كانت واقفة في نص الزحمة، بس حاسة إن الدنيا كلها فاضية… لحد ما عينه جت في عينها بالغلط، ومن ساعتها والغلط بقى أحلى حاجة حصلت في حياتها.
ملك كانت مستعجلة كالعادة. شنطتها على كتفها، وفي إيدها مج كوباية القهوة الورق اللي اتدلقت نصها وهي بتجري على المترو. الساعة 8 الصبح في محطة الشهداء، والزحمة عاملة زي خلية نحل بس من غير عسل.
الـAirPods في ودانها ومش سامعة غير أغنية قديمة لأم كلثوم، بتحاول تفصل عن دوشة الناس. خبطت في كتف واحد وهي مش واخدة بالها.
“آسفة جداً” قالتها وهي لسه باصة في الأرض وبتعدل الشنطة.
مردش. رفعت عينها عشان تعتذر تاني، بس الكلمة وقفت في زورها.
كان واقف قدامها شاب لابس بدلة كحلي، ماسك في إيده جرنال وفوقه نضارة شمس. ملامحه هادية بس فيها حاجة غريبة… كأنه كان بيدور على حاجة ولقاها فجأة.
اسمه محمد. ده اللي عرفته بعدين من الـID اللي كان متعلق في جاكيت البدلة.
فضلت العيون متعلقة حوالي 3 ثواني، بس الـ3 ثواني دول كانوا كفاية إن قلبها يعمل Error.
صوت المترو قطع اللحظة. الناس بدأت تتدافع عشان تركب وهو اتحرك خطوة بعيد.
ملك ركبت في العربية اللي قدامها، وهو ركب في اللي وراها. بالصدفة شافته من الشباك اللي بين العربيتين. كان بيبص في الجرنال، بس كل كام ثانية يرفع عينه يبص ناحيتها ويعمل نفسه مش واخد باله.
نزلت محطة العتبة وهو نزل وراها. مشي في نفس الشارع بتاع شركتها. قلبها بدأ يدق جامد… معقول يكون شغال هنا؟
دخلت الكافيه اللي بتجيب منه قهوتها كل يوم قبل الشغل. طلبت “لاتيه من غير سكر”. لفت لقت واقف وراها في الطابور.
قال للكاشير: “اتنين لاتيه من غير سكر”.
بصتله باستغراب. ابتسم نص ابتسامة وقال: “أصلي سمعتك وانتي بتطلبي… قلت أجرب حظي، يمكن يطلع حلو”.
أخدت قهوتها ومشيت بسرعة. بس قبل ما تطلع من الباب سمعته بيقول: “على فكرة… القهوة من غير سكر طلعت مرة فعلاً. بس الغلطة كانت حلوة”.
ملك روحت المكتب اليوم ده وهي مش مركزة في ولا كلمة. اسمها ملك الشريف، 26 سنة، جرافيك ديزاينر في شركة دعاية. حياتها روتين: شغل، بيت، كام مسلسل تركي، وتنام. مفيش جديد من سنتين، من ساعة ما خطوبتها اتفركشت.
أما محمد الهواري، 29 سنة، كان محامي في مكتب كبير في نفس العمارة اللي فيها شركتها. الدور العاشر. وهي الدور السابع. 3 أدوار فرق، بس كانوا كفاية إنهم ميقابلوش بعض لمدة سنتين كاملين.
لحد اليوم ده.
تاني يوم، الساعة 8 بالظبط، كانت واقفة في نفس المكان في المحطة. بتكدب على نفسها وتقول صدفة. شافته جاي من بعيد، بنفس البدلة الكحلي. المرة دي كان هو اللي خبط فيها بالغلط.
قال وهو بيعدل نضارته: “شكلي أنا اللي لازم أقول آسف النهاردة”.
ردت وهي بتحاول تبان طبيعية: “ولا يهمك… محطة الشهداء دي أصلاً معمولة للخبطات”.
ضحك: “طب واللاتيه؟ لسه مُر؟”
“جداً”.
“يبقى لازم تجربي تشربيه معايا، يمكن يبقى أحلى”.
سكتت. قلبها قال “اه”، وعقلها قال “انتي هبلة؟ ده واحد متعرفيهوش”.
في الآخر قالت: “أنا مبركبش المترو مع ناس معرفهاش”.
مد إيده بالكارت بتاعه: “محمد الهواري، محامي استئناف. أديني عرفتك بنفسي… تركبي بقى؟”
أخدت الكارت وحطته في شنطتها من غير ما تبص فيه.
“نشوف الموضوع ده بعدين”. وركبت المترو.
من اليوم ده بقى في “بعدين” كتير.
بقوا يتقابلوا كل يوم 8 الصبح. صدفة مترتبة. يشربوا اللاتيه سوا وهما واقفين. يتكلموا عن الشغل، عن الزحمة، عن أم كلثوم اللي بتسمعها. عمره ما سألها “مرتبطة؟” وهي عمرها ما سألته.
لحد ما في يوم مجاش.
ملك فضلت واقفة مستنياه لحد 8 ونص. اللاتيه برد في إيدها. لأول مرة تحس إن اليوم ناقص.
تاني يوم مجاش برضو. تالت يوم… ولا الهوا.
اليوم الرابع، وهي طالعة شغلها متأخر وعينها منفخة من قلة النوم، لقت ورقة متعلقة على باب الكافيه:
“اللاتيه المرة بيحلي لما يتشرب مع حد. آسف إني اختفيت… كان عندي قضية سفر. هتلاقيني مستنيكي بكرة 8 الصبح، نفس المكان. – م”
ملك مسكت الورقة وابتسمت غصب عنها. طلعت الموبايل واتصلت بالرقم اللي على الكارت اللي كان مرمي في شنطتها بقاله أسبوع.
رن مرة… اتنين…
“ألو؟”
صوته.
سكتت ثانيتين وبعدين قالت: “القهوة من غير سكر لسه مرة… بس أنا اتعودت”.
سمعت ضحكته في السماعة: “طب اتعودتي عليا؟”
“لسه بفكر”.
“طب فكري وانتي بتشربي اللاتيه بكرة… معايا”.
وقفلت.
تاني يوم الساعة 7:55 الصبح، ملك كانت واقفة قدام الكافيه. لابسة جاكيت جينز فوق دريس أسود بسيط، وشعرها ملموم كحكة مهملة. قلبها بيعمل درامز.
8:00 بالظبط.
الباب اتفتح وخرج محمد. نفس البدلة الكحلي، بس المرة دي من غير الجرنال. في إيده كوبايتين لاتيه.
مدلها واحدة وقال: “من غير سكر… زي ما بتحبي”.
أخدتها وهي بتحاول تداري ابتسامتها: “وافرض كنت مش جاية؟”
“كنت هفضل واقف لحد 9… وبعدها هطلعلك المكتب الدور السابع أعملك محضر إزعاج سلطات”.
ضحكت بصوت عالي. أول مرة تضحك من قلبها من شهور.
“بقولك إيه يا متر” قالتها وهي بتاخد رشفة، “هو انت كل القضايا بتاعتك بتكسبها بالإصرار ده؟”
“لأ، القضايا بكسبها بالورق. إنما انتي… شكلي هكسبك باللاتيه المُر”.
وشها احمر وسكتت. هو كمان سكت، بس العيون كانت بتتكلم.
من اليوم ده، بقى في طقس مقدس اسمه “8 الصبح”.
يتقابلوا، يشربوا القهوة، يتمشوا 5 دقايق لحد باب العمارة، وكل واحد يطلع على شغله. 5 دقايق بس، بس كانت بتظبط مود اليوم كله.
محمد طلع دمه خفيف عكس البدلة الرسمي. بيحكي لها عن مواقفه في المحكمة، وهي بتحكيله عن العميل اللي عايز لوجو “يحسسك بالفرح والحزن في نفس الوقت”.
لحد ما جه يوم الخميس.
ملك كانت نازلة متأخر ربع ساعة عشان كانت سهرانة تخلص ديزاين. وصلت الكافيه 8:15، لقت محمد واقف وماسك اللاتيه، وجنبه واقفة بنت.
بنت طويلة، شعرها أصفر، لابسة فورمال وضحكتها واصلة لآخر الشارع. كانت ماسكة كوباية محمد وبتدوق منها وبتقوله: “يعع، إيه القرف ده يا محمد؟ من غير سكر إزاي؟”
ملك وقفت مكانها. حست بكوباية اللاتيه اللي في إيد البنت دي المفروض بتاعتها هي.
محمد شافها، ارتبك ثانية وبعدين ابتسم: “ملك، أعرفك بـ سلمى، زميلتي في المكتب. كنا نازلين محكمة سوا”.
سلمى بصت لملك من فوق لتحت وقالت بدلع: “أه، انتي بقى بتاعة اللاتيه المُر؟ محمد حكالي عنك”.
حكالي عنك؟
الجملة دي ضربت في دماغ ملك زي القنبلة. يعني بيحكي لزمايله عنها؟ وبيقول إيه؟
ملك رفعت حاجبها وقالت ببرود: “لا أنا بتاعة المواعيد المظبوطة، مش اللاتيه. عن إذنكم اتأخرت على شغلي”.
وسابتهم ومشيت من غير ما تاخد قهوتها.
محمد نده عليها:
“ملك استني!”
بس هي كانت خلاص دخلت العمارة وقلبها مولع.
طول اليوم في المكتب وهي مش طايقة نفسها. كل ما تفتكر منظر سلمى وهي بتدوق من كوبايته دمها يفور. “هو أنا اتجننت؟ ده واحد بقالنا أسبوعين بنشرب قهوة سوا، أنا بغير ليه؟”
الساعة 5 المغرب، موبايلها رن. رقم غريب.
“ألو؟”
“أنا سلمى، زميلة محمد. ممكن نتقابل 10 دقايق تحت؟ في حاجة عايزة أقولهالك بخصوصه”.
ملك بصت للموبايل بصدمة. “بخصوصه؟” هي وصلت لكده؟
قالت بنبرة هادية وهي بتغلي من جوه: “نازلة”.
نزلت لقت سلمى واقفة مستنياها وجنبها محمد، واقف بعيد شوية ووشه مقلوب.
سلمى بدأت كلام: “بصي يا ملك، أنا ومحمد نعرف بعض من 7 سنين. اتخطبنا 3 سنين وفركشنا من سنة عشان الشغل والمشاكل. بس لسه زمايل وبنحترم بعض”.
ملك بصت لمحمد، كان باصص في الأرض وساكت.
كملت سلمى: “الصبح لما شفتك فهمت إنك معجبة بيه. فقلت أكلمك زي الأخوات… محمد لسه مش جاهز لعلاقة جديدة. فبلاش تعشمي نفسك وتتعبي”.
الدنيا اسودت في وش ملك. مش عشان كلام سلمى، عشان محمد ساكت. ساكت ومش بيدافع، مش بيقول “دي مجنونة” ولا “ملكيش دعوة”. سكوته كان اعتراف.
ملك بصت لسلمى وابتسمت ابتسامة باردة: “شكراً على النصيحة يا… أخت. بس أنا بشرب اللاتيه بتاعي مُر، وبحب حياتي مُرة لوحدي. فمتقلقيش، مش هعشم نفسي”.
وبصت لمحمد: “والكوباية المرة بتاعتك اشربيها انتي… أنا أصلا بطلت قهوة”.
سابتهم وطلعت تاكسي وروحت. لأول مرة من سنين تعيط.
تاني يوم مراحتش 8 الصبح. ولا اللي بعده. قفلت موبايلها. أسبوع كامل بتروح الشغل من طريق تاني وبتمشي 7 ونص عشان متشوفوش.
يوم الخميس اللي بعده، وهي مروحة متأخر من الشغل الساعة 9 بالليل، لقت محمد واقف تحت العمارة بتاعتها. دقنه طويلة، وكرافتته مفكوكة، وشكله مرهق.
أول ما شافها قال: “كنتي فين؟”
“في الدنيا” ردت وهي مكملة مشي.
مسك دراعها وقفها: “ملك استني، لازم تسمعيني”.
شالت إيده: “أنا سمعت كفاية من سلمى. مبروك عليكم اللاتيه المسكر”.
“سلمى كدابة!” قالها بصوت عالي، “إحنا فركشنا من سنة وانتهينا. وهي اللي اتدخلت من نفسها لما شافتنا الصبح. أنا كنت ساكت عشان مصدوم من بجاحتها، مش عشان كلامها صح”.
ملك سكتت وبصتله.
كمل وهو بيتنهد: “أنا غلطت إني مسكتش سلمى، وغلطت إني محكيتلكيش من الأول. بس أنا خفت… خفت تفتكري إني لسه متعلق بيها فتبعدي”.
الشارع كان فاضي والصمت تقيل.
ملك قالت بهدوء: “وانا غلطت إني غيرت. بس غيرت عشان… عشان اتعودت على اللاتيه بتاعي، ومبحبش حد يلمسه”.
محمد ضحك نص ضحكة من بين تعبه: “طب والعمل؟ نرجع 8 الصبح؟”
ملك هزت راسها: “لا… 8 الصبح دي بقت ذكرى مش حلوة. لو عايز نبدأ، نبدأ 7 بالليل… بقهوة تانية غير اللاتيه المُر. موافقة؟”
عينيه لمعت: “موافقة على إيه بالظبط؟”
“موافقة أدي الغلطة الحلوة فرصة تانية… بس المرادي بسكر، ومفيش سلمى في النص”.
طلع من جيبه كوباية قهوة ورق مقفولة: “جبتلك هوت شوكليت… بسكر زيادة. بقالها ساعة في إيدي مستنيكي”.
ملك أخدتها وشربت رشفة. مسكرة أوي.
قالتله: “مش بحب المسكر”.
قالها: “هتتعودي”.
ووقفوا تحت العمارة يشربوا هوت شوكليت الساعة 9 بالليل، والشارع فاضي، وبداية جديدة بتتكتب… عادية، لا هي سعيدة أوي ولا حزينة أوي. بس حقيقية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!