الفصل 23 | من 40 فصل

رواية غريب في وطنه الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم الكاتبة : جيّـم

المشاهدات
20
كلمة
3,916
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

-
واقفة أمام الاستقبال تكمل تقرير جراحة عادل وتوقع بعض الأوراق المطلوبة، تكلمت إحدى الموظفات وهي تقول : دكتورة ألا تشعرين بالغُربة هنا؟
مادلين استغربت سؤالها وقالت : لا
الممرضة : ألا تشتاقين لبلدك وطعامهم وحديثهم؟
مادلين بابتسامة حنين : نعم، في بعض المرات اشتاق، لكن والدي يتحدث معي الفرنسية من حين إلى آخر - قالت بمزاح - الجميل بالموضوع عند شتمي لهم لن يستطيعوا فهم ذلك
الممرضات ضحكوا معها، في الجهة الأخرى كان يمشي بالممر وشاف عساف واقف متواري للأنظار، ويناظر جهة مادلين، ابتسم بخباثة وقرب منه بهدوء وقال : بسسس، عساف انفجع التفت له وقال بصدمة : مالك!!!
مالك بابتسامة : ايوا، مالك منصدم ليه؟، هو في أحد يمقلبك غيري
عساف وهو يعدل وقفته : لا، المهم ايش تبغى؟
مالك وهو يناظر مادلين : انت ايش تبغى؟
عساف بطرف عينه : مالك شغل
مالك بتفاجئ : صار مالي شغل كمان، هو انت تحسب اني ما انتبهت لحركاتك في لبنان؟
عساف بإنكار : اي حركات؟!
مالك وهو يقلده : تعالي مادلين، شوفي يا مادلين، أبوك بخير ولا لا يا مادلين؟، هو انا عبيط، عمري ما شفتك مهتم للدرجة هذه بأب واحدة من الممرضات
عساف مشى ومالك يمشي خلفه يسأله : طيب، طيب يا عساف لكن راح توقع على وجهك في النهاية
عساف طنشه ولبس القفازات يبدأ عمله
-
راحت للكافيه، تطلب لها كافيه، سمعت إحدى الممرضات يتحدثن عن الدكتور راشد،
الممرضة ١ : لا أريد العمل مع دكتور راشد، لا أصدق انه يجعل المرضى يخضعون لعمليات جراحية بسبب المال
الممرضة ٢ : انه دكتور تجاري، انه يجعل كبار السن يخضعون لجراحات كثيرة تكلفهم الكثير، فقط لـ يكسب المال منهم، انه شخص لا أعلم كيف أصفه، انه يستهتر كثيرا بحياة الأشخاص، الحمدلله دكتورة مادلين جاءت وانقذت المرضى منه
دفعتها الممرضة ١ لتتوقف عن الحديث لأنها رأت دكتورة مادلين قريبة منهم، ابتسمت لهم مادلين وذهبت لـ عيادتها وفي بالها كلام الممرضات، انه صحيح فأول مريضة استلمتها من الدكتور راشد، مشخصة بقرحة في المعدة وبهذا تستطيع المكوث في المشفى لوقتٍ أطول، تنهدت مادلين وذهبت لعيادتها تكمل جدولها

-

في الليل، دخل لـ بيت أهل العزاء، استقبله أبو عبدالعزيز وهو يبكي، عساف سلم على رأسه وقال : عظم الله أجرك
الأب وهو يبكي : هو كان بخيرر، كلمنا الصبح ما فيه شيء، لحظة واحدة يا ولدي وتغير كل شيء، عساف خنقته العبرة وهو يشوف أبو صديقه كبير بالسن، ويبكي على ولده اللي فقده بين كل أخوان عبدالعزيز، أكثر شخص كان بار بأمه وأبوه هو عبدالعزيز، تنهد وطبطب على كتفه وراح يجلس، جاء له ثامر وقال : حزني والله أبوه
عساف : ايه، أكثر ولد يحبه من بين اخوانه ويفهمه راح أكيد بيحزن عليه
ثامر ناظر عساف بجدية وقال : عساف
عساف عدل جلسته وقال : ايش فيك؟
ثامر بهمس : سمعت من صديقه سامي، اللي كان معه بالمهمة ان الرصاصة اللي انصاب فيها مقصودة
عساف بصدمة : ايش!!، يعني تقصدد
ثامر قاطعه : ايه اللي براسك، واتوقع اللي عملها عدنان، لأن في أخر لحظة عدنان أضاف اسم عبدالعزيز وأمره ينزل للميدان
عساف قبض يده بقوة وتجهم وجهه بعصبية ووقف بالخارج ينفس عن غضبه، صديقه ما مات، صديقه انقتل بسبب رئيسه، شاف سيارة فارهه وقفت أمام منزل عبد العزيز، ونزل منها شخص بمنتصف الأربعين من عمره ولابس ثوب أبيض، وشماغ أبيض ورائحة العود تسبقه، شد على قبضته لكن أرخى يده لما التفت الشخص وجات عينه بعينه تقدم عساف منه بهدوء وقال بصوت مليء بالكراهية : ما توقعت أشوفك هنا، عقيد عدنان
عدنان يتنهد ويقترب بخطوات مترددة: هذا عزاء صديقك، وأنا هنا عشان أقدم واجبي. كان زميلنا جميعًا، الله يرحمه
عساف بسخرية : واجبي؟ مثل الواجب اللي ضحيت فيه بشخص خدم تحت أمرك عشر سنين؟
عدنان وهو يحاول تهدئة الموقف : عساف، مو كل شيء كان بيدي. كان الوضع معقد، والضغوط كبيرة من القيادات العليا
عساف بنبرة صوته ترتفع : معقد؟ ضغوط؟ شغلي كان واضح وكنت ملتزم. الضغوط كانت عليك، مو أنا
عدنان يخفض صوته : ما كان عندي خيارات، يا عساف. الوضع كان أكبر مني ومنك. إذا ما ضحيت بأحد، كان كلنا راح نغرق
عساف يقاطعه بغضب مكتوم: فقررت تضحّي بالحلقة الأضعف؟ عشان ترضي ناس فوقك؟
عدنان يتنهد ويمسح وجهه بيده : أنا آسف يا عساف. كنت لازم أحمي الكل. القرار كان صعب.
عساف بنبرة مؤلمة : قرارك دمر حياة ناس كثير، بقرارك هذا، عشت باكتئاب ولوم وذنب بأن قتلت ٣٠٠ شخص
عدنان قرب من عساف وتكلم من بين اسنانه وهو يصر عليها : صدقني، حاولت أغير الوضع. لكن اللعبة السياسية كانت أقوى
عساف يهز رأسه بسخرية : لعبة السياسية؟ أنا كنت جندي، مو قطعة شطرنج تحركها عشان مصلحتك
عدنان وهو يناظر عيونه : احمد ربك انك حي وقدرت تشتغل!!، وترك عساف بصدمته وهو يسمع تهديد بالقتل من رئيسه السابق، يعني هو كان ممكن يصير بدال عبدالعزيز، ويموت!!، لهذه الدرجة سهل انه يتكلم بالموت وحياة الأشخاص ويلعب فيهم، لايش؟؟ عشان جاهه ومنصب!!، اذا هذا المنصب اخذته بسبب حياة أشخاص اخرين، كيف ينام وهو يعرف ان فيه شخص مات بسببه، بكى عساف من القهر الذي يشعر به، مو بيده شيء يعمله، خرج ثامر وشاف عساف جالس على طرف الرصيف يبكي، حزن عليه لأن أول مره يشوفه يبكي، قرب منه وقال : عساف؟!
عساف وقف ومسح دموعه وقال : هلا، ثامر
ثامر بحزن على حاله : تقدر تروح
عساف : لا، بجلس، وخانته دموعه ومسحها بسرعة ثامر حزن على حاله وقال عساف وهو يناظر ثامر : لكن ما يجوز، مايجوز يا ثامر، هو يعيش براحة بسبب حياة أرواح بريئة هو قتلها، ما يجوز
ثامر تقدم وحضن صديقه وطبطب عليه وقال : الله عالم بالحال، وراح يجي يوم تشوف فيه حقك
عساف تنهد وسط بكاءه ومسح على ظهره ثامر
-
في المساء، خلصت دوام جامعتها وراحت للخارج توقف لها تاكسي، وقفت أمامها سيارة سوداء، مظللة ابتعدت شوي عن الرصيف، نزل الشباك وقال : ملاك!!
ملاك استغربت والتفت شافت يعقوب استغربت أكثر وقالت : ايش فيه؟
يعقوب : وين سيارتك؟
ملاك : خربت في التصليح
يعقوب : اركبي، اوصلك
ملاك هزت راسها وركبت بالخلف
يعقوب وهو يناظرها من المرايا الامامية : اجلسي قدام
ملاك : لا انا كذا مرتاحة
يعقوب : كذا راح أصير كأني سواقك، انا ماراح ارتاح
ملاك تنهدت بتذمر وركبت قدام، يعقوب ابتسم وقال : حزامك أمانك!!
ملاك ركبت الحزام، وحرك يعقوب، وحط أغنية لشيرين، وملاك عرفتها من اللحن وقالت وهي تناظر يعقوب : ليش حاط شيرين؟!
يعقوب بابتسامة : اغنية عجبتني، سمعتها بالفترة الاخيرة طالعة ترند
ملاك شكت فيه لأن الاغنية اصلا مو ترند، تكلم يعقوب : تعشيتِ؟
ملاك وهو تحرك اطراف يدها مع صوت شيرين : لا
يعقوب ابتسم لمكابرتها وقال : عندي لك، أحلى عشاء
ملاك : تمام
التفت للشباك تناظر الطريق وتسمع لشيرين
-
جالسين أمام البحر، يأكلون شاورما وصوت أمواج البحر محيط فيهم، والهواء العليل
ابتسم يعقوب لما شاف عربة ايسكريم، وقال لـ ملاك : تبغين ايسكريم؟!
ملاك كانت بتتكلم الا يعقوب راح للعربة يلحقها قبل ما تروح، ضحكت على ركضته، وصل للعربة وطلب و ايسكريم شوكولاته وواحد فانيليا وراح لـ ملاك وهو سعيد وقال : خذي الشوكولاتة لأنك تحبيها
ملاك استغربت وأخذته، يعقوب ناظرها وكانت ما تأكل الايسكريم وسرحانه بالبحر وقال : تبغين مانجو؟ ما تحبين الشوكولاته
ملاك تركت الايسكريم على الطاولة وقالت : يعقوب ايش فيه؟ شوكولاته ومانجو ومشغل أغنيه لشيرين هي اصلا مو ترند فيه ايه؟!
يعقوب بلع ريقه وقال : أبغى فرصة ثانية
ملاك جات بتتكلم قاطعها يعقوب وقال : انا ابغى فرصة واحدة بسس؟!، لا وعود ولا اي شيء، انا بس ابغى احاول لآخر مره، اتركيني احاول لا تحبيني لكن لا ترفضين محاولاتي
ملاك سكتت وهي تناظره وقالت : ما اعرف اقولك ايه
يعقوب : لا تقولي شيء، خذي وقتك انا بانتظارك
ملاك ناظرت البحر و تنهدت بتفكير بالمستقبل الذي ينتظرها
-
دخل عليه ابوه وهو يجهز ثوبه وشماغه وقال بابتسامة : ايش شعورك وبكرا راح تخطب؟
ابتسم محمد بسعادة وقال : نفس شعور ليلة العيد، او ليلة اول يوم مدرسة، ما تنام فيها من الفرحة وتعد الساعات عشان يبدأ اليوم
ابراهيم ضحك على كلامه وقال : الله يوفقك يا ولدي، وان شاء الله اشوف دائما الابتسامة على وجهك
ابراهيم ابتسم وقال : ها، قول لي من متى تحبها؟
محمد باحراج : يعقوب قال لك؟
ابراهيم ضحك على ملامح محمد المنحرجة وقال : اجل صح
محمد تنهد : احبها من اول مره شفتها فيها، في البداية كان لفت نظر بقوة تمثيلها ولعبها بالكلام وكيف تطلع نفسها بريئة من المشكلة وهي اصلا السبب في المشكلة - ضحك محمد وهو يتذكر - وتذمر يعقوب المستمر بتصرفات أخته، وانه الاخ الاكبر ولازم يهتم فيها، وهو اصلا عنده هموم الدنيا بسبب تخصصه
ابراهيم : وبعدين؟!
محمد ابتسم : تعودت على وجودها حولنا، بدأت اخرج مع يعقوب اكثر عشان اشوفها، لما أعرف ان فيه جمعة عائلية كنت اول الحضور وانتظر عند الباب سيارتهم، انغمست في أفعالي، ووصلت فيني أسرق نظرات لوجهها، أحب وجودها معنا بالجلسات، افقدها اذا غابت، لقيت نفسي فجأة اسأل أخوها عنها من باب صداقتنا لكن الحقيقة كان من باب حبي لها
ابراهيم ابتسم على كمية الحب اللي يسمعه من ابنه وقال : جميل حبك لها، اذا انت تحبها هالكثر ليه ما تقدمت لها؟
محمد سكت شوية وقال : بسبب اللي صار في طفولتي، وشفت أمي تموت أمام عيوني، صعب اني أقدم على خطوة الزواج، فاكتفيت بأني أحبها لوحدي
ابراهيم وهو يربت على كتفه : انا هنا، مو عمك فقط، انا هنا ابوك، واللي صار بالماضي متأكد انك قادر على تغييره، انت ما تشوف تغيرك لكن انا شفت خلال كل هذه السنين انك شخص مسؤول وناجح، ولك بصمتك الخاصة والأهم اذا حطيت شي في بالك محد يقدر يثنيك عن قرارك
محمد ابتسم وقال : تسلم عمي، ومشكور انك استقبلتني واهتميت فيني وكبرتني، وربي يقدرني وأرد لك جميلك
ابراهيم بتمثيل العصبية : عم ايش، انا اقولك مو متزوج الا لما تقول لي ابوي
محمد ابتسم ودمعة عينه وهو يحاول ينطقها وقال : يبه
ابراهيم ابتسم لما سمعها منه وحضنه وقال : استودعتك الله يا ولدي، الله يحفظك بحفظه
محمد مسح على ظهر ابراهيم وهو يستشعر الأمان اللي فيه، وعمره ما حس بالغربة بوجوده في بيت عمه، عامله بأفضل معاملة ممكن أب يعاملها لابنه، كان ولا زال موطنه وأمانه هو بيت عمه الذي احتضنه من غُربة ابيه.
-
يقرأ بجواله آخر الأخبار السياسية، جاء له وهو يحمل باقة ورد كبيرة، ابتسم فهد وقال : من أرسلها؟
توم : لا أعلم أوصلها شخص ما
فهد أخذها وفتح الكرت وكان مكتوب بقلم أحمر سائل " الحمدلله على سلامتك"، عرف من المرسل وتنهد وقال لـ توم : ضعها على الطاولة، بعد مرور ساعتين من انتظار فهد لاتصال الشخص المطلوب، تحقق مبتغاه وابتسم وهو يرى الرقم المجهول الذي يتصل رد وجاءه صوت المتصل : هل أعجبتك؟
فهد وهو يرى باقة الورد : لو أضفت بعض الزهور الأخرى ستصبح حديقة متكاملة، وضحك نهاية كلامه
تكلم الشخص المجهول من بين أسنانه بغضب : لا تجرؤ على استفزازي!!
فهد ببرود : لماذا؟! - قال بسخرية - تحرقني مرة أخرى؟!
الشخص المجهول تحدث : لن أحرقك، لكن سوف أحرق قلبك على شخص آخر!!
فهد بعصبية : لا تقترب من ابنتي
الشخص المجهول ضحك باستفزاز وهو يلمس الوتر الحساس لـفهد وقال  : لماذا؟! لنرى هل هي محصنة مثل والدها ضد النار
فهد برزت عروق يده، وهو يشد قبضة يده وقال وهو يتحدث من بين اسنانه : لا تلمس ابنتي، والا سأجعلك تدفع الثمن غاليا! سأدمر كل ما هو عزيز عليك.
الشخص المجهول بسخرية : سأفعل ما أشاء ولن تستطيع إيقافي، إلى اللقاء، وأقفل الاتصال.
فهد عصب ورمى الجوال على الأرض، وصرخ باسم توم، الذي جاء وهو يرى فهد الذي عروق يديه ورقبته قد برزت ووجهه تحول للون الأحمر من شدة غضبه، بلع ريقه بخوف وقال : ماذا تريد؟!
فهد بصوت عالي : استدعي دكتور عفّت، سأخرج من المشفى على كفالتي، هز رأسه وذهب، أما فهد كان يناظر باقة الورد التي أمامه وهو يتذكر تهديد الشخص ويتمنى له الموت على يديه
-
واقفة بجوار والدها الذي يجلس على السرير مرتدي ملابس مريحة، تسمع لتوصيات دكتور عفّت عن حالته الصحية
فهد بابتسامة : مشكور، يا دكتور وان شاء الله ما نشوفك مره ثانية
دكتور عفت ضحك وقال : لا ترمي بنفسك للنار، وان شاء الله ماراح تجينا
فهد ناظر مادلين وقال : هي لحقت تقول لك ما شاء الله
دكتور عفت ضحك وقال : انا استئذن هنا، وخرج
مادلين ساعدته يجلس على الكرسي المتحرك ولاحظت باقة الورد الكبيرة وقالت بابتسامة وهي تذهب للباقة : ممن هذه؟!
فهد وهو يسرع بالكرسي المتحرك للباقة : انها من شخص ما
مادلين صغرت عيونها وقالت : اعتقد انها من فتاة، - لمست كتف والدها - معجبة بك، - قربت من والدها وهمست بأذنه - لكنها لن تحظى بك أليس كذلك؟!
فهد بلع ريقه وهز ورأسه وقال : نعم نعم، صحيح، لنذهب يا توم
ضحكت مادلين من توتر والدها وقالت وهي تدفع الكرسي : من الممتع مضايقتك
فهد ناظرها بطرف عينه، والتفت ينظر لـ ممرات المشفى كرهه وجوده في المشفى كثيراً، بسبب أنه يتذكر الحادث الأليم الذي حدث له ولزوجته وعندما حملها بين يديه وأسرع للمشفى والدماء تغطيه ويبكي ويترجى الممرضات والأطباء أن ينقذوا زوجته لكن عندما وضعوها في السرير فقدت نبضها حاولوا مراراً وتكراراً إنعاشها لكنها لم تستجيب وأعلنوا وفاتها، دمعت عيناه وهو يتذكر وجهها وهي تلتقط آخر أنفاسها، فاق من شروده عندما شعر بلمسة يدي مادلين على كتفه، دخل للسيارة وهو يتوعد بداخله بالشخص الذي يهدده أن يجعل حياته جحيم لأنه فقط فكر أن يؤذي ابنته.
-
خرجت من الغرفة بعد أن جعلت والدها يرتاح بسريره، ذهبت للطابق الثاني الذي يتكون من غرف نوم ملاك وعساف عضت شفتيها بتوتر وتفكير قبل أن تُقبل على فعلتها، وذهبت وطرقت باب غرفة عساف، لم تسمع رد وناظرت المقبض وبلعت ريقها وقالت : مادلين، لا تفعلي ذلك انه تخطي للحدود، لكنه اليوم كان متغيب عن العمل، أريد فقط الاطمئنان عليه، نعم فقط الاطمئنان كصديقان لا أكثر، فتحت الباب وأول ما استقبلها هو رائحة عطر عساف التي تلازمه في كل مكان، رائحة عود ممزوج ببعض الزهور، ابتسمت باتساع وتقدمت للغرفة صحيح أنها دخلتها مرة واحدة لكنها لم تستطع أن تلاحظ جمال تصميمها، من ألوان الحائط إلى استخدامات الخشب الصنوبري، تقدمت لمكتبه ورأت بعض القصاصات المعلقة على الجدار، اقتربت وحاولت أن تقرأها لكنها كانت باللغة العربية، لفت نظرها قصاصة الورق التي كتبت عليها اسمه بالخطأ، موضوعة معهم، ابتسمت بإحراج، ونظرت لـلكتب الموجودة في غرفة عساف، أغلبها كان يتحدث عن الطب والتمريض، وبعضها يتحدث عن السياسة، لفت نظرها طرف صورة كانت موضوعة بين الكتب، سحبتها ورأت صورة لعساف وهو مرتدي الزي الرسمي للبحرية، والواضح أن عمره لا يتجاوز العشرين، وبجواره رجل في منتصف الثلاثين من عمره، يبتسم باتساع للكاميرا ويضع يديه على كتف عساف الذي ينظر للكاميرا بجدية ويلقي التحية العسكرية، ابتسمت : انه مثير باللبس الرسمي!!، - وضحكت بخجل من مغازلتها لعساف لكن أتى في بالها سؤال - ولكن كيف انتهى به الحال في التمريض؟، تذكرت انه يعاني من أرق وصعوبات بالنوم، لذلك يلجئ لـ شايّ البابونج لتهدئة أعصابه قبل النوم، قالت بصوت حزين : أتمنى انه بخير!، سمعت صوت خلفها يقول : ماذا تفعلين هنا؟!، التفت لـ ترى عساف وهو مرتدي الثوب الأبيض الذي يبرز ضخامة عضلات كتفيه ويديه وعلى كتفه الأيمن شماغه الأحمر قالت في نفسها " لا، ليس مجدداً"، تكلم عساف بصوت غاضب عندما رأى صورته البحرية بين يديها قال بعصبية : ماذا تفعلين؟!
مادلين بتوتر وهي تفسر الموقف : ككنت أريد الاطمئنان عليك، لأنك لم تأتي اليوم للعمل
عساف بعصبية : وهل الاطمئنان يجعلك تدخلي غرفتي بلا إذن؟! وتفتشين في أغراضي
مادلين صمتت فعساف له كل الحق في أن يغضب منها وقالت بصوت منخفض : انا آسفة، وضعت الصورة جانباً بينما عساف جلس على السرير، شعر بتأنيب ضمير عندما رأى ملامح مادلين الحزينة، وأدرك أنه صرخ عليها بلا سبب، وقال : انا آسف، توقفت مادلين عند الباب وهي تسمع اعتذاره أكمل عساف : لقد ذهبت اليوم لجنازة صديقي، انه هو الشخص الذي في الصورة
مادلين التفت وقالت : لا داعي للحديث الآن، لتأخذ قسطاً من الراحة
عساف تنهد وقال : لن أستطيع النوم، هل يمكنك الحديث معي؟
مادلين ابتسمت لطلبه وقالت : هل يمكنك صنع شايّ البابونج؟
-
جالس في صالة غرفته الصغيرة الموجودة في جناحه الكبير، وأمامه مادلين ويشربان الشايّ بهدوء رتيب، مادلين لم تتحدث لأنها لا تحاول أن تضغط على عساف، تريده هو أن يبادر بالحديث بنفسه
تحدث عساف بـ هدوء شديد : ماهي أسئلتك؟
مادلين وهي ترفع الكوب لفمها : ليس لدي أسئلة
عساف تنهد من مرواغة مادلين في الحديث فهي مثل والدها وقال : أريد التحرر من قيد لازمني من الماضي، وأريد أن أستطيع أن أحبك بطريقة طبيعية بدون خوف عليك مني، إذن ماهو سؤالك؟
بلعت ريقها مادلين وقالت : كيف انتهى بك الحال في التمريض؟
عساف : كنت أعمل سابقاً بالبحرية، انه حلمي - ضحك بسخرية - لأكون صادقاً انه حلم والدي، لم يستطع أن يفعله فأصبحت أنا أداته، سرق مني حريتي وحلمي، عندما بدأت أول يوم لي لم يكن لدي الحماس والشغف، نظرت لعملي دائماً بأنه سجن، إلى ان التقيت بـ عبد العزيز، أحببته حقاً، وأصبح يعاملني بلطف، ويشتري لي الغداء، و يحاول أن يعرفني على اصدقاء أكثر لكيلا أشعر بالوحدة، أصبح هو نوري في عتمتي
ابتسمت مادلين لـ وصف عساف بعلاقته بعدالعزيز، وجود الأصدقاء مهم لإكمال مواجهتنا لمصاعب الحياة، ويصبحون نورنا في عتمتنا، وأملاً في يأسنا، وطريقاً ممهداً نحو شواطئ الأمان والسعادة، ففي أحضانهم نجد القوة والعزاء، ونستمد الإلهام لمواصلة السير.
صمت قليلاً عساف وهو يتذكر الماضي وسبب تسريحه من الجيش وبدأ بسرده لـ مادلين...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...