الفصل 26 | من 40 فصل

رواية غريب في وطنه الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم الكاتبة : جيّـم

المشاهدات
18
كلمة
4,374
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

-

جلست بالحديقة وهي تنظر للقصر الكبير الذي كان رمزًا لدفء هذه العائلة التي رحبت بها واستقبلتها، لم تشعر يوماً بأنها غريبة عنهم على الرغم من انها في بلد غريب بالنسبة لها، لكن شعرت بالانتماء لهذا القصر، تذكرت اللحظات السعيدة التي عاشتها فيه، ضحكاتها هي وملاك التي اعتبرتها أُخت لها، وحضن لطيفة الدافئ الذي يمنحها الأمان، عساف الذي يحضر لها طعاماً لذيذاً، العائلة بالنسبة لمادلين ليست أشخاص كُثر موجودون فقط في التجمعات العائلية، بل هم مصدر للحب والدعم لمجابهة الحياة وتحدي الصعاب، ذرفت دمعة من عينيها وهي تشعر بألم شديد على مفارقة عائلتها الثانية، شعرت بشخص يجلس بجوارها التفت لترى عساف الذي يضع أمامها كوب البابونج وهو يقول : كنت أعلم أنك هنا
ابتسمت بخفة وهي تمسح دمعتها سريعًا حتى لا يراها، لكنها لم تستطع إخفاء الحزن في عينيها، جلست صامتة للحظة، تنظر إلى كوب البابونج الذي أمامها، ثم رفعت عينيها إلى عساف، الذي كان يراقبها بنظرة مليئة بالفهم والدفء
قالت بصوت خافت: سوف أشتاق…، نظرت لعينيه البُنية الحادة وحواجبه الكثيفة سوف تشتاق لهذه العيون التي تنظر لها بكل حُب واهتمام وحنيّة، سوف تشتاق للكوب البابونج الذي يُقدم لها كل ليلة، سوف تشتاق لسؤاله الدائم عن حالها، سوف تشتاق لرؤيته في عملها ومنزلها، سوف تشتاق له كثيراً وكأن رُوحها أصبحت مُتصلة بروحه.
عساف غير مدرك لما يدور في ذهنها، راقبها بصمت قبل أن يقول بابتسامة دافئة: أنتِ هادئة اليوم أكثر من المعتاد، هل هناك ما يشغل بالكِ؟
هزت رأسها بخفة ونظرت بعيداً عنه، تنهد عساف ووضع يده بلطف على الطاولة، وكأنه يحاول يمنحها بعض الطمأنينة، ثم قال بصوت هادئ: اعلمي، أنك لست وحدك يا مادلين، نحن هنا دائماً بجوارك
ابتسمت رغم الألم الذي في قلبها، فلطالما كان عساف يعرف كيف يخفف عنها، كيف يجعلها تشعر أن هناك دومًا ملجأ، حتى لو كانت بعيدة
أخذت رشفة من البابونج، تشعر بدفئه يتسلل إلى داخلها، كما لو كان جزءًا من هذا البيت الذي تحبه، نظرت إلى القصر مرة أخرى، محفورة في ذاكرتها كل اللحظات التي عاشتها هنا. ثم نظرت إلى عساف وقالت بابتسامة صغيرة: شكرًا لأنك دائمًا تعرف أين تجدني
ضحك عساف بخفة وقال: وكيف لا؟ أنتِ جزء من هذا المكان تمامًا كما هو جزء منك
ساد الصمت بينهما، لكنه كان صمتًا مريحًا، صمتًا مليئًا بالكلمات التي لا تُقال، لكنه يُفهم
-
في وقت متأخر من الليل، جالس في غرفته في مكتبه أمامه اللاب توب مفتوح على رسائل الايميل ينتظر رسالة، وبجواره ملف أسود عليه صورة رئيسه السابق " عدنان"، وبعض المعلومات عن تاريخه، لكن المعلومات المهمة والسرية تم تغطيتها بـ قلم أسود
أصدر اللاب توب صوت إشعار، فتح الايميل الذي جاءه من شخص مجهول " وصلتك الملفات. هذه آخر تحركاته، والتحويلات البنكية المشبوهة. لا تراسلني هنا مجددًا!!"
فتح عساف الملفات التي كانت عبارة عن تحويلات لمبالغ مادية ضخمة إلى رئيسه، بحث عن تاريخ يوم تسريحه من الجيش واكتشف انه تم تحويل مبلغ ٣ مليون مقابل خسارة ٣٠٠ شخص، قبض على يده بقوة من شدة غضبه، دخل للملف الآخر الذي يحمل تسجيلات مراقبة لَآخر تحركات رئيسه، لاحظ أن كل الكاميرات التقطت رئيسه بشكل جيد وهذا يعني أن كل الأدلة المُقدمة له مُزيفة ومُدبرة له من قبل رئيسه، سحب شعره للأعلى لا يعلم ماذا يفعل فهذا رابع شخص يطلب منه معلومات عن رئيسه وتطلع مزيفة، ناظر نفسه بالمرآة ما يعرف كيف يجيب حق ثامر من هذا الشخص المختبئ خلف نفوذه القوية.
-
ثاني يوم الصباح، دخل رجل كبير بالسن ومعه طفله الذي يبلغ من العمر ٦ سنوات للعيادة، ابتسمت دكتورة مادلين ورحبت بهم وقالت للطفل بلطافة : كيف حالك الآن يا عمر؟
عمر كان مُتعب واكتفى بهز رأسه
مادلين عقدت حواجبها ونظرت للوالد الذي بادر بالحديث : حرارته مرتفعة ولا يستطيع التحدث كثيراً، - مد لها ملف - هذه تحاليل دم، دكتور راشد عملها له لكن يقولون انها نزلة برد وانا أشعر انها ليست كذلك
مادلين هزت رأسها وبدأت تقرأ التحاليل، وعقدت حواجبها بخفة عندما رأت انخفاض في الصفائح وارتفاع في انزيمات الكبد وقالت : انه غير ممكن..
الوالد بقلق : ماذا هناك؟
مادلين وهي تكتب ورقة : أريد منك أن تعمل فحوصات أخرى للدم وانزيمات الكبد، وأشعة للمعدة، أعتقد أنه مصاب بمرض خطير جداً فـ أريد التأكيد من هذه التحاليل
الوالد تنهد وقال : طيب، وراح هو وولده للتحاليل
بعد مرور ساعتين، بين يديها نتيجة التحاليل والأشعة التي تُؤكد ظنها وقالت : انه يعاني من مرض غوشيه وهو مرض وراثي نادر يُؤثر على وظيفة الجسم في تخزين الدهون، في الجسم السليم المصدر الرئيسي والأول للطاقة هو الكربوهيدرات المخزنة في جسمنا بصورة جلايكوجين يتم تكسيره وتحويله للجلوكوز لإنتاج طاقة إذا انتهى هذا المخزون يذهب الجسم إلى المصدر الثاني للطاقة وهو الدهون ويتم تكسيرها وتحويلها إلى جليسرول وأحماض دهنية تنتج لنا الجلوكوز وتدخل في تصنيع مركبات مهمة في الجهاز المناعي والعصبي، في حالة ابنك
مادلين : في حالة ابنك جسمه لا يستطيع تكسير الدهون فالبتالي لا وجود للطاقة والجهاز المناعي والعصبي متضرر!!، والدهون متراكمة في الكبد والطحال لذلك تظهر الأشعة تضخم شديد في الطحال
الوالد بقلق : فيه علاج لهذا المرض؟!
مادلين بابتسامة : نعم، لكن يحتاج لمراجعة طبية مستمرة وأنا سأكون معكم في رحلة العلاج
الوالد بفرح : الله يسعدك يا دكتورة مادلين، الله يفتح لك أبواب رحمته
مادلين بابتسامة من الدعوة : آمين
خرج الوالد مع طفله، ومادلين ناظرت اللابتوب بتفكير " هذه ليست أول حالة من الدكتور راشد تكون خاطئة في التشخيص"، تذكرت السيدة التي كانت تعاني من الروماتويدي والآن طفل يعاني من مرض وراثي نادر!!، تذكرت أيضاً حديث الممرضات عن الدكتور راشد وأنه طبيب غير كفء، تنهدت بعمق من الشك الذي ساورها وقالت : يجب أن أبحث في هذا الموضوع أكثر!!، بما أنني سوف أذهب قريباً لن أتركه، وقفت بتخرج من مكتبها خل عساف وهو يحمل بيده كيس وقال : إلى أين؟
مادلين : لدي عمل
عساف وهو يدفعها لتجلس : لنأكل أولاً
مادلين وهي تحاول الذهاب : لا أريد
عساف وهو يمسك معصمها ويناظر عيونها الرمادية المُتعبة : لا أحب أن آكل وحيداً
مادلين تنهدت وجلست أمام اللاب توب عساف الذي وضع أمامها وجبتها وبدأ يأكل هو يعلم بأنها الآن في أقصى مراحل اكتئابها في هذه الحالة يفضل ازعاجها والظهور أمامها وكأنه يقول لها " أنا بجوارك" بطريقته الخاصة.
ناظر الملفات المفتوحة على شاشة اللاب توب وقال : لماذا تبحثين عن الحالات التي عالجها الدكتور راشد؟
مادلين وهي مركزة نظرها على الشاشة : أعتقد أنه يستغل عائلات المرضى ليكسب المال
عساف : ما الذي جعلك تعتقدين ذلك؟
مادلين بحزن : الطفل الذي خرج للتو من عيادتي كان إحدى مرضى الدكتور راشد، تخيّل أنه مصاب بمرض وراثي نادر، وتم تشخيصه بانفلونزا!!!، وغيرهم من الحالات
عساف وهو يقرب منها الأكل : هذا اعتقاد قوي جداً، لن يصدقك أحد
مادلين وهي تمسك الملعقة تأكل : أنا أعلم، لذلك أبحث عن دليل مادي
عساف ابتسم على جنب وهو يراها تأكل وقال : سوف أخبر مالك لأرى هل سمع شيئاً من الممرضات أو عائلات المرضى، مادلين هزت رأسها وهي تأكل، ابتسم عساف برضا لأنه جعل مادلين تأكل، وأرسل لـ فهد صورة لمادلين وهي تأكل خفية.

-

جالسة في قاعة الاختبار تنتظر الأوراق توصل، وتسمع مراجعات البنات وتوترهم قبل الاختبار لكن هي كانت محافظة على هدوئها الخارجي وتأكل شوكولاته وقالت بينها وبين نفسها : اللهم اني استودعتك ما حفظت فذكرني ما نسيت، اللهم أدخلني مدخل صدق واجعلني من لدنك سلطاناً نصيراً
انفتح الباب ودخل البروفيسور ومعه أوراق الاختبار وقال : يلا، اجلسوا، الله يوفقكم يارب، دخل يعقوب خلفه وقال : صباح الخير أستاذ تركي
تركي بابتسامة : الحمدلله، يعقوب بدأ يوزع الأوراق التفت للعيون اللي كانت تراقبه و ابتسم بخفيف وقال : بالتوفيق للجميع
أعطى ملاك الورقة وقال : الله يفتح عليكم
ملاك ابتسمت بخفة وهي تناظر عيونه اللي كانت عليها، وأخذت الورقة وبدأت تحل، أما يعقوب تأكد ان الكل أخذ ورق اجابة و ورق تظليل وبدأ يمشي بين الصفوف يراقب ويتأمل ملاك وهي تحاول تحل السؤال ومركزة في الورقة، ولما ما تعرف الحل وتحط يدها على خدها وتمد بوزها بتفكير، ضحك بخفة لما شافها تشرح لنفسها بالهواء، لاحظ بنات يحاولون يغشون من ورقتها وقف قريب منهم وقال : كل واحدة عينها في ورقتها، آخر مرة بسحب الورق
بنت : دكتور تركي راح يجي فيه سؤال
يعقوب وهو يناظر ورقة ملاك اللي شرحت فيها لنفسها بكل ذمة وضمير : طيب بكلمه مع ان الأسئلة واضحة، اخذ جواله واتصل وعينه على البنات اللي يحاولون يغشون، نزل الجوال وقال : الدكتور بيجي، - وقال بانزعاج - ممـا..، قصدي انتِ
ملاك رفعت عيونها له وقالت : انا؟
يعقوب : ايوا انتي تعالي في أول صف
ملاك هزت راسها وقالت : طيب، جلست أمام يعقوب بالصف الأول وقال يعقوب وهو يناظر البنات اللي خلف ملاك : ما يستاهل انك تخسرين درجاتك على اختبار
جاء دكتور تركي وقال : ايش الأسئلة؟، قرب من ملاك و أخذ ورقتها وبدأ يجاوب أسئلتهم ولاحظ أجوبة ملاك كلها صح وناظر ملاك وقال : ما شاء الله عليك حليتِ صح!!، ملاك ابتسمت بفرح
يعقوب شعر بأنه تضايق لأنها ابتسمت لغيره، ومشى يراقب الصفوف وعينه على ملاك.
مع مرور الوقت سلمت ملاك آخر واحدة وقالت : تفضل دكتور
يعقوب أخذ الورقة ولمس يدها بطرف اصبعه : كيف الاختبار؟
ملاك وهي تناظر يده : حلو مره
يعقوب وهو يحط الاوراق في ملف بني كبير : انتظريني في المواقف بكافئك بوجبة
ملاك ابتسمت باتساع وقالت : ايه، استاهل
خرجت ملاك وشافت صحباتها واقفين أمام قاعة الاختبار يراجعون الأجوبة، قربت منهم وقالت : كيف الاختبار؟
البنات : نص ونص
ملاك وهي تناظر يعقوب وهو يمشي بجوارهم : مره حلو الاختبار
صديقتها : اشوف المزاج عالي اليوم
صديقتها الثانية : مبسوطة عشان حفلة شيرين
ملاك ضحكت وقالت : ايه، شوشو، ودعت صديقاتها وراحت للمواقف

-

في بلد آخر تحديداً مدينة براغ، التي تتحول في الشتاء إلى لوحة فنية، شوارعها ومبانيها التاريخية وجسورها مغطاة بالثلج تمشي وهي مرتدية بنطلون بيج واسع، وبلوزة بيضاء، وكوت بني طويل وفوقه طرحة بيج وحول رقبتها شال صوف، وبجوارها محمد الذي يرتدي بلوزة صوف لونها بني غامق وفوقها جاكيت ثقيل وبنطلون بيج، وبجوارها محمد الذي يرتدي بلوزة صوف لونها بني غامق وفوقها جاكيت ثقيل وبنطلون بيج
بيان وهي ترتجف : ما قدرت تأخذ مدينة أدفئ؟
محمد : يعقوب هو الي حجز
بيان : تفف عليه، يبغى يجمدنا ويأخذ ورثنا هذا المحامي الخايس
محمد ضحك على بيان وقال : تعالي نأخذ قهوة نتدفى
بيان : لا خلاص!!، كل شوية أروح الحمام
محمد وهو يأخذ يد بيان ويدفيها بكفه : طيب، نأكل؟
بيان : أكيد، يلا ابحث عن مطعم
محمد أخذ جواله وبحث عن مطاعم قريبة منهم وبيان فتحت جوالها وصورت فيديو وقالت : هاي ملاك، أمس وصلنا ومن التعب ما فتحت الجوال وصليّ سلامي لخالة لطيفة وشوفي هذا محمد المتجمد يبحث لنا عن مطعم نأكل فيه الجو مره بارد!!، وقولي ليعقوب حتى لو تجمدنا ماراح ياخذ الورث!!
محمد ضحك على تعليق بيان وقال وهو يلف الشال حول رقبتها بإحكام : لا تخافين وانا معك، وأنهى كلامه بـقُبلة على جبهتها، ابتسمت بيان بسعادة من اهتمام محمد فيها، ومشيت معه
-
بعد بضع دقائق من المشي وسط الشوارع التي يغطيها الضباب الخفيف، توقف محمد فجأة وقال: وصلنا، هذا المطعم شكله كويس، دافئ ومريح
بيان نظرت من النافذة الزجاجية حيث تنبعث الأضواء الدافئة ورائحة الطعام الشهية، ثم قالت: ممتاز، بس أهم شيء عندهم شوربة ساخنة
دخلوا إلى المطعم، حيث استقبلهم النادل بحرارة وقادهما إلى طاولة بجانب المدفأة، جلست بيان بسرعة ومدت يديها نحو الدفء وهي تتنهد بارتياح: يا الله، أخيرًا شيء ينقذني من هذا البرد!
محمد جلس أمامها ويمد يده لـ المدفأة ويناظر عيونها البريئة والواسعة، وخديها المحمرتين بسبب البرد، بيان : محمد لا تناظرني كذا يخوف
محمد ضحك وأبعد نظره عنها وفتح يده سندت رأسها على كتفه وقالت وهي تفتح المنيو : ايش تبغى؟
محمد كان يمرر يده على كتفها ويناظرها ويحاول يعبث معها وبيان كانت تخجل من تصرفات محمد الغير معتادة عليها
بيان : خلاص محمد، الناس تناظرنا، التفت محمد للناس كانوا يناظرونهم بعُيون محبة وسعيدة لأجل هذا الثنائي وضحك وهو ينظر للقائمة: تمام، بس لا تنسين تصورين الأكل وترسلينه لملاك، عشان تعرف إنكِ ناجية حتى الآن من مؤامرة يعقوب الشريرة!

-

خرجت من المطعم بعد ما أكلت ويعقوب كان يتقدمها يمشي للسيارة وهي خلفه، لاحظ وجود مجموعة رجال التفت بطرف عينه للخلف يتأكد من وجود ملاك خلفه، لاحظت حركته وابتسمت بخفة وذهبت بجواره ومسكت طرف ثوبه، ملاك وهي تشوف السيارة قريبة منهم : شكراً
يعقوب ناظرها وقال : ايش!
ملاك سكتت وركبت السيارة، يعقوب صغر عيونه وقال وهو يجلس : الواحد لما يشكر يقولها بصوت عالي
ملاك سكتت وشغلت السماعات وحطت أغنية لـ شيرين، يعقوب ابتسم لـ تجاهلها وقال وهو يحط يده على الدركسون : حزامك!!
ملاك حطت الحزام وقالت : يلا، يعقوب حرك السيارة متجه للمنزل جاء له اتصال وقال : أهلا.. ايوا، تمام، ضروري الآن؟ - التفت لـ ملاك وتنهد - طيب، قفل وقال لـ ملاك : عندك شيء؟!
ملاك : لا
يعقوب وهو يلف السيارة عكس اتجاهه : ضروري أروح المكتب الآن، مضطر آخذك معي، ملاك ابتسمت بخفة لسبب تجهله
-
وصلوا لمكتب يعقوب ودخلوا وكان شبه فاضي في ثلاث او أربع أشخاص بالدور، ابتسم لهم يعقوب ودخل لمكتبه وخلفه ملاك، ملاك رأت ديكور المكتب الذي يعكس شخصية يعقوب، وترتيبه ودقته بالعمل، لاحظت ان مافيه كنبة وقالت لـ يعقوب : مافي كنبة في مكتبك ليه؟
يعقوب وهو يبحث بالملف : ما أبغى حياتي كلها تتمحور حول العمل
ملاك هزت رأسها وكملت تناظر الرفوف المعروض عليها شهادات يعقوب التعليمية ورخص عمله، ابتسمت بخفة تُرثي فيها نفسها، وصل يعقوب لـ حلمه وحقق ذاته، وبنى مستقبله، لكن هذا المستقبل ملاك مو موجودة فيه، تنهدت بضيق وقالت ليعقوب : راح تتأخر؟
يعقوب : اجلسي ارتاحي على المكتب، بروح سريع وجاي
جلست على الكرسي تلعب وتدور فيه، لفت نظرها القلم الموجود على المكتب بجوار الملف أخذته وابتسمت باتساع وهي تمرر اصبعها على اسمه " المحامي/ يعقوب بن سلطان"، تركت القلم ورأت دفتر صغير لونه أحمر استغربت لأنه مو من ألوان يعقوب المفضلة، وأخذت الدفتر بفضول وفتحته وكان مكتوب فيه " ١٠٠ طريقة لكسب حب ملاك"، ومحتوى الدفتر كان كله عن شخصية شيرين والأشياء اللي تحبها شيرين مثل الشوكولاتة، والمانجو والبطيخ، والكشري، والشاي الأخضر، لفت نظرها دائرة على " شقة في السطوح"، وابتسمت باتساع وهي تتذكر جلستهم في السطح وحفلة شيرين، ملاك سهل الواحد يكسبها لأنها بسيطة ما تتطلب الكثير لكن المشاعر اللي انخذلت بسببها هي السبب في انغلاقها على نفسها وعدم مسامحة يعقوب، دخل يعقوب وقال بتفاجئ : ايش تسوين؟!
لفت الدفتر له وقالت : ليه تحاول جاهد تكسب حبي؟
يعقوب بلل شفته وقال : لأن فهمت ليه يعقوب حبك؟!
ملاك عقدت حواجبها وقالت : ايش تقصد؟
يعقوب وهو يكتف يدينه : انتِ مو شخص عابر بالنسبة ليعقوب، انتِ حياة بالنسبة له، ووقع بحب وحده لها القدرة بأنها تغير مزاجه في ثواني، - فرقع اصبعه - من حزن لضحك، من ضيق لفرح، تؤنس وحشته - ناظر عيونها - وتكون عيونها وابتسامتها وطنه من الغُربة في هذه الدنيا، وأنا بكون وطنك في غربتك من يعقوب، لكن تسمحين لي أكون وطنك؟، ومد يده
ملاك ناظرت عيون يعقوب الناعسة بارتباك من مشاعرها المتضاربة في هذه اللحظة، " تسامحه وتطوي الصفحة؟؟"، هذا السؤال يتردد في عقلها حالياً، بلعت ريقها وأخذت نفس منتظم وقالت : أنتظرك بالسيارة
يعقوب قال بصوت مُترجي وكأنه يتمسك بآخر نقطة أمل لديه : ملاك!!، - التفت له بعيون حيرانه ومتربكة من مجرد التفكير بأنها تسلم قلبها وحياتها لـ شخص خذلها - أنا ما أتذكر يعقوب ايش عمل فيك لدرجة انك توصلين هذه الدرجة من الكُره، والخوف منه، وشعور الغُربة انك تناظرين عيوني تبحثين بداخلها عن حبيبك، أنا أقدر أقولك أن مشاعري اللي اشعرها اتجاهك في هذه اللحظة استحالة أنها تكون من فراغ!
ملاك تفاجئت من اعتراف يعقوب وقالت بهدوء وهي تنظر للدفتر : ممكن يكون هذا كافي كبداية لنا يا يعقوب؟
نظر يعقوب إليها بتفاجئ وفرحة ارتسمت على شفاته
تابعت ملاك وهي تتنهد: لكن هذا ما يعني أنني نسيت أو أنني أثق بك تمامًا، واللي حصل ترك جرح عميق في روُحي وأثر على شخصيتي، وماراح يمحيه مجرد دفتر أو كلمات، عشان أكون صريحة معك يا يعقوب، جزء مني لا يزال خائف منك ويتذكر الألم
اقترب يعقوب خطوة واحدة وسأل بصوت خافت : أفهم من كلامك، انك تعطيني فرصة أخرى؟
أخذت ملاك نفسًا عميقًا وقالت : أعطيك فرصة أخيرة - سكتت شوية - فرصة عشان تثبت لي أن هذا التغيير حقيقي، وأنه ليس مجرد محاولة لاستعادة شيء فقدته بسبب ذاكرتك وكل خطوة تخطيها تكون اختبار لصدق نواياك
مدت يدها ببطء وأخذت الدفتر من يده وقالت: راح أحتفظ بهذا ليكون تذكيرًا لك... ولي أيضًا، تذكيرًا بوعودك، وبالفرصة التي أعطيتك إياها - نظرت إليه مباشرة وقالت بجدية - لكن تذكر يا يعقوب، هذه فرصة واحدة، إذا خذلتني مرة ثانية، مافي فرصة ثالثة!
هز يعقوب رأسه بسرعة وعيناه تلمعان بامتنان: أعدك يا ملاك، أعدك أن أكون الشخص الذي تستحقينه، ماراح أخذل ثقتك فيني
ابتسمت ملاك ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها وقالت: نشوف يا يعقوب، واتجهت نحو باب المكتب وقالت وهي تمشي: أنتظرك في السيارة.
تركته ملاك واقفًا في المكتب، وقلبه يخفق بمزيج من الأمل والقلق. لقد حصل على فرصته، ولكن الطريق لا يزال طويلًا ومليئًا بالتحديات لإعادة بناء ثقة ملاك المكسورة
-
مشيت بخطوات متسارعة لـ سيارة يعقوب وهي تشعر بأن قلبها سعيد جداً لـ محاولة يعقوب لكسب حبها، دخلت السيارة، وناظرت الدفتر بسعادة وعضت طرف شفتها من المشاعر التي تشعر فيها حالياً وكأن الحياة رجعت لقلبها وتشعر نسبياً ان يعقوب حبيبها رجع.
ظهرت فجأة سيارة مسرعة من الزاوية واصطدمت بسيارتها بقوة هائلة، دويّ عنيف هزّ المكان، وتلاه صمت للحظات، ثم بدأت أصوات الصراخ والاستغاثة تتعالى من الخارج،
داخل السيارة المحطمة، كانت ملاك فاقدة للوعي، والدماء تسيل من رأسها وفي يدها دفتر يعقوب.
-
في المكتب، سمع يعقوب صوت الاصطدام القوي، شعر بفزع غريب يسري في عروقه، وكأن قلبه ينذره بوقوع مكروه. ركض للنافذة المطلة على الشارع العام، وتجمد في مكانه عندما رأى حطام سيارته والدخان يتصاعد منها
توسعت عيونه وصرخ " ملاك"، بأعلى صوته واندفع خارج المكتب كالمجنون، لا يعي شيئًا مما حوله سوى الرغبة الجامحة في الوصول إليها، وصل إلى مكان الحادث ورأى سيارته المهشمة، والناس متجمعون حولها في ذهول ورعب.
مشى بين الناس وهو يصرخ باسمها ودموعه على خده، وعقله غير واعي لأى شيء حوله، وصل للسيارة، رآى ملاك جالسة بلا حراك، ورأسها يميل بزاوية غريبة، والدماء تغطي وجهها وشعرها، انهار يعقوب على ركبتيه بجانب السيارة، وهو يبكي ويسمح دموعه ويناديها " ملاك، ملاك!!، فتحي عيونك، ملاك!!، لا يا رب، يا رب ليه؟؟ ليه لما اعترفت لها، ليه السعادة مو مكتوبة لنا؟؟"، سمع صوت سيارة الاسعاف وركض لهم وقال : تعالوا، شوفوها ما تتحرك
المسعف ناظر لـ حالة يعقوب وقال : تمام، انت تعال هنا اهدأ، جلس يعقوب على الرصيف وهو يحرك جسده بشكل متكرر ويشوفهم وهم ينقلون جسد ملاك على النقالة ويكرر اسمها" ملاك، ملاك، ملاك".
-
٥ تصويت، الدفعة القادمة راح تكون الخِتام✨
قراءة ممتعة للجميع 🤍🤍🤍

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...