال تجاها وقال "نارا هانم تتخلى عن كبريائها بإعلان غضبها هكذا على الملأ؟ تنسين العيون المتطفلة عزيزتي"
يعرف كيف يسيطر على كل ما يواجه وهي أولهم، التفتت وتحركت للمصعد فنفخ بقوة وهو يعلم أن النوم كان حلم ورحل..
ليس الآن، بل منذ رأى عيون المهرة..
وقفت بمنتصف صالة الجناح وفستانها المتألق يلفها بأناقة، تقدم وهو يفك ربطة عنقه وأزرار قميصه العلوية وهي لا تنتظر
هتفت "والآن ماذا؟ أحتاج إجابات رحيم"
كوب زجاجي امتلأ بالمشروب ومكعبات الثلج ملأت الكوب وأدار المشروب به ورفعه لفمه وتناوله جرعه واحدة
رغم احتراق حلقه بالمشروب إلا أنه كان بحاجة له، مهرته جمحت بقوة وهو لا يقوم بدور المشاهد
وأخيرا السيجارة تحترق والدخان يتصاعد من حوله حتى قال "إجابات على ماذا؟"
الجنون يتعالى داخلها من هدوئه الغريب، أشاحت بيداها وهتفت "أين كنت؟ ما السبب لتجاهل العشاء ومكالماتي؟"
تحرك وأسقط جسده على الأريكة والسيجارة تؤازره ونظراته انغلقت على ما بداخله وما زال لا يفكر سوى بأيلا ووالدها المجهول والسر..
"نارا.. أنا لا أُسأل من أحد"
سقطت على المقعد بجواره ووجها الشاحب يواجه "أنا لست أحد رحيم، أنا زوجتك وهذا حقي"
الدخان خيم عليه كما هي الذكريات..
كانت أمامه الآن، فوق صهوة الجواد الأبيض الذي ابتاعه لها مخصوص..
كلفه الكثير لكن وقت رآها على ظهره، جسدها النحيف يرتفع وينخفض بسهولة ويسر وهي تنحني للأمام تكاد تحتضن عنق الجواد
شعرها الأحمر تطاير خلفها، ابتسامتها كانت ترافقها، سهم ينطلق بلا حواجز توقفه، تنتصر بلا اهتزاز.
مهرة جامحة بلا تراجع..
ثقتها علت على كل المخاطر
وعرف أنها لن تكون سوى له
حتى تزوجوا..
صوت غاضب جذبه بقوة "رحيم"
عاد لها "نحن لم نتزوج بعد نارا"
هتفت بلا تصديق "ماذا؟ هل هذا هو ردك على كل كلماتي؟"
أغمض عيونه وعبث بهما بأصابعه، ذهنه مشوش، رأسه يعج بالأفكار ولا مكان لنارا به الآن ومع ذلك هو لا يرغب بإغضابها زواجه منها هو الصواب
هي المرأة التي أحبته..
انتظرته رغم زواجه من مهرة وبإشارة منه هرعت لأحضانه ولو طلبها الآن لفراشه فلن تعترض
أطفأ السيجارة قبل أن تحرق أصابعه وقال "لا، فقط أنا متعب، منذ وصلنا هنا ولم أنم والعمل.. "
لكنها قاطعته بقوة، هي امرأة ذكية وليست شفافة "بل هي السبب، مهرتك الجامحة من تأخذك وتجعلك تائهة ولا تدرك ما يدور حولك"
ظل هادئا، لم يغضب أو تثور ثائرته، عيونه ثابتة عليها ثم تنهد وقال "لا تدعي غيرتك تعميكِ، مهرة انتهت من حياتي يوم طلاقنا، وجودها اليوم لأجل العمل فقط وتعلمين أنه لم يكن اختياري"
ونهض ولكنها نهضت وواجهته "بل اختياري رحيم، يمكنك نزعها وإلقائها خارج الشركة فأنت الآن تملك كل شيء بيدك"
وضع يداه بجيوبه وأخذ نفس عميق قبل أن يجيبها "لست بحاجة لأفعل، هي ليست شيء هام لأمنحها اهتمامي، ولا أنتِ"
ثم ابتعد وعاد يفك ما تبقى من أزرار قميصه وهي تلتفت لتتبعه بنفس الغضب وهو ينزع القميص ويتحرك للغرفة التي ينام بها وهي لم تقبل بذلك
تبعته..
ألقى القميص بلا اهتمام وهي ما زالت تهتف به "بل أهتم رحيم، أهتم لأنك لم ترى نظراتك لها بذلك الحفل ولا بالغداء وهي تجلس مع ذلك الرجل، أنت ما زلت تفكر بها"
تحرك للحمام وفتح المياه وصب الكثير من الزيوت والصابون بها وهي تقف على باب الحمام تنتظر الرد وفعل "أفعل، لكن كشخص بمكانة هامة بشركة يهمني أن أنتزعها من الحضيض، عملها هام، وهي لن تتكرر بسهولة نارا، هل تستوعبين ذلك؟"
ظلت تحدق به كما كان يفعل حتى قالت بجنون "لديك موظفين أفضل بكل فروع الجروب، لم لا تبعدها؟"
فك حزام بنطلونه وهو يتحرك لحوض الغسيل واستحضر عدة الحلاقة وهي تتحرك لتقف بجواره بلا خجل
رآها بالمرآة وهو يضع صابون الحلاقة على وجهه ولكن ملامحها لم تثبت
اختفت..
وجه مهرة هو ما حل محلها
بنفس النظرة.. نفس الاقتراب.. لكن الفرق كان قاسيا
مع نارا.. كان حاضرا فقط بجسده
مع مهرة.. كان يفقد نفسه بالكامل وهو ما كان يغضبه أكثر.. منها ومن نفسه
ببداية زواجهم..
يدها أمسكت يده "دعني أفعل رحيم"
توقفت يده بماكينة الحلاقة ونظراته تسقط على قامتها الصغيرة بجواره.. ليلتهم كانت رائعة، تمنحه شعور رائع بالاكتفاء ومع ذلك لا يكتفي منها..
للحظة كاد يترك الآلة لها ولكن شيء ما داخله رفض فأبعد يدها برفق وقال "لا مهرتي، الجموح هنا قد أدفع أنا ثمنه"
وتغافل عن رؤية الإحباط الذي تجمع على وجهها
ماذا كان سيحدث لو تركها تفعل؟
اللون الأحمر ظهر من بين المسحوق الأبيض على وجهه ونارا تهتف "لقد جرحت نفسك رحيم"
شتم بصوت منخفض وجذب منديل ورقي ووضعه على الجرح والتفت لها وقد تملكه الغضب وفقد هدوءه
"والآن هل تتركيني لأنتهي نارا؟ لدي اجتماع بالعاشرة وبحاجة لأنتهي من حمامي وإفطاري وأنتِ لا تلاحظين كل ذلك"
تورد وجهها، ارتفعت الدموع لعيونها، تحركت مسرعة للخارج
نفخ وهو يلقي بالمنديل بالقمامة والتفت لها للخارج وقبض على يدها قبل أن تفتح باب الجناح وأوقفها وهي تبكي بقوة
"نارا اهدئي، أخبرتك أني متعب وتعلمين أني أفقد السيطرة وقت التعب"
حاولت إيقاف البكاء ويداه تقبض على ذراعيها ونطقت بكلمات متقطعة من بين الدموع "آسفة" ورفعت وجهها له والتقى بدموعها المسيطرة وهي تكمل "أنا أحبك رحيم، رؤيتي لمهرة أصابتني بالجنون، هل يمكنك العودة لها؟"
السؤال كان حاد، بدون تزيين، كأنه كان يسأله لنفسه
وسكت..
للحظة طويلة.. أطول مما يجب
ثم قال "لو كنت أريد.. ما كنت تركتها من الأساس"
الرجاء هو كل ما كان بعيونها التي ارتفعت له وصوتها المليء بالحب والشجن "لكنك لم تقابلها طوال تلك السنوات والآن هي هنا"
رفع يداه ومسح دموعها وهو يجيب "وأنتِ أيضا هنا، أخبرتك أنكِ خطيبتي وأنتِ من سأتزوجها بالموعد المحدد، ألم نحجز القاعة والفستان وكل ما يلزم الزفاف؟"
من بين راحتيه هزت وجهها وبلا مقدمات ارتفعت على أصابع قدميها رغم الكعب العالي وتعلقت بعنقه وهي تلصق فمها بفمه وهو تفاجأ منها
قبلاتهم كانت معدودة، لم يرغب بذلك لكنه لم يرفضها بالطبع..
تجاوب معها ولفها بذراعه..
بلحظة استجاب ولكنه فعل عندما شعر أنها شفاه يعرفها، لمستها الحانية.. أنفاسها الرقيقة
مهرة..
ضغطت يداه على جسدها وضمها أكثر، مهرة هي المرأة الوحيد التي تسجنه بقبلتها، تسحره بعناقها..
هي المرأة التي لا يكتفي من ملمس بشرتها ولا كلماتها الرقيقة وهي بين ذراعيه
"رحيم.. آه أنا أحبك رحيم"
تراجع عندما جذبه صوت نارا من الحلم، ابتعد..
تلاحقت أنفاسها وتورد وجهها
استجمع نفسه، استعاد قوته الضائعة مع أحلامه المغيبة وهمس "نارا لابد أن تذهبي الآن"
أخفضت عيونها وشعر بخجل مزيف، لن يقارنه بتورد المهرة بأول قبلة لهما وكيف فرت من بين ذراعيه وهما بمكتبه بالشركة..
تحركت خارجة بسرعة وهو تنفس بقوة وأغمض عيونه وهو يرفع يده ليبعد شعره الذي سقط على جبينه
نفذت كلمات من بين شفتيه "اللعنة عليكِ مهرة، لماذا الآن؟"
****
كان نهارا ليس جيدا على الجميع..
مكالمة سكرتيرة الطبيب أغلقت يومها..
سافر الطبيب لحضور دورة تدريبية مفاجئة.. عليها تأجيل خطة العلاج حتى يعود ولن يعود قبل اسبوعين وربما أكثر
جدولها مغلق حتى نهاية اليوم ولن يمكنها رؤية أيلا خلاله..
حتى مكالمة عمتها كانت سيئة، لديها عريس وسترسل لها بياناته برسالة على الهاتف وهي أخبرتها بالرفض فانتهت المحادثة بشجار..
وتقريبا لن تهاتفها مرة أخرى
كل شيء كان سيء مما دفع الصداع لرأسها طوال الوقت والسكرتيرة تضع لها فنجان القهوة الثالثة "تبدين بحالة سيئة جدا"
لم تنظر لها وهي تضع اللمسة الأخيرة من كاريكاتير الإعلان الذي تخطط له "نعم، هل من اقتراحات دليدا؟"
ضحكت دليدا "أنتِ لستِ ممن يرحب بأي اقتراحات مس مهرة"
رفعت رموشها لها وابتسامة قصيرة لاحت على فمها "حقا!؟ هل هذا تذمر؟"
استدارت لتذهب وهي تجيبها "بل واقع و.. "
قطعت كلماتها مما جعل مهرة ترفع وجهها لتعرف السبب عندما رأته واقفا مستندا بكتفه على الباب، عاقدا ذراعيه أمامه
جمدت..
لفت بمقعدها ولم تنهض، رؤيته أتت بسرعة لم تتوقعها..
بدت نظراته قاتمة، غامضة بلا معنى، لم يختلف عن الأمس بل فجر اليوم..
فقط استبدل ملابسه، هي تعرف أنه لا يقضي وقت كبير بنفس الملابس، يهتم جدا بمظهره وأناقته..
دليدا ارتبكت "مستر رحيم.. "
اعتدل وتحرك للداخل وصوت هادئ خرج منه "اطلبي لي قهوة"
هزت رأسها بنفس الارتباك وهي تهرع خارجة من جواره وهو يجول بنظراته بالمكتب حتى ثبت عليها "ظننتك لن تأتي!؟”
ابتلعت ريقها، تذكرت ما كان وهي بالأساس لم تنساه، جلس أمام مكتبها فأجابته "لدي جدول مزدحم"
السيجارة اشتعلت بقداحته التي تحمل أول حرف من اسمه، هدية والده عند أول نجاح لعرض الأزياء الخاص به وهو بالثامنة عشر
كل حكاية تخصه محفورة داخل عقلها.. وربما قلبها
سأل بهدوء "هل هي أفضل اليوم؟"
دقات على الباب وداليدا تدخل بالقهوة وهي تناولت قهوتها ربما تستجمع منها شجاعتها فمن الواضح أنه لن يتركها
خرجت داليدا وهو حمل فنجانه وهي اضطرت للرد "نعم، هي بخير، هل.. هناك شيء بالعمل؟"
حاولت حصر علاقتهم بالعمل، لكن هي تعرف أن رحيم لا يُقاد
نفخ الدخان وأجاب ببرود "عرفت أن لديكِ لقاء مع عادل مرسي اليوم"
مدير الإعلانات بشركة عدنان.. الماضي يصر على حصارها.. ومعه
لمعت البنفسجية، تعلن عن مهرة التي يعرفها، رفعت ذقنها وهي تقول "مستر محمود لديه تعاقد معهم منذ الصيف الماضي"
لمعت مقدمة السيجارة بلهيب واضح من نفسه العميق الذي جذب النيكوتين لصدره ثم نفخ الدخان بطريقة متقطعة قبل أن يتجاهل نظراته الحادة ويقول
"كان.."
ولف وجهه لها، سكنت رماديته على البنفسجية والتوت معدتها الفارغة منذ الأمس وغثيان يكاد يصيبها وصوته يخيفها أحيانا
"أنا أنهيت التعاقد"
عداوته مع عدنان يعلمها الجميع، التنافس بينهما يصل لما تحت الحزام، خاصة بعد ما كان أثناء زواجهم..
لم تجيبه وهو يفحص ملامحها، باحثا عن أي رد فعل لكنها ظلت جامدة "لا يعجبك قراري؟"
لم تتحرك فقط تنفست، ارتفع صدرها خلف جاكيتها المحكم على جسدها النحيف
عندما توقفت عن ركوب الخيل لم تفرط في لياقتها ولكن الأمر بحساب مع وجود طفلة تحتاج كل وقتها، هذا لو وجدت وقت
"لا أهتم، هو قرارك والأمر يخصك"
قوتها تعجبه، لطالما فعلت..
نهض، أطفأ السيجارة وعاد لها "أظن أن لديكِ تصوير اليوم"
كان إقرار وليس سؤال، هزت رأسها فأغلق جاكته وقال "ألغيته، لا يعجبني الإعلان، جددي أفكارك فهي قديمة الطراز"
وتحرك خارجا وتركها والغضب يصارع ليجعلها تنهض وتلقي كلمات وقحة بوجهه وربما تخبره أنها لا ترغب بالبقاء هنا لكن..
ابنتها بحاجة لأموال..
مرضها بحاجة لأموال..
حياتها لا يمكن أن تنهار لأنه دخلها مرة أخرى
لن يدمرها مرتان..
ظلت تبكي أسابيع بعد طلاقهم.. تظل الليل كله تبكي وبالنهار تنظر للهاتف تنتظر أن يهاتفها ويخبرها أنه نادم على الطلاق ولابد أن يعودوا حتى سقط الواقع على رأسها بالنهاية..
لم تراه
لم يهاتفها..
ولم يندم..
****
الجميع كان يتهامس بالشركة، رحيم أطال من فترة وجوده ولم يرحل كما ظنوا بل ولم يترك الشركة..
نارا رحلت للقاهرة لمتابعة أمور الزفاف، والدها عاد من باريس لحضور الزفاف خصيصا، بالطبع أليست ابنته الوحيدة؟
عاد من لقاء هام ودخل السيارة وأخرج هاتفه وأجرى مكالمة "إياد أرسلت لك مجموعتي الجديدة أريد رؤية عينات القماش بمجرد عودتي"
إياد مدير مكتبه بالمجموعة وهو ينفذ تعليماته بحذافيرها "حاضر مستر رحيم"
أغلق والتفت مسلم له وسأل "سنبقى أكثر من ذلك؟"
لم ينظر له وهو يجيب رسائل على هاتفه "هل لديك مشكلة بذلك؟"
عندما تحتد كلماته يتراجع الجميع ومسلم يعلم ذلك "لا.. "
تردده جعله يرفع وجهه لحارسه الشخصي ومنحه مفتاح للتكملة "ولكن.. "
تجهم الوجه الجامد، ملامح رئيسه لا تمنحه أي خير لكن هو يطالب برد "ظننت أنك لن تبقى أكثر من يومان ولكن.. لدينا الكثير بمصر"
وضع الهاتف بجيبه ومنحه كامل اهتمامه "وهذا الكثير تعرفه أكثر مني مسلم؟"
ابيض وجه مسلم، تاهت منه الكلمات ورحيم دفع وجهه لزجاج النافذة غير راضي عن نفسه فعاد وقال "الشركة كانت تنهار مسلم ويومان غير كافيان لإعادتها كما ظننت"
تنفس مسلم، رفع يده لربطة العنق وضبطها بلا وعي وقال "نعم، أنا لم أقصد التدخل مستر رحيم"
لم يرد..
مرت السيارة من أمام نادي سبورتنج، من أشهر وأقدم النوادي بالإسكندرية وتذكر وقتما أتى معها لحضور سباق ودي هنا..
لماذا تتساقط كل الذكريات عليه الآن؟
ماذا تفعلين بي مهرة؟
رفع ذراعه وأبعد كم جاكته ونظر بالساعة ثم قال فجأة "بيت مهرة مسلم"
التفت مسلم له بحدة والتقى بقتامة نظراته فابتلع ريقه وهز رأسه ومنح السائق أوامره..
سهيلة فتحت الباب ونظرت له بدهشة فقال "المدام موجودة؟"
نفت "لا، من حضرتك؟"
نقطة صغيرة انطلقت من مكان ما لتقف بجوار سهيلة وتقول "بائع اللعب، هل أحضرت لعبتي؟"
ابتسم لها غصبا، لا يفهم سر تأثيرها الغريب عليه..
أجاب بنبرة مرحة نادرا ما تخرج منه "نسيتِ أنكِ لم تصفيها لي"
هتفت بصوتها الطفولي "ألم تفهم أني كنت مريضة؟"
سهيلة نهرتها وهو ضحك بتلذذ وهي ترد على سهيلة "هو صديقي، هو من ساعدنا يوم كنت مريضة"
وتحركت لتمسك يده بيدها الصغيرة وقالت "تعالى، ادخل كي أصف اللعبة لك"
حاولت سهيلة إيقافها لكنه قال "لا تقلقي، المدام لن تمانع بوجودي"
ركن اللعب الخاص بالفتاة كان أمامه بلحظة، على الأرض وهي جلست وأحضرت كتاب صغير ثم نهضت له وأشارت لصورة
"ها هي، مامي قالت أنها لم تجدها، أظن أنها لم تبحث جيدا فهل ستفعل أنت؟"
مرر أصابعه على خصلات الطفلة المبعثرة حول وجهها، هل ملامحها تذكره بشخص يعرفه؟
الآن هي لا تشبه مهرة كثيرا، فقط اتساع عيونها لكن بلون أكثر قتامة..
أبعدت يده وقالت بغضب طفولي أسره "لا تلمسني، مامي قالت، لا يجب أن يلمسني الأغراب"
ظل يحدق بالفتاة والكلمة قذفت لهيب حارق داخله لا يفهم سببه، حتى جذب نفسه من نيرانه وقال بصوت منخفض "مامي على حق"
ابتعدت لألعابها ولكنه لم يتركها وسهيلة تقول "هل تفضل تناول شيء؟"
هز رأسه بالنفي فابتعدت
نزل على الأرض ومدد ساقاه الطويلة ومال على ذراعه ليواجه وجهها وهو يمنحها باقي المكعبات لإكمال ما تبنيه..
ملامحها تجذبه بشكل يخيفه "تحبين مامي كثيرا؟"
لم تنظر له وهي تأخذ منه الجزء الناقص وتجيبه "مثل البحر والسماء"
ابتسم مرة أخرى ولكنه تطرق لما يريد "ووالدك؟ ألا ينال بعض الحب؟"
لم تنظر له وهي تبحث عن قطعة أخرى فدفعها لها وهي تجيبه "لا أعلم، عندما يأتي سأعرف"
رحلت الابتسامة، وحلت التساؤلات مكانها وانطلقت لفمه "يأتي من أين؟"
عيونها ليست بلون البنفسجي كما ظن، بل هي..
صوتها أخذه "من السفر، مامي تقول أنه يعمل ببلد أخرى وعندما ينتهي عمله سيأتي لرؤيتي"
هذا لا يعني شيء..
حلقة مفرغة يلف بها ولا مخرج منها..
وتبقى السؤال الحاسم "أنتِ لم تسأليني عن اسمي؟"
ملت من المكعبات فجذبت البازل الخاص بها وقالت "أنت بائع اللعب"
هل حقا تجادله ابنة الثلاثة أعوام؟
جمع معها القطع والصور وقال "هذا ليس اسمي"
رفعت وجهها الصغير له وتناثر شعرها حول وجهها وهي تقول "ولكنه يعجبني"
لم يجادلها وصمت لحظة.. منحها وهلة للعبتها ثم عاد وسأل "حسنا ماذا عنكِ ما اسمك؟"
لم تنظر له، اهتمامها باللعبة هو كل ما يجذبها ولكنها قالت ببراءة "أيلا"
ضاقت عيناه قليلا ثم عاد وسأل "أيلا ماذا؟"
فكرت للحظة، ثم قالت ببساطة
"أيلا مهرة"
سكت…
الاسم استقر بعقله بطريقة غريبة
"من غير اسم بابا؟"
هزت كتفيها ببراءة
"مامي فقط"
وقبل أن يجادل انفتح الباب ورآها تدخل، وجهها يحمل كل ما كانت تحاول إخفاؤه ونظراته تلتقي بها واستنكار واضح واجهه
أيلا انطلقت لها وهي تهتف "مامي، هل رأيتِ بائع اللعب؟ أتى ليرى اللعبة التي أرغب بها وسألني عن كم أحبك وعن اسمي واسم بابا"
واتسعت عيناها…
دقات قلبها ارتفعت بشكل مرعب
ونظراتها تحركت ببطء نحوه…
لتجده ينظر لها
نظرة لم ترها من قبل..
الفصل 5
لحظة الحساب
وضعت سهيلة القهوة على المائدة ولم تدرك التوتر الذي كان بين الجالسين صامتين، بانتظار رحيلها
سيجارته لا تفارقه، أشعلها بعد أن دخلت أيلا غرفتها بأمر من والدتها وودعته بطريقة مؤدبة
لم ينكر أنها أحسنت تربية طفلتها وحدها، لكن التوتر في المكان كان يخنق الهواء
جذب الفنجان وتناول رشفة مع دخان سيجارته، وهو يرى يديها المتلاحمتين بحجرها
توترها مخفي بطريقة هائلة، قلبها يكاد يتوقف من شدة الضغوط التي تواجها..
ما بالها ترفض التفكير بالعقل..
ابنتها بحاجة لأمان بوقت هي قد لا تتواجد به لتوفره لها ورحيم هو أمانها الوحيد
لا.. هو لا يرغب بذلك.. قد يدمر الفتاة بدلا من أن..
"مهرة أنا أتحدث معك"
رفعت وجهها له، رأى الحيرة في عينيها، ارتفع التساؤل داخله مما تخفي تلك المرأة
"ماذا! ماذا قلت؟"
مال رأسه محاولا قراءة ما وراء البنفسجية، بلا فائدة، وضع الفنجان وعاد لها "سألتك متى أنجبتِ أيلا؟ متى تزوجتِ لإنجاب طفلة بعمرها؟"
نهضت.. لا تعرف ما الذي عليها قوله أو فعله
خطواتها كانت شاردة، كما لو كان عقلها محاصر في جحيم لا ينطفئ
قبضته جذبتها لتجد نفسها بمواجهته..
قامته الطويلة لم تتبدل..
نظراته العميقة تخيفها كما كانت بعد زواجهما
عطره يخنقها، يثقل أنفاسها.. لم تحبه بأي يوم وعندما منحته ما وجدته مناسبا
رفضه.. قذفه بوجهها بلا سبب
صوته كان هادئ، حاد "للمرة المليون، ما الذي تخفيه مهرة؟ ما الذي تخافين من قوله؟"
لم تحرر ذراعها من قبضته، ظلت ثابتة، ولم تفك اشتباك العيون وهي تجيبه "لا شيء أخاف منه رحيم، الخوف انتهى منذ خرجت من حياتي"
تراجع، قذف الحقيقة بوجه فاجأه، دفعه بقوة مائة متر بالدقيقة بموجة من الغضب والخذلان
انفلت ذراعها من يده ومنحته ظهرها
"تعلمين أنكِ من كان يدفعني للغضب بتصرفاتك"
تنفست بقوة، زفرت ذكريات كانت لا ترغب بحضورها ولكن الأمور لا تسير حسب هواها "هذا ما كنت تخبرني به دائما"
والتفتت له ورأى وجه مختلف، وجه متألم، ناقم، غاضب "ولكن الحقيقة هي أنك لم تسمعني ولو مرة واحدة، دائما أنت الصواب، ومهرة لابد أن تظل بالحضيض، حيث تنتمي، لا يجب أن يكون لي رأي، لا يجب أن أتميز، أنجح، أحقق أحلامي"
تراجع.. سقط قناع الكبرياء الملتصق به
أشاحت بذراعيها وصوتها يرتجف "كل قراراتي فجأة أصبحت بلا معنى، عملي فاشل، البيت أفضل.. وبلا جدال استقريت بالبيت"
وتحركت له ورفعت يدها، إصبعها يتحرك لصدره "لأجلك، تركت كل شيء لأجلك أنت"
اهتز من داخله.. كلماتها مثل عاصفة هوجاء..
اقتلعته بلا رحمة..
ولم تتراجع..
هاتفه قطع المواجهة.. ولم يجذبه، لم يوقف الرنين بل تركه..
كان بمثابة جرس إنذار للعالم الخارجي
صمت الهاتف وهي ما زالت واقفة بثبات، ترفع وجهها له بقوة ونظراتها أوقدت داخله شعلة القوة والكبرياء
مال عليها، لمعت رماديته وصدر صوته مخيف "ولأجلي أيضا قررتِ العمل لدى عدنان؟ لأجلي تجاهلتِ أوامري وذهبتِ له؟"
لم تتراجع، هي لحظة الحساب، ثلاث سنوات من الحسابات المؤجلة، حساب تم دفع ثمنه مقدما
رمشت وهتفت بقوة "لم أفعل، أنت اخترت تصديقه هو ولم تسمعني، أنهيت كل شيء دون أن تتأكد"
الثقة تزعزعت فجأة، ما الذي تحاول فعله الآن؟
أشاح بيده وهو يبتعد من أمامها "لم أكن بحاجة للتأكد، كنتِ تندفعين بكلماتك عنه، عيونك لمعت لإغراءاته"
صمتت..
هو تقريبا لا يسمعها.. كما اعتاد أن يفعل
التفت لصمتها..
واجهته دموع لم يفهمها فارتد لها ورفع يده محذرا "اسمعي، أنا لا أحب الكذب، ولو كنتِ تظنين أن كلماتك هذه ستبدل شيء فأنتِ تحلمين، وجودك بحياتي انتهى وزواجي من نارا سيتم فقط احذري أي تلاعب بالعمل لأني لن أرحمك"
وتحرك خارجا وتركها بمكانها.. وحيدة
كل شيء حولها أصبح فجأة جنونا لا يُفهم
لا تصدق أنه قال ما قال..
يشكك بها مرة أخرى..
رحيم العزايزي لن يتغير
حتى بعد لحظة الحساب
****
العمل لم يعد يسيطر عليه كما كان.. ترك القلم على الحامل والورقة ظلت بيضاء
لم يرسم أي شيء..
هو لا يرسم سوى بغرفة لا يدخلها أحد بمكتبه بالجروب لذا أي محاولة خارجه فاشلة وهو ما حدث ..
لكن لم يكن هذا هو السبب الآن..
نهض لمكتبه وجذب سيجارة وأشعلها وما زالت كلماتها تلاحقه..
نفخ الدخان ثم جذب هاتفه وطلب إياد "مستر رحيم"
تحرك للنافذة والدخان ه "هل وصلت الأقمشة؟"
الصوت كان ثابت "نعم، تم إرسال العينات للمصنع مع تصميماتك الأخيرة"
راجع معه ما يخص العمل ثم أغلق ومع ذلك ظل ذهنه بها..
ضغط زر الاستدعاء ولحظة ودخل مسلم ووقف خلفه وهو يقول "نعم مستر رحيم"
لم ينظر له وهو يقول "هل لديك من يقدم لنا خدمات هنا؟"
ضاقت عيون مسلم.. لا يفهم طلب رئيسه "لا أفهم يا فندم"
التفت له ونظراته لا تظهر من بين الدخان "أحتاج لبعض التحريات عن.. "
وصمت.. التردد يوقفه..
لكن الغضب والفضول يدفعاه بلا هوادة
وفجأة ظهرت أمامه صورة أردعته
أيلا..
عيونها… نفس النظرة
نفس الإحساس الغريب الذي لمسه وهو معها
شد على فكه…
"مهرة"
ظل مسلم جامدا كعادته، لم يبدي دهشته ولا أفكاره، احتفظ بها لنفسه وهو يسأل "والتحريات عن ماذا بالضبط؟"
تحرك للمكتب ودهس السيجارة بالمطفأة وتحرك لحارسه ووقف أمامه وقال بلهجة آمرة "عن كل ما يخصها"
وصمت قليلا ثم أكمل "وعن طفلتها، كل ما يخصهما منذ انفصالنا وحتى اللحظة التي ستأتيني بكل شيء عنها"
ابتلع الرجل ريقه، تفاحة آدم تحركت بعنقه وبعدها قال "مدام مهرة؟"
مال رأسه وهو يواجه مسلم ونظرات التساؤل تملأ عيونه "نعم مسلم، مدام مهرة، هل لديك مانع؟"
ثبات مسلم أمامه كان يكلفه الكثير فغضب رحيم مخيف لذا هز رأسه مرة بالنفي "لا يا فندم"
وتحرك وكأنه يفر منه وظل هو بمكانه ورأسه لا يهمد وأيلا تملأ الجزء الثاني من عقله وأمها حجزت الجزء الأول لنفسها..
****
كان عليه الرحيل للقاهرة لحضور اجتماعات لا يمكن تأجيلها ومع ذلك ظل جزء من عقله مشغول بها وبالطفلة ومليون سؤال يتلاعب داخل عقله..
لم يمكنها تناول أي أقراص لوقف الصداع المزمن، الطبيب أخبرها أن تنتظر حتى تتم الفحوصات النهائية وبعدها يتم منحها خطة العلاج..
الورم لا يؤلم لكن قلبها هو ما يتألم..
ظهور رحيم الآن ضغط على جراحها القديمة كلها فأحياها كلها دفعة واحدة..
أسندت رأسها على أصابعها وكأن أصابعها ستوقف الصداع..
لا تنام، الطعام قليل جدا والراحة معدومة.. ستنهار قريبا
تمضي أكبر وقت ممكن مع أيلا، تفكر أنها تودعها..
ومع ذلك تُهلك نفسها بالعمل كي توفر المال الكافي..
رفعت رأسها ورأت آخر صورة من مجموعة الصور الخاصة بالإعلان الذي ينتظره منها..
لم تضع أي تعديل على مجموعة الصور، الفكرة واتتها منذ فترة فهل سيخبرها أنها أيضا قديمة الطراز؟
كان شعور مريح ذلك الذي أتاها عندما عرفت أنه رحل للقاهرة ومحمود عاد لمكتبه
شعرت أن الشركة كلها تنفست بغياب عديم الرحمة.. زوجها السابق
يوم الجمعة أتى أخيرا..
الاستيقاظ متأخرًا كان حلم لكن أيلا لم تمنحها إياه، منذ الصباح الباكر وهي تقفز على فراشها
"مامي، مامي هيا استيقظي، ألن نذهب المنتزه كما وعدتني؟"
فتحت عيونها بصعوبة فالصداع لم يمنحها نوما كافيا "حبيبتي، ما زال الوقت مبكرا"
حاولت العودة للنوم لكن أيلا لم تكن لتسمح لها وهي تهتف "هيا مامي لا وقت للنوم"
وسقطت بجسدها على جسد أمها لتوقظها فاستسلمت لها
هي تعلم أن طفلتها تستمتع بالحدائق الواسعة وإطعام البط بالبحيرة، رحلة ترغب بها كل اجازة لولا كلمات مهرة بالتنويع..
الغداء كان بالمطعم الذي تفضله الصغيرة وبانتظارهم للطعام سمعت صوت رجولي ينطق باسمها "مهرة، أنتِ مهرة النادي أليس كذلك؟"
رفعت وجهها للرجل بأواخر الأربعينات وربما أكثر، ملامحه ليست غريبة عنها لكنها لا تذكره
ابتسامته لم تمنع الدهشة بنظراته وهو يكمل "ألا تذكريني؟"
نفت برأسها لكنه عاد يكمل "كابتن معتز شلبي، مدرب الخيل بنادي سبورتنج، قابلتك هناك عندما هاج الفرس يوم السباق وكاد يدمر الكثير من حوله وأنتِ من تولى أمره"
وبالفعل تذكرت تلك الواقعة، كان آخر سباق قامت به، بعدها تركت الخيل لأجل من ظنت أنه يستحق
هي تركت كل عالمها لأجله وبالنهاية.. هو من تركها
ابتسمت للرجل وقالت "نعم تذكرت، مرحبا كابتن معتز، آسفة ربما لأني رأيتك مرة واحدة ومنذ فترة"
ضحك بطريقة ودية وهتف "بحثت عنكِ كثيرا بعد رؤيتك بالسباق ولكني عرفت أنكِ اعتزلتِ للزواج"
هزت رأسها مرة أخرى وقالت "نعم، وهذه ابنتي أيلا"
ابتسم للفتاة وقال "والدتك فارسة ماهرة بحق، هذا غير أنها تعرف جيدا كيف تتعامل مع الخيل"
رددت مهرة مقولة والدها الذي علمها ركوب الخيل "الفروسية ليست مجرد ركوب للخيل، بل هي فن يجمع بين قوة الشخصية والتوافق الحركي مع الجواد"
منحها نظرة غريبة وصمت لحظة ثم قال "سيد النادي، رحمة الله عليه هو صاحب تلك المقولة"
دمعت عيونها لذكر والدها فقد كانت تعشقه وتعشق كل أوقاتهم معا حتى رحل وتركها وهي بالثانية عشر بعد أن صنع منها فارسة تتحاكى بها الألسنة
كونت ثقتها بنفسها وقوتها البدنية مع الفرسة التي كانت بالنادي حيث كان والدها يعمل مدرب للخيل، سقاها كل شيء وهي بالرابعة وبالثامنة كانت تجتاز سباقات الأطفال وتفوز
ومع ذلك هو رفض أن تنحصر حياتها بالخيل..
طالبها بالتفوق بالدراسة ودخول الجامعة المفضلة لها، فنون جميلة، والديكور كان مصيرها ومنه استقت أفكار كثيرة لكنها لم تسلكه طريق بل الإعلانات كانت طريقها..
لم يكسرها أحد سوى قلبها وندمت..
واليوم يكسرها المرض وابنتها..
عاد يقول "هل من فرصة للعودة؟"
عادت له ونظراتها مليئة بالدهشة..
كانت حقا تشتاق للخيل والركوب على صهوة جواد أصيل يطير بها ويسابق الريح..
لكن..
أخفضت وجهها وقالت "للأسف صعب.. عملي وابنتي وحتى لياقتي البدنية لم تعد تصلح"
لكنه رفع رأسه ولمعت عيونه على جسدها وهو يهتف "قوامك ما زال رائع ومناسب جدا واللياقة سهل استعادتها فقط قرري واتركي الأمر لي"
وأخرج كارت من جيب جاكته ومنحه لها وأكمل "هذه أرقامي وأنا بالنادي طوال الوقت وسيشرفني العمل معك مدام مهرة"
حيته بابتسامة مشرقة، كلماته منحتها دفعة إيجابية كانت بحاجة لها من وسط العتمة التي كانت تغرق بها
"لم لا تعودي مامي؟ أخبرتني أنكِ تعشقين ذلك"
داعبت طعامها بالشوكة دون أن تتناوله والأفكار تمنحها حقيقة لم تنساها، المرض
لم تواجه ابنتها وهي تجيبها "لم يعد من الممكن العودة أيلا، أحتاج لتدريبات شاقة ووقتي لا يسمح، عملي الآن هو الأهم"
تناولت الفتاة طعامها وحدها كما علمتها وعادت تقول "وعدتني أنكِ ستعلمينني أليس كذلك؟"
تصاعدت الدموع لعيونها التي ارتفعت لابنتها، ترى هل ستكون على قيد الحياة لتوفي بوعدها لابنتها؟ أم سيقتلعها المرض من أحضان طفلتها؟
انتهوا بمنطقة الألعاب التي تفضلها أيلا وجلست هي تتابع بعض رسائلها على اللوح الالكتروني خاصتها عندما شعرت بالوقت تأخر فرفعت وجهه لتبحث عن طفلتها
نهضت عندما لم تراها.. بحثت جيدا بكل مكان
بدأ التوتر يتملكها، المنطقة آمنة وهي ليست مرتهم الأولى
نادت بصوت قوي "أيلا، أيلا أين أنتِ؟"
ولكن بلا فائدة
لم تهتم بأن المكان للصغار فقط وهي تندفع للداخل كالمجنونة وقد فقدت عقلها
ابنتها هي كل ما تملك لو ضاعت، ضاعت هي الأخرى..
ظلت تندفع بين الألعاب كالمجنونة، عيونها تبحث في كل زاوية، كل ركن، كل ظل صغير يمكن أن تختبئ خلفه طفلتها
قلبها يضرب بعنف داخل صدرها، شجاعة الفارسة ضاعت، أنفاسها متلاحقة ولا تكفيها، واسمها لا يتوقف عن الخروج من بين شفتيها المرتعشتين
"أيلا!.. أيلا!"
لكن لا إجابة..
لا صوت..
لا أثر..
بدأت الرؤيا تبهت أمام عيونها، والخوف تسلل لداخلها كسم بطيء يفتك بها دون رحمة
تخيلاتها بدأت تسبقها..
حادث.. ضياع.. اختفاء..
لا.. لا.. لا..
قلبها وعقلها هتفا بالنفي ولسانها انعقد من شدة الخوف
الفصل 6
الفصل السادس
قُبلة
توقفت فجأة..
جسدها تجمد بمكانه..
هناك.. عند طرف الساحة... رأته
واقفا.. طويلا.. ثابتا.. كما اعتادت رؤيته دائما وبجانبه..
أيلا.
كانت تقف ممسكة بيده، تتحدث معه بشيء ما، ملامحها هادئة.. كأنها لم تختفِ منذ دقائق
لم تتحرك مهرة لثوانٍ، أقدامها كانت واهنة وعقلها يرفض تصديق ما تراه..
ثم اندفعت نحوهما بسرعة، تكاد تتعثر بخطواتها "أيلا!"
رفعت الصغيرة رأسها، وما أن رأتها حتى ابتسمت ببراءة "مامي"
انحنت مهرة بسرعة، جذبتها لأحضانها بقوة، تضغط عليها كأنها تخشى أن تختفي مرة أخرى، يديها ترتجف، وقلبها يكاد يخرج من صدرها
"أين كنتِ؟ أخبرتك ألا تخرجي وحدك أو تبتعدي عني"
لكن رغم الغضب، صوتها خانها.. خرج مكسورا، ممتلئا بالخوف لا الغضب
رفعت الصغيرة وجهها، لم تفهم سبب هلعها "كنت ألعب.. ثم رأيت أبيه"
تجمدت..
توقفت أنفاسها للحظة.. رفعت عيونها ببطء..
لتصطدم بعينيه..
كان واقفا أمامها، الرمادية تراقبها بصمت.. نظراته لم تكن كأي مرة سابقة..
شيء ما تبدل.. شيء لم تفهمه بعد
تحدث بهدوء وهو ينظر للصغيرة "هي خرجت عندما رأتني"
الفتاة تعرفه لذا اندفعت له، كانت سعيدة لرؤيته وسألته هل أتى ليلعب معها؟
تلك الفتاة تأخذه لمكان آخر يفقد فيه هويته ولا يرى سواها..
مهرة فقدت الكلمات فلم ترد فورا..
فقط ظلت تحتضن أيلا أكثر.. كأنها تستمد منها الحياة
أخيرا قالت بصوت منخفض "شكرا.. "
أصبحت فجأة تشكره كثيرا رغم أنه لا يستحق إلا..
صمت قصير مر بينهم.. لكنه لم يكن مريحًا
نظراته انتقلت من مهرة.. إلى الطفلة بين ذراعيها وتأملها.. بدقة..
هو الآخر نطق ببطء "هي لا تخشى الغرباء"
رفعت مهرة عيونها له فورًا، قلبها انقبض لكن أيلا سبقتها بالكلام وهي تلتفت له وتبتسم "أنت لست غريب، أنت صديقي"
شيء ما.. ارتطم داخله ولم يبتسم هذه المرة..
فقط ظل ينظر لها..
للحظة أطول مما يجب ومشاعر ذمتداخلة تتلاعب به، لا يفهمها ولا يعرفها
تنهد مهرة جعله يرتد لها.. وقال بهدوء يحمل معنى لم تفهمه "نعم"
تلاقت العيون مجددًا.. صامتة.. مشحونة.. مليئة بما لم يُقال
وكأنهم لم يكونا زوجين.. كلاهم لا يعرف الآخر.. يراه لأول مرة..
ومشاعر..
تراكمت.. بينهم.. غير مفهومة ولا مسمى لها
أضاف وهو لا يترك نظراتها "هي بحاجة لمراقبة أفضل منكِ"
معه حق لكنها لم تعترف بذلك فأبعدت نظراتها عنه وقالت "لولا أنها تعرفك ما كانت تحركت بعيدا"
اعتدلت وهو ظل واقفا فعادت تقول "هل.. هل تنتظر أحد؟"
وضع يداه بجيوبه وقال "هل يهمك الأمر؟"
رفعت وجهها له فالتقت بالظلام بنظراته..
يعرف جيدا كيف يثير غضبها لكنها لم تفعل فعادت لابنتها وقالت "حبيبتي هل تأتين بحذائك لنذهب؟"
لم تجادل الفتاة لكنها نظرت له وقالت "هل ستذهب يا بائع اللعب؟"
ضغطت راحتها على كتف ابنتها بعتاب "أيلا.. هو ليس كذلك"
رفعت وجهها لأمها بتساؤل "وماذا يكون مامي؟ هو أخبرني أنه سيأتيني باللعبة وأنا أثق به فهو طيب"
حدق بالفتاة، تلك البساطة.. ذلك القبول السريع له.. الإحساس الغريب الذي يضغط صدره دون تفسير
رفع عيونه ببطء ليلتقي بعيني مهرة.. كانت زائغة، تهرب منه، لا تواجه نظراته
"هل هي هكذا دائما؟"
سؤال جديد، نقاش يخنقها بشكل لا تفهمه
ابتلعت ريقها "ماذا؟"
هدوئه أصبح ثقيل على قلبها، يكاد يمنع عنها الهواء وهو يجيب ببطء أكثر "تثق بالناس بسرعة"
لا تعرف لماذا شعرت أن السؤال يحمل شيء أعمق.. أخطر ومع ذلك ردت بسرعة "هي مجرد طفلة"
لكن عيونه ظلت تحبسها، لم يتركها.. ولم يقتنع
اقترب خطوة وصوته انخفض "أو ربما هناك سبب آخر؟"
تبعثرت قوتها كشظايا اللؤلؤ المنثور
حرارة ارتفعت لوجنتيها وجسدها وتحول برد الشتاء فجأة لحر الصيف..
لم تجد ما ترد به.. فقدت الطريق وتاهت بلا عودة..
يد أيلا جذبتها للواقع "مامي هل أذهب؟"
أدركت أنها كانت تضغط على كتف ابنتها فحررتها وعيونها تسقط على وجه الصغيرة "نعم حبيبتي، لا تتأخري"
وتابعتها وهي تسرع لمكان الأحذية وهو يتابع وجهها المتورد..
هو يعرفها جيدا، هناك ما تخفيه عنه..
مسلم أخبره أنه لم يصل للكثير عنها فهناك فترة لم يعرف أحد عنها شيء وعندما ظهرت بشقتها الحالية كانت ابنتها بعمر العام تقريبا..
اليوم أخبره بمكانهم هنا وقرر الانضمام لهم بعد انتهاء عمله
أنفاسه اخترقت عنقها وكلماته تهب على أذنها "مما تخافين مهرة؟"
ابتعدت بلا تفكير وهي تلتفت لتواجه وجهه القريب بلا مراعاة لمكانهم بين الوجوه المتطفلة
نظراته سجنتها، أنفاسه أحرقتها و.. سطوته ما زالت تخيفها..
يد أيلا قبضت على يدها وصوتها أنقذها من الرد الضائع "أنا متعبة مامي"
بلحظة كانت تحملها بحنان واضح فأراحت الطفلة رأسها على كتف أمها فتراجع غضبه وهو يرى حنانها على طفلتها وقال
"لنذهب، الجو ربما يتبدل بلحظة"
لكنها لم تتحرك معه بل جمدت بمكانها وهي تقول "سأطلب سيارة أجرة، شكرا لك"
توقف، تنفس بقوة محاولا إبقاء قناع الهدوء مستقرا على وجهه، صراعاتهم الماضية كانت تنتهي بكوارث ولكن هنا لا مجال لها
رفع يده لشعره ودفعه للخلف، عانى يوما طويلا وغير جيد تماما
العمل كان مرهق، نارا لا تكف عن التذمر لتجاهله أمور الزفاف
وأخيرا تقرير مسلم الذي لم يمنحه شيء مفيد عنها فقرر أن يعرف بنفسه..
ولذا قاد من القاهرة إلى هنا وهو بالطبع يعرف أين هي..
أغمض عيونه محاولا السيطرة حتى عاد لها "مهرة.. ألا يمكن أن نتوقف مرة واحدة عن الجدال، خاصة وأن الوقت لا يسمح بذلك والفتاة متعبة؟"
تراجعت..
هل هذا رحيم العزايزي؟
رحيم الذي لا يطلب.. بل يأمر؟
رحيم الذي لا يهدأ.. بل يشتعل؟
نظرت له وكأنها تراه لأول مرة.. وهو رأى ذلك بوضوح
رأى حيرتها.. ارتباكها.. وذلك الخوف الذي تحاول دفنه داخلها
لكنه هو نفسه.. لا يملك تفسيرًا لما يحدث داخله
كل ما يعرفه.. أنه لا يريد أن يبتعد.. لا عنها..
ولا عن.. أيلا
عندما لم ترد نفخ بقوة وكأن قراره أُجبر عليه "لمرة واحدة.. نحاول أن نتصرف بعقل"
سكتت..
لحظة قصيرة.. لكنها كانت كافية لتعلن هزيمتها المؤقتة
هزت رأسها أخيرًا بالموافقة.. تحركت وهو تنحى جانبا ليترك لها الطريق
لكن بدل أن يبتعد.. تحرك بجوارها.. بهدوء، كأنه أصبح جزءً من طريقها
يدها كانت تحمل ابنتها بإحكام وكأنها تخشى أن تُنتزع منها بأي لحظة
أما هو.. فكانت عيناه عليها ثم عاد ينظر أمامه لكن صوته خرج فجأة.. منخفض.. هادئ.. إلا أنه كان يحمل ما يكفي ليربكها تماما
"شيء غريب حقا"
لفت وجهها له، نظرت لوجهه الجامد بحذر "ماذا!؟"
لم يلف وجهه لها، ظل يسير وكأن شيئا لم يكن.. لكن كلماته سقطت ببطء.. ثقيلة "إحساسي معها.. ليس غريب"
وقفت.. تجمدت خطواتها
قلبها سقط..
أما هو فأكمل السير.. وكأن شيء لم يقال
سكون ثقيل ملأ السيارة.. لم يكن هدوء مريح.. بل ذلك الصمت الذي، يضغط على الأعصاب، يختبر القدرة على الاحتمال..
احتضنت ابنتها بين ذراعيها.. رأس الصغيرة استقر على صدرها، أنفاسها منتظمة، كأنها لم تكن قبل قليل سببًا في انهيار عالم كامل
وهي ظلت جامدة، لم تتحرك، تحمي ابنتها بحماية غريزية، تخشى أن تُنتزع منها إن خففت قبضتها قليلا من حول جسد صغيرتها
لم تنظر له وهو يقود بنفس الصمت..
عيناه على الطريق.. لكن عقله لم يكن هناك..
لف وجهه للمرة العاشرة لمن تجلس جواره جامدة بلا حركة..
توقفت نظراته عليها.. على وجهها المتعب.. عيونها التي لا تواجه عيونه..
هل افتقدها حقا؟
هو لا يتوقف عن التفكير بها منذ اقتحمت حياته..
عاد للطريق..
قليلا ما كانت تجلس بجواره وهو يقود عندما كانا متزوجين، كان يرفض ذلك، أراد دائما أن يكون وحده وهي تذهب له حيث يكون..
أراد أن يكون..
تنفس بقوة، أراد أن يدخن لكنه امتنع لأجل الصغيرة.. ما زال يذكر جلسة النفس وتعبها السابق
لفت وجهها له عندما وصلها صوت أنفاسه فلف وجهه والتقى بنظراتها للحظة..
كانت نظرة طويلة وغريبة وكأنه كان يفتقد شيء هام جدا وأخيرا عاد له..
عاد للطريق وهي ابتلعت ريقها وقالت "أنت لست معتاد على القيادة بنفسك"
هل ما زالت تذكر عاداته التي لم تكن كلها حقيقية معها؟
مرر يده بشعره وأجاب ببطء "بل أفضل القيادة خاصة إذا كان الأمر خاص"
شعرت بغموض يلف الرجل الذي عاشت معه ثلاثة أشهر، كأنها لا تعرفه..
السكون حل من جديد لكنه قطعه "هناك أشياء قد لا تعرفينها عني مهرة"
أبعدت وجهها وقالت بلا تفكير "أو أنك رفضت أن تجعلني أعرفها"
سقطت نظراته عليها لكنها لم تمنحه وجهها، هي اختصرت كل ما كان بتلك الكلمات وهو حاول أن يفكر قبل أن يتحدث لكنه يفقد السيطرة معها رغما عنه
"كنتِ تفتقدين الكثير وقتها وكان من الصعب.. "
ولم يكمل وهي فهمت.. عاد لإهانتها
لم يتبدل كما ظنت "كان من الصعب أن تواجه عالمك بفتاة ليست مثلك، ابنة مدرب فروسية لن تصل أبدا لمستواك"
الخلاف الأزلي.. حرب الطبقات
اعتصر جبينه بأصابعه محاولا التماسك وعدم الانصياع وراء جنون العظمة معها "مهرة، كنتِ تعلمين أن هناك أشياء لا يمكن التغاضي عنها ومع ذلك"
حاولت ألا ترفع صوتها وتصرخ بوجهه كي لا تفزع ابنتها بل قالت بصوت جعله يهتز من داخله
"مع ذلك تركت كل ما أمرتني بتركه، ارتديت ما أردته أنت، تعلمت كل ما أردتني أن أتعلمه، ولكنك نسيت أننا مهما حاولنا تجميل المظهر فالأصل يظل واضحا وأنت اكتشفت ذلك لذا رفضته"
فك ربطة عنقه.. زر القميص يقبض على أنفاسه فحرره وقال "لم يكن هذا سبب انفصالنا مهرة.. عدنان.."
قاطعته بقوة واهنة "عدنان وهم أنت صنعته كي تبرر به انفصالنا، أنت تعلم وتدرك جيدا أي امرأة تزوجت لكنك أغلقت عقلك وصممت أذنك عني"
هجومها كان شرس.. لم يعتاد عليها كذلك..
لف وجهه لها والتقى بالغضب فقط بنظراتها فعاد للطريق وقال "تبدلتِ كثيرًا مهرة"
منعت الدموع من الظهور نهائيا، تعبت من الضعف والاستسلام "أتساءل من كان السبب؟"
رمقها بنظرة جانبية قبل أن يقول "لكنك تزوجتِ، هل وجدتِ نفسك معه؟ منحك ما لم أمنحه لكِ؟"
ابتلعت ريقها، هل الحقيقة صعبة هكذا أم معها هي فقط؟
لم تعرف بأي كلمات تجيبه فقط قالت "لا أظن الأمر يهمك"
ضرب عجلة القيادة بقوة وخرج الأمر عن سيطرته وهو يهتف "يهم مهرة، يهم عندما تكونين لرجل سواي"
فزعت أيلا من صوته وتحركت وبدأت تبكي ولكنها ربتت عليها ومنحتها كلمات تهدئة لتدرك أنها معها حتى سكنت وعادت للنوم
أما هو فأدرك جنونه وفقدانه للتحكم واندفاعه بكلماته..
ماذا يعني بما قال؟ هي لم تعد تخصه ليهتم
الصمت كان أفضل من أي حديث فاشل كالذي كان وهي جمعت شتات نفسها داخلها وما زالت كلماته ترن بأذنها "عندما تكونين لرجل سواي"
ماذا عنى بذلك؟ لماذا الغضب سيطر عليه؟
توقف أمام بيتها والوقت تأخر..
نزلت وهو فعل المثل وللمرة الثانية لا يستأذنها وهو يحمل الفتاة عنها ويتحرك للداخل وهي بجواره..
عندما أغلقت باب غرفة أيلا لم تجده فأغلقت عيناها واستندت على الباب..
لكنها انتفضت عندما سمعت ضوضاء بالمطبخ.. هل سهيلة مستيقظة!؟
أسرعت للمطبخ وتجمدت على عتبته..
كان واقفا أمام الموقد يصنع قهوة لنفسه وسيجارته بفمه ودخانها يلف حوله متصاعدًا لأعلى
لا تصدق أنه يفعل ذلك..
"ماذا تفعل هنا؟"
لم ينظر لها ولم ينزع السيجارة من فمه ويداه تنهي ما كان يفعله حتى التفت لها وفنجان القهوة بيده وعيونه لفت على وجهها المعترض
"أصنع قهوة حتى تنتهي"
وتحرك تجاها مجبرًا إياها على التراجع لتفسح له وهو يخرج للصالة وهي بحالة من الذهول
عندما تبعته كان قد ألقى جاكته على الأريكة وأشعل سيجارة أخرى وتحرك ليجلس وهي ما زالت غاضبة
"ألا تفهم أن وجودك هنا خطأ بذلك الوقت؟"
ظل ينفخ الدخان دون النظر لها حتى قال "اجلسي مهرة تعلمين أني لا أهتم بما يظنه الآخرون"
نعم هي تعلم ذلك.. غروره لا نهاية له لكن..
تحركت لتقف أمامه وهي تقول بصوت حاولت أن يكون هادئ لأجل ابنتها "لكني أهتم رحيم، هي سُمعتي من نتحدث عنها"
تناول القهوة وسط دخانه وأجاب ببرود "تعلمين أننا لابد أن نتحدث"
أشاحت بيداها والضيق أخذها ولم تعد تتحمل ما يفعله وجوده بها "أنا لا أعلم سوى أننا انتهينا من بعضنا البعض ولم يعد هناك ما يمكن أن نتحدث عنه"
ظل هادئا هدوءً مخيفًا وعيونه ضاقت ووجه اختفى خلف سحابة الدخان وهي تضع جدار الماضي بينهم
أنهى القهوة وأطفأ السيجارة وهو يتلاعب بآخر قطرات هدوء داخلها حتى نهض وتحرك ليقف أمامها بقامته الطويلة
"وذنب من كان؟ هل ستظلين تخبريني أنني كنت ذلك الطاغي الذي تحدثتِ عنه ونسيتِ جدالك معي بكل وقت وإجاباتك المستفزة وعدم طاعتك لي بكثير من الأمور؟ لست وحدي من هد هذا الزواج"
نعم ليس وحده من فعل لكن هي من حاربت كي لا ينهد وهي من حملت الأنقاض وحدها
سقطت دمعة وحيدة، مثلها تماما، ورمشت معها عيونها وهي تواجه نظراته القاسية ولكن بلا خوف
"لا، لست وحدك حقا، لكن أنا وحدي من كنت أحاول ترميمه، أنا وحدي من حاولت الوقوف بوجه الريح العاصف ولكني لم أستطع التحمل وأنا أراك وأنت.. "
وتوقفت..
مال رأسه متعجبا من صمتها المفاجئ وردد كلماتها بتساؤل "تريني وأنا ماذا؟"
الدموع تكاثرت، غلبتها، سقطت..
تنفست بتعب واضح وارتجفت يدها وهي ترفعها لجبينها وهو لا يتراجع "تريني ماذا مهرة؟ لا مجال للتراجع الآن"
نعم هو على حق وهي أضعف من أن تجادل لذا عادت ترفع له وجهها وتكمل بصوت واهن
"وأنت تقلل مني، تخبرني بكل لحظة أنني فتاة أتيت بها من الشارع وليس مهندسة ديكور تصمم لشركاتك أفضل الإعلانات"
رفع رأسه للحظة ثم ابتعد مرددا "هل تصدقين نفسك؟ إعلاناتك كانت.. "
قاطعته بصوت ثابت "كانت الأفضل على مدار السنوات التي عملت بها بشركاتك، لكنك رفضت الاعتراف بذلك منذ أصبحت لك، وقذفت بها كلها بسلة المهملات، فقط كي لا تكون مهرة النادي الأفضل"
التفت لها ولكنها منحته ظهرها وهي تخاطب نفسها قبله "أنت حتى اخترت لي سباق كنت تعلم أني لست مؤهلة له وأجبرتني عليه ووقفت تصفق لهزيمتي لأول مرة كي تخبرني بعدها أن الاعتزال هو الأفضل.. وفعلت"
والتفتت لتواجه وجهه المواجه لها، أكتافه ارتخت فجأة ولم يفكر بالهروب منها وهي تكمل "تركت كل شيء لأني آمنت أنك تختار الأفضل لي حتى فهمت"
ظل يحدق بها، رأى نظرتها الغريبة عنه لأول مرة وهي لم تقطع الاتصال البصري بل أصرت عليه
"فهمت أنك كنت تتعمد التقليل مني لأظل خاضعة لك وأظل أنا لا شيء، دمية وربما الدمية أفضل مني ولم ترضى أنت حتى بذلك وصارت حياتنا جحيم"
أدرك أن هناك الكثير مما فاته بحياتهم معا، تحرك وهو يحاول إيجاد أي باب يمكنه الولوج منه ربما كان الأمر مختلف
لم ترفع وجهها الباكي له.. وهو لم ينتظر عيونها وخرج صوته منخفضًا.. مثقل بالكثير مما اكتشفه ولم يكن يراه على حقيقته ولكنها وضعت الصورة واضحة أمامه لأول مرة
"ولو أخبرتك أني لم أفكر بتلك الطريقة أبدا هل تصدقيني؟"
ورفعت وجهها له.. لا تعرف الرد على سؤاله.. لا تعرف أين رحل عقلها؟
رحلت حتى الكلمات.. سكنها الفراغ والألم
أحنى رأسه ليقترب من وجهها وقد ارتفع ألم غريب بقلبه لرؤية دموعها والألم الواضح بكل ملامحها "كنت أراكِ صغيرة، مهرة جامحة بحاجة للترويض، لكن لتكون مهرتي أنا"
لا.. لم تكن تلك هي الحقيقة.. لم تكن ترى ذلك
هزات رأسها جعلته يدرك أنها لا تصدقه فرفع يده لوجنتها، لمس رطوبة دموعها ومحاها بإبهامه وترك أصابعه تلمس بشرتها التي يعرف ملمسها جيدا
ولا امرأة كان لها نفس تأثيرها عليه.. ولا امرأة رغب بأن يلمسها ويقربها منه سواها
هي بالنسبة له سحر، سحر سقط عليه فجعله ممسوس بها هي فقط
رفع وجهها له وعيونها الغائرة بلون البنفسج كانت تلمع بمواجهته، تعلم تأثير لمساته عليها "ليس من حق أحد التمتع بكِ سواي"
وهبط من علياه على شفاها بلا أي تفكير، منذ رآها وهو لا يرغب سوى بتلك القبلة، ما زال يذكر مذاقها والآن..
هو نفس المذاق، نفس المتعة..
ضاعت.. ارتبكت مشاعرها بل انهزمت تحت سطوته واستجابت للحظة..
وكانت قُبلة..
لكن باللحظة التالية كانت قد أفاقت من الحلم ودفعت يداها بصدره لتبعده عنها بقوة وقد التهب وجهها وتعالت أنفاسها وتعالى معه غضبها منه ومن نفسها
تراجعت خطوة للخلف، أنفاسها ما زالت متلاحقة، عيونها مشتعلة بالغضب والارتباك "كيف تفعل ذلك؟"
مرر أصابعه بشعره.. صوته خرج أخفض.. لكنه أخطر "لأني ما زلت أريدك"
اتسعت عيونها..
ارتجف شيء داخلها.. لكنها رفضته فورًا "لكن أنا لم أعد لك رحيم"
عاد واقترب خطوة.. ببطء.. بثقة "وأنا لم أعتد التنازل عما أريده"
اشتعلت نظراتها أكثر، ورفعت ذقنها بعناد "حتى ولو كان هذا الشيء لا يريدك؟"
توقفت حركته لحظة، تجهم وجهه..
سؤالها أصابه بمقتل..
لكن بدلًا من أن يتراجع قال بهدوء قاتل "كاذبة"
سكتت.. لثانية واحدة.. لكنه رآها
رأى الارتباك.. رأى الذكرى..
رأى مهرة القديمة.. التي لم تختفِ تماما فابتسم ابتسامة خفيفة بلا راحة وهمس "أنا أعرفك أكثر مما تعتقدين"
والتفت إلى حيث ترك جاكته وجذبه وتحرك للباب وأغلقه خلفه وهي جامدة مكانها ككل مرة بعد رحيله
*****
تصاب الخيول بالاكتئاب وحالات الحزن الشديد، فهي تبدو وقتها خاملة، فاقدة للشهية، تميل للانعزال وشرود الذهن
ينخفض حماسها للعمل أو المتعة، وعدم التفاعل مع المحيط
والمهرة خاصتنا تحمل الكثير من صفات الخيل.. ما كان بدأ يدفعها للاكتئاب بلا وعي..
حاولت التغلب على فقدان الشهية وعدم الانعزال، رفضت البقاء بالبيت وقاومت انخفاض حماسها للعمل
لكن قلبها كان منكمش، منعزل عن باقي أعضاء جسدها، انفصل حتى عن عقلها ورفض الانصات له..
تلك القبلة التي هاجمها بها جعلتها غاضبة، غاضبة جدا ولا رغبة لها برؤيته مرة أخرى..
كيف سمحت له أن يفعل بها ذلك؟
لا يمكن أن يعود لسيطرته عليها..
لا، لن تقبل
قذفت حقيبة أوراقها الخاصة بالرسومات على مكتبها وهي لا تعرف كيف ستواجه مرة أخرى بعد ما كان؟
داليدا دقت الباب ودخلت وهي تقف بجوار مكتبها وتقول "لقد عاد ويطلبك بالرسومات بعد عشر دقائق"
تهالك جسدها على المقعد..
كانت حقا متعبة ولا تفهم هل من تأثير الورم أم إرهاق عدم النوم وقلة الطعام؟
الدكتور لم يخبرها أي شيء عن مرضها..
لم تنظر لماري وهي تجيبها "هل لدي الكثير من المواعيد اليوم؟"
تأملتها داليدا، هي تعرفها جيدا، عام ونصف تعمل معها فبالتأكيد تحفظها جيدا "تبدين متعبة، هل تطلبين إذن وترحلين؟"
رفعت وجهها لها وابتسمت ابتسامة لم تصل لشفاها "وهو هنا؟ لا أظن، أنتِ لا تعرفينه"
وأدركت ما قالته.. لا أحد عرف بعلاقتهم حتى الآن فهل تحاول إثارة القيل والقال؟
اعتدلت وأكملت "من الميديا عرفت أنه لا يرحم أحد بالعمل، فقط القهوة وأي مواعيد ليست ضرورية قومي بتأجيلها"
تفهمت داليدا ولم تشك بكلماتها وهي تتحرك للخارج
أخرجت لوحاتها، مشروعها الحالي لحملة الإعلانات الجديدة سيسقط بين يديه بعد دقائق معدودة وهي لا تظن أنه سيقبل به..
سيلقي به بسلة المهملات ويخبرها أنها طراز قديم، رحل واندثر ووقتها ستقدم استقالتها وترحل وتنهي وجوده من حياتها
ستجد حلًا لأيلا..
هي تؤمن أن من خلقها لن يتخلى عنها.. تتقبل كل ما يمنحه لها
فقط تطلب رحمته.. ومنحها القدرة على اجتياز الابتلاء
هزت لها همت سكرتيرته رأسها وهي تقول "هو بانتظارك"
ابتسمت لها بلا روح وأخذت نفس عميق قبل أن تدق بابه وربما تمنحها الذاكرة شيء عن الماضي
أول مرة دخلت فيها مكتبه..
كان قد رآها بالمصعد، اصطدم بها بالأساس وهي تندفع للداخل دون أن تراه ثم تجمدت
سب وشتم بصوت منخفض وأوراقها تسقط ورسوماتها تبعثرت بكل مكان..
والتقت العيون..
هي لا تصدق أنها ترى رجل أحلامها!
من سقطت بهواه مثل كثير من العاملات بالجروب وقربها منه اليوم كان خيال..
عيونها كانت محور نظراته.. شعرها المثير بلونه الغريب.. كل شيء بها كان غريب
وبدأت العلاقة بدعوة على الغداء وبعدها طلب زواج والسقوط من السماء على الأرض الصلبة لتتحطم لشظايا بلا رحمة
واستيقظت من الحلم.. الكابوس
لم يرفع وجهه من على شاشة الحاسوب وهي تتحرك للداخل لكن عندما قالت "طلبتني؟"
رفع رأسه.. واجه الارهاق الواضح عليها..
أدرك أن ما كان بينهم بالأمس فعل بها ما فعله به
تراجع بالمقعد وهو يلفها بنظراته، أنيقة جدا، لم يكن يلاحظ ذلك وقت زواجهم لكن الآن يسترد شريط الذكريات
كلاهم يلتقي بنقطة واحدة.. الذكريات
أشار للمقعد وقال "نعم، أحتاج لرؤية خط الحملة قبل عودتي القاهرة"
منعت ارتباكها من الظهور، تجنبت النظر بعينيه لما كان بالأمس..
ظهرت خطوط الغضب بصعوبة بجوار التعب على وجهها
لم تجادل ولم تجلس كما رغب، بل وضعت التصميمات على مكتبه وقالت "وأنا جاهزة"
لم يترك وجهها الشاحب، شعرها المشدود للخلف مظهرا وجنتاها البارزتين وقال "هل سهرتِ عليها الليل كله؟ تبدين كمن لم ينم منذ عام"
كان يستفذها مرة أخرى لكنها لم تنجرف خلفه وأشارت للتصاميم وقالت بهدوء "تلك هي البداية، الفكرة تنحصر في تغيير طريقة الإعلان نفسه.. "
تجهم للحظة، أدرك رغبتها بتجاهل ما كان فلم يمكنه دهس كبرياؤه فاعتدل ومنحها اهتمامه وهو يشعل سيجاره..
عندما انتهت ظل لحظة واجما.. يحدق باللوحات التي افترشت سطح مكتبه وعقله حقا يستوعب خطتها وأفكارها..
تراجعت وظلت واقفة وهو يطفأ سيجارته الثانية أو الثالثة دون أن ينطق حتى رفع وجهه لها وقال "هل هناك من شاركك بالأمر؟"
رفعت البنفسجية له.. كانت تعلم أنه لن يعترف بها
انحنت تلم صورها وهي تجيبه "أنا أعمل وحدي، لكن لو رغبت بسواي فأنا.. "
أوشكت على قول أنها ستترك العمل بالشركة عندما تفاجأت بيده تمسك يدها فرفعت وجهها له ورمقته بنظرة حادة وهو يقول "أخبرتك أني أريدك أنتِ"
دق قلبها مرة أخرى، فقدت السيطرة عليه.. لمعت عيونها، ارتفع جرس إنذار قوى من عقلها يحذرها من تأثير ذلك الرجل المدمر عليها
لن تسمح له بالتسرب تحت جلدها مرة أخرى
ستضع العمل جدار حاجز بينهم.. هذا لو استطاعت
كادت تنزع يدها من يده ولكنه قبض عليها بقوة فهتفت "رحيم اتركني"
لكنه لم يفعل، هو فقد عقله بسببها ولا يمكنه تركها الآن "تعلمين أني لا أستطيع"
حاولت الإفلات من قبضته وهي تهتف "فقط تذكر أنني لم أعد زوجتك وأن لك خطيبة تنتظرك وسيمكنك فعلها بسهولة"
وجذبت يدها بلحظة شروده وابتعدت وهو ينهض لها..
وقف خلفها وهي تلف جسدها بذراعيها، ربما تحمي نفسها بهما من الضعف الذي يجتاحها..
أو ربما منه هو وتأثيره عليها..
هذا ما قررته بالأمس، ما طالبها به عقلها
"لا تقحمي نارا بالأمر فهذا يخصنا نحن الاثنان"
التفتت له، رفعت رأسها ونظراتها له، هل هو جاد حقا؟
وهو ما قالته "هل تمزح؟ أقحم من إذن؟ هي خطيبتك وزواجكم بعد عدة أيام، أنا لا معنى لكلماتي هذه من الأساس، فقط العمل هو كل ما يربطنا رحيم"
مرة أخرى يخفض صوته وهو يميل تجاها قائلا "كاذبة"
ظلت النظرات متصلة..
عيونها تتحرك بين عيونه وكأن لا مكان لهما سوى رماديته
هي تنتمي له، هي مهرته..
هو أرضها الصلبة التي تخطو فوقها بحرية
هي له ولا يفهم كيف تركها من الأساس؟
ارتباكها يظهر على ملامحها لكنها لن تقبل به
لم تعد ضعيفة كما كانت ولا متسولة بلهاء تسعى فقط لإرضائه
بل أصبحت، مهرة النادي، مديرة قسم الإعلانات، اسمها يرن بأذن من يسمعه
"لا"
رفع وجهه..
للحظة رأى التحدي بعينيها، صدمه تلك القوة التي ظهرت بها أمامه
رفضها له لم يكن من سماتها..
غطت رموشه عيناه.. انغلقت على عدم الفهم داخلهم وسؤال خرج باردا
"لا أفهم؟"
أشاحت بيدها وابتعدت..
هاربة..
تعلم أنها لا تعني له سوى لعبة، دمية يرفض تركها تضيع منه "ما الذي لا تفهمه رحيم؟ أنني لم أعد أحلم بك؟ لقد توقفت عن ذلك الحلم منذ سنوات"
والتفتت له لتكمل بوجهه "لأن الحلم أصبح كابوس لا يطاق"
الجمود حل عليهم..
سكون لا يحتمل فرض سيطرته وأسقط جو من البرودة تناسبت مع الرياح العاصفة بالخارج حتى تخطى هو الأمر..
التفت لمكتبه..
جذب سيجارة وأشعلها ورأسه يدق من الأفكار والصداع يطارده ككلب ضال
نفخ الدخان ونفخ معه غضبه والتفت أخيرًا ليقطع الصمت "إذن والد أيلا ما زال بحياتك"
أغمضت عيونها وشعرت بالضعف يلفها وتمنت لو تتهاوى على أي مقعد لكنها تماسكت وعادت له بلا خوف فلا شيء يمكن أن يصيبها أكثر مما كان
"ماذا تريد مني رحيم؟ أنا تركت كل شيء وابتعدت، رحلت لبلد آخر ليرتاح كلانا والآن أنت تفتح الجراح مرة أخرى، لماذا؟"
تحرك لها، لمس ذراعيها بيداه، رائحة احتراق التبغ تلفهم والدخان يسجنهم بدائرتهم، كما هو ماضيهم معا
لانت نبرته وضعفه مرفوض لكنه خارج عن سيطرته معها "لأنكِ تدركين كما أدرك أن هناك شيء ما زال يربطنا"
لمعت دموع بعيونها وضعف يسقطها مهزومة ونظراتهم ثابتة وكلماته حقيقة لم تعد تستطيع إنكارها..
وانفتح الباب فجأة وسقطت يداه عنها وكلاهم يلتفت للصوت النسائي
"حبيبي مفاجأة أليس.. "
وسقط الصمت..
تجمدت الأنفاس لثوانٍ.. كأن الزمن توقف عند عتبة الباب..
للحظة فقط سيطر السكون المخيف على ثلاثتهم لكن..
خطوات نارا على أرضية المكتب كانت موسيقى سخيفة تزعزع الصمت ونظراتها كاسمها
نارية..
نظراتها التقت بالاثنان ثم ثبتت على مهرة وانتهت خطواتها أمامهم..
وقفت..
أنيقة، واثقة، ملامحها تحمل صدمة خفيفة لم تستطع إخفاءها بالكامل..
لكنها لم تكن من النوع الذي يسمح لدهشته أن تُرى طويلًا
رفعت حاجبها بابتسامة باردة وهي تعود وتنقل نظراتها بينهما..
بين المسافة التي كانت أقرب مما يجب بالقياس لعلاقتهم السابقة..
وبين التوتر الواضح الذي يملأ المكان
صوتها خرج باردا بشكل غريب، لكن تحته نصل حاد يكفي لجرح الاثنين "واضح أني أتيت بوقت.. غير مناسب"
ابتعد رحيم خطوة للخلف.. ليس ابتعادا كاملا.. لكنه كافٍ ليدعي أن شيئًا لم يكن "نارا.. كنتِ في القاهرة!"
قالها بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية.. لكنها خرجت مشدودة أكثر مما ينبغي...
عيناها لم تفارق مهرة.. ثابتة عليها.. تتحداها أن تفر من أمامها ومهرة لم تكن لتفعل "وبدلت رأيي رحيم.. أردت مفاجأتك"
ثم التفتت لتواجهه مباشرة "لكن من الواضح أن المفاجأة كانت من نصيبي أنا"
سقط الصمت مرة أخرى..
مهرة لم تتحرك..
لم تهرب.. لم تبرر..
فقط وقفت.. ترفع رأسها.. تواجه.. رغم التعب الذي يسحبها لأسفل ومعاناتها مع ذلك الرجل
لكن يدها.. كانت لا تزال ترتجف قليلا..
لاحظتها نارا.. ابتسمت وهي تمنحهم كلمات تعرف تأثيرها "كنت أعلم.. أن الماضي سيعود لكنه عاد أسرع مما توقعت"
توتر الجو فورًا.. حتى ردت مهرة "لا شيء عاد، الماضي سيظل ماضي"
التفت هو لها.. نظراته حادة قاتمة وتحمل غضب لم يخفيه ونارا تولت الرد
بل التحدي "جيد، لأن أنا، الحاضر، والمستقبل ولن أقبل بشيء سواي"
والرحيم فقد رحمته ولم تعجبه الكلمات فخرج صوته محملا بنبرة تحذير "نارا.. كفى"
لكنها تجاهلته وهي تقترب خطوة من مهرة.. لتقف أمامها مباشرة "حقا أنا أندهش!"
ونظرت لها من أعلى لأسفل..
تقييم واضح بدون خجل ونظرة تعني التقليل من المرأة التي تواجها "كنت أظن أنكِ أذكى من ذلك، لا أحد يلفظ ما قذفه مرة أخرى"
وانحنت تجاها أكثر وهي تقصد ما تقوله "خاصة عندما يكون أقل منه.. بكثير"
الإهانة مؤلمة.. لكن..
المهرة تعرف كيف تهزم هزيمتها..
ابتسمت..
ابتسامة صغيرة.. لكنها لم تظهر ضعفها أبدًا "وأنا ظننت أنكِ واثقة بما يكفي.. ولستِ بحاجة لكلمات لإثبات ذلك"
ارتطمت الكلمات ببعضها..
لحظة..
كل واحدة فيهم تقيس الأخرى لكن..
رحيم تدخل أخيرا ليوقف الأمر.. صوته كان حادًا "هل تتوقفن؟"
التفتت نارا له وعيوبها تشع ببريق غاضب، رافضة لكلماته "ماذا؟ هل أغضبتك كلماتي؟"
ثم عادت لمهرة وكأنها لم تُقاطع "على فكرة.. أنا لم آتِ لأتنافس"
توقفت لحظة.. وابتسمت ببطء وهي ترفع يدها التي ظهرت بها دبلته وقالت بزهو الانتصار "أنا بالفعل فزت"
ومرة أخرى الصمت..
لكن.. مهرة شعرت بوخزة..
وخزة ضربت قلبها رغما عنها وقد ظنت أن الأمر لم يعد يهمها..
لكنها لم تسمح لمشاعرها بالظهور..
رفعت رأسها أكثر وقالت بثبات "رائع، حافظي إذن على فوزك جيدا"
ولمعت نظرات نارا أكثر.. كأنها وجدت ما كانت تبحث عنه "هذا ما أنوي فعله بالضبط"
ثم التفتت لرحيم مرة أخرى..
اقتربت منه حتى وقفت بجواره.. لمست ذراعه كعادتها والتصقت به.. بشكل مقصود جدا..
"أم ماذا رحيم؟"
سؤال بسيط.. لكن معناه كان أعمق بكثير.. ورحيم ظل يواجه نظراتها بلا رد فوري
لف وجهه ونظرة واحدة منه لمهرة.. كانت كفيلة بقول كل شيء..
وهنا..
ابتسامة نارا اختفت للحظة وهي تضغط على ذراعه لتعيده لها
وفعل..
التقى بنظراتها وقال "لا مجال لكلماتك هذه نارا، هنا مكان للعمل"
ظلت تواجه عيونه، الرماد تحول لظلام مخيف، محذر وهي تلقت رسالته ومع ذلك قالت "وهذا العمل بينكم أنتم فقط حبيبي؟"
ابتعد عنها لمكتبه ليدهس السيجارة ويجذب أخرى ليشعلها وهو يقول "عندما يخص الإعلانات، فنعم لأنها هي المسؤولة أمامي"
لن يجرح نارا فهي خطيبته وزوجته القادمة.. من تقبلت العودة له رغم أنه خانها وتزوج امرأة أخرى..
ولكن مهرة.. مهرته.. هي الأخرى لا يمكنه جرحها.. ليس الآن..
سقطت نظرات نارا على اللوحات المنثورة على مكتبه ثم عادت له ومهرة تتحرك للمكتب "مستر رحيم هل ترغب بالرسومات؟"
نفخ الدخان وجعله ستار يخفيهم عن نظراته وهو يرتد لخلف المكتب "نعم"
ورفع عيونه لها وهي تتوقف عن جمع الرسومات وتلتقي بنظراته "لم أقرر بشأنهم بعد"
أخفضت نظراتها وهزت رأسها وشعرت برغبة بإنهاء كل ذلك فاستدارت وهي تقول "تمام"
وتحركت لتذهب لكن نارا لم تتركها هكذا "لديك من هم أفضل رحيم، لما لا ترسلها بعيدا وتضع واحدا منهم بدلا منها؟ بالنهاية هي لا تليق بالعزايزي جروب، ألم تخبرني ذلك دائما؟"
رفع وجهه لنارا والغضب انتصر عنده ومهرة تقف دون أن تنظر لأي منهما والألم يهزمها تلك المرة وكل ما فعله أن هتف
"قلت كفى"
ولم تواجه نظراتهم، لم تمنح نارا نظرة الانتصار لأن دموعها وصلت لعيونها..
نارا عرفت جيدا كيف تؤلمها وتهد أي طريق يمكن أن يُبنى بينها وبين رحيم مرة أخرى..
هي لا تليق بالعزايزي جروب، بل بصاحب العزايزي جروب نفسه، هو أخبر خطيبته ذلك
الألم مزقها.. كرامتها تم دهسها ومع ذلك حافظت على هدوءها وشموخها أمام غريمتها..
تحركت وخرجت دون حتى غلق الباب خلفها
واختفى أثرها خلف الباب وهمت تغلقه بلا ضوضاء حتى سقط الصمت
مخيف.. قاتل
مشحون.. خانق.. كأن الهواء نفسه توقف
رحيم ثابت بمكانه للحظات..
عيونه على الباب الذي انغلق خلف المهرة التي انسحبت من السباق بكبرياء مجروح
نارا عرفت جيدا كيف تصيب الهدف..
السيجارة أحرقت إصبعه فانتبه واعتدل ليضعها بالمطفأة..
بينما نارا تراقبه.
بدون ابتسامة هذه المرة فالأمر لم يعد يخص الصراع بل القلب..
لذا لا مجال للتمثيل الآن.. فقط عيون.. تراقب، تحلل وتفهم.. تفهم أكثر مما يجب
أو تُخمن..
تحركت خطوة ببطء، قوامها الفاتن معروف فهي تحافظ عليه بكل الطرق كعارضة أزياء قوامها هو رصيدها رغم أنها ليست كذلك
صوتها خرج هادئا لكن مهزوز "من الواضح.. أن الماضي لم ينتهي"
لم يرد..
بهدوء شديد جلس خلف مكتبه دون منحها نظراته التي ثبتت على لوحات مهرة وببرود قال "انتهيتِ؟"
رفعت حاجبها كعادتها ونبرته لم تروق لها فقالت بعناد واضح "لا رحيم، لم أنتهي"
اقتربت لطرف مكتبه ويدها استقرت على لوحة من لوحات مهرة وكأن المهرة تخبرها أنها باقية ولم ترحل
تنفست بقوة وأكملت "لم أنتهي، وأندهش من رد فعلك"
أيضا لم ينظر لها، جزء من عقله معها والآخر مع من خرجت وهو يعلم أنها مجروحة، بالأمس كانت تتحدث بنفس الكلمات ونارا أكدت الأمر
هكذا هو يراها.. أقل منه.. لا ترقى لمستواه
هو من فعل بها ذلك..
صوتها جذبه مرة أخرى "أم أنك ترى أن ما حدث طبيعي؟"
التفت لها أخيرا.. عيناه لم تكن عادية
باردة.. لكن تحتها غاضب حارق.. ومخيف "ما حدث.. "
وسكت لحظة محاولا كبح جماح غضبه وهو يختار كلماته بدقة قاتلة وصمته تلاعب بصبرها "هو أنكِ تجاوزت حدودك"
تجمدت ملامحها.. لا تصدق أنه يلومها هي.. يلقي بالذنب عليها و..
تماسكت بتأني وهي تقترب أكثر تكاد تلتصق بمقعده وضحكت بسخرية خفيفة تناسبت مع نبرة صوتها "أنا؟"
جذب السجائر وواحدة لمست شفاهه، أشعلها ونفخ دخانها ببطء وكأن دخانها هو الشيء الوحيد الذي يمنعه من الانفجار
نهض ليبتعد عنها ولكنها تبعته ورفعت وجهها له وأكملت "لأني كنت أتحدث عن.. زوجتك السابقة؟"
لم ينظر لها من بين الدخان.. لم ينفِ ما قالته.. لم يبرر ما قال
فقط نظر لها
النظرة وحدها كانت كفيلة بدفع أي أحد للتراجع خطوة
لكن نارا لا تتراجع بل أكملت بتحدي "أم غضبت لأني أخبرتها حقيقتها، الحقيقة التي أخبرتني أنت بها، غضبت لأنها انجرحت؟"
بسهولة أخفى ما بداخله..
ليس رحيم العزايزي من تهزه امرأة أو تغوص داخل أعماقه، حتى لو كانت خطيبته..
مال رأسه قليلا و أخفض صوته مما غلفه بالقوة والخطر "أنا غاضب.. "
ويده التي تمسك السيجارة بينهما، تشير لها وهو يكمل "لأن أسلوبي بالعمل ليس به إهانة أو تقليل من قيمة أحد، وما قلته عنها كان بوقت غضب وتعلمين السبب"
شحب وجهها وابتلعت ريقها من عتاب نظراته لها
لم ترد وخيمت لحظة ثقيلة بينهما حتى قالت "إذن هو هي من تغضب لها وليس أي أحد"
لمعة سريعة مرت بعينه، اختفت بالحال "لا تتجاوزي حدودك معي نارا، رحيم ليس اسم على مسمى"
والهدوء كان زائف.. يحمل إنذار العاصفة وهي تتراجع
ليس من الخوف.. بل من الفهم..
كانت تربط.. تجمع.. تفكر..
لكنها ظلت صامتة وهو يتحرك مبتعدا وهي تنظر للفراغ أمامها حتى التفتت لظهره المواجه لها وسحابة الدخان تحاوطه "تهددني لأجلها؟"
لم يرد..
ظلت مكانها وقالت "أنا لن أسمح لك بتكرار الأمر معي رحيم"
عندما لم يرد تحركت له..
وقفت أمامه وسقطت نظراته عليها وهي تمنحه نظرة غضب نارية كما هو صوتها "أنا لن أسمح لها بأن تأخذك مني مرة أخرى هل تسمعني؟"
كان يرفض تهديها لكنه يدرك مشاعرها لذا ظل هادئا ولم يثور بوجهها فقط قال "لا تفكري بأن تخبريني ماذا أفعل من عدمه نارا، لأن لا أحد يأخذ قراراتي سواي"
الجنون هزمها وهي تهتف "أنت ما زلت تريدها رحيم، وجودك هنا بدلا من أن تكون معي لنتم إجراءات الزفاف يعني ذلك، وجودها بمكتبك.."
رفع نبرة صوته ليوقفها "وجودها بمكتبي كان للعمل، هذا ما ترفضين استيعابه"
تراجعت وهو الآخر ارتد للمكتب ليدهس السيجارة وتحرك للبار الجانبي وحصل على مشروب لا يتناسب مع روتين يومه الصباحي لكن ما يحدث يتطلب شيء يوقف جنونه
تحركت بلا هدى ويداها تفرك بعضها البعض ونظراتها ضائعة بين الشك واليقين وهو تناول المشروب دون النظر لها حتى قالت "حسنا رحيم، لننسى ما حدث ونعد معا، هناك الكثير ينتظر رأيك بالقاهرة"
تناول رشفة أخرى والمشروب يحرق جوفه ثم قال "لا يمكنني ذلك، لدي الكثير هنا لإنهائه قبل اجازة الزفاف"
أشاحت بيداها وفلت العقل منها "أم ترغب برؤيتها لتضمد لها جراحها؟"
تناول ما تبقى بالكوب جرعة واحدة ووضعه على المائدة بصوت أفزعها كما كان صوته "كفى!"
انتفض جسدها من صوته المختلط بصوت الكوب
التفت لها ورأت عيناه تحترق بلون الأحمر من الغضب مما جعلها تتراجع من الخوف "لا أرغب بكلمة أخرى بذلك الأمر نارا هل تسمعيني؟"
النبرة كانت مخيفة رغم صوته الهادئ. جعلتها تحدق به ودموعها تكونت بعينيها
تنفس بقوة وتحرك للمكتب وعاد لجهازه ومنحه اهتمامه فتحركت هي بخطى بطيئة للباب وقبل أن تختفي خلفه منحته نظرة رجاء أن يوقفها لكنه لم يفعل
لم يمنحها حتى نظرة فتحركت مغلقة نفس الباب خلفها
تدرك أن الأمر يتكرر من جديد وربما تخسره مرة أخرى..
تراجع بالمقعد، أغمض عيونه وتنفس بقوة وهو يفك ربطة عنقه
لم يرى في ظلام عينيه سوى عيونها.. تلك التي امتلأت بالألم قبل أن ترحل
انكسارها الداخلي الذي أسقطتها به نارا يخترق قلبه كخنجر حاد..
اللعنة نارا، أنتِ نار تحرق كل ما حولها كي تعيش هي..
أسند رأسه على أصابعه والصداع يرتد له أقوى مما كان، هو الملام.. هو من منح نارا السم بيده لتضعه لمهرة وتدمرها بلا رحمة
كان يشعر وكأن الأبواب تغلق في وجهه واحدا تلو الآخر، فهل هذا يعني أن الماضي انتهى كما قالت هي؟
هل يمكن أن يكون لقائهم الغير مرتب هذا بلا معنى؟ لينتهي إلى اللا شيء؟
دقات الباب تعيده وهمت تقول "موعد الاجتماع بعد خمس دقائق مستر رحيم"
رفع وجهه لها ومنع ملامحه من إظهار أي شيء "تمام، أرغب بقهوة"
أحنت رأسها "حاضر يا فندم"
خرجت واعتدل ونظراته تسقط على رسوماتها وظل يتفحصهم وهو يذكر عملها بالماضي وكيف كان لا يمنحه اهتمام..
تفحص اللوحات بتمعن وصمت موقفا الذكريات..
للمرة الأولى.. لا يبحث عن خطأ بعملها
****
دخلت مكتبها وأغلقت الباب خلفها بهدوء..
خطواتها كانت ثابتة في البداية.. منتظمة.. كأن شيئا لم يحدث
لكن..
مع كل خطوة كان شيء بداخلها يتفكك حتى وصلت لمكتبها..
وضعت يداها على سطحه.. تستند عليه كأن الأرض فقدت ثباتها فجأة تحت قدميها
أغلقت عينيها.. أنفاسها خرجت بطيئة لكنها لم تهدأ، لم توقف ألم قلبها.. لم تطفئ الفوضى بداخلها، لم تمس ذلك الألم الذي استقر بقلبها
ما زالت تسمع صوت نارا.. كلماتها.. نظراتها..
صمته..
فجأة وجدت نفسها تضحك.. ضحكة قصيرة، مكسورة.. بلا روح "رائع مهرة"
همست بها لنفسها.. تسخر من قلبها قبل أي أحد.. ثم رفعت وجهها ببطء وعيونها تستقر على لوحاتها الساكنة على سطح مكتبها..
تلك اللوحات التي تمنت، حلمت كثيرا أن يراها.. يقدرها حق قدرها لكن.. هل رآها يوما؟
تحركت يدها ولمست إحدى الرسومات.. أصابعها كانت ترتجف كأنها كانت تلمس ذكرى.. لا ورق "ما الذي كنتِ تنتظرينه!؟"
سألت نفسها بصوت غير مسموع سوى لقلبها و.. عقلها "أن يدافع عنكِ"
ابتسمت بمرارة.. واعترفت بالحقيقة التي تعرفها "رحيم لا يدافع عن أحد.. إلا نفسه"
وتكررت الجملة داخلها.. كأنها تحاول إقناع نفسها بها
لكن قلبها الواهن خانها.. تراجع عنها بخيانة معتادة عاد يهمس "لكنه لم يتركها تكمل هو أوقفها هو.. "
لكنها توقفت.. عندما أدركت الحقيقة..
سحبت يدها.. اعتدلت وكأنها ترفض دفاعها الواهن عنه
"كفى"
قالتها بصوت مرتفع قليلا، توقف قلبها عن جنونه ودفاعه عن رجل لا يستحق، وتحركت بعصبية، بغضب، بيأس
تجمع لوحاتها.. ترتبها بلا هدى.! بلا نظام حتى توقفت من الصداع الذى هاجمها فجأة مما جعلها تهتز
رفعت أصابعها لرأسها وكأن الصداع يذكرها بمرضها فتحركت للمقعد وجلست بتعب واضح وقد حاولت أن تسيطر على جسدها المرتجف والمنهك
لكن الأفكار كانت أسرع.. هاجمتها بلا رحمة توقظها قبل أن تهزمها العاصفة
أيلا..
وجهها ظهر أمامها بالحال.. ضحكتها.. صوتها "مامي"
انقبض قلبها بقوة.. ارتفع شيء داخلها.. حاربت ضعفها.. رفضت هزيمتها
"لا يمكن أن أضعف الآن.. أيلا بحاجة لي"
الدموع سكنت عيونها التي عادت لمكتبها، أوراقها.. كل شيء كما كان لكن..
هي ليست نفس المرأة..
نهضت لمقعدها وفتحت جهازها وسحبت أحد التصميمات
وعادت للعمل.. ليس هروبا.. بل نجاة
****
لم يلتقي كلاهم مرة أخرى بذلك اليوم.. بل رحل اليوم بكل ما به..
لم يهاتف نارا ولم يحاول إصلاح خلافهم، لكنه لم يوقف إجراءات الزفاف.. هو واقع ولن يتبدل
بمنتصف اليوم التالي قطع رنين هاتفه محادثته الهامة مع محمود حيث كان ينظم معه الأمور قبل رحيله وما أن نظر للهاتف حتى تراجع..
نظر لمحمود وقال "أحتاج للرد"
أومأ محمود له فنهض للنافذة وأجاب "ماما!؟ أنتِ بالقاهرة؟"
المرأة كانت تسافر عند أخته بالدنمارك ثم تعود من أجله..
لم تقبل بزواجه من مهرة، لم تراها من الأساس ولم تمنحه أي تعليق عندما انفصل.
صوتها أتاه مبتهجًا "نعم حبيبي، نارا أرسلت لي تذكرة الطيران لأجل زفافكم"
تنفس بعمق وهو يذكر ذلك الزفاف الذي تبقى عليه أيام لا تعد ومع ذلك لم يهتم بأي تفصيله به
"هل رحمة أتت معك؟ اشتقت لها وللأولاد"
ضحكت والدته وقالت "ستأتي قبل الزفاف بيوم.. علاء زوجها لم يمكنه أخذ اجازة قبل ذلك، وسيعودون بعد الزفاف مباشرة"
اشتعلت سيجارته وهو يجيبها "جيد، كيف هي صحتك؟"
هتفت "بأفضل حال حبيبي، متى سأراك؟ ظننتك هنا للاستعداد للزواج"
رفع أصابعه لجبينه لحظة قبل أن يجيبها "سأفعل ماما، فقط الشركة هنا جديدة وبحاجة لي قبل اجازة الزواج"
صمت حل بالهاتف فقال "ماما هل ما زلتِ معي؟"
عادت تجيبه "نعم رحيم، أنتظرك لتناول الغداء معي غدا"
فتح فمه ليعترض لكن لا يعلم لماذا شعر بوجود نارا خلف كل ذلك فتراجع وقال "سأحاول ماما، اهتمي بنفسك حتى أراكِ"
أجابت بحنان "حاضر حبيبي، سأفعل لأراك أخيرا عريسا وأنتظر أولادك"
أغمض عيونه ولا يعلم لماذا اخترقت أيلا أفكاره عند هذا الجزء.. تنهد وكلاهم يغلق
ظل واجما ووجه أيلا.. ابتسامتها.. صوتها الطفولي "هو صديقي وأنا أثق به"
تلك الطفلة تتملكه بشكل غريب!
انتهى من اجتماعه بطريقة أدهشت محمود لأن اجتماعات رحيم لا تنتهي كما عرف عنه الجميع ذلك..
وترك المكتب ونزل لسيارته غير عابئ بمسلم ولا رجاله بل تحرك للسيارة وقاد بنفسه ورجاله تتبعه بسيارة أخرى..
****
ما أن فتحت باب شقتها حتى اندفعت أيلا لها فحملتها بين ذراعيها رغم ما تحمله من حقائب عملها لكن الصغيرة لا تهتم وصوتها موسيقى بأذن مهرة "مامي، افتقدتك"
ضمتها لها بابتسامة حقيقية "وأنا أيضا حبيبتي"
ابتعدت الصغيرة بوجهها عن كتف والدتها وهتفت "تعالي لرؤية ما أحضره لي صديقي"
تجهم وجهها.. تولاها الصمت.. كلمة صديقي عنت الكثير مما رفضته ولا ترغب بقبوله..
أفلتت الفتاة منها ولكنها قبضت على يدها وجذبتها وهي تتحرك معها لمكانها الخاص باللعب وهناك رأته..
قلبها كان يعلم.. لن يتركها..
كان على الأرض جسده الطويل ممدد ويستند على ذراعه ووجه ارتفع لها..
نظرة تحدي بعينه.. لن تجرؤ على رفض وجوده..
"لقد عرف اللعبة التي أردتها مامي وأحضرها لي"
انتبهت لصوت أيلا وأنها تركت يدها واستقرت أمامه على الأرض ولعبة كبيرة من ألعاب البنات كانت أمام ابنتها.. تقوم بتركيبها
هتفت الفتاة "هل رأيتِ مامي.. هو أيضا يساعدني بتركيبها.. تعالي، أحتاج لكِ"
سهيلة خرجت بنفس الوقت "مساء الخير مدام"
التفتت لها وهي تحمل القهوة وتتحرك له بها وتضعها له وكأنه صاحب البيت..
الغضب حل محل التيه الذي كان يأخذها وارتدت عيونها له..
لمعت عيناه عندما التقى بها وبلحظة رأت نارا وسمعت كلماتها
التفتت وأرادت أن تتحرك لمكان بعيد عنه.. ولكن
صوت أيلا أوقفها "هيا مامي تعالي"
لم تلتفت وهي تقول "أحتاج لتبديل ملابسي أيلا"
وتحركت لغرفتها وأغلقت الباب وتحركت بخطوات غاضبة.. يداها تعتصر بعضها البعض
كيف يجرؤ على أن يأتي هنا بعد ما كان؟
كيف يمكنه أن يواجها وهو من طعنها بكرامتها مرة بل مرارا بلا رحمة؟
تعبت.. جلست على طرف الفراش وعقلها لا يمنحها أي مساعدة وقلبها جبان، خائن لن تلجأ له
رفعت يداها وأسندت رأسها عليهم وهي لا تعرف لماذا عاد لحياتها الآن وكل الطرق مؤصدة بوجهها؟
لماذا يتسرب كالسم داخل حياتها.. وابنتها؟
ابنتها..
رفعت وجهها.. لن تتركها له، لن يفوز مرة أخرى
نهض تاركا الفتاة تكمل لعبتها بعد أن منحها تعليمات بسيطة لتكمل لعبتها الجديدة وتحرك لمكان الجلوس ليشعل سيجارة وكوب القهوة بيده ونظراته على باب غرفتها
هل ستتركه دون أن تعود له؟
نفخ الدخان وتناول بعض القهوة وتحرك دون أن يجلس.. عقله يدفعه للرحيل لكن شيء ما يجبره على البقاء..
أيلا.. مهرة..
أنت مجنون..
كان عليه التحرك للقاهرة حيث ينتظره الكثير لا التواجد هنا حيث تنتظره معركة لا يعمل لأين ستنتهي؟
رفع الكوب لفمه عندما انفتح الباب ورآها أمامه..
جمد..
الجينز يلف جسدها بشكل لا يمكن تفويته.. بلوزتها أحكمت حول صدرها بشكل أنيق و.. مثير.. مثير جدا..
شعرها تهاوى بلا انتظام خلفها، ها كتاج الملكة وخصلاتها لفت وجهها بطريقة انسيابية وتناغمية مظهرة نعومة بشرتها
عيونها لمعت ببريق ناري لم يظهر لونهم الحقيقي ولكن بدت حارقة.. قاتلة
يده تجمدت بالهواء وهي تتحرك تجاه ابنتها متجاهلة وجوده وكأنها لا تراه..
تلك المهرة لا يعرفها..
هادئة هدوء قاتل.. مثيرة، ثقتها ارتفعت لعنان السماء.. تتحداه بلا تراجع ولا استسلام، تجمح به و.. بقلبه
على الأرض استقرت.. بجوار ابنتها.. كما ستكون دائما
جلس أمامهم كما كان.. لكنها لم تمنحه أي اهتمام وبعد لحظة كانت أيلا تجذب كلاهم لها وتفقدهم التوتر الذي كان يلفهم
أخبرتها أنها جائعة فنهضت ولم تمنحه أيضا اهتمامها، فقط تحركت للمطبخ..
لم تواجه نظرات التساؤل بعيون سهيلة عن هوية الضيف فأيلا أخبرت العالم عن صديقها الجديد وهي لم تغير الأمر
عادت بصينية الساندويتشات، أخذها منها ولم ترفض وتناولوا جميعا الطعام وما زالوا يكملون اللعب وبلا وعي انفتح الحديث بينهم..
لمسة يد.. نظرة عين..
جو عائلي افتقده منذ سنوات الطفولة، موت والده ثم زواج أخته وهجرتها مع علاء..
الآن هي تمنحه له.. تلك الفتاة الصغيرة جرته لعالم وجد نفسه يريده.. يرتاح به
انتهى الطعام وهي نظرت لساعتها وقالت "أيلا موعد نومك حبيبتي"
تذمرت أيلا واستعانت به.. لكن نظرته للمهرة جعلته يرتد للصغيرة بابتسامة جعلته أكثر وسامة "مامي على حق، اللعبة ستنتظرك للغد"
لكنها منحته رد لم يتوقعه.. ولا هي "ولكنك لن تنتظر"
ثبتت نظراته عليها.. وتوقفت أنفاسه.. أو نسى أن يتنفس..
لكن عندما تذمر قلبه بدقات قوية تنفس بعمق وهو يراها تخفض نظراتها وتنهض لتضع قبلة على وجنة مهرة التي تلقت الكلمات بجمود مماثل له
عندما توقفت أمامه وجد نفسه يعتدل، يحيط وجهها براحتيه "ظننت أنكِ سعيدة باللعبة"
هزت رأسها وتساقط شعرها الأسود المبعثر على وجنتيها فعاد وقال "إذن لماذا لا تبدين كذلك؟"
رفعت عيونها له.. شيء ما بهما.. تلك العيون تذكره بشيء أو بأحد لكن..
"لأنك لن تأتي مرة أخرى لتلعب معي، مامي قالت أنك لن يمكنك أن تبقى عندنا"
رفعت رأسها تتحداه أن يقول عكس ما قالت، أفلت نظراتها وعاد للطفلة وقال "وهل ترغبين بأن أكون هنا مرة أخرى؟"
عيناها الجميلة ظلت تنظر له ببراءة ونبرتها الصادقة تمس القلب "نعم، أنت طيب وتشتري لي الألعاب وتلعب معي، فتاة بالنادي كانت تلعب مع رجل كبير مثلك لكنه لم يكن صديقها بل والدها وليس لديها صديق وأنا ليس لي والد ولكن لي صديق"
تمزق قلب مهرة.. تفتت لمليون ألف قطعة لأجل ابنتها..
رغبتها بأب كانت عالقة بذهنها.. والآن تعلقت به.. تراه بديل عن الأب
صديق..
قبضة حديدية قبضت على قلبه لكلمات الفتاة..
سقطت داخل أعماقه وأحرقت جموده.. غروره.. سطوته..
جعلته أضعف مما كان يظن أنه سيكون بأي يوم
نظرات مهرة كانت ضائعة وهو يراها تقاوم الدموع.. تفر منه ولا تواجه "ربما يأتي والدك لرؤيتك ووقتها لن تحتاجين لصديق"
كان يتسرب لمنطقة خطر وعليها التدخل لكن أيلا لها شخصيتها التي صنعتها هي لها "أنت أفضل منه، هو لم يهتم بي لكنك تفعل، شكرا لك"
وفلتت من راحتيه لتضع قبلة على وجنته "طابت ليلتك أبيه"
وتحركت لغرفتها وسهيلة تتبعها بينما سقطت دمعة على وجنة مهرة..
مسحتها قبل أن يراها وقلبها يدق بعنف داخل صدرها
نهضت واقفة.. لا تمنح الضعف أي سطوة.. ليس وهو هنا.. ينهض ليواجها فقد حان وقت المواجهة
صراع جديد من صراعاتهم معا
رفعت وجهها له.. التقت بالرمادي الساكن بمقلتيه.. سطوته انطفأت.. لا تراها
نظرة لا تعرفها هي كل ما واجهته
أشعل سيجارة لتختفي النظرات فقالت "أيلا مندفعة كما تعلم.. و.. أنا لا أعلم.."
قاطعها دون اهتمام بكلماتها "رجالي لا تعثر على أي شيء يخص العام الذي تبع انفصالنا مهرة، أين كنتِ وقتها؟ هل والد أيلا أخفاكِ بمغارة تحت الأرض؟"
ارتجفت شفاها وضمت قبضتها بجوارها كي تخفي ارتجافهم ورفعت رأسها لتحتفظ بهدوء زائف "وهل حياتي تهمك هكذا حتى تُسخر رجالك لمعرفة تفاصيلها؟"
مال تجاها، اقترب من وجهها بطريقته التي تجعلها تضعف.. تتهاوى من برج ثقتها العالي "نعم، نعم مهرة، أخبرتك كثيرا أني أهتم بكِ وبما يخص أيلا"
ابتعدت وهاجمت "لأجل ماذا؟ لتثبت أني تلك الحقيرة التي لا ترقى لمكانتك؟"
جذبها من ذراعها لتواجه نظراته القاتمة وقال بصوته الهادئ والمخيف "بل لأعرف ما تخفيه عني.. تلك القصة عن المكانة أصبحت سخيفة جدا ولا مكان لها الآن، أصبح اسمك علامة داخل الشركة وخارجها"
جمدت أمامه، هل يعترف بذلك؟
عاد ليقربها منه وهو يكمل "أين كنتِ طوال هذا العام مهرة؟ من هو زوجك وأين هو؟"
ثبتت نظراتها عليه بلا قدرة على النطق..
لحظة صمت.. لكن ليس صمت عادي.. بل معركة.. معركة تحدث داخلها
صراع لم ولن ينتهي منذ سنوات ولا تعلم هل اليوم وصل لنهايته؟
رفعت ذقنها ببطء.. تجمع كرامتها من تحت ركام السنوات الراحلة "ولماذا تريد أن تعرف؟"
سؤال بسيط.. لكن.. حاد.. مخيف.. قاسي
لكنه مع ذلك لم يبتعد.. بل زاد اقترابا.. كاد ينهي المسافة بينهما لحد خطير وصوته الهادئ أكثر خطرًا "لأن ابنتك ظهرت فجأة في حياتي.. ولا شيء يحدث فجأة بلا سبب"
ارتجف قلبها.. لكن حافظت على ملامحها مجهولة.. لا تمنحه أي شيء من النيران المشتعلة داخلها..
حتى صوتها لم يخرج مهزوزا "وإن لم يعجبك السبب؟"
رفع رأسه.. نظرته لها طالت.. ثقيلة..
كأنه يحاول أن يقرأ ما خلف عينيها بالقوة وعندما فشل قال بنفس الهدوء "سأعترف أنني لا أحب الجهل.. أكثر من الكذب"
تجمدت.. كلماته تصيب الأعماق.. تؤلم ولا ترحم
ومع ذلك ابتسمت بسخرية خفيفة.. لكنها كانت مهزوزة "أنت دائما تحب السيطرة رحيم، حتى على ما لا يخصك"
ضغط على ذراعها بقبضته قليلا "وأنتِ دائما تهربين من الإجابة"
سكتت..
هو على حق.. منذ التقيا وهي لا تفعل شيء سوى الهروب منه ومن مواجهته
اقترب بشكل أصبح خانق وكأنه يسرق الهواء من حولها.. يوقفه عنها بأمر منه "سأكرر السؤال مرة واحدة فقط.. أين كنتِ؟"
تلك المرة لم تكن نبرة ضغط فقط.. بل بها شيء آخر..
خوف؟ شك؟ أو غيرة هو لم ولن يعترف بها؟
تراجعت.. تفلت منه ليس خوفا منه.. بل من نفسها
ولكن ظلت النظرات عالقة.. هي لحظة لا يمكن كسرها "وأنت؟"
سألته فجأة وهو اعتدل لتكمل هي "أين كنت طوال تلك السنوات؟ لماذا الآن فقط تتذكر أن تسأل؟"
سكت.. تلك مرته الأولى بالسكوت..
سؤالها قذيفة أصابت الهدف.. حطمت شيء ما داخله
عيونه لم تفلت منها لكن ما تحطم داخله كان يتحرك وهو لا يفهمه..
وهذه المرة هي من تولى الدفة.. ضغطت "أم أن ظهورها فقط هو ما جعلك تهتم؟"
تحركت عروق فكه.. ضم قبضتيه بجواره.. تنفس بعمق كما اعتاد.. لكن
صوته لم يفلت من تحت سيطرته "لا تحرفي الحديث مهرة"
ضحكت.. ضحكة قصيرة عصبية بلا روح.. عنت الكثير ولكن لم تعبر عما داخلها "أنا لا أفعل.. أنا فقط أمنح ما يحدث تفسير"
وعادت له "وهو تفسير حقيقي"
الصمت عاد، ثانية.. اثنان..
كان هو من يمنح ما كان تفسير حتى..
ومضت عيناه ببريق وهو يقول فجأة "أنتِ لم تتزوجي"
كان إقرار وليس سؤال.. كان حكم
وهي جمدت.. ولأول مرة خانتها عيناها..
وقتها أدرك.. استوعب.. فهم ما لم يكن يفهمه
خطى خطوة لها، نظراته تكاد تحرق كل شيء أمامه وهو يضع الاثباتات الواحدة بجوار الأخرى حتى يصل للنتيجة ولكن تبقى خطوة
"إذًا من هو والدها؟"
ابتلعت ريقها.. اختنقت الكلمات داخل جوفها.. انحبست مع ما كانت تحبسه داخلها من ماضي وذكرى..
وهو تابعها.. تابع كل ما تبدل على ملامحها.. صمتها.. ارتجاف يداها.. شفاها.. حتى الألم بعيونها.. تابعها
وعرف.. فهم "بل لم يكن هناك أحد؟ لم يكن هناك زوج ولا أب"
لم تنهار.. لم تخف
بل رفعت عيناها له بتحدي.. لم تمنحه حتى نظرة انكسار.. فقط صمت
هتف بلا قوة على التوقف "ثلاثة سنوات.. نعم، كيف لم أفهم؟ تحدثي.. أيلا.. "
وقبل أن يكمل كان صوت صغير من الخلف يوقفه عن أن يكمل "مامي"
تجمد كلاهم..
التفتا بنفس اللحظة..
أيلا كانت تقف عند مدخل غرفتها.. تفرك عينيها الصغيرة بنعاس وشعرها مبعثر أكثر حول وجهها "صوتكم مرتفع.. أيقظني.. لماذا تتشاجران؟"
وكان الصمت.. صمت جديد.. مختلف..
صمت اعتراف
عيناه كانت تتحرك للطفلة.. الآن فهم لماذا عيناها تبدو مألوفة؟
لأنها ببساطة..
تشبهه..
هي تحمل عيونه.. شعره.. وربما شكل وجهه
تحركت الطفلة تجاه أمها الساكنة أمامها غير قادرة على الحركة وأمسكت يدها وهي تضغط عليها بقوة "لماذا يصرخ بكِ؟ هل غضب مني لذا صرخ بكِ أنتِ؟"
مهرة فقدت النطق..
كانت ضائعة ما بين سرها الذي لم تخرجه طوال تلك السنوات وما بين لحظة المواجهة وخوفها على ابنتها من الصدمة..
رحيم كعادته لم يرحمها.. لم يمنحها أي نظرة بل تحرك..
خطوة واحدة ليس لأجل مهرة
بل نحو أيلا.. حتى توقف أمامها
نزل لمستواها ببطء حتى توقف أمامها وتحركت نظراته على وجهها الصغير..
الخوف مزق شيء داخله.. لذا قال "أخبرتني من قبل أن اسمك أيلا مهرة.. "
هزت رأسها ونبرته الخافتة منحتها شعور بالراحة واندثر الخوف وعيونها ثابتة على شبيهتها
عاد لها، يبتلع ريقه "حسنا لكن لكل واحد منا اسم أب، مثلا أنا اسمي رحيم علي العزايزي فما هو اسمك؟"
ضغطت يد مهرة على يد ابنتها ومع ذلك لم تحاول أن توقفه عما يفعل فقد وصلت للنهاية وارتفعت صافرة الحكم
الطفلة أجابت بلا خوف "أيلا"
الصمت سقط وبدا أنها كانت ليلته.. الاسم لم يكن مجرد اسم
عيونه ثبتت على الصغيرة ثم قال بصوت منخفض جدا "ماذا؟ أيلا ماذا؟"
مهرة لم تتحمل وصوتها خرج مهزوزا "رحيم.. "
لم يرفع وجهه لها وعيونه ثابتة على الفتاة وهمس "اسكتي"
لم تكن قسوة منه.. بل صدمة تمنع أي صوت آخر
وعاد للصغيرة "اسمك بالكامل ماذا أيلا؟"
ابتسمت الطفلة ببساطة وأجابت
وتجمد الهواء
الفصل 7
ابنتي
النظرات سبحت بينهم بمحيط الصمت الذي لفهم..
مهرة أغلقت عينيها.. تنتظر ضربة جاءت متأخرة لكنها كانت تنتظرها..
أما هو فلم يتحرك.. لم ينطق بكلمة..
لم يرمش تقريبا..
حتى انتبه لنفسه.. عاد للواقع بعد خوض معركته التي كان يخوضها وحده..
الطفلة استمعت لسؤاله "اسمك بالكامل ماذا أيلا؟"
وبعدها أجابت ببراءة "أيلا رحيم"
وتركت كلاهم يتلوى فوق جمر مشتعل من لهيب الذكريات المؤلمة..
وهو وجد نفسه أخيرا يكرر بصوت مكسور لأول مرة "رحيم..؟"
الطفلة هزت رأسها بثقة طفولية وأكملت "مامي قالت ذلك.. اسمك مثل اسم بابي"
الصمت تلك المرة لم يعد صمتًا.. بل سقوط.. وللهاوية.. بلا نجاة
رفع عينيه ببطء شديد نحو مهرة.. نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتكسر كل شيء وتجعل الحقيقة الغائبة..
واضحة
ولمعت عيناه وهو ينطق بألم غريب لم يعرفه من قبل "ابنتي؟"
حل سكون مخيف لم يقطعه سوى همس الأنفاس تعزف سيمفونية لا معنى لها
سكوته كان انكسار..
سكوتها كان خوف..
وسكوت أيلا كان عدم فهم..
انفلتت أيلا للخلف لتلتصق بأمها.. لا تفهم شيء مما يدار حولها
نهض.. يترنح من داخله.. يحاول استيعاب ما كان.. ما صار.. ما سيكون
لا يصدق ما يحدث من حوله وخرج صوته خافتا.. مبحوحا.. مذبوحا "أنتِ.. "
انكسار.. ضعف سكنه بلا مقاومة منه وهو يرفع وجهه لها وهي لا تواجهه "كيف جرؤتِ؟"
شحبت.. رحلت من عروقها الدماء
لطالما كانت تنتظر تلك اللحظة.. تعلم من داخلها أن عليها الوصول لذلك اليوم.. لكنها كانت تفر منها..
لم تجيبه وهي تحدق بالفراغ.. بسنوات الضياع التي عاشتها وحدها..
صوته كان قوي وكأنه رمم نفسه بسرعة "تركتِ الفتاة تنشأ بدون أب"
اهتز جسدها تحت قوة نبرته..
رفعت عيونها له.. ولأول مرة لم تعد خائفة..
لم يعد هناك مجال للهرب فقد وصلت للنهاية..
اهتزت شفاها وهي تجيبه "وأنت.. هل كنت تريدها؟"
سقط السؤال بينهم كصفعة.. جعله يتجمد..
رمش.. كأنه لم يسمع جيدا فقال بصوت مخيف "ماذا!؟"
ضغطت على جسد صغيرتها المرتجف والملتصق بها.. عيناها تلمع.. بلا ضعف وإنما بألم عاد حيا..
همست بصوت مسموع لكن متألم "هل كنت ترغب بطفل رحيم؟ أم كنت كل يوم تحذرني من الحمل، تخبرني أن الوقت ليس مناسب للإنجاب، العمل بحاجة لك، حياتنا ليست مستقرة لطفل"
تنفست بقوة.. تخطف الذكريات من بين براثن الجحيم الذي كانت تعيشه "لم ترغب بطفل مني.. من امرأة لم تليق يوما بابن العزايزي"
كان جامدا.. كلماته ترتد له.. كانت تنهض من بطن النسيان، مؤلمة.. له
وهي لم ترحمه.. أكملت المذبحة بنبرة مهتزة "هل نسيت عندما أخبرتني أنه لو حدث حمل فلن يتم؟”
واكتملت الصدمة.. عليه
دفعته ليرتد للخلف خطوة.. كأن الكلمات ضربته في صدره وهو نطق بلا وعي "أنا.."
لكنها لم تتركه يتحدث.. كان عليها أن تكمل ما بدأته حتى النهاية "أنا كنت حامل وقتها رحيم"
واختفى الهواء.. اختنقت الأنفاس.. ارتفعت الدقات
“بيوم ما نسيت قرص من الأقراص دون قصد وظننت أن الأمر لا يهم لكن.."
وابتلعت ريقها.. دمعة سقطت بنفس الوقت وهي تستحضر تلك الأيام.. الخوف الذي سكنها من أن تكون حامل..
انتظار دورتها الشهرية..
أمضت أيام بالجحيم من الخوف حتى رأت اختبار الحمل بعيون متسعة، غارقة بالدموع ولم تعرف ماذا تفعل؟
عادت تجذب نفسها من سقطات الماضي "يوم قررت إخراجي من حياتك.. كنت حامل.. يوم صدقت شكوك بي ومنحتني الطلاق.. كنت أحمل ابنتنا ولم أجرؤ على إخبارك"
اهتز كيانه الشاهق..
وهي لا ترحمه "كنت تبحث عن طريقة لتتخلص منها قبل حتى أن تعرف بوجودها"
وانفجر البركان الكامن داخله.. هتف "كفى"
صراخه كان مفاجئ..
خرج مخيف وسط السكون الرهيب حولهم..
خروج بلا سيطرة جعل الطفلة تنتفض بفزع وخوف "مامي"
بلحظة كانت تنزل لمستوى طفلتها.. تحتضنها بقوة "حبيبتي اهدئي.. اهدئي يا قلب مامي"
صوتها انكسر وهي تضمها وتربت عليها بحنان..
وعيونه التصقت بهما.. محملة بالجنون.. جنون الغضب.. عدم التصديق..
مليئة باتهامات لا حصر لها ولن تنتهي..
بكاء الطفلة جعله يتنفس بقوة.. ورفع يده فمررها على شعره بعنف "لم أكن لأقتل ابنتي مهرة.. أبدا"
رفعت وجهها له.. بعينين مليئتين بألم السنين "أنت كنت تمنع وجودها من الأساس"
تجهم.. اشتعلت نيران داخل قلبه..
وسكوته لثانية أو اثنين لم يكن ضعف بل محاولة استيعاب ما يدور حوله حتى ضحك فجأة
ضحكة قصير.. ليست طبيعية وهو يلقي كلماته بوجهها "لذا قررتِ معاقبتي بحرماني منها؟"
انتفاضة مرت بقلبها.. لكن لم تجعلها تتراجع وهي ترد "لا.. لكن قررت أحميها"
جنون أصابه وهو يتقدم منهما خطوة، الغضب عاد أقوى مما كان "تحميها مني؟"
لم تجعلها نبرته تتراجع أو تهاب جنونه الواضح بنظراته بل ارتفعت نبرتها هي الأخرى "نعم، نعم رحيم كنت أحميها منك"
تراجعه من قوتها أسكته
وهي أكملت "منك ومن رفضك.. من رغبتك بعدم وجود شيء يربطنا"
صمت.. يحاول جمع واحد مع واحد ليكون الناتج اثنان وليس واحد
وهي كانت تتألم لذكر ما كان.. تعود لتلك الذكريات "أنت لم تعرف ما الذي دفعته لأحتفظ بها؟ أنا كنت وحدي.. أختفي كي لا تعثر عليّ وتكشف سري.. نعم رحيم عشت أوقات كثيرة كان الخوف طعامي وشرابي، نومي واستيقاظي"
وتساقطت دموع كثيرة بلا توقف وهو ارتد مبتعدا، فقط يسمع..
يحاول الاقتناع بمبرراتها وهي تكمل بمرارة "كنت وحدي.. وحدي وأنا حامل.. وحدي وأنا ألد،، وحدي وأنا أقوم بتربيتها"
ظلت الدموع تتساقط.. كثيرة.. بلا توقف وهي تكمل "وأنت.. "
ابتسمت بمرارة كست نظراتها ونبرة صوتها "كنت تحتفل بانتصارك على من هزمتها وطردتها خارج حياتك.. كنت تعيش حياتك، حتى أنك ستتزوج بعد عدة أيام"
كل كلماتها كانت تذبحه،، تطعنه بلا رحمة ومع ذلك لف وجهه المحترق من لهيب الغضب ونظراته على الصغيرة التي تتمسك بأمها بقوة ثم عاد لمن هزمته
"كان من حقي أن أعرف"
وهي لم تستسلم.. رفعت وجهها الغارق بالدموع وقالت "وأنا كان من حقي الاختيار، كانت حياتها من تراهن عليها"
هتف بها بجنون "هي لم تكن لعبة مهرة، ليست سباق من سباقاتك، هي ابنتي من تتحدثين عنها.. ابنتي.. جزء مني، ليس من حقك أن تسرقي حقي مني وتحرميني من ابنتي كل تلك السنوات"
ارتجفت الفتاة فرفعتها بين ذراعيها ووهي تربت عليها "لا تخافي حبيبتي.. تعالي لتنامي"
لكنه لم يتركها لتفر منه.. تحرك بنفس اللحظة.. وقف أمامها..
لن يسمح لها لتسرق منه حقه مرة أخرى "ليس قبل أن تخبريها الحقيقة"
أخفت الفتاة وجهها بعنق مهرة وهتفت "مامي أنا خائفة، هل سيضربنا؟"
تجمد..
كلمات الفتاة سقطت عليه كجبل تهاوى واندفن تحته..
ضمتها لها بقوة تحاول حمايتها "لا حبيبتي.. اهدئي ولا تخافي"
هتفت الفتاة دون أن تبعد وجهها عن عنق أمها "لا تتركيني ماما، لا تتركيني"
نظرت له بنظرات غاضبة.. هو يحطم أمن ابنتها وسلامها وهي التي صارعت لتمنحها الراحة والسعادة
تحركت عضلة بوجهه.. أعلنت عن تشنج عضلاته
بلا كلمات التفت وتحرك مبتعدا.. لأول مرة في حياته… لم يعرف كيف يطالب بحقه… دون أن يبدو وكأنه يسرقه منها
صوت غلق الباب جعلها تغمض عيونها..
تعتصر الدموع المتكومة داخل عيونها.. تلف ابنتها بقوة وتمنحها كلمات تهدئة
تخبرها أن كل شيء انتهى لكن.. بالحقيقة.. هي كانت تعلم أن لا شيء انتهى بل..
لقد بدأ كل شيء
****
وجعلنا النهار معاشا.
ولكن النهار لديها اليوم كان مظلم، بلا نور.. لم تنم.. لم تتمدد حتى لحظة واحدة
جسدها تشنج من جلستها بمنتصف الفراش، رأسها على ذراعيها فوق ساقيها المضمومين لصدرها
صوت الضوضاء بالشارع جعلها تعود للواقع من حولها..
كانت متعبة.. الصداع يرج رأسها وعيونها متورمة وشحوب وجهها يعلن عن حالتها
دقات على الباب جعلتها تنهض وهي تأذن ورأت سهيلة تفتح وتقول "العمل على الهاتف الأرضي مدام"
التفتت تبحث عن هاتفها.. هل فقد الشحن وانغلق؟
عادت لسهيلة "قادمة سهيلة"
تحركت للخارج وداليدا منحتها سؤالها "ألن تأتي؟ لديك مواعيد كثيرة وهاتفك مغلق؟"
فركت جبينها بأصابعها من الصداع وقالت بتردد "لا أعلم داليدا، أنا حقا متعبة"
صمتت الفتاة قليلا قبل أن تقول "مستر محمود سأل عنكِ ويرغب برؤيتك من أجل الحملة الجديدة"
للحظة ترددت بالسؤال حتى قالت "ومستر.. رحيم؟ ألم يأتي؟"
أجابت "لا، يقال أنه عاد القاهرة. زفافه غدا"
ألم اعتصر قلبها.. اكتشف أن له ابنة بالأمس وغدا سيتزوج وكأن شيء لم يكن..
أغمضت عيونها وكأنما تغلق الباب بوجه الألم ثم عادت وقالت "حسنا ماري سأحاول أن أحضر"
وأغلقت..
لم ترى أيلا..
مكان اللعب فارغا.. سهيلة رتبته
تحركت لغرفة ابنتها فرأتها تجلس بالفراش، تضم دميتها المحببة لصدرها وتتحدث معها وهي لم تشعر بمهرة
"أنتِ أيضا لابد ألا تتحدثي معه، كان يصرخ بي وبمامي"
توقفت بمكانها.. سقطت قوتها تحت أقدامها
عادت أيلا تقول "ماذا؟ لا.. لم يعد صديقي، لا أحب أن يصرخ أحد بوجه مامي.. أنا أكرهه"
تدخلت.. لن تقبل بأن تكره ابنتها والدها..
الليل كان طويل وهي لم تتوقف عن التفكير..
لقد رأت كم كان يتألم لجهله بابنته.. هو الأحق برعاية ابنتهم لو فقدت حياتها بالمرض
لن يحل أحد سواه محلها لذا عليها أن توقف حربهم ولكن..
معرفتها أن زفافه غدا أوقف كل شيء..
نارا لن تقبل بابنتها.. هل سيهد حياته لأجل ابنتها؟
ابنته؟
ابنتهم؟
هتفت "لا أيلا"
رفعت الفتاة وجهها لأمها التي تقدمت تجاها حتى جلست بجوارها ونظراتهم ملتصقة وهي تكمل "لا يمكنك أن تكرهيه.. هو يحبك"
هزت الفتاة رأسها بالنفي وخوف مر بعينيها "لو كان يحبني لما غضب هكذا"
أبعدت خصلاتها المبعثرة للخلف وقالت "كان بيننا خلاف أيلا، خلاف الكبار لا يتدخل به الصغار"
عادت أيلا لدميتها "هل تعنين أنه سيظل صديقي؟ يحضر لي لعب أخرى؟"
لمعت دموع عنيدة بعيونها حاولت إيقافها "لا أعلم حبيبتي فهو رحل لبلده البعيدة"
داعبت الصغيرة شعر دميتها هي الأخرى وقالت "لديه أصدقاء سواي؟ "
تنفست بصعوبة.. الأطفال تسأل بلا توقف "ربما.. ألا تشعرين بالجوع؟"
وافقت برأسها فجذبتها لأحضانها ونهضا سويا للطعام..
****
ما أن وصل بيت العائلة الفاخر بالقاهرة والذي تصر والدته على التواجد به حتى انحنى ووضع قبلة على وجنتها كعادتهم معا
هي امرأة أنيقة جدا، بأوائل الستينات.. رقيقة، أنيقة، متعالية وفخورة بعائلتها
وضعت يدها بذراعه وهو يقودها لغرفة الجلوس وهي تتحدث بسعادة "ظننتك لن تأتي، انتظرتك بالصباح"
لم يخبرها أنه لم ينم.. ظل يجلس بغرفته بالفندق بلا وعي بما يدور حوله ولولا مسلم لظل اليوم كله بمكانه..
"أنهيت بعض العمل قبل أن أرحل.. كيف حال صحتك؟"
جلست وابتعد هو للبار لينال مشروب بجوار سيجارته التي أشعلها وهي تجيبه "بخير، لم أظن أنك لن تتواجد هنا وزفافك غدا؟"
تناول رشفة من المشروب.. رأسه لا يتوقف عن التفكير..
لو أغلق عيونه يراها.. يرى ابنته.. يغضب.. يثور
يرغب بهدم عالمها الذي بنته بعيدا عنه ويجعلها تدفع ثمن ما فعلته به، ثم يعود ويدرك أنه سبب كل ذلك الدمار
لم ينظر لها وهو يجيب "نارا تقوم باللازم"
صمت لاح ودخان السيجارة دائما يمنحه ستار جيد ووالدته تعود لتقول "هل حقا.. تلك.. تلك المرأة تعمل معك؟"
رفع وجهه.. نارا تستخدم تأثيرها المعروف على والدته.. لطالما كانت والدته تحبها وتراها الأنسب له
تناول رشفة أخرى وهو يحاول ألا يقع بفخ والدته وهو أيضا يعلم أنها لم تقبل بمهرة حتى دون أن تراها..
"بالتأكيد نارا منحتك تقرير مفصل ماما"
ظلت المرأة تواجه ابنها.. وجهها جامد.. لا معاني ترتسم عليه، لم تكن أم قاسية ولكنها أيضا قوية لا مكان للضعف عندها
"وأنا أسألك أنت، هل عاد شيء بينكم؟"
نفخ الدخان بلا رحمة وإغلاقا لأي ضغوط هو غير مستعد لها الآن أجاب باختصار "لا"
وتحرك للمقعد المواجه لها وجلس بعد أن أطفأ السيجارة وهي تبحث بوجهه عن أي شيء ونظراته زاغت لدموع الصغيرة المنهارة والخائفة منه..
هل هكذا يبدأ علاقته بابنته..
اللعنة مهرة أنتِ أحسنتِ الانتقام..
لم يتوقف عن التفكير بكلمات الصغيرة "أنت طيب وأنا أثق بك"
ضاقت أنفاسه ففك ربطة العنق كعادته وزر قميصه العلوي وما زال صوتها هو كل ما يسمعه
"هل سيضربنا؟"
صوت والدته جذبه من التيه "رحيم لماذا لا تجيب؟"
رفع وجهه لها.. نظرات اتهام.. حيرة أو تساؤل ارتفع على وجهها المواجه له
"ماذا؟"
صمت لاح عليها حتى قالت "سألتك لماذا تبقيها إذن؟ لماذا لم تطردها؟ نارا قالت.. "
قاطعها بحزم "نارا تتحدث بمنطق الغيرة ماما، والعمل لا يدار بذلك المنطق"
عيونها البنية القاتمة منحته نظرة يعرفها.. لا تصدقه وهو لم يكذب "بأي منطق إذن؟ التملق والتسرب مرة أخرى لحياتك وسرقتك من زوجتك"
أبعد وجهه وأجاب "ليس لي زوجة بعد ماما، مهرة لا تتملقني، ولم تعد تلك المرأة التي كنتِ ترفضينها"
نفخت.. تخفي غضبها الذي أشعلته نارا داخلها تجاه مهرة "مهما حققت فهي لن تمحو أصلها، ابنة سائس"
أخرج السجائر مرة أخرى وأشعل واحدة بلا اهتمام بوالدته وتحدث ببعض الهدوء "والدها لم يكن سائس، كان مدرب فرسان ماما، رجل درب العديد من الخيل وفرسانهم لسنوات عديدة واسمه كان معروف"
دقت بيدها على ذراع المقعد بغضب وهي تهتف "هي لا أصل لها ولا فصل رحيم، هل تعرف ابن من أنت؟ هل تدرك مكانة اسم العزايزي بالمجتمع؟ أنت أتيت بفتاة من الشارع وتزوجتها ولم تسمع لأحد حتى عرفت أنها لم تليق بك بأي يوم"
الغضب تسرب له رغما عنه.. نارا أشعلت الفتيل والقنبلة تنفجر بوجهه
نهض، تحرك بلا هدى محاولا تجنب رد الانفجار بواحد مماثل "ماما هل نتوقف هنا؟ حياتي تخصني وحدي ولا أرغب بفتح ما أغلقته بها"
هتفت "لم تغلقه.. وجودها يعني ذلك، لابد أن تطردها رحيم هل تسمعني؟ أنا لن أقبل بوجودها مرة أخرى بحياتك"
التفت لها.. لا أحد يملي عليه قرارته خاصة ما يخص حياته الشخصية لذا قال بحسم "ماما للمرة الثانية أخبرك أن تتوقفي، لا أحد له حق التحكم بحياتي سواي"
ظلت تحدق به بلا تصديق حتى قالت "ونارا؟"
ابتعد وقال "ماذا عنها؟"
نبرتها كانت تحمل تأنيب "ألا تظن أن من حقها رفض وجود من كانت بحياتك يوما ما"
لم ينظر لها وهو لا يرى نارا الآن.. بل العيون التي تسجنه، البنفسجي الذي دمره بالماضي والآن يمزقه بين حياه جديدة سيبدأها بالغد وبين ماضي ظهرت له ثمار لا يمكنه تجاوزها
ابنته.. قطعة منه
أجاب بثبات يخالف ما يجتاحه من اهتزاز داخلي "بل عليها أن تثق بنفسها"
نهضت المرأة وبحركتها البطيئة وصلت له حتى وقفت خلفه وقالت "هي تفعل، لكنها لا تثق بك"
التفت ليراها أمامه، نظراتها تخترق عيونه.. تبحث داخلها عما يخفيه بل وأكملت "أنت ضربت بالكل عرض الحائط يوم تزوجت تلك الفتاة واليوم تفعل المثل بتركها بالشركة فهل تظن.. "
انحنى عليها، أوقف كلماتها، صوته خرج منخفضا "أنا لا أظن ماما.. أنا أدرس، أخطط ثم أقرر، لديكِ هاتف، ادخلي واكتبي اسم مهرة النادي وأنتِ ستدركين ماذا سأخسر لو دفعتها خارج شركاتي؟"
وابتعد من أمامها ليرى نارا تقف على مقربة فتوقف والدخان ه وانغلقت نظراته وعيونها تحمل الكثير والكثير
سقط الصمت..
سقوط لا يرحم أحد..
كانت هي أول من تحرك.. وجهها شاحب، عيونها اختفت تحت مساحيق التجميل ووجد نفسه بلا وعي يقارن
المهرة لا تحتاج لأي تجميل.. فرسة عربية أصيلة.. جميلة.. طبيعية بلا تجميل
تتهاوى خصلاتها النارية خلفها بكبرياء، تتلون من لون العيون المميز..
قوام انخرط بفعل الطبيعة.. لا نظام غذائي ولا أطباء تغذية..
مهرة.. تعدو بلا توقف.. تسابق الريح
وتفوز
صوت نارا اخترق ألبوم الصور المخزن داخل عقله بلا وعي منه أنه يحمله داخل ذاكرته
"ولم تتساءل ماذا ستخسر لو ظلت بالشركة؟"
مال برأسه.. رائحة التبغ رحلت لها وامتصت الهواء من بينهم وهو يجيبها "رحيم العزايزي لا يخسر، خاصة لو كان بسبب امرأة"
وابتعد من أمامها وهي تحدق بجسده الذي تعشقه، هي لم تحب سواه ولا يمكنها أن تخسره مرة ثانية وبسبب نفس المرأة فهتفت "ولكنك تفعل رحيم، أنت تخسرني بسببها، تدمر حياتنا قبل أن تبدأ، تلك المرأة ثعبان يزحف بحياتنا وينتظر حتى يجد الوقت والمكان المناسبين ثم تبخ سمها"
التفت لها ولا مكان للعقل عندما تندفع الألسنة بكلمات فارغة لا تعني شيء سوى غيرة عمياء "أنتِ من تبني القصص الوهمية حولها، مهرة لم تحاول التدخل بحياتنا نارا، هي بالأساس لها حياتها ولو أرادت العودة لي لفعلت، هو أنا من امتلك الشركة التي كانت تعمل بها نارا وليس هي من عملت لدي"
تجهمت، تاهت منها الكلمات حتى تدخلت والدته "حتى لو رحيم، لأجل نارا التي ستكون زوجتك عليك إخراجها من حياتك"
التفت لأمه بلا ثورة، رفع يده "هي ليست بحياتي ماما، أنتم تخلطون بين العمل وبين حياتي الشخصية"
صمتت الأم لكن نارا لا، هي لا تستسلم "أنت اخترت التواجد بجوارها ولم تهتم بزفافنا"
أشاح بيده وكأنه يأس منها "اللعنة ألا يمكن لعقلك هذا أن يستوعب أن رجل مثلي يضع عمله بالمقدمة؟ تلك الشركة كانت تتهاوي والآن تحمل اسم العزايزي ولا يمكن تركها تسقط وأنا أقف متفرجًا"
يداها ارتفعا بالهواء ووجها فقد الدموية فأصبح كالثلج ببياضه الناصع وصوتها خرج مهزوما، متألما "لا، ابق هناك بجوارها ولا تمنح زفافنا ومستقبلنا أي اهتمام، أنت حتى لا تعرف أي تفاصيل عن الغد، لم تهتم بأن تسأل"
ابتعد.. ذهنه غير راغب بأي انتقاد يخص ذلك الأمر
والدته تدخلت "تلك الأمور سهل الإلمام بها نارا، رحيم على حق، لا يمكن السماح بأي نقطة سوداء بصفحة العزايزي جروب"
هتفت باعتراض "ماما..!؟"
قاطعتها المرأة "انتهينا نارا.. ألن نتناول الغداء؟"
والغداء كان كارثة جديدة..
ظل صامتا.. لا ينطق بكلمة ولا يجيب أي سؤال من نارا.. غضبه غير محدد الاتجاه ولا السبب
كل الأفكار ترحل بطريق واحد.. اسكندرية.. الصغيرة البريئة، ابنته و..
المهرة الجامحة..
****
اختارت العمل كسبيل للخروج من أزمتها.. كان طريقها بكل مرة لكن..
بالماضي لم يكن معها.. كان حلم ببداية حياتها كشابة.. ثم أصبح ألم يمنع عنها أي راحة
واليوم كابوس لا تعرف كيف تستيقظ منه..
حبها له ظل بقلبها طوال سنوات المراهقة.. نما وترعرع بلا حواجز رغم إدراكها بالفروقات حتى لمستها العصا السحرية وحققت لها الحلم..
رآها.. أرادها.. تزوجها
ثم..
دمرها..
انتهت من عملها بوقت مبكر.. أفكارها تستحوذ عليها.. كل الميديا تتحدث عن الزفاف المنتظر لرجل الأعمال الشهير.. الملياردير، رحيم العزايزي
رفضت الاعتراف أن هناك ألم بمكان ما داخل أعماق قلبها.. ولا أن الظلام حل على كل أمنياتها..
وقت عرف بأبوته ظنت أنه سيعود لابنته ووقتها ستخبره كل شيء وأنها تتمنى لو يتقرب من أيلا لتعتاد عليه قبل أن..
أسندت رأسها على أصابعها.. نارا لن تقبل بابنتها أبدا..
لابد أن تجد طريق آخر لأيلا، بيت آخر يتلقى ابنتها لو ماتت هي لكن..
هي ليس لها أحد
هل تهاتف عمتها وتخبرها؟
عمتها لم تر أيلا إلا وهي رضيعة وامرأة مسنة فهل سيمكنها رعاية طفلة بالثالثة من عمرها؟
دقات على الباب ودخلت داليدا "لديكِ تصوير بعد خمسة عشر دقيقة، تأخرتِ"
حدقت بها وهي قد نست ذلك وسط غمرة مشاكلها
اعتدلت وقالت "سأحتاج عم صابر السائق لتوصيلي، هل يمكنه ذلك؟"
رتبت أشياءها وتركت جهازها بانتظارها عندما تعود وداليدا تقول "سأرى ذلك"
التصوير استمر ساعات بلا توقف حتى أنهكها التعب لكن لم تفكر بالذهاب قبل الانتهاء..
لابد أن تنتهي اليوم من تلك الإعلانات حتى تبدأ التجهيز للحملة الجديدة
بالثامنة أحضر لها المساعد هاتفها الذي نست أين تركته "سهيلة مدام"
انقبض قلبها وهي تجيبها.. هي تعلم نوبات أيلا المتكررة بهذا الجو البارد والتراب
"ماذا هناك سهيلة؟"
أجابت بلهفة "الأزمة مدام"
بقلب مضطرب، فزع، مرعوب هتفت "انزلي بها للمشفى وأنا قادمة، الآن سهيلة"
وتحركت والمسؤول يتحرك لها باهتمام واضح "انتهينا مدام، هل ترغبين بتعديل شيء آخر؟"
كانت تأخذ حقيبتها بلا اهتمام لما تضعه وهي تجيب "لا، فقط ارسل لي نسخة من كل إعلان على حدة بعد المونتاج، امنح العارضة باقي حسابها، لا أريدها بالإعلان القادم"
تراجع بذهول وهي لم تمنحه فرصة للجدال بل انطلقت خارجة تبحث عن سيارة أجرة
بالمشفى كانت حالة أيلا خطرة تلك المرة.. التهاب رئوي حاد والفتاة دخلت عناية الأطفال وهي لا تتركها وقوتها رحلت منها
*****
انتهى من التجهيز للزفاف.. بغرفته بالبيت الكبير
رفض تلك الأمر الخاصة بالتصوير وما إلى ذلك، هو ليس بشاب متهور ليفعل، فقط صورة أو اثنين وانتهينا
رفع زجاجة العطر ليضعه وتوقفت يده وعيونه بالمرآة ترى الزجاجة وتذكر ذلك اليوم..
كانت تقف بجواره بعد عودتهم من اجازة الزواج.. تضحك بطفولية كعادتها وتمنحه كلمات مزاح لكنه كان يصدها ووقتها تساءل
هل مل منها؟
ما أن مد يده لزجاجة العطر حتى سقطت يدها على يده والتقت بنظراته بالمرآة "لا، لدي لك شيء جديد"
حدق بها وهي تترك يده وتسرع لجوار فراشهم وتخرج من الدرج زجاجة أخرى وتعود له وهي تقف بجواره وتمدها له
"طلبتها لأجلك"
كانت أول هدية منها له..
سقطت نظراته على الزجاجة وهي لم تنتظر وهي ترش منها لكن..
بدلا من أن يتركها تفعل ويسعد لأنها تمنحه اهتمامها.. تراجع بغضب ودفع يدها وهتف
"كفى.. توقفي عن أفعال الأطفال هذه"
جمدت..
رأى شحوب وجهها، تجمدت ابتسامتها على وجهها وهي تبحث عن كلمات ولكنه لم يفعل وهو يهتف "أنا لا استبدل عطري، هل تعرفين كم ثمنه ومن أين يأتي؟"
ووضع عطره وتحرك خارجا ولم يفكر بعدها فيما فعله بها ذلك
الآن ويده تجمدت بالهواء حاملة عطره القديم يفكر فيما فعله وكم كان أناني فاقد الإحساس..
ترك الزجاجة..
فتح درج مائدة الزينة ببطء وهو لا يعلم عن ماذا يبحث ولكنه وجدها..
نفس الزجاجة.. ما زالت هنا وهي لم تأخذها
بعد تردد مد يده وجذب الزجاجة ومن الاسم عرف العطر..
لم يكن طفولي ولم يكن رخيص..
بل كان ماركة شهيرة وأصلي ومن الواضح أنها حصلت عليه عن طريق الانترنت..
رش قليلا على يده وتنفس رائحته وما أن استنشق الرائحة حتى أغمض عيونه وشعر بنفسه تعانق نفسه وكأنه هو بعد أن عثر على شيء كان مفقود منه ..
فتح عيونه ورآها..
دموعها تلمع بعينيها..
تطالبه برؤيتها ولو مرة على حقيقتها بعيدًا عن الطبقية التي ملأت رأسه..
وضع العطر وهو يجد راحة به لم يعرف سببها
التفت بعد أن وضع ساعته بمعصمه ومسلم يدق الباب ويدخل وهو يقول "لقد تأخرنا"
تحرك له وسأله "هل رجالك تقوم بما طلبته؟"
هدوء مسلم يريحه "نعم يا فندم، الحراسة بدون ازعاج"
هز رأسه وألقى نظرة على هاتفه ثم عاد وقال "ماما بالقاعة؟"
فتح له مسلم باب الغرفة "نعم"
تحرك خارجا، رجلان حراسة كانا بالأسفل.. تبعوه حتى دخل سيارته وشروده واضح على وجهه
وجهها يطارده ووجه ابنته.. اختنق عند ذكر الصغيرة وخوفها منه وهو يتساءل..
هل يمكن أن تكون هناك علاقة بينهما بيوم ما؟
هو لم يشك بأنها ابنته.. لكنه لم يفكر برؤيتها مرة ثانية وها هو بطريقه للزواج بامرأة وهو يعلم أنها لن تقبل بابنة امرأة أخرى
خاصة مهرة..
هاتفه أصدر اهتزاز مزعج بجوار صدره، فأخرجه ليرى اسم نارا.. تنفس بقوة وهو يجيب "نعم نارا"
كانت قد انتهت من زينتها وتقف أمام المرآة الكبيرة لرؤية نفسها بفستان الزفاف
حلمها منذ الطفولة يتحقق اليوم..
قلبها يدق بلا توقف ولا تمهل.. يصارع لانتظار تلك اللحظة التي تصبح فيها زوجته
قالت بصوتها المصطنع "حبيبي تأخرت، أين أنت؟"
كان يشعل سيجارة والسيارة تخترق الزحام "بالطريق نارا"
لم يسألها عن نفسها وكعادته لا يهتم بأي شيء خاص بالزفاف وهي لم تعد تهتم.. المهم أنه سيكون زوجها الليلة وقد نالت زفاف رائع بأفخم فنادق القاهرة
مهرة لم تنل أي شيء.. عقد قران عن المأذون ووالدتها ورجلان من المنطقة التي تعيش بها كشهود وهي لم تعترض
بنظر نارا هي غبية
قالت وهي تلف بجسدها أمام المرآة "أتشوق لليلة رحيم، أنتظرها منذ سنوات"
تنفس بقوة.. السيجارة لا تمنحه أي راحة وذلك الزواج أيضا لا يمنحه راحة..
ليس لديه تلك اللهفة التي كانت تتملكه يوم زواجه من مهرة.. حملها من مدخل الفيلا حتى الفراش ولم يمنحها لحظة واحدة لتفكر
أخذها بلهفة ورغبة لم تتوقف كلما اقتربت منه..
لا يعلم لماذا دمر كل شيء بينهما؟
صوتها ناداه "رحيم أين ذهبت؟"
أجاب ببرود بعد أن أطلق الدخان بعيدا "هنا، لقد اقتربت من الفندق، أراكِ عندما أصل"
وأغلق..
بهت وجهها..
رفعت الهاتف أمام عيونها لا تصدق أنه كان باردا هكذا وأغلق الهاتف بلا تردد
العصبية تملكتها..
رفعت فستانها الطويل المنتفخ بيداها والتفتت تتحرك بلا وعي بالغرفة وكل رأسها بتلك المرأة التي عادت لتخطفه منها مرة أخرى..
لا يمكن أن تسمح لها..
عادت للهاتف وضغطت اتصال وجاء صوت رجولي فرفعت وجهها وقالت بإصرار "لا أريد أن أسمع عنها بعد اليوم"
وأغلقت وعيونها تشتعل بنيران الغيرة والغضب بلا رحمة..
الفصل 8
بالمشفى كان الأمر يزداد سوء وحالة أيلا لا تتحسن وهي لم تتركها.. الطبيب سمح لها بالبقاء معها بالعناية فالجميع يعرفها من كثرة تواجدها هنا..
البكاء ليس حل ولكنه يرطب القلوب ويرقق من حدة الألم
يدها تقبض على يد صغيرتها وعيونها لا تفارق وجهها الصغير الساكن على الفراش بعيون مغلقة
تألم قلبها لما يحدث لابنتها الصغيرة.. القدر لم يكتفي أنه لم يمنحها أب بل ومصابة بتعب وأم قد تتركها بأي وقت..
أغمضت عيونها بألم.. الدموع فقط هي كل ما تبقى لها
بعد وقت طلب منها الطبيب الخروج كي تعتني الممرضات بالفتاة فخرجت وسهيلة تتحرك لها
لكن قبل أن تتحدث معها وجدت هاتفها يرن ورأت رقم لا تعرفه فأجابت
صوت غريب يهتف بها بقوة وفزع "مدام مهرة تعالي بسرعة، شقتك تحترق"
لفت حول نفسها والفزع يعلو داخلها وهي تهتف "ماذا؟ من أنت؟ ألو.. "
لكن الهاتف أُغلق فأبعدته وهي تدور حول نفسها ولا تعرف ماذا تفعل.. لا يمكنها ترك ابنتها
سهيلة سألتها "ماذا حدث مدام؟"
التفتت لها وهي لا تعرف ماذا تفعل "أحدهم يقول أن الشقة تحترق.. أنا لا أعرف ماذا أفعل؟"
سهيلة رفعت يدها على فمها ثم قالت "سأذهب أنا لأرى الأمر وابقي حضرتك مع أيلا"
هزت رأسها وهي تقول "نعم.. معك حق.. لا أستطيع تركها.. يا الله ماذا يحدث لي؟"
وقبل أن تذهب نادتها وهي تخلع جاكتها "ارتديه الجو برد وممطر وخذي عم صابر السائق لتوصيلك"
ولم تعترض الفتاة وهي تلتف بمعطف مهرة وتتحرك للخارج
وما أن ابتعدت حتى تحرك لها رجل بزي الأطباء وبجواره رجلان آخران والرجل توقف أمامها وقال "دكتور محمد ذكي، المدير.. الدكتور سامي ودكتور يونس جاءا لرؤية ابنتك مدام"
وتجمدت..
****
تعلقت العروسة بذراع من سيكون زوجها بعد أن سلمها له والده .. يحبها أكثر من نفسه..
عاش لأجلها بعد وفاة زوجته رغم سفره الدائم والآن يمنحها لابن صديقه
توقف بجوار ابنته وعيونه تلمع بدموع السعادة وعندما نزلت بجوار زوجها كانت تشع ببهجة الفرح..
لم تهتم نارا أن رحيم لم يمنحها أي كلمات مجاملة ولا ابتسامة مشرقة.. فقط وضع قبلة باردة على جبينها..
ألا يرغب بها؟
سكنت الموسيقى وهو يتحرك بها لقاعة كبيرة لعقد القران وما أن دخلا حتى مال مسلم عليه وهمس له "الفتاة الصغيرة متعبة ودخلت العناية بالتهاب رئوي حاد"
تجهم وجهه وجمد جسده..
التفتت نارا له ولاحظت تبدل ملامحه فاقتربت منه وسألته "هل حدث شيء؟"
هو سمعها بأذنه لكن قلبه لم يفعل.. لذا لم يجيبها..
التفت لمسلم الذي واجه نظراته "والدتها؟"
أجاب "بالطريق إليها، قد تكون وصلت الآن"
جذبته وبعض الكلمات تذهب لها "من هي التي تتحدث عنها رحيم؟"
كانت تفكر بمهرة.. هي منحت أوامر فهل تم تنفيذها بتلك السرعة؟
التفت لها وهي تجذبه من ذراعه "رحيم أنا أتحدث معك"
نظراته كانت مخيفة مما جعلها ترتجف وتتراجع قليلا بلا فهم لسبب ذلك وصوته خرج حادا.. هادئا لكن بنبرة تحذيرية "هل تتوقفين عن التدخل فيما لا يعنيك؟”
وفض ذراعه منها وتركها تقف وسط القاعة التي توقف بها والد نارا ووالدته لحقت بهم.. رجلان من أقارب نارا ولكنه لم يكن يرى أحد
رجال حراسته تبعته وهو يتحرك للخارج وهاتفه بيده
هاتفها مغلق ومسلم يجيبه "ذلك يعني أنها بالمشفى سيد رحيم"
التفت له وهو يتخذ باب الفندق وجهته ويقف بالهواء البارد بالخارج "أرغب بالمشفى حالا مسلم"
بالفعل كان أحد الرجل يمنحه هاتف "مدير المشفى يا فندم "
منح أوامر مباشرة لمدير الفندق الذي تحرك بعدها لمهرة وعاد هو لسيجارته ومسلم يقول "المشفى تقدم خدمات جيدة مستر رحيم أنا فهل تهدأ؟"
يهدأ؟
هو نفسه رأى كيف كانت الفتاة بتلك الليلة فما باله باليوم وهم يتحدثون عن عناية؟
مسلم ابتعد للرد على هاتفه
والد نارا لحق به والغضب ظاهر على ملامحه "رحيم ماذا حدث؟ كيف تترك خطيبتك وتتركنا جميعا بتلك الطريقة؟"
ارتد لنفسه. تذكر ما كان خلفه وقد نساه وسقطت عيونه على من كاد يكون حماه وقال "حالة طارئة عمي، سأنهيها وأعود"
ضاقت نظرات الرجل بشك وقال "طوارئ يوم زواجك؟ من المفترض أنك اهتممت بكل شيء قبل اليوم"
لم تعجبه الكلمات ومع ذلك الرجل كان صديق والده "فعلت عمي ولكن الأقدار لا يمكن أن تؤتمن"
حاول الرجل عدم إفلات الأمور وقبل أن يتحدث عاد مسلم له وملامحه منغلقة بشكل سيء وهمس بأذنه "سيارة صدمت سيارة مدام مهرة وهي بطريقها للبيت والاسعاف بالطريق"
وهنا لم يعد يهتم بأي شيء.. فقد الشعور بكل ما حوله.. وبمن حوله
تحرك بلا وعي وهو يطلب السيارة ولا يسمع صوت حماه الذي ناداه ولم يرى سوى مسلم يفتح له باب السيارة وهو ينطلق بسرعة جنونية
ابنته الآن بالعناية وحدها.. أمها والتي هي المرأة الوحيدة التي فتح لها أبواب حياته وهو من أغلقه بلا حكمة
هي الأخرى أصيبت..
مهرة..
لاحت أمامه عندما كانت شابة صغيرة.. كيف توردت عند أول لمسة منه.. ارتجفت أصابعها بيده.. رقصت نظراتها لعيونه..
كم مرة كانت تتلوى بين ذراعيه بدلال وهو يأخذها كزوجة؟
أشبعته.. كما لم يشعر بالشبع بأي يوم بحياته..
منحته السعادة وبرحيلها رحل كل شيء
اليوم وهي تمنحه ابنة.. بعد سنوات من الظلام يظهر نور ضعيف بابتسامة بريئة وكلمات تؤسر القلب "أنت صديقي"
ابنته لن تضيع منه.. لابد أن تكون معه.. بين أحضانه..
ومهرة!؟
ما هذا الألم الذي يجتاحه لما أصابها؟
هل ما زالت تعني له شيء؟ لم لا يمكنه تجاوز الأمر والعودة وإتمام زفافه؟
نارا هي من انتظرته طوال تلك السنوات.. أحبته رغم أنه لم يحبها ولم يعترف بالحب من الأساس..
هي من تستحق أن تكون بحياته..
ضغط على دواسة الوقود مما جعل السيارة تندفع بسرعة غير تقليدية ولم ينتبه لهاتفه الذي كان يهتز بجواره ومسلم يحاول الوصول له من خلفه..
****
الاهتمام زاد بشكل غير طبيعي بابنتها ومن حديثها مع مدير المشفى فهمت أنها تصرفات رحيم..
لأول مرة يستخدم نفوذه بشيء يخصها..
هل يعترف أن أيلا ابنته؟ لن يرفضها؟
بالطبع بقيت بجوارها وقت ثم خرجت لتهاتف سهيلة لتصطدم بضوضاء عند مدخل العمليات ولاح لها عم صابر من بينهم فانقبض قلبها وجمدت لوهلة وهي لا تفهم
حتى سقطت نظراتها على الجسد الممدد على الفراش الذي يدفعه الممرضين..
سهيلة!؟
مروا أمامها وبدا جسد الفتاة مصاب والدماء تلوث ملابسها
يدها التصقت بفمها تقطع شهقة، صرخة، أنين
صوت عم صابر نزعها "سيارة كبيرة اصطدمت بنا بطريقة صعبة وهي لم تكن تضع حزام الأمان"
لفت وجهها له والفزع هو كل ما ارتسم عليه، الفتاة ما زالت صغيرة، تنفق على والديها المريضين وهي تساعدها.. "كيف ذلك يا عم صابر؟"
عدة جروح سطحية كانت ظاهرة على وجهه ولكنه بالمجمل العام كان بخير "لا أعلم مدام.. ما أن وصلنا الكورنيش حتى مالت علينا سيارة وصدمتني جعلتني أفقد السيطرة واصطدمت بالرصيف وعمود الإنارة"
بالطبع الجميع اختفى بغرفة الطوارئ وهي لا تفهم ما يحدث ولا ماذا تفعل حتى سمعت رجال الشرطة يسألون عن اسم سهيلة وأشار الموظف لهم
الضابط ورجاله تحركوا لهما "أنت سائق السيارة التي أصيبت؟"
هز صابر رأسه "نعم يا بيه"
التفتت هي له وقالت "هو كان معي يا فندم وأنا أرسلت مربية ابنتي معه لشقتي وقت الحادث"
التفت لها الضابط ونظراته بها العديد من الأسئلة وبدأ يسأل بالفعل
جلست.. غير قادرة على الوقوف ورأسها على بين راحتيها وهي لا تعرف ماذا تفعل؟
هي حتى لا تعرف بأمر شقتها والبواب لا يجيبها..
صوت الأقدام المتحركة لم تجذبها لكن الصوت فعل "مهرة؟"
لم تصدق أنه هو وهي ترفع وجهها لتصطدم بجسده يقف أمامها وهو بكامل أناقته وهذا العطر.. تعرفه
بصعوبة وقفت.. عيناهم متلاصقة.. القلق بعينيه.. الدهشة بعينيها..
تساؤلات دارت بينهم بلا كلمات حتى همس "هل أنتِ بخير؟"
وسقطت دموعها غزيرة.. دموع كتمتها داخلها بغريزة الوحدة التي كانت تشعر بها
لا يعلم كيف اقترب ورفع يده لوجنتها ليلمس رطوبة تلك الدموع ومن تحتها بشرة حريرية كان يعرفها وصوته خرج مهتزا
"اهدئي"
ولم يقاوم وهو يجذبها له ويضمها بين ذراعيه بلا اهتمام أين هما ولا أنها لم تعد زوجته..
يداها ظلت بجوارها لحظة حتى رفعتهم ولفته بهما بلا وعي..
كأنه ما زال زوجها..
هي لم تتخيل نفسها امرأة رجل آخر سواه..
أدركت نفسها فابتعدت دون أن ترفع وجهها المحترق من حرارته وهو أفلتها واعيا بالجنون الذي سقط به كلاهم
تنفس بقوة وهي تمسح دموعها ومسلم يقترب "وصلنا لرقم السيارة"
لم تسمعه وهي تشعر بالراحة لوجوده.. من بعد سنوات مع الوحدة وتحمل المسؤولية وحدها.. اليوم.. اليوم يمكنها الاتكال عليه
هز رأسه ونظراته عليها "لماذا رحلت سهيلة مع عم صابر؟"
رفعت وجهها المتعب له وبكلمات مختصرة أخبرته السبب
التفت لمسلم الذي قال بلا تعابير على وجهه "لم تصلني أي أخبار كهذه"
ظل واجما لحظة قبل أن يقول "تأكد من المعلومة وتحري الأمر"
التفت لها وهي لا تفهم شيء "كيف حال أيلا؟"
أخفضت وجهها وهي تشعر بارتباك وحيرة وداخلها معركة لا تفهمها ولا تعرف أولها من آخرها..
منحت نفسها هواء قبل أن تقول "ما زالت بالعناية، الطبيب أخبرني أن حالتها استقرت"
ظل يتجول على وجهها المتعب فرفعت رأسها لصمته وسألته بنبرة مهتزة "كيف أنت هنا؟ أقصد.. "
وماتت الكلمات على شفتيها.. هي تتساءل عن زواجه ومن امرأة أخرى..
أبعد نظراته وهو يتذكر اتصالات نارا التي لم يجيبها منذ تركها بقاعة الفندق، لم يعرف بماذا سيجيبها ولا أي كلمات يمكن أن تهدأ منها بعد ما فعله بها ولن يمكنه مواجهة والدها
لكنه الآن وهو يرى وجه مهرة يدرك أنه فعل الصواب..
نفخ وأجاب باختصار "ابنتي بالعناية ووالدتها كادت.. "
أخفضت وجهها فاقترب منها وقال "ما زلتِ مدينة لي بما فعلتيه بحقي وحق أيلا"
رفعت وجهها.. التقت بالرمادية القاتمة ولم تفر منه..
لم تحاول تبرير ما كان فقط قالت "آسفة"
تراجع..
صدمه اعتذارها.. لم يفكر أن هناك شيء تبدل بها.. كانت تصارع وتهاجم ولكن..
ولا مرة اعتذرت..
خروج الطبيب من غرفة الطوارئ قطع اتصال عيونهم وهو يتحرك لها "أقارب الفتاة التي جاءت بالحادث؟"
هزت رأسها فأكمل "هي بخير.. مجرد كدمة بالذراع الأيسر وكدمات بباقي جسدها، جرح عميق بالرأس تم خياطته"
تنفست بقوة وكأنها كانت تحبس أنفاسها ورحيم من تحدث "الحالة العامة"
وجه له الطبيب الحديث " الحالة العامة بخير ويمكنها الخروج بعد قليل لو شئتم مع الراحة لعدة أيام"
بنفس اللحظة اندفعت امرأة مسنة تتكئ على رجل مماثل لها وربما أكبر ومهرة عرفتهم فتحركت لهم
"مدام مهرة.. ابنتي، أين ابنتي؟"
وصلت لهم وأمسكت يد المرأة وهي تشعر بتأنيب ضمير "هي بخير حضرتك.. ارتاحي، صدقيني هي بخير"
تراجع رحيم.. هو لم يعرف كيف يتعامل مع هؤلاء الناس لكن هي تفعل.. تربت على يد المرأة.. تمنحها كلمات طمأنينة..
لماذا الآن يرى بها ما لم يراه وهي امرأته؟
كأنه.. بل هو حقا لم يعرفها..
بعد الاطمئنان على سهيلة ورحيلها مع والديها عادت للعناية..
رؤية ابنتها الوحيدة.. ولكن تلك المرة كان هو بجوارها..
ملامح الفتاة كانت هادئة، جهاز النفس نظم أنفاسها والمحلول كان يمنحها تغذية بسيطة
وضعت قبلة على جبين طفلتها ثم همست "صديقك هنا"
بصعوبة فتحت الصغيرة عيونها لتراه واقفا خلف والدتها.. لم تحاول التحدث عبر جهاز النفس
أخفضت عيناها الصغيرة
لم يقبل الهزيمة، اقترب من الفراش، لمس اليد الصغيرة وهمس "مرحبا صغيرتي"
لم ترفع عيونها له، بل أبعدت يدها عن أصابعه..
كان عليه أن يتفهم ما تمر به الفتاة.. ما زالت تذكر ما فعله بالبيت وصراخه بوجه أمها..
الآن أصبح طريقه للفتاة ممهد بالأشواك
اقتربت هي منها.. تدرك ما تمر به ابنتها.. تلتمس لها الاعذار وتحمل هي ذنب ذلك
مررت يدها على جبين ابنتها وهمست لها "نحن هنا حبيبتي ولن نتركك"
نظراته لم تترك الفتاة وكلمات مهرة.. نحن.. نتركك.. جعلته يدرك أنها تبني جزء مما انهار بعلاقته بابنته قبل أن يُبنى
****
كان عليه الرد على نارا..
مواجهة بلا تلاقي الوجوه.. ليس هروب فهو ليس بجبان لكن..
مجرد تهدئة لنيران لا يمكن أن تخمد بسهولة.. "هل قررت أخيرا أن هناك امرأة أخرى سواها تستحق اهتمامك؟"
رفع رأسه وهو ينفخ الدخان والبرد يلفه ولكنه لا يشعر به وإنما أسئلة كثيرة مرت بذهنه "ومن أخبرك أني مع امرأة نارا؟"
مسحت دموعها.. تهاوت على مقعد بغرفتها.. الجنون اجتاحها.. الصحافة لاحقتها ولولا رجال والدها ما خلصت منهم..
الشماتة بعيون البعض من المدعوين، الشفقة بنظرات آخرين، تساؤلات.. والآن الميديا تعلن الفضيحة..
رجل الأعمال الشهير يترك خطيبته بليلة زفافهم بلا عودة..
الأسباب كانت كثيرة ومزيفة..
هتفت بجنون "ومع من ستكون إن لم تكن معها؟ هل هناك سبب آخر سواها؟"
عاد للسيجارة وليس بها أي ملاذ فقط احتراق بالصدر "نارا لدي ما يكفيني من المشاكل فهل تتوقفي عن جنونك هذا؟"
ولكنها بالطبع لم تكن لتتوقف، هي سعادتها ما تحطمت اليوم وبسبب نفس المرأة، هل يمكنها تقبل الأمر بسهولة؟
ردت بنفس النبرة لكن مختلطة بدموع "أتوقف؟ رحيم هل تستوعب ما فعلته بي الليلة؟ هل يمكنك إدراك صورتي أمام الجميع؟ هل رأيت الميديا؟ اسمي على كل لسان"
دهس السيجارة تحت حذاءه الثمين وعاد يرفع وجهه للظلام المحيط حوله وقال "سيتولى رجالي الميديا، سنخبر الجميع بأن هناك ظروف أجبرتنا على تأجيل الزفاف"
أغمضت عيونها..
هو لا يعترف بأن تلك المرأة ما زالت بحياته وهي لو منحته معرفتها سيشك بها "وما هي تلك الظروف رحيم؟"
عبث بعينيه بأصابعه قبل أن يقول "لا أظن أنها تهمك نارا لكن لم يمكنني التغاضي عنها، سأهاتفك عندما تسمح ظروفي"
وقبل أن تعترض أغلق.. أنهى الجدال الذي لم يكن لينتهي
منح والد مهرة نفس الكلمات وتحمل منه نيران الغضب ببرود وأغلق بلا اهتمام
مسلم لحق به ووقف بجواره "السيارة مسروقة ووجدت بمكان على الطريق الصحراوي بلا سائق"
لم ينظر له.. اكتفى بيداه بجيوبه وصمته لفه وهلة قبل أن يقول "هذا يعني شيء واحد مسلم"
وأخيرا لف وجهه لحارسه الشخصي وقال "أن الحادث لم يكن قضاء وقدر"
لم تتبدل ملامح مسلم ولكنه أجاب "بل الأهم أن الأمر ربما استهدف مدام مهرة، سهيلة كانت ترتدي الجاكيت الخاص بالمدام والسيارة بالسائق خاص أيضا بالمدام، ولن ننسى الاتصال الزائف باحتراق الشقة"
تفهم.. هو نفسه وضع الدلائل بجوار بعضها البعض ووصل للاستنتاج بلا تعب
انغلقت الرمادية، فقدت لمعانها وقال بصوت جامد "وهذا يعني تشديد الحراسة على المدام والطفلة وإكمال تحرياتك لنصل من وراء ما حدث"
هز مسلم رأسه وظل بجواره كما اعتاد منذ بدأ عمله معه..
الصباح وصل سريعا وهي تملكها التعب وقد غفت قليلا على المقعد بجوار فراش أيلا عندما دبت الحياة بالمكان فنهضت تمنحهم مساحة للحركة
بالخارج رأته جالسا، فك ربطة العنق وزر قميصه العلوي وهي تعلم أنها عادته.. ربطة العنق اختفت
نهض لرؤيتها وتحرك لها وبدت هزيلة أمامه لكن متماسكة كما اعتاد عليها "كيف حالها؟"
حاولت وضع تعابير مريحة على وجهها لكنها فشلت، قلبها يرقد بالداخل "نائمة، الطبيب لم يراها بعد"
لمس ذراعها وقال بلا مجال للرفض "تعالي"
تحركت ووجهها يرتفع لجانب وجهه الجامد وهو يقودها لخارج المشفى.. على الرصيف المقابل دفع لها باب المطعم وهي تستسلم وتدخل أمامه
وضع الرجل أطباق الطعام وهو أشار لها "تناولي الطعام مهرة، ستتساقطين لو لم تفعلي وهي بحاجة لك"
حدقت بالطعام بلا شهية لكن هو على حق، هي تتهاوى من داخلها من كثرة ما تحمله لكن عليها أن تظل قوية لأجلها..
الصمت لفهم حتى انتهوا والسيجارة ارتفعت ورائحة القهوة نافست رائحة التبغ وهو يتأملها وهي تدفع خصلتها خلف أذنها دون أن تنظر له "ألا تظن أن وجودك هنا ظلم لنارا؟"
تناول بعض من القهوة المُرة قبل أن يجيبها "هل حقا تهتمين لأمرها؟"
واجهته، ترى عيونه حتى من بين الدخان فهي تظن أنها تعرفه "ما أعرفه أن علاقتكم استمرت لسنوات كثيرة"
أبعد وجهه، هي على حق، هو نفسه يخبر نفسه بذلك كمبرر لعلاقته بها لكن الآن الوضع اختلف "الزواج لا يقوم على مدة العلاقة مهرة"
رفعت عيونها له.. اسبوع كان عمر علاقتهم وثلاثة أشهر مدة زواجهم
أبعدت نظراتها عنه فتناول القهوة ثم عاد وقال "كيف عشتِ حياتك وحدك؟ أنتِ وأيلا؟"
عادت له لحظة قبل أن تجيبه "بشقة إحدى قريبات ماما اختفيت حتى وصلت أيلا، كنت أعمل عن طريق الانترنت ونلت أموال جيدة، بعدها انتقلنا إلى شقتي الحالية ونلت عمل بالشركة"
انتهت السيجارة واختفى الدخان ويده تستقر بجواره بهدوء وهو يقول "وأين والدتك؟"
ارتجفت شفتها وزاغت عيونها قبل أن تقول بصوت خافت "توفت بعد انتقالنا للشقة بوقت قصير" واجهت نظراته وقالت "صارعت الكيماوي كثيرا حتى رحلت"
تجهم وجهه.. هل تحملت كل ذلك وحدها؟
نفخ ويده تفرك جبينه وهو يتجاهل الصداع "ألم تفكري يوما بمهاتفتي؟"
ثبتت نظراتها عليه كما فعل، تمنى لو لجأت له بيوم ما..
لكنها لم تفعل هي تحمل كبرياء هو ما أراد كسره
"كي تظن أني أطمع بك أو أرغب بالمال والجاه مرة أخرى؟"
اعتدل، مال للأمام وواجه نظراتها "مهرة أنا كنت أرى تصرفاتك المتهورة واندفاعك بلا تفكير ومكانتي لم تكن تسمح بذلك"
ابتسمت، ابتسامة تحمل مرارة واضحة.. لم تصل حتى لباقي شفتيها
نبرة صوتها خرجت هزيلة تحمل أسى ووجع "اندفاعي لتحقيق أحلامي لم يناسبك؟ رغبتي بأن أكون فارسة ناجحة، لا يليق بك، نجاحي كمصممة إعلانات كان يهينك"
تراجع بالمقعد.. يستوعب كلماتها.. يرتد للماضي..
أبعدت وجهها وهي تبتلع الألم، تهضمه كما اعتادت وتمتص منه ما يدفعها لإكمال مسيرتها "رحيم أنت لم ترى مهرة النادي بأي يوم، أنت رأيت فتاة ورغبت بها وما أن أشبعت رغبتك منها حتى أردت التخلص منها"
رفض ما قالت فقال "أنا تزوجتك مهرة، الأمر لم يكن مجرد رغبة"
المرارة لا تفارقها عندما تذكر الماضي "تزوجتني لأنك أدركت أني لن أكون لك سوى بالزواج"
توقف.. التصقت نظراتهم حتى جذب السجائر وسحق واحدة بنيران قداحته حتى عاد لها "والآن أنا سبب فشل زواجنا"
حدقت بأصابعها لحظة قبل أن تقول "دعنا لا ننبش بما اندفن رحيم فلا فائدة منه، لن نجني سوى الألم"
لكنه هتف بقوة لفتت انتباه من حوله "لا تفري من مواجهة الحقيقة"
رفعت نظراتها له، لا هي ولا هو اهتما بنظرات من حولهم بل ظلا متواجهين حتى والصمت سيد يفرض سطوته
زفر الدخان بقوة وهي تقبض أصابعها بقوة "لم أفر بأي يوم رحيم، لنتوقف هنا لم أعد أرغب بصراع من صراعتنا القديمة"
هدأ فجأة من كلماتها.. أبعد وجهه.. هل حقا تبدلت؟
تنفست وقالت "أرغب بالعودة لأيلا"
أطفأ السيجارة وقال "هل عرفت؟ أني والدها؟"
لم تواجه عيونه، هزت رأسها بالنفي وهي تقول "لم يكن من الصواب إخبارها وهي تراك غاضب وتصرخ بوجهي"
صمت. يمرر نظراته على وجهها الضئيل.. يفهم ما تقول وهو بنفسه رأى تصرفها معه "وأنتِ بالطبع زدت الأمر سوء وأخبرتها أني وحش و.. "
قاطعته "لا داعي لكلمات لا معنى لها، علاقتك بها أنت من سيقيمها وليست كلماتي، هذا لو رغبت بعلاقة معها"
اقترب من طرف المائدة ليقترب من وجهها المواجه له وبدت الجدية بالكامل على كل ملامحه "ووجودي هنا لم يمنحك رد على كلماتك هذه؟ أنا باقي بحياة أيلا مهرة، لن أتخلى عن ابنتي هل تسمعيني؟"
هل يظن أنها ترفض ذلك؟
الصمت سقط بينهم كحاجز يفصلهم وقت الالتحام
هي ترغب بإخباره الكثير.. تخبره أنه أمل ابنتها الوحيد.. أنه الباب الوحيد المفتوح لها بعد موتها هي
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت "وأنا أرغب بذلك صدقت أم لا"
ونهضت واقفة وهو ها بنظراته محاولا سبر أغوارها.. الغوص داخلها ومعرفة أين الصدق من الكذب ولكنه فشل..
خروج أيلا من العناية منحها الراحة ولكن الطبيب طلب ببقائها بضع ساعات للاطمئنان عليها.. والغريب أنه قرر البقاء
لم يهتم بما يتركه خلفه من نتائج فشل الزفاف، فقط أراد البقاء
اختفى طوال فترة الاعتناء بالفتاة وطعامها ودواءها حتى ظنت مهرة أنه رحل
أيلا لم تسأل عنه مرة أخرى ولا هي تحدثت عنه، أخبرته أن عليه هو أن يصل لابنته وهي لن تضع الأشواك بطريقه
دقات على الباب وقبل أن تأذن رأته يدخل، لم يستبدل ملابسه لكنه اعتنى بمظهره الخارجي، وتحركت عيونها على يده التي تحمل عدة علب مغلفة بورق هدايا جذب انتباه أيلا
ملامحه كانت هادئة كعادته ووسامته تخفي ما يحمله داخل قلبه..
صراع احتدم منذ سقطت المهرة بطريقه وزاد وتأجج بمعرفته بابنة لم يعرف بها
ابتسامة خفيفة اعتلت فمه وهو يتحرك لفراش الصغيرة "فتاتي تبدو أفضل اليوم"
لمعت عيون الصغيرة عليه ثم على العلب ولكنها لم تجيبه وهو يضع العلب بجوارها على الفراش ويكمل "وجدت تلك الأشياء وأنا بطريقي ربما تعجبك"
بحثت يدها عن يد مهرة التي انتبهت لها وقبضت على يدها وقالت "هل ترغبين بفتح العلب؟"
رفضت برأسها فزاغت نظرات مهرة له ورأت تجهم وجهه فعادت وقالت "تعرفين أنه هو وحده من يعرف ألعابك المفضلة وربما بتلك العلب واحدة منهم"
هزت أكتافها الصغيرة بضعف وصوتها خرج ضعيفا أيضا مكتوم من المرض "لا أريد لعب، أريد غرفتي"
تراجع وهو لا يعلم كيف يرمم الشرخ.. لم يكن أب من قبل ولا يعرف كيف يعيد علاقتهم
دخول الطبيب قطع الأمر "صباح الخير، كيف حال بطلتي اليوم؟"
تراجع رحيم والطبيب يقف مكانه وأيلا تقول "أريد بيتنا"
ابتسم وهو يمنحها نظراته "وأنا أيضا أرغب بالرحيل لبيتي، لي ثلاث ليال لم أفعل لمتابعة مرضاي الأبطال مثلك"
وتولى فحصها ومهرة تساعده مع الممرضة التي تبعته..
عندما انتهى قال "أرى أنها تفضل الرحيل، لا مانع لو سيتم الاعتناء بها جيدا"
تدخل رحيم "يمكنني توفير كل اللازم لها بالبيت"
التفت له الطبيب "تمام، سأكتب التعليمات ويمكنكم الانصراف بعدها"
****
عندما نامت أيلا بفراشها بالبيت خرجت مهرة أخيرا وأغلقت بابها لتراه يتحرك للمائدة ويضع عليها أكياس فهمت أنها طعام
توقفت بمكانها.. هل سيبقى حقا؟
لا يمكنه ذلك.. الناس والجيران وهي نفسها لا ترغب بوجوده بجوارها..
أخرج الطعام وانتبه لها فقال "نامت؟"
تحركت له وقد ظلت بملابسها، لم تملك وقت لاستبدالها "نعم.. رحيم أنا.. "
جلس باسترخاء ونظراتها مكشوفة له لذا قال "سنتحدث بعد الطعام، اجلسي أنا جائع"
ظلت جامدة لحظة ولكن عندما فتح الطعام معلنا سطوته عليها جلست وتناولت البعض بلا شهية وهي شاردة بما ستقوله وما سيرد به عليها
أبعد هو الأشياء.. كان يبدو شخصًا مختلفًا عن الذي عرفته.. لا غرور ولا كبرياء.. رجل عادي يتصرف وكأنه رب البيت
عاد بالقهوة له وشاي لها فرفعت وجهها له باعتراض قائلة "رحيم هذا لا يمكن أن يستمر"
كان يفهم معنى ما تقول.. الدخان خرج منه مستقيما لبعيد قبل أن يمنحها تركيزه وقال "أعلم لذا ليس أمامنا سوى حل واحد"
تجهم وجهها لما يقول.. لا تفهم ما الحل الذي يتحدث عنه؟ وهل يفهم ما تقوله؟
السيجارة منحته بعض الهدوء والليل منحه قرار لما يجب أن يكون
الصمت سقط بعيدا وهو من دفعه بصوته الثقيل "نتزوج"
اهتز كيانها.. شحب وجهها وتلون بكل الألوان حتى اختار الأبيض ليحتل كل وجنتيها وجف فمها وسقط تركيزها بقدميها..
زواج مرة أخرى.. بنفس السرعة وبنفس العقلية وربما نفس النتيجة
لسانها نطق بلا تفكير "لا"
كان يعلم أنها سترفض، ما عاناه الاثنان بشهور زواجهم هو من جعلها ترد وهو يتفهم..
تنفس بقوة وقال "مهرة الآن الأمر اختلف كثيرا عما كان وقت التقينا.. لدينا طفلة وهي بحاجة لي بحياتها ولا تنكري أنكِ أيضا كذلك لذا هذا هو الحل"
نهضت، صوت كوب الشاي كسر جموده وقراره الصارم وصوتها فعل المثل "أيلا بحاجة لك ربما، لكن هذا لا يعني زواجنا مرة أخرى رحيم، يكفينا تجربة واحدة ونتيجتها كلانا يعلمها"
نهض هو الآخر بعد أن أنهى سيجارته وتحرك ليقف ويواجها وهو يدرك أنها لن تقبل بسهولة لكن بالنهاية لابد أن تفعل..
ما زال يرى أن ما يمنحه رجل بمكانته لامرأة مثلها لهو حلم ولم يدرك أنها لم تعد تؤمن بالأحلام
مال عليها وانخفض صوته وهو يقول "لا حياة بدون تجارب مهرة، وفشل واحدة لا يعني الاستسلام، يمكننا.."
"لا"
صوتها أوقفه، جديتها، إصرارها، قوة كلماتها جعلته يقف جامدا لا يبعد نظراته عنها وهي تكمل "أنا لا أريد تجارب أخرى رحيم، لن أقف بينك وبين أيلا لكن وأنا خارج حياتك"
لم يصدق أنها ترفضه..
تلك الفتاة لم تصدق نفسها يوم طلبها للزواج.. اندفعت تعانقه ووافقت على كل ما رغب به
لا زفاف.. لا فستان أبيض ولا أي شيء مما ترغب به البنات أمثالها
فقط هو..
لكن الآن كل ما يراه بعينيها هو الرفض.. لا! كلمة اهتز هو لها من داخله
اعتدل محاولا تجاوز ما فعلته الكلمة داخله "وكيف أكون بحياتها وأنتِ تخبريني أن ذلك لا يجوز؟"
رفعت وجهها له بلا تراجع وصوتها كان قوي، ثابت، بلا اهتزاز "يمكنك رؤيتها بأي وقت، لكن خارج البيت، هنا عيون وألسنة لا أحب مواجهتها"
ظل متجهم، الحيرة مكتومة داخله، يحاول تصديق أنها تعني ما تقول "مهرة نحن نتحدث عن مصير ابنتنا ولا يمكن أن تنشأ بأسرة مفككة"
ابتعدت من أمامه، هي لا تعرف ما الذي يمكن أن يواجها بحياتها لكنها تعرف أن مرضها قد يجعل ابنتها يتيمة
انقبض قلبها وهو ظن أنه فاز لذا رفع رأسه وقال "بالغد نتمم الأمر"
التفتت له مرة أخرى ونفس الكلمة تخرج بحزم "لا، لن نتزوج رحيم"
انحنى عليها والغضب بدأ يعلن عن نفسه داخله وعيونه نبضت به "أنا أعلم أن لا رجال بحياتك مهرة وأعلم أن حياة أيلا هي كل ما يهمك فأين المشكلة الآن؟"
رفعت يدها وضغطت بها على صدره وهي ترد بقوة "أنت، أنت المشكلة رحيم، أنا تعبت حتى وصلت لما وصلت له ولن أسمح لأي شيء أن يدمره"
كانت قوية بشكل مختلف عن الفتاة التي عرفها، قوتها نابعة من ثقتها بنفسها التي كبرت معها ولن تسمح له بأن يهزها وهو رأى ذلك وأدركه
المواجهة لم تكن سهلة ولكن رحيم العزايزي لا يقبل الهزيمة بأي معركة
نبرته خرجت خافتة لكن مخيفة "لا تتحديني مهرة تعرفين جيدا قدرتي على تحقيق ما أريده.. لا تجعلي من نفسك منافس لي لأنك وقتها ستندمين"
وتحرك جاذبا جاكته والباب انغلق بقوة خلفه مما جعلها تهتز من صوته وتهديده لم يمر هكذا فهي تعرف الرجل الذي أحبته وتزوجته جيدا ولا تعرف كيف يمكنها مواجهته؟
الفصل 9
عاهرة.. ابنة من الحرام
تهديده ظل يتردد بذهنها طوال الليل، ربما بعض الخوف تسرب لقلبها لكن بانشغالها بأيلا تركت مخاوفها بعيدا
اندهشت عندما فتحت باب الشقة ورأته باليوم التالي يقف أمامها.. هو لن يستسلم
ابتسامة جافة اعتلت فمه، نظرة تقييم جالت على جسدها وسمعته يقول "هل سأقف كثيرا هكذا؟"
استوعبت ما يحدث وهي لم تظن أنه سيعود هكذا بسرعة، على الأقل يحل مشكلته مع نارا
تحركت وهو يتقدم للداخل فأغلقت وظلت قليلا قبل أن تلتفت له وهو يقول "كيف حالها اليوم؟"
جلس مواجها لها، رفضها للزواج جعل العناد يرتفع داخله وهو أنذرها ألا تتحداه
تحركت له وهي تقول "أفضل كثيرا"
نظر لساعته، كانت العاشرة تقريبا فعاد لها وقال "مسلم اتفق مع فتاة جيدة مثل سهيلة لتحل محلها حتى تعود"
حدقت به، هي لم تفكر بذلك، أخذت اجازة ثلاثة أيام من العمل ولم تفكر فيما بعد، لاحت نظرة ارتياح على وجهه عندما أدرك أنها لم تجد بديل
"أخبرتك أني باق بحياتكم"
وهي لم تظن أنه سيتراجع لكن دخوله هكذا جعلها مهتزة لا تملك قدرة على التركيز بابنتها وبحربها معه رغم أنه هو الحل الأمثل لابنته بغيابها
جلست بلا قدرة على الوقوف "بحياتها هي فقط"
ظل يحدق بها ثم قال "هل يمكنني رؤيتها؟"
للحظة ظلت صامتة وبالنهاية قالت "نائمة"
دقات الباب أوقفتهم ولكن هو من نهض بلا كلمات ولا فرصة لها لتفعل شيء
مسلم هو من واجه رئيسه "الآنسة هاجر"
هز رأسه وتراجع للفتاة التي كانت بنفس عمر سهيلة تقريبا، أكثر جمالا وأناقة وتحركت للداخل فنهضت مهرة لها وأغلق هو الباب "مدام مهرة، وأيلا بغرفتها، مهرة هذه هاجر ستبقى معك حتى عودة سهيلة، هي مربية جيدة وخبرتها بأعمال المنزل أيضا جيدة"
هزت رأسها للفتاة التي لمعت عيونها على مهرة، نظرة الإعجاب بدت واضحة ومهرة أيضا أعجبتها الفتاة فقد كانت جميلة حقا
قالت "أهلا هاجر، المطبخ هناك، هذه غرفتي وهذه غرفة أيلا وهي بالفراش فقد كانت مريضة وما زالت"
قالت الفتاة "نعم سيد مسلم أخبرني، ألف سلامة عليها مدام"
حاولت الخروج من حالة الذهول "شكرا"
رائحة السجائر تحركت لها وصوته يقول "أرغب بقهوة مضبوطة هاجر"
هزت رأسها "اسمحوا لي، لا مدام سأرى كل شيء بنفسي، لا تقلقي"
التفتت له، منحها ظهره وهو يعبث بهاتفه، نارا أشعلت النيران بينهم بجدال لا ينتهي وهو كان حاد وصارم
لم يمنحها موعد جديد للزواج..
والدها كان ثائر بشكل لم يراه من قبل ومع ذلك ضرب بالجميع عرض الحائط ولم يهتم
والدته عادت البيت ولم ترحل مع أخته التي لم يراها سوى دقائق وأمه تلح عليه بالعودة للقاهرة لكنه لن يفعل حتى ينتهي أمر ابنته
تحركت ووقفت خلفه وقالت "رحيم توقف عن أفعالك هذه"
التفت، التقى بالبنفسجية الممتلئة بالغضب، كم تعجبه، تثير به كل مشاعر الماضي.. ما زال يريدها وكأن ما مات عاد للحياة فجأة
"وإن لم أفعل؟ ستهربين لبلد جديد؟"
أشاحت بيداها ولم ترفع صوتها "أنا لم أهرب رحيم، أنت من منحني الطلاق وأنا ابتعدت حتى لا تظن أني أطاردك لتعيدني ولكنك لم تنظر مرة خلفك"
وتراجعت.. ندمت على الكلمة
التفتت لتفر تلك المرة بحق ولكنه كان أسرع، قبض على ذراعها فأغمضت عيونها والألم تمكن منها وصوته تبدل للضعف
"أردت أن أفعل مهرة"
ظلت جامدة، لم تبعد قبضته ولم تلتفت له وهو اقترب خلفها وانحنى لتصل كلماته لأذنها "لكنك كنتِ عنيدة، رفضتِ الاستماع لكلماتي، أثرتِ جنوني"
ظلت تتألم بلا رد وهو لفها لتواجه نظراته بعيون تحمل ألم الماضي وضياع الحاضر وغموض المستقبل وما زالت رأسه تنزل لها
"عدنان كان بيننا، جنونك، جموحك.. لم تكوني تسمعي لأي عقل"
لم تثور.. لم ترفع نبرتها "حاولت رحيم، حاولت إخبارك أنني لم أفعل شيء مما اتهمتني به لكنك أنت من لم يسمع، صدقت كل من حولك ولم تصدقني أنا"
ظل واجما..
تلك الفترة امتلأت بالجنون، الظنون والشكوك وهو بالفعل لم يسمعها.. ظن أنها كاذبة و.. "القهوة يا فندم"
ترك ذراعها بالحال وهي تراجعت مهتزة، من داخلها و.. خارجها
تحرك وسمعت صوت قداحته والدخان يلحق به وصوته يعود "شكرا هاجر، المدام ستخبرك بمواعيد الطعام"
ما أن رحلت حتى التفت لها وقال "لدي عمل جديد بالغردقة، فكرت أن تكونوا معي ربما أستعيد علاقتي بأيلا"
حدقت به وهو يدخن سيجارته ويتناول القهوة وهي تواجه نظراته القوية وكأنه يتحداها أن ترفض "لدي عمل رحيم وأنت تعلم"
وبلحظة نست فحوصاتها ومرضها وموعد الطبيب بنهاية الاسبوع، نست حتى مرض أيلا
تناول القهوة بهدوء وقال "وأنا صاحب العمل مهرة، سنرحل غدا مساء من مطار القاهرة، سأمر عليكِ"
تحركت له، تحاول إيقاف جنونه وتهوره "رحيم هل تعي ما تقول؟ أنت رجل معروف ولو لاحقتك الصحافة وأنت معنا فذلك.."
رفع إصبعه ليوقفها "ذلك شأني أنا.. "
هتفت وهو يفقدها عقلها بكلماته "وشأني أنا أيضا رحيم، أنت لا تعي ما تفعل، أنا لا يمكنني الوقوف ومشاهدة الجميع يتحدثون عنا"
كان يقترب منها حتى وقف أمامها وقال بنفس الهدوء "إذن وافقي على الزواج وتنتهي كل تلك الصراعات"
تراجعت وهو يعيدها لنفس النقطة..
رنين جرس الباب جمدهم وهاجر تخرج لتفتح والجمود تحول للهيب كاد ينفجر بهما وهما يواجهان نارا تقف عند الباب ونظراتها تسقط عليهما
كيف لم يخبره مسلم بوصولها؟
رفع رأسه وهي تقول "من الرائع وجودكما معا"
تراجعت هاجر بلا فهم ونارا تتحرك للداخل ولا أحد يوقفها
أغلقت الفتاة الباب وتحركت للداخل والوجوه تجهمت واعتلاها الذهول من المفاجأة
كانت نارا أول من تحدث أيضا "كنت أعلم أنك هنا، بالطبع فتلك الأشكال تعرف كيف تجذب الرجال"
اسود وجهها وانتفضت من داخلها..
هي لم ولن تكون كذلك..
هو من فعل بها ذلك لذا هو من تحدث "لا تنطقي بكلمات قد تندمي عليها فيما بعد نارا"
التفتت له والجنون ظهر واضحا على وجهها، جنون الغيرة، الحقد، الكره، كل مشاعرها تجاه مهرة تجسدت على وجهها الآن
حتى صوتها خرج حادا لاذعا "أنا نادمة على شيء واحد فقط رحيم، حبي لك"
لم تتبدل ملامحه، الأمر لم يمثل له أي شيء، الحب سلعة لا مكان لها بحياته "أوقفي جنونك هذا، لا مكان له هنا"
لكنها لم تتوقف، لم تأتي لتصمت "بل هنا هو المكان الأنسب رحيم، هنا هو ما لابد أن أدهسه بأقدامي كي تفيق من الغيبوبة التي أصابتك منذ ظهورها"
صوته كان قويا، حادا "توقفي نارا، توقفي قبل فوات الأوان"
جنونها لا حدود له ولا يمكن إيقافه "لا تأمرني بشيء رحيم، لن أخرج ولن أصمت إلا عندما تخبرها أن تختفي من حياتك كما ظهرت وإلا ستندم"
وهي لم ترد، ما زالت بحالة من الذهول، لا تعي ولا تعرف كيف تتصرف
فقط نارا من تلف الحبل حول رقبتها وهو أيضا من أجاب "هذا تهديد لمن بالضبط نارا؟"
الجنون لا حدود له والحب يدفع له خاصة عند انكسار قلب صاحبه "لها رحيم، هي لا تفعل شيء سوى تخريب حياتي لذا أنا لن أرحمها"
شحب وجه مهرة أكثر، هي لا ترغب بحرب مع أحد، لديها ما يكفيها من المشاكل ونارا وحش لن يرحمها "لا شأن لكِ بها، هو أنا من لدى الحق بالتحدث معه فقط"
التفتت له، عيونها تلمع ببريق شيطاني والعقل لا مكان له هنا.. توارى وراء سطوة شيطان الغيرة والكره "وكيف وهي تأخذ عقلك، تلك العاهرة تعرف كيف تأكل عقول الرجال"
صوته هز المكان "كفى"
مهرة رفعت وجهها لنارا تستنكر الاتهام والإهانة ولا تصدق أنها تتهمها بتلك الكلمات البذيئة..
انفتح الباب وخرج الصوت الملائكي "مامي.."
انتفض قلبها.. سقط كل العالم من حولها وهي ترحل لابنتها، تنزل لها وتحيطها بيداها "حبيبتي لماذا نهضتِ من الفراش؟"
وانتبه هو للفتاة، أطفأ السيجارة..
نارا من تجمدت مكانها.. عيونها ثابتة على الصغيرة التي حازت كل اهتمام مهرة وكأنهم اختفوا من حولها..
أسئلة لا حصر لها انطلقت لعقلها وتوقفت على شفتيها..
هو ابتعد، لم يرغب بأن ترى الفتاة ملامحه الغاضبة، مهرة حملت ابنتها وعادت بها الغرفة "مامي، هل بائع اللعب غاضب منكِ مرة أخرى؟"
وضعتها بالفراش وتجنبت النظر لها "لا حبيبتي، هو فقط غاضب للعمل، المرأة بالخارج من العمل وأخطأت"
الفتاة لا تتوقف "لماذا يصرخ هكذا دائما مامي؟ أنا أخاف منه"
وضعت قبلة على وجنتها وهي تربت عليها بحنان "لا حبيبتي لا تفعلي فهو لا يخيف أحد، العمل يحتاج بعض الشدة، هيا نامي كي لا أتركهم وحدهم"
الجمود ظل يكتنف الاثنان، نارا حاولت تفهم ما يحدث فتحركت له "من تلك الفتاة رحيم؟"
لم يلتفت لها، لم يجد ما يقوله، الأمر لا يخصها "نارا هل تذهبي؟ وجودك لا معنى له"
تحركت لتقف أمامه، تواجه نظراته الزائغة بقوة غريبة داخلها نابعة من جنون سكن نبضها "لن أذهب إلا عندما أفهم"
مال رأسه تجاها "تفهمين ماذا؟ الأمر كله لا يخصك، وجودك هنا ليس من حقك، فقط اذهبي"
ولكنها لم تكن لتتراجع "ووجودك أنت هنا حقك؟ هل عدت لها رحيم؟ هل أعدتها لك لذا تركت زفافنا؟"
لم يتحرك من أمامها "أنا تعبت من استجواباتك هذه ومللت من طريقتك"
وتفاداها مبتعدا ليتوقف ومهرة تخرج من حجرة ابنتها ونظراتها تتوقف عليه "هل هي بخير؟"
سؤاله خرج من قلبه، كل مرة يكون لقائه بابنته وحشي، لن تراه سوى شيطان
قبل أن تجيبه كانت نارا تلقي نيرانها بوجوههم "أنت تهتم بها ولا تهتم بي؟"
التفت وقد بدأ يفقد السيطرة من ضغطها المتواصل "أنتِ تصمتين"
لكنها لم تفعل ومهرة جامدة مكانها، فقط ابتعدت عن غرفة ابنتها، لا ترغب بتلك الحرب أمام ابنتها
نارا لا تتراجع "أنا أصمت؟ لا رحيم لن أفعل قبل أن تخبرني ماذا يدور هنا؟ من تلك الفتاة؟ هل اكتشفت أن زوجتك السابقة كانت عاهرة ولديها ابنة من الحرام؟"
الصفعة كانت قوية، جعلتها تترنح حتى كادت تسقط من قوتها
مهرة رفعت يدها على فمها والكلمات ضاعت منها، لا تعرف هل تدفع عن نفسها الاتهام أم توقف حرب رحيم ونارا؟
صوته لم يرتفع، من أجل ابنته، لكن الصوت حمل غضب نابض "كلمة أخرى ولن أكتفي بصفعة واحدة"
والتفت لمهرة والتقى بالدموع المتلألئة بعينيها وقال "أنا أعتذر عن كل ما حدث وقيل مهرة"
وعاد لنارا التي كانت تحاول لملمة نفسها ويدها على وجنتها والدموع لا تتراجع ويده تقبض على ذراعها ودفعها أمامه للخارج ولكنها هتفت بجنون الغضب
"لا تظن أن تلك الصفعة ستجعلني أتوقف رحيم، ما بدأ الليلة لن ينتهي هكذا، أنا لابد أن أعرف كل شيء ووقتها الحساب سيكون غالي جدا"
ونظراتها استقرت على مهرة… نظرة حملت وعدًا صريحًا بالحرب
ولم يمنحها فرصة أخرى، جذبها للخارج وأغلق الباب خلفه، وكأنّه يحاول إيقاف عاصفة… لن تهدأ
وانهارت مهرة، فاقدة أي قدرة على التنفس وصدرها ضاق بها وهي تجر أقدامها لأي مقعد
الدموع تساقطت.. الهواء أحرق صدرها والألم ينازعه، الاتهام مزقها.. نارا جحيم بهيئة إنسان ستحرقها بلا رحمة وهي لا قدرة لديها على مواجهتها
****
دفع نارا داخل السيارة بعنف مكبوت وتحرك لمقعد القيادة، أشار للسائق الذي تراجع فورًا بينما تحرك مسلم بالسيارة الأخرى خلفهم
ملامحه كانت قاسية، جامدة، والغضب واضح في كل تفصيله وهو يضغط على دواسة البنزين بقوة جعلت الإطارات تصرخ تحتهم
شهقت نارا وهي تتماسك بالمقعد، تمسح دموعها بحدة وتهتف بغضب "هل تظن أنك ستوقفني بتلك الطريقة؟"
لم يلتفت لها.. عيونه على الطريق، فكه مشدود، وصوته خرج منخفضا لكنه حاد كالسيف
"أنتِ لم تري طريقتي لإيقافك بعد نارا، حتى الآن أنا أوقف نفسي عنكِ فلا تدفعيني لم لا يعجبك"
التفتت له بجنون، الغيرة تلتهم عقلها، وصوتها خرج مرتعشا بين الغضب والانكسار "ليس قبل أن تخبرني الحقيقة رحيم، تلك الفتاة.. ابنتك؟"
قبضت يده على المقود بقوة حتى برزت عروقه، ومرت لحظة صمت ثقيلة.. لحظة كأن الزمن توقف فيها، ثم قال دون أن ينظر لها "الحقيقة التي ترغبين بها قد لا تعجبك نارا"
التفتت له بحدة، أنفاسها تتسارع، وقلبها بدأ يدق بعنف وكأنها سمعت الاعتراف دون أن يُقال صراحة "ماذا تعني رحيم؟ أجبني"
لكنه لم يجيب..
فقط ضغط أكثر على السرعة، السيارة اندفعت بجنون في الطريق، بينما الصمت بينهما أصبح أثقل من الكلمات..
يد نارا ارتجفت فوق فستانها، عقلها بدأ يربط كل شيء.. كل نظرة.. كل تصرف وهمست داخلها "لا.. لا يمكن"
لسانها لم ينطق بشيء لكن داخلها .. كانت الحقيقة قد بدأت تتشكل
*****
لم تهدأ العاصفة برحيله وإنما ظلت النيران مشتعلة، نارا لم يعجبها صمته، ومن داخلها عرفت أنها ستعرف الحقيقة وحدها..
مهرة عادت لابنتها.. رقدت بجوارها على الفراش، دموعها لم تغسل الإهانة، هي لم تكن ضعيفة عندما لم ترد على نارا لكن صفعته أوقفتها..
أغمضت عيونها والألم ينحرها.. كان عليها إيقافه لكن للأسف لن يمكنها خاصة الآن وهو يرغب بابنته..
ليس من حقها منعه عنها..
صوت رنين الهاتف جذبها من نوم ثقيل..
التعب والبكاء أسقطوها بالنوم بجوار أيلا وعندما اعتدلت لتجيب كان الظلام قد حل من حولهم
صوته العميق جعلها تتنهد بتعب "نائمة؟"
حدقت بالظلام ويد أيلا على جسدها وهي تجيبه "نعم"
كان يخرج من مكتبه ومسلم ه "كيف حال أيلا؟"
تحركت خارجة من الغرفة وهي تجيبه "نائمة هي الأخرى، رحيم.. "
كادت تطلب منه التوقف عن مقابلاتهم كي يعود لحياته لكنه قاطعها "كنت أرغب بتأكيد موعدنا، لا تتأخري"
هتفت "رحيم هذا خطأ، نارا.. "
قاطعها وهو يدخل السيارة والسائق يدخل بدوره ليقود "نارا لن تزعجنا مرة أخرى، أحتاج لفرصة مع أيلا مهرة فلا تقفي بطريقي"
صمتت.. هي لن تقف أبدا بطريقه لابنتهم، ليس لأنها رغبته بل لأنه أمل ابنتها من بعدها
أبعد وجهه للنافذة وصمتها يجعله يتساءل، أيلا طريقه ومهرة أيضا طريقه..
لكن.. مهرة امرأته.. مهرته ولن تكون لسواه
ناداها بصوت منخفض، لا يحمل إلا معنى لو كانا بوقت زواجهم لطارت من الفرح له، لكن الآن أصبح الخوف هو كل ما يسيطر عليها
"مهرة.. لنوقف تلك الحرب، لم أعد أرغب بها"
أغمضت عيونها، هي أيضا لا ترغب بها، ولا ترغب بطريق قد تندم عليه مرة ثانية، لا ترغب بأن تتألم نفس الألم مرة ثانية
"رحيم أنا لا أريد السقوط بالفشل مرة أخرى"
عبث بعينيه من الإرهاق وتحدث برجاء لم يبديه "لن نتعجل الأمور تلك المرة مهرة، ربما نتعارف أولا وبعدها نقرر"
فتحت عيونها وهو يدفعها بلا لحظة للتراجع وهي تشعر بقلبها يدفعها هو الآخر ولا يسمح لعقلها بالتدخل
****
مسلم أخبره بوصول والدته فما كان منه إلا أن اتجه لغرفته بالفندق ليجدها بانتظاره..
نارا لا تضيع الوقت..
نظرات والدته حملت الغضب، انفجارها به بالهاتف بعد فشل الزفاف لم يوقفه ولم يبدل شيء والآن هي هنا بنفسها..
دخل ليراها جالسة بانتظاره "مساء الخير"
اخترقت نظراتها دواخله لكنها لم تكشف منه أي شيء، ابنها ظلام دامس لم ترى خلاله شيء حتى وهو يقف أمامها
"مفاجأة رائعة ماما"
وانحنى ووضع قبلة على وجنتها ثم اعتدل ونزع جاكته وربطة العنق وهو يتحرك للبار ليجد المشروب بعد اليوم الطويل الذي دفعه للرغبة بأن يكون وحده
وليس أمه بانتظاره
تابعته بأنظارها "لا أرى أنها كذلك، تبدو وكأنك ندمت على عودتك هنا"
تناول المشروب جرعة واحدة ثم سكب البعض مرة أخرى وتحرك بالكوب قبل أن يجيبها "هل نتحدث مباشرة ماما؟ تعلمين أني لا أهوى اللف بحلقات مفرغة"
جلس أمامها فتنهدت وقالت "مهرة"
ضاقت الرمادية، سكن الضباب داخلها واحتل الغموض مكان نظرات الابن "ماذا عنها؟"
ظلت ملامحها هادئة، تظهر أكثر مما تخفي، تعلم خبايا ابنها التي يخفيها بمهارة "هذا سؤال أسأله أنا رحيم، ماذا تفعل معها؟ أنت تركت زفافك لأجلها"
تناول رشفة من المشروب ونظراته تلمع عليه وكأن به السكينة وليس الضرر "من قال أني تركت الزفاف لأجلها؟"
تعصبت، لم تذهب للظلام الذي يقودها له "الكل يعلم رحيم، لا تلعب لعبة الذكاء معي فأنت ابني"
ظل صامتا.. لا يعجبه طريقتها، هو بالأساس يرفض أن يستجوبه أحد ولكن والدته لها مكانتها عنده
نهض ترك الكوب واستبدله بالسيجارة قبل أن يمنحها ظهره وقال "وهذا يعني أنكِ تعرفيني جيدا" واستدار لها "لا أحب تلك الطريقة"
هتفت "أي طريقة رحيم؟ فقط اجلس وأخبرني ما الذي تخطط له من وراء علاقتك بتلك الفتاة؟"
نفخ الدخان وتحول لضباب يسبق المطر "هي امرأة ماما وليست فتاة، امرأة كانت زوجتي بيوم ما ولولا أسباب وقتها كانت تستحق لظلت زوجتي وأم أولادي"
تجهم وجهها..
نهضت وتحركت لتقف أمامه..
تتحدى نظراته القاتمة..
ترفض ما قال "هل تدرك عن ماذا تتحدث رحيم؟ هي لا شيء بجوار عائلتنا، فتاة من الشارع لا هوية لها وأنت تعيد كل شيء من جديد وترغب بأن أظل صامتة؟"
السيجارة أضاءت من احتراقها وهو طرد الدخان بقوة غضبه "أنا لم أمنعك من أي شيء ماما كما أنني لا أقبل أن يمنعني أحد مما أرغب به، مهرة قد تكون ابنة رجل ليس من عائلة معروفة لكن هو رجل له اسم بعالم الجياد، هي نفسها صنعت اسمها بعالم الاعلانات ولا شيء يعيبها"
أشاحت بيدها "حتى لو، لن تقارن بنارا، نارا تحبك وتنتظرك منذ كانت طفلة وأنت.. "
قاطعها "أنا لست ملزم بأن أبادلها الحب وأتزوجها لمجرد أنها هي تحبني.. أنا حاولت ولم أستطع"
توقفت وهو لا يبتعد من مواجهتها.. لا يهرب من النقاش بل كان جاد، حاسم، قوي وحازم
الصمت مر ثقيل والأم تتفحص ابنها أو تستوعب ما قاله وتبحث عن نقطة ضعيفة ربما تخترقها لكنه ثابت كالجبل "واستطعت مع مهرة؟ أحببتها؟"
ابتسامة قصيرة مرت على فمه وهو لا يسمعها "أي حب ماما؟ هل تصدقين هذا الهراء؟ كل ما في الأمر هو أنني لم أستطع تقبل نارا كزوجة"
وابتعد عائدا للسيجارة ومن خلف الدخان أظلمت عيناه، كلمة الحب مرت عبر ممرات عقله وربما اصطدمت بقلبه..
أغلق الممرات لكن..
واحد ضيق ومضيء بنور باهت ومض ببريق خافت ولكنه لم يرغب برؤيته..
تلاشاه.. متعمدا
لم تلتفت له وعاد لنفسه وأفكاره تتطاير بلا هوية والغريب أنها كلها حول نفس المرأة
مهرة
الصمت سقط حيرة.. تساؤلات لا إجابات لها
التفتت أمه "هذا يعني أنك لن تعيد زواجك من نارا"
نفخ الدخان مع تصريحه بقراره "لا، لن أفعل"
تجهمت..
انتصر جنونه..
هل كان جنون؟
هو العقل لكن متأخرًا
عادت تتحرك له حتى وقفت أمامه وهو لم يحاول النظر لها وقالت "حتى لو رفضت أنا ذلك؟"
أحنى رأسه عليها، واجه نظرة أمل أخيرة داخل مقلتيها وانخفض صوته كعادته لكن لم ترحل منه نبرة الحزم "لا أتمنى ذلك ماما، لأنك تعرفين رأيي بذلك"
واهتزت من داخلها.. يذكرها بمرتها الأولى، تحدته بأنها لن تأتي ولن تقبل بها وستقاطعه إن تزوج
وتزوج..
ضرب بكل شيء عرض الحائط
واجهته بلا تراجع "أرغب برؤيتها"
جمد..
للحظة الجملة لفت حوله حتى استقرت داخل عقله..
هز أكتافه ورد ببساطة "كما تشائين"
وتحرك ليبتعد لكنه توقف فجأة، ظهره لها وكأنه استوعب كلماتها متأخرا
رفع يده وهو يستدير ببطء وواجه نظراتها "لكن لا تفكري بإهانتها بأي شكل ماما"
رفعت وجهها.. شفاها ارتجفت من كلماته التحذيرية "أنت تهددني رحيم"
ارتد لها.. بكل هدوء أجاب "لا ماما، أنا أخبرك أن مهرة تخصني ولن أسمح لأحد بإهانتها"
رفعت وجهها والإصرار على رؤية تلك الفت.. المرأة، أصبح هوس
****
تحسنت أيلا بالطبع من الدواء والراحة وعناية أمها..
أيلا لم تمس الألعاب التي أحضرها لها رحيم بالمشفى، مهرة وضعتهم لها بغرفتها لكنها تغاضت عنها..
أحيانا تظن أن ابنتها ليست ثلاثة أعوام فقط، بل أكثر
ما أن مر الظهر حتى تعبت من اللعب ونامت على كتف مهرة التي كانت تعمل بجوارها فحملتها ووضعتها بالفراش
هاجر تولت تجهيز الحقائب وهي انكبت على العمل لتنهي أكبر قدر منه قبل رحيلها
انتبهت لجرس الباب وهاجر تتحرك لتفتح وهي لا تنظر، ربما رجل السوبر ماركت لكن صوت هاجر منحها صدمة
"مدام، امرأة ترغب برؤيتك"
رفعت وجهها لتصطدم بها.. عنان الشربيني، زوجة علي العزايزي و..
والدة رحيم..
من الذي لا يعرفها؟
جمدت مكانها.. قدماها رفضت منحها القدرة على النهوض ومواجهة المرأة.. هل يمكن أن تكون بحلم؟
المرأة تقف أمامها.. تنبض بالحياة.. الأناقة، الأصل
وهي ماذا؟ لا شيء..
صوت المرأة هادئ، أنيق مثلها يليق بامرأة معروفة النسب "عنان الشربيني، للأسف لم أملك طريقة لإخبارك برغبتي بالحضور"
واستجمعت قوتها وشجاعتها.. نهضت..
حاسوبها كاد يسقط لولا أنها أنقذته بآخر لحظة والارتباك ظهر عليها
الأم ظلت واقفة حتى استجمعت مهرة نفسها وقالت بصوت مبحوح "أهلا.. حضرتك.. أقصد.. من هنا"
أشارت لها لمكان الضيوف والمرأة التفتت حولها لترى الشقة التي بالنسبة لمهرة فاخرة لكن لعنان..؟
وقفت بمنتصف المكان، نظراتها لا تقف حتى واجهت وجه مهرة الشاحب فقالت بكبرياء "الشقة.. مناسبة أكثر مما تخيلت"
كلماتها كانت تحمل تقليل واضح ومهرة كانت تفيق من الصدمة "حقا لم أتوقع الزيارة.. حضرتك تحبين المفاجآت.. ربما مثل.. رحيم"
رفعت عنان رأسها، منعت الغضب من الظهور على وجهها فهي من بدأ المعركة
ظلت عيناها تتجول على المهرة الجامحة.. المهرة التي أطاحت بكل المتسابقين من حولها وتصدرت السباق ونالت الجائزة
رحيم العزايزي..
الجمود ظل هو السلطان للحظة حتى قطعته المرأة "تتساءلين عن سبب وجودي هنا؟"
المهرة استعادت شجاعة الفارسة الموجودة داخلها.. يداها استقرت بجوارها وهي تقول "لنقل إنه بسبب فشل زفاف رحيم ونارا؟ أو.. ربما لوجوده هنا بدلا من وجوده معها؟"
تعصبت عنان.. مهرة لم تتخذ الضعف طريق فقد اكتفت من أن تكون ضحية.. حتى ولو كانت على بعد خطوات من الموت.. وابنتها ستكون وحيدة
لم تعجب عنان كلمات مهرة "ماذا تريدين من رحيم؟ لماذا عدت لحياته؟"
رسمت ابتسامة واهنة لنفسها، قوية لعنان، على شفتاها "أخطأتِ الشخص مدام، هو رحيم من عليكِ سؤاله ماذا يفعل بحياتي؟"
كبرياء أحمق ارتسم على وجه مهرة، مخادع، ومن داخلها ألم لا يراه أحد
"هل تخبريني أنكِ لم تطاردي ابني لتعيديه لكِ؟"
تحركت مهرة بأي اتجاه بعيدا عن نظرات عنان التي تفحصت المرأة الجميلة حقا وربما من داخلها رأت سبب استحواذها على رأس ابنها..
لكنها كابنها، لم ترى مهرة الحقيقية
"لكنت ظللت زوجته أسهل من مطاردته بعد ثلاث سنوات وهو على وشك الزواج من الأميرة نارا؟"
السخرية بنبرتها استفزت عنان.. ومع ذلك جعلتها تدرك أنها ليست بخصم سهل "هو أدرك وقتها أنكِ لستِ ممن يليق به"
التفتت لها بهدوء "والآن ماذا؟"
صمت حل بينهم حتى تحركت مهرة.. تبدلت ملامحها للطبيعة الحقيقية لها وقالت "مدام عنان أنا حقا ليس لدي أي كلمات أدفع بها نظرات الاحتقار هذه من عيونك، ولا شيء يمكن أن أقوله أو أفعله لتغيير صورتي لديكِ فمن فضلك لا داعي لأي تجريح.. لأني لن أقبل به"
سكون هبط عليهما.. عنان أدركت أن مهرة على حق لذا قالت "ابتعدي عن رحيم مهرة، كلاكم غير مناسب للآخر، لن يمكنكِ الوصول لمستواه بأي يوم"
لم تغضب من كلمات عنان، هي أم وترغب بالأفضل لابنها الوحيد
هزت رأسها بطريقة تدل على الحيرة ثم ابتعدت من أمامها وهي لا تعرف كيف تخبرها أن هناك ما يربطهم غصبا عنها ولو حاولت هي إبعاده فهو لن يترك ابنته
عندما لم تجيبها تحركت عنان لها ونبع صوتها من قلبها كأم "كم تريدين؟"
التفتت..
الغضب ارتفع لأقصى درجاته..
عيناها لمعت ببريق غريب جعل عنان ترتد قليلا بلا وعي وصوت مهرة كصهيل الخيل.. لا يهتم بمن ينزعج منه
"أظن أن زيارتك انتهت مدام"
رفعت المرأة وجهها بكبرياء، هل تطردها؟
ارتفع صوتها "كيف جرأتِ على قول ذلك؟"
هتفت بثبات لم يهتز من الإهانة "وكيف جرأتِ على قول ما قلتِ؟ أنا لست كما تظنين ولا يهمني ما برأسك عني لكني لن أسمح لكِ بإهانتي ببيتي، لقد انتهيت من آل عزايزي كلهم ولم يعد لدي كلمات لكِ"
رنين جرس الباب قطع الشجار المحتدم بينهما وحركة هاجر للباب فصلت نظراتهم..
المفاجأة كانت من نصيب عنان وهي ترى ابنها يتحرك للداخل.. مسلم أخبره بزيارة والدته التي كان يتوقعها..
لم يكن ليدع تلك الفقرة تفوته "مساء الخير"
ثبتت نظرات المرأة على وجه ابنها الجامد وهو يقف أمامهما بثبات وقالت "أنت لن تتوقف رحيم، تتعمد إغضابي ووضع العناد بيننا"
تحرك للداخل حتى وقف أمامها ولم يوجه أي نظرة لمهرة فقد استكفى برؤية وجهها عندما دخل
نظرتها مشبعة بالغضب وهي بالفعل كانت كذلك بل وتمنت خروج المرأة من بيتها وسؤالها، كم تريدين يشعل النيران داخلها..
مال على والدته وقال "بل هو أنتِ ماما من ترغبين بذلك، أخبرتك رأيي بالأمر وأنتِ لم تأخذيه بجدية"
أشاحت بيدها والعصبية تفوق الهدوء "أي رأي؟"
لم يتراجع من أمامها "قراراتي لي وحدي"
تحركت عيناها على عينيه والتحدي هو كل ما ظهر داخل رماديته "رحيم تلك المرأة ليست مثلنا.. كل ما ترغب به هو المال، لتمنحها أموال، عقار، مجوهرات وستجدها اختفت من حياتك"
رفع إصبعه بحركة تحذير مدركا كلمات أمه ووقعها على مهرة ولكنه لم يرتد لمهرة وهو يقول
"ولا كلمة أخرى ماما، أخبرتك أني لن أسمح بأي إهانة لها"
هتفت بلا كبح لغضبها "لماذا تقف بمواجهتي لأجلها؟ لماذا؟"
لم يتردد أو حتى يعيد التفكير وهو يجيبها "لأنها ستكون زوجتي ماما، وزوجة رحيم العزايزي لا تُهان"
شهقت مهرة.. تجمدت…
الكلمات ارتطمت بأذنيها كصفعة أخرى… لكن هذه المرة من نوع مختلف
رفعت عيونها إليه… نظرة مليئة بالصدمة والرفض معًا
زوجته؟
هي لم توافق… لم تقبل… لم تمنحه هذا الحق
بينما تراجعت عنان ووجها يفقد كل الدماء..
وهو رأى نظرات أمه فالتفت ليصطدم بنظرات مهرة وهزة رأسها الرافضة ولكن عيونه حذرتها من التدخل
عنان كان أول من قطع الصمت "لو فعلت انس أن لك أم"
ابتعد بلا رد.. أخبرها ألا تتخذ تلك الطريقة معه فهي لا تؤثر عليه..
ارتفع رأس المرأة بكبرياء ورفضت الدموع وسقطت نظراتها على مهرة التي ابتلعت الصدمة لسانها وعقلها وقالت بغضب واضح
"سيرميكِ مرة أخرى عندما يرتد له عقله، ووقتها لا تلومي إلا نفسك"
وتحركت خارجة بلا أي كلمات والنيران لا تنطفئ
صوت القداحة دق بأذنها.. عقلها.. وعيها.. وارتد بها لماضي مؤلم لا يمنحها أي راحة
سقوط الدموع جعلها تقفز فوق كل معاناتها الحالية ورفعت نظراتها له وهو يمنحها ظهره "اذهب خلفها"
الدخان لفه.. لم يواجها ولم يرد
تحركت لتقف أمامه بلا اعتبار بدموعها ولا ملامحها المتألمة، فقط واجهته بما تبقى لديها من قوة
"اذهب خلف والدتك وأخبرها أن لا شيء مما قلته سيحدث"
واجه نظراتها.. العناد لا يهزمه ضعف ولا تراجع "القرار ليس لكِ وحدك"
أشاحت بيداها والغضب هزها "بل هو كذلك رحيم، أنا لن أتزوجك، لن ألقي بنفسي بالجحيم مرة أخرى، لن أواجه تلك الإهانات من جديد وأقف مشاهدة، لن أفعل هل تسمعني؟ لن أفعل"
وهو كان يعلم ذلك، ليس من كلماتها بل من إدراكه لمهرة الجديدة التي عرفها مؤخرا.. مهرة التي صارعت وحدها بالحياة رغما عن كل ما واجهته من صعوبات
السيجارة لا تمنحه أي راحة.. فقط امتص منها نفس عميق ونظراتهم متصلة ثم أخرج الزفير بالدخان
"هل تهدئي؟ لن يجرؤ أحد على إهانتك بعد الآن"
ضحكت ساخرة، عيونها زائغة وصوتها مهزوز "حقا؟ نارا فعلت أمامك، والدتك فعلتها مرة واثنان وأيضا أمامك فما بالك وأنت غائب؟ رحيم هذا الطريق ليس لنا، أنا لا أريده"
رفع يداه على ذراعيها والتقى بوجهها المتعب والمتألم وانحنى لها وصوته خرج مريحا، محاولا منحها بعض الراحة
"فقط دعينا نأخذ فرصة أخرى بعيدا عن أي ضغوط وإن لم ننجح أعدك أن أبتعد"
الدموع لا تتوقف، تجرف معها أحزان مكتومة داخلها، يداه ارتفعت لوجنتيها لمسح الدموع
"أيلا بحاجة لنا نحن الاثنان مهرة، أنا أرغب بأن أكون معها، مع ابنتي، هذا حقي، وحقها، أن تنال أب وأم وأسرة مستقرة"
يداه دافئة، منحت جسدها دفء غريب، راحة نستها منذ كانت زوجته.. قلبها عاد للحياة.. دقاته ارتفعت.. أعلنت عن أن ذلك الرجل ما زال يسكن داخلها
خائفة.. تائهة.. فاقدة لأي عقل "لا تفعل بي ذلك رحيم، أرجوك"
تألم للألم الواضح على وجهها، قرب وجهه منها وصوته خرج هامسا كي لا يجرح رقتها "لن نتعجل الأمور مهرتي"
وهبط على شفتيها بقبلة انتظرها كثيرا بلا وعي أو تفكير..
كان كالعطشان الذي وجد الماء وسط الصحراء.. نهل من شفتيها بلا تفكير...
وجهها ثابت بيديه وشفتاها لا ترفضه.. انفرجت له.. منحته مذاقها ونالت مذاقه الذي افتقدته من سنوات
ولكن..
شيء ما تبدل..
القبلة مختلفة.. حملت معاني مختلفة..
لكنها لم تمنحه الفرصة ليحاول أن يفهم نفسه
ارتجف جسدها فجأة وكأنها أفاقت من غفلة.. خيانة نفسها.
الاستسلام لمن كان سبب بجراحها
أنفاسها تعالت بينهما.. قلبها يخبط بعنف داخل صدرها
دفعت صدره بضعف في البداية.. ثم بقوة أكبر وهي تبتعد عنه خطوة.. ثم أخرى وكأنها تهرب من نفسها قبل أن تهرب منه
عيونها كانت معه.. ممتلئة بالدموع.. لكن ما زال بها خوف و.. إدراك
"لا.. لا.. هذا خطأ"
تجمد..
مهرة تبدلت حقا.. من أمامه تخاف.. ترفض كل ذلك وللأسف..
هو السبب
لذا ظل واقف مكانه.. أنفاسه لم تهدأ بعد.. عيناه عليها فقط.. لم يحاول الاقتراب.. لكنه أيضا لم يتراجع
همسها كاد لا يُسمع "نحن لن نرتد لنفس النقطة رحيم.. نفس الوجع"
كان يسمع أنين الألم بنبرة صوتها لكن لم يمكنه تبديل أي شيء.. الغريب أنه كان هو الآخر
يتألم..
كانت ترى ماضيها معه ومن بعده، وحياتها وحدها بابنتها والألم يزداد "أنا تعبت رحيم.. تعبت، تعبت من ضعفي أمامك ومن أن تضع أمل أمامي بأن شيء قد يتبدل"
كان يعلم أن أي إجبار سيكون ثمنه غالي.. هدأت نبرته حتى خرج صوته هامسا "وأنا لن أسمح لكِ بأن تهربي من جديد"
ضحكت بسخرية مرة أخرى.. تبتعد من أمامه
الضحكة كانت خفيفة، هزيلة، موجوعة "أهرب؟ أنا لا أفعل رحيم.. أنا أرفض تسلطك وأوامرك وأخبرك أني لن أقول سمعًا وطاعة كما كنت أفعل"
والتفتت له مرة أخرى "أنا لم أعد تلك الفتاة الحالمة"
كان يعلم.. لم يجادل ولم يحاول الدخول بصراع يعلم أنه سيكون الخاسر به وهي ما زالت تكمل "لن أعود رحيم، حتى لو ضعفت لحظة أمامك.. لن أعود"
الصمت سقط بينهم ثقيل.. خانق
نظراته ثبتت عليها.. فيها شيء مظلم.. عناد.. إصرار
ومع ذلك هو لا يستسلم، صوته خرج ثابتا.. قويا ومحذرا "وما الذي جعلكِ متأكدة أن لديكِ اختيار من الأساس؟"
تراجعت بلا وعي.. الصدمة عادت لعينيها ولكنه لم يهتم وهو يكمل "تلك المرة لن أدعك تخرجين من حياتي"
الكلمات نزلت عليها كقيد غير مرئي.. شد أنفاسها قبل خطواتها
قبل أن ترد
خرج الصوت الصغير الناعم والمتعب ليوقف كل الصراع الدائر هنا
"مامي"
التفت كلاهم للطفلة.. كانت تفرك عيناها من النعاس العالق بهما وأثر المرض السابق ما زال واضح عليها..
تحركت لطفلتها على الفور.. نزلت لها والحنان هو كل ما اعتلى وجهها لابنتها الوحيدة "نعم حبيبة قلب مامي"
الفتاة تعشق أمها كما هي الأم التي أحاطت ابنتها بيداها بحنان وأيلا تقول "أنتِ تبكين؟"
حاولت نفي الحزن بأي طريقة "لا، لا حبيبتي أنا بخير، هل أنتِ بخير؟"
رفعت الصغيرة عيونها له.. كان جامدا.. لا يتحرك..
عيونه ثابتة على من تشبهه والقلق واضحا عليه "نعم، مامي لماذا يأتي كثيرا عندنا؟ بائع اللعب"
لم تنظر له، بحثت عن إجابة لكن هو من تولى الأمر "جئت أخبر مامي أن هناك رحلة لمكان به بحر وألعاب مائية لأجلك وسنذهب بعد قليل"
لفت وجهها له.. تستنكر ما يفعله.. هو يضعها أمام الأمر الواقع
أيلا استعادت وعيها التام وهي تسأل "مامي هل ما يقوله صحيح؟ هل يمكننا الذهاب لمكان كهذا؟ بحر وألعاب مائية؟"
تدخل مرة أخرى وهي فرصته لاستعادة شيء مما فقده مع ابنته.. وأمها
"وربما نرى الاسماك بقاع البحر ونصعد على متن يخت ويسبح بنا عبر البحر"
التفتت له وهتفت بقوة وغضب "كفى"
لمعت نظراته عليها.. الغضب ارتفع داخله هو الآخر من نبرتها الآمرة لكن..
رحيم العزايزي وجد نفسه يتراجع أمامها لأول مرة
وهي ارتدت لأيلا "حبيبتي أنتِ ما زلتِ متعبة و.. "
لكن.. أيلا كان لها رأي آخر "أنا شفيت مامي، من فضلك أنا أرغب بالذهاب لهذا المكان.. نحن لم نفعل بأي وقت.. ولا نذهب سوى للحديقة، أرجوكِ مامي لا تخبريني أن العمل أهم"
قلبها يرق لابنتها بلا جدال.. هي بالفعل لم تأخذها لأي مكان كهذا من قبل و..
كلمات الصغيرة مزقها "لا تحزني مامي، لو لا ترغبي بالذهاب فلن أفعل لأجلك"
سقطت دموعها غزيرة.. جذبت الفتاة لأحضانها.. لماذا يرغب القدر بحرمانها من ابنتها؟ لماذا اختارها هي وترك الملايين من حولها يستمتعون مع أولادهم؟
لماذا كل حياتها جملة من المآسي؟
لا أحد يستطيع مراجعة القدر..
****
السفر كان سهل وممتع للصغيرة.. لأول مرة تصعد طائرة وتراها تحلق بالسماء ومع تلك المتعة لانت ملامحها لبائع اللعب
تقبلت العصير منه..
الجلوس بالدرجة الأولى، لعدم توفر طائرته الخاصة للصيانة، كان شيء ممتع والمعاملة كانت مختلفة..
وكأنها عادت زوجته والكل يرفع لها القبعة..
تلك الأيام تكرها..
وقت كان عليها التقيد بالمظاهر الاجتماعية وهي كانت صغيرة ولديها طموحات وأحلام ولم تعرف تلك الحياة
لم تكن حقا تليق برجل مثله وما زالت
لم يتحدثا نهائيا وكأن كلاهم كان يخشى المواجهة وكل ما فعله هو، وضع رأسه بجهازه المحمول وركز بالعمل..
هكذا جعلها تظن لكن عقله كان بعطرها القوي الذي لف رأسه.. ملابسها الأنيقة لمصمم أزياء مصري يعرفه مما أغضبه
كيف لا ترتدي من ملابسه هو وهي امرأته؟
ليست كذلك يا عزايزي..
بالسيارة نامت أيلا بين ذراعيها وهو التفت لها وفك الصمت أخيرا "كلاكم بحاجة للراحة ومن الصباح سنبدأ البرنامج"
لفت وجهها له.. نظراته التقت بها.. لم يتركها بعد أن اتخذت أيلا القرار بالرحيل وانتظر حتى جهزتا ورحلا معا
كأنهم أسرة حقا وليس بنيانا تهدم يحاولان إعادة بنائه
لم تجادل "نبدأ؟ أخبرتني أن لديك عمل"
أبعد وجهه وهو يجيب "سأنتهي منه عندما يحين موعده" وعاد لها "فقط دعينا لا نجعل وجودنا هنا خليط من الشجار والغضب والرفض"
تألم قلبها للكلمات.. كم تمنت تلك المحاولة منذ سنوات.. حلمت بأن تفتح الباب وتراه أمامها يجذبها لأحضانه ولكن..
أبعدت وجهها تفر منه "أنا لم أرغب بهم بأي وقت لكن الآن.. "
قاطعها "مهرة كلانا أسقط ذلك الزواج"
لفت وجهها له وكأنها ترفض ما يقول لكن نظراته أوقفتها.. هو على حق.. هي لم تعرف كيف تكون زوجة لرجل مثله..
مال عليها وقال "فقط لنجعل المحاولة حقيقية، لأجل أيلا"
ومن داخله كان يهمس لنفسه "ولأجلنا.. ما زلت أريدك مهرة ولكن رفضك يوقفني"
هزت رأسها بالموافقة ولم ترفض.. ستحاول لأجل ابنته فوالدها هو البديل الوحيد والصواب من بعد رحيلها
غرفتها كانت بفراشين منفصلين وهو وضع أيلا بواحد منهما وتراجع وهي تدفع الغطاء عليها واعتدلت واقفة لتراه ينحني ويضع قبلة على وجنة الفتاة ويده تمر على شعرها بحنان
انقبض قلبها من رؤيته هكذا..
اعتدل وتحرك للخارج وهي تبعته وعلى الباب التفت لها وواجه نظراتها "من حقها أن تعرف من أنا"
هزت رأسها وقالت بلا جدال "نعم، وجودك هنا معها سيجعلها تنسى ما علق بذهنها تجاهك، أيلا تحب كل الناس"
بلا مقدمات لمس وجنتها مبتسما وقال "كوالدتها"
وتحرك مبتعدا دون منحها فرصة للرد "طابت ليلتك أراكِ بالثامنة"
جامدة بمكانها لم تعرف ماذا تفعل أو تقول لكن سرعان ما ارتدت للداخل
****
خروجه عن الزي الرسمي لرجل الأعمال ذكرها بأسبوعين العسل عندما كان رجل آخر عشقته ولم ترغب بأن يرحل عنها أبدا
هو من قاد السيارة خارج المنتجع لزيارة جراند أكواريوم (المتحف المائي) وهو عالم مبهر تحت الماء، صرح مائي رائع بأكثر من اثنين وعشرين حوضًا زجاجيًا تضم مئات من الكائنات البحرية المذهلة التي تعيش في بيئة تحاكي الواقع تماما
واستمتعوا حقا بعروض الغواصين أثناء إطعام القروش، والتي تقام كل ساعتين، حيث رأوا التفاعل بين الإنسان والمخلوقات البحرية
مشاهدة وادي الحيتان أخذ عقلهم ولم تعترض وهو يضع ذراعه على كتفها ليدفعها بعيدا عن الزحام بتملك ولا عندما حمل أيلا لترى الحياة البرية من الأعلى بتلك الحيوانات والطيور من خلال برج معلق يمنح رؤية بانوراميه فريدة
العودة للمنتجع منح أيلا فرصة لطلب السباحة لكن الغداء انتظرهم أولا..
هاتفه لا يتوقف لكن هو يختار ما يجيبه كي لا يفسد متعتهم والضحك على تعليقات أيلا وكلماتها الجميلة سلبت عقله
بغرفتها استبدلت أيلا ملابسها وجذبت والدتها لحمام السباحة والألعاب الخاصة بالأطفال ولم تجده لكن الحراسة لم تتركها وهي تتخذ مائدة لتجلس أمام فتاتها المستمتعة
صوته جعلها تفزع "أراها مستمتعة؟"
رفعت رأسها لقامته التي غطت شمس العصر عنها ثم جلس وهي تقول "جدا، هي حتى لا ترغب بالراحة"
كان يتأملها بالملابس الحرة.. بيضاء.. تمنحها بريق ملفت.. شعرها ثابت داخل القبعة التي ارتدتها لتمنع الشمس عنها
جميلة.. تزداد جمالا يوما بعد يوم.. "تفضلين ملابس أشرف مختار"
عادت له وما زالت ثابتة بمكانها قبل أن تجيبه "قدمت له فكرة لحملة إعلانية منذ عام ونصف ونالت الحملة نجاح جيد فمنحني كارت مشتريات مفتوح كمقابل"
لم تتبدل نظرته الجدية لها وجالت على جسدها الممشوق ولا أفضل عارضة أزياء "ولم تفكري بأزيائي بأي يوم؟"
أبعدت وجهها إلى حيث أيلا.. ولا تعلم هل تخبره أنها منعت نفسها عن أي شيء يمكن أن يضعه بحياتها
"لا"
اختصار الإجابة أثار غضبه.. القهوة وُضعت أمامه وعصير لم تطلبه أمامها فرفعت عيونها له ودخانه لف حوله
قال بهدوء "رأيت فكرتك التي منحتيها لهمت عن شركتي"
منحته اهتمامها، انتظرت النقد والتعديل حتى تسحب كل ما قدمته، لكنه قال "فكرة جديدة.."
حدقت به،، تحاول استنتاج كلماته التالية وقالت "أنا لم أفكر أن تأخذ الفكرة، أنت.."
قاطعها "همت عرضتها بشكل عابر وهي أعجبتني وطلبت البدء بالتنفيذ"
ثبتت نظراتها عليه.. لم تتنفس فهي لا تصدق ما قال..
رحيم لم يوافق على أي جرة قلم لها من قبل "مهرة هل تسمعيني؟"
رمشت عيونها.. تسترجع نفسها.. تستبعد أفكارها هو حتى لم يخبرها ماذا فعل بحملتها الأخيرة!؟
خرج صوتها ضعيفا "تنفيذ ماذا؟"
جذب النيكوتين بطريقة نمت عن غضبه لكن من نفسه.. هو من فعل كل ذلك "فكرتك مهرة، الطريقة بها شيء مختلف ومن خبرتي أعلم أنها ستشد المتفرج لرؤية السلعة بالواقع"
كانت تحاول تصديق ما يقول.. تناول القهوة وهي تنفست بعمق وقالت "أنت تعلم أني أحب متابعة التصوير بنفسي؟"
هز رأسه بالموافقة وابتلع القهوة وعيونه ترتد لها من بين الدخان "نعم، لن يبدأ شيء إلا بعودتك، فقط سيتم تجهيز كل شيء"
كانت تحاول التصديق فأكملت "والعارضة؟"
ظل ساكنا لحظة قبل أن ينهي سيجارته ويقول "لدي واحدة جيدة.. من قامت بآخر إعلان لأزياء الخريف"
ارتدت بالمقعد وقالت "لا"
ضاقت عيونه بلا فهم فأكملت "سلعة الشركة لدينا مختلفة رحيم، فتاتك تليق بالأزياء التي تظهر جسدها لكن نحن نحتاج لامرأة أكبر عمرا، لديها لمسة أم وابتسامة امرأة خبيرة بما تستعمله وفتاتك لا تعرف شيء عن ذلك"
اقترب من طرف المائدة وقال بنبرة حازمة "هي ليست فتاتي فليس لدي فتيات، وكلماتك صحيحة وسأمنحك الحرية باختيار المناسب"
هجومها كان غريب "أنت تعي ما تقول؟ أنا لا أعمل لصالح شركاتك أنا أعمل.."
قاطعها بهدوء كعادته "أنتِ تعملين معي وليس لي، بالتأكيد والد ابنتك يستحق اهتمامك"
تراجعت "رحيم هل تبتزني؟"
ابتسم وغمز لها وهو يرد "نعم"
تنفست بقوة وهو يعلم تأثير كلماته فأبعدت وجهها لكنه لم يتركها "ألا تبتسمين مهرة؟"
لفت وجهها له.. لا.. هي نست كيف تكون الابتسامة
صوت أيلا جذبهم "مامي تلك اللعبة مرتفعة ولا أصل لها"
نهض بلا فرصة لأن ترد "أنا لدي قامة تجعلك تصلي لها بسهولة، دعينا نجرب"
وهو استعاد جزء من علاقته بالصغيرة والتي بدأت تثق به وهو يرفعها بين ذراعيه ويعود بها إلى حيث أشارت
انتهى وقت السباحة والألعاب وعندما عاد الاثنان كانت ملابسه قد ابتلت والفتاة تتحدث معه بسعادة وهو يحملها بلا تضرر
"مامي أبيه يقول أننا سنعود غدا، الألعاب رائعة"
لفتها بالمنشفة ثم روب السباحة خاصتها وقالت "وأنتِ سعيدة، مع أبيه؟"
كانت تجيب وهي تستجيب لوالدتها بارتداء الروب "نعم، هو طويل وقوي، هناك امرأة ظنت أنه بابا وهو لم يعترض"
رفعت وجهها المتورد له..
واجه نظراتها ولم تفهم ما رأته على وجهه ولكنها عادت لأيلا التي لم تكف عن التحدث
نامت أيلا بمجرد الانتهاء من الحمام وتناول الطعام
الهاتف رن فأجابت وهي تعرف أنه هو "نامت؟"
تحركت للشرفة والظلام اختفى من الأنوار المضيئة بكل مكان "نعم"
كان ينهي ملابسه وقال "فتاة ستأتي لتبقى معها ونحن لدينا سهرة أتمنى أن تعجبك"
رفعت وجهها "لكن أنا سأنام"
تحرك خارجا "سأنتهي من لقاء عمل وألقاكِ على حمام السباحة الثاني بعد ساعة، رجالي سترشدك للمكان"
وأغلق وهي لا تصدق أنه لم يمنحها فرصة للرد..
هل ترفض العشاء والنزول له؟
لفت حول نفسها وهي لا تعرف ماذا تفعل.. قلبها يدق بقوة.. أنفاسها ارتفعت بلا سبب..
هل حقا يمكن أن ينالوا فرصة أخرى؟
دقات على الباب أفزعتها ولكنها تجاوزت وهي تتحرك للباب لترى خدمة الغرف وبيد الرجل كيس كبير وهو يقول باحترام
"مساء الخير مدام، سيد عزايزي طلب منا توصيل هذا لحضرتك"
ودفع الكيس الكبير لها.. تعرف أنه خاص بالملابس وقلبها يخبرها عن هويته
منحت الرجل بقشيش وتحركت للداخل ووضعت الكيس على فراشها وظلت واقفة أمامه بلا حركة..
للحظة لم تعرف ماذا تفعل؟
الهاتف أفزعها ورسالة تصل لها "أحب رؤيتك بزي من تصميمي"
ارتجفت يدها التي تمسك بالهاتف.. تصميمه؟
حتى وقت زواجهم لم يفعلها.. لم يحاول مرة إهداءها واحدا من أزيائه فهل يفعل الآن؟
مدت يدها ببطء.. كأنها تلمس شيء ممنوع.. سحبته
القماش انسدل بين أصابعها بنعومة أربكتها.. هي تعلم أنواع الأقمشة التي يتعامل بها العزايزي جروب.. من الأنواع العالمية..
لا تصدق أنه يمنحها واحد من أعماله.. قلبها خبط بعنف..
ذكريات قديمة عادت تمر أمامها.. ورجل لم يمنحها حتى نظرة إعجاب وقتها
لكن الآن..
الأمر اختلف تماما..
رسالة أخرى هزت هاتفها بيدها "أنتظرك"
هل يعلم بالتردد الساكن داخلها؟ هل يدرك كم تتألم الآن؟
أغمضت عيونها.. تحارب نفسها.. ترفض..
تضعف..
وتعود لترفض.. لكن بقرار غير مكتمل.. غير مؤكد
وسقطت عيونها مرة أخرى على الفستان وما زالت لا تعرف ماذا تفعل..
هل ترتديه؟
الفصل 10
رواية جامحه بقلبه بقلم داليا السيد
الصحافة .. صفعة
توقفت خطواتها عند حافة الضوء..
ورفع هو رأسه.. ولم يتحرك.. أو يتحدث
السيجارة بين أصابعه ظلت تحترق.. والدخان تصاعد وحده..
عيناه ثبتت عليها.. بشكل لم تره منه من قبل.. ولا حتى وهي زوجته..
تحرك لها.. لن تتحرك هكذا وحدها.. رجلان حراسة كانا خلفها ولكنه لم يرى سواها..
عيونها تنبض ببريق حيوي.. بريق جعله يتحرك وكأنه بلا وعي، مشدود لامرأة سلبت عقله بجمالها..
كيف لم يكن يدرك المرأة التي كانت زوجته بيوم ما؟ كيف تركها تخرج من حياته هكذا بسهولة؟
وقف أمامها وكأنه لا يرى سواها.. نسى كل ما يدور حوله وهو يرفع يدها لفمه ويضع قبلة على ظهر يدها ونظراته لا تترك نظراتها
"مهرة عربية أصيلة"
لم تجيب بكلمة بل أطلقت أنفاسها لتستعيد حياتها..
اهتز جسدها وهو يضع يدها على ذراعه ووجه ما زال لا يترك وجهها " كنت أعلم أنه لن يليق سوى بكِ"
ظلت عالقة بعينيه.. لا تهتم باين يأخذها ولا من ينظرون لهم.. فقط هو..
وسؤال واحد لا يتوقف عن التردد بعقلها "لماذا الآن؟" والإجابة واحدة "لأجل أيلا"
انتبهت لفلاش كاميرا لمع بعينيها فأغلقتها بانزعاج وعندما فتحت عيونها صدمت بزحام من الرجال وبعض النساء والكل يحمل كاميرات أو آلات تسجيل وتصوير والضوضاء بدأت والأسئلة انهالت
الصحافة..
"سيد رحيم هل عدتم لبعضكم البعض؟"
"مدام مهرة هل عاد لكِ بعد النجاح الذي وصلتِ له؟" "هل تركت خطيبتك لأجل زوجتك السابقة"
رجال رحيم لفتهم.. صنعت لهم ممر ليخرجوا به من ساحة الفندق والزحام لا ينفض والاسئلة تدوي برؤوسهم
الجنون ارتفع داخله.. من الذي دفع الصحافة لطريقه بتلك الطريقة؟
كانت ترتجف وهي تجلس داخل السيارة.. تلك الأمور لم تعتاد عليها.. لم يكن يصحبها معه بأي مكان، يوم الزفاف لم تتمكن الصحافة من حضوره..
صوته جعلها تنتفض.. هي بالأساس تنتفض من كل جزء داخلها..
"اللعنة إياد، كيف تسرب الخبر لهم؟"
أبعدت وجهها الجامد.. بلا دموع واجهت نفسها بالحقيقة.. لقد انفضح الأمر وأصبحت كالمطاردة وامرأة تسرق رجل من زوجته..
رفعت أصابعها المرتجفة لرأسها تفرك جبينها والصداع ارتفع بلا مقدمات..
ما الذي فعلته بنفسها؟
لم تهتم لما كان يقوله.. بل بنفسها والحفرة المخيفة التي سقطت بها..
فزعت وصوته العميق موجه لها "لم أعتد بكِ هذا الخوف"
يده الدافئة امتدت ليدها، سحبتها بهدوء.. لكن الحدة كانت واضحة "ليس خوف رحيم.. "
أبعدت وجهها للنافذة.. الأنوار تمر أمام عيونها بسرعة.. لكن هي لم تكن ترى شيء
"أنا فقط تذكرت من أنا"
تجمد.. كلماتها ضربته أكثر من أي صراخ.. "ومن أنتِ؟"
سؤاله كان بنبرته الهادئة.. لكن أخطر
ضحكت ضحكة خفيفة.. تحمل ألم خفي "أنا من يراه الناس بالخارج رحيم.. امرأة عادت لرجل كاد يتزوج غيرها من يومين"
شد على عجلة القيادة بيديه.. الغضب ينبض ليس منها.. بل ممن حوله ممن تسببوا بتلك الفوضى "هؤلاء الناس لا قيمة لهم عندي مهرة"
التفتت له أخيرا.. نظرة مباشرة.. قوية رغم تعبها الداخلي "لكن عندي أنا.. لهم قيمة"
لف وجهه لها.. التقى بالألم بنظراتها..
الصمت كان الرد.. فلا كلمات ستزيل أي أثر لما كان.. فقط دخان سيجارته سيطر على المكان
المطعم كان رائعًا حقا.. هادئ، فخم.. الموجودين ظهر عليهم ثراء واضح كما هو المكان..
هذا هو رحيم الذي تعرفه.. يحب التفاخر بنفسه وإمكانياته ولكن هي الآن بمكان آخر..
النظرات تحركت لهم.. لم تفهم معناها..
هل إعجاب؟ أم سخرية؟
ربما غضب وسخط عليها لأخذها مكان ليس مكانها
المسؤول دفع الكرسي لها باحترام مبالغ فيه، وكأنه كان يحاول جذب انتباه رحيم الذي لم تلين ملامحه..
لم يخطط لكل ذلك.. أراد ليلة لهما وحدهما.. يفهم ما الذي يدور داخله، ومنذ تلك القبلة بشقتها وهو لا يستوعب الجنون المسيطر عليه..
يريدها.. زوجة.. وليس فقط بحياته كأم لابنته
صوته خرج عميق "مشروبي المعتاد.. عصير للمدام والعشاء بعد نصف ساعة"
السيجارة اشتعلت بلحظة ونظراته تلف على وجهها الذي تلون بلون أحمر من الشمس وهي لم تهتم بالمساحيق كعادتها..
عاد لها وهي تسأله "هل عرفت من وراء ما حدث الليلة؟"
نعم عرف ولكن هل سيتبدل شيء؟
للحظة ظل يواجه نظراتها ثم لف وجهه لبعيد محاولا تفادي أي غضب بنبرة صوته أو ملامح وجهه
عندما ارتد لها لم تنتظر الرد بل قالت "نارا"
كان إقرار وليس سؤال وأيضا لم تنتظر منه رد بل أكملت بهدوء وثبات تناسب تماما مع شخصيتها التي عرفها مؤخرا
"هذا حقها رحيم، نارا هي من تستحق التواجد هنا، معك.. أنا.. "
قاطعها بصوت خافت.. لا ضجيج به من أي نوع "أنتِ أم ابنتي.. ابنتي التي أنتظر حتى أستعيد ثقتها وبعدها سأعلنها للجميع"
اهتزت.. شيء ما داخلها ارتاح.. لن تكون قلقة على ابنتها لو رحلت والمرض ابتلعها..
أبعدت وجهها والرجل يضع الطلبات وسكب له بعض المشروب وتحرك مبتعدا وهو يرفع الكوب ويتناول رشفة بنفس الكبرياء
هي لا تفهم أنه ليس كبرياء بقدر ما هو اعتياد على تلك الحياة..
هو ولد وبفمه ملعقة من ذهب.. ولد لعائلة كبيرة جدا الثراء بها أمر واقع.. جلد من جلودهم
ابتلعت ريقها.. صفعت نفسها بقوة كي ترتد للواقع وتستعيد نفسها "أنت والدها وحقك أن تكون بحياتها لكن أنا.."
للمرة الثانية يقاطعها بنفس الهدوء "لي، أنتِ لي مهرة ولن تكوني لسواي"
غروره، ثقته يثيران جنونها وغضبها لذا حاولت ضبط نفسها وهي ترد "أنا لست لأحد سوى نفسي رحيم، لن أعيد المأساة مرة أخرى واليوم كان دليل جديد على أني لا مكان لي بحياتك"
أطفأ السيجارة ببرود استفزها أكثر ثم رفع عيونه لها.. سمح للغضب بأن يتملكها ولكن هو لا
"اليوم لا شيء بالنسبة لي، وهذا ما سبق وقلته، مهرة هل تدركين من أنتِ اليوم؟ هل للنجاح الذي وصلتِ له حاليا، اعتبار عندك؟"
سكن الغضب داخلها.. ارتد لزاوية ضيقة داخل عقلها وحلت الحيرة مكانه..
هل رأى نجاحها حقا؟ هل اعترف به!؟
صوتها لم يهتز "أنت لم ترى نجاحي بأي يوم ولم تعترف بأي شيء مما كنت أقوم به"
زاغت عيونه بعيدا.. ربما لماضيهم معا.. لم يفعل بالفعل.. لم يرى حتى عملها
فقط رفضه ورأى أنها لا تصلح لأي شيء
عاد لوجهها الذي كان ثابت عليه.. تنتظر كلماته وهو أجاب "ولكني أفعل الآن مهرة، نجاحك يفرض نفسه بكل مكان يذكر به اسمك ولا يمكنني تجاوزه بأي شكل"
لم تتفاخر ولم تتعالى بنفسها بل لم تفهمه ولم تصدق أنه هو رحيم العزايزي "ماذا تريد مني رحيم؟"
لم يتحرك من مكانه.. تعاليه واضح بجلسته لكن معها لم يتفاخر كعادته ولم ينظر لها من أعلى بل كانت نظرته تحمل الكثير مما لم تصدقه
"أريدك، أريد أيلا، أريد أسرة لم ننجح بها بالماضي وربما ننجح الآن"
صراحته أوقفت الكلمات بحلقها.. عجز عقلها عن التفكير وقلبها يرقص طربا..
الطعام وصل بطريقة ملفتة للنظر أيضا، المكان كله يثير للفزع فهي لم تعتاد تلك الحياة.. فقدتها بالانفصال
هي بالأساس لم تعيش معه شيء منها سوى اسبوعين العسل ومعظمهم كان بغرفتهم بالفندق..
الفراش كان متعته الكبرى كما كان يخبرها ولم يمنحها أي فرصة للاستمتاع بالحياة الجديدة بينهما
تناولا الطعام بلا كلمات.. فقط الاسئلة تدور بالعقول دون إجابات
نظراته كانت تتحرك لها.. ما زال يرى تبدل كل شيء بها.. حتى طريقة تناولها للطعام اختلفت.. بلا همجية ولا طفولية
امرأة ناضجة ومع ذلك افتقد لحظات جنونها وقت زواجهم "لم تكوني بهذا الهدوء"
رفعت رموشها والبنفسجية ارتفعت له "أصبحت أم لو كنت نسيت"
ابتسم وقال "مما جعلك أكثر جمالا"
توقفت يدها بالشوكة قبل الوصول لفمها.. عيونها تجمدت على وجهه الذي لم يواجها وهو يدرك تماما ما قال لذا أكمل "نعم مهرة أنا أغازلك"
والتقى بعينيها القاتمة من التيه الذي دفعها له
"أنا لا أتوقف عن التفكير بكِ منذ التقينا.. أنتِ من جهة وأيلا من جهة أخرى حتى كدت أفقد صفقة أقمشة هامة جدا بالأمس.. أنا حتى لم يمكنني الإمساك بالقلم منذ رأيتك"
ارتدت بالمقعد، تركت الطعام وتورد وجهها ولم تعرف ماذا تقول أو تفعل.. فقدت حتى شهيتها وكأن حلقها انغلق فجأة
هو الآخر انتهى.. تراجع بالمقعد وظل ينظر لها بلا تراجع "كل ما أريده فرصة، لكلانا مهرة، نضع الماضي خلفنا وننظر للأمام"
رمشت..
خصلاتها شبكت برموشها فأبعدتها بأصابع مرتجفة لا تعي ماذا عليها تفعل أو تقول "فقط دعنا نترك الأمور تسير بلا ضغوط منك"
لا تعرف كيف قالت ذلك؟ هل منحته أمل؟
اللعنة على قلبها المتخاذل.. يدفعها للجحيم
ابتسم..
الرجال أبعدت الأطباق بمهارة
وعادت النظرات
حتى..
دفع يده بجيب جاكته وأخرج علبة صغيرة، فتحها ومدها لها.. خاتم ماسي رائع..
بزواجهم نالت مثله لكن أصغر.. تركته له مع كل ما منحه لها، حدقت به والذكريات تحاول اختراق لحظتهم
"هدية الهدنة"
رفعت عيونها له "كنت.." قاطعها "كنت أتمنى.. أن توافقي"
لا تصدق كل ذلك.. هي منحته حق رؤية ابنته.. أن يفعل معها كل ما يريد بلا حاجة لارتباط بينهما لكنه يصر عليها
مد يده الأخرى على المائدة وهي ما زالت تنظر لعينيه حتى سقطت عيونها على يده الممدودة لها..
ترددت.. خافت
قلبها يدق بقوة.. الماضي يزعجها.. هو لم يفعل ذلك بالماضي.. لم يطلبها للزواج بل فتحت باب شقتهم لتراه والمأذون خلفه ورجلان للشهادة
وتم الزواج
أما الآن فالأمر غريب.. غير مفهوم..
هزة من رأسه وصوته هادئ "أعدك ألا أتعجل الأمور"
عيونها استقرت على الرمادية التي تعدها بالأمل وببطء رفعت يدها ليده وهو دفع الخاتم بها وذلك الفلاش مرة أخرى يفزعهم
جذبت يدها من يده من المفاجأة، لفت وجهها للرجلان الواقفان بعيدا وأحدهم يبتسم بزهو لنفسه ومسلم يتحرك له
لكن هو لم يهتم..
انخفض صوته "اهدئي" نظرت له بفزع ولكن هدوءه كان غير مفهوم "بالنهاية لابد أن يعرف الجميع أن ما بيننا لا يمكن أن ينتهي"
الكلمات ترددت داخلها.. ما بيننا.. وقبل أن تسأل توقفت.. الاجابة واضحة
أيلا..
أيلا هي كل ما بينهم ولا شيء فعلا يمكن أن ينهيه..
****
اليومان التاليان كانا رائعين.. ثلاثتهم استمتعوا حقا.. أيلا ارتبطت به بشكل أكثر مما توقع هو نفسه
لكن.. بالمقابل هو الآخر أصبح مدمن على الفتاة
خروجهم كان أكثر مما توقعت.. رفض ابتعادهم عنه لذا ملأ يومهم بالزيارات والخروج والحفلات حتى أيلا لم يقبل بألا تكون معهم
الصغيرة نفسها تعلقت به جدا.. نست ما كان واختارت الرجل الجديد وهذا منح مهرة راحة أن العلاقة استقرت بينهما
هي وهو أيضا اختلفت علاقتهم.. النظرات، اللمسات.. حتى الضحك والحديث.. كل شيء اختلف.. أصبح رائع وجميل
أحبت كل لحظة لها معه.. يده التي لم تترك يدها.. وربما يلفها بذراعه وهو يحمل أيلا بحنان واهتمام..
راحة ملأت قلبها وهي تمنحه الراية.. يحمل عنها تعب سنوات وهي وحدها.. الآن ليست وحدها
الجميع ممن يراهم كان يظنهم عائلة، وهذا كان حلم لم تناله..
حتى الآن..
أمام غرفتها أراد قبلتها لكنها كانت تفر منه.. لم تمنحه شيء.. ما بينهم لم يصبح مكتمل بعد وعندما يكتمل لن يمكنها التراجع وهي تعلم ذلك جيدا
اليوم الرابع والأخير كان مختلف.. انتهى لأيلا مبكرًا برغبة منه..
لم يجعله أمر مباشر لكن الألعاب التي نالتها الصغيرة جعلتها ترفض الخروج بالمساء ككل ليلة وبقيت معها تلك المرأة
وكان من السهل أن تصبح المهرة له وحده فهي نجحت بألا تجعله ينفرد بها منذ العشاء والذي ظهر أثره باليوم التالي على الميديا..
صورهم كانت تتصدر كل الصفحات، ونالت أعلى المشاهدات وانتظرت وصول نارا وصب غضبها عليهم..
لكن لم يحدث
ببساطة رجال رحيم أوقفوها عن فعل ذلك، منعوها من اتخاذ أي رد فعل..
والدته لم تهاتفه.. كما أخبرته.. لن تمنحه الأمومة لمجرد أنه انتقى من أرادها ومع ذلك لم تسافر لابنتها
تلك المرة العشاء كان بخيمة بدوية يقيمها المنتجع بالجوار.. المكان رائع أخذ عقلها كما أخذت هي عقله..
أصبح مهووس بها ونسى عمله ومن هو ولم يذكر إلا هي وابنته..
الجلسة كانت عربية.. العشاء كان من لحم الخروف الذي يتم شوائه بالخلاء أمام الجميع.. المشروبات متنوعة، السلطات مفتوحة..
كل ما تشتهي النفس موجود
حتى القمر كان ينتصف السماء بكامل هيئته وجماله.. نجومه تنتشر من حوله.. تزين السماء وكأنها ليلة من ليال ألف ليلة وليلة
لم يختار مكان بعيد بل جلس بجوارها.. عطرها يفقده تركيزه.. أناقتها جعلته يدرك أنه بحاجة لامرأة مثلها ليس فقط ببيته بل وبعمله
"سنبدأ حملتك الجديدة بمجرد عودتنا"
رفعت وجهها له.. الليلة تركت شعرها حرا طليقا.. تهاوى حول وجهها كشعلة نيران متوهجة.. ولا رجل لم ينظر لها..
الجنون كان يضربه من نظراتهم ولكنه كان يتحكم بنفسه
لم تصمت "أنت لم تخبرني أنك وافقت عليها، فقط تحدثت عما يخص الجروب خاصتك"
تناول اللحم الشهي وقال "ولم أخبرك أني رفضته" ورفع عيونه لها "وأنتِ لم تسألي"
نعم.. خشيت أن تسأل
لم تمنحه لمحة عن أفكارها وهو أكمل "يمكنك اختيار عارضة من المجموعة، لديهم إمكانيات جيدة"
لم تعود للطعام بل ظلت تنظر له وهي ترد "سأرى عملها أولا وبعدها أحكم، أخبرتك أني أحضر جلسات التصوير"
لم يمنحها نظراته فالطعام حاز على اهتمامه ولكنه منحها الرد "أعلم"
ابتلع الطعام ومنحها تركيزه " وأعلم أن اختياراتك تكون صائبة"
لا تصدق أنه يفعل ذلك معها.. "رحيم لو كنت تظن أنك تستطيع خداعي بكل ذلك فأنت مخطئ"
جفف فمه وجذب سيجارته وأشعلها قبل أن يجيبها "لم تعودي تلك الفتاة الصغيرة التي يمكن خداعها مهرة، أعرف مع من أتعامل"
تجهمت.. لا تفهمه حقا "لماذا تفعل معي ذلك؟ لم تؤمن يوما بعملي"
تناول كوب المشروب وأخذ رشفة ثم قال بصوت عميق "لأني لم أكن أرغب بتصديق قدراتك.. لم أرغب بمنحك مكان غير البيت"
تراجعت لحظة قبل أن تعود له وقد اكتملت الصورة "وما الذي تبدل رحيم؟ هي نفس الفتاة التي لا يمكنك وضعها بمواجهة الكاميرات"
وكادت تنهض، مدركة أنهم يعودون لنفس البداية، لكن..
يده قبضت على يدها.. أوقفها عن الحركة والتقت العيون..
الغضب بالهدوء.. الشك باليقين.. الجنون بالسكينة
"لقد فعلت مهرة، وضعتك معي أمام الكاميرات ولم أمحو شيء، متى ستتوقفين عن كل ذلك؟"
سكنت..
لحظة إدراك.. هو فعل حقا، هنا..
بتلك الليلة والصور تؤكد صدق كلماته "لم لا تتوقفين عن إشعاري بالذنب بكل مناسبة؟ لم لا تعترفين أن كلانا أخطأ وفشلنا بسببنا نحن الاثنان"
منعت الدموع.. لا ترغب بها "ربما أكون ساهمت بالفشل رحيم لكني حاولت إيقافه لكن أنت لم تفعل.. أنت اخترت إلقائي خارج حياتك بلا تفكير"
ظل متجهما.. يستوعب الحقائق "عدنان لم يكن أمر سهل تجاهله مهرة"
لم تغضب بل أجابت بهدوء "ولكنك لم تحقق به رحيم، أنت صدقته هو ولم تصدق أني لم أمنحه أي شيء.. ألم تسأل نفسك لماذا لم أرتبط به بعد طلاقنا؟ ألم يجعلك تصدق أن ليس بيننا شيء؟"
كان قد سأل نفسه ذلك مرارا ولكنه ظن أن بالأمر سر "أنتِ اختفيت وظننت أنه هو من أخفاكِ، كنت غاضب ولم أبحث"
هزت رأسها بلا وعي وقالت "اختفيت خوفا على الحمل.. عدنان حاول معي قبلها وطردته وكدت أهاتف الشرطة ليذهب، أنا كنت مخلصة لك"
الصدق هو كل ما رآه بنظراتها.. بكلماتها.. بنبرة صوتها..
أبعد وجهه.. كلمات نارا وقتها ترن بأذنه.. هي من جعلته يظن بها كل الظنون ونفخت بالنيران حتى توهجت وأكلت كل شيء
تلك المهرة كانت تمطره بكلمات عن الحب وهي زوجته لكن كل ذلك توقف.. انتهى.. مات وهو من صنع التابوت
توقفا والموسيقى تعزف فنهض وقال "لنرقص"
نظرت له بدهشة والجنون ليس من طباعه وعندما مد لها يده ظلت تنظر لها ولا تعرف متى منحته يدها ولا كيف استجابت له..
لكن..
ما عرفته حقا أنها استمتعت جدا وعندما تحولت الموسيقى لأخرى هادئة ظلا واقفين متواجهين.. بلا حركة رغم أن كل من حولهم كونا ثنائي
لحظة.. اثنان.. والعيون لا تفترق
باللحظة الثالثة كان يتحرك لها ببطء ويده تمسك يدها ليرفعها على كتفه ثم ذراعه تلفها وتجذبها له وهي تخدرت..
فقدت القدرة على أي شيء سوى الاستسلام..
حرارتها ارتفعت.. العرق بلل جسدها.. عطرها ارتفع له فجعله يغمض عيونه لحظة وهي تضع رأسها على صدره..
هل حقا هي هنا؟
مع الرجل الذي أحبته ولم تظن أن الأيام ستجمعهم مرة أخرى؟
لماذا لا تدفعه بعيدا؟ تخبره أن ذلك خطأ؟
لماذا تشعر بالسعادة لأن ذراعه تضمها بتملك وهي لا ترفضه؟
تسمع نبضات قلبه القوية كموسيقى تطرب الآذان.. أنفاسه تسقط على رأسها كنسمة رقيقة تداعبها بحنان
الهمس وصلها "سعيدة؟"
لم يعد بإمكانها الهروب "نعم، شكرا لكل ما فعلته لنا"
لم يبعدها بل زاد ضغطه عليها "ما زلتِ ترفضين وجودي؟"
كان عليها الاعتراف بعد كل ما فعله لهم "لم تمنحني فرصة لأفعل.. أنت ملأت حياتي.. أقصد حياتنا"
ودق قلبه من كلماتها.. أخيرًا تفتح له الباب وهو لن يترك الفرصة تضيع
صوته خرج همسا، يخترج جدران الماضي ويفتتها "أنا لم أعد أستطيع تركك تبتعدين عني مهرة.. لابد أن نتزوج"
لم ترد.. هي الأخرى لا ترغب بالفراق.. تعبت.. قاومت كثيرا لكنها تتهاوى والزواج هو الحل و..
ابتعدت فجأة..
المرض الذي دمر حياتها.. لقد نست
رأى الفزع بالعيون البنفسجية.. همس باسمها بحيرة والدموع هو كل ما واجهه
"مهرة..!؟"
تراجعت ببطء.. خطوة.. اثنان والدموع تهبط..
وأخيرا التفتت..
قدماها تتعثر ولكنها قاومت الضعف..
أسرعت..
لم تعرف هل كانت تجري أم تسابق المصير، ولكن عندما وضعت يدها على باب غرفتها كانت يده تمسك بها
كلاهم كان يلهث من الجري..
هي دموعها ومخاوفها تسيطر عليها وهو.. الحيرة والتساؤلات تثير جنونه
كانت طيعة بين ذراعيه.. تمنحه ما أراد أن يسمعه فما الذي تبدل بلحظة؟
لفها بقوة فالتصق ظهرها بالباب ورأت الغضب يطل من مقلتيه ومع ذلك احتفظ بنبرة صوته هادئة "ما الذي حدث؟ لماذا هربتِ هكذا؟"
هزات رأسها كانت بلا وعي.. دموعها منحته غضب فوق غضبه لعدم إدراكه سببها "مهرة لماذا تبكين؟ كنتِ تعلمين أني أصر على الزواج فما الجديد اليوم؟"
أظافرها حفرت بالباب.. جسدها يرتجف وكأنها بالقطب الشمالي..
قلبها يدق بفزع وجنون ولا يمنحها لحظة لاستنشاق هواء كافي
تعبت..
تعبت من ضياع الأمل بحياة سعيدة
"مهرة أجيبي، حالتك هذه تثير جنوني، هل هناك رجل آخر؟"
كان متأكد من الرد وهي تهز رأسها بالنفي فانحنى عليها دون أن يفلتها "إذن ما سبب كل ذلك؟ حالتك هذا تصيبني بالجنون"
بيد مرتجفة رفعت الهاتف فحرر ذراعها وهي تعبث به ثم منحته إياه.. عيونه ظلت تلاصق عيونها حتى تحركت نظراته ببطء للهاتف
حاول استيعاب ما يراه.. ما تلك الأرقام والكلمات و..
استوعب بالنهاية أنها نتائج تحاليل، مثل تلك التي يقوم بها كل عام كنوع من أنواع السلامة الصحية
خفت قبضته على ذراعها وهو يأخذ الهاتف محاولا فهم معنى التحاليل حتى عاد لها "ما هذا؟ أنا لا أفهم شيء"
دموعها الغزيرة لم تمنحها أي سكينة فهي لا تزيل السبب "لدي تاريخ مرضي بعائلتي.. ماما وخالتي ماتا ب.. كانسر"
ومرت رعشة قوية داخله.. حاول ألا يفكر بطريقة تؤدي للهاوية "وماذا؟"
لا يمكنها التراجع الآن "الصداع كان يؤرقني دائما والطبيب طلب مني فحوصات بسبب تاريخ عائلتي و.. النتيجة بيدك"
عاد للهاتف.. هل ما يسمعه حقيقي؟
لا..
صوته كان عميق "لا.. لا يمكن أن يكون ذلك صحيح"
لكنها كانت تبكي وهي تحاول منحه رد "بلى، التحاليل إيجابية"
هتف بقوة "كذب، سنجري سواها، هذا غير صحيح"
ثم ارتد لها..
أحاط وجهها الباكي براحتيه، الألم بعيونها يضاهي ألم قلبه..
صريخ من داخله تصاعد من فمه "أنتِ بخير هل تسمعيني؟ أنتِ لن يصيبك شيء، سنجري الفحوصات مرة أخرى وأخرى.. ستسافرين لأفضل البلاد ولكنك لن تتركيني هل تفهمين؟"
وجذبها له.. وهي تركت نفسها تنهار بأحضانه.. الآن بإمكانها الانهيار، الضعف، الحزن على نفسها
الآن تجد من تضع رأسها على صدره وتعلن عن سقوطها..
****
عندما جلست على طرف الفراش كانت متعبة.. البكاء أعاد الصداع وقلبها متعب هو الآخر..
تنهدت وعيونها تسقط على ابنتها النائمة.. الحقائب بجوار الفراش وبعد ساعات قليلة سترحل من هنا حيث عاشت أسعد أيام حياتها وربما لن تعيش مثلها مرة أخرى ..
هو طلب أن ترافقه لبيته وهي لم تعرف ماذا تفعل
ليس قبل الزواج والزواج نفسه ليس قبل أن تعرف أيلا الحقيقة وهي لا تعرف كيف تخبرها؟
الألم مزقها وهي تمرر أصابعها على وجنة ابنتها.. من حقها أن تعرف أن لها أب وهو من يسعى الآن لأن ينال محبتها
كما لا تعرف كيف يمكنها تقبل اختفاء أمها من حياتها؟
فتحت الصغيرة عيونها والتقت بعيون أمها الباكية "مامي، أنتِ تبكين؟"
مسحت دموعها ومنحتها ابتسامة حب "لا حبيبتي"
اعتدلت أيلا جالسة "مامي هل لابد أن نذهب؟ أريد البقاء"
أبعدت شعر ابنتها المتناثر حول وجهها بحب "لا يمكننا ذلك حبيبتي، الرحلة انتهت ولا تنسي أن العمل ينتظرنا"
الطفولة هي ما تتملك ابنة الثلاث سنوات وقلب الطفلة هش "مامي هل أبيه سيأتي لرؤيتنا مرة أخرى؟"
توقفت يدها على شعر ابنتها بلا حركة وقد فكرت أن الوقت حان لإعلان ما تم إخفائه "هل ترغبين بوجوده معنا؟"
هزة خفيفة من رأسها الصغير منح مهرة الإجابة ثم قالت "نعم"
لم ترد..
****
تقريبا صراعاتهم لا تنتهي وهو يسيطر على كل شيء حتى أيلا.. كل طلباتها أوامر له وتنفذ على الفور واعتراضها يذهب مع الريح..
السيارة أخذتهم من المطار وهاتفه لم يتوقف..
اعتراضها على الذهاب لبيته لم يفيد.. وهي توقفت عن جدالها معه أمام أيلا.. لن تفسد ما تم إصلاحه
البيت كما كان.. كانت تحبه حقا لكن ما زال يحمل أحزانها عندما انهار زواجهم
أيلا التصقت بها وهي تتأمل الفيلا الرائعة ولم تفهم شيء "مامي لماذا نحن هنا؟ ألن نعود لبيتنا"
كانوا قد دخلوا وأيلا تنظر لها تنتظر الرد ولكنه هو من أجاب "هنا بيتك فتاتي الجميلة"
التفتت أيلا له من بين يداي أمها دون أن تفلتها.. وهي ظلت ثابتة بمكانها.. لا تنظر له ولا تنطق بكلمة..
هما لم يتفقا على شيء بخصوص أيلا لكن.. العقل يفرض نفسه..
توقف أمامهم وثبتت عيونه على مهرة للحظة ومهرة كانت صامتة.. ثقل خاتمه بإصبعها يذكرها أن ما يفعلونه هو الصواب..
عدم تخليه عنها عندما عرف بمرضها جعل مشاعرها مرتبكة
نزل لمستوى الفتاة وعيونها تقف عليه بتساؤل يليق بعمرها "أخبرتني أن صديقتك بالحضانة لها أب أليس كذلك؟"
لم يكن ليتراجع.. هو يرغب بذلك.. جمع شتات أسرته التي كان سبب بضياعها
الفتاة هزت رأسها بالموافقة بلا كلمات وهو ظل ثابتا أمامها "وأنتِ؟ ألا تتمنين أب مثلها؟"
سؤال الفتاة التالي ضربهم بمقتل.. جعلهم يتساءلون عن تلك الصغيرة ومدى قدرة عقلها على الاستيعاب "هل أنت والدي!؟"
رفع وجهه لمهرة التي كانت تقاوم الدموع.. لم تتحدث.. لم تعلق على سؤال ابنتها فما كان يفعله هو مع الفتاة لا يصدر سوى من أب عاشق لابنته وقلب الصغيرة أدرك ذلك
لم يفكر وهو يجيب "هل ستغضبين لو كنت والدك"
هزت رأسها الصغيرة بتردد… عيونها بينه وبين مهرة… كأنها تبحث عن الإجابة بينهما هما الاثنين معًا
"لا أعلم"
الكلمة خرجت بريئة… لكنها كانت كفيلة بأن تزلزل الاثنين
مهرة تنفست أنفاس عميقة بصمت، قلبها انقبض، لا تعلم هل ستتحمل طفلتها شيء كهذا؟
هذه هي اللحظة اللي كانت تخاف منها طول الوقت
أما هو، فكان ثابتا… لأول مرة يفقد سيطرته الكاملة، لكن رغبته بإكمال الأمر كانت أقوى من أي تردد
مد يده بهدوء وأمسك كفها الصغير بين كفه الكبير وخرج صوته خافتا لكن يحمل حنان الأب ورجاء من رغب بشيء وتمنى تحقيقه
"أنا أتمنى أن أكون، لو وافقتِ أنتِ"
رفعت عيونها الحائرة له، تدقق في ملامحه بطريقة عفوية تناسب عمرها الصغير وكأنها تحاول تفهم الإحساس الذي يسكنها
ثم همست بتردد "هل هذا يعني أنك ستبقى معي؟ لن ترحل مرة أخرى؟"
السؤال كان سكين في قلب مهرة و.. قلبه.. كلاهم السبب بما حدث لتلك الفتاة.. كلاهم يحمل ذنبها
قبل أن يفتح شفاهه ليرد، خرج صوتها أخيرًا، ضعيفًا، لكنه حاسما "أيلا.."
رفعت لها الصغيرة رأسها فورًا وكأنها تنتظر منها المساعد على تخطي الأزمة التي تمر بها
ومهرة أدركت ما تمر به ابنتها، ولن تتركها وحدها، نزلت لمستواها، أمسكت وجهها الشاحب بين يديها وعيونها ترتجف "هل تذكرين اسمك؟"
اهتزاز رأسها بخفة عنى نعم فعادت مهرة تقول "أيلا رحيم.. "
وأكمل هو بصوت مرتجف "هو أنا رحيم أيلا، أنتِ ابنتي"
لفت وجهها له، هي فيما بينهم حتى ثبتت على والدتها التي هزت رأسها بالموافقة "نعم حبيبتي، هو والدك"
عادت أيلا له.. عيونها التي تشبه عيونه، تحدق به ملامحها لا تمنحه أي شيء ولا تُطمئن قلب الأم الخائف على ابنتها
بصوتها الصغير سألته "حقا أنت بابي؟"
لم يتحرك وكأن جسده تخدر، فقد القدرة على الحركة أو ينتظر من صغيرته الإذن بالحركة "نعم"
صمت ثقيل مر والطفلة لا تتحدث ثم فجأة قطعته بنفس الصوت "مامي بائع اللعب بابي؟ هذا يعني أنني سيكون لدي لعب كثيرة أليس كذلك؟"
تراجع الاثنان من تفكير الصغيرة ومهرة تمسح دموعها وتبتسم لابنتها "هو ليس بائع لعب حبيبتي"
هو من تحدث "لكن سأشتري لكِ كل الألعاب التي ترغبين بها وسنلعب بها سويا"
صفقت بيديها فجأة وهي تضحك "رائع، ونذهب الملاهي التي أراها بالهاتف؟ ونعود للألعاب المائية؟"
هز رأسه وهو يتنفس بقوة متجاوزا تلك اللحظة التي كاد يفقد فيها أنفاسه "كما تأمرين أميرتي"
التفتت لمهرة "مامي سيكون لي أب مثل كل البنات وسيأتي معي النادي ويضعني على الألعاب"
التفتت له بعيونها الجميلة "أنت طويل جدا يا أبيه.. "
رفع أصابعه على شفاها الصغيرة "بابا.. أنا بابا أيلا"
نظرت لمهرة وسألتها "مامي هل أناديه بابي؟"
دموعها لا تتوقف.. الأحزان لا تتركها رغم أنها سعيدة بسعادة ابنتها "نعم أيلا، ناديه بابي"
التفتت له "حسنا بابي، أنا أرغب بدبدوب كبير بهذا الحجم" وفتحت ذراعيها على آخرها وأكملت "وبيت العروسة بكل ما به وفساتين كثيرة لي، مامي لا تشتري لي سوى البنطلونات، كما أرغب بهاتف مثل هاتف مامي ليكون لي، هل لديك مال يكفي كل ذلك أم ستخبرني العكس؟"
للحظة ظل جامدا يستوعب طلباتها ثم ضحك فجأة "لدي ما يكفي طلباتك أميرتي"
صفقت بيداها وهتفت "رائع، أنت أجمل بابا بالدنيا"
وتراجع من جسدها الذي اندفع له بلا مقدمات وهو أصيب بالجمود لوهلة قبل أن يلفها بذراعيه وعيونه تلتقي بعيون مهرة التي ارتاحت لتقبل ابنتها الأمر هكذا
وشد على طفلته بذراعيه وهو يغمض عيونه.. يستنشق عطرها اللطيف، ذراعيه لا تفلتها وكأنه خائف من أن تضيع منه لو أفلتها
لا يمكن وصف رد فعل الفتاة بالغرفة التي أصبحت لها.. رجاله أعدتها وهم بالغردقة، بها كل ما يناسب فتاة بعمرها وهي ظلت تقفز هنا وهناك تفحص الألعاب المرصوصة
ترتد لخزانة الملابس التي ازدحمت بكل ما حلمت به.. قفزت فوق الفراش الرائع وهي تضحك وعروسة رائعة بين ذراعيها
هو وقف عند الباب، مستندا بكتف على حافته ويداه بجيوبه وابتسامة جذابة ملأت فمه لسعادة ابنته التي كانت تهتف بسعادة "كل هذا لي؟ مامي سأنام هنا؟ هل رأيتِ كتب التلوين؟ والألوان؟ بابي عرف أنني أحب الرسم"
سعادتها جعلتها تنسى كل أحزانها وهي تراقب فرحة ابنتها "نعم حبيبتي ربما تكونين مثل والدك فهو يرسم ببراعة"
ورفعت عيونها له ولمعت عيونه لها وأيلا تقول "حقا بابي"
تحرك للفتاة التي ظلت واقفة على الفراش "أرسم ملابس فقط أيلا"
جلس على طرف الفراش فجلست مثله بمنتصف الفراش وقالت "ستعلمني إذن؟"
أبعد خصلات شعرها الطائشة "إذا رغبتِ سأفعل بالطبع"
وافقت برأسها وهي تنظر لمهرة "مامي هل بابي سيعيش معنا هنا؟"
لم تجد فرصة للرد وهو يجيب "بالطبع.. مامي وأنا وأنتِ سنعيش معا للأبد، وسيكون لديكِ مربية خاصة وكل ما تتمنين كما اتفقنا"
دقات على الباب جعلتهم يلتفتوا لمديرة المنزل، مهرة تعرفها بالطبع "آسفة للإزعاج ولكن.. "
لم ينهض ونظراته ترحل لها ومهرة المثل "حضرتك لا تجيب الهاتف ومسلم يبحث عنك، يقول الأمر هام"
نهض واقفا "الهاتف بالجاكيت بالأسفل، أميرتي هل تسمحي لي بالذهاب" ومنحها حركة مسرحية
نهضت واقفة تتجاوب معه "نعم، سأسمح لك لكن بشرط"
أحنى رأسه "أميرتي تأمر وأنا أنفذ"
رفعت جسدها بحركة كالأميرة "أنت من عليه قصة اليوم وليس مامي"
لف وجهه لمهرة التي تحركت لها "حبيبتي ألم تسمعي أن هناك عمل هام ينتظره؟ لنمنحه اليوم سماح"
لانت ملامحها ولكنها عادت وقالت "أحتاج لهدية"
ضحك من قلبه وقال "أمرك مطاع، هل لي بقبلة"
هزت رأسها فانحنى لها ولكنها لفت ذراعيها الصغيرة حول عنقه ورقص قلبه وهو يضمها له
ما أن نزل حتى توقف بمنتصف البهو عندما رأى والدته تلتفت لتواجهه وملامحها تنم عن سبب وجودها وهي نادرًا ما كانت تفعل
"ماما!؟"
تحركت بخطوات تعبر عما داخلها لتقف بمواجهته وعيناها تنبض بجمرة نيران مشتعلة "كيف تجرؤ على فعل ما فعلته بالغردقة؟ أنت تتحداني رحيم؟ تظهر بها هكذا على الملأ وتضع خاتم بيدها؟ تبقى أن تخبرني أنك.. "
قاطعها بصوته العميق والهادئ "نعم.. سأتزوجها"
وابتعد لجاكته وجذب منه السجائر وهي تتبعه "رحيم هل تدرك ما تفعل؟ أخبرتك أني لا أقبل بها"
نفخ الدخان ولم ينظر لها وهو يجيب "وأنا أخبرتك ألا تعيدي الأمر مرة أخرى" والتفت لها وأكمل "لأن قراري لن يتغير"
الغضب زاد أضعاف، دفعها للجنون، صوتها ارتفع والاعتراض يظهر بكل نفس من أنفاسها "تلك الفتاة عرفت جيدا كيف تخدعك، لديك المئات من بنات العائلات اللاتي يلقن بنا، لا تنزل بنا لهذا المستوى"
رفع رأسه ليرى مهرة تقف بمنتصف السلم ونظراتها جامدة وصوت أمه يعود ليكمل "تلك الفتاة.. "
عاد لأمه "تلك الفتاة هي من اخترتها، لماذا تكررين نفس الكلمات وأنتِ تعرفين النهاية؟"
أشاحت بيداها "لأنه لابد من أحد يوقف جنونك هذا؟ أنت كبير عائلة العزازيري وعليك مسؤولية الحفاظ على مكانة الاسم"
لم يعود لمهرة وهو يجيب "ومكانة الاسم لن تهتز لأني أعيد زوجتي التي أريدها ماما"
وابتعد راغبا بإنهاء ذلك الأمر والتفتت أمه لترى مهرة فهتفت "هو أنتِ سبب كل ذلك، أنتِ من يرغب بهد عائلتنا، هل عدتِ لتنتقمي؟"
نزلت لتواجه فلم تعتاد الهروب وتوقفت أمامها "أنتقم بماذا مدام؟"
رفعت عنان رأسها وهتفت "بتدمير اسم رحيم عندما يلتصق اسم فتاة من الشارع باسمه"
هي من أجابت بقوة "أنا لست من الشارع، كان لي أب وأم وأنا نفسي صنعت نجاحي بنفسي ولم أحتاج لأحد، توقفي عن تلك الأوهام مدام"
أشاحت المرأة "ليست أوهام، كل ما أنتِ عليه لا شيء بجوار اسم العزايزي، أنتِ لا شيء، مجرد نكرة، طامعة، متسلقة، هل تسمعيني؟ أنتِ لا شيء، لا شيء"
صراخ أيلا أوقف المرأة "توقفي.. لا تصرخي بمامي"
والتصقت أيلا بمهرة التي انتفضت لرؤية حالة ابنتها فحملتها "أيلا حبيبتي اهدئي"
عنان تراجعت والمفاجأة ألجمت لسانها ومهرة تهدأ أيلا وعنان تهمس "مامي.. "
باللحظة التالية كان يطفئ السيجارة ويتحرك لهما "أيلا لم يحدث شيء"
بكاء الطفلة كان يؤلمه ويؤلمها وعنان لم تظل صامتة "من.. من تلك.. الفتاة؟"
انتبه لأمه "كفى ماما، ليس الآن؟"
هتفت بلا تراجع "بل الآن؟ ستأخذ طفلة لا أصل لها لمجرد أنك تريد أمها؟"
الغضب انتصر عليه وصوته خرج مخيف "قلت كفى"
الطفلة انزعجت من الأصوات "بابي أنا خائفة"
التفت لابنته.. ربت عليها وهي بأحضان مهرة وهمس بحنان "لا تخافي أميرتي، بابي هنا"
عنان تراجعت خطوة وهي تردد بأنفاس متقطعة "بابي؟ هي.. لا.. لا يمكن"
يده ربتت على الصغيرة ومهرة تمنحها كلمات تهدئ منها "حبيبتي اهدئي، نحن هنا معك"
صوت عنان وصله، ضعيف، متخاذل "رحيم أجبني؟ هل هي ابنتك"
التفت لها والتقى بنظراتها الفزعة وأجاب "نعم ماما، أيلا ابنتي، وأنتِ جدتها"
انتبهت الصغيرة ونظرت لعنان ودموعها كثيرة "بابي هل لديك ماما مثلي؟"
التفت لطفلته "نعم أميرتي، الجميع لديه ماما وهي أمي، جدتك"
لكن عنان هتفت بلا تفكير "لا، أنا لست جدة أحد"
تراجعت مهرة، تقبض على ابنتها التي حدقت بعنان وقالت "والدتك جميلة بابا لكن ليست أجمل من مامي، مامي هل يمكن أن أمنح جدتي قبلة؟"
تجهم وجه مهرة، رحيم حدق بابنته بلا وعي وعنان جمدت مكانها أمام مهرة فضاعت منها الكلمات..
لم تعرف بماذا تجيب سؤال ابنتها التي تملصت بين ذراعيها "مامي من فضلك دعيني أمنحها قبلة ربما تكف عن الصياح"
تركتها..
عنان لا تتحرك بل ثلاثتهم ثبتوا بمكانهم.. ينتظرون الصغيرة التي تسقط سحرها على كل من يراها
نزلت نظرات عنان على أيلا.. عيونها تنتمي لابنها.. شعرها.. هي تحفظ ملامح ابنها عندما كان بعمرها والفتاة تكاد تكون نسخة منه لكن..
تظل ابنة مهرة..
الفتاة هي من هزم الصمت "تاتا، من فضلك انزلي كي أمنحك قبلة"
تلك دموع حقيقية التي ظهرت بعيون عنان.. هل حقا ابنها الذي تعيش لترى أولاده لديه طفلة بالفعل؟ وهي من تناديها تاتا؟
عاد الصوت الصغير "تاتا هل تنزلي؟"
لكن عنان تراجعت وقلبها يدق بقوة لكن عقلها يأبى عليها الاستسلام "ابتعدي عني أنا لست تاتا، أنا لست جدتك"
ورفعت وجهها لهم والقسوة اختلطت بالحيرة "اسمعي أيتها المخادعة، لعبتك هذه لن تمر على امرأة مثلي، لو ظننتِ أن بإظهار طفلة يمكنك الحصول على رحيم وعلينا جميعا فأنتِ مخطئة، رحيم كيف تصدقها؟ تلك الفتاة ليست ابنتك"
أيلا من تحدث وهي تحاول أن تفهم "لا تاتا، بابا هو بابا.. ماما أخبرتني أنه بابا وأنا اسمي أيلا رحيم وأنتِ تاتا"
وبدلا من أن تربت الجدة على حفيدتها التي تمنتها، أو تتراجع أمام طفولتها البريئة، كان الجنون هو رد فعلها..
صفعت الفتاة..
وصرخت مهرة..
وانتفض قلب رحيم..
وبكت الفتاة..