تحميل رواية جامحه بقلبه بقلم داليا السيد pdf
بقلم داليا السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ جامحه بقلبه بقلم داليا السيد.
الفصل 11
رواية جامحه بقلبه بقلم داليا السيد
أنا لم أرفضك
أغلقت باب الغرفة عليها وألصقت رأسها به وما زالت تبكي.. وكل ما حدث يلف داخل عقلها كشريط سينمائي يعرض أمامها..
أن تهينها هي، تلصق بها كل تهم الدنيا، فهذا جائز.. أن تقف بزواجها من ابنها فمن حقها كأم
لكن..
أن ترفع يدها على ابنتها الصغيرة فهذا ليس من حقها ولن تقبله
التفتت وظهرها التصق بالباب ونظراتها سقطت على طفلتها التي نامت من البكاء، وما زالت ترى ما كان والألم يمزقها على ابنتها التي لن تنال سواها ولن تستمتع بها إلا أيام معدودة..
أغمضت عيونها لتستعيد ما كان..
الصفعة نزلت بقلبها وأيلا بكت وقبل أن تتحرك لابنتها كانت ابنتها تهرع لها "مامي.. "
واحتضنتها.. رفعتها بين ذراعيها، فتحت أحضانها لقرة عينيها ونزلت لها تضمها بقوة
بينما صوت رحيم خرج مخيف "ماما.. "
التفتت عنان له بغضب "اسمع رحيم، لو ظلت تلك الفتاة وابنتها بحياتك فأنا لن أعرفك بعد اليوم"
الغضب سكن مقلتيه وتلونوا بالأحمر وصوت بكاء ابنته يحرق قلبه "مهرة، خذي أيلا واصعدي للأعلى"
رفعت وجهها الغاضب له ورأت النيران تشتعل على وجهه رغم أنه لم ينظر لها وبالطبع لن تبدأ حربها معه أمام تلك المرأة المتحجرة القلب
وما أن تلاشت حتى هتف بأمه "ما حدث الآن لن يتكرر مرة أخرى ماما"
لم تتراجع أمامه "وإلا ماذا رحيم؟ أنا لن أعترف بتلك المرأة وابنتها أبدا وأنت لن تتزوجها"
صوته خرج محملا بكل الجنون "لا أحد يخبرني ماذا أفعل من عدمه.. لكِ الحرية بالرفض أو القبول فهذا شأنك لكن حياتي أنا فقط من يملك حق تقريرها"
لم تتراجع فهي امرأة قوية وربما هو استمد جيناته الأكثر منها "وتفشل مرة أخرى ووقتها نارا لن تسامحك"
أشاح بيده "نارا لا تمر على ذهني بالمرة، أنا لن أتزوجها وهذا قرار نهائي"
تراجعت بلا تصديق "لكن هي الأفضل لك"
أشعل السيجارة وقال "هذا رأيك"
تحركت له.. تحاول مرة أخرى "رحيم، عائلتنا لن تقبل بتلك المرأة.. أنت تبدأ عداء مع الجميع"
رفع رأسه وقال "للمرة المليون ماما، هي حياتي ولا أحد له دخل بها" والتفت لها لينهي الحوار "زفافي على مهرة غدا، هذا قرار لا رجعة فيه"
الغضب عاد مرة أخرى "كيف تفعل ذلك؟ كيف تثق بامرأة مثلها؟ ألا تشك أن تلك الفتاة ليست ابنتك؟"
مال عليها.. نظراته حملت الوعيد "ولا كلمة أخرى ماما، مهرة ستكون زوجتي وأيلا ابنتي ولن يتجرأ عليها أحد مرة أخرى.. حتى ولو كان أنتِ ماما"
وتركها وتحرك مبتعدا فقد انتهى الحديث بالنسبة له ولم يعد لديه شيء ليخبرها به
عندما فتح باب غرفة أيلا وجد الفتاة نائمة ومهرة تقف عند النافذة، ترى عنان وهي ترحل بالسيارة ومن داخلها كانت تدرك أن تلك المرأة ستدمر حياتها لو استطاعت
"هل هي بخير؟"
همسه أفزعها وجعلها تبتعد عن أنفاسه الحارة بجوار أذنها وعندما التقت بنظراته أدركت كم كان يسكنهم الألم..
أبعدت وجهها دون أن تجيبه فعاد وقال "هل نذهب لنتحدث؟"
لفت وجهها له مرة أخرى وهي بالفعل لابد أن تتحدث، تضع نهاية لكل ذلك
التفتت وتحركت خارجة والعصبية تسكن كل خطواتها وهو راقبها متفهما حالتها
تحركت لتنزل وتضع نهاية لكل الاهانات التي لا تتوقف بسبب عودته لحياتها فقد تعبت منها لكنه قبض على ذراعها "من هنا مهرة"
كان يقصد غرفتهم القديمة وهي فهمت، لكنها نفضت ذراعها من يده والتفتت ورأى احمرار عيناها.. ليس من البكاء بقدر ما هو من الغضب
صوتها خرج قوي، ثابت "لا يهم أين رحيم لأن بانتهاء حديثنا هذا سأرحل أنا وابنتي"
كان يعلم أنها ستطالب بذلك، حاول أن يظل باردا.. كفاه ما ناله من أمه حتى الآن، مال عليها وأخفض من صوته لكن نظراته ظلت تلاحق عيونها
"لن يرحل أحد من هنا مهرة"
لكنها لم تسمح له بالتسلط مرة أخرى "ولن أبقى بمكان لا يمكنني حماية ابنتي فيه"
صمت.. مواجهة الحقيقة دائما ما تصدم صاحبها رغم أنه يعلمها جيدا "لا أحد يمكنه حماية ابنتي وحمايتك سواي"
التحدي ظهر بكل ملامحها وكلماتها والظلام خيم على الأجواء..
ليس ظلام النور، بل ظلام الحزن والخوف.. والألم "بصفع والدتك لابنتي؟ ابنتي التي لم أرفع حتى صوتي بوجهها وليس يدي؟"
مرة أخرى صمت.. لا يوجد رد
لكن هي لم تصمت.. طفح الكيل "إلى هنا وكفى رحيم، أنا تحملت الكثير منك ومنهم.. إهانة، كسر، طلاق لكن لن أسمح لأي أحد أن يقترب من ابنتي بهذا الشكل"
ضاقت عيونه من كلماتها..
فقد كلماته أمام كل ما صرحت به ولمس حياتهم معا ولم ينكر أنها نجحت باستفزازه "ولا أنا مهرة، لن أسمح بأن يتكرر مرة أخرى"
ضحكت بسخرية موجوعة وهي تبتعد وتشيح بيدها "مرة أخرى؟ ماذا يعني مرة أخرى؟ هل ما حدث، حدث وانتهى هكذا؟"
تبدلت نبرته للأقوى، من صدر منها الفعل أمه، لن يمكنه رد الصفعة ولن يمكنه الانتقام بشكل يناسب ما حدث لابنته "قلت لن يتكرر.. "
التفت لتمنحه مواجهة دفعته للخلف بلا لمسات، فقط نظراتها كانت حادة وقوية، تحمل غضب السنين "وأنا لن أبقى حتى أرى إن كان سيتكرر أم لا"
وتاهت الكلمات بين التحديات والغضب.. وهي أكملت بإصرار وقوة "أنا راحلة، لن أبقى لا أنا ولا ابنتي"
تحرك ناحيتها.. خطوة وراء الأخرى ببطء مثير للأعصاب "لن يرحل أحد من هنا"
رفعت وجهها الملطخ من آثار البكاء والألم "حاول أن توقفني"
قبض أصابعه بجواره رافضا الانجرار وراء تحديها.. رحيم العزايزي لم يكن ليتراجع أمام أحد، لكن هي وابنته ليسوا أحد
هم عائلته.. الوحيدة
"مهرة لا تتحديني، تعرفين أني لا أحب ذلك، لا أجادل بأن ما حدث كان خطأ ولكني وعدتك بأنه لن يتكرر وإلى هنا وانتهينا"
لكنها لا تتراجع.. مدفوعة بإحساس الذل والإهانة الذي تصر عنان على إشباعها به "لا رحيم، لم ننتهي، لأن لا والدتك ستتوقف ولا نارا ستتراجع عنك ولا العالم سيقبل بي بحياتك ولا أنا سأتحمل كل ذلك"
والتفتت لتبتعد لكنه أوقفها بقبضته ولكن تلك المرة جذبها له.. اصطدمت العيون، اختلطت الأنفاس القوية والعناد ارتفع داخله فلن تهزمه امرأة
"لا تقللي مني مهرة لأن ذلك يغضبني وأنتِ تعلمين غضبي جيدا"
رفعت وجهها له بتحدي "وأنا لم أعد أخاف رحيم، ليس لدي سوى ابنتي ولن يوقفني شيء عن حمايتها"
احنى رأسه ليصل لوجهها ولانت نبرته "وهي ابنتي أيضا وأنتِ واثقة جيدا أن لا أحد سيحميها ويمنحها أفضل حياة سواي، لنتوقف هنا مهرة"
تحركت عيونها على عيونه وقلبها ينبض بقوة وأنفاسها الغاضبة تختلط بأنفاسه القوية
"أنا أريد بقائك مهرة، برغبتك.. وليس غصبا"
ابتلعت ريقها.. هذا القرب يدمرها.. يضعفها.. يوهن قدرتها على المقاومة "أنت قلتها رحيم.. والدتك، أي لن.. "
رفع إصبعه لفمها، توقفت وهو أكمل "قلت لن يتكرر"
وسكت لحظة وما زالت نظراتهم متصلة وهو يكمل "وهي ليست جملة وانتهت، هذا قرار"
رفعت ذقنها بعناد واضح لم يعرفه بها، هو فقط عرف الطيش، الجنون وتهور فتاة صغيرة
"وأنا لست مستعدة لأراهن على قراراتك أنا قد لا أعيش كثيرا.."
ذكرته بما رغب بأن ينساه وما زال يتجاهله "وأنا لا أطلب منكِ رهان"
واقترب أكثر، يدرك تأثيره عليها "أنا أخبرك الحقيقة.. وجودك هنا لم يعد اختيار مؤقت مهرة"
وأضاف بوضوح صريح وقاطع "هنا مكانك.. بيتك"
لكنها ما زالت تقاوم ولو بضعف "لا، مكاني أنا من يحدده"
لم يجادلها "حددي ما شئتِ.. لكن ليس بعيدا عني"
ضاعت الكلمات.. الجملة أصابتها بمكان ما أضعفها أكثر..
رفع ذقنها بأصابعه لتواجه عيونه الجذابة وهمس بصوت قاتل لكل مقاومتها "أنا لن أدعك ترحلين من حياتي مرة أخرى، لا أنتِ ولا أيلا، ولن أسمح لأحد بأن يقترب منكم مرة ثانية"
هذا القرب.. تلك الأنفاس.. اللمسة
أنت تدفعني للهاوية يا رجل.. ترفعني للجنان ويا خوفي من ذلك
"حتى والدتك؟"
ثانية مرت من الصمت بلا قطع اتصال العيون.. ولا الأنفاس حتى قالها.. بثبات
"حتى والدتي"
واهتز شيء داخلها..
تنفست وهو يشعر بها..
يدرك كل رد فعل منها، يعلم مخاوفها بسبب مرضها وهو نفسه خائف لكن هو لا يستسلم
لم يتوقف بل أكمل "والزواج سيتم رغما عن الجميع.. لكن ليس رغما عنكِ، بل عمن تعرفينهم جميعا لأنه الحل الوحيد لحمايتك وحمايتها"
قلبها دق أكثر وأكثر.. الجملة تصيب الحقيقة التي كانت تحاول الهروب منها وهو لا يمنحها فرصة وهو يحاصرها بلا رحمة
"ولأن هذا هو ما أريده"
كانت قد ضعفت.. سقط قناع القوة عنها بلا مقاومة "رحيم أنا قد لا أعيش لذا أنا أخاف عليها.."
رفع يداه لوجهها.. أحاطهم بحنان ومنحها دفء وقوة بلمسته "لن تموتي مهرة، ما أن ينتهي الزواج ويصل طبيبك سنجري الفحوصات وسنحارب بكل قوتنا، أنا لن أفقدك مرة أخرى مهرة، لن أفقدك"
وجذبها له.. احتضنها بقوة وهي تخطت ما كان بثقتها بوعده لها وإدراكها أنه على حق..
لا أحد سيحميهم سواه
****
بالصباح تبدل كل شيء..
مع ازدحام الفيلا بأشخاص غريبة وأضواء تعلق هنا وهناك، لم يكن هناك مجال لأي ذكر لما كان بالأمس
حتى أيلا.. نهضت بنظرة مختلفة ليوم جديد..
هربت من التحدث عما حدث بالأمس ومهرة أيضا لم تذكره..
مهرة حاولت منح ابنتها تفسير لزفاف تأخر سنوات..
ما معنى أن يكون لها حفل ولديها طفلة بالثالثة من عمرها؟
لكن كل ما اهتمت به أيلا هو المرح هنا وهناك.. أخذت قلوب كل الموجودين ببراءتها وكلماتها التي تمس القلوب وتأخذ العقول ومربيتها لا تتركها..
المرأة أخذت تعليمات مشددة من رحيم وتهديد خفي لو أصاب الفتاة شيء فلن يرحمها..
الفستان انتصف الفراش.. لم تراه من قبل بأي مجموعة من مجموعات الأزياء التي كانت تتابعها عبر الانترنت..
لكنها رأت اسم العزايزي جروب على الكيس الخاص به..
امرأتان طلبا الإذن لرؤيتها.. مختصتان التجميل..
واستسلمت لكل تلك الأجواء وكأنها فاقدة للوعي..
لكن بجزء من عقلها ما زالت تحمل الخوف من مصيرها الذي تخفيه لها الأقدار..
****
لم يمكنه تجنب متابعة ما تم بغيابه بالعمل لذا مكتبه استقبله وهو لم يمرر لحظة دون متابعة كل كبيرة وصغيرة كعادته حتى..
"كان لابد أن أراك طالما لا تجيب اتصالاتي"
رفع وجهه ورأى نارا تقف عند الباب ومن خلفها السكرتيرة ونظراتها تنتظر أوامره وبعد وهلة منحها نظرة جعلتها تتراجع وتغلق الباب خلفها
نارا تحركت للداخل وهو تراجع بالمقعد جاذبا سيجارة لفمه وقداحته اشتعلت بلهيب يشبه النيران الواضحة تحت نظرات نارا
"من الواضح أنك أخرجتني تماما من حياتك"
نفخ الدخان وأجاب بهدوء "لم يمكنني منحك ما تستحقين نارا.."
جلست أمامه.. ساقا فوق الأخرى وكأن الأمر بسيط وليس محرقا لقلبها وأحلامها "وهي تستحق؟"
سيجارته امتصت كلمات مزعجة كاد ينطق بها لكنه استكفى بكلمة واحدة "ربما"
أبعدت وجهها عنه وهي تقول "كما وأن ابنتك تستحق"
ولفت وجهها له.. تلتقي بدخانه ومن خلفه عيون مظلمة لم ترى شيء من خلالها "كان علي أن أعرف بذلك اليوم، لكنت تفهمت رغبتك بعودتك لأمها"
ظل صامتا وقت مر ثقيل بينهم والنظرات لا تفترق.. ربما هي لا تتحدث بوضوح لكنه لا يشعر بالراحة تجاها "لا أظن الأمر أصبح يعنيك نارا، كلانا لم يعد على نفس الطريق"
تجهمت للحظة.. شعرت برغبة بالصراخ بوجهه لكن سرعان ما تراجعت "هذا بالنسبة لك رحيم، لكنك أيضا تعلم أني لم أحب سواك وكل ما يخصك يشغلني"
نهض وهو يدهس السيجارة ولم ينظر لها أو يمنحها اهتمام بكلماتها بل تحرك لمشروبه وسكب قليل منه بالكوبين وعاد لها..
نهضت.. قبضت يدها على يده الممسكة بالكوب وعيونها ثابتة على عيونه وهو لم يهتم بيدها
وهي ظنت أن قبول لمستها له معنى "لم لا تأخذ منها الفتاة وتبعدها عنك؟ يمكنني أن أساعدك بتربية الفتاة وأنا زوجتك"
أفلت يده من يدها تاركا الكوب بيدها ولكنه لم يفلت عيونها "ومن تحدث عن رغبتي بفصل ابنتي عن والدتها؟"
كانت تصارع نفسها بالبقاء هادئة أمامه.. تصارع غيرتها، جنونها من هزيمتها من امرأة كمهرة "أنت لست جاد رحيم؟ لطالما أخبرتني أنها لا تليق بك"
انحنى عليها وصوته انخفض بطريقة أخافتها "أنا لا أذكر أني فعلت ذلك سوى مرة واحدة، عندما كنت فاقد للإدراك بسبب الشراب وبعد انفصالي أنا وهي"
وابتعد وهو يأخذ رشفة من المشروب "حتى لو، هذا لا يمنع أنها الحقيقة، رحيم لا تهد ما بيننا مرة أخرى بلحظة طيش جديدة"
التفت لها.. الرمادية تلونت بالأسود ولم تمنح نارا أي معاني خفية داخل صاحبها "نارا لا داعي لنتطرق لأمور قد تؤلمك أكثر"
تحركت وخطواتها كانت تضرب الأرض بقوة واضحة، تسقط بها جنونها.. غيرتها.. غضبها وسخطها من امرأة سرقت حلمها مرة وعادت لتفعل مرة أخرى
"إذن لا تفعل رحيم، لا تؤلمني بما تعلم أنه يدمر سعادتي وسعادتك"
مال تجاها وحتى الآن كان يحاول المحافظة على مشاعرها.. يشعر أنه ظلمها مرة واثنان "زواجنا كان سيكون الألم الحقيقي نارا، لو كنت أجد سعادتي به لما تراجعت عنه"
الجنون يتزايد داخلها، الألم أيضا يزيد خطوة بخطوة معه وهي تحاول التماسك "وسعادتك معها؟ رحيم إنها نفس الفتاة التي.. "
رفع الكوب بينهم وهو يقاطعها "لا.. هي ليست نفس الفتاة التي كنت أراها، كانت امرأة لم أجيد رؤيتها جيدا والآن فعلت وأريدها"
وتحرك ليبتعد وهي لم تتحمل، رفعت المشروب لفمها وتناولته كله مرة واحدة حتى أحرق صدرها وترنحت قليلا حتى تماسكت
رائحة السجائر عادت بالغرفة وهي تلتفت له "نزوة جديدة"
ترك الكوب وقال "لم أعد ذلك الشاب الطائش نارا لأخوض نزوة جديدة بابنة ثلاث سنوات ولا مع امرأة مثل مهرة"
استدارت له.. انفلت الزمام منها.. انهار جبل الثلج وصدر صوتها معبرا عن غضبها "ماذا بها ليس بي رحيم؟ هو أنا من أملك المال والجمال وعائلة و.. أحبك"
تجهم وجهه للحظة وهو يرى الألم على وجهها
تحرك لها ورفع يداه لذراعيها وتبدلت نبرته "نارا ما بيننا لم يكن حب بأي يوم، كان ارتباط عائلتين وأولاد نشأوا معا، لو كان حب لما أمكنني رؤية امرأة سواكِ، ما بيننا لم يكن حب بأي يوم.. ولو كان لكنتِ مكانها اليوم"
دموعها استقرت على وجنتيها وصوتها خف من الألم "كدنا نتزوج رحيم.. خطوة واحدة فصلتنا عن الزواج، هي السبب"
مال عليها بتفهم "حتى لو نارا، فمن الأفضل أنه حدث قبل أن نتزوج وتدمر حياة كلا منا"
بكت.. اليأس من كلماته هو ما وصل لها.. نفخ بقوة وهو لا يجد كلمات "نارا لا تجعلي الأمر أصعب مما هو"
كانت ضائعة، يائسة، متألمة..
حبها له لعنة أصابتها منذ الصغر ولا شيء يمكن فك لعنتها سوى زواجهم لكن.. "حسنا رحيم.. تزوجها ولكن لنتزوج نحن أيضا.. أنا أوافق، فقط دعني بحياتك"
أبعد يداه عنها وكلماتها صدمته.. لا يصدق أنها تطلب منه ذلك.. لا يمكن أن يفعل ذلك
ابتعد.. منحها ظهره والسيجارة تحترق بين أصابعه وهي لا تتوقف "فقط تمنحني فرصة ربما أنجح بجعلك تحبني"
لم يرد..
السيجارة انتهت بالمطفأة ويداه سكنت بجواره وعيون مهرة هي كل ما وقف أمامه الآن.. هو لا يتخيل امرأة أخرى سواها بحياته
للحظة رآها وهي تكتشف أنه تزوج نارا عليها..
أغمض عيونه ولكن رأس نارا التي استقرت على ظهره جعلته ينتبه وصوتها المتألم يخاطبه "تزوجني رحيم وأنا أعدك أن أبذل كل ما أملك لإسعادك"
ظل صامتا لوقت حتى ظنت أنه سيوافق حتى التفت لها ببطء وهي ترفع وجهها الباكي له.. نظرات الرجاء ملأت عيونها وشفاها منفرجة تمنحه دعوة
لكن..
صوته خرج ثابتا "لا نارا.. لا يمكنني ذلك"
وتحرك مبتعدا وهي صرخت بلا وعي "لماذا؟ لماذا تفعل بي ذلك؟ لماذا تتعمد إذلالي وأنت تعلم أني أحبك؟ لماذا؟"
ودفنت وجهها بين راحتيها والبكاء تملكها وهو ظل يحدق بها، لم يمكنه إيقافها ولا منحها أمل كاذب
تركها حتى هدأت وفجأة مسحت دموعها ولم تنظر له، فقط قالت "تظن أنك تحبها لذا ترفض حبي أليس كذلك؟"
رفع وجهه..
الجميع يعرف أن الحب لا مكان له بحياته فلماذا يصرون على إسقاط تصرفاته عليه؟
وما تفسيرك يا عزايزي لملاحقتك للمهرة؟
تحركت له وواجهته وقد دفعت أحزانها، ضعفها والألم خلفها "حسنا لكنك لست متأكدا أنها تحبك كما أحبك أنا، لكانت عاشت معك وتحملت كل شيء لأجلك"
الطلقة قد لا تصيب الهدف ولكنها صنعت ضوضاء داخله، ما هي مشاعر مهرة تجاهه؟
هل حقا لا تريده؟ كم رفضته وكم حاربها ليعيدها..
لكن..
صوت نارا كان كفحيح الأفعى، يبخ السم بلا رحمة "هي فقط ترغب بأب لابنتها وملياردير يمنحها حياة لا تحلم بها هو كنز، غبية من تتركه يفلت منها"
وتركته والتفتت لتذهب ثم توقف لحظة وقالت "عندما تندم سأكون بانتظارك رحيم"
وخرجت وهو ظل جامدا مكانه وأسئلة متلاحقة تندفع لذهنه ونارا زرعت بذرة الشك وتركتها لتنمو وحدها..
****
ما أن تحركت خارجة من غرفتها وأيلا بجوارها تحمل سبت صغير مليء بالورد الأحمر، حتى رأت ابن عمة والدتها يقف بانتظارها
هو الوحيد الذي تعرفه من أقاربها وهو من دعته.. ليكون وليها
منحها ابتسامة امتلأت بالحنان "مبارك يا ابنتي، من الصواب عودتك لوالد ابنتك"
لم تجيب.. قلبها يدفع بقوة داخل ضلوعها.. لم تشعر بالراحة طوال اليوم.. شيء ما يقبض على صدرها..
خائفة من شيء لكن لا تعرفه..
تراجعت وهي ترى ذلك الحشد الكبير من المدعوين بالأسفل يقفون بانتظارها وتعالت أنفاسها..
واستقرت نظراتها الزائغة عليه، يقف بأسفل السلم.. ينتظر رفع غطاء الوجه ليرى عيونها.. يسألها..
هل تتزوجه فقط ليكون والد ابنتها؟
أنت بالفعل والد ابنتها.. هي بالأساس ساعدتك بذلك..
هل تريديني كما أريدك؟
أنت لم تمنحها الأمان كي تمنحك الإرادة.. عقله يدفعه للجنون.. وشيء آخر يدفعه لسؤالها.. ماذا أعني لكِ؟
وقفت أمامه وسط تصفيقات الجميع والرجل احتضنه ومنحه كلمات تهنئة وهو ارتد لها.. يرفع غطاء الوجه الأبيض..
وتورد وجهها.. رموشها أطاعت أوامرها.. ارتفعت.. البنفسجية لمعت له..
ألا تقرأ لغة العيون؟
لو فعلت لارتحت..
يدها استقرت بين يده.. ارتفعت لفمه ووضع قبلة على ظهر يدها.. وعيونه ثابتة على عيونها..
فلاشات تضيء من هنا وهناك وللحظة نظراتها جعلته ينسى الجنون الذي زرعته نارا داخله
شيء ما جذب قماش بنطلونه فانتبه ليرى صغيرته "بابي، ارفعني كي أضع الورد على مامي"
ابتسم.. ولم يفكر وهو يرفعها وهي تغرق مهرة بالورود وسط الكاميرات والفلاشات ونظرات من هنا وهناك وكلها تختلف بما تحمله داخلها من أفكار..
التهاني تصاعدت من أفواه الجميع بعد أن أنهى المأذون إجراءات الزواج..
ومسلم مال تجاهه بتلك العلبة وهو لا ينتظر بل يأخذ دبل الزواج ويعتدل لها وهي لا ترفع عيونها له
ما زال قلبها غير مستقر.. ومع ذلك وضعت دبلتها بإصبعه والتقت بعينيه ونظرات التملك كانت واضحة بهما
الأصوات قاطعت لحظتهم..
التهاني لم تتوقف وهما يقفان بمنتصف القاعة لالتقاط الصور مع الحضور حتى انتهى السيشن
بدأت الموسيقى وأيلا بجوارهم "بابي هل ترقص مع مامي أم لا تعرف كيف ترقص؟"
ضحك وهي أيضا حتى قال "سأحاول أن أفعل أميرتي"
تراجعت الصغيرة والمربية لا تفارقها تنفيذا لأوامره
وهو لم يفكر وهو يلف زوجته بذراعه ويجذبها له والأضواء انخفضت وسقطت بقعة كبيرة عليهم وحدهم وسط القاعة الكبرى
رفعت وجهها له.. تحاول تصديق كل ما يحدث لها.. تلك اللحظات لم تعيشها من قبل.. والآن تستمتع بها
"ما زلتِ ترفضين زواجنا؟ من داخلك؟"
اندهشت من السؤال.! لم تتوقعه "كنت تعلم سبب رفضي له"
ضمها له.. ينتظر أي كلمة تجعله يطرد تلك الشكوك التي زرعتها نارا داخله "هل تعنين أن الرفض ليس لي أنا؟"
زاغت عيونها بين الرمادية الثابتة عليها والموسيقى ترتفع حولهم بلا إزعاج ولم تجد موانع من أن تتحدث "لو كان الرفض لك ما كنت زوجتك الآن"
سكنت ملامحه لحظة.. لكنها لم تمنحه الراحة كاملة
لم تترك عيونه.. نظراتها تحمل صدق يراه.. يؤمن به ويعرفه جيدا "أنا رفضت الخوف رحيم.. رفضت العودة لنفس النهاية"
قربها منه أكثر.. يده تضغط على خصرها.. أنفاسه تسقط على وجنتها مليئة بالحرارة التي مرت خلال جسده وهي تكمل "لكن.. أنا لم أرفضك منذ عرفتك"
اقترب وجهه من وجهها بلا اهتمام بالنظرات الثابتة عليهم ولا الكاميرات التي لا تترك شيء دون التقاطه "مرة أخرى، هي أول جملة جيدة أسمعها منكِ"
تورد وجهها وابتسامة تعلو شفاها وهي تقول "لم تكن رجل كلمات من قبل رحيم"
لم يبعدها.. بل أنهى أي مسافة بينهم "اتفقنا أن كل شيء بيننا تبدل"
لم تفقد الاتصال بينهم.. تحب قربها منه كما كانت بالماضي لكن اليوم كان مختلف.. كان به دفء غريب.. تملك بلا سيطرة ولا قوة
"يعجبني رحيم الجديد أكثر"
لا يكتفي.. يريد شيء أكثر "بالمقارنة بباقي الرجال؟"
ومنحته شيء "أنا لم أعرف رجال سواك رحيم ولم أقارنك بأي رجل فكلهم لا شيء بجوارك"
رفع وجهه.. تنفس وهو يغمض عيونه وشعور بالراحة ومع ذلك هي من عاتبته "لكنك اتخذت سواي بحياتك"
عاد لها وهو يتفهم والصدق ظهر هو الآخر بصوته "ظننت أن بوجودها سأنساكِ، والحقيقة أن ظهورك كان طوق النجاة من السقوط ببئر الضياع"
ابتسمت وهو يقترب بوجهه منها "أنا أيضا مهرة، أنا أيضا لم أجد نفسي سوى معك"
تبدل الموسيقى قطع لحظتهم لكن قلوبهم كانت ترقص من السعادة
الحفل كان هادئ، مناسب لرجل مثل رحيم.. وهي وجدت نفسها بين أشخاص لم تصدق أن تكون معهم.. لم تعرفهم من قبل
لا أحد فكر بذكر ماضيهم وربما لم يعرف أحد ما كان بينهم.. حتى..
الأنظار تحركت لمدخل الفيلا.. رحيم توقف عن الحديث مع الرجل الواقف بجواره فجأة، نظراته فعلت المثل مما جعلها تلتفت إلى حيث نظروا جميعا وجمدت مكانها..
نارا..
هل فعلا أتت؟ كيف تبدو هكذا بكامل أناقتها وجمالها.. ثابتة وعلى فمها ابتسامة واثقة وبسرعة كل الصحافة انتقلت لها..
لم يحاول أحد أن يتحدث.. ومهرة انكمشت من داخلها وعيونها بحثت عن أيلا تتأكد أنها صعدت مع مربيتها إلى غرفتها..
لا ترغب بأن تُصدم أيلا من شيء جديد بعد ما كان من عنان
ارتجفت عندما شعرت بيده تتحرك على خصرها، يجذبها له.. رفعت وجهها له لكن نظراته لم ترحل لها بل ظلت ثابتة على نارا..
هو فقط منحها تأكيد أنه هنا.. معها
توقفت نارا أمامهما.. تبتسم ابتسامة باردة.. كيف فعلت ذلك؟ هكذا تساءلت مهرة..
عيون نارا ثبتت على رحيم وهي تدرك تماما العيون المتلصصة، ليس فقط الصحافة بل كل شخص موجود يترقب ما سيحدث..
ابتسامة ثابتة ما زالت ظاهرة على وجهها "ألف مبروك رحيم.."
صوتها خرج هادئ.. ثابت.. لا يحمل انكسارًا ولا ألمًا.. وكأنها لم تكن يوما جزءًا من حياته
صمت.. لحظة ثقيلة.. ما زالت الانظار عليهم وهو ثابت "شكرا نارا"
صوته لم يقل هدوء عنها.. ولا قوة وربما تحذير..
والتفتت نارا لمهرة.. نظرة واحدة مسحتها من رأسها حتى قدميها ببطء قاتل
ثم ابتسمت "مبروك.. "
الكلمة خرجت منها.. لكنها لم تحمل تهنئة بقدر ما حملت معنى آخر لم تفهمه مهرة.. فقط شعرت به..
لم يمنحها فرصة للرد بل أجاب بصوت منخفض.. حاد "نارا.. سنتوقف هنا"
رفعت حاجبها بخفة.. كأن كلماته لم تمسها "نتوقف؟"
لم تتراجع بل تهيأ لمهرة أن نارا كانت تقترب من رحيم.. والصحافة تلتقط كل التفاصيل "هذا غريب فقد ظننت أننا سنبدأ"
ضغطت يده على خصر مهرة أكثر ووجهها هي تجهم ونارا لا تتراجع وهي تقول "أتمني أن تكوني سعيدة بالفعل مهرة.. ولستِ فقط مضطرة"
تجمدت مهرة..
ما المعنى الخفي وراء الكلمة؟
رحيم لم يترك الكلمة تثير ظنونه مرة أخرى فقد أدرك أن نارا تتلاعب به وتنثر الشكوك بينه وبين مهرة وعليه إيقافها
لكن..
قبل أن يفتح أيا منهما فمه..
دوى صوت حاد.. صرخات.. فوضى.. اختلاط الأصوات ببعضها البعض
لم يفهم أحد ما حدث.. إلا هو..
فهم..
لكن.. عندما سقط جسدها على صدره.. تحتضنه وهو لم يكن مدرك سبب تصرفها حتى رأى عيونها تنظر له..
ثم تتسع
جسدها الذي التصق به بدأ.. يرتخي فجأة.. يده ارتفعت دون وعي.. يلتقطها قبل أن تسقط
الدم بدأ يظهر.. ببطء.. الأحمر ينتشر عبر الرداء الأبيض
قلبها يدق بقوة ليقاوم ما يحدث لجسدها من انهيار..
قلبه يدق فزعا لمن تتهاوى بين ذراعيه وهو يحاول استيعاب ما حدث..
والجسد ينهار والعيون انغلقت بلا كلمات وصوته خرج مخنوق.. بلا قوة على الصراخ "مهرة"
ولكنها لم تكن تسمعه.. الظلام غطى كل شيء حولها ورحلت الأصوات وحتى صوته لم تعد تسمعه..
وهو سقط معها.! بل بها مدركا أنها اختارت أن تنال الطلق الناري بدلا منه
اختارت تركه وحده مرة أخرى ليتلوى من ألم فقدانها..
الفصل 12
رواية جامحه بقلبه بقلم داليا السيد
الفصل الثاني عشر
فحوصات
جلس.. رأسه لم يرتفع.. نظراته ثابتة على الأرض الباردة لتلك المشفى..
كل الخطوات التي كانت تتحرك من حوله لم تؤثر به.. لم يرفع وجهه لرؤية أصحابها.. فقط كان ينظر لعيونها التي كانت تواجه نظراته وقت نالت تلك الطلقة..
بدلا منه..
ما الذي كان يحدث هناك؟
كلما نظر ليديه رأى دماءها تطلخهم..
رجاله لم يصلوا لمن أطلق الرصاص.. ولم يعرف من الذي أراد قتله؟ ولماذا؟
انفتح الباب أخيرا بصوت مزعج.. وكأن الباب يعترض على استخدامه..
رفع رأسه أخيرا.. تلونت عيناه بالأحمر.. نفس اللون الدموي والذي لا يرى سواه..
صوت الطبيب كان خافتا وهو يتحدث فلم يسمع، ولم يمكنه النهوض لربما منحه ما لا يرغب بسماعه..
الخوف لم يطرق بابه من قبل لكن الآن يقف أمامه مخرجا له لسانه.. أنا أتحداك..
صوت مسلم هو ما ارتفع بثبات "الحمد لله.. متى ستفيق؟"
تنفس بقوة.. هذا السؤال له معنى واحد.. أنها لم تمت، ستبقى، له ولابنتهم ولحياة جديدة رغب بها منذ عادت لحياته
نهض..
التفت مسلم له وهو يتقدم منهم وسؤاله رحل للطبيب "كيف حالها؟"
انتبه الطبيب هو الآخر له.. مدركا للحظات التي يمرون بها ويكفيه ملامح وجه رحيم "بخير، لم تصب الرصاصة أي مناطق حرجة، هي فقط لديها أنيميا حادة لذا احتجنا لنقل دم أثناء إخراج الرصاصة.."
رفع رأسه باهتمام وهو يقول "نقل دم؟ لكن كان عليك سؤالي.. هي مريضة كانسر و.. "
انتبه مسلم واعتدل الطبيب وردد "كانسر!؟ من أي درجة؟ وأين؟ ولماذا لم تخبرنا؟ هل لديها خطة علاج؟"
فرك رأسه بيده ليتذكر كلماتها حتى قال "أذكر أنها تنتظر إجراء فحوصات جديدة لبدء خطة العلاج، طبيبها ما زال بالخارج"
الطبيب لم يفكر وهو يقول "لدينا قسم خاص بالأورام، لو ترغب نجري لها الفحوصات اللازمة ونحدد خطة علاج على حسب حالتها؟"
لم يتردد وهو يهز رأسه "ولم لا؟ لتبدأ فورا لو أمكن"
مسلم ظل واقفا أمامه لحظة حتى استعاد نفسه "لابد أن أعرف من وراء ما حدث مسلم هل تسمعني؟"
ملامح الرجل جامدة.. عمله بالحراسة الشخصية جعله رجل بلا مشاعر.. لا يفكر بأي شيء سوى حراسة رب عمله واليوم يشعر بالخزي لأنه فشل بحماية رحيم وزوجته
"نعم مستر رحيم، الرجال لن تنام حتى نصل لمن فعلها"
أبعد وجهه لحظة، انتبه عندما رأى نارا تتحرك تجاهه.. ما زالت بملابسها.. وجودها غريب لا يفهم سببه..
ومع ذلك رفع رأسه لرؤيتها وهي تقف أمامه ومسلم يتراجع
حدق بها وهو لا يمنحها أي تعابير على وجهه وهي تقول "من الواجب ألا أتركك بمثل تلك الظروف"
تنفس بعمق.. ربطة العنق اختفت مع رجل من رجاله.. الأزرار العلوية للقميص مفتوحة وبقع الدم تلوثه..
نظراتها له كانت تخنقه.. وجودها يثير ضيقه.. لا يرغب بها "لست بحاجة لأحد نارا"
وتحرك ليبتعد ولكنها تحركت لتوقفه، سدت طريقه "رحيم.. لم لا تفهم أن وجودها بحياتك لعنة ولن تنتهي إلا بتدميرك؟"
مال عليها والغضب يصارعه للخروج بوجهها "لم تعد حياتي من شأنك نارا، فقط ابتعدي عني"
وحاول الابتعاد عنها لكنها لا تمنحه السبيل.. تجاهد ليراها، لتزيح مهرة من السباق والتقدم عليها لكن.. المهرة دائما تحتل الصدارة بلا منافس
واجهته بدلال لا مكان له الآن "لن أبتعد حبيبي، لا يمكنني فقلبي لا يتحمل رؤيتك تتألم"
هو لا يتحمل تلك الكلمات.. لا مكان لها هنا "نارا، أنا لا طاقة لي الآن لتقبل تصرفاتك.. فقط أرغب بأن أكون وحدي"
ودفعها بيده بعيدا عن طريقه وتحرك مبتعدًا.. خارج المشفى.. والسيجارة تتوهج من أنفاسه والدخان يرتفع حوله ومشاعره تجمدت على شيء واحد..
مهرة قد تموت بأي وقت فهل سيتحمل رحيلها؟
ربما نجت من الطلقة لكن ما زال وحش المرض يترقب بها..
هو تزوجها ليحارب معها وليس ليستسلما
لماذا يوقفه القدر عن امرأة هو لا يجد نفسه سوى معها؟
تزوجها بالماضي ولم يمكنه تقبل ضعفه معها، رغبته القوية بها والتي تفقده السيطرة..
كان يرفض رؤيتها تعلو وتنجح أمامه.. رفض نظرات الإعجاب بعيون الناس لها.. كان أناني.. أرادها لنفسه وأراد النجاح أيضا لنفسه
واليوم..
هي أرادت الموت لتمنحه هو الحياة..
أغمض عيونه والنيكوتين ليس دواء، فقط مخدر ينتشر داخل عروقه لا يمنحه أي راحة..
لا مهرة.. لن نعيد ما كان.. لن نعيش الفراق مرة أخرى.. حتى مرضك سنجد له حل.. لن يخطفك الموت مني مرة أخرى
صوت نفس المرأة أتاه.. تبعته ولم تتركه.. تحاصره.. تخنقه "رحيم تلك المرأة لن تحبك بمقدار حبي لك.. أنا أحبك منذ كنت طفلة"
التفت لها.. الغضب يسيطر وهي تدفعه بلا توقف "وأنا لا أريد حبك هذا.. أنا لا أحبك نارا لم لا تفهمين؟ لماذا تدفعيني لجرحك؟ أنا تزوجت وامرأتي ترقد بالداخل ولن أفكر بسواها هل تفهمين؟"
دموع ظهرت داخل عيونها.. ومن خلفهم حقد على تلك المرأة التي سرقت أحلامها مرتين وتركتها تنزف حتى كادت تموت
صوتها خرج مختنق.. متألم.. الكره يملأه حتى فاض منه "نعم أفهم رحيم.. لكن هو أنت من لا يفهم.. أنا لن أسمح لأحد بأن يهد أحلامي مرة أخرى هل تسمعني؟ أنت لن تكون سوى لي"
وتحركت مبتعدة وهو لم يفكر بكلماتها..
اعتدل والسيجارة لا تكفيه.. أخرج أخرى وأحرقها وهو لا يفكر سوى بالراقدة بالداخل ولا تعاني فقط من مرض قاتل بل وطلق ناري كاد ينسف حياتهم
****
الساعات مرت ببطء لكنها مرت بلا سوء، الطبيب منحه إذن برؤيتها فلم يتردد بالدخول حتى رآها مغمضة العيون.. ساكنة كما عرفها لكن..
شاحبة..
عندما ناداها فتحت عيونها.. كانت تراه.. بالحلم، يمسك يدها بقوة ولا يفلتها ولكن..
شيء ما أو ربما شخص ما، كان يجذبه ليفرقه عنها..
"رحيم؟"
انحنى ليصل لها.. صوتها الضعيف منحه صورة عن حالتها "نعم مهرة، هو أنا"
فمها جاف.. تشعر بألم غريب بكتفها الأيسر والصداع.. هنا أيضا لا يتركها هل قاربت من النهاية؟
"ماذا حدث؟"
قرب وجهه منها.. تلك الروائح من حولهم تخنقه.. لا يريد البقاء هنا ولا تركها.. عليهم بالابتعاد لعالم آخر، لا مرض به ولا خوف من الموت والرحيل..
منحها نبذة عما حدث وهي لا تذكر سوى رؤية ماسورة المسدس المصوبة لهم ولم تفكر بشيء وهي تلقي نفسها عليه ولم تعرف من منهم كان المقصود؟
قبض على يدها ورفعها لفمه ووضع قبلة عليها وعاد لها "لم يكن عليكِ فعل ذلك مهرة، لم تفكري بنا وكيف سنعيش بدونك أنا وأيلا"
ظلت تنظر له.. وجهه شاحب، عيونه تحمل ظلام السهر والقلق، وكلماته منحتها هدوء وسكينة، هل حقا رحيم هو من يخبرها تلك الكلمات؟
بللت شفاها بلسانها ربما يذهب الجفاف "أيلا بحاجة لك أنت رحيم.. بالنهاية سأموت بذلك المرض"
ضغط على يدها والغضب داخله من ذلك المرض يعلو ويعلو وهو يهمس بصوت ضعيف "لن يكون مهرة، سنحارب سويا.. سنهزمه"
أغمضت عيونها والدموع تحاربها وهي الآن لم تعد خائفة، ابنتها بأمان وهذا هو كل ما تمنته.. حتى حياتها مع رحيم لم ترغب بأن تحلم بها كي لا تتعلق بالحلم من جديد
"النتائج الأولية قالت إنه بمرحلة قد لا يستجيب فيها للعلاج"
رفع يده لوجنتها، لمس بشرتها الناعمة ولكنها كانت شاحبة "سيقومون هنا بإجراء فحوصات جديدة وسنتبع ما يقولون"
لم ترد والنعاس يغلبها وهو أدرك ذلك فوضع قبلة على جبينها أسقط بها كل ما يحمله من حزن وألم
الوقت يمر ببطء غريب وهو لا يتحرك سوى للتدخين والاطمئنان على أيلا والعودة للداخل، حتى وصل النهار براحة عندما أعلن الطبيب عن خروجها لغرفة واستقرت بالفراش
خرج الجميع وتبقى هو وهي تبدو أفضل من الأمس..
جذب مقعد وجلس بجوار فراشها فقالت "أين أيلا رحيم؟"
انحنى تجاه الفراش وقال "بالبيت مع المربية، لا داعي للقلق"
أغمضت عيونها لحظة قبل أن تعود له "من الذي فعل ذلك؟"
نفخ بقوة قبل أن يجيب "لم نصل له بعد، الرجال تبحث"
"دعنا نذهب رحيم، أنا بخير وأرغب بالعودة للبيت"
هز رأسه بالموافقة وقال "سنفعل ولكن بعد أن نحصل على نتائج الفحوصات ورأي الأطباء ومتى نبدأ العلاج"
ظلت تنظر له لحظة حتى قالت "ألم تندم لأنك تزوجت امرأة قد تموت بأي يوم؟ كنت تستحق امرأة أخرى"
ابتسم وهو يقبض على يدها ويضمها بين يديه "لا أحد يعرف متى سيموت مهرة، كلنا معرضون للموت بأي لحظة، لو كنت أرغب بامرأة أخرى لما تزوجتك"
لم يمكنها تخطي نارا رغم ما قاله بالزفاف "نارا ما زالت تأمل بك"
أبعد وجهه لحظة نافخا لذكراها "هل نتحدث عن شيء آخر؟ أين سنمضي أجازة الزواج مثلا؟ ماذا سترتدين لأجلي؟"
كلماته دفعت الدماء لوجهها، أخفضت نظراتها وهو اقترب منها وانخفض صوته لها "اشتقت لكِ مهرة، لكل لمسة وقبلة، لأيامنا معا"
رفعت رموشها.. تلتقي بالرمادية التي امتلأت بالصدق "وأنا أيضا رحيم، لم أنسى يوما مما عشناه معا"
يده لم تترك يدها وهو يكمل "سنعيد ما كان مرة أخرى.. سنخلق ذكريات جديدة أفضل وابنتنا معا"
تمنت أن تعيش لتفعل ولم تضع اليأس أمامه، تركته يحلم ويتمنى وسمحت لنفسها بأن تفعل المثل
على منتصف اليوم وصل الطبيب ومعه طبيب آخر ونهض رحيم لرؤيتهم والطبيب المسؤول عنها يقول "مساء الخير، دكتور محمد سعداوي، خبير أورام، سيد رحيم العزايزي وزوجته مدام مهرة"
تم التعارف ودكتور محمد من بدأ الحديث "لقد اطلعت على نتائج الفحوصات الخاصة بالمدام"
هزة خفيفة من رأس رحيم هي كل ما ناله الطبيب بينما ارتفعت دقات قلبها بانتظار الحكم الجديد الذي سيصدر عليها ونظرات الطبيب تحركت لها قبل أن يقول
"بالطبع هناك ورم، بمكان حساس بالمخ"
أغمضت عيونها، هي تعرف ولم تكن تنتظر شيء آخر سوى متى سيهزمها المرض؟
رحيم هو من تحدث "وهذا الكنسر ألا يمكن التخلص منه؟"
التفت له دكتور محمد بنظرات غريبة وقال "كنسر!؟ من تحدث عن كنسر سيد رحيم؟"
رفع رحيم رأسه، فتحت مهرة عيونها ولمعت ببريق لم تعرف أنه ظهر بها ورحيم يحاول أن يفهم
لحظة صمت.. عدم فهم..
تجمدت ملامحه.. كأن الكلمات لم تصل له "من تحدث عن كنسر!؟"
نظر لها وهي تحاول استيعاب ما يقول، وجهها شحب وكلمات غير واضحة تخرج منها "فحوصاتي السابقة.. أنا لا أفهم"
وجه الطبيب لها كلماته "لا أعلم شيء عن فحوصاتك السابقة مدام، لكن ما تم هنا لم يمنحنا أي إشارة عن وجود سرطان"
أغمضت عيونها.. دموعها اندفعت.. ذكرياتها عن الموت وما عاشته اندفع.. خوفها على أيلا، رؤيتها لأمها وخالتها يصارعان ذلك المرض، اندفع..
وهمس وصل لشفتيها "أنا صدقت أني سأموت، عشت تلك الأيام وأنا أنتظره بأي لحظة"
ضحكة خرجت منها، مهزوزة.. غريبة وكأنها تسخر من شيء أو ربما من نفسها
"كنت كل يوم أخبر نفسي أن هذا قد يكون آخر يوم لي وأنت الآن تسأل ببساطة، من تحدث عن الكنسر؟"
ورفعت عيونها لهم والحيرة، الدموع والألم يملؤون عيونها وصوتها ارتجف "ليمنحني أحد رد لأفهم؟"
نظرات رحيم لها كانت تحمل معاني مختلفة، كلماتها أثارت الجنون داخله
الطبيب لم يتأثر فكم من حالات مشابهة تمر عليه كل يوم، فقط قال "لا شيء يحتاج فهم مدام، نتائجنا لا تشير لأي كنسر، فقط ورم، ربما هناك خطأ حدث بفحوصاتك الأولية، يمكنك الرجوع للمكان ومراجعة النتائج"
هدوء الطبيب أثار غضب رحيم الذي جذبه من ذراعه ليواجه وأنفاسه تتلاحق "ماذا تعني بخطأ بالفحوصات؟"
صوته انخفض أكثر.. لكنه كان أخطر من الصراخ "زوجتي عاشت تنتظر الموت.. والآن تخبرني أن هناك خطأ؟"
وشد بلا وعي على ذراع الطبيب والجنون يكاد يسيطر عليه "أنا أريد الحقيقة.. كاملة، ربما أنتم الخطأ"
نظرت له.. لديه كل الحق ليشك..
هل يمكن أن يشك بها هي الأخرى؟ يظن أنها تلاعبت به
الطبيب اعتدل بقوة نازعا ذراعه من يد رحيم وقال "معاملنا معروفة على مستوى البلد سيد رحيم ويمكنك إجراء الفحوصات بمكان آخر لو كنت تشك بنا"
رفع رأسه.. حدق به بقوة وقال "سنفعل.. ولن أرحم من أخطأ، إنها حياة زوجتي"
الدكتور رفع رأسه مدافعا عن مشفاه "جيد سيد رحيم، لتفعل ونحن لن يمكننا البدء بأي إجراء قبل أن تمنحنا الطريق"
وتحرك خارجا بينما تمهل الطبيب الآخر وهو يقول "سيد رحيم لابد من الإسراع بالفحوصات لأن الأمر ليس بسهل"
وتحرك هو الآخر للخارج وظل هو جامدا مكانه..
رأسه يصرخ من تزاحم الأفكار داخله.. قلبه يتنازع مع عقله على المرأة التي هي زوجته الآن
صوتها خرج ضعيفا، مهزوما رغما عما عرفته أو ربما خائفة مما قد يحدث "رحيم"
انتبه لها.. نظراته ارتفعت لوجهها الباكي.. لا يعلم ماذا يصدق؟ هي وكلماتها؟ أم الطبيب وفحوصاته؟
هل تلاعبت به؟
نادته مرة أخرى.. جذبته من الهوة السحيقة التي انزلق داخلها فرفع نظراته لها.. عيناه تلونت بلون غريب ليس الرمادي..
كانت تعرف أن رحيم الذي كان معها قبل دخول الطبيب رحل والآن رجل آخر.. الشكوك تتلاعب به
كان عليها أن تؤكد براءتها.. تُوقف شكوكه "أنا لم أخدعك رحيم، لم أكذب عليك بأي شيء"
لم يتحرك.. عقله لا يستجيب لأي شيء.. نظراتها صادقة وكلماتها أيضا تبدو كذلك لكن هناك شيء يتلاعب به من الداخل..
كان عليه منحها رد "لا داعي لذلك الآن مهرة، أنتِ بحاجة للراحة وأنا أحتاج للتدخين"
وتحرك خارجا.. كان بحاجة للهواء والوحدة وتنظيم أفكاره.. تلك الشكوك تتلاعب به وتمزقه
هل هي صدفة أن تظهر بحياته الآن وتخبره بمرضها ثم فجأة لا شيء من ذلك صحيح؟
الدخان اندفع من فمه بقوة.. الظلام بدأ يهبط ولا رغبة له بالعودة لها فقط منح أوامره لمسلم لإجراء فحوصات من أفضل مكان بالقاهرة
لم يمكنه العودة بوقت قصير وعندما قرر الدخول رأى سيارة نارا تتوقف أمام المشفى فنفخ بقوة..
لماذا لا تتوقف عن ملاحقته؟
لم يكد مسلم يخبره أن والدته تسأل عنه رغم أنها لم تهاتفه.. هو يعلم أنها لن تفعل وهو الآخر لن يفعل..
ابنته أُهينت أمامه ولن يسمح بتكرار الأمر.. هذا ما وعد مهرة به
"سمعت أن هناك أخبار جيدة"
كانت قد وقفت أمامه.. ملابسها منتقاة بدقة.. من أفضل دور الأزياء، والدها يغدق عليها بالأموال وهي تجد لنفسها عمل لكنه لم يهتم بتفاصيله
سيجارة جديدة ارتفعت بدلا من الأخرى التي انطفأت تحت حذائه "ومن أين سمعتِ تلك الأخبار نارا؟"
ابتسمت ابتسامة ليست بريئة، هو يعرفها جيدا، أو هكذا ظن "من المشفى حبيبي، كان لابد أن أعرف أخبارها؟"
مال عليها.. عيناه تحمل اسئلة وصوته انخفض كعادته لتزداد نبرته حدة وخطورة "ولماذا تريدين معرفة أخبارها؟"
ظلت مكانها، ثابتة، تتحلى بنفس الابتسامة وهي تجيب بهدوء "الذكي هو من يعرف كل شيء عن خصمه رحيم، أليس من الغريب أن تخبرك شيء ثم تكتشف اليوم شيء آخر؟"
رفع حاجبه وكأنه انتبه لشيء "من أين عرفتِ أنها أخبرتني بشيء من الأساس؟"
تلون وجهها.. رمشت عيونها ولم يمكنها الفرار من نظراته لكن..
رحلت ابتسامتها وهي تجذب إجابة له "المشفى.. أقصد أنت أخبرتهم.. يعني كيف ستعرف أنت دون أن تخبرك هي؟"
ترددها، تبعثر كلماتها جعله يصل لشيء لكنه لم يصرح به فقط صمت لحظة قبل أن يعتدل وقال "ووجودك يعني ماذا؟"
ابتلعت ريقها لتستعيد ثباتها وبدلت وقفتها على ساقيها وهي تجيبه "يعني رغبتي بوضع الحقيقة أمام عيونك"
السيجارة تحترق من أنفاسه "والحقيقة معك أنتِ نارا؟"
هتفت بغضب لم تعد تستطيع التحكم به، غيرتها تغذيه داخلها.. صنعت منها وحشا لن يرحم "ماذا أصابك رحيم؟ ما الذي حدث لك منذ رأيتها؟ أنت تلغي حتى عقلك وتغمض عيونك عن الخداع والغش الذي لفتك بهما.. هي تصنعت المرض حتى تحقق مرادها وتعيدك لها"
صمت لحظة..
هل حقا فعلت ذلك؟
هل غشته وخدعته؟
هي لم تخبره بمرضها إلا يوم أصر على الزواج منها وهو اختار.. لم تجبره
هل أجادت التمثيل حتى صدقها؟
صوت نارا نيران تحرق الحقيقة وتزرع أكاذيبها داخله "بالبداية وضعت ابنتك بطريقك لتلفت نظرك لها ثم مرضها كي تكسب عطفك"
تلك المرأة لعنة ولعنتها تسقط على كل من حولها وهو أولهم، ولم يمكنه إيقاف شيطانه من الاستجابة لها "نارا كفى"
لكنها رأت ضعف نبرته فاقتربت منه وقالت "لا يمكنك تصديق أن امرأة مثلها صادقة.. كل ما ترغب به هو إسقاط رجل مثلك تحت سيطرتها.. تنال منك كل ما تتمناه امرأة فقيرة مثلها، لم يكن عليها أن تكذب عليك وتوهمك بمرضها، أفق رحيم وعد لصوابك"
وظلت لحظة تحدق بعينيه والصمت ملك على العرش بلا منازع حتى..
تركته وذهبت.. تلك المرة هي من تركته ورحلت..
لم تنتظر الرد وربما لأنها كانت تعرف أنها أشعلت الشعلة وألقتها حيث ستشتعل النيران بكل ما حوله
مسلم تحرك له "المدام تسأل عنك"
التفت له وكأنه كان ينتزعه من دوامة تلف به بدوائر كادت تصيبه بالدوار وللحظة ظل يحدق بمسلم بلا رد
عندما دخل غرفتها كان الضوء الخافت للقمر هو ما يضيء الغرفة.. الهدوء والصمت هما ما سيطرا على كل ما حوله.. صوت أنفاسها المنتظم جعله يدرك أنها نائمة..
لم يمكنه مواجهتها بعد كل ما ازدحم داخل عقله اليوم..
ألقى بالجاكيت على ظهر المقعد ووقف قليلا أمام النافذة وقراره لم يُتخذ بعد لكن بالصباح لابد أن يفعل
النوم رفض الوصول لعينيه والفراش المجاور لفراشها ظل مرتب، لم يُمس وهو ليس موجود والممرضة تدخل
"صباح الخير مدام"
اعتدلت رغم الألم والممرضة تساعدها "صباح النور، أين زوجي؟"
وضعت الوسادات خلفها وهي تجيب "مع رجاله بالخارج"
لم تطلبه مرة أخرى.. أدركت أنه تبدل وربما تراجع بقراره بزواجهم.. رأت ذلك بنظراته، شكوكه غلبته..
لم يحبها بأي يوم ولن يفعل.. مجرد رغبة تنتهي بسرعة كفقاعة هواء تنفجر بلمسة إصبع
الشكوك لن تنتهي ونظرته لها ستظل للأبد دون تغيير، رحيم لم يتبدل كما ظنت.. ولن يتبدل
هي مجرد لحظات من السعادة تلك التي عاشتها معه.. حلم لن يتحول يوما لحقيقة..
إفطارها ظل كما هو، لم تتناول منه شيء، أبعدته ونهضت بضعف واضح للحمام وتأملت ملامحها بالمرآة..
هي نفس المرأة.. فقط لم يعد السرطان عدوها وإنما ورم لابد من إزالته.. ورجل كلما ظنت أنه أصبح لها تصطدم بالواقع
هو أبدا لن يكون لها..
عادت للفراش.. لحظات ودقات الباب تبعتها والدكتور المسؤول يدخل و.. رحيم خلفه..
بدا هادئا.. ملامحه تدل على الإرهاق و.. لم ينظر بعينيها، لم يواجها، وهي فهمت
النهاية اقتربت..
الطبيب نظر لها وقال "الفحوصات وصلت مدام وقد أخبرت سيد رحيم أن النتائج تطابق خاصتنا"
لم يظهر شيء على وجهها.. فقط سقطت نظراتها على الفراغ وهي تعيد ما كان من تلك الاسابيع التي عاشتها وهي تنتظر الموت وتعيش الرعب على ابنتها..
لم تنظر لأحد والطبيب يكمل "سنبدأ إجراءات الجراحة وبعدها.. "
صوتها قطع كلماته "لا"
توقف، نظرات رحيم ارتفعت لها أخيرا وضاقت عيونه عليها والطبيب يردد بلا فهم "لا!؟ لا على ماذا مدام؟"
لم تنظر لأحد أيضا فقط قالت "لا للجراحة، لن أجري أي جراحات"
كان عليه أن يتدخل وقبل أن يفعل رفعت وجهها له.. منحته نظرات جعلته يتألم بلا سبب سوى أن بهما ألم غريب "قلت أن الورم حميد مما يعني أن وجوده لن يضرني"
تقدم الطبيب خطوة.. أراد جذب اهتمامها وقد فعل "لا مدام، ليس صحيح.. ليس بالضرورة أن يكون الورم خبيث ليؤثر على صاحبه فالحميد أيضا له أضراره.. هو يضغط على مراكز مختلفة بالمخ، ربما يسبب لكِ حاليا صداع بسيط لكن مع الوقت سيزيد الألم، غثيان، دوار وربما يؤثر على أشياء أخرى كالحركة أو الكلام.. لابد من إزالته مدام"
ظلت متجهمة.. لا تعرف أين الصواب وهو تولى الزمام "تمام دكتور محمود، اتخذ اجراءاتك، سنجري الجراحة بالوقت المناسب"
رفعت وجهها له والطبيب يهز رأسه ويتحرك خارجا ونظراتها تتحرك له وهو تحرك للنافذة، استبدل ملابسه بأخرى فأناقته لا تقبل أي نقاش..
كانت هي من بدأت "بإمكانك إنهاء كل شيء"
كان يفهم ما تعني بكلامها ولم يحاول مواجهتها وهو يقول "ليس قبل الانتهاء مما بدأناه"
تألمت.. هل يصدق أنها كذبت عليه؟ حتى وهي وضعت حياتها مقابل حياته؟
الآن كلاهم يصل لنفس النتيجة، لا مجال للعودة فقد سقط شيء بينهم ولن يمكن إعادته..
تنفست بقوة كي تستجمع نفسها "لست ملزم بالبقاء"
لف وجهه لها، رأى نظراتها التائهة لكن لم يرى بها أي شيء "هل هذا ما ترغبين به حقا؟"
وارتد لها مواجها إياها "هل تعرفين بأي مشفى أنتِ؟ كم تكلفة ما يتم هنا؟"
سقطت دموعها وهو يشعرها كم هي رخيصة "إذن دعني أخرج من هنا، يمكنني اتخاذ المكان المناسب لي بعيدا عن أموالك"
اقترب منها وقد تحكم الشيطان به، نسى أن هو من كان يضغط عليها لتعود له.. نسى أنها لم تضع نفسها بطريقه بل هو من اتخذ طريقها سبيله
نسى أنها كادت تموت لأجله وهو من أخبرها كلمات الشوق بالأمس
"لا داعي لتمثيلية جديدة، لن تخرجي من هنا حتى تجرى لكِ الجراحة وبعدها.. "
ولم يكمل وهي تركت دموعها تتحدث بدلا عنها.. لا كلمات تصف الألم أو تمحو الإهانة
اقترب من فراشها، يحاول إيقاف جنونه، دفع الغضب بعيدا لكن بلا فائدة "كيف أمكنك خداعي بتلك الطريقة؟ لقد صدقتك وصدقت أنكِ تلك المرأة الشريفة التي تجاهد بشرف وتحقق نفسها بنفسها"
أشاح بيده، لم يعد يدرك ما يقوله "لم أظن أن انتقامك سيكون بتلك الطريقة"
وعاد ينظر لها وهي لا ترد.. فقط دموعها هي كل ما تحرك على وجنتيها "تجعليني أتحدى بكِ العالم.. أخسر أمي وعائلتي، فقط لتحققي رغبتك بهزيمتي، تصبحين زوجتي أمام الجميع وتتحدين من وقفوا وضحكوا على الفتاة التي لم تستحق ما منحته لها"
احترق صدرها من الألم.. تمزق قلبها من كلماته وظنونه بها.. ليست ظنون بل تأكيد على فكرته عنها والتي لن تتغير بأي وقت
لم يتوقف وهو يكمل "أردتِ المال والأملاك ومكانة بجوار العزايزي وربما كنتِ تعلمين بأمر الورم ورغبت بكل هذا"
ورفع ذراعيه ليشير للمكان من حولها..
هل هذه نظرته لها؟ انتهازية، منتقمة.. غشاشة؟
وماذا أيضا!؟
عندما لم ترد هو لم يتوقف.. لم يصرخ بها لكن عيناه صرخت.. نبرة صوته المنخفضة صرخت.. عضلات وجهه وعروقه المشدودة صرخت
"جيد، والصفقة الجديدة كالتالي، ستبقين حتى تنتهي الجراحة بكل توابعها وبعدها سنجد حلا لما بيننا"
وتحرك خارجا.. لم يمنحها حتى فرصة للدفاع عن نفسها وهي لن تقبل منه شيء..
****
ترك المشفى..
رجاله هناك تتابع وستمنحه أخبارها.. لن يمكنه البقاء وهو يرى الغش والخداع..
هل تصدق نفسك؟
العمل انكب عليه رغم أنه كان يعد كل شيء من قبل الزفاف حتى نهض وتحرك لغرفة الرسم بعد إجهاد الوقت الذي لم يعرف مقداره
لم يمكنه الإمساك بالقلم منذ وقت طويل لذا سقط على الأوراق حتى نسى الوقت وانتزعه مسلم منه "مدام مهرة ليست بالمشفى"
للحظة جمد القلم بيده.. كما جمدت نظراته على الرسم..
وأخيرًا نظر لمسلم "وأين رجالك؟ بل أين ذهبت؟"
ولف وجهه لمسلم "غافلت الحراسة وخرجت وبعدها اكتشفت الممرضة غيابها ومنذ لحظات حرس البيت أخبروني بوصولها"
نهض عائدا لمكتبه.. جذب ما يخصه وقال "امنعها من الخروج"
ونزل ومسلم ه وهو يضع الهاتف على أذنه
****
احتضنت ابنتها بقوة، غيابها عنها جعل قلبها هش.. واهن أكثر مما هو..
ابنتها هي كل ما تبقى لها وكل ما تتشبث به للحياة..
أيلا كانت سعيدة جدا برؤيتها.. تعلقت بها ورفضت تركها.. بكت وهي تحتضن طفلتها، كانت تعلم أن جرحها ليس من الطلق الناري بل مما فعله بها
لم تعرف ماذا ستفعل بالقادم؟ لكنها تعرف أنها لا ترغب بأن تنال منه أي شيء، لقد اكتفت من ظنونه ولابد أن ينتهي كل ذلك
لم تهتم وهي تسمع صوت السيارات تدخل الفيلا فهي تعلم أنه سيأتي إن آجلا أو عاجلا..
ظلت تجلس بجوار أيلا.. تساعدها باللعب.. ربما عقلها ليس معها لكن قلبها يرتاح معها..
انفتح الباب ولم ترفع وجهها له.. أيلا هتفت وهي تندفع له "بابي.. مامي عادت"
ظلت نظراتها على أصابعها المضمومة أمامها.. لن تواجه نظرات الشك بعينيه.. لن تقبل اتهامات جديدة..
لم تعد خائفة من الرحيل كما كانت..
احتضن أيلا بحنان.. ابنته ستظل ابنته ولا شيء سيتبدل معها.. وربما ليس مع مهرة أيضا فهي والدتها وابنتهم لن تنشأ بأسرة متفرقة
لن يسمح بفراق
ابتسم وهي تداعب ربطة عنقه "بابي أريد بيتزا، المربية لا توافق عليها"
تحرك وجلس على المقعد وهي على ساقه وقال "هي لا تراها مفيدة أميرتي، لكن سأرسل بطلب واحدة لأجلك ولن نكررها"
صفقت بيداها الصغيرة "رائع بابي.. أنت أفضل أب، هل ستلعب معي؟"
رفع عيونه لمهرة ورأى شحوب وجهها، كيف خرجت من المشفى وهي ما زالت متعبة؟
عاد لطفلته وقال "ربما، لكن بالأول أرغب بالتحدث مع مامي هل تمانعين؟"
كانت الصغيرة لا تفهم ما يدور حولها، عالمها صغير وبسيط، لعب وحلويات وطعام مفضل لكن ما دون ذلك، هو للكبار..
أجابت "لا بابي، لا أمانع لو كنت ستلعب معي بعدها"
وضع قبلة على وجنتها، اكتسب طفلته بسرعة، لم يظن أنه سينجح لكنه فعل "لا أعلم أميرتي، لو ملكت وقت سأفعل"
لم تجادل، وضعها على الأرض فعادت للعب وهو نهض "مهرة، نحتاج لأن نتحدث"
كانت تعلم أنه سيفعل وهي لن تهرب، هروبها السابق كان خوفا على طفلتها لكن اليوم لا، هي لم ترتكب جُرم لتفر منه..
نهضت، وضعت قبلة على وجنة طفلتها وتحركت للخارج بلا كلمات ودون أن تُظهر تعبها الواضح على ملامحها..
نفس الغرفة التي كانت تستقر بها، لم تذهب لغرفتهم التي كانت لهم وكان من المفترض أن تعود لها
دخلت وتركت الباب مفتوح. تعلم أنه ها وصوت الباب يُغلق أكد على ذلك
لم تلتفت له، دخان السيجارة رحل لها وصوته تبعه "هل تمنحيني تفسير لخروجك من المشفى؟"
لم تحرك ذراعها الذي به الإصابة، بل رفعت خصلاتها بيدها الأخرى وأيضا لم تنظر له "لم أعد أحتاج لها"
لم تسمع خطواته عندما وجدته يقف أمامها لترفع وجهها له.. رأت غضب مكتوم بنظراته وهو رأى المثل بالبنفسجية..
كلماته ترتد له.. تركت المشفى الفاخر ورفضت ما منحه لها.. هل تظن أنه سيصدقها؟
كلاهم ظل صامتا حتى قطع هو الصمت "تعلمين أن ذلك ليس صحيح، لابد من إجراء الجراحة"
ذلك الهدوء غريب، كلاهم يحمل داخله بركان نشط وما زال لم ينفجر حتى الآن، لم ولن تتوقف الحرب بينهم أبدا
"سأجريها وقتما أشاء"
وابتعدت وهي تكمل "وبالمكان الذي أختاره أنا"
ها هي تتطرق للأمر بالفعل..
نفخ الدخان وقال "تعلمين أني لن أسمح لكِ إلا بما أريد أنا"
البركان يزداد اشتعالا وهي تحاول البقاء صامدة بمواجهته "لست بحاجة لك، أخبرتك أن بإمكانك إنهاء كل شيء ولا تقلق، أيلا تحت أمرك بأي وقت ترغب برؤيتها"
والتفتت لترى جانب وجهه "أريد العودة للإسكندرية، أحتاج عملي"
تحرك.. ببطء غريب، أطفأ السيجارة قبل أن يعتدل ويقابل وجهها الشاحب "أي عمل؟ هل تظنين أني أصدق أنكِ تريدين ترك كل هذا والعودة.."
ولم يكمل، ترك عقلها يستنبط ما عناه وهي فعلت وأجابت "نعم رحيم، نعم أنا لا أريد كل ذلك، فقط أريد حياة هادئة بلا نزاع ولا خلاف، كما كنت قبل لقاءك"
الغضب شيطان أخرس يدفع بلا كلمات "تقصدين فرار من الحقيقة والمواجهة، كعادتك"
لم تستسلم لاستفزازه فقط قالت "قل ما شئت فأنا لن أجادل، لن أعيش عمري كله أدفع عن نفسي تهم لم أرتكبها"
تحرك حتى وقف أمامها.. لم تخفض عيونها.. واجهته.. وهو تمسك بالهدوء الزائف "ومطلوب مني قبول ذلك والتعايش معه"
لم تهتم بالسخرية الواضحة بكلماته "لم أطالبك بشيء، بل العكس أنا حررتك من أي شيء تجاهي، أتحمل نفسي بنفسي ولا أريد منك شيء"
مال تجاها.. اقترب بوجهه منها، لم يصل لقرار لكن عنادها جعله يتخذ العناد طريق هو الآخر "ليس بخاطرك مهرة، أيلا لن تذهب بعيدا عني مرة أخرى وأنتِ من سيختار البقاء معها أو لا"
تجهم وجهها.. لم تظن أن يلوي ذراعها بابنتها "أنت تساومني رحيم؟ على ماذا؟ أعلم أنك لا ترغب بوجودي فلماذا تفعل ذلك؟"
نظراته لها كانت حادة لكن لم تفهم ما بها، يمكنه حقا إخفاء ما بداخله بسهولة
هو لا يرغب سوى بوجودها معه..
ابتعد من أمامها وسيجارته تندفع لفمه والنيران تحرقها والدخان يرتفع من فمه "لنفس السبب، أيلا، لن تنشأ بأسرة مفككة"
لم يمكنها البقاء هادئة فهتفت "ولن تنشأ بين والدين لا مكان للثقة بينهما"
التفت لها.. دخانه أخفى معالمه لكن لم يخفي غضبها عنه "لم أمنحك ما يجعلك لا تثقين بي"
أشاحت بيدها بنفس الغضب ونفس الصوت الغاضب "لا تتلاعب بالكلمات رحيم، تعلم معنى كلماتي جيدًا، وأخبرتك أني لن أدفع عن نفسي أي ظنون تحملها ضدي، لا يمكن أن نبقى تحت سقف واحد وأنت تراني تلك المتسلقة، الانتهازية، الطامعة بأموالك ومكانتك، فقط طلقني رحيم ولنعود كما كنا"
ضاقت عيونه، السيجارة احترقت من أنفاسه والدخان خرج من فمه معلنا عن حالة الصراع داخله..
تحرك لها حتى انتهت المسافة بينهم "بلا عقاب على ما فعلتِ؟ لا أظن مهرة، ستجرين الجراحة أولا وبعدها يأتي الحساب.. وأنتِ لن تذهبي لأي مكان خارج هنا طالما ترغبين بابنتك معك"
وتركها وتحرك للخارج وهي ترمش بعيونها تستوعب التهديد الواضح بكلماته والتفتت تنظر للباب الذي أغلقه خلفه مدركة أنه أغلق عليها كل أبواب الأمل بحياة مختلفة عما عاشته
الفصل 13
رواية جامحه بقلبه بقلم داليا السيد
جراحة
لم تغفل لحظة، جرح كتفها يؤلمها وجرح قلبها أشد إيلاما..
اللعب مع أيلا لم يساعدها والراحة بالفراش أيضا لم تفعل.. حاسوبها المحمول جذبها لوقت جعلها تنسى معاناتها والعمل منحها سكينة كما اعتاد أن يفعل بها..
يومان مرا وهي تتعافى من جرح كتفها.. ممرضة كانت تأتي لرؤية الجرح ثم ترحل وهي لم تعد بحاجة لها..
لم تفكر بالورم وقررت أن تعيش به طالما ليس خبيث.. لن تخاطر بجراحة قد تنهي حياتها وهي الآن عادت لتتمسك بالحياة من جديد
لكنها لم تحسب حساب تطور المرض وخطورته على حياتها
لم تراه طوال اليومان.. لم يعد البيت ولم يهاتفها ولا هي..
لم تعرف ماذا تفعل فهي هنا كالسجينة برجاله التي تلف البيت بإحكام وابنتها التي تعلقت به وبالحياة المترفة التي بدأت تعتاد عليها ولن يمكنها منحها إياها لو رحلت بها
كانت تتابع ما علق من أعمال عبر الانترنت ولكن ليس كما لو كانت موجودة بالفعل
ظلت واقفة أمام نافذة غرفتها.. تائهة.. لا مكان للعقل ولا الجنون ولا أي شيء..
دقات على الباب ورأت الخادمة تدخل "سيد مسلم يرغب برؤيتك مدام"
ضاقت عيونها من الدهشة، مسلم لا يواجها منفردا دون سيده.. هل رحيم بخير!؟
لم تسأل وهي تتحرك للخارج ونزلت لتجده ينتظرها فقالت "ماذا حدث مسلم؟ هل رحيم بخير؟"
ما زال جامد الملامح.. لا يمنحها أي شيء فقط قال بهدوء "بخير مدام، هو بطريقه للمطار، طرأ عمل مفاجئ بسيدني وأتيت لأخذ الحقائب"
ظلت صامتة.. تستوعب كلماته.. سيرحل ويتركها.. هو من يهرب تلك المرة وليس هي.. هو من اختار الطريق
الصمت سقط هزيلا.. لم يمكنه هزيمة الغضب
رفعت رأسها "جيد، أكيد أخبرتهم"
التفتت لتذهب لكنه أوقفها "مدام انتظري.. "
وقفت بمكانها دون أن تنظر له وهو قال "لقد تم تحديد موعد الجراحة غدا ولابد.. "
ولكنها عادت له، حاولت ألا تثور بوجهه وهي تجيبه بنبرة ثقيلة، محملة بالغضب "أخبره أني لن أجري أي جراحة، خاصة بالمكان الذي يرغب به"
وتحركت للأعلى والدموع ارتفعت لعيونها والألم يسيطر عليها.. رحل وتركها وهما بوسط النيران.. لم يخمداها ولم يتخطيان العقبات، ويتحدث عن جراحة
أي جراحة وأي مشفى؟
هي لا ترغب بكل ذلك.. كانت تريده هو.. هو فقط
سقطت على الفراش والدموع أغرقت وجهها، عقلها توقف عن العمل والضباب سقط عليها مبعثرا كل أفكارها هنا وهناك وأصبحت داخل متاهة لا تعرف لها أول من آخر
شكوكه تحطمها.. تمزقها من داخلها.. هل يمكن بيوم ما أن ينتصر حبها له على غضبها منه؟
هل ستسامحه على تصرفاته معها؟
الأيام كانت تمر عليها وهي تحاول الخروج من الاكتئاب الذي تمكن منها.. اعتادت على محاربة كل شيء وحدها وها هي تفعل مرة أخرى
الصداع بدأ يزداد والإرهاق، غثيان غريب ظهر لأول مرة ولكنها لم تهتم..
الشركة لم تعد تطالبها بشيء.. كيف تفعل وهي زوجة المالك؟
ومع ذلك أوجدت لنفسها عمل بمكان آخر عبر الانترنت كما فعلت عندما كانت حامل..
لديها قدرات على التعامل مع تلك الأوضاع ولن تضعف أبدا
نست عدد الأيام عندما كانت تنزل من غرفتها لتتلقى أشياء طلبتها رغم التعب الذي بدأ يظهر عليها بالهاتف لترى الخادمة تفتح الباب ولكن ليس لرجل التوصيل بل..
عنان..
توقفت بمكانها وعنان تتقدم للداخل وترفع رأسها بشموخ وغرور.. سفر ابنها منحها فرصة للانفراد بتلك النكرة
تقدمت عنان حتى وقفت قريبة وهي تقول "ظننت أنكِ رحلتِ من هنا؟"
أكملت مهرة نزول السلم حتى وقفت أمامها، لم تخفت نبرتها ولم تهتز "وجود حضرتك هنا يدل على أنني هنا"
تجهم وجه المرأة ومهرة تواجها "جرأتك ليست بغريبة على أمثالك"
عقدت ذراعيها ومال رأسها وهي ترد لأول مرة بطريقة قوية، ما فعلته بابنتها ما زال ينبض داخل قلبها.. وعقلها
"ألا تملكين كلمات مختلفة؟ لقد حفظت اسطوانتك عن مكانتي التي لا تليق بكم فهل من جديد؟"
الغيظ لمع بعيون المرأة وهتفت "لماذا لا ترحلين؟ ماذا تريدين منه؟ لقد تأكد من أنكِ مخادعة وتركك فماذا تفعلين هنا؟"
الغضب كان يحاول أن يهزم هدوءها وهي قاومت كي لا تنهزم أمام عنان "سؤال رائع لكن اسأليه لابنك وليس لي"
هتفت بها "فقط اعترفي له أنكِ كذبت بشأن تلك الفتاة وأن أمثالك لا تصلح لمنح أمثالنا أولاد"
ظلت تحدق بها للحظة ثم ابتعدت من أمامها وقالت "جيد، اعتبري أن لا أولاد لكم عندي وابتعدي عني وانسيني، أنا لم أطرق بابك"
عنان ليست هادئة، العمر له أحكام "أيتها الوقحة، أنتِ لا يمكنك التجرأ والوقوف حتى أمام بابي"
التفتت، نظرت لها وابتسامة ساخرة ملأت وجهها وصوتها أيضا حمل السخرية "نعم فهو مصنوع من ذهب وأنا لا أرقى لرؤية الذهب"
تحركت عنان لتقترب منها "نعم، حثالة مثلك مكانها الشارع وليس هنا، هيا اخرجي من هنا، هيا"
لكنها لم تقبل، رفعت رأسها بعناد ركبها بلا تراجع وهي تقول "ليس هذا بيتك لتخرجيني منه، هو بيت زوجي أي بيتي وأنا فقط من له الحق بطرد من لا مكان له هنا"
هتفت بها "أيتها.. "
ورفعت يدها لتصفعها قبل أن تكمل السب ولكن يد مهرة أمسكت بمعصمها، أوقفت يدها بالهواء والكلمات بفمها وهي تمنحها نظرة قوية ثم..
شدت على معصم عنان بقوة أكبر.. لدرجة أن الألم ظهر على وجه عنان..
اقتربت مهرة من المرأة خطوة.. صوتها انخفض بشكل أخطر وكلماتها خرجت حازمة "هذه آخر مرة ترفعين فيها يدك عليّ.. أو على ابنتي"
وزاغت العيون بمواجهة صامتة لكن مهرة قطعتها مرة أخرى "المرة القادمة، لن أوقف يدك فقط"
والتهديد كان واضح وارتجاف شفاه عنان عنى أنها تلقت الرسالة ومهرة تسقط معصمها بقوة انحنت لها عنان من شدة الدفع ومهرة تبتعد من أمامها ومنحتها ظهرها وهي تتحرك للأعلى دون اهتمام بمن تركتها خلفها
دخلت غرفتها وصفعت الباب بقوة خلفها وأغلقت عيونها وهي تنظم أنفاسها وتتحكم بدموعها وهي تعبت من كل ما تتعرض له منذ دخل حياتها
هي لم تعرف نفسها وهي تتعامل مع عنان بتلك الطريقة؟ هي لم تكن مهرة.. دفعوها لتصبح امرأة غريبة عمن عرفت
التفتت واستندت بيداها على الباب ورأسها سقط عليهم وهي تترك نفسها للبكاء ربما يخفف مما تعانيه داخلها ولا تستطيع الجهر به فليس لها من تبثه أحزانها ويحمل عنها همومها
****
لم يكن بإمكانه تجنب السفر، الصفقة كانت على وشك الانهيار والعرض الصيفي طلب وجوده بالمكان الجديد الذي يتم عرض منتجاتهم وازيائه به..
انغمس بالعمل لدرجة أنه كان ينسى الطعام وحتى عندما بلغه مسلم بزيارة والدته لمهرة لم يهتم بما تم بينهم ولم يجيب اتصالات عنان ولا نارا بالطبع
هي من تمنى أن تهاتفه ويسمع صوتها ولكنها لم تفعل.. ولا هو
ربما سقوطه بالعمل كان مقصود، رغبة منه بمحاولة إجادة التفكير لكنه لم يجد وقت أصلا ليفعل
اسبوعان مرا بسرعة البرق عندما خرج من الحمام على رنين هاتفه فخرج وهو يلف المنشفة حول خصره ليرى رقم لا يعرفه فأجاب
"معك مشفى.. السيد رحيم؟"
رفع رأسه، المشفى تتواصل معه هنا؟ هل أصابها شيء؟
أجاب بهدوء "نعم"
عاد الصوت يقول "حضرتك لم تخبرنا بقرارك النهائي بالجراحة والطبيب طلب التأكيد"
عبث بعيونه بأصابعه للحظة قبل أن يقول "لن نقوم بشيء الآن"
صمت مر عبر الهاتف حتى قالت الفتاة "الطبيب بلغ أن الحالة خطر يا فندم وعليكم متابعتها، شكرا لك"
أغلق وظل واجما وقد تجاهل أمر المرض.. العناد أخذ كلاهم لطريق بلا عودة لكن الآن لابد من العودة، ما زالت حياتها بخطر وأيلا بحاجة لها..
حتى ولو كذبت بأمر الكانسر إلا أنها بالفعل مصابة بمرض وأيضا خطر..
هو جاء هنا محاولا تجاهل ما داخله ومخاوفه هو شخصيا عليها..
دقات على الباب جعلته يوقف الجمود الذي سقط به ويأذن ليدخل مسلم "مساء الخير، العشاء بعد ساعة ولقد أحضرت لك ما طلبته من معلومات عن جاكسون"
تحرك للملابس وقال "هل هناك ما يستدعي بقائنا أكثر مما كان؟"
ثبتت نظرات الرجل عليه وقال "العشاء آخر الأمور الهامة، كنت سأخبرك ذلك"
أغلق القميص وقال "جهز الطائرة سنعود غدا"
لم يرد مسلم، جذب ربطة العنق وعاد هو يقول "لم تخبرني ماذا فعلت بخصوص نتائج المدام الأولية؟"
تجهم مسلم وتأخر الرد منه فنظر له بالمرآة "مسلم هل سمعتني؟"
رفع مسلم رأسه وتنفس وهو يقول "نعم مستر رحيم"
انتهى من ربطة العنق والتفت متحركا ليصل أمامه ونظر داخل عيونه وأعاد كلماته "وما هي نتائج بحثك؟"
نبرته كانت هادئة لكن مخيفة.. بها تحذير خفي يعرفه مسلم جيدا "نفس نتائج المشفى"
ضاقت عيونه.. هل مهرة كذبت عليه حقا؟ لآخر وهلة كان يصدقها ويظن أن الخطأ من المعمل لكن الآن..
الصمت أخذه لحظة قبل أن يبتعد وقال "ما أن نعود حتى تحدد موعد جراحتها"
جذب الجاكيت محاولا إخفاء غضبه لكن مسلم كان يعرفه جيدا "ما زلت لا أصدق أن مدام مهرة مخادعة"
الغضب خرج من قفصه بوجه مسلم "أنا لا أهتم بما تصدقه من عدمه مسلم، فقط نفذ ما قلت وأنت صامت"
بريق عيونه جعل مسلم يدرك أنه تخطى للمحظور ولكنه لم يهتز، هو رجل تعلم ألا يخاف من أي شيء أو أي أحد "تمام مستر رحيم، لكن.. "
تحرك له.. وقف أمامه.. وجه تلون بالسواد، الرمادية انقلبت للأسود وصوته خرج مخيفا "هل اعتدت على مراجعتي بأوامري مسلم؟"
لا هو لم يفعلها من قبل لكن من داخله يشعر بخطأ ولا يفهم سببه لذا لم يتراجع وهو ثابت أمام رحيم وصوته خافت لكن ليس ضعيف "لا مستر رحيم، آسف ولكن لابد أن أخبرك أني أشعر بوجود خطأ ما، مدام مهرة.. "
قاطعه بحزم واضح "مدام مهرة تخصني أنا مسلم وليس أنت، وما أقوله ينفذ، هل تسمعني"
ظل الرجلان متواجهان.. لأول مرة يواجه مسلم رحيم بذلك الشكل ولا يتراجع ولا يرد مما جعل رحيم يميل برأسه ولهجته تتبدل
"هل تسمعني مسلم؟"
وكأن مسلم كان يجاهد نفسه ليتراجع حتى هز رأسه بالموافقة فابتعد رحيم والغضب يسيطر عليه من تصرف مسلم الغريب..
ما أن دخلت سيارته من بوابة الفيلا ونزل منها حتى رأته أيلا التي كانت تلعب بالحديقة مع مهرة، اندفعت الفتاة له بسعادة فاجأته
وسعادته برؤيتها فاجأته أيضا.. هل تعلق بها بهذا الوقت القصير؟
احتضنها بقوة وهي تهتف "بابي، افتقدتك جدا"
ابتسم لها وهو يضمها بذراعيه "وأنا أكثر أميرتي، كيف أمضيتِ فترة غيابي؟"
نظرت له وهو يقربها منه وقالت ببراءة "مع مامي ومس سحر والألعاب، مامي تقول أنني بحاجة لحضانة ولكني لا أريد تركها وحدها وقريبا سأذهب المدرسة"
وأخير رفع عيونه لها لكنها لم تكن موجودة.. اختفت.. بحث بالحديقة فلم يجدها
نفخ بضيق من تصرفها.. مشاكلهم لا تنتهي، كلاهم يناطح الآخر العناد.. هو على حق فماذا عنها وهي من خدعته وكذبت عليه؟
سحر تحركت له لترحب به وأيلا تسأله "ماذا أحضرت لي بابي"
ابتسم وهو يجيبها "أشياء كثيرة أميرتي، مس سحر ستحضرها لكِ.."
تحرك بها لمكان ألعابها وهي تسأله "هل بها ألعاب؟"
وضع قبلة على وجنتها وقال "بالطبع حبيبتي، ألعاب وملابس وأحذية، كل ما تحلمين به أوامر لي"
طوقته بذراعيها الصغيرة وهي تضع قبلات على وجنته "شكرا بابي، أحبك جدا أنت ومامي"
تركها لتنزل وهو يقول "ومامي تتركك وحدك؟"
أمسكت لعبة من خاصتها وقالت دون النظر له "لا، فقط عندما تشعر بالتعب أو الغثيان والقيء، وذلك الصداع أصبح مزعج.. هي تقول ذلك"
تجهم وجهه.. تذكر كلمات الطبيب من ضرورة سرعة إجراء الجراحة.. اللعنة على عنادها
اعتدل وقال "وهل تسمح لي أميرتي بالذهاب للاطمئنان على مامي؟"
هزت رأسها وهي تجيبه دون النظر له "نعم، فقط من فضلك دع مس سحر تأتي باللعب"
منح سحر نظرة عنت أن تفعل وانحنى ليطبع قبلة على وجنة ابنته وتحرك لداخل الفيلا باحثا عنها وبالطبع صعد لغرفتها..
من صوت القيء بالحمام عرف حالتها.. تلك العنيدة ترفض إخباره وترفض الجراحة.. هل ترغب بقتل نفسها؟
السيجارة اشتعلت بفمه وهو ينتظرها والغضب يزداد داخله..
التفت من صوت باب الحمام ليراها تترنح وتستند على الجدار فقذف السيجارة بالمطفأة وأسرع لها وهي تسقط بين ذراعيه دون وعي
الأصوات كانت كثيرة من حولها ولم تكن تدري ما هيتها.. بصعوبة فتحت عيونها والضوء ضايقها، اليومان الأخيران كانا من أصعب ما مر عليها..
كانت تسمع كلمات الطبيب بأن الورم سيؤثر على أشياء كثيرة وها هو بدأ بالفعل.. الصداع أصبح دائم ولا فائدة من أي دواء
غثيان وقيء.. فقدان للشهية والكثير من الأعراض التي لم تكن موجودة من قبل
سمعت صوته يناديها "مهرة، مهرة هل تسمعيني؟"
حركت عيونها لتراه أمامها.. أطول مما عرفته.. الصداع يدق بقوة وهي تهمس بضعف "ماذا.. حدث؟"
شبح لرجل آخر ظهر بجواره عرفته بالطبع وصوته أكثر قوة "فقدتِ الوعي مدام، تلك الأعراض ستزداد يوما بعد يوم، لذا لابد من الإسراع بالجراحة كما أخبرتك"
كانت تعلم صحة كلماته لكنها لم ترغب بوجوده.. لماذا حدث ذلك وهو هنا؟
سمعته يرد "اتخذ اللازم دكتور وسنجري الجراحة عندما تخبرنا"
أبعدت وجهها دون قدرة على الجدال.. لقد وصلت للنهاية.. لم تعد تستطيع محاربة كل ما حولها بعد الآن فقد تعبت
فقط أيلا هي كل ما تربطها بالحياة "لماذا لم تخبريني بكل ما كان يحدث لكِ؟"
ضعفها كان يغضبها وتمنت لو صرخت به كي يذهب ويتركها ولكنها لم تستطع "ربما أكمل التمثيلية"
لف وجهه بعيدا وهو يذكر كلماته قبل أن يرتد لها ويقول "أنتِ من يدفعني لذلك التفكير مهرة"
أغمضت عيونها بتعب حقيقي وهي تقول "أخرجني من حياتك إذن لترتاح"
ارتد لها.. انحنى على جسدها الهزيل الراقد بالفراش وغضبه يرتد له "هكذا بسهولة!؟ دون دفع ثمن تصرفاتك"
فتحت عيونها وعادت له ودموع سكنتهم، ألا يكفيه ما تعانيه؟
"أخبرتك أني لن أدافع عن نفسي ولن أجادلك بشيء، أنت تريد تصديق تلك الصورة عني رحيم، ترفض رؤية مهرة الحقيقة وأنا لا يهمني"
ظل على وضعه.. يواجه عيونها، يرفض كلماتها..
ثائر، غاضب، حانق..
لكن.. من داخله يعلم أن بكلماتها جزء صحيح
"وما يهمك هو تحقيق أحلامك وأنتِ زوجة العزايزي"
تدحرجت الدموع من عيونها وقالت "نعم، أحلامي وأنا على شفا الموت أليس كذلك؟ أنا متعبة هل تتركني وحدي؟"
سكنت ملامحه لحظة.. كأن الكلمات اصطدمت بشيء داخله لم يستطع تجاهله هذه المرة
نظراته سكنت على وجهها الشاحب.. على تلك الهشاشة التي لم يرها بها من قبل
صوت من داخله يهتف به، هي لا تُمثل.. هي الحقيقة التي كما قالت، لا يرغب بأن يراها، لكنه لم يسمح لنفسه بسماع الهاجس
ومع ذلك كل ما مرا بهما يجعله يدرك أنها ليست كما يحول تصويرها
شد فكه بقوة.. وكأنه يعاقب نفسه قبل أن يعاقبها ثم اعتدل واقفا فجأة وقال "ستُجرى الجراحة كما قلت للطبيب"
كان قرار حاسم.. لا نقاش فيه
أغلقت عيونها بتعب.. حتى الرفض لم يعد لديها طاقة له ومع ذلك همست بصوت بالكاد سمعه "وأنا قلت.. لن أفعل"
ظل ينظر لها.. هذه المرة كانت نظراته مختلفة، ليست فقط غاضبة، بل تحمل شيء أخطر.. إصرار
اقترب خطوة ثم أخرى.. حتى وقف بجوار الفراش، عاد وانحنى.. صوته انخفض لكنه كان أشد قسوة وهو لا يفهم سبب قسوته تلك
"وأنا قلت.. ستفعلين"
فتحت عيونها ببطء.. قابلت عيونه مباشرة، وهو ظل يواجها، لا يوجد خوف، فقط تعب.. استسلام وشيء يشبه الكسر
"بأي حق؟"
الوهن لحق بصوتها، لم يرتفع ولم يتغلف بالقوة والسؤال كان بسيط، لكنه ضربه بشدة، وكأنها تخبره أن وجوده لا معنى له
صمت.. للحظة لم يجد إجابة.. لكن عناده أنقذه كعادته.. رحيم العزايزي لا يقف عاجز "بحق أني زوجك"
ابتسمت..
ابتسامة صغيرة.. موجعة.. بلا روح ولا حياة "زوجي!؟"
هزت رأسها ببطء وهي تكمل بمرارة واضحة "الزواج ليس ورقة رحيم، ولا كلمات من المأذون وانتهينا، الزواج ثقة.. وأنت قتلتها بيدك"
كلماتها كانت هادئة.. لكنها أشد من أي صراخ
زاد اقترابه دون وعي.. كأنه يحاول الإمساك بشيء يهرب منه أو ربما وهم يراه بلحظة ويختفي باللحظة التالية "وأنتِ لم تتركي لي أي خيار آخر"
ضحكت بخفة.. ضحكة واهنة.. تحمل مرارة تملأ قلبها "دائما لديك مبرر.. حتى وأنت تكسرني"
سكت..
لأنها هذه المرة.. لم تترك له مساحة للهروب..
بلا وعي.. مد يده.. لمس وجنتها، مسح دموعها بإبهامه ورغم كل ما بينهم من جنون وصراع إلا أنه ما زال يريدها.. وأكثر مما كان
وهي تجمدت..
عيناها سكنت على عيونه.. تبحث عن الرجل الذي أحبته.. لكنه..
استعاد نفسه فجأة.. سحب يده بالحال.. كأنه لمس نار وارتد للخلف خطوة قبل أن يقول ببرود مصطنع
"استعدي للجراحة.. ستكون بعد يومين على الأكثر"
والتفت ليغادر.. هاربا من نفسه وضعفه.. وجنونه، لكن..
صوتها أوقفه "لو مت.. سترتاح؟"
وجمد بمكانه
السؤال لم يكن درامي، أو لعب على أوتار مشاعره فهو لم يمنحها أي مشاعر، بل كان حقيقي.. مرعب.. صادق
ببطء، لف وجهه لها لكنها لم تنظر له، سكنت رموشها على عيونها، تُخفي الضعف داخلها، الحزن.. الألم وربما كانت تتخيل الاجابة بدونه
لم تتوقف بل زادت "ستتوقف من الشك، من العناد.. مني، من كل شيء خاص بي"
صمت طويل سقط بينهم.. وكأن الكلمات نفدت وانتهت.. واختنق الجو حولهم
قبض على يده بقوة، عروقه برزت وكأنه كان يحارب شيء داخله حتى خرج صوته منخفض، مبحوح بكلمات لم يعرف كيف قالها
"أنا لم ولن أرتاح بدونك مهرة"
وأكمل طريقه فاتحا الباب.. وخرج
ورنت الكلمات بأذنها.. ورنين دقات قلبها يمتزج بها.. هل حقا ما قال؟
لكن سرعان ما سكن المعنى الحقيقي داخل عقلها، هو قصد وجودها لينتقم منها.. وقتها سيرتاح
أغلقت عيونها واعتصرتها من الألم وتركت قلبها ينزف على نفسه فهو يستحق لأنه أحب رجلا لا يستحقه
**
كانت متعبة جدا باليومين التاليين، لدرجة أنها لم تكن تقوى على النهوض أو الخروج من غرفتها وأيلا كانت تأتي معه لرؤيتها ولكنها كانت تذهب باللاوعي
وأخيرا تم نقلها للمشفى.. لا تنكر وجوده ولكنها لم تمنحه امتنانها لذلك ولا هو انتظر منها شيء
فقط منحها شعور بأن ما يفعله.. واجب.. روتين.. لا شيء مرتبط بمشاعر وأحاسيس
وكلاهم كان كاذبا حقا..
وداعها لابنتها مزق قلبها.. دموعها لم تجف.. تحملت كل ما تحملت لأجلها والآن رغم أنها ترحل بلا أمل بالعودة، تطمئن قليلا لأنها فقط مع والدها..
هو الوحيد الذي تثق بأنه سيكون حصن الأمان لها..
الغرفة لم تكن كالسابقة بل كانت مجهزة أكثر بأجهزة مختلفة وشعرت بخوف ورهبة وربما شبح الموت كان يلتصق بها..
كانت ترى والدتها.. صراعها مع المرض.. خالتها التي رحلت بعمر مبكر أيضا بسبب نفس المرض.. قد تكون هي أكثر حظا منهم لأنه حميد لكن..
الخطر لا يقل عنه..
لم يتبادلا أي كلمات بعد حوارهم الأخير، كلاهم كان يفر من مواجهة الآخر وكلاهم كان يكتفي يما يحمله داخله من خوف وقلق..
انفضت الغرفة من حولها.. تبقى وقت لا يُذكر على اسدال الستار على حياتها وتعليق كلمة النهاية
مشهد مخيف لكن بلا جمهور.. فقط هي وأنفاسها المرتفعة وهدوء ثقيل..
هدوء غير مريح.. يخنق الصدر.. كأن الجدران نفسها تنتظر خبر لن تحبه، نفس اليأس والاستسلام
نفس الإدراك.. أنا راحلة للموت
ظلت جالسة على الفراش، الوسائد خلف ظهرها.. رأسها استند على ظهر الفراش ونظراتها زاغت بالفراغ من حولها..
لم تفكر بما سيحدث بالجراحة، لم تخاف منها، الخوف الحقيق كان مما يمكن أن يحدث بعدها.. أو.. لو لم يكن هناك بعدها
سقطت نظراتها على يدها، الإبرة التي انغرست داخلها.. الأجهزة التي تحيطها.. الظلام الذي يهيمن على عقلها
تنفست ببطء.. حتى.. رفعت يدها على قلبها وكأنها تتأكد أنه ما زال يدق فلمست دقاته السريعة والمخيفة..
ثم..
مدت يدها للدرج القابع بجوارها.. فتحته بهدوء وتلك الورقة الفارغة ساكنه به..
جذبتها والقلم معها وظلت ثوان تحدق بالورقة.. القلم بين أصابعها لكن..
بلا كلمات.. تمنعت عليها.. رفضت رفقتها.. حتى.. ابتلعت ريقها واستجمعت آخر ما تبقى لديها من قوة
وبدأت تكتب..
“أيلا"
وتوقفت.. ابتسامة باهتة مرت على شفتيها.. ودمعة خانتها ونزلت على وجنتيها.. وألم نبض بقوة داخلها
“أنا لا أعلم متى ستقرئين هذه الكلمات! أو هل ستقرئينها من الأساس أم لا"
أصابعها كانت ترتجف بالقلم والكلمات كانت معوجة لكنها أكملت "لكن لو وصلك خطابي هذا.. فهذا يعني أني لم أعد معك"
أغمضت عيونها لحظة.. الدموع لم تظل داخلهم بل تحررت منهم، أنفاسها اختنقت مع بكائها المكتوم.. لكنها أكملت "أنا آسفة حبيبتي، آسفة أني قد تركتك.. لكن صدقيني فقد حاولت أن أبقى لأجلك"
وسقطت الدموع.. على الورقة.. فزعت.. ومسحتها بسرعة خوفا من أن تفسد الرسالة "لا تغضبي مني حبيبة القلب، تذكري دائما أني كنت أحبك أكثر من أي شيء أو أحد في الدنيا"
ووقفت مرة أخرى..
اسم واحد خطر على بالها بتلك اللحظة.. غصبا عنها
رحيم..
شدت يدها على القلم.. للحظة فكرت بكتابة اسمه.. ولكنها تراجعت.. تركت السطر فارغا ثم عادت وأكملت
"خذي بالك من والدك.. هو قوي حقا كما يبدو للجميع.. ومع ذلك ينكسر دون أن يُظهر"
وشهقت بخفة.. وكأنها اعترفت بشيء كانت تخفيه حتى عن نفسها "ولو غضب منكِ بيوم ما.. سامحيه حبيبتي.. هو لا يعرف كيف يحب دون أن يخطئ"
وضحكت.. ضحكة مكسورة من بين دموعها.. ضحكة حزينة كصدى للألم وعادت تكتب "وربما أنا أيضا لم أحبه صح.. "
سكتت.. توقف القلم.. لكن قلبها لم يفعل.. كان يكمل ما بدأ لكن بدقاته المخفية داخل صدرها
دق الباب.. انتفضت
مسحت دموعها بسرعة وطوت الورقة على عجل ووضعتها تحت الوسادة.. كأنها تُخفي جزء من روحها ولا تعلم هل سيعود لها أم لا؟
صوت الممرضة الهادئ جذبها للواقع "جاهزة مدام؟"
هزت رأسها..
نهضت بصعوبة وتعب.. وربما خوف من القادم منع قدماها من أن تحملانها.. وقبل أن تتحرك.. وقفت لحظة.. دارت عيونها بالمكان كأنها تودع كل شيء لكن..
توقفت عيونها عند الباب.. جزء منها كان ينتظر.. ربما لم يرحل.. ربما يدخل.. أو يقول شيء.. يمنعها
لكن الباب ظل ساكتا.. ومن تمنته لم يعبر منه
وابتسمت.. آخر ابتسامة، ضعيفة.. يائسة وهمست لنفسها "هكذا أفضل.. "
وتحركت.. لمصيرها المجهول
وتركت وراءها.. ورقة صغيرة.. وقلب كبير.. كان يحب رغم كل شيء وتمددت على الفراش المتحرك والفتاة تدفعها
سئمت تلك الممرات الباردة والأضواء الخافتة بالسقف.. الفراش تحرك ببطء شديد، مخيف..
هل تقاد لحبل المشنقة؟
تمني أمنية مهرة.. سخرت من داخلها.. الأماني للأحياء لكن أنتِ.. ورحلت الكلمات..
حركة الفراش كانت بطيئة وعيناها مفتوحة.. ساكنة.. لا تبحث عن شيء إلا..
توقف الفراش فجأة.. وصوت قوي هو من فعل "لحظة لو سمحتِ"
لم يكن ليسامح نفسه لو دخلت دون أن يراها.. وصوته.. اندفع داخلها قبل أن تراه وتحركت عيناها حتى استقرت عليه
وقف.. على بعد خطوات.. يلتقط أنفاسه، ملامحه جامدة لكن عيونه لا.. بخطوات قليلة كان بجوارها.. بلا كلمات
فقط نظر لها.. كأنه كان يحاول حفظ ملامحها أو ربما.. بث الطمأنينة داخلها.. وداخله
لم تبكي.. لم تبتسم ولم تتبدل ملامحها فقط قالت بهدوء مرهق "ظننتك لن تأتي؟"
جمدت ملامحه وكأن كلماتها لم تعجبه أو أصابته بمكان ما "ولكني هنا"
قالها باختصار. بلا قوة بصوته كعادته.. ثم صمت
ومرت ثانية .. ثقيلة وكلاهم يحدق بالآخر بلا رغبة بالانفصال حتى قال فجأة وكأنه يهرب من شيء "الدكتور قال أن الجراحة هامة و.. "
قاطعته..
بصوت ضعيف لكن حاسم "أعلم"
عاد وسكت.. لم يجد ما يقوله.. وطالت نظرتهم تلك المرة حتى نطقت "لو خرجت.. دعني أرحل"
جملتها نزلت بهدوء.. لكنها ضربته.. لو شُفيت كان من الأجدر أن تطالب بالحياة الرغدة ولكنها..
"ليس هذا وقته مهرة"
قالها بسرعة.. حادة.. وكأنه يرفض ما قيل.. لكنها لم تتراجع "بل وقته.. لأنه ربما لا يكون هناك وقت آخر"
ابتلع ريقه واشتد فكه وظهرت عروق وجهه بشدة وكأن كلماتها أجبرته يسمع الحقيقة التي يفر منها.. حتى..
رفعت يدها ببطء فتحركت عيونه لها.. تردد لحظة ثم مد يده وأمسك يدها.. لم تضغط.. لكنها لم تتركه "خذ بالك من أيلا.. ليس لها سواك"
وقاومت الدموع.. ليس وقت الضعف.. صوتها كان هادئ، عميق.. كأنه خرج من مكان بعيد..
ضاقت عيناه وهمس.. لكن بنبرة مهزوزة "توقفي عن كلامك هذا"
رفعت عيونها له ولأول مرة كان فيها شيء واضح جدا.. حب.. صريح.. بلا خوف و.. صدق "أنا لم أكذب عليك رحيم"
وسكنت الكلمات بينهم.. بسيطة، لكنها أثقل من أي دليل.. منحها نظراته لثواني.. طويلة..
كان من الممكن أن يصدق بل كان عليه أن يفعل أو يسأل لكن.. عناده سبقه.. حتى عاد لها "عندما تخرجين، نتحدث"
ابتسمت.. ابتسامة صغيرة.. هادئة.. كأنها فهمت "لو خرجت.. "
وتجمد.. لكن الممرضة قطعت اللحظة "لابد أن ندخل حالا يا فندم"
يده ظلت ممسكة بيدها لثانية إضافية.. ثم تركها.. ببطء والفراش يتحرك بها وهي..
لم تبعد عيونها عنه، حتى اختفى.. وهو ظل واقفا.. مكانه، لا يتحرك وكأنه ترك جزء منه معها.. دخل غرفة العمليات..
وانغلق باب الغرفة.. بصوت بسيط.. لكنه كان كمن أعلن نهاية شيء.. وبداية آخر لا يعرفه.. وظل واقفا مكانه
ثابت.. بلا حركة.. كأن جسده تجمد عند تلك اللحظة.. العالم يتحرك من حوله، ممرضات، أطباء، خطوات سريعة.. أصوات أجهزة
لكنه.. لم يسمع شيئا.. فقط.. آخر نظرة منها وتلك الكلمات "لو مت.. سترتاح؟"
أغمض عيونه بقوة.. زفر نفسا طويلا.. كأنه كان يحاول طرد الصوت من رأسه لكنه فشل، فتح عيونه وتحرك.. خطوة، خطوتين ثم عاد مرتدا لنفس المكان
لا قدرة له على الابتعاد عن هنا..
وضع يداه بجيوبه.. وتمنى لو أشعل سيجارة ولكنه لن يخرج من هنا قبل أن تخرج هي.
أخرج يده ورفعها لشعره واخترق خصلاته بأصابعه بعنف "يا رب!.. "
همس بالكلمات بصوت منخفض، مخنوق.. يحمل قلق وخوف مكتومين، شعر أنه انفصل عن الواقع وعقله وقلبه رحلوا معها للداخل..
مقعد فرغ فأسقط جسده عليه.. متعب ولكن ليس من المجهود.. بل تعب ذهني.. نفسي.. قلبه ممزق بين من كانت فراشة تتطاير بين زهور حياته وبين امرأة تتراقص الشكوك حولها
انحنى.. ضم رأسه بين يداه..
كل ما كان بينهم سقط عليه الآن.. براءتها يوم رآها أول مرة.. خجلها وتورد وجنتيها لأول قبلة..
كانت تحمل شجاعة فارسة ورقة امرأة وقوة ألف رجل ولكن اليوم.. رأى لأول مرة ذلك الضعف بعيونها.. هزيمة لم تستطع محاربتها فالمرض لا ناصر له إلا الله
صوتها الواهن لم يفارقه "لو خرجت.. دعني أرحل"
هل ستخرج؟
هل سيتركها لو نجت؟ هل يمكنه العودة للحياة وهي ليست بحياته؟
رغم كل خلافاتهم وشكوكه إلا أنه يرفض تحريرها.. ليس بعد أن أعادها..
ليس بعد تلك الأيام التي عاشوها بالغردقة، كانت المتعة حقا وهو يرغب باستعادتها ونفض جنونه بعيدا
"حضرتك بخير؟"
صوت مسلم كان خافت.. عميق.. يحمل رنة قلق على رئيسه الذي هز رأسه بلا كلمات ولكن مسلم لم يتركه
"الطبيب قال أن الجراحة ستستغرق وقت طويل لم لا نذهب لتناول أي مشروب؟"
لم يسمعه.. كان ما زال يسمعها.. "ربما لا يكون هناك وقت آخر.."
كلماتها طعنات حادة بالقلب..
لا مهرة لن تتركيني، لن أتحمل فراقك مرة أخرى.. لن يمكنني الاستيقاظ بحياة ليس بها عيونك ولا أسمع صوتك
تنهد بقوة وألم حاد يمزق صدره واحترقت عيناه من ملوحة الدموع حتى..
"حبيبي، هل أنت بخير؟"
يا الله!؟
ليس الآن.. آخر صوت يرغب بسماعه أو رؤية وجه صاحبته
"رحيم لا شيء يستحق ما تفعله هذا"
لمس عيونه بحركة خفية لإبعاد الدموع الحائرة، ثم شعر بلمسة على كتفه فحرر رأسه دون النظر لنارا التي كانت تنحني لتصل له
اختنق من عطرها النفاذ.. ونهض واقفا..
ملامحه جامدة.. عيناه تلونت بالأحمر الدموي.. ولم ينظر لها..
مسلم تراجع ولكنه ظل واقفا على بعد..
نارا لم تمنح رحيم فرصة للتوازن بل اقتربت قرب جنوني منه وهي تقول "لا تخبرني أنك تهتم بها تلك الغشاشة الكاذبة؟"
التفت لها.. نظراته الدموية جعلتها ترتجف.. تتراجع خطوة كادت تفقدها توازنها وصوته المنخفض خرج مخيف أيضا
"لا مجال لتلك الكلمات الآن نارا.. وجودك بالأساس لا معنى له"
تصلب جسدها.. بهت وجهها ومع ذلك لم تأخذ سوى جزء من الثانية لترتد لنفسها وما أتت له وهي تقول "أخبرتك أني لن أتركك أبدا رحيم.. لن أكرر الخطأ مرتين حتى ولو تركتني أنت لنفس السبب ونفس المرأة"
التوتر ارتفع داخله.. لا رغبة له بجدال فمال عليها وتحدث بنفس الوتيرة الخافتة "لكني أريدك أن تتركيني نارا.. لا أرغب بأحد معي الآن"
وتحرك مبتعدا..
هواء النهار الشاحب منحه أنفاس أحيت الروح داخله والسيجارة لوثت الاكسجين المخترق رئتيه..
اختنق من السيجارة أو ربما من ضياع أنفاسه التي تركها بالداخل مع من لم يرغب سوى بها
"هل أنت أفضل الآن؟"
قذف السيجارة دون أن يكملها وهو يلتفت لنفس المرأة الصاخبة بكل شيء.. ملابسها.. مساحيق التجميل.. عطرها.. كل شيء بها صاخب
لم يعرف كيف يتخلص منها وهو يقول "أي جزء من كلماتي لم تفهميه نارا؟"
ابتسمت ببرود وهي تعرف أنها لن تستسلم لدفعه لها خارج حياته.. لن تهزمها مهرة مرة أخرى والآن أفضل وقت للهجوم..
ومهرة غائبة..
"تلك الكلمات بهذه الأوقات لا يؤخذ بها رحيم، لا أحد يمكن أن يكون معك الآن سواي.. رحيم أنت تعلم كم أحبك وهو ما أحاول أن أجعلك تدركه بوجودي معك وقت الشدائد"
اعتدل بوقفته.. ظل ينظر لها، لا يصدق ما تقوله وما تقنع نفسها به "نارا هل تدركين من التي بالداخل؟"
تجهم وجهها مرة أخرى وجمدت ابتسامتها وهي تقول بكره حاولت إخفائه بلا فائدة "لا يهم.."
لكنه مزق الهدوء بصوته القوي بلا هتاف "بل يهم.. يهمني أنا لأنها زوجتي.. أم ابنتي.. من اخترتها لإكمال حياتي معها"
هتفت به بقوة وغضب "ولكنها عدوتي وخصمي ولن أهدأ حتى أهزمها وأعيدك لي"
أبعد وجهه وهو يزفر الهواء بقوة قبل أن يرتد لها "وأنا أخبرتك نارا أني لن أكون لكِ بأي يوم، ألا تفهمين؟"
تكونت دموع بعيونها تجاهلتها كما تجاهلت ألم قلبها وهي تجيبه "بل هو أنت الغبي.. أنت من لا يرى كل ما يدور من حولك.. حتى الأقدار تخبرك أن تلك المرأة لا تصلح لك.. ها هي بالداخل وربما تموت"
أغلق أصابعه بقوة بجواره وعادت الدماء لوجهه وعيونه وهمس بغضب مكتوم أخافها "مهرة لن تموت هل تسمعيني؟ مهرة ستعيش ولن تكون امرأة سواها زوجة لي"
هتفت بلا اهتمام ما إذا كان صوتها مرتفع أم لا "أنت غبي رحيم.. غبي وأعمى ولا يمكنك تمييز عدوك من حبيبي"
لم تعد مناقشة.. بل شجار..
جنون.. بركان انفجر ونفخ حممه بكل ما حوله "أنا حقا غبي لأني ما زلت أقف وأتجادل مع حمقاء مثلك"
لم تتراجع أمامه ولم تستسلم للحمم المتناثرة منه "حمقاء لأني أحببتك، حمقاء لأني لا أعرف كيف أنزعك من دمائي، حمقاء لأن مهما فعلت أنت رحيم فلن أتركك لها"
وظل كلاهم يحدق بالآخر.. الإصرار بنظراتها والغضب بعيونه.. والحمم تأكل كل ما حولهم..
الفصل 14
رواية جامحه بقلبه بقلم داليا السيد
غيبوبة
كوب القهوة تجمد بيده.. منذ منحه مسلم إياه وهو يقبض عليه بيداه دون أن ينظر حتى له
كانت نظراته ثابتة على باب العمليات، أربع ساعات مرت منذ دخولها من ذلك الباب ولم تخرج منه حتى الآن ولم يعرف ماذا يدور خلفه
الانتظار شيطان مخيف.. يأكل صاحبه ويحطم أعصاب صاحبه "مدام عنان تحاول الوصول لك"
لم يرفع عيونه عن الباب وهو يجيب "لا أرغب بأحد"
لحظة ثم تحركت عيونه لمسلم "لا أحد مسلم.."
بالطبع كلماته كانت تحمل معاني فهمها مسلم.. معركته مع نارا كانت واضحة ومنحت مسلم نبذة عن مزاج رحيم وبالتالي أي أحد الآن ممن يرفضون مهرة لن يكون وجوده مستحب
انفتح باب العمليات وخرجت ممرضة.. ماسك الوجه يغطي نصف وجهها.. نهض واقفا وتحرك لها ليقف أمامها قاطعها تقدمها "مدام مهرة.. ما أخبارها؟"
الفتاة كانت هادئة ولم تنزع الماسك وهي تنظر له لتجيبه "الجراحة كانت صعبة جدا والأطباء ما زالت معها، ادع لها"
وتحركت مبتعدة وظل عالقا حيث تركته.. الأطباء ما زالت معها.. ألم ينتهي الأمر؟ ألن تخرج له وتصارعه وتطالبه بالتحرر؟
لمسة من يد مسلم جعلته يفزع من داخله وتتحرك عيونه لمسلم الذي قال "مستر رحيم الطريق"
انتبه إلى أنه يسد الطريق فتراجع لمكانه.. تناول القهوة الباردة دفعة واحدة ومرارتها تمنحه عودة للواقع
ليعود الوقت للمرور والصداع ارتفع لرأسه حتى رأى الطبيب أخيرا يخرج بصبحة طبيب آخر فتحرك لهما والقلق بدأ يحوله لأسد جائع سيلتهم أي شيء أمامه
"كيف حالها؟"
تبادل الرجلان النظرات ثم واجه الطبيب المختص نظرات رحيم ليجيبه "الجراحة كانت تسير بشكل جيد حتى.. أصيبت فجأة بنزيف لم نفهم سببه وأخذنا وقت حتى نوقفه قبل أن نستكمل الجراحة"
زاغت نظراته بين نظرات الرجل وقلبه ينقبض بقوة وهو لا يفهم ما وراء الكلمات "وماذا؟ ما النتيجة بعد كل ذلك؟"
تنفس الرجل بهدوء مانحا رحيم دفعة جديدة لغضبه "الجراحة ناجحة وتم إزالة الورم كله لكن.. "
تراجعت الكلمات.. ارتفعت الظنون والشكوك داخله.. هل أصابها شيء غير متوقع.. هل ستموت بعد كل ذلك؟
حاول ألا يقبض على عنق الطبيب ويصرخ بوجهه بل اكتفى بأن جز على أسنانه لحظة قبل أن يسأله "ألا تتحدث دفعة واحدة دكتور"
تلون وجه الرجل ولم يأخذ وقت وهو يجيب "لم نعرف ما الذي سيترتب على النزيف الذي حدث لذا لا يمكننا الجزم بنجاح الجراحة قبل أن تفيق"
انحنى رحيم للأمام.. تجهم وجهه واحمرت عيونه وخرج صوته مخيف "ماذا تعني بذلك؟ ما الذي يمكن أن يصيبها؟ تحدث"
الأخيرة خرجت قوية بشكل جعل الطبيب يتراجع بعيدا عن وجه رحيم الذي منحه وصف لما يعتمر داخله الآن "لا أحد يعرف سيد رحيم.. قد تصيبها غيبوبة.. قصور بالسير أو الحديث.. أعراض كثيرة تتبدل من حالة لأخرى وقد لا يحدث أي شيء من ذلك"
فقد عقله.. ارتفع الجنون مكانه.. يداه قبضت على ملابس الطبيب وجذبه له بقوة هاتفا به بغضب ملأ كل كلمة من كلماته " لو أصابها شيء فالثمن سيكون غالي"
يد الرجل أمسكت يداه.. مسلم أسرع له.. الطبيب الآخر حاول التدخل والصراع اشتد "سيد رحيم أهدأ كلها مجرد تخمينات"
لكنه لم يكن يسمع، فقط شد على ملابس الرجل وعيناه تبخ نيران من الغضب وصوته كان فحيح الافعى "تخمينات!؟ والتخمينات هي ما تحدد مصير زوجتي؟ هل تعي ما تقول؟"
حاول مسلم تخليص الطبيب من رحيم بلا فائدة والطبيب ارتفع صوته "سيد رحيم اتركني من فضلك هذا تصرف.. "
رحيم لم يكن بعقله.. هو نفسه لم يكن موجود معهم.. كان بالداخل معها.. مع امرأة أرادها ولا يمكنه تقبل رحيلها هكذا بسهولة
"أنت لم ترى تصرفات رحيم العزايزي بعد، أنا أكرر كلماتي، لو حدث لها شيء.. فلن أرحم أحد منكم.. الحساب سيكون ثقيل.. ثقيل جدا وعلى الكل"
ونجح مسلم بجذبه بعيدا ونظراته تحرق الرجل الذي التف الموجودين حوله من القلق عليه ومسلم ورجلين من رجال رحيم يأخذانه لخارج المشفى ربما يهدأ
بالخارج السيجارة لم تمنحه أي شيء.. ومن واحدة لأخرى بدأ الغضب ينخفض لدرجة أقل ومسلم واقفا خلفه بخطوة.. يراقبه.. لا يتركه يغفل عن نظراته
كان قلق عليه وكذلك على زوجة رئيسه.. هو يرى مهرة غير ما يراها رحيم.. يرى مهرة الحقيقة ويتمنى لو رحيم يراها مثله
المساء نزل وعتمة الظلام لفته وهو جالسا بمكان قرب الباب الرئيسي خارج المشفى. أحرق من السجائر ما جعل صدره يصرخ حتى..
صوت مسلم اخترق دائرته التي أغلقها على نفسه منذ مشاجرته مع الطبيب.. أفكاره أخذته لكل ما هو سيء "الطبيب سمح بالزيارة.. بالعناية"
لم ينظر له، لم يكمل السيجارة بل دهسها تحت حذائه ونهض متحركا للمشفى ومسلم ه دون تردد
وتحرك داخل الممرات التي لم يعرف كم مرة مشى بها وكم مرة سيمشي بها؟
خطواته ثابتة.. لكن رأسه ممتلئ بضجيج لا ينتهي.. كلمات الطبيب.. صوته.. كلمة نزيف.. لا نعلم.. تخمينات.. كلها تدور بلا توقف حتى..
توقف أمام غرف العناية الزجاجية، بحث عن غرفتها حتى وجدها.. الزجاج العازل يفصل بينه وبين الداخل..
رآها..
جسد ساكن.. أجهزة تحيط بها.. أسلاك أنابيب.. صوت منتظم يخترق السكون
بيب.. بيب.. بيب
شد فكه.. تحركت عضلة بوجهه.. يده ارتفعت.. ثم توقفت قبل أن تلمس مقبض الباب
للحظة.. تردد
هو.. الرجل الذي لم يتراجع يوما.. يقف الآن.. عاجزًا عن التقدم خطوة.. ثم..
دفع الباب.. ودخل.. الهواء بالداخل كان مختلف، بارد.. معقم وخانق. تقدم ببطء، كأن كل خطوة تُثقل عليه أكثر، حتى وقف بجوارها
ورآها..
لم تكن مهرة التي يعرفها؛ الهدوء الذي يغطيها.. لم يكن راحة، كان صمتا مخيفا، كأنها بعيدة، بعيدة جدا عنه
انخفضت عيونه على وجهها المتبقي من الضمادة الملفوفة حول رأسها.. شحوب واضح.. شفاه باهتة.. تعب لم يره فيها من قبل..
رفع يده.. لكنها.. توقفت للحظة بالهواء وكأنه لا يعرف.. هل له الحق؟
وانتصر ما بداخله والذي لا يفهمه.. لمس يدها.. باردة جعلت أنفاسه تتجمد لحظة حتى شدت يده على يدها دون وعي.. "مهرة.. "
خرج الاسم منه.. منخفض.. مبحوح، كأنه لم يصدر منه بتلك الطريقة من قبل
لا رد
فقط صوت الأجهزة فاقترب أكثر.. جلس على المقعد بجوار الفراش.. دون أن يترك يدها ونظراته لم تفارق وجهها
"لم يكن من المفترض أن يحدث كل هذا.. "
همس بالكلمات لنفسه.. أكثر منها ثم.. زفر نفسًا بطيئًا ومرر يده الحرة بشعره يحاول استيعاب ما يحدث
"ظننت أنكِ ستكونين الآن تنظرين لي بنفس قوتك، تجادليني.."
صمت لحظة.. ابتسامة باهتة مرت على شفتيه.. ثم اختفت "وتطلبين الرحيل.. الطلاق"
بلا وعي شد على يدها أكثر وكأن الكلمة تمزقه.. تقطع حتى أنفاسه
نبرته انخفضت أكثر "تقولي إنكِ لستِ بحاجة لي"
انخفض رأسه قليلا.. عيناه لم تبتعد عنها "حسنا.. انهضي وقوليها"
صمت.. ثواني قليلة.. لا شيء
ابتلع ريقه.. أنفاسه بدأت تختنق.. لكنه لم يبتعد "مهرة.. انهضي"
تلك المرة خرجت أقوى.. أمر وليس رجاء.. وكأنها تتجاوب معه لكنها.. لم تتحرك.. لم تفتح عيونها
سكنت ملامحه فجأة.. شيء داخله بدأ يتصدع.. كما لو أوشك على الانهيار من داخله..
رفع يده وبحذر لمس وجنتها.. لمسه حذرة.. خفيفة وكأنها قد تنكسر منه "أنا هنا"
همس بها.. ولأول مرة، لم تكن تهديد، ولا سيطرة.. كانت محاولة طمأنة، لها.. وله وسكت لحظة قبل أن يضيف "لن أتركك"
كلمات بسيطة.. لكنها خرجت ثقيلة، كأنها اعتراف لم يكتمل وظل جالسا، يراقب كل نفس، كل صوت، لا يتحرك ولا أحد قطع خلوته معها
لا يبتعد عنها، كأن ابتعاده قد يسحبها منه، ولأول مرة..
رحيم العزايزي.. لم يكن يخشى خسارة شيء.. بقدر ما خاف.. أن يخسرها هي
فتاة وقفت بجواره لفتت انتباهه.. سقطت نظراته عليها فمدت يدها له بورقة.. نظراته تحولت للورقة والفتاة تقول "كانت على فراش المدام بغرفتها"
ظل جامدا لحظة محاولًا فهم ما تقوله حتى استوعب.. ببطء رفع يده وقبض على الرسالة والفتاة تحررت خارجة
وبارتجافه واضحة بأصابعه فتح الورقة وقرأ الرسالة..
الدموع سكنت قلبه قبل عيونه التي توقف على آخر جملة
"وربما أنا أيضا لم أحبه صح.. "
وكان الرد على كل الشكوك التي زرعتها نارا داخله..
****
انتهى الاجتماع المؤجل منذ.. نسى عدد الأيام.. هو بالأساس لأول مرة يفقد التركيز باجتماع..
عقله شارد مع التي رحلت بغيبوبة ولم تفيق منها منذ اسبوعين والأطباء فشلت بمنحه أي حلول
تراجع بالمقعد والرجال تتحرك من حوله للخارج ونظراته الجانبية تعني أنهم يتفهمون ما يمر به..
أغمض عيونه المتعبة من السهر.. عبث بهما بأصابعه والصداع يعود رغم المسكنات والقهوة "سيد مرسي بالخارج"
لم يفتح عيونه.. بصعوبة مسلم أقنعه أن يترك المشفى ويتابع أعماله المتوقفة ربما يهزم ما يمر به بالمشفى..
"لا أرغب برؤية أحد"
انتهت الكلمات لكن مسلم لا يتوقف "اللقاء مؤجل من الاسبوع الماضي"
ظل صامتا وهلة ثم.. فتحها واعتدل "حسنا"
نهض ولم ينظر لمسلم الذي تأمل ملامح رحيم المجهدة.. شعر ذقنه الذي طال، ظلال تحت عيونه..
هو تقريبا لا ينام سوى ساعات لا تُذكر عندما يذهب لرؤية ابنته التي لا تتوقف عن البكاء وطلب رؤية والدتها
جذب كوب زجاجي وسكب مشروبه وكاد يرفعه لفمه لكن مسلم لمس ذراعه ليوقف يده بالكوب في الهواء "كفى مستر رحيم. أنت تقتل نفسك.. سجائر وقهوة وذلك المشروب بلا طعام.. أو راحة"
لم يواجه مسلم.. أي شيء يمكن أن يوقف عقله عن التفكير بها وبالذنب لأنه من دفعها للجراحة وهي من كانت ترفض والآن..
جذب يده من يد مسلم ودفع الكوب لفمه وتناوله وهو يبتعد ومسلم لا يتركه "مستر رحيم ابنتك بحاجة لك.. حتى مدام مهرة ستكون بحاجة لك عندما تفيق"
قبض على الكوب بقوة "ولكنها قد لا تفيق.. بماذا أجيب أيلا عنها؟"
أغمض عيونها ورؤية ابنته وهي تبكي تؤلمه.. تحرقه من الداخل ولا يعرف كيف يطفئ نيرانه
اقترب مسلم.. يعلم أن كلماته قد لا تؤثر به لكن مكانة رحيم عنده تستحق التجربة "دعها تذهب لرؤيتها"
التفت له.. عيناه تلونت بالسواد، وجهه جامد، رافض وصوته خرج حادا قاسيا، لكن لم يكن موجها لمسلم فقط.. كان يهرب
"ماذا؟ أي جنون هذا؟ هل تريدها أن ترى والدتها بهذا الشكل؟"
اقترب مسلم مرة أخرى منه حتى أصبح بمواجهته ولم يتراجع وقال "أفضل من ألا تراها نهائيا مستر رحيم ووقتها لن تحتاج لقول أي شيء"
ضاقت عيون رحيم، الكلمات كانت تصيبه بمكان لم يكن مستعدا لمواجهته..
أيلا..
صوت بكائها.. سؤالها المتكرر "أين مامي؟"
قبض على الكوب بقوة أكثر.. عروقه برزت وصدره ضاق وشعر بأن ثقل همومه أصبح لا يطاق وسمع نفسه يهمس "هي ما زالت صغيرة.. لن تتحمل وإن تحملت لن تفهم"
مال مسلم تجاهه وانخفض صوته "وإلى متى ستتحمل أنت؟"
سقطت الكلمات، ثقيلة.. مباشرة جعلت عيونه تزوغ على وجه مسلم ولم يرد.. لا يعرف أين الكلمات؟
ابتعد.. حتى توقف... أغمض عيونه وزفر نفسا طويلا.. متعبا ومسلم يضغط "امنحها الفرصة وربما تتبدل بها الأوضاع"
وسقط الصمت..
****
نفس الممرات اللعينة التي أصبح يكرها.. صوت خطواته يصل لأذنه من الهدوء المحيط من حوله.. خطواته لم تكن ثابتة بل مهزوزة
وصوله لباب العناية كان بلا شعور فقد حفظت قدماه الطريق لكن تلك المرة لم يكن وحده.. كان هناك يد صغيرة.. تمسك بيده
أيلا..
كانت تتحرك بجواره.. تحاول مجاراة خطواته الواسعة وهي تنظر حولها بفضول وخوف خفيف.. المكان مختلف.. بارد.. كبير وغريب
"بابي.. مامي هنا؟"
صوتها وصله.. بريء.. طبيعي وكأنه لم يحمل كل هذا الثقل.. توقفت خطواته. نظر للأسفل.. لها
للحظة لم يجد كلمات ليجيب بها ومع ذلك فتح فمه.. ثم أغلقه لحظة حتى عاد وقال بصوت منخفض "نعم.. مامي هنا"
ضغطت على يده بأصابعها الصغيرة وظهرت سعادة على وجهها وهي تهتف بطفولية "حسنا.. هيا لنراها بسرعة"
ابتلع ريقه.. تحرك.. حتى..
رفع وجهه للباب.. نفس الباب لكن تلك المرة لم يكن وحده..
دخل وأيلا تتحرك بجواره لكن تباطأت خطاها.. وكأنها خائفة مما تراه حولها.. الأجهزة، الأصوات، الأسلاك و..
الفراش الذي انتصف الغرفة.. مختلف.. لم يكن كالذي بالبيت..
قبضت على يده مرة أخرى بقوة "بابي، ماذا يحدث هنا؟"
صوتها خرج مهتزًا، الخوف رفرف عليه وهو شعر به فركع أمامها.. عينيه أمام وجهها المرتبك "لا شيء أميرتي، فقط مامي متعبة كما أخبرتك وتلك الأجهزة تساعدها لتشفى وتنهض"
لفت وجهها لجسد مهرة الممدد على الفراش.. الضمادات أزيلت من حول رأسها لكن بالطبع نحف جسدها
سألته مباشرة "لماذا تنام هكذا؟"
انقبض قلبه.. الاسئلة تعجزه ومع ذلك عليه أن يجيب "كي ترتاح حبيبتي"
لحظة مرت ونظراتها ثابتة على الفراش ثم.. هزت رأسها ببطء.. كأنها اقتنعت أو.. حاولت
عادا وتحركا حتى وصلا للفراش.. توقفا
لم يكن الفراش مرتفعا.. كان يمكنها رؤية جسد والدتها الراقد أمامها.. وظلت تنظر لها طويلا.. صامتة وكأن عقلها يحاول أن يربط الصورة
“هذه مامي...؟"
همست.. صوتها كان صغير.. متردد ورحيم لم يرد فورا.. فقط هز رأسه واختار الصمت وما زال يراقب ابنته وقلبه ينبض بقوة..
رفعت يدها الصغيرة.. ثم.. ترددت قليلا قبل أن تكمل طريقها ليد والدتها وبصوت خافت قالت "مامي.. "
لا رد..
ظلت تحدق بوجه والدتها بانتظار الرد ثم رفعت وجهها لرحيم "بابي مامي لا تجيب"
لم يجيب.. لم يجد كلمات
والطفلة عادت لمهرة وتحركت لتقترب من وجهها "مامي.. استيقظي"
بتردد حاولت أن تبتسم.. كما كانت تفعل وهي توقظها بالبيت "مامي أنا هنا"
صمت.. صوت الأجهزة فقط.. بيب.. بيب
اهتزت شفتاها وارتجف جسدها "مامي أنا كنت مطيعة بغيابك.. حتى اسألي بابي"
وانخفض صوتها بضعف "أنا لم أغضبك فهيا استيقظي لنلعب سويا"
ولكن نفس الصمت المشوب بضوضاء تلك الأجهزة المخيفة لطفلة مثلها تفتقد أمها التي لم تعرف سواها "مامي أنا افتقدتك ألم تفتقديني؟"
وسقطت دمعة من عينها.. سريعة.. مرتبكة "بابي أحضر لي لعب كثيرة.. ولكني أريدك أنتِ مامي لتلعبي بها معي"
واختنق صوت الفتاة.. مدت يدها لتمسك يد مهرة بكلتا يداها "مامي استيقظي"
رحيم ظل واقفا خلفها.. ثابتا، لكن أنفاسه لم تكن كذلك.. كل كلمة كانت تضربه بقوة.. بل أقوى من كل ما مر به.. هي تمزق قلبه "مامي أنا سأفعل كل ما ترغبين به.. سأذهب للحضانة كما أردتِ فقط انهضي"
أغمض عينيه لحظة.. فرأى الألم بوجه ابنته ففتح عيونه هاربا لكن لم يستطع..
ارتفعت الصغيرة على أطراف أصابعها ووضعت رأسها على يد والدتها "مامي.. أنا أحبك"
وسقطت دموع الصغيرة في صمت وكأنها تخشى من جلب الضوضاء لوالدتها فتغضب منها أو تقطع راحتها..
وتجمد رحيم بمكانه.. قاوم ذلك الضعف الذي اندفع له.. لقلبه، لعيونه الدامعة.. لصوته الذي اختنق ولم يخرج لمواساة ابنته
حتى..
رمشت عيونه عندما رأى إصبع مهرة.. يتحرك، حركة خفيفة تكاد لا تُرى.. لكنه رآها.. وتجمد
انحنى على ابنته وهمس بجوار أذنها "ناديها مرة أخرى أيلا.. هيا حبيبتي"
رفعت الفتاة وجهها.. تنظر له بلا فهم فهز رأسه مشجعا إياها وقلبه يدق بسرعة وصوت أيلا خرج مهزوزا "مامي أنا هنا.. أنا أيلا"
لحظة وتحرك نفس الإصبع مرة أخرى وهو ينظر له بتركيز غير مصدق "مهرة.."
صوته خرج مختلف.. مرتجف.. لأول مرة "مهرة هل تسمعيني؟"
أيلا ارتدت له وملامحها تدل على عدم الفهم "بابي هل مامي استيقظت؟"
لم يجيبها.. عيناه ارتدت ليد مهرة.. حتى جاءت حركة أخرى.. ضعيفة لكن موجودة.. أحيت الأمل داخله ودفعته لينهض ويضرب جرس الاستدعاء وهو يهتف
"طبيب.. طبيب بسرعة"
ولم ينتظر بل تحرك للخارج والقلب يدق بجنون.. بين الخوف والأمل
وأيلا.. وقفت مكانها.. تنظر لوالدتها بابتسامة مبللة بالدموع همست "ستنهضين لأجلي مامي أليس كذلك؟"
وبلحظة كان الطبيب والتمريض يتزاحمون بالغرفة.. وممرضة تحاول إبعاد أيلا لكنها قبضت على يد أمها "لا سأبقى مع مامي.. اتركيني.. مامي أخبريها أن تتركني"
نظر الطبيب للممرضة محذرا فتراجعت..
رحيم ظل بالخارج.. اقترب من الجدار الزجاجي.. رفع يد عليه.. واقترب بوجهه متابعا حركة الأطباء انتظار استجابة أخرى من مهرة وفحصها لكن..
لا شيء..
أسند رأسه على الزجاج وهمس وكأنها تسمعه "هيا مهرة.. أنتِ قوية ولن تستسلمي.. هيا مهرة ليس لأجلي.. لأجل أيلا"
ولكن..
الطبيب قال "الاستجابة ضعيفة سيد رحيم لكنها بداية لأمل لم نناله منذ رحلت بالغيبوبة"
نعم.. هو أمل لم يناله سوى الآن.. عليه التمسك به
***
دقات الباب لم تجعله يرفع رأسه من على حامل الرسم.. ظل وقت غير قليل يرسم ربما تهدأ نفسه ويعود الأمل..
يومان مرا منذ حركت إصبعها ولم تستجب مرة ثانية رغم تفاؤل الأطباء
لم يسمع الباب وهو يُغلق ولا الخطوات التي تحركت للداخل حيث غرفة الرسم.. ليس مسموح لأحد بالدخول سوى مسلم
"ألا تسأل عن والدتك ولو مرة؟"
لم يفزع ولكنه رفع رأسه.. القلم ينساب على اللوحة والصورة لا تكتمل ولم يرد..
تحركت حتى وقفت بجواره "هل نجحت هي بأن تفرق بيننا؟ تلك المرأة لعنة"
جذب الورقة بهدوء زائف وكورها بين يداه وقذفها على إخوتها ممن تبعثرا على الأرض بجوار سلة القمامة
نهض جاذبا سيجارته لفمه وأشعلها وهو يخرج للمكتب ولم يهتم بالنظر للمرأة التي تبعته والغضب تمكن منها "رحيم، قف وتحدث معي"
وقف بالفعل لكن أمام نافذة مكتبه الكبيرة.. تطل على النيل.. كلف المكتب ثمن باهظ حتى يكون كما أراد والآن لا يرى شيء.. ضباب
مثل الذي يخيم على حياته..
صوتها جاء من قربه "لم تكن قاسيا هكذا من قبل"
لم ينظر لها والدخان يلفه وخرج صوته هادئ عن الطبيعي "لطالما قلتِ عني، ذلك القاسي الذي لا يهتم بأحد سوى نفسه"
ولف وجهه لها والتقى بنظراتها الهادئة وأكمل "فما الجديد الآن ليتبدل رأيك؟"
شحب وجهها، هي تعلم أن ابنها ليس برجل يمكن قيادته، لكنها والدته وعليه الوقوف عندها..
رفعت رأسها.. تواجه نظراته بقوة "ظننتك تغيرت عندما أصبح لك ابنة"
صمت.. دخان تطاير يتحدى الصمت.. نظرات قاتلة قطعها صوته "الآن تعترفين أن لي ابنة!؟"
شحبت.. جف حلقها.. تاهت منها الكلمات.. وزاغت النظرات بعيدا.. لا مواجهة
"أنت.. أنت من يصر.. عليها"
نفخ الدخان مؤكدا على الحاجز الموجود بينهم "ماذا تريدين ماما؟"
نبرته هادئة.. فقط منحها إيحاء ألا رغبة له بالجدال، ولم تهتم وهي تجيب "أنت رحيم، أنا أريدك أنت، راحتك وسعادتك"
نفخ الدخان.. اختفت ملامح وجهه.. ولكنه كان يتمعن بملامحها "أنا بالخامسة والثلاثين ماما"
وارتد لمكتبه لينهي السيجارة وهي تلتفت له "ستظل ابني لنهاية العمر، رحيم ألا يكفي هذا؟ لابد أن تعود لحياتك وعملك"
لم ينظر لها بل ظل ينظر لسطح مكتبه بلا هدف "أنا أفعل ماما، أنا هنا بالمكتب"
ارتدت له.. لمست كتفه فلف وجهه لينظر لها وهي قريبة "ألا تنظر للمرآة حبيبي، أنت تدمر نفسك بلا سبب يستحق.. أخرجها من حياتك فالموت نهايتها فقط.. "
تلونت عيونه بقتامة ضربته من الكلمة واعتدل مما أوقفها عن التكملة وخرج صوته مخيفا رغم هدوئه "مهرة لن تموت ماما، مهرة ستعود، ولا تقلقي.. أعلم كيف أدير حياتي جيدا"
قاومت الغضب والصياح بوجهه فقط قالت بهدوء مصطنع "لا، منذ دخلت هي حياتك ولم تعد تجيد التصرف.. تلك الفتاة لا تليق بنا.. ألم تخبرك ماذا فعلت بي عندما ذهبت لرؤيتها وأنت بالخارج؟ لقد أهانتني وطردتني ورفضت حتى الترحيب بي"
رفع رأسه.. ولمعت عيونه.. وبتلك اللحظة التي تصورها أمه بشكل سيء هي ترقد بالمشفى بلا روح وهو هنا.. يلوم نفسه لأنه ليس معها، وبخلاف كل هذا مهرة نفسها لم تخبره يوما عن تصرفات أمه السيئة معها
الآن زوجته تحتاج له، تنتظره هناك، حيث يرقد جسدها الساكن وهو لن ينتظر أكثر.. هو بالفعل لا يتركها سوى ساعات لا تُعد، ضغط العمل هو ما يُجبره
ظلت عنان بمواجهته.. هي لن تتراجع عما قالت، على خلاف الحقيقة
"هل هذه هي المرأة التي ترغب بأن تكمل حياتك معها؟”
ظل ينظر لها.. صمته سهم ينغرز بالأكاذيب الصادرة منها دون أن يرد
اقتربت منه ورغبتها بإشعال النيران تزداد "رحيم لابد أن تُوقف تلك المهزلة.. خذ الصغيرة واترك تلك المرأة، يمكنني رعايتها والاهتمام بها وأنت تتزوج أفضل منها ألف مرة"
اعتدل مواجها المرأة.. صدمته كلماتها "تعتنين بطفلة صفعتها بأول لقاء لكما؟ تعتنين بابنة مهرة التي ترغبين أن أتركها وهي بين الحياة والموت؟ هل تسمعين نفسك؟"
شحب وجهها، رمشت عيونها، أغلقت فمها على كلمات لا مكان لها وبحثت عن كلمات مناسبة فلم تجد..
تحرك.. اقترب منها حتى وقف أمامها ونظراته غامضة لا تحمل شيء مفهوم.. صوته كان خافت.. مخيف
"ترغبين مني أن أحرم أم من ابنتها، بل وأمنح ابنتي جدة لا ترغب بها، وزوجة أب لا أعلم ماذا ستفعل معها؟"
للحظة ظلا متواجهين ثم..
ابتعدت.. هاربة.. مرتجفة اليدين والشفاه..
تعلم أن ما تقوله لن يكون محل قبول منه ولكن ما يفعله غير مقبول عندها أيضا
ظلت بعيدة والصمت لفهم.. حتى قالت "نارا لن تكون زوجة أب.. ستكون بمثابة الأم"
ردد بصوت خافت ومخيف "نارا؟"
التفتت له.. لمعت عيونها ببريق غريب لم يفهمه "هي ترغب بذلك.. توافق على رعاية الفتاة لو تزوجتها.. هي تحبك رحيم وستفعل المستحيل لأجلك"
صمت.. هدوء مخيف.. نظرات فارغة.. غير مفهومة
اقتربت منه.. ظنت أنه يعيد التفكير.. نارا هي الاختيار الصواب
وقفت مرة أخرى أمامه ورفعت وجهها له وأمل لاح بنظراتها "رحيم، نارا هي المرأة التي تناسبك.. جمال ومال وعائلة.. وتقبل بابنتك وستفعل المستحيل لأجلك وأجل سعادتك"
مال بوجهه عليها وصوته انخفض "ومن أخبرك أن سعادتي معها؟ ألم تسألي نفسك لماذا أوقفت زواجي منها لثلاث سنوات ولم أقبل إلا بعد إلحاح من كلاكم؟"
تجهمت.. فقدت الكلمات
ابتعد..
عاد للسجائر.. أحرق منها ما لا يحصى ولا يعد..
ارتفعت عيونها لظهره وانخفض صوتها "ومهرة هي من ترغب بها؟ امرأة تفتقد لكل شيء"
أجاب.. دون النظر لها "وأنا لست بحاجة لأي شيء سوى حياة هادئة ومستقرة"
ظلت مكانها.. أقدامها ثبتت بالأرض وأنفاسها ثقلت.. لن تعارض أمراض الشيخوخة وحرقة قلبها على ابنها
لكنها تعارض ذلك النسب وصوتها كان يدل على اعتراضها وهي تقول "أنت لا تهتم بي رحيم، لا تفكر بسعادتي"
التفت لها.. لن تساومه الآن على أمومتها فهو لن يفكر وسيتخلى عنها...
ارتفعت يده "ماما لا تفعلي.. بكل مرة تفعلين ذلك وأنتِ تعرفين الرد ونعود لنفس البداية"
رفعت رأسها بغضب حاولت التعامل معه وصوتها كان ثابت ولم يهتز "وأنت لن تختارني بأي يوم؟"
رحل للسجائر وزفر دخانها وهو يقول "ماما أنتِ لستِ محل اختيار، أنتِ واقع، مهما اخترت مهرة فأنتِ ستظلين أمي، لكن لو اخترتك فسأخسر مهرة للأبد"
تجهمت وفقدت الكلمات مرة أخرى حتى استجمعت نفسها وتحركت تجاهه وقالت "من الجيد أنك ستحتفظ بي ولن تضعني بالمؤخرة.. فقط تذكر أني نصحتك بأن سعادتك لن تكون مع تلك النكرة"
وتحركت خارجة وهو رفع يده ومررها على وجنته حيث نما شعر ذقنه بالأيام الماضية وتنفس بقوة وكأنه خارج من سباق طويل أرهقه
***
الليل كان لها.. يظل جالسا على المقعد بجوار الفراش، مسلم أعاد أيلا البيت منذ قليل والآن هو هنا..
أغلق هاتفه ودفع رأسه للخلف.. وأغمض عيونه ربما يغفل..
الليل دائما ما يكون هادئا.. هدوء ثقيل يملأ الغرفة.. فقط شيء واحد يقطعه، صوت الأجهزة
بيب.. بيب.. بيب
أصابعها تحركت.. حركة خفيفة، مرتجفة.. كأنها تقاوم ثقلًا غير مرئي.. تحارب وتجاهد هذا الظلام ليرحل عنها
جفونها ارتجفت، مرة.. ثم مرة أخرى وببطء فتحت عينيها ولكن.. الضوء صدمها فأغمضت عيونها بالحال..
أنفاسها لم تعد منتظمة وهي قاومت مرة أخرى وعادت تفتحهم بحذر.. العالم حولها كان ضبابيًا.. هدوء يخترقه أصوات بعيدة.. جدا.. وغير مفهومة
حركت رأسها قليلا.. لكن.. ألم حاد ضربها.. ليس بصداع كالذي كان..
هل انتهت الجراحة؟
ما زالت على قيد الحياة ولم تمت..
وأول شيء مر على ذهنها.. اسم واحد خرج من بين شفتيها بصوت يكاد لا يُسمع "أيلا"
وانطلق صوت مقعد يتحرك واسمها يعلو بالغرفة "مهرة"
وعرفته.. صوته، قبل أن تراه عرفته
نبض قلبها اختل للحظة.. وصورته تبعت صوت بمخيلتها وكل ما بينهم تسارع بذهنها بنفس اللحظة..
حبها.. فشلهم.. عودته.. شكوكه ونظرات الاتهام بعينيه لها.. فظهر ألم مختلف.. ألم بقلبها
شعرت به بجوارها.. مال رأسها بصعوبة تجاهه.. عيونها رحلت ببطء حتى استقرت عليه ورأته.. واقفًا.. مرهق.. عيونه تلونت بالأحمر
ثوان مرت.. نظراتهم التقت بلا انفصال حتى.. أبعدت عيونها، ليس لأنها لا تريد رؤيته أو وجوده ولكن.. لأنها لو ظلت تنظر له ستنكسر من جديد
وهي لم تعد ترغب بالهزيمة مرة أخرى.. ولا الانكسار
وتجمد مكانه.. رؤية تلك النظرة بعيونها أوجعته.. ضربته بلا رحمة
اقترب أكثر، انحنى.. وترك صوته يخرج ولكنه خرج منخفضا "مهرة هل تسمعيني؟"
نعم تسمعه لكن قلبها الواهن يرفض أن يسمعه لذا لم تجرؤ حتى على النظر له وكل ما نطقت به هو نفس الاسم
الشخص الوحيد الذي يستحق قلبها وروحها بل وكل حياتها بلا لحظة ندم "أيلا"
تلك المرة خرج واضحًا وعميقا.. ومؤلما له
ابتلع ريقه بصعوبة.. صدمه رد فعلها.. ولكن.. ماذا ظن بها بعد كل ما فعله بها؟
"بخير.. أيلا بخير"
سكنت ملامحها قليلًا وهدأت أنفاسها.. كأنها نالت ما كانت تحتاجه.. ثم.. أغمضت عيونها
اقترب.. انحنى.. ناداها مرة أخرى وثالثة ولكنها.. لم تجيب
وصلت الممرضة مسرعة وهي تسمعه يناديها "سيد رحيم هي لن تجيب"
لم يبعد نظراته عنها وهو يقول "كانت تفعل منذ لحظة، كانت تنطق باسم ابنتنا"
وقفت على الجانب الآخر "نعم الطبيب على وصول ولكن من الطبيعي أن تعود للنوم لأن جسدها مرهق وبحاجة للراحة"
لكنه لم يكن يسمع معظم كلماتها.. كان ينظر لمهرة.. هي عادت.. لأول مرة تعود بعد الغياب المميت من تلك الغيبوبة
لكنها..
لم تعد له.. لم تنسى إساءته وربما لن تنسى..
رفع يده ليلمس وجهها.. يلتمس السكينة بقربها لكن.. علقت يده بالهواء وهو يذكر أنها لم تنطق باسمه بل ورفضت مواجهته
أنزل يده وأدرك أنه ما زال يخسرها.. منذ عرفها وهو يخسرها ولم يمد إصبع واحد في سبيله لها
وها هي.. تمنحه نتيجة أفعاله..
وكأنها دون كلمة واحدة.. أعادت رسم حدودها.. دائرة صغيرة..
لا تضم سواها.. وابنتها فقط
ولا مكان له فيها
الفصل 15
لا طلاق
النور داعب عيونها مرة أخرى.. رمشت واستجابت وفتحت عيونها والضوء تلك المرة لم يضايقها..
لكن..
كان هناك أصوات حولها وعندما حركت رأسها استجاب لها ولم تتألم.. صوت امرأة هو من جذب انتباه الجميع "لقد استيقظت دكتور"
وبلحظة رأت وجوه كثيرة تنظر لها.. رجلان بملابس الأطباء فتاة أو امرأة لم تعرف بملابس التمريض و..
لم تراه..
هل رحل؟
لن يظل بجوار امرأة لا يثق بها ويراها لا تليق به.. وهي لن تقبل بجراح جديدة يكفيها ما كان..
عرفت الطبيب بالطبع "مدام.. هل تسمعيني؟"
أرادت التحدث وسماع صوتها.. أرادت النهوض والعودة لبيتها حيث ابنتها ولكنها لا تعرف ما هو مصيرها الآن؟ "نعم، الجراحة؟"
ابتسم الطبيب وقال "الحمد الآن.. الآن يمكننا القول أنها ناجحة"
فمها جاف.. حلقها يؤلمها والضعف يجتاح كل جزء بها "أريد أن أنهض"
تبادلوا النظرات لحظة حتى عاد لها وقال "ليس بعد مدام.. كل عضلات جسدك شبه يابسة بسبب الغيبوبة.. لابد من علاج طبيعي حتى تستعيدي كل شيء"
أغمضت عيونها وهي لا تعرف متى سينتهي العذاب.. فتحت عيونها وسألته "ومتى سأبدأ؟"
ابتسم مرة أخرى وقال "هذا مؤشر جيد مدام، يدل على عزيمة وإرادة.. ستبدئين من الغد وحتى يقرر طبيب العلاج الطبيعي انتهاء مهمته"
وتراجع الرجلان وقبل أن تلف رأسها رأته.. كان واقفا خلفهم وقد ظنت أنه ليس هنا
الطبيب واجهه وقال "الحمد لله على سلامتها سيد رحيم"
هز رأسه ووجهه متجهم.. سعيد بعودتها ولكن سعادة موقوفة على ما سيكون بينهم "شكرا دكتور"
الأطباء بدت عليهم ملامح الارتياح لنجاح الجراحة وهم يتبادلون النظرات
الطبيب الثاني هو من تحدث "سيتم نقلها لغرفة أخرى وأيضا مجهزة لكن ليس عناية"
لم يرد وعيونه سقطت عليها وهم يرحلون من جواره واتصال العيون ما زال قائم حتى كررت ما كان..
أبعدت عيونها
الممرضة كانت قد انتهت من تجهيز الدواء وساعدتها بتناوله وما زال حلقها يؤلمها "حلقي يؤلمني"
برفق أعادت الفتاة رأس مهرة على الوسادة وقالت "نعم بسبب أنبوب التغذية، سأجلب شيء لحضرتك سوف يزيل الألم"
وتحركت الفتاة للخارج وفرغت الغرفة إلا منه والصمت ثالثهم
بصعوبة اتخذ خطوة تجاها.. ثم أخرى حتى وصل للفراش وهو يدرك أنه سيبدأ الطريق من البداية والأمر لن يكون بسهل
منذ الأمس وتصرفها معه وهو بصراع لم ينتهي.. هل ينهي كل شيء ويرحل ويحررها؟
هل تستحق أن يحاول معها من جديد محاولا إصلاح ما كان؟ بل هل هو يريد ذلك؟
وبالصباح وجد نفسه لا يتحرك.. لا يرحل.. لا يرغب بأن يتركها بل اتخذ قراره
لن يتركها..
رفع يده.. وتلك المرة أكمل طريقه لوجنتها.. لمسها.. يرغب بمنح نفسه راحة "وكأن الدنيا عادت للحياة بعودتك مهرة"
رمشت.. لفت وجهها فرحلت يده بلا قصد والتقت بنظراته وهي لا تصدق كلماته وربما ارتوى قلبها بها لكن..
الجرح أكبر من مجرد كلمات "تعبت نفسك من أجل لا شيء"
تجهم وجهه.. ارتدت يده لجواره ولمعت عيونه..
بريق لا تفسير له سوى الألم لكن هي فسرته بالغضب ولم تمانع فكم يغضبان من بعضهم والشجار يرافقهم..
الصمت لفهما للحظة.. النظرات ظلت متصلة حتى عادت وقالت "أين أيلا؟"
تتعمد منحه اعتقاد أنها لا تُفكر سوى بابنتهم، هذا ما أصبح يربطهم فكل شيء ضاع وانتهى ولا يعلم كيفية استرداده
"بالبيت.. مسلم أعادها فقد كانت هنا لتراكِ"
أغمضت عيونها.. ليس لإنهاء الحديث وإنما.. لأنها تحاول تصديق أنها لم تمت..
صوته خرج ضعيفا.. ظن أنها نامت "مهرة!"
فتحت عيونها الجميلة.. بها نظرات حزينة.. لا سعادة رغم تخطي ما كان.. كابوس عاشته وحدها حتى انهارت تحت ثقله
اقترب أكثر.. تمنى لو أنهى المسافة بينهما وجذبها لأحضانه.. ربت على رأسها الذي طاب وأخبرها أن كل شيء انتهى لكن..
المسافة بينهم لا تكمن بالهواء.. بل بما كان بينهم من مواقف هو يعلم أنها لن تمر بسهولة "لا تُجهدي عقلك بالتفكير، لكن.. فقط ابقي معي ولا تغيبي مرة أخرى"
ظلت تنظر له.. لا تجد كلمات لكن.. ربما وجدت راحة بما قال فهزت رأسها ببطء وعادت تغمض عيونها باستسلام للنوم
الأيام التالية شهدت تعب ومجهود كبير منها لتستعيد عافيتها وقدرتها على النهوض والحركة واندهشت عندما وجدته بجوارها
تقريبا لا يفارقها إلا ساعات يسرقها من اليوم ليتابع عمله ويسرع عائدا لها ..
ومع ذلك لم تمنحه أي نظرات أو كلمات تدل على ما بداخلها من مشاعر.. جمدت مشاعرها داخل قلبها وحفظتها بمكان خفي داخل غُرفه المظلمة ولم تبحث عنها..
أيلا رافقته مرات عديدة وكانت سعيدة بالتواجد مع والدتها التي عادت لها ومهرة نفسها لم تكن تبتسم إلا برؤيتها..
وأخيرا عادت البيت..
حجرتها كما هي.. كل شيء بمكانه لكن هي لم تعد كما كانت.. حتى وجوده معها بالأيام السابقة لم يبدل شيء
ما زال قلبها مجروح وعقلها رافض قبول كل ما يحدث لها..
سيظل الشك بينهما.. لا ثقة ولا صدق.. هكذا هي علاقتهم وهي ترفض تلك الحياة.. لم تعد تلك الفتاة الصغيرة التي تقنع بالألوان الصاخبة
أصبحت تبحث عن العمق..
وقفت.. لأول مرة منذ أفاقت من الجراحة، على قدميها دون مساعدة.. مرت أيام كثيرة بالمشفى ظنت أنها لن تخرج ولكن ها هي هنا..
يدها تستند على حافة الكومود.. ما زالت تبذل مجهود بالمشي ولكنها لا تعترض حتى..
رفعت وجهها لرؤيته عند الباب.. دخل للتو وتوقف مكانه عندما رآها واقفة
كانت تتقدم للأمام بسرعة أذهلت الأطباء ولكنه كان يعلم أنها مهرة مميزة دائما ما تتصدر الجميع
مهرة جامحة
لم يتحرك.. فقط قال بصوته العميق "أين الممرضة؟"
لم ترد..
ظلت لحظة تحدق بالفراغ ثم رفعت عيونها له مباشرة.. بدون تردد ولكن بعد تفكير عميق قالت "أنا أرغب بالطلاق رحيم"
وسقط الصمت.. كالعادة يوقف الكلمات بينهم
جمدت ملامحه.. لم يغضب ولم يحتد فقد توقع ذلك لكن..
عيونه اسودت.. سكنها الغموض واخترقها شعاع غضب أطفأه بالحال.. مهرة لن تلين بالغضب
تحرك للداخل بخطوات بطيئة حتى اقترب منها وصوته كان بارد.. لم يعرف هل كان ناجح بإخفاء نيرانه وراء نبرته الهادئة؟
أم كان ممثل باهر ويستحق جائزة أفضل ممثل؟
"ماذا قلتِ؟"
رفعت ذقنها.. لم تهتم بتعبها أو رجفة جسدها من إحساسها الثقيل بالكلمة فقط أعادت الكلمات "أرغب بالطلاق"
توقف عن التنفس دون وعي حتى زفر عندما كاد يختنق..
نظراتها جعلته يدرك أنها لا تمزح.. لا تتراجع.. لا ترى وجوده معها بالأسابيع الماضية
ثبات نظراتها جعله يفكر قبل أن يتحدث "مهرة هل تدركين ما تقولينه؟"
لم تهتز.. لم تتراجع فقد فكرت وقررت "كنت تعلم بما قلته قبل أن أدخل العمليات"
للحظة ظلت الوجوه متقاربة.. نظرات لا تنفصل وأنفاس متسارعة وهو يميل تجاها وقال "ظننت أنني.. "
قاطعته بلا تراجع "أنت من جعلني أتمسك بقراري"
اشتدت عضلاته.. تحركت تلك التي بوجهه، قبض أصابعه بقوة حتى تألم منها وهمس بصوت مختنق "أنا لم أتركك للموت مهرة"
كانت نبرتها مرتفعة، قوية.. تحمل غضب مكتوم "لكنك من قذف بي للموت رحيم"
وتولى الصمت الزمام مرة أخرى.. لكنه صمت امتلأ بالنيران
تنفس بقوة.. حاول السيطرة كما اعتاد لكن..
فشل..
أمام نظراتها هذه فشل..
تحت وطأة كلماتها فشل..
خرج صوته أخفض.. أخطر.. أكثر عناد وتحدي "لن أمنحك الطلاق مهرة"
وتحرك من أمامها.. منحها ظهره وزاغت عيونه بالفراغ من أمامه..
رمشت..
لم تندهش بل كانت تنتظر هذا الرد.. ما زال هناك ورقة رابحة سيتمسك بها
أيلا..
لم تستسلم له "أنا لا أسألك"
لف وجهه ومنحها ابتسامة باردة.. هزت شيء داخلها وقال "وأنا لا أنتظر رأيك"
وعادت تواجه أكتافه وسقطت عيونها على الأرض "لن يمكنك إجباري على البقاء معك"
قاوم رغبته بالتدخين لأجلها.. ما زال يذكر حالته وقت غيابها عن الواقع "لن أفعل، لكنه القرار الصواب"
أشاحت بيدها دون القدرة على التحرك من مكانها وكأن سلاسل تقيدها بمكانها "ليس من حقك اتخاذ قرار يخصني"
التف، واجه نظراتها القوية، رأى الغضب لكن لم يعترف به "من حقي مهرة لأن الأمر لا يخصك وحدك، هناك أنا و.. أيلا"
كما توقعت سيتلاعب عليها، تحركت ببطء، خطواتها ما زالت بحساب، فقط لم ترغب بمواجهته "أنت قمت بواجبك كزوج وأكثر أمام الجميع وانتهى واجبك بشفائي، وسبق وأخبرتك أن أيلا.. "
مالت رأسه بطريقة جعلتها تتوقف وتحدق بعيونه وهو يقترب منها وعيونه لا تفارق عيونها وصوته كان يحمل نبرة غاضبة "تجعليني ممثل ماهر على مسرح يشاهده جمهور تافه لا يفهم ما يدور حوله"
شحب وجهها أكثر.. ارتجفت قدماها وخطت خطوات أخرى باحثة عن المقعد وهي تحاول التماسك بقوتها للنهاية "الأمر مؤلم أليس كذلك؟"
انتبه لكلماتها فعاد يرفع وجهه وضاقت عيناه وهي تواجهه "أن يشعرك أحدهم أنك ممثل بمسرحية هزلية لا تستحق حتى ثمن التذكرة"
تجهم.. كلماتها تضربه بلا رحمة.. هي تصفعه بنفس أفكاره عنها
اقترب عائدا لها لكنها لم تنظر له.. قلبها يؤلمها ولا رغبة لها بألم جديد "لا تقلبي المائدة بوجهي مهرة، تعلمين أن ما كان يثير شكوك أي أحد"
التفتت له ببطء، تواجه نظراته المحترقة من الغضب وظلت باردة "لأنك ترى أني كذبت بشأن الكنسر لكن لا يهم أن هناك ورم"
زاغت عيونه على وجهها.. لديها حق.. ما الفارق؟
كلاهم مرض مميت، كادت تموت بسبب الورم وهو كان حميد..
ابتعد..
جلست أخيرا.. متعبة.. جسديا ونفسيا..
لا رغبة لها بالدخول بحرب جديدة وصراع آخر "انعدام الثقة لا علاج له رحيم.. هو طعن بالكرامة وأنا لن أغفر لك"
التفت لها، لكنها لم تكن تنظر له ولم يستسلم "والآن أصبحت أنا المتهم؟ هل تصدقين نفسك؟'
شهقت بصوت منخفض، تجذب أنفاسها بصعوبة وهي تعلم أن المعركة بدأت للتو
لم تجيب..
ارتد لها.. وقف أمامها.. غاضبا.. ساخطا.. رافضا الهزيمة " توقفي عن تهورك وجنونك مهرة، لم تعودي تلك الفتاة الصغيرة، حياتنا الآن مختلفة"
لم تنظر له وهي تقول "حياتي اختلفت منذ تخليت عني رحيم، منذ جعلتني أدرك أني لست الزوجة المناسبة لك وحتى عندما منحتك فرصة أخرى صفعتني بعدم ثقتك وشكوكك"
رفعت وجهها له وأكملت "إلى هنا وكفى رحيم.. أنا من لا تثق بك الآن، لا يمكنني وضع حياتي وحياة ابنتي بين يديك لأستيقظ وأجدك تلقي بنا بالشارع بلا سبب"
اسود وجهه مرة أخرى..
كلماتها تثير جنونه وهو لا يمكنه أن يثور بوجهها، أوقف غضبه وقال بصوت جامد كملامحه "لا.. طلاق.. مهرة"
وتحرك خارجا قاطعا عليها أي فرصة للجدال ودون حتى النظر لها
بينما أغمضت هي عيونها وتنفست ببطء لتمنح نفسها هواء وهي ليست راضية عن نفسها
****
لا تعرف كيف استسلمت له ولرفضه للطلاق؟
ربما لأنها تعلم عناده وسيطرته التي لا تنفصل عن شخصيته، وربما لأنها كانت ما زالت تحارب فترة النقاهة فلم تملك قدرة على محاربته..
ولكن النتيجة أنها انفصلت عنه داخل البيت..
وهو لم يحاربها وكأنه اكتفى بأنها بقيت بالبيت ولم تحاربه.. واكتفت برده "لا طلاق"
لم تكن تراه بالأيام.. يظل بالعمل ولا يعود إلا عندما ينهار من التعب ويشتاق لمن يسكنون بيته.. وحياته
كانت تتماثل للشفاء بطريقة مذهلة.. الممرضة كانت جيدة، الطبيب يأتي كل يومين ثم بدأت المسافات تزداد حتى..
تم الشفاء..
ومع انتهاء فترة المرض كانت قد اطمأنت على مكانتها على الانترنت.. لم تتوقف عن العمل.. لم تترك أيلا..
مر ما مر من الوقت.. أيام.. أسابيع .. لا أحد اهتم بالعد
اختارت مدرسة دولية لأيلا.. بحثت كثيرا حتى نالت إعجابها وتحدد موعد المقابلة الشخصية فاستعدت وأيلا لا تتوقف عن الحديث عن الأمر
أمسكت يد ابنتها ونزلت السلم لتراه يقف بالأسفل والسيجارة بيده والهاتف بيده الأخرى يتحدث به..
ارتفع قلبها بدقاته.. منذ متى لم تراه عن قرب؟
توقف الحديث بينهم منذ خروجها من المشفى.. كلاهم اختار تلك الحياة بلا اتفاق
ذلك التوقيت هو لا يتواجد به بالبيت فماذا يفعل هنا الآن؟
أيلا تركت يدها وأسرعت له "بابي"
انحنى.. تلقاها بين ذراعيه ورفعها له وهو ينهي مكالمته وهي تطوقه بذراعيها الصغيرتين "مرحبا أميرتي.. تبدين رائعة بالفستان"
قالت "مامي قالت إنك من أحضره"
رفع عيونه لها ولكنها ابتعدت تمنحه ظهرها.. استردت قوامها الرائع بلا خطأ، شعرها مربوط للخلف بجدية ليظهر ياقة الجاكيت المميزة..
الكعب العالي تناسب مع البنطلون الكلاسيكي.. امرأة تعرف جيدا كيف تدير عقول الرجال ليس فقط بجمالها بل وأيضا بأناقتها
عاد لصغيرته وقال "تعرفين أن لدي من يصمم تلك الملابس؟"
هزت رأسها وقالت "نعم.. مامي أخبرتني"
التفتت بشجاعة لا تعرف من أين واتتها بوجوده "أيلا لابد أن نذهب، ودعي بابا وهيا"
لم يمنح أيلا فرصة للرد وهو يقول "بابا سيكون معكم"
رفعت وجهها له، لمعت عيونه عليها.. جميلة.. فاتنة.. دائما ما تسحره
تحرك وما زال يحمل أيلا حتى وقف أمامها والتقى بنظراتها ووجهها المحترق بلهيب الغضب "المدرسة التي قدمتِ بها تحتاج للوالدين معا"
ومال عليها وهي تراجعت قليلا.. عطره سيقتل أنفاسها لكن.. لم يكن عطره.. بل ..
صوته أوقف أفكارها "ألا تعرفين ماذا تفعلين؟"
ظلت تواجه نظراته بقوة باحثة عن رد لكنها تعرف أنه على حق، فقط لم تكن تعلم أنه يراقب كل خطواتها "من السهل القول أنك لست موجود بالبلد"
ابتسم.. ابتسامة خفيفة.. هزتها من داخلها ولكنها احتفظت بصلابتها "ولكني موجود، هل نذهب؟"
للحظة ظلا متواجهين ثم تحركت هي بغضب واضح بخطواتها وأدركت أنها تخسر أمامه جولة جديدة..
المدرسة كانت رائعة، تقريبا كما كانت تحلم وربما أفضل.. وجودها بالقاهرة هو ما منح ابنتها مدرسة كهذه..
أيلا أجادت الأداء بالاختبار.. مدير المدرسة منح رحيم معاملة مميزة نظرًا لاسم العزايزي المعروف وتقريبا منحهم موافقة مبدئية جعلتهم سعداء..
عادا السيارة الفاخرة التي لفتت انتباه من كانوا يقومون بنفس المقابلة ولكنهم لم ينتبهوا للنظرات والسائق يتحرك بالسيارة وأيلا لا تتوقف عن الحديث عن المدرسة حتى التفتت له وسألته
"بابي أرغب باللعب، منذ تعب مامي ولم أذهب لأي مكان ألعاب"
لم تواجه نظراته المختفية تحت نظارته الشمسية.. ولم تنظر لأيلا فقط تابعت من بعيد وهو يجيب "ولم لا أميرتي.. عم محمود خذنا للكيدز اريا التي بمنطقة.. "
اندهشت أنه يعرف مثل تلك الأماكن وأيلا تصفق بيداها بسعادة وهتفت "شكرًا بابي، أنت أجمل أب بالعالم"
ابتسم وهو يداعب وجنتها ومنح نظرة لها وهو يقول "هل بإمكانك الذهاب معنا أم متعبة؟"
بالطبع عرفت أن السؤال لها، لم تنظر له وهي ترد بصوت منخفض "أنا بخير"
الجمود لا يلين رغم وجودهم معا لكنها تعلم أن مصلحة أيلا هي كل ما يهمها وبالطبع هو الآخر يفعل المثل..
المكان كان فاخر جدا.. شخصيات تبدو من عالم مماثل لعالم زوجها.. سيدات ترتدي ملابس ملفتة.. شبه عارية.. ومجوهرات لا حصر لها تزين صدورهن وأصابعهم
تورد وجهها وشعرت أنها شيء خطأ هنا.. عنان على حق.. هي ليست المرأة المناسبة لرجل مثل ابنها
لمسة على ذراعها جعلتها تفزع.. ترفع وجهها لوجهه الذي لم ينظر لها وهو يهمس لها "تعالي، هناك مكان للانتظار"
استسلمت له كالمخدرة.. تتابع الوجوه التي كانت تنظر لرحيم بإعجاب ثم لها بدهشة.. احترق وجهها من الإحراج وتمنت لو اعترضت على البقاء وطالبته بالرحيل لمكان آخر
الرجل وقف لأخذ الطلبات فابتلعت ريقها ربما ينشط لسانها "نسكافيه بلاك من فضلك"
وهو أشعل سيجارة وطلب قهوته.. نفخ الدخان وتابع نظراتها الحائرة هنا وهناك حتى جذبها له "تنالين الإعجاب بأي مكان تتواجدين به"
رفعت عيونها له.. الدهشة ضربتها، لا تصدق ما يقول بل لم تتوقعه من الأساس.. نفخ الدخان وعاد لها "من الجميل استعادتك نفسك بعد الجراحة"
نفضت حالتها المقيتة التي كانت عليها وزاغت منه بنظراتها وهي تقول "أرغب بالعودة للعمل"
ظلت السيجارة عالقة بأصابعه ونظراته تلفها بصمت وهي ظلت تنتظر الرد حتى وضع السيجارة بالمطفأة وقال "تختبريني مهرة أليس كذلك؟"
وعاد لها بنظراته "تتساءلين هل ما زلت نفس الرجل الذي أراد طمس شخصيتك"
لا.. نعم.. لم تعرف..
كل ما أرادته هو عمل، هي تحب ذلك ولا يمكنها التوقف "لا، الأمر لا يستحق كل ذلك، أنا حقا أريد عمل"
وضع الرجل الطلبات وظلت نظراتهم متقابلة حتى هز رأسه بهدوء وهو يرفع القهوة لفمه "أعلم"
تناول القهوة وهي تتابعه بلا فهم.. هل حقا يعلم ما تريد؟ ولو كان يعلم هل يقبل؟
عاد للسيجارة والدخان ارتفع حوله من جديد "المجموعة بحاجة لخبرتك، عملك يتحدث عنك"
اعتدلت.. تظن أنها لم تسمعه جيدًا.. هل يتحدث عن العزايزي جروب؟ المكان الذي بدأت به وسقطت منه؟
شفتاها رددت "العزايزي جروب؟"
تناول القهوة بهدوء مختلط بالدخان وهو يتابع ملامحها المتجهمة.. يدرك سبب دهشتها لكنه لن يتركها بمكان هو ليس به ووسط رجال يعلم أنها ستدير عقولهم بجمالها
منحها رد مختصر "بالطبع"
الصمت لفهم.. لا كلمات تصف ما بداخلها حتى وضع الفنجان وقطع الصمت "ظننتك ستتوقعين ذلك"
أبعدت عيونها وهي تستجمع نفسها وتجيبه "لم أتوقع أي شيء.. لم لا تتركني لمكان آخر؟ لا أرغب بتقييدك"
اعتدل واقترب من حافة المائدة وتركيزه كله لها "لا شيء يمكن أن يقيدني، وجودك بالشركة شيء لا نقاش عليه طالما ترغبين بالعمل.. وكفاكِ من عمل الانترنت، لم يعد يليق بكِ، متى ترغبين بالبداية؟"
لم تلمس كوب النسكافيه، ظلت يداها مختفية تحت حافة المائدة، تفركهم ببعض وقلبها.. قلبها يصفعها بلا رحمة، وهي تعرف أنه يعرف كل شيء عنها فلم تتفاجأ
"من الغد لو وافقت.. هل لي مكان؟"
ظلت تنتظر له بانتظار الرد وهو منحها إياه "بشركات زوجك؟ هل هذا سؤال طبيعي مهرة؟"
أبعدت وجهها مرة أخرى ولكنه لم يتركها وهي تكمل "ولم لا؟ هل نسيت ما كنت تقوله عني وعن شركاتك التي تختار من يعمل بها و.."
قاطعها بحزم "أنا لا أنسى شيء مهرة، خاصة إذا كان يتعلق بكِ، أنا فقط رأيتك بالطريقة الصواب"
ظلت تنظر له.. لم تواكب حيرتها دموع، بل صمت لم تعرف كيف تقطعه
حتى استوعبت نفسها وقالت بهمس مسموع له "تأخرت"
ارتج من الكلمة..
عيونها ظلت ثابتة عليه، لا تعرف ماذا تقول أو تفعل أكثر مما قالت وهو من بحث عن كلمات بعد أن أنهى السيجارة ولجأ لأخرى طار دخانها بينهم
"مهرة هناك الكثير مما سقط منا، ربما كان خطأ ولكن القدر منحنا فرصة جديدة فدعينا ننتهزها"
أبعدت وجهها وزفرت نفس عميق وهي تقول بسخرية "فرصة ثالثة يا رحيم بيه.. ولكني لا أرغب بفشل ثالث.. نحن لن ننجح بأي فرص رحيم فدعنا ننهي الأمر الآن.. سأعمل بمكان منفصل كما هي.."
ولم تكمل ولكنه استوعب الباقي.. لف وجهه ونفخ الدخان بعيدًا وهو يفكر بالرد "كما هي حياتنا، هذا ما أردته أنتِ وليس أنا، أنا رغبت بحياة طبيعية وأسرة حقيقية لأيلا"
تنفست بعمق وبحثت عن رد لكلماته "كانت حياتنا أنا وهي طبيعية، لم ينقصها شيء"
نفخ الدخان بعصبية وخرجت كلماته حادة "هل تمزحين؟ ألم ينقصها أب؟ مدرسة كالتي كنا بها اليوم؟ كل ما أمنحه لها؟"
اهتز جسدها.. الحقيقة تضيء بأي مكان "المال ليس كل شيء رحيم، لا تضعه بيننا مرة أخرى"
امتص السيجارة دليل على الغضب والكلمات تتراقص على شفاهه ولكنه اختار الرد "لم لا تعترفين أنكِ تعقدين الأمر ولا توقفين غضبك قليلا؟"
هاجمته نظراتها بقوة.. هي الأخرى حاولت انتقاء كلماتها "أنا لا أجد سبب لأفعل.. لا شيء سيتبدل رحيم، سيظل ما بيننا للأبد"
ونهضت مبتعدة.. لا ترغب بأي جدال من هذا النوع.. تنازلها سيأخذها لألم جديد وهي لن تتحمل
انتهت أيلا من اللعب وطالبت بالطعام وهو كان يتوقع ذلك وهو يأخذهم لمطعم قريب ولم يتحدثا معا بالطريق وهو يتابعها تتعامل مع أيلا بطريقة سهلة وبسيطة وكأنهما صديقتان لطالما أعجبته طريقتها مع ابنتهم
المطعم كان بنفس المستوى وتأكدت أنه يتعمد ذلك.. يظهر بهما بتلك الأماكن وكأنه يبثها رسالة وهي لا تفهمها ولكن نظراته تلك المرة قالت الكثير..
حتى أيلا.. جلست هادئة جدا وكأن المكان فرض قوته عليها "بابي هذا مكان غريب"
التقت بعيونه على الفور، تنتظر إجابته "لا حبيبتي، ليس بغريب وعليك الاعتياد على أمثاله لأننا لن نذهب لسواه"
ظلت عيونهم متقابلة.. لا تنفصل، والكلمات منحتها ما كانت تفهمه.. هذا هو رحيم.. وهذا ما عليها أن تكونه وهو يخبرها أن الأمر ليس اختيار..
الطعام كان رائعًا حقا.. هو من طلب لهم وكانت صدمة لها عندما طلب طبقها المفضل.. هل ما زال يذكر؟
لم يتحدثا بوجود ابنتهم لكن بمجرد العودة للبيت سحر حملتها نائمة منها وهو أمسك ذراعها وقال "نحن بحاجة للحديث"
رفعت وجهها له والتقت بالإصرار بنظراته وهو يدفعها برفق للمكتب ويغلق الباب خلفه وهي تنفض ذراعها منه بطريقة ملفتة والسيجارة تشتعل بفمه على الفور نافخا بها غضبه من طريقتها
"هل تخبريني سر غضبك الدائم هذا؟"
لم تلتفت له.. ظلت تمنحه ظهرها.. لا ترغب بأي مواجهة قد تظهرها ضعيفة أمامه "لست كذلك"
صوته الخافت وصلها بسهولة ومعه نسمة حارة على عنقها جعلتها تلتفت بسرعة لتراه خلفها مباشرة "بل كذلك"
حدقت بالرمادية.. سجنتها عيونه بلا مفر وارتفع عدد دقات القلب لأضعاف مضاعفة وتسارعت الأنفاس لتلاحقه بالأكسجين
ابتسم وابتسامته تأسر قلبها وقلبها الآن فريسة سهلة فهل سيسقطها؟
"هل.. تخبرني ماذا تريد مني؟"
تقدم خطوة.. ارتدت هي مثلها للخلف وزاد خطوة أخرى وابتسامته لا تترك فمه وهي ارتدت ولكن.. المكتب صدها.. حبسها..
سقطت بالفخ..
وقف أمامها.. لا مسافة إلا سنتيمترات لا تُذكر ورائحة نفس العطر تختلط برائحة التبغ ترحل لها..
هي تعرف هذا العطر فقط لو كان بعيدا عن التبغ ستتأكد أنه هو.. العطر الذي اشترته له وهما زوجين وهو رفضه..
هل هو نفسه؟ صدفة هي أم ماذا؟
ارتجفت لهذا القرب الغريب، لقد ظنت أن ما بينهم انتهى، مشاعرها تجاهه ماتت، انتهت، تدمرت مع ما تدمر.. ولكن..
همس أمام وجهها الشاحب "تعلمين ما أريده"
وسقطت نظراته على شفاها.. واقترب وهي تتنفس بصعوبة وكأن قربه سرق الهواء من حولها..
أفاقت عندما لمست أنفاسه بشرتها.. دفعت يداها بصدره ليرتد بذهول للخلف وعيونه تقبض على عيونها المليئة بالفزع وأنفاسها لا تكفيها وعقلها لا يقبل ما يحدث.. يتحدث معها
لن نقبل بالإهانة للمرة الثالثة.. لقد اكتفينا
السيجارة انتهت عندما لمست أصابعه فانتبه ولم يتألم فلديه ما يشغل كل مشاعره وتركيزه.. فقط تحرك للمطفأة وتركها بها
بينما هتفت هي "لن تتلاعب بي مرة أخرى رحيم، لقد اكتفيت"
ظل واجما.. لا رد لديه ولم يواجها.. كان يفهم كلماتها.. ومدرك تماما أن طريقها لم يعد سهل لكنه أراد خوض المعركة.. هي لن تهزمه
عندما لم يجيب تحركت لتذهب لكنه التفت وواجها قابضا على ذراعها لتقف بجواره والغضب اعتلى كل ملامحها ولكن نبرته كانت غريبة.. لم تحمل غضب أو اعتراض على موقفها ورفضها
بل كانت نظراته مختلفة.. وصوته خرج أيضا هادئا "وأنا أيضا اكتفيت"
رفعت وجهها له.. هل قرر الطلاق؟ انقبض قلبها..
ألم يكن هذا مرادك يا امرأة؟
لم تتحدث، انتظرته ليكمل وفعل "اكتفيت من الفراق مهرة، أريد حياة مختلفة، أريد أن نبدأ من جديد، سميها ما شئتِ، لكن لن ننال أي فشل"
سكتت.. الكلمات وقعت بينها وبين نفسها قبل أن تصل له.. فقط ظلت تنظر له.. لا تصدق أو ربما لا تريد أن تصدق أنه ما زال يريدها رغم كل رفضها
ثم.. ابتسمت، ابتسامة باهتة.. مؤلمة وهي ترد بصوت مبحوح "نبدأ من جديد؟"
خرجت منها كأنها تعيد الكلمة لتذوقها ثم.. هزت رأسها ببطء "نحن لم نبدأ بداية صحيحة أبدًا كي نبدأ من جديد رحيم"
تجهم وجهه.. لكن لم يقاطعها.. يعلم صحة ما قالت
جذبها.. لكنها أفلتت ذراعها وتراجعت "لا رحيم"
نبرتها لم تكن مرتفعة.. لكن حاسمة "بكل مرة قربك يدمر شيء داخلي، يهز ما يمكن أن يكون بيننا ولم أعد أرغب بذلك"
اشتدت نظراته.. تأملها بصمت حتى قطعه "ولا أنا أرغب بابتعادك"
الرد كان سريع.. كأنه يمنحها تأكيد على ما بدأه وهي تزداد حيرة من موقفه.. فجأة ضحكت.. ضحكة قصيرة.. ساخرة "أنت لا تريد وأنا لا أستطيع"
سقط الصمت لحظة.. ثقيل حتى عادت عيونها له بلا حواجز.. لكن مليئة بالألم "وبينهما فارق كبير رحيم"
شد على فكه.. اقترب خطوة رغمًا عنها وتلك المرة هي لم تتراجع.. ظلت ثابتة "وما الذي يجعلك تستطيعين؟"
صوته خرج أخفض.. أخطر.. وأصدق من أي مرة.. يتمنى لو تصدقه
رمشت.. السؤال أصابها بمكان لم تكن مستعدة له أو لم تتوقعه لذا فتحت فمها.. أغلقت.. ثم عادت وقالت "أن أشعر بالأمان"
انقبض قلبه.. دفعة قوية ضربته.. لكن ملامحه لم تتبدل "وأنتِ لا تشعرين بالأمان معي؟"
بلا تردد أجابت "لا"
ونزلت عليه الصاعقة فلم يتحرك ولم ينطق وهي تكمل بهدوء قاتل "الأمان ليس بالمال ولا بالاسم أو الحماية، الأمان ألا تكون الشخص الذي قد يكسرني"
سكتت لحظة وعادت تضيف "وأنت كسرتني رحيم"
شد نفس عميق، طويل وكأنه كان يقاوم رد فعل داخله "وأنتِ؟"
سؤاله فاجأها.. جعلها تتجمد وتلجلج لسانها "أنا؟"
هزة خفيفة من رأسه مع الرد "نعم.. ألم تكسريني؟"
واقترب أكثر.. عيونه غامت وأظلمت "أم ما فعلتيه كان سهل علي؟"
بالتأكيد عنى أيلا..
اهتزت نظراتها لحظة لكن سرعان ما تماسكت "لا.. أنا لم أخنك، لم أتخلى عنك بأشد لحظات الاحتياج، لم أشك بك بأي وقت"
نبرتها ارتفعت.. لأول مرة "أنا لم أكن عدوتك"
سكتت.. أنفاسها تعلو وتهبط بسرعة وهو.. ينظر لها بحدة وصوته خرج عميقا "وأنا خنتك؟"
حدقت به.. عيونها تلمع.. بلا دموع بل بألم "عندما تركتني وحدي.. نعم"
سكون خيم لثواني طويلة.. حتى قال بهدوء غريب "حسنا، دعينا نجرب ألا نكون أعداء"
رمشت.. لا تفهم وهو يكمل "لن أقول نعود.. ولا ننسى ولا حتى أطلب السماح"
وتراجع خطوة.. منحها مساحة "لكن أطالب بوقف الحرب"
ظهر التردد على وجهها "ماذا يعني هذا؟"
همس "يعني نعيش.. لأجل أيلا لكن.. دون أن نكسر بعض أكثر من ذلك بدون أن نشجع الفراق"
صمتت.. تلاعب بعقلها.. الذي ظل يحلل ما قاله، تحاول أن تفهم إن كان ما قاله حل مختلف عما كانوا يفعلونه
يمكنها التوصل إلى أنه يطالب بهدنة "هل يمكنك ذلك رحيم!؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة.. بها تعب غريب وهو يجيب "لا"
تفاجأت.. لكنه أكمل "لكني أنا من طالبت به ولابد أن أنجح، لأجلك.. ولأجل أيلا"
سكتت. قلبها.. خانها بنبضة زائدة.. لكن عقلها كان أسرع كالعادة "لكن لو وافقت فلا يعني أن كل شيء انتهى"
لم يعترض "لن أفكر هكذا"
أخفضت رأسها لحظة ثم عادت له ولم تتحدث وهي تتحرك للباب.. السكوت سيمنحه القبول بلا كلمات ومع ذلك كانت خائفة من أن تندم لكن.. أيلا تستحق
وصلت للباب وقبل أن تفتح صوته أوقفها "مهرة"
جمدت مكانها وهو يقول "أنا لا أترك ما يخصني"
أغمضت عينيها للحظة ثم قالت دون أن تلتفت له "وأنا لست شيء يمتلك رحيم"
وفتحت الباب وخرجت..
الفصل 16
شهر عسل
لم يتجاوز لأكثر من ذلك بتلك الليلة.. لم يحاول الضغط عليها، كان يشعر أن خوفها لم يرحل كاملا فلم يتعجل شيء ربما برحلتهم يتجاوزا معا باقي العقبات..
الطائرة كانت متعة لأيلا تلك المرة، الأمر لم يكن ساعة بل وقت أطول ومكان أجمل، هو من تأكد من حزام الأمان خاصتها وخاصة مهرة.. طائرته الخاصة منحتهم خصوصية واضحة ومتعة بالسفر..
أيلا استمتعت معه وهو يشير لها من النافذة الصغيرة للسحاب المحيط بهم ومهرة تتابعهم بسعادة لسعادة ابنتها.. ولن تنكر سعادتها بما كان بالأمس..
لم تنم وكلما أغمضت عيونها تراه.. تذكر كلماته.. قبلته على يدها.. ضمه لها بالرقص ودقات قلبه تصل لأذنها
عودة لأيام الغردقة، تلك الأيام كانت حلم استيقظت منه مرة أخرى على كابوس فهل سيتكرر الأمر؟
ليلة الأمس حُفرت داخل عقلها و.. قلبها وانتهت بقبلة وضعها على وجنتها أمام باب غرفتها وانتظرها حتى اختفت خلف الباب وتنفست بعمق لفراقه ولم تجد رد للأسئلة..
هل سيظل زوجا بلا مطالبة بحقه كزوج؟
هل ستمنحه شيء لو طلب؟
كيف ستكون علاقتهم؟
"هي مستمتعة"
التفتت له وهو يعود لمقعده بجوارها وأيلا تلعب بعروستها الكبيرة "جدا، أنت تعرف كيف تسعدها"
أمسك يدها ولم تبعدها وهي تمنحه نظراتها كما فعل "وجودكم هو ما يسعدني مهرة"
مسلم مال عليه "والدتك حجزت بطائرة الغد للقاهرة"
لم يرد وهي لاحظت عضلة تتحرك بوجهه فقالت "أخبار سيئة"
ترك يدها وهو يلجأ للسجائر وأيلا بعيدة وانتظرته حتى نفخ الدخان وقال "ماما ستعود القاهرة غدا"
لم تتبدل ملامحها.. علاقتها بالمرأة أسوأ ما يمكن أن تكون وهو يعلم ذلك ولا تحتاج للتمثيل أو الكذب "ترغب بإلغاء الرحلة والعودة؟"
لف وجهه لها بدهشة "ماذا؟ لا، بالتأكيد لا مهرة، حياتي مستقلة تماما عنها"
لم تفهم علاقته بها بأي يوم فهو لم يتحدث عنها "آسفة لم أقصد إغضابك"
لم يفكر وهو يجيب "لم تفعلي، كل ما بالأمر أننا لم نكن على وفاق مؤخرا"
هزت رأسها بتفهم "أعلم، بسبب زواجنا هي لم تخفي رأيها عني"
ظل يواجها من بين الدخان، هو يعرف بزيارات عنان لها ويعلم دون كلمات ما يمكن أن تكون ألقته بوجه مهرة التي لم تحكي
"وهذا لن يوقف ما بيننا مهرة، أنتِ زوجتي وستظلين كذلك سواء وافقت أم لا"
ظلت تنظر له، لا تفهم موقفه من عنان حقا "لا أرغب بأن أكون سببا بخلاف جديد بينكم رحيم.. بالمرة السابقة ظلت.."
نفخ الدخان بعصبية وقاطعها "مشكلة ماما أنها ترى أن سعادتي لن تكون سوى مع امرأة واحدة وأي واحدة أخرى فلن تمنحني شيء، أو بالأحرى التناغم الاجتماعي كما تعرفين"
ومنحها نظرة تفهم هي تقبلتها ولم تغضب من معنى كلماته فقد تخطت أمر الفوارق معه "هي تريد نارا"
هز رأسه والسيجارة انتهت بالمطفأة "نارا تعرف جيدا كيف تسيطر عليها وماما تسقط فريسة لها"
والتفت لها "لن نجعلها سبب لخلاف بيننا مهرة"
مال رأسها قليلا وانخفضت خصلاتها معها "ومنذ متى فعلت رحيم؟"
كانت على حق، هي لم تحاسبه على كلمات أمه ولم تطالبه بأي شيء
أمسك يدها واحتفظ بها واقترب منها "جيد لأني لن أسمح بأي شيء يبعدك عني مرة أخرى"
ابتسمت.. جذبها من القلق للراحة مرة أخرى
اليونان كانت أول محطة لهم.. الفندق استقبلهم بجناح مسبق الحجز طبعا وغرفة أيلا كانت رائعة وبسرعة قفزت للشرفة لمشاهدة البحر والمناظر الرائعة وعندما تركتها مع سحر المربية وتحركت للغرفة الأخرى توقفت
الفراش الوحيد بالغرفة جعلها تفقد اتزانها.. ولم تتحرك حتى رأته يخرج من باب جانبي ومنشفة بيده يجفف شعره الطويل الذي يهتم به جدا
أبعد المنشفة وقد تحرر من الجاكيت وربطة العنق.. القميص مفتوح لمنتصف صدره وتوقف عندما أبعد المنشفة ورآها مكانها
كل الذكريات اندفعت لها جملة واحدة..
نادرا ما كان يسمح لها بالتدخل بأي شيء يخصه.. لم يمنحها مساحة كزوجة تهتم بزوجها كان يرفض كل شيء رغبت بمشاركته إياه
رأته يقف أمامها ووجه منخفض لها ليصل لارتفاعها الضئيل بجواره "خائفة؟"
لمعت عيونها بمواجهة عيونه.. لا تعرف ما هو شعورها..
لمسته على وجنتها لم تمنحها وقت للتفكير بالرد وهو عاد يقول "لن أطالبك بشيء لا ترغبين به، عندما آخذك للفراش لابد أن تكون رغبتك مساوية لرغبتي"
تلك الحرارة ترتفع داخلها بسرعة البرق وأخفضت وجهها وتاهت منها الكلمات.. لا تعرف ماذا يدور داخلها
رفع وجهها له كعادته "لدينا جدول مزدحم.. نامي قليلا وبالتاسعة سنلتقي بالمرشد"
وتركها وتحرك لخارج الغرفة وظلت جامدة مكانها.. هذا ليس رحيم الذي كانت تظن أنها تعرفه.. رحيم الذي تعرفه لم ينال شيء من اسمه
لكن.. هذا رجل آخر لا تعرفه
التفتت فرأته يجلس على الأريكة ويضع حاسوبه المحمول على ساقيه، كوبه والسيجارة بيد ويده الأخرى تعمل على الأزرار..
الجدية ارتسمت على وجهه وكأنه نساها.. التفتت وأغلقت الباب وببطء تحركت لحقيبتها
****
استمتعوا جدا بكل مكان زاروه بذلك اليوم..
ذراعه كانت تلفها وأيلا بيده أو يحملها.. تناولوا الطعام اليوناني وعادوا للزيارات مع الفوج ثم عادوا بالمساء للفندق
سحر أخذت أيلا التي كانت نائمة وهي تحركت خارجة لتراه يتحرك لها.. لم يكن يرتدي البدلة بل ملابس رياضية جعلته أكثر جاذبية
وقف أمامها وقال "العشاء لنا وحدنا.. سأنتهي سريعا وأترك لكِ الغرفة"
وانحنى ووضع قبلة على وجنتها ولم تمانع بل لم يمهلها فرصة لتفعل وتركها واختفى بالداخل وما زالت بحالة من الجمود..
المطعم كان كلاسيكي ولكن ليس بالفخامة المعتادة لاختياراته وهو ما قالته فضحك بروح مرحة لم تراها به من قبل وأجاب "نحن بإجازة مهرة، أردت منحك راحة"
ابتسمت وارتخت بالمقعد ودارت الليلة بطريقة جميلة
الرقص لم يكن كلاسيكي، ضحكوا معا وتحدثوا ببساطة وتمتعت بكل لحظة معه
لم ترى رحيم المتسلط، المتملك، بل رجل مختلف لا يبحث إلا عن كل ما يسعدها..
الفندق كان قريب فلم يعودا بالسيارة، ذراعه لفتها وقربتها منه لتحتمي به من برد الجو ومال تجاها "تشعرين بالبرد؟ مسلم بالسيارة خلفنا"
قالت بصدق "لا رحيم، حقا مستمتعة جدا"
وجهه كان قريب منها فانخفض صوته ولا أحد كان ينظر لهما "حقا؟ ظننت أن قربي هذا يضايقك"
نفت برأسها ونظراتها وكلماتها "بالعكس، أقصد.. أنا.. "
وأبعدت وجهها وكادت تبتعد هاربة ولكن ذراعه أحكمت عليها فعاد يقول "هيا مهرة ألا استحق أي مكافاة؟ كنت ولد جيد أليس كذلك؟"
خطواتهم كانت بطيئة جدا وعاد وجهها له وهامت بعينيه الرمادية التي لمعت لها "كنت كذلك رحيم لدرجة أني لم أعرفك"
توقف وقابلها كما فعلت "أخبرتك أني سأفعل أي شيء لاستعادتك مهرة، رحيم الذي عرفته لم يكن يستحقك.. لكن أنا أرغب بأن أستحقك"
ظلت تنظر له حتى قالت "لن تندم؟"
أمسك خصلاتها ولفها على إصبعه وقال "لقد ندمت وانتهينا، فقط أحتاج ما يخبرني أني على الطريق الصواب"
وانحنى أكثر وجهه اقترب أكثر.. نسى أين هو.. حتى لو كان الليل يلفهم ولم يعد المارة كثيرين لكن ما زالوا بالشارع
أخفضت وجهها لتهرب منه وانخفض صوتها "نحن بالشارع رحيم"
اعتدل، مستوعبا ما قالت.. أبعد شعره بأصابعه وقد تركه بطريقة لا يفعلها بالعمل
نظراته لفت حوله مدركا كلماتها "نعم، معك حق، هل نذهب؟"
عاد وذراعه تلفها بتملك وصمت لفهم حتى وصلا الجناح وهي تتقدم لغرفتهم ولا تعرف ماذا تفعل لكن..
ما أن دخلت حتى سمعت الباب يُغلق خلفها فالتفتت لتراه يلتفت لها..
جامدة مكانها.. رأسها ارتفع له وهو يقترب منها.. نظراته تتحرك على وجهها.. تعني الكثير.. قلبها يرفرف بلا مسمى لمشاعرها..
لم تهرب من أمامه.. يده فكت دبوس شعرها.. تركه حرا طليقا على كتفها وظهرها ويده تتخلله والضعف يتسلل لها وهمست
"رحيم.."
جذب وجهها له وصوته لم يقل ضعف عنها "لن يمكنني التوقف مهرة.. أريدك"
والتقى بشفاها أخيرا.. لمس نعومة شفتيها بشفاهه ثم فقد عقله وهو يملكهم بقوة وضع فيها كل شوقه لها
أغمضت عيونها.. عندما لمس فمها بفمه رحلت عن الواقع.. سقطت بالأحلام التي كانت تحيا بها وهي بعيدة عنه، الآن ليس حلم.. بل واقع
ذراعه جذبتها له.. يداها ارتفعت على صدره.. وما زالت قبلته تسيطر.. تدمر أي حواجز باقية.. انفرط عقد الماضي وتبخرت حباته بلا عودة
واشتعلت القبلة بجنون بينهم حتى لهثت وتقطعت أنفاسها فمنحها هواء "متى ستعانقينني كما كنتِ تفعلين؟"
عندما لم تجيبه.. تحركت شفاهه على وجنتيها ولم تشعر بيده التي عبثت بملابسها إلا عندما سقطت عنها وحرارة أنفاسه على عنقها وهي تميل له
يدها أخيرا استعادت الحياة وارتفعت لتلفه فعاد لفمها وبعد قبلة قوية وجدته يرفعها ويتحرك بها للفراش وهو لا يبتعد بل يبعد قميصه ويرتد لها..
كل شيء كان مختلف.. لمساته، قبلاته، كلمات الغزل.. كل شيء مختلف
كان رجل آخر، امتلاكه لها كان بمذاق مختلف، لم يتعجلها كما كان يفعل، استمتع معها ولكنه بحث أيضا عن متعتها لأول مرة.. ولم يكن أناني
عندما انتهى ظل ينظر لها حتى هدأت أنفاسها وفتحت عيونها مندهشة أنه لم يتركها ويتحرك للحمام.. بل ظل هنا، منتظرا نظراتها
"أنتِ بخير؟"
هزت رأسها رغما عن دهشتها فاقترب وأخذ قبلة جديدة طويلة وهمس بقربها "أنتِ امرأة مميزة مهرة"
واستلقى بجوارها ولم تتوقع أن يجذبها له لتضع رأسها على صدره ودقات قلبه ما زالت سريعة وأصابعه تداعب شعرها بلا كلمات حتى انتظمت أنفاسه فرفعت وجهها لتراه رحل بالنوم
حقا لم تعد تفهمه.. لأول مرة تستمتع بكل لحظة معه.. لأول مرة لا يتركها وينهض راحلا للعمل كما اعتادت حتى بأسبوع زواجهم..
لم يكن يبحث عن راحتها بل راحته هو، ما الذي تبدل بك رحيم؟
****
شيء ما كان يداعب كتفها.. تحركت من بين نومها، مرة أخرى تكرر الأمر ففتحت عيونها فلم ترى شيء لكن شيء ما كان يداعب كتفها من الخلف..
استوعبت نفسها، كانت عارية وملتفة بالغطاء عدا كتفها. التفتت مستوعبة ما كان لتراه بجوارها بنصف جلسة ويسند رأسه على ذراعه ويبتسم لها فتورد وجهها للذكرى
"أجمل صباح لأجمل عروسة"
أبعد شعرها عن وجهها "أنا لست كذلك رحيم"
ابتسم ولمساته تثيرها بطريقة جنونية، يعرف تأثيره عليها جيدا "حقا؟"
ولم يجادل وقبلته تسرقها، توقف أي كلمات على شفتيها التي أعلنت طاعتها لشفاهه حتى عندما جرحها لم تعترض ويداه تبعد الغطاء عنها لينال ما أمتعه بالليل مرة أخرى..
المزارات كانت أكثر جمالا عن الأمس والضحكات اليوم كانت مختلفة.. لا قيود ولا حدود
أحضانه كانت كل ما تنتظره.. نظراته وحتى كلمات الغزل التي كان يهمس بها بأذنها كانت تجعلها أسعد امرأة بالعالم
سعادة لم تعرفها من قبل..
بالليل لم يخرجا بل انغلقت الغرفة عليهما معا والسهرة كانت لهما بلا ثالث..
كل شيء تبدل، ناداها لتقف بجواره وهو يذيل شعر ذقنه، وعندما لم تعرض مساعدته طلب هو.. ومرت الذكرى لكن لا أثر عليها
قذفت كل الماضي بقبر قديم وتهاوى على كل الذكريات بلا أمل بالعودة..
انتقت له ملابسه.. ساعدته بتصفيف شعره.. فعلت كل ما لم تفعله بالماضي والغريب، أنه هو من كان يرغب بكل ذلك..
ليست هي وحدها من استمتعت بمشاركته كل شيء، بل هو كان أكثر متعة والرحلة كانت وهم.. خيال
شهر عسل تأجل كثيرا حتى نالته، بل ناله الاثنان أخيرًا
لندن. باريس. روما...
وأخيرا فينيسيا آخر محطة بالرحلة..
استيقظت تشعر بالعطش فاعتدلت فلم تجده..، نهضت، ملابسهم مبعثرة هنا وهناك فابتسمت وتذكرت..
عندما عادا من السهرة لم ينتظرا بل التقيا بلهفة وشوق لا ينتهي
جذبت قميصه القريب وارتدته.. لم يكن كبير لكن غطى النصف الأعلى حتى منتصف فخذها، لم تغلق الأزرار العليا وتحركت للخارج
كان يجلس وجهازه أمامه والجدية واضحة على ملامحه.. لم يرتدي سوى بنطلون خفيف وشعره مبعثر بلا اهتمام..
من الخلف مدت ذراعيها على صدره ورأسها اقترب من وجهه وهو فزع منها بلا توضيح "ألا تنام؟"
ابتسم ورفع يدها لفمه ووضع عليها قبلة "أردت الانتهاء كي لا أنشغل أثناء اليوم عنكم"
وجذبها لتلف وأبعد الجهاز ليجذبها بين أحضانه ونظراته تلفها وهي تحيطه بذراعيها..
شعرها سقط خلفها.. وجهها المتورد زادها جمالا.. شفاها تورمت من قبلاته الليلة.. عيونها لمعت من السعادة
"وهل انتهيت؟"
ذراعه لمست جسدها من تحت قميصه ويده تبعد شعرها "ليس بعد مهرتي"
بجرأة غريبة منحته قبلة رقيقة على شفتيه "ومتى ستفعل؟"
يداها كانت تتخلل شعره، تداعب مؤخرة رأسه وأنفاسها العطرة بعطرها المميز قتله "لا أعلم"
يداها تحركت على أكتافه.. صدره مما جعله يغلق عيونه "مهرة.."
ضحكت بصوت منخفض لأجل أيلا "هل أتركك لتكمل..."
قبلته أوقفت كلماتها ويده تعتصر جسدها وباللحظة التالية كان يرفعها وينهض بها وهي تضحك وتقول "رحيم.. العمل"
دفع الباب خلفه بقدمه "ملعون العمل الذي يوقفني عنكِ"
وضحكت وهو يأخذها.. بل يتركها تأخذه لها.. لأحضانها، ضحكاتها، دلالها، رقتها
كانت تكفيه كامرأة وتشبع رجولته وما زالت تفعل وستظل للأبد..
كل لياليهم كانت أفضل من بعضها البعض.. نسوا الماضي وأيلا معهم والسعادة هي كل ما عاشوه بتلك الاجازة.. كانت تجمح معه
بل كانت جامحة به. . بقلبه
لكن دون أن يشعر
شهر كامل لم ينقص منه يوم واحد، لم يتعجل العودة ولا هي ولولا العمل ومدرسة أيلا ما عادوا..
الفيلا كان لها طعم مختلف وهم يدخلوها معا، ذراعه على كتفها وأيلا تجري أمامهم وتسبقهم للداخل والمربية تهتم بالحقائب والضحكات علت بكل مكان
لكن..
ما أن وصلا منتصف البهو حتى تجمدا بلا حركة، أيلا أيضا كانت واقفة بلا حركة وارتفع رأسها الصغير لتصل للقامة الواقفة أمامها
للحظة عم الصمت المكان، ربما همس الرياح بالخارج.. حفيف الأوراق العالقة بالأشجار أو..
تلك الأنفاس المتفاجئة، المصدومة واللامبالية
أول من تجاوز الموقف كانت الصغيرة التي قالت "بابي تاتا عادت مرة أخرى، هل ما زلتِ غاضبة مني تاتا؟ أو من مامي؟"
لمعت عيون عنان على الفتاة بطريقة غير مفهومة، الطفلة لا تتوقف عن مفاجأتها بتصرفاتها
مهرة أرادت أن تفلت من ذراع رحيم، تلف طفلتها بذراعيها وتحميها من تلك المرأة التي سبق وصفعت ابنتها بلا رحمة
رحيم انغلقت الرمادية على ما بداخله، نظراته احتوت المشهد وهو الآخر يذكر الصفعة، ولا، لن يسمح بإهانة ابنته مرة أخرى لكن..
ذراعه اشتد على مهرة ليوقفها عن الحركة.. دفعها خلفه وتقدم هو ليقف بجوار ابنته.. هو والدها، حاميها، حصنها الذي لن تبحث عن سواه
نظراته كانت تواجه أمه التي انتبهت له وهو يقول "هل تصعدين لغرفتك أميرتي؟"
رفعت الفتاة وجهها له، براءة الأطفال تتحدى الغضب، فقدان السيطرة
قالت ببراءة "هل تظن أنها ستصفعني مرة أخرى لو طلبت منها اللعب معي؟"
التفت لطفلته، نزل لمستواها كما اعتاد، يحب أن يمنحها كل اهتمامه، حبه وحنانه ويسمع كلماتها البريئة والصادقة
"لا أحد سيمسك بذرة سوء حبيبتي طالما أنا موجود، فقط تاتا أتت لتتحدث معنا فهل تتركينا نفعل؟"
لفت الصغيرة وجهها لمهرة التي كانت تصارع قلبها لتسرع لابنتها وتلفها بأحضانها لحمايتها كما اعتادت لكن..
الآن والدها يتولى القيادة.. هزت رأسها لابنتها وهي تسيطر على دموعها ومخاوفها
عادت أيلا لرحيم وقالت "أنت ستأتي لرؤيتي قبل أن أنام لأخبرك عما أريده للمدرسة؟"
ابتسم، تلك الفتاة تخطف روحه، خرج صوته هادئا، خاليا إلا من حبه لها "لن تنامي إلا وقبلتي على وجنتيكِ"
ابتسمت ببراءة وقالت "وقبلتي على وجنتيك"
هز رأسه فالتفتت لعنان وقالت "طابت ليلتك تاتا"
وأسرعت مبتعدة للأعلى واعتدل هو بمكانه وعاد المثلث للاكتمال..
وظلت نظرات عنان تواجه الاثنان اللذان تجمدا أمامها بنظرات حارقة، خاصة مهرة، تلك التي بنظرها، خطفت منها ابنها
مهرة تختار الصمت بحضور زوجها، ليس لضعفها لكن فقط لأنها أمه
بدأت عنان الكلمات "عرفت كيف تكون أب"
أيلا كانت ما تزال تقف أعلى السلم، تتابعهم بعينيها الواسعتين حتى هتف رحيم بهدوء ودون أن ينظر لها مباشرة "أيلا، لغرفتك حبيبتي"
هزت رأسها سريعا واختفت أخيرا بينما بقيت نظرات عنان معلقة حيث رحلت الصغيرة، شيء ما كان يتحرك داخلها، شيء يشبه الندم لكنها لم تسمح له بالظهور
انتبهت ليد رحيم التي امتدت إلى حيث تقف زوجته دون أن ينظر لها فمنحته يدها ليمسكها بقوة هادئة، كأنه يخبرها أنه هنا وأنها لن تواجه شيئا وحدها وعنان التقطت الحركة
عيناها سقطت على تشابك أيديهما فتجمد وجهها وصوته هو جعلها ترفع عيونها له "عندما خفت أن أخسرها، تعلمت كيف أكون أب"
ملامحها الجامدة لم تتبدل لكن من داخلها تموجت كموج البحر بين غضب وهدوء وقالت "لكنك نسيت كيف يكون الابن"
هو اعتاد كلماتها لذا قال "تعلمين أن ذلك ليس صحيح، هو أنتِ من يضع الأمومة بكفة وكل حياتي بكفة أخرى"
مال رأسها وكلماته تندفع كطلقات نارية تصيب بلا رحمة "لأني أرغب بسعادتك؟"
شدت يده على يد مهرة وأجاب "سعادتي بيدي بالفعل ماما ولست بحاجة لدليل"
تحركت عيون مهرة له، تدرك، تفهم كلماته جيدا وتتساءل، هل حقا هي سعادته التي بين يديه ويتحدث عنها؟
بينما رفعت أمه ذقنها بشموخ تؤكد رفضها لكلماته وقالت "هذا تأثير شهر العسل إذن؟ أنت حتى لم ترحب بي بالبيت حتى الآن"
تقلبت نظرات مهرة بين عنان وزوجها الذي قال "أنا عدت بالحال ماما، وأنتِ لم تخبريني بموعد حضورك لأفعل"
تلونت عيونها ببريق غاضب لا ينتهي وهي تستنكر كلماته "وهل أحتاج موعد لدخول بيت ابني؟"
أجاب بلا تردد "بيتي أنا ومهرة وابنتنا ماما"
شعرت مهرة بأنفاسها تتعثر والتفتت له بدهشة مرة أخرى، تغير بالفعل، كل شيء يخبرها بذلك، ربما سبق واتخذ صفها من قبل لكن تلك المرة كلماته واضحة وصريحة و.. قاتلة
أما عنان فتغير وجهها تلك المرة من وقع الجملة وهمست "شهر العسل أنساك كل شيء رحيم"
رفع حاجبه بهدوء وأجاب "بل جعلني أتذكر كل شيء بوضوح"
والتقت عيون الأم بابنها.. هذه المرة لم تجد أي تردد مما اعتادت اللعب عليه، لا شك، لا ارتباك، فقط حسم
وأدركت هي الاخرى أن شيء ما، شيء ما بابنها تغير
نظراتها انتقلت لمهرة الواقفة بجواره، قريبة منه بطريقة مستفزة لها.. تكاد تلتصق به ولم تفهم أن مهرة كانت تبحث عن الأمان بقربه، سعيدة بذلك الرجل الذي تمنته وحلمت به
هي بالفعل لم تعد تشعر بالخوف وهي تواجه عنان ربما لأن ذراعه بجوارها، يده بيدها، أو لأن عيونه لم تعد تتركها وحيدة
خرج صوت عنان أخيرا "يبدو أنك سامحتها بسهولة"
وقبل أن تتوتر مهرة أو تستعد للدفاع عن نفسها ملتفته لتواجه عنان، جاءها صوت رحيم هادئا لكن حادا بما يكفي لشل الجميع "مهرة لم تُخطئ بحقي حتى أسامحها"
واتسعت عيون مهرة كابنتها بالحال، بينما شحب وجه عنان وهو أكمل وهو ينظر مباشرة لوالدته "ولو كان هناك من يجب أن يعتذر داخل هذا البيت فلن تكون مهرة"
ساد الصمت للحظة ثقيلة، ثانية، اثنتان ثم، تحركت عنان ببطء، التفتت بعيدا عنهما وكأن الكلمات أصابتها بمكان لم تكن تتوقعه وليس لديها رد عليه لأن داخله تقبع إهانة راكدة لو نطقت بكلمة سترتفع الإهانة وتصيبها بوجهها
أما مهرة، فظلت تحدق به غير مصدقة
رحيم العزايزي وقف بصفها أخيرا..
الفصل 18
أبحث عما يحميكِ
ذراعه التفت حول خصرها من الخلف، لم تفزع بل ارتاح جسدها على صدره وشفتاه تضع قبلة رقيقة على عنقها الذي التوى بعيدا ليمنحه مساحة..
همسه داعب أذنها "اشتقت لكِ"
التفتت له ليتلقاها بقبلته وهي لا توقفه.. رغم كل ما كان يدور بذهنها مما كان لكنها كانت تريد تلك القبلة، هذا العناق، ونالته
أبعدها قليلا ليتنفسا ففتحت عيونها والتقت بعينيه الناعسة "شكرا رحيم"
ضمها له أكثر، دائما ما تمنحه كلمات الشكر ولو على أقل الأشياء.. وهو لديه شعور بالراحة لما حدث جعله يدرك أن كل قراراته الأخيرة كانت صائبة ولا مجال للندم
"هكذا بلا مقابل"
ضحكت فابتسم ثم عادت تقول "لم أرغب بأن تخسر والدتك بسببي مرة أخرى رحيم، هي تحبك وتتمنى لك الأفضل"
عبث بخصلاتها الناعمة، يحب شعرها، لونه، نعومته، أجابها "ألا تملين من الدفاع عنها وهي بالأساس لا ترغب بكِ؟"
يداها استقرت على صدره كما هي نظراتها، لم تواجه عيونه فقط قالت "أنا أتفهم موقفها رحيم، كونك ابنها الوحيد، عائلتك.."
قاطعها بلا رغبة بتلك الكلمات "لا أرغب بتلك الكلمات مهرتي، عائلتي، أو اسم العائلة كما تقول ماما، لم يمنحني السعادة التي عرفتها بالشهر الماضي، أنا لا أرغب سوى بكم مهرة، أنتِ وابنتنا"
رفعت عيونها له، تلك السعادة التي تلفها تخيفها فهي لم تنالها من قبل، بالغردقة كانت سعيدة، طلب الزواج وما عاشته وقتها كان سعادة لكنها كانت سعادة مغلفة بمخاوف عانت منها بالفعل
الآن اختلف الأمر مما جعلها تقول "وأنا حقا أحببت كل لحظة لنا معا رحيم، لأول مرة أعيش بلا خوف، منذ انفصالنا وأنا والخوف كنا رفقاء"
ترك شعرها واحتضن وجنتها بحنان وتجاهل شعور الذنب داخله "انسي مهرة، انسي كل ما كان ودعينا نعيش الحياة التي نستحقها"
وجذب وجهها له وصدق بقبلته على كلماته فالقبلة أول خطوة وبعدها تتوالى الخطوات
****
عادت بهم الحياة، سارت طبيعية لا توقفها مخاوف جديدة..
دخل غرفة أيلا ليراها تقف أمام مهرة بالزي المدرسي الجديد فابتسم "تبدين رائعة أميرتي"
هتفت بسعادة "بابي، مامي ترفض ترك شعري مثلما تفعل هي"
وقف بجوار زوجته التي كانت تحاول معها لتعيد لها ترتيب شعرها بصعوبة من رفضها وقال "هي تفعل عندما نكون هنا بالبيت أو أثناء خروجنا معا، لكن بالعمل هي ترفعه دائما كي لا يضايقها، والمدرسة هي عملك لذا شعرك لابد أن يرتفع كي لا يضايقك هناك"
منحته مهرة نظرة امتنان لكلماته فهي تعلم أن أيلا الآن تقتنع بكلماته أكثر منها وسمعت صغيرتها تقول "معك حق بابي، حسنا مامي ضعي ذلك الرباط الجديد، يبدو مناسب كما قلتِ"
حقيبتها الجديدة التي انتقتها وباقي الأدوات كانت بانتظارها وبالسيارة كانت تجلس بينهما وهي تقول "لم لا تتركاني وحدي؟ لستُ بحاجة لكما؟"
رفعت مهرة حاجبها وانشغل هو بهاتفه لحظة ومهرة تقول "جيد سندخل معك وبعدها نرحل، فقط لا تتراجعين"
هتفت بطريقتها الصغيرة "لن أفعل، لست صغيرة"
تابعته مهرة وقد بدت ملامحه غير سارة فقالت "رحيم هل هناك شيء؟"
انتبه لها ومنحها نظرة قصيرة قبل أن يقول "تذكرين حملتك الإعلامية الأخيرة بالإسكندرية؟"
ضاقت البنفسجية، سقط اهتمامها بأيلا لحظة وارتفع القلق مكانه "التي أخبرتني أنك توليت أمرها؟ نعم ماذا عنها؟"
ترك الهاتف ومنحها اهتمامه "هناك مشاكل أثيرت أثناء التصوير وتوقف، لابد أن أذهب لمتابعة الأمر"
ظلت صامتة وهو فهم نظراتها فقال "لن يمكنك الذهاب وأيلا بأول أيامها بالمدرسة"
هزت رأسها رغم أنها طالبته من قبل أن تتابع جلسات التصوير بنفسها لكن سفرها كان يعيق الأمر
بالطبع ما أن أدركت أيلا أن مهرة ستتركها حتى انهارت بالبكاء وتعلقت بها واضطروا للبقاء معها وقت أطول حتى انشغلت مع المعلمة المختصة فتسربا راحلين
تركها أمام الشركة وتحركت به السيارة للإسكندرية وما أن صعدت ودخلت مكتبها حتى رن هاتفها..
رقم غريب أجابته بلا اهتمام وصوت ليس بغريب جاءها "من الرائع عودتك مهرة"
للحظة ظلت صامتة، تحاول تذكر الصوت حتى فعلت، رفعت رأسها ببطء وشفاها تحركت بالاسم "عدنان" والصوت يعود مرة أخرى "افتقدتك حقا"
رفعت رأسها، تذكر محاولاته معها وتساءلت عن سر عودته الآن
عاد صوته "هل لي بقهوة بمكتبك؟ لدي.. "
أغلقت وأبعدت الهاتف لحظة ثم عادت وفتحته ورقم رحيم أمامها وهي ترفع إصبعها لتضغط اتصال وتوقفت لحظة للتفكير
كان يشك بشيء بينها وبين ذلك الكلب بيوم ما فهل سيعود لما كان؟ هل ستفقد سعادتها التي تعيشها الآن؟
بالماضي كانت تخاف من إخبار رحيم بتصرفات عدنان ومع ذلك لم يرحمها وظن بها الظنون..
ولم يثق بها..
الآن هي تقف عند مفترق الطرق، إما أن رحيم تبدل حقا كما ترى وإما أن تكون مرحلة وانتهت وسيعود لما كان بأول مطب
ضغطت اتصال وأتاها رنين وكلمة انتظار، كان لديه هو الآخر جبهة أخرى يحارب بها، كانت فوهة نارا توجه له هو الآخر عبر الهاتف لكن ما أن رأى اتصال مهرته حتى قال
"تمام نارا، الرسالة وصلت"
وأغلق ليجيب زوجته التي كانت واقفة، ثابتة بمكانها، وسمعته يجيبها "ماذا هناك مهرة؟ هل حدث شيء؟”
كانت جادة مثله، ربما ترددت للحظة لكنها عادت تقول بهدوء حاولت الحفاظ عليه
"عدنان تواصل معي الآن"
الصمت الذي تلا كلماتها أعاد لها توتر السنوات الماضية.. لكن صوته خرج هادئا بصورة أربكتها
"ماذا يريد؟"
رمشت بدهشة، لا غضب؟ لا اتهام؟
ابتلعت ريقها وقالت بصدق "لا أعلم، طلب مقابلتي بمكتبي."
جاءها صوته حاسما لكن خاليا من الشك "لا تقابليه وحدك"
وأكمل بعد ثانية ليوقف عقلها عن أي أفكار سيئة "ليس لأني لا أثق بكِ، بل لأني لا أثق به"
وتنفست بعمق، أغلقت عيونها وهي تحاول التعامل مع تلك الحياة التي تبدلت كثيرا. سمعته يناديها "مهرة؟ مهرة أنتِ معي؟"
فتحت عيونها ونبرته المفضلة هي ما أتتها فقالت "نعم رحيم، ثقتك هذه تعني لي الكثير"
أبعد وجهه لخارج النافذة ودخان سيجارته يهرب منه وهو يجيبها "أنا أيضا مهرة، صراحتك معي عنت لي الكثير"
وأغلق كلاهم.. عبث بعينيه، نارا تتلاعب بكارت احترق منذ سنوات والغريب أن هي من أمسك بالكارت وقذف به
من أين أتت به؟ والآن!؟
ظلت بمكانها، تتنفس براحة، لقد تبدل حقا، لم ينهال عليها بالاتهامات، لم يطالبها بتفسيرات لا تملكها، فقط منحها كلمات بسيطة لكن عنت لها الكثير
عادت للعمل ولكن بعد وقت لم تعرف مقداره السكرتيرة دخلت وهي تقول "امرأة ترغب برؤيتك مدام"
رفعت وجهها من على الجهاز الخاص بها وقالت "امرأة؟ أي امرأة؟"
صوت نارا كان قويا وهي تتحرك للداخل بثقة واضحة وتقول "أنا"
جمدت للحظة ونارا تقف بمدخل المكتب والسكرتيرة ظلت عالقة بين المرأتين والجمود اعتلا كلتاهما
تراجعت مهرة وهي ترفع عيونها ببطء نحو القادمة ورأتها، نارا كانت كما هي.. أناقتها زائدة، نظراتها مرتفعة وثقتها لم تفارقها يوما وكأنها ملكت العالم بما فيه
لكن تلك المرة كان هناك شيئا مختلفا، مهرة نفسها
أغلقت الحاسوب أمامها بهدوء وقالت للسكرتيرة "يمكنك الذهاب"
خرجت المرأة بسرعة مغلقة الباب خلفها بصوت أذن للصمت بأن ينزل حتى قطعته نارا "أعترف أني لم أتوقع استمراركما لكل هذا الوقت"
لم تهتز مهرة، فقط عقدت ذراعيها وهي تراقبها "وأنا لم أتوقع عودتك بهذه السرعة"
ابتسمت نارا بخفة وجلست دون دعوة وكأن المكان يخصها ورغم أنها تفهم معنى كلمات مهرة إلا أنها قالت "القاهرة مملة بدوني كما تعلمين"
لم تعلق مهرة، لم تنساق وراء تلك المرأة فقط ظلت تراقبها حتى مالت نارا للأمام وقالت "يبدو أن الزواج يناسبك"
للحظة لم تجيب مهرة، حتى خرج ردها هادئا على غير عادتها وقد رحل الخوف بعيدا "ربما لأني تلك المرة تزوجت من رجل يعرف ماذا يريد"
واختفت الابتسامة من على وجه نارا لكنها استعادت نفسها بسرعة، لا تستسلم لهزيمة وهي تقول "حقا؟ وهل يعرف بالفعل ما يريد؟"
ظلت مهرة ثابتة بمكانها، لا ترغب بإظهار أي ضعف أمامها "أظن أنكِ أتيتِ لسبب أوضح من هذا الحديث"
ضحكت ضحكة خفيفة، باردة بلا روح، ضحكة تخفي وراءها ما لا تبديه على وجهها، اتكأت إلى الخلف وقالت "اشتقت لرؤية المرأة التي قلبت حياة رحيم العزايزي رأسا على عقب"
صمتت مهرة، مندهشة من جرأة نارا، لكن عيونها لم تهرب من نارا، هي الآن ترى نفسها الأقوى مهما حاولت نارا تبديل الآية
أكملت نارا بصوت هادئ يحمل سمًا قاتلا "بصراحة، كنت دائما أتساءل ماذا وجد بكِ تحديدًا، أول مرة لكما معا لم ألتقي بكِ لكن تلك المرة.."
ورفعت عيونها تتحرك على مهرة من أعلى لأسفل وأكملت "لا تنتمين لعالمه، لا تشبهينه، حتى طريقة عيشتك مختلفة عنه تماما"
تلك الكلمات لم تعد تؤثر على مهرة نهائيا، رحيم جعلها ترى عالمه بنظرتها هي، لم يرغب بتلك الفوارق بعد، بل دائما يخبرها أنها حقا الأنسب له من كل ناحية لذا..
لم تعد كلمات عنان ولا نارا، تؤلمها، بل تمر وكأنها لا تسمعها لذا قالت "حتى لو، هو بالنهارية اختارني أنا"
لمعت عيون نارا، الضربة أصابتها بمكانها الصحيح، جعلتها ترتد خائبة لكنها لم تتراجع رغم ذلك بل قالت بقوة "اختارك أنتِ أم اختار ابنته؟"
تلونت البنفسجية بألوان مختلفة غير مفهومة لكنها تداركت نفسها بسرعة ونارا تراقبها بانتصار وهي تكمل "رحيم عملي مهرة، يفكر بعقله دائما، وأنتِ تعرفين هذا أكثر مني"
واعتدلت لتقرب وجهها من المكتب وانخفض صوتها وهي تقول "هل نسيتِ كم مرة شك بكِ؟ كم مرة جعلكِ تبكين؟"
تجهمت، للحظة شحب وجهها من تدخل تلك اللعينة بحياتها بهذا الشكل وسُمها يكاد يتسلل داخلها لكنها باللحظة التالية تذكرت كلمات رحيم قبل قليل "ليس لأني لا أثق بكِ، بل لأني لا أثق به"
تلك الكلمات أوقفت كل محاولات نارا جعلتها تتنفس بعمق وهدوءها يزداد مما أربك نارا لعدم توقعها ذلك ومهرة تقول "هل تعرفين الفارق بيني وبينك نارا، الفارق بيننا أنني أعيش مع رحيم الحالي.. لا الماضي، والفارق كبير بينهما"
وتجمدت نارا للحظة.. تستوعب ما قذفته مهرة بوجهها من حقيقة قد تكون قد غابت عنها
مهرة لم تمهلها وهي تكمل بثبات أكبر "ولو كنتِ قد أتيتِ لتخبريني أنه كان يشك بي يوما فأنا أعرف، ولو أتيتِ لتقولي أنه أخطأ فأنا أيضا أعرف"
ونهضت ببطء من مكانها وما زالت تكمل "لكن ما يبدو أنكِ لا تعرفينه أن رحيم هذه المرة لن يكون سوى معي قبل حتى أن يطلب مني أي تفسير، أي بلا شكوك ولا دموع"
ووقفت أمامها، تواجها بنظرات قوية تتحداها، وقد اختفت ابتسامة نارا تمام عن وجهها ومهرة كانت قريبة منها لأول مرة وبلا خوف أو فزع من المنافسة بينهما بل خرجت نبرتها هادئة لكنها قوية
"وهذا أكثر ما يخيفك، أليس كذلك؟"
للحظة اشتعلت نظرات نارا، الغيرة والغضب والحقد امتزجوا معا قبل أن تبتسم بسخرية باردة "تظنين أنكِ انتصرتِ لأنه منحك بعض الاهتمام؟"
رفعت مهرة حاجبها "لا، بل لأنه اختارني بكامل إرادته"
نهضت نارا دفعة واحدة.. الكلمة أصابتها مباشرة
"رحيم لم يتغير مهرة، الرجال لا يتغيرون، فقط ينتظرون اللحظة المناسبة ليعودوا لحقيقتهم"
اقتربت أكثر وهمست "وصدقيني.. أنا أعرف رحيم أكثر منكِ"
لكن مهرة لم تتراجع هذه المرة.. بل واجهتها بثبات كامل وقالت "ورغم ذلك لم يخترك أنتِ"
والأمر تلك المرة كان صعب، صعب جدا على نارا التي اسود وجهها والحقيقة تواجها بلا مجاملة ومع ذلك لم تقبل الهزيمة وهي تحارب لآخر نفس "لكني لن أتركه لكِ، رحيم حقي منذ سنوات، من قبل أن يعرفك وأنا لا أتنازل عن حقي"
والتفتت لتذهب ولكن مهرة فاجأتها "وماذا ستفعلين تلك المرة؟ محاولتك لقتلي فشلت فما هي خطوتك التالية؟"
جمدت نارا بمكانها لوهلة، طويلة قبل أن تلتفت ببطء وتلتقي بنظرات مهرة الفارغة من أي معالم والصمت لفهم
وأخير عقدت مهرة ذراعيها وقطعت الصمت "هل ظننتِ أني لم أفهم ما فعلتيه؟ كان من السهل استنتاج أنكِ وراء الطلق الناري لتضربي عصفورين بحجر واحد، إفساد الزفاف والتخلص مني"
رأت الشحوب يعتلي وجه نارا التي استوعبت الكلمات والاتهام الصريح ثم تداركت نفسها ومالت تجاه مهرة والقلق رحل وحل محله كره واضح بكل جزء من ملامحها وقالت "من الجيد أنكِ تعرفين جيدا ما يمكنني فعله، لم لا تنجين أنتِ وابنتك وتختفين من طريقي لأني لن أتوقف؟"
ارتجف جسد مهرة من التهديد الواضح ولم تراه مجرد تهديد وإنما ظهر بالعيون التي تواجها إصرار على الطريق الذي تسير به وعدم التفكير بالتراجع..
لم تزيد وهي تتحرك للخارج مغلقة الباب خلفها ومهرة ما زالت جامدة مكانها والخوف ملأها على ابنتها والحيرة مما عليها تفعل لتحميها..
لكنها تثق برحيم وقدرته على حمايتها هي وابنتهم
انتهى متأخرًا من حل المشكلة بالإسكندرية والغريب أنه لم يصل لأصل الأزمة ولكن طوال اليوم وعقله مشغول بعدنان ومهاتفته لمهرة
عاد بوقت متأخر، لم يفضل البقاء بعيدا عن امرأته وابنته..
وضع قبلة على وجنة أيلا النائمة وابتسم براحة عندما اطمئن عليها ثم تحرك خارجا والمربية تعود للغرفة..
خلع جاكته وحمله على ذراعه وهو يدخل غرفتهم والتفتت هي بفزع لدخوله المفاجئ وقد كانت جالسة أمام مائدة الزينة
ابتسم لرؤيتها وشعرها يلف معها متطايرا بالهواء حول وجهها، ملابسها المثيرة من اللون المفضل له، عطرها سرقه بمجرد دخوله..
هتفت "رحيم! أفزعتني"
أسقط الجاكيت على المقعد وما زال يتحرك لها وانحنى بابتسامة واسعة "أحب رؤيتك غاضبة"
وأخذ شفتيها بقبلة منعتها من الرد حتى أفلتها وهمس "اشتقت لكِ"
واعتدل ينزع ربطة العنق والقميص فنهضت تتابعه وعقلها لم يتوقف عن العمل لكن بالوقت المناسب ستنفذ قرارها
تابعته وهو يتحرك للحمام فتبعته وقالت "سعيدة أنك لم تبقى هناك"
فتح المياه الدافئة والتفت لها وأجاب "لم أحب ترككم وحدكم"
وضعت الزيوت بالمياه لأجله فتحرك لها ووضع قبلة على عنقها وهمس "كيف عرفتِ برغبتي بهذا؟"
التفتت بين ذراعيه ويدها ارتاحت على صدره العاري ونظراتها احتضنت نظراته بحب لم يراه بعد وقالت بصدق "فقط أرى أنك بحاجة للراحة"
تذكر تصرفاته معها بالماضي.. ما كان اليوم دفع بالذكريات السيئة لعقله
أبعد وجهه لحظة، يخفي غضبه من نفسه لأنه كان يدمر كل جميل بينهم دون أن يدري
رفعت وجهها له لصمته فقالت "أنت غاضب مني؟"
عاد لها، سقطت نظراته عليها وقال "بل من نفسي مهرة، أنا ضيعت الكثير من عمري بعيدا عنكِ وعن السعادة التي أعيشها الآن، كنت عصبي، أناني ومغرور ولم أقدر قيمتك وقتها فهل ننسى؟"
ابتسمت بحب تمنت لو صارحته به وقالت "لقد فعلت رحيم، أنت جعلتني أنسى كل شيء، رحيم الذي تزوجته تلك المرة هو من تمنيته ورغبت به"
أحنى رأسه واقترب منها أكثر واختلطت أنفاسه الثقيلة بأنفاسها الرقيقة وسأل بقلب متلهف "وهل ما زال مكاني بقلبك كما هو؟"
سكنت ملامحها، ارتفعت دقات قلبها متجاوبة مع سرعة أنفاسها ولم تعرف بماذا تجيب، هل تمنحه مشاعرها لتعود وتنهزم وتسقط على الأرض الباردة وتتفتت مرة أخرى؟
ضاعت منها الكلمات وهو رأى الحيرة والخوف بعينيها التي انخفضت هاربة منه فعاد وقال "أعلم أني السبب لكني أخبرتك أني لن أتنازل عنكِ أبدا مرة أخرى مهرة، سأحارب لإعادة قلبك لي"
عادت عيونها ترتفع له، لم تعرف ماذا تقول أو تفعل وهو من فعل، قبلها بلا انتظار ردها وجذب جسدها له وباللحظة التالية كانت تنضم له بالمياه ورغاوي الصابون تغرقهم معا وهو لا يتركها بعيدا عنه
مشطت شعرها بعد أن جففته وتابعته وهو ينهي اتصاله والسيجارة تنهرس بين شفتيه قبل أن يضعها بالمطفأة وقال "قد أطلب منكِ تجهيز حملة جديدة لملابس الرجال للشتاء مهرة هل يمكنك ذلك؟"
تحرك للفراش وهي نهضت تتبعه وقالت "بالطبع، رحيم أرغب بأن أخبرك بشيء حدث اليوم"
تمدد بالفراش ومنحها اهتمامه وهو يقول بهدوء "أسمعك مهرتي"
تحركت ووقفت أمامه، يداها التصقتا معا ونظراتها تحمل القلق والجدية "نارا، زارتني اليوم بالشركة"
شبك يداه خلف رأسه ومنحها اهتمامه، هو بالطبع يعرف، رجال الحراسة تخبر مسلم ومسلم يمنحه تقرير كامل عنها وعن ابنتهم
انتظرت الرد لكنه ظل يواجها بصمت فلم تتراجع، هو تبدل وهي أيضا، لم يعد الخوف طريقها..
أكملت "تحدثنا عنك بالطبع، بنهاية الحديث واجهتها بأنها.. أنها من كانت وراء الطلق الناري بالزفاف"
فك يداه من خلف رأسه واعتدل وقد نجحت بجذب كل انتباهه وقال "ماذا قلتِ؟"
التفتت تفرك يداها وتتحرك بلا هدى والخوف سيطر عليها عندما تذكرت الكره بعين نارا وهي تهددها
صوته جعلها تلتفت له "مهرة سألتك ماذا قلتِ، أجيبي"
تبدل ملامحه أخافها، هل سيصدقها؟
حكت له ما كان بينهما بالمكتب وكان قد أشعل سيجارة والتهمها وهو يسمعها وطال صمته حتى ظنت أنه لم يسمع ولا كلمة من كلماتها فقالت
"رحيم هل تصدقني؟"
انتبه لها.. كان يربط الكثير ببعضه ورفع وجهه لها ورأت انغلاق عيونه من بين الدخان حتى تحدث أخيرًا "أعرف أنكِ لا تكذبين مهرة، فقط الأمر فاجأني خاصة وأن مسلم لم يمكنه الوصول لشيء"
ظلت مكانها، قدماها واهنة، تحملها لكن لا تقوى على الحركة، رأى الخوف بعيونها فأسقط السيجارة بمكانها ونهض لامرأته حتى وقف أمامها وهي ترفع رأسها له
لمس وجنتها وقال "لا يعجبني هذا الخوف بعينيك مهرة، ما زلت موجود"
نظراتها له كانت مليئة بالكثير وصوتها ارتجف، لم يكن ثابتا وهي تقول "هي لن تتوقف رحيم وأنا أخاف على أيلا"
راحته ملأت وجنتها ليمنحها شعور بالأمان "الحراسة ستزداد من الغد وأنا من سيتولى توصيلها من وإلى المدرسة بنفسي وأنتِ الرجال ستتبعك كظلك لو لست معك، وذلك حتى يمكنني الوصول لأي شيء ضدها، ربما قللت منها لكن ليس بعد اليوم"
أغمضت عيونها، ثقته تلك كانت كل ما تمنته وحلمت به..
يده ضغطت برقة على وجنتها ففتحت عيونها له فعاد وسألها "ماذا بكِ؟ ألا تثقين بقدرتي على حمايتكم؟ سأدفع عمري كله مقابل حياتكم مهرة ولن تضحي بنفسك مرة أخرى لأجلي فلم أكن أستحق"
رفعت يداها على صدره، التي شيرت الفاخر لم يمنعها من الإحساس بصلابة عضلاته التي تعرفها..
نظراتها كانت مليئة بالكثير لكن بلا توضيح تمنى لو تمنحه له لكنها قالت "بلى تستحق، نحن بحاجة لك رحيم، أنت حصننا الذي نحتمي خلفه، أنا لن أتردد مرة أخرى بفعل ما فعلته بالزفاف، أنا لا يمكنني تحمل فقدانك"
أغمض عيونه، نادرا ما تمنحه كلمات تثلج قلبه، هو يعلم أن ما زرعه بالماضي يقف بينهم لكن الآن هي تفرج عن شيء ما
فتح عيونه وخرج صوته ضعيفا "تلك الكلمات غالية جدا مهرة، لا يمكنك معرفة كم تعني لي"
أخفضت وجهها ولكنه رفعه له مرة أخرى والتقت العيون بنظرة حالمة وما زالت العيون مليئة بالكثير بلا تصريح
تساءلت "كم تعني لك؟"
أخفض وجهه لها بلا مساحة حتى للهواء بينهم وهمس "الحياة، كما هو أنتِ مهرة، أنتِ الحياة والروح التي تسكن وجداني، أنتِ كل شيء مهرة، كل شيء"
وصدق بقبلته على كلماته وهي علقت بالكلمات..
لكم منحته كلمات عن حبها له ولكنه لم يهتم، وقتها كان يسخر من مشاعرها واليوم هو من يتحدث عن الروح وهو الروح التي عاشت وتعيش بها ولكنه لا يعلم
****
نست أمر نارا بالأيام التالية واهتمت بالحملة الجديدة التي طالبها بها..
كما منحت أيلا أيضا اهتمامها بما يخص المدرسة رغم أن المدرسة كانت تلم بكل ما يخص طفلتها
رن هاتفها وقد كانت تجلس بأرض غرفة أيلا ترتب معها بعض الرسومات التي عادت بها من المدرسة..
التقطت الهاتف دون اهتمام لكن ما أن رأت الاسم حتى تجمدت ملامحها لحظة..
عدنان..
الاسم تراقص أمامها كحية ترقص على المزمار، توقفت أناملها عن الحركة، وعاد شيء بارد يزحف داخل صدرها رغم كل ما فعله رحيم ليعيد لها الأمان..
لم تنسى أن عدنان كان القشة التي أنهت قصتها مع رحيم بالمرة السابقة، خوفها لم ينسحب لأنها أحبت حياتها تلك المرة مع زوجها، تلك الحياة التي تمنتها ولم تتوقف عن الحلم بها
انتبهت أيلا لشرودها فرفعت وجهها الصغير لها ونادتها "مامي ماذا حدث؟"
عادت لابنتها، خارجة من حالة الشرود وابتسمت لها بسرعة وأغلقت الشاشة دون رد وقالت "لا شيء حبيبتي، اكملي رسمتك"
نهضت بهدوء وخرجت للشرفة.. الهواء الليلي لفها والبرودة أطفأت الحرارة التي ارتفعت داخلها من تأثير الاتصال
أعادت النظر للهاتف الذي عاد يهتز مرة أخرى بالاسم نفسه.. اللعنة لماذا يظهر الآن؟ ما الذي يريده منها؟
لكن قبل أن تقرر، انتزع الهاتف من يدها بهدوء ومع ذلك فزعت لما حدث والتفتت بنفس الفزع لتجده خلفها.
رحيم.
لم تسمع قدومه أصلًا.. ولم تعرف منذ متى وهو هنا؟ يراقبها أم ماذا؟
الرمادية سقطت على الشاشة المضيئة ثم عليها.. لم تكن نظرات شك، ولا غضب، فقط هدوء خطير تعرفه جيدًا.
"يتصل كثيرًا"
قالها بهدوء وهو يغلق الهاتف.
ارتبكت للحظة.. الذكريات القديمة اندفعت لها مرة أخرى دون إذن، تلك التحقيقات، الاتهامات، النظرات القاسية..
ودق قلبها مهووسا، خائفا من المجهول القادم والمصير الذي سيتلقاها
حتى.. خرج صوتها مترددًا رغما عنها "رحيم أنا.."
لكنه قاطعها فورًا، لم يطالبها بأي تفسير، وهو ما قاله "لم أسألكِ شيئًا"
صمتت، صمت حيرة، عدم فهم
اقترب خطوة، أسند ذراعه على سور الشرفة محاصرًا إياها قربه دون أن يخيفها، فقط قريب.. قريب جدًا.
"تعلمين ما الفرق بين الماضي والآن؟"
رفعت عيونها له بصمت. لكن النظرة امتلأت بالتساؤلات عما سيقوله
فقال وهو ينظر مباشرة داخل عيونها "بالماضي كنت أبحث عما يثبت شكوكي… أما الآن فأنا أبحث عما يحميكِ"
ارتجفت أنفاسها.. ضاعت أفكارها عن الخوف من القادم، عن الدمار الذي توقعته وبنته من ماضيهم الذي الآن يتبخر..
رحيم الذي كان رحل واليوم هو الرجل الذي ملك قلبها أكثر وأكثر
أخذ الهاتف بين أصابعه ثم فتحه أمامها وضغط على الرقم حتى ظهر الحظر أمامه، وبعد ثانية أغلق الهاتف ووضعه بيدها من جديد.
قال بصوت ثابت، هادئ منحها نفس الهدوء والراحة "انتهى الأمر"
ظلت تحدق به غير مستوعبة ما يحدث وانفرجت شفتاها عن كلمات قليلة "هكذا ببساطة؟"
ابتسم بخفة، لكنها لم تكن ابتسامة مرحة، بل رجل تعب من خسارتها يومًا ولم يعد يريد ذلك "مهرة، لو كان يريدك، لكان حاول منذ سنوات وأنا لست معك، ولو كنتِ تريدينه، لما عدتِ إليّ، لقد استوعبت الأمر جيدا"
واتسعت عيونها ببطء.
يا إلهي…
هذا الرجل نفسه الذي كان يومًا يحاسب نظرة وكلمة؟ هل هذا هو الرجل الذي صرخ بها لمجرد شكوك لم ترقى لأفعال، بل وكان الدمار هو النتيجة الحاسمة؟
يده ارتفعت ببطء حتى استقرت أسفل ذقنها "أنا لا أخاف من رجل يلاحق امرأة متزوجة… أخاف فقط من أن أجعلكِ تندمين على اختياري للمرة الثالثة"
تورد وجهها بعنف، ولأول مرة منذ سنوات طويلة… شعرت أن قلبها آمن بالكامل معه، لذا لسانها لم يتراجع عما أراد التصريح به
فهمست دون وعي "أنت تجعل الأمر صعبًا جدًا عليّ"
انعقد حاجباه بخفة وتساءل بجدية "أي أمر؟"
أخفضت عيونها، ارتبكت الكلمات فوق شفتيها لكنه أجبرها على رفع وجهها من جديد.
"تحدثي مهرة"
تسارعت أنفاسها وهي تهمس بصعوبة "ألا أحبك أكثر…"
تجمد.
للحظة كاملة لم يتحرك، كأن العالم توقف حوله، حتى أنفاسه نفسها اختلت.
ثم جذبها له فجأة بكل قوته، دفن وجهه بعنقها وكأنه يخفي شيئًا هزّه بعنف، وخرج صوته خافتًا… ضعيفًا على غير عادته
"مرة أخرى"
ارتجف قلبها بين ضلوعها وهي تسأله "ماذا؟"
رفع وجهه لها، والعاصفة داخل عيونه أفقدتها القدرة على التنفس.
"قولي أنكِ تحبينني مرة أخرى… حتى لو كانت كذبة"
هل يهتم؟ هل يصدقها تلك المرة ولا يلقي بما قالت بوجهها بلا اهتمام؟
يده اخترقت وجنتها لعنقها وهمس بصوت واهن، حالم "هيا مهرة، لكم تمنيت أن يظل مكاني بقلبك كما كان بالماضي، خشيت أن أكون قد فقدته بسبب ما كان"
هزت رأسها رغم يده التي ارتاحت على عنقها وهمست "مكانك لم يتبدل بقلبي بأي يوم رحيم، فقط ظننت أنك لا تهتم.. "
قاطعها بلهفة "أهتم مهرة. أهتم لأن حبك هو كل ما تمنيته وظلت كلماتك عنه لي رابضة داخلي"
سقطت دمعة على راحته، دمعة سعادة وليس حزن والنظرات لا تفترق وهي تقول بوهن "لم تؤمن بالحب بأي يوم رحيم"
قال بلا تفكير "لأني كنت غبي، جاهل، لا أعي معنى الكنز الذي كان بين يداي وأنا من أضاعه، لم أعي أني كنت أحبك وأن قلبي تمزق لفراقك أضعاف مضاعفة، لم أفهم أن فقداني لنفسي معك كان نتيجة حبي لكِ، أنا مجنون بحبك مهرة، مجنون بحبك"
لم تفكر وهي تندفع لأحضانه، لا تصدق أنها تسمع ما حلمت به كثيرا، أنها نالت قلبه، حبه، الحب الذي كان نجمة بالسماء ولا يمكنها الوصول لها
قبض عليها بذراعيه بقوة، دفن رأسه بين خصلات شعرها.. نال ما تمناه، قلبها، حبها ووجودها للأبد معه
****
الحب يجعل الحياة رائعة ويفتح أبواب الجنة
والجنة هي ما أصبحت تعيش بها الآن وتتمنى أن تسكنها للأبد
بدا التغيير عليه أكثر، هدأ غضبه الدائم، لم يعد اسم على غير مسمى، بل سكنت الرحمة قلبه تجاه حبيبته وابنته
لكن..
مع العدو.. كان أسد بري لا يُبقي ولا يذر
فتح له مسلم باب السيارة فنزل مغلقا جاكته ورفع رأسه للمبنى الشاهق أمامه وتأمله من تحت منظاره الشمسي ومسلم يقول "شركته تحتل الدورين السابع والثامن"
هز رأسه وتحرك ومسلم ه بثبات لداخل المبنى
السكرتيرة رفعت وجهها له فقال "رحيم العزايزي"
منحته نظرة عدم فهم وقالت "هل هناك موعد يا فندم؟"
نظراته تجولت بالمكان قبل أن يجيبها "لا، فقط أخبريه برغبتي بلقائه"
لم تجادل، مظهر رحيم وحده يثير رهبة بقلب من يواجهه، رفعت السماعة وهاتفت مديرها ولحظة وأعادت السماعة ونظرت لرحيم الهادئ أمامها وقالت
"ينتظرك يا فندم"
مسلم تحرك، فتح له باب المكتب وهو تقدم بخطى ثابتة للداخل..
المكتب قاتم بلون القهوة.. ستائر تمنع ضوء النهار وجسد عدنان رابض فوق مقعد جلدي فاخر خلف مكتب ابتلعه من شدة ضخامته
ارتد الرجل بالمقعد ولم ينهض وهو يقول "رحيم العزايزي بنفسه بمكتبي؟ مفاجأة غير مفهومة"
لم يمنحه اهتمام وهو يفك جاكته ويجلس على المقعد الجلدي الوثير بأريحية وكأن المكان يخصه واضعا ساقا فوق الأخرى وقال "بل تفهم عدنان، الغباء ليس من سماتك"
ظل واجما لحظة قبل أن ينهض، ليس بطويل بل متوسط القامة، لديه ساقان نحيفان انطلقا به لمكان رحيم حيث جلس أمامه ونظر بعيونه مباشرة قائلا "لا رحيم، لست بغبي لكن ليس بيننا ما يجعلك تخطو لمكتبي بنفسك"
السيجارة اشتعلت بين شفاه رحيم والدخان غيم انتشر حوله في شكل جعل عدنان ينكمش قليلا بمكانه ورحيم يقول "بل هناك.. زوجتي مثلا"
تجهم وجه الرجل، برقت عيناه بشكل ملفت والصمت لفه دون أن يجيب فعاد رحيم يقول "أنا جئت لأعرف سبب ملاحقتك لها واتصالاتك التي لا معنى لها الآن"
ارتبك عدنان.. لم يتخيل أن مهرة ستخبره، بالمرة السابقة انكمشت والأمر نجح فما الجديد تلك المرة؟
كلمات عدنان تاهت منه ولكنه ظل يمثل التماسك وهو يقول بصوت منخفض فاقد للثبات "أنا.. لا أفعل.. لم اهاتفها"
ظل رحيم ثابتا بنظراته عليه.. صامتا.. أراد تدمير أعصاب عدنان بهدوئه قبل أن يقول "من الذي يدفعك لتظهر بحياة زوجتي كلما ظهرت بحياتي؟"
سقط السؤال عليه كمطرقة هزته بقوة وكادت تحطم جمجمته بلا رحمة، الدخان وصله، جعله يدرك أن رحيم ينتظر إجابته فارتد بالمقعد وكأنه يحتمي به وهو يجيب "أنا لا أفهم سؤالك رحيم؟ أنا لا أحد يملي عليّ تصرفاتي"
لمعت الرمادية من خلف السيجارة ومع ذلك ظلت ثابتة على عدنان لحظة حتى رفع السيجارة أمام عيونه وتأملها لحظة قبل أن يقول "بانتهاء تلك السيجارة سيحدث أمر من اثنان، إما أن أعرف الحقيقة"
ورفع نظراته لوجه عدنان الشاحب وأكمل بنبرته الهادئة والمخيفة "وإما مسلم سينال الإجابة بطريقته منك"
ارتجف جسد الرجل دون ظهور واضح، فقط ابيضت شفاهه ورمشت عيونه.. نهض، ثار بقوة مزيفة "أنا لا أسمح لك بتهديدي بمكتبي رحيم"
رحيم لم ينظر له، لم يرمش، السيجارة ما زالت بين أصابعه تحترق ببطء وصوته لم يخرج وعدنان تحرك.. بلا هدى وبلا ثبات وهو ينطق بكلمات توعد ورحيم لا يرد
"أنت جننت رحيم، أنا لن أمرر الأمر هكذا"
وعندما التفت، كان رحيم يطفئ السيجارة فتجمد بمكانه.. هو لم يواجه رحيم بأي مشكلة من قبل.. يعرفه جيدا بالمناسبات الاجتماعية وبالمنافسة بمجال عملهم لكن..
أخرج رحيم هاتفه وعبث به ووضعه على أذنه منتظرا الرد حتى قال "مسلم.."
هتف عدنان ويداه تشوح أمامه "رحيم انتظر.. "
نظرات رحيم ثبتت على وجه عدنا الشاحب فأبعد الهاتف قليلا وقال "لديك شيء لي؟"
للحظة ظل جامدا وعيونه تتحرك من الهاتف لرحيم حتى هز رأسه وقال "نعم"
عاد رحيم للهاتف وقال "انتظرني"
وأغلق الهاتف وأعاده للجاكيت وحدق بوجه عدنان المتعرق وعقد ذراعيه بانتظار كلماته
والرجل قال كلمة واحدة.. بل اسم واحد كان كافيا
"نارا"
الفصل 19
عرض أزياء
انفتح باب مكتبها فجأة مما أفزعها وكالعادة رأته يدخل فأغمضت عيونها وابتسامته تعلو وجهه "تبدين فاتنة وأنتِ فزعة"
وانحنى عليها ليسطو على فمها ويسرق منها قبلة أصبح كلاهم ينتظرها من الآخر
اعتدل وهي تقول "لم تكن بمكتبك، أين كنت؟"
تحرك وجلس على المقعد أمام مكتبها وقال "غداء عمل، رأيت فكرتك الجديدة، أعجبتني"
نهضت وللحظة شعرت بدوار يضربها وترنحت وبلحظة كان يقف بجوارها، يساندها بقلق واضح وارتد ذهنه للمرض الذي كاد يدمرها
"مهرة! مهرة ماذا حدث؟"
فتحت عيونها والرؤيا غير واضحة من الدوار وقالت بوهن "شعرت بدوار، ربما لأني نهضت فجأة"
ارتاح جسدها عليه وذراعه تلفها بإحكام وهو يقودها للمقاعد الجلدية حيث استرخى جسدها وتحرك للهاتف الداخلي "أريد عصير حالا"
أجابت السكرتيرة "حاضر يا فندم"
وعاد لها وهي مغمضة العيون، شاحبة الوجه، لمس يدها فكانت باردة فنادها "مهرة، هل أهاتف الطبيب؟"
استجمعت نفسها بصعوبة "لا، أصبحت.. بخير"
دقات ودخلت السكرتيرة بأكواب العصير وفزعت لرؤيتها فأسرعت "هل المدام بخير؟"
جذب كوب العصير ووضعه عند شفتيها "تناوليه مهرة، هيا، سيساعدك"
فعلت وهي تحاول البقاء بوعيها حتى ساعدها العصير على استعادة نفسها واستطاعت فتح عيونها ورؤية القلق الواضح على وجهه وحتى السكرتيرة
"هل أنتِ بخير؟"
أجابت بوهن "نعم.. أنا بخير رحيم"
تنهدت الفتاة فنظر لها وقال "يمكنك الذهاب"
خرجت وظل بجوارها وهو يمرر يده على وجهها الذي تناثرت عليه حبات من العرق وقال بقلق "لنمر على المشفى ونحن بطريقنا للبيت"
لم تنظر له وقالت "لا، أخبرتك أني بخير"
وضع الكوب على المائدة وارتد لها وهو يخرج السجائر ويشعل واحدة فقالت بضيق "رحيم أخبرتك بالأمس ألا تفعل"
لف وجهه لها والسيجارة تجمدت بيده وعدم الفهم ملأ وجهه وهي تنهض من جواره مبتعدة..
أطفأ السيجارة ونهض ها حيث تقف، تخفض وجهها، لا تقوى على مواجهته وهو رأى بعينيها كلمات لا تخرج..
عطره والذي تأكدت منه، أنه ما كانت قد اشترته له وقت كانت زوجته بالماضي، أصبح لا يضع سواه
سمعته يسألها باهتمام "والآن هل تخبريني ماذا تخفين عني؟"
تنفست بقوة ثم التفتت لتواجهه بلا تراجع وهي تقول "أنا حامل رحيم"
للحظة ظل جامدا.. يستوعب ما قالته.. وكأنها قذفت قنبلة بوجهه وانتظرت نتيجتها وهو ما فعلته بالفعل
منذ تأخرت دورتها وبدأت أعراض الحمل التي تعرفها وهي تخاف من أن يتأكد الأمر حتى تأكدت صباح اليوم ولم تترك الأفكار تمزقها والمخاوف تتلاعب بها وقررت إخباره
ظلت العيون متواجهة، كلاهم لا يفر من الآخر حتى مال ووجهه يقترب من وجهها وخرج صوته كالعادة هادئ بلا أي غضب
"وأنتِ تخافين أن أرفضه كما فعلت بالماضي؟"
دقات قلبها كادت تكون مسموعة، لماذا لم تفكر أنه أراد أيلا؟ حارب لأجلها.. هو أفضل أب وما زال يحاول للأفضل
ابتلعت ريقها ورمشت عيونها وقالت "وهل ستفعل؟"
هو يستحق عدم ثقتها به، هو طمس كل معالم الثقة بينهم، حتى بعد أن منحها كل المقومات بحياتهم الجديدة.. هي لم تستطع التغلب على الماضي.. ما زالت تخاف وهذا يؤلمه
"لكنت رفضت أيلا مهرة، متى يمكنك استيعاب أنني لم أعد رحيم الذي كان معك بالماضي؟"
سقطت دمعة، اثنان، وقلبها تهاوى وخرج صوتها ضعيفا متخاذلا "أفعل رحيم لكني.. "
ولم تكمل.. وهو فهم
دفع راحته بعنقها وجذب وجهها له وقال بصدق "لكنك تخافين وهذا يغضبني مهرة، يغضبني من نفسي لأني فشلت في منحك الأمان بدلا من الخوف"
رفعت يداها على صدره ودموعها حرة على وجنتيها غصبا عنها وقالت "لم أقصد رحيم، صدقني أنا سعيدة جدا بحياتنا الجديدة لكن أحيانا الماضي يدهسني بلا رحمة فسامحني"
تفهم وهو بالإساس يعترف أنه سبب كل ما يحدث بينهم الآن، تألم مرة أخرى من طلبها السماح فقال بصوت منخفض، نادم
"بل هو أنا من عليه طلب السماح منكِ مهرة، أنا سبب كل الدمار الذي أصاب حياتنا، أنا ظننت أنكِ نسيتِ وتجاوزتِ الأمر فأنا أحاول بصدق تعويضك عما كان"
دموعها لم تتوقف، تعرف صدق كلماته وتصدقه ومع ذلك قلبها يخونها ويستسلم للخوف غصبا عنها "وأنا أصدقك رحيم وصدقني أنا حقا لا أرغب بذكر الماضي لأن ما أعيشه معك الآن هو كل ما حلمت به وتمنيه، فقط.."
لم يدعها تكمل وهو يقرب وجهها من وجهه ليهمس لها "فقط أنا أحبك مهرة، أخبرتك أني مجنون بحبك وسأظل أخبرك ذلك لنهاية عمري، أحبك مهرة النادي ولم أحب امرأة سواكِ فهل هذا يكفي لتثقي بي؟"
عادت الدموع وقلبها يهتز من كلمة الحب منه، رفعت ذراعيها وعانقته بقوة وهي تهتف "نعم رحيم، نعم يكفي، حبك هو كل ما تمنيه"
ضمها له بقوة، غرق رأسه بعنقها بين سيل شعرها وعطرها..
سكن بين ذراعيها..
ارتاح قلبه منذ تحرر من قيود صاحبه.. اعترف بأن الحب سلطان.. حاكم، آمر، لا أحد يقف بمواجهته
وحتى رحيم العزايزي سقط مهزوما أمامه..
أبعدها، ضم وجهها براحتيه، وعيونه تحتوي كل وجهها وهمس "أتمنى أن ننجب أولاد كثيرة مهرتي، لن نكتفي بالقادم، ستمنحينني الكثير من الأولاد حتى نملأ الفيلا بهم"
ضحكت من بين دموعها وهو ابتسم "علينا بإخبار أيلا"
قالت "نعم، ستكون سعيدة، لطالما تمنت أخ أو أخت"
قبلته أنهت الحوار وهي استسلمت له من كل قلبها وأخيرا نالت كل ما حلمت به وتمنته
****
بالطبع أيلا تقبلت الحمل بسعادة كما توقعت مهرة ومن أول لحظة أخذت تفكر بأسماء للأخ أو الأخت بل وقالت ببراءة طفلة "وربما يكونا اثنان مامي، أخ وأخت"
ضحكت مهرة بينما قال رحيم "أتمنى ملاكي، أنا أرغب بأن يكون لكِ إخوة كثيرين"
هتفت مهرة "ماذا تقول رحيم؟ هل تعي ماذا يعني توأم؟"
لف ذراعه حولها وتجول داخل عيونها الفاتنة وقال بحب لم يعد يخفيه "بالطبع حبيبتي، يعني أن ننال طفلان بالمرة الواحدة، وهذا أفضل من حملان وولادتان"
لم تصدق ما يقوله ولكن أيلا وافقته وجذبته لأوراقها ورسوماتها وهو يدرك أن ابنته بدأت تعلن عن موهبتها المستمدة منه وكان سعيد بذلك..
***
لم تسأله عن عدنان فقد نست أمره خاصة وأن عدنان نفسه لم يكرر اتصاله ولن يفعل بعد زيارة رحيم له
نارا لم تكرر زيارتها لمهرة لكن..
رحيم لم يكن ليتركها، هو من قام بالزيارة..
مكتب والدها الذي كانت تحتله بغيابه انفتح وصوت تعرفه يقول "بالطبع أنتِ هنا"
لم تصدق الصوت، رفعت رأسها له، حدقت به وهو يتحرك ويغلق الباب خلفه وهي جامدة مكانها حتى جلس أمام مكتبها وقال "كيف حالك نارا؟"
كانت تحاول أن تفيق من الصدمة وهي تهمس "رحيم!؟ أنت هنا حقا! أنا لا أحلم أليس كذلك؟"
نفخ دخان السيجارة التي أشعلها وقال دون النظر لها "لا، ليس حلم نارا، أنا واقع لكن أخشى أن أكون واقع سيء لكِ"
تراجعت بالمقعد، تواجهه بلا فهم وتساءلت "سيء!؟ هذا يعني أنك لست هنا لتخبرني أنك ستعود لي وتترك تلك.."
يده التي تمسك السيجارة ارتفعت بوجهها بطريقة تحذيرية كما كان صوته "ولا كلمة خطأ على زوجتي نارا، لن أسمح لكِ"
تجهمت أكثر.. سقطت كلماته عليها كدلو مليء بالثلج ولم ترد
أبعد وجهه عنها وقال "أنا هنا لأحذرك نارا" ولف وجهه لها وأكمل "أوقفي ألعابك الشيطانية تجاه زوجتي لأني لن أقف متفرج بعد اليوم"
غضبت، تعصبت وهتفت "أنت تهددني رحيم؟ لأجلها؟"
السيجارة تضيء من أنفاسه التي تحرقها والدخان يخرج من فمه مع كلماته الهادئة والمخيفة بذات الوقت "نعم نارا، لأجلها، لا أريدك بطريق مهرة مرة أخرى، ما فات سأعتبر نفسي لم أعرفه لأجل ما بين عائلاتنا، لكن القادم لو تجدد به شيء فلن أكون رحيم، بل سأكون شيطان رجيم"
ونهض، مال على مكتبها ودهس ما تبقى من السيجارة بالمطفأة ونظراته تلتقي بوجهها الشاحب وأكمل "لن أبحث عمن أطلق الرصاص بزفافي، ولا أظن أن عدنان سيرغب برؤيتك بعد الآن وأنصحك بالابتعاد عن ماما لأني لا أحب إخفاء شيء عنها"
واعتدل مغلقا جاكته وهو ما زال يواجه نظراتها ثم تحرك خارجا كما دخل وهي تنكمش بالمقعد مطلقة أنفاسها التي حبستها طوال وجوده.
مدركة ما وصل له، كما تعرف معنى تهديده لها..
ولكنها لم تعرف ماذا ستفعل بالقادم؟
لكن بلحظة مواجهة هي الآن تواجدت بها، أدركت أنها انتهت نهائيا من حياة رحيم..
كل ما دبرته لمهرة سقط بلا فائدة، لم يهز علاقتهم بل استمرت ونجحت وهو الآن يهددها هي لأجل مهرته
أغمضت عيونها تاركة الدموع تنهار بلا مقاومة، أدركت أنها خسرت
رحيم ضاع منها ومهرة هزمتها.. مهرة كانت بالمقدمة دائما وهي من حاول اللحاق بها بلا فائدة واليوم
خسرت..
سقطت من على صهوة الحصان وتهشمت.. ومهرة..
قطعت حبل النهاية وانتصرت وهي..
فشلت..
****
أعراض الحمل تلك المرة كانت أصعب بطريقة غريبة، الغثيان الصباحي كان يتعبها جدا، وزنها زاد بشكل غريب ومع انتهاء الشهر الثاني كانت التعب قد جعلها تبقى بالبيت على غير العادة..
زيارة الطبيب كان أمر لا جدال به عند رحيم وعندما خرجت من الحمام، تحرك لها، ساعدها على الوصول للفراش وهو يقول
"تبدين شاحبة، لقد طلبت لبن لكِ"
جلست بمساعدته وعيونها مغمضة ويدها على معدتها وهي تقول "لا أرغب بأي شيء، أيلا لم تفعل بي ذلك"
مال عليها بجدية وقال "فقط كنتِ تقاومين لأنكِ كنتِ وحدك، أعرفك جيدا، عنيدة"
لم تنظر له وهي تجيبه "تلك الأمور لا مجال للعناد بها رحيم"
دقات على الباب فتحرك هو ليأخذ اللبن من فتحية وعاد به لها ولم تجادل وهي تقاوم الغثيان مرة أخرى
هدأت واستعدت لموعد الطبيب..
لأول مرة يعيش تلك الأجواء، يراها وهي تتمدد على فراش الفحص والطبيب يضع فحص السونار على بطنها
يده قبضت على يدها وقلبه كان يدق بعنف.. عيونه تجمدت على الشاشة التي ينظر بها الطبيب ولا يفهم ما يراه حتى بدأ الطبيب يشرح له
الطبيب صمت لحظة وظل يمرر الجهاز الصغير على بطنها ثم ضاقت عيونه للحظة قبل أن يقول "هل لديكِ أحد بالعائلة أنجب توأم من قبل مدام؟"
حدقت بالطبيب، يد رحيم ضغطت على يدها.. ابتلعت ريقها وهي تذكر كلمات أيلا والطبيب يرتد لها منتظر ردها فقالت
"نعم، عمتي لديها توأم، ولد وبنت"
ابتسم وقال "وأنتِ ورثتِ هذا عنها، مبروك لديكم توأم بالطريق"
شحبت مرة أخرى، ابتسم رحيم، وارتفعت نظراتها له وهو ينحني ويضع قبلة على جبينها ويهمس "مبارك علينا عزوتنا القادمة مهرتي"
رغما عن صدمتها ابتسمت، كلماته، ابتسامته، الراحة بعيونه منحتها سعادة جعلتها تبتسم رغم دموعها ومخاوفها
عندما لحقت بهم بالمكتب تلقاها الطبيب بتعليماته "لن أكذب عليكِ مدام الأمر ليس بسهل طبعا لكن سيد رحيم أخبرني أنكِِ امرأة قوية"
نظرت له فابتسم لها وهو يعلم كم الخوف الذي ملأ كل عيونها
عادت للطبيب الذي منحها تعليماته "الطعام هام جدا لأجلهم وأجلك بالطبع، وزنك سيزيد بسرعة بسببهم، الغثيان والقيء سيزداد أيضا لكن سأمنحك ما قد يساعدك بتجاوزه، سيد رحيم عليك مسؤولية كبيرة تجاها بالطبع"
هز رأسه بتفهم وهو يؤكد بكلماته "بالطبع"
بالسيارة قبض على يدها ورفعها لفمه واضعا قبلة عليها وقال "هذا أجمل شيء حدث لي بحياتي مهرة"
ابتسمت رغما عنها وهي تقول "وأكثر شيء مخيف لي رحيم"
ابتسامته منحتها هدوء وسكينة "وأنا معك لا مكان للخوف حبيبتي"
مال رأسها واستقر على ذراعه وهي تقول "وأنا لا أرغب سوى بوجودك معي لنهاية العمر رحيم"
لم يفلت يدها وكلاهم يستمتع بالأمر على طريقته..
واستقرت أمورهم لوقت حتى نسى كلاهم كل مشاكلهم القديمة وباتت ماضي لا معنى له. أيلا أثبتت كفاءة عالية بالمدرسة وبموهبتها التي تحدثت عن نفسها
لكن..
ما زالت عنان موجودة، لم تسافر لابنتها بل ظلت بالقاهرة، تنتظر عودة ابنها لها لكنه لم يفعل، اختار زوجته وحياته الجديدة
لم يمكنها ألا تحضر عرض الأزياء الخاص به، الإعلانات كانت مثيرة حقا، جعلتها ترغب بالحضور ورؤية نجاح جديد من نجاحات ابنها التي تدعو من قلبها ألا تتوقف
ولم تفكر وهي تستعد للذهاب عندما نزلت لترى نارا تدخل الفيلا وملامحها تدل على حالتها "مساء الخير طنط"
ابتسمت لها، ما زالت تحبها رغم أنها أدركت أن رحيم لم يعد يراها أصلا "أهلا حبيبتي، هل أتيتِ لنذهب للعرض سويا؟"
تجهم وجهها، بدا الحزن داخل عيونها وهي تقبض على حقيبة يدها الصغيرة وقالت "لا"
رحلت ابتسامة عنان وهي لا تفهم وتساءلت "لا؟ أنتِ لا تفوتين تلك الحفلات نارا"
رفعت عيونها للمرأة وقالت "هذا قبل أن تكون هي بجواره، لن يمكنني رؤيتها وهي تنال التهنئة بجواره طنط، كانت أنا من تفعل وهي سرقت كل شيء"
ورأت عنان دموع الفتاة فأبعدت وجهها لحظة ثم عادت لها وقالت "نعم، هو حتى لا يهاتفني بسببها لكن لا يمكنني ألا أذهب لرؤيته ككل مرة"
هتفت بغضب "وتعلنين موافقتك على زواجه منها ووجودها بجواره"
ابتعدت عنان، كم مرة تمنت لو تذهب له وتطالبه بأن يعود لها لكن كبرياءها كان يمنعها، لم تعد ترغب بترك بيتها، لم ترتاح عند ابنتها
نادتها نارا بنفس الغضب "هل حضرتك وافقتِ على علاقتهم هكذا بسهولة؟ نسيت أصلها الذي لا وجود له؟"
ابتعدت عنان لا تجد ما تقوله، لقد حاربت رحيم كثيرًا بل وحاربت مهرة نفسها بلا فائدة وكل ما نالته هو فراقها عن ابنها الوحيد
قالت بحزن "هو لا يستجيب لي نارا، يحاربني لأجلها" وصمتت قليلا ثم أكملت وكأنها تحدث نفسها "أحيانا أظن أنه يحبها"
والتفتت بسرعة بعد أن أدركت ما قالت "نارا حبيبتي لم أقصد لكن.. "
دموع نارا ظهرت بسرعة وأخفضت عيونها وألم لا طاقة لها به يضربها بقلبها "ولكنها الحقيقة طنط، رحيم لن يحارب الجميع لأجل امرأة لا يحبها، هو هددني لأجلها، قاطعك، منحها مكانة كبيرة بالمجموعة، هي معه بكل مكان"
وابتلعت دموعها وحزنها وباقي الكلمات وعنان تشعر بالأسى لأجلها "سأحاول معه مرة أخرى الليلة نارا، لا يمكن أن ينساكِ بسهولة هكذا، سأجد حل لتلك المرأة.. "
ظلت عيونها الباكية تحدق بعنان حتى رفعت يدها ومسحت عيونها "لا داعي لكل ذلك، رحيم لن يقبل أي كلمات عني يا طنط، أنا هنا فقط لأخبرك أني راحلة لباريس، بابا تعب مرة أخرى وقد يعود المشفى"
تألمت المرأة لها ولم تجد إلا كلمات واهنة لتخبرها بها "آسفة نارا، كنت أتمنى.. "
قاطعتها بحسم "أعلم طنط، سأفتقد حضرتك جدا"
احتضنتها المرأة بحنان ثم ابتعدت نارا عنها وتحركت للخارج دون أن تزيد، هي حاولت، بكل الطرق الصحيحة وغير الصحيحة ولكنها فشلت..
رحيم أخبرها أنه كشف طرقها الغير مشروعة السابقة وأنه تغاضى عنها في مقابل أن تتوقف وتتراجع وهي كامرأة من عالم يهتم بالمكانة الاجتماعية لن تقبل أن يُزج بها بالسجن لأجل قلبها
لذا اختارت الانسحاب بهدوء
***
منحت مهرة أوامرها النهائية بالقاعة التي سيقام بها العرض الليلة، تتجاوز متاعب الحمل بقوة وهو لا يتركها، مستمتع بالأمر كأول حمل يمر عليه معها..
ما أن دخل القاعة حتى بحث عنها، هي لا تسمع لأي كلمات، تحرك لها بنظرات جادة وهي تشير لمهندس الضوء وتمنحه تعليماتها
انتهت والرجل يبتعد وهي تعود للأوراق بيدها عندما قال "لن تتوقفي إلا عندما تسقطين بلا وعي"
ضحكت لرؤيته وكلماته وقالت "سأسقط لكن ليس قبل أن أرى التصفيقات تنهال عليك الليلة والجميع يشيد ببراعة أزياءك"
تأملها ومن داخله ما زال شعور الغضب من نفسه موجود، هي تسعى لنجاحه وهو بيوم ما كان يطمس كل جميل بحياتها
لن يعيد ما كان، لن يقبل سوى بمنحها ما تستحق
رفع يده وداعب خصلتها الشاردة وقال "طالما أنتِ معي مهرة سأفعل، تلك المرة أنتِ سبب نجاحي"
سكتت..
اختلطت مشاعرها لكن.. بعيدا عن أي ذكريات مؤلمة وهو قرب وجهها منه وقال "ما تفعليه لم يفعله مدير اعلانات من قبل، أنتِ موهوبة مهرتي ومن حسن حظي أنكِ زوجتي"
وابتسم.. وهي كانت تستمتع بتلك الكلمات التي لا تتوقف منه.. بالماضي لم تفكر لحظة أنها ستسمعها منه
لكن..
الآن.. بكل يوم ولحظة يمنحها تلك الكلمات وأكثر..
يمنحها الحب..
وهو كل ما تمنت
هاتفه يوقف لحظتهم، يعيدهم للواقع فأفلتها وأخرجه واسم مسلم يظهر "مدام عنان ستكون موجودة الليلة، الآنسة نارا زارتها والآن بطريقها للمطار"
ابتعد عن مهرته وقال "جيد، هذا يعني أن نارا فهمت رسالتي"
أجاب مسلم "هذا واضح، كنت رؤوف بها لأنك لم تعاقبها على أفعالها مستر رحيم، يكفي محاولات القتل"
التفت، زوجته عادت للعمل، ماذا لو عرفت أنه عرف ببراءتها من كل ما اتهمها به؟ بل وأن نارا كانت السبب؟
أغلق باب الأفكار وقال "لقد انتهى الأمر مسلم وهي أحسنت الاختيار وتركت الساحة"
سأله "ماذا عن مدام عنان؟"
رفع وجهه، ما زالت وستظل أمه لنهاية العمر لذا قال "هي أمي رغم كل شيء ولن يمكنني رفضها بأي وقت مسلم"
رد مسلم "بالطبع"
وأغلق وظل يتابعها بحب، يلوم نفسه على كل ما فعله بها وعلى ما فات من عمره دون أن يستمتع بحبها وقلبها الطيب والسعادة التي نالها بوجودها معه..
الحفل بدأ بموعده، ليست مرتها الأولى بتنظيم مثل تلك الحفلات أو الإعلان عنها، لكن مرتها الأولى معه هو وهي بذلت كل ما لديها لأجله
عندما بدأ الحفل كانت تقف بجواره وهو يتابع بنفسه العارضات وهن يخرجن بالأزياء، القلق ارتسم على وجهه ووجهها..
أيلا رفضت عدم الحضور وسحر المربية تولت رعايتها والحراسة لا تتركها حتى انتهى العرض وودعت والديها بطريقها للبيت
وبنهاية العرض التصفيقات كانت كما توقعت مهرة والعروض انهالت عليهم قبل نهاية العرض وعندها التفت لها واستقرت عيونه على وجهها وقال
"وكأنه أول نجاح لي مهرة، وجودك منحه طابع خاص"
أمسك يدها ورفعها ليضع قبلة عليها وهي تتورد وحبها هو كل ما رآه بعيونها
عندما خرج للحضور تلقوه بالتهاني والتصفيقات..
الجميع انتقل لقاعة أخرى بنفس الفندق لكن للاحتفال بنجاح العرض
الصحافة كان أول من تلقاهم والأسئلة انهالت "كعادتك سيد رحيم، تمنح الأفضل"
يدها تعلقت بذراعه بفخر وهو قال "تلك المرة كانت مميزة"
واحد هتف "والسبب؟"
لف وجهه لها وهي التقت بعيونه وهو يقول "لأن زوجتي كانت مصدر الإلهام"
ابتسمت له والأضواء تتساقط من هنا وهناك وسؤال جديد "وهي من قاد حملتك الاعلامية"
عاد لهم "بالطبع، ليس هناك بمصر من أفضل منها بعملها لذا لم يكن سواها ليقود كل حملات المجموعة"
سؤال لها "مدام مهرة لا تفكر بالرجوع لسباقات الخيل؟"
واجهت الكاميرات وهي تجيب "ليس بالوقت الحالي"
أكمل هو "نحن ننتظر توأم"
تعالت الصيحات والتهاني وهو اخترق الصحافيين بها حيث المدعوين ينتظروهم..
لم يغفل عن والدته التي أخبره مسلم أنها كانت تجلس بين المدعوين، لم تأخذ مكانها المميز بالصفوف الأولى كما اعتادت بل تأخرت بعيدا عن الأضواء ولم تحاول التحدث معه
لكن..
بمجرد دخول القاعة رآها.. تقف بعيدا وحدها، لم ترغب بالاختلاط بأحد رغم معرفتها بالكثيرين من الموجودين
ما أن انفض الزحام من حوله هو ومهرة حتى رآها..
مال على زوجته وقال "ماما هنا"
ارتفعت نظراتها إلى حيث ينظر وارتفعت معها دقات قلبها بأجراس الإنذار وخرج صوتها منخفضا "هل تفضل أن أكون معك؟"
أدار نظراته لها، كانت نظراتها صادقة ولكن نظراته كانت تعني الدهشة "ترغبين بلقائها؟"
قالت بصدق "لأجلك سأفعل أي شيء رحيم خاصة وهي والدتك وأنت تعلم أني أرفض القطيعة التي بينكم"
ظل صامتا، لا يبعد عيونه عن عيونها بل ظل ينظر لها طويلا… وكأنه يراها لأول مرة.
بعد كل ما فعلته أمه بها… ما زالت مستعدة المحاولة لأجله.
تحركت مشاعره بعنف داخله وهو يرفع يده ببطء يلمس وجنتها ثم قال بصوت خافت:
"كيف ما زلتِ تملكين هذا القلب بعد كل ما مررتِ به؟"
الإجابة أوقفته "هو نفس القلب الذي لم يتوقف عن حبك يوما رحيم، قلبي لا يتبدل بسبب أي شيء وسيظل لا يعرف سوى الحب"
جذب وجهها له ووضع قبلة على جبينها وهمس "أحبك مهرة"
عنان كانت ترى كل ذلك، دموعها اعتلت عيونها، ترى حب ابنها لزوجته ومع ذلك لم يمكنها مواجهته، ظلت بالظلام تظن أنه لا يراها
التفتت، تمسح دموعها بكبرياء عندما سمعت صوت مهرة تقول "وجودك منح الحفل معنى مختلف مدام عنان"
التفتت عنان متفاجئة من صوت مهرة لتراها تقف أمامها وابتسامة هادئة تملأ وجهها، رغما عنها تعترف بجمالها ومع ذلك لن تعترف بها كزوجة لابنها
خرج صوتها عميقا بلا أي مشاعر "لم أكن لأفوت أي عرض لابني"
ظلت مهرة هادئة، تعلم أن المرأة لن تتقبلها بسهولة "بالطبع، ظننت أنكِ سترغبين بتهنئته بنفسك"
هتفت بغيظ "وهل أنتظر الإذن منكِ لأفعل؟ اسمعي مهما فعلتِ أنا لن أتقبل وجودك بحياته"
رحلت ابتسامة مهرة التي تمنت إنهاء صراعهم لكن عنان ترفض ومع ذلك قالت "أعلم، وليس لدي أي نية لمطالبتك بشيء، فقط رغبت بالترحيب بكِ، اسمحي لي"
لكن عنان هتفت بصوت مرتفع لفت انتباه الصحافة "لا تظني أنك فزتِ وانتصرتِ، ابني سيدرك أنه لم يحسن الاختيار، ستظلين ابنة السائس ولا شيء سيبدل الحقيقة، أنتِ لم ولن تناسبي مستوانا بأي يوم"
الكاميرات التقطت، الهواتف سجلت وهي جمدت والإهانة تعود من جديد وقبل أن يصل هو لها كانت هي تجيب
"والدي كان مدرب لأعظم فرسان والجميع يعرف ذلك وأنا فخورة بأني كنت ابنته، ومهما تحدثتِ عن المستويات فالأمر لم يعد يعنيني، أنا أحب رحيم وسأظل أحبه لآخر نفس من أنفاسي"
والتفتت والدموع تحاول الانفلات من حصارها داخل عيونها لتصطدم به وقد وصل لها ويداه توقفها برفق وهو يقول بلا تردد "وحبي لكِ لن يوقفه شيء مهرة، ستظلين زوجتي وحبيبتي أيضا لآخر العمر"
وجذبها لأحضانه وسط الجمع الذي التف حولها والكاميرات تلتقط تلك اللحظة وعنان اختفت وسط الزحام وهي تدرك خطأ ما فعلته
الفصل 20
ظلت مهرة هادئة، تعلم أن المرأة لن تتقبلها بسهولة "بالطبع، ظننت أنكِ سترغبين بتهنئته بنفسك"
هتفت بغيظ "وهل أنتظر الإذن منكِ لأفعل؟ اسمعي مهما فعلتِ أنا لن أتقبل وجودك بحياته"
رحلت ابتسامة مهرة التي تمنت إنهاء صراعهم لكن عنان ترفض ومع ذلك قالت "أعلم، وليس لدي أي نية لمطالبتك بشيء، فقط رغبت بالترحيب بكِ، اسمحي لي"
لكن عنان هتفت بصوت مرتفع لفت انتباه الصحافة "لا تظني أنك فزتِ وانتصرتِ، ابني سيدرك أنه لم يحسن الاختيار، ستظلين ابنة السائس ولا شيء سيبدل الحقيقة، أنتِ لم ولن تناسبي مستوانا بأي يوم"
الكاميرات التقطت، الهواتف سجلت وهي جمدت والإهانة تعود من جديد وقبل أن يصل هو لها كانت هي تجيب
"والدي كان مدرب لأعظم فرسان والجميع يعرف ذلك وأنا فخورة بأني كنت ابنته، ومهما تحدثتِ عن المستويات فالأمر لم يعد يعنيني، أنا أحب رحيم وسأظل أحبه لآخر نفس من أنفاسي"
والتفتت والدموع تحاول الانفلات من حصارها داخل عيونها لتصطدم به وقد وصل لها ويداه توقفها برفق وهو يقول بلا تردد "وحبي لكِ لن يوقفه شيء مهرة، ستظلين زوجتي وحبيبتي أيضا لآخر العمر"
وجذبها لأحضانه وسط الجمع الذي التف حولها والكاميرات تلتقط تلك اللحظة وعنان اختفت وسط الزحام وهي تدرك خطأ ما فعلته
👇💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐
❤️(
الفصل 21
أيلا
عندما استيقظت كانت تشعر بتحسن لكن بالطبع أصبحت حركتها ثقيلة جدا، ولد وبنت، هكذا قال الطبيب وهكذا شعر رحيم بالفخر وهي بالخوف من القادم..
الأمومة من أصعب الأشياء التي تواجه كل امرأة وهي تشعر أنها لن تكون جديرة بما ستناله
كان ما زال نائما فقد كانت السابعة.. أخذت حمام منحها شعور أفضل وخرجت لتراه جالسا بالفراش يتابع هاتفه فقالت "صباح الخير، لماذا استيقظت؟"
لم ينظر لها وهو يقول "مسلم لديه دائما ما يوقظني حبيبتي، كيف حالك اليوم؟"
ورفع وجهه لها وهي تبتسم وتمرر يدها على بطنها المنتفخ "كنت بأسوأ حالاتي بالأمس أليس كذلك؟"
كانت واقفة مكانها وقد أصبحت تكره شكلها المنتفخ وحركتها البطيئة..
نهض وتحرك لها حتى وقف أمامها ونظراته تحتويها بحنان وهو يقول "بل أجملها مهرتي، تنسين أني لم أعيش معكِ تلك المراحل بأيلا"
ابتسمت له، يده استقرت على بطنها كما اعتاد أن يفعل، بل كثيرا ما كان يتمدد بجوارها ويتحدث معهم وكأنه يراهم.. كان يمتع نفسه بما فاته
رفعت يدها لوجنته وقالت "وجودك معي أجمل شيء بحياتي رحيم"
قبلته استقرت على راحتها ثم على شفتيها والباب يدق وأيلا تندفع للداخل وهي تهتف "مامي ليان ستذهب النادي اليوم وأريد الذهاب معها"
انحنت لها وقالت "ألم أخبرك ألا تدخلي هكذا أيلا؟"
قالت "آسفة، هل سنذهب؟"
نزل لمستوى ابنته وقال "ما رأيك لو ذهبتِ مع سحر وأنا سأمر لاصطحابك؟ مامي بحاجة للراحة اليوم"
هزت أكتافها وقالت "لكن مامي لا تتركني وحدي"
قلبها تألم فقالت "ولن أفعل، سأكون معك بعدما أنتهي من بعض العمل"
صفقت بسعادة وأسرعت خارجة وهو يواجها "مهرة أنتِ بحاجة للراحة وهي لابد أن تفهم ذلك"
ابتسمت وقالت "ستفعل حبيبي لكن لا تنسى أننا لا نرغب بأن تكره إخوتها"
وتحركت لكنه أوقفها وكان عليه أن يخبرها "سأصحب أيلا لرؤية ماما، سألت عنها بالأمس"
جمدت.. رحلت ابتسامتها، وواجهت نظراته الجادة بنظرات استفهام وعدم فهم وخوف وكل المشاعر المتضاربة وخرج صوتها خافتا، ضعيفا
"ماذا؟"
كان يعلم أن الأمر صعب عليها لكنه أيضا يعلم عقلها ورزانة أفكارها، أحاط وجهها براحتيه وقال "أيلا تركت أثر واضح لدى ماما مهرة، براءتها تفوز ونحن لن نقف بطريق علاقتهم"
كان يعنيها، كان يحذرها من التصدي لتلك العلاقة وهي.. ظلت جامدة، لا تعرف كيف تعبر عن مخاوفها، ظنونها، عدم تصديق أن عنان ستتقبل ابنتها؟
تحررت منه وهو تركها.. منحها لحظتها وهي ظلت صامتة لحظة قبل أن تقول "وهل تظن أني سأقف بينهم رحيم؟"
كعادته، أوقفها بلمسة على ذراعها وهو يقول "لكنتِ فعلتِ من قبل مهرة، أنا أعني أن الأمر الآن يأخذ شكل أفضل وربما هذا بداية لإصلاح علاقتها بكِ أيضا"
فتحت فمها لتخبره أنها لا تهتم بذلك لكن نظرته عنت الكثير، هي أمه وهو بحاجة لأن تكون راضية عن أسرته وتكتمل بها دائرته
أغلقت فمها وزاغت عيونها بعيدا عنه وهمست "افعل ما تراه صواب رحيم، فقط.. "
وصمتت وهو تفهم "لن تؤلمها مهرة، ماما تقبلت أيلا وأعلم أن مقاومتها لها تكاد تتلاشى، لا تخافي مهرة وأعدك أني لن أسمح لأحد بأن يؤلم ابنتي"
دموعها سقطت وهو رآها فتألم بصمت لها ولكنه لن يتراجع، جذبها لصدره ولفها بذراعه ومنحها كلمات تريح قلبها لكنه يعلم أن لا شيء سيريحها..
***
الانتظار كان ممل لأول مرة بالنسبة لعنان.. التفتت، صوت السيارة بالخارج جعلها تتجمد بمكانها..
ما هذا الذي يحدث لها؟
ورأتهم، لأول مرة يدخل وبيده تلك التي جعلتها تعرف كلمة "تاتا"
الفستان بلون الثلج، جميل جدا حقا، تعترف أن مهرة لديها ذوق عالي، ولماذا لا يكون رحيم؟ أليس مصمم أزياء؟
انفلتت يد أيلا من يده وهي تهرع لعنان "تاتا، هل تأخرنا؟ بابا قال إن الزحام يؤخرنا؟ هذا بيتك؟"
لأول مرة تنحني للفتاة، تلمس ذراعيها الصغيرة وتشعر بليونتهم وهي تتأمل ملامح الفتاة "نعم، هو بيتي، هل أعجبك؟"
رحيم ظل عند الباب واقفا، لم يرغب بكسر تلك اللحظة، جنب والدته الإحراج من إخفاء تلك اللهفة بنظراتها
صوت أيلا كان موسيقى ملأت المكان "الحديقة رائعة تاتا لكن ليس بها ألعاب، هل ستشترين لي واحدة؟"
ابتسمت عنان، تقريبا نست رحيم وأيلا تأخذ يدها وكأن هي صاحبة البيت وتسأل عن كل ما هو موجود وعنان لم تشكو بل تبعتها وأجابت كل سؤال
رحيم جلس والسجائر رفيقته وهاتف مهرة التي لم تتوقف عن الاتصال به منذ رحل بأيلا "رحيم، كيف حالها؟ هل حدث شيء؟ هل أغضبت والدتك أو.. رحيم هل هي بخير؟"
كان يدرك القلق الذي يسكنها فقال "اهدئي حبيبتي، هي بخير، ماما نست وجودي أصلا ولم ترحب بي، وأيلا هي من تأخذ ماما بجولة بالبيت"
لفت حول نفسها، دموعها تغرق وجهها، قلبها يدق بقوة، حتى طفليها يضربان برفق داخل رحمها، قلب الأم هش، يسقط من هبت ريح..
وضعت يدها على فمها بلا تصديق "رحيم هل تمزح؟ أيلا.. "
قاطعها "أيلا تقود مدام عنان بطريقة تذهلني أنا شخصيا مهرة"
تراجعت، جلست على المقعد وقلبها يحاول أن يهدأ وعاد يكمل "أخبرتك أن أيلا تفوز وقريبا والدتها ستفعل المثل، اعتدتِ أن تكوني بالمقدمة مهرتي الجامحة"
أغمضت عيونها، تاركة الدموع تنساب بهدوء وهي تذكر انتصاراتها ولم تندم لأنها ضحت من أجل ابنتها
صوت عنان جعله يغلق معها وهي تسقط يدها بحجرها وما زالت تتمنى لو كانت بجوار ابنتها لكنها تعلم أن عنان لن تقبل بها وهي تقبل بأن تحب ابنتها بدلا من أن تؤلمها
انتبه لعودة الثنائي وعنان تقول "رحيم متى دخلت؟"
ابتسم ونهض لوالدته ووضع قبلة على وجنتها كعادته وقال "منذ قليل، هل أرهقتك؟"
نظرت لأيلا التي تمسك بيدها وقالت "بالعكس، هي من طلب مني العودة، تقول أن المكان كبير وأنا سأتعب"
ورأى والدته تبتسم وأيلا تقول "تاتا هل كنت فتاة جيدة؟"
منحتها اهتمامها "نعم، لماذا؟"
هتفت "مامي قالت لو كنت فتاة مطيعة ولم أغضبك ستجعلني أراكِ كثيرا"
ارتبكت نظرات عنان بينما تدخل رحيم "ماما أنا أرغب بقهوة"
هتفت أيلا "وأنا الشوكولاتة خاصتي"
وتخطى الجميع ما كان وعندما انتهى اللقاء الذي استحوذت أيلا عليه وعلى اهتمام عنان الكلي قرر رحيم الذهاب على مضض من عنان
أيلا وقفت بجواره وقالت "لن تمنحيني قبلة تلك المرة أيضا تاتا؟"
تورد وجه عنان بلا شعور، أدركت أنها لم تفعل ولا مرة وتلك المرة لم يمكنها الرفض بل نزلت لمستوى الفتاة قبل أن يرفعها رحيم لوالدته
وتفاجأ الاثنان...
أيلا لفت ذراعيها حول عنق عنان، احتضنتها ثم وضعت قبلة على كل وجنة وقالت "هذه القبلة لي وتلك القبلة لإخوتي"
وتراجعت وعنان ما زالت تتلقى المفاجآت منها الواحدة تلو الأخرى حتى رحلوا ورحيم لا يحاول النظر بعيون والدته ومن داخله فخور بابنته..
بل بزوجته التي أنشأت تلك الفتاة بتلك الطريقة
هذا اللقاء كان مؤثر جدا بالنسبة لعنان، منذ رحيل الفتاة وهي تبحث عن كل ما علقت عليه أيلا، تاتا هذا الزرع بحاجة لعناية، تاتا أرغب بأرجوحة هنا، تاتا هل أحضرتِ لي هدية.. تاتا، تاتا، تاتا
كل ساعاتها التالية كانت تاتا.. أرادت أن تكون كذلك ولنفس الفتاة التي سرقت قلبها دون مقدمات ولم تعد تذكر أنها ابنة مهرة بل هي حفيدتها ابنة رحيم وجزء من عائلتهم..
الاجازة التالية كانت بالنادي، لم يمكن لأيلا الذهاب لجدتها مرة أخرى لسفر رحيم المفاجئ وتلك المرة لم يوافق على سفر مهرة معه، هو يرى تعبها الذي تحاول إخفاؤه لذا أصر على الرفض..
وبالتالي كانت عنان هناك قبل موعد مهرة وأيلا.. نظراتها تبحث عن الفتاة، اللعبة التي طلبتها بالحقيبة الملونة على المائدة
لم تقوى على الانتظار، هل منعتها مهرة؟
رفعت الهاتف وضغطت رقم رحيم الذي لم يجيب لأنه لم يسمع الهاتف فتملكها الغضب حتى تمنت لو أن لديها رقم مهرة فتهاتفها وتثور بها
لكن..
اندفاع الروح وصلها.. وكلمة تاتا تنبع من القلب..
ابتسمت.. نست هاتفها وبلا شعور فتحت أحضانها للفتاة التي لم تتراجع وهي تلبي الحضن بسعادة
مهرة اختارت مائدة بعيدة لكن تمكنها من متابعة ابنتها مع جدتها أو بالألعاب لكن أيلا كانت مشغولة باللعبة الجديدة، مشروب الشوكولاتة، الطعام المفضل، كل الوقت كان لعنان ولكن دون أن تنسى والدتها بل كانت ما بين هنا وهناك حتى..
دخلت منطقة الألعاب وظلت مهرة تتابعها حتى كادت تسقط فهبت مسرعة لها ولم ترى عنان وهي تلحق بها ولكن أيلا كانت بخير لكن مهرة لم تعد بخير
اندفاعها وإسراعها مع المفاجأة جعل ألم يضربها بأسفل بطنها فتألمت وأيلا انتبهت لها "مامي، مامي ماذا بكِ؟"
التجمع كان قد انفض وعنان كادت تتراجع عندما سمعت كلمات أيلا فانتبهت ورأت الألم على وجه مهرة التي قالت بتعب "لا شيء حبيبتي، هل.. هل نذهب؟"
وانحنت ويدها على بطنها من الألم فارتدت عنان لها وأمسكتها ولاحظت الألم على وجهها فقالت "مهرة ماذا بكِ؟"
الألم جعلها تقول "ألم بأسفل بطني وظهري، آسفة لإزعاج حضرتك لكن.. "
ساندتها عنان وقاطعتها "هيا تعالي لنرى أي مشفى، أيلا تعالي"
هم أحفادها من تحملهم تلك المرأة وعليها واجب تجاههم بغياب ابنها
المشفى تلقاهم وأيلا ظلت بجوار عنان التي تولاها القلق حتى خرج الطبيب من غرفة الفحص وقال "تقلصات بالرحم من أثر الإجهاد والتوتر، هي بحاجة للراحة حقا هذا الشهر"
يد أيلا كانت بيد عنان وهي تسأله "هل هناك خطر على الأطفال؟"
أجاب بهدوء "لو حدثت ولادة مبكرة خلال السابع فنعم، سيكون هناك خطر عليها وعلى الطفلين"
تجهمت، وعادت تقول "متى يمكنها الذهاب؟"
عبس لحظة ثم قال "عندما ينتهي المحلول وتهدأ التقلصات"
جذبتها أيلا "تاتا، أريد مامي"
نزلت للفتاة وقالت بحنان "حسنا، سندخل لها لكن لا تثيري ضوضاء لأنها متعبة"
هزت رأسها ودخلا ومهرة مغمضة العيون، شاحبة الوجه وقد بدأ الألم يهدأ وما أن سمعت صوت حتى قالت بضعف "أيلا، أين ابنتي؟"
سمعت الصغيرة تهتف "مامي أنا هنا"
فتحت عيونها ورأت ابنتها بجوار الفراش فابتسمت لها "حبيبتي هل أنت بخير؟"
تابعتها عنان من عند الباب، مهرة امرأة مخالفة عمن ظنت، أو عمن جعلتها نارا تظنها، هي تمنح ابنتها كل اهتمامها، هي تعامل عنان بطريقة جعلتها تعيد أفكارها عنها
صوت أيلا قطع الشرود "نعم مامي، هل ما زلتِ تتألمين؟"
لم تبكي وهي تجيبها "لا حبيبتي لقد أصبحت بخير"
ورفعت عيونها لعنان والتقت بنظرات المرأة الثابتة عليها ولم تعرف ماذا تقول سوى "شكرا لحضرتك"
نارا لم تخاطبها بتلك الطريقة من قبل، بل وكأنها صديقتها لكن مهرة تضع حدود بينهم، بل هي من وضعت تلك الحدود
هزت رأسها وقالت "سنذهب بعد المحلول"
امتنت للمرأة وقالت "يمكن لحضرتك الذهاب، لقد شغلتك معي"
أيلا صعدت بجوار مهرة واستلقت رأسها على صدر مهرة بينما اقتربت عنان وقالت "لم يكن لدي شيء، ما أن ينتهي المحلول سنذهب، ربما.. ربما تأتين البيت عندي بغياب رحيم، الطبيب قال أنكِ بحاجة للراحة هذا الشهر"
اتسعت عيون مهرة غير مصدقة ما سمعته، عنان نفسها لم تكن تعرف ماذا تقول سوى أن عائلة ابنها بحاجة للرعاية بغيابه
مهرة لم تجد كلمات تجيب بها والممرضة تدخل لمتابعة المحلول وأيلا نامت بجوارها والصمت علا الغرفة
***
رحيم رفع رأسه عندما سكت مسلم وهتف هو "مهرة ماذا؟"
لم يتحرك مسلم وهو يمنحه ملخص لما حدث وعاد يقول "تعبت بالنادي ومدام عنان أخذتها المشفى و.. "
توقف عندما نهض رحيم من على الأريكة بغرفته بالفندق ووقف أمام مسلم "وماذا؟ أخبر الطيار أني عائد مصر فورا"
لكن مسلم قال "هي بخير مستر رحيم، لقد خرجت من المشفى والآن .."
وسكت، مال رأس رحيم بلا فهم وردد بغضب واضح "والآن ماذا مسلم، انطق"
تراجع مسلم وأجاب "بمنزل والدتك، الرجال تابعتهم وما زالوا هناك ووالدتك أخبرتهم أن مدام مهرة ستبقى حتى تعود أنت"
صمت سقط كسور عالي تهدم فجأة مخلفا دمار لا معنى له لكن معه جلب ألغاز لم يفهمها
عاد للمائدة وجذب هاتفه ورقم مهرة يرن بلا إجابة.. الغضب زاد فهاتف أمه التي كانت تغلق باب غرفته التي نامت بها مهرة وأيلا بجوارها
أخرجت الهاتف وأجابت "أهلا رحيم"
رحيم اعتدل وهو لا يستطيع وقف جنون الغضب "ماما ماذا حدث لمهرة؟ لماذا لا تجيب الهاتف؟ وأين أيلا؟"
دخلت غرفتها وقالت بهدوء "مهرة بخير، هي نائمة بغرفتك وأيلا بجوارها"
رفع رأسه وعدم الفهم يتملكه "بغرفتي أين ماما؟ ماذا يحدث عندك بالضبط؟"
جلست والراحة تملأ قلبها بشكل أدهشها بعدما نفذت ما أرادت "لا شيء يحدث رحيم، هي تعبت بالنادي وذهبنا المشفى والطبيب طالبها بالراحة طوال هذا الشهر كي لا تصاب بولادة مبكرة وأنت لست موجود فأحضرتها معي وعندما تعود خذها مرة أخرى"
لف حول نفسه.. تلك المرة لم يعد يمكنه تجاهل ما يحدث، هي مهرة من تتحدث عنها، مهرة التي رفضتها وثارت بوجهها "ماما هل تعي ما تقولين؟ هل.. "
قاطعته بحزم "لا تنسى نفسك رحيم، أنا أمك ولست مجنونة، المرأة وحدها، تحمل توأم ولديها فتاة والحمل بخطر، ماذا أردتني أن أفعل؟ هل أبدو قاسية لتلك الدرجة؟"
جذب السجائر وأشعل واحدة محاولا تهدئة صراعه الداخلي وهو يفرك جبهته ويقول "ماما مهرة ليست سيئة هي.. "
قاطعته "هل توفر كلماتك هذه لنفسك وتعود لعملك لتنهيه بسرعة وتعود لبيتك"
لم يعد يعرف أين هو ولا ماذا يحدث حوله "حسنا ماما، عندما تستيقظ أرغب بأن تهاتفني"
وأغلق وهو يحاول تفهم ما يحدث بلا فائدة..
الصباح أتى بسرعة.. فتحت مهرة عيونها على ضوضاء لا تعرف مصدرها.. اعتدلت بالفراش الغريب وللحظة ظلت لا تعرف أين هنا
وأخيرًا تذكرت ما كان بالأمس.. عنان والمشفى وهنا.. غرفة رحيم قبل أن ينفصل لفيلته الخاصة..
عنان لم توافق على تركها تعود البيت وحدها..
تراجعت بالفراش ولم تنهض.. الطبيب أخبرها بالتزام الراحة لتجنب الولادة المبكرة
أغمضت عيونها ثم فتحتها من الضوضاء.. استعادت بعض من قوتها ونهضت للنافذة ورأت السبب..
أيلا كانت تسبح بحمام السباحة مع سحر، هل أرسلت للمربية أيضا؟
نظراتها لفت المكان لترى عنان تجلس بجوار حمام السباحة تتابع حفيدتها بابتسامة واسعة.. هل هو حلم؟
اهتزاز الهاتف جعلها ترتد لتبحث عنه ووجدته بحقيبتها فجذبته لتجيب زوجها الذي نفخ بقوة عندما أجابته "رحيم"
ترك الرجال التي كانت تقف حوله وابتعد "وأخيرًا مهرة، كيف حالك حبيبتي؟ ما الذي أصابك؟"
جلست على طرف الفراش وقالت "تعبت بالنادي ووالدتك لم تتركني، هي أصرت على بقاءنا هنا رحيم وأنا لا أعرف ماذا أفعل؟"
السيجارة رافقته والدخان خرج من فمه بتوتر "هل ضايقتك بشيء؟"
أجابت بصدق "لا بالعكس، لم تتركني لحظة وساعدتني حتى الفراش والآن هي بالأسفل مع أيلا وسحر معهم"
جذب نفس عميق من السيجارة ثم أطلقه دخان كثيف وقال "أخبرتك أنكِ ستحققين الفوز مهرتي، من الأفضل لكم البقاء معها حتى أعود، تعلمين تعقد الأمور هنا"
تفهمت القلق الذي يسكنه فقالت "أعلم حبيبي، لا تقلق سنكون بخير، أعدك ألا أضايق والدتك بأي شكل"
ابتسم وقال "أنتِ لا تعرفين كيف تضايقين نملة، حافظي على نفسك لأجلي ملاكي"
قالت بحب "سأفعل حبيبي وأنت أيضا"
أغلقت وفزعت من صوت عنان خلفها "صباح الخير"
عنان دقت الباب ودخلت دون أن تنتبه مهرة ووقفت دون قصد تسمعها وهي تخبره أنها لن تضايقها..
بكل مرة تواجه أخطاءها عندما حكمت على امرأة دون أن تعرفها..
نهضت واقفة لرؤية حماتها، قلبها يدق بسرعة وقوة وعنان تتقدم منها وتقول "لم تسمعي دقاتي على الباب، كيف حالك الآن؟"
ارتجف جسدها كله، ولكنها شبكت يداها كي لا تكشف نفسها وقالت "بخير، شكرا لحضرتك وآسفة لإزعاجك"
وقفت أمامها، عنان امرأة أنيقة جدا، جميلة، عمرها لا يظهر عليها، ظلت تواجه مهرة حتى قالت "توقفي عن الأسف، أنتِ لم تزعجيني، أم محمد ستصعد بحقيبة ملابسك لتستبدلي تلك الملابس فقد أرسلت بطلبهم من بيتك وبعدها تعودي للفراش كما قال الطبيب"
ظلت ثابتة، تحاول أن تفهم تصرفات المرأة حتى قالت "هذا كثير، ربما يضايقك وجودنا"
لكن عنان قالت بثبات "لو ضايقني ما أبقيتكم، ماذا ستفعلين بمدرسة أيلا؟"
تنبهت وقالت "السائق سيتولى أمرها، فقط لو أمكن إحضار ما يخصها من البيت"
قالت وهي تلف لتذهب "سحر فعلت"
وتحركت لتذهب ولكن مهرة نادتها "مدام عنان"
توقفت المرأة دون أن تلتفت فقالت مهرة "شكرًا لأنكِ لم تتركيني وحدي"
الكلمات رحلت لقلب المرأة ومع ذلك لم تلتفت وهي تقول "أنتِ تحملين أولاد ابني ومن واجبي رعايتهم بغيابه"
وتركتها وخرجت وسقطت مهرة على الفراش تحرر أنفاسها، تغمض عيونها، تضع يدها على بطنها، تربت على أولادها وهي لا تصدق أن عنان، المرأة التي أعلنت عداوتها لها من أول لحظة سمعت عنها، هي من تفعل معها كل ذلك الآن
باليوم الثالث تحسنت كثيرا وتجرأت عندما نزلت بالصباح الباكر لرؤية أيلا وهي ترحل للمدرسة وعنان تتابعها بابتسامة مشرقة
التفتت عنان لمهرة وانسحبت ابتسامتها.. لم تتواجه المرأتان إلا بكلمات الاطمئنان ثم تتركها عنان بالفراش وتذهب والآن..
لم تعرف مهرة ماذا تفعل فالتفتت لتعود غرفتها لكن عنان قالت "سأتناول الإفطار بغرفة الطعام، من هنا"
وتحركت ومهرة تلتفت لها والدهشة ما زالت تزداد داخلها..
جلست بجوارها وهي تترأس المائدة، تابعت طريقة مهرة بتناول الطعام، متى وكيف تعلمت ذلك ابنة..
تراجعت.. والدها لم يكن سائس بل مدرب فروسية.. كل شيء يخبرها أنها كانت خطأ
انتهت مهرة بقليل من الطعام ولاحظت عنان فقالت "أنتِ لم تتناولي شيء؟"
بصعوبة رفعت عيونها لها "معدتي لا تتقبل شيء، حضرتك تعرفين الحموضة بتلك الشهور"
نعم. لا..
رحمة لم تكن تشاركها شيء.. كانت تعيش شهور الحمل بعملية، تسافر كثيرا مع زوجها
ظلت تنظر لها وقالت "وليس لديكِ دواء لذلك؟ الأطفال بحاجة لغذاء"
ولم تقل وأنتِ كذلك
أخفضت مهرة عيونها، لكم تمنت أن تكون والدتها معها بتلك المرحلة
قالت "لدي، سأصعد لتناوله، كنت أرغب بطلب"
منحتها اهتمامها فقالت "هل تسمحين للسكرتيرة خاصتي واثنان من المساعدين بأن يأتوا هنا لمناقشة بعض أمور العمل معي؟"
كادت تثور بوجهها وتغضب لكنها تراجعت وتأنت قائلة "هل تجدين نفسك قادرة على ذلك؟"
هزت رأسها وقالت "بعد الراحة التي نلتها بفضل حضرتك فنعم، وحضرتك تعرفين العمل خاصة ورحيم غير موجود"
هزت رأسها وقالت "حسنا، بجوار غرفة الطعام غرفة أخرى، هي مكتب والد رحيم رحمه الله ورحيم كان أيضا يستخدمه، يمكنك استخدامه"
ونهضت تاركة مهرة بحيرتها ونظراتها تتبعها ومن داخلها لم تعد تفهم تلك المرأة ولا تصرفاتها
لكن..
عنان كانت تراقب مهرة.. كل كلمة، كل تصرف..
حتى وهي بين الموظفين كانت تقف خارج الشرفة تسمعها وهي توجههم، تتعامل معهم بطريقة مثيرة للاهتمام
كانت تأمر بطريقة بسيطة، تمنح أفكار عبقرية ومثيرة للإعجاب..
ابتعدت للحديقة وجلست وذهنها يعيد حساباته..
مهرة تجذبها بشكل غريب وليس فقط ابنتها الصغيرة.. وهي لا تعلم إلى أين ستصل الطرق بها..
عندما انتهت جلسة العمل كانت عودة أيلا التي أشاعت الضوضاء بالبيت ومهرة تحاول منعها وعنان لا توقف الفتاة بل مبتسمة وكأنها سعيدة أن الفتاة أعادت الحياة للبيت
الغداء كان على نفس المستوى وعنان تتابع رعاية مهرة لابنتها وطريقة تعاملها معها، كانت كما قالت عزة، راقية حقا..
سألت فجأة "من علمك كل ذلك مهرة؟ أقصد ذلك.."
وأشارت للطعام ومهرة فهمت والاحمر كسا وجهها وهي تقول "ماما، عندما كان بابا يصحبنا معه بالمسابقات كنا نلتقي بأشخاص من كل المستويات وماما كانت تعرف كيف تتعامل معهم وهي من علمني"
سألتها مرة أخرى "وأين هي؟"
وضعت رأسها بالطبق وقالت "صارعت السرطان منذ عدة سنوات ثم رحلت"
وسقط الصمت..
عادت عنان تقول "عرفت أنكِ كنتِ فارسة ماهرة"
ابتسمت للذكريات وقالت "كنت أحب الفروسية وسباقات الخيل، بابا هو من تولى تدريبي ولكن الزواج والحمل بالطبع جعلوني أتوقف"
تدخلت أيلا "لقد جعلتني مامي أركب حصان بالنادي، وعدتني أن تجد لي مدرب لأكون مثلها"
واجهتها عنان "وأنتِ ترغبين بذلك؟"
هتفت "جدا تاتا، أتمنى لو يكون لي فرس خاص بي وأفوز به كل السباقات مثل مامي"
ابتسمت مهرة وصمتت عنان وهي تراقب مهرة تهمس لأيلا بكلمات توعية بطريقة سهلة وبسيطة.. لكن أعجبتها
اليومين التاليين تراجعت الحواجز أكثر وعنان منحت مهرة مساحة أكبر، كانت تحب التحدث معها، وجدتها مثقفة، بسيطة، مؤدبة
لا مكان للتعالي أو الغرور كزوجة رحيم العزايزي..
بل فقط مهرة النادي..
مهرة نفسها أحبت المرأة، وجدتها غير ما كانت تظنها، هي فقط كانت تقيم الحواجز بينهم كنوع من التحفظ لخلفيتها عنها
لكن الآن الكثير بدأ يتبدل..
كانت العاشرة عندما دخلت الفراش بعد أن نامت أيلا بالغرفة التي منحتها لها عنان وسحر معها.. تمددت وهي تنتظر مكالمة رحيم، منذ الصباح وهاتفه مغلق ولم يهاتفها..
كان يوم متعب مع أيلا فغدا التقييم النهائي لنهاية العام وهي ذاكرت لها حتى شعرت بالتعب يهاجمها بدخول عنان التي غضبت وأجبرتها على إنهاء الأمر والعودة لفراشها
ذلك الاسبوع جعلها تتعلق بعنان بشكل غريب، ربما لأنها وجدت من يهتم بها غير زوجها وربما لأنها وجدت بها الأم التي رحلت..
كان الليل قد تجاوز منتصفه عندما توقفت سيارته أمام الفيلا ومسلم يفتح له لينزل..
أم محمد فتحت له وقالت "الحمد لله على سلامتك يا بيه"
لف بوجهه حوله وقال "شكرا أم محمد، أين مهرة؟"
قالت من بين النعاس "بغرفتك القديمة يا بيه، الهانم جعلتها تدخل لترتاح فقد.. "
ولم ينتظرها وهو يتحرك للأعلى قافزا السلالم والقلق يدب داخله بقوة وعندما فتح الباب فتحت عيونها وكأنها كانت تشعر به..
هتفت "رحيم"
كان بجوارها قبل حتى أن ترمش يساعدها ليأخذها بأحضانه وقد قتله القلق عليها وعلى أطفالهم
استمتعت بقبلاته وأحضانه واستعادت روحها بعودته وهو يرفع وجهها له ويتأمل ملامحها "اشتقت لكِ مهرتي، افتقدتك جدا وكاد القلق عليكِ يمزقني"
ابتسمت وقالت بصدق "لم يكن عليك القلق حبيبي، أخبرتك أن والدتك ترعاني جيدا"
ظل وجهها بين راحتيه وهو يحاول استيعاب ما تقول وقد ظن أنها كانت تخبره ذلك كي لا يقلق "مهرة.. "
قرأت ما بداخله فابتسمت وقالت بصدق "صدقني رحيم، والدتك كانت تعاملني أفضل معاملة.. "
جذب وجهها لصدره ولفها بذراعيه والراحة أخيرا حلت محل القلق وهمس "الحمد لله أنكم بخير حبيبتي"
عنان رأت سيارته، عرفت بوصوله ولكنها أدركت لهفته على زوجته المريضة ورغم غيرتها لأنه اختار زوجته إلا أنها تفهمت أن ما بينه وبين مهرة ليس نزوة ولا مرحلة وستنتهي كما صورتها نارا..
ما بينهم حب، رأته بنظرات مهرة عندما تتحدث عنه وبتصرفات رحيم وتمسكه بها..
جلست وهي قد انتهت من إعادة حساباتها و..
دقات خفيفة على الباب جعلتها تنتبه وتنهض لتفتح فرأته وابتسمت..
كعادته انحنى ووضع قبلة على وجنتها وقال "ظننتك نائمة لكن مهرة أخبرتني أنكِ تفضلين القراءة وستكونين سعيدة برؤيتي"
تفهمت أنه يخبرها أن زوجته من أصرت على أن يأتي لرؤيتها..
لقد فهمت، ربما متأخر، لكن فهمت من هي تلك الفتاة، بل المرأة التي تزوجها ابنها
قالت "بالطبع حبيبي سعيدة بك وبوجودك هنا لكنك بحاجة للراحة، اذهب وسأراك بالصباح"
وضع قبلة أخرى على وجنتها ثم قال "شكرا لرعايتك لهم بغيابي، أحبك"
وتحرك عائدا لغرفته وهي ابتسمت مغلقة الباب خلفها سعيدة أنها منحت ابنها السعادة التي رأتها بعيونه..
أيلا أثارت ضوضاء كبيرة لأجل رحيم حتى رحلت للمدرسة وارتدوا ثلاثتهم لصالة الجلوس ورحيم يقول "ماما نحن سنرحل بمجرد عودة أيلا من المدرسة، لقد أزعجناكِ بما فيه الكفاية"
تجهم وجه عنان.. ومهرة لاحظت ذلك ولكنها لم تتدخل، رحيم رغب بذلك وهي لا تعترض ولكن عنان لها رأي آخر "هل ضايقك وجودك هنا مهرة؟"
شحب وجه مهرة وأسرعت تجيب "بالعكس حضرتك.. "
قاطعها رحيم "مهرة لا علاقة لها بالأمر ماما، فقط أنا بحاجة للعودة للبيت، تعلمين أن كل ما يخصني هناك"
هي تعلم ذلك، انفصاله ليس بسبب مهرة، بل كان قبل ذلك بكثير، تنهدت وقالت "زوجتك متعبة وبحاجة للراحة وابنتك بحاجة لرعاية"
ابتسم وقال "سأفعل، لقد انتهيت من زحمة العمل وسأمنحهم وقتي كله حتى يرحل هذا الشهر"
رفعت عيونها لمهرة، لكن مهرة ظلت تنظر لأصابعها، هل ترغب بالذهاب؟
تبدل الحديث وهاتفه جذبه فنظرت مهرة لها وقالت "أنا لن أنسى كل ما فعلتيه معي بذلك الاسبوع، سأظل مدينة لكِ"
حدقت بها عنان بقوة وهي تقول "لذا ترغبين بالذهاب بمجرد عودته"
هزت رأسها وقالت "صدقيني هي رغبته، لكن بالتأكيد أيلا ستقنعه بالعودة مرة أخرى، أو ربما.. "
وسكتت ..
خشيت أن تكمل ولكن عنان سألتها "أو ماذا؟"
تشجعت وقالت "ربما حضرتك تفكرين بقضاء يوم أو.. أو أكثر معنا"
كانت تقترح وقلبها يضرب بقوة، ولسانها يعارضها بالاقتراح وعنان لم ترد، اختارت الصمت..
الفصل