تحميل رواية «جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني» PDF
بقلم BlackButterfly002
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول جلست بشهقة من وسط نومها ويدها على قلبها الذي كان ينبض بجنون , عيناها شاخصتان في الظلام حولها تشعر أنها لازالت في ذاك الكابوس حتى الآن وكأنها رميت بقوة من الفضاء الخارجي ولم تدرك بسهولة من هي وأين تكون , زحفت من بين تلك الأغطية الناعمة هامسة " ابنتي " غادرت ذاك السرير الواسع حافية القدمين لم تشعر ولا بالأرضية الباردة التي لامستها قدماها ما أن اجتازت تلك السجادة الحريرية الناعمة وقد استدلت طريقها سريعا جهة الباب دون أن تراه في ذاك الظلام الدامس وكأنها تحفظ طريقه كاسمها وفي رجفة يديها أ...
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الأول 1 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الأول
جلست بشهقة من وسط نومها ويدها على قلبها الذي كان ينبض بجنون , عيناها
شاخصتان في الظلام حولها تشعر أنها لازالت في ذاك الكابوس حتى الآن وكأنها
رميت بقوة من الفضاء الخارجي ولم تدرك بسهولة من هي وأين تكون , زحفت
من بين تلك الأغطية الناعمة هامسة " ابنتي "
غادرت ذاك السرير الواسع حافية القدمين لم تشعر ولا بالأرضية الباردة التي
لامستها قدماها ما أن اجتازت تلك السجادة الحريرية الناعمة وقد استدلت طريقها
سريعا جهة الباب دون أن تراه في ذاك الظلام الدامس وكأنها تحفظ طريقه كاسمها
وفي رجفة يديها أضاعت مكان مقبضه وهي تبحث عنه دون هدى ودموعها قد
وجدت لها سبيلا عبر وجنتيها التي لم تفارقها إلا من أيام قليلة ولازالت شفتاها
المرتجفة تنادي بهمس " ابنتي ... أيــ ن أنتم "
فتحت الباب أخيرا وخرجت راكضة في ذاك الممر الطويل الذي كان واجهة منه
عبارة عن سياج خشبي يشبه الشرفة تطل على الطابق الأرضي لذاك المنزل الفخم
الذي يمكن تسميته بالقصر الصغير للاتساع والفخامة في كل زاوية فيه .
نزلت السلالم النصف دائريه المطل على البهو الواسع بأثاثه الأبيض الفخم وسط
تلك الإضاءة الخافتة وصمته المميت وكانت وجهتها الباب مجددا لكن هذه المرة باب
المنزل الزجاجي الضخم , فتحته دافعة له للداخل بقوة وخرجت ليلفحها ذاك الهواء
البارد لاسعا دفء ذراعيها ووجهها وقد نزلت تلك العتبات النصف دائرية متجاهلة
كل ذاك الطقس الصقيعي وركضت بلا هدى بين أحواض وممرات الحديقة المنسقة
بعناية تتدلى فوقها الأضواء كالنجوم في تلك الليلة المغيمة السوداء , وقفت ونظرت
حولها كتائه اكتشف فجأة بأنه أضاع طريقه , أنفاسها الساخنة تخرج متتالية
تلهث منادية بهمس ابنتها التي تجهل حتى اسمها
" غسق !! "
التفتت خلفها فورا تحضن نفسها بيديها شعرها الطويل بسبب الريح يتطاير حول
جسدها الذي تغطيه بيجامة قطنية سوداء بدون أكمام , لهث تنفسها وهي تسحبه
بقوة وهمست بضياع " عمتي !! "
اقتربت منها وأمسكت بذراعيها قائلة " غسق ما أخرجك وحدك هذا الوقت وبهذه
الثياب ؟ لقد أفزعني صوت جهاز الإنذار بعد فتحك للباب "
لم تستطع أن تجيبها بشيء وهي في غمرة ارتجافها ذاك وشفتاها لازالت تهمس
" ابنتي عمتي .... ابنتي "
حضنت وجهها بكفيها الدافئان تنظر باستغراب لعينيها النجلاء الواسعة والدموع قد ملأت
تلك الأحداق السوداء الكبيرة فهي لم تذكر ابنتها تلك طوال الأربعة عشرة عاما ونيف التي
قضتها بعيدا عنها , لم تبكها يوما أمامهم ولم ترى منها ضعفها الآن فيما يخصها وقد اعتادوا
على تجاهل ذكرها أمامها حتى نسو وجودها وهي من اختفت حديثة ولادة مع والدها ولم
يستطع أحد ولا جلب أخبار عنهما رغم نفوذ والدها الذي رباها كرئيس للبلاد وما فعله
ابنيه من جهد دون علمها , مسحت بكفها على غرتها الناعمة قائلة بقلق
" ما بها ابنتك ؟ من أخبرك عنها يا غسق !! "
هزت رأسها بضياع وتقاطرت دموعها قائلة بعبرة " ابنتي ليست بخير عمتي
قلبي يخبرني بذلك ... ليفعل لي أحدكم شيئا أرجوكم "
ضمتها لحضنها قائلة بحزن " تعوذي من الشيطان يا غسق واذكري الله وادعي
لها يا ابنتي وستكون بخير "
" ما بكما ؟ ما بها أمي ! "
نظرت جويرية للخيال الذي ظهر مقتربا منهما ركضا وقالت تضم تلك لحضنها
تهدئ من ارتجافها " لا شيء يا كاسر سندخل الآن "
نظر لهما بحيرة وللمختبئة في حضن عمة والده تبكي بصمت , من ربته وأرضعته
وكبر على يديها في مشهد لم يراه لها ولا حين وصلهم خبر مقتل جده شراع وعمه
رماح في عملية الاغتيال البشعة تلك التي عصفت بحال البلاد كالموج الغاضب فقد
احتفظت بحزنها لنفسها في خلوتها لم يظهر منه سوى اللون الأسود الذي بات لا
يفارقها , راقبهما بعينين قلقة وهما تعبران أمامه ولم يفهم حتى الآن ما يحدث فلم
يرى تلك القوية التي بنت مملكة الغسق بأكملها ودافعت عن حقوق المرأة بكل قوة
ضعيفة ومنهارة هكذا ! تبعهما للداخل يخفي كفيه في كمي بيجامته الطويلان بسبب
شدة البرد في الخارج وأغلق الباب خلفه نظراته تتبعهما وقد ابتعدت عمة والده بها
وأجلستها بجوارها على الأريكة الواسعة المقوسة يتكئ رأسها على كتفها تمسح
على شعرها الحريري الأسود بحنان مسمية بالله عليها وهي تهمس بصوت
ضعيف مرتجف " هي ليست بخير عمتي أنا متأكدة من ذلك "
*
*
التفتت للخلف ولازالت راكضة , مسحت عينيها بكفها بقوة لتستدل طريقها من بين تلك
الدموع التي لازالت تنزل بغزارة وركضت جهة الباب الخشبي الذي ظهر لها عند آخر
الممر الذي دخلته وكان المنفذ الوحيد في ذاك الرواق الطويل المتسخ كريه الرائحة
الموجود خلف تلك الحانة التي لازال صوت الموسيقى والصراخ يصلها منها حتى ذاك
المكان وتشعر بها كالزلزال في قلبها النابض بجنون , كانت تركض بخطوات متعثرة
من شدة خوفها لا تفكر سوى في الخروج من ذاك المكان تلعن غبائها وإطاعتها لتلك
الفتاة لتأتي بها إلى هنا , ما أن وصلت الباب وفتحته وخرجت منه حتى صرخت بذعر
بسبب اليد التي شدتها من ذراعها ولفتها بقوة تطاير معها شعرها الأسود الطويل المموج
وشخصت عيناها الزرقاء الواسعة بذعر وهي تنظر للواقف أمامها وذراعها لازالت في
قبضة يده لتكتشف أنه ليس من كان يطاردها بل الشاب الذي كان واقفا في الداخل لم يفارق
تلك الزاوية منذ دخلتا وقد لاحظت نظراته المركزة عليها رغم وقوف رجلين أمامه يحدثانه
ولم يلتفتا للخلف أبدا رغم شدة الصخب في ذاك المرقص , نظرت بذعر لعينيه التي كانت
تنظر لعينيها في صمت وعلمت حينها أنها هربت من قدر لآخر قد يكون أسوأ منه ولن تنجو
هذه الليلة أبدا وهي تقع في قبضة مجهول آخر ليست تعلم ما جعله يلحق بها ما أن غادرت
راكضة مجتازة جموع الراقصين وقد تبعها ذاك الرجل الانجليزي دون علمها وبأمر من رئيسه
أو قريبه الذي كان يقف ملاصقا له , كانت عيناهما محدقة ببعض بصمت , نظراتها المذعورة
وعيناها الممتلئة بالدموع كجوهرتين تعكسان عرض المحيط وعيناه الرمادية الواسعة الجامدة
الباردة كتلك الليلة الصقيعية الغائمة , نظرة لم ترها في عيني رجل من قبل مليئة بالثقة بالنفس
والكبرياء تنظر لعينيها نظرة عميقة وكأنه يسبر أغوارها , وما هي إلا لحظة وسمعا صوت
تلك الخطوات الثقيلة تقترب من خلف ذاك الباب فشدها نحوه بقوة ودسها خلف ظهره هامسا
بشيء من بين أسنانه لم تفهمه ولم يكن أمامها من حل سوى الاختباء خلفه في مكان لا
يمكنها فيه حتى الهرب منه وليست تعلم أين ستذهب إن هي لاذت بالفرار ؟!
شدت ظهر سترته بقبضتيها بقوة تخفي وجهها فيها والتصقت به دون شعور منها حين انفتح
الباب بقوة وخرج منه الذي صرخ بضحكة وكأنه وجد شيئا ثمينا قد فقده فازدادا ارتجافها
وتعلقها بسترته بل والتصاقها بجسده تلتمس الأمان من شخص لا تعرفه ولم تراه إلا الليلة
وهي تشعر بأصابعه على خصرها حين أدار يده ولامست فستانها وكأنه يثبتها لتتماسك
واقفة , صرخت بقوة وكادت توقعه للخلف من شدها له حين سمعت صوت تلك الرصاصة
التي كادت تصم أذنيها وقد كان جسده وكتفيه كفيلين بإنقاذها من رؤية ذاك المشهد وذاك
الرجل الذي كان يلاحقها يهوي أرضا بعدما أصابت تلك الرصاصة أربطة مشط قدمه من
مسدس لم يكلف صاحبه نفسه ولا عناء وضع كاتم صوت له ليخفي فعلته تلك وهو يعيد
مسدسه لحزامه بكل ثقة وقلب جامد هامسا من بين أسنانه " بتر قدمك سيعلمك أن لا
تكرر هذا مجددا "
فانفتحت عيناها على وسعهما من الصدمة وابتعدت عنه لا تصدق أن الكلمات التي سمعتها
عربية نظيفة بل وبنفس لهجتها , تراجعت خطوتين للخلف تنظر بذعر للذي التفت لها
وقال بنبرة حادة قاسية
" What brought a girl of your age here?"
) ما الذي جاء بفتاة في مثل عمرك هنا ؟ )
لم تستطع قول شيء ولا الإجابة تستغرب أن خمن سنها والجميع ما أن يروها يضنونها ابنة
العشرين عاما , كان صوت أنين ذاك المرمي أرضا لازال يصلها بوضوح والطنين في أذنيها
بسبب صوت تلك الرصاصة يضرب في رأسها تحاول جمع الصورتين للشاب الواقف أمامها
سواد شعره ولحيته المشذبة أدلة لم تستنج منها أن يكون عربيا فثمة أجانب يحملون تلك
الصفات خاصة في بريطانيا وخاصة مع بياض بشرته وملامحه الشديدة الوسامة وعينيه
التي لم تتأكد من لونها بعد , مثلما أن ملامحها لم تجعل ذكائه يدرك بأنها عربية أيضا
سرعان ما انتقل بصره خلفها والتفتت هي جهة نهاية المبنى خلفها حيث صوت الركض
القادم من تلك الجهة وكليهما يعلم أنه لأقدام باقي حراس ذاك الرجل وأتباعه , توجه نحوها
بخطوتين واسعتين وشدها من يدها وسحبها معه وركضا بسرعة في الجهة الأخرى , لم تكن
تكاد تجاري خطواته الواسعة تشعر بخوف لم تعرفه في حياتها رغم الكف الدافئة والأصابع القوية
التي كانت تقبض على نعومة يدها وتسحبها بعيدا عن كل ذاك الخطر .. لكن أين وإلى ماذا !!
ذاك ما كان يرعبها بقدر رعبها من ملاحقيهما رغم أن معرفتها بجنسيته أراحها قليلا , كانت
تقاوم كي تركض بسرعة ولا تقع وتعيق ركضهما فيلحق بهما من لازالت أصواتهم وأصوات
ركضهم تصلها بوضوح فأي تأخير سيكون ثمنه غاليا جدا وليس عليها وحدها بل وعلى من
أنقدها منهم دون أن يعرف من تكون أو أي سبب قد يجعله يعرض حياته للخطر أو حتى للهلاك
من أجلها , أغمضت عينيها بقوة ودموعها تتقاطر منها حين سمعت تلك الخطوات وهي تخرج
للشارع الذي أصبحا فيه , لقد وصلوا لهما وليس أمامهما سوى ممران أحدهما قد يوصلهما لهم
مباشرة , وقف فجأة فصرخت حين سحبها ممسكا بيده الأخرى ذراعها لتصبح أمامه موليا ظهره
لنهاية ذاك الشارع وتوقفت أنفاسها تماما حين ضمها لصدره بقوة مطوقا لها بذراعيه دافنا إياها
في حضنه الدافئ وتيبس جسدها وهي تشعر بجسده الملتصق بها وضربات قلبه المندفعة بقوة
لا تفهم سبب ما فعل وقد انكمشت صارخة ومتمسكة به بقوة حين سمعت صوت تلك
الرصاصة التي لم تعرف من أين خرجت وأين استقرت حتى أبعدها عنه ورفع
يده ودفعها بقوة صارخا
" Just go from here now.. Run "
( غادري من هنا الآن ... اركضي )
نظرت له بذعر وهو يمسك كتفه بيده وفهمت حينها أين وصلت رصاصتهم تلك وأين
استقرت , تراجعت للخلف ببطء تنظر له بعينين دامعة مذعورة وصرخت مغلقة أذنيها
بيديها حين خرجت رصاصة أخرى من مسدس الواقف هناك عند رأس الشارع وانحنى
الواقف أمامها على إحدى ركبتيه للأرض وقد صرخ بها مجددا رغم صوته المتعب
" .... leave fast "
( غادري بسرعة.... )
فركضت فورا جهة الشارع الآخر دموعها تنزل دون توقف وقد رافقها صوت بكائها الذي
لم تعد تستطيع إمساكه تاركة خلفها منقذها المجهول ذاك وهو يضع سماعة ما في أذنه مخرجا
مسدسه ذات الوقت يحاول الوقوف مجددا رغم كل ما به , وما أن وصلت تقاطعا وسلكت
إحدى الطريقين فيه حتى سمعت صوت الرصاصة الثالثة فوقفت مكانها ونظرت خلفها حيث
ذاك الصوت بعيدا وأغلقت فمها بيدها تمسك عبراتها وبكائها المرتفع تتخيل أن ذاك الرجل
مات على أيديهم وبسببها هي , كرهت نفسها تلك اللحظة مئات أضعاف المرات وتمنت أن
قتلوها بل أن ماتت من قبل أن تعتب قدماها خارج باب منزلهم فمن ينقذها من والدها الآن
إن علم بما فعلت وخالفت أوامره من أجل قصة من تلك الفتاة ليست تعلم حتى إن كانت
صادقة أو تكذب , قفزت صارخة بذعر بسبب اليد التي أمسكت بذراعها ونظرت برعب
للشاب الأشقر الذي أبعد يده ما أن رأى كل تلك الدموع والخوف وقد قال بهدوء
Hurry.. I will take you home miss before "
they start looking for you "
(بسرعة سأوصلك للمنزل يا آنسة قبل أن يبدؤوا بتمشيط
المنطقة بحثا عنك)
نظرت له بصدمة فاغرة فاها الصغير ثم نظرت خلفها مجددا , هل ذاك الشاب من أخبره
ليأتي وإلا كيف علم مكانها وأنها بحاجة لمن يوصلها !! لم تستطع تفسير الأمر إلا بذلك
وهي ترى نظراته الودودة التي تدل على شخصية لطيفة جدا يمكن الوثوق بها , نظرت
له وأشارت بأصبع يد مرتجفة من حيث جاءت قائلة ببكاء
" They shot him.. Murdered him "
( رموه بالـ ـرصاص .... لقد قــ ـتلوه )
توجه للسيارة القريبة عند الرصيف وفتح لها الباب الخلفي قائلا
Don't think about him he will find a way out.. Come "
on.. Hop in and I will take you wherever you want "
لا تفكري فيه سيجد لنفسه مخرجا , هيا اركبي لأوصلك)
حيث تريدين)
*
*
فتح باب السيارة ووقف في مواجهة الريح الباردة ينظر للخيال الذي خرج له من
بين الأشجار حتى وصل عنده وأصابع طويلة اندست في طرف جيب معطفه
الشتوي الثقيل تدس ورقة صغيرة مطوية وهمس بصوت رجولي خشن
"He entered London hours ago , we want total surveillance "
" for him and reports about all his telecommunications
"
) لقد دخل لندن منذ ساعات , نريد مراقبه تامة لهذا الشخص وتقارير
عن جميع اتصالاته (
ثم ربت بيده على كتفه وهو يمر من عنده قبل أن يتوارى ذاك الخيال من جديد في عتمة تلك الشوارع الباردة المظلمة
*
*
أخرج طرف الخيط من بين أسنانه ثم بصق متأففا ومسح جبينه بظهر كفه وعاد
لتقطيب جرح الجالس أمامه متجاهلا أنته المتألمة لخشونته فيما يفعل وقد قال
بجمود " كنت أعلم أني سأقضي أغلب وقتي أعالج جراحكم السخيفة "
أمسك الجالس أمامه عضلة ذراعه وهمس بصوت متألم " كف عن التذمر
يكفيك أن نسلم لك أنفسنا وأنت لم تصبح طبيبا بعد "
لم يعلق متابعا ما يفعل فتابع ذاك بسخرية رغم تألم ملامحه " لو أعلم ما
هذا العقل الذي في رأسك تترك الطب في آخر عام لك ؟ "
تجاهل ما سمع منه مجددا ورفع مجموعة من القطن من المنضدة الجالس عليها
الموجود أمامه ووضعها على الجرح مزيلا الدماء قائلا ببرود" إما أن الذي
أطلق عليك النار ثمل أو أنك صاحب حظ تحسد عليه "
رفع ذاك رأسه للأعلى مغمضا عينيه بتألم ونفث الهواء من فمه بقوة وهمس
بصعوبة " ألا بنج موضعي لديك على الأقل أم تفعل هذا متعمدا ؟ "
وضع له الشريط اللاصق فوق القطن الجديد الذي غطى به جرحه قائلا بذات بروده
" لما لا تخبرني أنت يا أحمق من هذه التي كدت تموت من أجلها ومهمتك هناك
كانت مراقبة رجل لم يترك المكان ولا بعد خروجك لتدس أنفك في أمر لم
ترسل له "
شد ذراعه ونظر للشريط اللاصق الكبير فوقها وقال ببرود يجاريه فيه
" الثرثار الأرعن ذاك يحتاج من يقطع له لسانه كي لا يتحدث عن كلما يراه "
شخر الواقف خلفه ساخرا وتمتم يجمع أشيائه " لا تنسى يا قاسم أنه ممنوع عنا
جميع النساء هنا , وأن تقترب من أي منهن معناه أن تكشف الكثير عن نفسك
وتلك فيها هلاكك وهلاكنا يا رجل "
هز رأسه نفيا مطأطأ به للأسفل وهمس " لن يكون ثمة شيء بيننا , وأنا أعلم
منك بالقوانين أيضا "
توجه للكرسي المنزوي تحت النافذة التي عكست نورها الخفيف على جانب قسمات
وجهه وسط تلك الغرفة بنورها الباهت , رفع القميص وقال وهو يرميه له " ولا
هي تركت لك أثرا خلفها فقد طلبت منه أن ينزلها في مكان عام ولم تتحرك
من مكانها حتى غادر "
وقف ذاك ورمى القميص على كتفيه وأدخل يده السليمة بصعوبة ليلبسه ولم يعلق فهو يعلم
جيدا أن لا لقاء آخر بينهما مثلما يجهل السبب الذي دفعه للحاق بها والخروج خلفها بل
ومراقبتها طوال الوقت في ذاك الملهى وليس يعلم إن كان السبب كما يضن أنه استغرب
خوفها في مكان مثله فقط ليس إلا أو ثمة شيء آخر ؟ فلم تشده واحدة من قبل وهو موقن
من أنها ستترك مكانها ذاك لتنام في حضن رجل قد تكون تراه لأول مرة كغيرها من
أولئك النسوة الغربيات , رفع سترته وقال بصوت مرتخي ووجهته باب الغرفة
" تصبح على خير وشكرا لك يا تيم "
لوح له بيده وتمتم ساخرا " حضا موفقا ولا تنسى أن ترجع لتعقيم جرحك "
ثم نظر من النافذة للرصيف تحتها وحبات المطر ترتطم به بعنف وأشعل سيجارة بعدما
التقطها بشفتيه ليتصاعد دخانها أمام نظره وتلك العبارة التي سمعها منه تتكرر ( لو
أعلم ما هذا العقل الذي في رأسك تترك الطب في آخر عام لك ؟ )
أبعد سيجارته يمسك بطرفها وشرد بنظره في الشارع وصورة والدته على سريرها
ذاك في تلك الغرفة وكلماتها له يومها تتكرر وكأنها أمامه والوعود التي قطعها لها
في مرضها , مشاهد لم يكن الزمن كفيلا بمسحها من ذاكرته ولا جعله ينساها
لتطارده كحبل يلتف حول عنقه فلم يخشى الموت ولم يفكر فيه إلا من أجلها
وبسببها , نظر لسيجارته مبتسما بسخرية ثم رماها من النافذة لتنزل مع حبات
المطر الباردة وهمس ببرود " وهذه أيضا من أجل تلك الوعود البائسة "
*
*
دخلت الغرفة ضاربة بابها خلفها بقوة وأمسكت بطرفي كنزتها الصوفية الحمراء
ونزعتها عن جسدها ورمتها بطول يدها على السرير لتبقى بالبنطلون الجينز
الأزرق الغامق والقميص الأبيض الضيق وتوجهت للسرير فورا وجلست على
طرفه تبعد شعرها البني الناعم جانبا عن وجهها ثم انحنت تنزع حذائها ليرجع
للتساقط مجددا على وجهها ويديها , نزعت الحذاء ورفعت جسدها مبعدة شعرها
بأصابعها ثم تمددت مضجعة على السرير تمد يدها للدرج بجانبه , فتحته
وأخرجت منه هاتفها المحمول ثم ارتمت للخلف على ظهرها ليتناثر ذاك
الحرير البني حولها وهي ترفع هاتفها عاليا أمام وجهها وهمست بملل وهي
تقلبه بسبابتها " زهور .. زهور , اثنا عشرة مكالمة ورسالتين أيضا "
طلبت رقمها فورا فأجابت تلك سريعا قائلة بتذمر " ضننت أني أتصل
برئيس البلاد ولا أحصل عليه وليس فتاة غبية أسمها ماريه "
ليصلها هناك الرد منها سريعا قائلة ببرود " وأنا ضننت أن أمرا مهما
سيحدث معي وأنا أرى كم المكالمات في هاتفي لأجدها جميعها من
معتوهة فاشلة اسمها زهور "
شخرت تلك ساخرة فورا وقالت " ومن ضننت يا حبيبة عمك ؟
زوجك المهاجر مثلا ؟ "
شعرت بتلك الغصة وإن كانت كتمتها ككل مرة بل وكل دقيقة تتذكره فيها
وقالت ببرود تمرر أصابعها للخلف في شعرها " لما لا نتوقف عن
الحديث عنه أم لا سلاح لديك غيره تؤذيني به كل مرة "
وصلها صوت صديقتها المقربة بل والوحيدة هادئا نادمة وهي تقول
" آسفة ماريه يبدوا أني آذيت مشاعرك "
ابتسمت بمرارة فها هي انكشفت حتى دواخلها ولم تستطع إخفائها ككل مرة يتطرقا
فيه لموضوعه , انقلبت على بطنها تخفي وجهها في أغطية السرير الزهرية الناعمة
والسميكة والهاتف لازال على أذنها وهمست بأسى " تجدد عقد زواجنا اليوم أيضا
يا زهور وهذه المرة بعد عامين وليس أربعة أعوام كالمرات الثلاث السابقة "
وصلتها تنهيدة تلك واضحة " ماريه ذاك الشاب يضيعك معه "
قبضت بيدها وأصابعها البيضاء الرقيقة على قماش الغطاء تحتها
وهمست بوجع " أنا ضائعة في كل الأحوال "
قالت تلك من فورها " إن كنت مكانك لرفعت قضية خلع وتزوجت من غيره
وعشت حياتي كغيري بدلا من أن تسجني نفسك في قوقعة ترفضين
دخول أحد لها بسبب ما حدث وما يقال "
همست مجددا تغمض عينيها بقوة " أنتي لم تعرفيه يا زهور "
صرخت تلك بحدة " أعرفك أنتي وأعرف ما حدث وعانيته يا ماريه , لا أعلم ما
بك قوية في مواجهة كل شيء وأي أحد إلا اسم وذكر الأحمق الفار ذاك , ماريه
أنتي ما تزالين في التاسعة عشرة الآن لكن العمر يركض منك يا صديقتي وتكبرين
قبله لأنه رجل , ألم يكفيه ما تركك تعانيه حتى الآن والناس تنهش شرفك ولحمك
وترفضين حتى الدفاع عن نفسك أمامهم وهو كل ما فعله أن اعترف بشيء لم
يفعله وفر تاركا إياك وحدك تعانين ويلات ذلك "
انقلبت على ظهرها مجددا مبعدة شعرها عن وجهها وهمست بهدوء معاكس لاشتعال
محدثتها تلك " لكني من طلب منه الهرب يا زهور "
أتاها ردها مباشرة " لكنك من طلب أجل .... ولكنه يعلم بالتأكيد أن عمك لم يمت
يومها مثلما يستطيع الآن تجديد عقد زواجكما متى أراد ومثلما يوكل محام يشرف
على قضيته من أعوام يصد أي محاولة لفك ذاك العقد , ومثلما يا ماريه هو من
مرر أوراق انتسابك للكلية ليأتي ذاك الخطاب من الوزارة لقبولك رغم أنه ينقصك
درجتين على النسبة المطلوبة هناك وكأنه سمع بكائك المحتج ذاك اليوم وأنت
تتلقين خبر رفضك من تلك الجامعة فما حجته الآن ؟ "
جلست متربعة وقالت بملل " زهور لما لا نغير الموضوع "
قالت تلك من فورها " تحضري معي زواج ابنة خالي الليلة "
أنزلت كتفيها متمتمة بعبوس " تعالي هنا نشاهد فيلما أفضل لنا أليس كذلك ؟ "
قالت برفض قاطع " لا "
فرمت الهاتف بعدما قطعت عليها الاتصال وغادرت السرير جهة الحمام
متجاهلة رنينه الملح
*
*
" يمكنك أخذ جوازك أيها السيد "
رفع نظره الشارد لها ومد يده ساحبا بها جواز سفره الذي ختمته للتو وغادر بخطوات
كل من ركّز عليها شعر أنها مسموعة رغم الضجيج من حوله , خطوات ثابتة ثقيلة
واسعة يقبض بأصابعه الطويلة على يد حقيبته الدبلوماسية التي تتحرك بتناغم مع
خطواته , بذلة رسمية سوداء لم يخفي قميصها الأبيض عضلات صدره العريض
ولا بنطالها الأسود طوله الفارع , نظره على ذاك الباب الزجاجي الواسع الذي يفتح
أليا كل حين في وجه الداخلين أو الخارجين منه متجاهلا بعض الرؤوس التي التفتت
مع حركته , وصل للخارج ووقف أمام أحد الأرصفة الداخلية للمطار ينظر لساعته
بشيء من الضجر وعيناه تمشطان المكان , تحركت حدقتاه السوداء في نظرة خاطفة
سريعة للسيارة التي مرت مسرعة من أمامه وقد أثارت الهواء حوله بقوة عابثا بأطراف
سترته الفاخرة وربطة عنقه وشعره الأسود الناعم القصير محركا ذاك المشهد شفتيه
بابتسامة ساخرة وتلك السيارة البروش الرياضية السوداء تتراجع للخلف حتى استقرت
واقفة أمامه ومد أصابعه لمقبض بابها وفتحه وركب قائلا ببرود والسيارة
تتحرك قبل حتى أن يغلق بابه " في المرة القادمة اصدمني بها لترتاح "
لتخرج تلك الضحكة الساخرة من الجالس بجانبه خلف المقود قائلا
" وكنت طلبت من سائقك المجيء لأخذك مادامت قيادتي لا تعجبك "
نظر للنافذة بتجاهل وقال " هل تحدثت مع خالك فيما اتفقنا عليه ؟ "
مد يده لزر التكييف وقال وهو يرفع من نسبته " تحدثت معه وقال بأنه
سيتكفل بالأمر بنفسه ويبدوا لي جادا هذه المرة "
هز رأسه بحسنا دون كلام على صوت شقيقه قائلا
" وأنت ؟؟ "
نظر له بطرف عينه وقال " وما بي أنا ؟؟ "
أمال ابتسامته ونظره لازال على الطريق وقال " لا تضن أني غافل عما
بينك وبين نجيب مؤخرا يا وقاص "
تأفف دون صوت مشتتا نظره على ملامح الأشجار التي تتلاشى صورها بسرعة مع
سرعة سيارتهم الجنونية وقال بشيء من البرود " تعلم كما يعلم شقيقك ذاك أني لم
أكن راض عن كل ما فعلوه وما خطط له "
قال الجالس بجانبه مباشرة " لكنك لم تعترض يا وقاص والصمت يعني الموافقة
وأنت أكثر من يعلم ذلك "
علت ملامحه ابتسامة متهكمة ساخرة وقال " لو كنت تحدثت لضن شقيقك الأحمق ذاك
أني أفعلها عمدا لأخسره جولة قد ترفع مكانته كما يتخيل , ومنذ البداية أخبرتكم أن
تنسوا أمر تلك الفتاة وتتركوها في غرفتها وعالمها المجهول لكن نجيب كعادته
دائما لا يرتاح ما لم يعكر مزاج جميع سكان المنزل "
انطلقت ضحكة روَاح الساخرة وقال " تخيلت كل شيء إلا أن لا يخرج تلك الليلة
من عندها إلا صباحا , هذا على أساس أنها خرساء مجنونة ! سحقا للرجال "
هز حينها وقاص رأسه وقال ببرود " أراك مهتما كثيرا بذاك الأمر ؟ هلاّ
شرحت السبب "
حرك أصابعه على المقود بتراقص وقال مبتسما " فضول ليس إلا لأعلم ما رآه
شقيقك خلف ذاك الباب فكل توقعاتي كانت أن يتزوجها من أجل مخططه ذاك
فقط لكن أن يقتحم حصون الغول ومن أول ليلة ! تلك لم أتوقعها منه وصراخها
ليلة دخل لها يؤكد كل ما سمعناه عنها "
هز ذاك رأسه مجبرا نفسه على عدم التفوه بأي حرف وتمتم ناظرا للخارج
" هل ستكون في المنزل الآن ؟ "
قال ذاك من فوره محركا المقود بقوة " لا يا رجل فعليا أن أختفي ساعات
الصباح من المنزل فرارا من والدتي "
توقفت حينها السيارة بعدما اجتازت شوارع ( بريستول ) واجتازت تلك البوابة
الضخمة ودارت حول النافورة مستقرة أمام باب ذاك المنزل الفخم بطوابقه
الثلاثة على صوت روَاح قائلا بفخر " حمدا لله على السلامة سيد وقاص ولا
تنسى أني أوصلتك في وقت قياسي لا تحلم به مع سائقك الشخصي ذاك "
فتح الباب وقال نازلا منها " ولا تنسى أنك نفخت لي رأسي طوال
الطريق وأشعرتني أنها أطول من المعتاد بأضعاف "
وضرب الباب دون أن يسمع ردا منه ولا أن يلتفت له ولا أن يخبره أنه اختاره
خصيصا لإحضاره من المطار ليصل سريعا وكان واثقا أنه سيكون هنا في زمن
قياسي , دفع باب المنزل ودخل على حركة الخادمات العشوائية حيث توجهت
إحداهما نحوه مسرعة وأخذت حقيبته قائلة " حمدا لله على السلامة سيدي "
سار أمامها يده في جيب بنطاله وهي تتبعه قائلا " حين يأتوا بالحقائب
خذوها لجناحي أريد كل شيء مكانه حين أرجع مساء "
لتسير تلك في اتجاه مغاير له منفذة الأوامر وتابع هو خطواته الواسعة الواثقة لوجهته
الأساسية ووقف مكانه راسما ابتسامة جانبية على ملامحه المتجهمة لسبب واحد فقط
هو إثارة ذاك الموضوع الذي لشقيقه نجيب ضلع فيه , وقف ونظره على الواقفة توليه
ظهرها أسفل السلالم المؤدي للطابق الثالث وتبدوا منشغلة بشيء ما على الطاولة
الرخامية المرتفعة بأذرعها الذهبية تتوسطها تحفة باللون البني اللامع تأخذ شكل
رجل يحمل دلوا تنزل منة المياه خلفه مسندا قدمه على جدع شجرة .
تقدم نحوها تمسح عيناه تفاصيل جسدها المتناسق والشال الحريري يغطي رأسها
منسدلا على جوانب كتفيها ووجهها ولم تشعر هي بمن تقدم نحوها متفائلا لما يرى
فلم يتخيل أن تعطي الحمية نتائجها في هذا الوقت القياسي ويبدوا تهديده لها أعطى
ثماره وفترة الثلاثة أشهر التي كان فيها خارج البلاد استغلتها جيدا ولن يكونا في
شجار جديد ومتكرر حول تلك العملية التي تصر عليها دائما وهو يرفضها , وصل
عندها ودون أن يتساءل عما تفعله كل هذا الوقت عند تلك التحفة مرر ذراعيه حول
خصرها في حركة جعلت جسدها تيبس مكانه بين تلك الذراعين القوية التي شدتها
لذاك الجسد الصلب ومال برأسه داسا وجهه في عطر وشاحها القوي الغريب عنه
كعادتها تعشق تغيير كل شيء ويراه هذه المرة أروع من كل سابقاتها وهو يعبق
برائحة الزهور وليس عطرا فاخرا كعادتها , همس ولازال تحت وقع خدره
الغريب عنه باستنشاق عطرها وتحسس جسدها الطري وكأنه يعرفه للمرة
الأولى " جيد فعلتها في غيابي وكنتِ عاقلة , أرأيتِ أن الأمر لا يحتاج
لتلك العملية لتنحفي هكذا "
تجمدت أطرافه وأنفاسه حين لم يرى منها أي استجابة ولم يسمع صوتها ولا شيء
سوى أنفاسها المتلاحقة التي تحولت لأنين خافت يشبه البكاء أو هو بكاء مكتوم
بالفعل فأرخى ذراعيه عن خصرها وفكرة واحدة تعصف بعقله وكادت تدمره
( من تكون هذه إن لم تكن زوجته تلك ؟؟ )
وما أن ارتخت ذراعاه تماما عنها انطلق ذاك الجسد راكضا عبر السلالم للأعلى وعيناه
تتبعان بذهول الشعر الحريري الأشقر الغامق الذي تطايرت أطرافه من جانبي جسدها
مع ركضها وقد وصل طوله لنهاية خاصرتها وزوجته لم يعرفها إلا بشعر أسود لم يتعدى
طوله كتفيها , ولم يأخذ وقتا كبيرا في تفسير كل ذلك وهو ينظر لتلك التي تعثرت وكادت
تقع على السلالم بسبب اندفاعها القوي ومفاجأتها وقد أمسكت بإحدى أعمدة الدرابزين
ليصبح ذاك الشلال الحريري منسابا على الأرض تحتها فقد علم فورا أنها ساكنة ذاك
الطابق الوحيدة والتي سرعان ما استقامت في وقفتها وواصلت صعودها دون أن يصدر
عنها أي رد فعل ولا أن تلتفت للخلف لترى من يكون ذاك الذي اجتاح وحدتها وصمتها
منذ قليل عابثا بخصرها بين لمساته , بل ولم يستوعب عقل الواقف مكانه يحدق في مكانها
الخالي منها كيف أن صاحبة هذا الجسد والشعر التي لم يرى وجهها بعد تكون ذاتها من
سمع كل ذلك عنها طوال فترة وجودها هنا ! بل وما أخرجها من سجنها الدائم !! ظهر
نجيب من آخر الممر دون أن ينتبه حتى لقدومه ومر من جانبه وفي عينيه تلك النظرة
التي يطمر بها مشاعر لا يقرأها إلا المعني بها وقال بسخرية لاذعة ضاربا كتفه
ومتابعا طريقه " حمدا لله على السلامة , جدي ينتظرك يا زعيم "
لكنه لم يستجيب للمسته ولا مغزى كلماته الساخرة بل ولم يحرك عينيه عن المكان
الذي اختفت منه تلك الغريبة منذ لحظة فقط , لم يستوعب عقله بعد كل تلك الصور
ولم يركبها !! بل ولم يخرج من غمرة ذاك الإحساس بعد , مرر يده على صدره
حيث لازال يشعر بجسدها ... كانت هنا امرأة غريبة عنه وقريبة في ذات الوقت
... امرأة ما كان ليدنوا منها لكل ذاك القرب إن كان يعلم أنها ليست من ظنها تكون
مرر إبهامه جهة قلبه تحت سترته السوداء الفاخرة وضغط عليه ونظره لازال معلقا
ناحية نهاية تلك السلالم وكأنه انتهى هناك , أجفل فجأة ونظر يمينه لصاحبة اليد
التي مسحت على ذراعه قائلة بحنان وحب " وقاص حمدا لله على سلامتك بني
متى عدت ؟ "
دار جهتها وقبل رأسها وهمس بتلقائية " سلمك الله خالتي كيف حالك ؟
كيف هي صحتك ؟ "
تعلق نظرها به رافعه رأسها للأعلى لتنظر لعينيه وقالت بمودة " بخير , ما
كل هذا الغياب عنا ؟ لم تغب هكذا من قبل ! ما قصدك بهذا النوع من
الاحتجاج يا وقاص "
هرب بنظره من عينيها وقال بجمود " كانت رحلة عمل ليس إلا خالتي , والأمور
المتراكمة هناك من وقت كانت تحتاج لفترة طويلة لإنجازها على أكمل وجه "
هزت رأسها بحسنا رغم عدم اقتناعها بسبب غيابه مدة الثلاثة أشهر الماضية وفي هذا
الوقت بالذات فهي من ربته مع ابنها وتعرفه جيدا إن لم يستطع التكلم ومنع ما لا يريد
أن يحدث في هذه العائلة يبتعد لأن بقائه كان سيكون فيه شجار محتم وعنيف مع شقيقه
نجيب وبالتالي جده وهو من كان يعلم أنه لن يستطيع الصمت إن كان هنا , مسحت
بيدها مجددا على ذراعه وقد رفعت نظرها لوجهه " هل تريد شيئا بني ؟
هل أعد لك شيئا تأكله ؟ سأصنعه بنفسي فقط أطلب "
ابتسم لها وقال " لا تتعبي نفسك خالتي أكلت في الطائرة سأستحم وأرى جدي
ثم أخرج ثمة مشوار ضروري ينتظرني ثم عليا زيارة مكتب المدعي العام
وسأتناول العشاء هنا وأرتاح اطمئني "
أومأت بحسنا مبتسمة ثم غضنت جبينها وقال عاقدة حاجبيها الرقيقان
" أين رواح ؟ سمعت أنه من سيحضرك هنا "
لم يستطع كبت ابتسامته وهو يقول " فر من عند الباب , وأعتقد أنك لن
تريه قبل آخر الليل "
غادرت من عنده متمتمة بضيق " إن كان ثمة من سيقتلني قبل أواني سيكون
ذاك المجنون "
راقبها مبتسما حتى اختفت ثم نظر لساعته في معصمه , ألقى نظرة أخيرة
على ذاك السلالم الأبيض الضخم ثم تحرك من هناك
*
*
تنهد بعجز أمام غضبها المفاجئ ونقل نظره منها لشقيقته ذات الثلاثة أعوام وهي متمسكة
بثوب والدتها تمسك بيدها الأخرى قطعة حلوى تمصها ودمعتها لازالت معلقة في رموشها
الكثيفة بعد صراع طويل معها لتعطيها لها في هذا الوقت من الصباح وقبل أن تتناول
فطورها , عاد بنظره لملامحها الحانقة المتجهمة وقال بجموده المعتاد
" أمي أرجوك لما لا ننسى هذا الموضوع قليلا "
قالت برفض قاطع " أبدا ... وقدم لي عذرك الآن لأعلم سبب رفضك ؟ هل
لأنها من الهازان أم لأني من اختارها لا تريدها ؟ "
تأفف وقال بنبرة هادئة هذه المرة " أمي ما هذا الذي تقولينه ؟ أنا لا تعنيني تلك
الأمور التي بدأت تتلاشى مع السنين وينساها الكبار لنتمسك بها نحن الشباب
ولا سبب سوى أني لست مستعدا لذلك الآن "
قالت بحنق " ومتى ستكون مستعدا وأنت أصبحت في السابعة والعشرين الآن ؟
إن كان هذا ردك أنت غيهم ما سيكون كلام أبان طويل اللسان ذاك ؟ ضننت
أنك ستوافق ما أن تعلم أني أريد ذلك "
حرك رأسه وهمس بضجر " وأبان جهزت له عروسا أيضا ؟ حسنا إن وافق
هو أنا موافق "
غادرت من عنده تسحب ابنتها من يدها متمتمة بغضب " حسنا كن عند كلمتك وذاك
لي تفاهم آخر معه "
هز رأسه متنهدا بيأس ونقل نظره فورا لباب المنزل الذي انفتح حينها ودخل منه ذاك
الشاب ذو الشعر الأسود الحالك الذي ورثه وحده عن والدته والعينين السوداء التي
لم ينافسها غيره فيهما يلف مفاتيحه حول أصبعه يدندن لحنا واقترب منه مبتسما
" ما بك متجهم هكذا يا ابن الحالك ؟ "
قال غيهم بحنق " والدتي هي والدتك يا ابن صنوان وأعتقد أن والدي والدك
أيضا وأنك من يشبهها وليس أنا "
خرجت منه ضحكة صغيرة وقد سند ساعده على كتف شقيقه قائلا بسخرية
" أحسدك يا رجل فكل من رآني نسبني لقبائلهم "
أبعد يده عنه وقال ببرود " جهز نفسك إذا يا ابن جوزاء شاهين الحالك لأنها
وجدت لك عروسا "
شهق أبان بذعر وقال " أعوذ بالله من أين أتت بتلك الأفكار الجديدة ؟ "
تمتم الواقف أمامه بعبوس " لا أعلم ما جعلها تغرس الفكرة في رأسها فجأة !
وأعرف عنادك فلا توافق وتورطني معك "
كان سيتحدث لولا انتقل نظرهما للذي نزل السلالم وتوجه نحوهما قائلا بضيق
" من منكما الذي أغضب والدته هذه المرة ؟ "
تمتم أبان ونظره على والده المقترب منهما لازال ببيجامة النوم
" وقعنا الآن شر وقيعة "
وصل عندهما وقال ناظرا لأبان " هل تكترث لو أخبرتك أني لم أسمع
ما قلت ؟ "
نظر ذاك فورا بطرف عينه للواقف بجانبه وقال " غيهم من كان معها
أنا دخلت وهي مغادرة من هنا "
نقل نظره فورا لابنه الأكبر فتمتم ذاك ببرود " هي من تبدوا لي بمزاج
سيء اليوم "
نقل نظره بينهما قائلا بضيق " كم مرة قلت لا يضايقها أحد ولست أراها سوى
مستاءة من أحدكم كل يوم وكأن جميع من في هذا المنزل يصغر وليس يتقدم
في العمر "
تمتم أبان يمسك ضحكته " لكننا أربعة أبناء والأسبوع سبعة أيام فمن المسئول
عن الثلاثة أيام الباقية "
رماه والده بنظرة قاسية تجاهلها كعادته وأمال وقفته يلعب بمفاتيحه وقال مبتسما
بمكر " أعلم أنه ليس أنت يا أيوب فليتك فقط تقدرنا أبنائك كما تقدرها هي "
وكزه الواقف بجانبه يشعر بجسده تقلص من حيائه بينما غادر والدهما متمتما
" جيل تنقصه التربية "
وصعد السلالم وقد وصلهما صوته قائلا بتهديد حازم " هذه آخر مرة أراها
غاضبة بسبب أي منكما تفهما "
واختفى عن نظرهما فنظر غيهم لأبان وقال بضيق " ألا تستحي أنت تتحدث
هكذا أمام والدك ؟ "
ضحك ذاك وضرب له كتفه بطرف مفاتيحه وقال " تعلم الرومانسية منه يا أخرق
أعان الله زوجتك القريبة عليك , ثم لو لم أحرجه ما فارقنا حتى علم بالأمر ووافقنا
على زوجات المستقبل رغما عن أنفينا "
هز غيهم رأسه وهمس بكدر " كنت سأتحدث معها عن سفري "
ضحك أبان مجددا وقال مغادرا جهة ممر غرفته " تسافر وهي تخطط لتزويجك ؟
قسما أن ترميك خارج المنزل إن قلت كل هذا أمامها اليوم "
*
*
*
رمت شعرها للخلف ولعبت بأصابعه خلاله وقالت للواقفة عند الخزانة مكتفة
يديها لصدرها " ما رأيك ؟ "
وتحولت نبرتها للرجاء وهي تتابع " قولي أني أشبهها يا كنانة حلفتك بالله "
خرجت ضحكة الواقفة هناك رغما عنها وقالت " تشبهين من يا حمقاء ؟ "
نظرت تلك للمرآة وقالت تسرح شعرها بأصابعها " أشبه غسق شراع
صنوان طبعا "
ثم عادت بنظرها لها وقالت بحماس " من يوم رأيتها السنة الماضية طار عقلي
من برجه وكرهت لون شعري ولون عيناي وحتى ملامحي "
جمعت كفيها عند فمها وقالت برجاء طفولي " قولي أني أشبهها ولو واحد
بالمائة "
لم تستطع تلك كتم ضحكتها وقالت " أنا لم أراها مثلك لأقيّم الأمر "
انخفض كتفاها وتمتمت بعبوس " مصروفي ضاع في صبغات الشعر
والعدسات اللاصقة كل شهر وهذا يكون جوابك ؟ "
رفعت تلك كتفيها بقلة حيلة وقالت مبتسمة " تعلمي أنها ترفض الظهور إعلاميا
رغم مكانتها في البلاد ورغم كل ما فعلته فمن أين سأراها وأنا في بريطانيا
هنا منذ صغري ولم أسافر لبلدي قط "
قفزت تلك جالسة على السرير وقالت " تعيسة لو رأيتها لشل دماغك , لا أصدق أنها
كانت في الواحدة والثلاثين من عمرها حين رأيتها السنة الماضية, لم أسمع شيئا
مما قيل في تلك الندوة النسائية وأنا فاغرة الفاه فيها "
" ساندي ... سااااااااااندي "
تمتم بسخط ناظرة للباب الذي فتح بعد ذاك النداء المرتفع " ساندرين أمي
... ساندرين هو اسمي كم مرة قلت لا تختصريه هكذا "
لكن تلك تجاهلت كل ما قالت ونظرت حانقة لشعر ابنتها " ألن تتوقفي عن جنونك
المفاجئ هذا ؟ حين رأيت منابت شعرك ترجع لطبيعتها ظننتك تخليت عن ذاك
المظهر الجديد "
مررت أصابعها في شعرها شديد الكثافة بلمعته السوداء الاصطناعية الشديدة وقالت
مبتسمة وهي تتركه من بين أصابعها " هذا مظهري الدائم عليكم أن تعتادوه "
وعقبت الواقفة عند الخزانة قائلة بضحكة " طبعا حتى ترى شقراء تسحرها
وتجعلها ترجع لشكلها القديم "
غادرت تلك متمتمة بسخط وقالت الجالسة عند السرير بضيق ونظرها على
الواقفة هناك " قريبتي أنتي أم قريبتها ؟ "
ضحكت وقالت " لا أقرب لأي منكما طبعا "
قفزت ساندرين من السرير وقالت متوجهة للمرآة " بلى قريبتي يا ذكية "
وتابعت مخللة أصابعها في شعرها ونظرها عليه في انعكاس صورتها " أليس ذاك
الشاب الجاف البارد الوسيم المدعو تيم ابن عمك ؟ ووالدي يكون عم والدته ؟
إذا نحن قريبتان "
ضحكت تلك وقالت " قريبتان ؟؟ قولي كل واحدة قريبة له هو فقط "
تجاهلت ما قالت وهي تتمتم بسرحان ترتب شعرها الأسود " لو يقول لي أحدهم
أني أشبهها ولو جزء بالمائة أحبه كل عمري "
وتنهدت متابعة وأصابعها لازالت في شعرها " يا قلبي ما أجملها , لا أعلم كيف
لعقل ذاك الرجل أن يقرر فقط أن يطلقها ويترك البلاد للأبد تاركا تلك
الحسناء خلفه "
*
*
*
نظرت بعيدا حيث الجالس على الصالون الآخر ونظره على شاشة حاسوبه من وقت لم
يبعده ولا حركة تصدر منه سوى تنقل مقلتيه السوداء الداكنة في تلك الشاشة المضيئة
التي عكس نورها لون لحيته وبشرته البيضاء , لحيته التي كحال شعره رغم تجاوزه
الخامسة والأربعين بقليل لازال يحتفظ بلونه ولمعته الملفتة للنظر ولن يلاحظ أحد تلك
الشعرات البيضاء القليلة المتفرقة إلا إن اقترب منه وكأنه يحكي الجذور النظيفة لذاك
الرجل التي لم يخالطها نسب آخر وخصال قبيلته التي عرفت بها ( قبيلة الحالك )
نزلت بنظرها للكوب بين يديها تمسكه بأصابع لا يظهر سوى نصفها من كمي كنزتها
الصوفية البيضاء وغابت بنظرها في البخار المتصاعد منه جالسة فوق الأريكة ترفع
ساقيها أيضا فوقها وهذا مكانها منذ وقت , نظرت للدوائر التي تحركت بوضوح في
شرابها الساخن بسبب ارتجاف يديها ما أن عادت بذاكرتها لأحداث البارحة , الأحداث
التي لم تغب عنها لحظة لتنساها فقد أمضت ساعات الفجر في شيء لا يشبه إلا الكابوس
وجسدها بأكمله يرتعش وكانت مجبرة على الخروج من غرفتها والجلوس هنا اليوم كي
لا تثير شكوك والدها حولها وهي أكثر من تعرف جيدا دقة ملاحظته وتحليله للأمور
وذكائه المخيف فإن استجوبها ببضع عبارات فقط لسردت كل شيء دون شعور منها
وهذا ما تعلم جيدا أنه لن يغفره لها مهما بررت وقالت وحلفت بأنها لن تكررها
تعرفه جيدا وتعرف مدى حرصه على كل ما تفعل وزلة كهذه تعد جريمة في قاموسه
فإن كانت هي لا تراها إلا جريمة شنعاء فكيف سيراها هو ؟ رفعت نظرها له مجددا
مع رفعها للكوب لشفتيها ورشفها منه ببطء وعلق نظرها على عينيه وحركة تلك
الأحداق الواسعة وعاد ذاك الشعور بالرعب في أوصالها فأغمضت عينيها بشدة
لتظهر صورة ذاك الشاب أمامها ... الصورة التي عبثا حاولت محوها من مخيلتها
وليست تعلم ما كان سيحدث لها لو لم يلحق بها وقتها وينقدها منهم , أبعدت الكوب
ومررت ظهر كفها على شفتيها وذقنها تمسح ما تسرب من شراب الشكولاته الساخن
بسبب عدم تحكمها في يديها المرتجفة تلك اللحظة , عادت بيديها مجددا لحجرها
وتنفست بقوة وزفرت ذاك النفس بحدة , لا تشعر أنها بخير أبدا وليست تعلم حتى
متى ستمثل هذا الدور من الصمود واللامبالاة ومتى سيفضحها جسدها وتسقط في
نوبة تشبه الصرع أو لا تعلم ما تكون غير أنها ستعبر عن كل ما تكبته من ارتجاف
لازال يسكن أوردتها ويصل حتى لقلبها , أرخت جفنيها للأسفل يخفيان تلك الأحداق
الزرقاء الواسعة وهمست تمسك شفتها السفلى بأسنانها
" يا رب لا يكون مات بسببي "
" تيما "
انتفض جسدها بقوة ونظرت فورا لصاحب ذاك الصوت الجهوري المبحوح المحدق
بها وقالت تمسك الكوب بقوة كي لا يقع من يديها " نعم أبي "
راقبت بقلب يصرخ بقوة من تسارع نبضاته عيني الذي عاد بهما للشاشة أمامه
وقد قال بنبرة غامضة أخافتها " ما المشكلة ؟ "
رطبت شفتيها بلسانها وحمدت الله أنه أبعد نظراته الثاقبة تلك عنها وقالت بصوت
جاهدت كي يكون طبيعيا " ما من مشكلة أبي "
جل ما كانت تخشاه أن يكون يعلم بما حدث أول ليلة أمس رغم استبعادها لذلك فهي تعرفه
جيدا فإن كان يعلم ما كانت لتكون ردة فعله باردة لا مبالية هكذا ولعلم كيف يعاقبها بطريقة
ستجعلها تندم على فعلتها لآخر عمرها , زفرت نفسا كبيرا كم شعرت به خرج من أعماقها
ساحبا معه كل ذاك الخوف والفزع وهي تراه يعود لانشغاله بما كان يفعل ولم يزد حرفا
على ما قال , رشفت من كوبها مجددا ولازالت تراقبه بصمت من فوق طرف الكوب الذي
لم تبعده عن شفتيها , أحيانا تشعر أنها لا تفهمه وكأنه ليس والدها ولم تعش معه كل هذه
السنوات رغم قلة رؤيتها له أو بالأصح حديثها معه فهو طوال الوقت مشغول إما مع أحدهم
أو بأحدهم أو بجهازه الملتصق به ذاك , يجتمع طوال الوقت بمجموعات من الأشخاص لا
تعرف سوى أسمائهم التي تسمعها من الخادمة التي تنطق أغلبها بشكل خاطئ لأنها أسماء
عربية ولم يسبق لها وقابلت أي منهم وجها لوجه , أحيانا تسمع فقط صوت بعضهم إن
أجابت على الهاتف والاحتكاك بأي منهم أو غيرهم ممنوع , ما تعرفه أنهم مجموعة كبيرة
منظمة تنظيم لا يمكن لأي جهاز أمني بريطاني خرقه يعملون ليل نهار ومنذ سنوات من
أجل أمر مرتبط ببلادها هناك .... بلادها التي لم تزرها يوما ولا تعرف عنها سوى ما
تراه في التلفاز , تنهدت بحزن وأنزلت الكوب مجددا فمجرد التفكير في وطنها يأخذها
لأن تفكر في والدتها التي لم تراها يوما ولم تسمع ولا حكايات والدها عنها ليشبع فضولها
لتعرف المرأة التي كانت زوجته وأنجبتها من صلبه فليس لديها سوى أسمها وما يقال
إعلاميا عنها , رفعت نظرها مجددا للجالس هناك تراقب ملامحه الجامدة التي لا
تعبيرات فيها ولا مع تغير الألوان التي تصدرها شاشة حاسوبه على نظارته وعادت
تلك التساؤلات التي تزورها دائما كلما فكرت في صمته الدائم والغامض عن ماضيه
كانت تسأل ومنذ صغرها عن تلك الأم التي حرمت منها لكنها مع مرور الأعوام تعلمت
أن تتوقف عن كل تلك الأسئلة لأنها لم تكن تجد لها أجوبة لديه , وكانت ببراءة تضن أنه
لا يعرف الجواب وحين كبرت علمت أنه يرفض قوله والفرق بينهما كبير , تذكر حين
سألته يوما وكانت في عمر الثالثة عشرة ويوم ميلادها تحديدا وقد طلب أن تختار هدية
لها فقالت دون ترتجع أو تفكير " هل أشبه والدتي ؟ هل أخذت لون عيناي منها ؟
هل صورتها يمكنني أن أراها كلما نظرت في المرآة "
كانت أسئلتها متلاحقة متلهفة وكأنها خشيت أن يسكتها ولا تجد وقتا لسردها جميعها وكم
شعرت وقتها بانجراف مشاعرها لهوة عميقة وندمت .... ندمت حقا على ما قالته وهي
ترى انسدال جفنيه لتخفي عينيه عنها وعلمت حينها أنه أخفى شيئا عميقا وعظيما فيهما
لم يشأ لأحد أن يراه , كانت ستتراجع بل قد تركض مغادرة المكان لترحمه من الإجابة
لولا أن سبقتها كلماته ولم يرفع عينيه بها " عيناك كلون عيني جدة والدتك فهي كانت
خماصية من الهازان أما شكلك فكجدتك من والدتك أميمه غزير ... والدتك أخذت
شكل جدتها الخماصية وعيني والدتها أميمه "
وكم كانت خيبتها عظيمة يومها فهي خسرت الهدية التي كانت تفكر ما ستكون منذ العام
الماضي رغم أنه أجاب على أسئلتها جميعها , وعلمت حينها أنها ووالدتها النقيض تماما
وأن والدها لا يرى فيها ولا شبح زوجته تلك , وكم تبادر لذهنها أنها لو كانت تشبهها
فكيف كانت ستكون نظراته لها وقربه منها ؟؟ كانت تعلم أنها أفكار سخيفة ساذجة من
فتاة رباها والدها وعلمها لتكون أكبر من سنها بكثير لكن ذلك كله كان سببه غموض
الجالس هناك وصمته عن كل تلك الأمور التي تخص ماضيه مع المرأة الوحيدة التي
اقتربت منه كجسد واحد , ورغم كل ذلك كانت تراها فيه حقا , رغم صمته وتهربه من
أي حديث قد يقود لتلك المرحلة من حياته كانت تراها في كل شيء حتى في صمته ذاك
في عينيه ونظراته التي يشيح بها عن أي امرأة تقترب منه وكأنه يحفظ تلك العينين لامرأة
واحدة لن يخونها ولا بنظراتهما , تراها في غرفته في سريره الذي ينام فيه وحيدا وفي
ذاك النور المنبعث من تحت باب تلك الغرفة لوقت طويل خلال الليل رغم أنه لا يدخل لها
أي شيء يخص عملهم السري المبهم ذاك ولا حتى حاسوبه , بل وتراها أكثر في
تدليكه لعنقه المتعب وهو مغمض العينين حين يهمس متنهداً بتعب
" ليتك رحمت نفسك بها يا مطر "
لم تكن تفهم معنى ما يقوله في كل مرة تصدر عنه ذات تلك الحركة لكنها تقرأها في كلماته تلك
في اسمه الحقيقي الذي لا ينطقه إلا في تلك العبارة الهامسة وهو من اتخذ اسما مستعارا ممنوع
عنها حتى هي استخدام غيره إن اختارت أن لا تناديه بوالدي ولا يعلم اسمه الحقيقي ذاك إلا زمرة
معينة وضيقة جدا كما لاحظت وفهمت من تعليماته لها . نقلت نظرها منه للخادمة التي اقتربت
ووقفت عند كرسيه هناك وقالت تضم يديها لبعضهما " سيدي كيسم يطلبك على الخط الأخضر "
فوقفت حينها بعدما وضعت كوبها على الطاولة الزجاجية المنخفضة فذاك الذي تناديه الخادمة
بقيسم ورغم جهلها لهويته وشكله تعلم أنه سيدخل لوالدها في مكتبه خاصة لاتصاله على ذاك
الخط تحديدا وهي يُمنع عليها النزول قبل أن يغادر , صعدت للأعلى ودخلت غرفتها وتوجهت
رأسا لهاتفها ضاربة الباب خلفها ورفعته وهو في رنين مستمر ولأنه تم حضر الأرقام الغير
مسجلة فيه ولا يتصل به إلا أرقام معينة علمت من سيكون صاحب ذاك الرقم , وضعت
الهاتف على أذنها بينما أمسكت خصرها بيدها الأخرى وقالت من فورها
" لا أهلا ولا سهلا ومن اليوم وصاعدا لا أنتي عمتي ولا أقرب لك "
قالت من في الطرف الآخر من فورها " يا حمقاء ما هذا الذي فعلته البارحة ؟ "
جلست على السرير بقوة وصاحت بحنق " وما تتوقعين مني فعله ؟
كدت أكون ضحية لما الله وحده يعلم ما سيكون وأحدهم قد يكون الآن ميتا بسببي
وتلومينني يا غيسانة ! أقسم إن رأيت تلك الفتاة مجددا جررتها لوالدي وأخبرته
بكل شيء ولن تلعبا بعقلي مجددا كالبلهاء "
تأففت تلك وقالت " أخفضي صوتك إن سمعك الآن لن يرحم أحدا وأولهم أنا , أنتي
من تهورت كانت الأمور تسير على خير ما يرام , لما غادرت الملهى ؟ أنتي سبب
ما حدث وما كان سيحدث لك "
أغلقت الخط في وجهها ورمت الهاتف على السرير بقوة متمتمة بحنق
" سحقا لك ولها , أنا الغبية التي أطعتكما "
*
*
*
أبعدت يده عنها والتفتت له وهمست بضيق " كاسر أبعد يدك , كم أكره حركتك
هذه في شد الثياب , أنت لم تعد طفلا "
همس بضيق مماثل ناظرا لعينيها " عمتي هذا ليس وقت توبيخك لي "
تنفست بحدة والتفتت وعادت للنظر من خلف العمود العريض الذي يختبئان خلفه للجالسة هناك
على الطاولة البيضاوية البيضاء تمسك شعرها الأسود الحريري الطويل للأعلى بعشوائية ووجهها
كعادته من أشهر خال تماما من مساحيق التجميل , تحتل جزئا من تلك الطاولة والأوراق مبعثرة
أمامها تمسك إحداها بين أناملها وترفعها قليلا ونظرها عليها وبيدها الأخرى تثبت هاتفها المحمول
على أذنها وتقرأ أرقاما وأمور يتعسر عليهما فهمها محدثة من في الطرف الآخر وليست تعلم شيئا
عما يجري حولها , همس الفتى ذو الستة عشر عاما من خلف أذن عمة والده ونظره على
الجالسة هناك " عمتي لنقترب واسأليها أنتي ففي أي لحظة قد تقف وتغادر لمبنى
الجمعية ولن ترجع قبل مقربة المساء "
وكزته بمرفقها للخلف وهمست من بين أسنانها " كاسر إما اسكت أو تحدث أنت معها "
حركة بسيطة من الجالسة هناك جعلتهما يخرجان من مكانهما رغم أنها قصدت فقط جلب ورقة
بعيدة قليلا عنها ولم تنتبه لهما إلا بسبب خروجهما واقترابهما منها وعمتها تتقدم على الذي يكاد
يكون ملتصقا بظهرها وقالت مبتسمة " كنت أود التحدث معك لكن يبدوا لي أنك مشغولة "
عادت بنظرها للأوراق تحتها وقالت وهي تجمعها " انتهيت عمتي وسأغير ملابسي
وأذهب لمكتبي إن كان الأمر يطول الحديث فيه فلنتركه للمساء "
التفتت للذي يكزها بإصبعه من ظهرها وتأففت في وجهه ثم عادت برأسها ونظرت
للتي وقفت تجمع باقي الأوراق وهي تقول " كاسر أين المدرسة اليوم ؟ "
ثم رفعت نظرها له حين قال مبتسما " لا مدرسة اليوم أمي أم نسيت أنها أيام ذكرى
توحيد البلاد وهي للإجازة وليس الاحتفالات فقط "
انحنت للأسفل ورفعت حقيبة سوداء أنيقة وضعتها على الطاولة وجمعت الأوراق فيها
ولم تعلق بشيء على ما قال فقالت جويرية " لقد اتصلت جوزاء شاهين يبدوا لي أنها
أرادت التحدث معك وحين أخبرتها أنك لست في المنزل قالت فقط أنها تسأل عنا
وبأنها قد تمرنا لرؤيتك وقت ذهابها لزيارة خالة والدها في الجنوب "
أنهت جملتها وكالعادة لم يقابلها سوى الصمت من التي انتهت من جمع أوراقها وغادرت
المكان بخطوات ثابتة هادئة لم تعبر عن شيء مما يعصف داخلها , راقباها تختفي خلف
الجدار الزجاجي وتصعد السلالم الموجود بالجانب الأيمن لبهو المنزل والمؤدي أيضا
للطابق العلوي لكن لغرفتها مباشرة , ومع اختفاء قدميها عن نظرهما عند آخر عتبة تظهر
لهما من ذاك السلالم الأبيض الضخم التفتت تلك للواقف خلفها وهزت رأسها بيأس ودون
كلام فهمس بإحباط منزلا كتفيه للأسفل " لو أعلم ما بها عمتي فهي كانت على علاقة
جيدة بهم نسبيا قبل وفاة جدي شراع ! ما سر قطع علاقتها بها بعد ذلك ؟ "
تنهدت الواقفة أمامه بعجز هامسة " لا أعلم أكثر مما تعلم بني "
غرس أصابعه في شعره الأسود الكثيف المبعثر قليلا وقال بأحرف كسولة
" السر في الماضي عمتي أليس كذلك ؟ "
هزت رأسها بحيرة وقالت " لا أحد يعلم ما السبب وما حدث لها هناك في الأشهر التي عاشتها
معهم فقد أغلق ذاك المنزل بعد اختفاء ابن شاهين وموت عمته وسفر عمه وعودة شقيقته
لزوجها لتُغلق مع أبوابه أسطورة ذاك الرجل وقلب والدتك الصغير للأبد , ودفنت نفسها
في أعمالها وتربيتها لك وبثنا نرى غسق جديدة لم نعرفها من قبل تقتل تلك الفتاة
المرحة داخلها شيئا فشيئا "
تمتم بعبوس شيئا لم تفهمه ثم قال " والنتيجة لم تحدثيها عما اتفقنا عليه "
حركت كتفيها قائلة ببرود " أردت أن أمهد للأمر ولم أنجح ولا في التمهيد
تحدث أنت معها فلن تحبني أكثر منك "
غادر من عندها وقال وهو يبتعد ويديه في جيبي بنطلونه الرياضي
" لا يبدوا لي سينجح الأمر أبدا مع مزاجها هذا , سأرجع لدراستي "
*
*
*
مسحت برفق بالمرهم على الكدمة الخضراء الواسعة على ذراع الجالسة أمامها
قائلة بضيق " كسر الله يده ذاك المجرم , أكثر من أسبوعين مرا ولازالت
بذات لونها بل وتزداد قتامه , هذا غير الخدوش الأخرى لا بارك
الله فيه ولا في من أنجبه ورباه "
عادت لمسح المرهم مجددا ثم سوت وقفتها ونظرت للتي تخفي ملامحها المتألمة في راحة
يدها , نظرت لها بحزن شديد وهي من عرفتها واعتنت بها لست سنوات خلت ومنذ كانت
في الحادية عشرة من عمرها حين أحضروها ووكلت بالعناية بها وأحبتها وكأنها ابنتها التي
أنجبتها وليست غريبة عنها حتى في الدم والوطن فهما تبقيان غريبتان هنا في بلاد أجنبي
ولا ترى هذه الفتاة إلا مثلها وأسوأ وهي التي يفترض أنها تعيش وسط عائلتها الآن .. جدها
وعمها وزوجاته وأبناء عمها لكنها لم ترى منهم إلا كل سوء , راقبتها وهي تبعد يدها وتمسح
عينيها بقوة رغم أنها لم تسمح لأي دمعة بالتسلل منهما وكم تحار في صبر هذه الفتاة فرغم
أنها في الثامنة عشرة من عمرها بل ورأت خلال سنوات حياتها منذ صغرها ما لم يره أحد
لم تراها يوما منهارة وتبكي ولم تشتكي قط إلا في مرات نادرة جدا تغلب فيها ألمها وحزنها
وذكرياتها الموجعة على صبرها وعزمها القويان , فلازالت تذكر تلك الحالة البشعة التي
كانت عليها في أول لقاء لهما وهي ترى أمامها فتاة صغيرة منهارة شبه فاقدة للعقل وكأنه
ثم خراجها من براثن الغول , هزت رأسها بأسى وهي تنظر لعينيها البلوريتان الزرقاوان
والدمعة سجينة تلك الأحداق وهي تنظر لذراعها ولتلك الكدمة البشعة ممررة سبابتها فوقها
برفق وعيناها تحكي قصصا من الصمت يفهمها كل من عرفها وعاش معها دون أن تتحدث
وهي من لا تتفوه إلا بالقليل النادر , حسناء شابه وفتية مثلها هذا ليس مكانها ولا ذاك
المتوحش ينفع زوجاً لها , كانت تلك أفكارها كلما رأتها في كل لحظة ويوم لتتساءل متى
سينتهي عناء هذه الفتاة ؟؟ رفعت يدها لها ومسحت على شعرها الأشقر الغامق قائلة بحنان
" زيزفون لما لا تبحثي عن وسيلة لتتصلي بالزعيم ذاك مجهول الهوية وتخبريه ما فعلوا
بك هؤلاء الأوغاد "
هزت رأسها فورا برفض وهي تنفخ بشفتيها الرقيقة برفق على ذراعها فذاك الهواء البارد
يشعرها ببعض التحسن لتنسى ذاك الألم ولو قليلا , جلست تلك أمامها وقالت بإصرار
" زيزفون لا تنسي أنه وافق ما تريدين الآن تحت إصرار وضغط كبيرين منك ولو
يعلم ما يحدث فلن يعجبه هذا وقد يعاقبك أيضا "
أنزلت القماش الرقيق على ذراعها مغطية له بكاملة ونظرت جهة زجاج النافذة الغير قابل للكسر
والمحمي من الفتح وهمست بخفوت ونبرة قاسية ونظرة شاردة في البعيد" لن أخرج من هنا
حتى يحدث ما خططت له وأريد وذاك الرجل يعلم هذا جيدا وموافق عليه "
كانت الجالسة أمامها ستتحدث فأوقفها همسها ونظرها لازال هناك عند السماء الكئيبة
المغيمة " اتركيني وحدي يا خالة أرجوك "
فوقفت تلك من فورها متنهدة بيأس وعجز بل ورحمة على حال التي تركتها خلفها وسارت
بخطوات بطيئة جهة الباب المشترك بين غرفتيهما , الغرفتان اللتان صممتا لتكونا سكنهما
الدائم حيث يعزل أهل ذاك المنزل المجنونة الخرساء كما يضنون وأرادت هي أن يفهموا
مع رفيقتها أو من تهتم بشئونها ويُمنع عنهما الخروج منها , أغلقت باب غرفتها برفق
ونظرها على الجالسة هناك حتى أغلقته تماما وتركتها لصمتها المعتاد وشرودها الغامض
الممتد وحدقتيها الزرقاء لازالت تعانق السماء الرمادية الملبدة بالغيوم وقد مررت طرف
إبهامها على ذراعها نزولا , تريد أن تزيل ذاك الشعور بتلك الذراعين القوية التي
احتضنتها في الأسفل وتعجز عن فعل كل ذلك فلازال إحساسها بهما على خصرها
وتلك الأنفاس الدافئة على بشرة وجهها حتى الآن , تكرههم ... تكرهه وتريد طرد
كل هذا الشعور الذي لازالت ترسله خلايا بشرتها , لم تره لكنها علمت من يكون
من مناداة ذاك له بالزعيم , مررت أناملها على القماش الحريري الناعم على ذراعها
وهمست بنبرة ساخرة " وقاص سلطان ضرار سلطان .... أنت إذاً رئة
التنفس لجدك العزيز "
*
*
*
فتح باب الجناح ودخل مغلقا إياه خلفه والهدوء والصمت يعمان المكان وكأنه لا أحد فيه
نظر لحقائبه التي أوصلتها الخادمات هناك ولم تتحرك من مكانها رغم أنه مر بمكتب جده
قبل قدومه إلى هنا , توجه لباب غرفة النوم رأسا وفتحه ودخل ووقع نظره فورا على الجالسة
أمام الطاولة الخاصة بصالون الغرفة الواسعة وأطباق متنوعة من المأكولات مصفوفة أمامها
وهي تنظر لها ودموعها على خديها , أغلق الباب ورمى سترته على الكرسي القريب منه
وتوجه للمرآة وقال وهوا يرخي ربطة عنقه عودية اللون " إما تناوليه أو ارفعيه من
أمامك يا جمانة وكفى تعذيبا لنفسك "
وقفت من فورها وتوجهت نحوه وما أن وصلت عنده حتى حضنته بقوة تلف ذراعيها حول
خصره وشدها هو لصدره برفق وتابعت هي مسح دموعها الصامتة على قميصه الأبيض
وهمست بنشيج باكي " جربت كل الطرق ولم أنجح ... كم أكره نفسي يا وقاص "
مسح على شعرها الأسود قائلا بهدوء معاتب " جمانة كم مرة قلت أنه لا يعنيني
وزنك وهو معتدل بالنسبة لي لكن يبدوا أن أراء الناس هي ما تعنيك وليس زوجك "
ابتعدت عنه بقوة وقالت مندفعة وبنبرة حادة " أنا أسمع كلام الناس وليس كلامك أنت
وهم يقارنوني بك ... حمقاء عادية الجمال والطلعة بدينة .... وأخرها لم تنجب له
رغم مرور ثلاثة أعوام على زواجهما "
خرج هو من هدوئه هذه المرة وقال بقسوة " جمانة قلتها وسأعيدها ولآخر مرة تلك
العمليات التجميلية لن تجريها فأخرجي تلك الأفكار من دماغك , أنا راض بك كما
أنتي هكذا ولم أشتكي يوما والمرأة لا تقاس بشكلها , السذّج فقط هم من يفكرون
بهذا المنطق "
رمت يدها في الهواء قائلة بحنق باكي " أنت لست راض عني , أنت وافقت على الزواج
بي نزولا عند رغبة جدك ولمصالح مشتركة بين العائلتين , أنا لست غبية ولا حمقاء
وأعلم عن كل ما حدث "
وقبل أن يعلق بأي كلمة نزلت جالسة على الأرض وحضنت وجهها بيديها وقالت ببكاء
" أنا آسفة لم أقصد أن أرفع صوتي يا وقاص لكني كرهت حقا حتى مقارنة نفسي
بك , أكره نفسي وشكلي وجسدي وحتى تفكيري "
مرر أصابعه في شعره متنهدا بعجز وتوجه نحوها جلس أمامها على الأرض فوق السجادة
وقال بحزم " جمانة لن أُذكرك بكلام طبيبك في كل مرة وهو يقول لك بأنك سبب ما أنتي
فيه الآن وحتى مشاكل الحمل نفسية ليست إلا ولن تحملي مادمت تعانين من كل هذه
الاضطرابات , أنا وافقت جدي في اختياره لا أنكر ذلك لكنه ما كان سيفرض عليا
الزواج بك إن كنت لا أريد "
كانت ما تزال تخفي وجهها بكفيها وأصابعها الطويلة الممتلئة والطلاء الأحمر الناري يغطي
أظافرها وقالت بذات بكائها " لكنك لم تطلب ولا رؤيتي بعد الخطبة , لم تهتم ولا لأن تراني "
تنفس بقوة يهدئ نفسه قدر المستطاع وقال بصبر " لكني لم أهرب منك ليلة تزوجتك وأنتي
لستِ كما يصور لك عقلك يا جمانة وأنا سئمت من تكرار ذات العبارة بأنك تعجبينني كما أنتي "
أبعدت يديها ليظهر وجهها والكحل قد خط خطان أسودان على وجنتيها الممتلئة وقالت بنحيب
" لكنك لست سعيداً معي أنا أعلم ذلك جيدا , أنت تحاول أن تحتويني تراعيني وتعاملني
بالحسنى لكنك لا تحبني كرجل يحب امرأة , لا تشعر بالسعادة معي ... أنا لست غبية "
وقف وقال بضيق طغى على صبره كله " تعبت في إيجاد طريقة أفهمك بها يا جمانة
عوضاً عن أن تستقبلي زوجك الغائب من ثلاثة أشهر كأي زوجة غاب عنها
زوجها تسمعيني محاضرتك المعتادة وكأني لا أحفظها عن ظهر قلب "
عادت لإخفاء وجهها في كفيها وعادت للبكاء مجددا وأسوأ من السابق فتحرك من
هناك متأففا وتوجه للحمام ودخله ضاربا بابه خلفه
*
*
*
" ما تعليقك يا قاسم ؟ "
أبعد نظره فورا عن الواقف عند النافذة لازال يرمقه بتلك النظرة التي يعلم ما تعني جيدا ولازال
يحمد الله على صمت الجالس أمامه خلف الطاولة لم يتحدث بشيء وهو يعلم حديثه جيدا إن قال
شيئا , همس ونظره على أصابعه يده وقد مررها على ذراعه المجروح " كان مجرد أمر
يمكن تسميته بالعمل الإنساني "
قال دجى بحزم " كانت لديك مهمة محددة يا قاسم وقد خضنا شوطا طويلا تعلمون
جيدا أن التلكؤ فيه قد يفقدنا الكثير في أي لحظة فما يعني مخالفة الأوامر لديك ؟ "
رفع نظره له وقال بنبرة صلبة " الهدف كان مجرد رجل سكير جالس بين امرأتين لا
يفعل شيئا والفتاة كانت تواجه مـ .... "
قاطعه فورا " هل كنت ستلحق بأي فتاة تخرج من ذاك الملهى ؟ هل ستترك أي مهمة توكل
إليك لأنك ستجد فرصة في كل مرة لما تسميه عملا إنسانيا ؟ لم يكن لك سوابق مشينة
هكذا يا قاسم "
نظر للأسفل وقبض أصابعه بقوة وأول ما ظهر أمامه صورة عينيها وحدقتيها الزرقاء الواسعة
الدامعة وتلك النظرة المذعورة , يعلم صحة ما يقوله خاله جيدا وما بقي هنا بعد تحريره من
ابن راكان وحُرم من رؤية والدته ولو لمرة واحدة قبل موتها لكي يسيء لمبادئ عملهم الذي
اختار الانخراط فيه , همس ولو مكرها " لن يتكرر الأمر مجددا "
تحدث حينها الجالس خلف الطاولة الزجاجية السوداء خارجا من صمته لأول مرة منذ
دخولهم للغرفة " المنطقة كانت مراقبة جيدا برجالنا , لما لم تتصل بأحدهم للحاق بها
وإنقاذها بل خرجت أنت تحديدا في أثرها ؟! "
رفع نظره ونظر له باستغراب من سؤاله وكان سيتحدث لولا سبقه مطر متابعا بخشونة
" هل تعرف من تكون تلك الفتاة يا قاسم ؟ "
هز رأسه بلا فورا فقال مطر بحزم " إذا لا داعي للتحدث في الأمر أكثر "
قال جملته تلك منهيا الموضوع بأكمله ونظرات قاسم المستغربة لازالت تتفحصه ولم يبدوا
له مكترثا بنظراته تلك وهو يقلب الأوراق أمامه , طرقات على الباب تلاها دخول تيم الذي
ألقى التحية همسا وجلس فورا في الكرسي المقابل له دون أن يضيف شيئا كعادته فتنفس
بارتياح لانتهاء الجو المشحون في ذاك المكتب وانتهاء جولة التحقيق معه وتوبيخه فالوافدون
تباعا سيلهون خاله أكثر للابتعاد عن الموضوع , وما هي إلا لحظات ودخل من ذات الباب
شخص آخر قائلا " جيد لا يبدوا أنني تأخرت فالعدد لازال في أوله "
*
*
*
بعد حمام لم يشعر بأنه أزال شيئا مما يشعر به خرج لافا المنشفة حول خصره ووقع نظره فورا
على الجالسة مكانها السابق تأكل بنهم وتمسح دموعها ولم تلتفت جهته أبدا فهز رأسه بيأس
وتوجه للمرآة رفع مشطه وسرح به شعره للخلف ثم دخل غرفة الملابس ولبس ثيابا مريحة
وعملية أكثر وخرج ووجهته الباب فورا مغادرا من هناك ولم يحاول فتح أي مجال للحديث
مع من تركها خلفه تفرغ غضبها وانفعالها في الإفراط في الأكل كعادتها حين تصاب بتلك
النوبة الدائمة من اليأس , فما أن رأته يخرج مغلقا الباب خلفه بهدوء دون حتى أن ينظر
ناحيتها ازدادت نهما في أكلها أكثر وكأنها لم تأكل حياتها , رمت قطعة اللحم من يدها بقوة
لتتطاير صلصة الطماطم والأعشاب من الطبق بسبب ارتطامها القوي به ما أن سمعت رنين
هاتفها ووقفت تمسح شفتيها بالمنديل بقوة ورفعته وأجابت بحزن " نعم أمي "
وما أن قالت من في الطرف الآخر " مرحبا يا جمانة "
حتى انهارت جالسة على السرير ودخلت في نوبة بكاء جديدة لم تهدأ بعدها بسهولة ولم تسمع
ولا ما كانت تقول والدتها بشكل واضح وقالت بنشيج باكي " لا لم نتشاجر .... بلى تشاجرنا
وأنا السبب لقد خرج غاضبا مني , أمي لما لا ترحموني من لعب هذا الدور الغير مناسب لي "
قالت تلك بحدة " حمقاء طوال عمرك ولا تجيدين التصرف أبدا "
رشفت أنفها في المنديل وقالت بذات بكائها وبحسرة " في ثيابه عطر امرأة أمي , لقد فعل
ما لم يفعله طيلة السنوات الثلاث التي عشت فيها معه , كنت أعلم أنه سيبحث عن غيري
أخبرتكم من البداية أني لا أليق به لكن والدي لم يحاول ولا سماع رأيي "
صاحت والدتها بصدمة " من هذه التي تقول حماقة كهذه ؟ زوجك وحياتك هناك تتمناهما كل
فتاة عربية في انجلترا بل وحتى الإنجليزيات ويحسدك على ما لديك الجميع , لولا سوء
تصرفك وعدم ثقتك بنفسك ونهمك في الأكل كالدّابة ما كان ذهب منك لغيرك وهو من
يُعرف بنزاهته وبعده عن النساء بجميع أنواعهن في بلاد ترمي فيه المرأة بنفسها في
حضن الرجل دون حتى أن يدعوها إليه "
وتابعت صراخها بها " لو فقط عجّلوا قليلا قبل أن تتزوج شقيقتك جيهان لكانوا خطبوها هي
وتزوجته بدلا من ذاك النكرة الذي تزوجها وكانت ستعرف كيف تجعله خاتما في أصبعها
فهي ليست غبية مثلك لا تجيدين سوى الأكل وإهمال نفسك "
رشفت أنفها مجددا وقالت بعبرة وكأنها لم تسمع كل ما رمتها به بقسوة " هل سيكون وقاص
كزوج جيهان الحالي لتضعه خاتما في أصبعها ؟ لا أعتقد أمي ثم هو لا يستحق واحدة
كحبيبتك جيهان امرأة خبيثة كالأفعى "
تجاهلت تلك أيضا حديث ابنتها وقالت بحزم " تصرفي يا جمانة حكمي عقلك المتوقف عن
العمل ذاك فبما أنه يرفض أن تجري العملية ولم يتذمر من مظهرك قط فهو لا يهتم بذاك
الأمر فاكسبيه يا غبية قبل أن تخسريه نهائيا "
عادت للبكاء القوي قائلة بعبرة " لا يحبني يا أمي لا يحبني ما فائدة كل تعامله النبيل معي
ومراعاتي وهو لم يسمعني كلمة حب مرة واحدة ؟ الأمور ليست كما تتخيلينها أبدا "
صرخت فيها بقوة فوق صوت بكائها " توقفي عن شرب السوائل على الأقل لتخف هذه
الدموع الحمقاء التي لا تتوقفين عن ذرفها , كم مرة أخبرتك أن الرجال يكرهون المرأة
الضعيفة الحمقاء ولا أراك إلا تزدادين تمسكا بطبعك القديم "
كتمت بكائها بيدها وقالت تجاهد عبراتها " توقفي عن معاملتي أنتي أيضا بهذا الشكل
فأنا أخذت بنصائحك دائما ولم أجد طريقة تجدي أبدا "
وصلها صوت والدتها الحانق " ستعلمين الطريقة وستعرفينها جيدا يا جمانة حين تري
غيرك تطبقها عليه ووقتها فقط ستتعلمين لكن الأوان سيكون قد فات ولن تجني إلا
الندم والحسرة "
أبعدت الهاتف عن أذنها حين انقطع الخط ثم رمته على السرير ووقفت وتوجهت لخزانتها
فورا وسحبت بابها الكبير بقوة جانبا وأخرجت الصورة المبروزة التي أخفتها هناك من كثرة
ما كرهت النظر إليها وكانت صورتها ووقاص ليلة زفافهما , وما أن وقع نظرها على
وجهيهما حتى انفجرت باكية من جديد
*
*
*
نزلت السلالم العريض الموجود في طرف بهو المنزل الواسع بأثاثه العاجي المذهب وهي
تلف حزام حقيبتها الأنيقة خلف رأسها ليستقر على كتفها الأيسر بينما نزلت تلك الحقيبة
بنعومة على وركها الأيمن وجمعت مقدمة شعرها بمشبك فضي صغير كانت تثبته بين
أسنانها فعليها الخروج مجددا والمحاولة مرة أخرى قبل أن تغلق مكاتب رؤساء الأقسام
وقت الظهر , تباطأت خطواتها في آخر العتبات تنظر حيث الجالسة هناك أمام شاشة
التلفاز ترمي قشور حبوب دوار الشمس حولها دون اكتراث لمكان رميها لها بعد تناولها
للبها وعيناها معلقة بشاشة التلفاز أمامها رفعت يدها ونظرت للساعة في معصمها ثم
عادت بنظرها هناك وهزت رأسها بيأس , هذه ألا دراسة ومدرسة لديها !! فقد بلغت ابنة
عمها تلك الخامسة عشرة من أشهر وكان لهما ابن رزقا به منذ قرابة الأربعة سنوات وبعد
محاولات حثيثة وجهد كبير ليرزقا بابن آخر أو ما يسميانه بالعوض عن ابنهم المفقود
( ظافر )
توجهت جهة المطبخ وما أن دخلت وجدت زوجة عمها مع إحدى الخادمات هناك فسحبت
الكرسي وجلست عليه ورفعت حبة برتقال وبدأت بتقشيرها دون أن تتبادل أطراف الحديث
مع أحد ولا أن تسألها أي منهما شيئا تأكله فطورا لها وهي من يعلم الجميع أنها لم تأكل شيئا
منذ الصباح فلا هي اعتادت اهتماما من أحد ولا هم اعتادوا اعتبارها شخصا موجودا هناك
بدأت بتناولها غير عابئة بحديث زوجة عمها والخادمة وضيوفهم القادمين لأنها لن تشارك
في استقبالهم كالعادة , شعرت بشيء ما يدفعها من وركها فنظرت للأسفل وإذا بيدين
صغيرتين تدفعها وقد قال صاحبها بضيق " انهضي من كلسيي يا ناكصة "
فرمت يديه بعيدا عنها ووقفت وقد رمت باقي البرتقالة وقالت ببرود ووجهتها باب
المطبخ " ومن جعلني ناقصة غير والدك "
وخرجت متجاهلة التي لحقت بها ترميها بسيل من الشتائم حتى خرجت من باب المنزل ولم
تترك عبارة جارحة ومنقصة لقيمتها إلا ورمتها بها وكأنها لا تعلم حقيقة ما حدث معها وتلفيق
زوجها لكل تلك التهم كمن كذب كذبة وصدقها , بل وتُعلمها لابنها الصغير ليكون نسخة عنهم
بل وكأنهم لا يعيشون بمالها وقد أصبحوا ما صاروا عليه الآن بسبب تلك الأموال وتضخيمها
على مر الأعوام لتتحول لأرقام ضخمة جميعها تصب في أرصدة عمها , نزلت عتبات المنزل
الرخامية يضرب كعبا حدائها على سطحها اللامع ممزوجة بصوت آخِر عبارات تلك صارخة
من خلفها " لا أمل حتى في زوج يأتي لأخذك ونرتاح منك فلن يقربك أحد وأنتي
موصومة بالعار "
ابتسمت بسخرية أقرب للمرارة وقد داعب النسيم البارد خصلات شعرها مبعثرا لها حول
وجهها ما أن نزلت آخر تلك العتبات العريضة متجاهلة كل ما قيل كعادتها فتلك المرأة
تحولت من المتجاهلة لها على مر أعوام وكأنها غير موجودة لسليطة اللسان هذه ما أن
حاولت وزوجها رفع قضية لتطليقها من الزوج المهاجر والمختفي عن الأنظار لينزاح
عنهما كابوس اختفاء كل المال الذي يملكانه , وحين حاولا إجبارها على المضي معهما
للمحاكم واجها شابا شرسا قد وكل كمحام عن الطرف الآخر الغائب عن الصورة ألا
وهو ( تيم ) وعرف كيف يجعلهما يتراجعا عما ينويان فعله رغم الوقت الطويل والشوط
الذي خاضاه على مر ثلاث سنين في محاولة تطيقها منه , وقد استخدم ذاك المحامي
معهما ومحاميهما حتى التهديد ونجح الأمر نهاية المطاف واستسلما لكن الثمن كان
تضييق الخناق عليها أكثر ليتحول الصمت واللامبالاة والتهميش طوال تلك السنوات
لتجريح مستمر وكأنهما يذكرانها بما فعلاه من جرم حيالها من أعوام وهما يجعلانها
ضحية لتهمة شرف لم ينساها أحد وضلت ملتصقة بها حيثما ذهبت وكانت .
خرجت للشارع ومسحت بطرف كم كنزتها الصوفية تلك الدمعة التي فكرت في التمرد
على رموشها السوداء الكثيفة مخلفة احمرارا بسيطا في أسفل طرف جفنيها فهي تعلم
جيدا أن الدموع لن تفعل لها شيئا .. لن تشفي جراحها القديمة ولن تمحوا قصتها من
أذهان الناس , رفعت رأسها ووجهها في مواجهة الريح الباردة كي لا تحنيه أرضا
مجددا وقد همست بوجع " أنتي اعتدت كل هذا يا ماريه فلا تكترثي "
ثم أشارت بيدها فوقفت سيارة الأجرة أمامها مباشرة فهي لا تريد الخروج بسيارتها وإثارة
أي شكوك حولها بسبب لونها الذهبي المميز , ما أن استقرت على المقعد الجلدي في الخلف
قالت وهي تسحب الباب مغلقة له " خذني لمحكمة بينبان وسأعطيك فوق أجرتك فقط
خذني هناك وعد بي إلى هنا "
*
*
*
أوصلته الخادمة حتى منتصف الممر وغادرت في الاتجاه الآخر فنزع سترته المصنوعة
من الجلد الطبيعي فلم يعد لها من داع بسبب التدفئة التي كانت تغمر ذاك المنزل الواسع
فتح الباب ما أن وصله فكان العدد قد انتهى تقريبا من نظرة سريعة له على الموجودين في
غرفة المكتب تلك , دخل بخطوات سريعة ملقيا التحية وأدار الكرسي وجلس عليه ليصبح
عدد الموجودين في ذاك المكان تسعة أشخاص وقال ما أن استوى جالسا
" آسف على تأخري "
وما أن أنهى جملته حتى اندفع الباب ودخل منه من يرافقه ضجيجه طوال والوقت , ضرب
جبينه بيده ضربة تحركت معها خصلات شعره الأسود القصير الناعم وقال بسخط
" آه لا .... كنت سأتحجج بأن وقاص سيأتي بعدي , ما هذا اليوم السيئ "
قال تيم ببرود مكتفا يديه لصدره ناظرا له عند الباب " إن لم تتأخر أنت ينفض
الاجتماع لأن ثمة أمر غير طبيعي في الموضوع "
دخل رواح وقفز آخر خطوة وجلس بجواره قائلا " وبما أنك أنت نطقت فالأمور
تجري في مسارها السيئ بالتأكيد "
تجاهله ذاك كعادته فمال برأسه لشقيقه وقاص مستغلا انشغال مطر ودجى مع الواقفان
معهما يناقشون ورقة ما وهمس له " نحن جميعنا أرملان ومطلقان وخمس شباب
عزاب ما موقعك أنت المتزوج الوحيد بيننا "
رمقه ذاك بطرف عينه قائلا ببرود " لست وحدي المتزوج هنا فلا تخلط الأمور "
كتم رواح ضحكته وتمتم بخشونة خشية أن يسمعه ابن خاله الجالس في جانبه الآخر
" نسيت أن ثمة متزوج غيرك لكن من هذا الذي يستطيع التحدث معه في الأمر ؟
أخشى أن يخنقني إن فقط ذكرت أسم زوجته البعيدة تلك "
تحرك الواقفون هناك وعاد كل لمكانه فعدل رواح جلسته ونظر الجميع فورا لوجهي
الواقفان خلف الطاولة من لن يمل أي منهم من النظر لهما كلما وقفا هكذا جنبا لجنب
قائد تلك المجموعة وعمه وذراعه اليمين ورغم اختلاف شكليهما تماما فمن يراهما يعلم
فورا أنهما من ذات تلك السلالة من ذات عروق أشراف الحالك وإن اختلطت دماء ذاك
الذي لم يسرق الشيب من لون شعره الأسود الفاحم سوى مساحة قليلة من صدغيه رغم
تجاوزه للخامسة والخمسين من عمره فلازال يمكنه منافسة ابن شقيقه في البنية والحيوية
والقيادة , جلس مطر على الكرسي الجلدي خلف الطاولة وقال " شاهر قد يتأخر
بضع دقائق أخرى لذلك سنبدأ قبل مجيئه "
لم يغب عن أغلب الجالسين هناك إن لم يكن جميعهم إشاحة الجالس أمام الطاولة لوجهه وتصلب
فكيه وقسوة ملامحه بشدة وذاك الوميض الأسود في حدقتيه ليعود ذاك التوتر يملأ غرفة المكتب
التي ضاقت رغم وسعها لوجود كل تلك الأجساد فيها وكل واحد منهم كفيل بملأ المكان بشخصيته
التي تميزه عن غيره , توجهت أغلب الأنظار له وقد تحركت يده داخل سترته السوداء الجلدية
لتتصلب مكانها ما أن خرج صوت مطر قائلا " لا سجائر هنا يا تيم "
فحول تيم نظره له فورا وقد تابع بحزم ونظره على الأوراق التي يجمعها
" ولا شجارات أيضا "
فوقف من فوره وغادر المكان بخطوات ثقيلة واسعة , وما أن تحرك من كان يجلس
مقابلا له حتى أوقفه صوت مطر آمراً " أجلس يا قاسم "
فصر على أسنانه وعاد للجلوس مكرها ونظره على ملامح ابن خاله الجامدة قبل أن يبعده
مشيحا به للأسفل ولا يفهم سبب منعه من اللحاق به وهو موقن من أن هذه اللحظة بالذات
سيشعر فيها تيم بالوحدة والوحشة أكثر من أي وقت كان وإن لم يكن يعترف بذلك ولا
يظهر عليه لكنه يعلم حساسية الأمر بالنسبة له كما يعلم جيدا الحيز الكبير الذي يأخذه تيم
في قلب مطر وتفضيله له على الجميع وعدم مناقشته له في أي قرار يتخذه فحتى إيقافه
لدراسته وهو في آخر عام له لم يناقشه فيه أبدا , بل ووحده من سمح له بالانضمام
للوحدات البريطانية الخاصة رغم خطورة عملهم واستماتة تدريباتهم فكان الوحيد منهم
المنطوي تحت تلك الزمرة التي تضم أشخاصا من دول مختلفة ووحده الذي سُمح له
ليكون ذراعهم السرية هناك حيث الموت والموت للخونة في نظرهم فكانا هو ووقاص
من أقوى أسلحتهم حيث الآخر اقترب من أن يكون وسط مكتب المدعي العام الرئيسي
وذاك المكان سيخدمهم بشكل لا يصدق إن لم يخن الحظ ذاك المحامي الشاب وأرداه
لأجله المحتوم وهو السجن طوال العمر أو الإعدام بتهمة الخيانة , رفع نظره مجددا
حين بدأت المجموعة بتقاسم الأوراق التي وزعها خاله دجى عليهم ونظره يتبعه
مستغربا وقد قال " شغل الشاشة يا مصعب فالمجموعة هناك تنتظرنا من أكثر
من ساعة "
نقل قاسم نظره بين الذي وقف مستجيبا للأوامر وبين خاله دجى الذي عاد للوقوف
مكانه ثم نظر للجالس خلف الطاولة وقال " هل نسيتم إعطائي ورقة أيضا ! "
لم ينظر مطر له وحدقتاه معلقة بالشاشة الكبيرة المثبتة على الجدار تعكس نظاراته ألوانها
الحمراء المتدرجة وهي تنتقل لمراحل تشغيلها وقد قال ببرود " أنت لن تكون في
المهام القادمة لأنك ستغادر البلاد "
فاتسعت حدقتا الجالس أمامه على اتساعها فأن يجتمع قادة المجموعات الآن وهنا
المجموعات التي ينطوي تحتها ما يفوق الخمس مئة شخص بعضهم حتى أجانب
وأن يناقشوا خطوتهم القادمة ويستثنى هو وإن كان سيسافر فهذه ليست أول مرة
يسافر فيها في مهام ورغم أن مهامه لم تكن بخطورة وحساسية غيره منهم لأنه من
عائلة مطر شاهين لكنه لم يستثنى أبدا من قبل !! شرد بنظره ودهنه بعيدا عن كل ما
حوله وما يقال ويناقش في ذاك الاجتماع الممتد لساعات وفكرة واحدة تشغله هي
مغزى الكلمات التي قالها ابن خاله فذاك معناه أمر واحد فقط فهمه فورا وهو أنه
سيرجع لبلاده وفي وقت قد لا يكون بعيدا
*
*
*
" غسق "
رفعت جفنيها المسدلان على الأوراق المبعثرة على الطاولة أمامها لتكشف عن تلك
الأحداق السوداء الواسعة وقد غشاهما وجوم كئيب أبهت لونهما وكأنها كانت غارقة
في دوامة لا نهاية لها من الأفكار , نظرت للجالس قربها وتهدرج صوتها وهي تقول
" نعم يا رعد "
لوح بقلم الحبر المذهب في يده قبل أن يضرب به طرف أنفها وقال مبتسما
" أنتي لست معي أبدا ولا تسمعين ما أقول "
أومأت برأسها وحركت أطراف أناملها المرتعشة قليلا على الأوراق تحتها وقالت ببعض
الجدية " بلى أسمعك كنا نتحدث عن رأي القضاء الأعلى وخطورة الاحتجاج
لكني مصرة على موقفي وسأتقدم بالطعن في القانون "
أمال رأسه وقال بابتسامة صغيرة " لم نكن عند هذه النقطة ولكن لا بأس نرجع
للخلف قليلا "
وتابع بحزم أخوي لم تغيره السنين لازال يربطهما وبشدة " غسق لن أقول أنك تنوين
التلاعب بالقانون , صحيح أنك أنجزت بجمعية مملكة الغسق أمور لم ينجزها أحد ونساء
كثر ممتنات لما قدمته الجمعية بضخامة حجمها على مر أعوام لكن أن تنتقلوا لمرحة
الاحتجاج ولن أقول الطعن في بعض الأحكام المتعلقة بالمرأة أمر لن يسير في
صالحكم غالبا حتى وإن كنت ابنة رئيس البلاد السابق "
شعرت بتلك الطعنة التي تتغاضى عنها بجهد كبير كلما سمعت تلك الكلمات التي تقودها
للمفقود الذي لن تعوضها الحياة بمثيل له وقالت تجاهد صوتها كي لا تخونها عبرتها أمام أي
أحد غير وسادتها وأغطية سريرها " لكننا لا نطالب بشيء يسيء للقانون يا رعد , قضايا
العنف الجسدي ضد المرأة من القضايا التي تعاني تهميشا كبيرا في المحاكم , لا عقوبات
ولا أولويات تشجع على رفعها "
قال بصبر فوق طباع شخصيته الصبورة " لكنها من القضايا الرابحة دائما يا غسق فيكفيكم
أن اتخذتم على عاتقكم جمعها وإخراج بعض النساء من قوقعة صمتهن عن الأمر ومعالجة نفسية
لهن بعدها وتوكيل محاميات للتكفل بها لتكون قضايا مجانية وخضتم في الأمر شوطا رائعا
فما يقودك الآن للدخول في صراعات مع القوانين "
تمتمت بسخط تنظر للأوراق التي تحركها تحتها " لا رجاء فيك أبدا يا رعد كان عليا
أن أفقد الأمل "
ابتسم يراقب ملامحها الجميلة الحزينة التي يحيطها حجابها الأسود الملفوف بعناية وأناقة
مثبت طرفه بمشبك كريستالي كبير وأنيق وقال " كَوني عضواً هاما في البرلمان الحاكم
لا يخولني لتلك الصلاحيات وحدي يا غسق , أستطيع أن أقدم لك مساعدات كبيرة لكن
ما تصبين له أمر كبير قد يحتاج حتى لاحتجاج شعبي ولن تحصلوا عليه فانتظري
رئيسا جديدا وحكومة أخرى "
وتابع يكتم ضحكة " أو قودوا احتجاجات وأسقطوا الحكم سيكون رائعا أن
تنظموا البلاد كما تريدون وقتها "
كان يتوقع منها تعليقا لاذعا أو تمتمة ساخطة كعادتها لكنه تفاجئ بصمتها وانقباض أناملها
البيضاء فوق الأوراق أمامها ونظرها عاد للشرود بعيدا بحزن أو عبوس أو لا يفهم ما
يكون ذلك فتنهد وقال بهدوء " غسق لن تسوء أحوال البلاد كثيرا بعد الأحداث الأخيرة
كما يتوقع المراقبون فالجميع يقوم بجهده , صحيح أن ثمة هوة تتسع قد تبتلع البلاد
وما فيها وثمة جماعات تشكل وتمرد قد يكون وشيكا لكنـ.... "
" لا أريد أن أراه يا رعد "
جمدت ملامح الجالس أمامها قبل توقف كلماته وتحجرها أمام شفتيه وهو ينظر لها بصدمة
وأناملها تقبض على الأوراق في يديها بقوة وجفناها المنسدلان للأسفل يخفيان ما قد يقرأه
في عينيها وها قد فهم الآن سبب تغيرها اليوم , همس ولازالت الصدمة تعلوا ملامحه
" غسق من أخبرك أ..... "
قاطعته وقد رفعت عينيها ونظرت له بحدقتين لامعة بحقد " سيأتي ولا أريد رؤيته
ولا حتى تحت مسمى أني رئيسة جمعية ومملكة الغسق "
كان ذهوله يزداد وهو ينظر لعينيها القاتمة وتنفسها القوي المضطرب الذي يعلو معه
صدرها ويهبط بشدة , قالت حين طال صمته وتحديقه بها وقد تحول كل ذاك الحقد الدفين
في نظراتها لمزيج من الألم والحنق " أعلم مثلك عن حال البلاد يا رعد فلا تحاول
طمأنتي وأعلم أكثر ما قد يحدث خلال الأيام القريبة القادمة , أنت لك أحقية شرعية
كبيرة في البلاد وتعلم ما تستطيع فعله لتحقيق ما طلبت منك "
هز رأسه بحيرة وكأنه لم يستوعب بعد ما قالت ثم همس بخفوت
" لن أعدك بالكثير يا شقيقتي "
وتابع قبل أن تعلق " ليحدث ذلك ثم لكل حادث حديث فلا تكدري نفسك بأمور
قد لا تحدث "
كانت قبضتيها تشتد أكثر فوق الطاولة البيضاء المستديرة وملامحها تقسوا وقد
تمتمت بصوت مسموع " سيحدث ذلك رغم أني لا أتمنى إلا أن تغلق أبواب
مجلس البرلمان في وجهه "
كانت دهشته تزداد تباعا فهو لم يرى هذا الوجه الحاقد الكاره منها سابقا ولا حتى
في مواجهة من آذوها وهي من عرفت طوال سنوات حياتها معهم ومنذ صغرها
بتفوق قوى التسامح في قلبها الرقيق ! وكل هذا الحقد والغضب ناحية ذاك الرجل
لم يسبق وأخرجته أمام أي منهم منذ غادر تاركا إياها خلفه بل وآخذا ابنتها معه فقد
تسلحت بصمت وصبر فاجئ الجميع لكتمانها كل ما اعتلى مشاعرها ككتمانها القاسي
الكبير لكل ما حدث معها منذ أصبحت زوجة له هناك ولم تُطلع أحد عن أي شيء مما
كان بينهما كزوجين لتبقى تلك الفترة من حياتها وسط الحالك وبين جدران منزل
زعيمه لغزا حتى اليوم والساعة , تصلبت فكاه وهو يقول بجدية " غسق الناس لم
تنساه , لم تنسى يوما ما فعل مطر شاهين وذكره لازال يصدح في كل جدران في
البلاد فكيف سيرفضونه برأيك وتغلق الأبواب في وجهه إن عاد ؟ "
أرخت قبضتاها ودست يديها تحت الطاولة في حجرها تخفي انفعالها من سماعها
لاسمه الذي لم تتوقف الناس لحظة عن تذكيرها به كما قال , ألقت نظرها على
أصابعها وقالت تهرب بنظرها منه " كيف حال رماح ؟ "
حرك رأسه برفض لتغييرها لمجرى الحديث وقال باقتضاب " رماح على حالته
وبالعودة لحديثنا السابق لن يستطيع أحد منع الواقع يا غسق فأنتما كنتما زوجين
وتجمعكما ابنة "
رفعت رأسها بسرعة وقالت بحزم " أنا لا أتحدث عن الصعيد الشخصي يا رعد فهو
لن يرجع من أجلى ولا بسببي ولا شيء يربطنا أو يجمعنا , أنا أقصد النواحي العملية
وكوننا صرنا مؤسسة من مؤسسات الدولة مؤخرا "
نظر لها بحيرة لملامحها المشدودة وعينيها التي أقر بأنها جاهدت ببراعة لتخفي أي مشاعر
قد يقرأها فيها وعادت ذاكرته لوقت قريب في لمح البصر وقال " غسق ما سر الحديث
الأخير الذي دار بينك وبين والدي قبل وفاته ؟ ولما أنتي أكيدة الآن من عودة ذاك
الرجل المختفي من أعوام طويلة "
صرير الكرسي خلفها كان الجواب الوحيد عن سؤاله حين وقفت رافضة الرد عليه وإنهاء
الحديث في الأمر فوقف مثلها أيضا وقال يحثها على عدم المغادرة وهو موقن من أن
ذاك ما تفكر فيه " غسق حديثنا لم ينتهي بعد "
لم تستطع التحرك من هناك وتركه وترك المكان قبله احتراما له , قالت بجمود يشبه
الصقيع برودة " انتهى يا رعد وسأؤجل أمر الطعن في القوانين الوضعية التي ذكرت
حتى يستقر وضع البلاد لكني لن أغلقه نهائيا وشكرا لك يا شقيقي أعذرني على
إهدار وقتك "
قرأت في ملامحه جيدا أنه ينوي قول شيء ما وأن ذاك الشيء قاسي جدا ولن يعجبها
لكن سرعان ما ارتخت خطوط وجهه وابتسم لها تلك الابتسامة التي تحب قائلا
" عنيدة دائما يا حسناء صنوان "
ظهر على محياها شبح ابتسامة بسيطة رغم لمحة الحزن فيها وهمست تراقبه وهو يأخذ
معطفه الكشميري من على ظهر الكرسي ويلبسه " لقد نسي الناس قولها فلما لا
تنساها أنت ؟ "
ابتسم ورفع بعضا من الأوراق التي كانت أمامها وقال وهو يجتازها " لم تنساها الناس
أيضا يا غسق , سآخذ هذه معي وأرجعها لك فيما بعد , أراك في وقت لاحق يا
شقيقتي "
التفتت تتبعه وهو يمر بقربها لتوقفه نبرتها الهادئة الرقيقة
" رعد "
التفت لها بعدما وقف مكانه فقالت ناظرة لعينيه " هل فكرت فيما
تحدثنا عنه آخر مرة ؟ "
هز رأسه بلا وقال مبتسما " لم أفكر فيه وعليك نسيانه تماما "
ظهر الضيق في نبرتها وهي تقول " أتعجبك حياتك هكذا وحيدا في ذاك المنزل الضخم ؟
لقد أصبحت في السابعة والثلاثين ولا ينقصك لا مال ولا سلطة وكل فتاة في البلاد
تتمناك فلما تعاند هكذا ؟ "
أومأ لها برأسه والابتسامة لم تفارق ثغره وقال " أنتي من لم تتركي لي أحدا يعيش معي
عمتي استحوذت عليها بأنانية والكاسر يرفض أن يفارقك لحظة فلم يبقى لي أحد "
تمتمت بعبوس " عن الزوجة والأبناء أتحدث يا رعد فلا تتغابى "
خرجت ضحكته خشنة وقد غادر قائلا " لا تفكري في الأمر فلن يحدث , أو لننتظر
قدوم الغائب الغير منتظر ذاك فقد تتغير الأمور حينها "
وغادر واختفى خلف الباب الذي أغلقه بعده بهدوء على نظراتها المستغربة ولم تفهم
شيئا مما يقول وما علاقة ذاك الرجل بزواجه الذي يرفض الحديث فيه !! انفتح الباب
مجددا كاشفا هذه المرة عن الخادمة متوسطة العمر بثيابها السوداء والمريل الأبيض
وابتسامتها الهادئة قائلة " سيدتي اتصال لك من المكتب الخلفي , إنها السكرتيرة "
أومأت لها برأسها بحسنا وخرجت خلفها صوت ضربات كعب حدائها على الأرضية
الرخامية يتبع خطوات حداء تلك الأرضي المسطح حتى وصلت ردهة المنزل الفسيحة
وجلست عند طرف الأريكة ورفعت السماعة قائلة " أجل يا راوية "
قالت من في الطرف الآخر " سيدتي آسفة لإزعاجك , ثمة اتصال يبدوا
مهما وليس مسجلا "
انفرجت شفتيها وكانت ستتحدث فارتجفت في صمت لارتجاف أوصالها حين
تابعت تلك " إنها مكالمة خارجية سيدتي والرقم لمستشفى "
نظمت تنفسها وعقدت حاجبيها الرقيقان هامسة " من أين ؟ "
قالت تلك من فورها " لندن سيدتي ويبدوا الشخص متعبا من صوته ولا يمكنه
الانتظار أكثر "
مررت أصابعها على عنقها الذي يخفيه حجابها الناعم وقالت ببحة
" حولي الاتصال يا راوية "
وردها كان طنينا متواصلا لجهاز الهاتف تلاه ذاك الصوت الذي يشبه الريح وهو
يتسلل عبر ثقوب السماعة واشتدت أصابعها تقبض عليها بقوة وتدلت دمعتها من
بين رموشها الطويلة وما توقعته حدث حين وصلها الصوت الرجولي الرخيم
بحروفه المرتجفة وهو يهمس
" غسق "
نهاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الثاني 2 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الثاني
الفصل الثاني هدية للغالية توباز
المدخل ~
بقلم : ثلج دافئ
من مطر ل تيما
نعم انا اهمشك يابنتي ♥ولكن لذكرى تقتلني
اراها بين عينيكي ♥واسمع صوتها من شفتيكي
لا تبكي ياصغيرتي ♥حتى انا تهت في حيرتي
ضيعت مني مهرتي ♥وفرطت في بهجتي
اعذري اباكي يا صغيرتي♥فبيدي اعميت بصيريتي
من غسق ل تيما
هربت من لقياكي♥لكي لا اتعذب بذكراكي
اخادع الجميع بنسيانكي♥ولكن في قلبي مأواكي
نعم لم انساكي♥ولازلت انتضر لقياكي
كيف انتي صغيرتي♥ياترى هل تشبهينني
هل تعرفين اسمي ♥ام لم تسألي يوما عني
أبعد نظره عن النافذة ودار معطيا ظهره لمنظر الأمواج المتكسرة على
الصخور والتفت للواقفة خلفه تتحدث منذ وقت وكأن كل شيء في
العالم يسير عكسها
كتف يديه لصدره وقال ببرود " أمي سيكون كل شيء
كما خططت وأريد وستري بنفسك فلا تشغلي بالك بشيء "
قالت بضيق " ما هذا الذي يسير كما تريد ! زواجك من تلك الخرساء
المجنونة أم وقوفك تشاهد البغيض المغرور وقاص ذاك يسرق كل
شيءلنفسه
منذ كان طفلا وهو في المقدمة , كنت أضن أن السبب جدك
لكن يبدوا لي أنكم أنتم الفاشلون أمامه ولا سبب آخر "
أمسك جبينه بأصابعه وصاح بحدة " أنتي تقولين هذا أمي فما تركت
لغيرك ؟ الجميع يعلم أن جدي السبب هو من كان يفضله علينا ويقدم
له الأفضل دائما حتى جعلنا عبيد تحت أمرته "
وعاد ملتفتا للنافذة الواسعة يشد قبضتيه بقوة وأسنانه تكاد تتحطم من
الضغط عليها كتحطم تلك الأمواج الغاضبة وذاك المحيط الذي تلون
بسواد مخيف عكسته غيوم شتاء بريستول السوداء , وصله صوت
الواقفة خلفه
وكأنها تتحدث من بئر عميق " وما فعلت تلك الليلة ؟ "
مرر يده على ذراعه وتلك الذكرى عادت أمامه وكأنها الآن وقال بغيظ
" تلك المتوحشة لم تتركني ألمسها ولم تترك شيئا لم ترميني به
وملئت جسدي بآثار أظافرها الكريهة لكني لها وسترى من يكون نجيب
الذي سخرت منه "
قالت من خلفه بضيق " وما ستتوقع منها وهي مجـــ .... "
التفت مقاطعا لها بحدة " ليست مجنونة أمي "
شهقت بصدمة تنظر له بعينين متسعة وهو يتابع " قد تكون خرساء
مريضة بها علل نفسية كبيرة وكثيرة لكن مجنونة لا وهذا ما تأكدت
منه بنفسي ولن أفوت فرصة نسل طويل لأحد أفراد عائلة السلطان
فهذا ما لن يقدمه ولا الحفيد المبجل وقاص الذي لازال يحلم بحمل
زوجته الغبية تلك "
القهقهة الساخرة التي تبعت كلامه جعلت الواقفة أمامه تبتهج وعلقت
بسخرية " يحمل الجدار ولا تحمل تلك المترهلة ولن ينجب إن لم
يتزوج عليها ولن يتركه جدك يفعلها بالتأكيد وهي ابنة أقرب
المقربين له ومصالح مشتركة كبيرة بينهما "
اتكأ للخلف وكتف يديه لصدره لافا ساق حول الأخرى وقال بابتسامة
انتصار " لم تري وجهه حين أخبرت جدي عن كلام عالم الموروثات
ذاك وعن إمكانية كبيرة جدا لإنجاب أبناء متعددين إن تزوج أحدنا من
ابنة عمنا تلك , ولم تري وجه جدي حين علم فقد رأيت في ملامحه
رؤيته المستقبلية لسنين طويلة وإن لم يكن فيها وهو يرى عائلة
السلطان تزدهر بدلا من أن تتلاشى مع موت الرجال فيها , كنت أرى
في عينيه أنه يحسب حسابا لكل شيء حتى تزويج أبنائي منها بأبناء
أعمامهم الثلاثة وإن كانوا واحدا لكل واحد منهم وبذلك أسم نجيب هو
من سيخلد مرتبطا باسمه أكثر من البقية "
عاد للقهقهة بطريقة متوحشة ينظر للأعلى وهو يقول " كاد يغمى
على حبيب جده المدلل حين علم ما كنت أريد فعله "
تلاشت الابتسامة الحماسية للواقفة أمامه تدريجيا وقالت ما أن توقف
ابنها عن قهقهته الساخرة " وما مناسبة حفلة هذا المساء ؟ هل
علمت عن السبب ؟ "
نظر لها وقال ببرود ممررا يده على قفا عنقه " قال جدي أنها مفاجأة
سيتم الإعلان عنها في حفل اليوم , ومن عدد ومراكز المدعوين لها
يبدوا لي الأمر مهما وسيتم الإعلان عن خبر سار "
صرت على أسنانها وقالت بكره " لن يتخطى حفيده وقاص بالتأكيد
لابد وأنه سيعطيه شيئا أو يرقيه فوق مكانته في إدارة أعمال العائلة "
تحرك من مكانه وتوجه لباب الغرف يديه في جيوبه قائلا
" سنعلم ما يكون الليلة على كل حال "
وغادر الغرفة بخطوات كسولة يدندن لحنا إنجليزيا ونظراتها تتبعه قبل أن
تلحق به وتوقفت منتصف الطريق فجأة وهي تراه يتوجه للسلالم المؤدي
للطابق الثالث فحركت كتفيها بلامبالاة وتابعت طريقها بينما صعد هو حتى
كان عند باب ذاك الجناح ومرر الرقم السري ليفتحه ودخل مغلقا له خلفه
ونظره يجول على الردهة الفارغة من أي شخص والتي اختصرت مقتنياتها
على أريكة وكرسيين وطاولة بأذرع خشبية وقاعدة رخامية ثقيلة , لا تحف
لا زجاج لا مناظر على الجدران ولا أي شيء ضنوا أن من في مثل حالتها
قد تضر به نفسها أو غيرها , نظر فورا لباب غرفتها المغلق وما أن تحرك
جهته حتى انفتح باب آخر مقابل له وخرجت منه امرأة متوسطة العمر ترتدي
قميصا واسعا وتنوره طويلة فضفاضة تجمع شعرها للخلف , تحركت فورا
ووقفت أمام باب تلك الغرفة وقالت بنظرات حارقة " إنها نائمة , لم تنم منذ
يومين وما صدقت أن نامت أخيرا , يمكنك القدوم في وقت آخر "
تقدم نحوها تعلو شفتيه العريضة ابتسامة ساخرة وما أن وصل عندها حتى
أبعدها ممسكا كتف قميصها الكتاني برؤوس أصابعه وكأنها شيء موبوء
أو قذر , تقدم جهة باب الغرفة قائلا " هذه المرة سأمررها لك
بمزاجي فقط , ففكري مجددا بالوقوف في وجهي "
ثم فتح الباب ودخل مغلقا له خلفه متجاهلا نظرات الكره الممزوجة بالعجز التي
ترميه بها , توجه فورا وبذات خطواته الكسولة ناحية السرير الموجود في آخر
الغرفة يديه في جيبيه حتى وقف قربه ونظره على النائمة فوقه بدون غطاء
تحضن بإحدى ذراعيها وسادة تغطي بها وجهها لا يظهر منها سوى شعرها
البني المائل للشقرة متناثرا خلفها واليد الأخرى مرمية جانبا لازالت تمسك
بضعف علبة أدوية لم يصعب عليه معرفة نوعها , نزل بنظره لباقي جسدها
المتناسق رغم نحوله وللقميص الأبيض الحريري الذي يغطيه وقد ارتفع حتى
ركبتيها منسجما مع لون بشرتها العاجية الناعمة المشدودة , عاد به صعودا حتى
ذراعها الذي يكشفه كمه القصير والكدمة البارزة فيه بوضوح وابتسم بسخرية
وهو يتذكر تلك الليلة ... ابتسامة سرعان ما اختفت من ملامحه ليعلوها تجهم
مظلم وهو يتذكر ما حدث وشعر سريعا بالغضب من نفسه , لا يعلم ما أوقفه
تلك الليلة عن فعل ما أراد فعله ! صحيح أنها قاومته بشراسة لكنها تبقى أنثى
وأضعف منه ملايين المرات ويمكنه التغلب عليها بسهولة وهذا ما حدث وقد
انتهى بها الأمر تحت قبضته فوق هذا السرير تحديدا ثيابها ممزقة وجسدها
أوهن من أن تقاومه أكثر فما الذي حدث ؟ لماذا لم يكمل الأمر وكيف خرج
من هنا مسرعا تاركا حتى ما نزعه من ثيابه خلفه ؟! شد قبضته بغضب وفكر
للحظة أن يمد يده لذاك الشعر الأشقر ويشدها منه مجلسا لها وينهي ما تراجع
عنه سابقا ولا يعلم ما ثناه عن فعلها وكأن ثمة خوف ما لحظي سكن داخله
مرر أصابعه على فكه العريض وصولا لقفا عنقه ونظره لازال على
جسدها متمتما " لست جبانا يا نجيب وما تريده سيحدث بالتأكيد "
نقل نظره منها للدرج بجانب السرير ومد يده له وفتحه فكان مليئا بعلب أدوية
مختلفة فتش فيها بيده قليلا ثم ضربه مغلقا له وغادر الغرفة متجاهلا حتى الباب
الذي تركه خلفه مفتوحا وغادر الجناح مغلقا له لينفتح باب الغرفة الأخرى فور
خروجه وخرجت منه التي ضلت تكيل له السباب والدعوات طوال طريقها لباب
الغرفة المفتوح حتى دخلته وتوجهت من فورها للنائمة هناك كما تركتها منذ أكثر
من ساعة , سحبت علبة الدواء من بين أناملها ووضعتها على طاولة السرير
وجلست بجانب رأسها تمسح على شعرها الحريري بحنان هامسة بحزن
" ليحفظك الله من شره يا صغيرتي "
*
*
عضت طرف شفتها بقوة تمنع دموعها من الانزلاق وشدت أناملها
الرقيقة على سماعة الهاتف هامسة بصعوبة " رماح !! أهذا أنت حقا
يا شقيقي "
وصلها تنفسه المتعب مختلطا بحروفه المرتخية وهو يقول
" كيف أنتي يا غسق ؟ أفتقدك يا شقيقتي "
رفعت أصابعها المرتجفة تمسح بأطرافها عينيها وقد بللتها دموعها
التي أشبعت رموشها السوداء الكثيفة وهمست ببحة " رعد المخادع
لم يخبرني أنك استعدت وعيك أخيرا وأنه تم نقلك من فرنسا
للندن ... لقد خدعني "
وصلتها النبرة المبتسمة في صوته رغم تعبه وهو يقول " كان كل شيء
سريا يا غسق فأنتي تعلمي الظروف الحالية وأن نجاتي من الموت خبر
لا يعلم عنه الكثيرين حتى تتحسن أوضاع البلاد وحالتي الصحية "
تذكرت عتبها وقتها وغزا الضيق نبرتها وهي تقول " كان يفترض أن
لا يكون سرا على البعض أيضا يا رماح , متى سترحم تلك الفتاة
المسكينة يا شقيقي ؟ لست تعلم حالتها منذ ذاك الحادث , جليلة
لا تستحق منك كل هذا , يكفي تركك لها معلقة لأعوام "
ساد الصمت للحظات وفهمت فورا سببه وسبب تهربه من الحديث
عن الأمر فهمست بنبرة يائسة " في كل مرة أقسم أني لن أحدثك
في الأمر لكني فاشلة دائما وفي كل شيء "
وصلتها رنة تلك الضحكة المتعبة مختلطة بأنينه المتألم وقال " فاشلة
وأنتي رئيسة جمعية الغسق ! بل وأميرة تلك المملكة البيضاء
الضخمة ! ماذا تركت للناجحين إذا ؟ "
كانت ستعلق لولا سبقتها كلماته قائلا بهمس متعب " ليس هذا حديثنا
الآن يا غسق ولا ما جعلني أغامر وأتصل بك "
شعرت بنبضات قلبها تعلو حتى وصلت لحد الصخب وبشفتيها
تجفان وهي تهمس " ماذا هناك يا رماح ؟ "
*
*
" تحرك الآن ... الهدف جاهز يا تيم "
همس الصوت الرجولي في أذنه بتلك العبارة عن طريق السماعة المثبتة فيها
فوضع الكأس من يده وتحرك من هناك يغلق زر بذلته الرسمية
السوداء يتفادى التصادم مع أي من الموجودين في تلك الصالة الواسعة
ونظره ذات الوقت على الجسد الأنثوي الرشيق الذي انساب على
تفاصيله قماش أزرق حريري قد لامس الأرض رغم علو كعبي حذائها
, تظهر منه بشرة ظهرها العاري ناصعة البياض
وهي توليهم ظهرها وقد تدرج عليه شعر أحمر بلون الكرز تجاوز
كتفيها بقليل
تتحدث بانسجام في الهاتف الذي تضعه على أذنها وفي يدها الأخرى
كأس شراب قدمه لها النادل للتو ترتشف منه كلما تحولت لوضع
الاستماع للطرف الآخر وقد تركت زخم تلك الحفلة خلفها ووقفت قرب
باب الشرفة الزجاجي المقسم لثلاث أجزاء واسعة وصوت ضحكاتها
الرقيقة يسمع بين الحين والآخر
اقترب من مكان وقوفها بعد مروره بالنادل الذي كان يقف عندها وقد
أشار له بإيماءة من رأسه ليفهم أن دوره انتهى وسيستلم هو باقي
الخطة , وقف خلفها ببضع انشات فقط يدعي انشغاله بمسح طرف
حدائه اللامع منحن له للأسفل .
حفل هو السادس لهذا العام وقد ضم شخصيات بارزة ومهمة في
بريطانية
وهي مناسبة تقف لها الدولة على قدم وساق .. التنسيق والتحضيرات
كلها على أعلى مستوى والحراسة تكون مشددة وليس أي مجموعة
تلك التي يسمح لها بالتواجد هنا وهذا تحديدا سبب وجوده ضمنهم كأحد
أفراد الوحدة العسكرية الخاصة وهي مجموعة رجال متعددي الجنسيات
ينطوون تحت تلك الوحدة مشكلين الفريق الأول لمواجهة الأزمات
العالمية ويقع مقرها في انجلترا وتضم أعضاء من القوات البريطانية
الخاصة والفرق الأجنبية في الجيش الفرنسي
والقوات الأمريكية وقوة الدلتا وهم النخبة في القوات الخاصة
الأمريكية ويشكلون معا مجموعات متماسكة من المحاربين يقومون
بأعمال خطرة لا يفكر أحد ولا مجرد التفكير في القيام بها ويعملون في
أخطر الأماكن وأكثرها صعوبة كما يقومون بحماية الشخصيات المهمة
والأماكن التي تجتمع فيها
كما أنهم وحدة دُربت تدريبا خاصا ليس جسديا فقط بل ولمواجهة أكثر
الضغوط النفسية شدة والتأقلم مع الضغط النفسي فأصبحت توكل لهم
المهام الأخطر في العالم وفي الخفاء فهم يعملون بلا عرفان لهم
بالجميل لذلك لا ينتسب لها أي شخص , فالذي سوى وقفته الآن
منتصبا على طوله قد استحق وبجدارة أن يكون أحد أهم أعضاء تلك
الوحدة التي حملت أسم ( أرمور ) أو ( الدرع(
وهو يفاجئ الجميع بقدرته على أداء المهام وتحكمه التام في توتره
وبرود أعصابه في أصعب وأشد مهامهم تلك .... ( تيم صقر ) هو
المعنى العربي للاسم الذي حمله وهو كان لطفل فقد خلال غرق سفينة
في قلب محيط المكسيك
واختفى لخمسة أعوام لم يجد أحد جثته ولم يكن من الناجين وبتلاعب
بسيط في اختبار الحمض النووي وتشابه قوي في ملامح الطفل المفقود
والفتى الذي ظهر ليأخذ شخصيته لم يصعب عليه أن يعيش على أنه
شخص آخر لا يحمل من تيم شاهر كنعان سوى أسم مشطوب وذكريات
من طفولة أغلبها كان مريرا ليصبح اليوم شخص آخر
تعتمد عليه مجموعة أخرى كلفت نفسها لحماية وطنها الأصلي ,
لحمايته خارجيا ممن يكيدون له فكان بذلك من أبرز رجالها لوصوله
لأن انضم لهذه القوات الخاصة التي تصل حتى لمنازل الرؤساء
ومجالس البرلمانات الحاكمة فلا يصعب عليه بذلك جلب
بعض وأهم المعلومات وتحركات بعض الشخصيات والدخول لأوكار
العدو تحت أسم مزور ودرع حامي يدعى بــ (القوات البريطانية
الخاصة(
نظر لساعته ما أن استوى واقفا وعلم حينها أن ساعة الصفر قد حانت
فخمس دقائق فقط هي المدة الكافية ليأخذ ذاك الدواء مفعوله , وما أن
أنزل يده حتى رفعها سريعا وهو يتلقى ذاك الجسد الرشيق القوام الذي
ترنح مكانه قبل أن يهوي للأرض فكان خصرها النحيل في أقل من جزء
من الثانية في قبضة ذراعه ورأسها يتكئ على العضلة البارزة في
صدره غائبة عن الوعي تماما , وما أن التفت الأقرب لهم من
الحضور الموجودين هناك ناحيتهما وبدأ البعض بالتحرك جهتهما
مذعورين حتى أخرج بيده الأخرى بطاقة من جيبه ورفعها أمامهم فجمد
الجميع مكانهم حين علموا عن هويته أو نوع العمل الذي يقوم به هنا
وهو حماية كل واحد منهم فهو من أحد الذين لا يمكن مجرد الشك في
أنه قد يؤذي أي شخص فيهم خاصة ابنة الجنرال ) غامسون ) القائد
الأعلى للقوات البحرية , رفعها بين ذراعيه بخفة وتحرك بها
من هناك قبل أن يصل الخبر لوالدها وحرسه الشخصي , وما أن وصل
باب القاعة الواسع حتى فتحه الخدم أمامه وخرج بها قائلا بأمر قاطع
" أين يمكنني وضعها ؟ "
انطلقت إحدى الخادمات قائلة بخوف من رؤيتها للوجه الشاحب لذاك
الجسد بين ذراعيه " غرفتها الخاصة بعد طابقين وثمة مصعد هنا "
قال قبل أن تتحرك " أريد مكانا أقرب وأكثر أمنا حتى نعلم سبب ما
حدث لها "
أنهى جملته تلك وعيناه تتجولان في المكان وكأنه لا يحفظ تفاصيله عن
ظهر قلب من قبل أن يدخله رغم أنها المرة الأولى التي يدخله فيها
فكان عليه دراسته جيدا قبل المضي في الأمر , ابتسم بانتصار حين
أشارت الخادمة بيدها قائلة " هناك مكتب والدها إنه في نهاية الرواق
الغربي وهو آمن تماما سأرافقك لفتح بابه لك "
وسارت أمامه فورا وهو يتبعها حتى أدخلته ذاك المكتب بواسطة بصمة
من أصبع ابنته النائمة بسكينة بين ذراعيه فدخل دون أن يبدي أي
اهتماما بأمر دخوله هناك ولا أن ينظر لأي من تفاصيل تلك الغرفة
يحسب أنفاسه بدقة فأي خطأ قد يودي بحياته أو يكون السبب في
اختفائه مدى الحياة حيث لن يتمكن أحد من إيجاده
وكان من يكون , وضعها برفق على الأريكة المواجهة لطاولة المكتب
تحديدا وقال وهو ينزع المنديل الحريري عن عنقها لكسب وقت مع
الواقفة خلفه " على سيادة الجنرال أن لا يعلم عن أمر سقوطها حتى
نتأكد من سلامتها ومَن السبب وراء ما حدث معها , الشوشرة حول
الأمر ستعيق عملنا , لقد أبلغت قائد الفرقة "
قالت من فورها " أبلغنا الحرس بالتكتم والموجودين في القاعة
سيحرصون على ذلك فهذا المتعارف في مثل هذه الاجتماعات "
هز رأسه بحسنا يتحسس النبض في رسغها يسرق بتلك الحركة نظره
لساعة معصمه يحسب ما بقي له من وقت حتى تفيق ثم وقف قائلا "
تبدوا حالتها جيدة , أريد عطرا قويا لنتأكد إن كان السبب الإغماء مجرد
إرهاق أو سوء في التغذية "
لم يلتفت للواقفة خلفه متمنيا أن لا يكون طلبه موجودا هنا وابتسم
بانتصار حين تحركت تلك من خلفه قائلة " سأحضر لك واحدا حالا "
وخرجت من فورها فتحرك فورا جهة قدميها فعليه التحرك بسرعة ,
نزع حدائها عنها حيث كانت قدماها في جهة طاولة المكتب وفي حركة
سريعة وخفيفة ثبت جهازالتصنت الصغير الدائري تحت قاعدة الطاولة
الخشبية المصقولة بواسطة علكة شفافة
كان يمضغها لأجل هذا الغرض تحديدا وأنزلها ليده ما أن انتقل لنزع
الحداء منها , وقف على طوله بعدما أنجز مهمته وتوجه لرأس النائمة
على الأريكة دون حراك وبوخزه بسيطة من دبوس في ساعته تجعدت
ملامحها بتألم وفتحت ببطء عينيها التي تلونت حدقتيها بزرقة
المحيط تنظر للوجه بالملامح الجامدة والنظرة الحادة الواثقة المحدقة
بها فرمشت بعينيها قليلا
وكأنها تريد رؤيته بوضوح وهو يقف على طوله وقد قال ببرود ناظرا
لها " جيد أنك أفقت أيتها الأميرة "
رطبت شفتيها الرقيقة بطرف لسانها قبل أن تقول مبتسمة " هل يحدث
هذا في الواقع حقا وثمة منقذين شبان ووسيمين !! "
تراجع خطوة للخلف ودس يده في جيب بنطلونه قائلا بذات بروده
" يبدوا أنك تقرئين الكثير من القصص الرومانسية السخيفة "
خرجت منها ضحكة صغيرة وهي تسوي جلستها وترتب خصلات
شعرها الأحمر قائلة " بل يبدوا أنه أنت الذي لا تعرف المزاح أبدا "
تصلب فكاه وكان سيتحدث لولا أوقفه الصوت الذي همس في أذنه
بتحذير
"تيم لا تبالغ في القسوة معها كن حذرا وأبعد طبعك النزق جانبا "
صر على أسنانه غيظا فلو كان الآن أمامه كان يعلم كيف يجيب على
ملاحظته السخيفة تلك , تنفس بقوة ومد يده لها قائلا " جربي أن تقفي
سموك يبدوا أنه دوار بسيط بسبب الإرهاق فقط "
أمسكت يده فورا ووقفت تنظر حولها للأرض تبحث عن حدائها قائلة
" لا أشعر سوى بالراحة لخروجي من ذاك المكان الخانق "
ثم انحنت ورفعت الحداء ممسكة أشرطته بأصابعها واستقامت في وقفتها
وقالت مبتسمة وناظرة لعينيه " شكرا يا ..... "
ومدت يدها متابعة بضحكة صغيرة " لم أعرف ما هو أسمك "
مد يده وصافحها قائلا ولا يزال يتمسك بجموده " تيم "
سحبت يدها وقالت تمررها على شعرها الحريري القصير ترسم
ابتسامة رقيقة على شفتيها المطلية بأحمر شفاه زهري خفيف " أسم
جميل وأنا أدعى لوسي فلا تنادني بسمو الأميرة مجددا وشكرا على
مساعدتي ونقلي إلى هنا "
رافق حديثها ذاك دخول الخادمة وفي يدها زجاجة عطر باريسي فاخر
وقد قالت مبتسمة بحبور " حمدا لله أراك بحال أفضل سيدتي يمكنك
الانضمام للحفل مجددا الآن قبل أن يقلق سيادة الجنرال "
حركت عينيها بضجر قبل أن تستقرا على الواقف أمامها وقد مسحت
جسده بنظارتها ابتداءً بشعره الأسود الكثيف الناعم لبشرته التي
أعطتها الشمس لونا مميزا فعينيه السوداء بنظرتها الواثقة الحادة
لشفتيه الرقيقة الحازمة نزولا لجسده الذي لم تستطع تلك البذلة
السوداء الأنيقة إخفاء تفاصيله المتناسقة وعضلاته القوية البارزة
وصولا لساقيه الطويلتان , رفعت نظرها له مجددا حين همس
بثقة " أرى الوضع مطمئن ولا داعي للقلق أو عدم العودة هناك "
حركت الحداء بيدها قائلة باستياء " بلى لكني لا أريد العودة لذاك
المكان "
وتابعت مبتسمة له بمشاغبة " ما رأيك في نزهة في الخارج وعشاء
في مطعم أنت تختاره ؟ "
أنهت جملتها تلك على شهقة الخادمة المصدومة من قرارها ذاك
فرماها بنظرة باردة كالثلج ثم تحرك من هناك ووجهته باب الغرفة قائلا
" إن كان لا شيء لك تفعلينه سموك فأنا ثمة مهمة تنتظرني هنا ولا
يمكنني تركها "
وغادر الغرفة على الكلمات الساخطة التي وقعت في أذنه من تلك
السماعة المثبتة فيها " هل جننت يا معتوه ! كيف تتحدث معها بتلك
الطريقة "
أخرج خيط السماعة من بذلته حتى وصل الجهاز المثبت في منتصفه
وهمس بحدة مقربا له لشفتيه " أنجزت المهمة وأعتقد أنه ليس من
ضمنها أن أطيع فتاة مدللة تريد التسكع في شوارع لندن "
*
*
" عفوا "
عدلت سترتها بعد اصطدامها الخفيف بكتف المار من الباب قبلها وهي
تدخل ثم جالت ببصرها في المكان حتى وقع على الجالسة عند طاولة
خلف الزاوية يظهر لها جانب وجهها وملامحها المكتئبة التي تنبئ عن
مزاجها السيئ تحرك الملعقة في كوب القهوة أمامها دون توقف ,
هزت رأسها مبتسمة وتوجهت نحوها وما أن وصلت عندها حتى
جلست على الكرسي المقابل لها ووضعت حقيبتها على الطاولة وقالت
مبتسمة وهي تسحب الكرسي بجسدها لتقترب من الطاولة أكثر "
صباح المزاج السيئ , ما بها السيدة ماريه متجهمة هكذا ؟ "
وضعت ملعقتها في الصحن وقالت ببرود وهي ترفع الكوب
لشفتيها " لم نعد في الصباح آنسة زهور "
تمتمت تلك بالشكر للنادل الذي وضع لها كوب قهوة أمامها ثم رفعت
كمي سترتها قائلة " حسنا ما لديك اليوم يبدوا أن مشوارك لم
يكن موفقا "
أراحت ذقنها على يدها وهي تسندها بمرفقها على الطاولة وقالت
بضيق" استطعت أخيرا أن أصل لذاك الشاب المحامي لكني لم أحصل
منه على شيء فهو موكل من شخص موكل من آخر مجهول وكأنني
أدور في متاهة مغلقة "
شفطت الجالسة أمامها من كوبها شفطه صغيرة ثم أعادته مكانه تضيف
له مزيدا من السكر وقالت وهي تحرك الملعقة " ماريه عليك نسيان
أمر ذاك الشاب والالتفات لدراستك فالمحاضرات تضيع منك إن
لم يكن لديك علم بذلك "
تحول اللون العسلي في حدقتيها لومضات ذهبية غاضبة وهي تقول
" لن أذهب لأي مكان وليضيع العام بأكمله فلست أهتم "
قالت الجالسة أمامها بضيق " هل الإضراب عن الدراسة حل
في رأيك ؟ "
أجابت بضيق مماثل " بل وسأضرب عن الطعام أيضا بما أنه على
ما يبدوا يعلم عن كل ما يحدث معي وعليه أن يظهر ويتحمل معي
عقبات ما تحملته وحدي لأربعة عشر عاما "
قالت تلك بحنق " على من تضحكين يا مريه ؟ هل ستقنعينني الآن أن
السبب هو ما يقال وتحملك له ؟ قوليها لشخص آخر لا يعرفك "
تجاهلتها وأشاحت بوجهها جانبا فقالت زهور بجدية ونظرها على ملامحها
المستاءة " ماريه حل مشاكلك ليس في ظهوره بل في قضية خلع
وزواج من غيره فتنتهي بذلك كل مشاكلك وأولها كلام الناس عما حدث
في الماضي "
نظرت لها وقالت ساخرة بمرارة " ومن برأيك سيرغب بالزواج
ممن تقولين عنها ؟ هل ثمة عاقل يفعلها ! "
أجابت من فورها " بلى وتعرفيه جيدا "
وقفت وسحبت حقيبتها وغادرت من هناك ترفع الخصلات التي
تساقطت من شعرها بسبب حركتها العنيفة قائلة بضيق " الحق
على أتحدث معك في أمور أعلم أنها لا تعنيك شيئا "
قفزت تلك خلفها وسحبت حقيبتها على عجل ولحقت بها حتى كانت
بجانبها وقالت وهي تسير مجارية خطواتها " لا تغضبي مني ماريه
لدي حل لك وشخص قد يساعدك كثيرا فيما تبحثين عنه "
*
*
وقف على طوله وقال بضيق ناظرا للجالس أمامه " ما هذا الهراء
الذي تقوله يا مطر ؟ وكأني لم أفهم معنى ما ترمي إليه "
نصب ساق على الأخرى ناظرا له للأعلى وتابع بذات بروده " أنت
تفهم ما كنت أقول بالتأكيد , واجلس ودعنا ننهي حديثنا بعيدا عن
الغضب والتصلب "
جملته تلك وبروده القاطع لم يزيدا الواقف أمامه إلا اشتعالا وهو يصيح
بحدة شادا قبضتيه " لن تورطني مع شقيقتك المجنونة تلك يا مطر
ليس لك الأحقية في إملاء أوامر شخصية عليا مثلها "
وتحولت لهجته للسخرية وهو يتشدق هازئا " بعد أعوام من فشلك في
إقناعها بشكل حضاري كما كنت تقول وبعدما تجاوزت تلك المنحلة
سن طيشها وتمردها الدائم عليك ودخلت سن الثلاثين أصبحت تفكر
كمثيلاتها الانجليزيات وتريد الآن الارتباط والزواج لأنه السن
المناسب في نظرهن "
وانقلب مزاجه للغضب مجددا وهو يقول بحزم " لكني لست الطعم
أبدا يا مطر , لن أتزوجها وإن علقوا مشنقتي "
وسحب أنفاسه القوية الغاضبة ما أن أنهى جملته ولم يقابلها سوى
الهدوء في نبرة الجالس أمامه وهو يقول " اجلس نكمل حديثنا
يا شاهر ولك ما تريد "
جلس على مضض غير مقتنع ولا بالاستماع لذاك الحديث , رفع كوب
الماء ورشف منه جرعة كبيرة على صوت مطر الجاد قائلا " لم أقل
تتزوجها ولن يجبرك أحد على ذلك , هي خطبة مزيفة لمدة معينة أنا
وأنت فقط نعلم طبيعتها "
وضع الكوب بعنف مبالغ فيه وقال بتشديد " ابحث لك عن شخص
غيري يروض تلك المجنونة لأني سأقتلع عينيها ما أن أراها
أمامي , ولا تنسى كرهها لي و... "
قاطعة بحزم " قلت أنه عقاب وليس ترويضا وإن حدث ذلك أيضا
فسيكون أفضل وكلانا كاسبان "
مرر ذاك أصابعه في شعره الأسود الذي خالطه لون رمادي خفيف جدا
وهمس من بين أسنانه " تعاقبها على ماذا ولما أنا الجلاد تحديدا ؟ "
قال مطر مباشرة " لأنها تكرهك طبعا وعليها أن تتعلم درسا جيدا لفعلة
ما كنت لأغفرها لها لو تحدثت عنها لذلك أُفضل تركها في نفسي "
كان شاهر سيتحدث وملامحه المتصلبة القاسية تنبئ عن نوع ذاك
الحديث فسبقه مطر قائلا " اطلب المقابل الذي تريده ولا تنسى أن
المسألة مجرد تمثيلية صغيرة , خذها من باب التسلية إن أردت "
عاد للوقوف على قدميه وقال بضيق " منذ متى أطلب مقابلا لأي شيء
أفعله ؟ أنت تهينني بهذا يا مطر , جد مسوغا آخر لأفكارك التي تريد
تطبيقها عن طريقي , ثم لا تنسى تيم هو لم يغفر لي حتى اليوم كل ما
حدث في الماضي ويعاملني وكأني غريب عنه بل وأسوأ فتصور
النتيجة وهو يعلم عن هذه الخطبة اللعينة "
كان رد مطر لا مباليا وهو يقول " لن يغير الأمر شيئا إن لم تفعلها
هل تضن بأنه سيعترف بك والدا له إن لم تفعل ما طلبت منك ؟
وضعكما سيء في الحالتين يا شاهر "
شد قبضتيه بقوة وقال بتصلب " أنت تعلم مثلي عن الظروف وقتها
ورغم شرحي الأمر له وأن والدته كانت تعلم عن وجودي وأنها من
رفض أن أخرجهما من هناك كي لا اعرض حياتي للخطر لم تتغير
نظرته للأمر
وبقي على رأيه بأني سبب موتها وهي لم تبلغ الثلاثين عاما بعد وأني
سبب تردي حالتها الصحية "
وتابع بمرارة وحرقة " حتى أنه صرح بأن موتي كان أشرف لي من
تركها تموت وأنه تمنى أن خسرت أنا حياتي لأهبها لها وتبقى هي "
أبعد مطر نظره عنه وهو يتابع بضيق " ستكبر الفجوة بيننا يا مطر إن
حدث ما تخطط له وإن كان زائفا فأنت تعلم أكثر مني كم هو عنيد
وشديد المراس ومتصلب الرأي ولا أحد يفرض عليه شيئا ولا يتبع إلا
كلام عقله وكأنه دفن عواطفه مع والدته من أعوام فما الحكمة التي
تراها فيما تريد مني فعله ؟ حتى أنك ترفض التحدث معه في الأمور
الشائكة بيننا رغم يقينك من أنك وحدك من يحترمه ولا يرفض له طلبا
وإن كرهته نفسه "
وقف مطر مثله وصار مقابلا له لتقارب طولهما وقال بحزم " لا أحد
يستطيع لومه يا شاهر فوحده من يعرف مقدار تلك المعاناة التي
عاشها عليك أن تسلك طريقك وحدك وسط الأشواك التي غرستها
بينكما سابقا
لا تنتظر من أحد أن يشهر سيفه ويقطعها لتنبسط لك الطريق فلا
يتعلم المرء إلا من تجاربه "
تصلبا فكي الواقف أمامه وخرجت حروف كلماته كالفولاذ وهو يقول
ببرود " يقولون دائما اسمع نصيحة مجرب فأعطني نصيحتك بعد
اكتمال تجربتك يا ابن شاهين "
أكمل جملته تلك ولم يفته الخطوط القاسية التي ظهرت في وجه
الواقف أمامه وتصلب ملامحه وهو يفهم مغزى حديثه ذاك وقد تحول
حوارهما لأشبه بمعركة بين قائدين وهما ينظران لبعضهما كنمرين
يستعدان للقتال
كسر مطر ذاك الجو المشحون قائلا بجدية وملامحه لا تزداد إلا صلابة
" يوم أكون في موضعك الآن لن أطلب من أحد أن يصلح ما
قمت أنا بتدميره يوما بيداي "
حرك شاهر رأسه مبتسما بسخرية وقال " عواطف المرأة ليست
كالرجال يا مطر لن تعرف ذلك أكثر مني "
قال مطر مباشرة " ولن تعرف أنت من كانت زوجتي أكثر مني
مثلما لن تعرف تيم كما أعرفه أنا "
كان سيتحدث لولا قاطعه الواقف أمامه بحدة " لنرجع لموضوعنا
الأساسي ولا تخلط الأمور لتهرب "
زم ذاك شفتيه وتلقى تلك الكلمات بصبر فهو يعرف معنى إثارة
موضوع تلك المرأة أمام مطر وسبق وحذره عمه دجى من فعلها , رفع
أصبعه وقال بنبرة قاطعة " شرط أن تتحدث مع تيم في الأمر وتخبره عن هذه
اللعبة , أنا لست مثلك أبني آمالا على قدراتي وحدي لإصلاح شق
تحول مع الأعوام لصدع زلزال في أرض صلبة "
همس مطر وقد عاد للجوس " لك ذلك "
تنفس شاهر بقوة معلنا استسلامه وقال " ماذا بشأن سفر عمك وقاسم ؟ "
قال الجالس تحته دون أن ينظر له " لازلنا نتباحث الأمر وثمة عثرة
في سفر قاسم "
قال شاهر باستغراب " عثرة ماذا تلك وأوضاع البلاد هناك لا
تحتمل أي تأجيل ؟ "
همس مطر ونظره جانبا " الموضوع شخصي "
هز الواقف فوقه رأسه باستسلام متمتما " لو أعلم ما مخططك الجديد
هذا ؟ وأتمنى أن لا توقع ذاك الشاب في مطب مثلي "
ودون أن يكترث للنظرة التي رماه مطر بها وقد دمجت الضيق بالاستهجان
تحرك من هناك ووجهته الباب المغلق عليهما وما أن أمسك بمقبضه
وفتحه حتى وقف مكانه والتفت بوجهه للجالس خلفه وقد عاد التمرد
للسانه مجددا وشجع نفسه بأن لا بأس في أن يأخذ ثمنا كدفعة أولى
على رمي نفسه في براثن شقيقته المتوحشة تلك , قال ما أن حول مطر
نظره له منتظرا سبب توقفه المفاجئ " ليكن في علمك يا مطر أن
الحديث عن الأمر ليس أبدا كتجربته وما أن تصير في وضعي الآن
ستجد نفسك ترضى بأنصاف الحلول "
لم يعر اهتماما لتغير ملامح الجالس هناك وتابع وهو يشق طريقه عبر
الباب " سترى بعينك وتصدق حين تغفر لوالدها الذي تركها كل هذا
الوقت تضن أنه ميتا , صدقني ستغفر له دون قيود أو شروط "
شد الجالس على الكرسي أصابعه على مقبضيه وآخر جملة قالها
ذاك تصله وهو يغادر " بينما ستعجز أنت عن فعلها وحدك يا
ابن شاهين وسترى بنفسك "
*
*
نظرت للهاتف المحمول بين يديها بحزن يصلها صوت المجيب الآلي
وهويخبرها مجددا وللمرة ما يقارب العاشرة بأن الرقم مشغول ,
تحركت الواقفة خلف سريرها الجالسة عليه حيث كانت تقف عند الباب
الزجاجي لتلك الشرفة الواسعة , دارت حول السرير حتى أصبحت
أمامها وقالت ببرود " جيد يبدوا أننا تعادلنا "
رفعت نظراتها بها وارتفعت رموشها السوداء الطويلة كاشفة عن
ترقرق الدموع في تلك الأحداق الزرقاء الواسعة وقالت برجاء شبه
باكي " سأحاول مجددا بما أن الرقم ليس مغلقا فثمة أمل ولن أسمح
لك بالتراجع عن اتفاقنا يا غيسانة "
لوحت تلك بيدها أمام وجهها قائلة بسخط " اتفاق ماذا وأنتي أفسدت
كل شيء ؟ لولا طيبة قلبي ما أكملت ذاك الاتفاق الأخرق فلم يعد
من حقك أن .... "
قاطعتها الجالسة أمامها بعبرة مخنوقة " بلى كان اتفاقنا أن تجلبي رقما
يوصلني لوالدتي وأن أكلمها من هاتفك مقابل مساعدتي لصديقتك تلك "
تخصرت الواقفة فوقها وقالت بضيق " وأنتي لم تساعدي كارميلا بل
ورطتني معها وأفسدت كل شيء بخروجك الذي كان لا داع له فقد كاد
الرجل يقع في المصيدة ونرجع القرص منه وينتهي كل شيء لكنك
فررت كالدجاجة "
شدت أناملها المرتجفة على الهاتف بسبب ذكرى ما حدث ودمعتها
اليتيمة تلك تفارق رموشها متدحرجة على وجنتها المشمشية الرقيقة
وقالت بضيق
" كيف تريدين مني البقاء هناك ؟ أنتي لم تري نظرات ذاك الرجل كدت
أموت رعبا وأنا أراه يقترب مني , هل كنت تتوقعين أن أستقبله
بالأحضان مثلا ؟ "
صاحت بها بحنق " وما جنيت من خروجك يا غبية ؟ لقد فقد الرجل
قدمه وتحولت تلك الليلة لكابوس ما ضننت أننا سنفيق جميعا منه "
أسدلت رموشها للأسفل مجددا وهمست بحزن تكابد دمعة جديدة
ترفض الخنوع لسيطرتها " معك حق ما الذي جنيته سوى أني أوديت
بحياة شاب لا دخل له من أجل انقادي , كنت أستحق أن ألقى مصيري
هناك وأواجه خطئي وحدي "
تأففت الواقفة فوقها وتحركت بخطوات غير منتظمة ضجرة وكسولة
وهي تتمتم " كان عليا أن لا أتق بك وأنسى بأنك مجرد عربية جبانة
وطفلة تفتقر لحسن التصرف "
رفعت نظرها بها مستاءة فوقفت مقابلة لها مجددا وقالت مشيرة
بسبابتها تغلق أمامها أي باب للرد على هجومها " جربي هيا ولآخر
مرة بعدها سآخذ هاتفي منك وأعتقد أننا تصافينا وتساوينا "
رفعت الهاتف لأذنها وهمست ناظرة لعيني الواقفة فوقها " سأجرب
لآخر مرة ولعلمك فقط فأنتي الجبانة وليس أنا لكنت ذهبت بنفسك
ولم ترسليني "
ثم أبعدت نظرها عنها فورا متجاهلة النظرة النارية التي رمتها بها
وشعرت بها تجلس بجوارها وقلبها يدعوا بأن ينجح الأمر الآن ولا
تفقد فرصتها الوحيدة لسماع ولو صوت المرأة التي تاقت لرؤيتها
ولو لمرة في حياتها وللمسة حانية حنونة منها
*
*
وضعت السماعة ويدها لازالت عليها وأمسكت جبينها بيدها الأخرى
رأسها للأسفل مغمضة عينيها بقوة لا تصدق ما سمعته منه وأنه قاله
لها هكذا وبكل بساطة , شعرت بصداعها يزداد حدة وهي تتذكر تلك
الجملة تحديدا من بين كلماته ( أنتي لم تعودي ملزمة بشروط ابن شاهين تلك التي تركها خلفه
وقيدك بها كسلعة رخيصة لبقاء والدي في مركزه رئيسا للبلاد ولتوحيد
أقطارها , لقد تحررت منه بموت والدي ولم تعودي حكرا للعيش
على شروطه وذكراه )
زادت من شد أصابعها على صدغيها أكثر وصوته لازال يرن في أذنيها
كالطرق على الحديد ( جبران يحتاجنا جميعا يا غسق بل يحتاجك أنتي
أنتي من يمكنه ردعه عن ذاك التفكير المجنون , هل تعي معنى أن
يقود حركة تمرد أو حتى أن يكون جزءا فيها ؟ )
أيقضها من أفكارها تلك وحرر صدغيها اللذان كادا يتحطمان من ضغط
أصابعها رنين الهاتف مجددا فرفعت رأسها ونظرت له بعينان مجهدة
لتجمد نظراتها على شاشة كاشف الأرقام فيه فما بال الأرقام الخارجية
تنهال عليها اليوم ولما لا يكون مكان رنينها كالعادة على مكتبها الخاص
هناك أو هاتفها المحمول !! استغربت من الشخص الذي قد يعلم برقم
منزلها ويستخدمه إن كان رماح أغلق منها للتو ؟ مدت يدها بتوجس
لسماعته تشعر أنها ستكون أثقل من الفولاذ فلم يعد قلبها يتحمل أكثر
ثقل هذا اليوم عليها .. كوابيسها البارحة .. لقاء رعد ثم مكالمة رماح
وكم تخشى الآن من هذا الجهاز وما يحمل وراء رنينه الملح , رفعت
السماعة ببطء ووضعتها على أذنها وقررت الصمت وأن لا تُعرف
عن نفسها حتى يتحدث من في الطرف الآخر لكن كل ما وصلها
كان صوت أنفاس مضطربة فقط , شدت أناملها على السماعة
وخرج صوتها منخفضا فوق رقته " غسق شراع تتحدث .. من
المتكلم ؟ "
تناهى لها صوت هامس من تلك الثقوب الملتصقة بأذنها , كان همسا
بعيدا وكأنه دعاء خافت أنثوي رقيق , غضنت جبينها الصغير مقربة
حاجبيها الرقيقان وشعرت بنغزة ما في قلبها لم تفهم سببها , خانتها
يدها المرتجفة وكانت ستعيد السماعة مكانها لولا تصلبت أصابعها وشعرت
بتلك القبضة تطبق على قلبها بقوة , ذات تلك اليد الحديدية التي
اعتصرت قلبها من أعوام طويلة وذات ذاك الصوت الذي لم تنساه يوما
وحفر في ذاكرتها لأعوام , صوت امرأة سكن أحلامها لسنوات خلت
وحاربت ذكراه بشراسة حتى ضنت أنها نسيته لكنها ميزته الآن
وبسهولة ميزت رقته الممزوجة بخشونة أنثوية .. ذاته لم يتغير من
أعوام وهو يصلها الآن ساخطا " آه يا رجل أنت لا تعرف طرق
الأبواب أبدا "
شعرت بالهواء يفرغ من رئتيها حد الاختناق وصوت آخر بعيد
بنبرة رجولية مبحوحة ساخرة متسلية يصل لها " هل عليا حقا
طرق باب غرفة من غرف منزلي يا غيسانة "
لم تشعر بنفسها إلا وهي تضرب سماعة الهاتف به بقوة مرة واثنتين
وثلاثة , كانت تضربها بكل قوتها صارخة لا تعلم ضرباتها ما تصيب
منه وما خلفت وقطع منه تتناثر هنا وهناك , كانت تضربه وتصرخ
بعبارات هي نفسها لا تفهمها ولا تعلم ما تكون غير أنها نار مشتعلة
دفنت داخلها لأعوام وأعوام , بركان سدت فوهته بحرفية لوقت طويل
وخرج عن سيطرتها الآن حد أنها لم تعد تعي ما تفعل وما تقول
وفقدت صلابتها تلك التي تمسكت بها كدرع قوي حولها وعادت لها كل
تلك الذكريات التي دفعت عمرها ثمنا لدفنها , عاد لها كل ما حدث تلك
الليلة يضربها كموج غاضب من الألم والحرمان , فإن أخطأت
الصوت الأول فلن تخطئ الآخر , إن لم تعرف صوت تلك
المرأة فهي تعرف صوت ذاك الرجل كما تعرف نفسها
*
*
تحولت نظراته منها للجالسة بجوارها والتقطت عيناه فورا توترها لتسقطا
على الهاتف في حجرها مما زاد اضطرابها وهي من فقدت كل قدرة لها
على التماسك والتفكير بل حتى إنهاء المكالمة ما أن انفتح الباب ورأته
أمامها , تحرك نحوها عاقدا حاجبيه وهمس وقد نقل نظره بينها
وبين الهاتف المرتجف في يديها " ما الأمر يا تيما ؟ "
كادت دموعها أن تنفجر من عينيها وتعترف بكل شيء لولا أسعفتها
الجالسة بجوارها حين اختطفت الهاتف من يديها بخفة قبل أن يصله
قائلة بسخرية " ابنتك لم ترث الشجاعة منك على ما يبدوا , لقد جفت
عروقها من مقطع صغير لرجل يقتل على أيدي مجموعة إرهابية "
وسارعت لفتح قائمة الأفلام المحملة بعد أن مسحت تلك المكالمة بخفة
خبير وقلب قوي قبل أن تختطف أصابعه الهاتف منها , نظرت له فوقها
بضيق وتمتمت ونظرها على عينيه المركزة على حركة أصبعه على
شاشة هاتفها " لا تخف لم أكن أريها مقاطع مخلة ولن أكون
سببا في انحرافها "
ثم وكزت الجالسة ملاصقة لها بمرفقها تحذرها من خوفها المبالغ فيه
وكان رد تلك عليها وكزة مماثلة فهمست بضيق من بين أسنانها " هل
كان عليك تلاوة كل تلك الصلوات الغبية لتحدثيها ؟ لقد أضعت
الوقت والفرصة يا جبانة "
رمى لها بالهاتف بعدما فتش قائمة المكالمات الواردة والصادرة فحيلتها
تلك رغم ذكائها لم تنطلي عليه وهو من يعرف ابنته جيدا ويعرف
شقيقته تلك أكثر منها لكن لا بأس سيعلمها درسا لن تنساه حياتها
ويجعلها تسيرعلى الطريق القويم , دس يديه في جيبي بنطاله وقال
ببرود ونظره
على اللوحة الزيتية المعلقة على الجدار البعيد " ثمة من خطبك
مني وأنا وافقت "
نظرتا لبعضهما باستغراب ثم له وخرجت غيسانة من صمتها أولا قائلة
باستنكار " لازالت صغيرة على الزواج يا مطر ! هل جننت ؟؟ "
انتقلت نظرته الصقرية لعينيها فورا فارتدت للخلف قليلا من تأثير ذاك
الغضب الغريب المبهم عنها فيهما وقال بجمود " أنتي وليس هي "
وقفت بشهقة قوية ونظرت له مصدومة فقال قبل أن تتحدث
" وموعد الزواج طبعا هو من اختار تحديده ولو كان الأمر
بيدي لكان نهاية الأسبوع "
صرخت فيه باستنكار " ما هذا الهراء ؟ "
ازداد اللون الأسود في عينيه قتامه وقال بحزم " تحدثي معي
باحترام يا غيسانة "
رفعت يديها جانبا وقالت بحدة لم تستطع التغلب عليها " اجعلني أفهمها
بروية إذا , في أي عالم نعيش نحن يخطبني المجهول منك ! "
عاد لبروده قائلا " في عالم أنك شقيقتي وأننا مسلمون وعرب , لا
تتخيلي أنك ستتزوجين بالطريقة التي يتزوج بها الإنجليز لن أعلم
عن ذاك الزوج إلا يوم زفافكما فأبارك ذلك بكل ترحاب "
أشارت لنفسها وقالت بحنق " باختياري ورضا مني على الأقل
أراه أتعرف عليه "
كتف يديه لصدره وقال " سبق ورأيته وتعرفيه منذ زمن بعيد وفترة
الخطوبة ستكون كفيلة بأن تتعرفي عليه كما تشائين "
نقلت نظراتها بضياع بينه وبين الجالسة على السرير قبل أن يستقر
نظرها على ابنته المحدقة بها بذهول يشبه ذهولها ثم قالت بحنق
" قولي شيئا .. لما جالسة كالبلهاء ؟ اليوم دوري غدا الدور عليك "
زمت تيما شفتيها بحنق قبل أن تفرج عنهما قائلة " لن أعارض
والدي فهو يعلم ما يصلح لي "
نظرت لها بصدمة وتمتمت بضيق " تبقين طوال حياتك دابة
يسوقها الرجال "
أنهت عبارتها تلك ونظرت للواقف أمامهما ما يزال محتفظا بجموده
وصلابته وقالت بنظرة تحدي " وافقت أنت على الخطبة حسنا أحترم
قرارك لكن أمر الزواج لي الحرية فيه "
قال مباشرة " بل وافقت زواجك به إلا إن غير هو رأيه طبعا "
لوحت بقبضتها في الهواء صائحة بحنق " لا هذا فوق احتمالي , هل
لأجل هذا رفضت أن آخذ الجنسية البريطانية وأبقيتني تحت عهدتك
كالجارية لتتحكم بمصيري وقراراتي ؟ "
قال من دون أدنى اهتمام بغضبها واعتراضها " أعتقد أنك لم تعودي
صغيرة واحترمت قراراتك بهذا الشأن لوقت طويل ولن أجد لك
زوجا أفضل منه خاصة أمام المستقبل "
شدت قبضتيها بقوة تحاول إخماد النار المشتعلة في داخلها وقالت بتنفس
لاهث " لا تنسى أنك من رفض أكثر من شخص سابقا "
قال ببرود " ليسوا عربا وتعرفين رأيي جيدا في ذلك , عليك أن
تنسي نصف دمك الانجليزي ذاك لأنك عربية يا غيسانة "
حاولت قدر جهدها أن تتماسك فهي تعلم جيدا غضبه إن أخطأت بأي
كلمة تهينه بها وفكرت أنه ثمة فرصة بما أن ذاك الخطيب المجهول
في يده إلغاء كل تلك المهزلة فلا أسهل من أن تجعله يفر منها هاربا
همست من بين أسنانها " ومن يكون هذا الذي لن تجد لي
زوجا أفضل منه ؟ "
قال من فوره " شاهر كنعان "
توقع أن يرى أول بوادر غضبها القاتم , أن تفعل أي شيء وإن إحراق
نفسها إلا ردة فعلها تلك حين وقعت على السرير خلفها ضاحكة , بل
ودخلت في نوبة هستيرية من الضحك فنقل نظره منها لابنته الجالسة
بجوارها تنظر لها بصدمة ثم عاد بنظره لها وقد قالت من بين ضحكها
" قل دعابة غيرها يا مطر , ذاك الرجل يكره أن يراني وإن من بعيد
وعيناه كادت تحرقني بنظراتها الكارهة في المرات القليلة التي
رأيته فيها "
فك ذراعيه من على صدره وقال " بل خطبك ووافقت ومسئوليتك
ستنتقل له من الآن "
وثبت واقفة خارج السرير ورمت شعرها المربوط للخلف وقالت بحنق
" لست موافقة , ذاك آخر رجل قد أفكر فيه بوابا لمنزلي وليس
زوجا بل وحتى خطيبا "
قابلت كلماتها الثائرة تلك كلماته الباردة قائلا " بل خطيبك رغما
عنك وستتزوجينه لأني وليك "
اجتازته في لمح البصر وصرخت وهي تعبر باب الغرفة خارجة منه
" لن يحضا بها ذاك الهمجي البربري ويطوق عنقي بيديه , لست
موافقة واعتبره تمردا أو رفضا أو ما يكون "
وغادرت الممر تتبعها كلماتها الغاضبة حتى اختفت فعاد بنظره من
الباب الذي خرجت منه للجالسة على السرير مكانها أمامه فهربت
بنظرها منه فورا ونظرت ليديها في حجرها ووصلها صوته الحازم
" أراك تحتكين بها كثيرا هذه الفترة , لا أريدك نسخة عنها يا تيما "
هزت رأسها بلا فورا ولازالت تنكسه للأسفل وهمست " لن أخالف
أوامرك يوما , وإن زوجتني أنا به سأوافق "
تنهد بصمت تنهيدة فهمت الجالسة أمامه فورا أنها ليست تنهيدة راحة أبدا
ونظره على شعرها الأسود بتموجاته الناعمة السميكة متساقطا على كتفيها
وذراعيها , دار موليا ظهره لها ووجهته الباب حتى خرج منه وأغلقه خلفه
بهدوء تاركا إياها وحيدة فاندست في سريرها فورا تحت الأغطية السميكة
مغمضة عينيها بقوة لا تفكر في شيء سوى في ذاك الصوت الأنثوي الرقيق
الذي لازال محفورا في رأسها وهي تسمع اسم والدتها منها تحديدا فستكتفي
وإن بذكرى صوتها لباقي العمر حتى إن لم تستطع الحديث معها وإخبارها
من تكون , دفنت رأسها تحت الوسادة متمتمة ببكاء خافت حزين
" أحبك أمي .... كم أحبك وأشتاق لك "
*
*
شد بأصابعه الطويلة على الكف الناعم بينها وهي تمسك بأصابعها
منديل ورقي تقبض عليه في كفها بقوة لإيقاف الدم النازف منه ويدها
الأخرى تسند بها جبينها ورأسها المنحني للأسفل وأصابعها تخللت
خصلات غرتها المقصوصة الناعمة بعدما تحررت من حجابها المنسدل
على كتفيها , نظرلها الجالس بجوارها كفها في حضن يديه وقد أصبح
طوله يفوق طولها بقليل لنموه السريع مؤخرا وهو يدخل سنوات
مراهقته الأولى , زم شفتيه التي حفها
شارب خفيف ينظر بأسى لملامحها وعيناها المغمضة ويعجز لسانه عن
قول أي شيء وكم يحتاج الآن تحديدا لوجود عمته جويرية , لا يفهم
سبب ثورة والدته المفاجئة وهي من تتسم بالهدوء والرقة وكأنهما
جزء من جسدها قبل شخصيتها
بل ويحار أكثر في جمودها المطلق جفناها يشتعلان احمرارا يعي جيدا
سببه
وهو رفضها التام لأن تذرف أي دمعة لسبب لازال يجهله , تنهد بحزن
ورفع يده من فوق كفها النائم في كفه الآخر ومسح به على شعرها
الحريري هامسا بأسى " أمي هل أصبحت بخير ؟ هل أتصل بالطبيب ؟ "
رأى بوضوح طرف لسانها يرطب شفتيها قبل أن تتمتم ساخطة " عليك
أن تتوقف عن مشاهدة تلك المسلسلات السخيفة , طبيب ماذا هذا
الذي ستحضره لي ؟ "
اتكأ بجبينه على رأسها يحضنه بيده وقال بحزن " لا أريد أن أخسرك
أنتي أيضا أمي , حالك لا تعجبني منذ ..... "
وتكسر صوته وهو يهمسها بصعوبة " ... منذ وفاة جدي شراع "
رفعت رأسها قليلا وما يزال ملتصقا برأسه وضمت كتفيه بذراعها
تحضنه بلطف ونظرها هائم في الفراغ أمامها تشعر بقلبها ينزف كطير
جريح وهو يتابع بعبرة حزن " فقدت والداي قبل أن أعرفهما , فقدت
جدي وعمي رماح بغدر وبدأت أفقدك أيضا وأنا أراك تبتعدين عنا يوما
بعد يوم , أخبرني عمي رعد سابقا أنك لست أبدا غسق التي كانت قبل
زواجها من ابن شاهين لكني أراك الآن أخرى غيرهما كلاهما "
ابتعدت عنه تمسح بظهر كفها خفناها وهمست ترفع حجابها فوق
رأسها
" أنت مدلل كثيرا , هل سبق وأخبرتك أني السبب في ذلك ؟ "
مد شفتيه بعبوس ينظر لها وهي تعيد لف حجابها وتمسح كف يدها
بالمنديل الملطخ ببقع من الدماء وعلم أنه أفسد كل شيء بالتطرق
للحديث عن ذالك الرجل ولن يفيد الاعتذار منها الآن , راقبها وهي
تقف وقد سحبت حقيبتها
فوثب واقفا وتبعها ما أن تحركت قائلا " لماذا الذهاب للجمعية اليوم ؟
أرى مزاجك سيء منذ الصباح "
قالت وهي تعبر الرواق الخلفي لبهو المنزل وهو خلفها " أخبر رئيس
الحرس في الخارج أن يقوم بإلغاء خط المنزل وأن يرسل أحدهم ليتفق
معهم لمد خط آخر غيره "
رفع حاجبيه مستغربا ولازال يتبعها ولأن الوقت لم يكن يسعفه ليسأل
عن أي شيء وثب أمامها قبل أن تدخل من الباب وقال برجاء " أمي لا
تغضبي مني قسما لن أذكر اسم ذاك الرجل مجددا "
تنهدت قائلة بضجر " كاسر لا تكن طفلا فذاك الرجل لم يعد
يعنيني لا هو ولا ذكره "
نزلت كتفاه وخنع هامسا " حسنا آسف على ألا شيء "
وشقت ابتسامته الواسعة شفتيه ما أن رأى شبح تلك الابتسامة على
ملامحها الحزينة ثم قفز في مكانه عدة قفزات صارخا وقبضتاه للأعلى
وقال بضحكة " الله أكبر , أين أنت يا عمي رعد لترى فقد كسبت الرهان "
أمسكت طرف كتف قميصه بأصابعها وقالت تسحبه جانبا
" لا أحد يفسدك مثل عمك ذاك "
تنحى جانبا ولحقتها كلماته الباردة وهي تفتح الباب " ظننت أنك
من أفسدني وليس عمي رعد "
همست وهي تدخل " بل أفسدناك كلانا "
وعبرت خطواتها ذاك الممر الأبيض الطويل وكلماته تصلها مادا رأسه
من عند الباب الذي تركته خلفها " أنا رجل ولست مدللا وستري ما
سأكون مستقبلا , وأحبك أمي مهما قلت عني ولا يمكنني
العيش من دونك "
وسمعت صوت الباب يقفل خلفها فوقفت عند آخر ذاك الرواق الذي
سيوصلها مباشرة لمكتبها ثم سندت يدها على الجدار وأراحت جبينها
عليه , لا تريد أن تنهار وأن تتراجع للخلف , تريد أن تبقى غسق التي
أصبحت عليها منذ أربعة عشرة عاما قوية واثقة من نفسها والأهم
رمت الماضي خلفها بما فيه , أغمضت عينيها بقوة تريد طرد ذاك
الصوت من أذنيها , تريد نفيه كما نفته طيلة تلك الأعوام .... لن يفهم
أحد لن يفهم أي منهم السبب الحقيقي خلف ما سموه بغسق الجديدة
فليس ما كسرها وقتل قلبها تركه لها ولا طلاقها منه ولا أخذه لابنتها
معه ولا حتى تكبيله لها وربطها دون زواج فهي في كل الأحوال ما
كانت تريد ذلك وعافته بل ما كسرها هو الخذلان وجرح القلب الذي
أحب بكل ما فيه , رفعت رأسها واستقامت في وقفتها وتحركت من
هناك رافضة الغوص أكثر في تلك الأفكار التي ترى أنها تخطتها منذ
زمن بعيد ولن تسمح لأي شيء وأيا كان بإرجاعها متقهقرة للوراء
ولا ابن شاهين نفسه ولا ألف اعتذار تشك أنها ستسمعه منه فلن
يؤذيها أكثر من الأذى الذي لقيت منه ولن يأخذ منها
أكثر من أخذه لفلذة كبدها وحرمانها منها , وصلت لباب آخر في نهاية
ذاك الرواق لم يكن سوى باب مصعد مزدوج , رفعت يدها وضغطت
على تلك الأزرار بجانبه بخفة ومهارة مدخلة الرمز الخاص به لينفتح
ودخلته تاركة خلفها ذاك البساط الأحمر السميك والممر الطويل الذي
يفصل منزلها عن مبنى الجمعية التي اختارت أن يكون ملاصقا له
فكانت واجهته واجهة منزل بطابقين ضخمين فخمين أما سطحه
فامتداد من مبنى حلزوني الشكل يعلوه , من يقف أمام ذاك المنزل يرى
أمامه مبنى أبيض اللون قمته ترتفع وكأنها قبة تغطيه عن مشرق
الشمس خلفه وهي ليست سوى امتداد لطوابق مبنى جمعية الغسق
التي تكون واجهتها خلفه والتي يعرفها كل من يعيش على أرض تلك
البلاد بل وحتى خارجها فمن سيجهل ما الذي صارت عليه مدينة
العمران سابقا
حتى إن تغير اسمها مع مرور الأعوام ليصبح ( مملكة الغسق ) أو كما
يناديها البعض ( المملكة البيضاء ) نسبة لألوان مبانيها الموحدة ,
ومنهم من أطلق عليها إعلاميا ( مملكة النساء ) لما احتوته تلك
المدينة من مرافق حضنت نساء في حاجه للمساعده أو ما يسمونهن
بالنساء المنكوبات وأصبحت تلك المملكة خلية نحل تحوي جميع
الفئات العمرية وأصبحت ملجأ لأغلب من يعانن في تلك البلاد على مر
أعوام حتى حضت بمكانة لم يتخيلها أحد في البلاد , كانت ثوان فقط
تلك التي احتاجتها لتصعد لوجهتها وسحبت الباب
من مقبضه جانبا ودخلت لعالم آخر مختلف تماما عن ذاك الذي تركته
خلفها ... مكتب فخم عاجي اللون وواجهة زجاجية واسعة تطل على
أجمل مناظر تلك المدينة وثلاثة أبواب بيضاء مصقولة ومفعمة بنقوش
ذهبية واضحة تتماشى مع ألوان الستائر المتداخلة بانسجام ... إحداها
باب لقاعة اجتماعات واسعة تحمل ذات الطابع الأبيض المذهب والآخر
لجناح صغير متصل بذاك المكتب الواسع أما الثالث فموصول بغرفة
سكرتيرتها المباشرة التي تعد الرابط بين مكتبها وباقي أروقة ومكاتب
وطوابق ذاك المبنى , سحبت الباب خلفها ليرجع ذاك المنظر الطبيعي
مكانه وليعود جزءا من جدار ذاك المكتب , وقعت نظراتها فور على
صورة والدها شراع التي توسطت الجدار المقابل لها بشعره الرمادي
وابتسامته الحنون ونظرته الواثقة فعادت أحشائها للتمزق وليست تعلم
كم ستحتاج من الوقت لتعتاد النظر لها كل حين وهي موقنة من أنها
لن ترى صاحبها مجددا دون أن ينتابها هذا الشعور !! ربما تحتاج
لأعوام أو لدهور لكنها لن تستطيع انتزاعها من مكانها مهما عانت لأن
ذلك لن يخفف عنها شيئا فمكانه في قلبها قبل جدار مكتبها الأصم
وصورة ميتة لا حياة فيها كقلبها الذي تركه بعده وكأيامها التي
أصبحت تراها ملونة
بسواد قاتم منذ فقدته فكم خافت هذه اللحظات وكم تمنت أن لا تراها
لكن الموت لا يمسكه أحد , تنفست بعمق وأبعدت نظرها عنها للباب
الذي فتح يمينا وللسيدة متوسطة العمر التي دخلت منه مبتسمة وقالت
وهي تغلقه خلفها " أخبرتني راوية أنك تريدين رؤيتي سيدتي , كل
شيء جاهز والاجتماع كما طلبت بعد ساعتين "
تحركت من مكانها وقالت وهي تضع حقيبتها فوق مكتبها " جيد علينا
مناقشة أمر ما قبل أن أجتمع بهم "
وتابعت وهي تخرج بعض الأوراق منها " هل جهزتم القاعة
في الأسفل من أجل لقاء الليلة "
جلست تلك قائلة " كل شيء جاهز سيدتي كوني مطمئنة "
*
*
رفع طرف كم سترته الفاخرة ومرر أصابعه الطويلة على الساعة في
معصمه ثم رفع نظره لباب القاعة الضخم المفتوح يقابله من بعيد
السلالم العريضه المؤديه للطابق الثاني من منزلهم , تأفف بحنق ودس
يده في جيب بنطلونه الكحلي ولم يعد يستمع لا للواقفين أمامه ولا
حوله , أصر عليها أن تنزل وتكون ضمن الحاضرين في الحفل وبأنها
مناسبة مهمة بالنسبة له تحديدا
ولمظهره أمام المدعوين , لا يعلم ما الحل معها فقد جرب جميع الطرق
ولم تنجح وفي كل مرة تتهرب من حفلاتهم إن أقيمت هنا أو كانوا
مدعوين لها
فإما أن تعتصم في غرفتها بعذر مضحك أو بدون عذر أو أن تحضر مرتدية
تلك الفساتين السوداء التي تضن أنها تساعدها على اكتساب مظهر
بوزن أقل وتجلس جامدة عند أحد الأرائك كتمثال حجري تحاول إخفاء
ما تظن أنها تخفيه من جسدها ذاك , تنهد بضيق محركا رأسه بعجز
فهو لا يكره جسدها بقدر كرهه لعدم ثقتها بنفسها بسبب التفكير فيه ,
رفع كأس العصيرلشفتيه ورشف منه جرعة كبيرة ووقع الحديث الدائر
خلفه في أذنه وكان أحد النواب المرشحين في البرلمان يتحدث مع جده
وقد ابتعد حديثهما عن السياسة التي تعمقا فيها لوقت وسألته زوجة
ذاك بنبرة لطيفة مبتسمة
" أين زوجات أحفادك ؟ علمت أن حفيدك الثاني تزوج أيضا فلست
أرى لها أثرا ولا زوجة وقاص ! "
وجاء جواب جده الجاهز سلفا وصوته الذي لم يخلو من الجمود"
زوجة وقاص تعاني بعض الرشح والطبيب طلب منها الراحة التامة أما
حفيدتي زوجة نجيب فتعاني من بعض الظروف الخاصة ويصعب
تواجدها معنا "
علق زوجها فورا " سمعنا أنها خرساء ألهذا السبب تتمنع عن حضور
التجمعات ؟ لا أرى ذاك سببا أبدا "
غير ضرار الموضوع مباشرة قائلا " أرى أن سير العملية الانتخابية
القادمة مخطط له خارجيا "
وجذبهما فورا لمستنقع السياسة الذي ألهاهم عن حديثهم السابق ,
شد أنامله على عنق الكأس الكريستالي بقوة ولا يعلم لما شعر فجأة
بتلك الأنفاس وملمس
ذاك الجسد النحيل الغض في حضنه وكأنها فيه الآن , شعوره بالندم
أصبح يتعاظم شيئا فشيئا فما كان عليه السعي وراء إيجادها وإقناع
جده بأن يضمها
لعائلته وأن يعترف بها حفيدة له أمام الجميع , لم يتخيل أن تصل
الأمور لما وصلت له الآن , سعى جهده لإقناع مطر شاهين من كان
يرفض وبشكل قاطع أن يخبر أي معلومات عنها وبعد ثلاثة أعوام من
المحاولات اليائسة
فاجأه بقراره في أنه سيساعده في إيجادها ! قرار كان مفاجئاً له ولن
يصدق أنه وليد المصادفة فهو يعرف ذاك الرجل جيدا ويعرف صلابة
رأيه لا يتراجع عنه مهما حدث إلا إن كان ثمة من أقنعه غيره ! ونهاية
الأمرأوصله لخيوط توصل لها فقط وأنكر أن يكون مسئولا عنها أو
أنها تحت حمايته وقد لاحظ أنه لم يسأله عنها منذ دخلت قصرهم وذاك
ما أكد له أن لا مسئولية له عنها لَما كان رضي تزويجها وهي بهذه
الظروف , لو علم أن هذا سيحدث وأن نجيب سيستغل الأمر ما فكر في
البحث عنها من أساسه فكل ما كان يريده أن ترجع الفتاة لعائلتها
الحقيقية وأن يُعنى بها عناية من هم في مثل وضعها وتتلقى الرعاية
التي تستحقها كحفيدة لضرار سلطان
وأن يكفر جده عما فعله في حق والدها ووالدته ومن يكونا زوجته
وابنه
لكن ما رآه العكس وهو يرفض أن يوقف ذاك الزواج ألا منطقي
وإصراره على تنفيذ ما خطط له نجيب , ولأول مرة يرى جده لا يكترث
ولا لغضبه منه وسفره كل تلك المدة ! لا يفهم أسبابه ودوافعه ولا
يصدق أن الأسباب التي قدمها نجيب تقنع رجلا مثله حتى إن كانت
صحيحة !!
اعتذر بانحناءة بسيطة من الواقفين حوله وتوجه حيث باب الشرفة الواسعة
وخرج منه ليستقبله نسيم الليل البارد مداعبا وجهه وشعره الأسود الناعم
القصير المصفف بعناية يتحرك متناغما مع حركة طرف سترته الفاخرة
المرتفع قليلا بسبب يده التي لازالت حبيسة جيب بنطاله , نزل عتبات
الشرفة المقوسة وأخذته خطواته البطيئة حيث أشجار الحديقة المنسقة بعناية
وارتشف باقي كأسه معطيا ظهره لكل ذاك الضجيج والموسيقى والضحكات
التي تركها خلفه , لا يعلم لما لا يشعر بلذة ما وصل له وسبب احتفالهم
هذه الليلة !! لماذا يشعر أن ثمة هوة في حياته لم يسدها شيء !
أصبح رجلا ...
نجح في حياته ... قاد أعمال العائلة بجانب والده وجده وأثبت جدارته ...
أصبح محاميا لامعا ووصل لمكتب المدعي العام .. تزوج وأسس حياة
مستقلة ولم يعد ما ينقصه هو الاكتفاء الجسدي كرجل كما يعتقد الكثير
من العزاب ولازال يشعر بذاك الفراغ في عالمه وكأنه يبحث عن شيء
لم يجده حتى الآن ! وكأن ذاك الشيء ليس مكملا من مكملات الحياة
بل أساسا من أسسها المهمة , ارتشف آخر ما في كأسه ودار للخلف
بحركة واحدة سريعة
حين شعر باليد التي لامست مرفقه وابتسم بفتور للوجه الذي قابله ,
ذاك الوجه البيضاوي والبشرة النقية شديدة البياض يحيطها شعر أشقر
لامع وكأنها أشعة شمس ذهبية تسربت وسط الظلام والأضواء الخافتة
وعينان خضراء واسعة بلون العشب الندي الذي برق في ضوء النهار
, ترسم ابتسامة رقيقة أنثوية على ذاك الثغر الصغير , أبعدت يدها عن
مرفقه تبعد بأناملها خصلات شعرها قائلة برقة " ما الذي يخرج وكيل
النيابة الجديد وسبب كل ذاك الاحتفال للخارج تاركا ضيوفه ليكون في
هذا المكان البارد ! "
وضع الكأس من يده على طرف الطاولة الحجرية بجانبه ودس يده
الأخرى أيضا في جيب بنطلونه قائلا باختصار " أردت هواء نقيا , ما
هي أخبارك أنتي إيلينا ؟ لم أحضا بفرصة التحدث معك اليوم "
خرجت منها ضحكة صغيرة ورفعت خصلات غرتها الخفيفة للأعلى
كاشفة عن جبينها الصغير قائلة " كيف سنتحدث وأنت سيد المكان وكل
من في تلك القاعة ثمة موضوع لديه يحدثك فيه فلم أراك واقفا لوحدك
ولا لثانية واحدة "
واسترسلت فورا تحكي له عن أهم أحداث الأسابيع الماضية التي لم
يلتقيا فيها بسبب سفره الطويل ذاك , فكما اعتادت هي على أن تحدثه
عن كل ما يحدث معها اعتاد هو على سماعها دون تذمر , إيلينا الفتاة
الشقراء الانجليزية التي التقى بها أول مرة في رحلة بحرية نضمها
ميناء قناة بريستول الجديد حين تم نقله هناك ولأن شركتهم كانت من
الشركات التي ساهمت في بنائه نظموا تلك الرحلة لرجال الأعمال
والنخبة التي عملت على تشييد ذاك الصرح الواسع
وقد التقت به عند سطح تلك السفينة منذ أربع سنوات حين كانت ابنة
العشرين عاما فتاة مرحة سلبت لب الكثير من الرجال في تلك الرحلة
لجمالها الفتي ومرحها
حيث كانت كالفراشة الملونة التي تنشر ألوانها في كل مكان تصل إليه , ورغم
الاهتمام الواضح لمعظم رجال الأعمال على ظهر تلك السفينة بها إلا
أنها اختارت مرافقته ودعت نفسها بنفسها لذلك , لازالت تتذكر عندما
رأته للمرة الأولى ووجدت فيه ما يثير الفضول , شيء من الاكتفاء
الذاتي وكأنه لا يهتم مثقال ذرة برأي أي شخص آخر فلم تستطع
مقاومته بل واقترحت قضاء الأمسيات معه ولم يؤثر فيها
أبدا حديثه الصريح حين كان جوابه أنه رجل مسلم يختلف عمن تعرفهم
ولا يمكنه ولا التواجد معها في مكان منقطع لوحدهما وإن كان في
وضح النهار , بل لاحظ أنها تقبلت الأمر برحابة وقالت وقتها بابتسامة
عذبة ( صديقان إذا يا وقاص رضيت بذلك حبي)
وامتدت صداقتهما تلك لما بعد تلك الرحلة رغم يقينه من عدم اقتناعها
بأسبابه وبالحد الذي وضعه بينهما ولم ينسى اللحظة التي انهارت فيها
دفاعاتها وكيف بكت بحرقة حين أعلمها عن قرار زواجه وموعده
القريب واعترفت وقتها أنها كانت تعيش على أمل أن تتغير مشاعره
نحوها وثارت نهاية الأمر ورمته بكلماتها
الغاضبة اللاذعة قائلة ( هكذا أنتم الرجال العرب لا تتزوجون من امرأة عبثتم معها
حتى إن كانت عربية مسلمة بل تختارون امرأة لم تعرفوها قط لأنكم لا
تثقون فيمن قد تفعل ما تفعلونه أنتم وهذا ما لا نفعله نحن ) وتلقى
اتهاماتها يومها بصبر وتفهم
رغم أنه يعلم مثلها أنه لم يعبث معها ولم يعدها بشيء بل كان صريحا
معها منذ البداية
وجل لقاءاتهما كانت ضمن حفلات أو اجتماعات ورحلات عمل نتيجة
لمركزوالدها وجدها والد والدتها , وكانت تلك المرات قليلة جدا التي
طلبت فيها وألحت أن يلتقيا لأمر تريد إخباره عنه أو أخد مشورته فيه
بحكم أنه محامي وأنها تدير مجموعة صغيرة من معامل طباعات الإعلانات التجارية
زمت شفتيها الصغيرة
حين أدركت أنه لم يكن منتبها لكل ما كانت تقول وتتحدث عنه بحماس
وأن عينيه معها لكن تفكيره سافر بعيدا ولم يشعر إلا بملمس أصابعها
الدافئة على خده البارد
بسبب مواجهته للريح لتعيده لعالم الواقع وأصابعها تداعب خده بنعومة
وقالت مبتسمة تميل رأسها قليلا " وقاص أنت لست معي أبدا , لا
أشعر أنك بخير
اليوم وقد لاحظت شرودك طوال الحفلة رغم وقوفك بين الكثير ممن
يتحدثون معك أو عنك "
وتابعت وأناملها تتابع حركتها نزولا لعنقه " لن يكون غياب زوجتك
عن الحفل السبب أليس كذلك ؟ هي ليست أول مرة تتغيب فيها عن
مكان يفترض أن تكون فيه بجانبك ولم أراك تهتم سابقا فما بك ! "
رفع رأسه وذقنه قليلا وجعلها حركة عادية لكن كل غرضه منها كان
التهرب من لمستها تلك رغم يقينه من أنها ستفهم بأنها رفض لها
بطريقة لبقة وكان ذلك واضحا من إبعادها ليدها مع ارتفاع رأسه وكأنه
يحاول رؤية شيء ما في الأعلى
بأكثر وضوح ... لكن ذلك حدث فعلا حين جمدت ملامحه وكأنها
منحوتة على حجر
وشعر بذاك الانقباض في أضلعه وهو يرى تلك النافذة المضيئة الوحيدة
في الطابق الثالث والأخير في المنزل القابع أمامه , يعلم أنه لا ساكن
لكل ذاك الطابق الواسع إلا شخص واحد بينما يعيش هو وزوجته في
جناح مخصص في الطابق الثاني
وتحتل زوجات والده وأبنائهم ذات الطابق أما جناح جده ففي الأسفل
حيث مكتبه وقاعات الاحتفال والرقص وغرف الجلوس والطعام , لم
يسبق أن لاحظ ذاك النوريشع من تلك النافذة لأن ستائرها لم تبتعد
سابقا ويكاد يرى الآن جميع تفاصيل الظل
الواقف خلفه واليد والذراع النحيلة التي تبعد الستار المخملي الفاخر
جانبا , بل ويكاد
يشعر بملمس ذاك الشعر والجسد بين أصابعه من جديد , من تكونين يا
حفيدة ضرار
الجديدة وما سر خروجك يومها والجميع يعلم أن جناحك محصن لا
يمكن العبث بأنظمته !!
أنزل رأسه بسبب اليد التي شدت على ذراعه مع انسدال ذاك الستار
ذات الوقت ونظر للواقفة أمامه وهي تقول بعبوس " وقاص هل فقدت
حاسة السمع يا رجل ! "
رسم ابتسامة صغيرة تجسدت في جاذبية غريبة لشفتيه الحازمة وقال بهدوء
" ما رأيك لو نتقابل غدا في أي مطعم تختارينه وأستمع لحكاياتك
الشيقة
فالليلة كما تقولين يبدوا أنني لست بخير "
أومأت برأسها فورا وبحماس فهذه أول مرة يطلب هو فيها موعدا معها
وأن يخرجا سويا رغم شكها في أنه اختار ذلك فقط ليتهرب من إرغام
نفسه على التركيز معها الليلة كالسابق حيث كان مستمعا جيدا
وناصحا صبورا وهذا أكثر ما يشدها إليه
إضافة لما لاحظته طوال تلك السنوات الأربع من تحفظه الشديد رغم لفته لانتباه الكثير من النساء حوله إن كان في محيط عمله أو أعمال عائلته
التفتت للخلف حين سمعت الخطوات التي اقتربت منهما ليظهر صاحبها
من خلف ظلال النور المتكسر
بين أوراق الأشجار القريبة ولم يكن سوى جده ضرار وقد وقف بجانب
الواقفة أمامه ترسم الأضواء خطوطا على ملامحه الجامدة وترمي
ببريقها على صفحات شعره الفضي الذي لازال يحتفظ بكثافته , يمسك
في يده عصاه السوداء اللامعة
التي لا تفارقه مثبتا بها وقفته المستقيمة بملامستها للأرض بثبات تشد
أصابعه على رأس الصقر المصنوع من الذهب الذي يعلوها .
كان يعلم من ملامحه أنه مستاء إما من تواجده هنا لكل هذا الوقت أو
من أمورأخرى لا يهم فهما على خلاف وإن كان بسيطا منذ سفره
الأخير
خرج ضرارمن صمته ليملأ صوته الجهوري الصمت الوجس قائلا بجمود " الحفل لم
ينتهي وضيوفك لم يغادروا بعد يا وقاص "
تحركت حينها الواقفة بجانبه واعتذرت بلباقة عائدة للداخل فلم يفتها
الجو المشحون
الذي طرأ على وقوفهم ذاك من ملامح الجد المتجهمة الصلبة والملامح
الباردة المستفزة للواقف أمامه , وما أن توارت خلف ظلال الأضواء
خلفهما حتى تحدث ضرار مجددا " ما حدود علاقتك بهذه الفتاة يا
وقاص ؟ "
لم تعجبه نبرة الاتهام في صوته وهو من رباه ويعرفه جيدا لكنه يفهم
تماما أن كل ما يصدر عن جده الآن أسبابه أمور أخرى بعيدة عن كل
الانتقادات التي يوجهها له , قال ببرود " أنا في التاسعة والعشرين يا
جدي ولم أعد طفلا وأعلم الصواب من الخطأ جيدا "
زم ذاك شفتيه فلن يلوم إلا نفسه فهو من رباه على أن يستقل
بشخصيته حتى عنه
هو جده رغم احترامه البالغ له , قال بنفاذ صبر " حتى متى ستلتزم
الصمت عن تصرفات زوجتك الصبيانية ولأي مدى سيستمر كذبنا
وتسترنا على أفعالها تلك ؟ "
ظهر شبح ابتسامة ساخرة على شفتيه فلازال الواقف أمامه يحوم حول
السبب الحقيقي للنظرات الغاضبة التي يراها في عينيه , مرر أصبعه
في شعرات قفا عنقه رافعا نظره للأعلى حيث تلك النافذة التي لازالت
تسبح في الظلام ولم تُفتح
ستائرها مجددا بعد تلك المرة الوحيدة وقال وذات تلك الابتسامة
الساخرة لازالت تعلو شفتيه " هل تحدث السيد فيليبس معك اليوم ؟ "
أتاه الرد منه فورا " تعلم إذا أن ما فعلته أمر خاطئ وسيجلب لك
المتاعب "
عاد بنظره له وأعاد يده في جيبه مجددا وقال بجمود " أنت تعلم رأيي
في الأمرمنذ البداية , والدي لن يتحدث كعادته أما نجيب فلا يعنيني ما
سيفعله "
كان الواقف أمامه سيتحدث وملامحه لا تزداد إلا قسوة وسوءا لكنه
سبقه قائلابحزم " سبق وقلت أني خارج ذاك الموضوع وأنا مثلكم
وصلني البلاغ فقط من ذاك المحامي ولا صلة لي بالأمر فعلى حفيدك
ذاك أن يعلم أنه ثمة ما يوقفه عند حده إن فكر في التمادي على حق
فتاة مريضة وضعها خاص
وجدت نفسها زوجة لرجل لا تعرفه وقد تكون لا تعرف حتى
معنى الزواج منه "
قال ضرار بضيق مهددا " نجحت في المحاماة ووصلت لمكتب المدعي
العام لا بأس لكن لا تمارس تلك القوانين علينا يا وقاص أتفهم ؟
وتتخيل أنك تحاصرنا بالقانون فلست غبيا لأصدق أنه لا يد لك في
الأمر وإن من بعيد "
لم يعلق فتابع ذاك حديثه بحزم " ما لا أريده هو خلافات تتحدث عنها
الناس بين أحفادي , ثم الطبيب قال أن الفتاة تعاني من اضطرابات
نفسية لا أكثر
وأعتقد أن الخرس لا يمنع المرأة من الزواج "
صر على أسنانه ومر ذاك الموقف أمامه مجددا وصوت بكائها الخافت
من صدمتها
لوجودها المفاجئ بين ذراعي رجل لا تعرفه وتصلب جسدها في حضنه
وكأنه قطعة من خشب فهو ليس غبيا ليفوته أن يلاحظ أن تصرفها لم
يكن تصرف فتاة مجنونة
أبدا , تحدث جده مجددا حين لاحظ صمته المتعمد " مؤكد تذكر أنك
سبق وأقسمت أن لا تتدخل في الأمر قبل سفرك ونعتّ كل تلك الفكرة
بالجنون
فما سبب تدخلك الآن ؟ "
رفع الكأس الذي وضعه على الطاولة سابقا وقال مغادرا من هناك
" قلت أنه لا علاقة لي بالأمر فابحثوا عن السبب بعيدا عني "
*
*
نزلت السلالم بخطوات سريعة غاضبة فقد انتظرته لساعات وبلا فائدة ,
كان ثمة أمل لديها أن تراه وتتحدث معه مجددا في موضوع الزواج
التعيس ذاك
لكن أملها تلاشى اليوم , تمتمت وهي تنظر لباب مكتبه المغلق
والأصوات تخرج منه " هذا الرجل متى يكون لوحده ؟ "
تأففت بغضب ما أن تذكرت ما دار بينهما ثم تحركت من هناك ووجهتها
باب المنزل فلا جدوى من انتظاره وستؤجل حديثها معه لوقت آخر
وترى حلا للمصيبة التي رماها فيها , نزلت العتبات كعب حذاها
يضرب بوضوح على أرضيتهم الرخامية متمتمة بسخرية
" قال يزوجني قال ! هل هي فوضى ؟ "
وما أن خرجت حتى تدثرت بالمعطف جيدا حول جسدها بسبب البرد
الذي استقبلها وسارت بخطوات سريعة خفيفة بالكاد تسمع بسبب
طريقة سيرها
لا تنظر سوى أن تجد نفسها في سيارتها ثم في شقتها ففي سريرها
وتنام نوما ينسيها ذاك الكابوس الذي تنتظر أن تستفيق منه وتجد أنه
اختفى
وقفت مكانها ونظرت يمينا تبعد خصلات شعرها المتموجة عن وجهها
والريح يرميها عليه , دققت النظر حيث المسبح الذي توسط تلك
الجهة والأضواء الخافتة حوله وخيال الرجل الواقف هناك معطيا ظهره
لها
والخادمة التي غادرت من عنده للتو , كان ينظر لمعصمه ويبدوا ينتظر
شخصا والملل تسلل له , ابتسمت ابتسامة ذئب وجد فريسته فهي لن
تخطئ صاحب ذاك الجسد وإن كان في النور الخفيف وموليا ظهره لها
فجسده الأقرب لشقيقها والاختلاف واضح جدا وهو لون شعره البني
الغامق اللامع تحت ضوء المصباح الأقرب له , اقتربت من تلك الجهة
بخطوات خافتة كخطوات رقصات الباليه الذي احترفته لسنوات عند
طفولتها ومراهقتها , اقتربت منه تسير على رؤوس أصابعها وكأنها
ترقص على الحلبة رقصة الفراشة والعنكبوت , اقتربت أكثر من ذاك
الجسد الطويل يلفه معطف سميك وصل طوله لركبتيه ولازال نظره
ويده يعبثان بساعة معصمه المضيئة ولم يشعر بها حتى وصلت عنده
ووقفت خلفه مباشرة وبعد نفس قوي جذبته لرئتيها مدت يديها
ودفعته من ظهره بكل ما تملك من قوة جعلت الغافل عما يجري حوله تماما
يترنح بقوة ورغم محاولاته لأن يتزن وجد نفسه في مياه المسبح
المتجمدة وصوت ضحكتها يعلو فوق صوت اصطدامه به
صارخة " أرني أي زواج هذا الذي تحلم به معي يا مزيف "
تراجعت للخلف فورا حين رأت يديه تمسكان بحديد سلم المسبح
وابتعدت أكثر
وهي ترى جسده يظهر من هناك والماء يقطر منه وقد خرج
بحركة هادئة جعلت التوجس يسكنها وكأنها ليست من فعل ذلك بكل
قلب قوي للتو
راقبته يقف خارجه وقد خلع معطفه ورماه أرضا ولم ينظر ناحيتها
مطلقا
وكأنه لا يعلم بوجودها , مرر أصابعه في شعره ينفضه من الماء
ونظراتها المتوجسة تتبع حركاته حتى خيل لها أنه لا يعلم بأنه ثمة من
دفعه أو أنه موقن
من أنها فرت هاربة ولا وجود لها هناك , تراجعت تحت الظلام الذي توفره
أوراق الشجر فوقها وابتسمت بانتصار وهي تراه يخلع قميصه المبلل
أيضا ويختار البقاء عاري الصدر في هذا البرد على تركه على جسده
تصفقه الرياح المتجمدة وكادت ضحكات النشوة أن تخرج من حلقها وهي تسمع
شتائمه الهامسة التي تصلها مع الريح وهمست من بين شفتيها الباسمة بسخرية
" هذا ليس سوى الدرس الأول فقـــ... "
كانت صرختها مدوية حين قفزت وفرت هاربة ما أن انطلق ذاك الخيال
الطويل جهتها بسرعة لم تلحظها وكأنه نمر رشيق وسريع تصيد
الفرصة المناسبة للانقضاض على فريسته وقد نجح فعلا في مباغتتها
حيث اجتمعت عليها المفاجأة والفزع وعلو كعب حدائها وتخبطها
الخائف في الظلام فكان
من السهولة أن يصل لها في لمح البصر ما أن ركض خلفها وأصبحت ذراعها
في قبضة أصابعه الفولاذية ورفعها عن الأرض بخفة وجسدها ورأسها يتلوى
دون أي أمل في الخلاص منه وشعرها المموج يضرب وجهه بسبب
الريح وحركتها العنيفة , همس من خلف أذنها مطبقا أسنانه المصطكة
من البرد
" ستدفعين ثمن هذا يا غيسانة "
حركت قدميها في الهواء تضرب بها ساقيه خلفها وصرخت
" أتركني يا همجي , أقسم أن تندم إن فعلتها ورميتني في الماء "
تقدم بها عدة خطوات تاركا المسبح يختفي خلفهما وقال وأصابعه تشتد
على ذراعيها أكثر " الفاشل فقط من يحارب بذات السلاح , عنقك أصبح
بين يداي يا ابنة شاهين الحالك وستري ما سيأتيك مني "
رفعت رأسها للأعلى في مواجهة الريح تشعر بملامسته لذقنه خلفها
وقالت بكره " أرني أفضل ما لديك إذا يا بربري فلن تنطلي عليا
كذبتك التي أقنعت بها شقيقي ولا أصدق أن ترغب بي زوجة
ولن ترى ذاك اليوم وإن قتلتك "
صر على أسنانه بغيظ يتوعد صاحب هذه الفكرة من أساسها , ما
يكسر ظهره أنه لا يستطيع رفض طلبه مهما كان صعبا فكيف وهي كما
قال مجرد تمثلية , لكنها أشد على نفسه من الواقع وهو يكره هذه
المرأة حد الغضب من ذاك الرجل الذي يراه كاملا ويعتبر تساهله هذا
معها النقطة السوداء الثانية في سجل مطر شاهين , تركها بعنف مبالغ
فيه وكأنه
يرميها رميا وقال بسخرية يراقب ترنح خطواتها لتتزن " صدقي أنها
حقيقة واقتنعي مثل شقيقك , وأحذرك من الآن أني لن أكون
رحيما مثله "
راقبها تنزع حذائها وتغادر بخطوات غاضبة يعلو البنطلون الجينز
الضيق الذي يلف ساقاها الرشيقتان معطف من الفراء السميك , تمتم
بغضب يعود أدراجه " ما كنت لأقترب من طريق تسلكينه يا غيسانة
لكن شقيقك أراد وتحملي نتائج ما يريد "
رفع سترته ومعطفه المبتلان كحال باقي ملابسه وتوجه جهة سيارته
وركبها لا يشعر بأصابعه ولا ذراعيه من شدة البرد الذي تعرض له
جسده ولازال يقاومه ببنية قوية , غادر من هناك يتابع سيل شتائمه
التي وصلت لجد جدها ويتوعد شقيقها قبلها
*
*
كتفت يديها لصدرها مبرزة بحركتها تلك جسدها المتناسق وخصرها
النحيل من تحت كنزتها الصوفية الطويلة المغلقة والأنيقة , ثنت ساق
حول الأخرى يلفهما بنطلون جينز باهت اللون تحاول أن تبدد بتلك
الحركة بعض التعب
من كثرة وقوفها .. نظرها مركز على شاشة الحاسوب اللوحي المثبت
على الطاولة أمامها وحدقتاها العسلية الواسعة تتحرك بين الأسطر
والمساحات تباعا وسمعها مع الجالس تحتها مواجها لتلك الشاشة لا
يظهر لها منه إلا شعره الأسود اللامع والنجمة الوحيدة المعلقة على
كتف بذلة الشرطة المحتضنة لجسده , لفت نظرها أمر مريب تبعه
صمت ذاك الشاب
فأجفلت فجأة ونظرت له تحتها لتكتشف أنه لم يعد ينظر لشاشة
حاسوبه بل لوجهها فوقه فتراجعت خطوة للخلف لا إراديا
وشتت نظرها بعيدا عنه هامسة " جيد فهمت فأين المشكلة ؟ "
عاد بنظره لشاشة حاسوبه مبتسما من حركتها المفاجئة تلك وقال وهو
يتصفح الموقع مجددا " المشكلة أن ما تطلبينه يا آنسة أمر
قد يكون خطرا جدا عليك "
لوت شفتيها بامتعاض وتمتمت ونظرها على حركة السهم على الشاشة
" لا تقلق بشأن ذلك الأمر ولن أوضح لك ما سأفعل إن كان
غرضك من النصيحة معرفة السبب "
وقف دافعا بعجلات كرسيه الجلدي للخلف فابتعد خطوتين أخريين
تراقبه
وقد انحنى على طاولته يكتب شيئا ما في قصاصة ورقة صغيرة ثم
استوى في وقفته ومدها لها قائلا " الرمز مكتوب فيها وعليا أن
أؤكد لك مجددا أن تكوني حذرة "
أخذت الورقة بأطراف أصابعها ودستها فورا في الحقيبة الملتفة حول
كتفها وجسدها قائلة " شكرا لك أنت أسديت لي معروفا لا يقدر بثمن "
وتابعت وهي تغلقها وترفع نظرها به " لم تكذب زهور حين قالت أن
ما أريده سأجده لديك فهذا رابع قسم شرطة أزوره , وتأكد بأني لن
أضركما بأي شيء فقد أتيت هنا بسيارة أجرى وسأستخدم أيضا
جهازا محميا من الاختراق "
حرك كتفيه قائلا " كنت أود لو أفدتك بمعلومات ملموسة كما تريدين
لكن يمكن لذاك الموقع أن يخدمك بما أنك ترفضين إعطائي الاسم "
أبعدت خصلات من شعرها البني خلف أذنها اليمنى قائلة
" سيفيدني كثيرا شكرا لك "
لكنه على ما يبدوا لم يكتفي بذلك النوع من الشكر ومد يده قائلا
بابتسامة واسعة " على الرحب والسعة "
رفعت يدها مجبرة وصافحته ساحبة إياها بسرعة جعلت ضحكة صغيرة
تفلت منه وهمس لها مبتسما " هل تمانعين في كوب قهوة ظهر غد ؟ "
تصلب ظهرها ونظرت له بصدمة قبل أن تنقل نظراتها حيث الجالسان
خلف مكتبيهما في ذات الغرفة ينظران لها مبتسمان بطريقة مضحكة
وتلعثمت قليلا قبل أن تقول بضيق " إن كنت تريد مقابلا للورقة
غير المال فسأعيدها إليك حالا "
مرر أصابعه على قفا عنقه وقال مبتسما " لما تفهمين الأمر بهذا
النحو ؟ أنا لم أطلب مقابلا منذ البداية "
اجتازته قائلة ووجهتها باب المكتب المفتوح " إذا شكرا لك مرة
أخرى وكانت فرصة سعيدة "
وخرجت من هناك يصلها بوضوح صوت ضحكات زميليه ما أن
غادرت فتمتمت بحنق تخرج بعض خصلات من شعرها من تحت
حزام الحقيبة عند كتفها " حسابي ليس معك بل مع ابنة خالتك
الحمقاء زهور تلك "
وغادرت من هناك وخرجت من نهاية ذاك الشارع المكتظ بسيارات
ورجال الشرطة المتوقفة عند بوابة مركزهم الواسعة في تلك المدينة
التي تبعد عن مدينتها عشرين ميلا وكالعادة دخلتها من دون سيارتها
وقفت ونظرت يمينا فكان على امتداد الشارع الفرعي أعمال حفريات
والطريق مغلق والأشرطة الصفراء منتشرة في المكان تمنع مرور أي
شخص غير الذين يتحركون خلفها بعشوائية , تنهدت بعجز ونظرت
للأعلى حيث السماء الملبدة بالغيوم السوداء وقطرات المطر التي بدأت
بالتساقط منها , أغمضت عينيها بقوة لسقوط إحدى تلك القطرات
العمياء في عينها فأنزلت وجهها ومسحتها بظهر كفها بقوة , ضمت
ياقة كنزتها المفتوحة على فكيها وخداها المتوردان من البرد وسارت
مسرعة جهة الشارع الآخر
نظرها على خطواتها فوق الرصيف تاركة شعرها البني
للريح الباردة تتلاعب به وحبات المطر الرقيقة تزينه كقطع متناثرة من
الألماس , سلكت الشارع متجاهلة جميع الأصوات حولها وركض
الناس للاختباء قبل أن يزداد ذاك المطر جنونا , شدت قبضتها على
الورقة فيها
وضمتها لشفتيها وشعرت بتلك الدمعة وهي تسقط من رموشها المطبقة
إلي الأرض وحذائها يدوس عليها تاركا إياها خلفه ككل سنوات حياتها
التعيسة الماضية تلك , غشت سحابة دموع دافئة عينيها ولهث تنفسها
وهي تهمس مغمضة عينيها تسير بلا رؤية " عليا أن أجدك يا تيم
عليك أن ترجع كما وعدت , لا تتركني لظلم البشر أكثر من ذلك "
" هيه يا آنسة "
وقفت مكانها ومسحت عيناها بطرف كمها ومدت يدها لباب السيارة
التي وقفت أمامها تفتحه ودخلتها مغلقة الباب خلفها فورا تنفخ أنفاسا
ساخنة في قبضتيها وقال الجالس في المقعد الأمامي خلف المقود ينظر
لها في المرآة " انتظرتك بعيدا , لم يسمحوا لي بالوقوف طويلا حيث
باب مركز الشرطة ورأيتك وأنتي تغادرين لكن الشارع
كان مزدحما "
مسحت بظهر كفها على وجنتيها تدس بأصابع يدها الأخرى تلك
القصاصة
في جيب بنطلونها الأمامي لتضمن أنها لن تفارقها فلن تستأمن عليها
في حقيبة ليست ملتصقة بجسدها التصاقا , حركت شعرها بأصابعها
تبعد عنه حبات المطر التي لم يتشربها بعد قائلة " عد بي من حيث
جئنا لقد انتهى مشوارنا "
انطلق من فوره مغادران شوارع مدينة بينبان ولم يحتج الأمر للكثير من
الوقت ليصل بها لمدينتها ويقف بالقرب من باب منزلها فالشوارع لم
تكن مزدحمة بسبب الأمطار التي بدأت بسجن الكثيرين في أماكنهم ,
ترجلت من السيارة بعدما أعطته أجرا سخيا جعله يتمنى أن يكون هو
من يوصلها
كل يوم وتوجهت للمنزل من فورها وصعدت لغرفتها مباشرة مغلقة
بابها خلفها بالمفتاح .
خلعت عنها الكنزه الصوفية التي تبلل كتفاها بسبب الأمطار
ثم زادت من التدفئة الكهربائية في الغرفة وتوجهت للخزانة تجر معها
كرسيامغطى بالقماش يأخذ شكل قلب , صعدت فوقه حافية القدمين
ومدت جسدها ويدها للأعلى بصعوبة حتى وصلت للصندوق الموجود
هناك وسحبته بحذر
كي لا توقعه , قفزت من الكرسي وتوجهت فورا لسريرها ونظرها على
الصندوق الذي كانت تفتحه وما أن جلست على طرف السرير حتى
رمت الصندوق جانبا بعدما أخرجت منه ذاك الجهاز الأسود المسطح
الصغير
شغلته فورا وبخفة وبدأ إصبعها بالتحرك على شاشته بسرعة وإتقان
حتى اتصل بالانترنت وتنقلت بين مواقع معينة كما علمها ذاك الشرطي
الشاب
حتى وصلت لوجهتها المحددة وأدخلت الرمز الذي أعطاها إياه , كانت
ضربات قلبها تتصاعد تدريجيا وهي تُدخل تلك الأحرف والأرقام حتى
ضغطت على أيقونة الدخول وكادت تصرخ بأعلى صوتها حماسا حين
نجح الأمر ووجدت أمامها صفحة طويلة مليئة بالأسماء الانجليزية كلغة
ذاك الموقع فانتقلت بأصبع مرتجفة لمربع البحث لتكتب ما تريد البحث
عنه , كتبت الاسم الأول بالانجليزية فظهر لها سريعا ثلاث خيارات شبه
متشابهة فاختارت احدها فورا وكانت الصورة لرجل قارب الأربعين من
عمره أشقر الشعر فعادت للخلف واختارت الاسم الآخر وكانت الصورة
والمعلومات أيضا لا تنطبق عليه , هي لا تملك من صفاته سوى ما
تحمله ذاكرتها عن ملامح ذاك الفتى الذي عرفته في صغرها وليست
تعلم إن تغير أم لا
لكنها ستميز بسهولة لون الشعر والعينين وحتى العمر بل وتلك النظرة
التي لم تراها في شخص غيره ولازالت محفورة في ذاكرتها حتى الآن
, ماأن ضغطت على الاسم الثالث والمتبقي ( tem falcon ) حتى
ظهر لها خط أحمر كتب فيه ( أنت تدخل لعين الزمرة )
فقبضت أصابعها بتوتر وفكرت لبرهة عن معنى تلك العبارة المكتوبة !
هل الاسم له مكانة خاصة !؟ مسحت بسبابتها على شفتيها ثم ضغطت
موافق متجاهلة ذاك التحذير تشعر بشرايينها تُشد بقوة من فرض تلهفها
لمعرفة ما يحوي ملف ذاك الاسم وإن كان صاحبه أم لا , فجأة رمت
ذاك الجهاز بقوة على الجدار وقفزت جهته صارخة وركلته بقدمها
بقوة حتى تأكدت من أنه تحول لقطع واتكأت بجبينها على الجدار
فوقه تنظر لحطامه من بين دموعها التي تقاطرت فوقه
ولكمت الجدار بغضب
*
*
دفعه لداخل السيارة قائلا " تحرك هيا نفخت لي رأسي يا رجل "
ركب الكرسي متأففا وأغلق الباب بامتعاض وصوته يخرج من النافذة
المفتوحة يصل بوضوح للذي لف حولها ليجلس في مقعد السائق
" وضعي لا يشبه وضعك يا أبان متى ستفهم ذلك "
جلس أبان في كرسيه مغلقا الباب خلفه وشغل السيارة قائلا " من يسمعك
يضنك تتحدث عن ابن رئيس البلاد أو عن عملية ترويج للممنوعات "
وتابع والسيارة تتحرك بهما " أعدّها مغامرة صغيرة يا رجل فلسنا
نعارض الشرع ولا القانون "
كتف يديه لصدره قائلا بتنهيدة " لا تنسى أن والدك يكون ابن عائلة الشعاب
المعروفة وأن والدتك تكون ابنة شاهين الحالك شقيقة الأسطورة مطر
شاهين أما أنا فإن علقت فلن يخرجني منها أحد ولن أغامر بحياتي
لأني أحتاجها أكثر مما تحتاجني "
نظر له أبان بطرف عينه قائلا بمكر " من هذه التي تحتاجها أكثر مما
تحتاجك ؟ لا تقل أنها الحياة "
وانطلقت ضحكته مرتفعة والسيارة تشق بهما الشوارع المظلمة
بسرعة
ارتفعت تدريجيا فتمتم الجالس بجانبه بحنق " لن يفهم شخص مثلك ما
يعانيه شاب مثلي "
توقف عن الضحك ونظر له قائلا بهدوء " يمان لما لا تفتح لي قلبك
ألسنا صديقين ؟ لما أشعر أنه ثمة أمر يشغل دهنك دائما ! هل تعاني
من مشكلة ما ؟ أخبرني قد أساعدك في شيء , لا تسخر من حجم قدراتي "
هز رأسه هزة خفيفة منكرا شكوك الجالس بجواره واكتفى بصمته وقد
أشاح بوجهه جانبا جهة نافذته يراقب أنوار الشوارع والسيارات , عن
ماذا سيخبره
وما الذي سيساعده به ! همومه التي لا نهاية لها وسببها والده
وزوجته أم عن شقيقته ذات الثلاثة عشرة عاما .. طفلة قد ظلمتها
الحياة والظروف من يراها
يضنها شبحا مما ترى وتعاني , من كره العودة لمنزلهم نهارا كي لا
يرى تلك المعاناة التي إن تدخّل لمنعها عنها كان نصيبه مثلها
ونصيبها مضاعفا حتى
أصبح يهرب من ذاك المنزل حتى آخر الليل ليدخله وهي نائمة , هذا إن
لم يجدها معاقبة تنام على أرضية المطبخ الباردة وليس بيده شيء
سوى تغطية جسدها النحيل المرهق ببطانيته الوحيدة وسحبها منها
كاللصوص وقت الفجر
كي لا تراها تلك المرأة , يعلم أن هروبه لن ينفع شقيقته في شيء ولن
يزيده إلا كرها لنفسه وهو يفر كالجبان ولا يفعل شيئا حيال وصية
والدته له قبل موتها
ولا بإخراجها من ذاك المنزل وتلك الحياة التي تستصعبها حتى
الخادمات فكيف بمن في مثل سنها وجسدها , لا يمكنه مواجهة ذاك
الوجه كل نهار .. تلك الابتسامة
الصغيرة والملامح الحزينة التي تقابله بها كلما دخل من باب المنزل
وهي تركض جهته تسأله إن كان يريد طعاما أو أن تفعل له أي شيء
آخر ولم تتحدث يوما عن أي شيء مما تعانيه ولم تطالبه لحظة بأن
يجد لها ولمعاناتها حلا , وأي حل هذا
الذي قد يقدمه لها ولا أمل لخروجها من منزلهم فلم تبلغ سن زواج
ليأتي من يأخذها
منهم ويشك أن تفرط تلك المرأة في خادمة تخدمها ليل نهار دون مقابل
إلا إن كان زوجا سيستفيدان منه , ومن هذا الزوج الذي سيفكر أن
يناسب رجلا مثله !
شعر بسرعة السيارة ازدادت فجأة فنظر للجالس بجانبه وأمسك بمقدمة
السيارة قائلا بخوف " ما بك يا رجل ! "
نظر أبان في مرآة السيارة الأمامية وقال وهو يزيد السرعة أكثر "
ثمة سيارة خرجت خلفنا منذ تحركنا , إنها تقصدنا مسرعة "
نظر خلفه ورأى السيارة التي أصبحت تجتاز السيارات مسرعة لتلحق
بهما كما
قال فشعر بخوفه يزداد أكثر وأول ما مر أمام عينيه صورة شقيقته
الوحيدة وكل ما يخشاه أن تفقده هو أيضا , نظر للجالس بجانبه يتحكم
بحركة المقود ببراعة
وقال " ماذا يريدون منا ؟ "
لم يجبه أبان وهو يدير المقود بقوة ويدخل طريقا فرعيا أوصلهما
للطريق
الساحلي مباشرة وأصبحت السيارة تتسابق مع الريح بجوار البحر , نظر
ورائه مجددا ثم نظر له وقال بتوتر " أصبحتا اثنتين "
نظر أبان في المرآة لمرتين متتاليتين ثم همس من بين أسنانه وهو
يدوس مكابح السيارة أكثر " تبا لهم "
كانت السيارة تكاد تطير فوق الطريق الواسعة بسبب سرعتها الجنونية
ولا صوت يسمع فيها سوى همس يمان متشهدا وهو يرى انقلاب
سيارتهم أقرب
من نجاتهم من ملاحقيهم المجهولين , في كل مرة كانت إحدى
السيارتين تسرع
حتى تكاد تسير بجانب سيارتهم ثم تتراجع للخلف بمناورة من الجالس
خلف المقود
يحاول أن ينقد صديقه على الأقل ولم يعد يفكر في نفسه حتى خفت
سرعتها فجأة
فنظر يمان خلفه ثم لأبان وقال بذعر " ما بك توقفت ؟ "
أوقف السيارة جانبا وسحب المفتاح منها على أصوات صرير عجلات
السيارتين خلفهما وتوقف إحداهما أمام سيارتهم والأخرى خلفها على
عرض الطريق الجانبي وقال " هم يلاحقونني أنا , لن أتسبب في
أذيتك معي "
نظر له باستغراب على صوت أبواب السيارتين وهي تغلق بعد نزول
من فيها وقد همس " وما أدراك بأنك المقصود ؟ "
سحب أبان مسدسا من جيب سيارته ودسه في جيب بنطلونه الخلفي وسحب
مفتاحا وضعه في الجيب الأمامي ثم وضع له مفتاح السيارة في يده وقال
وهو يفتح الباب لينزل منها " لأن كلتا السيارتين كانتا تقتربان من
نافذتي يا ذكي .. لا تحتاج لتفكير "
نظر له يمان باستغراب وهو يقف خارج السيارة , أجل كيف نسي أنه
تخرج حديثا من كلية الحقوق وسيفكر كأي محامي وسيستنتج سريعا
من يقصد أولئك الرجال الأربعة الواقفين أمام السيارة , نظر خلفه
ووجد رجلين آخرين في الخلف
فعلم أن الأمر أخطر مما يتوقع كليهما , نظر لمفتاح السيارة في راحة يده وهو
يعلم أن أبان يريد منه مغادرة المكان لذلك أعطاه له , فتح باب السيارة
ونزل منها يراقبه وهو يقترب بثقة وخطوات ثابتة من أولئك الرجال ,
راقبه حتى وقف أمامهم يديه في جيبي بنطلونه الجينز وقد قال أحدهم
مباشرة وبصوت
غليظ جهوري " أبان يعقوب الشعّاب ثمة ما علينا التحدث فيه لوحدنا
وبعيدا عن هنا "
أنهى جملته تلك ونظر خلف كتف الواقف أمامه حيث وقعت نظراته
على يمان فورا فشعر برجفة الخوف تسري في جميع عروقه , التفت
أبان له برأسه فقط وقال " خد سيارتي وغادر من هنا واتركها لديك
حتى آخذها منك بنفسي "
فتح فمه مصدوما قبل أن يغلقه شادا على شفتيه بغضب من ثقته بنفسه
ومن أنه سيرجع حيا ليأخذها منه وهم ينوون أخذه للمجهول وحيدا ,
نقل نظره بين الواقفين جميعهم ولا يعرف كيف يمكنه أن يساعد صديقه
ولا يتخيل أن يتركه
وحيدا معهم وهو حده من يعرف ما يحدث معه الآن , استقر نظره على أبان
فحرك كفه ملوحا له وقد غمز بعينه قائلا بابتسامة ساخرة " هيا لا أريد
أن تفقدك حبيبتك المجهولة تلك بسببي وتكيل الدعوات لي طوال الوقت "
صر على أسنانه بقوة وهمس شاتما له قبل أن يتحرك حول السيارة
ليركب خلف المقود متمتما بغيظ وهو يشغلها " معتوه ولا يتغير أبدا ,
حتى وهو يواجه المجهول وقد يكون الموت يلقي بدعاباته السخيفة "
*
*
عطس مجددا وأخذ كومة المناديل التي مدها له الجالس أمامه وقال دجى
ببرود " نصف التسجيل لم أسمعه بسبب عطاسك المتكرر , ما بك
يا رجل كنت بالأمس بكامل عافيتك ؟ "
رمى المناديل من يده بقوة وكتف يديه لصدره ولم يعلق ينظر بطرف
عينه بضيق للواقف عند النافذة موليا ظهره لهم وذاك حاله منذ بدأ
عرض تلك المكالمة المسجلة مسبقا ,
نظر للآلة أمامه على الطاولة وأعاد تشغيلها مجددا
فلا فرصة للانتقام منه كهذه التي أتته على طبق من فضة وسيستغلها
بسبب ما ورطه به وما فعلته به شقيقته تلك ليلة البارحة , عادت الآلة
للدوران حتى منتصف ذاك الشريط ثم توقفت وعادت للحركة ببطء
وخرج ذاك الصوت
الأنثوي الرقيق الناعم رغم نبرة الضيق فيه ( رماح أنت لن تتوقع مني
فعلها بالتأكيد ؟ أنا لست مسؤلة عن تصرفات جبران ولن أكون
ضحية قراراته المجنونة دائما(
نظر بابتسامة شامتة للواقف هناك يشد قبضتيه ببعضهما بقوة
ومرفقاه يتكئان على حافة النافذة المفتوحة ينظر للخارج ورأسه
للأسفل وصوت رماح المتعب يملأ صمت المكان قائلا
( غسق أنتي نقطة ضعف جبران
الوحيدة , من أجلك سيفعل أي شيء ويفعل ما يفعله الآن وبسببك
أصبح ما عليه شخص لم نعرفه سابقا أبداً , بل منذ دخلت الحالك من
أعوام وأصبحت زوجة لذاك الرجل(
غزى الضيق نبرتها الرقيقة وهي تقول ( يكفيني من هذا , لقد نبذت
الرجال بجميع أنواعهم وطبقاتهم ما من شيء يمكنني التضحية الآن
من أجله , والدي وتركني ... وحده من كنت قد أقبل لو طلب مني
ذلك وإن مكرهة(
قال برجاء غزى صوته المرهق ( فكري في الأمر يا غسق من أجلي يا
شقيقتي بل من أجله وأجل مستقبله , أنتي لم تعودي ملزمة بشروط ابن
شاهين تلك التي تركها خلفه وقيدك بها كسلعة رخيصة لبقاء والدي
في مركزه رئيسا للبلاد ولتوحيد أقطارها , لقد تحررت منه بموت
والدي ولم تعودي حكرا للعيش على شروطه وذكراه وجبران يعلم ذلك
جيدا وهذا نصف سبب ما يفعله , جبران يحتاجنا جميعا يا غسق بل
يحتاجك أنتي
أنتي من يمكنه ردعه عن ذاك التفكير المجنون , هل تعي معنى أن
يقود حركة تمرد أو حتى أن يكون جزءا فيها ؟ هو يقود نفسه للضياع
يا غسق فكري فيه وإن من أجل ذكرى والدي(
كانت ستتحدث فقاطعها من فوره ( فكري فيما قلت يا غسق لا تتخذي
أي قرار وليد اللحظة , قد لا أراك مجددا يا غسق فحياة كل واحد فينا
أبناء شراع صنوان مهددة بالخطر وإن كنت خارج البلاد , فأعتبريه
الطلب الأخير(
خنقت العبرة المكتومة صوتها الناعم وهو يخرج من تلك الآلة الصماء
) يكفيني من الفراق يا رماح , يكفيكم ما تفعلونه بي وتوقف عن
ذكر الموت حالا(
قال بإلحاح ( عديني إذاً أن تفكري في الأمر , قولي فقط أعدك أني
سأفكر فيما قلت وأنا أ ثق في وعودك وحسن قراراتك(
تنفست بعمق استطاع كل من في تلك الغرفة سماعه ثم خرج صوتها
مجددا ( أعدك يا رماح بأن أفكر وليس أن أنفذ ... )
أوقف الجالس في الجانب الآخر الشريط قائلا " ما جدوى إعادة سماع
هذه المكالمة فالمفيد وصل وهو أن ابن شراع الأكبر ضمن من تلوح
حولهم الشبهة في أحداث البلاد الأخيرة "
همس دجى مكتفا يديه لصدره
" إن مس ابنتي سوء لن أسامح منهم أحدا "
نظر شاهر للذي لا يزال واقفا هناك ولم يتحدث بشيء حتى الآن وهو
وحده من كان يريد سماع صوته , يبدوا أن السنين لم تعلمك أن تقدر
تجربتي يا ابن شاهين وما مررت به ولن يكون ذلك إلا على يد ابنة
عمك تلك , أمال ابتسامة
مستفزة ونظره لا زال على الواقف هناك وقال " لا تخشى على ابنتك
فهي أثبتت نفسها وبجدارة امرأة استحقت لقب درع المرأة الذهبي الذي
أطلق عليها
فتلك الجمعية التي تديرها بل مدينة العمران بأكملها عائداتها السنوية
بالملايين
وتنفق تلك الجمعية ما يزيد عن مليوني جنيه شهريا تُصرف رواتب
لعائلات ونساء هن بحاجتها , وتدير بنفسها سبعين محلا تجاريا
ومركزا كبيرا وسط المدينة
وشركتين صغيرتين للتصدير مردود كل ذلك تصرفه على خمسين ألف
امرأة وسبعة ألاف عائلة وخمسمائة قضية في محاكم الدولة , هذا ولم
نتحدث عن المعامل والمصانع الصغيرة والمطاعم في تلك المدينة فكل
ما فيها يعود لتلك الجمعية , فمن تدير كل ذلك بحرفية وذكاء لن تهاب
من مواجهة أي خطر
ولن تحتاج لرجل يرعى مصالحها ولا ليحميها "
ابتسم الجالس في طرف الأريكة المقابلة ناصبا ساق على الأخرى فهو
يفهم سبب كل هذا الحديث وهدف شاهر من قول كل ما قاله , اتكأ
بظهره للخلف مسندا ذراعه على ظهر الأريكة وقال مبتسما " سمعت
أن نصف رجال الأعمال في تلك البلاد تقدموا لخطبتها ... رقم مبالغ فيه
بالتأكيد لكني أجزم
أنه مقارب للحقيقة فأغلب زوجات أولئك الرجال شكل لهم ذكرها
كابوسا مرعبا "
غمز له شاهر ضاحكا بصمت وسرعان ما جمدت ضحكته تلك ما أن
التفت الواقف هناك وقال بجمود " سجلت البلاد اليومين الماضيين
خمس حالات اختطاف لرجال شرطة , ثمة أخبار عن جماعات تجمع
السلاح وعن تأييد شعبي لبعضها "
قال عمير من فوره " كارثة إن دُمر جهازي الشرطة والجيش وضاع
تعب
الأعوام الماضية جميعها , على قادتهم أن لا يتفككوا وأن لا يدخلوا في
الصراع مع أي طرف أو ضاعت البلاد "
عقب دجى يشد قبضته " لن يضيع تعبنا ذاك كله , خسرنا الكثير من
أجل ما وصلت له البلاد وحاربنا الوحوش من أجلها مبعدين أي خطر
خارجي للمساس بها لتنهار الآن من الداخل رغم درع الوقاية
الخارجي الذي
شكلناه حولها !! ذاك أسوأ كابوس قد يعصف بالبلاد "
جلس مطر في الكرسي المتبقي في تحلقهم ذاك حول الطاولة الزجاجية
الدائرية المنخفضة وشبك أصابعه ببعض يتكئ على مرفقيه وغاب بنظره
للأرض قائلا بهدوء غزى بحة صوته الجهوري " كلفت من كان حلقة
وصل مع ابن شراع المدعو رعد وهو من دخل البرلمان مؤخرا بعد
وفاة والده وثمة تجمع لبعض النواب حوله يريدون أن يستلم البلاد بعد
والده لكنه يرفض وكذلك
ثمة معارضين للفكرة ويرون أنه ابتعد عن السياسة طوال السنين
الماضية باختياره
والمرحلة الانتقالية تحتاج لشخص ملم بكل شيء , وكل ما قاله رعد
شراع أنه لن يكون عضوا في البرلمان ما أن يستلم رئيس البلاد
مهامه كان من يكون رغم بلائه الحسن حتى الآن "
علق أحد الجالسين بحيرة " الأخبار لا تسر وما يفعله أولئك الرجال
كمن يحفر في الرمال , لو أعلم من وراء مقتل شراع صنوان وإدخال
البلاد في كل تلك البلبلة ؟ وكأنهم يريدون إرجاعها لما كانت عليه "
قال شاهر من فوره " مستحيل فالقبائل تناسبت وتداخلت وإن كانت
النسبة ثلاثون في المائة فقط ويستحيل تفرقتها وتجزئتها لثلاث محاور
كما في الماضي "
علق دجى مبتسما بسخرية " لا تنسى ما حدث للكوريتين انقسمتا رغم
كل تلك الجذور وتفككت العائلات وعلِقوا للأبد فلا تستبعد ذلك لدينا بل
سيكون الوضع أسوأ فلا تنسى أننا مجتمع قبلي , ومن دبر كل ذلك
غرضه إلهاء الناس بقتال بعضهم وسلب ما يمكنه الاستفادة منه وهم
غافلون عنه بالقتل والدماء وأول ما
سيتناحرون عليه هو النفط فآباره في الجنوب وأغلب مصافيه في
الشمال وهو ممتد في خط الوسط للبلاد أي أن الكارثة لن يتخيل حجمها
أحد خاصة مع كل التحركات السرية الحالية في الداخل , ونحن هنا لم
يعد بيدنا شيء سوى كف أدى من هم خارجها لكنه لا يكفي أبدا خاصة
وأننا فقدنا حلقة الوصل بالداخل وهو شراع صنوان "
وقف مطر مجددا ونظراتهم تتبعه وقد عاد للوقوف أمام تلك النافذة
شادا قبضتيه
بقوة وكمي قميصه مرتفعان لمرفقيه كاشفان عن ساعديه القويان
يداعب النسيم البارد خصلات شعره الأسود وقد أطبق جفنيه برفق
وكأنه ينسلخ عن كل ما هوحوله وينأى بنفسه مع أفكاره وقد أطبق
الصمت على مجلسهم ذاك وكأنهم جزء
من تلك الأفكار التي تدور داخله , يعلمون أن ثمة ما سيفصح عنه في
أي لحظة
وهو ما سيراه الحل الوحيد والأخير لما يحدث في تلك البلاد التي فدوها
بأرواحهم وبسنوات حياتهم الماضية وبأحبابهم وكل ما تركوه هناك
خلفهم , من تسرب حبها في شرايينهم مع الدماء .. حب أناني لم
يشاركه ولم ينافسه شيء فقد كان رمزا
للتضحية والعطاء دون مقابل حتى أخذ منهم الغالي والنفيس .
التفت لتلك الأعين المحدقة به بصمت ونظراته قد جالت بينهم , يفهم
فيما يفكر كل واحد منهم وكم من آمال يعلقونها على قراراته وما قد
يفعله من أجل تلك البلاد التي كافحوا لأعوام طويلة من أجلها , دفع
الكثير من أجلها ولن يسمح لأي كان بأن يدمر
ما فعلوه ووصلوا إليه وإن اضطره الأمر لأن يحارب أبناء وطنه
جميعهم إن كان تفكيرهم سيقود البلاد للخراب والدمار , لقد ضحوا من
أجلها ولكي ينقذوها ممن أراد الفتك بوحدتها من خارجها ولن يسمح
بأن يكون أبنائها في الداخل هم سبب
حدوث ما عجز عنه الكثيرين في الخارج , شد قبضتيه بجانبه بقوة
ونظره إلى الأعين المحدقة به بفضول قبل أن يقول بجمود " سأكون
ضمن الرحلة
التي ستنزل أرض الوطن "
أعين متسعة تلك التي حدقت به تعلوها الصدمة عدى نظرة عمه
الباسمة المتفهمة , وكان أول من خرج من ذاك الصمت المميت الذي
أعقب قراره
هو شاهر الذي علق ساخرا " المجموعات هنا تحتاجك أيضا ولا أعتقد أن ابن شراع الأكبر ذاك سينال شيئا ولا يبدوا لي أنه كسب المعركة "
تحركت خطوات مطر ووجهته الباب قائلا بجمود " الوضع لم يعد
يحتمل الصمت عنه فاترك دعاباتك السخيفة لنفسك "
راقبته نظراته الحانقة حتى خرج ضاربا الباب خلفه فنقل نظره منه
للجالس بجانبه
وقال ببرود " إياك أن ترجعها له يا دجى , أقسم أنه لا يستحق ولا ظفرها "
وقف دجى وقال " أنا خارج ملعبكم هذا حاليا فأنا قد أدخل البلاد تحت أسم
مزور , وأعتقد أن الأمور كما أوضح مطر أصبحت لا يُسكت عنها "
وقف عمير أيضا وقال ناظرا لدجى " إذا الرحلة سيكون فيها أنا وأنت
وتميم وقاسم ومطر "
قال متوجها للباب " يبدوا لي ذلك ... ولا تنسى ابنته فلن يتركها
هنا وحدها بالتأكيد "
*
*
أبعدت اللحاف عنها ببطء وهي تجلس مغلقة المنبه الصغير على
الطاولة بجانب سريرها ومررت أصابعها في شعرها تشده للخلف , لم
تحضا بدقيقتين تنام فيهما بسلام كانت أحلامها جميعها كوابيس وجبران
من احتلها , تراه مقيدا بالسلاسل
وتراهم يجرونه على الأرض , وتارة خلف القطبان يلومها لأنها لم
تنقذه وينعتها بأنها جبانة ولازالت تعيش على ماض رفضها وأنها أجبن
من أن تتخلص من ذكرى رجل طلقها ورماها خلفه , وكانت تلك آخر
عبارة سمعتها منه في آخرمرة رأته فيها , وقفت وتوجهت للنافذة
وفتحتها على مصراعيها واستقبلت هواء
الصباح البارد , كانت الساعة السابعة والضباب لازال يرسم خطوطا
متفرقة على المساحات الخضراء المقابلة من المدينة وقرص الشمس
ارتفع لؤلئينا قد فقد لونه الذهبي المشع وهو يعانق الجبال , أبعدت
خصلة من غرتها طارت أمام عينيها
ثم دفنتهما في كفها تغرز أسنانها البيضاء الصغيرة في شفتها السفلى
بقوة تشعر بألم في داخلها يصعب عليها كتمانه ولا التعبير عنه ففوق
تمزقات الماضي زادها
إصابة رماح وابتعاده .. رحيل جبران غاضبا والملامة هي طبعا ..
أحداث البلاد الأخيرة وتدهورها المفاجئ .. والأسوأ من كل ذلك رحيل
والدها الحبيب , بل والأكثر ألما منه حديثه الأخير لها وحدهما قبل
موته .
أبعدت كفها وأغلقت مصراع النافذة واتكأت عليه بجبينها ترى من خلال
زجاجه صورة لنصف وجهها تتداخل مع خضرة المنظر الضبابي خلفه
ونصفه الآخر
كان جهة المصراع المفتوح يلفحه برودة ذاك الهواء وكأنه انقسم
لنصفين
مر قرابة اليومان ولم تستطع حتى الآن أن تقرر شيئا بالنسبة لوعدها
لرماح , لا يمكنها خداع جبران وإيهامه بمشاعر لن تستطيع منحها له
ولا لأي رجل لأنها
أصبحت مشوهة من الداخل ومات في قلبها شيء يصعب على أي بشر
إحيائه من جديد , ليست تفهم لماذا تتعقد الأمور وتتشابك حتى يصبح
عليها هي وحدها في النهاية حلها وإن كرهت نفسها , وإن لم تفعل ذلك
ستجد أنها ملامة من الجميع
نهاية الأمر , ورغم يقينها من أن جبران لا يفعل ما يفعله الآن للضغط
عليها أو عليهم فالسنين كفيلة بأن تغيره وأن ينضج عقله لكنهم جميعا
سيرون أنها السبب وأن الحل بيدها كما سبق وفكر رماح .
تحركت من هناك ونزعت قميص نومها الخارجي من مكانه ولبسته
على عجل وهي تسمع الخطوات الراكضة في الخارج وتعلم أنها
للكاسر بكل تأكيد
فتحت باب الغرفة وخرجت منها تربط حزام القميص الحريري لحظة
وقوف الذي كاد
يصطدم بها فنظرت لجسده نزولا ثم عادت بنظرها لعينيه وقالت مستغربة
" كاسر لما ببجامة النوم حتى الآن ؟ ألا مدرسة اليوم ! "
تلعثم قليلا وهو ينظر خلفه من حيث جاء قبل أن ينظر لها ويهمس
بتوتر
" كــ ... كنت , أعني أشعر بأني سأصاب بالرشح وأخاف أن تسوء
حالتي إن ذهبت "
نظرت لشعره الغير مرتب ثم لوجهه وقالت غير مقتنعة " في أشد حالات
الزكام كنت ترفض التغيب عن دراستك فما يبقيك اليوم وما سبب هذا
الركض و...... "
نقلت نظرها فورا لنهاية الممر حيث تحتل غرفته ذات ممر غرفتها
وباختيار منه , غضنت جبينها مقربة حاجبيها باستغراب تركز سمعها
لصوت التلفاز
المرتفع الذي تجاوز فجأة باب الغرفة المفتوح ثم ركضت فورا جهته
تغلق قميصها على صدرها بيد والأخرى تثبت حزامه كي لا ينفتح ودخلت الغرفة
على خطوات الكاسر الراكضة خلفها قائلا " أمي انتظري حتى نتأكد
من الخبر أولا ومن وجوده هناك "
المخرج ~
بقلم/ أميرة الوفاء
قررت العودة يا مطر ..
بعد جرح ظل لسنوات مسيطر ..
حانت المواجهة فما هو العذر ..
هي لن تقبل منك أي مبرر ..
أخدت ابنتها وتركتها لعذاب وعبر ..
تنزل كل مرة لك تتذكر ..
لابنتها تشتاق ، تحن ، تنتظر ..
أعوام كثيرة سهرت بها تفكر ..
تبكي ولا تنام إلا بعد الفجر ..
إبعادك لتيماء كان لها آخر الصبر ..
غسق (كرهتك) وانتهى الأمر ..
أنت السبب يا مطر ..
فكيف ستصلح الأمر ..
نهاية الفصل الثاني ....
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الثالث 3 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الثالث
الفصل اهداااااااء للغالية deegoo
المدخل ~
بقلم / نجمة المساء
في عبق الصفحات رواية . .
تروي القلب بنهر أماني!
(جنون المطر)تظل الغاية . .
بجزئيها اﻷول والثاني
ومضات ٌ نقرأها سطرا . .
وهي ألوف ٌ بمعاني
وحروف يكفي رونقها . .
أن يغمر كل كياني
حب ٌ حرب ٌ سلم ٌ أمن ٌ . .
وشرور ٌ في كل مكان ِ
أمل ٌ لا بد سيبقى . .
ألم ٌ يرحل . .وبإذعان ِ
أرض بلادي وسماها . .
وهواها ..مهوى وجداني
ﻷجلك كم ترخص أرواح ٌ. .
أموت لكي تحيا أوطاني . .
******
وقفت مكانها منتصف الغرفة تنظر بصدمة لشاشة التلفاز المسطحة
الكبيرة وللصورة فيها وقد احتلها المبنى العاجي اللون الشبه دائري
تلتف حوله أعمدة حجرية ونوافذ طويلة , بابه البارز الطويل والمقوس
يتراء للعيان من خلف السياج الحديدي والأشجارالتي تزين المكان
حوله وثمة دخان رمادي يتصاعد من أحد جوانبه , كان هناك تجمع
كثيف لرجال شرطة وسيارتان للجيش وصوت المراسل الصحافي يرتفع
بكلام لم تستطع ولا التركيز فيه وقد خفق قلبها بجنون وترقرقت
الدموع في عينيها وهي ترى الخبرالمرسوم فوق شريط أحمر أسفل
تلك الشاشة ( مجموعة كبيرة ومسلحة تطوق مبنى البرلمان والأعضاء
بداخله والشرطة وقوات الجيش تعجز حتى الآن عن فعل أي شيء
خوفا على الأعضاء بالداخل(
انهارت على الكرسي خلفها وقد رفعت راحة يدها لجبينها والأخرى
على صدرها وهمست ودموعها نزلت تتدحرج على خدها
" رعد شقيقي"
قبل أن تتحول لشهقات وهي تمسك فمها بيدها فتوجه الكاسر نحوها فورا وجلس بجوارها ممسكا بيدها وقال بقلق " أمي ستكون الأمور بخير لما البكاء , أرجوك "
لكن ذلك لم يكن ليفد شيئا وعيناها لازالت شاخصة في شاشة التلفاز
أمامها والدموع تنزل منها كحبات المطر الغزير ولازالت عبراتها
تتصارع بين حلقها وصدرها
يعجز عن إيجاد كلمات قد تطمئنها كما يعجز عن إيقاف دموعها الغالية
على قلبه وكم لعن نفسه في سره على خروجه من غرفته وقد كان كل
غرضه النزول لغرفة الحرس في الخارج ومحاولة الاتصال بأحد
الحراس الشخصيين لعمه رعد وفهم مايجري معهم وأين يكون تحديدا
وما يحدث في الداخل وما حجم الإصابات لكنها فاجأته بخروجها
المفاجئ في وجهه وهو من كان يعلم بأنها لن تغادر إلى مكتبها
في الجمعية قبل الساعة التاسعة , راقبها بعينين وجلة وهي تقف مجددا
بصلابتها التي ما تنفك ترجع وتتمسك بها ما أن تفقدها للحظات , وقف
وتبعها بخطوات بطيئة وهي تخرج من غرفته ووقف مكانه متنهدا
بعجز حين دخلت غرفتها مغلقة بابها خلفها
*
*
نظر من النافذة لنور الصباح الذي بدأ يتسلل من خلف البحر ولازالت السيارة تشق طريقها قربه لم تفارق الخط الساحلي , يحار ما كل هذا الانفراد الذي قالواعنه وهل يلزم الأمر أن يبعدوه عن صديقه يمان كل هذا القدر كي لا يسمع ماسيدور بينهم !! أم أن الأمر تعدى ذلك بكثير ؟ سند خده براحة يده المثبتة بمرفقه
على حافة إطار النافذة ونظر للجالس في الأمام بكسل قائلا " إن كنتم تنوون
قتلي فأخبروني على الأقل أخبر والدتي تتوقف عن البحث عن عروس لي "
التفت له أحدهما وقال مبتسما " أخبر والدتك إذاً تستمر في بحثها "
عبس متمتما " لما لا تهددونها بقتلي أو أن تُخرج تلك الفكرة
الغبية من دماغها "
ضحك الجالس بجانبه وقال في أول خروج له عن صمته " لأول مرة في
حياتي أرى شخصا يأخذونه للمجهول ويأخذ الأمر بفكاهة مثلك "
رمقه أبان بطرف عينه قائلا ببرود " وأنا لأول مرة في حياتي أرى خاطفين
بثياب أنيقة وأسلوب لبق وابتسامة ودود مثلكم , لا يمكنكم خداعي أبدا "
قابل ذاك بروده بابتسامة قائلا " لأننا مجرد طرف سيوصلك لشخص يريد
رؤيتك في مكان معين , ولا تخف هو أيضا لا يفكر في أذيتك "
وما أن أنهى جملته تلك حتى دخلوا مدينة يعرفها أبان جيدا وهي مدينة ( بينبان ) أقصى
غرب مدن الحالك ولم يفهم سبب جلبه من ( تيمور ) غرب الهازان حيث يعيش وعائلته
لأن عمل والده كان هناك منذ توحيد البلاد ليوصلوه هم هنا من الشمال للجنوب !! شقت
سيارتهم طرف المدينة وقد استغرب الانتشار الكثيف لرجال الأمن والبوابات التابعة
للشرطة بشكل لم تعهده ولا المدن هناك في الهازان !! توقفت السيارة بعد عدة أميال
عند ارتفاع الشمس لكبد السماء تتسلل أشعتها من بين الغيوم المتفرقة التي تجمعت
لتحجبها عنهم ولم يكن الطقس شبه معتدل كذاك الذي تركه خلفه في تيمور فلازالت
مدن الحالك تحافظ على طقسها الذي يميزها عن باقي البلاد , وما هي إلا لحظات حتى
وقفت في مواجهتهم سيارة سوداء نزل منها رجلان لهما هيئة جعلته يتوجس فورا وقد
فتح الجالسون معه أبوابهم ما أن اقتربا منهم ففتح بابه أيضا وترجل من السيارة فحرك
شعره الأسود هواء البحر القوي الذي لفحه فضيق عينيه في مواجهة الريح واستقام في
وقفته وأغلق الباب ممتثلا بما فعله مرافقيه وتحرك معهم دون أن يطلبوا منه ذلك ولا
أن ينتظر أوامر منهم ونظره كان على القادمان من هناك يسيران بخطوات واسعة
واحدة وكأنهما رجل واحد , ملامح أحدهما عابسة والأخر جامدة جمود الصخر
توقف والتفت خلفه ما أن توقف السائرون معه وتراجعوا للخلف فنظر أمامه للذيّن
اقتربا حتى وقفا على بعد خطوتين فقط منه , مد يده لجيب بنطلونه الخلفي وأخرج
مسدسه وحرك زناده ثم رفعه في وجهيهما قائلا " ليكن بعلمكم جميعا أني
لا أخشى الموت لكني سأآخذكم معي له أيضا "
شقت ابتسامة طفيفة تلك الملامح الجامدة المقابلة له وقد تحركت شفتاه القاسية
قائلة " لن نتوقع الجبن أبدا من رجل خاله يكون مطر شاهين "
كان وقع الكلمات عليه كرصاصة اخترقت صدره جعلته ينزل سلاحه ببطء وتوتره
يزداد , صحيح أنه لا يذكر الكثير عن خاله ذاك لأنه رآه لمرات معدودة قبل اختفائه
لكنه يعرف جيدا ما فعل وما قدم للبلاد فلازال ذكره يحتل مجالس كثيرة ولازالت
الناس تتذكره رغم مرور الأعوام ولازالت شخصيته المهيبة تلك محفورة في ذاكرته
حتى الآن , نقل نظره بينهما ثم قال بتوجس " ما الذي يمكنني أن أخدمكما به ؟
ولما جلبتموني إلى هنا إن لم يكن الغرض قتلي ولا اختطافي "
رفع أحدهما يده لتكشف عن مجموعة أوراق فيها أخذها منه فورا
وألقى عليها نظره سريعة
قبل أن يرفع نظراته المصدومة لهما
فقال أحدهما من فوره " منشورات مؤكد عرفتها فورا , ويتم توزيعها بين طلبة الكليات والمدارس بشكل ممنهج وقوي "
عاد بنظره للأوراق التي تتلاعب بها الريح بين يديه ثم عاد ونظر لهما وهمس
" هذا تحريض صريح للانقلاب على حكومة البلاد "
هز ذاك رأسه بإيماءة بسيطة وقال " من هم مثلنا ومثلك قد يدركون خطر كل هذا لكن من هم في سن ووضع طلبة المدارس والكليات الأمر
مختلف , والبلاد تُجر للفوضى أكثر "
مد له الأوراق فأخذها فورا وقد قال بحيرة
" وبما يمكنني المساعدة إذا ؟ "
وأضاف بعدما نظر حوله
" لا أضن أن هذا سبب لجلبي كل هذه المسافة ! "
كتف الواقف أمامه يديه لصدره وقبضته تمسك الأوراق بقوة كي لا تحملها الريح وقال مبتسما " ذكي كما علمت عنك وتوقعت "
وتابع بجديه ارتسمت سريعا على ملامحه
" رجالنا يحاصرون مبنى البرلمان منذ ساعات الفجر الأولى وبعض الأماكن غيره ولدينا مطالب معينة "
نظر له أبان غير مستوعب ما يقول قبل أن يهمس
" تحاصرون ماذا ؟ "
تابع ذاك حديثه وكأنه لا يسمعه
" بما أن مطر شاهين لم يبقى منه سوى أسطورة
وفقدت الناس الأمل في ظهوره من جديد وبما أن عمه صقر خرج من البلاد بعده بفترة قصيرة ورفض أي أمر له صلة بالحكم هنا فلم يبقى من عائلة شاهين غير أبناء ابنته وأنتم الأولى بحكم البلاد كما كان يجب أن يكون وأن لا يخرج حكمها عن الحالك وعن عائلتكم تحديدا "
فغر أبان فاه وكأنه يستمع لحكاية من الخيال غير مصدق ما يسمع وما يقال أمامه , شعر بجفاف شديد في حلقه ولم يعرف بما يعبر فقال الآخر بثقة
" لن يستطيع أحد أن يجحد حق الحالك في الحكم هذه المرة "
عبست ملامح أبان وقال بحزم
" لكني ابن صنوان وليس الحالك ولست أيضا أعبئ لهذه المسميات , ثم هل ترون فيما تفعلونه صوابا ؟
إن علم خالي مطربما يجري هل سيرضى بذلك ؟ ألم تفكروا في مصلحة البلاد ؟ أليست أنانية هذه !! "
اشتدت ملامح الواقف أمامه وقال بجمود
" نحن من يعلم مصلحة البلاد أكثرمن غيرنا وإلا ما كنا أطلعناك على ما بدأ ينشر في الخفاء والله أعلم من ورائه تحديدا , وابن شراع إن وافق على تسلم أمور البلاد سيكون مصيره كوالده بالتأكيد , ولا تفكر في اتهامنا بذلك فلسنا ورائه منذ البداية وشراع صنوان كان يحبه الجميع "
ضغط فكيه بقوة حتى برز عظميهما من تحت بياض بشرة لحيته الخفيفة
وهمس من بين أسنانه " أنتم تنوون إرجاع البلاد لنقطة الانقسام لثلاث
محاور , والنتيجة حرب أهلية من جديد "
قال ذاك من فوره
" بل إبقائها على ما هي عليه سيكون نتيجته حربا وشيكة
لذلك تحركنا وسيحتاج ما نفعله الآن لثلاث أو أربع سنوات حتى ينصب
رئيس البلاد الجديد وثمة رجال مهمين في الجيش سينظمون لنا
وينتظرون الإشارة فقط "
شد أبان قبضتيه بقوة ويعلم أن الحديث لن يفيد ولا الصراخ والاعتراض مثلما يعلم أن حال البلاد بالفعل يحتاج لمن يتحرك قبل أن تتشتت من جديد , لكنه لا يثق ولا بكلام هؤلاء الرجال , قال بعدما طال الصمت الذي لا يكسره سوى صوت الأمواج الغاضبة
" آسف لا يمكنني مشاركتكم كل هذا ولا تفكروا
في شقيقي غيهم فهو متصلب جدا من هذه الناحية "
أومئ الواقف أمامه بالموافقة وقال " نعلم ما يكون شقيقك وكنا نفكر فيك أنت تحديدا كرجل قانون وبما أنه هذا رأيك فلن يجبرك أحد "
قال الآخر بعده مباشرة " ولن نخبرك أنه من مصلحتك أن لا يعلم أحد
عما دار بيننا هنا والآن "
وتحركا من فورهما ما أن أنهى كلامه وركبا سيارتهما مغادران
*
*
مررت ظهر كف يدها الممسكة بالهاتف على وجنتها واليد الأخرى تحمل جهاز التحكم الخاص بالتلفاز ولازال على ذات المشهد والصورة والقناة التي تعرض ذاك المبنى الذي لازال يضم داخله أفراد برلمان بلادها وأحد من تعدهم أشقائها
تراقب عن كثب كل ما يجري مباشرة ويصلها جديد ما يحدث حتى غرفتها عن بعض المساعي الداخلية التي تبوء حتى الآن بالفشل الكامل ويعجز الجميع عن تلبية مطالب تلك المجموعة المسلحة وحتى عن ردعها بالقوة , وبعض المساعي الخارجية التي أقل كما يقال عنها أنها أشبه بالنفخ في الريح لا شيء لديهم سوى بعض التصريحات وإدانات لا تخيف عصفورا صغيرا وكأن الحال والوضع الراهن يعجبهم , نظرت للهاتف في يدها مجددا ولا تعلم ما بيدها تفعله فجلوسها هنا لم يعد
يعجبها وخروجها سيواجهه حرس منزلها بالرفض في ضل الظروف الراهنة فوضعهم أبناء شراع صنوان في خطر منذ مقتله على أيدي المجهولين , قبضت أناملها على الهاتف بقوة تصارع نفسها لفعلها , لا حل آخر أمامها فرماح في لندن والكاسر دفنته منذ أعوام بعيدة فلم يبقى سوى جبران حلها الأخير لتفهم منه على الأقل ما يجري هناك أو لعله يملك أي معلومات عن تلك المجموعات وما يريدون فقد حاصروا خلال الساعة المنصرمة حتى مبنى القصر الرئاسي والمحكمة العليا
للقضاء والناس في هرج ورعب شديدين , طلبت رقمه بأصابع مرتجفة تكره التحدث معه بعد حديثهما الأخير أو شبه الشجار القوي الذي دار بينهما وكلماته الجارحة التي رماها بها بقسوة , تعلم أن جرحه منها أكبر من جرحها بكثير وعلى مر أعوام طويلة مضت ولن تنسى كيف استغلت مشاعره نحوها لتدخل الحالك وقتها وما انتهى له الأمر
فحين واجهها بأنها من وافقت عليه ووعدته ثم تخلت عنه بسهولة لم تستطع الدفاع عن نفسها ولا قول شيء إزاء الحقيقة المرة , راقبت شاشة هاتفها وأسمه فيها بأمل أخير وصورة رعد أمام عينيها , وما لبث أن تكرر الرنين حتى رمته جانبا ومررت أصابعها في شعرها حين قطع الاتصال عليها متعمدا وهذا ما لم تتوقعه منه وصدّقت
الآن أن شكوك رماح قد تكون صحيحة وأن جبران بالفعل ينوي أن يدمر نفسه وغيره
هدأت من تنفسها وأمسكت الهاتف مجددا , حاولت الاتصال بمن يعرف بالقائد الأعلى لقوات الجيش لديهم لكن رقمه كان مشغولا على الدوام ولا سبيل لها غيره بعدما انقطع عليها سبيلها الوحيد لتلقي المعلومات وهو وزير العدل الرجل الذي كان بعمر والدها شراع وكانت تكره أن تكون على اتصال برجل غيره , فقدت الأمل في كل ما قد يحمله
لها هاتفها المحمول مهما كان متطورا ونقلت بصرها للتلفاز وبدأت تقلب قنواته بحثا عن القنوات الإخبارية فأمامها نصف ساعة فقط ثم عليها المغادرة لمكتبها في الجمعية
فستجد أمامها سيل لا نهاية له من المشاكل التي ستتوالد مع الأحداث الأخيرة اليوم
استقر بها الأمر أخيرا على إحدى القنوات المحلية حيث كانوا يناقشون وضع البلاد
وكأنها قطعة حلوى أمامهم أحدهم يرى أن حلول مشاكلها يكون من الداخل ومثلما ولدت عليها أن تموت وآخر يرى بأن الغرب هو من يرفض ويريد لتتداخل الآراء
فصرح أحد الخبراء في الوضع العربي وقال جملة واحدة
( الوضع يحتاج لرجل واحد برأي واحد وتجمع شعبي واحد , قيادة موحدة يثق بها جميع من في تلك البلاد وبجميع أطيافهم(
رفعت يدها وعادت لضغط طرف أصبعها على زر تغيير القنوات فلطالما كرهت كل تلك الترهات التي يلقيها من لا يعيشون داخل الوضع الذي يتحدثون عنه ولا يعرفون ما يكون ولا شيء لديهم سوى فلسفات سخيفة لا تتعدى أنوفهم
جمد إصبعها مكانه ويدها معلقة في الهواء حين وصلت لإحدى القنوات الإخبارية العالمية المعروفة وتعالت ضربات قلبها لا إراديا وهي ترى النقل الحي والمباشر لإحدى مدنهم الكبرى
وللتظاهرة الكبيرة وكم الناس الذين يكتظ بهم الطريق الطويل وسط المدينة
لم يكن ما جعل ضربات قلبها تضرب كطنين في أذنيها عددهم الكبير ولا اللافتات الطويلة التي يحملونها لأنها لم تنظر ولا لما كتب عليها بل ما جعل الدماء تتجمد في عروقها حد الوجع هو الهتاف العالي لهم وبصوت موحد وهم يرددون عبارة واحدة بصوت جهوري يرتفع تدريجيا (( نريد مطر شاهين .... نريد مطر شاهين((
رمت جهاز التحكم دون وعي منها ليصطدم بالشاشة صارخة " جبناء
حتى متى ستعلقون الآمال عليه ليجبر كسوركم "
وقفت وتوجهت للخزانة وسحبت بابها بقوة تخرج ثيابها منها لحظة دخول عمتها جويرية وقد وقفت الكلمات على رأس لسانها ما أن رأت جهاز التحكم المحطم على الأرض والشاشة التي شقت لنصفين وقد تداخلت الصورة فيها وتقطع صوت الهتاف الخارج منها وأصبح غير مفهوم وتذكرت فورا ما حكاه لها الكاسر عن تحطيمها لجهاز
الهاتف قبل يومين !! حولت نظرها المصدوم للتي تخرج الثياب وترميها على الأريكة المقوسة بعنف , وها هي ترى وجها آخر لها غير غسق التي عرفوها رغم تقلباتها ِمن تلك المرأة البعيدة الصامتة بعد عودتها من الحالك للحزينة الحازمة بعد وفاة والدها الذي
رباها والآن الغاضبة الثائرة التي تخلف حطاما بعدها كلما أثارها أمر لازالوا يجهلونه
خرجت الكلمات منها بحزم قائلة " غسق هل أفهم ما الذي يحدث معك هذه الأيام ؟ "
وراقبتها وهي تتوجه للحمام دون أن تنظر جهتها وقد همست من بين أسنانها
" لا شيء حتى الآن عمتي "
ودخلته مغلقة الباب خلفها بقوة أكبر من التي أغلقت بها باب خزانتها
*
*
فتح عينيه مفزوعا وأمسك بذراعي الواقف فوقه وكأنه سيرميه بعيدا عنه وسرعان ما تنفس بارتياح حين تبين تلك الملامح من بين تلك الغيمة البنية للشعر المموج الكثيف كاشفا عن حدقتين رمادية واسعة تنظران له بذهول , حرر ذراعيها وجلس يمسح وجهه مستغفرا الله بهمس فالكوابيس لم تتركه طوال فترة نومه القصيرة تلك وهو يرى أبان مقتولا رغم اتصاله به بعد وصوله هنا وطمأنته له بأنه سيكون بخير وأن الأمور ليست بخطيرة
" يمان هل أنت بخير ؟ "
رفع رأسه ونظره للواقفة فوقه ثم مسح قفا عنقه قائلا " بخير يا يمامة
لما أيقظتني هكذا ؟ كدت تخلعين لي كتفي "
قالت بتوجس " كنت أريد أن أسألك عن السيارة التي في الخارج , هل
أنت من أحضرها يا يمان ؟ "
استلقى على السرير مجددا وقال بصوت مرتخي " نعم "
نظرت له من فوقه قائلة بريبة " من أين أحضرتها ؟ "
نظر لعينيها الواسعة بطرفيها الناعسان ورغم أن شعرها المبعثر بتجعيدته السميكة كفيل بأن يخفي جزءا منهما لكنه يراها ويدرك جمالها مثلما تقتله النظرة الحزينة فيهما , أنف صغير وفم يماثله في صغر الحجم وبشرة ناعمة منسجمة مع ملامحها وشعرها رغم التناقض الكبير مع الطبع الناري لذاك الشعر
مررأصابعه في شعره المبعثر بسبب النوم قائلا
" السيارة لصديق لي , لا تخافي يا يمامة فأنا لم أسرقها "
تنهدت قائلة " أنا لست أتهمك بسرقتها يا يمان بل خائفة عليك من
والدي إن رآها في الخارج "
تثاءب مطولا ثم انقلب موليا ظهره لها قائلا بنعاس
" لا تقلقي إذاً فوالدك لن يستيقظ إلا قرب الظهر وسيكون صاحبها جاء لأخذها وقتها , وإن لم يأتي سآخذها بنفسي لشقيقه فاتركيني أنام هذه الساعة "
عبست ملامحها الطفولية الجميلة ثم قالت برجاء
" حسنا هل لي أن أراها من الداخل ؟ "
التفت لها برأسه وكان سيتحدث فجمعت كفيها أمام شفتيها قائلة برجاء أكبر
" لم أرى واحدة بجمالها عن قرب هكذا , لن أفعل لها شيئا يا يمان
فقط أركبها واراها من الداخل أرجوك "
تنهد بعجز أمام رجائها وهو من يعجز دائما عن تلبية ما تريد وتتمنى وإن لم تفصح عنه , السيارة أمانة لديه ويخشى من فضولها وعبثها بها لكنه أيضا يقدر شعورها نحو سيارة فارهة كتلك وهي من لم تركب حياتها ولا واحدة أسوأ منها , استلقى من جديد قائلا
" المفاتيح في جيب بنطلوني وإياك يا يمامة من العبث بأي شيء فيها "
قفزت من فورها وأخذت البنطلون بمفتاحه وركضت جهة الباب قائلة
" شكرا يا يمان سأعيد المفتاح سريعا أعدك "
*
*
دارت للناحية الأخرى من جسده تحرك يدها الفارغة بمبخرة وهمية وكأنها تحيطه بأبخرتها المتصاعدة وهو يعدل قبعته الخاصة ببذلة الطيران على رأسه ولا يحاول أبدا أن يخفي العبوس والتجهم في ملامحه , ضربها على يدها ما أن أنهى عمله
فقالت مبتسمة " الحق علي أردت حراستك من عين زكية وسنية وذات البشرة الحنطاوية "
وضحكت فور إنهائها عبارتها تلك فنظر لها وابتسم رغما عنه , فوحدها من تفلح في تعديل مزاجه دائما .. شقيقته ذات الثلاثة عشرة عاما من تتصرف مع كل فرد في العائلة وكأنها أصغر منه بعام واحد فقط فتجدها قريبة من الجميع وتفهم كل واحد منهم وكأنها ليست بذاك السن والحجم الضئيل , ضرب طرف أنفها بإصبعه وقال ببرود "
ابتعدي عن طريقي يا بثينه أو كسرت لك أسنانك الجميلة هذه وأفسدت ابتسامتك التي توزعينها في جميع الأركان "
فركت أنفها بملامح متجعدة من الألم وقالت " الحق علي أريد أن أطرد عنك الأعين الشريرة وأنت تخرج بلباسك هذا لأول مرة منذ تخرجك "
تمتم ببرود وقد انحنى لحذائه
" ليست سوى رحلات تدريبية لست فيها ولا مساعد طيار يا مضحكة "
تخصرت تراقبه حتى اعتدل في وقفته تحار كيف لا يرى نفسه وكفاءته وذكائه الحاد منذ أن كان طالبا بل ومظهره هذا في هذه البذلة التي لم تزده سوى جاذبية وقوة وتنهدت عندما توصلت للسبب دون تفكير , قالت تراقبه وهو يعدل قبعته مجددا
" رغم أن الطيران لم يكن رغبتك أبدا لكنك أفلحت فيه وبشهادة معدلك
المرتفع وأساتذتك وستصبح طيارا ماهرا بالتأكيد عما قريب "
وضع يده على رأسها وبعثر شعرها القصير الناعم بأصابعه مهديا إياها ابتسامة صغيرة وتحرك من هناك قائلا
" ننتظر نتائجك أنتي عما قريب يا مجدة لترفعي رؤوسنا "
لوت شفتيها بعبوس وتبعته وهو يغادر غرفته وما أن خرجت من الباب حتى وقفت لوقوفه المفاجئ ما أن ظهرت والدته في طريقه ونظرت له نظرة شاملة , لتلك البذلة الزرقاء الغامقة وخطوطها الذهبية تحضن جسده الطويل المتناسق حتى عادت بنظره لوجهه وعيناها قد غشتهما دموع عبّرت عنها السعادة التي ظهرت على وجهها وأمسكت وجهه بكفيها هامسة
" حمدا لله الذي أحياني حتى رأيت هذا الزي عليك ورأيتك رجلا كما أريد , لا امرأة أسعد مني هذا اليوم "
شعر بشيء ما اعتصر قلبه بشدة ولم يستطع التحكم في تلك المشاعر التي غزته فلن ينسى حرمان هذه المرأة منهما لأعوام وكيف عوضتهما عن كل ذاك الحنان الذي فقداه ما أن عادت للعيش معهم وجعلتهم يروا ابتسامة والدهم وضحكاته الصادرة من القلب التي لم يروها إلا بعد أن أرجعها زوجة له ما أن توحدت البلاد , كانت مثالا للأم الحنون التي
لا تخلو تربيتها من القسوة في كل ما كان فيه صالحهما , وما خفف عليه الآن بعض ضيقه السعادة في ملامحها وعينيها حين رأته كما أرادت وتمنت رغم أن الأمر كان ضد إرادته ورغبته ووافق عليه مرغما , كان هو من أمسك وجهها هذه المرة وقبّل رأسها قائلا
" لا حرمني الله من رؤية هذه الفرحة في عينيك ولا من وجودك بيننا "
أمسكت يديه من وجهها ونظرت له مبتسمة بفخر عجز لسانها عن التعبير عنه وقالت بحنان
" أتم الله فرحتي لأراك عريسا وأحمل أبنائك "
ثم سرعان ما تحولت تلك النظرة للاستهجان وهي تقول ناظرة حولها " وأين ذاك المجنون شقيقك ؟ ألا يكفيه أن نام خارج المنزل ولم يخبرنا سوى متأخرا وترك قلبي يتآكل انشغالا عليه "
نظر بحده للواقفة بجانبه وهي تمسك فمها تحجز ضحكتها التي سرعان ما تحررت وقالت ضاحكة
" حمدا لله على سلامتك جوزاء الحالك ضننا أنك لن تعودي "
وفرت هاربة ما أن ارتفعت تلك اليد جهتها ولحقها صوت والدتها لسيرها خلفها
" جهزي نفسك لتذهبي لمدرستك أفضل يا أم لسانين "
راقبهما مبتسما ثم هز رأسه وتحرك من هناك ونزل السلالم بخطوات سريعة فبعدما
تمنع متعمدا حتى عن الرحلات التدريبية عاد وأسقط ذاك البرج الحجري من رأسه كما تقول والدته فلعله يرتاح الآن على الأقل من سماع النصائح الدائمة ممن يعنيه ولا يعنيه الأمر , خرج من المنزل مغلقا الباب خلفه ومتنهدا باستسلام فلعله كما قالت له
شقيقته بثينة مرة ( لعل طاعتك لها وبرك فيه خير لك(
*
*
سحبت قطعة خبز أخرى من الصينية أمامها ودهنتها بمربى التوت وقضمتها متلذذة بما تفعل ونظرها على العينان اللتان تنظران لها بسخط ، مسحت المربى من طرف شفتيها بإصبعها ثم لعقته متمتمة " حسنا لما اتصلت بي من أول الصباح إن كان مزاجك سيئا هكذا ؟ "
ضمت الجالسة فوق السرير لازالت ببجامة النوم ساقيها بذراعيها وقالت بضيق
" إن انتهيت من ابتلاع فطوري فأخبريني لما لم تخبري ابن خالتك زائغ العينين ذاك أني متزوجة "
رمت زهور الملعقة الصغيرة من يدها مصدرة رنينا مرتفعا لارتطامها بالصينية النحاسية وقالت بضيق مماثل " لأنه ما كان ليساعدك قيد أنملة إن علم أنك كذلك
ابن خالتي وأعرفه جيدا يفقد عقله أمام النساء الجميلات مثلما ينفر من المتزوجات مهما كانت حسناء فما كان أمامي سوى أن أخفي عنه حقيقة زواجك الزائف ذاك
كي يساعدك ولا يتحجج بأي شيء فقط كي أصرف الفكرة من رأسي "
أنهت جملتها الطويلة تلك وتنفست بعمق تسترجع هدوئها وهي تراقب ملامح الجالسة أمامها وقد أشاحت بوجهها ونظرها بعيدا عنها واستغربت أنها لم تعلق هذه المرة كعادتها حين وصفت زواجها من تيم بالزائف ! تنهدت بهدوء وهي تراقب انسدال تلك الرموش الطويلة وقالت " يبدوا أنه لا أخبار جيدة ؟ "
وأضافت حين لم تحصل على جواب " على ماذا تحصلت من معلومات أم لاشيء ؟ فلن يكون سبب ضيقك هذا ابن خالتي فقط فأنتي أكثر من تكيف واعتاد على مضايقات الناس وكلامها الجارح "
" لا شيء ولا معلومات "
همست ماريه بتلك الكلمات الباردة الجوفاء وأصابعها تداعب طرف اللحاف ونظرها عليه
فقالت زهور مشككة " أقسمي لي بذلك لأرى ؟ "
رمقتها بطرف عينيها بنظرة باردة فرفعت حبة زيتون وقالت وهي تمضغها
" ماذا علمت عنه ؟ يبدوا الأمر مهما ويستحق "
وتابعت وهي ترمي عظم الزيتونة
" واجزم على أنها معلومات سيئة جدا من مزاجك الصباحي هذا "
غادرت ماريه السرير قائلة " رافقتك السلامة ... الزيارة انتهت "
ضحكت زهور وقالت " طردة محترمة لكنها غير مقبولة بالنسبة لي
ولن أغادر حتى أعلم ما حدث "
وقفت مقابلة لها ويديها في وسطها يفصلها عنها السرير الواسع بأغطيه أقحوانية اللون وقالت زهور قبل أن تواجه مزاج ماريه الذي بدأ يشتعل كما لاحظت
" هل جلبتني هنا لتطرديني فقط ؟ ماريه أنــ.... "
" سأذهب للجامعة "
فغرت زهور فاها غير مصدقة ما سمعت وقد همست " الجامعة !! "
أشاحت ماريه بوجهها جانبا وارتخى صوتها وهي تقول
" سأداوم ابتداءً من بداية الأسبوع "
أشارت لها بيدها بحماس قائلة " هيا عودي للجلوس وأخبريني ما هذا الذي حدث جعلك تغيرين قراراتك هكذا ؟ ولا تقنعيني بأنه لا شيء "
مررت الواقفة هناك أصابعها في شعرها ترفعه للأعلى عن وجهها قبل أن تتحرر تلك الخصلات من بين أناملها متساقطة لترجع مكانها ونظرت للأعلى وكأنها تحاول سجن تلك الدمعة التي تكابد لتنزل من حدقتيها العسلية الواسعة
فهمست زهور بحزن ونظرها معلق بها
" هل المعلومات سيئة لهذه الدرجة ؟ "
نظرت لها ومسحت جفنيها بظهر كفها قائلة " لا شيء مهم "
تنهدت تلك بعجز وقالت بصبر " حسنا هل تأكدت منه أم لم تدخلي
الموقع من أساسه "
أومأت برأسها ببطء وهمست ببحة " بلا دخلته ولم تكن صورة الشخصية
موجودة لكن المعلومات تنطبق عليه العمر لون الشعر والعينين ... "
حثتها زهور للمتابعة بحركة من رأسها فكتفت يديها لصدرها وتنهدت قائلة
" لا شيء آخر "
وعلقت حين رأت النظرة المستنكرة في عيني صديقتها " أعني لا شيء مهم "
أبعدت زهور الصينية من حجرها ووضعتها جانبا قائلة " حسنا لن
أضغط عليك أكثر رغم يقيني من وجود خطب ما "
ثم وقفت وقالت " قررت الصواب يا مارية وسنرى ما فاتك حتى الآن لتدركيه "
وسارت بخطوات سريعة جهة باب الغرفة حتى فتحته ثم التفتت ومقبضه لازال
في يدها ونظرت للتي لازالت واقفة مكانها وقالت بتوجس من فتحها للموضوع
" وماذا بشأن قضية الطلاق ماريه ؟ هل اتخذت موقفا حاسما يخصها أيضا ؟ "
لم يفتها ملاحظة بريق الدموع في عيني صديقة طفولتها الواقفة هناك وتمنت لحظتها بصدق أنها لم تثر ذاك الموضوع وصبرت قليلا على الأقل حتى تجتاز الصدمة التي تجهل كنهها وتستغرب إخفاء ماريه لها عنها !! لم تتوقع جوابا منها
ولم تنتظره بل خرجت مغلقة باب الغرفة خلفها بعدما همست قبل خروجها
" فكري فيما يكون لصالحك فقط ماريه ولا تعبئي برأي أحد ولا أنا "
نزلت بعدها السلالم تشعر بالحيرة والضياع فلطالما كانت مشاكل صديقتها تلك تعتبرها شأن من شئونها وتتفهم معنى ما مرت به حين كانت طفلة وما عناه ذاك الفتى لها فهو ووالدته يعتبران النقاط البيضاء المضيئة الوحيدة في سجل حياتها الباهت الكئيب وأنهما
كانا يعنيان لها ( العائلة , الأمان والقوة ) ومن الصعب أن تنسى أو تتناسى وجوده فهي ترى بعينها أنها لم تستطع حتى الآن ولا نسيان والدته المتوفاة فكيف به هو ؟؟؟
لكنها تلومه حقا وتكرهه بعض الأحيان لابتعاده وتركه لصديقتها تعاني ما عانت وهو يدرك جيدا ما ستمر به حتى إن كان لا يعلمه , وتراه السبب وراء الجزء الأكبر فيما حدث وأن تنصله لا مبرر له وأنّ تمسكه بعقد زواجه منها بشراسة هكذا رغم هجرانه للبلاد
لا يعد حسنة في حقه ولا يجب أن تتخذه ماريه مبررا لترفض التعاون في قضية الطلاق التي رفعها عمها فمن حقها أن تنال حريتها من قيده الوهمي ذاك وتتزوج من غيره لتكف عنها ألسن الناس ولتتحرر من عائلة عمها البشعة تلك كما تصفها .
غادرت المنزل وتوجهت لمنزلها المجاور لهم كما كان منذ سنوات طويلة وكلها أمل أن تجد صديقتها المقربة حلا لجميع مشاكلها ما أن تتحرر من نقطة ضعفها المتمثلة في المدعو تيم فهي تراه سببا حتى لتغير الطقس عندما يسوء
*
*
حركت الملعقة في كوب القهوة أمامها تنظر مبتسمة للجالس مقابلا لها
ولا حدود لمخيلتها مع روعة ملامحه في نظرها مع الخلفية الواقعة
ورائه حيث اختارت هذا المطعم خصيصا لعشائهما الموعود كما سمته
وهي تنتظر هذه الأمسية بفارغ الصبر لأنه من كان دعاها لها على غير
العادة , كانت الإطلالة فريدة من نوعها للمطعم الواقع على ضفاف نهر
التايمز حيث تلألأت الأضواء من عَمارات لندن الكبيرة من خلال نوافذه
الواسعة التي ترتفع من الأرض وحتى السقف فكان جلوسه
مقابلا لها وذاك الجمال العمراني خلفه بمثابة لوحة فنية جمعت الشرق
والغرب في نظرها , تنهدت بيأس من أفكارها ونزلت بنظرها لكوب
قهوتها ووضعت الملعقة جانبا حين لاحظت أنها كادت تذيبها في السائل
الأسود الذي يملأ كوبها من كثرة تحريكها لها فيه , كان العشاء مميزا
أحبه كلاهما رغم تحفظه ناحية بعض المأكولات ففي المرات القليلة
السابقة التي تناولا فيها الطعام معا كان هو من يختار المكان
ويأخذها لمطاعم تعد الأكلات الشرقية أو تدمجها مع أخرى غربية
وآسيوية لكنها ترتبط لديه بعبارة واحدة ( مطاعم الأكل الحلال ) وكانت
تحترم رأيه ولا تعارضه أبدا بل كانت تسعد بتلك الفرصة وإن قضياها
على صخرة في الصحراء يأكلان الأعشاب البرية لذلك اختارت هذا
المكان الهادئ نوعا ما والذي يتميز بتصميمه البريطاني بسيط المظهر
ولكن رفيع المستوى وهو من المطاعم الفاخرة المشهورة
وكما كان الطعام ممتعا برفقته فقد كان الحديث أكثر متعة بالنسبة لها
فلم تتوقف عن التحدث طوال فترة العشاء والتحلية وطرحت عليه جميع
مستجدات الأمور في شركتها الصغيرة ومشاريعها المستقبلية القريبة
وهو ينصت لها بانتباه واهتمام ويقدم لها النصح كصديق قبل إرشاداته
كمحامٍ , ورغم استرسالها المتواصل في سرد حتى مشاكلها التافهة
البسيطة لاحظت أنه وكالعادة يستمع لها أكثر مما يتحدث ويتحدث عنها
وليس عن نفسه , رفعت نظرها من السائل المستمرفي الدوران رغم
إبعادها الملعقة عنه ونظرت له وقالت مبتسمة
" ماذا عنك أنت يا وقاص ؟ لقد أزعجتك بكل ما يخصني ولم تتحدث عن مستجدات الأمور معك "
وضع الفنجان من يده وقال " الجديد في حياتي تعرفينه مسبقا ولن
أزعجك بسرد ما حدث معي في رحلتي الأخيرة لأنها لا تخص سوى
العمل "
أمالت شفتيها الرقيقة وقالت " هل تعني أني أزعجك بأمور عملي منذ
أكثر من ساعتين "
ابتسم قائلا " كم تعشقن أنتن النساء قلب الطاولة على رؤوسنا "
خرجت منها ضحكة رقيقة مرتفعة وقالت
" أفهمك يا وقاص كنت أمزح فقط "
وتابعت تبعد خصلات من شعرها الأشقر خلف أذنها " أحسد زوجتك
على زوج مثلك يعرف كيف يكون مستمعا جيدا للمرأة كما لا أحسدها
أبدا على انغلاقك على نفسك "
أنهت جملتها تلك وهي تشتت نظراتها بعيدا عنه وتحاول إخفاء المرارة
في صوتها من ذكرها للمرأة التي ارتبط بها دوناً عن جميع النساء
وأولهم هي التي كانت على استعداد لمنحه كل ما يريد , نظرت له
مجددا ورسمت ابتسامة مشاكسة تخفي بها ألمها ككل مرة وقالت
" يبدوا لي أن مركزك الجديد لم يرق لجميع أفراد عائلتك "
رفع حاجبه بتهكم وقد تابعت بضحكة صغيرة " سمعت إحدى زوجات
والدك تقول أنك لم تتحول سوى من مدافع عن المجرمين لمحقق معهم "
اتكأ للخلف مرخيا ظهره على ظهر الكرسي وكتف ذراعيه لصدره ولم يعلق على ما سمع فهو يعرف جيدا من تكون زوجة والده تلك دون أن يسأل , قالت الجالسة أمامه مبتسمة
" لا أرى رأيها سديدا فمركز مساعد المدعي العام يحلم به كل
محام ناجح "
حرك كتفيه قائلا بلامبالاة " البعض يحتاج لأن يفهم الفرق الحقيقي بين
المحقق والمدعي العام وهذا عائد لجهل الناس وليس لسوء مركزي "
حركت يدها أمام وجهها قائلة بابتسامة مداعبة
" أجل فهي بالتأكيد تحتاج لأن تقف في مكتبك كمجرمة لتعرف الفرق
بينهما جيدا "
خرجت ضحكة وقاص كقهقهة مكتومة بادئ الأمر ثم سرعان ما تحولت
لضحك مرتفع لم يستطع السيطرة عليه وهو يتخيل زوجة والده تلك
مدانة في مكتبه لتعرف الفرق بين عمله وعمل المحققين , أنهى ضحكه
ونظر للجالسة أمامه تنظر له نظرة عميقة يملأها الشغف وهي تراه
يطلق العنان لمشاعره بكل حرية هكذا وبسبب كلمات منها هي تحديدا ,
رفع كوبه ورشف منه مجددا يشتت نظره عنها وما أن وضعه
حتى وصله صوتها المنخفض كالهمس
" نمت خارج المنزل البارحة يا وقاص ؟ "
رفع نظره لها ورفع حاجبه مستنكرا فأسدلت جفنيها تراقب حركة
أصبعها الدائرية على طرف الكوب وقالت
" لا تبتعد بتفكيرك كثيرا فصديقة لي تعمل مضيفة في الفندق الذي
نمت فيه البارحة "
وتابعت ببحة اخترقت صوتها وقد رفعت نظرها له مجددا " كنت سأفقد
عقلي لولا أخبرتني صباحا أنك لم تستقبل أي امرأة في غرفتك "
شد أصابعه الطويلة في قبضة واحدة مشدودة وقال بنبرة لم تخلو من الحزم
" إيلينا أنــ... "
قاطعته بصوت متهدج يوشك لأن يتحول لبكاء مع ترقرق الدموع في
حدقتيهاالخضراء
" وقاص توقف عن توبيخي كلما تحدثت عن الأمر , وعدتك
أن نكون أصدقاء لكني لم أعد أحدا أني سأتوقف عن حبك "
دفع كرسيه للخلف ليقف لكن يدها سبقت حركته وأمسكت برسغه موقفة له وقد قالت برجاء
" لن أتحدث عن الأمر أقسم لك فلا تغادر "
حرك رأسه بنفاذ صبر وعاد لجلوسه على كلماتها الهادئة ونظرتها الحزينة
" هل تعاني من مشاكل مع زوجتك ؟ اعتبرني صديقة فقط وتحدث ولو
مرة عما يزعجك "
حك حاجبه يتجنب النظر لها فأكثر ما يكره إطلاع الآخرين على أموره
الخاصة تحديدا لكن معرفتها بمكانه البارحة وضعه في موقف لا يمكن
تجاهله ولا الدفاع عنه , قال ببرود " مشاكل بسيطة تعترض حياة أي
زوجين وستحل سريعا "
تنهدت الجالسة أمامه بصوت مسموع تنهيدة لم تدل على ارتياحها أبدا ثم تمتمت بصوت بالكاد فهمه
" حمقاء تلك التي تجعلك تنام بعيدا عنها "
ثم سرعان ما قالت قبل أن يعلق على جملتها تلك
" كنت أعتقد دائما أن الزواج الغير مبني على حب لا ينجح أبدا "
وتابعت وقد سرحت بنظرها للمنظر خلفه تريح خدها على كف يدها
" لذلك على المرء أن لا يقدم على تلك الخطوة الخطرة دون أن يحسب
حسابا لعواقبها "
ابتسم الجالس أمامها بسخرية وعلق
" للزواج أسس كثيرة إيلين الحب جزء واحد منها فقط وعلى المرء أن
لا يضيع الفرص الجيدة بحثا عما يسمى حباً "
كانت ستعلق لكنه قاطعها وهو ينظر للساعة في معصمه قائلا
" عليا المغادرة الآن والنوم مبكرا "
تنهدت بعجز ووقفت قائلة
" معك حق فغدا يومك الأول في مكتب المدعي العام "
وتابعت تراقبه وهو يقف
" أتمنى لك حضا موفقا من كل قلبي وقاص "
ابتسم لها شاكرا وغادرا المكان ما أن دفع الحساب وكالعادة غادر كل
واحد منهما في سيارته متجنبا طلب توصيلها كما تأملت مرارا في
الماضي حتى فقدت ذاك الأمل الكسير مع مرور الأعوام فشقت سيارتها
شوارع لندن متجهة لشقتها القابعة في أشهر وأغلى شوارع لندن في
منطقة ( بيلغرافيا ) وسط المدينة والذي سمي بشارع
الملايين لغلاء الxxxxات فيه , تضغط قبضتاها البيضاء على المقود بقوة
وكأنها بذلك تعتصر الألم داخلها ولازالت كلماته تجرحها كنصل سكين
حاد وهو يلمح بأنه عليها أن تقتنص الفرص الجيدة مع الرجال ولا
تنتظره وتعيش على الأمل الميت , وبينما توارت سيارتها خلف أضواء
المباني المتلألئة غادرت سيارته شوارع لندن مسرعة تاركا إياها خلفه
ليصل إلى ضاحيتها الغربية ( بريستول ) إحدى القلوب النابضة في
بريطانيا ومن أكبر مدنها الاقتصادية وحيث منزل عائلته الذي عاش فيه
منذ صغره وحيث شركتهم وأعمالهم المتمثلة في صناعة الطائرات
المدنية وإصلاحها وتصدير قطع الغيار الخاصة بها , تجارة امتدت
معهم لأعوام وكبرت بكل ذرة مجهود لديهم حتى أصبحت شركتهم من
أهم الشركات في المدينة التي اشتهرت بتلك الصناعات تحديدا ,
استغرق الطريق منه فوق الساعة ونصف رغم سرعته الكبيرة ففي
السرعة الاعتيادية هي تبعد عن لندن مسافة ساعتين ورغم أنه اعتاد
ذاك الطريق يوميا إلا أنه شعر بثقلها الكبير الليلة وبأنها تمتد إلى حيث
لا تنتهي أبدا , كان حذرا حين خرج من المنزل البارحة وقضى ليلته في
غرفة لإحدى الفنادق في لندن كي يجنب نفسه سؤالا سيطرحه عليه
البعض في ذاك المنزل ولم يتخيل أن الأعين تترصد له من خارجه وأن
الصدف تلعب دورها دائما , مرر أصابعه في شعره الأسود تتلاعب
به الريح الباردة القوية الداخلة من النافذة ويده الأخرى تتحكم في
حركة المقود قبل أن يتكأ بمرفقها على إطار النافذة المفتوح وأطراف
أصابعها تلامس المقود , اختار الهروب ليلة البارحة لأنه يعرف جيدا
ما سينتج عن نومه هناك خاصة بعد دخوله غرفته فور انتهاء الحفل
ورؤيته للفساتين السوداء الممزقة المتناثرة على الأرض وصوت بكاء
تلك يخرج من خلف باب الحمام المغلق , أراد بما قاله لها قبل الحفل
أن تتخلص من تلك العقد بنفسها وبمساعدته هو لا أن تتخلص من تلك
القطع السوداء من الخزانة وتبقى عالقة في داخلها , عرض عليها
زيارة مختص نفسي وأن يكون معها لتتحرر من كل تلك الأفكار التي
تتحكم بها لا أن تسجن نفسها في الحمام وتبكي داخله لساعات , أراد
أن يهرب من ذاك المنزل ليعطي لكليهما الفرصة لتجنب تفاقم المشكلة
رغم أنه يعلم بأن ذلك لن يجدي شيئا وهو بالفعل سئم الوضع الذي
تحمله بصبر لثلاثة أعوام مضت فمنذ الأسبوع الأول لزواجهما كان
مضطرا لتهدئتها وإسكات بكائها المرتجف وهي تتحدث عما سمعت
من كلام النسوة عنهما .
أوقف سيارته بجانب سيارة رواح التي وكالعادة يوقفها بشكل عمودي
يحار حتى كيف يستطيع ركنها بهذا الشكل الغريب ! ولا يستغرب ذلك
منه فهو يحب مخالفة الطبيعة في كل شيء , نزل منها ممتنا لوصوله
لتنقطع كل تلك الأفكار مع صوت ضربه لبابها وكأنه يأمل بأن تبقى
عالقة فيها , دخل المنزل الساكن تماما فمن عادة ساكنيه النوم مبكرا
وأغلق الباب الزجاجي الذي يتميز بكتمه لأي صوت قد ينجم عنه
وتحرك بخطوات واسعة مجتازا بهو المنزل الضخم المستدير وما أن
وصل منتصفه حتى أوقفه الخيال الذي خرج له من الظلام فتنفس
بعمق ما أن تبين صاحبه
" وقاص أين أنت حتى هذا الوقت بني ؟ "
كانت النبرة القلقة في صوتها أكثر ما كان يعشق فوحدها تذكره بأن له
والدة لم تمت بعد وإن دفنوا التي أنجبته تحت التراب , لامس بإبهامه
وجنة الواقفة أمامه تنظر له بقلق وقال مبتسما
" الساعة الآن الثانية عشرة فقط خالتي وأنا ما عدت طفلا "
عقدت حاجبيها وظهر الضيق في صوتها رغم انخفاضه
" بل الواحدة إلا ربع وليس من عادتك التأخر كثيرا يا وقاص , واليوم
لم تزر المنزل مطلقا لقد شغلتني عليك "
أمسك وجهها وقبل جبينها وهمس " أنا بخير كنت في لندن وأعدك أن
لا أفعلها مجددا , هل يرضيك هذا ؟ "
تنهدت بعمق ونظراتها على ملامحها التي تخفي انفعالاتها الأضواء
الباهتة والظلام النسبي لكانت قرأت الإرهاق فيها وعلمت أن هذا الوقت
الأنسب لوصوله , قالت برجاء
" لا تُحل المشكلات بالهروب يا وقاص , إن علم جدك فلن يضمن أحد
ردة فعله , عليك إصلاح الأمر بسرعة "
نظر لها باستغراب ولم يفهم الجزء الأخير من كلامها لكن جوابه كان
تنهيدة حانقة
فيبدوا أن خبر نومه البارحة خارجا وصل الجميع , راقب خطواتها
وهي تغادر حيث السلالم الغربي المؤدي لتلك الجهة من الطابق الثاني
حيث جناحها الخاص , وما أن توارت خلف الظلام حتى صعد السلالم
القريب منه والذي سيقوده لذات الطابق حيث الجهة الشرقية من ذاك
المنزل الضخم , صعد السلالم بخطوات واسعة لكنها خافتة وشق طريقه
عبر الرواق القصير الذي انتهى بردهة نصف مستديرة بأثاث كلاسيكي
عاجي اللون وكانت تفتح على ثلاث أروقة أخرى تشمل تقسيما
مختصرا لذاك الطابق المقسم لصالات وأجنحة واسعة , وعند المنتصف
رُبط ذاك الطابق بالطابق الثالث والأخير بواسطة سلالم نصف دائري لا
تخفى عن الواقف في تلك الردهة تفاصيله لقصر عتباته واتساعها
عرضا , وقف مكانه وارتفع نظره للجسد الذي كان يجلس في منتصف
السلالم يغطي نصفه السفلي ورقة بيضاء كبيرة وأنامل اتكأت عليها
تمسك قلم حبر سائل طويل خصص للكتابة على الأسطح التي يصعب
تحريك قلم الحبرالجاف عليها , كانت الإنارة في ذاك الطابق تشبه تلك
التي في الأسفل اقتصرت على أضواء مخفية خافتة ومصابيح صغيرة
تتدلى من قواعدها المعلقة على جدران السلالم وأروقة المكان ,
إضاءة لم تساعده مطلقا في رؤية ملامح التي وقفت على طولها ما أن
شعرت بوجوده تقبض بيدها بقوة على قطعة القماش التي ضن أنها
ورقة بيضاء كبيرة ولم تكن سوى قطعة قماش واسعة بيضاء قد تدلت
على العتبة تحت قدميها الحافيتين , وقد عكس بياضها الناصع على
بياض ثوبها الذي وصل لركبتيها كاشفا عن ساقين رغم الضوء الخافت
كان جليا بياض بشرتهما المصقولة كما ذراعيها العاريان لم يساعده
ضوء المصابيح خلفها على رؤية تلك الملامح جيدا لكنه كان يرى
نظرتها المركزة على عينيه تماما مثلما أن تلك الأضواء كانت تساعدها
على روية وجهه جيدا ونظرته التي هامت على جسدها قبل أن تستقر
على وجهها وعلى عينيها تحديدا , مرت الدقائق طويلة وكلاهما على
هذا الحال نظرته العميقة الساكنة وكأنها تحاول اختراق دواخلها وفهم
تلك النظرة الثابتة الجامدة التي لم تزحها عن عينيه , وجمود جسدها
وكأنها تمثال جيري لجسد امرأة نحيل متناسق ومغري في ذاك الثوب
الحريري القصير والضوء الخافت وسكون المكان , ارتفعت يده ببطء
وحياها بحركة بطيئة منه لعلمه المقتصر على أنها لا تستطيع السمع
فلا يمكنه فعلها بالكلمات , ولم يكن يفكر في بحث كيفية خروجها
من جناحها المؤمن جيدا ووصولها إلى هنا لأنه يرى أن هذا حق من
حقوقها وأن معاملتها كحيوان شرس إجحاف في حقها وتدبير مبالغ فيه
, كان رد فعلها الوحيد على حركته تلك أن ركضت صاعدة السلالم
وقطعة القماش تتبعها على العتبات وخصلات شعرها الطويل
في انعكاس النور الخفيف تمايلت مع ركضها كذيول أشعة الشمس حتى
اختفت فأنزل يده ونظره لازال حيث توارت عن ناظريه , فتاة بقدر
سكونها وصمتها تثير في المكان الذي تكون فيه ضجيجا لا مرئيا لا
يستطيع فهمه ولا تفسيره وكأن كل شيء حولها وحتى الجدران يتحدث
بدلا عنها , قبض أصابع يده التي ارتفعت لها قبل قليل ثم تحرك من
هناك وشق طريقه وسط أحد تلك الأروقة التي انتهت لصالة استقبال
واسعة خصصت له وزوجته تحديدا يقسمها لنصفين جدار زجاجي وقد
صممت إحدى جهاتها كشرفة تطل على الطبيعة في الخارج بينما القسم
الآخر كان يحوي على شاشة تلفاز ضخمة صممت ضمن الجدار
وأريكة طويلة مقوسة وضعت مقابلا له , يفتح على القسم
الخاص بالشرفة الزجاجية باب جناحهما وبابان آخران أحدهما مطبخ
مجهز تجهيزا كاملا والآخر يفضي لردهة صغيرة حوت حماما وغرفة
مستقلتين , دخل الجناح الساكن في ظلامه المعتاد وتوجه فورا لباب
غرفة النوم الشبه مفتوح ودفعه مستغربا ليس فقط فتحها له على غير
العادة بل والظلام التام الذي لم يعتدها تنام فيه ! فرقع أصبعيه مصدرا
صوتاواضحا في صمت المكان فاشتغلت الأنوار فورا متسلسلة ابتداءً
بمصابيح الجدار وانتهاءً بمصباحي السرير الجانبيان , غضن جبينه
ينظر باستغراب للسرير الفارغ والمرتب وكأن أحدا لم يستخدمه
لساعات ! وسرعان ما تحول نظره جهة باب الحمام المفتوح ولا
أصوات تصدر عنه وأنواره مطفأة تماما فعلم فورا أنها على ما يبدوا
حذت حذوه وقررت المبيت خارج المنزل الليلة إلا إن كانت في مكان
آخر من المنزل الواسع وذاك احتمال وارد رغم أنها لم تفعلها سابقا
ولم يعهد منها الغضب الذي يجعلها تغادر أو حتى تهجر غرفتهما فلم
تتخذ يوما قرارا أقوى من شخصيتها المهزوزة , لفت نظره الورقة
المعلقة على أحد أبواب الخزانة بل وعلى باب خزانته تحديدا , توجه
نحوها بخطوات واسعة واستلها بقوة لتتحرر من الشريط الشفاف
اللاصق الذي كانت مثبتة به , رفعها أمام وجهه وقرأ الكلمات المكتوبة
عليها بقلم حبر وخط مرتجف بشكل واضح ( لقد عدت لمنزل والدي يا
وقاص وإماالعملية أو لن أرجع لهذا المكان مجددا وواجه أنت جدك
ووالدي وأخبرهم بما قلت ليلة أمس(
جعد الورقة في يده بقوة وفهم حينها معنى كلمات زوجة والده , رمى
الورقة المجعدة بطول يده شاتما بهمس " سحقا لعقلك يا جمانة , ليس
أنا من يُهدد بجده ووالدك أبدا "
*
*
نزل من سيارة الأجرة وهاتفه في يده يتأفف بسبب صاحب الرقم الذي
لا يجيب ضرب باب السيارة بقوة متمتما
" هل عليك أن تُقفل باقي المزاج يا يمان"
نظر من النافذة للجالس خلف المقود ينظر له نظرة قطة جائعة منتظرا
ثمن توصيله له وقال
" انتظرني هنا قليلا فقط وسأعطيك ضعفي أجرتك "
ابتسم له الشاب بحبور فهو لن يتوقع أن يخدعه من نوع الثياب التي
يلبسها ورائحةعطره الفرنسي المميز لأنه سبق وأن عمل سائقا بأجر
في فندق عالي المستوى في البلاد ويعرف جيدا أنواع هذه العطور وكم
ستكون تكلفتها وإلا ما صدق أنه قد يختفي ليخرج له مجددا من هذا
المكان حيث كانت مدينة قد أحاطت منازلها مزارع تخص ساكنيها
فتجدها متباعدة عن بعضها بمسافة لا تقل عن العشرين إلى الخمسين
مترا لوح له بيده موافقا فتحرك أبان من هناك يدس هاتفه في جي
بنطلونه الخلفي لا يعلم يلوم نفسه على تركه لمحفظته ومعطفه في
السيارة قبل نزوله منها أم يلوم صديقه على تجاهله لاتصالاته الملحة
ووضعه في كل هذا المأزق ، اجتاز السياج الحديدي الشائك حيث كان
وحده الشيء الذي يفصل أملاك الناس هنا عن بعضها وعن الطرقات
الترابية التي تعبر منها السيارات وحيث أن الأسيجة هنا بدون أبواب
فلا يصعب على أحد اجتيازها ولم يهتم أحد أبدا بفعلها فلا خروق في
مثل تلك البلدات التي يزرع أهاليها البسطاء ذات الأنواع من الأشجار
المثمرة فلن يخشى الجار جاره ومعظم مزروعاتهم هي لأشجار التين
والزيتون وبعضها تكون مزارع صغيرة لأشجارالفستق واللوز ، تحرك
بين الأشجار المتقاربة نسبيا يرى المنزل المتواضع لصديقه من
خلفها ... ( يمان ) الفتى الهادئ والشارد الصامت غالبا والصادق
المحترم كما عرفه منذ كانا بالمدرسة الثانوية واستمرت لسن الجامعة
, الصديق الكتوم الذي لولا أنه عرض عليه أن يقوم بتوصيله يوميا
لجامعته البعيدة منذ أربعة أعوام ما علم أنه يعيش هنا ولا أنه يعمل
في هذه الأرض بيديه مع والده وهو لم يخبره فكل ما كان يعرفه عنه
أنه فتى منعزل عن البقية تقريبا في المدرسة , متفوق ومنافس كبير
له وأنه كان يصل المدرسة عن طريق حافلة صغيرة مشتركة ومزدحمة
بالطلاب , وأغلب أيام دراستهم كان يصل متأخرا ليتلقى عقابا قاسيا
لأن تلك الشاحنة الصدئة كما كان يسميها أبان قد تعطلت بهم وأكملوا
الطريق سيرا على الأقدام , ولن ينسى الأيام التي كان يصل فيها
المدرسة مبتلا تماما بسبب المطرالذي داهمهم في الطريق يرتجف كأيل
صغير عبر النهر وحيدا فكان يتشارك معه ثيابه حتى تجف تلك فكان
أحدهما يرتدي القميص الصوفي والآخر يرتدي السترة أوالمعطف وحده
دون ثياب , ولا ينسى تلك النظرة في عيني يمان حين كان يرفض أن
يعيد له سترته ما أن تجف ثيابه بل يتقاسما ثياب يمان أيضا دون أن
يشمئز من بساطتها ولونها الباهت القديم ولا يتبادلا ثيابهما إلا في
اليوم التالي خاصة وأن والدته لم توبخه يوما على فعلها ذاك الوقت
وهي أكثر من كان يغرس فيه كل تلك المبادئ التي لازال يقدرها حتى
اليوم , وفي المرات القليلة التي وافق فيها تحت إصرار وضغط كبيرين
منه أن يتناول إحدى الوجبات معه في المنزل أو أن يدخل عند زيارته
له لأمر يخص دراستهم كانت والدته جوزاء ترحب به وتستقبله
بترحاب فعزز ذاك الأمر صداقتهما أكثر لتمتد لأعوام , ولازال يمان ذاك
الصديق الغامض بالنسبة لأبان ولازال لا يعلم عنه إلا القليل جدا , فلا
شيء سوى أن والدته توفيت وهو في الثانية عشرة من عمره وتركته
وشقيقة أصغر منه وأن والده تزوج من أخرى فوروفاتها فلا يعلم حتى
كم من الأشقاء لديه من والده فلم يدخل منزلهم يوما واحترم أنه لم يقم
بدعوته لفعلها فنظرته الكسيرة كلما زاره هنا نبأته بأنه يصعب عليه
استضافته لأمركان ولازال يجهله وهو يحترم صمته عنه .
" ها هي ... "
تنهد أبان بتلك الكلمتين وهو يسير بخطوات واسعة جهة سيارته
المتوقفة خلف المنزل ففوق اجتيازه لتلك المساحة المزروعة بالأشجار
كان عليه الدوران حول منزلهم الأرضي واسع البناء بحثا عنها وكما
توقع كان يمان سيختار جلبها هنا على تركه لها في أي مكان مهما كان
آمنا ، كانت المساحة خلف المنزل لا تقل اتساعا عن واجهته غير أنها
لم تكن مزروعة كتلك وكانت تحوي بئري ماء كبيرين مع ساقية وثمة
جرّار زراعي صغير متوقف فيها وشاحنة صغيرة وقديمة يبدوا أنها
معطلة من إطاراتها الناقصة حيث ترتكز على إطارين وحجري طوب
لتتوازن فلا تقع , كما لاحظ وجود قن للدجاج وتلك المخلوقات
الصغيرة تطوف حوله وفي الأنحاء دون قيود , وأيضا قد أخذ جزأ من
تلك المساحة سياج حديدي شائك ومقفل بإحكام يحوي ما لا يقل عن
عشرة نعاج وثلاث أو أربع خرفان بقرون كبيرة ومخيفه تأكل بنهم من
طعام يبدوا وضع لها حديثا , وكان هذا بالنسبة لأبان جزء آخر من
عالم يمان المجهول !! اقترب من السيارة يُخرج بطرفي إصبعيه
المفتاح الموجود في الجيب الأمامي لبنطلونه الجينز وحمد الله أنه أخد
المفتاح الاحتياطي لها معه ولم ينساه كما فعل مع محفظة النقود ، قرر
أن يأخذها من هنا بما أن الوقت مبكر وسيرسل له رسالة يخبره
فيها أنها معه كي لا يضن أن ثمة من سرقها رغم أن ذلك أمر يصعب
فعله إلا مع خبير في سرقة السيارات ، وقف فجأة ما أن كانت المسافة
التي تفصله عنها مجرد خطوات قليلة جدا وهو يرى بنطلون يمان
مرمي جانبا على رف خشبي قديم قد ركنت السيارة بجانبه ولم يكن
يتبين ما بداخلها بسبب زجاجها المعتم ، غضن جبينه ونظر لها بتركيز
عاقدا حاجبيه الأسودان وقد لاحظ باب السيارة الأمامي المفتوح أيضا
فما يفعل يمان داخل السيارة وبنطلونه خارجها !!
تبادر ذاك السؤال في ذهنه ولم يجد له جوابا أو كان يهرب فعلا من
الجواب الوحيد عنه فهو يعرف صديقه جيدا ويثق في أخلاقه أكثر من
ثقته في نفسه ، انفتحت عيناه على اتساعهما من الصدمة حين اهتزت
السيارة بشكل خفيف وخرج منها صوت تلك الضحكة الأنثوية
الرقيقة جدا بل .... ! تمتم أبان من بين أسنانه
" في سيارتي يا يمان وفتاة قاصر أيضا "
تحرك مجددا ناحية السيارة لا يصدق أبدا ما يحدث هنا فآخر من قد
يفكر أنه يفعل هذا هو صديقه القديم ذاك ! لكن البنطلون له يعرفه جيدا
فلا يراه يغير بنطلونه إلا باختفاء السابق أي لا بنطلونان لهذا الشاب
أبدا ، اقترب حتى وصل مؤخرة سيارته المرتفعة الفاخرة وعض شفته
بقوة كاتما غضبه وهو يسمع تلك الضحكة والصوت مجددا
"يمان ستقلب السيارة بنا توقف هيا "
كاد يفقد عقله حين سمع تلك الكلمات وأول ما فكر فيه أن صديقه ذاك
يواعد فتاة بل شبه طفلة وسط مزارعهم هنا واختار سيارته هذه المرة
كغرفة فندق فاخرة لهما ، حاول أن يزيح تلك الأفكار والظنون من
رأسه وأن يتعوذ من الشيطان ولا يضن بصديقه سوءا لكن الوقائع
أمامه أعجزته عن فعلها ، تقدم أكثر حتى كان عند الباب المفتوح
لسنتيمترات قليلة جدا لم تكن تكفي سوى لخروج ذاك الصوت
والضحكات الرقيقة ولا يسمح برؤية شيء في الداخل ، كاد يركل الباب بقدمه بقوة ويخرج من فيها جرا على الأرض حين قال ذاكالصوت من الداخل ضاحكا
" حسنا لن ألمسها مجددا أبعد يدك عنها واتركني أراها "
صر على أسنانه بقوة حتى كاد يحطم فكيه وتنفس بغضب مستغفرا الله
بهمس وقد توقف ذاك الصوت عن التحدث والضحك وكأن من فيها قد
مات واختفى تماما حين ضرب بيده على سقف السيارة وخرجت
الكلمات القاسية من بين أسنانه ونظره على شق الباب
" يمان اخرج لي وحدك الآن وفورا "
*
*
انكمشت عند باب كرسي السائق مقابلة للباب الذي بجانبه تضغط
قبضتاها بقوة ودون شعور على النظارة السوداء الأنيقة بين يديها
وزاغ نظرها المرتعب جهة الباب الذي دخل منه ذاك الصوت الغريب ,
ليس صوت والدها وهذا هو المهم لكنه ليس صوت شقيقها يمان أيضا
ولم تسمعه سابقا ؟ وليست تعلم إن كان صاحب السيارة أم غيره وهذا
ما لم تحسب حسابه , لقد عاشت حياتها سجينة جدران هذا المنزل
والمزرعة المحيطة به ومنذ طفولتها ولعبها في الشارع لم ترى رجلا
وانحصر عالمها بين شقيقها ووالدها وأخوتها الصغار ولم يعد للجنس
الآخر وجود في حياتها سوى ما تراه وتسمعه في التلفاز مصادفة فهي
عليها أن تكون نشيطة طوال الوقت لذلك الجلوس أمام التلفاز ليس من
ضمن مهامها اليومية الكثيرة ولا يُسمح لها بمشاهدته إلا خلسة ,
سمعت صوت طقطقة خفيفة فأرخت أصابعها وعضت شفتها بقوة تنظر
بعينان بدأت تغشوهما الدموع للنظارة التي ترتجف بين أصابعها , لقد
كسرتها هذا ما هي متأكدة منه جيدا وأصبحت المصيبة اثنتين ولازالت
تتضاعف وهي تسمع ذاك الصوت الرجولي الغاضب يردد مجددا
" قلت اخرج يا يمان أو فتحت الباب الآن "
بلعت ريقها بصعوبة لجفاف حلقها تماما ولا تعلم لما يصر ذاك الشخص
على أن يمان هومن في الداخل ! دست وجهها بين ساعديها تخفي
نفسها في ساقيها المضمومتان لصدرها حين انفتح الباب بقوة وتسرب
الضوء أكثر للسيارة , سادت لحظة صمت طويلة ظنتها لن تنتهي أو
أنها ماتت من الخوف لذلك لم تعد تسمع شيئا !! حركت جفنيها ترمش
بسرعة وكأنها تتأكد من أنها لازالت ضمن الأحياء فابتسمت من بين
خوفها وظنت بالفعل أن كل ما حدث كان كابوسا وانتهى حتى رفعت
رأسها ببطء ونظرت بعينين فزعة للشاب الواقف عند الباب مقابلا لها
ينظر لها بصدمة لم تفهم سببها !! واكتشفت حينها هوية ذاك الشخص
فهو بلا ريب صاحب السيارة فلن تتخيل أن أحدا من هنا يمكن أن
يكون بكل هذه الأناقة وهذه الملامح الغريبة والشعر والعينين الأسودان
كالليل , بقيت ترمش بعينيها دون توقف .... إنه كأولئك اللذين تراهم
في التلفاز تماما وكأن أحدهم خرج لها منه
" من أنتي ؟ "
كانت تلك الكلمات الوحيدة التي كسرت الصمت بينهما وكل واحد يحدق
في الآخر من نظراتها المختلطة بين الخوف الممتزج بالفضول الغريب
ونظراته التي اجتازت صدمة أنه لا وجود لما كان يتوقع هنا وأصبحت
نظرات مستغربة تبحث عن تلك الملامح بين غيمة الشعر البني المجعد
الذي وصل لحد كتفيها حتى أنه أخفى أغلب ملامحها , والجسد الضئيل
المنكمش عند الباب , كرر السؤال بحزم حين لم يجد منها جوابا
" قلت من أنتي ؟ "
خرجت الكلمات من بين شفتيها المرتجفة التي تخفيها في ذراعيها
الملتفتان حول ساقيها تحضنهما بقوة
" يمامة "
غضن جبينه مستغربا فرفعت يدها الصغيرة المرتجفة من الخوف
بحركة لا إرادية ورفعت بها خصلات شعرها المموج عن وجهها
لتكشف حركتها تلك عن تلك الأحداق الرمادية الواسعة وكأنها قطعة
زجاجية مطلية ومصقولة تلمع في الضوء الخافت وحاجبان بنيان
رقيقان وطويلان وجبين صغير جدا مساحته تكاد تكون كأصبعين ,
حررت تلك الخصلات سريعا من بين أصابعها لترجع على وجهها لكن
بوضع أفضل من السابق أتاح لها الرؤية أكثر وللواقف هناك حرية أكبر
في حركة حدقتيه المتأملة لها , أمال ابتسامة متهكمة علت شفتيه
وقال " لست أعني أي أنواع الطيور تكونين فمن أنتي ؟ "
زمت شفتيها بسخط من سخريته ولهجته وقالت برجفة ما أن ضربت يده سقف السيارة بقوة
" شقيقة يمان "
دس يده في جيب بنطلونه وقال بنفاذ صبر
" قولي هذا منذ البداية , انزلي بسرعة من السيارة وأخبري شقيقك أن
لا يترك أغراضا لا تخصه في أيدي الأطفال "
خرجت من قوقعة خوفها أخيرا وقالت بضيق " لست طفلة "
أمال وقفته أكثر وقال متهكما
" حقا ! وفي أي سنة تدرسين يا كبيرة ؟ "
حركت أصابعها فورا ونظرها عليهم لتحسب من في مثل عمرها في أي
عام دراسي سيكونون الآن وهو ينظر لها مستغربا حتى رفعت نظرها
له مجددا وقالت
" في الصف الثاني الإعدادي "
حرك حدقتيه السوداء الواسعة لتنتهي على وجهها مجددا ونظر لها بنصف عين
وقال بشك " طائر صغير كاذب "
رفعت رأسها مبعدة هذه المرة شفتيها وذقنها الصغير عن ساعديها
وقالت بضيق
" لست كاذبة وعمري بالفعل ثلاثة عشرة عاما "
حرك سبابته قائلا
" هيه لا تغضبي يا صغيرة كنت أمزح معك وهيا انزلي من
السيارة عليا أن أغادر وثمة من ينتظرني في الخارج "
شعرت بحجم ورطتها حينها ورفعت يدها في محاولة جديدة منها لإبعاد
تلك الخصلات المجنونة عن مرمى نظرها لكن هذه المرة في محاولة
لدس جزء منها خلف إحدى أذنيها
وقالت بصوت ضعيف مستجدي
" لن تخبر يمان أنك وجدتني هنا أليس كذلك ؟
سيغضب مني إن علم "
نقر بإصبعه على سقف السيارة حيث لازال كفه مستندا بها وقال
" جميل ... هو لا يعلم إذاً أنك سرقت بنطلونه وأخذت المفتاح وحولت
سيارتي لفندق لك ؟ "
قررت أن يبقى على ضنه بها ولا تخبره أنه من أذن لها بأخذه كي لا
تتسبب له بمشكلة معه فاستجدته مجددا بنبرة رجاء طفولية
" أنت لن تخبره أليس كذلك ؟ سأغسلها وأنظفها من الداخل وأقوم بكل
ما تطلبه مني فقط لا تخبره ولا تغضب منه "
هز رأسه بحسنا دون أي تعليق ثم قال
" شكرا على العرض السخي , هيا انزلي "
لكنها لم تتحرك من مكانها وهمست وهي تنكمش على نفسها مجددا
" وثمة أمر آخر "
نقر بأصابعه جميعها هذه المرة مصدرة صوتا متسلسلا لتلك النقرات أعلى السيارة وقال
" رائع .... ما الذي فعلته أيضا يا كرة الشعر "
امتلأت عيناها الواسعة بالدموع فورا فلوح بيده قائلا
" هيه أنا آسف أسحب كلمتي لا تفتحي لي مناحة يا فتاة "
أدخلت يدها في حجرها ثم أخرجتها ونظاراته السوداء فيها وقالت ببحة
وقد كسرت الأحرف عبرتها المكتومة
" لقد كسرتها دون قصد "
نظر ليدها بصدمة وقال
" كسرتها ؟؟ هل تعلمي كم ثمن هذه النظارة وكم يكلف إصلاحها ؟ "
زمت شفتاها تكابد الدموع التي أصبحت بالفعل على وشكل النزول
وهزت رأسها بالنفي
فتنهد بضيق وعدل وقفته حتى اختفت أغلب ملامحه عنها سوى لحيته
الخفيفة جدا والمنسقة بعناية وشفتيه المتساوية وقال
" هيا انزلي لن أخبره بأي شيء من كل هذا وخذي هذه الخردة معك
فلا يمكن إصلاحها مجددا "
لم يسمع بعدها سوى همسها شاكرة له ثم صوت الباب وهو يُفتح ,
راقب من فوق سقف السيارة ذاك الجسد النحيل الذي ركض مبتعدا حتى
دخلت من الباب الخشبي القديم الموصول بالمنزل ثم حرك رأسه
مبتسما ودار حول السيارة وركبها وغادر من هناك
*
*
ركضت مسرعة تشق طريقها بين المنازل ترفع فستانها بيديها كي لا
يعيق حركتها وشعرها البني المموج يتطاير مع حركة رأسها يمنه
ويسرى وكأنها تبحث عن شيء ومكان تجهله رغم أنها تحفظ كل شبر
في تلك البلدة وتسير فيه وعيناها مغمضة لكن عقلها في تلك اللحظة لم
يستطع تركيب أي شيء وكأن ثمة من رماها في متاهة مغلقة وصلت
أخيرا لوجهتها التي ركضت نحوها بسرعة أكبر ما أن ظهرت لها حيث
تجمع بعض الشبان عند الباب المفتوح لمقهى البلدة الوحيد وهو
المبنى الوحيد أيضا المزود بجهاز تلفاز موصول بالأقمار الاصطناعية ,
ضربات قلبها تصرخ بين أضلعها بجنون تحاول الرؤية من فوق تلك
الرؤوس لتتأكد مما يقال وسمعت الناس تلغط به منذ قليل وصوت
الحديث عنه في ذاك الجهاز يصلها من بين الضجيج في الداخل ,
حاولت الدخول دافعة الواقف أمامها من كتفه ولم تستطع سوى إزاحته
قليلا ليظهر لها جزء من الشاشة المعلقة في آخر الجدار المطلي
بالأخضر الزيتوني , جمدت نظراتها على الخبر أسفل الشاشة فقبضت
أصابعها دون شعور منها على قميص الواقف أمامها وكل شيء
داخلها يصرخ بألم , كل ما سمعته من أخبار تتداول هنا مؤخرا وبعد
مقتل رئيس البلاد أن ابنا له دخل البرلمان وأن اسمه رعد , وأصبح
أسمه يتكرر في بلداتهم الصغيرة كل يوم بعد أن كان مغيبا عن كل
المشهد طيلة الأعوام الماضية ولم يكن يذكر اسمه أحد سوى بأنه ثمة
ابن لشراع صنوان لم يدخل المعترك السياسي ولم يكن له أي نشاط في
البلاد وأنه أقصى نفسه عن كل ما يخص الحكم والسياسة , وأن
أوضاع البلاد الأخيرة كانت السبب في ظهوره , حتى أن البعض اتهمه
بأنه يسعى لأخذ مكان والده بإظهار نفسه في الصورة أغمضت عينيها
بقوة وألم وعاد طيفه الذي لم يفارق ذاكرتها وقلبها لأعوام .. الشاب
الذي رحل حاملا معه قلبها ودموعها التي ذرفتها عليه على مر أعوام ,
الشاب الذي تعاهدت معه على الوفاء للأبد وعلى أن تنتظره مهما قست
الظروف , وما كانت لتتخيل أن ذاك الوعد سيكون ثمنه أعواما لا تنتهي
, بل ما كانت لتكون لغيره ولا لقلبها أن ينبض لسواه لكنها كانت تأمل
بأن تعيش على الأمل , أمل هي على استعداد لسقايته كل يوم كي لا
يذبل ويموت , أمل بأن تراه وتلقاه يوما من جديد , لكن أن يختار
الثنانيون أن يستقلوا بأنفسهم !أن تتوحد البلاد ليكون ثمن وحدتها
فراقها عنه للأبد ! أن يكون أحد بنود اتفاق ذاك التوحيد أن يقرر
الثنانيون مصيرهم دون أن يستقصوا من حقهم فيها !! ذاك ما لم
تتخيله أبدا ولم تجهز نفسها له , فلم يعد يمكن لأي سلطة ولأي كان ولا
للرئيس نفسه أن يفرض عليهم عكس ما اختاروه , بل كانت الضربة
القاصمة لقلبها حين كان ذاك الاختيار وبإجماع منهم أن يعيش
الثنانيون في قراهم يرفضون أي دخيل عليهم وأي خارج منهم , فكيف
ستكسر هي القاعدة وهي ابنة زعيمهم وهو ابن رئيس البلاد ؟ أي من
يُلزمان بالتنفيذ أكثر من غيرهم والمخالفة حين تكون من واحد منهما
معناها حرب وشيكة بل وأكيدة بين الجانبين فكيف إن كانت المخالفة
من كليهما , تراجعت خطوتين للوراء تمسك عبرتها وعيناها غشيتهما
سحابة من دموع أحالت عليها الرؤية , لا يمكنها تحمل ذلك أبدا ,
ترضى أن تعيش باقي عمرها على أمل شبه ميت على أن تفقده للأبد ,
على أن تعيش وهي تعلم أن لا لقاء يجمعهما مهما امتدت الأيام , تؤمن
بالمعجزات وبأن الله قادر على جمعهما في أشد الظروف قسوة لكن أن
يجتمع حي وميت أمر مستحيل تحقيقه, بل كيف يعيش حي بعد ميت
هويعيش أساسا على انتظاره وعلى أمل اللقاء به وهي من نذرت قلبها
له منذ كانت ابنة الخامسة عشرة ؟
استطاعت أن ترى من بين تلك المياه المالحة التي تحرق عينيها ذاك
الخيال الذي وقف أمامها مباشرة فمسحتهما بظهر كفها بقوة وظهر لها
جليا تلك الملامح والنظرة والابتسامة الساخرة فالتفتت فورا تنوي
المغادرة لولا أمسكت تلك اليد بذراعها وأدارتها بقوة لتنظر لوجهها
وعينيها مجددا وقد قالت بسخرية لاذعة
" ما رأيك فيما يجري هناك آستريا ؟ "
لم تتحدث ولم تزح نظرها عن العينين الخضراء المحدقة بها وقد تابعت
تلك دون اكتراثلمن التفتوا يستمعون لحديثها
" ضننت أنه ثمة امرأة واحدة كانت تعيش على أمل لقاء أبدي يجمعها
بعربي مسلم , لكن ظهر أن لها شبيهة كانت تحديدا تسخر منها "
وانطلقت ضحكتها عالية جعلت الرؤوس التي تلتفت لهما تزداد عددا
وإن كان البعض انصرف غير مهتم لما يدور خلفه , فإما عاد لمتابعة
الأحداث عبر التلفاز أو غادر غيرمكترث بتلك الحرب الكلامية بين
عدوتان مشهورتان بين الثنانيين رغم أن إحداهما كانت ابنة الزعيم قبل
أن يدركه الموت قبل خمس سنين لتصبح شقيقة الزعيم الجديد والابن
الأكبر لزعيمهم السابق ( سنمار ) بعدما تولى الزعامة فور وفاة والده
والأخرى أرملة الزعيم التي اعتصمت عن الزواج ورفضت أعدادا لا
تحصى منهم وبعد وفاة زوجة الزعيم بمرض مميت فتاك اختارت أن
تكون هي زوجته وفاجأت الجميع وهي تتزوج برجل بلغ الخامسة
والخمسين , وإن لم يكن كبيرا جدا فهي كانت ابنة الخامسة والعشرين
وقتها , ولأنها بعد وفاته يمنع عنها الزواج لأنها أرملة الزعيم وهكذا
هي قوانينهم عاشت كأرملة تحصي باقي سنين عمرها حتى تنتهي .
كان جواب الواقفة أمامها لم يتعدى ابتسامة تشبه ابتسامتها ورفضت
ككل مرة وعلى مر الأعوام أن تكون فريسة لسخريتها وتهجمها الدائم
عليها حتى بعد أن أصبحت زوجة والدها وعاشتا لأعوام في منزل واحد
قبل أن يأخذه الموت , تحدثت تلك حين لم تجد منها إلا الصمت قائلة مجددا
" لعلك بعد موته تقبلين بأحد عجائز الثنانيين يا شقيقة الزعيم فقد
دخلت الثامنة والعشرين وضاعت عليك الفرص "
كانت تعلم أنها تُذكرها بكلامها حين ثارت عليها غاضبة وقت تزوجت
والدها ووالدتها حديثة وفاة ولازالت دموعها لم تجف عليها بعد , لكن
ما لا تعلمه أنها لن تفعلها أبدا ولن تتزوج ولا بمن في مثل سنها منهم
مهما عاشت وامتد بها العمر وإن عاش ذاك الحبيب أم مات وهي من
رفضت من أجله كل من تقدموا لخطبتها منذ كانت في السابعة عشرة
وبدأت العروض تنهال على والدها وهو من رفض أن ينكث عهده
القديم لها بأن تتزوج بمن تختار ووقتما تريد حتى بات رجال ثنان
يلقبونها بـ ( آزهوا ) وهو اسم يطلق عندهم على الشيء المحرم الذي
تراه وتتمناه ولا يمكنك ولا الاقتراب منه , لم تكن تريد مجابهتها
في الكلام وأن تتجاهلها كما كانت الأمور بينهما طيلة الأعوام الأخيرة
فهي لم تعد تلك الفتاة المراهقة التي تتحدث عن كل ما يزعجها وتعطيها
الفرص دائما لإغاظتها ولا يهنئ لها بال إن لم ترميها عوض الكلمة
بعشرة , لذلك تجاهلتها تماما والتفتت مجددا لتغادر فأوقفتها
كلماتها من خلفها وقد تعمدت رفع صوتها أكثر ليسمعها أغلب
الموجودين هناك
" لن يأخذ شيئا ومصيره كمصير والده فانتظري أكثر لتتحقق مطامعك "
التفتت لها وقتها ولم يعد لديها ذرة تحمل أخرى وصبر الأعوام انقلب
ضدها الآن خاصة بعد الخبر الذي سمعته اليوم , رفعت صوتها مثلها
تعي لجميع الأعين المحدقة بهما قائلة
" ليس لأنك لا تنظرين سوى لزعيم القبيلة أن تكون جميع الفتيات مثلك
, فبعدما أصبحت أرملة الزعيم السابق وعُرف القبيلة يمنعك من
الزواج من غيره صرت تلفين حبالك حول ابنه الزعيم الجديد لعل
الأعراف تتغير هذه المرة بما أن العريس الجديد زعيما أيضا وفاتك أن
سنمار يحب زوجته ولن يرضى استبدالها بأخرى فكيف إن كانت واحدة
مثلك "
علا صوت الشهقات المستنكرة من خلف الواقفة أمامها فخرجت عن كل
تعقل هي أيضا وصرخت بكل صوتها
" توقفي عن قول الأكاذيب يا حبيبة ابن شراع , يا من بسببه
ترفضين الزواج مطلقا كي لا يفتضح أمرك بين الثنانين بعدما رماك
خلفه وغادر دون أن يلتفت لك "
شدت قبضتاها بقوة ونظرت للذين يتهامسون حولهما وتعلم الآن أن ما
كانت تسربه هذه المرأة بين البعض في الخفاء سيصبح الآن بسببها
على كل لسان ولن يستطيع ولا أشقائها لومها لأن جميع الحاضرين
الآن سيشهدون بأنها من بدأ برميها بتهمة محاولتها إغواء شقيقها
سنمار , وهذا ما هي متأكدة منه جيدا كما سنمار وزوجته أيضا ,
صرخت تنظر لمن حولها
" لا تصدقوا ما تقول هذه الكاذبة , ليست ابنة زعيمكم من تفعلها
لكان والدي أول من طبق قانون القبيلة بشأني "
صاحت تلك أيضا تنظر للأعين المحدقة دون أن يعلق أحد
" لتبرهن لكم إذا وتقبل بأحد الرجال زوجا أو لتخبر عن سبب رفضها
لكل من تقدموا لها من هنا ومن خارج الحدود "
حدقت عيناها العسلية الواسعة المذهولة بالأعين حولها والمحدقة بها
بفضول وذهول مشابه لم تستطع قول شيء فالحقيقة سجين سكن
أضلعها لأعوام ولا يمكنها إخراجه , وتبرئة نفسها بالكلمات لن تفيد
شيئا وستجد الكثيرين ممن سيستمعون لما قالت أنجوانا وسيصدقونها
ويطالبون بالدليل , انسحبت من هناك وغادرت تدفع بأدب كل من كان
في طريقها بعدما أصبحتا مطوقتان بجمع كبير ممن شدهم المشهد
للمشاهدة ومن ثم نقل الخبر في كل مكان , تعلم جيد أن انسحابها ذاك
لن يكون إلا دليلا ضدها وأن الألسن سوف تلتهما أكثر بعدما وجدوا
سببا مقنعا لرفضها التام للزواج بل وأي علاقات عابرة مع الرجال طيلة
تلك الأعوام , ابتعدت بخطواتها وسارت دون أن تلتفت خلفها أبدا حتى
غادرت أطراف القرية ولم تعد ترى إلا الحجارة والشجيرات حولها
مبتعدة عن الجميع لا تريد رؤية ولا سماع أحد منهم , وما أن أصبحت
في ذاك الفضاء الواسع وحدها حتى ركضت تمسح الدموع التي تسربت
من عينيها ترى من خلالها ذاك السياج الحديدي المرتفع والممتد حتى
وصلته وأمسكت حديده الشائك بقبضتها بقوة متجاهلة ألمها واختراق
أشواكه الحديدية لحم كفيها تنظر من بين دموعها لذاك الفضاء ولتلك
المساحات الشاسعة خلفه والتي تفصلهم عن باقي مدن وقرى البلاد ,
حدود وهمية صنعوها هم وفرضوها على الجميع بحجة حماية الثنانيين
وغرسوها أشواكا في قلبها حين حُرمت من ذاك الرجل للأبد بسبب تلك
الحرية التي حضوا هم بها كما يرددون فتحرروا وقيدوها هي وانفصل
الجزء الشرقي من جنوب البلاد عن باقي مدنها وأراضيها وشطروا
بذلك قلبها لنصفين , تدحرجت دمعة جديدة من جفنها لوجنتها ووصلت
للأرض وحدقتاها المرهقة تعانق زرقة السماء البعيدة وقريبا ستودع يوما جديدا من حياتها
تعلم أنها لن تراه فيه , اتكأت بجبينها على الحديد البارد لذاك السياج وأغمضت عينيها
ببطء هامسة " عد يا مطر شاهين .... عد أرجوك فثمة من يحتاجك حد الضياع "
*
*
غطت كف تلك اليد الكبيرة على ذاك الجهاز النحاسي الصغير الذي كان
يصدر صوتا مزعجا ومتواصلا فاق حجمه بأضعاف المرات ثم قفز ذاك
الجسد الضخم برشاقة وكأنه لم يكن يسبح في نوم عميق لشدة تيقظه
التام كما اعتاد سنوات نشأته في هذه البلاد , توجه لباب الحمام
المشترك مع غرفته وما هي إلا ثواني ولم يعد يسمع سوى صوت تدفق
المياه القوي لما اعتاده وهو ينام بالشيء القليل الذي يستر جسده ,
وما هي إلا لحظات أخرى حتى خرج بمنشفة على رأسه يفركها خلال
شعره الكثيف بقوة قبل أن يرميها جانبا ويرتدي ملابسه في وقت
قياسي وكأنه لازال ضمن جدران مبنى تلك المنضمة التي كانوا يعيشون
فيها على نظام واحد دائم وقاسي حتى اختار وبإرادته الانفصال عنها
والعيش في شقته الحالية كما فعل الكثيرين من أعضائها حيث كان
الخيارفي ذلك متروكا لهم مع التزامهم التام مع أي نداء أو مهمة
مستعجلة توجه إليهم . حمل سترته بعدما تأكد من أن سلاحه مثبت فيها
جيدا وتبث الآخر في ساقه تحت جوربه ولبس حدائها الثقيل وخرج من
الغرفة ونظر باستغراب للمرأة ذات القامة القصيرة الواقفةأمامه , بل
لباقة الأزهار الضخمة التي كانت تخفي وجهها وهي تمسكها بذراعيها
الممتلئتان وكأنها تضمها لصدرها , تنحى رأسها جانبا لتظهر له عينيها
وتلك التجاعيد حولهما دليل ابتسامتها المختفية عنه وقد قالت باسمة
" زهور جميلة أليس كذلك ؟ "
لبس سترته وهو يقترب منها وهي تضعها فوق الطاولة الأقرب لها وقد
قالت مدبرة المنزل التي تجاوزت الخمسين عاما مبتسمة وأناملها
تداعب وريقات الأزهار الصفراء الناعمة
" سعداء الحظ فقط من يتلقون مثلها في الصباح الباكر "
وتابعت بابتسامة ماكرة وهي تخرج بطاقة مذهبة منها وتمدها له
" قد تفكر في إخباري ممن هي وتشبع فضول العجوز الجميلة "
سحب الورقة من بين أناملها وملامحه الجامدة تشتد برودا وهو يقرأ
الكلمات التي كتبت عليها بحبر ذهبي وكتابة منسقة
( صباح الأزهار العبقة يا تيم(
ثم اسم المرسل في التوقيع أسفلها مزينا ومزخرفا , جعد البطاقة
الصغيرة بين أنامله
وقبضته القوية ونظر للتي تحولت نظرتها للصدمة ثم تحرك من هناك
قائلا ببرود
" خذيها إن أعجبتك أو ارميها خارج الشقة "
وما أن وصل الباب حتى أوقفه صوتها قائلة
" لما نرمي أزهار جميلة مثلها بغض النظر عن هوية مرسلها ؟
سأضعها في مزهرية وسترى جمالها في المكان كيف سيبدو "
فتح مقبض الباب قائلا بذات بروده
" أنا لا أدخل هذا المكان سوى ليلا لأنام فلا حاجة بي لرؤيتها فخذيها
معك "
وخرج مغلقا الباب خلفه ونزل العتبات بخطوات سريعة وعيناه على هاتفه في يده تتنقل حدقتاه السوداء بين أسطر بريده الخاص حين
أضاءت شاشة الهاتف برقم غريب ومميز , وصل سيارته وفتح بابها
مع فتحه للخط وقد وضع سماعة الهاتف في أذنه وهو ينحني عند
أسفل كرسي السائق ليفتح صندوق مقدمة السيارة فوصله الصوت
الأنثوي الرقيق بلكنته الانجليزية الواضحة
" أتمنى أن تكون الأزهار نالت إعجابك تيموثي "
استقام على طوله وضرب باب السيارة بقوة وقد مر أمامه فورا طيف
تلك الفتاة في حفلة البارحة بعد أن أنهى مهمته وعاد للقاعة ورضخت
هي على ما يبدو للأمر الواقع وعادت أيضا لتلك الصالة المكتظة بأهم
الشخصيات , وكيف لحقته بنظراتها وابتسامتها ترفع كأسها في وجهه
محيية كلما التقت نظراتهما مصادفة , قال ببرود متوجها لمقدمة
السيارة
" لم أكن أعلم أني شخص مهم لهذه الدرجة لتجمعي هذا القدر من
المعلومات عني ؟ "
علت في ذبذبات الهواء الداخلة لأذنه ضحكتها الرقيقة المرتفعة وقد
قالت
" كيف سأجهل الاسم الذي اختصر له أسمك لـ ( تيم ) ووالدك وجدك
يونانيان "
فتح باب صندوق السيارة بقوة على صوتها متابعة بحماس
" أجل علمت أيضا أن جدك والد والدتك كان من سلالة ملكية عريقة إذا
أنت أيضا سموالأمير تيموثي منذ اليوم "
تحركت أصابعه بحرفية متفحصا الأجزاء الواضحة في سيارته للتأكد
من سلامتها وقال ببعض الحدة وهو يغلق صندوق السيارة بقوة
" اسمعيني جيدا يا سـ...... "
قاطعته قبل أن ينهي جملته " لوسي أسمي لوسي فقط وإن لم يعجبك
فهو لوسيندا
دون اختصار , وأعلم أني أزعجك في وقت تكون فيه مشغولا أردت
فقط أن تعلم
أن هذا الرقم يخصني , أراك لاحقا تيم ..... وداعا "
سحب السماعة من أذنه ونظر لها بجمود قبل أن يدسها في جيب
سترته متمتما بضيق وهو يركب سيارته " وواثقة جدا من رؤيتي لاحقا ؟ "
وانطلق بسيارته مسرعا والابتسامة الساخرة تعلو شفتيه القاسية فهو
يعلم جيدا أنه لن يكون هنا ولن يرضي غرور مراهقة في جسد امرأة
تعشق كل ما مُنع عنها
*
*
أوقفت السيارة بقوة حتى ارتدا جسديهما للأمام قليلا فقالت الجالسة بجانبها بضيق
" ساندرين منذ متى وأنتي حمقاء هكذا ؟ "
نزعت المفتاح من مكانه بقوة وقالت بضيق مماثل
" منذ أن تعرفت عليك آنسة كنانة طبعا "
سوت تلك خصلات غرتها القصيرة التي تبعثرت بسبب ارتدادها في كرسيها
وقالت بحنق
" وما علاقتي أنا بوقوفك السيئ هذا ؟ وكأنك تقودين السيارة لأول مرة في حياتك "
فتحت ساندرين بابها ونظرها لازال على الجالسة بجانبها وقالت بتملق ساخر
" الحق عليك طبعا فبسبب غبائك وما تقولين نسيت أننا وصلنا لموقف السيارات وكدت أقفز بك وبالسيارة فوق الرصيف الفاصل لولا مهارتي التي تسخرين منها "
ازداد الحنق في نبرة الجالسة بجانبها ووجها مقابل لوجهها وهي تقول
" وما الذي قلته يفقدك صوابك هكذا ؟ حياتي هي أم حياتك أنتي "
تحولت ملامح ساندرين للاشمئزاز وهي تقول بعدما أخرجت لسانها جانبا
" توافقين بكل حماقة على أن تكوني زوجة لرجل لم تريه يوما ولا
يعرفك وكأنك تعيشين في القرون الوسطى ولست مضيفة في شركة
كبيرة ومعروفة للطيران وقد عاندت والدك حتى أقنعته بوظيفتك تلك !!
لا أصدق عقلك الصدئ هذا كيف أقنعك بالموافقة ! "
حركت أصبعها في حركة كم استخدمتاها صغيرتان تدل على العناد على
الرأي وقالت بتملق
" هذه الطريقة تزوج بها والداي ووالداهما ونجحت على مر العصور , ما أريد برجل أرسم له صورة فارس الأحلام ليدمرها في لحظة ومعها حياتي معه "
ثم لوحت بيدها أمام وجهها قائلة قبل أن تعلق الجالسة مقابلة لها
" أعلم رأيك فيما قلت دون حديث , ثم والدته سألت والدتي بطريقة
غير مباشرة فقط من قال لك أن الموضوع جدي "
شخرت ساندرين ساخرة وقالت مجعدة ملامحها
" وتطلب من والدتك أخذ رأيك بالأمر لماذا إن لم يكن جديا يا ذكية ؟ "
تأففت كنانة في وجهها قائلة
" هل عليا أن ألقنها لك بالحرف لتفهميها ؟ هذه فرصة ذهبية بالنسبة
لي لأعيش في بلادي , حلم لم يتمكن والداي من تحقيقه لي أبدا
لإصرارهما على العيش هنا لباقي حياتهما , فكم تمنيت العيش فيها
وأحلم بها منذ صغري وكرهت حقا هذه البلاد وأناسها وحياتهم "
حركت تلك عينيها للأعلى بضجر وقالت
" محاضرة رائعة لكن لست أراها سببا لتوافقي على ذاك الشاب "
ثم تابعت تنظر لها بنصف عين
" أو لا يكون أعجبك أنه ابن عائلة الشعّاب المعروفة هناك أو أنه ابن
شقيقة مطر شاهين توافقين عليه وعينيك مغمضة "
حركت رأسها بيأس وهمست " لن تفهم واحدة بمثل أفكارك ما تفكر فيه واحدة
مثلي تحب فعلا الاستقرار وإنشاء عائلة في محيط بلادها "
رمت يدها في وجهها قائلة بحنق
"كان عليا أن لا أنسى أنك ابنة الهازان فالغباء متأصل في الدماء التي
تجري في عروقكم "
أمسكت تلك وسطها بيديها قائلة بضيق
" لا يا ابنة الحالك يا من كل من رآك ضن أنك خماصية من الهازان
بسبب لون شعرك وعيناك "
ثم رفعت يديها وعينيها لسقف السيارة متضرعة في الدعاء همسا
" زوّجك الله يا ساندرين الحالك من رجل من عمق الهازان وأراني
فيك يوما وأنتي تذوبين من نظرة من عينيه "
ضربتها بيدها قائلة بحدة
" لا بارك الله في لسانك ولا دعواتك , انزلي هيا قبل أن يغلق السوق
أبوابه بسبب تشريفك له بالزيارة الموقرة "
ضحكت كنانة وهي تنزل من السيارة وقالت وهي تغلق بابها ونظرها على التي ضربت بابها بقوة
" لو أعلم سبب كرهك اللامبرر للهازان "
وسارت خلفها حين تجاهلتها سائرة من هناك وتعمقتا في أحاديث
أخرى ضاحكتان وهما تدخلا مجمع التسوق وقد صعدتا فورا بالمصعد
للطابق الثالث وأشارت كنانة وهي تسحبها معها قائلة
" تعالي ها هو المحل إنه متخصص بتلك الماركة من العطور وسنجد
طلبنا لديه "
وما أن اجتازتا الواجهة الزجاجية للمحل وكانتا في الداخل حتى وقع
نظرهما فوراعلى البائعة الواقفة خلف الطاولة الزجاجية المقوسة وقد
غطى الجدار خلفها أرفف زجاجية أنيقة تبتت في ذاك الجدار كديكور
تابع له وصُفّت عليها قنينات بعدد محدود تحمل ذات الشعار لذات
الشركة وإن اختلفت أسمائها , لكن ما وقع نظر ساندرين عليه ليس
مجموعة تلك العطور التي سرقت نظر الواقفة بجانبها فورا بل الشاب
الذي كان يقف منحن يتكئ بذراعيه على الطاولة الزجاجية ويتحدث
بانسجام ونبرة باسمة مع البائعة الواقفة مقابلة له بقوامها الممشوق
وبشرتها العاجية وشعرها الأشقر المقصوص حتى أذنيها وقد شقت
ابتسامتها الواسعة وجهها , كشرت مجعدة ملامحها ما أن تعرفت
على هوية الذي لا ترى سوى جانب وجهه وقد عرفته فورا رغم أنها
لم تره منذ كانت في الثالثة عشرة تقريبا حين التحق بجامعة سانت
اندروز في اسكتلندا ولم يعد يزور لندن كثيرا , لكن ملامحه التي لم
تتغير عما عرفته عليه منذ طفولتها جعلتها تتعرف عليه بسرعة , بل
كيف تنسى من كان يفعل كل ذلك بها وسخريته الدائمة منها , ومن لم
يكن يترك موقفا يتيح له الفرصة ليجعلها سخرية للجميع إلا ويستغله
بكل ترحاب
" هيه ساندرين "
انتبهت لهمس الواقفة بجانبها تشد كم سترتها وقد قالت بضيق
" ما بك أصابك الصمم فجأة وما بها ملامحك وكأن ثمة من سكب
عصير ليمونة حامضة في جوفك مباشرة "
ثم وكزتها تغمز جهة الواقف هناك متابعة همسها
" هل تعرفين ذاك الشاب الذي لم تبتعد عيناك عنه ؟ "
لوت لسانها داخل فمها حين التفت ناحيتهما وقد سجنت الكلمات التي
كانت ستهمس بها مجيبة حين ثبت نظره عليها وعلى وجهها تحديدا
والتوت شفتاه بسخرية بعد تلك النظرة العميقة الصامتة التي رماها بها
وعلمت فورا أنه تعرف عليها أيضا رغم تغييرها للون شعرها وعينها
ومرور كل تلك السنوات , سخرت من نفسها وأفكارها فما كان سينسى
طبعا مصدر تسليته الوحيد والدائم لأعوام , رفعت رأسها بكبرياء
وتوجهت رأسا جهة البائعة التي يقف أمامها ونظرت لقوارير العطور
خلفها وقد لحقت بها كنانة من فورها ووقفت بجانبها فقالت تخاطبها
بالعربية متعمدة أن لا يفهمها أحد سوى الواقف على بعد خطوتين فقط
منها وبلهجة ساخرة
" يبدو أن هناك خطأ في عبارة أن العطور نسائية فقط أو أننا أخطأنا
قراءة اللافتة يا كنانة "
نظرت لها الواقفة بجانبها باستغراب رافعة حاجبيها قبل أن تنقل نظرها
للذي يقف قريبا منهما ونظره على وجه الواقفة بجانبها يتفرس
ملامحها مبتسما بتسلية ثم نقله ليقع عليها وأشار لها بإبهامه إشارة
أشعرتها بالصدمة ولم تفهمها حتى قال وقد عاد بنظره للتي حولت
نظرها من زجاجات العطور له
" وما تفعلين هنا إذا إن كان كما اكتشفت يخص الرجال سمو الأميرة
ساندرين ؟ "
شملته بنظرة تقييميه مستنقصة من قيمته من وجهه حتى حدائه
الجلدي اللامع مرورا بملابسه الفاخرة وجسده الذي اكتسب عضلات لم
تعرفها في جسده النحيل الطويل ذاك في آخر مرة رأته فيها منذ ستة
أعوام مرت , وما أن عادت بنظرها صعودا لوجهه حتى قالت بذات
سخريتها اللاذعة
" سأشتري واحدا لحبيبي هل لديك أي اعتراض ؟ "
لم تتوقع ضحكته المجلجلة تلك والتي أشعلت غضبها فورا وعلمت أنه
حينها إن كان أراد بذلك النيل منها فقد نجح وهو يسخر من كلامها ,
قال ما أن أنهى ضحكه ونظره على شعرها المنسدل على كتفيها حتى خاصرتها
" وهل يعلم سعيد الحظ ذاك أنك تخدعينه بلون شعرك هذا يا متحولة ؟ "
صرت على أسنانها بقوة وقالت ببرود تمرر أصابعها خلال خصلاته
الناعمة الكثيفة
" لا علاقة لك فهو يحبني كما أنا , وابتعد عن الفتاة الملتصق بها قليلا
لترى ما أريد "
سوى وقفته حينها ونظره لازال على عينيها مبتسما يمرر لسانه على
شفته السفلى ثم نظر للتي تنظر لهم لا تفهم من حديثهم شيئا وقال وهو
يخرج لها بطاقة صغيرة من جيبه ويمدها لها
" سأمر بك في وقت لاحق يا جميلة فوفري طلبي حينها اتفقنا ؟ أو
اتصلي بي لإعلامي "
ابتسمت له تلك من فورها وأخذت البطاقة من بين أصابعه بسرعة
خاطفة قائلة
" على الرحب والسعة .... سأنتظر قدومك "
ثم غادر من فوره ونظره على الواقفة مكانها تنظر له بكره واشمئزاز
قبل أن تعود بنظرها للتي كانت تدون الأرقام من تلك البطاقة في هاتفها
بسرعة وعلى وجهها ذات تلك الابتسامة الواسعة لم تختفي فتمتمت
ببرود
" هذا هو مستواك يا حشرة "
وكزتها كنانة بمرفقها حين رفعت تلك نظرها لهما وقالت
" هل أخدمكما بشيء آنستاي ؟ "
سحبت ساندرين الواقفة بجانبها من يدها وخرجت بها مرغمة وهي تتمتم
" شكرا لكرم الضيافة "
وما أن خرجتا حتى سحبت تلك يدها منها قائلة
" ساندرين ما بك ! ألست تبحثين عن ذاك العطر ؟ لن نجده في مكان
آخر فهذا المحل مخصص ببيع تلك العطور الباريسية تحديدا "
تحركت من مكانها قائلة ببرود
" غيرت رأيي ولم أعد أريده "
لحقت بها ما أن تذكرت قائلة
" انتظري ... من أين تعرفين ذاك الشاب الذي ناداك باسمك وتحدث
بالعربية "
ثم أمسكتها ولفتها جهتها قائلة " ومن هذا الذي قلت أنه حبيبك وستشتري له
عطرا ؟ هل تخبئين الأمر عني ؟ "
ضربتها على رأسها بقبضتها قائلة بضيق
" ما الذي يوجد داخل هذا الرأس الغبي ؟ كيف أشتري عطرا لرجل من
محل عطور نسائية ؟ "
ثم غادرت مجددا متمتمة بحنق
" أفسد مزاجي زير النساء ذاك دبورالشقراوات العفن "
وأسرعت في خطواتها وتلك تركض خلفها منادية
" ساندرين انتظريني "
ووقفت مكانها بسبب اليد التي سحبتها جانبا ورفعت نظرها بصدمة
للذي يقف أمامها وقد اكتشفت أنه ذات الشاب الذي وجداه في المحل
منذ قليل وقد دس ورقة في يدها
قائلا بابتسامة لعوب
" أعطي هذه لصديقتك تلك وقولي لها يقول لك رواح
لا تغضبي فها قد أعطيتك واحدا أيضا "
وغادر من هناك يدندن لحنا مختلطا بصوت ضحكته الرجولية ونظراتها
المستغربة تتبعه قبل أن تنقلها ليدها وقد ابتسمت ابتسامة واسعة
سرعان ما تحولت لضحكة مكتومة ما أن اكتشفت أن تلك الورقة لم
تكن سوى بطاقة لأرقام هواتفه كالتي أعطاها لتلك البائعة رفعت نظرها
للمصعد في الجهة المقابلة وهو يغلق وأشارت بإبهامها مبتسمة للواقف
بداخله ردا على إشارته التي وجهها لها ما أن رفعت نظرها له ثم
تحركت من هناك ما أن أغلق ذاك المصعد أبوابه وركضت بحماس
خلف التي اختارت السلالم الكهربائي ونزلت منذ وقت فها قد وجدت ما
تسخر به منها
*
*
مررت كفها وأصابعها البيضاء الرقيقة ببطء على زجاج الشرفة المغلقة
تراقب حدقتاها الزرقاء ارتطام حبات المطر القوي بأوراق الأشجار
والضباب لازال يغلف ذاك الجو الصباحي الكئيب , تكره أن تفكر في
أنها اجتازت المرحلة الإعدادية وأمامها الآن تجربة جديدة كم تخشى أن
تقضيها في سكن للطالبات في إحدى المدارس الداخلية وهذا ما تتوقعه
فظروف وجودهم هنا حكمت عليهم بالتخفي والكتمان طوال الوقت فكان عليها أن لا تحتك بأحد في مدرستها , لا صديقات لا جيران ولا
أحد يجب أن يعلم شيئا عنها غير أسمها المستعار , وحتى منزلهم هذا
لم يكن يعلم عنه أحد فهكذا كانت القوانين التي كان عليها أن لا تخترقها
, قوانين كان عليها إتباعها حرفيا دون أي أخطاء من أجل سلامتها
وسلامة والدها قبلها بل ومجموعة كبيرة ستكون في خطر إن هي
تهورت في شيء , هذا ما أفهمها إياه والدها ومنذ صغرها فعاشت
وتأقلمت مع الصمت وتنفيذ الأوامر والوحدة التامة , حتى مربيتها التي
أحبتها طوال عمرها ومنها تعلمت كل شيء عن أمور هذه الحياة من
أبسطها حتى أكثرها تعقيدا وأكثرها حساسية فقدتها أيضا وللأبد , تلك
المرأة البسيطة الرائعة التي سرقها منها المرض الذي لازمها لعامين
كاملين قبل أن يسلبها حياتها فرحلت وتركت لها فراغا صعُب عليها
ملأه والتأقلم معه فهي كانت الشخص الوحيد الذي يمكنها التحدث إليه
عن كل شيء وأي شيء , من لو كانت موجودة الآن ما سمحت لها
بأن تخضع لضغوط عمتها وخرجت تلك الليلة متسللة من هنا حيث
الخطر والمجهول . أغمضت عينيها ببطء واتكأت بطرف جبينها على
زجاج الشرفة وصورة ذاك الشاب ارتسمت أمام عينيها فورا فهي لم
تنسى من تفاصيل ملامحه شيئا ... شعره الأسود المرتب عيناه ونظرته
الحازمة الواثقة .. ملامحه التي تنطق وسامة وشخصيته التي تكاد
تجزم أنها جزء من شخصية والدها , قبضت أصبعها على الزجاج
البارد وليست تفهم لما لا يغيب عن تفكيرها ؟؟ لماذا لا يفارقها طيفه لا
في صحوتها ولا نومها !
فتحت عينيها التي امتلأت حدقتاها الواسعة بالدموع وهمست بحزن
" لو فقط أعلم إن كنت بخير , لو فقط تتحاح لي الفرصة مجددا لكي
أشكرك وأعتذر منك "
أجفلت مبتعدة ونظرت خلفها سريعا ما أن سمعت تلك الطرقات على باب غرفتها
فمسحت عينيها بسرعة بظهر كف يدها الذي مسحته سريعا في قميص
بيجامتها السميكة الدافئة وخرجت منها الحروف مختنقة بعبرتها
المكتومة وهي تقول
" تفضل الباب مفتوح "
دار المقبض ببطء وانفتح الباب كاشفا عن صاحب ذاك الجسد الطويل
الذي أغلقه خلفه فورا فابتسمت له بحنان هامسة " .... جدي "
فتح ذراعاه لها فركضت جهته فورا وارتمت في حضنه وقد طوقها
بذراعيه بقوة وقبل رأسها متمتما بابتسامة " كيف هي صغيرتي
الجميلة ؟ "
رفعت نظرها له وقالت بابتسامة مماثلة
" حتى الآن تناديني بالصغيرة ؟ لقد كبرت جدي "
ضحك وأبعدها عنه وقال ناظرا لجسدها بنظرة تقييميه شاملة
" أممممم كبرت أجل لكنك صغيرة أم نسيت كم عمرك ؟ "
أنكست رأسها للأسفل تدس خصلات شعرها خلف أذنيها وكم شعرت
بالخجل من ملاحظته تلك وشتمت نفسها لأنها السبب فيها , فكم خجلت
سابقا من نمو جسدها ومعالمه الأنثوية بسرعة وفي وقت مبكر حتى أن
الجميع يعطيها فوق سنها , وصلتها ضحكة الواقف أمامها وقد رفع
ذقنها الصغير بأصابعه ونظر لعينيها وابتسامتها الخجولة قائلا بضحكة
" كبرت أجل يا تيما ولك أن تتصوري وجه والدك وأحدهم يخطبك منه لابنه "
شهقت من فورها بصدمة على صوت ضحكة دجى وقد قرص خدها المستديرالناعم قائلا
" لا تخافي لأنه رفضه فورا "
وأمسك أنفها الصغير قائلا بابتسامة
" بل ولأول مرة أسمع مطر يكذب وهو يقول له ابنتي عريسها ينتظرها "
جحدته بنظرة مستغربة وقد حك لحيته مفكرا وهو يقول
" أم بظنك صادقا ككل مرة وفعلها بالفعل وعريسك ينتظرك ؟ "
شعرت بخديها يشتعلا إحراجا وحركت رأسها فورا برفض وهمست
" لا أظنه يكذب ولا أظنه يفعلها "
ثم تنهدت متابعة
" وإن فعلها حقا لن أعارضه أبدا "
ابتسم الواقف أمامها قبل أن يقول بضحكة
" لا أستغربها منه وهو من فعلها
مع والدتك أيضا وزوجها لنفسه وهي ابنة الثمانية أعوام "
نظرت له بصدمة فاغرة فاها الصغير قبل أن تهمس
" ثمان سنين فقط !! "
رفع يديه جانبا وقال
" انظري لوالدك وأفعاله , لا تستغربي إذا أن يفعلها معك "
حضن بعدها كتفيها بذراعه وسار بها جهة سريرها الواسع قائلا
" تعالي فثمة لعبة سنلعبها وستعجبك حد الجنون "
سارت منصاعة له تنظر له باستغراب حتى جلسا على السرير متقابلان
وقد رفع ساقه وجلس عليها وأمسك كفاها الصغيران بقوة ونظر لعينيها
قائلا بابتسامة
" تمنى أمنية يا تيما "
نظرت له باستغراب فقال بضحكة
" أغمضي عينيك وتمنى أمنية بصوت مسموع ومارد المصباح دجى
سيحققها لك "
أغمضت عينيها فورا وهي تضن أنها مجرد لعبة صغيرة كما اعتاد
الجالس أمامها أن يفعل معها منذ أن كانت طفلة يلاعبها دائما كلما
زارها في تلك المرات القليلة جدا وليست تعلم أن لعبتهم هذه المرة
حقيقية وأنه يتوقع جيدا ما ستتمنى وتطلب , تنفست الصعداء وشعرت
بالدموع تحرق جفنيها فأمنيتان فقط هما ما تريد تحقيقهما الآن ولن
تستطيع إخباره سوى بواحدة , همست بحزن وكأنها وحدها في هذا
المكان
" أتمنى أن أرى والدتي وإن ليوم واحد في حياتي "
وفتحت عينيها الدامعة حين شعرت بكفي جدها الدافئتان على خديها
وجانب وجهها ونظرت لابتسامته المحببة من بين الدموع التي ملأت
حدقتيها وقد قال
" وإن قلت أن أمنيتك هذه ستتحقق قريبا "
لم تشعر بنفسها إلا وهي تصرخ وقد قفزت عليه وجسده ارتد للخلف
ضاحكا يمسك نفسه ويمسكها بيده الأخرى كي لا يقعا للخلف خارج
السرير , تمسكت بعنقه بقوة وقالت بعبرة
" قل قسما أنها حقيقة جدي , أقسم لي أني سأراها حقا "
ضمها بذراعيه بقوة قائلا بحنان
" حقيقة يا تيما , حقيقة هي يا حفيدتي الحبيبة فوالدك قرر العودة
للوطن في وقت قريب "
ابتعدت عنه تخفي وجهها في كفيها وتبكي دون توقف وقد عجز لسانها
عن قول أي شيء وإن كان غير مفهوم , مسح الجالس أمامها على
شعرها الأسود الحريري
قائلا بحنان شابه بعض الحزن
" كم تمنيت هذا اليوم قبلك يا تيما فلست وحدك من يفتقدها ويريد أن
يراها "
ارتمت في حضنه تواصل بكائها الموجع فيه فضمها بذراعه القوية
بقوة وقبّل رأسها قائلا
" لا تلومي والدك يا تيما فهو كان مكرها على أخذك منها مثلما لم يكن
خطط لأن يبقيك بعيدة عنها كل هذه الأعوام , عليك أن تعذريه يا
أميرتي الصغيرة فالظروف حدته على ذلك "
دفنت وجهها في صدره العريض وحركت رأسها نفيا هامسة بعبرة
" لم ألقي باللوم عليه يوما جدي أقسم لك لكني أشتاق لها وأحتاجها
بل وأتلهف لرؤيتها حد الجنون "
مسح بكفه على شعرها وقبّل رأسها مجددا هامسا بحزن
" جميعنا نحتاجها ونشتاق لها يا تيما وجل ما أخشاه أن لا أجد في
قلبها الغفران لتقصيري معها وما رأته بعدي وبسببي رغم أني كنت
مرغما "
ابتعدت عنه ونظرت بعينين دامعة لعينيه التي طغى عليها الحزن
وخرجت كلماتها تخنقها عبرتها المكتومة
" هي تحتاجك الآن جدي .. أنت من بقي لها كيف لا
تسامحك والظروف أرغمتك حتى على ترك بلادك وأهلك ؟ "
أمسك وجهها وقبل جبينها وقال بابتسامة حزينة
" عزائي الوحيد في السنوات الماضية أني أرها فيك وأنا من حُرمت
من رؤيتها من قبل أن تولد , كما وجود والدك فردا من عائلتي التي
دُفن نصفها دون أن أراهم وأودعهم "
نزلت دمعتها منسابة ببطء على وجنتيها المشتعلة وهمست ببحة
" جل ما أخشاه أن لا تغفر لوالدي , أخبرتني سابقا أنه جلبني هنا
وتركها دون أن يشرح لها أسبابه , لا أريدها أن تغفر للجميع إلا هو جدي "
مسح دمعتيها بظهر أصابعه مبتسما وهو يهمس مثلها
" إن كانت تحبه ستغفرله يا تيما رغم أن ذاك الغفران لن يكون سهلا
وقريبا أبدا "
ثم أبعد يده ونظره ناظرا للأسفل وتنهد بعمق قائلا
" قد لا أستطيع العودة مثلكم الآن أو أن أدخل البلاد بغير شخصيتي
الحقيقية , أي أن لقائي بها قد لا يكون قريبا حتى ننظر في حكم
المحكمة وما حدث مع ذاك الرجل "
مسحت أنفها بظهر كفها ناظرة له باستغراب وقالت
" هل تحكم المحكمة في القضية بعد كل هذه الأعوام ؟! "
هز رأسه بالنفي هامسا
" لا أضن ذلك لكن فكرة القتل والانتقام لن نضمن أنها خرجت من
رأس ذاك الرجل حسب ما قيل وشيع عنه مؤخرا "
فغرت فاها الصغير بصدمة قبل أن تغرس أسنانها في شفته بقوة تكابد الدمعة التي تغلبت عليها ونزلت متدحرجة على خدها وقد تبعتها عبرتها تخنق كلماتها
" لا تذهب له جدي إن كان يريد قتلك , ما جدوى رجوعك إن فقدت
حياتك "
رفع رأسه ونظره لها وقال وقد عاد لمسح دموعها مجددا
" سئمت هذا الحال يا تيما , إنها أكثر من ثلاثين عاما من الغربة
والهروب طفلتي ولم يبقى في العمر ما أتحسر عليه "
عادت دموعها للنزول تحرك رأسها برفض وعاد هو لمسحها قائلا
" لا تقلقي فوالدك فكر في جميع الاحتمالات وأنا سلمت الأمر له "
قالت بلهفة تمسك يده بيديها
" حقا لديه حل لتلك المشكلة ؟ "
قال بابتسامة
" فلنأمل ذلك , أما الآن فحال البلاد هو الأهم فوضعها ينزلق للأسوأ
خاصة بعد تعدي مجموعات من الحالك على بعض المقار الحكومية "
غطى الوجوم على ملامحها الحزينة الباكية وهمست بأسى
" هل ستنقذونها جدي ؟ أنا خائفة عليها حقا "
مسح على طرف وجهها بيده الأخرى قائلا بثقة
" والدك إن أراد شيئا لا يردعه عنه شيء يا تيما ومثلما حارب لأجلها
من أعوام وضحى بالكثير لن يقف الآن مكتوف اليدين , وبما أن التمرد
من الحالك فالحل بعد الله لديه وحده "
اتكأت في حضنه هامسة بحزن
" ليحفظه الله لنا ولها جدي لا أعلم لولا الله ثم هو حالها ما كان
سيكون "
مسح على شعرها بحنان قائلا
" الله وحده يعلم ما كان سيكون صغيرتي ولا أحد له أن يتصوره ,عليك
الآن فقط أن تفكري في رحلتكم القريبة وجهزي نفسك وأغراضك
جميعها "
دفنت نفسها في حضنه أكثر وسعادتها لا تضاهيها سوى دموعها التي
ترفض التوقف فقد بدأت تفقد الأمل حقا في رؤية والدتها وإن من بعيد
وتعلمت مع مرور تلك السنوات أن تتعايش مع الأمل الميت ولم تتخيل
أن يحيا اليوم من جديد وصلها صوته الرجولي الخشن الحنون مبتسما
" أرأيت مارد المصباح وعجائبه ؟ هيا إن كان لديك أمنية أخرى ما
عليك سوى إغماض عينيك وقولها "
مسحت عيناها بظهر كفها مبتسمة بحزن ثم أغمضتهما ببطء وضربات
قلبها تتصاعد تدريجيا وهي تفكر في تلك الأمنية التي تمنتها قبل قليل
عند الشرفة وفي حضن ذاك الرجل الغريب الوحيد الذي جربته في
حياتها , ارتجف قلبها بقوة وعضت طرف شفتها هامسة بابتسامة
" لقد تمنيت "
وصلتها ضحكته المكتومة وقد انحنى لرأسها ورفع وجهها له ممسكا
ذقنها الصغير بأصابعه وقال مبتسما بمكر
" وكيف يا مخادعة لمارد المصباح أن يحقق أمنية لا يعلم ما تكون "
دست وجهها في حضنه الدافئ مجددا هامسة بحياء
" ادعوا الله معي أن تتحقق إذاً "
*
*
شد الحلقات الموصولة في السلك المطاطي لجهاز تقوية الجسم الذي
اختاره خصيصا من أجهزة تلك الصالة الرياضية كعادته وزفر الهواء
من شفتيه بقوة وهو يكرر حركاته صعودا ونزولا بنصف جذعه نائما
على ظهره حتى كانت عضلات جسده المشدودة تكاد تتمزق من قوة
الشد وبروزها مع حركته تلك
أفلت الحلقتان من قبضتيه واتكأ برأسه للخلف على مسند الجهاز
المخصص يزفرالهواء من رئتيه بقوة وتسارع تتمدد معه أضلع صدره
العريض العاري نزولا وصعودا ثم وقف ورمى المنشفة على عنقه
ونظر للذي أوقف ساعة التوقيت الصغيرة في يده بضغطة من إبهامه
وأمال وقفته متكأ بساعده على اليد العلوية للجهاز وقال
" خمس وعشرون دقيقة باستثناء الأجزاء الصغيرة من الثانية "
ثم دس الساعة في جيب بنطلونه الرياضي القصير وقال بسخرية مراقبا
ملامح الواقف أمامه يمسح وجهه وعنقه بطرف المنشفة
" كنت تجتاز النصف ساعة بارتياح يا قاسم ! ما بك يا رجل ؟ ولا
تتعذر بالجرح فتيم قال أنه سطحي "
سحب قارورة الماء الصغيرة المثبتة في أحد جيوب تلك الآلة الرياضية
ورفع رأسه وسكب ما فيها على وجهه وشعره ثم حركه بقوة تناثرت
معها قطرات ذاك الماء في كل اتجاه حوله ورماها في سلة القمامة
القريبة برمية واحدة موفقة ثم انحنى ورفع قميصه القطني ولم يعلق
فأخرج رواح الساعة مجددا وقال وهو يلعب بحلقتها في أصبعه بحركة
دائرية ونظره على قفا الواقف أمامه
" أيشغل بالك سفركم القريب لهذه الدرجة ؟ "
لبس قميصه بحركة سريعة وتمتم يعدله على حزام بنطلونه الجينز القصير
" أستغرب قرارات الزعيم مطر بشأن سفري معهم "
نظر له رواح باستغراب فالتفت له برأسه وقال ببرود
" لا أفهم لما اختار أن تكون رحلتي منفصلة عنه وحتى عن خالي
دجى , حتى خروجي من لندن سيكون عبر القطار وفي رحلة مستقلة
حتى عن تميم وعمير "
لوح رواح بيده قبل أن يضرب كتفه بخفة قائلا
" لا أرى الموضوع بتلك الأهمية التي تُحمّلها له فالهدف واحد
والنتيجة واحدة والمطار الذي ستنزلونه واحداً يا رجل "
هز رأسه بحسنا دون أن يعلق ورمى المنشفة مكانها بعدما رفعها عن
الأرض لحظة شعوره بذراع رواح تلتف حول عنقه وقد همس في أذنه
" لم أقتنع أن ذاك هوالسبب فتحدث هيا "
دفعه عنه بقوة متمتما بضيق
" سيرى مسرب الإشاعات ذاك عقابه مني "
ضحك رواح ووقف جانبه ولكزه في خصره هامسا ينظر له بطرف
عينيه
" من وصفه لها تبدوا مذهلة يا رجل "
نظر له نظرة حارقة وخرجت الحروف من بين أسنانه قائلا بحدة
" أوقف هذا الحديث أو كسرت أسنانك بقبضتي , الفتاة أنقذتها كواجب
إنساني وذهبت في حال سبيلها , وإن لم تكن في سن صغير ما لحقت
بها من أساسه "
أخرج له لسانه وعضه بأسنانه ثم ضحك قائلا
" كف عن المراوغة يا رجل وأجب هل بحثت عنها وعلمت أين تسكن ؟ "
وجواب قاسم لم يكن سوى أن هز رأسه بيأس منه وتحرك من هناك
مجتازاصفوف الآلات الرياضية المتعددة التي قد شغل أغلبها أجساد
تتحرك فوقها بآلية
ولحق به ذاك حتى سار بجانبه قائلا
" حسنا فقط لا تغضب علينا , تيم لم يجب على اتصالاتي اليوم أتعلم
أين يكون ؟ "
حمل حقيبته الرياضية السوداء وأخرج منها هاتفه قائلا ونظره عليه
" سافرصباحا لبيترهاد مع رجال من المنظمة ولن يرجع قبل يومين أو
أكثر "
تمتم رواح وهو يدس يديه في جيبي بنطلونه القصير
" تملص منها إذا "
رمى الحقيبة على كتفه الأيمن قائلا بضيق
" بل في مهمة فليس تيم من يتهرب من مواجهة أحد حتى إن كان
والده وماضيه "
وخرج من الباب الزجاجي المعتم لتلك الصالة وقد أُغلق خلفهما ما أن قفز رواح خلفه مناديا
" هيه انتظر فهو قريبي قبل أن يكون صديقك المقرب ووالده
خالي وأفهمه أكثر مما تفهمه "
لم يعلق قاسم وقد عاد رواح للسير بجواره وهو يخرج هاتفه الذي رن
بصوت رسالة وقد ضحك ما أن فتحها وضحكه لم يتوقف حتى وصلا
موقف السيارات فاتكأ قاسم على باب سيارته قائلا
" ما يضحكك فيما أتاك لهذه الدرجة ؟ "
مد له هاتفه فورا فأخذه منه مستغربا ضحكه الذي عاد من جديد وقرأ أسطر الرسالة
التي حمل رقمها أسم ( المتحولة ) وكان فيها ( لست أنا من تغضب
لأجل دبور يحوم في المستنقعات لأني لست من ذاك المستوى .... ولا
تحاول استخدام هذا الرقم لأني سأحضر جميع أرقامك السخيفة(
ابتسم ما أن أنهى الرسالة ومد له هاتفه قائلا
" وما في هذه الرسالة يضحكك هكذا ؟ أم يعجبك وصفها لك بالدبور ! "
وتابع بسخرية
" ثم من تكون هذه التي تسجل رقمها لديك من قبل أن يصلها رقمك
أنت ؟ وما هذه المتحولة ؟ "
سحب هاتفه من بين أصابعه قائلا بابتسامة ماكرة وهو ينظر لشاشة
هاتفه
" لا علاقة لك بالأمر فلست وحدك لديك أسرار وأمور لا تريد البوح بها"
هز رأسه بيأس وركب سيارته مغادرا تاركا خلفه الذي لازال واقفا قرب
سيارته البروش السوداء وقد فتح بابها وركب وأخرج هاتفا آخر من
صندوقها وأرسل كلمات رسالته من رقم آخر غير المدونة في بطاقته
تلك( شكرا على الإطراء يا متحولة وها قد أثبث أكثر أنك تغارين منها)
وضحك ما أن جرب الاتصال بها بعدها ووجد أنها حضرته فورا
*
*
تحركت حدقتاها الزرقاء الصافية في ملامح الجالسة أمامها تستمع بانتباه لحديثها الهامس وكأنها تتوقع أنه ثمة من يراقبهما أو ثمة أجهزة تنصت في ذاك الجناح
وهي من لم تستغرب أن يفعلوا أي شيء لإيذاء صغيرتها التي اعتنت بها لأعوام
ويكتشفوا أنا تسمع وتتحدث , همست زيزفون وكأنها تجاريها في شكوكها حول مراقبتهما قائلة
" وقاص يا خالة ماذا قالت عنه هو تحديدا ؟ "
حركت تلك يديها بحماس قائلة
" أجل كيف نسيت خبرا مهما كهذا "
أخفضت صوتها أكثر هامسة بخفوت
" قالت أن زوجته تركت المنزل منذ ليلة أمس وأنها نظفت غرفة
نومهما من قطع زجاج ثلاث زجاجات عطر كسرها على أرضيتها
الرخامية وأنه خرج فجرا ولم يرجع بعدها "
ثم أخفت شفتيها بيدها وهمست لها عند أذنها
" وقالت أنها وجدت ورقة مجعدة في سلة القمامة وأنها متأكدة من
أنها بخط يد زوجته وقد هددته فيها بجده ووالدها "
لم يكن هذا ما تريد معرفته عنه ولا تعنيها حياته الخاصة تلك لكنها
رغما عنها وجدت أفكارها تقودها لليلة البارحة وللقائهما الغير مخطط
له وهي تجلس عند السلالم تنهي تفاصيل رسمها ذاك , مرت ملامحه
أمام عينيها وكأنها تراها الآن , الملامح التي رغم الإضاءة الخفيفة
للمكان ظهر لها بوضوح تقاسيمها الرجولية الارستقراطية وذاك الأنف
الإغريقي الذي تتميز به عائلة ضرار سلطان تحديدا مستوي يكاد يكون على خط مستقيم مع الجبهة , شخصيته البارزة من حركته وطريقة وقوفه وكأنه صورة مثالية علقت على الجدار , كانت أسنانها البيضاء
الصغيرة تغرس في طرف شفتها لا إراديا تحاول طرد ذاك السؤال الذي
تغلب عليها وخرج نهاية الأمر هامسة
" وما المشكلة بينهما ؟ هل زواجهما فاشل بذاك الشكل ؟ "
حركت تلك كتفيها بلا اهتمام هامسة
" لم أفكر في سؤالها عن ذلك لأنك لم تطلبي مني فعلها لكن ما قالته
تلك الخادمة كان مبهما وغريبا ( زواج مصلحة للجد فقط وتلك المرأة
لا تليق بسيدي وقاص ) هذا فقط ما علقت به عن الأمر حين تحدثت
عنه "
أمسكت بعدها كف الجالسة مقابلة لها على الأرض وقالت بقلق
" زيزفون عليك توخي الحذر بنيتي أنا أخشى عليك حتى من تلك
الخادمة "
حركت رأسها بإيماءة تفَهُم هامسة
" لا تقلقي خالتي فتلك الخادمة لا تهتم سوى
بمن يدفع لها المال ونحن نعطيها بسخاء , ثم تعاملها معك أنتي وليس أنا وأنا من يخشى عليك منها ومنهم "
تنهدت الجالسة أمامها وقالت
" بل أنا التي لست الآن سوى خادمة لديهم كل ما يستطيعون فعله
طردي من هنا أما أنتي فلن يتوانوا عن إيذائك , اقسم أني لم أنم
البارحة ولم يغمض لي جفن منذ عدت لغرفتك مسرعة وقلت أن أحدهم
دخل المنزل متأخرا وخشيت أن يلحق بك أو يزورنا أي منهم اليوم
للتحقيق في خروجك من هنا "
سحبت يدها من كفيها الدافئان وهمست وعلى وجهها نظرة شاردة
" لا تخافي خالتي فلن يأتي للتحقيق معي ولا معك ولن يخبر أحدا "
نظرت لها باستغراب هامسة
" وما أدراك أنه لن يفعلها ؟ ومن يكون ذاك الذي تثقين به هكذا في
عائلة كهذه ! "
شردت بنظرها بعيدا ومررت أصابعها على ذراعها العاري هامسة
بشرود ساخر
" لن يفعلها ذاك الشخص تحديدا لأنه سبب جلبي إلى هنا خالتي , لن
يفعلها اطمئني "
*
*
أمسكت بيديه وهما يجلسان وقالت بحنان ناظرة لعينيه
" كيف حالك يا شاهر ؟ لما لا تتذكر شقيقتك إلا من شهر للآخر "
شد على كفيها الدافئان بين برودة كفيه وقال بهدوء ناظرا لهما
" لأني مشغول أغلب الأيام يا رقية لكنت أزعجتك بزيارتي لك طوال
الوقت "
تنهدت بصمت فنظر لعينيها وقال
" وما أخبار ضرار وسلطان وباقي زوجاته وأبنائهم ؟ رواح ووقاص رأيتهما من وقت قريب "
أومأت برأسها هامسة
" جيدون جميعهم وضرار الصغير منهمك في اختباراته
والبقية لا ضير عليهم "
ثم ركزت نظراتها على عينيه المسدلة جفنيها للأسفل ما أن سحب يديه وقالت
" ألم ترى تيم ؟ ما هي أخباره ؟ "
حرك رأسه بالنفي ونظره للأسفل متمتما
" لم أراه ولا أعلم عنه سوى أنه في شمال إنجلترا حاليا "
تنهدت بأسى ومسحت بيدها على ذراعه هامسة برقة " سيلين قلبه يا
شاهر , السنين كفيلة بفعل ذلك وسيدرك يوما أنك كنت مجبرا على
تركه , وحين يرزق هو بابن سيعرف مشاعر الأبوة وأنك ما كنت
لتتخلى عنه بسهولة "
شرد بنظره بعيدا وقال بابتسامة ساخرة
" هو لا يلومني على تركه بقدر ما يلوم الجميع على تخليهم عن والدته
ولا يريد أن يصدق أنها من اختار ذلك وحجتها سلامتي وأن يبقى
أحدنا له مستقبلا "
جمعت كفيها لبعضهما وضمتهما عند شفتيها هامسة بحزن
" وها هو كبر دون أن يحتاج لأحد , حتى عمه وعم والدته وأنا عمته
شملنا في غضبه الأسود ولا يريد أن يعترف بنا أقارب له , ليته فقط
يتركني أراه من حين لآخر يكفيه عيشه وحيدا طوال عمره , ما
ذنبي أنا المرأة في حقده المدفون من الماضي "
وصلها صوت شقيقها أجوفا جافا
" سلمي للأمر الواقع يا رقية فلا مكان للغفران في قلبه أبدا , لو
تفتشي قلب تيم فستجدي بأنه يلوم حتى حجارة جدران الغرفة التي
ماتت فيها والدته وكل فرد في تلك البلدة بل وتلك البلاد جميعها فكيف
بنا نحن ؟ "
وغطت المرارة على صوته وهو يتابع
" عدا طبعا تلك الطفلة التي أصبحت زوجته والرجل الذي أخرجه من
البلاد بعد وفاة والدته , شخصان فقط اعترف بهما تيم في حاضره وإن
نصف اعتراف "
حركت رأسها بيأس قائلة
" وكيف يعترف بها وهي في بلاد وهو في آخر ؟ إنها
سنوات مرت يا شاهر ولم يحضرها ولا ذهب لها ! أي اعتراف هذا وهو هنا وهي هناك ؟ "
قال ونظره للأرض
" لو لم يكن معترفا بها في حياته ما كان تركها زوجة له حتى
الآن .. ابني وأعرفه جيدا , ثم لا تنسي تلك القصة فمهما كان تيم قاسيا
وغير مبال بأحد ولا شيء فهو لن يترك تلك الفتاة تعاني ويلات ما
حدث وهو كان ضلعا فيه ولن يؤثر أحد في أي خيار سيتخذه بشأنها
حتى إن نبذها وتركها هناك "
تمتمت بأسى
" لا أستغرب أن تحقد علينا تلك الفتاة أيضا "
ثم رفعت نظرها له تتفرس ملامحه المتجهمة ونظرته الشاردة , تعلم أن
موضوع تيم والشرخ الكبير بينهما ليس حديثا وما كان ليقلقه الآن
هكذا !! قالت بتوجس
" لا تعجبني يا شاهر هذه المرة ! وكأن ثمة ما لديك يقلقك "
حرك رأسه بالنفي هامسا " لا شيء يقلق "
ثم نظر لها وقال بنبرة مترددة
" لقد خطبت "
انفتحت عيناها على اتساعها وعلت شفتيها ابتسامة واسعة وتمتمت غير مصدقة
" خطبت يا شاهر ؟ حقا تنوي الزواج !! "
أبعد نظرها عنها وهمس
" ليس في الوقت الحاضر على ما أضن "
واشتدت قبضتاه وهو يتذكر تلك المرأة التي أجبر نفسه على تسميتها بخطيبته وما فعلته
في آخر مرة رآها فيها , ومنذ ذاك الوقت لم يلتقيا ولم يتعرض لها لكنه
مصمم على جعلها تندم على ما فعلت وأن يمضي في الأمر ويقدم
لشقيقها الانتقام الذي يبرد قلبه رغم أنه يجهل سببه , كانت أفكاره قد
عادت تدور في دوائر مغلقة ومشاعره تزداد اشمئزازا من الفكرة كلما
غاص فيها أكثر , بينما كانت مشاعر الجالسة بقربه مختلفة تماما وهي
تشعر بسعادة لا تضاهى فلطالما ألحت عليه ومنذ سنوات أن يتزوج
ويبني عائلة , خاصة أنه سافر شابا وترمل وهو في منتصف الثلاثين ,
ورغم أنه ناصف الأربعين الآن لازالت تراه رجلا قويا إن في بنيته
وجسده أو شبابه وحيويته , حتى نظرته لازالت كما عرفتها لسنوات
تحمل ما ورثه من رجال عائلته
(الذكاء الحاد والفطنة والقوة ) وموضوع تيم الأمر الوحيد الذي لازال
يُظهر شاهر ضعيفا ومهزوزا , وغيره لم تسمعه يوما اشتكى من شيء
ولا تغلب عليه أي أمر مهما كان شديدا تنهدت بابتسامة قائلة
" ما أجمله من خبر يا شقيقي , من هي العروس ؟ "
تمتم دون أن ينظر لها
" هي عربية الأصل ووالدتها انجليزية وتعيش هنا منذ ولدت "
لم تكترث لتعريفه المبهم لعروسه تلك ولا لعبوس ملامحه وهروبه من النظر لعينيها وهو
يخبرها بل قالت بحماس
" حسنا سأنتظر حتى تُعرفني بها , ما خططتما للأمر ومتى
سيكون الزواج ؟ "
وقف على طوله ودس يديه في جيبي معطفه مع وقوفها معه قائلا ببرود
" أخبرتك أن الحديث في كل هذا مؤجل حاليا ولم ندخل في التفاصيل
بعد ووقتها ستكونين أول من يعلم بالتأكيد "
تنهدت قائلة
" لا بأس , أتمنى أن يحدث ذلك فعلا ولا يعرقله أي شيء يكفي ما
ضاع من عمرك من أعوام وحيدا "
وتابعت بتوجس ونظرها معلق بملامحه " هل علم ابنك ؟ "
دار بجسده مغادر وقد قال
" قريبا سيعلم ولا أعتقد الأمر سيغير شيئا "
لحقت به بخطوات سريعة قائلة
" شاهر لما لا تبقى قليلا بعد , لم أشبع من رؤيتك ولا الحديث عن
أخبارك "
تابع خطواته السريعة دون إبطاء ولا التفات قائلا
" مرة أخرى يا رقية , ورائي أمور مهمة , وكلها أيام وسأتفرغ
لحياتي أكثر "
*
*
توقفت أصابعها الرقيقة البيضاء الطويلة عن الحركة السريعة على اللوحة الالكترونية أمامها ما أن اجتاز باب مكتبها صاحب ذاك الجسد الطويل ببذلته السوداء الفاخرة ومشيته الأنيقة الواثقة , وما أن رفعت نظرها المخدر لوجهه حتى تعلق به وهو يقترب منها
ووضع الحقيبة التي كانت في يده على طرف طاولتها قائلا ونظره على
البطاقة المعلقة في ثيابها تحوي اسمها كاملا
" صباح الخير آنسة فيتال ... جدي في مكتبه بالتأكيد "
حركت رأسها كالبلهاء مجيبة بنعم فدفع حقيبته على طاولتها الزجاجية
السوداء حتى وصلت عندها وغادر من عندها جهة باب المكتب قائلا
" سآخذها منك وقت خروجي "
تنفست الصعداء تدير حدقتاها الزرقاء للأعلى متمتمة
" اجزم أن أسبوعي الأول هنا سيكون الأخير , ما هذا بحق السماء ؟ "
وحملت الحقيبة ووقفت بها تمسكها شبه محتضنة لها ونظرها على
الذي وصل الباب المشترك مع مكتبها وفتحه ودخل من فوره دون
يلتفت ولا مجرد التفات كما تمنت وهو يغلق الباب بعد دخوله , ولو كانت تعلم عن مزاجه المشتعل وقتها ما فكرت في ذلك ولا تمنته , فما أن أغلق الباب نظر للجالس خلف طاولته وقال بجمود متجاهلا من كان يجلس معه
" إنها السكرتيرة الثالثة هذا الشهر جدي ! كيف لك أن تنظم عملك وفي
كل حين والآخر ثمة عارضة أزياء جديدة في الخارج "
أشار له الجالس خلف مكتبه بكل وقار وسيطرة بالقلم في يده للكرسي
الآخر أمامه قائلا
" لم أجد سكرتيرة ذات كفاءة حتى الآن بعدما خسرنا أماندا , ثم والدك
من يتولى المقابلات معهن ويختار , تعال اجلس يا وقاص فثمة خبر
جيد فالمناقصة رست على شركتنا "
تنهد بيأس ملوحا بيديه دون كلام ثم اقترب حتى وقف عند الطاولة
المستديرة ودس يديه في جيبي بنطلون بذلته ينظر جانبا للذي وقف من
فوره متمتما ببرود
" فكر فيما تحدثنا فيه جدي , سأراك الليلة في المنزل "
وتوجه للباب ونظرات وقاص الساخطة تتبعه حتى خرج ثم نظر للجالس
خلف مكتبه وقال بجمود
" ما جديده هذه المرة ؟ "
كتف الجالس على كرسيه الجلدي يديه لصدره متكأ بظهره للخلف وقال بجمود مماثل
" أتركنا من نجيب الآن وما الجديد لديك أنت ؟ "
حرك كتفيه بلامبالاة وكفاه لازالا سجينا جيبي بنطلونه الأسود الأنيق وقال
" كان يوما كسابقيه مزدحما بالأعمال في مكتب المدعي العام "
فك ضرار يديه وأمسك بهما طرف الطاولة ونظره معلق بالواقف فوقه وقال بلهجة يفهمها كلاهما
" ليس عملك هناك أعني فاجلس يا وقاص لن أقولها للمرة الثالثة "
تنهد بضيق وجلس على مضض بعدما فتح زر سترته متجنبا النظر
جهة الجالس خلف الطاولة الواسعة وقد وصله صوته الجاف
" هل أرجعت زوجتك ؟ "
نظر له نظرة قوية يتفرس ملامحه القاسية الجامدة والخالية من أي
تعبير فليس السؤال ما أزعجه بل طريقة نطقه له وكأنه أمر مسلم به ,
نظر للأرض تحته وقال محتفظا بجموده
" خرجت من نفسها ترجع من نفسها أنا لم آخذها إلى هناك ولا طلبت
منها الذهاب "
وصله ذاك الصوت متحدثا بجدية أقرب للحدة
" ما كلام الأطفال هذا يا وقاص ؟ هل هذا حديثك يا نائب المدعي العام
في أول مرة تخرج فيها زوجتك من المنزل غاضبة "
نظر له وركز نظره على عينيه في نظرة ثابتة لا يهزها شيء وكأنه
يريه أن له ما ورثه هو تحديدا منه من الإصرار والعناد فهو أكثر من
يكره تدخل غيره في أموره الخاصة أو يتحدث عنها أمامه حتى جده
ومع كل احترامه الشديد له , هي كما قال المرة الأولى التي تخرج فيها
من المنزل غاضبة لكنها ليست المرة الأولى التي تكون فيها غاضبة
بسبب أشياء تافهة وأوهام سخيفة وهو من عليه مراعاتها وإرضائها
في كل مرة كالطفلة
نطق بعد تبادلهما تلك النظرة العنيدة لعدة لحظات قائلا بجمود لم يخلو
من احترامه المعتاد له
" إن كان ثمة أمر غيره تريدني فيه أو سأغادر فثمة نشاط لإحدى
الجمعيات الحقوقية وعليا التواجد فيه مبكرا "
وقف حينها ضرار على طوله وقال بنبرة صلبة لم تخلو أيضا من
اللهجة الآمرة
" والدها اتصل بي وأنا أخبرته أنك ستذهب اليوم لإرجاعها "
وقف هو أيضا وقال ببرود رافعا ذقنه بإصرار
" وأنا حين وافقت وتزوجتها أخبرتك أنه لا دخل لك ولا لوالدها في
حياتي معها ومن قبل حتى أن أعرفها وأراها وأنت وافقت , فإن خرقت
اتفاقنا جدي فعليك أن لا تلومني على أي شيء "
صر ذاك على أسنانه وقد حاصره بما دار فعلا بينهما من ثلاث سنوات حين عرض عليه مناسبة تلك العائلة , خرج من صمته أخيرا وقال ببرود
" أنت بهذا إما ستُخسرنا العلاقات المشتركة بين العائلتين أو تُخسر
نفسك علاقتي بك "
شد قبضتيه بقوة يكره التهديد المبطن فيما قال وهو يعلم أنه يعني بذلك أنه سيخسر علاقته به في كلا الحالتين , قال بحروف مشدودة
" كن واثقا بأني على استعداد لأن أخسر كل شيء ولا أرضى أن يتحكم أي كان في قراراتي أو يملي أوامره في أمور تخصني وحدي "
اشتدت نبرة الواقف أمامه بحدة أكثر ولوح بقبضته صائحا
" وتقول عن نجيب أنه طائش ومعتوه ولا يعرف كيف يفكر ويقرر ؟ بما تسمي نفسك أنت الآن ؟ تخيلت من الجميع أن يعصوا أوامري ويكسروا كلمتي إلا أنت يا وقاص يا تربية يدي "
حاول أن لا يشتعل هو هذه المرة واحتفظ باحترامه للرجل الذي رباه فعلا وصنع منه رجلا , قال بلهجة ثابتة
" جدي وأحبك وأطيعك في كل شيء وأي شيء إلا حياتي وقراراتي الخاصة , ويوم أرى نفسي أتصرف وأقرر كنجيب فبنفسي سأقتلع عيناي "
تمتم ذاك بسخط وهو يعود لجلوسه
" أبلهان كلاكما على ما يبدوا لي ولاتُستأمنان على النساء"
بدأت أعصاب الواقف مكانه تخرج عن السيطرة هذه المرة وكأن كلمات جده تلك حركت جمرة تختبئ في مكان ما داخله لا يمكنه السيطرة عليها فقال بحقد
" ماذا فعل لتلك الفتاة
أيضا أو يخطط له وأنت تصمت عنه مجددا ؟؟ "
رفع ضرار نظره له وقال بضيق
" يتوقع مني أن أوافق قراره الغبي بإخراجها والعيش
معا في منزل مستقل ! بل وخارج بريستول أيضا !! ويقول أنها زوجته والقرار له أحرق لي دمي وجئت أنت تنهي على ما أبقى "
خرجت حمم غضبه هو هذه المرة متجاهلا كل ما كان يجبر نفسه عليه منذ دخوله هناوقال بغضب
" وزوّجته بها لماذا وأنت تعلم من البداية أنه صاحب قرارات وأفكار
ناقصة ومجنونة ؟ ما يريده يستفرد بها بعيدا وجميعنا يعلم جيدا عن حالتها وظروفها الصحية "
أشار له الجالس مكانه بسبابته محركا لها قائلا بغضب مماثل
" انظر لنفسك أولا ولقراراتك يا ابن سلطان ضرار فيبدوا أنه تعلّم العناد منك "
ثم رمى أصبعه جانبا متابعا بحدة
" وتوقف عن إعادة أسطوانتك هذه كل مرة زوجتها وقررت ووووو ... حفيدتي وأريد أن أطمئن أنها تحت حمى أحدكم "
وأشار له مجددا وتابع بذات نبرته الحادة
" لو كنت أنت تحديدا طلبت أن أزوجها بك ما رفضت فلم يفعلها إلا نجيب "
شعر أن كلماته تلك ضربته على وجهه كالعاصفة حتى كاد يشعر بارتداد جسده القوي الثابت للخلف , همس بغير تصديق
" تهددني بعلاقتي بك من أجل ابنة صديقك وشريكك ثم تقول أنك كنت ستزوجني بزيزفون عليها إن طلبت ذلك !! "
وقف ضرار مجددا وقال بحنق
" حفيدتي أهم عندي من شريكي كما تقول والشرع حلل التعدد , وبعد أن اختارها نجيب بنفسه لا أحد يحق له التدخل بينه وبينها أيضا أم ستناقض نفسك يا وقاص "
تحول كل ذاك الغضب لحظتها لمرارة وملئت وجهه تلك الابتسامة الساخرة وقد قال
" لكن الفرق كبير بين هدفك وهدفه من الزواج بها , فهو لم يردها أبدا ليحميها أو ليكون وصيا عليها وأنت تعلم ذلك جيدا "
قال ضرار مباشرة
" الأمران سيان ولا مانع من أن يكون لأحدكم عائلة كاملة وليس طفلا واحدا قد يأخذه حتى الموت "
أبعد شفتيه ليتحدث وأثار الصدمة والاستنكار لازالت بادية على ملامحه بوضوح لولا قاطعه صوت طنين هاتف المكتب تلاه صوت السكرتيرة الرقيق يملأ المكان
" عذرا سيدي على مقاطعتك لكن موعدك مع السيد هادلي بعد حوالي العشرة دقائق فهل ستستقبله أم أتصل للاعتذار منه ؟ "
وقبل أن يقول شيئا أو يرفع يده عن جهاز الاتصال الداخلي كان الواقف
أمامه قد غادر بخطوات واسعة سريعة جهة الباب وفتحه وخرج دون
أن يضيف شيئا مغلقا له خلفه بقوة وتوجه لطاولة التي هبت واقفة من
فورها وحملت الحقيبة من جانب ساقيها ودارت بها خارج طاولتها بدلا
من أن تضعها له فوقها كما أعطاها إياها , ناولته إياها قائلة بابتسامة
وكأنها لم تسمع أصوات الشجار في الداخل وإن لم تفهم فحو الحديث
" آسفة سيدي إن كنت قاطعت حديثا مهما لكني خشيت أن يغضب
السيد ضرار إن لم أذكره بـ... "
قاطعها متمتما ببرود وهو يغادر من هناك
" خيرا صنعت "
وخرج ترافقه تنهيدتها الطويلة تهف بيدها على وجهها بينما سلك هو
ممرات طابق الإدارة لا يرى شيئا حوله من شدة حنقه وغضبه , ونزل
مستقلا المصعد الخاص بالمدير وغادرالمبنى يرخي ربطة عنقه الزرقاء
الغامقة ما أن قابله الهواء البارد راشفا منه ملئ رئتيه المتشنجة من
اشتعال كل ذاك الغضب بداخله وكلمات جده تتكرر وتعاد في أذنيه
كالطنين
ركب سيارته بعدما رمى حقيبته على الكرسي بجانب كرسيه وغادر من
هناك قبضتاه تشتدان على المقود بقوة حد شعوره بالألم فيهما , غرس
أصابع يده اليمنى في شعره بقسوة حتى كاد يشده وهمس شاتما وقد
ضرب المقود بقبضته
" سحقا "
لا يصدق أن نوايا جده في تزويج نجيب بها كما قال له ! وحتى إن فرض ذلك فكيف له أن يثق في حمايته لها وهو يعلم ما كان عليه قبل أن يعاقبه بطرده للشارع لأشهر حتى عاد يكاد يزحف مترجيا بعدما علم
هو ووالده عن تلك الرحلات وأولئك الرجال الشاذين عاد لضرب المقود براحة يده هامسا من بين أسنانه
" تبا .. تبا .. تبا له ولي أيضا "
وشتم مجددا مقسما في قرارة نفسه أنه لو كان يعلم أن جده سيزوجه
بها إن طلبها لنفسه لكان فعلها دون أدنى تردد ليس لأي سبب سوى أن
يحميها منهم جميعا وجده معهم أيضا حين تصير تحت حكمه وحده وما
كان ليلمسها ولا بإصبعه ولكان علم كيف يحميها كما أشار جدهما
وتوهم أن يفعل نجيب , لكن الأوان قد فات الآن على كل هذا , يعلم أنه
فات ولا مجال للرجوع بالزمن للوراء
*
*
" اشطبي هذا السؤال أيضا "
اللهجة الحادة الآمرة في عبارتها تلك جعلت الجالسة أمامها تحرك قلمها على الورقة بسرعة وحده ثم وضعت يديها فوق الأوراق ونظرت لها قائلة
" سيدة غسق هذا السؤال الرابع الذي تلغيه لي , بهذا الشكل
المقابلة لن تنجح أبدا "
علقت بضيق
" أسئلة شخصية ممنوع يا آنسة قلت ذلك منذ البداية "
نظرت تلك للأوراق تحتها ورفعت إحداها وأرتها إياها مرفوعة وقالت
" كل ما سألتك عنه المظاهرات الأخيرة في حوران وفزقين ومطالبة
الناس بالزعيم مطر شاهين وعن رأيك في استجابته لنداء الوطن وأنتي
من عاش معه وعرفه , السؤال ليس شخصيا أبدا "
ثم أعادت الورقة مكانها متابعة بمطلق الهدوء والاحترام ونظرها معلق بالحدقتين
السوداء الواسعة المركزة على عينيها
" سيدتي الأسئلة الروتينية أشياء يجدها القارئ في أي مقال سابق كتب عنك أو أي لقاء صحفي لكـ... "
قاطعتها بحنق
" لكن أغلب أسئلتك عن الأوضاع الأخيرة في البلاد وأعتقد
أن هذا يكفي لتكون مقابلة مختلفة "
شدت أناملها على قلمها وتمتمت
" ظننت أن السيد عُقبة وعدني بمقابلة
تستحق عناء رحلتي من بينبان إلى هنا "
شدت الجالسة خلف الطاولة أمامها أصابعها بقوة , تكره لهجة تلك الصحفية التي تذكرها
بها بأنها موصى عليها من ذاك الرجل تحديدا , الرجل الذي فوق مكانته في البلاد تكن له احتراما كبيرا وله أفضال جمة عليها وعلى جمعيتها خاصة في الآونة الأخيرة , تشعر بتوتر يدمر أعصابها ولم تعد تستحمل ضغطا أكثر فأحداث الأيام الأخيرة كفيلة بجعلها تنهار بعد صمود دام لأربعة عشر عاما عرفت حتى هي فيه غسق جديدة عنها , قالت
بلهجة صلبة
" لولا توسط السيد عُقبة لك ما حظيت بهذه المقابلة من أساسه ولا كنت تحملت حتى الآن متابعتها "
كسرت الجالسة أمامها نظرها للأسفل وتبدوا تذكرت أخيرا أن تخجل من تهديدها المبطن وتمتمت بلهجة صادقة
" آسفة سيدتي "
تنهدت الجالسة أمامها ناظرة للأعلى قبل أن تنظر لها مجددا وتنفست بقوة هامسة
" لننهي المقابلة إذا وأعدك أن أجيب عن باقي الأسئلة المدونة في لائحتك قدر استطاعتي "
نظرت لها تلك وقد شع وجهها بالأمل واتسعت ابتسامتها بشكل علمت
منه الجالسة أمامها فورا أنها لازالت تحمل في جعبتها الكثير من
الأسئلة المشابهة للتي أجبرتها على إلغائها سابقا فتنهدت باستسلام
ممررة أصابعها في غرتها التي انفكت سريعا بسبب حركتها تلك
من المشبك لكريستالي الذي كانت تثبتها به وتحررت متدرجة على
طرف جبينها , وما أن تنبهت الجالسة أمامها من سرحانها في ملامحها
وهي تصارع تلك الخصلات الناعمة وكأنها ريش نعام يرفض الانصياع
عادت سريعا لطرح باقي الأسئلة في لائحتها الطويلة التي ستختار منها
فيما بعد ما سيتم نشره تحاول بقدر ما استطاعت أن تسحب من
الجالسة أمامها كل ما سيكون سبقا صحفيا لم ولن يسبقها له غيرها ,
ورغم تحفظها في أجوبتها المقتصرة درجة جعلتها ستشد شعرها إلا
أنها نجحت في سلبها الكثير وتحرير صمتها الدائم والمعروف عنها ,
بينما كانت دقائق تلك المقابلة تمر كالجحيم على الجالسة خلف طاولة
المكتب الداخلي لمنزلها , وتعلم جيدا أن أعصابها المشدودة وتحكمها
الوهن جدا في انفعالاتها وما تقول جعلها تدلي بأشياء قد تندم عليها
لاحقا , بعد ساعتين مرتا منذ بداية تلك المقابلة المثيرة للأعصاب كما
تراها وقفت مودعة تلك الصحفية المعروفة
والتي تعمل لصالح جريدة مشهورة عالميا , وما أن خرجت تلك برفقة
الخادمة حتى انهارت على كرسيها الجلدي ونفخت الهواء من شفتيها
بحنق لا تعلم من نفسها أم من تلك المرأة التي لم تزد حالها إلا سوءا ,
دست رأسها بين يديها وأصابعها تتخلل شعرها الحريري المشدود
للخلف في منتصف ظهرها وأغمضت عينيها تشعر بثقل شديد في
جفنيها المرهقان , عليها أن تتصل غدا بتلك الجريدة وتطلب إلغاء
المقابلة وإعادتها مجددا ولأنها جريدة معروفة ولها سمعتها هي موقنة
من أنهم لن يغامروا بالرفض أوتسريب أي شيء مما كتبته تلك
الصحفية وإلا كانت ستفقد وضيفتها تلك وهي تعلم ذلك جيدا , رفعت
رأسها ونظرت لهاتفها الذي صدح صوت رنينه في صمت ذاك المكتب
الخالي من سواها واتسعت عيناها وقد ارتسمت تلك الابتسامة على
ملامحها المرهقة وسحبت الهاتف سريعا وأجابت بلهفة
" رعد هذا أنت ؟ أنت بخير يا شقيقي ؟ "
وصلها صوته الرجولي مفعما بالرقة مرحبا
" مرحبا بشقيقة رعد الوحيدة .. أجل بخير يا غسق لا تقلقي وتُقلقي
الناس معك أكثر "
وتابع بلهجة مبتسمة
" حتى قائد الجيش اتصل بي ليخبرني أن أتصل بك وأطمئنك
على صحتي , لم أكن أعلم أن سلطتك لازالت عالية في البلاد "
مسحت عينيها ورموشها التي بللتها دمعتها الحبيسة قائلة بحزن
" وكيف لا أقلق عليك بعدما حدث ؟ هل ترى ما حدث أمراً مسلياً
ومجموعة مسلحة حاصرتكم يوما كاملا وكدنا نفقدك أيضا "
وصلها صوته هادئا هذه المرة وهو يقول
" كان مجرد تهديد يا غسق , لن يستطيعوا إيذاء أحد منا وهم يعلمون
ذلك جيدا كما نعلمه نحن , إنها وسائل للضغط فقط , أنتي لا تعرفين
طرقهم تلك "
تحولت لهجتها للضيق معلقة
" لن نعوّل على ذلك يا رعد , لن تكون في كل مرة تهديدا فقط , أنا
أخشى عليك حقا من النفق الذي أدخلت نفسك فيه بعد وفاة والدي "
سمعت بوضوح تنهيدته الطويلة التي شعرت بها تهشم ضلوعها
ووصلها صوته قائلا
" المسألة مختلفة جدا يا غسق , أعلم أنك ستكرهين ما سأقول لكن
عليا أن أوضح لك , آخر ما وصلنا منذ قليل معلومات سرية عن
تحركات عند حدود مدن الحالك ويبدوا أنهم يفكرون في سد الطرق
المؤدية لها
" فغرت فاها بغير تصديق ورغم تردي حال البلاد في الآونة الأخيرة
إلا أنها لم تتوقع أن يأخذ هذا المنحى , خرجت الحروف من شفتيها
مخنوقة حين همست
" لا تقلها يا رعد لن تنقسم البلاد مجددا "
وصلها صوته مباشرة
" لا أعتقد ذلك يا غسق , أخبرتك أنك لا تفهمين طريقة تفكير هؤلاء الفئة من الناس فمخططهم مختلف تماما "
حركت رأسها بعدم فهم وهمست بصعوبة
" أين الجيش يا رعد ؟ أين الشرطة ؟ "
لم تصدق وهي تسمع نبرته الجادة قائلا
" هل تري أن تدخل الجيش سيكون حلا ؟ هو سيعقد الأمور أكثر فلا
تنسي أنه يضم جميع أطياف البلاد , وثمة قادة مهمين فيه سمعت أنهم
مستعدين للانشقاق في وقت قريب "
صرخت هذه المرة ضاربة قبضتها على الطاولة بقوة
" كيف يفعلون ذلك ؟ ولائهم يجب أن يكون للوطن لا للقبيلة , كيف
يشاركون في تدمير البلاد هكذا يا رعد ؟ ما بنا وكأن ثمة من يجرف
البلاد للهلاك يوما بعد يوم منذ ثلاثة أشهر "
تنهيدته التي وصلتها هذه المرة كانت مختلفة جدا عن سابقتها ونبرته كانت ثابتة بشكل مريب حين قال
" هي وسيلة ضغط جديدة فقط يا غسق , هؤلاء الرجال لن تصدقي
لو أخبرتك أنهم كانوا من أقرب رجال ابن شاهين في الماضي وقد
خدموا البلاد بعد رحيله وقت توحيدها بشكل فاق التوقعات "
حركت رأسها بعدم تصديق وأصابعها تتغلغل في غرتها ولم تعد
تستوعب شيئا مما تسمع , همست بخفوت لولا تقنية الاتصال عن بعد
ما سمعه
" رجاله !! رجال مطر ؟ "
كانت المرة الأولى التي يسمع فيها اسمه من شفتيها منذ عادت لهم
تحمل في أحشائها طفله واختفى هو كالسراب من حولهم , لم يسمعوا
من شفتيها ولا لقبه الذي يستخدمه الكثيرين وهم ينادونه بابن شاهين ,
لم تتحدث عن ذاك الرجل ولا تلميحا من بعيد ولا بصفة النكرة , لذلك لم
يكن وقع اسمه من شفتيها على مسمعه أمرا عاديا وعابرا هذه المرة
مما جعل الصمت المميت يكون جوابه لعدة لحظات , صمت رافقه
ضجيجاً صاخباً في أذنيها حد الألم حتى أنها أمسكت صدغيها بأصابعها
بقوة وهي تشعر بصداع قوي كالزلزال يجتاحهما , كانت تعلم أن تبعات
تلك المقابلة الصحفية الفظيعة ستمتد معها لوقت وبوادرها بدأت تظهر
من الآن , وصلها صوته كاسرا الصمت الذي كان كفيلابجعل أعصابها
تتدهور للأسوأ
" لن يصدق أحد يا غسق أن أولئك الرجال قد يفعلون ما فيه ضرر
للبلاد وهم يساندون ويصمتون الآن عما يجري في الحالك وإن من
تحت الطاولات , غرضهم فقط الضغط على مطر شاهين , ذاك ما لا
يستطيع الجميع فهمه مما يجري هذا الأسبوع وهذه الأيام , هم موقنون
كما الجميع أن ما يجري لا يخفى عنه وأنه إن لم يخرجه هذا للعلن فلن
يخرج أبدا وسأكون أنا حينها أول من يعترف مقتنعا بأنه ميت من
أعوام "
انزلقت أصابعها لعنقها تفركه بقوة وكأن أنفاسها انقطعت وتحاول أن
تجد لها سبيلا للدخول , سندت جبينها على قبضة يدها الذي تثبت
مرفقها على الطاولة وقد وصلها صوته يحمل نبرة اعتذار واضحة
" أعلم أني أكدرك بكل ما أقول يا غسق وأنك تكرهين الحديث في أمره
لكن توضيح الوضع يلزم مني الوصول لهذه النقطة لتعرفي حقيقة ما
يجري فعلا في البلاد "
قبضت بأصابعها بقوة تحت جبينها المتكئ عليها ولم تفتها نبرة التردد في صوته وهويتابع
" لكن الخطر يبقى قائما يا شقيقتي فإن حدث لي شيء أريدك قوية كما عرفتك دائما , وثمة أمر مهم أريد أن تفعليه من أجلي , بأن توصلي الرسالة الموجودة في درج مكتبي للشخص المدون اسمه عليه مهما كلفك الأمر "
ولم يعطها أي مجال لتخرج من صدمتها بكلامه ذاك ولا لتعلق على ما قال وقد قال متابعا
" ثمة أمور مستعجلة عليا فعلها يا غسق ولن أعطلك أكثر أنتي
أيضا , أحبك شقيقتي .... وداعا "
وأنهى المكالمة تاركا إياها تتأرجح بين الماضي الذي توشك بقاياه أن
تعود وبقوة بعدما دفنته مع مشاعرها وأمومتها من أعوام وبين حديثه
الأخير عن موته , رمت هاتفها من يدها على الطاولة أمامها وحضنت
وجهها بكفيها وأصابعها البيضاء الرقيقة متمتمة بأسى
" لا قدر الله ذلك يا رعد ,لاقدر الله ... توقفوا عن قتلي معكم أرجوكم "
*
*
سنّد ساعده على سقف سيارته ومد يده الأخرى لداخلها وسحب الهاتف
الذي أزعجه برنينه منذ أكثر من نصف ساعة وكأن المنغصات تتكالب
عليه حد أن تفسد العزلة التي اختارها لنفسه للحظات , نظر لرقم جده
ضرار على شاشة الهاتف وتنهد مستسلما وهو يجيب مسويا وقفته
حين وصله صوته الحاد
" لما لا تجيب على هاتفك ؟ "
كتم حنقه وقال ببرود
" ها قد أجبت "
لكن تلك الإجابة على ما يبدوا لم تعجب من في الطرف الآخر وقد صرخ بحدة
" لا أريد أن الصق بك لقب الطفل يا وقاص فكن عاقلا ورجلا كما
أعرفك طوال عمرك ومنذ كنت صغيرا , وأجب حالا على السؤال "
مرر أصابعه في شعره الأسود الذي تداعبه ريح الليل الباردة وتنفس
بقوة مناشدا نفسه المزيد والمزيد من الصبر والحكمة والتعقل كما
عرف هو نفسه طوال الوقت قبل غيره , وقد نجح الأمر حين خرج صوته متزنا وهو يقول
" كان هاتفي في السيارة وأنا كنت خارجها "
بدا الجمود واضحا على نبرة جده حين وصلته فورا
" أنا في المطار الآن ستقلع طائرتي بعد أقل من نصف ساعة ولن
أرجع قبل عدة أيام "
نظر للساعة في معصمه فورا وقال مستغربا
" الساعة تقارب منتصف الليل ! ما هذا القرار المفاجئ وإلى أين
مسافر؟ "
وصله صوته قائلا باختصار " إلى دندي ومنها بالمروحية إلى جزيرة
مينلاند "
وأضاف بحزم قبل أن يعلق
" ولا أريد حديثا ولا شجارا بينك وبين نجيب , هو
فهم جيدا أن ما طلبه مرفوض ولي حديث معه ما أن أرجع "
وقطع معه الاتصال دون أن يوضح له أكثر ولم يحتج الأمر لذلك فهو
على علم مسبق باتفاقيتهم الجديدة مع شركة هدسون باي حيث تحتل
سفنها التجارية ميناء سترومنيس هناك ويعلم جيدا ما يعني الأمر لجده
خاصة في بداية كل عقد أو اتفاق جديد ولن يستغرب أنه لم يطلب منه
هذه المرة أن يدرس المشروع دراسة نهائية ويعطي وجهة نظره فيه
كمحام قبل الشروع في الأمر بعد النقاش المحتدم بينهما اليوم أو
الشجار العنيف الذي أعقب إخباره بالصفقة الجديدة المبرمة قبل أن
يغادر نجيب مخلفا خرابا ورائه ككل مرة , كان سيرمي الهاتف مجددا
على كرسي السيارة لولا عاود الرنين وهذه المرة كان رقما هو متأكد
من أنه من ضمن الأرقام التي أزعجته فترة النصف ساعة الماضية ,
وها قد علم الآن سبب اتصال جده وغضبه الأسود من أنه لا يجيب على
هاتفه , رفع الهاتف لأذنه مجددا وقال بكل ما استطاعه من هدوء
ورصانه
" مرحبا عمي "
قال من في الطرف الآخر من فوره
" قال جدك أنك قادم اليوم وتأخر الوقت ولم نرى ولا أضواء سيارتك
تقترب من هنا "
ولم يعطه المجال ليعلق على ما قال وهو يسترسل في حديثه الفض
" جمانة لا تتوقف عن البكاء ولم نفهم جيدا السبب الحقيقي لشجاركما
وتركها المنزل , فهل أفهم منك أنت السبب بما أنك لا تبكي وتنوح ؟
وما هذا الكلام الذي قلته لها يا وقاص ؟ "
ما كان يريد قوله أنها لم تتوقف عن البكاء من حين عرفها لكنه حمد
الله أن عقله لازال يحمل ولو قليلا من ذرات التماسك العالقة في أحد
زواياه , قال ببرود
" جمانة تهول الأمور دائما , وحين خرجت من المنزل لم تطلب رأيي
في قرارها الجديد ذاك "
كان متأكدا من أن محدثه ذاك يحاول مثله إمساك جميع أوتار أعصابه
المتشنجة كي لا يخطئ معه ولا برفع صوته فلطالما كان الاحترام
متبادلا بينهما وطالما أشاد وأمامه بإعجابه الكبير بشخصه ونجاحه
وتفانيه في عمله كمحام وكعضو في إدارة شركة عائلتهم الناجحة ,
وكانت علامات السعادة والذهول واضحين على ملامحه حين صرح له
شريكه ضرار سلطان برغبتهم في خطبة ابنته الصغرى له تحديدا من
بين أحفاده , وعامله دائما كابن له واحترمه هو كوالد , وصله صوته
هادئاً بعض الشيء
" ما أعلمه وموقن منه جيدا أني سلمت ابنتي الصغرى ومدللتي لشاب
يقاس بالذهب ولن تضام معه أبدا "
التفت للخلف وملامحه لا تزداد إلا قسوة ونظر للأضواء المتلألئة
المنعكسة على سطح مياه النهر أمامه فأكثر ما يكره هو أسلوب
الحصار الذي يتبعونه معه تحديدا , خرج من صمته الطويل قائلا بنبرة
صلبة
" مؤكد جدي أخبرك بما قلت ودار بيننا وعن رأي في
الأمر , ابنتك خرجت من المنزل وهي ترجع له إن أرادت الرجوع , لم
يطردها أحد ولن أمنعها من العودة "
بدا الضيق يغزوا نبرة الصوت الذي وصله من هاتفه
" هل تعني أنه إن كان أنت من أخرجها ستأتي لإرجاعها ؟ هل تلعب
بعقولنا وكأننا أطفال يا وقاص "
مرر أصابعه في شعره يمسك تأففه بشق الأنفس وقال بجمود
" إن أنا أخرجتها فلا توجد قوة على الأرض سترجعها لي , ولازلت
حتى الآن أمسك نفسي عن فعلها حقا
حين توقف ابنتك بكائها وأشك في ذلك أفهمها أن ما تريد فعله سيكون
ثمنه زواجنا كما هددت هي , ويوم تفكر في العذول عن أفكارها تلك
المنزل مفتوح لها , وغيره مرفوض ولن يجبرني أحد على تغيير ما أقول "
كان صوت والد زوجته حانقا هذه المرة وهو يقول
" أنت بذلك تتسبب بمشاكل بيننا يا وقاص , لا أريد للعلاقات الوطيدة
أن تفسدها أمور تافهة أول ما ستتسبب به طلاق متهور ثم مالا يحمد
عقباه "
شد قبضته حتى كاد يمزق جلد أصابعه وقال بعناد أشد
" ما لدي قلته يا عمي وابنتك السبب في وصول الأمور لهذا المنحى
فتفاهم معها وليس معي "
وتابع قبل أن يتحدث ذاك منهيا الجدل بينهما بلباقة
" تأخر الوقت والرحلة لبريستول تأخذ وقتا ... أراك في وقت قريب "
وصله صوت تنهد ذاك بوضوح وقد قال ببرود
" لنا حديث في وقت آخر إذاً وبحضور جدك .... تصبح على خير "
أبعد الهاتف ونظر لشاشته وشتم بهمس وهو يرميه داخل السيارة
بعنف متمتما
" أنا من سينسيكم أسلوب التهديد هذا ويريكم من هو الذي له الرأي "
ولف حول السيارة وركبها منطلقا من هناك ومطلقا العنان لمحركها
القوي فقد كره حتى لحظات الخلوة تلك التي اختارها لنفسه بعيدا عن
جميع مشاكله , كانت الساعتين التاليتين اللتين قضاهما في قيادة
سيارته أسوأ من سابقاتها والأفكار تتزاحم على رأسه ففوق مشاكل
القضايا في مكتبه بدأت حياته الخاصة في التدهور وعلاقته بجميع من
حوله تتآكل تدريجيا وعليه أن يكون الابن الصالح المطيع الذي هو
نفسه لا يعرفه كي يرضى الجميع عنه رغم كل ما فعله ويفعله من أجل
جميع من حوله , لكن وقاص الآخر لم يعرفوه بعد لم يظهر وهو
موقن من أنهم ينبشون عنه ليخرجوه قريبا وسيعرفون حينها مميزات
وقاص الماضي , دخل بسيارته لباحة المنزل المضيئة وركن سيارته
كالعادة بجانب سيارة رواح المركونة بشكل يوحي بشخصيته المعكوسة
في كل شيء , نزل من السيارة حاملا حقيبته وضرب بابها بقوة
وتوجه من فوره جهة باب المنزل ونظره على الساعة في معصمه فقد
تجاوز الوقت الثالثة فجرا .. سيستحم وينام قليلا قبل أن يغادر مجددا ,
غضن جبينه عاقدا حاجبيه وقد تباطأت خطواته وهو ينظر لخيال
المرأة الذي خرج راكضا جهته واحتاج لوقت كي يتبين ملامحها ويعلم
من تكون رغم أن قصر قامتها وامتلاء جسدها جعلاه يشك في هويتها
مسبقا , وقف مكانه ما أن وصلت له وارتمت تحته ممسكة يده وصوت
بكائها المتقطع يخرج كأنين ظبية مجروحة وهي تنحني ليده المرمية
جانب جسده وألصقت بها شفتيها صارخة ببكاء
" أرجوك سيدي أرجوكم أن ترحموها لا أحد لها غيركم هنا ... ليرحمهما أحدكم "
اجتاز صدمته مما يجري أمامه بصعوبة فسحب يده وأوقفها قائلا بقلق
" ما بك ماذا يجري معـ... ؟ "
ولم يحتج الأمر أن يسأل ولا أن تشرح له وقد رفع رأسه عاليا بسرعة
حيث طوابق هذا المنزل الضخم وتحديدا تلك النافذة ما أن وصله صوت
ذاك الصراخ الأنثوي مخترقا الأبواب المفتوحة فرمى الحقيبة من يده
دون شعور منه وركض جهة المنزل صارخا بغضب
" سحقا لك يا نجيب "
المخرج~
بقلم / همس النهاية
هل توقف الوقت ولم يعد يمضي أم ماذا؟!
هل توقف ليختبر مدى صبري؟
أم مدى عشقي وجنوني للجنوني!
إن كان للصبري فصبري نفذمنذ أخر حرف همست به غسقي
وأما عن عشقي لها فهو أزلي.
******
نهاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الرابع 4 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الرابع
المدخل ~
بقلم / شيماء علي
أسندت ذقني على حافة شرفتي التي لن أراها لوقت طويل ربما ..
سنعود أخيراً إلى بلاد لم أعرف عنها سوى أخبار دمار تتسابق شاشات التلفاز لنقلها دوناً عن جنان التقطت أذني أخبارها من هنا أو هناك، وحرمني هو بصمته القاتل من عيش تفاصيلها ..
تتقاذفني الأفكار ..
عنه .. هل سيعيد هواء بلاده روحاً طال هيامها في فضاءات مجهولة فيحدثني؟ ينظر إلي؟ يبتسم مربتاً على رأسي؟
عن أم لم تترك لي مدخلاً أعرفها منه شكلاً أو فكراً سوى كلمات منه عن اختياري ضد قسماتها .. كلمات بدت خناجر نافذة ..
عن ذاك الذي لم أعرف منه سوى صلابة أبداها في ليلة ظلماء .. هل يكتب لنا لقاء؟
عني أنا .. كيف سأعيش؟ ولمن؟ ولماذا؟
عن أرض الأحلام المزروعة بالألغام
**************
دفع رواح بقوة باب الغرفة النصف مفتوح ودخلها ببنطلون البيجامة
والقميص الداخلي فقط وهاله المنظر أمامه فقد استيقظ من نومه على
صوت الجلبة والصراخ لأن غرفته
الأقرب للسلالم الشرقي للطابق الثاني والذي يسكنه أغلب أفراد عائلة
هذا المنزل
نظر سريعا للموجودين أيضا في تلك الغرفة فلم يكن سوى السيدة
متوسطة العمر التي تحضن حقيبة وقاص وتبكي ممسكة فمها بيدها
الأخرى وعيناها على المنظر المروع أمامها
توجه من فوره جهة اللذان كان أحدهما منحن على الأرض والآخر
يركله بقدمه دون تركيز , أمسك بذراعي الواقف أمامه موليا ظهره له
وسحبه للخلف بكل قوته
صارخا " توقف يا وقاص ستقتله ... إنه شقيقك يا رجل "
حاول أن يخلص نفسه منه بكل الطرق لكن رواح كان ممسكا به بقوة
خاصة وأنه قد أخذ منه الإعياء ما أخذ , مسح شفتيه بظهر يده ثم
بصق بقايا الدم من فمه متعمدا جهة الجاثي أمامه وهو يتوازن واقفا
وينظر له تلك النظرة التي تحمل كل معان الكره والحقد
ولم تكن نظرات وقاص بأقل منها اشتعالا ومشهد واحد لازال يتمثل
أمام عينيه حتى اللحظة
حين دخل الجناح والغرفة ووجد ذاك الشعر الأشقر الطويل بين أصابع
الواقف أمامه وذاك الجسد النحيل شبه العاري مرمي على الأرض
وهو يركله بكل قوته متجاهلا أنها قدم رجل تلك التي يرفس بها جسد
أنثى لا حول لها ولا قوة ,
ما أن استوى ذاك واقفا يمسح الدم من أنفه وفمه همس بحقد ونظراته
الحارقة لازالت ترمي الواقف أمامه
" لن أفوتها لك يا وقاص ولا لتلك الحشرة "
حاول الإفلات من ذراعي رواح القويين صائحا بحدة
" تلك الحشرة ابنة عمك يا وضيع , قسما إن امتدت يدك عليها مجددا
اقتلعتها لك "
صرخ رواح من خلفه يشد ذراعيه بكل قوته ليمسك الغاضب الذي بدأ
ينتقل غضبه له
" اخرج يا نجيب , غادر من هنا قبل أن ننقلب كلانا ضدك "
حمل ذاك سترته المرمية أرضا ومر من أمامهما شاتما ببذاءة من بين
أسنانه ووقاص لازال يحاول التخلص من ذراعي الواقف خلفه ملاصقا
له فلولا حضوره المفاجئ ما كان ليجزم بأنه سيترك ذاك يفلت منه حيا
تركه رواح بعدما تأكد من مغادرة شقيقهما الجناح فابتعد عنه غاضبا
يرتب خصلات شعره القصير المتناثرة وسترته المفتوحة على صوت
رواح قائلا بضيق
" هل هذا هو الحل الحضاري الوحيد لديك للأمر يا وقاص ؟ "
ومن دون أن ينظر وقاص ناحيته ولا أن يجيبه بكلمة توجه جهة باب
الحمام المشترك مع
الغرفة والمقفل من الداخل لا صوت يخرج منه أبداً وكأنه لا أحد فيه ,
طرقه بقبضته
بقوة مناديا " زيزفون أخرجي , افتحي الباب لنعرف ما حدث معك "
هز رواح رأسه بيأس والتفت وقاص جهة الواقفة في زاوية الغرفة لازالت تبكي
وترتجف وصرخ فيها " كيف تتعاملين معها ؟ ما هي طرق التواصل
بينكما "
كان ينظر لها بقسوة ينتظر جوابها لكن ما فعلته لم يتعدى أن أمسكت
عبرتها بأناملها تسجنها خلف شفتيها وحركت رأسها نفيا
*
*
دخلت مبنى الجامعة المكتظ بالطلبة وهم يتحركون في كل مكان ونظرها
يبحث عن شخص واحد فقط متجنبة أن تلتقي نظراتها بنظرات أي من
الذين ينظرون لها هناك سواء كانت النظرات تقييميه أو الفضولية
لبعض الفتيات أو نظرات الإعجاب من بعض الشبان الذين لفت نظرهم
جسدها المتناسق بشكل متكامل وقد غطته ثياب فاخرة متناسقة كما
اعتادت واعتاد الجميع أن يروها بمظهر أنيق مرتب يلفت النظر أكثر
لجسدها غريب التقاسيم في تناسقه ترتدي سروال جينز باهت اللون
مع قميص ضيق وسترة صوفية طويلة مفتوحة وأنيقة ، شعرها البني
الناعم منسدل على ظهرها وكتفيها بكل حرية وملامح جذابة زادها
بريق لون الذهب في عينيها جمالا فريدا من نوعه متناغمة مع
الخصلات الذهبية الطبيعيةفي شعرها البني ، مند بلوغها لاحظت أنها
أصبحت محط أنظار الكثيرمن الشبان ما أن يقع نظر أحدهم عليها لكن
ذلك أيضا أصبح من أسباب بغضها لكل الأشياءحولها فنظراتهم هذه
سرعان ما ستتغير ما أن تصبح الأعين تشير لها والهمسات تكثر ما أن
تدخل المكان وكل واحد يحكي لغيره عن قصتها التي ستبقى لوقت أطول
من مكوثها هنا وهي تتحول لحديث للجميع وستتغير هذه النظرات
سريعا وهي تعلم جيدا ما ستكون ، الجيدون منهم سينظرون
لها نظرة حسرة لأن هذا الشيء الاقتراب منه مضيعة للوقت ليس إلا
أما السيئون فلن يروها سوى لقمة سائغة وأنه يمكنها أن تفعل أي
شيء دون أن تخاف على نفسها ....
قطع سيل أفكارها تلك اليد التي لامست ذراعها فنظرت لصاحبتها
فكانت فتاة في مثل سنها تقريبا أهدتها ابتسامة رقيقة وهمست
" تبدين جديدة هنا مثلي ولا تعرفين أين يمكنك الذهاب هل نكون
رفيقتان حتى نجد طريقنا وقد نكون بعدها صديقتان دائمتين ؟ "
نظرت لها مطولا بصمت قبل أن تذهب وتتركها واقفة مكانها فلا يمكنها
موافقتها على أمنيتها تلك لأنها بعد قليل ستبدأ في البحث عن حجج
لتتهرب منها وتنهي هذه الصداقة الوليدة معها
لفت نظرها عند أحد الأعمدة الرخامية أربع فتيات ينظرن لها ووقع
نظرها فورا على ابنة
عمها الأكبر الواقفة معهن تبتسم لها تلك الابتسامة المقيتة , وما أن
انظم لهن مجموعة فتيات أخريات حتى كثر التهامس الذي كانت تعلمه
جيدا واعتادت رؤيته في كل مكان
" ماآآآريه "
أبعدت نظرها للصوت الذي ناداها من بعيد قبل أن يظهر لها جسد زهور
من خلف تجمع لبعض الشبان يتحدثون بأصوات عالية ضاحكين ،
اقتربت منها وسحبتها معها من يدها
قائلة " تعالي نخرج من هذا المكان الخانق فما يزال أمامنا أكثر من
نصف ساعة "
سحبتها معها دون أن تسمح لها بأن تبدي أي اعتراض حتى كانتا في
ساحة الجامعة ثم في المقهى المخصص به وأجلستها على الكرسي عند
إحدى الطاولات وقالت مغادرة
" سأجلب القهوة فأنا لم أشربها في الصباح وأمضيت يومي كله بمزاج سيء بسبب ذلك "
وغادرت فورا فتنهدت ماريه بضيق وأخرجت هاتفها من حقيبتها
وفتحت الرسالة التي وصلتها صباحا تقرأها من جديد ثم أعادته مكانه
ما أن جلست زهور أمامها ووضعت كوبا ورقي أمامها يخرج منه بخار
القهوة الساخنة ورشفت من قهوتها عدة رشفات ووضعته على الطاولة
قائلة
" آه ما أجمله من سائل , لا أعلم من دونه كيف سنعيش "
ونظرت للتي تتجول بنظرها في المكان حولهما وقالت مبتسمة
" رأيت من بعيد إحداهن تتحدث معك .... هل تعرفينها ؟ "
شغلت نظرها بالكوب تحتها تحركه دون أن تشرب منه وتمتمت
بسخرية
" قالت أنها جديدة وقد نكون صديقتين ! هه ستندم على ذاك العرض
قريبا "
تنهدت زهور بأسى قائلة " ومن قال أنها قد تندم ؟ العالم هنا مختلف
عن حياتك وسط أقاربك ومعارف العائلة والجيران بل وحتى عن
مدرستك الثانوية فهنا لا أحد يعرف أحد تقريبا والطلبة الوافدين من كل
مكان في البلاد فمن سيهتم ماريه؟ أنتي من تصعب الأمرعلى نفسها "
أنهت جملتها ونظرها على الجالسة أمامها لم تعلق على ما قالت تنظر
لحركة إصبعها على طرف الكوب , لا ترى داع لإعلامها بما رأت وأن
أي مكان في هذه البلاد لن يخلو من شخص يعرفها ويعرف قصتها تلك
وسيسارع لنشرها في كل مكان , تنهدت تلك بيأس قائلة
" قد تكون لا تعير لما يقال بالا وتصدق حكايتك الأصلية , لما ترفضين
قول الحقيقة للناس ؟ مؤكد فيهم منسيصدقك أنتي وليس ما حدث "
نظرت جانبا وهمست بمرارة
" اعترف بنفسه يا زهور ، الناس لم تنسى أنه اعترف كما لم تنسى
القصة وأنا تأقلمت من أعوام , ومثلما أنتي معتادة على الحياة كفتاة
طبيعية أنا اعتدت على أن أحيا مشوهة وهذا بات لا يعنيني فلا تتعبي
نفسك معي "
لكن الجالسة أمامها كان لها رأي آخر فقد قالت دون يأس
" ها أنا صدقتك وما أن عرفتك أكثر حتى تيقنت من صدق قصتك لكنك
ترفضين حتى من يصدقونك يا ماريه "
نظرت لها وقالت بضيق " ماذا تقصدين بهذا ؟ "
رفعت كوبها لشفتيها متمتمة ببرود
" تعلمين جيدا من أعني فارأفي بحال ذاك الشاب يا ماريه "
قالت بذات ضيقها
" أنا لم أطلب منه أن يتعب نفسه ولن أوافق الزواج منه كما يريد
فالعيب ليس به بل بعائلته ... بعمي وزوجته وبناته بل وكل المحيطين
به , برآء لا يفعل شيئا سوى أنه يقحم نفسه في مشاكل هو وأنا في
غنى عنها , وسبق وأخبرته بكل ذلك وبأن يرفع الفكرة من رأسه لأني
لن أوافق وإن طلقني تيم من نفسه "
قالت بإصرار " لكن الأمور ستتغير بعد زواجكما وستنكشف الحقيقة
وسيعرفها الجميع منه حينها , الشاب يحبك ماريه لا أعلم لما تغلقين
عينيك عنه ؟ وقوفه في صفك وتصديقه لك دون حتى أن تتحدثي أكبر
دليل على أنه لا مثيل له في هذا العالم "
أشاحت بنظرها جانبا وهمست بابتسامة ميتة " لن يصدقوه أيضا فهو
ابن عمي يا زهورأم تضحكين على نفسك قبلي "
هزت رأسها بيأس منها وقالت " وسيصدقون تيم ذاك ؟؟؟ الوضع معه
سيكون أصعب "
نظرت ليديها في حجرها وهمست بحزن " سيكون الوضع بيننا أيسر
وذاك هو المهم أما الناس فقد اعتدت على التعايش مع نبذهم لي
صدقيني يا زهور "
كانت ستتحدث والضيق باد على ملامحها فلطالما كرهت صمت ماريه
عن وضعها هذا رغم إعجابها الكبير بصبرها وقوة تحملها لكل ما مرت
به , قاطعتها الجالسة أمامها وهي تخرج لها هاتفها وتمده لها قائلة
" هذه الرسالة وصلتني من برآء صباح اليوم "
أخذت الهاتف منها فورا ونظرت لأسطر الرسالة وقرأتها بنظرات
مصدومة ثم نظرت لها قائلة " ومن هذا المجهول الذي يهدده هكذا
تهديد كي يبتعد عنك ؟ "
أخذت الهاتف منها قائلة " لا أعلم "
قالت من فورها " قد يكون عمك فهو يعلم أن الأموال ستضيع منه
حينها "
هزت رأسها بلا وهي تدس هاتفها مجددا قائلة " لا أعتقد فعمي يعلم أن
برآء سيتنازل له عن كل ما يريد ليوافق وهو يملك المال ولن يؤثر ذلك
به فهو الكاسب الوحيد من زواجي منه "
وتابعت وهي تنظر لعينيها " الرقم خارجي يا زهور "
فتحت تلك فمها بشهقة صغيرة وتمتمت بغير تصديق " لا تقولي أنه من
طرف تيم كنعان ؟! "
حركت كتفيها وعادت بنظرها للسائل الأسود في كوبها هامسة " قد
يكون ... لا أعلم "
ثم رفعته لها مجددا قائلة قبل أن تعلق بما تعلمه جيدا " اتصلت
بالمحامي أمس واستفسرت منه عن بعض الأمور "
شهقت زهور شهقة أخرى هذه المرة وأكبر من سابقتها وقالت
مبتسمة
" هل سألته عن مسألة الطلاق !!! "
شدت قبضتها فوق الطاولة وقالت ونظرها عليها " بل تحدثت مع
محاميه
وليس محامي عمي "
ضربت زهور بقبضتها على الطاولة وقالت بضيق " لماذا ماريه كان عليك الاتصال بمحامي عمك لا بمحامي المدعو تيم "
قالت بجدية " محامي عمي لا يفلح في شيء سوى سحب المال منه أما
ذاك المحامي فهو من كان يفعل بالفعل طوال السنين الماضية ويكسب
جميع الجولات فالمعلومات لديه وليس لدى محامي عمي "
قالت بفضول تتنقل بنظرها بين عينيها " وماذا كان جوابه ؟ "
نظرت للقهوة التي بردت في كوبها ولم تشرب منها وخرج صوتها
بهمهمة هشة
" سيكون مصير تيم السجن إن استقر في البلاد بشكل نهائي ومصيري
الشارع حال طلبت الطلاق منه "
نظرت لها بصدمة وقالت " ماذا !؟ وما علاقة هذا بذاك "
وقفت وحملت حقيبتها قائلة " اقترب وقت المحاضرة سأراك غدا "
قفزت خلفها ما أن ابتعدت وقالت وهي تسير بجوارها بخطوات سريعة
لتجاريها
" ماريه ما الأمور الجديدة التي تخفينها عني ؟ حالك لا يعجبني منذ أن
أعطاك ابن خالتي اسم ذاك الموقع "
لم تعلق بل سارت وسط مجموعة من الطلبة وافترقت عنها تاركة إياها
واقفة مكانها فهزت رأسها بيأس وغادرت في الاتجاه المعاكس لأن
محاضراتها لليوم قد انتهت
تمتمت بضيق وهي تبتعد " ما أنا أكيدة منه أن ذاك الشاب لن يرتاح
حتى يدمر باقي ما تبقى منها "
*
*
حاولت رفع جسدها ببطء من الأرض الباردة وجلست بصعوبة مستندة
بالجدار الأملس خلفها وغرست أسنانها بقوة في شفتها الدامية وهي
تحاول بتلك اليد المرتجفة المحطمة أن تستر ولو جزءا من جسدها
وهي تستمع لصوت ذاك الرجل في الخارج ومحاولاته المتكررة دون
يأس وهو يحرك مقبض الباب ويطرقه بعنف ولا تستبعد أن يكسره في
أي لحظة ويدخل , اتكأت برأسها للخلف مغمضة عينيها برفق وانسابت
تلك الدمعة اليتيمة من طرفها منزلقة فوق بقعة الدماء الواسعة التي
لطخت وجنتها وعبثت بملامحها الجميلة
لو لم يدخل غرفتها ذاك الجسد الطويل الملتف بتلك البذلة السوداء
الأنيقة ما كانت تجزم بأنها ستتنفس بعد اليوم ولا لتعيش ضمن الأحياء
, تعترف بأنها استفزت ذاك الرجل حد أن أوصلته للجنون بحركتها تلك
بعدما اكتشفت سره وكشفته له بما فعلت , وأن ذلك كفيل بجعله يقتلها
دون تردد لكنه السبب في كل ذلك وهو يعرف ذلك جيدا
خرجت منها آهة مكتومة وهي تشعر بجسدها يتهاوى وبدأت تفقد
السيطرة عليه مع جدار وأرضية الحمام المصقولين حد الانزلاق ولم
تعد تملك قوة ولا لتثبيت نفسها ولا تعلم كيف استطاعت الركض من
هناك ودخوله ما أن شعرت بذاك الوحش يبتعد عنها بسبب من دخل
عليهما الغرفة فجأة
رفعت يدها عاليا وأمسكت بطرف حوض المغسلة وأسندت رأسها
بوهن على ذراعها وخرج همسها كفحيح بمزيج من الألم والحقد
" أكرهكم آل ضرار سلطان وأقسم أن تدفعوا جميعكم الثمن "
مسحت طرف جفنها بكفها المرتجف وتحاملت على نفسها لتقف وإن
بصعوبة بالغة
وبمساعدة تلك المغسلة الرخامية الضخمة استطاعت أن تتوازن ولو قليلا فالواقف في الخارج يبدوا أنه لم ييأس بعد ولن يغادر حتى تخرج
أو يكسر الباب كما يقول
كما أن الأصوات القادمة من الغرفة أصبحت تكثر وتتداخل , سحبت
روب الحمام واتكأت
على الجدار متألمة وحاولت أن تلبسه فقميصها إحدى حمالتيه قطعت
وبه شق طويل من أسفله حتى خصرها ولا يمكنها لا الخروج به ولا أن
تبقى هكذا حتى يدخل المجنون الذي في الخارج , وبصعوبة وجهد
كبيرين لبسته وربطت حزامه على جسدها وتوجهت جهة الباب مستندة
بالجدار في كل خطوة تخطوها حتى وصلت مقبض الباب وأدارته متكئة
على الإطار فاندفع فورا بسبب اليد التي كانت تطرق وتحركه دون
توقف
ولاحظت حينها جمود الواقف أمامها وإن لم ترفع وجهها له وهي
تتمسك بخشب إطار الباب بكل قوتها ورأسها منحن للأسفل , وما أن
حاولت التحرك بدأت تفقد توازنها سريعا وشعرت بتلك الذراع القوية
التي ثبتتها من خصرها ملتفة حولها وبتلك العضلات القوية تحتها حتى
شعرت بجسده ورائحة عطره القوي فرفعت يدها وأمسكت بقبضتها
سترته ومدت الأخرى جهة التي لازالت واقفة في زاوية الغرفة تبكي
دون توقف ففهم جميع من في تلك الغرفة ومن أصبح عددهم أربعة
أشخاص بعد انضمام والدة رواح لهما أنها تطلب مساعدة مربيتها فقط
فاقتربت تلك فورا تمسح دموعها وقد وضعت الحقيبة من يدها على
طرف الأريكة وركضت جهتها واحتضنت ذاك الجسد النحيل الذي
سرعان ما تهاوى عليها حتى كانت ستفقد توازنها رغم نحوله وخفته
وقبل أن تعترض أي منهما كان ذاك الجسد بين ذراعي الواقف خلفها
وحملها بخطوات سريعة واسعة للسرير وأنزلها عنده فجلست دون
مساعدة قدماها للأرض متكئة بجانب جسدها على ظهر السرير ,
ورأسها ونظرها لازال للأسفل لم تسمع أي تعليق ولم تصدر أي حركة
من الموجودين داخل الغرفة والجميع نظره متيبس على الجالسة هناك
شعرها البني الفاتح الطويل قد غطى ملامحها المختبئة في الأسفل
تتمسك بصمت لم يعرفوه حتى عند البكم وهي من للتو
أثقلت ضربا يظهره تهاوي جسدها وإن أخفاه صمتها , امتدت تلك
الأصابع الطويلة لذقنها
فأرجفها ملمسها البارد فور شعورها بها على بشرتها ولم تستطع
مقاومة رفعه لوجهها فلم تعد عظامها تقوى على أي شيء , وما أن
أصبح وجهها مقابلا لوجهه فوقها ثبتت نظراتها على عينيه المحدقة
بعينيها ونظرت له بثبات يعاكس ارتجاف جسدها وتحطمه وتهاوي
دواخلها حد الإنهيار , كانت ملامحه أمامها تشوبها غشاوة سيطرت
على عينيها المرهقة لكنها تستطيع تمييز أنه ذات ذاك الوجه الذي رأته
في الضوء الخافت تلك الليلة .
أغمضت عينيها فور شعورها بملمس أصابعه على الجرح في جبينها ,
وفي حركة واحدة رفعت يدها وأبعدت يده منزلة رأسها للأسفل , حركة
جعلت الواقفان خلفه ينظران لبعضهما بصدمة والواقفة بجانب السرير
تبتسم بسخرية وهي من كانت موقنة من أن هذه ستكون ردة فعل الفتاة
التي عرفتها لأعوام وعايشت كرهها المتأصل لتلك العائلة بالإجماع ,
ماتت تلك الابتسامة فور أن نظر لها صاحب ذاك الجسد الطويل والشعر
الأسود والنظرة المسيطرة
قائلا بجمود " هل توجد أدوات إسعافات هنا ؟ "
هزت فورا رأسها نافية وقد أخافتها نظرته وخشيت أن يكون رأى
سخريتها من رفض زيزفون له ,
سمعته يشتم هامسا قبل أن يقول بضيق
" ولما لا ؟ كيف تتعاملين مع الحوادث العرضية ؟ "
قالت من فورها " اعلم الخادمات لتحضرها إحداهن وتأخذها معها ,
هكذا كانت أوامر طبيبكم "
قالت الجملة الأخيرة بشيء من الامتعاض وودت أن قالتها صارخة في
ثلاثتهم لكنها تعي جيدا أن ذلك لن يفيد شيئا , تحركت الواقفة عند
الباب بسرعة قائلة
" سأجلب حقيبة الإسعافات إذاً , وعليكم تنظيف الدماء من وجهها أولا"
" أجلبي ماءا دافئ ومنشفة نظيفة "
ارتجف جسد الواقفة قرب السرير ما أن سمعت تلك الكلمات الآمرة من
الواقف في منتصف الغرفة يمسك وسطه بيديه ولم يتحدث إلا الآن
وتحركت سريعا جهة الحمام وما أن خرجت
بما طلب كانت التي غادرت لجلب حقيبة الإسعافات قد وصلت أيضا ,
وما أن اقتربت من هناك حتى أخذ وقاص الإناء منها وجلس على طرف
السرير ومد يده مجددا لذقن الجالسة أمامه قائلا بهدوء
" دعيني أنظف الدم يا زيزفون "
ولم يكن جوابها سوى أن أبعدت يده عنها بقوة مجددا فقالت زوجة
والده
" أتركني ومربيتهما نقوم بهذا يا وقاص , أخرجا أنتما قليلا "
فوقف في صمت وغادر الغرفة ورواح خلفه مغلقا الباب ورائهما
وتحركت والدته من فورها ما أن تهاوى ذاك الجسد على ظهر السرير
وخرج تأوها خفيفا من صاحبته
قالت مقتربة من السرير ومخاطبة التي أسرعت هناك أيضا
" ساعديني لنرى على الأقل باقي جسدها "
وجلست على السرير متمتمة بضيق
" كسر الله يده .... كسر الله يديك يا نجيب "
*
*
شعر بذاك الثقل الصغير الذي وقع على ظهره المنحني وهو يملأ
استمارة ببياناته الشخصية فكتم أنفاسه مبتسما وما هي إلا ثواني قليلة
وظهرت تلك الذراعين الصغيرةالبيضاء أمام ذقنه ووصلته تلك الضحكة
الطفولية الرقيقة فغرس أسنانه في بشرتها الناعمة الملساء بشكل
خفيف أخرج صرختها الضاحكة وأبعدها عن ظهره منزلا لها
في حجره وانهال عليها بلكماته الخفيفة وهي في ضحك مستمر وقال
مبتسما
" تلقي عقابك يا مشاكسة "
نجت منه بأعجوبة وقد حالفها الحظ باقتراب والدتها منهما وقد قالت
مبتسمة تنظرللأوراق على الطاولة الزجاجية المنخفضة أمام الأريكة
التي يجلس عليها
" إذاً ما سمعته من والدك صحيح يا أبان ؟ "
انكب على الأوراق مجددا وقال
" أجل لقد تم قبولي بسرعة لم أتوقعها "
جلست في الأريكة المقابلة له وقالت
" وكيف يرفضون من هو في مثل معدلك ؟
حتى جامعتك عرضت عليك أن تكون معيدا فيها , ولولا رفض والدك
لكنت ضمن المبتعثين للخارج "
قال وهو يملأ باقي الخانات " ما أستغربه أن لا تغضبي أنتي من رفض
والدي أن أسافر للخارج من أجل الدراسة ! "
ضمت يديها في حجرها وضيقت عينيها وهي تنظر لرأسه المنحني
وشعره الأسود الكث وقالت ببرود " لا لم أغضب لأنه على حق فليس
جميع من يسافر لتلك البلدان يرجع كما ذهب لها , ثم لا أراك أنت أيضا
اعترضت لكنت ذهبت رغما عن الجميع ... ابني وأعرفك جيدا "
رفع رأسه وجسده واتكأ للخلف على ظهر الأريكة مادا ذراعيه عليها
ونصب ساق على الأخرى وقال يغيظها كعادته
" صبرك علينا يا جوزاء يا ابنة شاهين الحالك لا يسمعك زوجك وأبات
الليلة خارج المنزل "
كتفت يديها لصدرها وقالت بذات برودها متجاهلة ما يرمي له
" ظننت أنك ستعمل بشهادتك , وكنت تحدثت مع والدك بشأن فتح مكتب محاماة لك "
أنزل قدمه بقفزة خفيفة وعاد لأوراقه قائلا
" الدراسات العليا هي طموحي الوحيد ولن أتوقف حتى أحصل على
درجة الدكتوراه , وممارسة المحاماة تأتي لا حقا "
تنهدت بصبر على عناد ابنها الذي تعرفه جيدا وقالت بهدوء
" لكن عملك كمحام مهم أيضا يا أبان ولن يضر دراستك في شيء بل
أراه سيساعدك فيها "
قال بلامبالاة ولازال منكبا على الورقة
" سأرى ... أفكر في الأمر وأقرر "
هزت رأسها بيأس منه وهي تعي جيدا أنه لن يفعل إلا ما يريده هو
ويسكتها لبعض الوقت ليس إلا , قالت بعد صمت دام للحظات حتى
ضن أنها غادرت " وماذا بشأن ما تحدثنا عنه سابقا ؟ "
رفع رأسه ونظر لها وقال بتفكير " عن ماذا تحدثنا ؟ "
قالت بضيق " أجل تنسى فقط ما تريد نسيانه , الزواج أعني يا ابن
أيوب أولنقل الخطبة أولا "
غلغل أصابعه في شعره الكثيف الناعم وقال بتذمر " أمي بالله عليك
ليس وقته الآن أنتي تري بنفسك أن مخططي للمستقبل طويل وأن
الزواج ليس من ضمنه حاليا "
هبت واقفة وقالت بصدمة " وقل أنك ستتزوج بعدما تنال الدكتوراه في القانون !!
قلها فقط وأنا من ستجعل الشيء الوحيد الذي ستتمكن من تنفيذه هو
أن تتزوج "
اتسعت عيناه بجزع وهو من يعرف والدته وأنها تقرر وتنفذ وأن
السلطة العليا في المنزل والمتمثلة في والده تقف معها مهما كانت
قراراتها , قال باستنكار " أمي من قال أني لن أتزوج حتى ذاك الحين ؟
أنا قلت حاليا ... أي الآن فأجلي الموضوع قليلا بعد "
واكتشف سريعا أن الأمر لم ينجح وأن عناده ليس سوى جزء من
عنادها الذي ورثه منها تحديدا حين قالت بإصرار " هو أسبوع واحد
فقط يكفيك "
رمى القلم من يده وقال بضيق " أمي بالله عليك كيف أتزوج وأنا لم
أعمل بعد ؟ هل سأعيش عالة على والدي طوال حياتي "
قالت بضيق مماثل " ما هذا الهراء ؟؟ عالة كيف ولدينا ما يكفينا حتى
نموت دون أن يعمل أي واحد منكم !! "
مرر أصابعه في شعره حتى كاد يقطعه بينها ولم يجد إلا مفرا واحدا من
الأمر فقال بجمود " لم تعجبني الفتاة التي اخترتها "
نظرت له مضيقة عيناها السوداء الواسعة وقالت ببرود " رأيتها ؟ "
قال كاذبا " نعم ولم تعجبني تبدوا لي غبية وساذجة "
يعلم أن ما قاله لم يقنع الواقفة على بعد خطوات منه تنظر له بشك لكن
لا حل أمامه غيره حتى يجد لهذه المسألة حلا نهائيا , خرجت من
صمتها قائلة
" ومن هذه الذكية التي تعجبك يا حبيب والدتك ؟ "
كان سيتحدث فسبقته قائلة " إذا أمامك هذا الأسبوع نفسه لتخبرني من
تكون أو تختار واحدة "
وغادرت دون أن تعطيه أي مجال للتعليق أو أن يبدي رأيه فتأفف راميا
الأوراق من أمامه , لا يعلم ما أدخل هذه الأفكار لرأسها لتقرر فجأة أنها
تريد تزويجهما وأن ترى أحفادها كما تقول , عاد وجمع أوراقه التي
نثرها منذ قليل بغضب وغادر من هناك أيضا صاعدا السلالم لغرفته وما
أن وصل رمى الأوراق على الطاولة ثم أخرج هاتفه واتصل
بيمان مرارا وهاتفه مغلق ففعل ما لم يفعله إلا نادرا واتصل بهاتف
المنزل ولم ينتظر
طويلا حتى رفع أحدهم السماعة ووصله ذاك الصوت الأنثوي الرقيق
المنخفض
" مرحبا من معي ؟ "
ابتسم وقد عرف فورا صاحبة ذاك الصوت وظهر أمامه ذاك الوجه
الدائري والشعر المجعد الكثيف فضحك بصمت ما أن تذكر الموقف ,
أمسك ضحكته وقال
" أين يمان أتصل به وهاتفه مقفل "
أتاه الرد بعد قليل وصوتها لا يزداد إلا انخفاضا " يستحم ... هل أخبره
شيئا ؟ "
أمال وقفته ويده في جيب بنطلونه القصير وقال " نعم لكن من تكونين ؟ "
ملأت ابتسامته وجهه ما أن وصله صوتها قائلة بعفوية " يمامة "
هذه يبدوا أنها تخبر باسمها لأي كان ودون تردد , قال وقد غلبته
ضحكته هذه المرة " لم أعني أي أنواع الطيور تكونين "
فسمع فورا ضحكتها الرقيقة وقالت بصوت باسم " هذا أنت ؟ سأخبره
أنك اتصلت به ما أن يخرج "
جلس على طرف سريره قائلا " هيه انتظري لأخبرك اسمي أولا أم
ستقولين ما أن يسألك من أكون بأني من كسرت نظارته وعبثت
بأغراضه "
اختفى صوتها وحتى أنفاسها حتى ضن أن الخط انقطع بينهما فقال
بريبة
" يمامة ! "
خرج صوتها مجددا لكنه هذه المرة مختلط بعبرة مكتومة
" آسفة حقا أقسم أني لم أقصد فلا تكلف يمان دفع ثمنها ولا تخبره
فيغضب مني "
مرر أصابعه في شعره وقال " هيا لا تبكي يا فتاة لن أخبره كنت أمزح
فقط , قولي
له ما أن يخرج أبان يقول لك قابله عند مكتب التوجيه بعد ساعتين
الأمر مهم جدا
لا تنسي يا يمامة حسنا ؟ "
همست ببحة " حسنا ... وداعا "
رمى الهاتف على السرير وهز رأسه هامسا بابتسامة " يالا الطفلة "
ثم مرر أصابعه على فكه وصولا لمؤخرة عنقه لتتغلغل في نهاية شعره
مبتسما بخبث وقد لمعت فكرة رائعة في رأسه ستخلصه من فكرة
الزواج لبضع سنين بالتأكيد
*
*
شبك أصابعه ببعضها ونظره لم يرتفع عن الأرض يجلس في ردهة ذاك
الجناح لا يعلم ما ينتظر حتى الآن ولما لا يقوم بأي شيء وإن ليبرد هذا
الغضب في جوفه , لازال يشعر بجسدها الهش وبملمس بشرتها ,
دمائها لازالت تغطي رؤوس أصابع يده لم يفكر ولا في مسحها فلم
يتجاوز بعد صدمة رؤيته لوجهها لأول مرة منذ عرفها وسمع عنها بل
ومنذ دخلت منزلهم هذا , نظرتها القوية لعينيه رغم وهنها وضعف
جسدها , تلك الأحداق الواسعة بلون السماء والأنف المدبب الرقيق
الذي عاكس طبيعة آل سلطان والبشرة البيضاء التي شابها احمرار
طفيف جدا والوجه الدائري الصغير .. ملامح خماصية بحته لم تأخذ
من جده وعائلته شيء فلا تنتمي لهم إلا في الاسم , تحرك الجالس
قريبا منه متململا في جلسته وتمتم وكأنه يقرأ أفكاره
" تمنيت سابقا رؤية ما خلف هذا الحصن وبكل فضول ولم أتوقع أن
الواقع هكذا !! "
وأضاف بصفير خفيف " إنها جميلة بشكل لا يصدق يا رجل "
رفع وقاص رأسه فورا وكأنه يحتاج لمن يذكره بما رأى من مسافة
أقرب من التي رآها هو منها , تحدث من بين أسنانه قائلا
" ليس هذا وقته يا رواح "
رفع ذاك يديه وعلق بنزق " وما كنت تتوقع مني وأنا أرى شيئا لم
أرسمه ولا في أبعد قصص خيالي "
وتابع وقد أسند خده على راحة يده " لا أصدق أن هذا النوع ينتمي
للأجساد والملامح الخشنة التي لدينا ولا أن تكون الخرساء المجنونة
التي يتحدثون عنها هكذا !
ليته تصمت جميع النساء ليكن مثلها "
وأجفل قبل أن يعلق الجالس قريبا منه وهو يرى نظرة العداء التي
يرميه بها وقال مدافعا
" مهلك يا رجل أعلم ما تريد قوله وبأنها ابنة عمي وزوجة شقيقي ,
ولا تقلق فليست النوع الذي يعجبني بتاتا , ثم ألم ترى نظرة العداء
التي رمقتنا بها جميعا "
أشاح وجهه بعيدا عنه ينظر للرسوم المطبوعة على ورق الجدار ولم
يعلق فهو أكثر من رأى تلك النظرة التي يتحدث عنها بل ورفضت حتى
لمسته وأن يساعدها بتضميد جراحها
لم يكن رفضها له لأنه رجل غريب عنها لن يكون ذاك هو السبب ,
همس بسخرية بعدما أشتد الصمت بينهما
" وما كنت تتوقع منها بعدما رأته من شقيقك ؟ "
علق رواح بسخط " وما ذنبنا فيما فعل ؟ ثم أنت أخذت بحقها منه
ويزيد , هذا بدل أن تشكرك على الشرخ الذي سيكبر بينكما الآن ! لا
أصدق أني استيقظت من نومي على هذا الكابوس "
وثب وقاص واقفا دون أن يعلق على ما قال الجالس قريبا منه ونظره
على التي خرجت
من باب الغرفة وأغلقته خلفها تنظر لهما نظرة من لا يعلم ما عليه أن
يقول فاستحثها
بنفاذ صبر " خالتي تــ.... "
قالت بضيق مقاطعة له " رفضتني أيضا ولم تتركني ألمسها , لم تقبل
سوى بمربيتها
تلك الفتاة لا تستطيع تحريك يدها اليسرى كما لاحظت وساقيها
رفعتهما لها تلك المرأة على السرير وهي تئن من الألم , كما أشك أن
ثمة خطب أصاب أحد أضلعها أو رئتيها من طريقة تنفسها التي
تستجدي فيها الهواء استجداءً "
لكم الواقف أمامها الجدار بقبضته وتحرك من هناك فأمسكه رواح قائلا
" إلى أين ؟ "
استل ذراعه منه بقوة قائلا بضيق " سأطلب الإسعاف طبعا قبل أن تخر
ميتة "
صفقت يد رواح باب الجناح أمامه بقوة وقال بحدة " هل جننت يا
وقاص ! هل تعي
ما سيلحق بدخولها المستشفى ؟ أضنك محامٍ وتعلم جيدا ما سيحدث "
صاح فيه بحدة
" أعلم وقسما أن أترافع عنها بنفسي إن لزم الأمر , وكما لن يصمت
أي طبيب عما سيراه أنا لن أصمت حتى أخرج بحقها "
صرخ رواح بصوت أعلى وأشد منه
" أعلم أنك لا تخاف ولا غضب جدي ولستُ ذلك أعني لكنها فضيحة
يا رجل , فكر في ذلك من أجلك أنت قبل الجميع وأنت تعمل نائبا
للمدعي العام
مثل هذه القضايا قد لا تجد صدا واسعا في بلادنا هناك سوى في هرج
الناس لكنها هنا تؤثر علينا جميعا وأنت أعلم بقوانين البلاد وما تعني
فضائح التشهير والقضايا "
أشار وقاص بسبابته للخلف حيث باب تلك الغرفة المغلق وقال بضيق "
ونتركها هكذا حتى تموت أو يحدث لها ما هو أسوأ من حالتها هذه كي
لا نقع في الفضيحة ؟؟! لن أبقى على تكهنات أنها ستشفى من تلقاء
نفسها فأنت لم ترى المشهد الذي رأيته وقت دخولي , قسما لو كانت
بغلا لخر ميتا , لن يكتبها التاريخ وهي ابنة عمي ليكتبها وأنا من
أدافع عن حقوق من هم في مثل حالتها وأقل "
شد رواح قبضته على ذراع شقيقه ونظر لعينيه المحتقنة بالغضب وقال
محاولا التهدئة من غضبه
" وقاص أعلم ما تشعر به وأشعر به مثلك لكن ذلك لن يفيد أحدا
وسيضرها هي في المقام الأول , أتركنا نجد حلا أيسر من ذلك "
نفض يده منه مجددا قائلا بحنق " حل ماذا هذا الذي ستجده يا ذكي ؟ "
تجاهل السخرية في كلماته وقال بصبر
" نحضر شخصا يشخص حالتها أولاً دون علم السلطات
لأنه لا يوجد طبيب سيرضخ لنا ولا إن عرضنا عليه رشوة فسيرفع
حينها التقرير ضدنا أيضا ثم نقرر حسب حالتها يا وقاص وأعدك أنه لن
يهملها أحد , وحين يرجع جدي يقرر في الأمر
ولا أظنه سيصمت له عنها "
أشاح بوجهه عنه ومرر أصابعه في شعره بعنف فتنفس رواح مهنئا
نفسه فلم يكن يصدق أنه سيستطيع يوما أن يحتوي غضب وقاص حين
يصل لأشد حالاته , ولا يراه إلا قد نفس عن جزء منه في نجيب لَما
رضخ له الآن ولن يعنيه رأي أحد ولا جدهم وهو يعرفه جيدا
نظر له مجددا وقال بجمود " ومن سيكون هذا ؟ لا تفكر في تيم فهو لن
يقبل "
أومئ برأسه متمتما " تيم ليس في المدينة لقد سافر لما كنت فكرت في
غيره لكننا سنجد بديلا "
ثم ابتعد عنهما يمسك ذقنه بتفكير ونظراتهما تتبعه وقال وقاص
" لدي صديق طبيب قد يساعدنا "
نظر له رواح وقال " لا صديق في مثل هذه الظروف يا وقاص , عليه
أن يكون مصدر ثقة لا نقاش فيها "
ثم مد يده له قائلا " أعطني هاتفك فهاتفي في الغرفة في الأسفل "
ناوله هاتفه فورا وإن لم يكن مقتنعا بكل ما يقول ويخطط , ولو كان
الأمر بيده وحده لما نام شقيقه ذاك الليلة إلا في السجن وهذا ما هو
عازم عليه إن اكتشفوا أن حالتها سيئة جدا
راقب رواح وهو يغضن جبينه وأصابعه تعبث بجهازه قبل أن يمده له
قائلا بضيق " ما هذا
الشيء المعقد ؟ كم رمزا للحماية تضع عليه "
سحبه منه متمتما بضيق " وكم فككت واحدا يا قرصان "
تحرك من مكانه قائلا " لا قراصنة مع شخص مثلك , سأستخدم هاتفي "
وخرج من عندهما مسرعا وركض عتبات السلالم ودخل غرفته وتوجه
لهاتفه فورا
طلب رقما معينا ووضع الهاتف على أذنه تراقب حدقتاه الإطلالة
الزجاجية لغرفته وابيضاض الفجر يزحف بطيئا للسماء , أجاب صاحب
الرقم بعد برهة فقال رواح من فوره
" أعذرني على الاتصال في هذا الوقت يا عمي , أعلم أنه ليس مناسبا
أبدا "
قال من في الطرف الآخر بقلق " أنا مستيقظ من ساعة , ما بكم يا
رواح ؟ "
مرر أصابعه في شعره وقال متنهدا " زيزفون ابنة عمي سمعت بها
بالتأكيد , تعرضت لحادثة ونريد طبيبا لمعاينتها قبل أن نضطر لنقلها
للمستشفى لأنه سيكون خيارنا الأخير "
وصله تنفس ذاك بارتياح وقد همس " ظننت أن مكروها كبيرا أصاب
أحدكم , هل هي بخير ؟ هل الحادثة سيئة "
تمتم بعبوس " لا نعلم حتى الآن ونحتاج لمن يكشف عليها "
قال ذاك من فوره " وكيف أساعدك ؟ "
دس يده في جيب سروال بيجامته ونظر على تلك الطبيعة من خلف
الزجاج الواسع وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه وهو يقول
" علمت أنه لديكم طبيبة فاشلة لازالت في طور الإعداد وقد تخدمنا
بشيء "
وصله صوته مستغربا " لكن ساندرين تعمل فقط ضمن حقول منضمة
للإغاثة وكل ما أخذته دورات تدريبية ولا يزال أمامها أكثر من عام
لتلتحق بالجامعة وتدرس الطب فبما ستنفعكم ؟ ولما لا تستدعون طبيبا ! "
حك شعره وها قد وصل للمعضلة الصعبة في الأمر , قال بهدوء
" لا نريد للأمر أن يصل لأحد حتى نشخص حالتها يا عمي , الأمر مهم
وابنتك قد تنفعنا في شيء بما أنهم ينتشلون حتى شبه الموتى من تحت
الأنقاض ويفحصونهم "
سمع تنهيدته الواضحة دليل رضوخه وقال " لا أفهم حقا ما يجري
لديكم ولا أريد فهمه بشكل لن يكون إلا سيئا لكني سأتحدث معها "
قال قبل أن يغلق الخط " بل أقنعها فإن كانت لازالت كما أذكر أعند من
الصخر , ولا تخبرها أني من طلب منك ذلك لأنها وقتها سترميك خارج
غرفتها دون شعور منها "
سمع ضحكة مكتومة صدرت منه وقال
" إنها أعوام مرت وقد أصبحت شابة الآن لا أظن العداء القديم لازال
قائما ولست أعلم ما سبب كرهها لك تحديدا ؟ سأقنعها لا تفكر في الأمر
.... وداعا "
أغلق الخط منه ودس هاتفه في جيبه هامسا بضحكة " من قال أن
الأقارب لا نفع منهم ؟ حتى إن كانت مجرد متحولة عابسة "
*
*
" لا "
جاء ردها حازما وهي ترفع شعرها للأعلى وتلفه بسلك مطاطي لتثبته
في جديلة
ومع نظرة الحنق في عيني والدها لجوابها ذاك قالت بضيق وهي تنزل
يديها
" لم تربني على رفض أوامرك فكيف بطلباتك لكني آسفة أبي لن أذهب
لذلك المنزل ولا أعتقد أنهم بحاجة لي "
أمسك الواقف أمامها وقد غزى الشيب رأسه خصره بيديه وقال " لم
أتخيل أن تتقاعسي عن عمل إنساني يا ساندرين وأنتي من وهبت وقتك
وحياتك لإنقاذ حتى الحيوانات الناجية من الكوارث الطبيعية ولم يكن
لعواطفكم مكان في عملكم أبدا "
اشتد الضيق في ملامحها رغم ما قال مذكرا إياها بعملها الذي صممت
منذ ثلاث سنوات وهي ابنة الرابعة عشرة أن تجعله ضمن أولوياتها
وهي تتبرع للانضمام لتلك المنضمة العالمية وإن كان عملها ضمن
نطاق محدود فقط , وهو نزل عند رغبتها ولم يعارضها شريطة أن لا
تهمل دراستها وهي أثبتت له جدارتها في كلا المجالين
قالت بحنق
" ليتصلوا بطبيبهم الخاص أو أيا كان فهم يمكنهم بإشارة من يد واحد
منهم أن يجمعوا أطباء بريستول جميعهم عند عتبة بابهم , ما يفعلونه
بي أنا ؟ "
تنهد بصبر وهو من يعرف أكثر من غيره طباع ابنته الوحيدة ومدللته
منذ صغرها
" أذكر أنك من مدة قريبة أخذت والدتك وزرتم منزلهم , ما تغير الآن
جعلك تنفري من الذهاب هناك ؟ "
رفعت حقيبتها وقالت وهي تفتش فيها " كان ذلك من أكثر من شهر أما
الآن وحتى
الله وحده يعلم متى لن أدخل ذلك المنزل ولا جثة على حمالة "
قال دون يأس
" وإن أخبرتك أنها ابنة عمهم المريضة هي التي تعاني من خطب ما
وكل ما ستفعلينه أن تكشفي عليها فقط يا ساندرين فهو عمل إنساني
تفعليه من أجل شخص عاجز يحتاجك "
رفعت نظرها له فقال مشهرا سلاحه الذي يعلم أنه يكسب به أي معركة
هي طرف فيها
" ضننت أن لي على الأقل قدر لديك وأنا أؤكد لهم أنك لن ترفضي طلبي "
تأففت ونفضت الحقيبة على السرير ثم التفتت للخزانة وبدأت بإخراج
الملابس المخصصة بمنظمة الإغاثة قائلة بحزم
" سأذهب لمنزلهم قبل ذهابي فإن جاءت سيارة المنظمة قبل
عودتي سترافقني بنفسك ليقبلوا عذر التأخير "
قال مبتسما بحنانه وتفهمه المعتاد
" ابنتي ولن تخذليني كما أعرفك , ولا تخشي شيئا بنفسي سأآخذك إن
تأخرت في العودة "
أمسكت وسطها بيديها ونظرت له بعدم رضا وهو يغادر فلم تطمئن أبدا
لابتسامة الانتصارالتي ودعها بها قبل أن يخرج , لا تفهم ما سر حبه
لتلك العائلة وموافقتهم في كل ما يريدون
وهم يُعتبرون غرباء عنهم ولا شيء يربطهم بهم سوى زوج ابنة عم
والدها المتوفاة الذي يكون شقيق زوجة سلطان الثانية ( رقية ) أي لا
حلقة وصل بينهم سوى ذاك الشاب المتغيب
عن المشهد دائما الصامت البارد الجاف كما تنعته والمدعو ( تيم )
والذي تراه لا يعترف بأي منهم وهو صلة الدم الوحيدة بين العائلتين ,
فكت يديها من وسط جسدها متأففة بحنق كارهة للذهاب هناك من
أساسه فهي من لم تحب تلك العائلة يوما .. من جدهم ذاك صاحب
النظرات القاسية المخيفة كما كانت تره منذ صغرها لزوجات ابنه
المملات عدى المرأة التي لا تراها تصلح كأُم أبدا لذاك الابن صاحب
النظرات المقززة التي تكرهها أكثر من كرهها لتصرفاته المتعمدة معها
, ونزولا لصاحب النظرة المتعالية ( نجيب ) من يشعرها في كل مرة
تراه فيها بأنها حشرة لا يجب إلا أن يدوس عليها بحدائه وهو مغاير ,
للابن الأخير والأصغر المدلل حد الإفساد وكأنه ليس ابن السابعة عشرة
, تأففت من نفسها وغيرت ملابسها سريعا
وارتدت زي المنظمة الخاص والمكون من بنطلون بلون الكريمة يبرز
ساقيها الطويلتان والنحيلتان وسترة من نفس اللون بحواف بلون
القرفة تحدها في جميع جوانبها وقد أخذت الأزرار اللون ذاته وحواف
الجيوب حيث زين إحداها بقطعة من البلاتين محفور عليها باللون
الأسود أسم وشعار المنظمة
غادرت المنزل قي سيارتها فعليها أن تذهب وترجع بسرعة وإن حالفها
الحظ كما تعتقد فلن تقابل إلا المريضة مجهولة الملامح والمرض
بالنسبة لها
*
*
أغلقت باب الحافلة المخصصة بعملها والتي أنزلتها أمام منزلهم ودخلت
مجتازة السياج الخشبي المنخفض والمطلي باللون الأبيض الذي يشكل
سورا حول حديقة المنزل الصغيرة ببابه النحاسي الجميل , وما أن
عبرت الممر الحجري القصير حتى ظهر لها شقيقها نازلاعتبات المنزل
الخشبية المصقولة يديه في جيبيه وهو يقفز تلك العتبات وتمتم مجتازا
لها وقد وقفت تنظر باستغراب لتجهمه ومروره دون أن يقف
" حمدا لله على السلامة آنسة
كنانة , والدك يريدك في مكتبه "
تنهدت بضيق تراقبه وهو يخرج من سور الحديقة للشارع وفي هذا
الوقت الذي يكون فيه نائما أغلب الأحيان ! وفهمت فورا أنه ثمة شجار
عنيف حدث بينه ووالدهما كالعادة ولازال ينتظرها دورها أيضا وهي
من تغيبت لأسبوع كامل بدلا من الأربعة أيام المقررة قبل الرحلة
الأخيرة وتعلم أن والدها لن يفهم ويتفهم عذرها إن أخبرته أن تأخرهم
كان بسبب عطل فني في الطائرة أخّر جميع رحلاتهم حتى العودة مما
أضاف يومان على جدولهم المقرر في شركة الطيران التي تعمل فيها ,
تحركت من مكانها وهمست تصعد الدرجات ببطء
" الحل الذي يريح الجميع لدي أنا وقد رضيت به "
منذ أكثر من عام وما أن أنهت دراستها الثانوية اختارت أكاديمية
مضيفات الطيران لتحقق حلمها بأن تركب أي طائرة تطير خارجة من
هنا فهي ومنذ صغرها نمى في داخلها حب غير طبيعي لوطنها الأم
ووالدها كان السبب فيه حتى كبر معها ذاك الشعور بالانتماء في
داخلها ومع مرور السنين تحول لكره للبلاد التي تعيش فيها الآن وكم
حاولت إقناع والدها بالعودة للوطن وكم تمنت ذلك كل حياتها وحلمت
به لكن محاولاتها كانت تبوء بالفشل دائما
فعائلتها اعتادوا على تلك الحياة وتأقلموا معها , وعمل والدها أو
الشخص الوحيد الذي قد يناصرها في هذا يمنعه من مجرد التفكير في
ترك البلاد لأنه كما يقول لن يجد مثله ليجد أفضل منه , وهكذا اختارت
العمل كمضيفة طيران لتطير من هنا لكل مكان ومن ضمنهم
بلادها التي بالكاد تحصل على رحلة بعد وقت طويل لتنعم وإن بأن ترى
أرض المطار فيها وتستنشق هوائها المحبب وترجع , غرست مفتاحها
في باب المنزل وفتحته ودخلت لتقابلها نفحات من هوائه الدافئ بسبب
المدفئة الحجرية التي تتوسطه , الموسيقى الهادئة والأضواء
الصفراء الخفيفة .. أجواء والدتها المعتادة , أغلقت الباب بهدوء
ووضعت حقيبتها الصغيرة والقبعة الخاصة ببذلة المضيفات فوق
الطاولة الزجاجية عند بداية الردهة
وتوجهت جهة الصالون الغربي قريبا من المدفئة التي أخذت أغلب
الجدار في تلك الجهة , ابتسمت وهي تتوجه جهة الجالسة على الأريكة
الطويلة تتكئ برأسها للخلف على مسندها , وصلت عندها وقبلت خدها
ورفعت شريحة الخيار الكبيرة المستديرة عن أحد عينيها وقالت بنعومة
مبتسمة
" مرحبا ماما "
فتحت المستلقية تحتها تضم جسدها بمعطف منزلي شتوي قصير كاشفا
ساقاها البيضاء القصيرة عينها تلك ونظرت لها تبادلها ابتسامة سريعة
ثم أخذت قطعة الخيار من بين أصابعها وأعادتها على عينها قائلة
" حمدا لله على السلامة , للحمام فورا رائحتك وقود طائرات "
ضحكت وقبلت خدها مجددا قائلة
" كنت داخل الطائرة أمي وليس بجوار المحركات "
ثم غادرت من عندها متفهمة بحب تعليق والدتها ذاك حولها فهي
مهووسة بالنظافة والترتيب منذ صغر سنها وتذكر أنها حين كانت طفلة
تحممها ثلاث مرات كحد أدنى في اليوم الواحد
وتغير لها ملابسها ما أن تصيبها بقعة صغيرة بالكاد تُرى , توجهت
بعدها لمحطتها الأخرى
وهي باب غرفة مكتب والدها , وقفت أمامه وتنفست بعمق ثم مدت
يدها لمقبضه وطرقت بيدها الأخرى طرقتين قبل أن تفتحه وتدخل
مقتربة من الجالس خلف الطاولة وقد رفع رأسه فورا من أوراقه ناظرا
لها , وقد لزمها هي أن تدور حول طاولة مكتبه قبل أن تجلس أمامه
لتقبل رأسه وتسلم عليه ولم تفتها نظرة الضيق في عينيه الذي بدأ
يتحول لغضب فور جلوسها لذلك قالت قبل أن يتحدث
" قررت ترك العمل كمضيفة "
نظر لها بصدمة لبرهة قبل أن يزحف اللين واضحا لملامحه فنظرت
ليديها في حجرها وتنهدت بحزن متمتمة
" سأعمل كموظفة في المطار ولن أركب الطائرة مجددا "
ابتسم حينها وكأنه ليس صاحب تلك الملامح المتجهمة منذ قليل والذي
كانت تجزم بأنه على استعداد لضربها على الفور , وصلها صوته هادئا
" فعلت الصواب أخيرا يا كنانة ولولا إصرارك سابقا وخوفي من أن
نخسرك وتنجرفي خلف نوع تربية الفتيات الانجليزيات وتقرري ترك
المنزل ما كنت وافقت عملك ذاك أبدا "
رفعت نظرها له فورا وقالت باستنكار
" أبي كيف تفكر بي بهذا النحو ؟؟ من قال أني قد أفعل ذلك يوما !!
أنت لم تربنا تربية الفتيات هنا , من أين أتتك هذه الأفكار ؟! "
ضرب بقلمه على الورقة قائلا
" وما غيّر قرارك فجأة وأنتي من كدت تقتلين نفسك مضربة عن الطعام
لتعملي هناك ؟ "
تنهدت باستسلام فهي تعلم أنها لن تستطيع تمويه الحقيقة ولا حجب
بعضها عنه ,
عادت بنظرها ليديها في حجرها وقالت
" عالمهم مختلف عنا أبي , حفلاتهم الليلية في الأماكن التي نستقر
فيها ليلا , فنادقهم ينامون فيها في غرف مشتركة ولا يحق لأحد
الاعتراض , حتى النزهات لا تفتقر للمخالفات التي يرونها عادية جدا ,
وأمور كثيرة غيرها ضننت أنها ستتغير مع الوقت أو أعتاد على
الابتعاد عنها بكل الطرق ولكنــ..... "
قاطعها بنبرة مشككة " هل تعرض لك أحدهم يا كنانة ؟ "
نظرت له فورا وقالت مندفعة " أبدا هم يعلمون أني مسلمة وأنه في
ديننا حدود وضوابط كثيرة "
وأبعدت نظرها عنه مجددا متابعة
" ثم هم كما تعرفهم لا يحبون إجبار المرأة على ما لا تريد وتوافقه من
نفسها "
وصلها صوت تنهده الواضح وقال بهدوء
" كنت أعلم أن هذه ستكون النتيجة وأنك لن تستطيعي الاستمرار في
ذاك العمل يا كنانة وستتركينه من نفسك لكني خشيت حقا من أن
يجرفك التياروتخوني توقعاتي وأخسرك بسبب أي شاب طائش لذلك
عارضت الفكرة منذ البداية ثم وتحت إصرار منك ومن والدتك تركتك
تكتشفين صعوبات الأمر وحدك واضعا كامل ثقتي في تربيتي لك وأنك
ستحكّمين عقلك نهاية الأمر "
نظرت له بأسى وهمست
" لو كنا في بلادنا لكان الأمر مختلف أليس كذلك ؟ لكانت رحلاتهم
غير هذا كله "
أومأ برأسه موافقا دون أن يعلق فقالت بكآبة
" ألا أمل أن نرجع لها يوما أبي ؟ ألست منذ سنوات لم تعد مطاردا من
آل راكان وانتهت مشاكل الهازان ؟ حتى عمي شاهر يبدوا مثلك اختار
البقاء هنا لباقي حياته ولا فرصة للرجوع هناك أبدا ولا معه "
قال مبتسما " وهل تتركينا وتذهبي معه إن فعلها ؟ "
قالت من فورها " أجل ومن يحبني ويريدني فليلحق بنا هناك "
غلبته ضحكة رجولية خشنة ملئت المكتب الصغير حولهما وقال
" ما علمته من والدتك أنه ثمة من تريد خطبتك لابنها هناك فالمسألة محلولة إذا "
نظرت لساقيها في الأسفل بحياء متمتمة
" والدتي تستبق الأمور وتهولها , تلك المرأة لم تتحدث عن أي شيء
رسمي حتى الآن "
ثم وقفت قائلة
" سأذهب لغرفتي لأستحم وأنام , هل تريد شيئا ؟ "
قال مبتسما
" اذهبي ونامي فوالدتك بالتأكيد لن ترحمك باقي اليوم من أعمال
التنظيف المكثف المعتاد للمنزل "
ضحكا معا ثم توجهت نحوه قبلت رأسه مجددا وغادرت من عنده
*
*
سار في منتصف الممر بخطواته الثابتة القوية والواسعة متقدما عليهم
كعادته وكما عرفوه دائما شخصية مستقلة بنفسها وكأن جميع ما حوله
لا يمت له بصلة ويُشعر كل من يراه بأنه لا يحتاج لأي أحد في أي
شيء وكأنه ولد ونشأ وتكون في عالم لم يعرف فيه أحداً غير نفسه
رغم أن حديثهم في الخلف كان عنه تحديداً في المهمة الأخيرة التي
وكلت لهم والتي سافروا لأميال من أجلها , كان أحدهم يقلد بأصابعه
سلاح يدوي يصوبه مغمضا إحدى عينيه
ومصدرا صوتا لرصاصة وهمية موجهة لرأس السائر أمامهم
" بوووم ..... لقد أصابه من على بعد مئة متر وبمسدس عادي !! لم
أصدق عيناي وأنا أراه يسقط مكانه
لقد جعلت الكولونيل ( جايرو ) يفقد ثقته فينا جميعا يا تيم "
وقف عند باب غرفته متجاهلا تعليقات أفراد الفريق من خلفه وقد باتوا
مجتمعين في ممر غرفهم في الفندق متمسكا بصمته وبروده الدائمين
وقد خدمه هذا الصيت طوال السنوات الماضية حتى أصبح مضرب مثل
في التحكم في النفس والثبات والسيطرة على الأعصاب في أسوأ وأشد
الحالات التي واجهتهم حتى أصبح مؤخرا توكل له بعض المهام
خصيصا واستثنائيا , أدخل البطاقة وفتح باب غرفته ودخلها تاركا
الأحاديث والضحك خلفه حيث ينشطر أولئك الشبان عن شخصياتهم
الصلبة التي يُعرفون بها في مهامهم الصعبة والخطرة تلك لينتقلوا
لعالمهم الآخر المفعم بالمرح والترويح عن النفس كما يسمونه ,
وقف مكانه ويده
لازالت تغلق الباب خلف جسده بهدوء وهو ينظر للتي تجلس بأريحية
على السرير الفردي
الوحيد الموجود في الغرفة بملاءاته البيضاء النظيفة والأغطية
القرمزية السميكة الفاخرة
تضع ساق على الأخرى وتلعب بها في الهواء وقد ارتفع فستانها القصير لأعلى فخذيها الثلجيان المستديران تبرم خصلة من شعرها
الأحمر الكرزي على أصبعها وتنظر له مبتسمة ,
فرقعت بالون علكة كانت تمضغها وحدقتاها الزرقاء الغامقة بدأت
بمسح تفاصيل جسده الطويل المليء بالعضلات في بنطلونه العسكري
والحذاء الجلدي الأسود الطويل والقميص القطني الضيق بأكمامه
القصيرة حيث أن السترة كان ممسكا بها في يده
تنقلت نظراتها عليه نزولا وكأنها تعريه من ملابسه بكل جرأة في نظرة
كانت كفيلة بإشعال أي رجل إلا الواقف أمامها هناك وهذا ما تعرفه هي
جيدا فما أن رفعت نظرها له مجددا حتى انتقل ليده التي رمت البطاقة
جانبا ودون أن ينظر للمكان الذي اختاره لها لتسقط مباشرة في
سلة المهملات الموجودة في الزاوية القريبة ودون أن تخطئ هدفها
لتسقط في المنتصف تماما
عادت بنظرها له وفرقعت بالوناً آخر من علكتها وأرسلت له قبلة في
الهواء قائلة بابتسامة
" لم يكن الأمر يحتاج لأن تثبت لي ما أعرفه جيدا عن كفاءتك كقناص
فلما رميتها ووحدها وسيلتك للدخول هنا ؟ "
وعادت تسبح بنظراتها على جسده الذي وتر تنفسها هذه المرة وبشكل
واضح وهي تهمس
" أم قررت أننا لن نخرج من هنا بعد الآن "
أدار يده للباب مجددا ونظراته الثابتة الباردة لم تفارق ملامحها وفتحه
ببطء قائلا بجمود
" بل لا حاجة لي بها ولهذا الفندق الوضيع الذي لا يحترم خصوصية
نزلائه "
قفزت من السرير فورا حين فهمت أنه سيغادر الغرفة بل والفندق
بأكمله ولن يرجع له
وصلت عنده في لمح البصر ما أن استدار بقدم واحدة ليخرج وأمسكت
عضلة ذراعه التي احتاجت ليديها الاثنتين ليحيطانها بالكامل لتوقفه
وقالت برجاء
" لا تغضب هكذا تيموتي فما كانوا ليعطوا البطاقة لأي شخص فلا
تنسى من أكون "
نظر لعينيها نظرة سوداء جامدة باردة لم تعبر سوى عن رفضه لكل ما
يجري لكنها لم تكترث لها وكأنها تعشق ذلك وتبحث عنه وفيه هو
تحديدا فقد رفعت جسدها على رؤوس أصابعها وقبلت خده هامسة
" وهذا اعتذار مني لك , ولعلمك فقط أنت أول من أعتذر منه "
سحب ذراعه منها في حركة بطيئة جعلتها تتركها طوعا وهو يعلم أنها
رغم كل ما يحدث الآن هي عاشت وتربت في حياة راقية سترفض أن
تهان أو تُجرح كرامتها وأنها تفهم الإشارات جيدا
لكن ذاك الأمل لم يكلل بالنجاح المطلق حين تحركت لتقف أمامه مباشرة
وبينه وبين الباب الشبه مفتوح ورفعت يدها لصدره وداعبت بأطراف
أصابعها قميصه المشدود عليه ونظرها عليهم ثم دنت بجسدها منه
حتى بات يشعر بأنفاسها على بشرته ورفعت نظرها له وهمست تنظر
لعينيه برغبة متأججة
" سأسلمك البطاقة أيضا فقط لا تغادر تيم أرجوك "
شد قبضتيه القويتان حتى سمع صوت انزلاق بشرتهما المتعرقة وأبعد نظره عنها جانبا
لا يعرف من أي مصيبة جاءته هذه المنحلة أخلاقيا وهو من ضن أنه
سخر منها وهو يترك لندن وموعدهما المزعوم ولم يتخيل أن تلحق به
وتعرف حتى الفندق الذي سينزلون فيه ! ولم يكن يتخيل أيضا أن تلك
المهمة ستخلف له هذه المرأة التي عاشت وتعلمت أن كل ما تريده
تحصل عليه وها قد أصبح هو ضمن تلك الأشياء السخيفة , رفع يده
قبل أن يفقد فعلا السيطرة على نفسه فإما أن يضربها على الجدر
محطما رأسها أو يرميها على ذاك السرير ويعلمها درسا
لن يخرج منه أحد نادما إلا هو , أبعد يدها بقوة هذه المرة وسحبها
خلفه وتحرك ليغادر لكنها
كانت أعند منه فلم تترك له المجال ليخرج وقد أحاطت هذه المرة
خصره بذراعيها وهمست من خلف أذنه
" حسنا فهمت الرسالة تيموتي لكننا سنلتقي في الأسفل وقت
نزولكم جميعا هناك حسنا ؟ "
شد على أسنانه بغضب وهو يشعر بشفتيها وقبلتها الرقيقة على بشرة
عنقه وابتعدت ذراعاها عن جسده ببطء متعمد وسمع صوت خطوات
كعب حذائها وهي تتجه حيث تركت حقيبة يدها
وعادت جهة الباب ووضعت البطاقة التي بحوزتها في المكان
المخصص لها وغادرت بخطوات ثابتة واثقة وكأنها تخرج من غرفتها
الخاصة
*
*
نظر لساعته مجددا وتحرك من مكانه حتى وصل نافذة الردهة أزاح
الستار السميك عنها بيده بقوة فظهر له الجزء الأمامي من الحديقة
وعلم فورا أنها ذات النافذة التي رأى منها ذاك الخيال في تلك الليلة
ولن يكون لغيرها أبدا ولازال لا يفهم حتى الآن سبب وقوفها
هنا ذاك الوقت تحديدا , مرر أصابعه في شعره ودار للخلف واتكأ
بظهره على النافذة ثم نظر لساعته مجددا ثم لباب الغرفة الموصد , لا
يعلم ما تفعله تلك الفتاة هناك حتى الآن
فلم يخرج أحد ولم يصدر أي صوت من أي نوع كان وأعصابه لم تعد
تحتمل المزيد من الضغط ولا ينقصه الآن إلا أن يرى نجيب أمامه
مجددا ليفرغ باقي غضبه فيه فلم ينفس عنه بعد ويشعر بأن أعصابه
تتآكل ببطء , عاد وشغل أفكاره بتفاصيل المكان حوله كي لا يفكر أكثر
في هذا الموضوع لأنه يعلم جيدا إلى أين سيوصله , نظر لساعته
مجددا وتأفف بضيق لحظة ما انفتح باب الجناح ودخل منه رواح في
حركة واحدة مغلقا له خلفه
ويده الأخرى ترتب أصابعها خصلات شعره التي لازالت متأثرة من
تقلبه المعتاد في نومه وهو يصارع الوسائد والأغطية مخلفا ورائه في
كل مرة سرير تعمه الفوضى
نظر جهة باب الغرفة وقال " لم تخرج بعد ؟ "
تمتم وقاص مكتفا يديه لصدره " إلا إن كانت قفزت من النافذة "
ضحك رواح مقتربا منه وقد وقع اختياره على الأريكة وجلس على
حافة مسندها وقدميه فوقها يستند بمرفقيه على ركبتيه وقال وقاص
ونظره عليه
" ظننتك غادرت المنزل أو عدت للنوم "
قال بابتسامة مائلة " بل ابتعدت عن هذا المكان لبعض الوقت أو كنا
خسرنا تلك الطبيبة الفاشلة التي كانت ستغادر ما أن تراني لأني بالتأكيد
لن أمسك لساني الجميل عنها "
نظر لوجهه الذي بالكاد يظهر له القليل منه وقال ببرود " وما بك مع
تلك الفتاة ؟
ضننت أنك كبرت جديا على تلك الحركات الصبيانية يا رواح "
رفع جسده وشبك أصابعه عند مؤخرة عنقه وقال بضحكة صغيرة
" لذيذة يا رجل هي تحديدا لذيذة وممتعة حد الجنون "
هز رأسه بيأس منه وهمس " لا أمل يرجى منك أبدا ولن تتغير "
قفز من الأريكة ووقف بجانبه قائلا ببرود
" اترك نصائحك التربوية جانبا رجاءا "
لم يعلق ورن هاتفه فأخرجه ونظر للمتصل وأعاده لجيبه دون أن يجيب
على نظرات الواقف بجانبه قبل أن ينقلها لوجهه وهو يقول بهدوء
" أمازلت تعرف تلك الفتاة ؟ "
لم يجبه ولم ينظر ناحيته فتنهد رواح متمتما
" لا وتتصل بك في هذا الوقت !
وينصحني وينسى نفسه ؟ "
تجاهله ولم يعلق أيضا ونظرا كليهما لباب الغرفة الذي انفتح أخيرا
وللخارجة منه منشغلة
بتثبيت حقيبتها على كتفها وقد وقفت مكانها ولوت شفتيها الرقيقتان ما
أن وقع نظرها على
الواقف بجانب الذي وجدته وحده حين دخلت وضنت أن الحظ ابتسم لها
ولن تراه , أبعدت نظرها سريعا عن عينيه وعن نظرته المعتادة لها
وكأنها قطعة مثلجات فاخرة خلف زجاج متجر تلسعه حرارة الصيف
الملتهبة , شدت قبضتاها وقالت بضيق ونظرها على وقاص
" ما هذا الإجرام ! من الذي فعل كل هذا بحق الله ؟ كنت أظن أنكم
عائلة متوحشة والآن تأكدت "
نفخ رواح الهواء من فمه وكأنه صُدم من كلامها وقال وقاص متجاهلا
أسئلتها وشتمها لهم بالإجماع " ما حالتها ؟ "
ابتسمت بسخرية وتحركت من مكانها قائلة
" لن تموت إن لم تأخذوها للمستشفى يا سيادة نائب المدعي العام إن
كان هذا ما يقلقكم "
ووقفت في منتصف الطريق ونظرت لهما وقالت باشمئزاز
" اقسم أنها جريمة مستواها الصحف والمجلات ولولا عمتي رقية
لكنت أوصلت الأمر لذاك المنحى , فلا تدخلوني مجددا في أموركم
المشينة لأني قسما سأفعلها "
تنفس وقاص بقوة ونظر جانبا ولم يعلق فهو أكثر من يرى أنه معها
حق في كل ما تقول وفي أن توجه اتهامها وسبها للجميع دون استثناء
أما الواقف بجانبه فكان له رأي آخر ولم يستطع إمساك لسانه عنها
ككل مرة فدس يديه في جيبي بنطلون بيجامته الذي لازال يلبسه وحده
مع قميص قطني داخلي وقال مبتسما ونظره على عينيها المحتقنة
بالغضب والاحتقار
" رفقا بنايا متحولة فكلانا لسنا السبب فيما حدث لها أم أن السواد
اختلطت عندك في جميع الألوان "
واتسعت ابتسامته وهو يرى الغضب يتأجج أكثر في عينيها بسوادهما
الاصطناعي , عض طرف شفته متعمدا ثم أرسل لها قبلة صامتة في
الهواء لم تزدها إلا اشتعالا متجاهلا همس وقاص من بين أسنانه
" اترك الفتاة وشأنها يا طفل "
وكما توقع جاء ردها سريعا وهي تمسك وسطها بيدها
" لا أتعس من الموجودة في الداخل إلا التي ستتزوجك أنت يا أحقر مخـــ.... "
وبترت جملتها حين خلع قميصه القطني بحركة واحدة سريعة كاشفا
بذلك عضلات صدره العاري وهددها بخطوة واحدة واسعة قائلا
" تعالي لأريك ما الحياة التي تنتظرها "
ولم يريا بعدها إلا الباب الذي صفقته خلفها راكضة وفارة من هناك بعد
نظرتها المفزوعة
له ولم يبقى في المكان سوى ضحك رواح المرتفع الذي توقف ما أن
نظر لوقاص وهو يتجه لباب الغرفة المغلق قائلا بضيق
" لعلمك فقط سأقف معها إن جاءت تقدم شكوى تحرش ضدك قريبا يا
وقح "
لحق به سريعا وأمسك يده قبل أن تدير مقبض الباب وقبض عليها بقوة
وهمس ناظرا لعينيه التي تنظر له بضيق
" وقاص ما بك هذه ليست غرفة زوجتك , قد يكون جسد
الفتاة لازال مكشوفا "
رمى يده عنه بعنف دون أن يعلق وغادر من هناك ومقصده باب الجناح
الذي ضربه للداخل بقوة وخرج تاركا إياه بعده مفتوحاً على اتساعه
فحرك رواح رأسه بيأس وخرج أيضا يلبس قميصه الذي نزعه منذ
قليل
*
*
لم تستطع تصديق ما سمعته منها وكادت أن تتهمها بالكذب علانية
ولولا أنها تحدثها في الهاتف
وليست أمامها الآن لكانت طلبت لها الإسعاف فورا من شحوب ملامحها
, أنهت الاتصال معها
واتصلت فورا بمن ستجد لديه الجواب الأكيد عن كل ما سمعته الآن ,
عاود الرنين وتكرر
مرات عدة قبل أن يفتح الخط ويصلها الصوت الرجولي المرتخي ببحته
الخفيفة
" نعم يا غيسانة "
قالت من فورها " هل صحيح ألغيت بطاقتي المصرفية ؟ "
أتاها رده سريعا " أجل "
شعرت بعقلها سيطير من مكانه وحافظت على هدوئها بصعوبة خشية
غضبه الذي تعرفه جيدا حال إتباع أسلوب الحدة معه " لماذا يا مطر ؟
أنا أستخدمها منذ أعوام وحسب شروطك وقوانينك ولم أخالفها أبدا "
قال من فوره " أنا أجمع جميع مستحقاتي هنا وسأغادر البلاد حسب
علمك على ما أعتقد وسحبت جميع أرصدتي المصرفية أيضا تحسبا
لأي مشكلة قد تواجه أشخاصا هنا بعدي حال اكتشف أحدهم هويتي
المزورة بعد رجوعي للوطن "
قالت بنفاد صبر " حسنا وما علاقة كل هذا بي ؟ يمكنك ترك بعض
المال من أجلي أو تحويله من هناك "
وصلها صوته باردا وكأنه يرميها بلغم أرضي " لأن خطيبك هو من
سيتكفل بكل ما يخصك وأنا انتهى دوري هنا "
لم تستطع إمساك شهقة الصدمة التي خرجت رغما عنها فهي اعتقدت
أن اختفائه المدة الماضية بعد دفعها له في المسبح معناه أنه اختفى من
عالمها أخيرا ولن تره أو تسمع اسمه مجددا , هبت واقفة على قدميها
صائحة باستنكار
" ما هذا الذي تقوله يا مطر !!
بأي صفة يتكفل ذاك الرجل بمصاريفي "
أتاها رده سريعا وحازما " بصفة أنه سيكون زوجك قريبا وبأني لن
أستطيع ترك أي دليل خلفي هنا وأعتقد أنك لا يمكنك إعالة نفسك يا
غيسانة والتاريخ يشهد "
قالت بضيق " أنت شقيقي وتعيرني ! ماذا تركت لذاك الهمجي ؟ ثم
اسأل نفسك عن السبب وأنت من رفضت جميع الفرص التي أتيحت لي
للعمل وأصررت على أن لا آخذ الجنسية البريطانية "
وصلها صوته باردا عكس اشتعالها " لا تتحججي بي فلم تأتي بوظيفة
يقبلها عقل ولا منطق, ثم أنتي التي فشلت في الدراسة مرارا وليس أنا "
ارتمت على الأريكة جالسة عليها مجددا وقالت
" وهل بلّغت سيادته ووافق ؟
مطر ليس من العقل هذا الذي تقوله وتفعله "
قال من فوره " ما لا تعلميه أنتي أن شاهر يملك مالا أكثر مني ولن
يؤثر فيه ما سيدفعه لك وهو بنفسه اقترح هذا حين كنا نناقش وعمي
دجى عقبات سفرنا من هنا , وإن لم يعجبك هذا فلا حل عندي غير أن
ترجعي معي للوطن "
حركت رأسها برفض وكأنه يراها فآخر ما قد تفكر فيه أو توافق عليه
هو ترك هذه البلاد
ورغم جميع القيود التي وضعها عليها شقيقها وقد ازدادت منذ هاجر
وعاش هنا لكنها لم تفكريوما ولا مجرد فكرة في خيالها أن تغادر بلدها
هذا وأن تعيش بعيدا عنه ولا تحت أي ظرفٍ كان , لكنها رغم كل ذلك
لا تنكر أنها فشلت كثيرا واتكلت على ما يدفعه لها مطر وبسخاء ولم
تفكر يوما أن تكون في موقف كهذا ولن تجد شقيقها معها ولا ماله , لا
شهادة تعمل بها ولا
خبرة ولا أي شيء فلن يتم قبولها في أي وضيفة مهما كانت وضيعة
ولن يقبل شقيقها بها على أي حال وإن كان لم يعد يعيش هنا فهي تعلم
نفوذه جيدا ومن ترك خلفه أيضا ,
قال حين طال الصمت بينهما
" والشقة التي تعيشين فيها سأبيعها أيضا فلا أريد xxxxات باسمي هنا
تحسبا لأي طارئ "
صاحت هذه المرة وبحدة " لا هكذا لم يعد الأمر مجرد احتياطات يا مطر بل تعجيز لي , هل تريد رميي في الشارع أيضا ؟ "
لم تستغرب اللهجة الصارمة له وهو يقول بحزم " آخر مرة هذه التي
يرتفع فيها صوتك علي يا غيسانة , أخبرتك الحل البديل لكل هذا
والخيار لك "
شدت جبينها بقوة وكادت دموعها أن تتفجر من عينيها غضبا وحسرة
, تعلم كما يعلم هوأنه يحاصرها بكل هذا وأنها لن تختار ذاك الخيار أبدا
ولن تسافر معه , همست برجاء مكسور وفي محاولة أخيرة منها
" مطر أنت لن تتركني في رحمة ذاك الرجل ؟ لن
ترضاها لشقيقتك كما لا ترضاها لنفسك "
كانت تعلم أن سلاح الاستجداء والتعطف لا يجدي معه بتاتا كما عرفته
سنين حياتها وأن محاولتها ستكلل بالفشل لكنه سلاحها الأخير وكان
عليها تجربته , وصلها صوته الجاد
بعد صمت لحظة " شاهر لم يعد رجلا غريبا لكي يمن عليك بشيء من
عنده وأنت ستصبحين زوجته قريبا , ثم هو من اشترى الشقة مني
ولن تخرجي منها حاليا "
وختم المكالمة بكلمة وداعا دون أن يترك لها المجال للرد تاركا يدها
والهاتف على أذنها والأخرى معلقة في الجو مستعدة للتحرك تباعا مع
ما كانت ستقوله , رمت الهاتف بعيدا
وأمسكت رأسها بيدها تنظر للأرض بضياع تغرس أصابها خلال شعرها
المموج الكثيف الذي غطى ظهرها وذراعيها العاريان تتنفس بقوة
وغضب ورفض لوضعها الذي وجدت نفسها فيه منذ عرفت ذاك الشقيق
الذي عرف كيف يسيرها كيفما يريد وإن لم يكن فرض عليها لا ديانتهم
ولا أن تغادر بلاد والدتها لكنه فرض عليها جميع ما تربى عليه
وبالنسبة لها ذاك يعد أشد من أن تفعله عن اقتناع حين تعتنق دينهم ,
لا تتخيل أن عليها أن تطلب المال من ذاك الرجل كلما احتاجت شيئا إن
لم يرضى أن يضع لها مبلغا كبيرا في حسابها من فترة لأخرى كما كان
يفعل شقيقها ! هذا أمر فوق طاقتها ولم تحسب له أي حساب
وقفت ودخلت الغرفة القريبة منها وضربت بابها بقوة فقفز الجسد النائم
على السرير بسلام ووصلها الصوت الأنثوي المرتخي مستغربا "
جيسي ما بك ! لقد أفزعتني "
أمسكت وسطها بيديها تنظر لها بحنق وهي تفرك عيناها وتحاول
ترتيب شعرها المبعثربسبب النوم وتثاءبت قائلة " ما جاء بك لغرفتي
هذا الوقت المبكر ؟ "
" لم تعد غرفتك ولا الشقة شقتي ... بح ضاع كل شيء "
فتحت تلك عيناها على اتساعها ووقفت خارج السرير في حركة واحدة
وقالت بصدمة
" لم تعد شقتك !! "
وتابعت بذعر " قولي أنها مزحة جيسي أرجوك ؟ "
لكنها لم تنكر ذلك بل لوحت بيدها وتأففت قائلة " وما المميز في عيشك
في هذه الشقة
حتى صديقك لا يمكنك جلبه إلى هنا بسبب أوامر صاحب المكان ولا أحد
يزورنا
غير الفتيات والعجائز , أنتي في غنى عن مكان بائس كهذا "
انهارت على السرير مجددا وقالت بنبرة استعطاف ونظرها معلق
بالواقفة عند باب الغرفة المغلق " لكنها المكان الوحيد الذي لدي جيسي
وأنتي تعلمين ذلك جيدا وبكل عيوب القوانين المفروضة عليا كرفيقة لك
فيها فهي شقة مرفهة لن أحلم بالعيش في مثلها ما حييت , يجب أن
يكون ثمة حل لكل هذا , هو لن يرميك في الشارع أليس كذلك ؟ أريد أن
أكون معك جيسي حيث تذهبين , أخبريه بأني لن أتركك وأني
موافقة على جميع شروطه وإن طلب مني أن أقطـ..... "
قاطعتها باستياء وهي تتفتح باب الغرفة وتغادرها مجددا " لن تُجدي
تنازلاتك في شيء و ما أتعسني من امرأة لم يعرف التاريخ مثلها "
ولم يكن هربها من مواجهة واقع ما تسمعه منها إلا لأنها وهي في
الأمر سواء وأنه لا مكان لها غير هذا مهما قست ظروف عيشها فيه
وعليها بكل بساطة أن ترضخ
*
*
دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه ووقف عليه فنظر له الجالس متكئ
بظهره على السرير إحدى يديه خلف رأسه والأخرى يمسك بها كتابا
كُتب على غلافه بالأسود العريض
(aircraft technical ) وقد أنزله على فخذيه ما أن رآه
وتمتم ببرود
" ما سر هذه الزيارة المباغتة ؟ "
لوح أبان بيده متشدقا ببرود مماثل " مهلك علينا سيادة الكابتن طيار
غيهم أيوب بلال الشعاب فلست هنا لاغتيالك "
حرك رأسه بيأس منه وعاد بنظره للكتاب الذي رفعه مجددا فاقترب منه
واستله من يده ونظر لصفحته التي لم تكن تحوي حرفا عربيا ثم رماه
جانبا قائلا
" ثمة موضوع مهم علينا التحدث فيه فنتائجه مصيرية لكلينا "
وضع غيهم يده الأخرى خلف رأسه أيضا فارتفع بذلك قميصه حتى حف
حزام بنطلونه الرياضي وبرزت بذلك عضلات معدته القوية وذراعيه
وكتفيه العريضان
وضع ساق على الأخرى متمتما ببروده ذاته
" مادمت أدخلت أنفك فيه فلن ينتهي بسلام أبداً "
كتف يديه لصدره وقال بضيق
" لعلمك فقط أنا لم ادخل أنفي فيه بل أنت من فعلها حينأخبرت والدتك
أنك لن توافق على الزواج حتى أوافق أنا وورطتني معك "
قال بسخرية " ورطتك في ماذا يا ذكي والورطة أنت فيها منذ البداية "
جلس أمامه على سريره الواسع وقال
" أتركنا من كل هذا ولنبحث لهذه المشكلة عن حل قبل أن تقع على
رأسينا فلك أن تتخيل المسئوليات المترتبة على الزواج ولسنا
في بابه يا رجل "
فك يديه من خلف رأسه وقال " أنت تدخل حرب خاسرة يا أبان أو أنك
لا تعرف والدتك جيدا "
وتابع بسخرية " جعلتني أدخل أكاديمية الطيران رغما عن أنفي فلن
أستبعد أن تفعل الأيسر منها فأخرجها من رأسك وافعل ما تريد بطيب
نفس خيرا لك من حصد النتائج "
تأفف في وجهه وقال بضيق " لا تغلقها هكذا يا رجل وتعلن هزيمتك
سريعا فيبدوا أني وجدت الحل فعلا بما أن زواجك مرتبط بي فسأتصدق
بها عليك وأمري لله "
قال بجدية " أبان لا تتعب نفسك وتغضبها منك فالنتائج لن تعجبك
صدقني "
قال باهتمام متجاهلا ما يقول " اسمع لا تقارن دراستك للطيران بكل
هذا فالأمران ليسا سيان , الطيران ليس امرأة مزعجة تريد كل شيء
لها وأولهم أنت , وليس أطفال يتبعونك في الشارع كفراخ البط وأنت لم
تبني مستقبلك بعد فلا تصبح تفكر إلا في كم بيضة فقست وما ستفعل
من أجلهم وستكرس حياتك كلها لتربيتهم , هذا غير ( أين أنت يا غيهم
؟ متى تعود ؟ أين ذهبت عد حالا , ابنك مريض ابنتك تبكي والدتك قالت
وفعلت وشقيقتك تضايقني .... "
قطع كلماته ضاربا له بالوسادة على وجهه قائلا بضيق " يكفي لا
ينقصني وجع رأس فهو سينفجر من دون ترهاتك "
رماه أبان بالوسادة التي سقطت في حجره قائلا " يبدوا أعجبتك
العروس إذاً ؟ "
رفع كتابه مجددا وقال بلامبالاة وهو يقلب الصفحات ليصل للصفحة
التي كان يقرأ فيها
" ما أسخفك يا رجل , ومن أين سأراها وهي لا تعيش هنا والتقت
والدتك بعائلتهم حين زارت ووالدك برلين بداية العام ويبدوا أنها
برؤيتها لها دخلت تلك الفكرة السيئة لرأسها "
قال أبان مستغربا " ما هذا يا غيهم كيف توافق وأنت لا تعرفها ولن
تراها ولست تعلم حتى عن أطباعها وتربيتها !!! أنصحك أن تسافر
وتعاين العينة بنفسك قبل أن تتورط أو ارفضها لتبحث لك عن غيرها "
وصل للصفحة المطلوبة وتبثها بكف يده قائلا بسخرية " هل تعلم ما
نتيجة رفضي لها يا ذكي ؟ تتزوجها أنت لأنها الخيار الذي لا نقاش فيه "
شهق في وجهه قائلا بصدمة " ويحك ما هذا الهراء ؟! "
نظر له وقال " اسألها بنفسك وانتظر فلديها المزيد "
صفق له قائلا " هيه اسمع خطتي ناجحة وسترى ولن يتزوجها أيا منا "
نظر له بصمت ليتابع رغم شكه في أفكاره الغبية دائما كما يراها وتابع
أبان بحماس
" آخر جولة لها طلبت أن أختار بنفسي وأعطتني أسبوعا لأفعلها حين
أخبرتها أن التي اختارتها لي لم تعجبني لذلك الحل لدي وسهل جدا بما
أني من سأختار "
تمتم غيهم " وهو ؟ "
قال أبان مبتسما " هو أن لصديقي يمان شقيقة عمرها ثلاثة عشرة
عاما وما سأفعله أني
سأخبرها بأنها الفتاة التي تعجبني وأريدها وكنت أنتظر حتى تكبر قليلا
بعد وأني لا أريد غيرها ولن أتزوج أبداً إن لم تكن زوجتي وبذلك
سنؤجل الأمر لبضعة أعوام ثم لكل حادث حديث , وسنكون وقتها
مستعدين للزواج وكيفما وبمن نريد "
نظر له بشك لوقت ثم قال " وإن قالت تزوجها الآن ؟ "
قال من فوره " مستحيل إنها في عمر شقيقتك بثينه فهل لك أن تتخيل
أن يزوجوها
أو أن ترضى والدتي بذلك ؟ أنا أضمن لك أن هذا لن يحدث أبداً "
أبعد كتابه ونظر له بتفكير لوقت ثم قال " وماذا إن استثنتك أنت من
مشروعها هذا
وبقيت أنا فالعروس كما قالت في العشرين من عمرها الآن "
حرك رأسه بالنفي قائلا " لا تطعها يا رجل وابق على رأيك
لما أبان لا "
عاد لكتابه قائلا " حضا موفقا إذاً رغم أني أجزم بفشل مخططك "
غادر سريره وتوجه جهة الباب متمتما بضيق " الحق علي أتحدث مع
كثلة جليد مثلك , لكنك المستفاد في جميع الأحوال وأنا من عليه إيجاد
الحلول "
*
*
وقف عند مدخل الباب الواسع لتستقبله فورا رائحة العطور المختلفة
والممتزجة مع رائحة التبغ والمشروبات الكحولية وأصوات الضحك
والأحاديث المتداخلة تتخللها أنغام موسيقية هادئة توحي بالعزلة رغم
ازدحام المكان , يكره التواجد في مثل هذه الأمكنة وكان حريصا على
أن يتجنبها أغلب الأحيان لكن هذه المرة عليه أن يكون هنا قبل أن
تكون تلك الفتاة في غرفته مجددا , تقدم خطوتين فقط للداخل ولم يحتج
الأمر منه أن يبحث في أرجاء المكان الواسع ولا حتى بأن يدير حدقتيه
فيه فقد اجتاز ذاك الصوت الأنثوي المرتفع
الصخب في المكان الشبه هادئ حيث أن أغلب المتواجدين فيه ينتمون
لأعضاء تلك المجموعة اللذين يطاردهم النظام القاسي وصولا للدماء
التي تجري في عروقهم
" تيــــــم "
تكرر صدى صوتها مجددا وهي تقترب من مكان وقوفه عند الباب
ملوحة بيدها وهو يبدوا لم يفكر بعد في التقدم نحوها , يديه في جيبي
بنطلون بذلته الرسمية السوداء ونظره جمد عليها وهي تقترب محركة
رأسها وشعرها الأحمر القصير يتراقص مع حركتها وهي
تقول شيئا لم يفهمه ولم يهتم له , تتراقص الابتسامة على شفتيها وهي
تقترب حتى وصلت عنده وأمسكت بمرفقه وحضنته بذراعها وسحبته
معها للداخل قائلة بابتسامة ونظرها على ملامحه
" تأخرت حتى كنت سأسأل عنك في غرفتك إن لم تدخل الآن "
لم يعلق ووصلت به للطاولة الطويلة حيث السقاة وجمع كبير من
الجالسين حولها فاستل ذراعه منها والتقت أصابعه حول مرفقها
ودفعها من هناك قائلا ببرود وهو يسير بها مبتعدين
" لا أحب الجلوس هنا , دعينا نختار مكاناً متطرفا فقد لا تفضلي أن
يسمع من تجمعوا هناك حديثنا "
لعبت بخصلات غرتها ونظراتها لم تفارق وجهه قائلة بضحكة
" معك حق لن يعجبني تطفلهم أبدا "
وتابعت وهي تجلس على الكرسي الذي سحبه لها
" خاصة أن الجميع تقريبا يتحدث عن خروجي من غرفتك اليوم
والبعض لمح عن علاقة ما بيننا "
سحب الكرسي المقابل لها وجلس عليه مشيرا بيده بالرفض للنادل الذي
كان يقدم لهما المشروب بينما أخذت الجالسة أمامه كأسا لها وقالت
مبتسمة ترفع كأسها له
" لما لاتحتسي بعض الشراب احتفالا بانتهاء مهمتكم اليوم كما يفعل
البقية هنا ؟ "
كتف يديه لصدره وسند ظهره لظهر الكرسي رافعا ذقنه للأعلى قليلا
معززا بذلك أكثر ثقته في نفسه واستقلاليته في كل شيء مما جعل ذلك
الجالسة أمامه تسند ذقنها الصغير بكف يدها وتنظر له مبتسمة وهي
تهمس ونظرها على عينيه
" أنت الشاب الأكثر وسامة الليلة تيموثي
الفتيات يحسدنني عليك كما الشبان وهم يتمنون مرافقتي شخصيا "
حرك زاوية وجهه قليلا وقال بكثير من التحفظ
" شكرا لكني لا أهتم "
أبعدت ذقنها وخرجت منها ضحكة صغيرة ورشفت من كوبها مجددا
وقالت وهي تحركه بجانب وجهها
" بأيهما تحديدا لا تهتم أيها الرجل العنيد الصعب ؟ "
وتابعت دون أن تكترث إن كان سيعلق أم لا
" أعلم دون أن تشرح لي يا تيم "
وتابعت وهي تضع كأسها
" دمائك اليونانية هي ما تتحكم بك .. الجميع يتحدث عن
ذلك وعن أنك ترفض العلاقات العابرة مع النساء كما يفعل أسلافك "
ثم ضمت يديها تحت ذقنها وابتسمت وهي تبحر في عينيه قائلة
" أعشق وفائكم الفريد من نوعه تيموثي خاصة المتمسكين جدا بتلك
التقاليد , لا تطلقون النساء ولا تخونون الزوجة والعلاقات ما قبل
الزواج تعد جريمة وإن كانت خطيبتك , قلة هم من أصبحوا يتمسكون
بذلك , وأنا أتحدث عن الذين يعيشون خارج اليونان طبعا "
قال بلهجة ملئها نفاذ صبر " ولما ذاك العرض الصباحي في غرفتي إذا
بما أنك تعرفين عني أكثر مما أعلم عن نفسي ؟ "
أبعدت يديها وأمسكت كوبها مجددا وقالت ونظرها عليه
" لأني مختلفة جدا يا تيم "
وتابعت وهي ترفع الكوب لشفتيها " أنا لست كغيري من النساء "
ووضعت كأسها بعدما انتهت وضيفته وداعبت شفتها بأسنانها البيضاء
الصغيرة في حركة تدل على ثقتها بنفسها وبأنوثتها وقدراتها وهمست
" سترى ما سيحدث وكيف ستتغير حياتك ما أن تبدأ الصحف بالحديث
عن الشاب الذي كنت برفقته وما سيقوله كل من يعرفك في منظمتكم
السرية تلك , وبعد عدة توصيات من والدي ستتحرك عجلة حياتك
بشكل مختلف تماما "
ضاقت عيناه المحدقة بها وهو يقول بصلابة
" أنتي لا تعرفينني جيدا فأنصحك باللعب بورقة والدك في مكان آخر "
حركت يدها قائلة بابتسامة رقيقة
" لا أنت ابتعدت بتفكيرك بعيدا تيموتي "
قال من فوره " وبماذا يمكنني أن أخدمك إذاً ؟ "
رفعت شعرها للأعلى عن وجهها وشهقت مبتسمة وقالت بصدمة لم
تخفي التصنع فيها عمدا
" هل هذا سؤال تسأله لفتاة جميلة تجلس معك ! أي جريمة هذه أيها
الرجل اليوناني !! كدت اجزم أنه لك حبيبة ما "
ارتفعت زاوية فمه وقال متهكما " وإن كان الأمر كذلك بالفعل ؟ "
نظرت له مجفلة للحظة ثم ابتسمت قائلة
" لا تحاول تضليلي أيها الجندي المقاتل فأنا أعلم عنك الكثير كما تعلم "
قال بنبرة جامدة
" أنا لا أمزح ولا أحب الكذب "
حركت كتفها قائلة بثقة
" لم يرها أحد تيموتي , هل هي شبح يا ترى ! "
فك ذراعيه ودنى بجسده قليلا وقال ونظرته الباردة تستقر على عينيها
" بل آدمية وكما سبق وقلتِ بنفسك اليوناني لا يخون أبداً وأنا لن
أسمح لامرأة أخرى أن تشاركها بي "
بان التردد واضحا في ملامحها قبل أن تسيطر على نفسها ببراعة
وخرجت الحروف منها مرتخية قليلا
" أنت تمزح تيموتي بالتأكيد فأنت لا تسافر لليونان إلا قليلا جداً !
حتى أملاكك من والدتك وجدك لا تزورها فمن ستكون حبيبتك تلك ؟ "
وقف دافعا الكرسي بساقيه للخلف وقال ببرود
" بل ثمة امرأة وإن كنت لا أزورها كما تقولين , وستكون ممتنة لك إن
لم تقتربي من شيء يخصها وحدها "
واستدار وغادر من هناك بخطوات واسعة وجسد ثابت متجاهلا نظرتها
التي تبعته وهو يجتاز البعض برشاقة لم تؤثر في مشيته الواثقة أبدا ,
وقفت على طولها ورمت الكأس من أمامها ليتحول لقطع على الأرضية
الملساء تحتها وهمست من بين أسنانها ونظرها حيث اختفى
" لن أصدق ذلك وأنت لي تيموتي تفهم , وإن كان لك ألف حبيبة "
*
*
رمت المشط من يدها وعادت حيث تناثرت كتبها ومذكراتها وأمسكت
بإحداها تحاول التركيز وإدراك ما فاتها وسرعان ما أعلنت فشلها ولم
ينجح الأمر مجددا فمررت أصابعها في شعرها وهي تدفن رأسها بين
يديها وانسدل ذاك الحرير البني الناعم كستار كثيف حاجباًأغلب نور
الغرفة القوي عن عينيها , ورغم ذلك أغلقتهما بشدة تفكر في تلك
الجملة التي رماها بها محاميه دون رحمة
( دخوله للبلاد تحت أي سبب كان فيه خطورة كبيرة عليه واستقراره
فيها يعني السجن مدى الحياة , وطلاقك منه سيكون نتيجته أن تصبحي
في الشارع بسبب عمك فحتى سلطة تيم كنعان ستسقط ناحيتك حينها(
لا تصدق أن كل ذاك التعب الذي تكبدته لتحصل على رقم ذاك المحامي
مع تحفظهم التام عن هويته أن يكون نتيجته كل هذه الحقائق القاسية
التي كانت مغيبة عنها عمدا كما تضن , وتجزم أنه لولا كشفها له
وتهديدها بما حصلت عنه من معلومات من ذاك الموقع لما كان نطق
أبدا كما تظن ورأت , تمنت لحظتها أنها لم تتصل به ولم تحصل على
رقمه فأن تعيش سنوات حياتها على أمل ظهور ذاك الفتى الذي غاب
عنها من سنوات والذي رأت فيه طوق نجاتها من كل ما مرت وتمر به
أرحم من أن تعيش وهي موقنة بأن دخوله للبلاد وحده أمر مستبعد ,
مما يعني أنه حتى وجودها معه هناك أمر مستحيل لذلك لم يفكر في
أخذها من هنا ولا عن طريق شخص آخر وهذا ما كانت تستغربه ولم
تجد له جوابا وها قد أتاها قاسيا مفجعا ومدمرا لما تبقى في داخلها من
تلك الطفلة التي تناضل للحياة من أجلها , لم تتخيل يوما أن يكون
سبب تركه لها زوجة له كي لا يرميها عمها في الشارع أو كان طلقها
منذ زمن بعيد فلن تصدق بعد اليوم أي أفكار يخبرها بها عقلها المحدود
التفكير بأنه يفعل ذلك ليتمسك بها فقط وليس لأي أسباب أخرى لا تمت
له بصلة , لكن ماذا عن التهديد الذي وصل لابن عمها برآء ! أليس
وجوده في حياتها كان سيكون حلا لمشكلة رميها في الشارع ؟؟ رفعت
رأسها ومسحت عينها قبل أن تتسرب منها دموع القهر التي تجمعت
بداخلها حين تذكرت رسالته لها وما قال فيها عن أنه لن يكترث
لتهديدات مجهولة الهوية كانت أو معلومة وأنه ماضٍ في الأمر لنهايته
وقفت وتوجهت للسرير وجلست عليه تمسك هاتفها وأرسلت له
( برآء لا تفعل أي شيء الآن لا أريد أن تتأذى بسببي , دعنا نترك
الموضوع جانبا الآن حتى وقت آخر أرجوك(
وأرسلتها له ورمت الهاتف جانبا ورفعت رأسها للأعلى وغرست
أصابع يدها في شعرها تشده للخلف ونظرها على الرسوم الجيرية
والأذرع الخشبية المصقولة في ديكور السقف
لا تعلم ما عليها فعله حيال كل هذا وما تقرر ! هل عليها أن ترفع قضية
الخلع ؟ هل تفعلها !
أغمضت عينيها ببطء وشعرت بحرارة الدموع فيهما والصورة الوحيدة
التي تشكلت أمامها كانت لذاك الفتى الذي كان يجسد كل معنى جميل
لتلك الطفولة التعيسة ... كان والداها اللذان فقدتهما في لحطة واحدة ,
كان رفيق وحدتها , كان سبب ابتسامتها وضحكاتها , بل
ومصدر أمانها الوحيد في ذاك العالم الموحش الذي تعيش فيه طفلة
غريبة عن كل شيء , كيف لها أن تقرر أمرا كهذا بعد كل هذه الأعوام
من الانتظار والعيش على الأمل ومن أجل الأمل فقط ؟
رأته دائما طوق نجاتها من كل ما مرت وتمر به فما سيبقى لها إن
فقدت هذا الطوق ؟
أنزلت رأسها ومسحت عينيها بقوة واندست تحت أغطية سريرها
وغطت جسدها بأكمله تاركة المجال لدموعها لتنساب في صمت فلا
شيء ولا عزاء لها غيرها حتى تعتاد هذا الواقع المرير الجديد وتقتنع
به وبأنها ستعيش عليه للأبد
*
*
انخفض السرير بجوارها ومسح ذاك الكف الدافئ على جانب وجهها
يشعر بخصلات شعرها الحريرية تداعب خشونة تلك الكف وهمس
مبتسما
" ما بها ابنة الحالك ؟ ما يكدر خاطر حبيبة قلب أيوب "
دست وجهها في صدره وتنهدت بعمق وهي تشعر بذراعيه تطوقانها
يقبل رأسها قبلات متتالية حتى رفعت رأسها ونظرت لعينيه الناظرة لها
بحان وعشق دافئين , تعشقه ولا تتخيل حياتها بدونه وأن ترجع
لمعاناتها القديمة فمصابها هذه المرة سيكون أضعاف ما فات , ترقرقت
الدموع الحارة في عينيها السابحة في ملامحه فسارعت أطراف تلك
الأصابع الرجولية لمسحها قبل أن تفكر في اجتياز رموشها وقال بحنان
" دموع مرة واحدة يا جوزاء ؟ لما لا ترحمي قلب المسكين الذي لا
يعجبه حالك هذه الأيام أبدا "
مسحت بظهر كفها على عينيها وهمست ببحة ونبرة حزينة
" المظاهرات اتسعت في مدن الحالك مطالبة بمطر , اشتقت له يا
أيوب .. اشتقت لسماع صوته وإن من بعيد
ومعرفة إن كان حيا أم لا "
قبل جبينها ثم نظر لعينيها مجددا وقال وإبهامه يداعب خدها
" الزعيم مطر لم يكن يرفض نداءا لأبناء وطنه في الماضي وتذكرين
ذلك بالتأكيد ؟ فلن يتوانى عن تلبيته الآن إن كان حيا يا جوزاء تأكدي
من ذلك "
وقال بعدما قبل ذاك الجبين الصغير مجددا
" هذا فقط ما يكدرك ؟ ضننت أنه أحد ابناك مجددا "
تنهدت تنهيدة طويلة وغضنت جبينها قائلة ببعض الضيق
" أتعباني معهما ولا يريدان الاقتناع بأن ذلك في صالحهما "
وتابعت وقد رفعت نظرها لعينيه
" أريد أن يستقرا .. أن يكون لهما حياة مع زوجات بعيدا عن صوان
وحتى الحالك , لا أريد لما حدث في الماضي أن يتكرر وننقسم لجزأين
ويخرجوننا من هنا , كثر يفعلون ذلك ويزيدون من نسب التناسب
بين القبائل الأساسية للبلاد كي لا نسمح لأحد بتفرقتنا مجددا "
خرجت منه ضحكة صغيرة وقال
" لهذا إذا أنتي مصرة ؟ لم أتخيل أن تشاركي الناس في هذه الفكرة !
هذا عمل صائب يا جوزاء فكلما تناسبنا أكثر تداخلت القبائل أكثر
وصعب تفكيكها كما يحدث الآن بين المدن التي كانت حدودا في السابق
تحولوا لنسيج موحد وأصبح من الصعب تقسيمهم ضمن صنوان أو
الحالك أو الهازان وهذه الخطوة أتمتها ابنة شراع صنوان رحمه الله
وجعلت من مدينة العمران مثالا لذلك وأصبح يقتدي بها الكثيرين أيضا
في السنوات الأخيرة "
أومأت برأسها موافقة ثم عدلت جلستها مبتعدة عن حضنه وقالت ترتب
خصلات شعرها التي تناثرت وتدسها خلف أذنيها
" هذا الأمر ستكون منافعه علينا أيضا وأنا بكل صراحةأريد رؤية
أحفادي وتلك الفتاة ابنة كنعان تعجبني حقا ومنذ رأيتها تمنيتها لغيهم
وأنا أعرف أنه لين ولن أتعب معه كثيرا لكنه ربط الأمر بالعنيد أبان
وأنت تعرف ابنك ذاك جيدا "
ضحك رافعا رأسه ثم مسح بكفه على شعرها ودسها في حضنه مجددا
وقال
" عليك بهما إذا ومعك حق فلم يعودا صغيرين والطابق في الأعلى
مجهز لهما من وقت ولا عذر لأي منهما "
طوقت خصره بذراعها تدس نفسها في حضنه أكثر وهمست بحب " لا حرمني الله منك يا أيوب ولا أذاق عيني دموع فراقك مجددا "
شد ذراعيه حولها أكثر وقبل رأسها قائلا
" أقسم لن يفعلوها مجددا يا قلب أيوب وإن خرجت بكم جميعا من هذه
البلاد ولتبقى صنوان والحالك فيها وليتفاهما مع بعضهما فنامي ولا
تفكري في كل هذا مجددا "
*
*
ارتخت الجريدة بين يديها وملأت الدموع الدافئة حدقتيها الزرقاء
الواسعة وتداخلت الحروف فلم تعد ترى منها شيئا وهمست بحنين
" أمي .... كم أشتاق لك "
لم تتوقع كل هذا في تلك المقالة التي ظنتها مجرد لقاء عملي كسابقاتها
وإن قل تواجدها في عالم الصحف والمجلات ، وبالرغم من أنها أصيبت
بصدمة من اعترافاتها في بعض الفقرات لكن هذه العبارة لم تستطع
مقاومة الغرق في دموع الشوق ما أن قرأتها
( ابنتي في قلبي أينما كانت على وجه هذه الأرض )
وكان هذا جوابها على سؤال لأول مرة توافق على أدراجه
والإجابة عليه وهو ( ما موقفك من ضم حضانة ابنتك لوالدها دون حكم
قضاء ولا قانون(
كانت تعلم وموقنة من أن صمت والدتها الدائم ليس معناه أنها لا تحبها
ولم تهتم لها يوما بل قرأته كصمت والدها تماما , صمت يحمل في
خباياه مزيجا من الفقد والألم لذلك لم تلقي باللوم عليها يوما ولم تكره
ما وجدت نفسها عليه وتعودت أن تعذرهما دون أن يقدما الأعذار ،
ضمت تلك الجريدة لحظنها بقوة وانسكبت دمعاتها الرقيقة فوقها فلا
شيء تحمله ناحية تلك المرأة البعيدة عنها إلا الحب والشوق والحنين ،
هو ذات الشعور الذي كانت تجزم بأنها ستشعر به ناحية والدها إن هي
عاشت مع والدتها وتركها خلفه تحت أي سبب كان ، مسحت دموعها
سريعا بطرف كمها ودست الجريدة تحت غطاء السرير حين سمعت
طرقات على باب الغرفة هي موقنة أنها لوالدها فهي تميز طرقته من
بين الجميع ، ولأن جدها أرسل لها مند قليل أن تأخذ جريدة العوسج
اللندنية تحديدا من صحف والدها تسللت لمكتبه وأحضرتها دون أخذ
إذنه وهي تعلم أنه لم يدخل له ولم يضطلع عليهم حتى الآن رغم أنهم
وصلوا مكتبه صباحا لأنه ومنذ يوم أمس غائب عن المنزل فقلما
يتواجد فيه وإن حدث ذلك لا يكون وحيدا فقد خصص له باب يفتح على
الفناء الخلفي وممر مستقل حتى الباب الخارجي للمنزل وعزله عن
منزله تماما ، تكرر الطرق مجددا ولم يفتح الباب فعلمت أنه يظن أنها
نائمة وهي من اعتادت النوم باكرا مع كل هذه الوحدة لذلك يريد التأكد
أولا
غادرت السرير تعدل قميصها القطني الناعم وترتب شعرها وعادت
لمسح آثار دموعها مجددا حين أصبحت عند الباب ثم أدارت المقبض
وفتحته بهدوء وابتسمت فورا للذي تقدم للداخل بخطوة واحدة وهمست
وهي ترتفع على رؤوس أصابعها مقبلة كتفه
" مرحبا أبي "
مسحت يده على شعرها وتعلقت نظراتها بنظراته التي كانت تبحث في الغرفة حتى استقرت على باب خزانتها وقال
" هل جهزت أغراضك ؟ وقت الرحلة لن يكون بعيدا يا تيما "
حاولت جهدها إخفاء حماسها والسعادة التي كانت تتقافز من عينيها كي
لا يضن أنها كارهة لوجودها معه هنا وتمتمت بصوت منخفض
" كل شيء جاهز تقريبا عدى ما أستخدمه الآن "
ولاحظت سريعا أن نظراته الباحثة في أرجاء غرفتها لم تتوقف بعد فعضت طرف شفتها
ونظرت فورا للأرض تشبك أصبعها ببعضها حين أدركت أن ما يبحث
عنه سيكون تلك الجريدة بالتأكيد , لكن كيف خمن أنها هنا ! وأنها
اختفت أساسا من مجموعة الجرائد تلك ؟
ارتجف جسدها ورفعت نظرها له مجددا حين شعرت بكفه على كتفها
ونظرت لعينيه السوداء الواسعة المحدقة بعينيها وشعرت بقلبها تمزق
بقسوة حين خرج منه ذاك النفس القوي وكأنه حرره من سجن دام لسنوات خلف تلك الأضلع , وبدا صوته مرتخيا وبحته أكثر وضوحا
حين قال
" تيما الانتقال من هنا لوطننا معناه تغيراً جذريا في أسلوب حياتك
صغيرتي "
ملئت الدموع عينيها فورا للطريقة الجديدة لمناداته لها ولكل ذاك الكم من المعاني في عبارته تلك فهمست ببحة بكاء تغلبت على صوتها
" لن أتركك وحيدا أبي وأحب حياتي معك كيفما كانت "
وهربت بحدقتيها الغارقة في بحيرة الدموع ونظرت لأصابعها مجددا
وتابعت بحزن سامحة هذه المرة بخروج كل ما في قلبها ولم تذكره أمامه
" أشتاق لها أبي وأحتاج أن أراها وإن ليوم في حياتي لكن المحيطين
بها كثر أما أنت فلا "
وتشجعت ورفعت نظرها لعينيه التي لازالت تنظر لها دون أن تقرأ أي
تعبير فيهما وقالت ما رأت أنه عليها بالفعل قوله مهما كانت ردة فعله
عليه
" يمكن لما بينكما أن يرجع كما كان أبي أليس كذلك ؟ إن أحبتك
فيمكنها تفهم أسبابك "
كانت تعلم بأنها تحاول السير في أرض مليئة بالألغام وأنها تخوض في
أمر يكره الحديث فيه والدليل أمامها من إبعاد نظره عنها وإسدال جفنيه
ليخفيا خلفهما حدقتيه السوداء شديدة القوة ورأت مجددا المشهد الذي
لم يتكرر بعد تلك المرة لوالدها الذي لم تعرفه حياتها إلا قويا صلبا
واثقا من نفسه ومن قراراته وأفكاره ,كانت ستتحدث لكن الكلمات
ضاعت منها فجأة ولم تعد تعلم ما تقول فلم يخرج من شفتيها
المنفرجتان قليلا سوى صوت أنفاسها المتقطعة وبدأت تلك
الدموع المتمردة بالانسياب من رموشها السوداء الكثيفة لحظة ما رفع
نظره لها مجددا وفاجأها بأن أمسك رأسها لتحيطه أصابعه الطويلة
القوية فأغمضت عينيها التي تقاطرت الدموع منها تباعا حين شعرت
بشفتيه على جبينها ... وضمها لحضنه , الحضن الذي لم تعرفه سوى
في مرات نادرة جداً بل منذ كانت طفلة تركض له باكية إن حدث شيء
عجزت عن التعبير عنه كسقوطها ذاك اليوم من الأرجوحة في وجوده ,
وأصبحت تلك المرات القليلة تتناقص شيئا فشيئا كلما كبرت وأصبح
ذاك الوالد يبتعد عنها لمشاغله أكثر من ابتعاده الطويل في تلك الطفولة
, لكن حضنه هذه المرة كان مختلفا .. مختلفا تماما , لم يكن ذاك
الصدر الذي وفرلها الأمان في تلك المرات المعدودة , ولا الذراعان
التي احتوتها لأنها ارتمت بينهما من تلقاء نفسها , كان حضناً مشبعاً
بالعاطفة الأبوية الحقيقية التي كانت تتمناها , حضن شكل لها الطمأنينة
بكل معانيها وتمنت حقا أن لا ينتهي كي لا تشتاق إليه مجدداً لكنها
كانت مجبرة على الابتعاد حين انتشلها منه بنفسه فرفعت نظراتها
المغرورقة بالدموع ناظرة لعينيه وقد أمسك وجهها بكفيه ومسح
إبهاماهما الدموع من وجنتيها وعادت نبرة الثقة لصوته وهو
يقول مركزا نظراته الثابتة الواثقة على عينيها
" تيما أنتي لم تعودي صغيرة مهما نظرالناس لعدد سنوات عمرك لأني
ربيتك لتكوني أكبر من ذلك بكثير , أخطأت كثيرا لا أنكر ذلك لكني
كرهت حقا الآلام التي أسببها للمقربين لي بسبب ما أجد نفسي
فيه مجبرا "
عادت دموعها للتدحرج على وجنتيها وزمت شفتيها تخفي رجفة البكاء
فيهما وهي تجد تفسيرا واحدا لكلماته التي لم تسمعها منه يوما وكأنه
يحاول أن يصيغ جمل اعتذار , لكنها لم تراه يوما مخطئا رغم أنها لم
تتخيل أن هذه هي أسبابه ! تابع وإبهاماه عادا لمسح دموعها
" فتاة غيرك ليست ابنة مطر شاهين وليست من رباها بقوانين صارمة
واستطاعت تحملها ما كانت لتفهم كلماتي .. لكن أنتي لا يا تيما , أنتي
ابنة والدك التي حتى إن أخطأت علمت حجم خطئها ولا تكرره , أنتي
التي استطعتِ التأقلم مع بيئة كانت ستجعل من غيرك مراهقة منحرفة
أكبر أسبابها أنها عاشت تقريبا بلا أبوين "
أنزل بعدها يديه عن وجهها وأبعد نظره سامحا لجفنيه من جديد بإخفاء
حدقتيه ونظراته عنها
لكن ليس هربا هذه المرة وهذا ما لاحظته وهو يقول " أريدك أن تعلمي
أني ما كنت سأبعدك عن والدتك ولا ليوم واحد لكن أسبابي لن يستطع
قلب الأم المذبوح فهمها واستيعابها "
مسحت بظهر كفها عيناها ودموعها التي أبت التوقف ونظرها لازال
على عينيه التي رفعها لها مجددا وهو يتابع
" خشيت عليك من نفسي يا تيما كي لا أكون ملاما منك يوما ما
وتكرهينني ولن يجدي معك حينها شرح أسبابي التي لن تريها إلا
ترهات لذلك أبعدتك عني رغم وجودي بقربك لأن التعلق ثمنه غال جدا
يا تيما , أغلى مما يتصور من لم يجربه "
تمنت أن تحدثت وقتها , أن قالت له أن من يحبك حقا يمكنه فهم ما
تفعله من أجل ملايين الناس في تلك البلاد , أن قلب المرأة بقدر ما
يعتب ويلوم يغفر ويسامح , ولديها في داخلها الدليل
لكنها لا تستطيع الخوض أكثر في أمر لا يمكنها الحكم عليه ما لم تعرف
تفاصيله وما لم تعشه بنفسها كما قال ولا تريد فتح جراح الماضي أكثر
وهي تراه لأول مرة الأب الذي لطالما حلمت به وعلمت أن أسباب
ابتعاده عنها كانت من أجلها وأنه ثمة أمل أن تزول وللأبد , لكن ما لم
تستطع إمساك نفسها عنه هو ما فعلته حينها وفورا بأن ارتمت في
حضنه وتركت العنان لدموعها وخرجت كلماتها مختلطة بعبرتها وهي
تتمسك بسترته بقوة
" أحبك أبي وقسما لم أراك إلا رائعا دائما وكنت أعذرك بسبب أو
بدونه "
طرقات على باب الغرفة جعلتها تبتعد عنه وإن مكرهة ما أن أبعد يده
التي كان يمسح بها
على شعرها وامتدت يده للباب فورا وفتحه لتظهر من خلفه الخادمة
التي قالت مباشرة
" ضيفك وصل سيدي وينتظرك في المكتب "
فلم تسمع التي خبئت عينيها في كم قميصها تمسح الدموع منهما إلا
صوت خطواته الثقيلة وهو يغادر من عندها وهي من تفهم جيدا أنه
ثمة أولويات في حياة هذا الوالد أهم عنده من أي شيء حتى ممن لا
يتخيل تركهم والابتعاد عنهم يوما , أغلقت باب الغرفة ما أن سمعت
صوت رنين هاتفها وتوجهت نحوه رفعته وجلست على السرير وأجابت
فورا فالأرقام المخزنة والمسموح
بها فيه ثلاثة لا غيرها ( والدها وعمتها غيسانة وجدها دجى ) أجابت
تمسح طرف عينها بكم
قميصها القطني المشبع بالدموع هامسة بابتسامة حزينة
" مرحبا جدي , ما هذه المفاجأة اتصال وفي وقت نومي !! "
وصلها صوته مبتسما وهو يقول
" علمت أنك لن تكوني نائمة فكيف ستشي بي عند والدك حينها يا
خائنة "
قالت باستغراب " أنا أوشيت بك !! "
قال من فوره " أجل .... ومن غيرك سيكون أخبره عن الجريدة وما
قلت لك "
حركت رأسها بحيرة وقالت باستنكار
" لم يحدث ذلك جدي , الجريدة لازالت لدي ولم أُرجعها له وهو لم
يكن في المنزل منذ الأمس ولم يرجع إلا الآن فقد سمعت صوت سيارته
تدخل منذ قليل "
تنهد قائلا : " إذاً رآها في مكان ما أو سمع عنها لذلك لم يتوانى عن
إسماعي موشحه الدائم
علمت أن عقبات ما قالته والدتك المصون لن تكون إلا سيئة "
شعرت فورا بموجة اكتئاب شديدة وهي تتذكر ما قرأت فيها ولا يمكنها
تصور أن والدها قال ما قال لها بسبب كل ذلك أو أن يكون ضن أنها
ضنت به سوءا وستكرهه , همست بصوت حزين
" لكنها لم تتحدث طوال السنوات الماضية جدي أليس كذلك ؟ لما قالت
كل هذا الآن وتحديدا بعد وفاة الرجل الذي رباها ؟ "
قال بعد صمت لحظة :
" لا أعلم يا تيما وسأرى والدك وما لديه وأفهم ملابسات الأمر
ها ماذا حدث معك أنتي ؟ هل أخبرك والدك أن رحلتك ستكون بعد
يومين ؟ "
قالت بصدمة " يومين ؟؟ أخبرني أنها قريبة لكنه لم يقل متى , ثم ما
تعني برحلتي جدي !! "
قال من فوره " وهذه لم يخبرك بها أيضا ؟ "
وقفت على طولها من صدمتها وقالت برفض قاطع
" هل سأسافر أنا فقط ! لا لن أترك والدي هنا وأذهب , لن تشتتوا
روحي مجددا "
وصلها صوت جدها من فوره
" من قال هذا يا تيما ؟ لا تستبقي فهم الأمور ، أنا فقط عنيت
أنه ستكون رحلتك لوحدك وبالقطار حتى تخرجي من لندن لباريس
ووالدك سيسافر بالطائرة , ثم من فرنسا ستقلع طائرتكما معا للوطن "
انهارت جالسة من جديد تشعر بخور قوي في جسدها فلم تكن تتخيل
أبدا أن تصاب بصدمة كتلك ، مررت أصابعها في شعرها وقالت
" لا أتخيل أن أذهب ويبقى والدي هنا كدت تقضي عليا بذلك يا جدي ،
يكفيني أن يكونا هناك كل واحد منهما يشطر قلبي لجزء معه "
تنهد قائلا " الدور سيكون عليك , أنتي العامل المشترك بينهما يا تيما "
انحنى كتفاها وقالت باستسلام
" ذاك جل ما أتمناه لكني أرى الأمر لن يكون سهلا فوالدي
يلتزم صمتا مبهما حيال الأمر وابنتك لست موقنة بشيء حيالها وهذا جل ما أخشاه "
قال بتنهيدة " يبدوا أنك ورثت هذا من والدتك فشقيقي صقر في آخر
لقاء لنا منذ عامين
قال أنها قالت مرة أن أحبائها لا يمكن لهم أن يجتمعوا وأنه بظهور
أحدهم على الآخرأن يختفي وكان ذلك حالها دائما بالفعل "
همست بحزن والدموع عادت تترقرق في عينيها
" يا شوق قلبي لها يا جدي ، أقسم أنه لاصبر لدي أكثر على لقائها
وجل ما أتمناه أن يجتمع من أحب وأن لا أكون فعلا مثلها "
وتابعت قبل أن يعلق " وأنت جدي ؟ ألن تكون معنا ؟ "
بدا لها صوته يحمل الكثير من الحنين والحزن وهو يقول
" ليس الآن على الأرجح يا صغيرتي , وحتى حين سأكون هناك لا
يمكنني الظهور بشخصيتي الحقيقية ولا الاقتراب منكم علنا "
مسحت دمعة جديدة ترنحت في طرف رموشها وقالت بحزن
" كيف يمكن لقضية مثلها أن لا يكون لها حل بعد كل هذه السنوات
والتغيرات ؟ "
وصلها صوته هادئا عميقا
" الأمر لا يد للقانون ولا القضاء فيه يا تيما , إنه أمر
متأصل في أفكار تلك الناس وعليا أن لا أغامر حاليا "
ثم قال بنبرة مبتسمة كعادته حين يغير من مزاجه الكئيب فجأة وبكل
بساطة
" سأتركك تنامين الآن بما أنه ظهر أنك بريئة من تهمة الوشاية بي ,
تصبحين على خير أميرتي "
ثم أنهى الاتصال لتنخفض يدها والهاتف فيها لحجرها ونظرها عليه
تفكر فقط في القادم
وهل فعلا سيكون على عاتقها وحدها الجمع بين أبويها أو أنه ثمة أمل
في شيء ما لازال موجودا داخل كل واحد منهما ؟!
*
*
ضربت سماعة الهاتف بقوة وأمسكت جبينها بأصابعها تتنفس بحدة
واستياء ، يوم ونصف فقط مدة لم تتخيل أن تكون كافية ليطبعوا تلك
المقالة وكأنهم يتسابقون مع الزمن !! لم يتركوا لها الفرصة ولا
لتشتري كامل العدد قبل نشره فصحيفتهم لها فروع خارجية تطبع
ذات العدد وتنزله ، لو فكرت في كل هذا لسحبت تلك المقالة السخيفة
منذ الأمس ،
فركت جبينها أكثر وابتسمت بسخرية وهي تتذكر عبارة رئيس التحرير
( تم التعديل على أغلب الأسئلة وبعض الإجابات ولغينا فقرات كثيرة
سيدتي من أجل طول وصياغة المقالة وأيضا لإيضاح بعض النقاط
المبهمة ، لا أعتقد أن فيها ما يدّعي إلغائها(
رفعت رأسها متمتمة بسخط
" هل يضنني غبية ولا أعرف جريدتهم أم صحيفتهم عالية الكفاءة تلك ؟ "
نظرت لهاتفها الشخصي وللاسم الذي يضيء وسط شاشته ثم رفعته
وأجابت
" مرحبا جليلة أين أنتي اليوم لا تجيبين على هاتفك ولم تداومي في
الجامعة ؟ "
وصلها صوتها فورا
" أنا في السيارة ونحن نخرج لتوز حاليا وسننتقل لحجور يا غسق "
انفتحت عيناها بصدمة هامسة
" تنتقلون !! لكن لماذا وما هذا القرار المفاجئ ؟ "
" والدي قرر هذا وجميعنا وافقناه ، الأمور ليست بخير يا غسق ونحن
من صنوان ونعيش في عاصمة هي ضمن حدود الحالك ، عائلات كثيرة
بدأت بالانتقال من حوران ومن مجاوراتها ودخلوا مدن صنوان ،
الأنباء التي وصلتنا لا تبشر بخير أبدا والجميع خائفون على أنفسهم
وذويهم "
صرخت دون شعور منها
" كيف يا جليلة ؟ كيف تتركون مدن بلادكم ! ألم ننسى هذا
التقسيم الجائر من أعوام ؟ لماذا تساعدون أولئك الحمقى فيما يخططون
له وأبعد بكثير ؟ لا أصدق أن يفرط الناس في وحدة تراب الوطن بكل
هذه السهولة !! "
" لا أحد يفرط في وحدة ترابه يا غسق لكنه تجنب لما لا نعرف ما قد
يكون , ووالدي قال حتى نرى الأوضاع وعلى ما ستستقر أولاً , ومعه
حق فقد يأتي وقت لا قدر الله لا نجد فيه ولا منفذ للخروج ونصبح
مستباحين دم لأصحاب الثأر الجدد ، عليك أيضا الخروج يا غسق
وعمتك وابن الكاسر فلا تنسي موقع العمران وحساسيته ، وعلى
شقيقك رعد مغادرة حوران أيضا , أنتي لم تري التحركات هناك وعلى
امتداد الطريق حتى توز , إنهم يدبرون لأمر ما ويبدوا خطيرا جدا
أخرجــ .... "
قاطعتها بتصميم " لن أخرج وليقتلوني هنا إن ساءت الأوضاع كما
تتوقعون , أنا لست ابنة صنوان ولا ابنة الحالك أنا ابنة هذا الوطن ولن
ينكر أحد انتمائي له "
وصلها صوتها هادئا
" أعلم يا غسق لكن بعضهم لن يرانا سوى غرباء , إنها فتنة وحين
تزرع بين أبناء الوطن الواحد لا يعرف أحداً عدوه من صديقة وتصبح
أيدي خارجية هي من تحركهم "
هزت رأسها بقوة رافضة لكل ما تسمع ولم تعد مقتنعة ولا بكلام رعد
عن دواعي هذا المخطط الأخير وما يفعله رجال مطر شاهين السابقين
فقط لإنقاذ البلاد مما طاف بها مؤخرا ، همست بحروف لم تعرف كيف
وجدتها
" وداعا الآن يا جليلة "
وأنهت الاتصال معها وشعرت بذاك الألم يفتت قلبها وجاهدت باستماتة
كي لا تنزل دموع اليأس والحزن من مقلتيها المليئة بالألم وهي تنظر
باكتئاب لصورة والدها شراع تتوسط الجدار البعيد والمقابل لها ، لا
تتخيل أن تضيع تضحيات الجميع أدراج الرياح والآن وبعد كل هذه
السنوات حتى نسيت الناس جزءا كبيرا من مآسيها التي عاشتها على
مر العقود
لا يمكن لدم والدها الذي رباها كأميرة وليس كأي ابنة أن تكون الينبوع
الذي ستُسكب بعده الآلاف من الدماء الجديدة وهي أكثر من موقنة من
أنه كان أمام خيارين واختار أن يفقد حياته على أن يفقد الوطن
تماسكه ، وحديثه الأخير بينهما ومعها هي تحديدا كما اختار يؤكد لها
ذلك
لا يمكن لكل ما دفعه أبناء وطنها للنهوض ببلادهم من جديد أن يضيع
في لحظة وبسببهم هم ، بل لا يمكن أن تنسى ما دفعته هي تحديدا ثمنا
لكل هذا وهي تخسر حتى ابنتها وليدتها ، أن يتلاشى هكذا فجأة لتصبح
بلا شيء لا زوج لا ابنة لا والد ولا حتى وطن
وقفت عند ذاك الحد قاطعة على نفسها سيل أفكارها الكئيبة وغادرت
غرفة مكتبها الواسعة بيضاء المعالم كسكونها والسلام في زواياها ،
خرجت مغلقة الباب خلفها وعلى ساعدها تحمل معطفها ونظرت فورا
للفتاة على المكتب الملاصق للجدار وهي تهب واقفة مبتسمة فور
رؤيتها لها تخرج وقالت
" راوية سأخرج ولا أريد أن يعلم أحد فأنا في مكتبي
والمقابلات ممنوعة اتفقنا "
أشارت لها الفتاة الشابة برأسها موافقة تراقب خطواتها وهي تغادر من
أمامها وتضع نظارة سوداء كبيرة على عينها وقد استقلت المصعد
الخاص ونزلت للطابق الأرضي فورا والذي انفتح باب مصعده الخاص
بقسم الإدارة سريعا كاشفا عن المرأة التي قد خطت قدماها للخارج
بحذاء عالي الكعبين يعلوهما بنطلون أسود فمعطف له قلنسوة تلبس
على الرأس قد غطت أغلب ملامحها بمساندة تلك النظارات القاتمة
والعريضة ، غادرت من هناك بخطوات ثابتة واثقة لم تعر اهتماما ولا
انتباها لأي حركة تصدر حولها في ذاك المكان الواسع الذي لا تتوقف
الحركة فيه ، ولا لتلك النظرات الفضولية التي كانت تتبعها تتساءل عن
صاحبة ذاك المظهر الغريب
وهي تسير نحو الباب الزجاجي الواسع بخطوات ثابتة يديها في جيبي
معطفها لا شيء تقريبا يظهر من ملامحها بسبب تلك القلنسوة المتدلية
جزئيا على وجهها ، ما أن خطت خارج باب ذاك المبنى الأبيض الضخم
رفعت وجهها في مواجهة الريح الباردة التي لفحت وجنتيها وهي
تنزل العتبات القليلة التي تفصلها عن الأرض ، هذا ما كانت تريده
تحديدا أن تتحرر وإن للحظات من كل ذاك الحصار الخانق الذي فرض
عليهم بعد وفاة والدها شراع ليتقلص حتى نشاطها الخارجي واحتكاكها
بالناس من حولها وهي من كانت تحضر حتى تلك المناسبات التي توزع
فيها المعونات التي تقدمها جمعيتها الضخمة على المحتاجين ، أمور
كثيرة تغيرت في برنامجها العملي وحتى الحياتي بعد عملية الاغتيال
المشينة التي تعرض لها والدها وشقيقها رماح , وأصبح لها مندوبون
ينوبون عنها في جميع مهام جمعيتها تقريبا بعدما كانت لا ترضى
إلا بحضورها وإشرافها الشخصي حيث لم تكن تمثل دبلوماسيا إلا
نفسها وقد استحقت لقب ( درع المرأة الذهبي ) بجدارة ولم يكن
مجرد شعار يلقبها الناس به إعلاميا فقط ، سلكت الطريق
الرئيسي المؤدي لبوابة المبنى ولازالت تتجاهل حركة كل شيء
من حولها في ذاك الشارع الطويل المكتظ بالناس والسيارات
ولم ترفع نظرها إلا لمجموعة من الفتيات بلباسهن الموحد
وقمصانهم البيضاء تحمل شعار جمعية الغسق وتحته خطت عبارة
عريضة باللون الأسود ) ضحايا الزواج القسري ) مجموعة صغيرة
من أخرى ضخمة ممن دافعت عنهم الجمعية وترافعت عنهم أمام
المحاكم لأعوام وأعوام مرت لينلن حريتهن من جديد بل ودمجهن في
المجتمع كعناصر فعالة ولكي لا تخشى أي واحدة غيرهن من تدهور
حالها في حال نالت الطلاق ، ما لفت انتباهها لم يكن زيهن الموحد ولا
لأي فئة من مملكتها ينتمين فأمثالهن في تلك المملكة البيضاء كثر وقد
اعتادت الناس رؤيتهن بذاك الزي الموحد والشعار الخاص
بتلك المملكة وتقسيمهم ضمن شرائح لنساء عانين بكل وأبشع الطرق
من العنف الجسدي والزواج القسري والطلاق التعسفي والاستغلال
الجنسي وغيرها الكثير عجت به محاكم الدولة خاصة في السنوات
الأخيرة حتى تحولت تلك المملكة لهدف من بعض من لم يعجبهم
ما وصلت إليه والأرقام تتضاعف وهي تتحدث عن نسب ضخمة من
أموال دفعها رجال كتعويضات عن أفعالهم ضد تلك النساء أو سنين
قضاها البعض في السجن حتى تحولت لكابوس يطارد بعض ضعاف
النفوس ممن يروا أن المرأة التي تحت رحمتهم لا أحد لها .
ما لفت انتباهها حقا كان ما تقوم به تلك المجموعة وهي تتحرك بنشاط
وترتيب وهن يضعن بعض الملصقات على الأعمدة وزجاج بعض
المحال التجارية بعد أخد إذن مستأجريها وكانت
تلك المطويات التي يقمن بتوزيع بعضها على بعض المارة عبارة عن
حملة لنشر الوعي بين الناس لخطورة ما تمر به البلاد حاليا ونتائج
الانقسام والفرقة والتشتت مرفقة بصور تتحدث عما عانته وقاسته
بلادهم قبل توحيدها , صور لجثث لأبرياء قتلوا دون وجه حق وأسر
في الملاجئ والمخيمات وبعضهم ينام في العراء وأخرى لآلات حربية
ومنازل مدمرة ومدن من وطنهم الحبيب مهجورة تماما , كل ذلك في
حملة موسعة كانت منذ أيام قليلة مجرد فكرة تناقشها مع الإداريات في
الجمعية لدراسة آلية تنفيذها وكلفتها وأي الجهات تحديدا ستتكفل
بتنفيذها ولم تتصور أن يتم ذلك دون أن تنتهي مناقشته وهم لم يقرروا
بعد الآلية لتنفيذه ! وأن تتعاون الفروع للقيام بكل ذلك وإن كان في
نطاق محدود وكل أملها وأملهن أن تعي الناس خطورة ما تنزلق له
البلاد تدريجيا خاصة في الآونة الأخيرة ، رفعت يدها وأمسكت
المطوية التي قدمتها لها إحداهن مبتسمة بحبور وبادلتها هي ذات
الابتسامة وهي تأخذها منها , ابتسامة تحاكي الأمل في غد أكثرإشراقا
وأن لا يرجع الظلام ليخيم على مستقبلهم القريب , تابعت طريقها
وخطواتها الهادئة حتى كانت أمام محل لبيع الصحف المحلية والعالمية
ونزعت نظارتها السوداء حينها لتنظر لآخر الأعداد وأهمها
والمعروضة خارج المحل وعلى رأسها كانت جريدة ( العوسج ) كما
توقعت وتنهدت بضيق وهي تسحب الجريدة وتعيد نظارتها ما أن خرج
الرجل العجوز يتبعه رنين الأجراس في الباب الزجاجي الذي أقفله بعده
وقال مبتسما وهو ينظر لما في يدها
" إذاً اخترت العدد الجديد من العوسج آنستي ؟ اختيار أغلب الزبائن
اليوم "
دست يدها الأخرى في جيب معطفها وأخرجت منه بضع جنيهات
وناولته إياها ولم تعلق على كلماته إلا باغتصاب ابتسامة صغيرة
مجاملة وتحركت من هناك مجددا ووجهتها كانت آخر الشارع الطويل
ثم انعطفت يمينا حيث أحد المقاهي الكبيرة والمشهورة يترأس أحد تلك
الشوارع الرئيسية فاختارت طاولة متطرفة بعيدة عن الأعين قدر
الإمكان وجلست واضعة الجريدة عليها , همست منكسة رأسها على
جريدتها التي لم تفتحها بعد
" قهوة مع سكر معتدل "
مجيبة النادلة الشابة التي كانت تقف أمامها وقد غادرت فور أخذ طلبها
, أنزلت النظارة على الطاولة بجانب الكوب الذي أحضرته تلك الفتاة
سريعا وفتحت الجريدة ورفعت نظرها عنها سريع فور سماعها ذاك
الصوت وضجيج الأطفال وابتسمت رغم تجهم ملامحها وحزن
تلك الابتسامة وهي تراقب توزعهم السريع خلال الرصيف المقابل بعد
خروجهم من مدرستهم التي يفصلها عن ذاك المقهى شارعين فقط ,
واختلطت حركتهم سريعا بفتيات المرحلة الإعدادية بزيهم المدرسي
الأزرق الموحد وتحول المشهد أمامها لصورة لا تنسى وبعضهن
يحاولن مساعدة بعض الأطفال لاجتياز الشارع وأخريات يشاكسن بعض
الفتية الصغار ويضحكن , وسرعان ما ماتت تلك الابتسامة وفقدت
الصورة رونقها ومعناها الجميل وهي تتذكر ابنتها التي حرمت منها
طفلة وكانت في المدرسة كهؤلاء الأطفال ثم أصبحت في عمر تلك
الفتيات وستكون الآن اجتازت مرحلتهم العمرية هذه , تعلمها وتحسبها
باليوم والساعة وإن كان بينها وبين قلبها المكسور وهي بعيدة عنها
تفصلهما ما لا تعلم قدره من الأميال وجل ما تخشاه أن تكون قريبة
منها ولا تعلم , لا يمكنها إلا لوم ذاك الرجل على كل هذا , كان يكفيه
عقابا أن حرمها منه ليزيد من قتلها بحرمانها من فلذة كبدها أيضا وهو
من لم يبدي أمامها أي شعور بسعادته بالأمر حين علم بحملها فلم
تستطع تبرير موقفه سوى بأنه قتل لها وبالبطيء أيضا , ولولا ابن
الكاسر ما كانت تعلم ما كان سيكون حالها
أنزلت نظرها لجريدتها المفرودة أمامها يقلب أطراف أوراقها العلوية
الريح ليقع نظرها على تلك الصورة وذاك الرجل فيها , على الشعر
الأسود الفاحم والعينان التي تماثله اسوداداً والنظرة الثابتة المسيطرة
وكأنها تنظر للناظر لها مباشرة في عينيه مخترقة أعماقه ,
عمر الصورة كان كعمر معاناتها ونبذه لها , صورة قديمة تشبهه كآخر
مرة رأته فيها وصوت همسه الواثق لازال يسكن مسامعها وهو يطلب
منها أن تعطيه الفرصة ليشرح موقفا ما كان عليها أن تصدقه وأن
تتخلى عن معتقداتها ناحيته وأن تسمح لمشاعرها بأن تتغلب عليها
وتضعه في لحظة في موقف البريء من كل ما ثبت بالدليل عنه أمامها
, طوت الصفحة هربا حتى من كل تلك الذكريات المؤلمة التي بسببها
تعلمت أن تكرهه , لكنها عادت لها سريعا حين اكتشفت أن الخبرالذي
تبحث عنه ضمن أسطرها بل وهو الخبر عينه الذي من المفترض أنه يخصها هي , كرهت تلك الجريدة بالضعفين وهي تكتشف انتهازهم
للفرصة لضم صورته للمقالة وكأن اللقاء أجمعه لا يتحدث إلا عنه ,
ولولا رفضها التام والدائم لإظهار صورها هي لكانت ستكون بجانب
صورته في الأعلى بالتأكيد , شدت قبضتها وأراحت ساعدها على رأس
أوراق الجريدة وكأنها تثبتها عن الريح بينما كان غرضها الأساسي
إخفاء تلك الملامح وذاك الوجه للرجل الذي عشقت يوما كل تفاصيله
الصغيرة حتى تحول كل ذاك الحب لعداء وبغض حين لم تجني منه
سوى الخذلان والخيبات المتتالية , كانت تعلم ما قالت وما سيكون قد
كتب فيه لكنها تشك أيضا في القدرات المخفية لتلك الصحفية وكيف
تجعل من المقابلات العادية مقالات مشحونة بالتشويق والإثارة
ما أن وقع نظرها على أول أسطر ذاك المقال حتى رفعته لمستوى
وجهها وهي ترى تلك الساقين الطويلة بالبنطلون الرجالي الكحلي
والمعطف الطويل المفتوح يقف أمام طاولتها تحديدا فرفعت نظارتها
فورا وعلمت أن أوان وضعها على عينيها قد فات حين سحبت تلك اليد
بالأصابع الطويلة السمراء والقوية الكرسي أمامها ووصلها ذاك
الصوت الرجولي الواثق
" هل تأذني لي بإفساد خلوتك سيدة غسق دجى الحالك !!! "
*
*
" ما تعليقك على الأمر يا تيم ؟ "
رفع نظره من الأرض للجالس أمامه دون أن يرفع جسده ولا أن يبعد
مرفقيه عن ركبتيه
وحمل صوته الكثير من البرود وهو يقول " لا علاقة لي ولا رأي في
كل ما تقول "
قال مطر بذات جديته " إذاً لتكون على دراية بالأمر فقط فهو اشترط أن
تعلم قبل أن
يُقدم على أي خطوة في الموضوع وإن كانت كلها تمثلية فقط "
أشاح بوجهه جانبا وقال " لا علاقة لي بأي شيء يفعله ذاك الرجل
حتى
إن تزوجها فعلا "
تنهد الجالس أمامه بصمت ، يفهم موقفه بل ويفهم ما مر به حتى بعد
خروجه به وجلبه إلى
هنا ولا يمكنه لومه أو الوقوف مع والده وجميع من يقربون له وينبذهم
خاصة مع شخصية
كشخصيته هذه يجعلك تتيقن من أنه حتى الهواء الذي يدخل رئتيه يأخذ
إذنه أولا ويخرج
دون أن يبقى منه شيء ، قال مدققا نظره على ملامحه " إذا يبدأ فيما
اتفقنا عليه بعد أن زالت حجته "
نظر له مجددا وقال بلامبالاة لكل ما قيل " لدينا مهمة قريبة لإحدى دول
جنوب إفريقيا "
حرك مطر رأسه في صمت وكما توقع سيهرب من الحديث عن الأمر
سريعا دون حتى
أن يدفعه فضوله لمعرفة التفاصيل ، تابع حين لم يعلق " ستكون نهاية
الأسبوع القادم "
قال مطر " ما المهمة الموكلة لكم هناك ؟ "
أجاب من فوره " ثلاث دبلوماسيين من السفارة اختطفوا على يد
إرهابيين ومهمتنا ستكون
تخليصهم منهم ، ثمة فرقة كوماندوز أمريكية ستكون معنا وإسناد
جوي أيضا فقد تحدد
مكان الهدف وهذا ما دفعهم للمغامرة ومحاولة تحريرهم "
همس مطر محركا رأسه بالموافقة " حظا موفقا إذاً "
وتابع مركزا نظره على عينيه " ليست عادتك في إعطاء التفاصيل يا تيم ! يبدوا
لي ثمة انحراف ما في رحلتك إن كنت أفهمك جيدا ؟ "
عدل جلسته مكتفا يديه لصدره وقال بشيء من الهدوء " بلى وأعتقد
أنه لم يعد يجدي
ترك الأمر لسنوات أكثر بما أن الوضع على ما يبدوا لن يتغير "
قال مطر من فوره " لكنك تعلم خطورة دخولك هناك يا تيم ؟ أرسل
غيرك
وسنجري احتياطاتنا هنا "
حرك رأسه برفض فوري وهو من كان متأكدا أن قراراته لن يناقشه
فيها أحد غير الجالس
أمامه وتعوّد أنه لا يفعل ذلك إلا نادرا ولطالما ترك له حرية اتخاذ تلك
القرارات ، قال
بجدية " ثمة دين قديم وحساب عليا تصفيته بنفسي من أحدهم "
ارتفعت زاوية فم الجالس أمامه بابتسامة صغيرة فهو أكثر من يفهمه
ويعلم كيف يفكر لذلك
لن يناقشه في أي شيء يخص ذاك الأمر ولن يعترض ، قال " لك ذلك
وسأوفر لك الحماية
والسرية التامة لإجراءات دخولك هناك ولخروجكما فالفرصة ستكون
مواتية تماما بسفرك في
تلك المهمة لتمر بالبلاد وقت رجوعك لكن مكوثك هناك يجب أن لا
يكون طويلا من أجل
سلامتك , والمجموعة هنا تحتاجك خاصة في القادم "
أشار برأسه بالموافقة دون تعليق وقال مطر " إذاً دعنا ننتقل الآن
للنقطة الأهم في طلبي
لك الحضور الآن قاطعا رحلتك "
نظر له باستغراب فرغم أنه معتاد على التغير المفاجئ والدائم في نمط
حياته وتحركاته بسبب
المهام التي توكل له من الجانبين إلا أن حدسه الذي ورثه من فطنة
عائلة كنعان تحديدا ينبئه
بالكثير من الغموض وراء الأمر َ!! ورغم ذلك حافظ على صمته
وهدوئه الحذر الدائم حتى
تحدث الجالس أمامه مجددا وقال ناصبا ساق على الأخرى " مؤكد
المعلومات التي
وصلتني عن ابنة الجنرال غامسون صحيحة ؟ "
فك تيم ذراعيه عن صدره وأراح قبضتيه على ركبتيه شادا لهما بقوة
وقال " أعلم بالقوانين
وأنا لا أريد من نفسي الدخول في أي علاقة من هذا النوع وقد رفضتها
وستفهم تلك الفتاة ذلك مهما طال الوقت "
قال مطر بجدية ونظره على عينيه " لا ... عليك أن لا ترفضها "
*
*
" ماريااااااا "
رمت ما كان في يدها دون شعور منها وركضت خارج الغرفة من دون
حتى حذاء
وحمدت الله أنها ارتدت ملابسها جميعها ولم تكتشف أنها نسيت شيئا
بسبب صراخ عمها
المفاجئ , الرجل الذي علمها صوته وهو في غمرة هدوئه التوجس
والحذر مما يحمله فما بالك بصراخه باسمها غاضبا هكذا ! الصراخ
الذي وصلها لغرفتها وليست تعلم ما فعلت وأذنبت فهي تعايشت مع كل
شيء سلب منها البهجة في حياتها حتى أنها لا تعارضه في أي
شيء يخص مالها وهذا السبب الوحيد الذي يمكنها أن تتكهن بغضبه
حياله , نزلت عتبات
السلالم ووقفت في منتصفها تنظر بصدمة للموجودين في الأسفل ....
عمها الواقف عند
بداية السلالم ليصلها صوته طبعا وكان لازال بملابس النوم يمسك في
يده ورقة ما وينظر
لها تلك النظرة التي تكاد تلتهمها حية , ورجلان يقفان عند باب المنزل
..... وهنا كانت
الفاجعة الحقيقية !! رجلان بزي شرطة ينظران لها نظرة تقييميه من
رأسها حتى أخمص
قدميها , نظرة أعادت لها هواجسها بأن تكون نسيت شيئا من ثيابها
التي كانت تلبسها
لتغادر لجامعتها , تحدث أحدهما قائلا " أنتي هي ماريه ؟ "
نقلت نظرها المصدوم بينهم قبل أن يستقر عليه مجددا وقالت " نعم أنا
هي ! "
أشار بعينيه للورقة في يد عمها ثم نظر لها مجددا وقال " أنتي مطلوبة
للتحقيق
وعليك مرافقتنا "
المخرج ~
بقلم / أميرة الوفاء
من تيم إلى والده ..
لما تخليت عني ..؟!
رحلت وتركتني أعاني ..
كم حلمت أن أسمع منك كلمة ابني ..
كم انتظرت أن تأتيني ..
تمسح دمع عيني ..
إن مرضت للطبيب تأخدني ..
تحملني ..تحضنني ..
لكنك لم تعد ..
وفضلت البعد ..
أمي أحبتك ..
وتفهمت رحيلك ..
حتى ماتت تبرر تصرفك ..
وأن الأمر ليس بيدك ..
ونصحتني أن أتقبل عودتك ..
كانت تعلم أنك ستعود ..
فأخدت مني وعود ..
أن أسامحك. وأتقبلك بالوجود ..
فهل تظن أن الأمر يسير ..
بالنسبة لي هو أعسر العسير ..
x..
نهاية الفصل الرابع
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الخامس 5 - بقلم BlackButterfly002
مدخل ~
بقلم / ثلج دافىء
من غسق لمطر
احببتك واهديتك قلبي.... عشقتك وملكت كياني.
اخاف عليك من انفاسي.... اشتاق لك وانت امامي.
فلم تتركني اعاني.... وتزرع في قلبي ضغاني.
جرحك كبير ومزقني .... لم ذهبت بعيدا عني .
بعد ان اخدت قلبي مني .... جسد بلا روح تركتني.
لما كل السعادة سلبتني.... لم تترك لي حتى ابنتي .
يامطر ياوجعي وقاتلي.... يامطر ياخاذلي وتاركي.
لا تعد وتعصف بداخلي..... ارجوك ارحم حالتي .
******
سحبت تلك اليد بالأصابع الطويلة والسمراء القوية
الكرسي أمامها ووصلها ذاك الصوت الرجولي الواثق
" هل تأذني لي بإفساد خلوتك سيدة غسق دجى الحالك "
ارتفعت نظراتها المصدومة تدريجيا من الساقان
الطويلتان للخصر النحيل البارز من تحت المعطف
الشتوي الثقيل المفتوح للصدر والكتفان العريضان
ليرتكز على الرأس المنحني والقبعة السوداء التي
ارتفعت يده لإزالتها وهو ينحني بجسده قليلا ليعدل
وضع الكرسي , وما أن أزالها عن رأسه حتى تحرر
شعره الأسود الناعم الكثيف وكأنه كان في سجن
ضيق لينزل متدرجا بنعومة على بعضه ،
جلس مقابلا لها ووضع القبعة على الطاولة
وقال مبتسما
" أعتذر عن مقاطعتي لخلوتك "
لم تجتز صدمتها بسهولة تنظر لملامحه الرجولية
وعيناه السوداء وحاجبان مستقيمان فوقها ,
بلعت ريقها بتوتر من الموقف ومن وجوده هنا
وهذا الوقت فلم تتوقع أن تراه هنا ولا في منامها
همست حين وجدت صوتها
" مرحبا سيادة اللواء "
وجالت بنظرها سريعا في المكان وكما توقعت
توزع حولهما أشخاص بملابس رسمية لكنها
موحدة فهي تعلم أن هذا الرجل يستحيل أن
يتحرك في أي مكان بدون حراسة مشددة
فكيف في وضع كوضع البلاد الآن عادت
بنظرها له حين قال بذات ابتسامته
" أعلم أن وجودي غريبا بعض الشيء بل تطفل
مبالغ فيه لكني كنت متوجها بالفعل لمكتبك في
الجمعية وسعدت أن كنت هنا وليس هناك "
جالت بنظراتها في عمق عينيه المركزة على عينيها
ولم تفهم سبب مجيئه لزيارتها في مكتبها !
أي أنها لم تكن مجرد مصادفة كما اعتقدت ,
وكان عليها أن لا تفكر في ذلك من أساسه
فهل سيتجول رجل مثله في الشوارع يقتنص
مقابلة الناس بالمصادفة وهو بتلك المكانة
كقائد أعلى للجيش في البلاد ؟
شتت نظرها عنه وعن عينيه المحدقة بعينيها
ليقع على الجريدة تحتها فأغلقتها فورا ولم تفتها
النبرة الخاصة في صوته وهو يقول
" قرأت المقالة اليوم , كان لقاءا مميزا بالفعل "
شعرت بالحرارة تصعد في جسدها رغم برودة الجو
فأزاحتها جانبا هامسة بابتسامة مائلة
" أحيانا عليك أن تسكت الرأي العام في قضايا
لن يصمت عنها مهما التزمت أنت الصمت
ومهما طوت صفحاتها السنين "
جاءها تعليقه سريعا وقد امتزج صوته
بضحكة خفيفة خشنة
" معك حق ولن أستغربها منك "
شدت قبضتها دون شعور وتحركت قدمها على
الأرض ولا تفهم معنى هذه الإشارات في كلامه ؟
قالت تراقب يدها على الطاولة
" كيف حال والدتك وابنك ؟ "
حرك كتفيه العريضان قبل أن يقول متنهدا
" أمي بأفضل حال لكن سامر لا يعجبني أبدا فأنتي
تعلمي من في مثل حالته سيكون حساساً جدا
ويصعب التعامل معه بعض الأحيان "
نظرت لحركة الناس خلف كتفه وقالت بلمحة حزن
" أجل فمرضه مختلف كثيرا عن غيره ويحتاج
اهتماما ورعاية خاصتين لا تشعرانه باختلافه
عن غيره وهذه مهمة صعبة جدا في غياب الأم ,
وجدته امرأة كبيرة تحتاج وحدها لمن يعتني بها "
حرك رأسه موافقا لكلامها فنظرت له مجددا
وقالت بتوجس
" ما هذا الشيء الذي جعلك تفكر شخصيا
في زيارة مكتبي ! هل ثمة أمر خطير ؟ "
حرك رأسه نافيا بتنهيدة رجولية عميقة
وإن لم تكن تتوهم فقد رأت ترددا في عينيه
لم تتخيله من شخص مثله وفي مكانته ،
قال بصوت رخيم ونظره على عينيها
" ثمة أمر أحتاج التحدث معك فيه ، والمقالة
هي ما شجعني على القدوم لك "
*
*
*
نظر له لوقت بعدم استيعاب قبل أن يقول
" هل أنت جاد حقا في هذا يا زعيم ؟ "
كتف مطر هذه المرة ذراعيه لصدره وقال باختصار
" أجل "
تحركت حدقتاه السوداء لوقت بتفكير قبل
أن تستقرا على الجالس مقابلا له مجددا وقال
" ما أعلمه أن القوانين تمنع عنا كل هذا ؟
ثم وبعيدا عن كل ذلك أنا لا أريد هذا النوع
من العلاقات , وتلك الفتاة سخيفة، وأفكارها
ساذجة وتصيب المرء بالمرض "
شقت ابتسامة طفيفة شفتا الذي ارتكز بمرفقيه
على ركبتيه ينظر لتلك الأحداق والنظرة الحادة
الواثقة فيهما وقال
" أعلم عن ذوقك يا تيم وأنا لم أطلب منك أن
تتزوجها أو أن تحبها , إنها سمكة ذهبية وطعم
إن التقطناه كسبنا كل ما نريده "
وتابع بجدية وهو يعدل جلسته مجددا
" هل تعلم أن علاقاتها السابقة كانت بشبان وحدها
من كان لها السلطة في إدخالهم حتى للاجتماعات
والحفلات الخاصة جداً ؟ وأن والدها كان على علم
بسفرها خلفك ؟ أي أنه لم يمانع علاقتها بك وهو من
لا يسمح بذلك لأي كان ويفرض عليها قيودا مشددة "
تمتم المقابل له بفتور واضح
" لا أراها تلتزم بقيود , إنها منحلة تماما "
ضحكة خفيفة لا تسمع إلا نادرا كانت ردة فعل
مطر الأولى قبل أن يقول
" المعلومات التي حصل عليها وقاص من مكتب
المدعي العام كانت مهمة والتي التقطها جهاز
التصنت قبل أن يفقد أهميته لكنها ناقصة وكنت
أفكر فعلا في الطريقة التي يمكننا جلب الأدلة
والتأكيدات عنها وها قد جاءتنا الفرصة المواتية "
وعاد لجديته وصلابته وهو يقول
" علينا ونحن نحاول حل وضع البلاد في الداخل
أن نقطع اليد التي امتدت لأبنائها من الخارج
ولم ننتبه لها طيلة هذا الوقت ونحن من اجتهدنا
كل هذه الأعوام لنوصل البلاد لما وصلت له اليوم
وتركنا ثغرة مخيفة مثلها , الجنرال غامسون تحديدا
لديه الأجوبة جميعها والتحركات القادمة , والمقربين
منه هم أول أهدافنا فعلينا نهاية الأمر قطع أذناب
الإخطبوط لنشل حركة الرأس "
مرر تيم أصابعه على قفا عنقه قبل أن يقول
معلقا بعدم اقتناع
" هل تريد مني بالفعل أن أتسكع مع تلك الفتاة المدللة ؟
هل تعي معنى أن يكون بيننا علاقة ما ! "
كان مطر سيتحدث فسبقه قائلا بجدية
" علاقتي بماريه خط أحمر "
ابتسم المقابل له مجددا وقال
" أفهمك يا تيم وأنت لست مجبرا على ما تفكر فيه "
قال مشككا في كل نواحي تلك الفكرة
" كانت هذه الأمور من أهم أسباب الإيقاع بمن كانوا
مثلناعلى مر عصور وهذا ما تجنبناه نحن ونجحنا فيه
فما غير قراراك فجأة ؟ ماذا إن اكتشفت تلك الفتاة
شيئا عن هويتي ؟ "
قال مطر من فوره
" أعتقد أن سمعتك كعدو للنساء لم تغب عن تلك المرأة
ولن يجبرك أحد ولا هي على شيء فيمكنك وضع حد
بينكما وأنا اجزم على أنك لن تفشل في ذلك والدليل
إخراجك لها من غرفتك كما وصلني من معلومات "
تنفس بقوة قائلا
" هي أرجعت ذلك لجذوري اليونانية "
حرك مطر رأسه موافقا وقال
" وبهذا تحررت من أعظم أسباب رفضك للأمر "
وتابع بابتسامة مائلة
" وبذلك وفائك لزوجتك لن يدنسه شيء "
تمتم بخشونة
" المسألة مسألة مبدأ "
ارتسمت تلك الابتسامة الكسولة على شفتي مطر
وكما توقع لن يعجبه حديثه وهو أكثر من يذكره
بنفسه وبكرهه في الماضي للحديث عن النساء
أمامه خاصة الأقرب منهن له ، وقف وقال
" عليك الآن أن تنام وترتاح بعد الرحلة الطويلة التي
قطعتها وسنبحث أبعادالأمر أكثر صباح الغد وندرس
جميع نواحيه قبل أن أسافر ثم سنكون على اتصال دائم "
وقف أيضا وحمل سترته السوداء التي كانت
مرمية بجانبه وقال
" أراك هذه المرة تأمرني بذلك ولا تأخذ رأيي كالسابق !! "
اقترب منه مطر حتى وقف أمامه وأمسك كتفه بقوة
وقال ناظرا لعينيه
" أجل إنها أوامر هذه المرة يا ابن كنعان ,
أعلم أن الأمر سيؤثر على مخططك الجديد
وأن التضحيات ثمنها غال جدا وتُخسرنا الكثير
لكن الرجل إن أراد شيئا لن يقف أحد في وجه
تحقيقه يا تيم ومهما طال به الوقت والعمر "
أبعد نظره عنه مشيحا بوجهه جانبا وكأنه ينفرد بنفسه
ويستقطع لحظات عزلة ثم نظر له مجددا وقال بثبات
" في كل الأحوال وبسبب مهنتي وشخصيتي المزيفة
كان سيكون وضعي وماريه مختلفا وثمة تدابير
قد تكرهها هي بالفعل , وما تطلبه الآن لن يزيد الأمر
إلا تعقيدا وسيكون عليا أن أضع مساحة أوسع بيننا
واجبرها ونفسي عليها بدون تقديم أسباب ولا أعذار "
اشتدت قبضة مطر على كتفه أكثر وقال بابتسامة مائلة
" وأنت تستطيع فعل ذلك وأكثر منه يا تيم,
ثم لا تنسى وعدك منذ أربعة عشرة عاما
أن الخيار سيكون لها حين تكبرا "
ابتعد ليتحرر كتفه من قبضته وتوجه جهة الباب
قائلا بنبرة لا تحمل أي مزاح ولا تردد
" لن أعدك ولا غيرك بشيء فيما يخص ذلك "
وابتعد خارجا ومغلقا الباب خلفه دون أن يضيف شيء
وترك الواقف مكانه ينظر للباب الذي خرج منه بكل
ثقة واستقلالية كما دخل , ارتفعت زاوية فمه بشبه
ابتسامة وتمتم
" قسما لو لم تكن متزوجا يا تيم ولم يكن قاسم موجودا
لاخترتك بنفسي لابنتي "
*
*
*
لم يسمحوا لها سوى بارتداء حذائها وظنت للحظات
أنها ستذهب معهم حافية القدمين لرفضهم العودة
لغرفتها ظنا منهم أنها تنوي الهرب , وكيف تهرب
من جريمة لا تعرفها ! وانتهت حرب الحذاء ليدخلوا
في جديدة وعمها يرفض ركوبها معهم في سيارة
الشرطة وهم يرفضون ركوبها معه وحجته أنه لا
ينقصه فضائح أمام الناس وأنه له ابنة يخشى على
سمعتها واستقر الأمر أن ركبت في سيارة عمها
وأحد الشرطيان معهما , لم تنطق بحرف ولم تعترض
على أي شيء وهل كان يحق لها ذلك ؟ خاف على ابنته
من حديث الناس ولم يفكر بالتي جعلها ملهى لأحاديثهم !
واليوم فقط اكتشفت أنها لم تعش الإذلال الحقيقي سابقا
وهي تسمع عبارته تلك والسب والإهانات التي أمطرها بها
أمام رجال الشرطة وهم يسوقونها كالمجرمين وليست تعلم
حتى ما تكون جريمتها تلك ! ولا تذكر أنها أجرمت في حق
أحد ! بل العالم بأسره من أجرم في حقها فأين ميزان العدل
معها هي ؟ وصلوا مركز الشرطة ونزلت معهم وكل تلك
الحروب التي خاضوها ضدهم تلاشت حين طلب عمها أن
يدخل معها لغرفة التحقيق حيث المكان الوحيد الذي تمنت
أن لا يكون معها فيه فهذا الرجل وحده كفيل بجعلها تكره
كل شيء حولها فلما يجمعوا المصائب أمامها ؟
وقفت أمام الضابط الذي ما أن رآها حتى قال
" أنتي ماريه أحمد هارون ؟ "
تنهدت بأسى وأومأت برأسها إيجابا ,
فهل أصبح الناس يعرفونها مجرمة في أي مكان !
أم لا نساء يدخلن هنا سواها ؟
أشار لها لتجلس على الكرسي ولم ترفض ذلك أبدا
فلم تعد ساقاها تحملانها وتشعر بجسدها بأكمله
يرتجف من الغضب من كل شيء حولها ،
أشار للواقف قربها برأسه قائلا
" وأنت ما سبب وجودك هنا ؟ "
قال عمها من فوره
" أنا عمها ووليها القانوني وأريد أن أعرف جريمتها الجديدة "
نظرت له بغضب وهو يوهمهم أيضا بأن لها جرائم
سابقة وكأنه يخرجها من مركز الشرطة كل يوم ،
كانت تتمنى ككل مرة أمنيتها التي تعجز للأسف
عن تحقيقها وهي ضربه حد أن تشفي غليلها منه ,
وتعلم أن ذلك أبعد من أن تحققه يوماً ، لكن ما أثلج
صدرها هذه المرة هي الكلمات القاسية التي خرجت
من الجالس خلف طاولة مكتبه قائلا
" المعلومات لدي أنها متزوجة فلا ولاية
ولا وصاية لك عليها فاخرج حالا "
قال ذاك من فوره
" زوجها فار من البلاد من أعوام طويلة وتركها
حجر في حلقومي فلن أخرج وأعتقد أن هذا حق
من حقوقي كمواطن ولأنها امرأه .... "
" قلت اخرج فورا أو جعلت الواقفين في الخارج
يرموك في الشارع "
ألجمته تلك الصرخة وأيبست لسانه وأشعرت
الجالسة أمامه بالنشوة فهنا علم حجمه وهو
من يرى نفسه سلطانا وأن كل ما يريده يتحقق
لكن النظرة السوداوية من الجالس أمامها وحاجباه
الأسودان المعقودان جعلاه يخرج دون نقاش وكل
ما استطاع فعله أن قال بغضب وهو خارج
" لن أكلف نفسي عناء جلب محام لك فتعفني في السجن "
تأففت بصمت وليست تعلم ما ذنبها هي في كل هذا !
هل هي من طلب من الضابط إخراجه ؟ أم عليها دائما
دفع ثمن ما يعنيها ولا يعنيها ، قال الجالس مقابلا لها
ولازالت النظرة العابسة لم تفارقه
لتعلم أنه دورها بعد عمها
" أعطي الجالس خلفك بياناتك وأجيبي عن أسئلته "
نظرت حينها للخلف سريعا ورأت الشرطي الجالس هناك
والذي لم تنتبه لوجوده وقت دخولها وعلمت أن سيده هذا
يجعله يجلس عند الجدار لا تخرج إلا أنفاسه ,
تنهدت باستسلام وعادت بنظرها للأمام
ودوّن ذاك الشرطي بياناها الشخصية سريعا
وما أن لاذ بالصمت ولم يلقي أي سؤال آخر علمت
أن دوره قد انتهى فنظرت للجالس أمامها وقالت
" هل حان دوري لأعلم سبب جلبي إلى هنا ؟
" نظر لملف ضخم تحته وقال بجمود
" برآء رجب هارون .
تعرفين صاحب هذا الاسم بالتأكيد ؟ "
نظرن له باستغراب لبرهة ثم قالت
" أجل هو ابن عمي "
رفع نظره لها وأخرج شيئا من درج في طاولته
رماه أمامها وكان هاتف محمول أسود اللون وقال
" وأنتي من يسجلك في هاتفه بتؤمة القلب "
شعرت بقالب ثلجي وقع على قلبها
وهربت بنظرها حياءً منه وهمست
" لا أعلم هوية المسجلة لديه , الهاتف له هو وليس لي "
قال من فوره
" لكن شريحة الرقم المسجل تحت هذا الاسم أنتي
مالكها الأصلي والرسالة التي وصلته ليلة البارحة
منك وتعلمين بالتأكيد ما يكون فحواها "
رفعت نظرها له وكانت ستتحدث فاتسعت عيناها
بصدمة توقفت معها أنفاسها حين تابع قاطعا
أي مجال لها للحديث
" وصاحب هذا الهاتف تعرض لحادث مدبر فجر اليوم
والمعلومات عن السبب لديك بالتأكيد "
*
*
*
عبر بسيارته تتبعها سيارة حرسه الشخصي
من البوابة الواسعة والحراسة المشددة حوله
الرجال بزي الجيش وأسلحة رشاشة لا تفارق
أكتافهم ولم يعترض عبوره أي أحد منهم حتى
وقفت سيارته عند باب مبنى المقر الواسع
بطوابقه المرتفعة ونزل منها ضاربا بابها بقوة ,
وبإشارة من يده أوقف من كانوا يريدون الدخول
خلفه فلا يريد حماية هنا ولا مرافقين .
اجتاز ممرات المقر العسكري تلحقه بعض نظرات
الجنود المستغربة ليس لأنه بزي مدني ولا لأنه
يعرف طريقه فيه دون أن يدله أحد فهو يحفظ هذا
المكان منذ كان ابن العشرين عاما ورغم تطويره
والتجديد فيه على مر السنوات إلا أن أروقته وحجراته
لازالت كما هي كأكبر مركز للجيش في الجزء الغربي
من البلاد حيث ما كانت تعرف سابقا بمدن وحدود صنوان ,
بل تبعته بعض النظرات المستغربة من وجوده هنا
لأول مرة منذ أمسك والده حكم البلاد وحتى بعدما أصبح
عضوا في البرلمان الحاكم , طرق أحد الأبواب المغلقة
وفتحه لتنتقل أعين الجالسين في الداخل له ووقع نظره فورا
على الجالس منتصف المكان متوسطا جلستهم بلباسه العسكري
الذي دمج اللونين البني مع الرمادي يضع ساق على الأخرى
ويمسكها بيده من فوق الحذاء الأسود الطويل , بلغ الواحدة
والأربعين الآن ولا يره إلا يتراجع للوراء ولا يعلم جنونه هذا
متى سيتوقف وأين سيصل , قال ولم يزح نظره عن عينيه
" عذرا هل لي بالاختلاء لدقائق مع شقيقي "
وقف حينها الرجال الخمسة وخرجوا في صمت
وقال الجالس هناك بابتسامة مائلة
" مرحبا يا رعد , ما هذه الزيارة المفاجأة
والتي لا أعتقد أنها ودية أبدا "
أغلق رعد الباب وقال بجمود
" هل أفهم سبب ما يجري وتفعله يا جبران ؟
آخر ما أتخيله أن يكون أحد أبناء شراع صنوان
واحد ممن يجرون البلاد للفوضى والدمار "
وقف حينها على طوله وقال بحدة وأعصاب مشدودة
" لا تتهمني بشيء لا يد لي فيه فأنا لست من قتل
والدي ورماح ولا من حاول قتلك , إنهم الحالك
كنت أعلم أنهم لن يصمتوا طويلا بعد مافر
زعيمهم المزعوم وتركهم , هم وراء كل ما حدث
حتى اليوم ولن نقف نتفرج حتى يبدءوا بتصفيتنا
واحدا بعد الآخر
فعمليات الاغتيال والاختطاف الأخيرة كانت
لشخصيات مهمة في الجيش والشرطة وبعض
المسئولين وجميعهم رجال من صنوان والهازان
فمن سيكون وراء ذلك غيرهم
وهم من بدءوا الآن بوضع الحواجز حول مدنهم .
لن نقف نتفرج عليهم , ونحن الآن في صدد جمع أكبر
قواتنا لنحمي أنفسنا وعائلاتنا قبل أن نجد أسلحتهم
موجهة لأعناقنا "
صرخ فيه بغضب ملوحا بيده
" هراء ... لن اصدق أن من وقفوا مع والدي بداية
توحيد البلاد وبنوها حجرا حجرا أن يفعلوا الآن
ما تقوله , مشاكل البلاد بدأت من قبل أن يتحرك رجال
الحالك أو لنقل رجال مطر شاهين في الماضي ,
وما كان ما فعلوه إلا رد فعل على ما يجري .
فلا تسحبوا ضعاف النفوس معكم وترجعوا بالبلاد لما
كانت عليه فلن يكون ثمة خاسر غير الشعب ..
لا أنت ولا هم ولا من يدعمون أمثالكم من الخارج والداخل "
كتف يديه لصدره وقال ببرود
" سر خلف شعاراتك هذه حتى تجد نفسك أنت خارج
البلاد أو جثة مرمية على قارعة الطريق فلازلتم على
ما يبدوا منخدعين بذاك الرجل المسمى مطر شاهين ,
أقسم أن يكون هو وراء كل هذا ليحكم البلاد وقل جبران
شراع قالها يا مغفلين , وها هم الحمقى ينادون باسمه
في مظاهراتهم وحدث ما يريد هو وأمثاله "
حرك رعد رأسه بعدم تصديق هامسا
" لو كان والدي حيا أعلم ما كان فعل لك "
ابتسم الواقف أمامه بسخرية أقرب للمرارة وقال
" فعلها وطردني من قبل موته ومن أجل مدللته
العزيزة تلك , وبنفسه من نصبني قائدا لجيش المنطقة
الغربية ثم نعتني بالطفل والإمعة من أجل بطلكم ابن
شاهين طبعا , رجل مزبلة التاريخ ومن سيُفتضح أمره
للجميع قريبا وبالدليل القاطع "
مرر أصابعه في شعره وتنفس بعمق ، لا يستطيع
استيعاب كل هذا السواد الذي أصبح يغلف عقله
وأفكاره والحقد الذي تحول لطوفان سيدمر كل ما
بنته الناس بشقائها وتعبها , بل وأول من سيدمر
به نفسه , قال بمزيج من الضيق والحنق
" لا تجعل كرهك الشخصي لذاك الرجل يتحول
لكره للحالك بأجمعها يا جبران , لا ذنب للبلاد
وشعبها فيما بينكما , دمرت نفسك بسبب امرأة
فلا تدمر البلاد أيضا من أجل الانتقام "
صرخ فيه من فوره
" أنا لا آبه لامرأته الغالية تلك التي رماها خلفه
معلقة كالجارية ، لكني له وسيموت ويتحطم على
يداي قسما وأنا ابن شراع "
رفع رعد يديه وقال بسخرية
" وتقول أنك لا تأبه ؟ لما تنتقم منه إذا ؟
ولما تحقد عليه بهذا الشكل !
لا تقل أنه وراء موت والدي ورماح أيضا ؟
تلك سخافة لن يصدقها أحد
وأنت رجل جيش وتعرف ذلك جيدا "
عاد للجلوس مكانه وقال بحقد شع من عينيه
البنيتان كألسنة من نار
" رجاله وهو واحد هم تربية يديه يحملون أفكاره
وتسري فيهم مجرى الدم وهم وراء مقتلهما
ولن تخضع صنوان لحيلهم مجددا "
قال رعد من بين أسنانه وقد وصل الغضب به
لأقصى حدوده من أفكاره تلك
" لا أريد للتاريخ أن يعيد نفسه كما حدث مع رماح
يوما وأرفع أنا سلاحي في وجهك قريبا لأني
سأقتلك دون تردد حينها ولن أندم يوما وإن
مت في السجن "
رفع الجالس مكانه ذقنه وقال بلامبالاة
" حينها أنا من سيفعلها قبلك وأعدك أن لا أموت في
السجن ولن أدخله من أساسه "
حرك رعد رأسه معلقا بسخرية
" لن أستغربها منك وأنت من كاد يفعلها
مع رماح سابقا وكذبت وزورت الحقائق
ودمرت حياة التي تزعم أنك تحبها !
ولن أستغرب أيضا أن تكون أنت هدف
مطر شاهين بسبب فعلتك تلك التي اجزم
بأنه لم ينساها لك ويغذي حقده كما تفعل أنت تماما ,
ولو علمت غسق لكرهتك باقي عمرها "
تمتم شيئا لم يفهمه قبل أن يقول بنزق
" ستكرهني أكثر حين يموت حبيبها ذاك فلا فرق عندي "
هز رأسه متنهدا باستسلام ثم فتح باب الغرفة
وقال مغادرا
" لا تلم إلا نفسك إن أصبحت مسجونا
بتهمة الخيانة قريبا "
وغادر من هناك قلبه ينزف ألما على شقيقه
الذي سجن نفسه لأعوام في حقده حتى تحول
لوحش سيطر عليه وأصبح على استعداد لنسف
كل شيء مقابل التنفيس عن ذاك الحقد ,
يعلم جيدا أنه سيكون خاسرا بما يفعل
وأن مطر شاهين لن يفصله عن تحطيم أحلامه
السخيفة هذه وقبلها عظامه إلا رجوعه
للوطن ليكون أول من سيقتص منهم
عن الحاضر والماضي،ويخشى فعلا من
ذاك اليوم الذي أصبح لا يراه بعيدا أبدا
*
*
*
استقام في وقوفه ومسح جبينه المتعرق رغم
انخفاض الحرارة فالشمس أطلت عليهم اليوم
من خلف السحب الكثيفة طيلة الأسبوع الماضي
وكان عليهم طبعا إنهاء العمل في مزرعتهم
الخاصة وعليه تحديدا إنهاء مهمته في مد خط
أنابيب الري الجديد بمساعدة والده وعامل وحيد
رفض استئجار غيره كالعادة , فكان عليه أن
يكون أيضا مزارعا زيادة على هندسة الزراعة
التي درسها مجبرا ولا يحق له الاعتراض لكي
يتحقق طبعا حلم والده بتحويل الجزء الشمالي
والأكبر من المزرعة لحقول مقسمة من أجل
زراعة الخضروات الموسمية , حلم لم يسبق
لغيره في هذه المنطقة التفكير فيه وسيقع على
عاتقه هو طبعا تحقيقه ... حلم عليهم هم دفع
الكثير من أحلامهم للهاوية لكي يتحقق .
نظر يسارا حيث الجالسة على الأرض عند
أحد أحواض الأشجار تسوي من تربته
التي انجرفت بسبب الأمطار الأخيرة
وتنهد بحزن فلا يكسر قلبه ويدميه سوى
هذه الفتاة التي فوق اعتنائها بمواشيهم
وكل ذاك العدد الكبير من الدجاج وأعمال
المنزل .عليها أن تساعد أيضا في هذه
المزرعة البائسة ولا يحق لها الاعتراض
ولا يراها تحاول فعل ذلك أساسا ,
وتلك حسنتها الأعظم فهو يعلم أن حديثها
واعتراضها لن يزيدا وضعها إلا سوءا ,
عاد لضرب الأرض بالفأس بقوة
يفرغ فيها غضبه الذي لا يستطيع إخراجه
ولاإخماده ، ما هذا الظلم الذي تلقاه
الفتيات في المزارع هنا؟
بل يرى أن شقيقته لا تحضى ولا بجزء
مما يتمتعن به من حقوق , لا دراسة
لا أوقات راحة لا خروج من المنزل
ولا في المناسبات والأعياد ، حتى خالهم
الوحيد لم يتدخل من أجلها يوما
ويلتزم الصمت لا مبالي ، بل حتى هو
شقيقها يقف عاجزا أمام والدهم المتسلط
صعب الطباع الذي تحكّم حتى في مصيره
هو الرجل وقراراته فكيف بها هي الفتاة ؟
ومن هذا الذي يستطيع أساسا مناقشته
في أمرها والجميع يتجنب غضبه المشتعل
لأبسط الأسباب وعصبيته الدائمة
. " يمــــــــااامة "
رفع نظره سريعا ولازال يرفع الفأس المثبت في
قبضتيه القويتين ونظر جهة والده الذي قال بقسوة
" تحركي خالتك تناديك من هناك أم أصابك الصمم ؟ "
شد بقبضتيه أكثر على خشب مقبض الفأس ونظره
على التي وقفت من فورها تنفض التراب الرطب
العالق في يديها قائلة بنبرتها الهادئة
" حاضر أبي ذاهبة لها حالا "
وكان ذلك ما فعلته فورا وهي تسرع راكضة جهة
المنزل المتواري خلف الأشجار ، طبعا كي تصل
بسرعة ولا تزعج تلك المرأة أحبالها الصوتية أكثر ،
وما هي إلا لحظات وعادت راكضة كما غادرت
وتوجهت جهة الطفلين التوأمان اللذان يلعبان في
التراب المشبع بأمطار الأيام الماضية وأخذتهما من
هناك رغم اعتراضهما الشديد الذي وصل لأن ضربها
أحدهما بقدمه باكيا وهي تسحبه بالقوة ، أبعد نظره
عن كل تلك الجهة وذاك المشهد وعاد لضرب الأرض
بفأسه بقوة متمتما بقهر
" أجل فعليها إدخالهما للحمام وتغيير ملابسهما
وغسلها فورا وإطعامهما وكأنه لا والدة لهما "
كانت كل ضربة للأرض بفأسه تخرج من صميم غضبه
من نفسه قبل كل شيء ويلحقها أنفاسه القوية الساخنة ،
هو على استعداد لتحمل ما يأتيه من هذا الرجل حتى
تدميره لمستقبله وهو يدخل تلك الكلية المتدنية المستوى
ولا يكون مع أقرانه ومن هم في مثل مستواه الدراسي
الممتاز لكن شقيقته ما ذنبها في تحمل كل هذا وهي في
هذا السن ؟ لا حل أمامه سوى إخراجها من هنا وترك
هذا المنزل والمدينة للأبد ، لكن أين سيذهب بها فلا
عمل لديه حتى الآن رغم شهادته بدرجة امتياز كمهندس
زراعي فهذه المهن احترف فيها الناس منذ نشأتهم مما
جعلهم مستغنيين عن أمثاله , وإنشاء عمل خاص به في
هذا التخصص يحتاج للمال , أومكتب خاص وكلاهما أمر
مستحيل ووالده لا يمكنه ولا طرح الأمر عليه
" يمـــــــــــااان "
كان الصوت هذه المرة رجوليا أيضا لكنه لم يكن صوت
والده الخشن الحاد بل صوت شبابي لين ، وقف على طوله
ونظر حوله ليكتشف حينها فقط أن والده لم يعد هنا ولا
العامل أيضا ، نظر جهة الذي أعاد النداء مجدد ملوحا بيده
من خلف الأسلاك الشائكة البعيدة التي يرسمون بها
حدود مزرعتهم الواسعة ثم رمى الفأس من يده وتوجه
نحوه يمسح جبينه وعنقه بالقطعة القماشية التي كان
يربط بها رأسه ، وصل عنده ورفع يده لليد التي كان
يرفعها له الواقف مقابلا وضربا كفيهما ببعض وقال
أبان مبتسما
" هكذا إذا ؟ تزيد من لياقتك بالعمل هنا أوقات الفراغ
يا محتال ، كنت أخبرتني دربت عضلاتي معك "
ابتسم يمان ابتسامة خالية من أي مرح فما لا يعلمه
الواقف أمامه ولا يريد هو الحديث عنه أنه عامل في
هذه المزرعة ومنذ سنوات وليس تمرينا ما يقوم به الآن ،
تمتم ببرود
" وما يفعل شخص مثلك بالتمارين من هذا
النوع وأنت عضو في نادي رياضي ؟ "
أمسك أبان العمود الحديدي القصير تحته والمستخدم
لتثبيت الأسلاك وثبت حداء قدمه اليمنى على السلك
العلوي وقفز قفزة عالية ليصبح في لحظة واقفا أمام
صديقه المقرب وقال ينفض يده مما علق بها
" هذا النوع من التمارين مختلف وشيق وفي الهواء
الطلق أيضا ، وأخبرني أنت الآن ما بك تترك
هاتفك مقفلا ؟ أحاول منذ الأمس وبلا فائدة "
حرك كتفيه قائلا
" لقد تعطل ... أخذته لمحل تصليح وقال أن عطله
يحتاج لثمن هاتف جديد فاستغنيت عنه , لذلك عليك
أن تأتيني هنا كلما أردت مني شيئا "
أمسك وسطه بيديه وقال
" أشتري لك هاتف هدية أيسر من قدومي هنا لك كل يوم "
طوى يمان قطعة القماش ودسها في جيب بنطلونه هامسا
" وأنا لن أقبل هديتك وأنت تعلم ذلك جيدا "
مد أبان يده لجيب بنطلونه واستلها منه وقال وهو
يحاول ربطها على رأسه كما كان يمان يفعل
" هكذا جيد , والآن لنقم بالإحماء معا "
تنفس الواقف أمامه بقوة وقال ولا حل آخر
أمامه غير قول الحقيقة
" أنا أساعد والدي هنا في المزرعة
ولست أمارس الرياضة "
ضربه على كتفه بخفة وقال مبتسما وهو يتوجه
للجهة التي جاء منها
" رائع إذا سأساعدك ونتحدث فيما قطعت كل هذه
المسافة من أجله فقد تمكنت من الوصول لذاك
الرجل أخيرا "
سار يمان خلفه قائلا
" حقا وصلت له وتحدثتما معا !! "
*
*
*
مرت الساعة الأولى ولحقتها الثانية , والثالثة
تكاد تنقضي أيضا وهي جالسة على ذات الكرسي
يحاصرونها بالأسئلة التي لا تنتهي وقد لحق به
ضابط آخر جلس أمامها مباشرة بل واستدعوا
عمها أيضا حين رفضت قول غير الذي قالته
وبأن برآء أخبرها عن رسالة وتهديد مجهولين
ولم تخبرهم أن أسمها ورد في تلك الرسالة
خاصة أنهم لم يجدوها في هاتفه ، لكن حديثها
يبدوا لم يقنع الجالس خلف الطاولة , وآخر تهديد
له كان برميها في السجن تحت التوقيف إن هي
لم تتحدث بكامل الحقيقة ، صرخ عمها من خلفها
" قولي الآن ما يريده منك ، أقسم إن دخلت السجن
أن لا تدخلي منزلي من جديد , وعمك رجب
ما أن يستعيد ابنه وعيه سيكون هنا وهو يتوعدك
بما لا تتخيلينه "
ضمت نفسها بذراعيها وابتسمت بمرارة
فالمنزل منزلها وباسمها ذاك الذي ينسبه
لنفسه ، وعمها ذاك لن يكون أقسى عليها
من شقيقه ، هي تعلم ما يتمناه الواقف خلفها ,
أن يثبت أن تيم وراء كل هذا ويكسب قضيته
في المحكمة , قال الجالس خلف طاولة
المكتب وبنفاذ صبر
" لعلمك فقط إن مات ذاك الشاب فلن يخلصك من
القضية وقتها ولا اعترافك بكل شيء "
غطت عيناها بكف يدها ونزلت الدموع التي
لم يعد يمكنها التحكم بها أكثر فلا ينقصها
هموم وضغوط نفسية بعد ,
يكفيها ما علمته من ذاك المحامي ثم جلبها هنا ..
والآن عليها أن تعترف عن أشياء إن علم بها
الواقف خلفها لن يرحمها فوق قهره لها وستضر
حتى ابن عمها معها إن شاع ما كان يريده ومصمم
عليه ، قال الجالس مقابلا لها وببرود
" البكاء لن يخرجك من هنا "
رفعت رأسها حينها ورمت يدها جانبا
وقالت بغضب باكي وهي تخرج من هدوئها
لأول مرة منذ دخلت هنا
" ألا رحمة في قلوبكم أبدا ؟ أنا لا أبكي استجداءً
لرحمتكم فكل واحد منكم أقسى من الآخر "
صرخت بألم حين شدت تلك اليد شعرها للخلف
بقوة ارتفع معها وجهها للأعلى حتى شعرت بأن
عنقها سيتحطم وصرخ عمها من فوقها
" قسما يا نجسة إن لم تلزمي حدودك وتقري
بالحقيقة أن أدفنك هنا قبل خروجي "
وزاد من شده له حتى كانت تشعر به يتقطع
بين أصابعه والدموع تتدفق حارة من طرفي عينيها ,
والموجودان معهما لم ينطقا بأي حرف وكأنهما
يشجعانه على تعذيبها لتعترف ، رفعت رأسها
أكثر لتخفف من ألم شده لشعرها رغم أن ذلك
لا يزيدها إلا تحطما في عنقها وكتفيها ودموعها
ترفض التوقف رغم كتمها لبكائها وآلامها ، همست
بوجع وخفوت لم يسمعه غيرها
" سامحك الله يا تيم لمن تركتني بعدك ؟ "
انفتح حينها باب الغرفة دون طرق ودخل منه شاب
ببذلة رسمية سوداء أنيقة وقميص رمادي ومشية
واثقة لم يتردد خطوة حتى وصل للجالس خلف
الطاولة ومد له ببطاقتين قائلا
" هذا اسمي والأخرى من طرف من أتيت
فاعتبرني محام لها أو ما في البطاقة
الأخرى كلاهما سواء "
توجه بعدها ناحيتها وبقبضة من أصابعه القوية
على رسغ اليد التي لازالت تشد شعرها دون رحمة
أجبره على تحريره من بين أصابعه ودفع يده جانبا
بقوة قائلا
" وإن كنتم تريدون شراء صمتي عما يجري هنا
الآن فأخرجوا هذا الرجل من المكان حالا "
كان الذي ابتدأ يشتعل غضبا ويمسد رسغه
بأصابع يده الأخرى سيتحدث ويصرخ كعادته
لولا أسكتته تلك الكلمات الآمرة
" أخرج من هنا "
فنظر بضيق للجالس خلف الطاولة وصاحب
ذاك الأمر الذي لن يستطيع مناقشته فيه ثم نظر
للجالسة على الكرسي تحته يخفي وجهها الشعر
البني الذي انسدل عليه بسبب إنزالها لرأسها
مخبئة عينيها ودموعها الصامتة في كفها
وحاضن همومها الوحيد ، وها هي تعيش الإذلال
تلو الإذلال ولم يبقى أحد من البشر لم يشهد عليه ،
رفعت رأسها تمسح عينيها بقوة ما أن سمعت
صوت الباب الذي ضربه عمها خلفه وهو خارج
ووصلها صوت الذي أصبح واقفا خلفها جادا
حازما وواثقا من أن ما سيقول لا نقاش فيه
" ستغادر موكلتي الآن وأنا من سيهتم بالأمر ،
وإن احتجتم لأقوالها في شيء سأرافق أحدكم
لمنزلها ... وباللباس المدني طبعا "
وقفت من فورها والتفتت له بكامل جسدها
ونظرت له بعينان محمرة مجهدة ونظرة تنطق
غضبا وقهراً وقالت موجهة سهام نظراتها لعينيه
" أنا أرفض أن تكون محام لي وأخبر من أرسلك
أني في غنى عنكم "
لم يحتج الأمر كثيرا لتفهم من أين جاء هذا الشاب
وثقته الكبيرة بنفسه وإلجامه لضباط الشرطة وكأنه
رئيسهم ، لقد سئمت من كل هذا ... تعبت من مطاردة
خيال رجل يظهر لها في أشخاص يخرجون من العدم
ليتحكموا في مصيرها
( المحامي الذي حارب عمها ومحاميه بشراسة
ليطعن في قضية الخلع التي يرفعانها ثم مبعوث
الوزارة الذي مرر أوراق قبولها في الجامعة
والآن خرج لها هذا )
وكأن الجدران تتنصت عليها وتنقل ما يجري معها
ليتدخل هؤلاء الأشخاص متى ما أرادوا هم فقط
وممنوع عنها طبعا السؤال عن أي شيء وممنوع
عليهم تقديم أي إجابات لها مهما سألت ، رفع ذقنه
بثقة وقال بتصميم محارب
" أنا هنا مكلف بمهمة محددة وهي إخراجك
من هذا المكان فورا وليس لأخذ رأيك بالأمر ،
والموجودان هنا يعلمان جيدا أن كل ما عليهما
هو التنفيذ أو خسرا رتبهما قبل صباح الغد "
نظرت لهما فورا فكانا ينظران لها في صمت
مبهم مميت فعلمت فورا أن هذا الرجل يقول ويفعل
وهما يبدوا يعلمان ذلك جيداً من البطاقتين اللتان
سلمهما لهما ، لكنها لا تحمل أي رتبة تخشى
أن تخسرها بل لم يعد لديها أي شيء تخسره ،
كانت ستتحدث لولا انفتح الباب مجددا وكان
الداخل منه هذه المرة ابن عمها برآء يمسك
كتفه الذي يبدوا مصابا وقد خطى للداخل
بصعوبة يسنده شقيقه الأصغر منه ، نظر
لها أولا ثم نظر للضابطين قائلا بصوت ضعيف
" أنا بخير وأتنازل عن البلاغ الذي قدمه والدي ,
وماريه لا علاقة لها بكل هذا "
*
*
*
كانت أحاديثهما وضحكاتهما تتسرب مع نسمات
الهواء البارد وهما في عمل مستمر يتبعان الخطوط
المرسومة على الأرض بفأسيهما ، يعرف الكثير
عن تواضع صديقه هذا لكنه لم يتخيل يوما أن لا
يشمئز أو يتذمر ما أن يعلم بعمله بنفسه في أرضهم !!
والأغرب من ذلك كله أن يقرر مشاركته العمل ويحفر
معه الأرض بثيابه الفاخرة الأنيقة هذه دون حتى
أن يهتم للأتربة التي أصبحت تعلق بها والتراب
الملطخ بالماء الذي يتناثر على قماش بنطلونه غالي
الثمن كلما ضرب فأسه في الأرض ، انسجما في
الحديث والضحك حد أنهما لم يشعرا بالخطوات التي
اقتربت منهم حتى قال صاحبها
" من هذا يا يمان ؟ "
فاستقاما كليهما ينظران لصاحب ذاك الصوت الخشن
والواقف أمامهما عاقدا حاجبيه ويداه تمسكان وسط
جسده ونظره ينتقل بينهما ، بشعر رمادي تغلب فيه
لون الشيب على السواد بقليل وعينان رماديتان
وكأنهما قطعة من ذاك الشعر ، مد أبان يده له وقال
مبتسما ليخفف من حدة الموقف وغضب الواقف أمامه
" مرحبا يا عمي ، اسمي أبان أيوب الشعاب وأنا
صديق قديم ليمان ، آسف على دخولي دون إذنك ...
الخطأ كان مني "
نظر لملامحه وثيابه لوقت قبل أن يمد يده
مصافحا له وقد لانت ملامحه قليلا وهو يقول
" أنت ابن عائلة بلال الشعاب ووالدتك تكون
شقيقة الزعيم مطر شاهين ؟ "
أومأ بنعم قائلا
" أجل أنا حفيده ومطر شاهين يكون خالي "
ابتسم ابتسامة لم يتخيل يمان أن يوجهها والده
يوما لأحد أصدقائه ولا حتى له هو ابنه فأشاح
بوجهه وعلى ملامحه نظرة ضيق فقد كره أن
ينظر للأمر من ناحية مادية بشعة دون حتى أن
يعلم إن كان هذا الصديق حسن طباع أم مجرم
يتعاط المخدرات ، قال شادا على يده
" زارتنا البركة إذا ، وكنت دخلت المجلس لما تقفان هنا ؟ "
وهذه كانت أقسى على ابنه من سابقتها وهو من
حذره سابقا من جلب أصدقائه لمجلس منزلهم
والسهر فيه !! سحب أبان يده منه قائلا برحابة
" جئت لأتحدث مع يمان في أمر وأحببت
أن أساعده ونحن نتحدث "
ربت بيده على ذراعه ثم نظر للواقف بجانبه
وقال وقد عاد لأسلوبه الجاف
" كنت أريدك أن ترفع عمود الساقية معنا هناك "
وغادر دون أن يضيف شيئا ليفهم أنه عليه
اللحاق به , كان سيتحدث فقاطعه أبان قائلا
" لا بأس سأغادر أنا الآن وأراك في وقت لاحق "
وكان سيغادر لولا أوقفه قائلا
" لكننا لم نتفق بعد على مشوارنا القريب ولن أستطيع
التحدث معك عبر الهاتف فانتظرني هنا قليلا وأعود لك "
وغادر دون أن يترك له مجال للاعتراض ولا
الحديث فحرك كتفيه ورفع الفأس مجددا وعاد
لضرب الأرض به مبتسما وهو يتذكر تعليقات
يمان على اعوجاج الخط الذي حفره وتفكيره
بأكمله معه ومع الطريقة التي سيجعله بها يقتنع
بكلامه ويغير سير مستقبله بعدما تخرج من كلية
الزراعة تلك , فهو أكثر من يعرف أنها لم تكن
طموحه ولم يكن يفهم سر اختياره لها فجأة !
واليوم بل والآن فقط خمن السبب والذي سيكون
ذاك الرجل بالتأكيد خاصة بعدما رأى بعينه عمله
هنا بيديه لذلك عليه أن يقنعه بأي طريقة بأن يقبل
مساعدته رغم أن أمله أصبح يتراجع بعدما تقابل
وذاك الرجل ، نزل مستندا بقدميه ليخرج حجرا
اعترض حفره وما أن مد يده له شعر بذاك الثقل
الذي سقط على ظهره حتى ظن أن شقيقته الصغيرة
المشاغبة تلك لحقت به هنا لولا أن هذا الوزن أثقل
منه ، ومن دون أن تتاح له فرصة ليتحدث أو يتحرك
التفت تلك الذراعان النحيلتان على عنقه ودخل ذاك
الصوت الراجي لأذنه مباشرة يشعر بأنفاسها الدافئة
تداعب طرف وجهه
" يمان أعطني هاتفك المعطل .
أنت لم تعد تريده أليس كذلك ؟
أعطني إياه وإن كان لا يعمل "
سند جسده بيده الأخرى أيضا وأمسك ضحكته
ما أن عرف هوية التي انقضت عليه فجأة , ومن
غيرها تحب اللعب بالأشياء المتوقفة ؟ ولأنه له
نفس طول شقيقها ويلبس سترته بعدما تبادلا
سترتيهما وهما يسترجعان ذكرى أيام مراهقتهما
ولأن شعره يخفيه بقطعة القماش الملتفة على رأسه
لن يستغرب أن تخلط بينه وبين شقيقها ، أمسك تنفسه
وعض شفته بقوة حين شعر بشفتيها على خده وقبلتها
الطفولية الطويلة وقد قالت برجاء أكبر
" أرجوك يمان أرجوك أرجوك أرجوك "
خرج صوته بضحكة صغيرة ونفس مسحوب
" سأعطيك هاتفي أنا فقط ابتعدي عن ظهري
قبل أن يصبح وجهي في التراب "
اختفى حينها ذاك الجسد من فوقه في لمح البصر
وسمع تلك الشهقة العالية فاستدار جالسا على
الأرض مسندا يديه للخلف على التراب الرطب المحفور
ونظر لها ولازالت فاغرة فاها الصغير جدا تنظر له
بصدمة وكأنها تريد التأكد فعلا من أنه ليس شقيقها ،
بينما ابتسم هو ابتسامة مائلة ينظر لملامحها وقد
ربطت منديلا خاصا فوق رأسها مما أبعد تلك
الخصلات البنية المتشابكة والمجنونة عن وجهها
وبرزت أكثر عيناها الرمادية الواسعة وطرفاها
الناعسان الواضحان الآن ، رفع يده وفرقع بأصبعيه
وأشار يسارا قائلا بتسلية
" شقيقك قادم من هناك الآن وسيقص
جناحيك أيها الطائر الصغير "
فلم يشعر إلا بالتراب ينهال عليه وهي ترميه به
بعد غرفه بقبضتيها من الأرض قائلة ببكاء
وهي ترفس بقدميها
" أنا من سيخبر يمان عنك وسترى "
خبأ وجهه خلف ذراعه متجنبا التراب المتساقط
عليه كرذاذ المطر وكان ضحكه المتواصل قد أنهك
قواه للمقاومة أو الوقوف وقد قال من بين ضحكاته
" تخبريه عن ماذا يا حمقاء ؟
عن كسرك نظارتي والعبث بأغراض سيارتي
أم عن احتضانك لي وتقبيلي ؟ "
رمت عليه آخر حفنة تراب في يدها وغادرت
من هناك راكضة على صوت مناداته لها ضاحكا
والتي جعلت ركضها يزداد خوفا
*
*
*
بدأ بأخذ حاجياته الخاصة ورميها في الحقيبة تحته
والتي قد رتب فيها ثيابه سابقا ، يخرجهم من الخزانة
ويرميهم فيها بعشوائية وجل تفكيره في الرحلة التي
وكلت له قبل رجوعه للبلاد , هي ليست أول مرة
يتعاونون فيها مع شخصيات مهمة في فرنسا لكن
أن يكون هناك وحده ودون أن يفعل شيئا غير الانتظار
لأيام قبل اللحاق بهم أمر غريب !! ولا يحق له السؤال
فالإجابة ستكون ذاتها ( دواعي أمنية لرجوعهم للوطن )
" لا تضع كل شيء بداخلها فرحلتك بعد يوم تقريبا
وستضطر لفتحها كل حين لأخذ شيء منها "
نظر خلفه حيث الجالس على طاولة السرير يسند
إحدى قدميه بمقبض درجها الحديدي ويثبت الأخرى
على الأرض ثم عاد بنظره لما يفعل وتمتم ببرود
" لما لا تتركني وشأني ؟ تقف على رأسي وكأنك والدتي "
ضحك ذاك من فوره وقال
" لو كنت والدتك لسافرت معك , سأفتقدك حقا
يا قاسم وعلي أن أبحث عن رفيق جديد يدفع معي
إيجار الشقة , وعلي أيضا أن أبحث هذه المرة عن
واحد ليس جلفاً مثلك "
ضرب غطاء الحقيبة بقدمه مغلقا لها وجحده بنظرة
جانبية قائلا ببرود
" لعلمك فقط أنا من سكن هنا قبلك ومن سمح لك
بمشاركتي المكان , ولولا طلب زوج والدتك ما وافقت "
قفز ذاك واقفا على قدميه
وقال ضاربا كتف الواقف أمامه
" بل قل تيم من طلبها منك لأنه كان الهدف الأساسي
وهو رماني معك هنا ليرفض طلب عم والدته بشكل
غير مباشر "
التفت له وقال وهو يمسك خصره بيديه
" لا أعلم أنتم لا تفهمون تيم أم ترفضون ذلك ؟
إن كان باستطاعة تيم أن يستقبل أحدا للسكن معه
دون أن يثير الشكوك حوله بسبب عمله في المنظمة
لكان أنا أول من فعلها , وزوج والدتك لم يحاول إلا
إحراجه بذلك لرفضه فكرة أن تيم يرفضهم بالكلية "
حرك الواقف أمامه رأسه متمتما
" أفكاركم أنتم العرب غريبة !
وزوج والدتي وابنته ساندرين أكبر مثال ،
ولا أستثنيك وتيم أيضا بالطبع "
نزل لحقيبته وقال وهو يغلقها
" وهذه وجهة نظرنا حيالكم أيضا ,
أي أنه كل واحد منا في نظر الآخر
صاحب أفكار ومعتقدات غريبة "
ووقف ما أن انتهى على صوت الواقف خلفه
قائلا بهدوء
" لا أفهم سبب طلب الزعيم سفرك أيضا معهم ؟
لما أنت فقط من أفراد المجموعة ؟ "
دار بكامل جسده له وقال
" قد يكون السبب أني من عائلته وإن كنت ابن
عمته فقط فأكثر ما يتوجس منه الزعيم مطر
هو كشف هويته التي عاش بها هنا ما أن يصير
في البلاد هناك وسيكون المتضررون حينها
أنا وخالي دجى في المقام الأول لأننا الأقرب له
هنا ولا قيود لتحركاتنا معا طيلة أعوام ,
هذا هو السبب الوحيد برأيي "
رفع حاجبيه وعلى وجهه علامات عدم الاقتناع قائلا
" لا يبدوا لي سببا مقنعا ! "
وتابع يراقب الذي عاد لتفتيش الخزانة والأدراج
" ما أعلمه أن له ابنة ، هل ستسافر أيضا ؟ "
قال المنشغل بالبحث في آخر درج
" وأنا مثلك لا أعلم إلا أنها موجودة ولا معلومات
لدي عنها إطلاقا ومؤكد سيأخذها معه , لمن
يتركها هنا برأيك وحتى عمه سيلحق به قريبا ؟ "
قال وهو يراقبه يستوي واقفا
" وما ستفعل بشأن رجوعك هناك ؟ ماذا رتبت للأمر؟
فما أعلمه أن والداك متوفيان ؟ "
قال وهو يفتش محفظته ودون أن يلتفت له
" ترك لي والدي بعض الأملاك فعائلته كبيرة
ومعروفة في جنوب الحالك , ثم لا تنسى أني جمعت
مبلغا لا بأس به من عملي هنا ، والزعيم مطر قال
بأنه سيرتب جميع أموري قبل أن أصل لأنه سيكون
هناك قبلي بأيام , ولا أفهم أي نوع من الترتيبات تلك
يعني ولم أسأل "
شعر بتلك الوكزة من أصبع الواقف خلفه في وسط
ظهره ووصله صوته بنبرته الماكرة
" وتلك الفتاة ألم تجدها قبل سفرك ؟ "
التفت له وقال بضيق وهو يبعد يده
" يكفيك تسريبا للشائعات , لقد أعلمت الجميع عنها
وحولت الأمر لفضيحة , كان الخطأ مني فما كان عليا
الاتصال بك لأخذها من هناك "
ضحك الواقف أمامه ثم غمز له قائلا بذات مكره
" وما الذي كنت تفعله قبل يومين
قرب ذاك الملهى الليلي ها ؟ "
لكمه في معدته شاتما له بغيظ لكمة جعلته ينحني
ضاحكا ثم قال وهو يغادر الغرفة ومن قبل أن يعلق ذاك
" أمامي عشرة أيام في باريس ولم أنهي من ترتيبات
الأمر شيئا فوداعا الآن "
وغادر الغرفة وباب الشقة خارجا منه ووقف مكانه
وهو يغلق بابها ينظر للذي كان سيضع إصبعه على
جرس الباب للتو وقد سند يده على الجدار والأخرى
يدسها في جيب بنطلونه مميلا وقفته قليلا ينظر له
بابتسامة مائلة وتمتم ما أن وقع نظره على عينيه
" كنت تريد المغادرة دون توديعي يا قاسم ؟ "
ترك ذاك باب الشقة وتوجه للوقف بقربه من فوره
وتعانقا فورا , عناق رجل لرجل صديق لصديق
وصاحب لصاحبه فهذا بالفعل الشخص الذي سيفتقده
بعد رحيله من هنا ( تيم شاهر كنعان ) الشخص الأقرب
له بين الجميع هناك , ضرب بقبضته على ظهره هامسا
" كنت سأمر بك الآن فهل تتخيل أن أغادر
دون أن أودعك يا كنعاني "
ابتعد عنه وضرب فكه بيده ضربة خفيفة
وقال ناظرا لعينيه
" اعتني بنفسك يا قاسم , البلاد في حالة فوضه
فلا تستهن بالأمر يا صديقي "
ابتسم له وأمسك كتفه بيده وشد عليه قائلا
" لا تقلق من ناحيتي فأنت من عليه الاعتناء بنفسه ,
أقسم أنك أكثر من أخاف أن يصيبه مكروه
بين المجموعة بسبب عملك السري ذاك ,
حتى وقاص لا أرى أن الخطر يحدق به مثلك "
دس يديه في جيبي بنطلونه وقال
" هل تراني فتاة أمامك يا أخرق ؟
كن أنت فقط بخير ولا تقلق بشأني , ولنتمنى أن تجمعنا مفارقات الحياة قريبا "
عاد لاحتضانه مجددا دون أن يعلق , لا يريد حقا
أن يفترق عنه من أجل تيم وليس من أجل نفسه
فهو الأقرب له يحاول دائما فهمه والتقرب منه عكس
ما يفعل الجميع وهم يرون أنه يرفض الاحتكاك بأي
أحد فيختارون تجنبه دائما ولا يعلمون مثله أن هذا
الكنعاني كلما أصررت أن تقترب منه أكثر سمح
لك هو بالاقتراب من عالمه , رغم تحفظه الشديد
وأفكاره المتصلبة وعناده الأسود هو لم يراه
إلا رجلا لا ينافسه إلا زعيمهم مطر ويراهن على
أنه أيضا يمكنه قيادة وتولي مصير بلاد كاملة دون
أن يهاب أو يتراجع ولا أن يرف له جفن ولا أن يخسر ,
وفي المقابل كان شعور تيم ناحيته متساويا فهو
لم يراه سابقا إلا مختلفا عن الجميع وحكم عليه
من أول مرة رآه فيها ووقع نظره عليه وشدته
بالفعل شخصيته المختلفة عن غيره , وإن كان له
أن يختار شقيقا لاختاره أن يكون مثله في كل شيء ,
ويعز عليه فراقه بالفعل , شعور لم يشعر به منذ
أعوام طويلة , بل منذ ترك تلك البلاد مودعا فيها
جسد والدته المتواري تحت التراب وذكرياته البعيدة
معها , وطفلة علقها معه في مصير مجهول حتى
اليوم تاركا إياه لكلاب بشرية لم ترحمه هو يوما لترحمها ,
ابتعد عنه ودفعه براحة يده من ظهره قائلا
" لا شيء لدي اليوم تقريبا وسأرافقك حيث ذهبت
وإن كان لحبيبتك وغرفة نومها "
ضحك قاسم من فوره وقال وهو ينزل السلالم برفقته
" لا تسرب الشائعات ضدي يا أحمق
فأنا خارج من المجموعة دون طرد "
*
*
*
منذ رجوعها من قسم الشرطة صباحا وهي سجينة
غرفتها ولم تخرج ولا لجامعتها البائسة التعيسة
مثلها فهي مقتنعة الآن بأمر واحد فقط وهو أنه
من في مثل وضعها كان عليها أن لا تفكر في
الخروج أساسا من هذه الجدران الصماء , دست
وجهها في ركبتيها تضمهما بذراعيها وهذا مكانها
منذ ساعات لم تغادره إلا لتصلي وتدخل الحمام ,
خرجت من قسم الشرطة رافضة مرافقة ذاك الشاب
الذي خرج لها من العدم منصبا نفسه مسئولا عنها
وركبت سيارة ابني عمها , لم تكن المسافة لمنزلها
قريبة لكن الصمت هو ما كان مسيطراعلى جو تلك
السيارة حتى وقفت أمام باب المنزل , وما أن نزلت
منها وقفت عند نافذة الذي لم يرفع نظره بها رغم
علمه بوقوفها هناك , هي سبق وحذرته فلما يغضب
منها الآن ؟ ثم ما ذنبها هي في كل ما حدث وهو من
لم يأخذ ذاك التهديد بجدية ! ما هي موقنة منه أنه
فعل شيئا أوصله لهذا الحال فالتهديد كان تحذيريا فقط ,
أي أنه ثمة ما حدث وسيكون بالتأكيد تدخلا منه في
سير القضية وها قد جاءته النتائج , رغم صده
المتعمد والواضح لوجهه عنها والتجهم في ملامحه
العابسة قالت ناظرة لنصف وجهه المقابل لها
" آسفة بشأن ما حدث لك يا برآء ,
لو كنت أخذت بنصيحتي ما حدث كل هذا "
تمتم ببرود دون أن ينظر لها
" هذا فقط ما استطعتِ عليه يا ماريه ؟ "
شدت قبضتيها وهمست بأسى
" لو بيدي شيء لمنعت به الأذى عن نفسي قبلك"
نظر لها هذه المرة لكن نظرته لم تحمل إلا كرها
دفينا فهمت فورا أنه ليس موجها لها ، وقد توضح
الأمر سريعا حين قال بضيق
" كان عليا أن أتوقع إجراما كهذا من كنعاني القتل
والخيانة متأصلان في جذورهم , وكان يجب أن
أتوقع أكثر من ذلك من قذر كان منذ صغره مجرما "
فقد لسانها حينها زمام الأمور وأصبحت الكلمات
تتدفق منها دون شعور رغم غضبها القاتم أيضا
من كل ما يجري وقد تحرك رأسها مع رميها ليدها
ليتطاير ذاك الشعر البني الحريري حول وجهها صارخة
" آل كنعان ليسوا خونة والتاريخ شهد لهم بذلك ،
وتيم لم يكن مجرما يوما بل أنتم من صورتموه كما
تريد عقولكم "
أنهت جملتها الغاضبة تلك وسحبت نفسا قويا
لصدرها تكابد دمعة القهر والغضب كي لا تقفز
من عينيها فبالرغم من كل ما يحدث وكرهها لترك
ذاك الرجل لها وحيدة في عالم لا يغلفه إلا السواد
حولها من كل جانب إلا أنها كرهت حقا نعته له بكل
تلك النعوت الجائرة وعائلته التي فقدت أغلب أبنائها
بسبب تهم هم أبرأ الناس منها , تحولت نظراته لها
لشيء لم تستطع تفسيره سوى بأنه حقد غير اتجاهه
من غيرها لها وقال بحروف صلبة
" أقسم ما فعلت ما فعلته اليوم إلا من أجلك أو لكنت
قدمت شكوى ضد ذاك الطفل الذي يرى نفسه قادرا
ويهدد ويفعل , وما فعلت كل ما فعلته إلا لأنك ابنة
عمي وما يمسك يمسنا "
أنهى جملته تلك وأغلق زجاج النافذة وانطلقت
السيارة فورا , ابتسمت بمرارة وهي تتذكر كل ذلك
الموقف , هدد وفعلها حقا كما قال وموقنة من أن برآء
لن يفكر في تحديه مجددا بعدما رأى بعينه ما فعل له
دون أن يتردد لحظة ولا حتى أن يدخل البلاد ,
وهذا التهديد هكذا فالفعل سيكون أسوأ بالتأكيد ,
فهي كانت تقف بقربه حين وقف ذاك المحامي
المجهول أمامهم وقال ونظره على عيني برآء تحديدا
( هذه ليست سوى مزحة صغيرة فابتعد فورا عما
كنت تقحم أنفك فيه )
وذاك كان أكبر دليل لها عن هوية مرسل ذاك
الشاب وعن تصرف ما فعله برآء في سير قضية
فك عقد الزواج المعلقة في المحكمة من أعوام ,
رفعت رأسها مجفلة ونظرت بصدمة لباب الغرفة
الذي انفتح بقوة ودخل منه عمها وجهه أقتم
سوادا من تلك الليلة وصرخ من فوره
" لا تفرحي كثيرا بما حدث يا نصف المرأة "
وتابع بسخرية يصفق يديه
" لا ويهددني أيضا برسائله السخيفة وبأني سأدفع
الثمن , قسما أن تدفعاه أنتما الاثنين يا حثالة الهازان "
شدت قبضتيها على قماش بنطلون بيجامتها القطنية
وخرج صوتها مختلطا ببحة حرقة ووجع
" رأيت بنفسك اليوم أن حثالة الهازان يهدد ويفعل
فلا تلمني حينها ويكفيني ما بي "
مد يده سريعا لوجهها وأمسك فمها وفكيها بقبضته
متجاهلا ملامحها المتألمة وهي تشعر به يتحطم بسبب
قبضته القوية ،وقال من بين أسنانه
" وأصبح لك لسان أيضا يا ماريه , تشجعت بحثالته
التي يرسلها ؟ ستندمين حين تكونين في الشارع
تنهش الكلاب جسدك وقولي قيس هارون قالها
فذاك الغبي وضع حسم القضية في يدي الآن "
ثم دفعها بقوة بعد صفعة اعقبت تحريره لفكها
الصغير أشعرتها بأن نصف وجهها قد مات وخرج
من الغرفة بخطوات غاضبة تاركاً إياها منكمشة على
السرير تئن البكاء كالوجع ولم يفكر حتى أن خطواته
العرجاء التي أصبحت ما هي عليه الآن بفضل مالها
الذي نهبه ظلما وجورا , وها هو ما أخبرها عنه
ذاك المحامي حقيقة بالفعل وأن نهايتها ستكون الشارع
ما أن يكسب عمها قضية الخلع ويطلقها منه
*
*
*
نزل من السيارة ضاربا بابها خلفه بقوة هزتها في
مكانها وصعد عتبات المنزل بسرعة ودخل من الباب
متوجها للسلالم من فوره حين أوقف الصوت الذي نادى
من خلفه
" نجيب "
فوقف والتفت للتي اقتربت منه تنظر لوجهه
باستغراب سرعان ما انقلب لفزع فقلق وهي ترى
اللاصق الطبي في جبينه والكدمة الزرقاء المنتفخة
تحت جفنه الأيمن والجرح في طرف شفته وقد جف
الدم عليه , وصلت عنده وأمسكت ذراعه قائلة بصدمة
" نجيب من فعل بك هذا ! مع من تشاجرت تحدث ؟
وأين كنت ليلة البارحة لم تنم هنا ولم أراك ؟ "
همس من بين أسنانه
" أمي اتركيني وشأني الآن وسنتحدث فيما بعد "
كانت ستتحدث لكنه تركها وصعد عتبات السلالم
دون اكتراث لها فحركت رأسها متنهدة بيأس
وغادرت متمتمة بضيق
" عدنا للمواويل القديمة يا نجيب والشجار
مع أفراد عصابات الشوارع "
بينما صعد هو وهدف واحد يراه أمامه فلم يمسكه
عن العودة هنا إلا ذاك الشاب الغبي الذي كاد يفضح
أمر ما يدبر له , وصل للطابق الثاني وتوجه للسلالم
وتابع صعوده وسلك الممر ونظره على ذاك الباب
تحديدا ليوقفه مكانه الصوت الحازم من خلفه
" توقف مكانك يا نجيب "
وقف والتفت للذي كان قد أصبح يقف عند رأس
السلالم بعدما لحق به , يلبس بنطلونا رياضيا
وقميص قطني بأكمام طويلة , ثياب جعلت الواقف
مكانه يدرك فورا أنه لم يغادر المنزل اليوم وكأن
يترصد له بالتأكيد , نظر له تلك النظرات التي لا
تحمل إلا كرها متأصلا قد غذى جذوره على
مر الأعوام وقال
" لا تتوهم بأني سأسكت لك عنها يا وقاص , وآخر
مرة تلك التي تتدخل فيها في شؤوني الخاصة
فأنا ما كان ليرف لي جفن إن وجدتك تذبح زوجتك
الغبية البدينة تلك عند باب المنزل فلا تتدخل بيني
وزوجتي وهذا آخر تحذير لك "
وما أن أنهى عبارة التهديد تلك حتى التفت متابعا
طريقه فلم يشعر بنفسه إلا وهو يلف حول نفسه
حتى فقد الإدراك بالمكان للحظات قبل أن يشعر
بجانب وجهه يصطدم بالجدار بقوة وقد وصل له
من كان واقفا هناك في لمح البصر , كان يشعر
بعظام فكه تكاد تتحطم بسبب ضغط الواقف خلفه
على رأسه بإحدى يديه والأخرى تلوي ذراعه خلف
ظهره بقوة حتى شعر بها ستخلع من مكانها وشُلت
حركته تماما بسبب دفع ذاك الجسد القوي له ، همس
الواقف خلفه تلفح أذنه أنفاسه الغاضبة
" قسما أكسرها لك إن امتدت عليها مجددا يا نجيب ,
زوجتك ابنة عمي وشأنها يعنيني عكس زوجتي
بالنسبة لك , وحتى وقت عودة جدي ستكون تحت
حمايتي ولن تقربها وإن قتلتك فهمت "
حاول دفعه عنه بجسده بقوة تزدادا وهنا شيئا
فشيئا وقال من بين أسنانه
" ابتعد عني أقسم أن أربيها من جديد تلك السافلة
كي تتعلم أن لا تسخر مني مجددا "
ضغط بمرفقه على جانب عنقه حتى كاد يفقده
تنفسه وقال بتهديد
" قسما يا نجيب وأنا وقاص ابن سلطان ابن ضرار
أن أرميك في السجن دون تردد إن دخلت الغرفة
بل والجناح بأكمله وجرب فقط أن تختبر صدق يميني "
ثم أفلته ووقف يشد قبضتيه بجانب جسده ينظر
له نظرة تهديد لا تقبل أي تراجع وهو يلتفت
ناظرا له محركا لفكه بأصابعه بملامح متألمة
غاضبة حاقدة تعجز عن فعل شيء غير إرسال
تلك النظرات وهو من يعلم بأنه إن أقسم بتلك
الطريقة ينفذ دون تراجع ولا حتى تفكير في
العواقب , وأنه لن ينتصر عليه وهو محامي
فكيف به نائباً للمدعي العام، لكنه له ويعرف كيف
يأخذ حقه منه وبطريقته الخاصة , غادر من أمامه
عائدا أدراجه بعدما رماه بسمومه مهددا
" ستندم يا وقاص وقل نجيب قالها ... وابنة عمك
الخرساء تلك معك "
واختفى خلف السلالم نازلا ونظرات الواقف مكانه
هناك تتبعه حتى اختفى ثم بصق حيث كان يراه شاتما
بهمس ونظر لباب الجناح المغلق , لا يمكنه البقاء
في المنزل أكثر وحراسة هذا المكان طوال الوقت
ويعرف شقيقه ذاك جيدا ما أن سيشعر بغيابه عن المكان
سيعود فورا ، وقف مسندا يده على الجدار ونظره على
الصندوق المثبت فيه بجانب الباب يحوي شاشة صغيرة
ومجموعة أزرار برمز سري يعلمه جميع ساكني ذاك
المنزل وحتى الخادمات ولا يفتح إلا من الخارج ,
أخرج هاتفه من جيب بنطلونه واتصل بأحدهم ونظره
لازال على ذاك الجهاز ويده الأخرى تستند على الجدار ,
أجاب صاحب الرقم بعد برهة قائلا
" أجل يا وقاص "
قال من فوره
" اسمع تيم كيف يمكنني تغيير رمز سري في
جهازحماية خاص بالأبواب دون أن يعرفه غيري "
قال ذاك من فوره وكما توقع من شخصيته
التي يعرفها جيدا لا يسأل عن شيء لا يخصه
" انظر للرمز أسفل الجهاز وأمليني إياه "
فعل كما قال فورا وهو ينزل على قدميه ناظرا
فوقه ويقرأ له الرمز والرقم الموجود تحته حتى
قال من في الطرف الآخر
" اقرأ لي الأزرار الآن غير أزرار الأرقام طبعا
وهل الصفر من ضمنها أم أنها تسع أرقام فقط ؟ "
فعل ما طلب منه وأعطاه أسماء الأزرار المتبقية
فوصله صوته الجاد الواثق
" هذا من الأجهزة الحديثة المعقدة لكننا سنتغلب
عليه بالتأكيد فاتبع ما أقول بالخطوة "
وتابع معلقا بتملق بارد
" وسينجح الأمر بالتأكيد بما أن من في الطرف
الآخر شخص ذكي مثلك وليس بليد سأحتاج
معه لنصف يوم لينجح ذلك "
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه المزمومة
بحنق لتتسلل ببطء إلى ملامحه المتجهمة الغاضبة
وقال وهو يشغل شاشة الجهاز
" بسرعة إذا قبل أن اثبت لك العكس "
*
*
*
مررت المشط سريعا في طيات شعرها الحريري
الطويل ثم لفته بعشوائية وثبتته في مؤخرة رأسها
بمشبك كبير ليتمكن من جمع لفاته جميعها ثم نظرت
للمرآة تدس خصلات غرتها خلف أذنيها ونظرها
ليس على أصابعها وما تفعل بل سافر لملامحها وهي
تنظر لوجه المرآة الحالسة أمامها فيها .. العينان السوداء
الواسعة التي لم تزدها نظرة الحزن والفقد والوجع إلا جمالا
يتكسر على أعتاب الصمت الحزين فيهما ، ومبرزاً لونهما
البشرة شديدة البياض والصفاء ،وشفاه وردية ناعمة
لازالت تحتفظ بذاك الامتلاء المغري رغم صغر حجمها
يظهر في انفراج شفتها العلوية التي تأخذ شكل انحناءة
القوس , أدارت عينيها بعيدا وتنهدت بعمق ,
لا تعلم لما يرى الجميع ويقرون بأنها لم تتغير وكأن
السنين لم تمر بها بينما ترى هي نفسها عجوز
دمرتها الفواجع والأحزان ورسم فراق أهلها
خطوطا عميقة في بشرتها لا يراها أحد سواها ,
باهتة كئيبة كصورة مقلوبة لا يمكنك أن ترى منها
سوى خيالات وخطوط وهمية واهنة ، هكذا كانت
ترى نفسها مهما اختلف الواقع الذي يراه الجميع ،
ملأت رئتيها بالهواء وأخرجته حارا شعرت به
تسلل من أوردتها ومن صميم أعماقها وعادت
بنظرها لوجهها في المرأة وابتسمت بمرارة ,
لا تصدق أن ذاك الرجل يفكر حقا فيما قال !
تتزوج ؟ وممن منه هو !! كادت تضحك في وجهه
ما أن أنهى جملته تلك , بل كادت أن تجمع الناس
حولهما ليستمعوا لتلك الدعابة , لا وحجته ابنه ..!
كيف لعقله أن يصور له أنها ستفكر في الزواج مجددا ,
صحيح أنها ارتكبت أكبر حماقة في التاريخ وقالت
في تلك المقالة أن مطر شاهين ربطها بحكم والدها
للبلاد لكنها أيضا صرحت برفضها القاطع لخوض
تلك التجربة مجددا , وحتى إن لم تذكر ذلك كيف
لرجل في مثل مركزه وعقله العسكري أن يتسرع
هكذا ويطلبها بنفسه ومن نفسها ؟ لا وبعد يوم واحد
من نزول أعداد تلك الجريدة ! لم تتخيل ولا في
أحلامها أن تكون تلك نظرته لها ... زوجة !! أمر
إن لم تسمعه منه بنفسها لكذبته بالتأكيد ! لاويعلم
حتى أن والدها شراع رفض الكثيرين ممن طلبوها
للزواج وأنه كان يرفض دون أن يوضح الأسباب
لتأتي هي الآن وتفجر المفاجأة , سحقا للسانها
كان عليها قطعه قبل أن تقول ما قالته ، هل كانت
تريد بذلك الانتقام من ذاك الرجل الذي علقها بعده
أم لتنتقم لنفسها بعد سماعها لصوت تلك المرأة ؟
لم تعد تفهم شيئا مما يحدث معها وتعبت حقا
من كل هذا , دفنت رأسها بين يدها وانقلبت كل تلك
الأفكار لذكريات حاربتها طيلة سنوات مكوثها هنا ,
بل وتعايشت مع أن لا تتذكرها , كيف يتصورون
أنه لامرأة كانت زوجة لرجل كذاك الرجل أن
تكون لغيره ؟ لاتنكر ذلك ولا تستطيع فعلها مهما
حاولت ومهما كرهته وحقدت عليه , كان رجل إن
رأت هي غيرها في الماضي زوجة له لحسدتها عليه ,
كان رجلا مميزا في كل شيء مهما أنكرت ذلك ،
حتى لمساته وقبلاته يعرف كيف يبعثر بها قلب
الأنثى في ثوان معدودة , كيف يمكنها أن تكون مع
رجل آخر وهي من عرفته هو لا غيره ؟ كيف تقترب
من أي رجل دون أن تتذكر لمسات أصابعه لوجهها
وجسدها .. ؟ همساته الدافئة ببحة صوته المميزة
ونظرته الكفيلة بتحطيم أكثر النساء صمودا وابتسامته
التي بقدر ما يبخل بها يستخدمها سلاحا فتاكاً ؟؟
تكذب إن قالت غير ذلك فكيف وهو من كان يجعلها
تبادله القبلات الحارة ما أن تشعر بملمس شفتيه المداعبة !
حقائق كم تمنت قتل نفسها على الاعتراف بها مجددا
وأمور تغلبت بالفعل على جرحها منه وسنين
هجرانه لها
ورغم كل ذلك هي لا تريده وترفضه وما فعله لن
تنساه له أبدا , أغمضت عينيها بشدة لتدور بها
عجلة الذكريات سريعا وتعلم أنها السبب فهي من
فتحت لها الباب الآن , ورغما عنها تذكرت تلك
اللحظات وهما جالسان فوق ذاك الجبل الذي يطل
اليوم على نافذة غرفتها ، تدفن وجهها في طيات
صدره حيث تخفي دموعها الصامتة ويدها تمسك
بمعطفه بقوة، وكان ذاك يوم لقائها بوالدها شراع
وقد قال كما تذكر حتى اليوم وبالحرف الواحد
وقد قبّل رأسها واتكأعليه بذقنه
( حين مات والدي كنت في الرابعة والعشرين ،
كنت رجلا كما يريده ، لقد صنع مني ما لن
يصنعه أحد ولا نفسي أنا , علمني كيف أكون
قويا كيف أكون ذكيا كيف أقود وآمر , قربني من كل
أمور الدنيا ولم يبعدني شبرا عن الله وعن أمور الآخرة ,
ويوم مات كنت بجانبه كنت أراه وهو يفقد كل ارتباطه
بالحياة وما حوله ... سمعه بصره نطقه , مشهد ما
ضننت أنه سيحفر في ذاكرتي لأعوام وأني سأتمنى
يوما أني لم أراه , بعد موته بعام تسلمت زعامة
الحالك باختياركبار قبائلها دون حتى أن أطلب ذلك
أو أقترحه , رباني لسنوات طوال لأكون زعيما
ولم يكن ذلك إلا بعد موته , صنع شيئا لم يراه
ولم يشهد نجاحه , لم أستطع قول أن موته كان في
وقت خاطئ فالله وحده يعلم الخير في الأمر والشر فيه ,
والدتي لم أعرفها لم أعرف عنها سوى أنها امرأة
فقدت حياتها لأعيش , فتاة أُجبرت على الزواج من
رجل أكبر منها بكثير ولم يغرها ماله وجاهه
بين قبيلته , طفلة عاشت يتيمة الأم ووحيدة والدها
, تمنيت فعلا أن رأيتها أن ربتني مع والدي أن
علمتني ككل أم كيف أعطي أكثر من كل هذا
فلم يعلمني والدي إلا الأخذ )
تسللت الدموع من عينيها المغمضة بشدة وهي
تتذكر جملته حين استنكرت أن يكون كذلك
( أنتي التي لا تعرفينني يا غسق , أنا تربيت
على ذلك , أنا لست ملاكا وثمة عيوب بي أعلم
أنها تخسرني الكثير لكني لا أستطيع التخلص منها )
كانت تضنها ذاك الوقت مجرد اعتراف منه
وتضنه يقربها من نفسه بحديثه معها عما لا
يتحدث به مع غيرها , لكنها مخطئة .. مخطئة
حد السذاجة فذاك الرجل لا يفعل ذلك أبدا ولا يمكن
أن يفتح قلبه ويعترف بضعفه لأي كان ، وكان صادقا
في كل حرف قاله فهو لا يعرف أي درجة من درجات
الأنانية ويبدي الجميع على نفسه ، ولأنها ليست
كمن يضحي بكل شيء من أجلهم رماها خلفه وغادر ,
بل قتلها قبل أن يفعل كل ذلك , رفعت رأسها ومسحت
الدموع التي لا تستطيع وصفها إلا بالحمقاء وهي
أشد منها لأنها سمحت لها بالنزول فهي لن تبكي
ذاك الرجل كما لن تغفر له ما فعل بها ما عاشت
على هذه الأرض , وقفت وتوجهت لهاتفها ورفعته
وجلست على أريكتها المقوسة وطلبت رقم رعد
فورا وما أن فتح الخط حتى قالت
" مرحبا رعد , أتمنى أن لا تكون نائما وأنا أيقظتك ؟ "
قال من فوره
" لا أنا لم أنم بعد ولا نوم يلوح في الأفق على ما أظن "
وتابع بضحكة
" حتى أني شعرت بالسقف سيقع
على وجهي من كثرة التحديق به "
ابتسمت بحزن متمتمة
" قلت لك تزوج وأنت ما أعند رأسك "
سمعت ضحكته الخفيفة قبل أن يصلها تعليقه
وصوته المنخفض
" قسما يا غسق يا شقيقتي الغالية إن عاد مطر
شاهين أن أتزوج وبنفسك من ستحضرين عروسي "
شعرت بذاك الانقباض الكريه في قلبها
وهمست ببعض الضيق
" وما مناسبة ذكر ذاك الرجل الآن ؟
لو أفهم ما الرابط بينه وبين زواجك ! "
وصلها صوته مبتسما
" رابط قوي وقصة قديمة ودفاتر أُغلقت
وحده من سيفتحها يا شقيقتي فافقدي الأمل
ما لم يظهر عدوك اللدود مجددا "
تنهدت متمتمة
" اتركنا من هذا الآن فلا أسوأ من رماح إلا أنت "
قال بضحكة
" بلى هناك جبران أسوأ من كلينا "
شعرت بغصة في حلقها ونطقت بصعوبة
" هل تحدثت معه ؟ "
قال متنهدا
" هو من اتركينا منه الآن فأمره يطول الحديث فيه "
قالت بتوجس من نبرته وحديثه
" حاولت الاتصال به حين كنت محتجزا في مبنى
البرلمان ورفض أن يجيب على اتصالي "
وصلها صوته حانقا
" جبران يدفع ثمن أخطائه السابقة التي عليه
تحمل نتائجها فاتركيه لغيره ليؤدبه فأنا أرى
أن نهايته على يدي ذاك الرجل تحديدا "
حركت رأسها بعدم فهم وهمست
" لا أفهمك يا رعد ولا أعلم لما أشعر أنه ثمة
أمر بينكما يخصني وتخفيانه "
لاذ بالصمت لوقت لم يزدها إلا تيقنا من شكوكها
ثم وصلها صوته هادئا عميقا
" حكاية قديمة يا غسق وطواها الزمن وتأكدي أنه لولا
طلب صاحب الشأن نفسه مني أن لا أتحدث عنه
وأن لا تعلمي أنتي به لما تسترت عن هكذا فعل أبدا "
غضنت جبينها بتفكير ولم يزدها كلامه إلا حيرة
وكثرت الألغاز حولها , وصلها صوته قبل أن تتحدث
" هل أعلم ما هو هذا الأمر الذي جعلك تنغصين عليا خلوتي "
نظرت لأصابع يدها في حجرها وقالت بتردد
" تقابلت اليوم واللواء يعقوب العقاد "
قال بعد صمت لحظة
" تقابلت معه ؟؟ هل تعني أنك خرجت وتقابلتما ؟ "
تنهدت قائلة
" ليس الأمر كذلك بالضبط وليس هذا المهم في
الموضوع فهو أخبرني أنه سيتصل بك فهل حدث ذلك ؟ "
وصلها صوته مستغربا
" كان ثمة اتصال بيننا اليوم ناقشنا فيه بعض الأمور
المتعلقة بالأوضاع الراهنة في البلاد فهل هذا الأمر تعني ؟ "
قبضت أناملها وتنفست بقوة وقالت
" لقد تحدث معي اليوم عن موضوع خطبة وما إلى
ذلك ولم أعرف ما أقول له أنت تفهم حساسـ .... "
قاطعها بصوت مصدوم
" خطبة !! تعني خطبك ؟ "
رطبت شفتيها بلسانها وقالت
" نعم وقال أنه سيتحدث معك وأنه يعلم أن مثل تلك
الأمور كان يجب أن لا يتحدث معي فيها مباشرة
ومن ذاك القبيل فأخبره أنك ترفض ذلك أو أني
رافضة الأمر جملة وتفصيلا "
كان الصمت التام جوابه حتى خيل لها أنه أغلق
الخط في وجهها فهمست
" رعد تسمعني ؟ "
وصلها صوته مستغربا
" غسق ما دفع ذاك الرجل للتحدث في مثل هذا الأمر
ومعك شخصيا ؟ "
قالت من فورها
" لا تفهم الأمر كما يخبرك عقلك يا رعد , هو
فقط ... أعني أنا ... "
وضاعت الكلمات منها ولم تعرف كيف تصيغ الجملة
فقال نيابة عنها
" المقالة تعني أليس كذلك ؟ "
دفنت وجهها في يدها ممررة أصابعها في غرتها
الحريرية وقالت بأسى
" رعد أنـــ... "
قاطعها بنبرة حازمة لم تتوقعها منه وهو يقول بضيق
" هذا ما سيكون متوقعا منه ومن غيره بعد تلك المقابلة
يا غسق , لا أعلم كيف ترتكبين حماقة مثلها ؟ "
قاطعته بضيق مماثل
" كانت نفسيتي سيئة ومن ذاك الرجل تحديدا ، وقلت
ما قلت وانتهى لا يفيد الآن الحديث فيه فقد حاولت
سحب المقالة لكن الأوان كان قد فات "
وصلها تنفسه القوي وقد قال
" ليت الأمر وقف عند ذلك الحد بل اتهمت الرجل بأنه
يقدم الوطن على كل شيء ولن يفهم القارئ إلا أنك
تعني نفسك , لن أستغرب إن وجدت ذاك الرجل
أمام باب منزلك خارجاً لك من العدم ليدق عنقك "
ابتسمت بمرارة متمتمة
" لا تقلق فذاك الرجل تحديدا لا يجلبه شيء يخصني
ولا افتضاح لعبه بالقانون في جريدة "
تمتم متنهدا
" لا أعلم فيما كنت تفكرين حين قلت كل ذلك ؟ لو أن
والدي حيا الآن لسقط من الصدمة "
غزى الحزن ملامحها الجميلة وقالت
" لو كان والدي على قيد الحياة لكانت أمور كثيرة
ليست كما هي عليه "
قال بجدية
" أخطأت يا غسق اعترفت بذلك أم لم تعترفي
وستفتحين على نفسك باب سيتعبك ما سيأتيك منه "
تأففت هامسة
" وما تفعله غسق بنفسها ؟
تموت مثلا ليرتاح الجميع منها ؟ "
فاجأها بضحكته في وقت أبعد ما كانت تتوقعه أن
يضحك ووصلتها كلماته مختلطة برنين ضحكته الرجولية
" كم اشتقت لعباراتك هذه التي دفنتها السنين
خلفها يا مدللة عائلة شراع "
عضت طرف شفتها محرجة منه ومن غباء لسانها
ثم تنهدت هامسة بحزن
" ومن بقي لي منكم عائلة شراع ؟ ذبحتم روحي
على فراقكم واحدا تلو الآخر "
غزى الحزن نبرته أيضا وقد قال بعد صمت لحظة
" حمدا لله على ما اختار لنا فلن يعلم خيرة الأمر أحد
مثله فلا تنتقلي من مقالة حمقاء لتسخط على أقدار الله "
تنفست بضيق وقالت ساخطة
" وداعا الآن سأتركك مع خيال حبيبتك
التي وحدها الحمقاء يا أحمق "
وفصلت الخط على صوت ضحكته ورمت الهاتف
بعيدا تشتمه بحنق فقد عرف بالفعل كيف يلعب بها
ويجعلها تفقد السيطرة على لسانها ، أم أن كل هذا
بسبب تلك الذكريات ليس إلا ؟ نفضت لحاف السرير
وأندست تحته متمتمة بضيق
" هذه نتائج ذكراه ... سحقا لذاك الرجل "
*
*
*
دست ما في يدها سريعا داخل الصندوق الخشبي
المغلف بالقماش وأغلقته ليرجع كما كان مجرد
كرسي قديم ثم وقفت وخرجت من الغرفة وتوجهت
لباب المنزل وفتحته وتنحت جانبا تتجنب النظر للذي
دخل متمتما بفتور واضح
" مرحبا آستي "
نظرت ليديها اللتان تشدهما لبعضهما بقوة وهمست
" مرحبا سنمار .... تفضل "
وأبعدت نظرها أكثر عنه متجنبة التقاء عينيها بعينيه
التي تعلم مسبقا أنهما لن تنظران لها إلا غضبا أو
استياء أو حتى باحتقار وهذا ما تنتظره وتتوقعه
في كل لحظة بعد ذاك اليوم ومواجهتها بأنجوانا
أمام أفراد من قبيلتهم ، بينما دخل هو المنزل عيناه
تراقبان تفاصيله ككل مرة يدخل فيها له وهو يتذكر
والديه , الذكرى التي جعلت من ثورة غضبه تخمد
لدرجة هو نفسه لم يتصورها وهو يتذكر توصيات
والدتهم وقت مرضها بأن يعتنوا بابنتها الصغرى
وأن لا يجتمع عليها فراقها وظلمهم ، تنفس بعمق
متمتما بصلوات الرحمة ثم التفت لها وقال ببرود
" أرسلت في طلبك من وقت , ظننت أنك نائمة
ولست تتجاهلينني ! "
حركت رأسها بالنفي فورا وشعرت بأنها في لحظة
عادت ابنة الخامسة عشرة تخاف نظرات أخوتها
وترتعب من غضبهم ، شتت نظرها بعيدا عنه
وهمست بحزن
" كنت أعلم أنك ستكون غاضبا فأردتك أن تهدأ
أولا وكنت سأذهب أقسم لك "
قال من فوره
" تعلمين إذا أني سأكون غاضب ؟
ومؤكد تعرفين السبب أيضا "
نظرت للأرض ولم تعرف ما تقول ، بماذا تبرأ نفسها
وما ستقول من حقيقة الأمر وتخفي ؟ هي لا تعلم حتى
حدود ما علمه واعتمر رأسه من أفكار وما وصل له
من الحقائق والأكاذيب
" كان عليا إذا أن أصدق ما قيل
دون أن أفكر في الاستماع لك أولا "
رفعت رأسها له سريعا ما أن سمعت جملته تلك
وقالت من فورها
" لا يا سنمار لا تحكم عليا زورا "
وامتلأت عيناها بالدموع وهي تتابع
" أقسم أن ما تحاول أنجوانا قوله غير صحيح وأنالم
أخرق قانون القبيلة لا كابنة لزعيمها ولا كفرد منها
وأن ابن شراع كان أحرص عليا من حرصي على
نفسي ولم أرى منه سلوكا منحرفا أبدا رغم أني كنت
أهتم حتى بأموره الشخصية وهو مريض "
قال وقد اشتد فكاه
" ولا أنك ترفضين الزواج حتى الآن ؟
ليس هو السبب يا آستي ؟ "
تدحرجت الدمعة التي سجنتها لتنساب على برودة
خدها وهمست
" وما علاقة هذا بحديثنا ؟ أنا أقسمت لك
يا سنمار وقلت الحقيقة دون أن انقص منها شيئا "
اقترب منها حتى وقف أمامها وقال بجمود
" لا ليست كاملة فأعطني سببا مقنعا لرفضك الزواج
كل هذه السنوات .... تحدثي آستريا "
تسابقت دمعاتها تباعها وحركت رأسها بقوة ورفض
قائلة بعبرة
" قسما أن ابن شراع لم يلمس جسدي يوما
فلا تترك لتلك المرأة الفرصة لتدمر ثقتك بي "
نظر لعينيها الدامعة لوقت قبل أن يمسك وجهها بيديه
وركز نظره على حدقتيها العسلية الواسعة وقال بجدية
" صمتك وعنادك سيجعلانك لقمة للجميع يا آستريا
وساجي إن عاد وعلم بما يقال فلن يرحم أحدا
وأولهم أنتي ... وأنتي تعرفينه جيدا , لا أريد أن أخلف
عهدي لوالدتنا وهي تموت فلا تصعبي الأمر عليا
كزعيم للثنانيين قبل أن أكون شقيقك "
ازدادت دموعها انسكابا وهي تقول بعبرة
" إذا لتنطبق عليا قوانين القبيلة "
أنزل يديه من وجهها قائلا بضيق
" آستريا ما هذا الجنون ؟ "
مسحت عينيها متمتمة بإصرار
" لماذا ليس من حق ابنة الزعيم أو شقيقته أن
تختارمن تريد لنفسها , هل العواطف محرمة عليها
وعلى البقية بلى "
همس بغير تصديق
" لا تنكرين إذا أنك تحملين له مشاعر خاصة ؟ "
قالت وعينيها في عينيه وقد استجلبت شجاعتها
التي عرفوها بها دوما
" أجل أحببته كل عمري وانتظرته رغم يأسي من
قدومه لكني لم أخطئ معه يا سنمار "
شد قبضته أمام وجهها وكأنه يجبر نفسه ليكفها عنها
ثم أنزلها بعنف وأشاح بوجهه وقال وهو يخرج مغادرا
" تحملي ما سيأتيك من ساجي إذا وأنتي تعرفينه جيدا "
وضرب الباب خلفه وتركها لدموعها وعبراتها ، ركضت
جهة غرفتها وتوجهت لذاك الكرسي القديم وانهارت
جالسة أمامه وأخرجت منه المصحف الذي كانت تخفيه
فيه تحت لباس الصلاة الذي صنعته بيديها وخبأته
عن الجميع , حضنته باكية وهمست من بين عبراتها
" يا رب ارحم روحي المعلقة به يا رب "
*
*
*
لم يتوقف عن التحرك بعشوائية ذهابا وإيابا أمام
الواجهة الزجاجية المطلة على تلك الحديقة المنسقة
بعناية والبحيرة الاصطناعية التي أصوات خرير المياه
النازلة فيها تصله بوضوح ولا تزيده إلا توترا , يكاد
يشتعل من عجزه عن فعل أي شيء حتى الآن ولا
الاتصال بجده فمثل هذه الأمور لا يجدي التحدث فيها
عبر الهاتف , للحظات تمنى أنه لم يستمع لرأي رواح
واستسلم لجنون غضبه ذاك الوقت ولقن نجيب بل
وجميع من في ذاك المنزل درسا في القانون الانجليزي ،
لم ينم ليلة البارحة أيضا ولم يفارق ذاك المشهد خياله
ولا صورة ملامحها التي لم تصبه وحده في مقتل بل
كل من كان في تلك الغرفة وحتى والدة رواح التي
سمع همسها المذهول من خلفه حين فتحت باب الحمام
وخرجت لهم فعلقت بدهشة
( رباه هل هذه حقا المدعوة زيزفون ؟ )
نظر للباب الذي انفتح قاطعا عليه حبل أفكاره
وللداخلة منه بملامح عابسة وكأنها خرجت من
منزلهم الآن وليس منذ فجر أمس , خياره الوحيد
كان القدوم لمنزلهم والطلب من والدها أن يراها
ليفهم منها تشخيصها للتي زارتها هناك وخرجت
ولم توضح لهم شيئا عن حالتها سوى شتائمها
وتذكيرهم بالمبادئ الإنسانية لتذكرهم بأنه يفترض
بهم هم أن يعلموها لغيرهم لا أن تشرحها لهم هي
ابنة السابعة عشرة , ولن يستغرب ذلك منها فكما
سمع عنها هي تعمل ضمن حقول منظمة إغاثة
وعضو في فريق إنقاذ أي ممن يضحون بأنفسهم
من أجل إنقاذ حتى الحيوانات , اقتربت منه هامسة
بفتور ومشتتة نظرها عنه
" مرحبا وقاص "
تنهد يراقب ملامحها العابسة وقال
" إن كان في إمكانك أن لا تلومي من لا دخل له
فأتمنى أن تشرحي لي حالتها فقط "
كتفت يديها لصدرها وتنفست بقوة ونظرت لعينيه قائلة
" وإن لم يكن لك علاقة فثمة من له وأنت رجل قانون ,
وما لا يمكنني تصديقه أن تقف متفرجا ! "
وتابعت قبل أن يعلق وقد فكت يديها
" ولأنه ليس من حقي أن أتدخل فيما لا يعنيني
بالتأكيد فالفتاة تعرضت لضرب كفيل بإسقاط رجل "
وهربت بنظرها منه وهي تتابع من بين أسنانها
" وحائض أيضا "
شد قبضتيه حتى كاد يمزقهما وشعر بالسواد أمامه
يزداد وقد تابعت وهي تنظر لعينيه وجفناه المسدلان
عليهما ينظر للأرض وملامحه بدأت تشتد غضبا
" الرضوض في جسدها كثيرة وثمة تمزق في عضلة
ذراعها وشعب في أربطة كعب قدمها اليمنى ، هذا غير
الكدمات المنتشرة في كامل جسدها , لقد تركت لمرافقتها
حقن مسكنة وهي أخبرتني أنها تعرف طريقة حقنها ,
ولا أضنها ستدوم لأكثر من اليوم وسيكون عليها تحمل
الأوجاع المبرحة حتى تشفى , وطبعا هذا كشف خارجي
فقط فأنا لست بخبرة الأطباء ، فإن لم يلعب الحظ دوره
فقد تتقهقر حالتها في أي وقت
" ولم تزد حرفا على ما قالت بل غادرت الغرفة بهدوء
كما دخلت ليكون صمتها أشد من أي شيء كانت لتقوله
بعد شرحها المأساوي لحالتها تلك وهي في وضع يكون
فيه جسد المرأة أوهن من أي وقت وهو المتزوج من
أعوام ويعلم ذلك جيدا , لكم الجدار بقبضته ثم غادر
من هناك ومن الباب الخارجي لسيارته وغادر منزلهم
فورا , لا يعلم جده كم سيغيب هناك خاصة أنه لم يحدد
وقتا للعودة حتى الآن ووالده لحق به صباح الأمس
ودون أن يعلموه بشيء ، وجل ما يخشاه أن يطول
الأمر أكثر وأن تتضرر تلك الفتاة ولن يتوقف حينها
عن لوم نفسه , غادر من عندهم وعاد من فوره
للشركة فعليه أن يكون هناك أكبر وقت ممكن في
غياب والده وجده فلن يترك كل شيء على عاتق
رواح فهو تخرج حديثا ومهما كان متفوقا فالأمر يلزمه
الخبرة , وبعدما تأكد من تغيير كلمة السر في نظام
الأبواب وأنه لن يُفتح إلا من خلاله أو والدة رواح التي
أعطاه لها لتفتحه في حال اتصلت مرافقتها بالخادمات
لطلب شيء وستعلمه إن حاول نجيب أن يضغط عليها
لتفتحه
*
*
*
فتح له الباب وما أن رآه أمامه حتى قال ببرود
" كنت سأذهب لك الآن إن لم تأتي "
قال دجى وهو يجتازه داخلا
" أعلم أنك غاضب ومستاء وأظن أنه يكفيني ما
أسمعتني إياه في الهاتف ليلة أمس فاتركني أرى
حفيدتي قبل أن تسافر وأن تقتلني "
وتقدم من السلالم وهو يتبعه متأففا بصمت ونظره
كان على التي نزلت تقفز العتبات راكضة وارتمت
في حضنه فورا قائلة
" جدي وأخيرا تذكرت أن تأتي "
قال ضاحكا يداعب شعرها بين أصابعه
" لولا رؤيتك ما أتيت , ألا تري وجه والدك
وتجهمه المخيف ؟ كان يلزمني أن أبتعد عن طريقه
شهرا كاملا ليهدأ أولا "
ابتعدت عن حضنه ونظرت فورا للواقف خلفه
ينظر له بحنق يمسك وسطه بيديه عاقدا حاجباه
الأسودان المستقيمان ويزم شفتيه في خط رقيق ،
ابتسمت بحزن بل وبحب وهي تنظر لملامحه
الرجولية الجذابة العابسة والغاضبة في آن واحد ،
كم تحب هذا الرجل وكم هي فخورة به ، اقتربت
من الواقف أمامها وهمست في أذنه
" الحق عليك لما زوجته ابنتك ؟ "
فانطلقت ضحكة دجى فورا وهي تشد سترته كي
لا يقول ما قالته له فالتفت برأسه فقط للواقف خلفه
وقال بابتسامة ماكرة
" ليرحمك الله حين تجتمع عليك الأم وابنتها "
رد له مطر الصاع قائلا ببرود
" لتعرف فقط ما تكون سلالتك العريقة "
وتابع مغادرا من عندهما
" لا تتأخر في مراسيم الوداع "
وابتعد عنهما بخطوات واسعة واثقة ونظر دجى
للواقفة أمامه وقال فاردا كفيه
" لم أصدق سابقا حين قال لي شقيقي صقر
أن هذا الرجل لا يحترم كبيرا ولاصغيرا ويجعلك
تعتقد بأنه هو عمك "
ابتسمت وهمست بحنان
" ليحفظه الله لنا يا جدي فبالنسبة لي أحبه كيفما كان "
تنهد بحزن وقال مداعبا خدها الناعم بأصابعه يشعر
بذاك الملمس الحريري لخصلات شعرها السوداء
" تذكرينني كثيرا بجدتك أميمه , كان لها قلبا
أنقى من الثلج "
ابتسمت له بحب وحدقتاها الزرقاء الواسعة معلقة
بعينيه السوداء وقالت مبتسمة
" والدي أخبرني أني أشبهها , ألأجل هذا
لا تأتي لزيارتي إلا نادرا "
ضحك وضمها لحظنه قائلا
" بل لأجل هذا أحبك حبا عميقا مختلفا "
ثم أبعدها عن حضنه سريعا وقال
" كيف هي التجهيزات لرحلتك ؟ "
أومأت برأسها هامسة
" جيدة لكني خائفة من المغادرة وحدي ، لما
لا يكون أحدكما معي ؟ "
مسح على شعرها قائلا بحنان
" للضرورة أحكام أميرتي وقد خطط والدك
لكل شيء فلا تخشي شيئا "
تنهدت بعجز وهي من لا تستطيع أن تعترض على
شيء , قرص خدها قرصه خفيفة وقال مبتسما
" سأرى والدك ثم أرجع لك ونتحدث عن كل
ما يخص رحلة الغد حسنا ؟ "
أومأت له بالموافقة وراقبته وهو يبتعد عنها
بنظرات حائرة متوجسة من خبايا تلك الرحلة
التي ستكون فيها وحيدة حتى اختفى عنها خلف
الباب الذي أغلقه خلفه ونظر فورا للواقف عند
النافذة المغلقة ينظر للخارج وقد التفت له ما أن
تحرك للداخل فارتمى على الأريكةالمريحة قائلا
" عند أي نقطة توقفنا البارحة فأنت لم تترك
لي مجالا للحديث ؟ "
أشتد فكا الواقف قريبا منه وقال بجمود
" عمي هذا ليس وقت مزاح "
لوح دجى بيده ثم مرر أصابعه في شعره الرمادي قائلا
" ابنتي ومن حقي أن تتغلب قوى التسامح داخلي
ناحيتها ، أعلم بأنه معك حق في أن ما صرحت به
قد يضرها شخصيا لكن ما حدث لا يمكن تغييره ، ثم
هي لا تعلم أن قولها لذلك قد يعرضها للخطر "
خرج مطر عن جموده البارد وقال بضيق
" لن يكون الأمر تكهنا بالخطر فقط فابنتك ستدمر كل
ما فعلته من أجل حمايتها بحماقتها تلك ، ضننت أنها
تغيرت وليست كما كانت متهورة ومندفعة , كانت
تزوجت مباشرة دون أن تقدم ذاك العرض
السخيف لمعجبيها "
هب دجى مستقيما في جلسته وقال بحدة
" مطر شاهين لا أسمح لك باتهام ابنتي بهذا الشكل
ولا أن تلصق أفكارك بها , ولا تنسى أنها ابنة عمك
وأم ابنتك وكانت زوجتك وتحت جناحك يا رجل "
أشاح بوجهه جانبا ودس يديه في جيبي بنطلونه
ولم يعلق فقال دجى
" هل أعلم سبب غضبك هكذا ؟ المقالة لم تقرأها اليوم
وأعتقد أنك نفثت نيرانك بالأمس بما فيه الكفاية "
مد يده للطاولة الصغيرة بجانب النافذة ورفع شيئا
من عليها ثم رماه أمام الطاولة المواجهة للأريكة
التي يجلس عمه عليها على نظراته المستغربة
وقد رفع سريعا مجموعة الصور من عليها ونظر لها
يقلبها بالواحدة ثم نظر له وقال
" ما علاقة كل هذا بالموضوع ؟ ومن هو هذا الرجل ؟ "
أعاد نظر للصورة سريعا ثم نظر للوقف
أمامه وقال باستغراب
" هذا القائد العام للجيش اللواء
يعقوب العقاد أليس كذلك ؟ "
كتف مطر يديه لصدره وقال ببرود
" أجل والجالسة أمامه ولا تظهر في الصور هي
ابنتك غسق والمكان إحدى مقاهي العمران "
عاد دجى للتفتيش في الصور ينظر للمرأة
التي لا يظهر إلا ظهرها ووجه الجالس أمامها
ثم رمى الصور على الطاولة وقال
" هراء ... من قال أنها هي ولا شيء في الصورة
سوى قفا امرأة "
كان مطر سيتحدث فوقف وقال مقاطعا له
" وإن كانت هي فلا علاقة لك بالأمر ويحق لابنتي أن
تفعل ما تريد , يكفيها تقييدا واضطهادا طوال حياتها "
حرك مطر رأسه بالنفي بحركة عنيفة وقال بحزم
" ترهات .... ألا تتوقع أن ما يريده ذاك الرجل منها
أكبر من ذلك بكثير , ألا ترى حال البلاد الآن وما
تعنيه غسق شراع صنوان لفئة كبيرة من الشعب ؟
إنها ضربة سياسية موفقة لأي طامع في الحكم
" نظر له دجى بصدمة لوقت وملامحه جامدة ككل
شيء حوله وكأنه قطعة من تلك الأثاث قبل أن يهمس
بصوت مصدوم
" ويحك يا رجل ما هذا الذي يوجد في صدرك
إن لم يكن قلباً ؟ أهذا ما يزعجك في الأمر !
أن يتخذها كجسر في حملة سياسية وهو رجل جيش !! "
التفت من فوره للنافذة مجددا وأولاه ظهره يشد
قبضتاه بقوة بجانب جسده وقال دجى مبتسما بسخرية
" ولا تقل لي أن ما أزعجك في باقي المقالة أسبابه
سياسية أيضا ؟ وأنك تركتها معلقة حتى الآن لأسباب
سياسية وهي من كان زواجها بغيرك سيكون تدبيرا
أكبر لحمايتها ؟ ولما يا ابن شقيقي تضع من يراقبها
على الدوام حد أن التقط هذه الصور في وقتها ؟ "
استدار مواجها له مجددا وعيناه ونظراته تحمل كل
معاني العناد والتحدي وقد تنفس بقوة عدة مرات قبل
أن يهمس بصوت عميق
" قسما أقتل أي رجل سيقترب منها "
نظر له المقابل له لوقت قبل أن يتوجه نحوه
ويقف مقابلا له وضرب بقبضة يده اليمنى على
عضلة صدره القوية حيث قلبه وهمس عاقدا حاجبيه
" حرر هذا يا مطر قبل أن يقتلك , ألعيب ليس في
أن يعشق رجل الحروب امرأة بل العار أن يكسب جميع
معاركه الشرسة إلا معركته معها ... ومع هذا "
وقال جملته الأخيرة وهو يضرب بقبضته على قلبه
مجددا ثم تركه وغادر من هناك ومن الغرفة بأكملها ,
وما أن كان عند الباب وقد سحبه من مقبضه معه
قال بصوت منخفض يعلم جيدا أن الواقف هناك يسمعه
" اجزم أنك قادر على إرجاعها لك كما كانت منذ
أربعة عشرة عاما وبسهولة فلا تظلم ابنتي أكثر يا مطر
فأنا لن أسكت لك "
*
*
*
نظرت له بعينان متسعتان وملامح جامدة وكأنها
صورة ميتة على الجدار وقابلها هو بملامح مسترخية
تماما وجل ما يحاول فعله أن لا يضحك ويخسر كل شيء ،
قالت ما أن أفاقت من صدمتها
" تمزح بالتأكيد يا أبان ؟ "
حرك رأسه بالنفي هامسا
" أبدا "
شدت قبضتها وقالت بضيق
" بأي عقل تريدني أن أصدق هذا ؟ تتزوج بفتاة في
الثالثة عشرة ! "
قال من فوره
" أنا لم أقل سأتزوجها قلت أريدها وبينهما فرق
كبير وسأنتظرها بضع سنوات لا مشكلة لدي المهم
أن تكون لي "
بقيت على صمتها تنظر لعينيه نظرة شك وقد حرك
هو كتفيه مبتسما وقال
" أنتي قلت اختار وهذا هو اختياري "
وتابع كي لا تشك بالأمر
" كنت أرفض لأجل هذا السبب
وما تحدثت إلا بسبب إلحاحك "
وما أن شعر بأنها لم تقتنع ولا بسببه وإن كان
حقيقيا سارع بقوله
" أريدها يا أمي ولن أتزوج بغيرها أبداً ، كنت سأحتفظ
بهذا في نفسي وعنها حتى هي إلى أن يحين الوقت
المناسب لكنك لا تتركين لابنك الفرصة ليعشق في صمت "
وختم جملته تلك بابتسامة صغيرة فكان رد فعلها
الوحيد أن وقفت مغادرة دون أن تتحدث بشيء
فضرب قبضته في مسند الأريكة مبتسما بانتصار
ووقف قافزا ما أن رأى التي خرجت من باب المطبخ
تمسك كتابها المدرسي في يد واليد الأخرى تمسك بها
سندوتشا تمضغ ما قضمته منه للتو ، توجه نحوها
ووقف أمامها موقفا لها وقال وهو يغرس
إصبعه في خدها
" أنتي ألا تلاحظين أن وزنك يزداد وقت الامتحانات ؟
يبدوا أنك تهربين كثيرا من الدراسة
بحجة أنك جائعة "
أبعدت يده عنها وتابعت طريقها تمضغ ما في فمها
دون أن تعلق على ما قال فأمسك ذراعها موقفا لها
وهمس عند أذنها مبتسما
" ما رأيك في زيارة لمدينة العمران ؟ هذا وقت تشغيل
الشلالات فالربيع على الأبواب "
نظرت له بعينان متسعة من الصدمة وابتلعت اللقمة
التي كادت تغص بها ثم رمت كتابها من يدها قائلة
" قل قسما تأخذني هناك ؟ "
ضحك من فوره فهو يعلم أن زيارة تلك المدينة التي
اشتهرت بأنها الأجمل بين مدنهم جميعها خاصة
بعد العناية الفائقة التي خصتها بها ابنة رئيسهم
حلم شقيقته الوحيد وأن والدها وعدها بأخذهم هناك
ما أن يجد وقتا ويعلم كما تعلم هي أن ذاك اليوم لن
يأتي لأن والدهم لا يعرف شيء أسمه إجازات
وغيهم لن تفكر في طلبها منه ولا مجرد تفكير , قال
مبتسما بانتصار
" أجل إن فعلت أمرا واحدا أطلبه منك "
قالت بحماس
" اطلب ما تريد "
قرب رأسه منها وقال بصوت منخفض
" أريدك أن تخبري والدتي أنه ثمة فتاة خطبتك لشقيقها
وأنت رفضت الأمر فورا "
نظرت له بصدمة فقال من فوره وبابتسامة واسعة
" كذبة بيضاء صغيرة لن تضر أحداً في شيء "
قالت بصدمة
"هل تعلم ما ستكون نتائج هذه الكذبة البيضاء الصغيرة ؟
ستقطع والدتي لساني بكل تأكيد ، بل وستقطع أيضا
علاقاتي بصديقاتي جميعهن "
حرك كتفه وقال مغادرا
" لا بأس إذا وسنلغي الاتفاق "
وكما توقع لحقت به فورا وقالت وقد قفزت أمامه
" ما رأيك أن نغير من صيغة الجملة كي لا يكون
نتيجتها قطع لعنقي "
نظر لها بتفكير قليلا ثم قال
" هات جملتك المعدلة لنرى "
قالت بعد تفكير لحظة
" اخبرها أن ثمة من لمّحت لذلك بأن سألتني إن كنت
أوافق إن كنت مكان فتاة ما ، هكذا سيكون وضعي
أفضل ولن تحرمني من دراستي على الأرجح بسبب
ما ستضن بأنها أفكار صديقاتي أو حتى أن شقيق
إحداهن سبق ورآني وتحدث معي ... ولحبل المشنقة
فورا يا بثينه "
قلّب الفكرة قليلا في دماغه ثم قال
" لا بأس أنا موافق المهم توصلي لها المعلومة
المطلوبة وتسمعي ردها بالرفض القاطع
للموضوع .... اتفقنا ؟ "
رفعت سبابتها قائلة بابتسامة
" اتفقنا "
وتابعت بعدما قضمت قضمة أخرى من سندوتشها
" أخبرني الآن ما سبب كل هذه التمثلية التي عليا أن
أكون أنا بطلتها "
دفع جبينها بإصبعه قائلا بابتسامة
" إن أخبرتك به ستضيع منك فرصة زيارة العمران
فسيكون الجواب مقابلا لخدمتك البسيطة لي "
رفعت كتابها من الأرض وقالت مغادرة من عنده
" لا ... لم أعد أريد أن أعلم "
راقبها مبتسما بنشوة وهي تصعد السلالم ، سينجح
مخططه بالتأكيد فهو يعرف والدته جيدا لن تفعل أمراً
ليست مقتنعة به وسترى الدليل أمامها في ابنتها ,
دس يديه في جيبيه وصعد السلالم بقفزات وضحك
مع نفسه وهو يتذكرها وما حدث معهما وردة فعلها ،
دفع بقدمه باب غرفته الشبه مفتوح ودخل مغلقا له بها
أيضا ويديه لم يخرجهما من جيبيه متمتما بابتسامة
" وحتى تكبر تلك العصفورة الصغيرة سيكون ثمة حل
أو أتزوجها حينها ما المشكلة ؟ "
*
*
*
أغلقت أزرار معطفها الشتوي الأحمر بعدما دست
الوشاح الصوفي الأبيض الملتف حول عنقها داخله
جيدا وعدلت ياقته وقد أخفت شعرها تحتهما ثم توجهت
للمرآة ولبست القبعة البيضاء المصنوعة من الفراء
الناعم لتحيط برأسها وشعرها لا يظهر منها سوى
وجهها والقليل من عنقها بسبب ربطة ذاك الشال
الشتوي الخفيف , لم يكن بإمكانها ارتداء الحجاب
والأسباب أمنية طبعا فاستعانت بكل هذا لتغطي شعرها
وعنقها , والفكرة ككل مرة كانت لوالدها وكم حمدت
الله أنهم في فصل الشتاء والبرد القارص لما كانت لتتخيل
نفسها تضع قبعة مستديرة كبيرة لتخفي كل هذا !!
تصورت أنها ستكون ككرة من الفراء الملفوفة في
معطف سميك لكنها اكتشفت أن الواقع على العكس
تماما وهي تنظر لنفسها في المرآة وذاك اللون
الأبيض يحيط بملامحها الجميلة مبرزا لها أكثر
ومتناسقا بانسجام مع اللون الأحمر للمعطف
والبنطلون الأبيض الضيق , ولأنهم قرروا أن لا
تأخذ جميع أغراضها اختارت القليل فقط في حقيبة
كتف كبيرة وأنيقة بأرضية بيضاء وأزهار حمراء
كبيرة قد طبعت عليها ، اختارت حذاء أحمر من
أحذيتها التي لن تستطع أخذها معها أيضا وسيتكفل
والدها بأخذ باقي أغراضها معه في الطائرة حتى
باريس , ولأن رحلتها بالقطار ستستغرق ساعتين
ونصف عليها المغادرة أولا ولوحدها , فتحت حقيبتها
وأخرجت منها الصندوق الصغير بحجم كف اليد
وأخرجت منه خاتم الزواج الذي أهدته لها مربيتها
قبل وفاتها وأوصتها سابقا أن تلبسه حين تخرج
لوحدها لأنه سيحميها من الرجال , كانت تمنت
لو أنها لبسته تلك الليلة حين تصرفت بغباء لن
تسامح نفسها عليه أبدا لكن عمتها رفضت ذلك
من أجل إتمام باقي الخطة حد قولها , تعلم أن الله
وحده من يحمي البشر لكنها تصدق أيضا اعتقاد
مربيتها تلك رغم يقينها من أن الرجال الجيدون
فقط من يبعدهم خاتم زواج في أصبع الفتاة
أما السيئون فلا تعنيهم تلك الأمور أبدا ، ورغم كل
ذلك أرادته في أصبعها لتشعر بالأمان وبأن تلك
المرأة الحنونة الطيبة قريبة منها ، التفتت جهة
الباب حين سمعت تلك الطرقات المنخفضة وانفتح
بعد قليل ودخلت الخادمة التي قالت بأدب
" السيد ينتظرك في الأسفل وطلب أن أستعجلك "
رفعت حينها حقيبتها ووضعتها على كتفها وتحركت
خلف التي غادرت أمامها ، لا تصدق أنها ستغادر
هذا المنزل وهذه البلاد ؟ أمور غريبة ومتتالية حدثت
معها حتى أنه يصعب عليها استيعاب البعض منها
وهي من ظنت أن الخروج من هذا العالم ليس سوى
حلم ستبقى تطارده في العتمة حتى ينتهي عمرها ,
وأن المرأة التي أنجبتها والتي تجزم أنها إن التقت
بها في الشارع مصادفة لن تعرفها قد تتمكن من
رؤيتها يوما بالفعل , أن تلمسها حقاً كواقع وليست
خيالا من خيالات أحلامها الوردية ، نزلت السلالم
وغادرت المنزل لتجد سيارة في انتظارها ووالدها
وجدها يقفان قربها ، توجهت للأقرب لها منهما
وارتمت في حضنه وقد طوقها بذراعه ماسحا بكفه
الأخرى على ظهرها قائلا
" سنلتقي في باريس بعد أقل من أربع ساعات
فلما الوداع الآن ؟ "
ابتعدت عن حضنه ونظرت لعينيه قائلة
" لماذا أسافر وحدي ؟ "
وضع يده على كتفها قائلا
" الدواعي أمنية يا تيما كما تعلمين ، وستكونين
محمية لا تخافي يا ابنة مطر شاهين "
حركت رأسها برفض وملأت الدموع عينيها
هامسة ببحة
" أنا لست خائفة على نفسي بل من أن تبقى هنا
وأسافر وحدي ، لا تفعلها أبي أرجوك لأني قسما لن
أغادر باريس حينها ولا تحت التهديد "
ابتسم ومسح على خدها قائلا
" أقسم أني سأكون معك هناك ، هل تصدقين ذلك الآن ؟ "
هزت رأسها بنعم تمسح عينيها الدامعة بظهر كفها
ثم توجهت لجدها وحضنته وقد قال ضاحكا
" أخيرا تذكرتني ! أنا من سيبقى هنا بعدك وليس
والدك لتودعيه قبلي "
تعلقت بحضنه وقد غلبتها دموعها وقالت بعبرة مكتومة
" سأشتاق لك جدي ، كن هناك سريعا أنت أيضا أرجوك "
قال وهو يضمها بحنان
" وأنا سأشتاق لك أميرتي ولا تقلقي سأكون عندك
في أقرب وقت "
ابتعدت عنه تمسح الدموع التي أغرقت وجنتيها
تعدل بيدها الأخرى قبعتها حين علا صوت منبه سيارة
الأجرة يستعجلها فصعدت في المقعد الخلفي ونظرها
معهما حتى تحركت السيارةمغادرة وجل ما تخشاه
بالفعل أن لا تراهما مجددا رغم ثقتها في قسم والدها
الذي لم يحنث به يوما ، وتعلم أنه يستحيل أن تسافر
برفقته فهما لم يترافقا يوما لا داخل لندن ولاخارجها
وكان حريصا على إبعاد نفسه عنها أكثر من حرصه
ناحية رجاله الذي تراه يتحرك معهم بحرية من كثرة
خروجه واستقباله لهم حتى أن البعض منهم كان
يستخدم باب المنزل الرئيسي في دخوله وخروجه ،
شقت بها السيارة الطرقات المزدحمة حتى وجدت
نفسها أمام مبنى محطة القطار التي احتاجت لأن ترفع
رأسها عاليا لتراه ما أن نزلت ، بل لتصل بنظرها لارتفاع
واجهته المقوسة والتي تتكون من مجموعة أعمدة حجرية
تفصلها عن بعضها ألواح زجاجية معتمة ولامعة وتوجد
أعلاها ساعة كبيرة مستديرة اكتشفت من خلال النظر
لxxxxبها أن الطريق إلى هنا أخد منها قرابة النصف ساعة ،
نزلت بنظرها لأبواب المحطة والتي كانت أيضا جزئا من
تلك الأعمدة ... كانت سبعة أبواب عالية ومتجاورة
يدخل منها أشخاص لا ينتهون أغلبهم يحملون حقائب
وأغراض أكثر من عددهم ، ، قطار الـ ( ريوستار )
كم سمعت عنه سابقا ولم تراه يوما , مقصد جميع
السياح ، وكيف لا يكون مقصدهم وهو القطار الذي
يعبر تحت مياه بحر المانش في نفق مظلم ليربط
عاصمتي دولتين مختلفتين ( لندن ـ باريس ) تقدمت
من أبواب المحطة تحمل حقيبتها على كتفها ودخلت
إحداها ولأن الوقت نهاية الأسبوع كما أخبرها جدها
ولأنهم في فصل الشتاء فالمحطة ستكون أقل ازدحاما
لكن ما رأته أمامها لا يشبه ذلك أبدا فقد وقفت مكانها
لا تعرف فيما بقيت مشدوهة تحديدا المكان الواسع
الذي لم تتخيله بهذا الحجم حتى أنه يحوي محلات
تجارية ومطاعم أم كم الأشخاص الذين يتحركون في
المكان ! ورغم عددهم الكبير نسبيا إلا أن اتساع المكان
جعلهم ينحصرون جهة خط العبور في المنتصف حيث
ينتهي لسلم كهربائي يقصده أغلب الداخلين ، شعرت
بشيء دفع كتفها للأمام حتى تحركت نصف خطوة
فالتفتت وهي تتوازن فإذا بشاب نحيل أشقر الشعر
يعبر بجانها ورفع كفيه متمتما بعبارة اعتذار لم
تفهمها لأنه تحدث بالفرنسية فأومأت له برأسها
مبتسمة وتحركت من مكانها تنظر للورقة التي دونت
فيها جميع المعلومات التي شرحها لها جدها كي
لا تنساها وتضطرلسؤال الناس كالبلهاء ، لا تعلم
ما هذا النوع من الاختبارات القاسية التي يضعونها
فيه في أول مرة تسافر فيها ! من أخبرهم أنها تريد
أن تختبر قدراتها الذاتية وسيطرتها على الأمور ؟
فهي اعترفت بأنها فاشلة من تلك الليلة التي دخلت
فيها ذاك الملهى الليلي ، قبضت أصابعها على الورقة
بقوة وشعرت بتقلص غبي في عضلة قلبها ونظرت
لا شعوريا خلفها حيث أبواب المحطة وشوارع لندن التي
ستتركها خلفها للأبد كما تتمنى ، لكن ثمة شيء وحيد لازال
يشدها للخلف وتشعر بأنها تترك شيئا من روحها معه ,
ولا تستطيع أن تنكر بأنه ذاك الشاب الذي أنقذ حياتها
وأخرجها من ليلة ما كانت تظن أنها قد تخرج منها
على قيد الحياة , وإن عاشت بعدها لا تعلم كيف ستكون
حياتها تلك ؟ الشاب الذي تجهل مصيره حتى الآن
ولن تسامح نفسها ما عاشت إن اكتشفت يوما أنه مات
بسببها ، تنفست بعمق مستغفرة الله وتحركت من مكانها
فالوقت يداهمها وبقي على رحلتها نصف ساعة تقريبا ،
وقفت منتصف الطريق ونظرت لأحد محلات الهدايا
وأدخلت يدها في جيب معطفها وأخرجت ما فيه من نقود ,
لم تكن أوراقا قليلة ويمكنها شراء هدية لوالدتها فقد
لا تجد فرصة أخرى بما أنهم سيغادرون فرنسا فورا ،
وفي بلادها هناك قد لا يجد والدها وقتا لإخراجها وهي
لا تعرف شيئا عن طبيعة وضعها هناك ، لكن ما تعلمه
أنه لن يجد ما أن يصل وقتا ولا للنوم لحجم الأمور
التي ستكون في انتظاره فهي لا تجهل الوضع هناك
وحساسيته هذه الفترة , غيرت مسارها يسارا ودخلت
المحل الذي لم يكن فيه غيرها سوى شخصان يبدوان
زوجين يختاران هدايا عديدة معا ويبدوا أنهما متخالفان
حول سعر إحداها والبائع منشغل معهما فتوجهت للرف
الآخر وبدأت بالتفتيش بنظرها سريعا على أسعار
الموجودات فأغلب تلك الأشياء تنفع هدية وهي لا تعلم
عن ذوق والدتها وما قد يكون مناسبا ، مسحت عيناها
والدمعة التي كانت ستنزل منهما فكل شيء يمكنها
استيعابه وتصديقه إلا أنها وأخيرا ستلتقي بوالدتها ,
المرأة التي رأت لها ألف وجه في أحلامها وليست تعلم
أيها يكون لها , وقع اختيارها على دبوس حجاب
كان سعره يكفي ليدل على جماله وكان معروضا
في علبة مخملية جميلة , ليست تعلم إن كانت والدتها
محجبة أم لا لكنها لن تتخيل أن والدها الذي كان حريصا
على حجابها إلا للضرورة أن تكون من كانت زوجته
ليست كذلك , دست الهدية في حقيبتها وخرجت
من هناك واجتازت عتبة الباب وهي ترفع نظرها
من حقيبتها التي أغلقتها للتو لتقف متسمرة مكانها ,
ليست هي فقط بل كل شيء من حولها توقف تلك
اللحظة وتلاشت الأشياء الجامدة والمتحركة وضاق
ذاك المكان باتساعه وهي ترى الواقف في الجهة
المقابلة يستند بظهره على الواجهة الزجاجية لأحد
المحلات لافا ساق حول الأخرى وإحدى يديه في جيب
بنطلونه والأخرى يمسك بها علبة عصير وينظر لها
تحديدا دون أن يزيح نظره عنها بل عن عينيها , حتى
حين رفع العلبة لشفتيه ورشف منها رافعا رأسه ثم
أبعدها منزلا إياه عيناه لم تفارقانها , ملامحه الهادئة
الجامدة كانت تعاكس تماما الضجيج في قلبها الذي
كان يكاد يخرج من مكانه تلك اللحظة وأنفاسها التي
باتت تفقد السيطرة عليها وهي تسحبها لرئتيها بقوة
وتتنفس بصعوبة ، هو ذاته ذاك الشاب ... !
قد تخطئ أي شخص إلا هو فرغم شدة الموقف
ذاك اليوم والنور المتمثل في أعمدة الشوارع ومصابيح
الجدران فقط إلا أن صورته ضلت عالقة في دماغها
بكل تفاصيله ... حتى طوله كان كما تذكره جيدا , لم
تكن تعلم أن المصادفات لها أن تلعب كل هذا الدور
وقد تراه في أول خروج لها من المنزل بعد تلك الليلة ,
بل وفي الخروج الأخير لهافي هذه البلاد , لم تستطع
مقاومة امتلاء عينيها الواسعة بالدموع وهي تراه
حيا أمامها وبخير ، لم يفقد حياته ولا أي طرف من
أطرافه ولن تتعرض لتك الأسئلة من ضميرها
المتألم مجددا ، لكن ما لا تفهمه أن الصدمة لم
تصلب ملامحة كما حدث معها وهي تكاد تختنق
بأنفاسها لرؤيتها له !! وسرعان ما وصلت للنتيجة
المؤسفة ... رآها منذ دخولها من بوابة المحطة
وكان يعلم أنها موجودة في هذا المحل تحديدا
وستخرج منه , رمى العلبة من يده لتستقر في سلة
القمامة بقربه ونظره لم يبتعد عن عينيها رغم حركة
الناس في المسافة بينهما وكأنهما صور مثبتة على
الجانبين , وما أن عدل وقفته وتحرك من مكانه خطوتين
للأمام باتجاهها كان رد فعل قلبها الفوري انتفاضه
بشدة في صدرها وشعرت بالحرارة في أوصالها وكأن
أوردتها تشتعل , ودون شعور منها تحركت من هناك
متوغلة لداخل المحطة أكثر بخطوات سريعة لم تلتفت
خلفها أبدا وبالكاد كانت ترى شيئا أمامها وليست تعلم
حتى إن كان بتحركه ذاك يقصدها كما فهمت أم أنه فكر
في مغادرة مكانه فقط , لا تعلم شيئا سوى أنه كان
سيغمى عليها بالتأكيد إن اقترب منها أكثر وسمعت صوته ,
واكتشفت لحظتها أنها أجبن بكثير من أن تحقق
دعواتها الغبية تلك بأن تراه وتشكره وتعتذر منه ,
وليست تعلم لما ليست من القوة لأن تواجه موقفا
كهذا ولا تفهم لما قررت فجأة الهرب من ذاك الرجل !!
بل لا تعلم كيف وصلت فجأة لموظفة الدخول وأعطتها
تذكرتها وحينها فقط تمكنت استجماع أنفاسها والالتفات
خلفها فلم يكن هناك سوى رجلين يقفان وراءها تماما
في انتظار دورهما ثم البحث حولها وقد فتشت حدقتاها
الزرقاء الواسعة سريعا في الموجودين في المكان ولم
يكن هناك فيبدوا أنه لم يقصدها وأنها هربت فقط
لتثبت له مجددا أنها طفلة غبية مرعوبة . نظرت
للمرأة التي كانت تحدثها وفي يدها كرت الصعود
الخاص بها فأخذته منها وتحركت من هناك ودخلت
البوابة حيث قاموا بتفتيش حقيبتها ومن ثم ختم
جوازها ، وكانت الإجراءات في غاية السهولة
والبساطة عكس ما تصورت وكانت تخشى , لم تفكر
بالالتفات بعدها ولا تغيير وجهتها ولأن رحلتها سيكون
هذا وقتها بالتأكيد وذاك ما كان مخطط له أن تصل على
موعد الرحلة تقريبا توجهت للبوابة المفتوحة والتي
منها ستتوجه للقطار , نظرت لكرت الصعود الذي سلمته
لها تلك الفتاة لتتأكد من رقم العربة ورقم المقعد الذي
ستجلس فيه , ومن خلال رقم البوابة وصلت للعربة
المعنية ولم تشعر بنفسها إلا وهي جالسة في مقعدها
وتنفست الصعداء وهي تبتسم على حماقتها حتى
أنها اجتازت الإجراءات التي كانت موقنة من أنها لن
تفهم من أمكنتها شيئا ! بل ووجدت نفسها في مكانها
وكأنه ثمة من حملها ووضعها هنا , مسدت جبينها
بأصابعها متمتمة بضيق
" جبانة هل كان سيختطفك مثلا أو يقتلك ؟ "
نظرت للمقعد بجانبها ثم لصف المقاعد في الطرف
الآخر وعبست ملامحها الجميلة , العربة كانت مجهزة
تجهيزا حديثا ومقاعدها طويلة ومريحة كتلك التي في
الطائرات لكنها تمنت حقا أن كانت هناك فالمقاعد في
تلك الجهة فردية وليست تعلم من سيكون صاحب
رقم الكرسي الملاصق لها , تنهدت باستسلام فلا
يمكنها الاعتراض على هذا , أرخت ساعديها على
حقيبتها في حجرها ولم تفكر أن تضعها في الأعلى
حيث يضع البقية حقائبهم وهم يأخذون أمكنتهم فلن
تفارقها أبدا وستتحمل وجودها على ساقيها أو عند
قدميها إن لزم الأمر , بدأ الأغلبية بالجلوس في
أماكنهم وصاحب الكرسي بجانبها لم يحظر بعد حتى
ظنت أنه سيكون فارغا , لكن سرعان ما تبدد ذاك
الأمل وهي تلمح تلك الساقين التي وقفت عند الكرسي
لأن كرسيها كان الملاصق للنافذة , رفعت نظرها للأعلى
سريعا ونظرت باستغراب للذي ابتسم لها وقال بضع
كلمات بالفرنسية فتذكرت فورا أنه ذات ذاك الشاب الذي
اصطدم بها عند الباب وكان مستعجلا على ما يبدوا ,
ولم تستغرب الآن تأخره خاصة إن كان اشترى تذكرته
من هنا ولم يقم بالحجز مسبقا , جلس في الكرسي متنهدا
براحة ثم نظر لها وقال بإنجليزية ركيكة بعض الشيء
" ضننت أني لن أدرك القطار لولا أن الأمور
تتيسر هنا بشكل مبهر "
أومأت له برأسها موافقة وعلى شفتيها ابتسامة
طفيفة ثم سرعان ما أبعدت نظرها عنه للنافذة
بقربها حين تحرك القطار معلنا بدأ رحلتهم التي
ستأخذ منهم ساعتين ونصف للوصول لمحطة
غاردلي نور في باريس وحينها ستكون مع والدها
فرحلته بالطائرة لن تأخذ أكثر من خمس وأربعين
دقيقة حيث سيصل قبلها هناك , وكما أخبرها سينطلقان
فورا وفي أقرب رحلة لموطنهماالأم وهذا أكثر ما
يسعدها فهي لا تتخيل أن تبقى يوما آخر بعيدة عنه
بعدما حُسم أمر هجرانهم الطويل له , نظرت لأصابعها
التي كانت تقبض بها بقوة على حزام حقيبتها
لتظهر فورا صورة من رأته هناك منذ قليل وتركته
مع كل شيء بقي هنا .... طفولتها الوحيدة , مربيتها
المتوارية تحت تراب لندن والمنزل الذي عاشت فيه
لأكثر من أربعة عشرة عاما سجينة جدرانه , ثم
أسوأ ذكرى وأكبر خطأ اقترفته في حياتها وقت
ذهابها لذاك الملهى الليلي من أجل شيء لم تعرف
أنه سيتحقق لها الآن وبسهولة دون أن تضطر
لمخالفة أوامر والدها والمغامرة بنفسها وحياتها ،
شعرت بجسدها ارترتجف من مجرد ذكرى تلك
الليلة فدست يديها بين حقيبتها وجسدها تحمد
الله هامسة وقد رضيت بدفن ذكرى ذاك الشاب
هنا بما أنها ستدفن ذكرى تلك الليلة معه أيضا ،
بدأت رحلتهم بالريف الإنجليزي وخطف نظرها
سريعا تلك المناظر التي تأسر الأنظار والطبيعة
منقطعة النظير , ارتجف جسدها بأكمله حين
شعرت بتلك اليد التي امتدت ناحيتها لتكتشف أنها
للشاب الجالس بجانبها ومن نسيت وجوده تماما وقد
قال مشيرا للخارج وبذات الكلمات الإنجليزية الركيكة
" من هناك أتيت حتى محطة واترلوا لأركب هذا القطار ,
المكان هناك رائع وأجمل مما يظهر هنا "
حبست أنفاسها تنظر ليده التي بدلا من أن يرجعها
مكانها استقرت فوق حقيبته وحمدت الله أنها دست
يديها منذ قليل , نظرت له حين علت ضحكته في
أرجاء العربة الساكنة وقال شيئا بالفرنسية ثم سحب
يده وعاد للتحدث بالإنجليزية قائلا ونظره على وجهها
ونظراتها المذعورة
" ما بك يا فتاة أنا لا آكل الجميلات "
وعاد يتمتم بالفرنسية وهو يعدل جلوسه فعادت
بنظرها للنافذة مجددا ولم تنظر ناحيته مطلقا وهي
تسمع همسه يدندن لحنا فرنسيا لا تفهم منه شيئا
وعلمت حينها أن رحلتها ستكون سيئة جدا برفقة
هذا المختل عقليا بالتأكيد , دست يديها أكثر تحت
حقيبتها وألهت نفسها برؤية تلك الطبيعة منقطعة
النظير والأرض التي يغطيها بساط أخضر ممتد وقد
بدأت الأمطار بالهطول لتعطي لذاك المشهد رونقا
مختلفا وكأنها صورة من سراب رسمت فوق سطح
الماء النقي , كان الجالس بجوارها لازال لم ينهي
سيمفونيته بعد وقد بدأ بمضغ شيء ما وهو يغني
بهمسات لن يكون لغيرها شرف سماعها والانزعاج
بها بالتأكيد , وما هي إلا لحظات وسمعته يتحدث
مع أحدهم بالفرنسية وكان شخصا علمت فورا أنه
يقف قرب كرسيهما ويحدثه ، وما هي إلا لحظات
ووقف ذاك الشاب وغادر , فتنفست الصعداء فيبدوا
أحدهم استدعاه سريعا أو أن يكون الحظ ابتسم لها
وقد دعاه للجلوس قربه في مكان ما , لكن فرحتها
تلك أيضا لم تكتمل وهي تشعر به عاد للجلوس سريعا
فتنفست بعمق وعلق ذاك النفس في آخر حنجرتها
وانتابها شعور يشبه التحول لصنم حجري وذاك العطر
يتغلغل مع أنفاسها ليعيدها لذكرى ما حدث تلك الليلة
ولذاك الجسد والحضن فاسترخت على ظهر مقعدها
دون أن تنظر جانبا حيث الجالس بجوارها وكأنها تريد
التأكد أولا أنه بالفعل تم تغيير ما واختفى ذاك الشخص
كما اختفى صوت غنائه , وببطء نقلت حدقتيها فوجهها
وتوقفت نبضات قلبها التي كانت للتو تعدوا في سباق
ماراتون حين وقع نظرها على اليد والأصابع التي كانت
تعيد مسند الكرسي الجانبي مكانه , وما أن وصلت
للسترة الرمادية التي تعاكس لون سترة الذي كان يجلس
بجوارها علمت فورا أنه تغير وليس ملابسه فقط فهذه
الأكتاف العريضة لا تشبه أبدا جسد ذاك الفرنسي النحيل ,
رفعت نظرها لوجهه أخيرا ليعلق على نصفه المقابل لها
وهو منشغل بتركيب جهاز شحن هاتفه في جهاز الكرسي
ولم ينظر جهتها حتى استوى جالسا وهو يسترخي في
جلوسه والتفت إليها لترى في عينيه تلك النظرة الحائرة
المرتبكة التي جعلت الدماء تجف في عروقها وفقدت
السيطرة على نظراتها التي علقت في عينيه الفاحمتين
لتتعلم وقتها فقط معنى أن يعبث شيء ما خفي بدواخلها
حد أن تفقد السيطرة على أطرافها ، لم تفهم لما شعرت
من نظرته تلك أنه يريد قول شيء ما ويعجز عن ذلك
أو عن إيجاد صيغة ملائمة , تنفست هواءً ملأ صدرها
الذي ارتفع وهبط مع خروجه وهمست مبتسمت وحدقتاها
الزرقاء ترفض أن تحرر عينيه من شباكهما
" It seems that you will never stop taking me out of bad Situations "
( يبدوا أنك لن تتوقف أبداً عن إخراجي من المواقف السيئة)
تحركت حدقتاه في ملامحها الجميله الرقيقة والطفولية
وكأنها ترسم تفاصيلها وتخزن صورة لذاك الوجه
الدائري الصغير شديد بياض البشرة والمحاط بفراء ناعم
ناصع البياض وكأنه ينقص تلك الملامح الناعمة أشياء
تطفي رونقها عليها وتبرز أكثر زرقة تلك الأحداق
الواسعة والوجنتان المتوردتان ، عاد بنظراته لتعانق
زرقة عينيها وكأنه يتفنن بالفعل في تعذيبها ، ثم
ودونما رأفة بقلبها الوليد .... ابتسم , لتتسلل تلك
الابتسامة في قسمات وجهه القاسية الجذابة لتكتشف
حينها فقط أنها لم تعرف حياتها معنى الوصول بقلبها
لحالة الانتشاء ومعنى أن يبتسم كل شيء حولها معانقا
روحها بسعادة لا يمكنها وصفها ولا التعبير عنها ,
كان قلبها يرقص بين ضلوعها وهي تنظر لملامحه بهذا
القرب منفصلان تماما عن كل شيء حولهما , تريده
فقط أن يخرج من صمته , أن يقول أي شيء وإن كان
لا معنى له , تريد أن يترجم نظرته وابتسامته التي يكاد
يذبحها بها لكلمات وأن تختفي منهما لمحة التردد
البغيضة التي لا تفهم سببها , عضت طرف شفتها
لا شعوريا وهي تنظر لجفنيه يسدلان للأسفل قليلا وشفتاه
تنفرج ليقول شيئا قرر أن يخفي حتى نظراته عنها وهو
يتفوه به مما جعل أنفاسها تعلق في حلقها من الترقب
ليدمر كل ذاك الانتظار والمشاعر المتزاحمة وهي ترى
الجمود الذي طغى على ملامحه المسترخية وتحولت
نظرته الدافئة تلك لنظرة أخرى تشبه برودة شتاء لندن
وكآبته مما جعل أوصالها جميعها ترتجف فنزلت بنظرها
ببطء وكأنها تبحث عن مشنقتها حيث كانت نظرته قد
استقرت وكادت تبكي وهي تنظر لما وقع نظره عليه
( خاتم الزواج ) يتوسط خنصر يدها اليمنى , كرهت تلك
اللحظة نفسها وحظها وكل موقف سيء في الحياة اتفق
عليها ليجمعهما معا في كلى المرتين , شعرت بالكآبة
وهي تنظر لوجهه الذي أداره بعيدا عنها وقد عاد ذاك
الحاجز الصلب للوقوف بينهما وشعرت حقا بالعجز , لا
يمكنها التبرير وقول أن هذا الخاتم ليس لها وأنه مجرد
إجراء حماية وهمي بائس ظنت أنها ستحمي به نفسها
فإذا بها تدمر كل شيء فما سيكون موقفها وهي تبرر له
عن أمر لم يسأل عنه ؟ وهل سيصدقها مثلا وهي فتاة
الملاهي الليلية كما يظن ، وتستغرب حتى أنه جلس
بجوارها وابتسم لها , انتزعت بالقوة نظراتها المليئة
بالأسى واللهفة من وجهه ونظرت للنافذة تقبض بيديها
بقوة على ذراعي حقيبتها لتتحول تلك الصور الريفية
الجميلة في الخارج فجأة لسواد ما أن عبر القطار نفق
بحر المانش وكأن الطبيعة نفسها متفقة ضدها ,
لم تستطع النظر له مجددا ولا تريد أن ترى تلك النظرة
في عينيه أو أن يتهمها بالتلاعب , كان النفق سيأخذ من
رحلتهم عشرين دقيقة قبل أن يشق بهم أرياف فرنسا وكانت
تعلم وقتها أن رحلتها لن تتحول أبدا لأسوأ مما وصلت له ,
كانت تريد شكره عما حدث وأن تعتذر أيضا بما أن الفرصة
أصبحت أمامها وبأن تشرح موقفها من كل ما حدث تلك
الليلة وأن تخبره أنها عربية ومن ذات دولته لكن ذلك كله
تلاشى كتلك الطبيعة التي اختفت ليحل محلها سواد تتخلله
أضواء صناعية كئيبة , شعرت بتشنج كبير في أطرافها
ونظرت له دون شعور ما أن سمعت تمتمته تلك وعلا
الضجيج في قلبها وهي تنظر لعينيه المغمضات وقد اتكأ
برأسه للخلف على مسند الكرسي ، ماذا يعني هذا !
لما يقتلها بهذه الطريقة القاسية ! شعرت بقلبها يتفتت
كالطوب الطري وأشفقت على نفسها حد الألم , تمنت
أن كانت تمتمته تلك شتما لها بالعربية التي سيظن أنها
لن تفهمها ولا كان ما سمعته الآن وكأنه يذكرها بأنه
رجل لا يليق بفتاة أوراق سجلها أسود أمامه , استرخت
أيضا وبألم في معقدها ونظراتها الكئيبة تراقب خطوط ذاك
النفق الطويل ولازال يصل لمسامعها صوته الرجولي
العميق المنخفض وهو يتلو الآيات الواحدة تلو الأخرى
تلاوة متأنية وبنبرة مرتخية ( سورة الرحمن ) كانت
ما اختار قتلها بها آية تلو الأخرى وكأنها لم تسمعها
سابقا ولم تقرأها مئات المرات , لكنها ليست هكذا ليس
بهذا الصوت وبهذه المعاني التي تحملها الآن في كلماتها ،
لما يختار تلك الأيات التي تتحدث عن الجنان والحور العين !
هو موقن من أنها لا تفهم ما يتمتم به ولا يقصده رسالة
موجهة لها ... إذا فالمعني به نفسه , حقيقة كانت أقسى
عليها من الموت ذاته والذي ذبحها به تدريجيا , لم تعد
تشعر بالمسافات بعدها ..
لا باجتيازهم ذاك النفق ولا بأرياف فرنسا الخلابة حتى
توقف قطارهم معلنا الوصول لمحطة غاردلي نور في
باريس وشعرت بذاك الجسد بجانبها وهو يقف حاملا
معه كل شيء حتى حدقتيها التي ارتفعت معه تنظر له وهو
يحمل حقيبة حاسوبه المحمول من الأرض بجانبه دون أن
ينظر ناحيتها أبدا , شعرت بقلبها توقف فجأة حين التفت
لها وهي ظنت أنه خطى خارج الكرسي ليغادر ، نظر
لعينيها التي ما تزال محدقة به بنظرة لو استطاع فك
رموزها لعلم كم هي مشتتة ولا تعلم كيف تغير موقفه
الجديد منها ، وكأنها غيرت القديم مثلا !
عاد لاعتصار قلبها بقبضته المؤلمة مجددا حين تحركت
شفتاه وخرج صوته بنبرة خالية من أي تعبير كحال
ملامحه ونظرته لها
( Why don't you tell that man to care about his responsibilities rather than leaving you vulnerable for problems caused by your indiscretion every time )
( لما لا تخبري ذاك الرجل أن يهتم بما هو مسئول عنه ولا يتركك تتعرضين لمشاكل سببها طيشك في كل مرة )
ليست تعلم لما ارتسم في ذاك الوقت وجه والدها أمامها
وكأنه المعني بكلامه ذاك واتهامه الصريح باستهتاره كما
بطيشها هي , خرج صوتها شبه هامس فوق اختناقه وقد
تخلله الضيق من اتهامه
( He did not fail to protect me On a day )
( هو لم يقصر في أمر حمايتي يوما )
كانت تلك كلماتها التي بررت بها فقط موقف أبيها
متجاهلة اتهامه الآخر لها والدفاع عن نفسها أمامه
رغم يقينها بأنه يعني شخص آخر مختلف تماما عن الوالد
وكان جوابه أقسى من كل ما مر عليها حتى الآن وهو يدير
ظهره مغادرا وقائلا بعربية يعتقد أنها لن تفهمها
" لو لم يكن دربنا سينقطع هنا في كل حال لعلمته
درسا جيدا معناه أن يأخذ غيره شيا لم يستحقه يوما "
وتوارى عنها بين الأجساد الخارجة من عربة القطار
فوقفت دون شعور منها وبدأت تندفع بينهم أيضا تحاول
الوصول له رغم أنها لم تعد تراه , غادرت القطار تنظر
في كل اتجاه للأشخاص الذين يتحركون هناك بعد خروجهم
من أبواب عرباته وقد وتحول الأمر لركض في كل اتجاه
وهي تبحث عنه بينهم , تريد أن تجده بل عليها حقا فعل
ذلك فهي نفسها لم تتخيل ذاك الشعور الذي تركه فيها
ما أن ابتعد , شعور بالوحشة والكدر !! شعور لم تكن تشعر
به وهو بقربها ولا حتى بعدما ناء بنفسه عنها وعاد
لقوقعة صمته الطويل , كانت الدموع تملأ عينيها وهي
تبحث بين كل أولئك الأشخاص ولا تراه فوقفت منتصف
المكان وصاحت بالعربية
" أين أنت ؟ علينا أن نتحدث "
أجفلت بقوة ونظرت خلفها ما أن شعرت بتلك اليد على
كتفها ومسحت عينيها بقوة ليظهر لها صاحب الملامح
الغريبة الواقف أمامها وقد قال بالعربية وصوت منخفض
" أنتي الآنسة تيما بالتأكيد ؟ أنا موكل بإيصالك حيث
والدك فالطائرة تنتظر وصولك "
نظرت له بعدم استيعاب لوقت قبل أن تنظر حولها وكأنها
تأمل وللمرة الأخيرة أن تجد من فقدته هنا وللأبد وبسببها
هي , سارت برفقة ذاك الرجل الغريب ما أن علمت أن
ما تريده وتتمناه لن يحدث أبدا , ولأنه لا إجراءات وقت
الوصول غادرت المحطة فورا في سيارة كانت تنتظرها
في الخارج لتقلها للمطار
*
*
*
اقتربت من الجالسة قرب نافذة الغرفة تسند خدها براحة
يدها ونظرها للخرج تمسك شعرهاالقصير للأعلى وجفناها
يشتعلان احمرارا لبكائها المستمر لساعات ومنتفخان من
قلة النوم ، وصلت عندها ولامست كتفها بيدها قبل أن تجلس
أمامها قائلة ببرود
" جمانة عليك أن تتوقفي عن البكاء على أطلال ذاك الرجل
وتفكري في خطوتك القادمة فأنتي تعلمي مسبقا أنه لن يفعلها
ويتصل بك أو يستجدي عودتك له "
نظرت بطرف عينها للجالسة أمامها تناقضها في كل شيء
ابتداءً بملامحها الجذابة وجسدها المتناسق النحيف وانتهاء
بشخصيتها القوية المستقلة وكأنهما ليستا شقيقتين ، نظرت
مجددا للطبيعة في الخارج من خلف زجاج نافذتها ولم تعلق
فقالت تلك بضيق
" تحدثي معي أنا لم آتي هنا لأشاهدك وأنت تبكي "
همست ببرود دون أن تنظر لها
" ومن أجبرك على المجيء ؟ "
حركت رأسها متنهدة بيأس ثم قالت بجدية
" عليك أن تصري على رأيك ولا تضعفي كالسابق فقد علمت
من أمي أنه يتعرض لضغط كبير من والدي وحتى جده فابقي
على رأيك حتى يوافق على ما تريدين "
ابتسمت بسخرية هي أقرب للحزن وحدقتاها السوداء
تمتلئ بالدموع متمتمة
" لا أحد منكم يعرف وقاص على ما يبدوا "
مدت يد شقيقتها الكبرى وأمسكت بها كفها
وقالت دون يأس
" بلى أعرفه وأعرف جده أيضا فلن تخسري المعركة
إلا إن رجعت له من تلقاء نفسك "
حركت نظرها لها هذه المرة وقالت بمرارة من يدرك
الحقيقة أكثر من غيره
" سيجدها حجة للتخلص مني فوقاص لا يحبني وإن كان
يتعامل معي من باب العشرة بالمعروف ، وبعد سفره الأخير
عاد شخص آخر غاضب ومستاء وضجر من كل شيء
حوله والجميع هناك لاحظ ذلك واعترف به "
تركت يدها قائلة
" وإن يكن , كوني مثله ولو لمرة وأصري على
ما تريدين وأقنعي والدي به بعيدا عن سلاح الدموع
لأنه لم يعد يجدي في هذا العصر ، لقد تحدثت معه قبل
صعودي لك هنا وأقنعته جهدي بمطلبك وأعتقد أنه
بدأ يفكر جديا فيما تريدينه والباقي عليك فلا تفسدي
كل ما قمت به بخضوعك وخنوعك والعودة هناك "
انفرجت شفتاها الممتلئتان عن أول ابتسامة منذ
قدومها وقالت بملامح شع الأمل في قسماتها
الحزينة العابسة
" حقا والدي اقتنع بإجراء العملية ؟ "
قالت من فورها
" أجل أو لنقل تقريبا فلم أخرج من عنده حتى
أقنعته بأساليبي الخاصة "
وقفت وتوجهت نحوها وحضنتها بقوة قائلة ببكاء
" شكرا لك يا جيهان أنتي أسديت لي معروفا كبيرا ، كنتِ
دائما تحصلين على ما تضعينه في رأسك .. أنا أحسدك "
أبعدتها عنها قائلة بجدية وناظرة لعينيها الدامعة
" وأنتي كذلك عليك أن تكوني هكذا ، وكل ما عليك
فعله هو تحريك عقل الأنثى وعدم الاستسلام ولا مراعاة
أحد على حساب نفسك فاجعليها هي المركز الأول والمهم
بالنسبة لك , وكوني أنانية يكون الجميع كما تريدين
وبالتالي تحصلين على ما تريدينه , وتوقفي عن البكاء
الآن كأول خطوة "
مسحت عينيها فورا بظهر كفها الممتلئ قائلة
" فليتركوني أجري العملية وستري أن دموعي ستتوقف
وسأكون إنسانة جديدة حتى أنتي لن تعرفيها "
وقفت وقالت تسحبها معها ممسكة بيدها
" تعالي إذاً لتغسلي وجهك ثم أخبرك بأول ما عليك فعله
لنجعل ذاك المحامي العنيد يغير رأيه "
قالت تتبعها جهة حمام الغرفة
" لم يعد محام فقد أصبح وكيل نيابة "
وقفت والتفتت لها عند الباب وقالت
" لن أستغرب أن يصبح حتى مدعٍ عام ولهذا عليك
السعي لتكسبيه لتكسبي كل شيء فالحمقاء فقط من
تفرط في رجل مثله "
*
*
*
فتحت باب الغرفة ودخلت مسرعة جهة التي تئن من
الألم مرتمية فوق السرير وتحضن جسدها المرتعش
فحقن مسكنات الآلام التي كانت تحقنها بها وتركتها
لهما تلك الفتاة قبل مغادرتها انتهت وانهار جسدها
الواهن أمام أثار الضرب المبرح لجسدها , وصلت
عندها وأمسكت كتفها قائلة بخوف وقلق
" زيزفون أ .... "
" آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه "
أبعدت يدها سريعا حين خرجت منها تلك الصرخة
المتألمة وقد أدركت سريعا أن إمساكها المفاجئ لها
السبب ، فلم تجد أمامها سوى شد اللحاف بقبضتيها
هامسة ببكاء على حال المرتمية أمامها لا حول لها ولا قوة
" أراني الله فيكم يوما أسودا يا عائلة ضرار سلطان "
ثم تحركت من هناك حتى وصلت الباب ثم عادت ودارت
حول نفسها ولم تعد تعلم ما تفعل فلن يجدي ولا اتصالها
بهاتف الخدم فما فهمته أنهم يرفضون إحضار طبيب
لها وهذا ما كانت تتوقعه من أناس مثلهم سيتسترون
على أفعال ابنهم بالتأكيد ، اقتربت من رأسها الذي
تخفيه بين ذراعيها ولا يخرج إلا صوت أنينها المكتوم
المتوجع وانحنت عند رأسها وقالت تمسح دموعها
الرافضة التوقف
" زيزفون أخبريني ماذا أفعل لك ؟ هل أخبر ذاك الشاب الذي ... ؟ "
انكمشت على نفسها أكثر وخرج صوتها متقطعا
من الألم ومقاطعا لها
" لا .... لا أريد أن أرى منهم أحدا يا خالة أرجوك "
ضربت بكفيها على فخذيها وقالت بعبرة تغلبت عليها
" وهل أتركك هكذا تتألمين لــ.... "
وبترت جملتها والتفتت للخلف حين سمعت باب الجناح
انفتح فوقفت على طولها وتوجهت لباب الغرفة وجل
ما تخشاه أن يكون ذاك الرجل عاد ليقضي على ما تبقى
منها , وأقسمت في قرارة نفسها أنها لن تتركه يدخل
لها وإن قتلها , فليضربها هي هذه المرة ويرحم تلك
المسكينة ، لكن كل ذلك تبدد وقد وقفت مكانها عند باب
الغرفة تنظر للذي أغلق باب الجناح خلفه ودون أن يلتفت
له ، لصاحب الجسد الطويل والبذلة السوداء الأنيقة
والملامح الارستقراطية الفريدة من نوعها ، قال ونظراته
المستغربة على عينيها الباكية
" كيف هي الآن ؟ "
نظرت للخلف ثم له ونزل بنظرها لكيس الأدوية في يده ,
عليها أن تجلب لها مسكن آلام وتخشى أن تطلبه منه
فتغضب منها ولا يمكنها الصمت أكثر عن حالتها فهي
تقيأت كثيرا ولم تتناول شيئا رغم أخذها المسكنات ,
وها هي انهارت الآن أمام آلامها التي ما كانت لتعبر
عنها بأنينها المتوجع إن لم تبلغ أقصاها وهي من تعرفها
جيدا منذ أعوام , فتحت فمها وأغلقته عدة مرات ولم
تعرف ما تقول ونظرها يتنقل بين الكيس في يده وعينيه
المحدقتان بها حتى ضغط على الكيس بقوة وقال بنفاذ صبر
" ماذا هناك ؟ .... تكلمي "
وما أن فتحت فمها لتتحدث حتى شهقت تمسك فمها بيدها
ملتفتة للخلف وقفز هو راكضا جهة باب الغرفة الذي
خرج منه صوت سقوط قوي على الأرض ودخل ووقف
مكانه وكما توقع ذاك الجسد النحيل شديد البياض مرمي
على الأرض دون حراك قرب حمام الغرفة يغطي أغلبه
الشعر البني المتناثر حولها , ودون تفكير أو تردد توجه
نحوها ورفعها من الأرض وخرج بها من الغرفة مسرعا
وتاركا الواقفة عند السرير ومن ظنت أنه سيضعها عليه
ونزل السلالم يحملها بين ذراعيه حتى وصل سيارته
ووضعها في الكرسي بجانب كرسي السائق برفق ليسقط
ذاك الجسد الفاقد للوعي تماما جهة الكرسي المجاور
فضرب الباب ودار حول السيارة راكضا وركب بعدما
رفع جسدها برفق مسندا لرأسها على كتفه ومثبتا جسدها
بذراعه الملتفة حول كتفيها والأخرى تتحكم في حركة المقود
وغادر بها من هناك يتبعه صوت صرير عجلات سيارته
المسرعة بجنون
*
*
*
دخلت غرفتها ضاربة بابها خلفها بقوة فهذه ثالث
مرة تحاول فيها زيارتها وتمنعها خادمات ذاك المنزل
بحجج سخيفة جدا لا يمكنها تصديقها خاصة أنها تجد
هاتفها مقفلا على الدوام ولم تذهب للجامعة أيضا ،
تخشى أن مكروها قد أصابها أو أن ذاك الرجل المتوحش
عمها يسجنها في المنزل وأخذ هاتفها بالتأكيد ، لكن لما
سيفعلها وهو لم يسبق له أن فعلها ! ثمة أمر حدث بالتأكيد
وهي تجهله فهي لا تظمن أبدا اجرام تلك العائلة ، رفعت
هاتفها ودعت الله بقلبها مستجدية أن لا تضر صديقتها بما
ستفعله فهو حلها الوحيد ، طلبت الرقم الذي لا يعرفه أحد
غيرهما واختارتا أن يكون سريا عن الجميع للحالات الطارئة
فقط ، رن الهاتف مرة .. اثنتين .. ثلاثة ، وكانت ستقطع
الاتصال بسبب خوفها المتصاعد لولا انفتح الخط ووصلها ذاك
الهمس الأنثوي الرقيق المخنوق بعبرته
" مرحبا زهور "
همست باستغراب
" ماريه ما به صوتك هكذا ! هل أنتي متعبة ؟
لما لا تخرجي ولا يتركونني أصعد لك وهاتفك .... "
قطع كلماتها صوت البكاء المكتوم الذي وصلها بوضوح
فهبت واقفة وصاحت
" ماريه ما بك ؟ هل ضربك ذاك المتوحش
لذلك يخفيك عن الناس ؟ "
لم تسمع ردها لأنها أغلقت الخط ، ولم تفكر في إعادة
الاتصال مجددا خشية أن يكون أحدهم دخل لها ، كانت
تشعر بأنها تشتعل من الغضب حتى أنها وقفت وجلست
مكانها عدة مرات تعجز عن فعل أي شيء وإن إحراق
نفسها العاجزة عن مساعدة صديقتها التي تردى حالها
لأسوأ من السوء الذي كان عليه ، أمسكت هاتفها
مجددا تشعر بحرقة الدموع التي تكاد تتسلل من عينيها
المحتقنة من الغضب المكتوم وطلبت الرقم الذي ما كانت
لتتخيل أن تسمح لها نفسها باستخدامه ، وكم حمدت الله
وقتها أنها أحذته بالخفية سابقا من هاتف ماريه وكأن
شيئا ما داخلها أخبرها أنه سيأتي اليوم الذي ستحتاجه فيه
مهما كرهت لجوئها له ، سمعت الرنين يتكررواشتعالها
يزداد معه تضرب بطرف حذائها على الأرض حتى انفتح
الخط أخير فقالت وقبل أن يتحدث من في الطرف الآخر
" أنت محامي المدعوا تيم كنعان أليس كذلك ؟ "
وصلتها تلك النبرة الرجولية العميقة الواثقة وإن كانت
تحمل الكثير من التوجس
" نعم أنا هو ، وأنتي زهور الحاج بالتأكيد فما الذي
اضطرك للاتصال بي ؟ "
زاد غضبها واشتعالها الأسودان متجاوزا صدمتها
لمعرفته اسمها وقبله رقم هاتفها ، همست من بين
أسنانها التي تكاد تحطمها من الضغط عليها
" إذا ثمة أمر لا تعلمة لا أنت ولا موكلك ذاك ولن أقوله لغيره "
*
*
*
نزل السلالم راكضا وكاد أن يقع في نهايتها ولف حوله
مثبتا نفسه ومتوازنا به وتابع خطواته الراكضة حتى كان
في الغرفة التي اجتمع فيها الجميع وما أن دخل وقع نظره
أولا على والدته التي كانت تبكي وتمسح دموعها ونظرها
على شاشة التلفاز تتكئ برأسها على كتف الجالس بجانبها
يضمها له بذراعه ، وشقيقته ذات الثلاثة أعوام تقف أمام
الشاشة الضخمة مباشرة وكأنها تفهم حقا ما يجري ، نقل
نظره لشقيقته الأخرى والمعلق نظرها بالتلفاز أيضا وتمتم
وهو يحك شعره
" ضننت أني أول من رأى الأمر وقادم لإخباركم "
" ها هم ... ها هم "
قفزت الطفلة أمام التلفاز وانتقل نظره أيضا له وقد تحركت
الصورة الشبه جامدة أخيرا وهي تعرض من وقت الطائرة
الخاصة المتوقفة مكانها وبابها مفتوح وخمس سيارات
سوداء متوقفة تحتها وقرابة العشرون رجلا متباينين بين
اللباس المدني والعسكري قد وقفوا حول سلالم الطائرة
وأعينهم تعلقت أيضا بذاك الباب الذي كشف أخيرا عن
النازلين منه وعلى رأسهم من انتظره كل واحد منهم
باليوم والساعة والدقيقة ، وأن يستجيب لنداء وطنه الدامي
من جديد ، من لم يفتقدوه اليوم ولا الأمس بل من أعوام
وأعوام وهم من كانوا رجاله وأعوانه والمقربين له
وبفقده فقدوا وقتها حتى لذة انتصارهم وبهجة توحيدهم للبلاد ،
شد أبان قبضتيه بقوة مبتسما بحماس لا يعرف كيف يصفه
وهو يرى الرجل الذي لازال يملك له صورا في ذاكرته حين
رآه في منزل عائلة والدته من أعوام طويلة شعر بأنها تطوى
الآن كالصفحة وهو يراه من جديد وكأن ما حدث كان بالأمس ،
هو تماما كما يذكره ذات تلك الوقفة القيادية والثقة المتفجرة
من كل شيء فيه وأولها نظرته الثابتة القوية ما أن وقف
خارج باب الطائرة في الأعلى تتلاعب الريح الباردة بأطراف
سترته وياقتها ، وما جعل ضربات قلبه تتعالى حماسا هو لباسه
.... البذلة الخاصة بالقيادات العلية للجيش في البلاد ، السترة
سوداء اللون تزينها أزرار ذهبية وشارات فوق كتفيه العريضان
تأخذ لون الذهب أيضا تبرق تحت الأضواء القوية وكأنه يقول
لكل من يراه ها قد جئت كما ذهبت رجل حروب لا يقبل الهزيمة
ولا التلاعب بالذمم وأن الوطن هو الجزء الحي النابض في
داخلي فلن يثني عزيمتي عن الدفاع عنه إلا الموت ولذلك أنا
من أجله فقط أعيش ، رفع أبان قبضتيه لمستوى وجهه يشعر
بأنه يكاد يقفز طائرا من شدة حماسه وهو يرى مشهدا لن ينساه
بسهولة وكبار رجال الجيش وعدد كبير من رؤساء البرلمان
الرئاسي في البلاد وقد بدؤوا باستقباله بأحضان رجولية قوية
طويلة عبرت عما يكنه كل واحد منهم في داخله لذاك الرجل
الذي أوصل حلمهم للنجاح ثم تركه في أيديهم واختفى ، شد
قبضتيه أكثر يسمع تمتمات والدته الباكية تعبر بكلمات متقطعة
عن كل ذاك الشوق والحنين للشقيق الذي بكته وبكته لأعوام
وضنت حتى أن الموت قد أخذه ولن يعود ، ملأت الدموع لا
شعوريا عيناه وهو يرى أن مسكن الآم وطنه الحبيب قد ظهر
أخيرا فهمس مبتسما بحماس
" وأخيرا عدت يا كنز هذه البلاد "
أما الجالسة هناك فكانت شهقاتها الباكية تزداد ما أن رأته ينزل
سلم الطائرة ورجاله الذين اختفوا معه فجأة ينزلون خلفه , حلم
كم راودها في نومها وصحوتها وكم خشيت أنه قد لا يتحقق أبدا
، وقفت على طولها صارخة ببكاء تمسك فمها بيدها ووقف
البقية لوقوفها حين رأت الفتاة التي خرجت آخرهم من باب
الطائرة تحاول تثبيت حجابها الأبيض الذي تتلاعب به الريح
الباردة
*****
المخرج ~
بقلم / أميرة الوفاء
مارية
رحلت وتركتني أعاني الويلات ..
أنتظر لسنوات ..
أتساءل إن كنت من الأحياء أو الأموات ..
أراك في أحلامي ..
وأحدث صديقتي عنك كل أيامي ..
إنه صديق الطفولة إنه تيمي ..
وطال الإنتظار ..
ولعبت بي الأفكار ..
فلم يبق مجال ..
وعدتك أصبحت محال ..
منذ اليوم لن يكون هناك سؤال ..x
x
***
أستريا
لما لا تفهمون ..
أن قلبي لا يستطيع أن يخون ..
فهو بحب رعد مجنون ..
دعوني وشأني ..
ألا ترون شوقي وحنيني ..
ألا يظهر ذلك بعيني ..
كلامكم معي لن يجدي ..
حتى لو كان كل العالم ضدي ..
سأفي بوعدي ..
وأنتظر رعدي ..
x
***
تيماء
أمي يا ما حلمت بكِ ..
تمنيت لقياكِ ..
واشتقت لأراكِ ..
لأتمتع بحضنكِ ..
بقيت أعد السنين ..
يقتلني الشوق والحنين ..
وتسيل الدمعة من العين ..
كلما تخيلت صورتك ..
وأنا أعانقك وأحس بقربك ..
أخيرا .. لقد عدت ..
ولن يفرقنا إلا الموت ..x
****
نهاية الفصل الخامس
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل السادس 6 - بقلم BlackButterfly002
الفصل السادس
المدخل ~
بقلم / زينه 4
السَماء تَشهَق بقوة
الغيَاب سرقُ كَل شَيء حَولي ،
فـ الكَلمَات
لا تُنصفُنا يَا صَغيرَتي لاني لااعرف اسمكِ فـ بما اناديكِ!
ففي كلّ مَرة أوشكُ على إرسال رَسائلي المَبتُورة إليك !،
لااعرف أي البلاد احتوتكِ صغيرتي رضيعة وبعدها كبيره !
اخذوك في جنح ظلام
وغادرو اللاوطان فمن هَول غيَابك وحرماني ،
نَسيت أن أكتب حرفـاَ لكِ ،
أن أتذكركِ ،أن أشتاقك ،
و أن أبكيك كَما يَنبغي لم يمنحوني الفرصـة !
أحلامُنا انا وانتِ ، ،
طُفولتكِ عَبثك
، ذكريَاتنا.... لاشئ !
، بكاؤك ،
إبتسَاماتُك...
كلّها تَحتاج لجدار أقوى من ذَاكرتي تَتكأ عليها ...
ذَاكرتي التي تقتلني بك في كلّ مَرة
لا شَيء يستَحق الكتَابة ...
صغيرتي لان لاشئ فيها
ي تلك الصَغيرة التي تُسمى "بنتي " لَم تَكبري بعد !
هل اخبروكَ عني يوماَ !
ان كأن ذلك فـ امكِ لاتعلم عنكِ شيئاَ حتي اسمكِ حرموني إياها!!
ابحث عنك بوجوه الأطفال هل يشبهونكَ
هذا! ...
ام هذا!...
ام تلك! ...
وطالت بي الآيام ,,
والشهور حتى أصبحت سنوات !!ومازال حرماني طويل!
المضحك هنا
أن احلامي الصَغيرة لَم تَكبرفـ انا احلم بكِ كل لليله ولكن بدون ملامح !
واضمك لصدري حد البكاء ،
ولا يوقضني من حلمي سوا رصيف بارد ووواقع مر !
اشتاق لكِ حد السَماء ...!
مَلاكي ...
العَصافير التي مثلك! ورحلت عن اوطانها ... ستعود يوماَ !
اما أنا فـ برغم دفىء الوَطن الذي اسَكنه!
الا هناك جليد يقبع بداخلي لايذوب ويرهقني !،
وعندما تضيق بي الدنيا احلق ب حلمي لوطن يضم صغيرتي
عندما اتطلع للسماء إلى الغُيوم البَيضاء كَأحلامي !
اناجي الله متي الرجوع لقلبي ! فـ يدأت الأرض تَضيق بي !
أرقب حزني الذي يلتَصق بي كلمّا أدرت وجهي لأمل آخر!!
أحاول أن لا أختنق صغيرتي ...
أركُض في أزقة ضَيقة لا تؤدي إلى أي مَكان من هماَ يسكنني !!
وصَدى الرَحبل الذي اقتَلعكِ من قلبي يَقرعُ كل لَيلة
كـ ندَاء المَوت ، وغُربة الأمكنة !!
الفَراغ الكَبير الذي يَملؤني !!
و رَحيلك الذي لَم أستوعبها إلا الآن !
كل هَذا الألم في أعماقي ،
وَحده طَيفك كَفيل بهَدهدته ،
طَيفك الذي لازال يسكُنني واجهله
عَيناك اللتان ترقبني من هُناك ولااعرفها ، أشعر بهمَا !
الفَجوة التي تُطلين منهَا كلّمَا اشتقت لكِ !!
ولان توقفت ساعات الرحيل انتِ امامي ؟!
ونوديَ في كل أرجاء الصحاري
وفوق رمالٍ ورديّةٍ أن عادت تلك القوافلِ المرتحلة
من سنيين ! فسوف تزينها قبلاتُ اللقاء
فـاكَم اخاف للقاء !، من غيَاب يسرقُ كَل شَيء حَولي ،
هل انتهي !
والصَباحات المبللة بالشوق اليوم تنتظرني بقدومك
فـأرفع عًيناي للسَماء بَحثا عَن سَحابتي
سَحابتي التي لَا تُجيد غَير البُكاء هل اختفت !
فقد بكيت كما السُحب علَى الأرصفَة البَاردة
كَتَرَاتِيل مَطر فْي نفس مَوشُومة بالرَمَاد !!
لَحظَة فَقَط ....!!
قبل العناق
أريد ُأن أتنفس قَليلاَ ،
أن أبكي قَليلاَ ،
أن أَهذِي قَليلاَ ،
أن لا أكون أحلُم! كـ حُلمِ عَاثر !!
ابقَي مَعي ...
فَلا زلت سأشهق بذكرَاك كل لَحظة صغيرتي
******
على رغم من أنهم غادروا باريس نهارا إلا أنهم وصلوا
مطار بلادها آخر الليل وليس السبب طول ساعات الرحلة فقط
بل وفارق التوقيت أيضا ، وما هون الأمر عليها أن طائرتهم
نزلت مطار العاصمة حوران مباشرة والتي كانت تعد عاصمة
الحالك في الماضي وأصبحت عاصمة البلاد الآن بحكم اتفاقية
توحيدها من أربعة عشرة عاما من خلال نظام المحاصة كي
لا يثور العامة معترضين وزعيم صنوان سابقا هو من اختير
لحكم البلاد وليس شخص من الحالك ، والهازان حظيت بالنصيب
الأكبر من مقاعد مجلس الشورى آن ذاك بعد الحالك وكانت
المقاعد الأقل لصنوان ، حوران عاصمة البلاد وتيمور حيث
أطراف الهازان الشرقية اختيرت القلب النابض لتلك البلاد
من خلال اختيار شواطئها مركزا لأكبر ميناء تجاري بل ومرافئ
النفط التي أنشئت فيها , ونالت صنوان الاهتمام الأكبر من
النواحي العسكرية فكانت قاعدة لحماية البلاد امتدت أفرعها
فيها كافة وبذلك لم يعترض أي فرد في تلك البلاد على أي
تغيير تبعه حتى تم أكبر مشروع خاص لإعمارها ووصلت لما
وصلت له اليوم وتراه الجالسة حيث المقعد الخلفي في عاصمة
بلادها التي لم تكن تعرف كيف كانت قبل مولدها لكنها رأت
صورا كئيبة كثيرة لها وتراها اليوم وأضواء مبانيها وأبراجها
العالية تتلألأ في سمائها لتشهد على وصول تلك البلاد التي
كانت تعيش عصور ما قبل التاريخ لما وصلت له اليوم ،
وتعلم جيدا أنها الثمن الغالي لأرواح أزهقت وتشبع ترابها
بدمائها , لشبان فقدوا حياتهم على أمل رؤيتها هكذا
ولأجل رؤية ما وصلت له اليوم ، حُلم حَلم به الكثيرين من أبناء
شعبها وعاشوا من أجله , نظرت للجالس في الكرسي المجاور
للسائق في الأمام ، من لم ترى نظراته مثلها تتجول في كل
شيء بنوه بأنفسهم بل وبناه بتضحيته بكل شيء حتى
المرأة التي كانت زوجته ومتأكدة من أنه كانت لها مكانة
عظيمة في قلبه وإن لم يصرح بذلك , توقعت أن ترى نظرات
الرضا والانبهار منه وهو يرى المشهد حي أمامه لأول مرة
فمهما رأيت كل هذا في التلفاز أو من خلال شبكة الانترنت
أو حتى الصور فهو لن يشبه الواقع بأي شكل كان .
شعرت بقبضة اعتصرت قلبها بقوة وهي ترى شرود نظره
في تفاصيل مقدمة السيارة وصمته التام المبهم الذي جعل
حتى الجالس بجانبه يصمت رغما عنه ، لا تعلم ما الذي
تسافر له أفكاره هذا الوقت تحديدا مانعة إياه من التمتع بما
عاش منذ نعومة أظافره يسعى لتحقيقه ودفع من أجله الغالي
والنفيس , تعترف أنها لا تفهمه أغلب الأحيان ..
لا تفهم صمته وأفكاره ! وهي اليوم ليست أفضل من ذي قبل
ولها أن تتخيل فقط أن تفني عمرها من أجل الحصول على أمر
تترك من أجله حتى أقرب الناس لها ثم وما أن تحصل عليه
لا تشعر بلذته مهما كان إنجازا عظيما ويستحق منها كل
ما فعلت فما الذي سيجعلها لا تسعد بامتلاك ذاك الشيء ؟؟
اعتصرت قبضتها بقوة وكادت دموعها أن تفر من عينيها
ما أن أدركت أن أمرا واحدا قد يكون سبب عدم تمتعها بذاك
الشيء وهو أن تشعر نهاية الأمر أن ما خسرته من أجله
أهم منه , لكن هل والدها سيفكر هكذا ؟؟
لا تتخيل أبد أن يشعر بذلك فهذا ( وطن ) كلمة معناها
كبير جدا بالنسبة لأي شخص يحبه فعلا فكيف بحب
مطر شاهين خصيصا له !!
وباتت تعذره في السبب أيا كان فما في القلب لا يمكن لأحد
معرفته فهي خلال رحلتهم في الجو وعلى متن تلك الطائرة
الخاصة لم تكن ترى ولا تعي شيئا مما حولها وكانت منفصلة
عن كل شيء ولازال قلبها وعقلها بل وجميع حواسها هناك
حيث محطة القطار وكل ما حدث معها اليوم وحول قلبها لكتلة
من الألم بعدما سرقت منها السعادة التي لم تدم إلا للحظات .
رفعت نظراتها المليئة بالدموع ما أن تباطأت سرعة السيارة
تدريجيا وبدأت بمسحها بطرف كم معطفها الشتوي
واتسعت عينيها بصدمة فاغرة فاها بغير تصديق وهي ترى
جموع الناس المجتمعة حول سور منزل واسع علمت فورا
بأنه سيكون منزل عائلتها فوالدها اختار أن يأخذوهما له
رغم عروض رجاله السخية حتى بالمبيت في أفضل فنادق
العاصمة وإن لليلة واحدة فقط حتى يتم ترتيب أمور المنزل
الذي هجره أهله من أعوام طويلة , توقفت حركة السيارة
والسيارات التي تبعتهم حولها على همس مطر من بين أسنانه
" ما بكم يا بِشر !! لما كل هذا المهرجان ؟ "
امتدت يد الجالس خلف المقود وقبضت على كف الجالس
بجواره يريحها على فخذه , شد عليها بقوة وقال مبتسما
وناظرا لنصف وجهه المقابل له
" كيف سنمنع الناس من استقبالك يا مطر ؟
هل تتخيل أن نواجههم بالرصاص أم بالغاز المسيل للدموع ؟
هل ترضاها أنت لهم وتسامحنا عليها ؟
لولا أن حضورك كان مفاجئ لوجدت أمام منزلك مالا يمكنك
تخيل عدده , ولأنه لا أحد كان يعلم وجهتك فيوجد مثل هذا
العدد عند مبنى البرلمان ووزارة الداخلية وضعفه بكثير أمام
مبنى القصر الرأسي وكأنهم يتوقعون فعلا أن تدخله بعد
شراع صنوان "
تنهد مطر محركا رأسه بهمس
" تعلمون أني أكره كل هذا وأنتم وقناتكم السخيفة تلك
التي استقبلت طائرتنا السبب "
ضحك الجالس بجانبه وقال وهو يفتح باب السيارة ليتسلل
منها أصوات صرخات المجتمعين في الخارج مع الريح
الباردة التي دخلتها
" لم تتغير يا ابن شاهين والسنين لم تزدك سوى ابنة "
والتفت برأسه للخلف حيث الجالسة هناك وقال مبتسما
" أتذكر ابني البكر يا مطر ؟ هو في الرابعة والعشرين الآن
وأنت تركته في العاشرة .... هل تتخيل !! "
وتابع غامزا للتي في الخلف
" ما رأيك بعريس جاهز يا ابنة شاهين
قبل أن تتكالب على والدك الأمم تريد نسبه "
لم تستطع إخفاء شهقة الصدمة من كلامه
وقد عاد ذاك للضحك مجددا ونزل من السيارة قائلا
" إذا ضع في حسابك أني أول من تقدم لك يا مطر "
فتح مطر حينها بابه أيضا قائلا
" هيا انزلي يا تيما "
ولم يزد حرفا ونزل ووقف مستقيما خارج السيارة
وحذت هي حذوه ونزلت تنظر بصعوبة بعينان أحرقها
الهواء البارد وهو يلفح حدقتيها التي لازالت مبتلة بالدموع
التي حاولت مسحها منذ قليل ولم تستطع التقدم أكثر
من خطوات معدودة وهي ترى كل ذاك التجمع يسرع
للانتقال حيث الذي ظهر لهم أخيرا والتفوا حوله لا ترى
سوى رجال بأعمار مختلفة يستقبلونه بأحضان وترحاب
عميق يتركه واحد ليستلمه الآخر واكتشفت الآن فقط
ما يعني لهم مطر شاهين ، الرجل الذي فقدوه من أعوام
ولم يستطيعوا لا نسيانه ولا تجاهل وجوده في الحياة .
مسحت الدموع التي عادت للنزول وبغزارة هذه المرة
وهي ترى المشهد الذي كان أعظم من مشهد استقبال
رجاله له في المطار الصغير هناك , ترى البسطاء من الناس
بجميع أطيافهم ، ترى دموع كبار السن وحتى من النساء
وهم يستقبلونه بالدموع ويرغمه البعض على أن يقبلوا رأسه .
الآن فقط أدركت أكثر معنى ما قاسته هذه البلاد
ومعنى ما حققه لهم هذا الرجل قبل رحيله ولازال
ما لا يعلمونه بعد ذلك رغم يقينها من أن كل واحد منهم
كان يعلم أنه موجود وإن كان بعيدا وأنه عاش ويعيش
من أجل إكمال ما بدأه يوما وهو بينهم وإن كانوا يجهلون
مكانه فكيف وهم يرون أنهم اليوم بأمس الحاجة له .
للرجل الذي زرع نواة توحيد البلاد وجعلها تتحول لحلم
عاشه الكثيرين منهم معه من أوله , شعرت بيد على كتفها
فنظرت لصاحبها فورا فإذا به الرجل الذي أوصلهم من المطار
وقد أشار لها بيده قائلا بابتسامة
" هيا أيتها السيدة الصغيرة فسنخلص والدك منهم لتدخلا
منزلكم فكل واحد منكما متعب أكثر من الآخر بالتأكيد "
*
*
*
نزلت عتبات باب المنزل تلف الشال الصوفي حول جسدها
حاضنة له تخفيه عن الريح الباردة التي تشعر بها تتسلل
لعظامها من فوق كل تلك الثياب السميكة .
وقفت بعد خطوات فقدت فيها القدرة على متابعة السير
وملأت دموع الحزن عينيها وهي ترى الجالسة هناك عند
أحد مقاعد الحديقة غير عابئة للوقت ولا الطقس بثياب خفيفة
تتلاعب نسائم الليل الباردة بخصلات شعرها الأسود الطويل .
كم ذكرها هذا بالماضي بتلك الفتاة العنيدة التي تعتصم عنهم
بجلوسها في الخارج والبرد القارص لتجبرهم على تحقيق ما تريد
أو لتعلن احتجاجها عما لا تريده ،عادة ظنت أنها نسيتها من أعوام
فلا تذكر أنها رأتها بهذا الشكل مجددا منذ رجوعها من الحالك
ولا تراه اليوم عنادا منها وفي هذه الليلة تحديدا
وهي بنفسها من كانت منذ قليل في غرفة الكاسر وشاهدت
معه طائرة ذاك الرجل تنزل أرض الوطن وكان كل تصورهم
أنها خارج المنزل ولم ترجع بعد من جمعيتها وليست هنا !
لا تعلم هربا من مشاهدة ما رأوه أم من نفسها ؟
وكيف لها أن تلومها وهي من بكت حتى تعبت حين رأت
تلك الفتاة التي نزلت من الطائرة وإن كانت الصورة بعيدة
وغير واضحة ،
لا تتخيل أن تكون مكان الأم الجالسة هناك وهي ترى
ذاك المشهد ولن تلومها على هربها منه وهي من رفضت
حتى رؤيتها وقت ولادتها كي لا يتعلق قلبها بها فكيف الآن
وقد أصبح طولها كطول والدتها .
هذا إن لم تكن خانتها توقعاتها وهربها كان بسبب ذاك الرجل وحده .
مسحت عيناها الدامعة التي أجهدها البكاء وأنفها المحمر
واقتربت بهدوء حتى وصلت للجالسة توليها ظهرها
لتعود دموعها للنزول مجددا تمسك عبرتها وهي ترى
تلك اللفافة بين يديها ، قطعة القماش التي ظنت أنها اختفت
منذ ولادة ابنتها
ولم تتخيل أبدا أنها تحتفظ بها كل هذه السنوات
دون أن يعلم عن وجودها أحد ، مسحت عيناها مجددا
حين شعرت الجالسة على بعد خطوات منها بوجودها
ناظرة لها للخلف قبل أن ترجع برأسها للأمام
تمسح أيضا الدموع التي لم تسمح لهم برؤيتها
طوال تلك الأعوام ولا على فراق ابنتها وليدتها تلك .
اقتربت منها أكثر حتى وصلت عندها وجلست بجوارها
في صمت تام وضمتها لحظنها دون أن تتحدث أي منهما
وتركت المجال لتلك الدموع السجينة لأعوام أن تتحرر
على صدرها ويدها تمسح ذاك الشعر الحريري تشعر
بقلبها يتمزق لأشلآء مع كل شهقة مكتومة
تصدر عن التي اعتبرتها ابنتها منذ أول يوم رأتها فيها .
رحمت حالها وضعفها الذي سجنته في قلبها من أعوام
وهي من عاشت يتيمة الأبوين دون أن تعلم ومع زوجة
أب قاسية آخر جرائمها كانت أن أخبرتها عن نسبها المجهول
وطعنتها تلك الطعنة القاتلة وهي لازالت أبنة السادسة عشر
ورمتها في دوامة الضياع والشعور بعدم الانتماء .
ورغم كل ما قدمه لها شراع وما حاولت هي تعويضه لها
كانت ترى جيدا الحزن في عينيها ذاك الوقت والدموع
التي كانت تخفيها عن الجميع بسبب تجريح البعض لها بكلماتهم .
وليت مآسيها انتهت عند ذلك الحد فقد تركها زوجها
آخذا ابنتها معه وفقدت شقيقها الوحيد والمقرب لها
ثم والدها الذي رباها وتركوها كسفينة تهيم في عرض البحر
فقدت حتى أشرعتها ، مسحت على شعرها مجددا
تضمها لها بقوة وقبلت رأسها ودموعها تتقاطر على
ذاك الحرير الشديد السواد وخرجت حروفها تخنقها عبرتها
" غسق ارحمي نفسك بنيتي فما فات لا يمكن تغييره
والعبرة في المستقبل فقط "
نحب صوت التي تعلقت بحظنها كالغريق وهي تهمس
" ابنتي عمتي .... سأتحمل أي شيء إلا أن تكون هنا
ويحرمني منها ذاك الرجل لينهي قتله لي "
ضمتها بكلتا ذراعيها وبكائها معها يزداد وهي تفقد
باقي ذرات تماسكها الذي كانت تريد مواساتها وتقويتها به
وحمدت الله أنها قررت الاعتصام هنا وفي البرد على أن
تشاهد ما شاهده جميع من في تلك البلاد
بالتأكيد فهي تعلم جيدا ومهما أخفت النائمة في حظنها
الآن دواخلها ما عناه لها ذاك الرجل في الماضي
وكانت ترى بوضوح في عينيها نظرة الانكسار والألم
الذي مصدره القلب تحديدا ، نظرة احتاجت لسنوات
ليس لتمحوها من عينيها بل لتخفيها ببراعة عن جميع
المحيطين بها واختيارها التسلح بكل تلك القوة المزيفة
رغم نجاحها كامرأة مجتمع وابنة لرئيس البلاد وقدوة لكل
منتسبات جمعيتها الضخمة تلك ، هي لم تجرب شعور
الأم سابقا لكنها جربت معنى التعلق بجنين في أحشائها
حين كانت تجهض المرة تلو الأخرى قبل أن يقرر زوجها
الزواج من أخرى ويقرر بالتالي شقيقها شراع تطليقها منه
على أن تضام شقيقته بسبب امرأة ورجل يفترض أنه زوجها .
لذلك هي لم تعرف شعور أن تفقد وليدها لكنها تعلم جيدا
تلك المشاعر التي تولد في داخلها حين تشعر أنه ثمة مخلوق
ما يعيش ويتغذى في أحشائها ومعنى أن تنتظره باليوم والساعة.
أبتعدت عنها فأمسكت وجهها تمسح يديها على جانبيه
ونظرها على عينيها الدامعة وجفناها المحمران وقد همست
بأسى وحرقة دموعها تغطي مقلتيها السوداء الواسعة
يعكسها ضوء أنوار المكان
" حرمت من رؤيتها وهي طفلة وهي تحبو وتقف وتخطو
خطواتها الأولى وتنطق أول كلماتها وتكبر رويدا رويدا .
حتى كلمة ماما لن تكون نطقتها أبدا وتعلمتها هذا إن لم
تقلها لامرأة غيري "
تدحرجت دموعها تباعا وتابعت بعبرة كسرت آخر أبراج
صمودها القوية التي بنتها حول نفسها لأعوام
" لم أندم حياتي على أمر كندمي لعدم رؤيتها ولو لمرة
بعد ولادتها رغم أن ذلك ما كان ليزيدني إلا ألما "
ضمتها لحظنها مجددا تبكي الوجع مثلها
وأكثر منها متمتمة بقهر
" سامحك الله يا ابن شاهين ولا أذاقك ما أريتها "
*
*
*
سارت معه وكما قال بدأ الحرس الذي رافقهم بإبعاد الناس
وإفساح الطريق أمامهم ، وكان الوقت الذي أستغرقوه ليصلوا
باب المنزل أطول مما تتخيل إذا اخترق البعض حرس والدها
ووصلوا له وقد تعامل معهم كما تعرفه ويعرفوه جيدا
ابن وشقيق لكل من يعيش على تراب وطنه لا يرفضه
ولا يترفع عليه ، وما أن أغلق باب المنزل الضخم الذي
رغم قدمه لازال متمسكا بصلابته فاصلا اياهما عن من
اجتمع من البشر وحتى رجاله تنفست الصعداء وكأنها لم
تعرف الهواء يوما .
تبعت نظراتها الرجال بلباسهم الخاص بقوات الحماية الخاصة
والذين وكلوا بحراسة المكان ومن لم تلاحظ والدها يرفض
دخولهم وموقنة من أن وجودهم إجراء أمني ضروري للغاية
خاصة مع أحداث البلاد الأخيرة وما رأته بنفسها من إجراءات
أمنية مشددة من طريقهم من المطار حتى منزل عائلتها .
تحركت ما أن شعرت بخطوات من تحرك أمامها وتبعته في
صمت يشبه صمته الذي لم تفسره هذه المرة بالمبهم الغامض
كالسابق بل بأنه صمت من عادت به الحياة لأعوام مضت ،
من وجد نفسه في لحظة في الماضي الذي تركه خلفه منذ
أربعة عشر عاما ونيف ، صمت لن يستطيع قراءته وفك رموزه
إلا الأشياء الجامدة التي يمران بها خلال سيرهما باتجاه ذاك
المنزل الضخم الذي ظهر لها ما أن توغلا في تلك الحديقة
متشابكة الأغصان الخضراء الطويلة .
كل شيء في ذاك المكان الذي لم تعرفه يوما ولم يتعرف بها
وحتى الحجارة التي تئن تحت وطئت خطواتهما الآن كانت تشعر
بأنها أجساد حية تنبض بالحنين والشوق لأشخاص ليس فقط
كانوا يشكلون مصدرا للحياة حولها بل لأي شخص حي يعيد لهم
صفة الوجود الغير موجودة تلك ، ارتفع نظرها لذاك المبنى
الذي وقفا أمامه وكان من الغرابة والجمال العمراني رغم قدمه
أن يخطف نظرها لوقت تحاول رؤية جميع تفاصيله تحت ضوء
القمر المكتمل ليوقضها من تأملها الصامت ذاك صوت صرير
الباب الخشبي القوي الذي فتحه الواقف أمامها ، الباب الذي
كانت موقنة من أن مفاتيحه لن تستطيع الدخول لأعماق قفله
القديم فكيف إذ به دار داخله بكل بساطة ودون جهد أو ركل
لدقائق ليفتح !
وها هو ككل شيء في ذاك المكان يفاجئها بأصالته ومتانته
التي لم تستطع السنين تغييرها ليفتح بعد سنين طوال ليتردد
صدى صريره في أرجاء المنزل الفارغ متسللا مع ضوء القمر
الذي رسم خطا مستقيما انتهى قبل أن يصل لأقرب جدران
المكان ليتبث أكثر مدى اتساعه الذي يظهر للعيان واضحا من
البناء الخارجي له .
تحركت للداخل تتبع الذي مد يده جانبا ما أن أصبح في الداخل
وكأنه يحفظ كل شبر في هذا المكان وأصابعه تلتقط مكان زر
الإنارة الأقرب للباب دون أي جهد أو بحث وعناء .
منزل علمت الآن أنه جزء من شخصية الواقف قربها حد
سريانه في دمائه ومكوث تفاصيله في ذاكرته .
أمر آخر كان عليها توقعه مسبقا وهي ترى الأضواء تنير
المكان الصامت تباعا وليس كما ترى في القصص والأفلام
منزل قديم مهجور يعني أنه لا كهرباء ولا ماء فيه .
نظرت للذي يقف بجانبها وامتلأت عيناها لا إراديا بالدموع .
كانت تمنى أن أمسكت يده مبتسمة له وتحدثا عن ذكرياته
في هذا المكان لكنها لم تستطع ولا أن تقرب أطراف أصابعها
من كف يده وهي تنظر لحدقتاه السوداء تتجول في تفاصيل
ذاك المنزل ببطء تحكي بصمت قصصا قديمة عن ذكريات
جمعته بهذا المكان ، ورغم جمود ملامحه وهدوء نظراته
إلا أنها قرأت فيهم بوضوح تعلقا عميقا بالمكان وبذاك الزمن
البعيد ولن تتوقع غير ذلك وهو من ولد في هذا المنزل وعاش
وتربى فيه وعاشر أشخاصا بعضهم لم يعد موجودا في الحياة
إلا ذكراهم ، كما الذكريات الوحيدة التي جمعته بالمرأة التي
كانت زوجته لفترة من الزمن ، شعرت بتلك الغصة في داخلها
ما أن ثبت نظره على السلالم الملاصق للجدار يسارا
وجمد هناك عكس ما كان يمسح تفاصيل المكان منذ قليل.
لحظتها فقط تمنت أن قرأت أفكاره التي لم تتساءل عنها يوما
بقدر ما تساءلت الآن وعن مكان تلك المرأة فيها .
انحبست أنفاسها بل وتوقف قلبها عن الخفقان حين سمعا صرير
أحد الأبواب يفتح بعد دوران مقبضه ولم تشعر سوا بيد والدها
التي أمسكت يدها ودسها خلفه سريعا يريد حمايتها من المجهول
أيا كان وهو من يعلم أن لا أحد غيره في تلك البلاد يملك مفتاحا
للمنزل ويستطيع دخوله حتى أنه دخله دون سلاح ولا حماية .
تمسكت في سترته السوداء الثقيلة لا شعوريا وصرير الباب
يزداد في وقت قياسي لا يمكنهما ولا التراجع فيه للوراء ولا
تتخيل أن والدها قد يفعلها وإن فقد حياته وهذا ما تخشاه أكثر
من فقدها لحياتها هي
" انظر لمفارقات الزمن يا مطر شاهين "
شعرت بجميع مفاصلها ارتخت حد أنها كادت تفقد توازنها
وتنهار أرضا ما أن وصلها ذاك الصوت الرجولي الباسم
والودود وما أن أبعدت رأسها قليلا واسترقت النظر
من حيث ذراع الواقف أمامها ظهر لها الرجل الذي تقدم
من الباب الذي فتحه عند نهاية البهو الواسع ، رجل يبدوا قارب
السبعين من عمره رغم أن البياض في شعره لم يتغلب على سواده
بعد مسرح ومرتب بعناية وجسد قوي ثابت في حركته ومشيته ،
أوصاف جعلتها فورا تنسبه لهذه العائلة ولأنه كان يحمل من
ملامح جدها دجى الكثير ما أن اقترب ورأته بوضوح أكبر
وإن كان لا يشبه الواقف ملاصقة له أبدا علمت فورا بأنه
سيكون عم والديها المدعو ( صقر ) ومن غيره قد يملك
مفتاحا لهذا المنزل ، ابتعدت جانبا ما أن وصل للذي نظره لم
يزحه عنه منذ خروجه من ذاك المكان وتعانقا عناقا طويلا
لم تراه ولا بينه وبين رجاله الذين استقبلوا طائرتهم فور
نزولها أرض الوطن ، كان عناقا رجوليا خاصا حقا بأفراد عائلة
الشاهين المعروفة رجال وسمتهم جيناتهم الوراثية بالشجاعة
والبطولة التي ترفض إلا أن تكون أسطرا في التاريخ تتحدث
عنها الأجيال المتعاقبة فكم طالب الناس وخاصة في الحالك
بهذا الرجل خلفا لأسطورتهم مطر شاهين حين ترك البلاد فجأة
ولولا رفضه وخروجه من البلاد بأوامر من ابن شقيقه طبعا
لكان الآن رئيسا لها ولا تراه إلا تصرفا حكيما من والدها
لدرء الفتن المحتملة وقتها بين الحالك وصنوان .
ابتعد عنه عمه بعد كل ذاك العناق الرجولي القوي الفخم ممسكا
كتفه وقد شد عليه بقوة وقال مبتسما ونظره على عينيه
" كنت أعلم أنك لن تصبر على حال البلاد أكثر .
مرحبا بعودتك يا أعظم ابن قد أنجبته "
لم يكن رد مطر سوا بأن ربتت يده على ذراع عمه مبتسما له
قبل أن تتحول نظرات الواقف أمامه للتي أصبحت تقف بجانب
ابن شقيقه وقد اتسعت عيناه بذهول للحظة قبل أن يقول
" لا تقل أن هذه ابنتك يا مطر ! "
ابتسمت له تميل رأسها قليلا وخطفت نظرها للذي كان ينظر
لها مبتسما قبل أن تعيده لعمه وهمست مبتسمة بحياء
" قل أني بشعة ولا أشبهه وسأبكي الآن "
ضحك من فوره وسحبها نحوه سريعا من ذراعها وضمها
لحضنه بقوة قائلا بضحكة
" سحقا للتاريخ يا رجل ، هل هذه الحسناء ابنتك الرضيعة
تلك التي رأيتها سابقا ؟ "
أبعدها عنه سريعا ونظر لوجهها وملامحها الجميلة البريئة
وحرك رأسه بعدم استيعاب قائلا
" ومن كان سيتوقع غير هذا من طفلة والداها هما ؟
لم تتغلب عليك سوى والدتك فتلك لا امرأة أجمل منها على الإطلاق "
" سأصعد لغرفتي لأنام وأنتي يا تيما اختاري أي مكان يناسبك "
نقلت نظراتها التي اكتساها الحزن فجأة للذي غادر من عندهما
جهة السلالم في أول خروج له من صمته والذي كان عقب عبارة
عمه تلك وكأنه يهرب منهما أو من شيء تجهله تماما .
تعلقت نظراتها به وهو يصعد العتبات اثنتين عقب ثلاثة
بخطوات واسعة واثقة زادها جسده القوي الصلب والبذلة التي
لا تعتقد أنها ستليق بغيره أكثر منه وقد تابع مبتعدا للأعلى
" سأراك فجرا يا عمي "
فقط هذا ما قاله قبل أن يتوارى عنهما في الأعلى .
عادت بنظرها للواقف أمامها حين حرك كتفيه قائلا بابتسامة مائلة
" هل تعرفني ابنة مطر شاهين أم أعرفها بنفسي "
ابتسمت من بين حزنها وترقرق حدقتيها الزرقاء الواسعة
بالدموع وهمست ببحة
" بلى أعرفك حكى لي عنك جدي دجى كثيرا "
ضم كتفيها بذراعه وقال سائرا بها للداخل أكثر
" ومهما حكا لي عنك أيضا فقد فقت توقعاتي ، تعالي لتختاري
مكانا تنامين فيه ، المنزل مليء بالغبار وشديدة البرودة كما
ترين لكن الأوضع فيه ستتغير سريعا "
وقف بها عند مفترق طريق بين ممرين وقال مشيرا بسبابته
" هنا الممر الأكثر غرفا حيث كانت غرفة شقيقتي نصيرة
رحمها الله وعمتك جوزاء ، وفي الممر الآخر لم يكن ثمة
غرف مستخدمة سوى غرفة والدتك سابقا فاستخدمي إحدى
الغرف هنا حتى الغد ليتم تجهيز غرفة لك بما أنه يبدوا أن
والدك يرفض ترك هذا المنزل العتيق العريق "
التهمت نظراتها المستغربة ملامحه المسترخية وعيناه
الناظرة للبعيد وقالت
" غرفة والدتي !! أليست غرفتهما في الأعلى كما فهمت ؟ "
نظر لها لبرهة مبتسما قبل أن تنطلق ضحكته مرتفعة
ونظراتها له لا تزداد إلا استغرابا لضحكه بدلا من إجابتها !
نظر لها مجددا وقال يمسك ضحكته
" بالتأكيد غرفتهما في الأعلى وإلا كيف وصلت أنتي هنا "
شعرت أن قدرا من الماء البارد سكب عليها وبخداها يشتعلان
احمرارا وهي تهرب بنظراتها منه خجلا فتابع بضحكة
" لديها غرفة هنا لم تتركها وتصعد للأعلى إلا بعد ثلاثة أشهر
فلك أن تتخيلي عناد ودهاء التي تكون والدتك فهي دون ذلك
زارتها مرات عدة وهما زوجان "
نظرت له متنهدة بحزن تشعر بأن أملها في رجوعهما
يموت قبل أن يولد داخلها ، همست ببحة
" هل كانت أحوالهما سيئة لهذا الحد ؟ "
حرك رأسه بالنفي مبتسما وقال " لم يكن حال جميع من كانوا
في هذا المنزل أفضل من الأوقات التي كانت فيها هنا بيننا
لكنها أجمل عنيدة ومحاربة من أجل نفسها رأتها عيني "
ابتسمت أيضا تمسك دموعها من النزول من تلك الأحداق
الواسعة فقرص خدها الصغير الناعم قائلا بابتسامة محبة
" ولا تقلقي ستكون هنا وعلينا جميعا تحقيق ذلك فلن يكون
عدلا أن تكوني العنصر الأنثوي الوحيد هنا حين يأتي جدك
أيضا للعيش في هذا المنزل وقاسم ابن شقيقتي نصيرة
رحمها الله "
نظرت له باستغراب قائلة
" ابن شقيقتك ؟ "
بادلها ذات النظرة قائلا
" نعم ألا تعرفيه وهو يعيش في لندن منذ ولادتك وأحد
رجال والدك المهمين ؟ "
نظرت له وكأنها لم تراه سابقا فأومأ برأسه قائلا
" لا بأس يبدوا أن والدك كان يحصنك ضد حتى أقاربك .
هو ابن عمته لم أراه منذ كان ابن الخامسة عشرة قبل أن
يختفي خلف حدود الهازان "
وتابع مبتسما
" كان ما أعند رأسه يشبه والده حتى في تهوره
دون التفكير في العواقب "
عبست ملامحها الجميلة متمتمة
" ولما أفراد عائلتكم جميعا يحملون ذات الصفات "
حضن كتفيها بذراعه ضاحكا وسار بها جهة الممر الآخر قائلا
" لأن دماء الشاهين تجري في عروقنا ولن تكوني أفضل حالا
منا يا حفيدة شقيقي .
عليك أن تنامي الآن وترتاحي وأنا أيضا وصلت طائرتي
قبل طائرتكما بأقل من ساعتين وعليا أن أنام ولاحقا سأحكي لك
عن كل شيء حتى جدنا شاهين الأكبر ذاك وما فعل واشتهر به "
وصلا حينها لباب غرفة فتحه وقال وهما عند الباب
" أراك صباحا ، تصبحين على خير "
رفعت جسدها على روؤس أصابعها وقبلت كتفه هامسة
" وأنت بخير "
وتابعت مبتسمة
" أناديك عمي صقر أم خالي ؟ "
ضحك وقال
" كلاهما سواء فأنا قريب لوالديك كليهما ، المهم أن لا تناديني
جدي صقر فأنا أكبر من جدك دجى ، إن احتجت شيئا فجناحي عند الباب الذي خرجت منه وقت دخولكما "
ثم غادرا من عندها متمنيا لها من جديد ليلة سعيدة
وراقبته عيناها وابتسامتها المحبة حتى اختفى وهي تتذكر
ما حكاه لها جدها دجى عنه وعن أنه رفض الزواج بإ صرار
شديد بعد وفاة زوجته وابنه وعاش هكذا وحيدا ، كم يذكرها
بجدها الذي اشتاقت له منذ الآن وجل ما تتمناه أن تراه قريبا .
دخلت الغرفة التي احتاجت لوقت لتجد زر الإنارة لتفتحها
رغم أن الممر كان مضاء ، جالت نظراتها في الغرفة التي
غطى أثاثها الغبار كحال باقي المنزل ، كانت بسرير واسع
وخزانة ثياب كبيرة وطاولة عند النافذة الطويلة وكرسيان
من الخشب الثقيل ، أثاث يحمل الفخامة رغم قدمه ومن يراه
يدرك فورا أن أيدي بشرية هي من صنعته ونقشته وصقلته
ليبقى عريقا مهما طالت السنين .
أغلقت باب الغرفة التي لم تزدها إلا شعورا بالحنين لتلك المرأة
التي لا تسمع سوى حكاياتهم عنها وهي تلامس بأناملها كل شيء
في ذاك المكان وحتى الستائر القديمة السميكة فهذه الأشياء
الصماء الجامدة عرفتها أكثر منها وإن كانت ستكون عاشت
ضمن جدرانها لساعة واحدة فقط فكيف بأشهر ، مسحت الدمعة
التي انسابت على خدها فلا تريد التفكير الآن سوا بأنها ستراها
قريبا وتكون معها ، أنزلت الحقيبة من كتفها ووضعتنا على
السرير وخلعت معطفها وحجابها لتكتشف حينها برودة المكان
الحقيقية ، أخرجت من الحقيبة عدة الاستحمام البسيطة التي
وضعتها فيها والثياب المريحة فتلك كانت ضمن ما رأتها
ضروريات قد تحتاجها وها هي احتاجتها بالفعل فحقائبها لم
تراها حتى الآن ، دخلت الحمام المرفق للغرفة ورغم بساطته
وقدم طرازه كان واسعا ومريحا ، فتحت صنبور المياه الذي أصدر
صوتا أوجسها قبل أن تتدفق منه المياه حمراء صدئة وبدأ
لونها يتلاشى تدريجيا حتى أصبح نقيا تماما .
مدت يدها تحته وارتجفت فورا وهي تبعدها بسرعة بسبب
برودته لكن لا حل أمامها وعليها أن تستحم وإن بالقليل منه
فقط كي لا تمرض بسبب كل هذا البرد ، وبعد حمام سريع
لم تستطع تسميته أبدا بالاستحمام خرجت للغرفة راكضة
تضم جسدها بالمنشفة البيضاء الكبيرة التي وجدتها في
الخزانة مع أغطية سرير سميكة وأخرى خفيفة صيفية .
لبست ثيابها سريعا واندست في السرير الذي رتبته كيفما كان
تغطي جسدها المرتجف باللحاف بقوة والذي جعل الدفء يتسلل
سريعا لجسدها المنكمش فيه ، لا تعلم بسبب جودته أم بسبب
حنينها للتي استخدمته سابقا وكأنها تنام في حظنها الدافء .
أغمضت عينيها برفق وابتسامة دافئة تزين شفتيها وهي تتذكر
كلام عمها صقر عنها ، وسرعان ما ماتت ابتسامتها وببطء
وشعرت بالإعياء فجأة وليست تعلم لما ظهرت صورة ذاك الشاب
أمامها الآن ! ليتها فقط وجدته قبل أن تغادر المحطة ، حسنا وإن
وجدته ما كان سيغير ذاك في الأمر وفي فكرته عنها ؟
دست وجهها في الوسادة المحشوة بالقطن وهمست بأسى
" لما لم ينفذ تهديده ذاك باختطافي من الرجل الذي يضنني ملكا له ؟
لما لا يحمل صفات العناد والتهور هو أيضا ؟ "
*
*
*
التفت خلفه ما أن اجتاز بوابة محطة القطار ورفع نظره
سريعا لسماء لندن داكنة الغيوم وكأنها تختبر فضاعة قراره
المفاجئ ذاك بانعكاس لون كل تلك السحب الكئيبة في عينيه ،
يعلم أنه قرار جنوني لكنه لا يستطيع أن يقنع نفسه بغيره فبعد
ساعتين فقط في باريس وجد نفسه يقطع تذكرة قطار جديدة
تعيده للندن يحمل الحقيبة التي أخذها معه ففكرة صغيرة جدا
أو ليقل غبية بأن يبحث عن اسمها عن طريق رقم المقصورة
والمقعد اللذان كانت تجلس فيهما جعلته يدور حول نفسه
كالجواد المربوط في قرار لا يستطيع سوى وصفه ببداية التهور
لجلب اسم فتاة بريطانية مجهولة ولها حبيب أو لنقل خطيب
أيضا ، ساعاتان فقط كانتا المدة الكافية لاختبار صبره ليجد
نفسه بعدها يتصل برقم محطة القطار ووجد نفسه بعدها فورا
في شباك التذاكر في محطة غاردلي نور بباريس عائدا من حيث
انطلق وكأنه سيجدها مثلا أمامه هنا ما أن يصل وهو من نزل
القطار وتركها هناك ! لا يعلم حقا ما يحدث معه وهذا ما عاد
أدراجه لأجله إجابة واحدة عن السؤال المبهم التعيس
( ما يريد من فتاة وجدها في ملهى ليلي بل وفتاة رجل غيره ؟ )
هل هو فضول ليس إلا ؟
أم أنه تحدي سخيف مع رجل لا يعرفه !
أم بسبب تلك الصورة للوجه الجميل تحيطه هالة هدوء ورقة
لم يراهما في فتاة من قبل ، والعينان الزرقاء بنظرتها الصافية
البريئة التي رفضت أن تفارقه وألهبت مشاعره كالسعير وهي
ترفض مفارقته منذ تركها في مقصورة القطار ؟
لم يعرف نفسه صاحب قرارات جنونية سخيفة سابقا !
ولأنه لا يريد أن يتحكم به عقل الشاب الذي عرفه منذ أصبح
هنا العقل الذي يرفض الأخطاء والهفوات ركب سيارة أجره
وغادر المكان قبل أن يتراجع في قراره موقفا جميع أفكاره
حتى التفكير في ذاك الوجه والجسد مجهولان الأسم والهوية
حتى الآن فهو لا يستطيع تصديق أن صاحبة ذاك الوجه
والصوت أن تكون فتاة ملاهي ليلية ومطاردة من عصابة !
وقفت به السيارة تحت المبنى الفاخر بطوابقه الخمس حيث
العنوان الذي أعطاه للسائق ونزل بعدما دفع له أجرته وأنزل
حقيبته معه وكل أمله أن يكون صاحب تلك الشقة موجودا الآن
فوحده من يستطيع أن يساعده ويجلب له ما يريد معرفته وهو
وحده من يمكنه أن يفتح له قلبه الذي أصبح لغزا بالنسبة
له نفسه !
صعد السلالم بخطوات كانت تتردد تدريجيا حتى خيل له في
لحظة أنه سيغادر لشقته السابقة التي تركها لولا أن وجد
أصبعه يضغط زر باب الشقة دون استئذان ، وما هي إلا
لحظات وانفتح الباب ووجد أمامه آخر شخص كان يتوقع
أن يجده وقت يطلبه ، كان يرتدي بنطلون قصير فقط عضلات
صدره القوية والبارزة لا يسترها شيء ينظر باستغراب أيضا
لآخر شخص أيضا كان يتوقع أن يجده أمامه الآن ، تحدث قاسم
أولا مخترقا ذاك الصمت ونظرات الاستغراب
" هل ستسمح لي بالدخول قليلا أم أنك كنت سعيدا برحيلي الأبدي "
جالت نظرات تيم الحاذقة الحادة في المكان تتأكد من خلوه
من أي شخص مريب قبل أن تقبض أصابعه الطويلة القوية
على ذراع الواقف أمامه وسحبه للداخل مغلقا باب الشقة
بيده الأخرى ليحتويهما هوائها الدافىء وقبل أن يفكر
بالتحدث سبقه الذي رمى حقيبته على الأرض قائلا ببرود
" قررت البقاء في لندن نهائيا "
نظر له الواقف أمامه باستغراب لوقت قبل أن يهمس بجدية
" هل يعلم الزعيم بهذا القرار الأخرق ؟ "
همس بضيق من بين أسنانه
" ليس أخرقا فهو قراري وحدي ، ولست أول من يتخذ قرارات
لا يسمح لأحد مناقشته فيها مهما كانت خرقاء على ما أضن "
ابتسم الواقف أمامه بسخرية من مقصده ذاك من كلماته
ثم تحرك من هناك وتمتم ببرود قاصدا إحدى الغرف
" أغلق الباب بالمفتاح إذا واتبعني "
حرك رأسه متنهدا وتبعه ودخل خلفه حيث وجده جالسا
مقابلا لشاشة حاسوبه المحمول ينظر لها بتركيز يستند
بمرفقيه على ركبتيه وسيجارة بين أصابعه يتصاعد
الدخان منها .
وقف عند الباب مكتفا يديه لصدره حين وصلته نبرة تيم
الباردة ولم يرفع نظره به
" هل ستخبرني الآن ما عاد بك هكذا فجأة أم ستنام لنتحدث
صباحا حين لن تجدني لأني مسافر لبانغار فجرا "
تمتم قاسم باستياء
" سأتحدث إن أغلقت جهازك هذا وانتبهت لي
وأطفأت أيضا هذا السم الذي يأكل صحتك يا دكتور تيم "
رفع نظره له وكان سيتحدث لولا أن تشنجت ملامحه فجأة
وضرب سريعا شاشة حاسوبه الذي كان يجزم الواقف عند
الباب أنه سيكون كسر شاشته متعمدا بحركته تلك .
لم يستطع قاسم التحرك من مكانه وهو يشعر بدوران مقبض
الباب خلفه وقد انفتح سريعا وهو يرى ملامح الجالس هناك
كيف تصلبت وسمع بوضوح شتيمته الحمقاء تلك له لأنه
لم يغلق الباب كما طلب منه ، ظن أنه ثمة مسلح سيباغتهم
الآن وآخر ما توقع هو الصوت الرقيق والأنثوي الذي خرج
من خلفه
" أوه تيموثي أتصل بك من أكثر من ساعة ولا تجيب ،
جيد أن باب المنزل كان مفتوحا ظننتك نائما "
التفت حينها قاسم للتي اجتازته دون حتى أن ترفع نظرها له
وإن من باب الفضول وليس الأدب وإن بتحية ونظر باستغراب
للجسد الطويل النحيل يعلوه ذاك الشعر الأحمر القصير كألسنة
لهب مشعة .
كانت نظراته لا تعبر سوا عن صدمته وهي تصل عند الذي
وقف على طوله وقد تعلقت بعنقه بعدما قبلت خده دون أي
خجل أو تحفظ وهمست له كلمات في أذنه بينما كان نظره هو
على عيني الواقف عند الباب تنظران له بصدمة ، رفع قاسم
يديه لا إراديا وأشار لخنصر يده اليسرى هامسا بشفتيه فقط
" أنت متزوج يا رجل ! "
ولم يكن جواب تيم سوى أن رفع له إبهامه وقد أمسك خصر
المتشبثة به مانعا إياها من الابتعاد عنه كي لا تلتفت وتراه ،
حركتان فهمهما قاسم سريعا مما جعله يغادر الغرفة والشقة
فورا قبل أن ترى تلك الفتاة وجهه فهذا ما هو موقن الآن من
أنه السبب وراء جمود ملامحه من الصدمة حين دخلت ، لكن
من تكون تلك ولما لا يريدها أن تعرفه ! بل يبدوا أنه كان
كارها لوجودها ويتهرب من اتصالاتها وزيارتها .
رمى كل تلك الأفكار من رأسه لحظة رميه لحقيبته في سيارة
الأجرة التي توقفت أمامه وركب وغادر من هناك ، ما الذي جاء
به هنا بحق الله ! لو يعلم فقط ما ينوي فعله تحديدا غير البقاء
في هذه البلاد وأفراد عائلته غادروها ؟ حتى خاله دجى سيستقر
في بلاد آخر حاليا تحسبا لأي طارئ بعد ظهور مطر شاهين ،
توقفت السيارة بعد سيرها لأكثر من عشرة دقائق لحظة رنين
هاتفه فأخرجة وما أن نظر للأسم على شاشته شتم من بين أسنانه
" تيم الأحمق ... سحقا لك من رجل "
فتح الخط مجيبا دون أن يفكر في مغادرة السيارة التي يشك
أنه سيغادرها أساسا ، وما أن وضع الهاتف على أذنه حتى
وصله ذاك الصوت الجاد الحازم
" قاسم ما أرجعك للندن ؟ "
قال دون تردد
" لن أغادر .... الآن على الأقل وقد يكون دائما "
وصله صوت مطر الغاضب وإن كان التعب واضحا في
نبرته المبحوحة
" ما هذا الجنون الذي تتفوه به ؟
ما سر اعتراضك الآن تحديدا ؟
ما حدث معك في رحلتك جعلك تتخذ هكذا قرار صبياني ؟ "
صر على أسنانه وحاول أن يتنفس بهدوء وهو يهمس مجيبا
" هل خروجي من هنا أمر مسلم به يا زعيم ؟ "
أتاه جوابه فورا وبشكل قاطع
" أجل ... وقبل أن تتسبب بمشكلة لأحدهم قبل رحيلك كما كنت
ستفعل قبل قليل مع تيم فإن رأت تلك الفتاة وجهك ما استطعت
الظهور بشخصيتك الحقيقية حتى الله وحده يعلم متى "
كان سيتحدث فقاطعه بأمر لا يقبل أي نقاش
" غادر البلاد فورا يا قاسم ، إن كنت لا تريد الرجوع للوطن
تلك مشكلتك واختر أي دولة أخرى غير إنجلترا، ولعلمك لن
تكون في أي بلاد تختارها إلا متزوجا "
تأفف بصمت ممررا أصابعه في شعره الأسود الناعم وأخرج
نفسا قويا وهو يتنهد مستسلما وقد تمتم بجمود
" سأغادر "
ودون أي كلمة أخرى قطع مطر الاتصال معه فنظر لهاتفه
ضاغطا عليه بأصابع وقبضة قوية كفيلة بتحطيمه ثم نظر
للجالس بجانبه ينظر له باستغراب وقال بضيق يدس هاتفه في
جيب سترته
" خذني لمحطة واترلو لأدرك القطار الأخير لليوم "
*
*
*
نظرت من الباب النصف مفتوح خلسة تحضن كتابها المدرسي
تنظر للتي توليها ظهرها منشغلة بترتيب ثياب غيهم بنفسها
في الخزانة وكأنه لا يوجد لديهم خادمات ! ولن تستغرب هذا
منها فهي تكن له مشاعر خاصة عنهم جميعا وحتى ابنتها
الأخيرة والصغرى التي لم تتجاوز الثالثة فكيف بعد أن أصبح
طيارا كما تريد وتتمنى حتى إن كان الثمن أن كسرت حلمه
وقراره بأن يلتحق بالجيش وحجتها التي لم تخجل أن تصرح
بها أنها لا تريد نسخة أخرى عن شقيقها الغائب ويصبح ثمة
شخص آخر في عائلتها يدفع كل شيء حتى حياته وأقرب الناس
له من أجل الوطن ونداء الواجب ، ولأنها طبعا لا تحب مهنة
بقدر الطيران كان هو فريستها وتراها اقتنعت الآن أكثر بعد
أحداث البلاد الأخيرة واحتمال انخراط رجال الجيش فيها , دفعت
الباب وتقدمت للداخل فأبان ما أن علم أنها لم تتحدث معها حتى
الآن هددها بسحب مكافأتها ولن تحلم بزيارة تلك المدينة مهما
عاشت , اقتربت منها وجلست على طرف السرير فقالت جوزاء
ومن دون أن تلتفت لها
" ما هذه الدراسة التي لا تكون إلا بالدوران في أرجاء المنزل
طوال الوقت "
عبست ملامحها الرقيقة وتمتمت
" على الدماغ أن يأخذ فترة راحة كي يستوعب المعلومات الجديدة "
التفتت برأسها ونظرت لها ثم عادت لما تفعل قائلة ببرود
" لا أراك إلا تأخذين أوقات راحة لدماغك أما الدراسة .... ؟
حمدا لله أن كان الفاشلون فيها من أبنائي أنتي وليس أخويك "
مدت شفتيها بعبوس ولا يمكنها الاعتراض فهي تعترف بذلك
بنفسها ولولا حوافز والدها الخيالية كل عام تجزم أنها ما كانت
لتجتاز ولا المرحلة الابتدائية , ابتسمت وقلبت ذاك المزاج في
لحظة وقالت تمهد للموضوع الذي تجزم أن فيه دق عنقها
" أمازلت مصرة على الذهاب وحدك لحوران ؟
ونحن نريد رؤية خالي مطر وابنته "
أغلقت الخزانة والتفتت لها قائلة
" ودراستك لمن تتركيها يا نبيهة ؟ ثم شقيقتك ستتعبني خلال
الرحلة وعليك الاعتناء بها هنا فلن أستأمن غيرك عليها وهي
لا تتوقف عن الحركة والركض "
تنهدت باستسلام ولا شيء لديها غيره طبعا فها هي والدتها
حضت برحلة لحوران فور أن نزلت دموعها الغالية كما قال
عنها والدهم وأمامهم ووافق فورا على أخذها إما اليوم أو في
الغد أما هي فتحجج مرات ومرات عدة بعمله الذي تراه تبخر
الآن , وكيف ستتوقع أنه قد يرفض وهو من يبديها حتى على
نفسه ومن لا يرفض لها شيئا منذ عرفته , بل ومن يلومه فيها
وهي كلما تقدم بها العمر ازدادت حسنا لا يعرف إلا في عائلتها
عائلة الشاهين حالك ، الجمال الذي ورثه منها بالدرجة الأولى
أبان معذب قلوب جميع الفتيات في مدرستها لأنه يقوم بإيصالها
أغلب الأحيان , قالت مبتسمة ما أن وجدت الفكرة لفتح ذاك
الموضوع معها
" ابنة خالي مطر تكبرني بعام واحد أليس كذلك ؟ "
قالت التي بدأت بجمع الثياب المتسخة
" بل بقرابة العامين "
حركت رأسها بمعنى ليس هذا موضوعنا وقالت بحماس
" تصوري أن شقيقة صديقتي في مثل سنها وستتزوج الآن "
رفعت تلك الملابس المرمية على الأرض قائلة
" وما الغريب في الأمر "
نظرت لها باستغراب لوقت ثم قالت
" هل تزوجينني في مثل سنها مثلا ؟!! ثمـ.... "
وبلعت الكلمات مع ريقها حين استوت والدتها واقفة ونظرت لها
عاقدة حاجبيها بل وكادت تقر بكل مخطط أبان لولا أسعفتها تلك
حين قالت
" هل تدرس معك ابنة أسعد صياد التي تكون شقيقة يمان
صديق أبان ؟ "
نظرت لها باستغراب وعدم استيعاب وقالت بعد تفكير لبرهة
" لا لم أسمع باسمها "
قالت جوزاء من فورها
" اسألي عنها هناك إذا فقد تكون رسبت عاما وتدرس أقل منك
أو أنها متفوقة وقفزت عاما واجتازتك كغيرها "
لوت شفتيها وقالت
" سأسأل عنها من يسكنون في بلدتهم تلك فلديا صديقة تعرف
عائلتهم جيدا "
حركت رأسها موافقة وغادرت من هناك على تنهيدة الارتياح
للجالسة على السرير وقد قفزت منه واقفة وغادرت الغرفة أيضا
تهف على وجهها بكتابها متمتمة
" ظننت أنه أجلي , الأحمق أبان كاد يورطني ....
عفت العمران لم أعد أريد زيارتها "
*
*
*
سار حتى الحاجز الخشبي المضلع والذي يكشف تلك الطبيعة
أمامه وبعض أوراق أشجار الزينة تكاد تخترق فتحاته ،
صوت حشرات الليل لم تزده إلا توترا ورائحة الحشائش المرتوية
بماء المطر لأول مرة يشعر بها خانقة تحبس أنفاسه ، يعلم أنه
كان يفترض به أن غادر بها من المنزل للمستشفى فورا وهذا
ما كان عازما عليه من وقت رآها وجسدها النحيل الشاحب
يحتضن أرضية الغرفة لكنه فكر بها هي نفسها قبل غيرها
وكما قال شقيقه رواح سابقا ستكون زيزفون المتضرر الأول من
الفضيحة ، مرر أصابعه في شعره وتنفس بقوة يستجدي هواء
نقيا يغذي رئتيه المتشنجة ، منذ جاء بها لهذا المنزل الريفي
وهي في الأعلى بعدما وضعها هناك وحقنها بالمسكن وهو هنا
في الأسفل يفكر ويدرس أبعاد أمر يعلم أنه سيجلب له المشاكل
مهما حاول سد الثغر فيه ، لكنه لن يهتم الآن سوى بسلامة النائمة
في الأعلى ، هو حل واحد أمامه الآن وإن علم بعدها أن حالتها
لا يمكن الصمت عنها فسيأخذها للمستشفى وليحدث ما سيحدث
لن يهتم فالفضيحة قادمة لا محالة وقتها لأن تلك الفتاة ستموت
وسيتعرضون للمساءلة القانونية جميعهم وقتها وليس نجيب
وحده وسيكونون يستحقون ذلك ، ضرب بقبضته على الحاجز
الخشبي عدة مرات ونظره شارد للبعيد سترته مرمية على
الأريكة خلفه وقميصه الأبيض مهمل تماما ومظهره بات آخر
ما يشغله ، اختار أن يكون منزلا بعيدا عن بريستول ولا يتبع
لأملاك عائلته كي يضمن عدم اقتراب نجيب منه وحتى وقت
عودة جده الذي لم يعد يجيب ولا على اتصالاته ويكلف
مساعدته الخاصة بذلك ، لذلك اختار هذا المنزل الذي يخص
أملاك عائلة صديقته الإنجليزية إيلينا ، أكثر شخص يمكنه
الوثوق بتكتمه عن أمر وجودها هنا لأن السبب لن يتركها
تعرفه أبدا وقد اختارها من بين جميع من يعرفهم هناك لأنه
يعلم درجة تكتم تلك الفتاة وسبق أن شهد لها مواقف كثيرة
مشابهة إن معه أو مع غيره ، نظر لساعته التي كانت تشير
للحادية عشرة وتأفف بصمت فلا يمكنه ترك الوقت يمضي
هكذا فهو ليس في صالحها ومن طلب مساعدته يبدوا أنه لن
يأتي .
تحرك من مكانه ناويا الصعود للأعلى لولا أوقفه صوت الخطوات
التي وصله صوت تكسر الأغصان تحت وطئتها بوضوح لتثبت
قوتها وثباتها ومرونة تلك الساقين التي تتحركان ولن يكون
صاحبها إلا الشخص المنتظر بالتأكيد والذي سرعان ما ظهر
عند الباب المقوس في ذاك الحاجز وارتمى ظل ذاك الجسد
الطويل على أرضيته الخشبية الملساء بسبب الأضواء القوية
خلفه بينما كان المنزل يغرق في ظلام نسبي سوى من ذاك
الباب وفتحات الحاجز الطويلة .
وقع نظره فورا على الواقف جانبا وقد قال ببعض الضيق
" تأخرت يا رجل ، لو أني ذهبت لجلبك لوصلنا منذ وقت "
تقدم للداخل متمتما ببرود
" إنك في ريف لندن الشمالي فهل تدرك المسافة
من هناك ومن بريستول ؟
ثم كان ثمة مصيبة حمقاء كان عليا التخلص منها أولا "
وجال نظره سريعا في أرجاء المنزل الريفي الأنيق الفخم
والمفتوح على تلك الطبيعة الخلابة وقال عاقدا حاجباه الأسودان
ما أن وصل نظره لعيني وقاص المحدقة به
" إن كانت امرأة فسأغادر فورا "
تأفف وقاص وقال محركا رأسه بضجر
" لا تنسى أنه سنة واحدة تفصلك على أن تكون طبيبا فهل
ستطرد النساء حينها ؟ "
قال بجمود
" أنت أيضا لم تنسى بالتأكيد أن التخصص الذي أدرسه بعيد
جدا عن النساء ، فإن كان ثمة مصيبة ورائك فلن أساعدك
في مداراتها مهما حاولت "
قال وقاص محركا يده بانفعال
" لو كنت مسؤلا عن تلك المصيبة ما طلبت من أي أحد المساعدة
فيها ولا نفسي فلا أضنك تعرفني مجرما من قبل "
وكان تعليق الواقف عند الباب أن دار بظهره فورا ليغادر لولا
أن لحق به وقاص وأمسك ذراعه وهمس ناظرا لنصف وجهه
المقابل له
" إنها ابنة عمي يا تيم وتحتاجك بالفعل "
نظر لعينيه بصمت فتابع بجدية يشد على ذراعه أكثر
" أقسم أنها ابنة عمي وأسمها زيزفون وزوجة نجيب شقيقي
" ضاقت عيناه السوداء المحدقتان به وتصلبت ملامحه نتيجة
سماعه لذاك الاسم وعادت به ذاكرته سريعا للوراء بل لأربعة
عشرة عاما مضت ويوم التقى مطر شاهين وجها لوجه أول مرة
وهو ابن الثالثة عشرة وجملته تلك التي قالها له
( تيم شاهر كنعان وزيزفون ضرار سلطان لن يحتاجا لأحد
تخلى عنهما )
دار بجسده مجددا وقد همس بجمود
" أين هي ؟ "
تحرك حينها وقاص وهو خلفه ولولا ذاك الاسم ما تبعه ولا
دخل ذاك المنزل وتحت أي سبب كان فكل ما بات يريد معرفته
حالة صاحبة ذاك الاسم التي شملها مطر شاهين ذات يوم
مساويا مأساتها بمأساته ذاك الوقت وها هي الأدلة أمامه
الآن وعليه معالجة الأمر بطريقته الخاصة ، صعد السلم
الخشبي يتبعه حتى وصلا باب غرفة فتحه ودخل وهو خلفه
وما أن تنحى جانبا حتى ظهر له الجسد القابع فوق السرير
الواسع يغطيه لحاف أبيض سميك ومفعم بالنقوش الذهبية
الأنيقة لا يظهر منه سوى وجهها الذي تغطي ضمادة طبية
مستطيلة المساحة فوق حاجبه الأيمن ، رموش بنية كثيفة
تغطي مساحة تلك الأجفان الواسعة منسدلة على وجنتان
محمرتان بشدة وشفاه جافة منفرجة قليلا تخرج منها أنفاس
متقطعة ومتتالية وكأنه لا منفذ لها للخروج سواه .
تقدم مقتربا منها وجلس على طرف السرير بجانب جسدها
ومد أصابعه لوجهها فورا وفتح بهما جفن عينها اليمنى ثم نزل
لشفتها مبعدا لها بتحريكه لذقنها ، كشف على نبض ساعدها
ونظره على ساعة معصمه ثم وقف على طوله وانحنى لحقيبته
وفتحها ثم مد يدها للحاف وسحبه عن جسدها بقوة وغضب قائلا
" أخرج من هنا يا وقاص وأغلق باب الغرفة "
عبارة جعلت الواقف خلفه يتيبس مكانه وعيناه تكاد تقفز من
مكانها فالتفت له الذي أصبح السرير وذاك الجسد بالفستان
القطني القصير خلفه وقال بأمر
" أخرج يا وقاص حتى أتم عملي "
قال ذاك من فوره
" ولما أخرج ؟ ثم من كان قبل قليل يرفض الكشف على امرأة ؟ "
حرك تيم سبابته وكأنه يطرده من منزله قائلا بحدة
" أخرج يا وقاص ولا تنسى أني طبيب كما تقول وأنها زوجة
شقيقك وليست زوجتك وأن الواقف أمامك الآن في عنقه قيد
قسم بامرأة تكون زوجة له فاخرج الآن أو خرجت أنا "
*
*
*
تقلبت تحت اللحاف منزعجة فلم تشعر بالراحة أبدا في هذا السرير
الذي قد يكون مريحا وفاخرا ذاك الوقت لكنه الآن يعد صلبا بالنسبة
لجسد اعتاد تلك الأنواع فرنسية الصنع ولولا رائحة والدتها التي لا
وجود لها سوى في مخيلتها وقد سرق معالمها الزمن كانت تجزم أنها
ستبقى جالسة ومستيقظة طوال الليل ، جلست ورمته عنها مرعية
سمعها باستغراب للأصوات في الخارج ثم رفعت هاتفها ونظرت
بدهشة للساعة فيه فلم تكن تتخيل أنها نامت كل هذا الوقت
وهي من كانت تشعر بأنها لم تنم أبدا .
مدت ذراعيها للأعلى بتكاسل متثائبة ثم غادرت السرير فبالرغم
من كل التعب والإرهاق والنوم الغير مريح على الإطلاق تشعر بدفعة
نشاط لا حدود لها فقط لأنها في بلادها وأخيرا ، غادرت السرير ووقفت مكانها وهي ترى حقائبها على الأرض ، كيف لم تشعر
بدخول من أحضرها !! حركت كتفيها بعدم اكتراث ثم توجهت
نحوها وسحبت أكبر واحدة فيهما جهة السرير وفتحتها
وأخرجت حذائها المريح الذي لم تكن تتحرك بدونه ولبسته
وغادرت الغرفة وما أن اجتازت الباب حتى كثرت الأصوات
التي كانت تسمعها بعيدة جدا واقتربت الآن فسارت لآخر
الممر تدس كفاها في كمي فستانها القطني الطويلان .
وما أن وصلت الردهة الواسعة حتى وقفت مكانها تنظر
باستغراب للنساء اللآتي يتحركن في كل أرجاء المنزل بنشاط وجد
كبيرين لتنظيف المكان والماء والصابون يغطي أغلب الأرضية التي
أصبحت فارغة تماما من الآثاث الذي كان موجودا فيها .
اقتربت احداهن منها مسرعة وكانت في منتصف العشرين تقريبا،
وقفت أمامها وقالت مبتسمة
" صباح الخير آنستي ، أعتذر إن سببنا لك الإزعاج كان علينا
أن ننجز عملنا قبل عودة السيد مطر كما أمر "
وتابعت باسترسال ودون توقف ولا لأخذ أنفاسها
" سننهي كل شيء سريعا وسيقوم عمال شركة تجديد بتغيير
المكان جذريا كما فهمت وسيقوم العمال بإصلاح مد أنابيب
المياه الساخنة والتدفئة كما .... "
" منذ متى غادر والدي ؟ "
قاطعتها بسؤالها الذي أجابت عليه تلك من فورها
" يبدوا لي منذ الفجر لأننا دخلنا هنا بعده بساعة تقريبا ولم يكن
موجودا ، هل أحضر لك طعام الفطور في الغرفة ؟ "
حركت رأسها برفض وقالت ونظرها حيث البقية وقد بدأ بعضهن
بسرقة نظرات الفضول نحوها
" عمي صقر غادر أيضا ؟ "
حركت تلك رأسها ويديها فورا وانطلق لسانها مجددا فتنهدت
بضيق ولم تعد تسمع من كلماتها المتدفقة شيئا تفكر في تركها
لوحدها بين جدران منزل آخر هي فيه وحيدة الاختلاف الوحيد
أنه أكبر حجما وأكثر وحشة .
عادت أدراجها جهة غرفتها فلا يمكنها ولا الخروج لحديقة المنزل
الواسعة بسبب العمال الذين سيكونون منتشرين فيها بالتأكيد ، أغلقت
باب الغرفة خلفها وتوجهت لحقيبتها مجددا وسحبتها هذه المرة جهة
الخزانة ستلهي نفسها بترتيب ثيابها وحاجياتها فهي تريد هذه الغرفة
وتريدها هكذا ولن توافق على تغيير ولا طلاء جدرانها
*
*
*
همس قرب أذنها
" أين والدتي ؟ "
انتفضت مفزوعة ودفعته من كتفه قائلة بضيق
" كاسر أفزعتني ، هل أخبئها في جيبي مثلا ؟ "
تنهد متمتما
" ستكون ذهبت للجمعية بالتأكيد ، طرقت باب غرفتها البارحة
كثيرا ولم تفتح لي "
بادلته الواقفة أمامه تنهدا حزينا عميقا وحركت رأسها بقلة
حيلة فكما توقعت لحظة ضعفها تلك البارحة ستغطيها بصمودها
اليوم وكأن شيء في البلاد لم يتغير لكنها غير متيقنة هذه المرة
من أن ذاك الدرع الوهمي سيصمد وأن مشاعرها اتجاه ابنتها
ستتفوق على كل شيء حتى على كرامتها وكبريائها المجروح
من ذاك الرجل .
تحركت من مكانها والكاسر خلفها حتى جلست عند هاتف
المنزل ورفعت السماعة واتصلت فورا برعد الذي أجاب بعد
وقت قائلا
" أهلا يا غسق "
قالت من فورها
" لست غسق أم لا أحد في هذا المنزل غيرها ؟
أو ليس لك عمة تسأل عنها من وقت لآخر ؟ "
ضحك قائلا
" بلى وحتى غسق لم أراها منذ آخر مرة زرت المنزل ورأيتكما .
ثم لو تشتاقين لي لأقمت معي في منزلي أنا ابن شقيقك وليس هي "
تمتمت ببرود
" أجل اقلب الطاولة على رأسي لا أحد يقدر عليكم أنتم
رجال السياسة "
وكان رده ضحكة صغيرة أعقبها صوته المبتسم
" بما تأمرني إذا شقيقة شراع صنوان "
انقلب مزاجها العكر فجأة وقالت بتوجس حزين
" هل تحدثت مع غسق اليوم أو رأيتها ؟ "
قال مباشرة
" لا ... كنت في ازميم والآن عائد من هناك ، الأوضاع
اليوم مقلوبة رأسا على عقب وعليا أن ادرك الاجتماع
الثاني لأعضاء البرلمان "
نظرت بطرف عينها للذي جلس ملاصقا لها وأذنه على سماعة
الهاتف ليسمع معها وقالت بحيرة
" ما حدث أيضا في هذه البلاد صبيحة وصول الرجل الذي تأمل
الكثيرين فيه ؟ "
" قولي ما سيحدث أكثر من هذا فيبدوا أنكم لم تطلعوا على نشرات
الأخبار وتروا حملة الاعتقالات الواسعة التي بدأت من فجر اليوم
وطالت حتى مسؤولين في قطاعات مصرفية واستثمارية ورجال
سياسة ودين .
هذا الرجل قادم وهو يعرف جيدا ما سيفعل وما كان يجري قبله "
همست بتوجس بعدما اجتازت صدمتها مما سمعت
" هل رأيته ؟ "
وصلها صوته مباشرة
" أخبرتك أني كنت في أزميم ، اجتمع صباحا بالوزراء وبعض
رجال الشرطة وهناك اجتماع آخر لرؤساء البرلمان أشك أن أدركه
كما سيجتمع ببعض رجال الجيش كما سمعت ، يبدوا أنه يجري
تعديلات جوهرية فآخر ما وصلني أنه طرد وزير الإعلام من
الاجتماع "
شهقت بقوة تتبادل والجالس بجانبها نظرات مصدومة وقالت
" وكيف يخرج هكذا من العدم فجأة ويتحكم في البلاد وكأنه الرئيس ؟
بأي سلطة وهو لا يحمل أي صفة ولا عسكرية "
قال ضاحكا
" لا يسمعك أحد مناصريه المنتشرين في كل مكان ويقطعوا عنقك ،
كيف تقولين هذا عن رجل مثله الجميع يعلم أنه وحده بعد الله من
أوصل البلاد لما هي عليه وبعده رجاله اللذين استقبلوه كرئيس
وقائد لهم كما كان ولو رأيت الإحتفالات في البلاد اليوم ما كان
هذا رأيك ، ابن شاهين مدعوم حتى من الخارج والتهنئات
برجوعه ترسل لنا منذ ساعات الصباح الأولى .
اتركينا من كل هذا الآن وأخبريني لما تسألي إن تحدثت مع غسق ؟
لقد تجنبت التحدث معها حاليا فأنتي تعلمي مدى كرهها لذكر ذاك الرجل
، هل من مكروه عمتي ؟ "
تنهدت بحزن قائلة
" قلبي يكاد ينفطر عليها يا رعد لا تنسى أن ابنتها وصلت مع ذاك
الرجل ، إنه قلب أم ذاك الذي تحمله بين أضلعها فأخبر ذاك الرجل
أن لا يمسك ابنتها عنها ويقتلها فوق قتلاته السابقة لها "
سمعت بوضوح صوت تنهده قبل أن يقول بهدوء
" أعدك أن أتحدث معه في ذلك على هامش الاجتماع ولن نستبق
الأمور فقد يكون لا يفكر في ذلك مطلقا "
وتابع من قبل أن تعلق
" أكاد أصل حوران الآن وداعا عمتي سأزوركم في أسرع وقت ،
سلمي لي على الكاسر "
أبعدت سماعة الهاتف عن أذنها ونظرت لها قبل أن تغلقها بهدوء
على صوت الكاسر المستغرب
" قال سيأتي أم سيذهب لرؤيته ؟ "
وقفت وقالت مغادرة
" قال سيتحدث معه وكم أخشى أن يكبر رأسه العنيد بسبب ذلك "
*
*
*
لم يستطع مفارقة ذاك الممر ولا الجدار المحاذي لباب تلك الغرفة
يستند عليه بظهره تارة وبكف يده تارة أخرى ونظره لا يفارق
الأرضية الخشبية تحته ، فبقدر ما هو مقتنع من أن ما فعله سابقا
ويفعله الآن صحيح بقدر ما يخشى أن تموت النائمة على السرير في
الداخل جثة هامدة ويلوم نفسه حتى يموت .
يعرف جيدا نظرة تيم تلك قبل أن يطلب منه الخروج وبعدما أجرى
فحصه المبدئي لها فحالتها تبدوا لا تطمئن أبدا ولولا ثقته في قدرات
الموجود في الداخل وهو من تفوق في تخصصه الذي اختاره
( طب جراحة قلب الأطفال وحديثي الولادة ) لما تركها دقيقة بين
يديه ولغادر بها للمستشفى حالا ، انفتح باب الغرفة أخيرا ورفع
نظره بالذي خرج منها يحمل حقيبته وفي يده الأخرى ورقة
مدها له فورا قائلا
" هذه الأدوية تطلبها من الصيدلية المدون اسمها وصاحبها فيها
رغم بعد المسافة فغيره لن يعطيك إياها بدون وصفة طبيب كما تعلم "
لم يستطع قراءة شيء في ملامحه التي لم تكن تحمل إلا البرود
القاسي وشيء ما يشبه الغضب المدفون وهذا ما يتوقعه منه .
أخذها منه وقال ونظره على عينيه
" ما حالتها وهل يلزمها نقل للمستشفى ؟ "
حدث ما لم يكن يتوقعه منه أبدا وهو من يعرف ببروده الدائم
وتجنبه لكثرة الحديث والإسهاب في أي موضوع لا يخصه
مهما كانت أهميته حين فاجأه بملامحه المشدودة وهو يهمس
من بين أسنانه
" أقسم أنه أنذل رجل عرفته في حياتي وإن لم يكن لك
موقف فستكون أنذل منه يا وقاص "
تنفس بقوة مبعدا نظره عنه وكما توقع علم دون أن يخبره .
نظر له مجددا وقال
" نال مني ما يستحق وأنا في صفها للنهاية ومهما كلف الأمر
وتفاهمي سيكون مع جدي حين يرجع من رحلته فأخبرني الآن
عن حالتها هي
" قال مباشرة وبجموده ذاته "
فقر دم حاد وسوء تغذية ، المرهم يستخدم لقدمها ورسغها
ولا تحركهما إلا للضرورة وليهتم أحدهم بطعامها جيدا .
ثمة مرهم أيضا للرضوض والكدمات يستخدم يوميا وحقن
وكبسولات كتبتها أيضا تأخذها بانتظام فحالتها لا يمكن وصفها
بالجيدة أبدا فهذا كله ليس الأسوأ "
نظر له باستغراب وترقب وقد تابع والحدة تتسلل لملامحه
" حين تتعافى يجب أن يتم عرضها على طبيبة نسائية فانتفاخ
الجزء الأيمن من رحمها قد يكون سببه أنه تحرك من مكانه
وهذا سيضرها مستقبلا إن لم يعالج في وقته ، قسما لو كان
شقيقك شقيقي أنا أو ابني لقطعت له تلك القدم القذرة "
وتابع مغادرا من أمامه
" لذلك لن أسكت له عنها أبدا والقادمة ستكون مني "
راقبه حتى اختفى نازلا السلالم ثم رفع رأسه للأعلى ممررا أصابعه
في شعره متأففا بصمت ، لم يتوقع ولا أن يعلق على الأمر فإذا به
يضع لنفسه موقفا فيه أيضا ويعلم جيدا معنى ما قال وسيفعله
بعض رفاقه من عناصر تلك المنظمة بطلب منه وهو تلقين شقيقه
ذاك درسا سيصعب عليه نسيانه مهما عاش وهو سيكون المتهم
الوحيد به طبعا ، أخرج هاتفه وأرسل رسالة لتيم فورا كتب فيها
( سأتصرف في الأمر بمعرفتي يا تيم فأبعد أصدقائك أولئك عن الأمر
لأن جسد نجيب لن يستحملكم وسأكون الملام حينها وهو الضحية )
وصله الرد وأسرع مما يتوقع وذاك طبيعي حين يكون صاحب
الرد تيم وكلماته القليلة المختصرة ( من أجلك فقط ) دس هاتفه
في جيب بنطلونه الخلفي ونظر للورقة في يده وللعنوان المدون
عليها مع أسماء الأدوية ، سيحتاج لأكثر من ساعتين ليصل هناك
ثم طريق العودة سيأخذ ذات الوقت منه أي لن يصل إلا وقت الفجر .
قبض على الورقة وتحرك من هناك لكن وجهته لم تكن السلم المؤدي
للطابق السفلي بل باب الغرفة الذي لا يزال نصف مفتوح ، دفعه
براحة يده ببطء ودخل فوقع نظره فورا على النائمة على السرير
مكانها جسدها مغطى باللحاف بأكمله سوى ذراعها الخارجة منه
ممدودة بجانب جسدها وقد حقن فيها مغذي قام بتعليقه في العلاقة
الخشبية الخاصة بالغرفة وبقايا حقنتين مرميتان على طاولة السرير .
نقل نظره من هناك لوجهها الذي يبدوا أن شحوبه قد تناقص عن
السابق كثيرا وتنفسها أصبح أكثر يسرا وانتظاما وإن لم يرجع
لطبيعته فهو أفضل مما كان بكثير .
أبعد نظره عن تفحص وجهها الجميل المتعب وسحب الباب خلفه
بهدوء مغادرا ، لا يريد تركها وحيدة هنا لكن لا حل أمامه فحتى رواح
لا يمكنه الاستعانة به ولا يريد أن يعلم أي شخص من عائلته بمكانها ولا حتي هو
*
*
*
وصل قاعة الإجتماعات الرئيسية على الوقت تماما كما يلاحظ من
حركة الحراسة المشددة المدعومة حتى برجال الجيش والشرطة ،
صافح الذي مر بجواره ووقف له بعدما وصل خلفه مباشرة وهو
العضو عن رابطة الشباب الثقافية وكان من الهازان ، قال مبتسما له
" من كان يتوقع صباحا كهذا يا رجل !
أي مطر جنوني نزل على سماء بلادنا اليوم ؟
لم أنم البارحة أراجع مع نفسي ملفي المشؤوم إن كان به
جرائم سأحاسب عليها صباحا ولم أصدق أنني حتى الآن لست
ضمن المعتقلين ! "
خرجت ضحكة رعد رغما عنه لروح ذاك الرجل المرحة وقال
" وأنا لم أنم البارحة لكن ليس خوفا من اعتقالي مثلك بل من
أن لا أجد صباحا أحد غيري هنا وجميعكم في السجن "
بادله الضحك وسارا معا قائلا
" جاء في وقته يا رجل ، يكفي أن كل تلك السواتر الترابية
وبوابات التفتيش الغير قانونية المنتشرة في أغلب الجنوب اختفت
بأمر واحد منه ، البلاد تحتاجه بالفعل وقسما أن كل هازاني كان
قلقا على مصيره وترى الأمل اليوم يشع من وجوه الجميع "
همس وهما يقتربا من الباب المحاط بحراسة مشددة
" لا خوف على البلاد أبدا بعدما عاد هذا الرجل "
واجتاز الباب عند عبارته تلك تاركا خلفه الذي أوقفه أحد
الخارجين وقت دخولهما وتقدم وحده للداخل حيث البهو
الواسع بأرضيته وأعمدته الرخاميه وصور جدرانه الضخمة
التي تزيد المكان هيبة لما تحمله من معالم بلادهم الشهيرة
يترأسها تلك الصورة التي وضعت فيه من وقت تأسيسه
منذ عشرة أعوام ولم يحركها أحد من مكانها تضم شخصان
كل واحد منهما يولي الآخر ظهره ويأخذ نصف تلك الصورة
وهما ( شراع صنوان و مطر شاهين ) صورة تظهرهما كوجهين
لعملة واحدة وهما كذلك بالفعل فأحدهما قاد البلاد لوحدتها الأكيدة
وسلمها للآخر ليبنيها حجرا حجرا من الصفر ، وما أن اختفى نصف
تلك العملة انقلبت على وجهها الآخر مجددا ليظهر النصف الثاني الآن
وينقذ ما بنوه معا ، أبعد نظره عن تلك الصورة ممنيا نفسه بأن قاتل
والده لن ينجوا من قبضة نصف الصورة الآخر ذاك وتحرك للداخل
وهو يرى حركة الوافدين جهة باب غرفة الإجتماعات وبعضهم ضباط
وعقداء في الجيش ببذلهم العسكرية وأغلبهم كانوا رجال مطر شاهين
سابقا فيبدوا أن هذا اليوم كما قال ذاك الرجل سيكتب أيضا في التاريخ
وهم يرون كل رجال الدولة أولئك يحاسبون ممن لم يرحم فيهم أحدا ولا
من كانوا يعرفون برجاله والأقربين له ، تحرك نحو تلك الجهة يرد
تحية بعض من رفع يده محييا ويصافح أيدي من يقفون لتحيته دون أن
يتبادل أي منهم أطراف الحديث مع أحد وكأنهم يتوجهون لغرف
امتحانات ابتساماتهم فقط ما تدل على اطمئنان البعض لما يجري ،
يبدوا أن الاجتماع السابق هنا لم يكن بالمستوى الجيد لأغلبهم وهذا
ما يراه في بعض الخطوط المتجهمة في ملامحهم ويبدوا أن البعض
الآخر يتوقع الأسوأ ، ولن يستغرب كل هذا بعد قدوم ذاك الرجل أو
لنقل ظهوره من العدم مجددا ودون سابق إنذار هكذا فجأة ليشكل
شبحا مرعبا لكل من ظن أنه لن يخرج مجددا أو متيقن من موته ،
وقف ما أن كان عند الباب الخشبي الضخم المرتفع والمفتوح ونظر
للواقفين جانبا وكانوا ثلاثة رجال يولونه ظهورهم إثنين منهم بلباس
عسكري ويقف مقابلا لهم السبب الأول في كل هذا التحرك المفاجئ
بلباس رسمي هذه المرة ينظر للذي يحدثه وهو أحد الواقفين أمامهم ،
ملامحه القاسية تدل على ضيق صاحبها وحاجباه الطويلان معقودان
وكل تركيزه مع ما يقول ذاك الواقف أمامه ولا يشاركه إلا بكلمات
قليلة على ما يبدوا ، لازال كما عرفه ورغم مرور كل تلك السنوات
ما يزال الرجل القائد القوي حتى وقفته تتفجر قوة وثقة في النفس
كجواد بري أصيل هدوئه وجس حذر وجموحه قاس يفتك بكل ما حوله
، يقود ولا يقاد أبدا والأحمق فقط من يفكر في ترويضه ، لم تزد
السنين ملامحه وحركاته سوى خبرة وقوة وقيادة يراها الأعمى
والبصير وكأنه مطر شاهين الأمس يقف أمامه الآن ، يرغمك على
الاعتراف بإعجابك به أحبت نفسك ذلك أم كرهته ، التقت نظراتهما
ما أن حول مطر نظره عن الواقفين أمامه فكانت نظرة طويلة عميقة
وصامتة انتهت بتحرك رعد ناحيتهم في قرار مفاجئ منه ودون أي
تخطيط مسبق وهو من كان قد قرر أن يحادثه بعد اجتماعهم لكن
المصادفات لعبت دورا رائعا كما يرى ، ويبدوا أنه نسي أن هذا الرجل
لم يتصرف يوما إلا كواحد منهم وليس ممن لا تراه إلا وهو يدخل باب
القاعة ثم يخرج منه ، ما أن وصل عندهم حتى تحرك من كانوا حوله
مبتعدين ويبدوا بأمر منه لم يتعدى الكلمتين أو الثلاث كما لاحظ ، وقف
أمامه مباشرة ودون شعور منه ابتسم ابتسامة لم تعبر إلا عن سعادته
وافتخاره برجل مثله ابن لهذه البلاد بعيدا عن النقطة الشخصية
الوحيدة وهي ( غسق ) ابتسامة بادله الواقف أمامه مثيلة لها حملت
شكرا عميقا لأمور قدمها للوطن مطر وحده من يعلم بها وهو من كان
على اتصال به مؤخر وإن لم يكن ذاك الاتصال مباشرا ، مد رعد يده
أولا وتصافحا بقبضتي يدين قويتين عبرتا عن احترام متبادل لم تغيره
السنين
" مرحبا بعودتك لبلادك يا ابن شاهين "
عبارة كسرت ذاك الصمت الذي لم يكن يغلف أحدا غيرهما في ذاك
المكان الواسع الذي تداخلت فيه النبرات الرجولية ببعض الأحاديث
العابرة ، عبارة ترحيب قابلها الواقف أمامه بأن ربت بيده الأخرى على
ذراعه دون أن يعلق فتابع رعد
" أعتذر بشأن الإجتماع فلم أستطع الوصول إلا الآن "
سحب مطر يده قائلا بهدوء
" لا بأس في ذلك يا ابن شراع فالأمر حدث فجأة ثم أنا أعلم
جيدا أين كنت وما تفعل في تلك المنطقة ، لو كنت ستقطع رحلتك
من أجلي ما وافقتك فما تفعله يخدم البلاد في المقام الأول "
قال من فوره وبجدية
" لا تأخذك بي رحمة لأني ابن شراع يا مطر ولا رأي صنوان إن كنت
قصرت في شيء فاقتص للشعب مني وخذ بحقهم "
ابتسامة اعجاب تلك التي ارتسمت على شفتي الواقف أمامه وربت على ذراعه مجددا قائلا
" لن يقول جملتك هذه من يعرف أنه فعل شيئا ،
رحم الله من رباك يا رعد "
قال حين لاحظ بأنه ينوي إنهاء الحديث بينهما
" عندي إذا دين في عنقك يا ابن شاهين "
نظر له مستغربا فتابع رعد من قبل أن يسأل
" أعلم أنه ليس وقته وأنه من المبكر الحديث في ذلك لكني أقسمت
لنفسي سابقا أن أتحدث معك فيه ما أن أراك "
أومأ مطر برأسه هامسا بجدية
" قل يا رعد ، ما هذا الدين الذي في عنقي لك كل
هذه الأعوام ؟ "
سحب نفسا عميقا وقال
" بلى منذ أعوام بل منذ تركت قرى الثنانيين وعدت لصنوان "
عقد حاجباه الرقيقان الأسودان ينظر له باستغراب بل ليس
كذلك إنه يعلم تلك النظرة جيدا وسبق أن رآها في عيني هذا الشخص
تحديدا والمنفرد بها ، نظرة الذكاء الذي يصيب عين الشيء مهما خفي
عنه ، نظرة من يمزق الأسطر ليكشف ما خلفها ، وكان توقعه في
محله حيث ارتفعت زاوية فمه مبتسما بسخرية حين قال
" لا تقل أنها تلك الطفلة ابنة زعيمهم السابق ؟ "
أومأ برأسه موافقا وهمس مبتسما
" طفلة في ذاك الوقت وكبرت الآن معلقة بوعد تقاسمناه كلينا وقيدت
أنت ذاك الوعد بسلاسل من فولاذ وقت رحيلك وآن الأوان لتكسرها
وتحررها هي على الأقل لأني ظلمتها بذلك دون قصد مني "
حرك مطر رأسه برفض عاقد حاجباه والضيق ارتسم
على قسمات وجهه وقد قال
" ألا تعلم قوانين الثنانيين يا رعد ؟
لابد أنك تجهلها لما كنت أوقعتها في حماقة كتلك وهي
ابنة زعيمهم ! إن افتضح أمركما لن يرحمها أحد منهم ولا عائلتها "
شعر بأنه داس على قلبه بحذائه وسحقة به دون رحمة
فهمس وبالكاد يجد الحروف من هول ما علم منه
" هل تضن أنهم قتلوها منذ زمن "
تنفس بقوة متمتما
"لنأمل الأيسر من ذلك وسأرى ما يمكن فعله فوفدهم سيصل
قريبا وسأرى ما يمكن فعله لضمهم للبلاد مجددا لكن تغيير
قوانينهم هذا ما لا أعدك بشيء محدد حياله "
شد رعد قبضته يعتصرها بقوة فلم يكن يتخيل أن الأمور يمكن
أن تكون هكذا وأن تلك الحبيبة قد تكون ماتت من أعوام بل قتلت
بدم بارد وبسببه هو ، لم يستطع ولا استجدائه في شيء حيال
الأمر وبنفسه قال أن قوانينهم لا أحد يمكنه التحكم فيها ولا هو
على ما يبدوا ، نظر له وكان سيتحدث فوقفت الحروف على رأس
لسانه وهو يرى جمود ملامح الواقف أمامه وتلك النظرة النارية
من حدقتيه الفاحمتان وقد جمدتا على شيء ما خلفه فهم فورا أنه
سيكون شخصا لا يمسكه عن قتله إلا أن يكون عنقه بين أصابعه ،
التفت برأسه فقط ووقع نظره على من توقع فورا أن تلك النظرات
كانت تقصده بالتأكيد ، صاحب الجسد الطويل القوي الذي زاده لباسه
العسكري هيبة وقوة وشعره الأسود الناعم الكث يتحرك مع حركته
رغم أن طوله لم يتجاوز أذنيه ، عاد بنظره للواقف أمامه ونظراته
لازالت ستلتهم ذاك الرجل ونظرات رعد المصدومة لا تفارق تلك
العينين التي تتقد نارا ولا يفهم سببها ولا يتخيل أن يكون ما تحدثت
عنه غسق فمن أين سيعلم !
هل سيكون ذاك الرجل أحد من تدور حولهم الشبهات حول ما يحدث
في البلاد الآن ؟
لكن مستحيل !
تحرك مطر مجتازا له فدار بجسده مع حركته قائلا
" وأمر آخر .... "
التفت له من كان قد أصبح خلفه مباشرة فنظر لعينيه بشيء من
التوجس الحذر بل والتردد الذي لم يفت الواقف أمامه قطعا وقد قال
" ألا يحتمل التأجيل يا رعد ؟ "
حرك رأسه برفض قاطع لا يقبل أي جدل فهو يعلم أن فرصة أخرى
ليكونا معا ووحدهما وباختياره لن تتكرر مجددا لوقت سيكون بعيدا
بالتأكيد أمام كل ما ينتظر هذا الرجل من تراكمات أشهر عصفت بالبلاد
والأمر لن يحتمل أن يؤجله ولا للغد ، ثم نظرته لذاك الرجل تؤكد أنه قد
لا يسمع منه مجددا ، قال مركزا نظره على حدقتيه السوداء
" هو رجاء أكثر من كونه طلب يا ابن شاهين "
دار حينها مطر ناحيته بكامل جسده وظهر توجس ما في نظرته
أقسم الواقف أمامه أن يكون سببه إدراكه لمن سيتحدث عنها تحديدا
فاستجمع كل طاقته لمواجهته بأمر شخصي كهذا وقال بثبات وإن كان
مزيفا وبدون مقدمات
" ... غسق "
ولم تخنه التوقعات حين لمح ذاك البريق الخطير الخاطف في عينيه
وتحدث مطر هذه المرة هامسا
" ما بها ؟ "
فجاراه في الهمس بسبب تحديق الواقف هناك بهما بعدما وقع نطره
عليهما ، نظرات ملئها فضول فيبدوا أن شقيقته تلك ستتسبب بحرب
وشيكة بين هذا الرجل وأغلب رجال الدولة لذلك عليه قول ما يريد
قوله ، قال برجاء لم يستطع إخفاء انكساره وكأنه يقتلع أشواكا
غرزت في لحمه
" أرجعها لنا غسق التي نعرفها قبل أن تصبح لديك ، هذا رجائي
الوحيد منك يا ابن شاهين"
عقد الواقف أمامه حاجبيه المستقيمان واقترب منه خطوة أخرى
حتى صارا وجها لوجه ، وإن لم يكن يتوهم حينها فقد شعر بأن ذاك
الرجل ذا الإرادة الصلبة والقوية رآه وللمرة الأولى والأندر متباعدا
عن نفسه عيناه مشوشتان وأفكاره بعيدة كل البعد عن مكانهما وكأنه
في خصام مع العالم بأسره ، لم يستطع قراءة السبب وراء كل ذلك هل
هو أمر مدفون خلف تلك السنين أم أنه ثمة جديد يجهله ؟
خرجت الكلمات من شفتي الواقف أمامه واثقة جادة ميزتها نبرته
المبحوحة ذاتها التي لم تغيرها السنين
" سأرجعها لك كما تريد يا رعد لكن اتركني أولا أعيدها غسق
التي عرفتها أنا "
ودون أن يضيف شيئا غادر من أمامه ليتبعه جميع من انتشروا
في ذاك المكان متوجهين حيث الباب الذي دخله كأسد قوي مسيطر
تنقاد خلفه حتى أقوى وأعتى الوحوش ، تنفس ملأ رئتيه هواء شعر
به ولأول مرة منذ أعوام طويلة نقيا باردا منعشا حد الشفاء من ألالم
وتراكمات كل تلك الأعوام فلم تخنه ثقته في ذاك الفهد الصياد المحارب
وبأنه لن يترك أنثاه الفريدة من نوعها لأحد غيره ويثق فعلا في
قدرته على ذلك رغم عناد تلك الجامحة ، سار حيث توجه الجميع
متمتما بابتسامة
" ليرحم الله إذا ذاك المدعو يعقوب منه "
*
*
*
كل ذاك الألم الذي كانت تشعر به شعرت لحظتها أنه انتقل لجفنيها
الثقيلان وهي تفتحهما بصعوبة ممررة أصابعها فوقهما وكأنها تختبر
بصرها رغم النور القوي في المكان .
شدت يدها الأخرى فشعرت بوخزة مؤلمة امتدت على طول ذراعها
فنظرت لها فورا فإذا بحقنة مغذي مثبثة فيها ، رفعت نظرها للأعلى
وهي تنظر للقارورة التي كانت تكاد تنتهي وانتبهت حينها للمكان
الجديد تماما عنها ! لا تعرف هذا المكان وليس جناحها ولا غرفتها في
ذاك المنزل ولا لأي من المنازل التي عاشت فيها سابقا ولم ترى من
قبل هذه الثريا المعلقة في السقف ولا هذه الجدران المغطاة بورق
الحائط ! هي ليست في مستشفى ولا في منزل تلك العائلة
فأين تكون !؟
آخر ما تذكره خروج مربيتها فجأة ثم سمعت صوتا رجوليا يحدثها
تعرف نبرته تلك جيدا لمن تكون ، كانت ترفض دخوله لا تريد رؤيته
ولا أن يراها لا هو ولا غيره منهم لذلك قررت التحامل على ألمها
والوقوف لتدخل حمام الغرفة حتى يغادر لكن الأمر كان أصعب مما
تخيلت ورغم صمودها وعنادها فقدت السيطرة على ذاك الجسد المنهك
ما أن بلغت منتصف الطريق كما فقدت صلتها بكل شيء حولها ولم تعد
تعي شيئا حتى هذه اللحظة .
كان شعور الألم قد زال بشكل كبير أكثر حتى من تلك الحقن التي كانت
تحقنها بها مربيتها كما أن شعورها بالدوار حتى وهي نائمة بدى لها
أنه أخف بكثير من السابق ، نظرت لقارورة المغذي مجددا وعلمت
أنها السبب وأن ثمة سائل ما حقن فيها بواسطة الحقنة المرمية على
الطاولة جعلها هكذا ، رفعت يدها أمام وجهها مجددا ونظرت للرباط
الخاص بالفك والشعر وكانت تشعر بواحدة أخرى مثلها عند كاحلها
فعلمت فورا أنه ثمة طبيب زارها هنا وفعل كل هذا ، لكن ما سر نقلها
لأجل كل هذا !
أنزلت ساقيها أسفل السرير وتساندت على مرفقها حتى جلست ثم
سحبت حقنة المغذي ووقفت ببطء وتحركت من هناك جهة باب الحمام
المشترك مع الغرفة تعرج بسبب ألم كاحلها الذي كان يمزقه كلما
داست على قدمها تحاول بيدها أن تستند بكل ما تمر به في طريقها
والأخرى تبعد بها شعرها الطويل عن وجهها قدر استطاعتها بسبب
الإلتواء فيها أيضا ، لا يمكنها مغادرة هذا المكان ولا حتى استكشاف
مكان وجودها وليس أمامها سوا الانتظار لترجع لذاك المنزل مجددا ،
وقفت مكانها منتصف الطريق حين رأت السترة السوداء المرمية
بإهمال على الطاولة وغيرت اتجاه خطواتها المتعثرة جهتها
*
*
*
نظرت من بعيد لهاتفها الذي صدح رنينه في أرجاء الغرفة للمرة فوق
العاشرة وأمسكت يديها عن رفعه والإجابة عليه .
لن تضعف وتستسلم ولن تجيب أو تتحدث إلا مع المدعو تيم كنعان
كما طلبت ، هذه فرصتها لإخراج ذاك التنين من جحره وإن أحرقها
هي لا يهم فلن تسكت أكثر عن حال صديقتها وهي أكثر من يرى
معاناتها وعاشتها معها منذ صغرها ، كانت ترفض سابقا وجود هذا
الرجل في حياة صديقتها تلك ولا تريد لسبب الداء أن يكون هو الدواء
ولا أن يكون حل مشاكلها عن طريق مسببها لكنها اقتنعت الآن أنه لا
حل غيره وعلى هذا الحل أن يكون سريعا ومستعجلا ، وما يؤكد لها
أنها تفعل الصواب عدم توقف هاتفها عن الرنين تقريبا منذ أن اتصلت
بذاك المحامي أي أنهم يهتمون لأمرها بتوصية مشددة ولا يستطيعون
معرفة ما يجري معها في داخل ذاك المنزل كما فهمت من موقفهم الآن
ولابد لديهم علم بما حدث وسبب سجن ماريه فهم على دراية بكل ما
يحدث معها خارج منزلها بينما تجهله هي ، سمعت صوت رسالة
وصلت هاتفها فقفزت ناحيته وفتحتها فورا وكما تتوقع هي من ذاك
المحامي وكان فيها
( أجيبي يا زهور فما تفعلينه ليس في صالحك ولا
صالح صديقتك ولا حتى زوجها )
أخرجت لسانها عند كلمة زوجها وكانت سترمي الهاتف حيث كان
لكنها غيرت رأيها وأرسلت له ردا على رسالته
( أقسم أنكم شركاء في الإجرام الذي يطبق حيالها الآن
وأولهم المدعو زوجها )
أرسلتها دون تردد فستفعل أي شيء ليكون لذاك الشاب موقفا واضحا
حيالها فقد اقتنعت الآن أنه مخرجها الوحيد من كل ما هي فيه ،
صرخت دون شعور منها وكاد الهاتف أن يقع من يديها بسبب قفزتها
في مكانها حين علا صوت رنينه وظهر على شاشته رقم دولي ، من
مفاجأتها وحماسها لم تستطع ضغط زر الإجابة فقلبها كان يصخب
بجنون وكأنها المعنية بتلك المكالمة بل وكأنه زوجها هي والذي لم
تراه منذ كان صغيرا ، لا تصدق أنه فعلها واتصل بها !
وهذا إن لم تكن خدعة منهما ؟ ما أن عاد الهاتف للرنين حتى فتحت
الخط ووضعته على أذنها فورا
" ما بها ماريه ؟ "
شعرت بالدم جف في عروقها وكأن جسدها تحول لتمثال حجري ثقيل
ما أن سمعت تلك النبرة القوية والصوت الخشن الحازم وشعرت
وكأنها مذنب يقف في قاعة محكمة ، قالت بهمس
" أنت تيم كنعان ؟ "
" تحدثي ما بها ؟ "
تحول كل ذاك الخوف والرهبة من تلك النبرة والصوت لضيق وغضب
من تغطرسه الواضح جدا ، وماذا كانت ستتوقع من شخص أعطاها
جميع الأسباب لتكرهه سابقا وعلى مر أعوام ، قالت بضيق
" يعنيك حقا أمرها وتسأل !
عمها يسجنها وأخذ هاتفها ومنعها عن جامعتها "
وصاحت بعنف متابعة
" ويضربها يا زوجها يا ابن عائلة كنعان الشرفاء من ماتوا من أجل
أن لا يخونوا وطنهم ويؤذوا شعبه "
أبعدت الهاتف فور إنهائها لجملتها تلك ونظرت له بصدمة هامسة
" أغلق الخط في وجهي !!! "
رمت الهاتف بعيدا عنها ووقفت متمتمة ببرود وهي
تتوجه لنافذة غرفتها
" المهم وصله ما كان عليه أن يعلمه ، أعانك الله يا ماريه على
هكذا زوج ، هذا لوح وليس رجلا !! "
أبعدت الستائر ووقفت تراقب كعادتها منذ أمس فهي لا تتوقف عن رصد
كل ما يجري في ذاك المنزل لعلها تفهم شيئا مما يحدث هناك خاصة أن
ذاك الرجل المدعوا قيس لم يغادر المنزل اليوم كما لاحظت وهذه ليست
عادته ! ألصقت وجهها في الزجاج البارد بسبب لفح الهواء له في
الخارج وهمست بأسى
" أخرجك الله من هذا الجحيم المسمى منزل يا صديقتي "
*
*
*
وضعت ساق على الأخرى متكئة على السرير ورفعت هاتفها حتى
ظهرت في شاشته الواسعة عالية الدقة صورة الموجودة عند جدار
الغرفة بملابس رياضية زرقاء غامقة مكونة من قميص ضيق بدون
أكمام وبنطلون قصير تربط شعرها ذيل حصان وتمسك غرتها
المقصوصة بحزام رياضي تلفه حول رأسها ، وصلها صوتها الساخر
قائلة
" أخبريني يا ابنة الهازان الغبية التي لا تعرف ما تقرر كأسلافها ما
الذي جعلك تقررين ترك عمل المضيفات فجأة بعد كل ما عانيته لتكوني
هناك ؟ "
عضت كنانة شفتها بغيظ من تعليقها ذاك وهي من لم تتوقف عن
إهانتها وتوبيخها منذ أخبرتها بقرارها ترك عملها كمضيفة وكأنه
ينقصها توبيخ من والدتها الغاضبة منها حتى الآن ، قالت وهي تنظر
لصورة ساندرين في هاتفها
" هيا سأبدأ بحساب الوقت "
قفزت تلك من فورها بحماس وانقلبت رأسا على عقب يديها على
الأرض وساقيها معلقتان في الهواء للأعلى مقابلة للجالسة على
السرير ، شعرها الطويل نزل على الأرض تحتها تبتسم بحيوية وهي
تبعد إحدى يديها عن الأرض وترفعها جانبا ليرتكز جسدها على يد
واحدة فقط وهدفها كان تحطيم الرقم الذي سجلته كنانة آخر مرة فهذه
كانت لعبتهما التنافسية منذ الصغر ، قالت ساندرين بصعوبة بسبب
انسحاب أغلب الدم والطاقة لأعلى جسدها المقلوب
" أنتي هل تحسبي الوقت أم ما الذي تفعلينه ؟ "
ابتسمت كنانة قائلة
" أمامك أربعون ثانية لتجتازي الرقم "
وابتسمت بمكر وهي تعدل من وضع هاتفها ، سأريك ما تفعل ابنة
الهازان الغبية يا ساندرين يا ابنة الحالك فعقابك عند أبن الهازان
تحديدا ، ضحكت دون شعور منها فنزلت ساندرين جالسة على الأرض
تتلقف أنفاسها القوية تخرجها من فمها وقالت
" ما الذي يضحكك دون سبب يا غبية ؟ "
دست تلك هاتفها قائلة
" صديقي بالتراسل وضع تعليقا على صورة تدفعي نصف
عمرك كي لا تقرئيه "
حركت رأسها بعدم فهم قائلة
" أي صديق هذا فلم تخبريني عنه ؟! "
خرجت ضحكتها وهي تقول مغادرة السرير
" هازاني غبي ما تفعلين أنتي به ؟ "
*
*
*
لوح بقبضته القوية بغضب في وجهه وكأنه يبعد حتى الهواء
من طريق كلماته الغاضبة وهو يصرخ مجددا
" هراء .... هل ستقنعني يا قائد قوات الجيش ويا من تتحرك جميع
فصائله حسب أوامرك أن شرذمة من الأوغاد ستعجز أمامها ؟
وحتى متى ؟ إلا أن يجد الشعب نفسه تحت رحمتهم وأنت تتحجج
بحجج سخيفة حتى الأطفال لا يتفوهون بها "
كتمها الواقف أمامه أيضا كباقي الإهانات السابقة بل كباقي السيل من
الشتائم الذي تلقاه منه ما أن غادر جميع من حضروا ذاك الاجتماع
ومن اختار لهم هو حظوره طبعا لأن ثمة أعضاء في البرلمان ورجال
من قيادات الجيش رفض أن يدخلوه وأصدر قرارا بمنعهم من السفر
خارج البلاد حتى يتم محاكمتهم وعسكريا أيضا ، أي أن العقوبات
على من تثبت عليه التهم لن تكون يسيرة أبدا واختارها لأنه يعلم أن
المحكمة العسكرية لا ترحم أحدا ، وكانت تلك أول إشارة ليفهموا
جميعهم بل والشعب بأكمله أن الحكم سيكون من اليوم والساعة
عسكريا وسينسف الحكم المدني والأحزاب والبرلمانات حتى متى
عقل الرجل الواقف أمامه فقط من يعلم إن كان سيستمر حتى يتم
ضبط الفوضى في البلاد أم سيكون للأبد ، غادر المجتمعون القاعة بعد
جلسة لم يروها إلا سحبا لأجسادهم على الحديد الملتهب وهم
يحاسبون حسابا دقيقا على كل ما حدث منذ أشهر أو منذ يوم وفاة
شراع صنوان بل وبعضهم تعرض للمساءلة عن أمور دفنها التاريخ
من أكثر من عشر سنين ، قضايا وملفات جعلت أعين البعض تخرج من
مكانها من الصدمة المكتومة داخلهم ليؤكد لهم بذلك أنه كان مطلعا
على كل كبيرة وصغيرة تحدث خلفه بل وخلف كل جدار من جدران
مؤسسات الدولة ولازال هناك ما لوح به في آخر اجتماعهم وهي
( الوطنية للنفط والعالمية للأستثمار ) أي أنه سيخرج بكل درهم نهب
من البلاد من تحت جلود آخذيه ، كانت جلسة علق بعض من خرج
منها فور خروجهم قائلا
( سحقا لهذا ... كيف سيكون يوم القيامة ؟ )
وكيف لا يكون ذاك تعليقهم وهم وقفوا في مواجهة من لم تزده السنين
إلا تحكما وقيادة وثقة في قرارته ورجاله يجلسون على جانبيه كنسور
جارحة تعلق على كتفي القائد العظيم ، من بنى كل ما هم فيه الآن بكل
قطرة دم سفكت من رجاله، بجهده وعنائه لسنوات وكل تلك التضحيات
التي قدمها ليصل للعبث الذي يراه أمامه اليوم ، لم يرحم فيهم أحدا
رغم أنهم لم يكونوا ضمن معتقلي فجر هذا اليوم والذين سحبوا من
منازلهم كالأغنام ولا ضمن من طردوا من اجتماعاتهم وسيقدمون
للمحاكم قبل أن يقرر مصيرهم ، ناقشهم وحاورهم وحاسبهم قبل أن
يتلقى كل واحد فيهم أوامره ويغادر عدا عمه الذي لم يفارقه اليوم
ولم يطلب منه هو الخروج احتراما له بما أنه لم يفعلها من تلقاء
نفسه وبقي الشخص الوحيد الذي طلب عدم خروجه ومن وضع لومه
الأعظم على عاتقه وعامله كما عرف هو نفسه مطر شاهين من قبل
أربعة عشرة عاما خلت حازم في الحق وطوفان غاضب في وجه
الأخطاء والهفوات مهما كانت صغيرة ، رمى إصبعه جانبا وصرخ
بعنف
" انظر إلى أين أوصلوا البلاد من تسميهم بالسذج الذين لعب الغير
بأدمغتهم ، حتى متى كنت ستقف تتفرج ورجال الجيش في صنوان
ينقادون خلفهم واحدا تلو الآخر ؟ إن كانت البرلمانات والأحزاب
مجرد كذبة من الغرب على المسلمين ولا طائل أو رجاء فيهم وبما
أن الشرطة جهاز أمني فقط أين أنتم يا رجال الوطن ؟
أنتم من كان عليكم احتواء كل تلك الفوضى التي تفاقمت أمام
أعينكم حتى كانت ستبتلع البلاد بأكملها ، ماذا فعلتم سوى أنكم
أغلقتم منافذ الحالك ونشرتم البوابات الأمنية الحمقاء وأرسلتم
بذلك رسالة لأبناء البلاد بأن الحالك ستحاربهم وبأنها تحمي
نفسها فقط والباقي لا علاقة لها به ، كيف لرجل جيش أن يفكر
بهذا المنطق الهزلي الساذج
" شد الواقف أمامه قبضتيه بجانبه بقوة ولن يستطيع سوا الصمت
أو موافقته فيما يقول فإن أخبره عن أسباب ما فعله بعض رجاله
للضغط عليه ليرجع لا يستبعد أن يطرده ليس من هنا فقط بل ومن
منصبه وأن يقدمه للمحاكمة العسكرية أيضا ومن سيخلصه حينها
من براثن أولئك القضاة العسكريين ، أشار له مطر بسبابته بين
عينيه تحديدا وقال بحدة
" إن تضرر أحد بسبب تلك الشرذمة التي سمحت لها بالفرار
والاندساس الآن في أماكن مجهولة قسما يا يعقوب يا ابن العقاد
أن تقدم للمحاكمة أيضا وأن تسحب رتبك من قبلها ، وعليك يقع
عاتق مطاردة أولئك العسكريين وإحضارهم "
تنفس الواقف أمامه ملأ رئتيه ونطق في أول خروج له من صمته
"الوضع كان حساسا جدا يا زعيم ، لا تنسى أن ابن شراع ضمنهم
وما سيعني القبض عليه بالنسبة لصنوان خاصة أنه كان قد اتخذه
والده كآمر عسكري للمنطقة الغربية "
صرخ فيه بحدة
" حجة أوهن من أن تفكر في قولها ، ماذا كنت ستقدم للبلاد حال
تركهم يحشودون أكبر عدد ممكن حولهم ويشعلون فتيل الحرب التي
كادوا ينجحون في فعلها ؟ ماذا كنت تنتظر ؟ أن تتحول لثلاث أجزاء
كالسابق ؟ "
زم شفتيه المحفوفة بشارب خفيف قبل أن يحررهما قائلا
" علاقتي بشراع صنوان وأبنائه كانت أكبر من أي تهور مشابه
فكيف أجازيه بقتل ابنه أو سجنه دون أن أحاول التفاهم معه أولا ،
وكنت قد خضت شوطا في ذلك وأبلغني بثقته بي لأن والده كان كذلك
وقد وثق بي حد أن استأمنني على سر ابنة عمك لأجل حمايتها "
نظر له مطر بصدمة سرعان ما تحولت لغضب أسود شاركه فيها
عمه الذي همس بغير تصديق
" أخبرك شراع !! "
نظر له وقال
" أجل وهي تعلم أيضا "
رماهما بقذيفته الأخرى دون اكتراث بل ولم يكفيه كل ذلك فقد عاد
بنظره جهة صقر مجددا وقال
" وكنت قد تقدمت لخطبتها وبما أنك هنا وعمها فأنا
أعود وأطلبها منك "
لم يستطع صقر إخفاء صدمته ولا انفراج شفتيه العاجزة عن الحديث
ولا التصديق ، سبق وأن سمع عن هذا الرجل لكنه لم يتخيل يوما أنه
كما قيل عنه شجاع حد التهور دون تردد فبأي عقل يفاتحه في
موضوع كهذا في وقت يتلقى فيه تعنيفا قويا عن أمور كان سيكون
ثمنها بلاد بأكملها ! وكأنه يرى نفسه على صواب ولا يكترث بكل ما
قيل وسمع ، نظر صقر فورا وبتوجس حذر لابن شقيقه الذي تحرك من
مكانه جهة الواقف أمامه لا تفصله عنه إلا خطوات معدودة حتى كانت
ياقة تلك البذلة العسكرية بين قبضتيه وانقض عليه كنمر مفترس
فركض جهتهما فورا وحاول فك يديه عن ياقة الذي لم يحرك ساكنا
ينظر فقط لعينيه وقد همس مطر من بين أسنانه يشده ناحيته أكثر
" كررها مجددا يا ابن العقاد لأدفنك هنا"
حاول صقر سحب يده قائلا بضيق
" توقف يا مطر ولا تنسى مكانته ومكانتك ، الأمور لا يكون
التحدث فيها هكذا "
فك مطر ياقة الواقف أمه بقوة فنطق ذاك وهو يعيد ترتيبها
" لم أعلم عنك سابقا ولم أسمع سوا برجاحة عقلك وتحكمك في
انفعالاتك ، وظننت أنها أصبحت حرة منذ أربعة عشرة عاما وما فعلته
من حقي "
وغادر من هناك ما أن أنهى جملته تلك ووجهته الباب المغلق تاركا
خلفه نارا أضرمها كالسعير تأكل أحشاء من وصفه بالحليم ذو العقل
الراجح ولا يعلم أن ما يمسكه عنه وقتها قبضة عمه القوية على
رسغه مانعا إياه من اللحاق به وتحطيم أنفه المغرور بقبضته فهو لم
يحذر غضب الحليم إذا اتقد وكأنه ينتقم منه على سيل التوبيخ الذي
تلقاه منه رغم أنه لا يتوقع ذلك من رجل قائد جيش رجل حرب مثله
وهو من يفهم رجال الحروب جيدا وفيما وكيف يفكرون ، وها هو
تأكد أن غرضه من التقرب منها ليس سياسيا أبدا ، استل رسغه
بعنف من قبضة عمه الذي قال بضيق
" تعقل يا مطر فلست أعرفك سابقا هكذا تأخذ حقك بيديك رغم أنه لا
يمكن تسميه الأمر بأنه حق لك "
نظر له بعدائية واضحة وكأنه يحارب كل شيء حوله وكان سيتحدث
لكنه تراجع في آخر لحظة وغادر من هناك بخطوات واسعة غاضبة
فحرك صقر رأسه بيأس هامسا
" هذا وهي لم تعد زوجته وتركها من نفسه !! "
*
*
*
غرست أصابعها في غرتها التي انزلق عنها الحجاب الأسود الذي
يماثلها نعومة وحريرية ولم يكن يمسكه ويثبته إلا المشابك المحكمة
عليه ، كان اليوم مرهقا ليس جسديا فقط بل ونفسيا ووضع قناع البرود
واللامبالاة لم يتعبها كما اليوم وهي تحاول التمسك به بينما هو يأبى إلا
أن يسقط وينكسر ، رغم الحركة المستمرة في مكتبها ونشاطهم
المتزايد اليوم والاجتماعات الدورية لأعضاء مجلس إدارة الجمعية إلا
أن تلك الهمسات والتمتمات وتناقل الأخبار وتبادل الهواتف المحمولة لم
يفتها أبدا وكل واحدة من الحاضرات كانت تتابع عن كثب أخبار البلاد
وأحداث اليوم الذي تفجرت بها جميع مواقع التواصل ومحطات الأخبار
، وحدها فقط من باتت لا تعلم عنها رغم أن تلك الهمسات والهمهمات
جعلتها في قلب الحدث أحبت ذلك أو كرهته ، وكان عليها طبعا أن لا
تفقد سيطرتها على أعصابها التالفة تلك أمام الأعين المحدقة بها بترقب
وفضول ، لكن ذلك فوق طاقتها وتحملها فهي في النهاية بشر فكيف
ستتحكم في ذاك القلب الذي تشعر به يرتجف كنافذة منزل قديم تصفقها
الريح ، كيف ينسى ذاك القلب أو يتناسى أن القطعة من كبدها تلك هنا
وعلى بعد أميال منها وتسمع الحديث عنها بينهن وإن لم تفهمه جيدا ،
شعرت بيد على كتفها مما جعلها ترفع رأسها محررة خصلات غرتها
من بين أصابعها وبدأت بترتيبها على صوت جليلة الهادئ بنبرته
الحزينة
" غسق تبدين لي متعبة اليوم والعمل هنا لن يتوقف أبدا ، لما لا
تغادري للمنزل ؟ سنقوم نحن بكل ما يجب "
حركت رأسها برفض دون أن ترفعه لها فسحبت تلك الكرسي وجلست
عليه مقابلة لها ونظرها على ملامحها الجميلة ونظرتها التي تغلب عليا
الإحباط الذي لم تعد تقوى على إخفائه ، وسرعان ما امتلأت مقلتاها
السوداء الواسعة بالدموع فور أن وقع نظرها على عيني صديقة
طفولتها المقربة ومن تعرفها أكثر من غيرها وتقرأ وتفهم حتى صمتها
كجسدين بروح واحدة فإن أخفت ما في داخلها عن الجميع تعلم أنها لن
تستطيع أن تخفيه عنها .
أمسكت جليلة بيديها وهمست ببحة عجزت أن تخفيها
" هل رأيته البارحة ؟ "
إيمائتها النافية كانت خفيفة بالكاد تحرك معها رأسها فشدت تلك
على يديها أكثر وعجز لسانها عن قول أي شيء ، ولا تراها إلا جيدا
فعلت فهي التي لا يعنيها أمره تقريبا ما أن رأته يخرج من تلك الطائرة
وينزل سلالمها بذاك اللباس والشخصية القيادية المسيطرة تتفجر ثقة
وإستقلالية كاد يغمى عليها فكيف بمن عاشت معه كزوج وعرفته
لأشهر أقرب له من أي امرأة على وجه الأرض ومن تركها خلفه
وهاجر دون حتى أن يقدم أسبابه ، دون أن يعتذر أو حتى أن يعدها
برجوعه ويطالبها بانتظاره ، همست مجددا
" جيدا فعلت يا غسق "
تدحرجت الدمعة التي لم تعد تقوى على إمساكها أكثر حين خرجت حروفها المخنوقة بعبرتها
" ابنتي هل كانت معه ؟ "
ابتسمت جليلة من وسط حزنها والدمعة التي ترقرقت في عينيها وهي تجيبها هامسة مع حركة رأسها إيجابا
" أجل "
وكما توقعت بل تمنت أن تكون ردة فعلها تلك من أجل ابنتها وليس
من أجل ذاك الرجل تحديدا ، مسحت على ذراع اليد التي كانت تمسح
دمعتها بظهر كفها قائلة بابتسامة حزينة
" لم تكن صورتها واضحة لأنها بعيدة لكنها كانت المرأة الوحيدة
التي نزلت من طائرتهم تلك وكان واضحا أنها صغيرة في السن ،
ومن حسنها الذي برز من بعيد واضحا فلن تكون إلا ابنتكما "
أنهت جملتها مبتسمة بحنان وهي تراقب التي وقفت وبدأت
بترتيب حجابها وكما عرفتها لأعوام لحظة الضعف تلك ستنبذها
سريعا كما ظهرت وتستغرب حتى كيف نزلت منها تلك الدمعة الوحيدة ،
وقفت أيضا وقالت بتوجس من فتحها للموضوع الذي كلفت وحدها
به من الجميع
" ثمة اجتماع بعد يومين لبعض الحقوقيين ورؤساء مؤسسات مدنية
تابعة للدولة والجمعية من ضمنهم "
لم تستطع قول أكثر من ذلك وهي تراقب التي رفعت حقيبتها وقالت
ببرود وهي تضعه على كتفها
" أرسلوا إذا من ينوب عن الجمعية فذاك الرجل يبدوا أنه سيسعى
لزجنا ضمن ناهبي مال الشعب "
فغرت جليلة فاها مصدومة قبل أن تقول
" جمعية الغسق لم تعرف إلا بنزاهتها ولم نمول يوما أي مشاريع غير
قانونية والأموال التي نجمعها جميعها من متبرعين ومن المؤسسات
التي تحركها وجميعها بشكل قانوني وموثق فلا خوف من تلك
النقطة أبدا "
التفتت لها بعدما حملت أوراقها تحضنهم لصدرها قائلة بلا اهتمام
" وإن يكن دعوه يتأكد بأن غسق شراع صنوان أنزه من أن تحاسب
على أموال تصرفها على الناس "
تنهدت الواقفة أمامها بصبر متمتمة
" إذا لعلمك يا ابنة دجى الحالك وترفضينه بأنك أنتي عينا مطلوبة
للإجتماع وليس أحدا ينوب عنك "
لوحت بقبضتها قائلة بضيق
" لست أنا من رفضه بل هم من لم يريدونه لي ولم يريدوني
ويعاملونني إلا ببنة شراع ، وأنا لن أحظر ذاك الإجتماع فليفعل
ذاك الرجل ما يحلوا له "
حركت رأسها بيأس قائلة
" غسق نحن لسنا وحدنا من تم استدعاؤنا حتى الجيش والشرطى بل
وأعضاء البرلمان الحاكم قدموا تقاريرهم ونوقشوا فيها ، لا تدعي
لأمور شخصية بينكما أن تظهرك بمظهر غير لائق بك كسيدة مجتمع
عرفها الجميع من أرقى وأفضل سيداته "
صاحت في وجهها فورا
" ابنتي ليست أمرا شخصيا وسآخذها منه وإن بالقانون "
نظرت لها جليلة بصدمة وأمسكت ذراعيها بقوة وقالت بجدية
" غسق لا تفتحي على نفسك بابا لن يأتيك إلا بالمشاكل ولا تجعلي
منه عدوا لك ، ليس لرجل بكل ذاك العدل أن يحرم أما أبنتها ... "
قاطعتها مبعدة يديها عنها بعنف
" لم يكن معي عادلا يوما ، أنصف الجميع حتى من لم يروه يوما
وأنا لا ، كان عادلا مع الجميع وأنا ظلمني أشد ظلم "
وتابعت بكره ودمعة الأسى تملأ محاجرها مجددا
" أكرهه فهو من جعلني أكره الحياة ، خانني خدعني أخذ ابنتي مني
وتركني وفوق كل هذا كان يخفي عني حقيقة نسبي ومن أكون وتركني
أعيش غريبة مضطهدة وأنا في وسط أهلي وعائلتي قبل قبيلتي ، ذاك
الرجل لا يعرف معنى العدل أبدا وابنتي من حقي أنكر ذلك أم اعترف به
والقانون الفاصل بيننا هذه المرة فلم تعد غسق تلك الفتاة الساذجة التي
تعيش لتلبي رغباته فقط ويقودها حيث وكيف يشاء "
أنهت كلماتها تلك وغادرت من عندها فتنهدت من تركتها خلفها متمتمة
" أعانكما الله على بعضكما "
*
*
*
يتبـــــــــــــــــــــــــع
لامارا, sese69, الغزال الشارد and 74 others like this.
رد مع اقتباس
#1397
قديم 09-08-17, 09:28 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
تابـــــــــــــــــــع
*
*
*
ركن سيارته ونزل منها مسرعا وبالكاد استطاع جمع جميع المشتريات
التي جلبها وسار جهة الجزء المفتوح من المطبخ المطل على شجيرات
الحديقة المتشابكة لا تفصله عنها سوى ما يشبه الشرفة الخشبية العالية
والتي تكون من ضمن أرضيته ، صعد عتباته الخشبية القليلة مسرعا
ووضع الأكياس فوق الطاولة وتوجه من فوره لبهو المنزل ثم السلالم
فصعودا للطابق الأعلى ونظره على ساعته ، اجتاز الوقت الذي حدده له تيم
لانتهاء قارورة المغذي بأكثر من ساعتين فلم يتوقع أن يصادف ذاك الحادث
المروري والذي أخره لكل هذا الوقت حتى أنه اختار طريقا آخر ولم يستطع
إلا الوصول متأخرا ، الأمر الوحيد الذي كان يفكر فيه أن يكون حالفه الحظ
وحالفها هي قبله وتكون أفاقت قبل وقت ونزعت حقنة المغذي بنفسها أو لن
يدركها حية أبدا وسيكون سببا في هلاكها بدلا من مساعدتها ، فتح باب الغرفة
على اتساعه ما أن وصل له وتنفس الصعداء ما أن وقع نظره على الجالسة
على السرير يغطي شعرها البني الطويل ملامحها وأغلب جسدها عنه لأنها
كانت تجمعه جانبا بينما هي منشغلة برباط قدمها تحاول لفه من جديد ولم
تشعر لا بوجوده ولا دخوله كما يتوقع ممن في مثل حالتها وقد أشغلها ما هي
فيه لكانت قفزت مذعورة فور دخوله وذاك ما حدث فعلا ما أن أمسكت أصابعه
بالشاش الطبي الطويل الذي رفعته لتنهي لفه من جديد ، تنحت زاحفة لطرف
السرير ساحبة الشاش منه معها ترمقه بنظرة عداء واضحة سرعان ما
تحولت لتوجس لم يفهم تغيره أكثر من تعسر فهمه لمسبباته ! لا يعلم هذه
الفتاة تكرههم خصيصا أم أنها تكره جميع الرجال وثمة ما يرعبها منهم ؟
إن كان الأمر كذلك فسيكون العداء هو الشعور الطبيعي ناحيته لكن إن كان
كرها موجها لعائلة ضرار سلطان تحديدا فإنه موقن من أنه لم ولن يجد مكانا
للتفهم في قلبها الحاقد ولن تستطيع رؤيته إلا ابن سلطان ضرار مهما فعل
لأجلها ، يحار كيف لهذه العينين النجلاء بحدقتيها الزرقاء الغامقة والملامح
الجميلة الرقيقة أن تكره بهذا الشكل وصاحبتها لا تسمع ولا تتحدث !
من علمها إذا أن تكرههم دون استثناء فلن يعرف أخرس أبكم العداء اتجاه
شخص لم يراه ويعرفه يوما ، فمن وكيف حدثوها عنهم !
وإن لم يكن كذلك فلما تكرههم جميعهم بهذا الشكل والقدر ؟ جلس على طرف
السرير ساقه مثنية تحته ومد يده لقدمها وأمسكها ساحبا إياها منها رغم
اعتراضها الصامت هامسا من بين أسنانه
" رغما عنك سأعيدها لفها بالطريقة الصحيحة "
ورغم محاولاتها لدفعه عنها بقدمها السليمة إلا أنه أحكم قبضته عليها
وثبتها تحت ساقه مانعا إياها من الحركة ووضع المرهم الذي وصفه
لها تيم وبدأ بلف الشاش بإحكام كما أخبره ، شد طرفه بقوة وثبت قدمها
بيده ما أن حاولت سحبها منه مجددا ونظر لعينيها قائلا بقسوة
" علينا إعادته مثلما كان ومداواته يا زيزفون فالطبيب طلب ذلك ...
هل تفهمي هذا الآن ؟ "
نظرت له بجمود لم يفته أنها تحاول إخفاء كل ذاك الحقد والكره خلفه
لكنه يعلم جيدا أنها تفهم سبب تعامله معها بقسوة وإن لم تسمع كلماته
فعليه أن يشد الرباط بعد مداواة كاحلها كما أوصاه .
أبعد نظره عنها لهاتفه الذي خرج صوته من جيب بنطلونه فربط الشاش
سريعا وبإحكام ثم حرر قدميها من قبضته وأخرجه لحظة ما ضمت هي
ساقيها لجسدها تنظر له بصمت وهدوء تام وكأنها ليست الشرسة التي
كانت سترميه خارج السرير منذ قليل ، كانت تراقب ملامحه الأرستقراطية المشدودة وهو يخرج الهاتف ويجيب عليه فورا
" أجل يا رواح "
وقف بعدها وتحرك جهة النافذة التي سحب عنها الستار السميك بيد
واحدة ونظراتها تتبعه وقد قال وهو يفتحها
" أجل إنها معي "
غمر ضوء الفجر القوي أرجاء الغرفة سريعا ودخلت تلك النسائم
الريفية المنعشة رغم برودتها تطفي لمساتها السحرية على كل تلك
الفخامة الخانقة بسبب هجران المكان لوقت طويل ، سند يده على
الجدار بجانب تلك النافذة الواسعة موليا ظهره للجالسة هناك لازالت
تحضن ساقيها تنظر له بصمت ، لذاك الجسد الرجولي الطويل
والأكتاف العريضة يبرزها القميص الأبيض الناصع وخصلات ذاك
الشعر الأسود المقصوص تحف ياقته وقد خرج صوته هذه المرة مشدودا
وقد شد قبضته على الجدار المستند بها عليه
" لن أرجعها للمنزل حتى عودة جدي وهذا قرار لن أتراجع فيه تحت
أي ظرف كان "
غضنت جبينها عاقدة حاجبيها الرقيقان وأول ما شعرت به هو ذاك الكره
الدفين يتدفق في عروقها لذكر ذاك الرجل الذي لم يكن فقط السبب خلف دمار
عائلتها بل ودمارها من بعدهم ، عاش هو وعائلته مرفهين آمنين وتركهم
هم لويلات الحروب والفقر والخوف يقتلون أمام عينيها وبالتتابع على أيدي
المجهولين .
تحول نظرها ليده التي رفعها عن الجدار وقد تخللت أصابعها شعره
الأسود الناعم ووقع نظرها على خاتم الزواج الفضي في إصبعه وهو
يقول بضيق
" زوجتي فعلت ما فعلت من رأسها ولا أحد له علاقة فيما بيننا أما
زيزفون فابنة عمي قبل أن تكون زوجته ولن أرجعها إلى هناك
هي كلمة وقلتها يا رواح "
أبعدت نظرها عنه سريعا مشيحة بوجهها جانبا حين التفت جهتها بجسده
كاملا فجأة وغرست أظافرها في كفها تشتم نفسها على غبائها بينما اتكأ
هو بظهره على الجدار خلفه ورفع قدمه عليه ويده الأخرى في جيبه
وقال ونظره على جانب وجهها
" لتكن تصرفات صبيانية فليست بأسوأ من أفعال شقيقك ذاك "
وتابع مغيرا مجرى الحديث
" تولى أنت أمر الحملة الدعائلة وأرمون سيساعدك فقد تحدثت
معه وأنا سأتابع أعمالي من هنا .... وداعا "
ثم أنهى المكالمة وتحرك من مكانه فورا ووجهته باب الغرفة المفتوح
خرج منه مغلقا إياه خلفه بهدوء ونزل حيث المطبخ الواسع المضاء
طبيعيا تسمع فيه أصوات الطيور وحفيف أوراق الأشجار التي تداعبها
الريح ، توجه فورا لأكياس الطعام وفتحها يفتش محتوياتها ويخرج
كل تلك الخصروات والفواكه واللحم والأطعمة المعلبة ، رفع كمي قميصه
جيدا ولا حل أمامه سوى أن يعد الطعام بنفسه طوال فترة مكوثهما
هنا فحسب توصيات تيم سيكون عليه العناية بطعامها جيدا ولا يعتقد
أن الأمر سيكون سهلا مع عنيدة مثلها
*
*
*
طرقت باب الغرفة طرقتين خفيفتين قبل أن تفتحه وتدخل ووقع نظرها
فورا على الجالس يحتسي كوب قهوته الصباحية تجلس بجواره والدتها
والتي ابتسمت لها فور أن التقت نظراتهما وقالت
" تعالي يا جمانة ، جيد أنك قررت ترك غرفتك أخيرا "
دخلت مغلقة الباب خلفها بهدوء وتوجهت نحوهما قبلت رأس والدها
وخد والدتها وجلست بجانب الذي أمسك يدها بين يديه وقال مبتسما
وناظرا لعينيها
" أراك أفضل حالا يا جمانة ؟ "
أومأت برأسها إيجابا ونظرت للأرض وقد همست
" أخبرتني جيهان أنك قد توافق على أن أجري العملية "
اختفت ابتسامته سريعا وكان سيتحدث فرفعت نظرها له وقالت قبل
أن يعلق على الأمر تشد على يديه وبرجاء
" لا تقل أنك ترفض ذلك أبي أرجوك فرفضك سيكون معناه قتلك لي بالبطيء "
قست ملامحه وقال بجدية
" هل تدركي ما ستكون نتيجة إجرائك لتلك الجراحة يا جمانة ؟
خسارتك لزوج لن تعطيك الفرص مثله مجددا ، ولا أنا أريد خسارته
كنسيب لي "
ملئت الدموع مقلتيها السوداء وهمست برجاء أشد
" أعدك أن يتغير كل شيء وأولهم أنا وحياتي معه ومع الجميع
وسترى ابنتك التي لا تعرفها من قبل وكل شيء في حياتي سيتغير وأولها
علاقتي بوقاص ، فقط وافق أبي أرجوك فهذا الأمر لا يخصه والجراحة ستجرى
لي أنا وليس له ولا يحق لأحد من تلك العائلة أن يقرر ذلك عني "
تنهد بصمت ولم يعلق فشع الأمل في ملامحها الحزينة ونظرت فورا
لوالدتها التي أومأت لها برأسها مشجعة وعلى ثغرها ابتسامة واسعة
وعادت بنظرها له حين قال
" تعرفين جيدا عناد زوجك يا جمانة وأنه لن يوافق "
خبى حماسها المشتعل وقالت
" لكن جده يمكنه الضغط عليه أو إقناعه وهو صديقك
ولن يرفض لك شيئا "
" وإن كان الثمن طلاقك منه يا جمانة ؟ "
نظرت لوالدتها فورا والتي كانت صاحبة ذاك السؤال الذي نزل
على ابنتها كصاعقة البرق وقد ارتجف صوتها وهي تجيب متمتمة بخفوت
" لا .... يجب أن لا يكون ذلك "
حركت والدتها رأسها متنهدة بيأس بينما قال زوجها
" سأتحدث مع السيد ضرار مجددا وأقنعه أيضا بتلك الجراحة
وبأهمية نتائجها ليقنع حفيده بدوره "
شدت أناملها الممتلئة على يديه بقوة وابتسمت بفرح ودموعها
تملأ عينيها مجددا وخرجت الحروف من شفتيها مختنقة بعبرتها تنظر
لعينيه ونظرتهما الرقيقة
" شكرا أبي لا تعلم ما يكون هذا الأمر بالنسبة لي ، أنت حقا تقدم
لي معروفا عظيما "
سحب يده ومسح بأصابعها الدمعة التي تسللت من رموشها
وقال مبتسما بحب
" سأفعل ما في وسعي من أجلك فقط يا جمانة رغم أني أيضا
لست مقتنعا بذلك ، وعليك أنتي أيضا أن تساعدي في هذا "
اختفت ابتسامتها وقالت بتوجس
" أساعد في ماذا ؟ "
وقف ونظرها يتبعه للأعلى وقد قال ناظرا لها
" وقاص يضع اللوم عليك لأنك غادرت المنزل دون علمه وبقرار
فردي منك ويصر أيضا على أن لا يرجعك هو لذلك سيكون على
عاتقك أن تغيري من أفكاره تلك قبل أن أشرع في أي نقاش مع جده "
قالت ونظرها لازال معلقا به فوقها
" لن يقتنع مني أنا أعرفه جيدا وناقشته في الأمر مرارا ولم أنجح
فلن يتغير رأيه الآن بالتأكيد "
حمل حقيبته وسترته وقال
" لم أتحدث عن إقناعه بالجراحة بل بأن توضحي موقفك وبأنك
لا تقصدين من خروجك معاندته وحاولي تلطيف الأجواء بينكما
وإن قليلا واتركي الباقي لي فتحدثي معه وإن بالهاتف ولا تهتمي
لردة فعله وكلامه فقط نريدها حجة عليه وبأنك لست كما يقول
ويصر بأنك تتحدينه "
نظرت ليديها في حجرها وهمست بتنهيدة
" سأحاول التحدث إليه "
قال مغادرا
" بل تحدثي معه وليس تحاولي "
وخرج من الباب مغلقا له خلفه ونظراتها تتبعه قبل أن تنظر للتي
قالت مبتسمة
" هيا ماذا تنتظري إصعدي لغرفتك وتحدثي معه "
وقفت وقالت مغادرة
" سيكون مشغولا بأعماله نهارا سأترك ذلك حتى المساء "
*
*
*
فتحت باب الغرفة ببطء حتى ظهر لها أغلبها فبدأت نظراتها
بالتجول في أرجائها ولاحظت فورا أن عمليات التنظيف المكثف
التي جعلت كل شيء لامعا في الأسفل لم تمر بهذا المكان ورغم
ذلك لاحظت فورا فخامة أثاث تلك الغرفة فوق جمال مقتنيات
باقي المنزل ابتداء بالسرير الواسع المصنوع من خشب الزان
الثقيل ووصولا للخزانة الضخمة التي تغطي جدارا بأكمله
ولا يمكن وصفها سوى بالتحفة الفنية فكل هذا الجمال والجودة
في الصنع لم يعد موجودا وقد أخذت اللألات مكان الأيدي البشرية
المبدعة وأصبح كل ما يشبه هذا الإبداع مجرد خشب هش ضعيف
تغطيه طبقة من الورق أو قشور زائفة لا يبهرك سوى لمعانها
الإصطناعي ، نظرت للسرير باستغراب وهي تدفع الباب أكثر وتدخل
مغلقة له خلفها واقتربت منه ببطء ونظرها على الفستان الأبيض
الطويل والمرمي فوقه بالعرض ، اقتربت أكثر حتى وصلت عنده
ورفعته عاليا تمسكه من حمالتيه تتفحصه نظراتها باستغراب ،
فستان من الشيفون الثقيل طويل ومخصر ومخاط يدويا وبعناية
تزين ياقته المربعة الشكل والواسعة أزهار بيضاء جميلة قد امتدت
حتى حمالاته العريضة وصولا للخلف حيث تابعت نزولها مع ذاك
الذيل الطويل من الشيفون الخفيف والذي زينت به أكتافه أيضا ،
لم تحتج للكثير من الوقت لتعلم أصل ذاك الفستان ( العروس الثنانية )
كم قرأت عن تلك القبائل التي تنتشر عند الحدود الجنوبية الشرقية
لبلادها وبعض الدول المجاورة والمشتركة معها في الحدود ، بل
ورأت هذا الفستان في برامج كثيرة تحدثت عنهم وعن بعض عاداتهم
وتقاليدهم وهذا الفستان جزء منها ولا تلبسه امرأة ليست منهم
أو ليست عروسا حتى إن كانت ثنانية ولا تفهم ما جلبه هنا وما سر
وجوده فوق سرير يفترض بأن والدها من نام عليه ليلة البارحة ؟
لكن الفستان لم يكن مجعدا بل مفرودا وبعرض السرير !
هل معنى هذا أنه لم ينم أبدا ؟
هل يخص والدتها المرأة الوحيدة التي عاشت معه هنا في هذه الغرفة ؟
لكن كيف وهو يخص نساء تلك القبائل الغير عربية تحديدا !!
أسئلة لم تجد لها أجوبة ولا تفسير ونظراتها تتنقل في تفاصيله الرائعة ،
وقع الفستان من بين يديها حين دارت بشهقة للخلف حيث الباب
الذي فتح فجأة ووضعت يدها على صدرها متنهدة براحة ما أن تأكد
من هوية الذي فتحه وقد دخل قائلا بابتسامة
" ما بك وكأنك الموت دخلتك ؟ "
سحبت الهواء لصدرها وحررته في زفرة واحدة متمتمة
" عمي صقر !! ضننتك شخص آخر "
اقترب منها قائلا بضحكة
" من مثلا هذا الشخص ؟ والدك ليقبض عليك متلبسة "
شعرت بخديها يشتعلان خجلا من فعلتها وقالت ونظرها للأرض
" شعرت بالملل والوحدة هنا فقررت أن أتعرف على المنزل أكثر "
شعرت بكفه على كتفها ووصلها صوته مبتسما
" كان عليك أن تتوقعي هذا فوالدك تعلمي بنفسك ما ينتظره هنا
وأنا عليا أن أكون معه حاليا ولا أحد غيرنا بقي في هذه العائلة
فحتى عمتك جوزاء لن تأتي قبل الغد "
نظرت له وقالت
" ستأتي عمتي غدا ؟ "
تاهت عيناه في نظرتها الوجسة التي صعب عليه تفسيرها حتى
تابعت بحروف تخنقها عبرتها المكتومة
" ألن أرى والدتي ؟ "
انحبست أنفاسه ولم يعرف بما يجيب العينين الدامعة والمعلق نظرها
به برجاء طفولي يحمل كل معنى للبراءة والرقة ، نظرة كم ذكرته
بنظرة والدتها التي حفرت في ذاكرته وعذبته لأعوام منذ تلك الليلة
وذاك الوقت حين كانت تسأله قلقة عن الذي وعدها بالمجيء ليلتها
ولم تراه حتى الآن ، وكأنه يرى غسق تلك أمامه الآن مع اختلاف
لون حدقتيها المشابهة للون السماء الصافية ، بماذا سيجيبها
وكيف سيشرح لها عن الحديث الذي دار بينه وبين والدها اليوم
والذي بسببه كادا يتشاجران أو بالأحرى هو من كاد يشتعل غضبا
أمام برود ذاك الرجل ، سيخبرها بالأيسر أولا رغم أن كل فاجعة
منهما لا يتوقع أبدا أن تكون يسيرة على قلب هذه الفتاة ، تنفس
بعمق وقال دون مقدمات
" والدك المصون طلب أن لا نشرح لوالدتك شيئا عن أسباب
هجرانه للبلاد وحيدا وأخذك معه "
فغرت فاها بصدمة تحدق في عينيه بغير تصديق ولا استيعاب وتابع
هو ملوحا بيده بضيق
" تصوري يا تيما أنه يرفض أن تعلم بأنه ترك البلاد لأن بقائه فيها كان
سيجعله أمام خيار واحد فقط "
يتابع بذات ضيقه
" إما أن يحارب صنوان ويقتل أهلها ويكون الثمن أن تكرهه
لباقي عمرها أو أن يترك كل شيء لشراع صنوان وينفي نفسه يدافع
عن بلاده من الخارج ، إما أن يأخذك معه أو يعرضكما للخطر معا ،
وإما أن يتركها هنا أو أن يخسرها للأبد "
رفع يديه فاردا ذراعيه جانبا وتابع بقهر ينظر لتلك الدموع التي
تساقطت من عينيها تباعا
" لا يريد أن تعلم بأسبابه وأن يتركها على اعتقادها بأنه تركها
دون أن يكترث لها وهذه الأسباب وحدها ما قد يغير نظرتها
للأمر جذريا ، تصوري فقط !! "
حركت رأسها بعدم استيعاب وأبى لسانها أن ينطق بأي حرف ولا
شيء سوى دموعها الصامتة فأمسك بكتفيها وقال كأي رجل
يتصرف حيال دموع الأنثى العاجز عن فعل شيء لها
" توقفي عن ذرف الدموع يا تيما وكوني قوية كوالدتك التي لم
يرى أحدا دموعها إلى حين تلقت خبر خالك الكاسر رغم تغربها
وكل ما مرت به "
لم يزدها كلامه إلا بكاء وتحررت الأحرف من سجنها وهي تلوح
بقبضتها أمام صدره
" كيف يقول هذا ؟ كيف يخفي عنها كل تلك الحقائق التي كانت
سبب عذابنا ثلاثتنا لأعوام طويلة ؟ هل يريدها أن لا تغفر له أبدا ؟
هل يرفضها لهذا الحد ! كيف لا أبكي يا عمي صقر كيف ؟ "
مسح بكفه على وجنتيها الغارقة بدموعها قائلا بجدية
" لا أظنه يفكر في ذلك يا تيما ، لن يكون ابن شقيقي الذي أعرفه إن
لم يكن يريد رجوعها ويرفض أن يقربها رجل غيره "
مسحت خداها بقوة قائلة
" خذني لها أنت إذا بما أنه مشغول دائما "
وأمسكت يده وهي تتابع برجاء
" أريد أن أراها وإن للحظة ، أن أسمع صوتها وأتحدث معها
عمي أرجوك ولن أخبرها عن شيء يرفض أن تعلمه أقسم لك
رغم أني لا أعلم شيئا مثلها "
مرر أصابعه في شعره وكم كره نفسه تلك اللحظة وابن شقيقه معه
وحتى اليوم الذي رجع فيه هنا ، لما تسأله هو وليس والدها ؟
بل ما الذي أحضره إلى هنا ولما لم يتوقع أن يجدها هي وليس
مطر كما كان يتوقع ، نظر لعينيها ونظرتها الحائرة المعلقة
في عينيه وقد همست حين طال صمته
" هو أخبرني بأني سأكون معها قبل مجيئنا إلي هنا ! "
واختنق صوتها وهي تتابع ببحة بكاء ودموعها عادت للترقرق
في مقلتيها الزرقاء
" هل يرفض ذهابي ؟ "
حرك رأسه نفيا ثم سرعان ما تأفف وقال بضيق
" لا أفهم والدك وكيف يفكر ؟ بل متى فهمته حياتي "
وتابع بحنق محركا يديه
" أخبرته أني سأذهب لرؤيتها وسآخذك معي فرفض فورا ، ظننت
أنه يريد أخذك بنفسه لكني اكتشفت أني لست سوى عجوز أحمق
حين قال وبكل برود ( تيما لن تذهب لها ) ولا تسأليني كيف ولما
لأني نفسي لا أعلم وقد تشاجرت معه ولم أراه منذ منتصف اليوم "
توقع صراخها المحتج ، توقع أن تبكي وتنحب وتسب والدها والحياة
وحظها وحتى هو لكن ما لم يتوقعه هو ردة فعلها تلك حين تحركت
من مكانها متجهة للباب تمسح عيناها بطرف كم قميصها القطني
ووصله صوتها المختلط بعبرة بكائها الصامت
" سأنتظر حتى يسمح لي ومتأكدة من أنه سيفعل "
راقبها بنظرات مستغربة حتى اختفت خلف الباب المفتوح
ثم تنهد متمتما
" ابنة والداك حقا يا تيما "
وغادر الغرفة أيضا مغلقا بابها خلفه وما أن نزل بداية السلالم
حتى وقف مكانه ينظر للصاعد منه ونظره على بعض الأوراق التي
يقلبها في يديه حتى انتبه له ووقف أمامه في صمت فقال صقر وملامحه
تزداد قسوة عاقدا حاجباه الأسودان
" علينا التحدث قليلا يا مطر "
تحرك مطر من مكانه وقال مجتازا له
" سأراك فجرا ونتحدث كما تريد "
وصعد ونظراته المستاءة تتبعه حتى اختفى ثم همس
من بين أسنانه وهو ينزل
" كانت تلك الزوجة كثيرة عليك فكيف بابنة أرق منها ؟ "
*
*
*
ما أن وصلت غرفتها حتى اندست في سريرها تبكي بصمت
فلم تتوقع أن يرفض والدها أن تراها وهو من صرح سابقا بموافقته
كما فهمت من كلماته تلك وقد حاول حتى أن يشرح لها أسبابه
ويقنعها بأنه كان مرغما على أخذها منها ، لا تريد شيئا في الحياة
أكثر من رؤيتها وإن لمرة واحدة فهل هذا كثير عليها !
هل تطلب شيئا محرما أو خاطئ ؟
لا يمكنها تصور أن تقضي باقي الأيام هنا دون أن تراها وهي
تعلم أنها على بعد أميال منها مهما بعدت ، لا يمكنها مخالفة
أوامر والدها وهي من أقسمت على أن لا تفعلها مجددا بعد ليلة
الملهى تلك ولا بأن تجلب رقم هاتفها فما الحل الآن مع الشوق
المشتعل في داخلها حد أن أحرق كل شيء ؟
كيف ستمضي الأيام مجددا تحصيها على أمل رؤيتها وإن من بعيد ؟
دست وجهها ودموعها في وسادتها أكثر هامسة ببكاء
" يا رب فقط أراها وإن لا ألمسها ، يا رب افعلها من أجلي يا رب "
ونامت على دموعها الصامتة وعبراتها السجينة بين وسادتها
وأغطية سريرها تمني نفسها ككل مرة بغد أفضل بكثير من كل هذا
*
*
*
كتف ساعديه ببعضهما فوق الطاولة تحته ونظره وتركيزه مع الذي
كان يشرح له فحوى الورقة التي كان يشير لأسطرها بإصبعه ثم رفع
نظره له قائلا
" ولم يبقى أمامنا إلا أن نختار بين هذه "
ووزع مجموعة صور وبعض الرسوم المرسومة باليد متابعا
" أغلبها أفكار متداولة وقديمة حاولنا تطويرها قليلا أو التغيير
فيها وستنفع من أجل الإعلان "
سوى رواح جلسته للخلف مكتفا ذراعيه لصدره وقال ونظره على الصور والرسوم التي لم يفكر ولا في رؤيتها من بعضها
" لا أريد نموذجا مسروقا وأفكار تقليدية ، نريد شيء مختلف تماما "
فرد الجالس أمامه كفيه قائلا بيأس
" الأمر ليس سهلا سيد رواح فتصميم الطائرات أمر مختلف تماما
عما تطلبه الآن ، وتغيير سير بعض أعمالكم سيحتاج لحملة
إعلامية تحتاج وقتا أكبر من الممنوح لنا "
وتابع بعد صمت لحظة
" الآنسة بكوستر على حد علمي تملك شركة مختصة في هذا
المجال وهي صديقة مقربة .... "
قاطعه رواح ببرود قبل أن ينهي كلامه
" ولدى شركتنا فريق مختص حسب علمي فهل ندفع المال لهم صدقة ؟ "
انخفط صوت الجالس أمامه مع انخفاض حماسه الفوجائي لفكرته تلك وتمتم
" نحن نقوم بعملنا على أكمل وجه منذ تم تأسيس مكتب خاص
لنا وماضينا يشهد "
حرك رواح رأسه في إشارة لإنهاء الموضوع ثم قفز فجأة واقفا
وتوجه لسترته المثبتة على ظهر الكرسي الجلدي خلف طاولة مكتبه
وأخرج هاتفه منها واقترب من الجالس مكانه ومده له قائلا
بابتسامة ساخرة
" ما رأيك في هذه الصورة ؟ "
أخذ منه الهاتف ونظر لشاشته لبرهة ثم للواقف فوقه وقال باستغراب
" صورة من هذه ؟ "
قال رواح ببرود
" لست أسألك لتجيب بسؤال وليس هذا موضوعنا الآن "
عاد ذاك بنظره لشاشة الهاتف وقال مبتسما
" فكرة غريبة وتطويرها سيكون ضربة موفقة فكل
ما نحتاجه تغيير الخلفية "
ونظر له فوقه متابعا بحماس
" ابتسامة هذه الفتاة أكثر ما يدهش في الصورة ، إنها تدمج الحماس
والحيوية والاندفاع ، إنها فكرة رائعة حقا وجديدة بل ومتناقضة تماما
مع مادة الدعاية وهنا يكون الإختلاف الرائع "
قال رواح مبتسما بانتصار
" جيد اجتزنا العقبة الأصعب في الأمر "
وتابع بضحكة صغيرة
" باستثناء ردة فعل صاحبة الصورة طبعا "
كان الجالس سيتحدث لولا قاطعه رواح ناظرا للساعة في معصمه
" تأخر الوقت والموضفون غادروا منذ ساعتين ، إنها التاسعة "
وتابع متجها نحو سترته وقد حملها ولبسها بخفة
" سنأغادر الآن وغدا نتفق بشأن كل هذا "
*
*
*
وقفت حاملة إبريق الماء الكريستالي الفارغ معها وغادرت الغرفة
تستند بالجدار بسبب صعوبة سيرها على قدمها المصابة تتأفف
من الرباط المشدود عليها بقوة مبالغ فيها كما ترى وذاك الرجل
يضع كامل قوته وعضلاته في شده على كاحلها وإن نزعته تعلم
جيدا ما سيكون مصيرها وهو أن يربطه لها مجددا وهذا ما لا تريده ،
لا تفهم لما يفعل كل هذا ألا يعلم أنها تكرهه وتكرههم على حد السواء ؟
مؤكد يفهم ذلك جيدا ويتجاهله مثلما يفعل في كل مرة متجاهلا
نظراتها الكارهة الحاقدة وتعاملها النزق معه ، خرج أنينها الخافت
المتألم ما أن وصلت آخر الممر فرفعت قدمها تقف على قدمها السليمة
فقط ثم بدأت بقفز باقي الخطوات بواسطتها حتى وصلت السلالم
وليست تعلم كيف ستنزل منه وقدمها بهذه الحالة ويد واحدة
سليمة فقط ؟ فحتى الأبريق كانت تحضنه لجسدها بواسطة ذراع
يدها المصابة فعليها جلب الماء لتشرب ولتتناول الدواء حسب
التعليمات المفصلة التي وجدتها مدونة عليه وكانت بخط مغاير
لخط صاحب الصيدلية وبشكل واضح وخمنت أن ذاك المدعوا وقاص
من كتبها بالتأكيد لتعلم عن مواعيد تناوله لوحدها فهي لم تراه منذ
ربط لها كاحلها وحين خرجت من الحمام مقربة الظهر وجدت طعاما
ساخنا في انتظارها وعصير طازج وسلطة فواكه ولأنها لا تريد مشهدا
مشابها لما حدث حين رفضت ربطه للضمادة تناولت منه القليل ثم
ادعت النوم حين عاد لأخذ الأطباق التي لم يحمل معه منها سوى
كأس العصير الفارغ ليرجع به بعد لحظات وقد ملئه من جيد فكان
عليها تناول باقي الطعام إن أرادت التخلص منه ، ما أن وصلت أولى
العتبات حتى جلست عليهم ووضعت الأبريق في حجرها ليس بسبب
إعيائها وعجزها عن النزول فقط بل بسبب ما ظهر لها في الأسفل
وهو الجالس على الأرض هناك وأمامه طاولة زجاجية منخفضة
ودائرية فوقها حاسوب شخصي والأوراق والملفات متناثرة حوله
وهو منشغل تماما بتلك الشاشة ولم ينتبه ولا لوجودها رغم أنه يجلس
مقابلا للسلالم ، ليس بسبب انشغاله بما يفعل بل لأنها في الجزء الشبه
المظلم منه ، ظنت أنه خارجا فهي لم تراه من أكثر من ساعتين
أو تسمع صوته ولا خطواته وفتحه لباب غرفتها بين الحين والآخر
وهي تولي الباب ظهرها نائمة مكانها فلا تسمع سوى صوت
إغلاقه له مجددا وخطواته مغادرا وليست تعلم حتى متى ينوي سجنها
وسجن نفسه معها هنا كما فهمت من مكالمته وشقيقه ؟ ثم ما شأن
جده وما يريد أو يتوقع أن يفعل ذاك العجوز !!
"سحقا لهم جميعا "
همست بتلك الكلمات الحاقدة ونظرها لازال على الجالس هناك بقميصه
القطني وأكمامه الطويلة التي يرفعها حتى مرفقيه وبنطلون رياضي
مريح ينصب إحدى ركبتيه مسندا رسغه عليها واليد الأخرى تتحكم في
حركة مؤشر الحاسوب أمامه ، بدأ هاتفه الموضوع على الطاولة بالرنين
مالئا بضجيجه المكان الهادئ الصامت فنظر له جانبا لوقت دون أن
يجيب ثم عاد لحاسوبه مجددا ورغم أن ذاك الاتصال تكرر لمرات عدة
إلا أنه كان يتجاهله وكأنه ليس موجودا درجة أن تحرك فضولها لمعرفة
من يكون صاحب ذاك الرقم الذي يرفض أن يجيب عليه ؟
هل هي زوجته الغاضبة تلك كما سمعت عنها أم شخص آخر مثل
تلك الفتاة التي كانت تداعب خده ولحيته بكل وقاحة في حديقة
المنزل ذاك اليوم ؟
أم أنها امرأة أخرى أو قد يكون شقيقه يتصل به مجددا ؟
مدت ساقها تعتصر ملامحها المتألمة لتريح قدمها قليلا وعادت
بنظرها له سريعا ما أن عاد الهاتف للرنين وهذه المرة رفعه
ليجيب عكس سابقتها رغم أن شتيمته الغاضبة وصلتها وكأنه
مجبر على الإجابة هذه المرة أو أن صاحب ذاك الرقم استعان بغيره ،
وذاك ما حدث بالفعل حين وصلها صوته البارد مجيبا على محدثه ذاك
" مرحبا جدي "
سكت قليلا قبل أن يمرر أصابعه في شعره متأففا بصمت ثم قال
" نعم رأيته وإن أردت الإجابة لأجبت من نفسي ، هل عليهم طلب
نجدتك في كل مرة لتجبرني على أن أجيب على اتصالاتهم ؟ "
غزى الضيق نبرته وهو يقول
" لا لست في المنزل لذلك لم تجدني ولن أكون فيه الليلة ،
أنت متى سترجع ؟ "
قال بعد صمت قصير
"بلى هذا هو موضوعنا فرحلتك أراها طالت هذه المرة وثمة أمور كثيرة
عليك أن تطلع عليها لا ينفع الحديث فيها عبر الهاتف "
قست نبرته وهو يقول
" لن أجيب على اتصالاتها ولا أريد سماع موشحاتها القديمة وحين
تزيح تلك الأفكار الغبية من رأسها ترجع للمنزل من نفسها أو لتبقى
عند والدها حتى تموت "
وضعت الجالسة عند السلالم والتي فهمت أغلب فحو المكالمة الإبريق
من يدها على عتبة السلم الخشبي بقوة عمدا كي يسمعه الجالس هناك ،
وذاك ما حدث بالفعل إذ رفع رأسه بسرعة ونظر لها لبرهة قبل أن
يقف على طوله وقال محدثا من في الطرف الآخر ومتجها جهة السلالم
ونظره عليها
" جدي رجاءا لا أحد يتدخل في هذا الموضوع ، تعلم أني لا أريد
أن أخطىء في حقك ولا أن يتدخل أحد في أموري الخاصة "
وصل عندها لحظتها وكما أرادت وقد كانت تسمع بوضوح الصوت
الغاضب الخارج من سماعة الهاتف والذي عكسته الملامح المستائة
والمتجهمة للواقف فوقها وقد أشار لها بإصبعه على الإبريق ثم
على نفسه فالمطبخ في الأسفل لتفهم بأنه سيقوم هو بملئه لها ثم مد
يده لذراع يدها السليمة وأوقفها منها برفق لتفهم أنه سيساعدها
لترجع لغرفتها ، ابتسمت بمكر وهي تقف مع شده لها حتى استوت
واقفعة وكان وجهها قريبا من الهاتف الذي يثبته على أذنه لأنه يقف في
العتبات المنخفضة قليلا ، جمدت ملامحه كالصخر ونظر لها بصدمة
كادت أنفاسه أن تقف للأبد بسببها حين وصله ذاك الصوت الأنثوي
البالغ الرقة بعذوبة ماء الأمطار النقي قائلة
" وقاص بالرفق أنت تؤلمني "
*
*
*
وقفت مغادرة سريرها وفتحت باب الغرفة ونظرت للممر الآخر
ولباب تلك الغرفة تحديدا ثم عادت وأغلقته ورجعت لسريرها وجلست
على حافته ورفعت هاتفها ونظرت لشاشته وللرقم فيها يعلوه اسم رعد
ولازال ثابتا على ذات الاسم منذ وقت ولم تستطع أن تتخذ قرارا
حاسما بالاتصال به خاصة أن الوقت ما يزال مبكرا وبالكاد ملأ ضوء
الفجر السماء وتخشى أيضا من غضب غسق إن هي اتصلت به ،
لم تنم ليلة البارحة أبدا لأنها تعلم أن صاحبة تلك الغرفة لم يغمض
لها جفن وكم مرة سمعت باب غرفتها يفتح ويغلق وهي عاجزة عن
فعل شيء لها ولا تعلم ما بها وبما تطفئ تلك الأم المذبوحة نار قلبها
المشتعلة على ابنتها التي لم يعد يفصلها عنها إلا أميال معدودة ،
تمتمت تهز ساقيها بانفعال
" يا حر قلبي عليك يا غسق "
هبت واقفة كالملسوعة وتوجهت للباب مجددا مسرعة وفتحته ووقفت
خارجه تنظر بصدمة للتي أغلقت باب غرفتها للتو تلبس معطفها الشتوي
وحجابها ثم تحركت من هناك وما أن اقتربت منها حتى قالت باستغراب
" غسق إلى أين تنوين الذهاب في هذا الوقت ؟ "
وتبعت بنظراتها التي لم تتوقف ووجهتها السلم المشترك قائلة ببرود
" لحوران ... ولمنزل عائلة شاهين الحالك "
*
*
*
لمست بأطراف أصابعها الجرح في طرف شفتها وتألمت ملامحها
متأوهة تنظر لانعكاس صورتها في المرآة ، للكدمة البشعة في
خدها الأيسر والدم المتجمد في طرف شفتها ، شعرها المنسدل
على ظهرها وكتفيها بإهمال وكأنها خارجة للتو من حلبة مصارعة
بل وكأنه لم يمضي يومان على ذاك الكف القاسي الذي تلقته من
يد ذاك الظالم المتجبر الذي يفترض بأنه عمها والوصي على أموال
ابنة شقيقه اليتيمة ، تمتمت بكره ترمي بمنشفة الحمام من يدها
" سحقا لي أنا ولإسم ماريه تحديدا "
خرجت بعدها من الحمام وما أن اجتازت بابه حتى توجهت
مسرعة جهة الصوت الذي كان مصدره طرف سريرها حيث تخفي
هاتفها السري وقد فتحته بعدما أخذ ذاك الوغد هاتفها وسجنها في
المنزل يراقبها طوال الوقت ، أخرجت الهاتف من مكانه تهمس
له بأن يخفض صوته وكأنه يسمعها وتستغرب أن تتصل بها زهور
هذا الوقت وهي من أنهت صلاة الفجر منذ قليل فهي لم تتصل بها
بعد تلك المرة !! فتحت الخط سريعا ووضعت الهاتف على أذنها ، ومن
دون أن تترك لها أي مجال للحديث وصلها صوتها صارخة
بصدمة وانفعال
" ماريه ثمة شاب طويل جدا و... وو .... بثياب سوداء فتح باب
منزلك الخارجي بضربة من قدمه ودخل راكضا ويركل الآن باب
المنزل ليفتحوا له ... "
رمت عند تلك الكلمة الهاتف بطول يدها وركضت جهة باب
غرفتها صارخة
" تيم "
المخرج ~
بقلم / ثلج دافىء
بسمة للماضي
(زيزفون)
ربما تبعثرني الرياح العاصفة ... ولكني لن ابقى عاكفة
اداري دموعي النازفة .... واحزن على اشياء انفة
ساضمد جروحي الدامية ... نعم لن ابقى واقفه
انضر الى نهاية بائسة ... عشت من قبل وساعيش مرة ثانية
تبين ان الجميع قلوبهم خاوية ... وكنت اضنها بالحب ضائقة
نعم لن ابقى مع الصفوف الفانية ...ساتحرر منها فالمسقبل امامية
سارسم احلامي بالوان زاهية ... واخط فيها باحرف باسمة
فالشمس تشرق بعد ليلة داكنة ... لتسطع سماء زرقاء قانية
لن توقفني الحجارة العاثرة ... نعم لن اوقف المحاولة
ساعيش حياة زاهرة .... وانهيها بحسن خاتمة
قد تدمى قدماك من الوقوف مرة ثانية ... ولكن لذة النصر هي الغالبة
نعم لن ابقى جريحة ... ساتحرر من لفظ الاسيرة
الى حياة جديدة منيرة ... انظر منها للماضي بضحكة جميلة
نهاية الفصل السادس
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل السابع 7 - بقلم BlackButterfly002
الفصل السابع
المدخل ~
بقلم / عبق حروفي
أحبگ.. ولكن لا أريد أن أشعر اتجاهگ..
اشتقتگ.. ولكن لا أريد أن أراگ..
أتعطش لقربگ.. ولكن لا أريد أن أرتوي منگ..
أريد الأمان بحضنگ.. ولكن لا أريد قيدگ..
خذ النقيض لگ.. ودع نقيض النقيض لي..
*****
خرجت من الغرفة راكضة وصوت واحد يتردد داخلها بأن من انتظرته
لأعوام طويلة قد عاد أخيراً
من علقت كل أمل لها في الحياة على عودته قد أصبح الآن على بعد
أمتار قليلة فقط منها
بل من كبر حلم رجوعه معها منذ كانت طفلة حتى تحولت لإمرأة لم تعد
رغباتها طفولية بسيطة تقتصر على الحماية والأمان
بل أصبح ما تحتاجه رجل يقف في وجه ظروفها بكل قوة ,
ولن تستطيع استيعاب أنه لن يكون هو .. لا ليس هذه المرة لن
يستحمل قلبها أمراً مماثلا
ولا تستطيع تصديق ذلك فمن غيره سيدخل المنزل هكذا دون استئذان
وكأنه يؤكد للجميع بملكيتها هي له
ولاحق لهم في الاعتراض أو اعتباره دخيلاً ،
وصلت السلالم في وقت قياسي ونزلت بضع عتبات
حتى ظهر لها الباب الذي كان يهتز بقوة بسبب ضرب من في الخارج
له وكانت ضربات قلبها تصرخ معه كالزلزال
وكأنها لم تختبر من قبل جنون ضرباته !
بلى هو بالفعل لم يصل لهذا الحد من قبل ,
كان جميع ساكني المنزل وقتها وحتى الخادمات قد تجمعوا وسط بهوه الواسع
بسبب كل ذاك الصوت والضجيج وكأنه إعصار اجتاح الباب الذي يكاد يكسره
وصل عمها للباب أولاً وهو يصرخ بغضب
" مهلك ستوقع الباب كائنا من كنت "
لكن عباراته تلك لم تكن تزيد ركلات ذاك المجتاح الغريب إلا قوة وتتابع
نزلت بضع عتبات أخرى حتى أصبحت في منتصف السلالم حين وصلت
يد عمها لمقبض الباب الذي ما أن أداره
حتى اندفع للداخل بقوة كادت توقعه وظهر صاحب كل ذاك الصخب
أمامه لتتراجع فوراً
ملتصقة بجدار السلالم خلفها تنظر بصدمة لذاك الجسد الطويل ,
للبنطلون الأسود والحذاء الأسود الطويل
الذي اختفى ثلث البنطلون تقريبا مع ساقيه تحته ، السترة السوداء التي
احتضنها ذاك البنطال أيضا
مبرزاً الحزام الأسود الذي يشده حول خصر نحيل يعاكس الأكتاف
والعضلات الصلبة أعلاه
والتي عجز اللون الأسود وحتى سمك تلك السترة عن إخفائها وأزرارها
العلوية المفتوحة تكشف عن القميص الرمادي القطني تحتها
أصبح نبض قلبها يتحول لرجفان في جميع أجزائه ونظرها
يصعد تدريجيا من العنق بأوردته النابضة البارزة دليل الغضب المكتوم
للوجه والشعر الأسود الفاحم الناعم الذي يعلوه
" أهذا تيم !! "
كان همسها المصدوم ذاك ضعيفاً مرتجفاً وكلماتها تخرج دون شعور
منها ونظراتها الغير مستوعبة تنتقل في قسمات تلك الملامح الرجولية
والتي رغم خشونتها وعبوسها وخطوط الغضب في قسماتها
إلا أنها كانت تصرخ جاذبية ورجولة وثقة واستقلالية ، لا يمكنها
تصديق كل هذا ولا استيعابه !!!
تيم الفتى النحيل ذو الملامح الباردة الحزينة يكون هذا الشاب الواقف
هناك والذي لم يلتقط نظره ممن أمامه شيئا سوى عمها الواقف أمامه ؟
هل للسنين أن تصقل البشر بهذا الشكل المذهل !
هل يمكنها حقا تصديق أن يكون هذا الشاب من عرفته من أربعة
عشرة عاما يلعبان معا بسلحفاة صغيرة فوق حشائش فناء المنزل الخلفي ؟
هل هذا هو تيم ذو الاثني عشرة عاما الذي كان يحمل حقيبته على
ظهره ترافقه مرغماً لمدرستها لأنه مصدر أمانها الوحيد من فتيان
البلدة ؟
بل هذا من هاجر واختفى من عقد ونصف وهي زوجته ابنة الخمس
سنين وعاد اليوم وهو لازال الزوج الذي أجبر الناس على الاعتراف
به وإن لم يعد أحد يراه ؟!!
امتلأت عيناها بالدموع وهي تنظر لعينيه
لنظرته السوداء الحارقة الموجهة لعمها ، أجل هذا هو .. إنه هو تيم
كنعان الذي عرفته
واختزلت له في قلبها مئات الصور التي كانت بدأت تفقدها بمرور العام
تلو العام
لكن تلك النظرة وتلك العينان لم تنساهما أبدا وما كان لشخص أن ينسى
عينان حملت جينات عائلة كنعان هازان .
شدت قبضتاها على الجدار خلفها بقوة ولم تستطع انتزاع نظراتها من
ملامحه الرجولية
حتى النقرة في ذقنه البارز لازالت أكبر دليل على أنه من عرفته في
يوم كم صار بعيداً جداً بحجم مأساتها ومعاناتها الطويلة .
كم انتظرت هذا اليوم وهذه اللحظة لأعوام وأعوام مضت
لتثبت للجميع أنها ليست وحيدة ، ليست مذنبة وامرأة ناقصة وأنه ثمة
من لن يسمح لأحد بجرحها
ولا إهانتها مجدداً لأنه ليس لها أحد .
لا تعلم ما الذي يجعلها جامدة مكانها هكذا كالتمثال ؟ لما لا تركض
له لتحتمي في حضنه
من كل شيء وخاصة ممن يقفون هنا الآن ليعلموا أنها لم تعد
وحيدة مهانة لا يردعهم أحد عن إيذائها متى وكيف شاءوا ؟
بلى تعلم لما ... إنه العجز التام عن التصديق واستيعاب كل هذا وكأنها
تحتاج فعلا لما يثبت لها الواقع الحي أمامها والذي أتاها اليقين منه
فوراً حين قال عمها
كاسراً لحظة الصمت الطويلة تلك رغم قصرها
" من أنت ؟ "
كانت تلك أكبر عبارة ضنت أن التاريخ سيسخر منها ولولا هول
الموقف وشدته
لكانت انهارت على السلالم تحتها من الضحك فلن تصدق أنها وحدها
من تعرفت على ذاك الطيف الأسود المدمر
والملامح القوية الغاضبة بل والنظرة الكفيلة بالقتل دون سلاح ، شعرت
بأطرافها جميعها تتشنج
وبالبرودة تسري فيها مجرى الدم في العروق وهي تنظر لتك الشفتين
المتساوية تشكل فما قاسيا
وقد تحول مزاجه القاتم للسخرية فجأة وخرجت منه الأحرف التي لم
تزد تلك الشخصية القوية المسيطرة إلا قوة
وهو يقول بتأني من يعرض على ضحيته طرق تعذيبها ونظره لازال
على عيني الواقف أمامه لم يحركه قط
" تيم كنعان طبعا ... وكابوسك الأسود القادم "
*
*
*
انزلق الهاتف من بين أصابعه واصطدم بقدمه قبل أن يستقر على عتبة
السلالم تحته
وتركت يده الأخرى لا شعوريا الذراع التي كان يمسكها تراقب نظراته
المصدومة
التي حاولت التراجع للأعلى وانتهى بها الأمر أن وقعت جالسة على
العتبة التي صعدتها
مما أخرج أنينها المتألم الخافت وقد همست بملامح متألمة
" سحقا لهذا ... "
مما أكد له أكثر أن الذي سمعه حقيقة وأنه لم يكن وهماً كما ضن
للحظات بل كما صور له عقله
الذي رفض تصديق أن ذاك الصوت الأنثوي الرقيق خرج من الواقفة
أمامه وليس من صنع خياله فقط .
تراجع لا شعورياً للأسفل بضع خطوات وكأنه يريد بذلك أن يساوي
نظره بالجالسة على أولى عتبات السلم في الأعلى , نقل نظره منها
لهاتفه الذي لازال يخرج منه صوت جده الصارخ الغاضب بعيداً
منخفضا
( وقاص أجب .... أين أنت الآن ؟ .... تكلم يا وقاص)
ثم عاد ورفعه مجدداً لوجه الجالسة مكانها , من كانت منذ قليل في
نظره الخرساء الصامتة
المظلومة من قِبل الجميع , الجميلة التي لم يعبها إلا ذاك الصمت التام
القاتل , صاحبة أجمل عينان زرقاء قد سكب المحيط مياهه الغامقة في
حدقتيها الكبيرتان وملامح بلغت من الرقة أن يحار المرء ما أن يراها
بأن تكون مرت فعلا بمآسي في حياتها اقتصرت فقط على نظرات
عدائية صامتة كانت ترميهم بها .
هل فعلا هذه المرأة تتحدث !! هل صاحبة هذه الملامح
الفاتنة والشعر البني الفاتح الناعم الذي التفت بضع خصلات منه حول
أصابعها الممسكة بسياج السلالم الخشبي بسبب طوله هي فعلا لها
صوت ويمكنها التحدث وبالإنجليزية أيضا ؟؟
لم يستطع انتزاع نظراته المصدومة من وجهها بينما كانت هي تنظر
لكل شيء حولها عداه وكأنها تتعمد الهرب من مواجهته أو هكذا خيل
له حتى استقر نظرها على هاتفه المرمي تحت قدميها ثم رفعته به
وابتسمت بسخرية وهي تقول ناظرة لعينيه
" لما لا تخبر جدك أنها أنا قبل أن يقطع رحلته عائدا لبريستول قبل
الصباح ؟ "
لم يعلق على جملتها تلك بل لم يستطع قول شيء وكل ما فعله حينها أن
حرك رأسه وهو يضرب كفيه ببعضهما ثم رفع يديه جانبا وقال بعدم
تصديق
" قولي أنها مزحة يا زيزفون وأنه ليس صوتاً هذا الذي يخرج من
حنجرتك "
نظرت له ببلاهة للحظة فهذه آخر ردة فعل كانت تتوقعها منه بعدما
فعلته وقد سمع جده صوتها القريب وعبارتها الإنجليزية تلك .
تعلم أن الحقيقة ستكون صادمة لأي فرد من تلك العائلة
لكن ليس درجة أن تنسف لدى هذا الرجل باقي الحقائق الأسوأ
المترتبة عليها
أبعدت نظرها عنه مجدداً وقالت ببرود
" وما الغريب في ذلك ؟ الجميع تقريبا يتحدثون "
خرجت منه ضحكة صغيرة مكتومة لم تعبر إلا عن صدمته التي لم يفق
منها بعد وتمتم بسخرية
" الجميع نعم لكن ليس البكم منهم يا ابنة عمي "
نظرت له بسرعة وهي ترميه بتلك النظرة العدائية مجدداً قائلة
" أنا لم أقل أني خرساء بل أنتم من قال ذلك .
ولا تنعتني بابنة عمي مجدداً "
كان جوابه الصمت التام محدقا بحدقتيها الزرقاء التي تلون محيطها
الغامق بغيوم رمادية غاضبة .
لم يعد يعلم ما يريد قوله وما عليه بالفعل أن يقول وهو يدرك أن
الجالسة أمامه تسمعه , تسمع ... !! تتحدث ... !! لا هذا فوق طاقة
استيعابه حقا ! وتقول بكل بساطة
أنهم من افترض ذلك !! من هذا الذي أخبرهم بأنها خرساء ومنذ
ولادتها ..؟ أليست جدتها ؟
ثم هو لم يعرف عنها إلا ذلك منذ بدأ بالبحث عن أي معلومات تخصها ,
كانت مجنونة وظهر غير ذلك تقريبا !
وكانت خرساء وها هي تسمعه وتحادثه الند بالند فما بقي أيضا من
حقائق مخفية سيكتشف أنها عكس ما يظن ؟
تقول يخبر جده ... ؟ يخبره بماذا ... ؟
هي تعلم جيداً أنه لن يفعلها فلما تطلب منه ذلك ؟
هل لتضعه موضع الغبي مجدداً وهو من دافع عنها وجلبها
إلى هنا دون علمه ... فما سيقول له ؟
هذه حفيدتك الخرساء المظلومة مهضومة الحقوق ها
هي تتكلم وتسمع ! بل وحتى سجنهم الوهمي ذاك كانت بكل بساطة
تخرج منه وهو يعلم ؟؟
نظر لهاتفه الذي بدأ بالرنين فيبدوا أن جده قرر أن يغير من أسلوب
استجوابه هذه المرة
لكنه لم يكن على استعداد أبداً للتحدث مع أحد ولا الجالسة أمامه أيضا
فكل ما فعله وقتها أن استدار نازلاً السلالم وتاركا كل شيء خلفه
ولأول مرة منذ عرف فيها هو وقاص نفسه يهرب من مواجهة
واقع ما مهما عظم حجمه فكيف إن كان ذاك الواقع امرأة ؟؟!!
*
*
*
لحظة صمت طويلة تلك التي عمت المكان وكأنه لا أحد فيه وكأن ما
أدلى به من لحظات قد أخرس حتى الجدران وحتى صوت الريح الباردة
في الخارج وكأن العالم بأجمعه قد مات وتحجر وتوقفت عجلة الزمن
تماما عن الدوران ... ابتداءً بعمها الجامد مكانه كالصخر فاغراً فاه
ليس بفعل الصدمة بل عجزاً عن قول أي شيء
ولم يستطع ولا إبعاد نظره عن تلك العينين التي أصابته نظراتها
السوداء الحاقدة في الصميم انتقالا لزوجته التي كانت تمسك فمها
بيدها من الصدمة
ليس بسبب رؤيته مجدداً أيضاً فهم يعلمون أنه موجود رغم اختفائه
بدليل دفاعه الشرس عن عقد الزواج الذي حاولوا إبطاله على مر
سنوات مضت بل بسبب جملته التي قالها تلك متوعدا لهم بمستقبل
أسود سيطاردهم كظلالهم فهي كغيرها من الموجودين
هناك تعلم أن صاحب هذا المظهر والحضور المدمر والثقة العالية
بالنفس لن يكون صاحب تهديدات مازحة أبداً ولا ممن يقول ولا
يمكنه التنفيذ .
فكيف وهي موقنة من أن جميع ما يملكونه مصدره امرأة تكون زوجته
قانونيا وستتحول ملكيته له
ما أن يظهر لتسقط وصاية عمها عليها حسب قانون ابن شاهين القديم
والذي تمسكت به البلاد بعد رحيله لما رأوا فيه من صلاح ومنافع .
أما من لم يفهموا ما يجري هناك فكانوا الفئة الأغلب سواء الخادمات
اللاتي كن يتبادلن نظرات مستغربة وهمسات غير مفهومة أو الابنة
ذات الخمسة عشرة عاما ونظراتها المستغربة تنتقل بين والدها
والشاب الغريب عنها تماما والذي رحل وهي بالكاد تخطو خطواتها
الأولى .
كان قيس هو من كسر صمت الأموات ذاك مجدداً ما أن استوعب حقيقة
هوية الواقف أمامه واستطاع أخيراً أن يتذكر أين رأى تلك الملامح
سابقاً .
استجمع أنفاسه وحوّل نبرته للبرود وكأن الأمر لا يحرك فيه ساكنا
وهو يقول
" ما الذي جئت تريده ؟ "
تيم هذه المرة من لو كان في مزاج أفضل وليس عدو طفولته من يقف
أمامه لفعل ما لا يحدث معه إلا نادراً وانفجر ضاحكاً فهذا الرجل لم
تغيره السنين وكما توقع الأبله الجبان يبقى أبلهاً وجباناً
مهما علا وتغطرس .
تحركت شفتاه بابتسامة ساخرة جامدة كفيلة بإيصال رسالة موت بكل
برود وبساطة وخرجت الأحرف أقوى وأعمق منها وهو
يجيب " زوجتي "
كلمة رغم قلة حروفها ... رغم تفوهه بها وحيدة يتيمة ورغم عدم
أهميتها للواقفين قرب الباب جميعهم إلا أنها كانت كفيلة بقتل الواقفة
عند منتصف عتبات السلالم هناك درجة أن جعلتها تنهار
جالسة عليها تمسك أصابعها بطرف العتبة الرخامية تحتها كي لا تقع
مغشياً عليها ودموعها الحارة تتدفق من مقلتيها دون توقف .
كلمة لم تعني لهم شيئاً لكنها حملت جميع معاني الكلمات بالنسبة لها
كلمة كم تمنت أن تسمعها منه هو تحديداً .. ليس بلهجة ساخرة ولا
هازئة كما كانت تسمعها على مر الأعوام من ألسن الآخرين وهم
يسخرون من حالها ووضعها ، كانت تريد سماعها هكذا
بأحرف قوية واثقة صادقة لا أحد يستطيع مواجهتها بالاستهزاء ولا
الاستنقاص كما كان يحدث معها هي سابقا حتى توقفت من أعوام
طويلة عن ذكرها وتذكير الناس بحقيقة وضعها .
كان جواب عمها وردة فعله أهون على نفسه من أي شيء وكأنه ألقى
عليه دعابة لم يستطع أن يضحك عليها ولا مجاملا وقد حرك يده
ملوحاً بسخرية
" وعز الطلب ، خذها من الآن "
قست عيناه السوداويتان لتصبحا حجرين غاضبين جعل تلك النظرات
السوداء التي لم تفارق عينيه لحظة تشتد اسوداداً وغضباً سرعان ما
تحكم به وكأنه يخمد بركان ثائر داخله بحرفية من يتحكم
في انفعالاته ببراعة لأعوام حتى أصبح مضرباً للمثل والعضو الأهم في
منظمة سرية شعارها الموت والقتل دون رحمة ، رفع ذقنه معززاً ثقته
القوية تلك بنفسه في نظر كل من وقع عليه منهم وقال ببرود
" وحدها ؟ "
سؤال رغم اقتصاره على كلمة واحدة إلا أنه كان يعبر عن جمل طويلة
وعبارات قد اختصرها على نفسه وعلى الجميع ، سؤال كان واضحاً
جداً رغم استعسار فهمه بالنسبة لهم وهم يتبادلون النظرات المستفهمة
حتى قال قيس ساخراً هذه المرة
" وهل تريد أخرى معها ؟ "
" بل ومالها بأكمله "
كان جوابه مباشراً وسريعاً درجة أن وقع كالصاعقة المباشرة عليهم
مثلما خرج من شفتيه بلا أدنى اهتمام لما يعنيه بالنسبة لهم درجة أن
استيعابهم له تلاشى مع الهواء الداخل من الباب خلفه
وكان النصيب الأوفر من وقع كل تلك الصدمات على التي وقفت على
طولها مجدداً تنظر له بصدمة
رغم أن نظره لم يلتقطها بعد لأنه لم يبعده عن عيني الواقف أمامه
والذي انتظر طويلاً أن يلتقيه ، لا تصدق ما سمعته الآن !
هل هذا ما عاد لأجله !
هل لأجل المال هو هنا الآن ؟
المال الذي سيمتلكه بملكيته لها فقط كما حدث مع عمها ؟
اللعنة التي كانت سبب كل ما هي فيه حتى اليوم !
ألأجل هذا فقط هو هنا ؟
عادت دموعها للنزول مجدداً حارقة قاتلة هذه المرة تشبه الحقيقة
المرة الجديدة التي وجدت نفسها فيها .
لما يعاملها الجميع كسلعة رخيصة ؟
أين العدالة وأين الصواب من كل هذا ؟
تمنت أنها لم تملك يوماً ذاك التعيس المسمى مالاً ، بل ليتها ماتت قبل
هذا اليوم وانتهت .
صرخ قيس هذه المرة خارجاً عن كل بروده السابق
" لا مال لأحد لدي لأني من بناه بشقائه وتعبه ، إن كنت تريد تلك
البليدة خذها ورافقتك السلامة أو لا شيء لك عندي والقانون
الفاصل بيننا "
ما أن أنهى جملته الغاضبة تلك بكلمات تدفقت من شفتيه كالسيل كان
عنقه في لمح البصر في قبضة الواقف أمامه يشد أصابع يده الواحدة
عليه بقوة وقد همس من بين أسنانه المطبقة على بعضها بغضب دفين
" قلت هي ومالها وجرب أن ترفع صوتك في وجهي مجدداً "
كان يرتجف تحت ضغط قبضته القوية تلك بسبب أنفاسه التي كانت تكاد
تتوقف والشهقات النسائية المصدومة تتعالى خلفه .
أليس هذا هو الفتى الذي كان يجره على الأرض كالشاة قبل أربعة
عشرة عاما مضت ؟
أليس هذا صاحب ذاك الجسد النحيل الذي كان ينهال عليه ضرباً وهو
صامت لا حول له ولا قوة ؟ فها هو اليوم وطوله قد فاقه بكثير
وبقبضة لعنقه من أصابع يد واحدة أعجزه عن الحركة والكلام
بل وحتى التنفس وهو من لم يحسب لهذا اليوم حساباً ، حقيقة مهما
أنكرتها تلك العائلة وتناستها مع مرور السنين إلا أنها الآن أقوى من
أن يخفيها أي شيء لأنها واقع ملموس ولا مفر لهم منه .
حرر عنقه من قبضته الفولاذية ما أن شعر بأنه بدأ يفقد أنفاسه جدياً
وعجزت يداه حتى عن محاولاتها لإبعاد يده لكن ذلك لم يكن خلاصه
الأخير منه فقد أمسكه من ياقة قميصه سريعاً
يضمها في قبضته وكأنها شيء لا يذكر وليست تحمل جسداً بشرياً وهو
يشده به ناحيته وقد همس مجدداً بتهديد
" ما فعلته بي وبوالدتي سابقاً لن أحسابك عليه وبطلب منها فقط وإلا
لكنت سلخت لك جلدك عن عظامك ثمنا لكل لحظة ألم قاستها وكل ليلة
نامت فيها جائعة لكن ما فعلته بماريه لن تنجوا من الحساب عليه ،
قسما وأنا تيم كنعان أن تدفعوا ثمن حتى الدموع التي لم تروها تنزل
من عينيها "
كان تهديدا واضحاً وصريحاً لم يتردد صاحبه في الإدلاء به رغم أنه لم
يتعدى سمعهما هما الاثنين وعينا الواقف أمامه قد شخصت فيه بذهول
ما أن تابع بذات نبرته القوية المهددة
" قسما أن مصيركم رصيف الشارع بعد أن تتحول حتى ملكية منزل
جدكم لي يا سارقين وهو من كتبه موثقا بإسم والدتي "
هزه بعدها من ياقته قائلا بعلانية هذه المرة
" للشارع فهو مكان أمثالكم "
" لن أغادر معك يا تيم "
عبارة أنثوية مرتفعة تلك التي أسكنت المكان مجدداً ونقلت الأعين منه
للواقفة هناك عند آخر عتبات السلام تقريبا ، وحتى نظره هو تحول عن
الواقف أمامه ولأول مرة ليصل لصاحبة ذاك الصوت بل لصاحبة تلك
العبارة الرافضة ومن ظن أنها سجينة غرفتها وليست ضمن
المخلوقات التي لم يعر وجودها اهتماما ولا من باب الفضول وكل
نظراته واهتمامه كان منصباً على الرجل الذي لازال مرتبطا لديه بتلك
الطفولة البائسة ، ركز هذه المرة نظراته القوية عليها هي لتصبح
نظرات المقارنة من نصيبها الآن بين تلك الطفلة المبتسمة دائما ذات
الملامح الجميلة والطفوليه
لهذه الشابة الحزينة اليائسة يظهر على ملامحها ما قاسته كل تلك
الأعوام دون سؤال , وقد تحول الجسد الطفولي النحيل لجسد أنثوي
مكتمل يحسدها عليه كل من وقع نظره عليها والملامح البريئة
الجميلة وقد تحولت لفتية أجمل منها بكثير ، الطفلة التي كانت تجبره
على مشاهدتها وهي ترقص له مبتسمة وكان وحده يكفيها جمهوراً لها
الطفلة التي كانت تسرق وتتلقى العقاب تلو الآخر فقط من أجله ولم
تهتم يوماً لسخريته منها ولا لانزعاجه من وجودها وهي تثبت له يوماً
بعد يوم أنه وحده ضحكة طفولتها تلك وأن تعلقها الطفولي به يشبه
تعلق الجسد بالحياة إن فقدها يذبل ثم يموت
بل الطفلة التي علمته على مر الأعوام التي مضت أن الكبار مزيفون
ومخادعون وأنهم مجرد دمى يحركها الجشع والشر يفتقدون بالفعل
لبراءة تلك الطفلة الوحيدة التي عرفها ملتصقة به ، حتى يوم وفاة
والدته كانت وحدها من شعر بحزنه ووجوده .
نظرته الثابتة العميقة تلك لعينيها جعلت مشاعرها الغاضبة تتهاوى
للقاع وهبت في أحشائها عاصفة من المشاعر المتناقضة مزقتها إرباً
إرباً , فهل للسنين حقا أن ترسخ المشاعربكل ذاك القدر ؟
هل ضنت سابقاً أن كل ما تحتاجه من هذا الرجل هو الأمان والقوة ؟
هل فعلاً مشاعرها تقتصر على البدائية فقط ؟
لا ليس الواقع كذلك فما سر ضربات قلبها المجنونة الآن وعيناه تحدق
بعينيها العسلية الواسعة ؟
لما تعجز عن إزاحة نظراتها عن عينيه وشعرت مجدداً بتلك الرغبة
الغبية في الارتماء في حضنه ؟
بينما ثمة ما سرق نظراته هو من عينيها اللامعة الواسعة وشعرها
البني المتناثر حول كتفيها وذراعيها حتى منتصفهما والجسد الذي لم
يخفي تناسق معالمه قماش تلك البيجامة السميك ، ما جعل نظره يترك
كل ذلك هو أثر الصفعة الواضح على خدها والدماء الجافة في طرف
شفتها نظرة كانت أقوى وأكثر غضبا من سابقاتها جعلتها لا إراديا
تتراجع للخلف خطوة وقد رفعت أناملها لوجنتها التي لم يختفي ولا
الشعور بالألم فيها حتى الآن وكأنها تخفيها بها وانكسرت نظرتها
للأرض في حركة من جفناها الواسعان كانت كفيلة بإشعاله حد الجنون
هذه المرة
فرفع قدمه من الأرض وضرب بمؤخرة حدائه على الجدار ضربة جعلت
شهقات الموجودات قربه تتعالى وهم يرون نصلي سكين صغيران
حادين ولامعان يخرجان من طرفي حدائه الجلدي
ودون أدنى تردد أو تراجع رفع قدمه وهوى بها على قدم الواقف أمامه
لازالت ياقته في قبضته القوية لينغرس النصلان في مشط قدمه حتى
نهايتهما مع تعالي صرخته الرجولية
وهو يضغط على قدمه أكثر محركاً لها فوقها بدون رحمة هامساً بكره
" تضربها يا عديم الرجولة ، تذوّق إذاً أول عقوباتك وهو عودة قيس
الأعرج من جديد ، من نسي أنه تخلص من ذاك العيب واللقب
بفضلها هي "
لم يرحمه من سحقه لقدمه دون رحمة حتى انحني من الألم رغم شده
له وصرخاته ترتفع من شدة المه مختلطة بصرخات وبكاء زوجته
وابنته وخادماته من خلفه
"ولا واحدة تقترب مني أو قتلتها وقتلته بهذا "
أشهر مسدسه الأسود مصوباً لفوهته باتجاههم وكانت صرخته تلك ما
جمد كل واحدة منهن مكانها ولم يعد يصدر منهن سوى صوت البكاء
وعبارات الرجاء من ابنته وزوجته الباكيتين
فابتسم لهما بسخرية باردة وأدار قدمه مصدر بذلك ابن عم والدته تلك
الصرخة الأعلى واشتد معها بكائهما وصراخهما المنفعل فصرخ فيهما
مجدداً وملوحا بمسدسه جانبا
" أصمتا كليكما الآن لا أريد سماع عويلكما المقرف أو قتلته "
فتحول الأمر للنحيب في صمت والجميع يرى ذاك المنظر البشع والدماء
قد شكلت بقعة واسعة تحت قدميه ويعجز الجميع عن التحرك من
أمكنتهم كي لا يتحول تهديده لحقيقة فكان مشهداً سادياً حياً يُعرض
أمامهم دون أن تستطيع احداهن الاقتراب منه ، باستثناء واحدة فقط
كانت من تحررت قدماها لتصل إليه ، من لم يشملها تهديده ولم تهتم له
وهي تركض نحوه
حتى وصلت له وشدت طرف سترته السوداء وهزته منها صارخة
ببكاء ونظرها على عينيه المحدقتان بها
" توقف يا تيم ، لا تكن نسخة عنه .... توقف الآن "
وتحول الأمر للكمات ضعيفة واهنة من قبضتها الصغيرة أمام عضلاته
القوية البارزة ، هي فقط من تجرأت على اختراق تهديده الواضح لهم .
وهي فقط من جعلته يرفع قدمه بالفعل
محرراً تلك القدم الغارقة في دمائها ما أن دست وجهها في حضنه باكية
والتفت ذراعيها حول خصره تقبض بقوة على ظهر سترته فتركت
قبضته ياقة قميص ذاك الرجل وشد بها رأسها لصدره أكثر تتغلغل
أصابعه في شعرها البني الناعم يدفنها حيث أمانها الذي طالما بحثت
عنه وانتظرته والذي فقدته بفقدانها له منذ غادر بلدتهم الصغيرة تلك .
كانت تسكب دموعها حيث ضربات قلبه الثابتة وتدفن وجهها بقوة في
طيات ذاك الصدر العريض تشد ذراعيها حوله بقوة
وكأنها تخشى اختفائه وفقده من جديد بل وكأنها ليست من رفضت
الرحيل معه منذ قليل وصرحت بذلك علانية وهي تتمسك به الآن تمسك
الطفل بوالدته والرجل الشريف بأرض وطنه فهو الحياة التي فقدت
ألوانها بفقدها له .
هو الماضي الجميل الذي ظنت أنه لن يعود وهو الذكرى الوحيدة
الجميلة الحية من ماضيها , بل وهو الرجل الوحيد الذي لن يحاسبها
أحد على تمسكها هكذا بحضنه الذي لم تعرفه إلا طفلة باكية إن وقعت
وتضررت ثم ارتمت فيه تخفف أوجاعها وإن بالشعور بوجوده .
هو ذات المشهد وذات الأشخاص فقط أن الوجع الآن أكبر والضرر
أعمق والحضن أيضا أقوى وأعمق وأكثر أماناً من ذاك الوقت حين كان
جل ما تحصل عليه منه هو تخفيف ألمها الصغير بكلماته البسيطة تلك .
كان يدسها في حضنه بقوة حيث عبراتها المكتومة ونظراته السوداء
الغاضبة موجهة للجالس أرضا وزوجته وابنيه حوله متشبثون به .
مشهد كم شاهدته لأعوام وهي وحيدة لا تحصل سوى على السخرية
والتجريح منهم ولم يحسب أياً منهم حساباً لليوم الذي ستجد فيه هي
أيضاً حضناً يؤويها ويحميها من ظلم الجميع .
غرس أصابعه في شعرها أكثر يشدها لصدره
وهمس بتأني " أشــشـــش ماريه يكفي بكاء "
جملة لم تزدها سوى بكاءً وتعلقاً به وبكت حتى لم يعد يمكنها البكاء
أكثر وكأن الماضي عاد بهما لذاك الزمان والمكان طفلة تبكي في
حضنه يسكتها بهمساته تلك ذاتها .
فكيف لا تبكي الآن وجل ما كانت تفعله تلك السنين هو البكاء على
حضنه الذي فقدته طفلة ؟
كيف يطلب منها أن لا تبكي ووحده من يعلم ما يعنيه تيم كنعان لامرأة
عانت الظلم والوحشة وسط عائلتها وأهلها لأعوام وقد فقدت كل شيء
حتى ابتسامتها منذ فقدته .
رفع يده الأخرى ومسدسه لازال فيها ولفها حول خصرها النحيل
يشدها لحضنه أكثر كأول امرأة عرفت ذاك الحضن برضا تام منه
ونظرته لهم لم تكن تحمل إلا الوعيد والويلات وكأنه يسرد لهم
حقائق مجردة عن كل ما فعلوه رغم أنه كان غائباً عنهم فمن يمكنه
تصديق أن تلك الفتاة الوحيدة والبعيدة عن الجميع منطوية على نفسها
وحزنها ووحدتها بسبب نبذ الناس لها أن يكون لها رجل كهذا حتى
القتل في منهجه وقانونه مباح كما رأوا أمامهم منذ قليل .
أن يُصرّح وعلانية وبكل ثقة أن كل ما يملكونه أصبح لها وهي من لم
تتجرأ على قولها يوماً رغم أنها صاحبة المال الذي أنكره حتى الناس
من حولها وبأنها لا تستحقه .
أبعدها عن حضنه ما أن خف بكائها قليلاً ممسكاً رسغها ويدها الأخرى
تحاول بها مسح الدموع من وجهها وإبعاد خصلات شعرها الملتصقة
به ونظرها للأرض بينما نظره لم يبعده عنهم ، شد أصابعه حول ذاك
الرسغ الضئيل مقارنة بقبضته وأصابعه الطويلة وقال ناظرا لهم
باستحقار وكأنهم حشرات أمامه
" هي أربع وعشرون ساعة فقط وتكونون
خارج هذا المنزل طوعاً قبل أن تجركم القوات الخاصة منه أمام الناس
, ولا تخرجونمنه بأكثر من خرقكم البالية جميعها وابحثوا لكم عن مكان
غير منزل جدي فلن أستقبل في أملاكي أمثالكم ، ولا يفكر أحدكم في
أخذ شيء من أي مكان كنتم تملكونه , وحتى أرصدتكم المصرفية
اختفت لغير رجعة وأصبح المال بأكمله باسمها من أقل من ساعة
والشركة أيضا ومزرعة الخيول والأراضي ... "
وانتقل يسرد عليه أملاكهم بالتفصيل درجة أن زوجته نظرت له بصدمة
وهي تسمع للمرة الأولى عن بعض المنازل والممتلكات المتفرقة في
البلاد وخارجها ، أمسك طرف الباب وضربه بقوة فاتحاً له أكثر وقال
" وفكر أن تواجه كل ذلك بالقانون يا قيس وسيكون مصيرك السجن .
ولا تتفوه مجدداً بحماقة أنك من استثمر المال فهو أكبر من أن ينجح
في استثماره رجل فاشل مثلك عاش ينفق منه لسنوات دون رقيب "
وما أن أنهى جملته تلك حتى خرج ساحباً لها خلفه من رسغها الأيمن
بيده اليسرى يثبت بيده الأخرى سماعة كانت في أذنه اليمنى محدثاً
أحدهم وهو يجتاز بها فناء المنزل جهةالباب الخارجي له ببيجامة النوم
وحذاء المنزل وكأنه يسرقها منهم سرقة
" لا تكن مزعجاً قلت أنها أربع ساعات فقط وها أنا خارج الآن من
المدينة وتوقف عن اللغط فأنا أدرى الناس بسلامتي "
أنهى عبارته الغاضبة تلك وفتح باب السيارة السوداء المتوقفة عند باب
المنزل ودفعها لتركبها أمام مرأى الجيران الذين جذبهم صوت الصراخ
والبكاء الذي تسلل منذ قليل من باب المنزل المفتوح وهم يرون الآن
الشاب الغريب الذي خرج منه ساحباً خلفه الفتاة التي لا يجهل
شخصيتها أياً منهم وكأنهم يوثقون شبهة جديدة يلصقونها بها مستقبلا
ضرب الباب خلفها ثم نظر لهم وصرخ فيهم رافعاً مسدسه الأسود فوق
مستوى كتفه
" لينطق أحدكم بحرف عنها وحسابه سيكون مع تيم كنعان شخصياً "
أنهى جملته تلك ملجماً جميع تلك الأفواه ولم يبقى منهم سوى أعين
محدقة بصمت يراقبونه وهو يركض بخطوات واسعة حول السيارة التي
ركبها وغادرت صرير عجلاتها يصم الآذان
وانفتحت الأفواه بذهول وهم يرون ثلاث سيارات للقوات الوطنية
الخاصة تخرج من مفترق الطريق
وكأنها تخرج من العدم تطوق تلك السيارة الرياضية السوداء من
نواحيها الثلاث كطوق حماية قانوني يزيد تلك الأفواه خرساً عدا التي
أطلت من نافذة غرفتها في الأعلى تلوح بيدها صارخة ونظرها على
السيارات التي تعبر الشارع الطويل
" حضاً موفقاً ياماريه وهنيئا لك بمثل هكذا زوج "
أنهت عبارتها الأخيرة وهي تنظر لتجمع الجيران في الأسفل مبتسمة
بانتصار دون أن يستطيع أي منهم أن يعلق بشيء .
ركضت بعدها لهاتفها حين علا بنغمة رسالة وفتحتها سريعا رغم
أن الرقم كان رقم محاميه فمن فرط سعادتها وحماسها لا تستبعد أن
تفعل أي شيء , وإن كان أمامها الآن لقفزت نحوه حاضنة له دون
تفكير شاكرة لصنيعه .
تتبعت حدقتاها كلمات رسالته بحماس
( إن دخل تيم السجن وتحولت صديقتك لأرملة فسيكون بسببك يا
طويلة اللسان(
أخرجت لسانها لأحرف رسالته مبتسمة ، في ظروف غير هذه ما كانت
لتفكر في الرد على رسالته لكن سعادتها بخلاص ماريه منهم جعلتها
تجيب فورا
( ما كنت لأسمح له هو أن يصبح أرملاً ويتزوج بأخرى بعدها فموته أشرف له من أن يقتلها عمها(
توقعت كالمرة السابقة أن لا يرسل رداً على رسالتها تلك لكن فاجأتها
الرسالة التي ظهرت على الشاشة وجعلت عيناها تخرجان من مكانهما
خلف شهقتها المصدومة فور أن قرأت ما فيها
( ألستِ طالبة في جامعة الإتحادية الكبرى ؟ انتظريني إذا في الفصل
الجديد ولن تجتازي مادة القانون التجاري وإن شاب شعر رأسك يا أم
لسانين(
*
*
*
تثائب يغلق فمه بظهر كف يده ثم مرر أصابعه في شعره المبلل
والمسرّح بعناية وقال بكسل
" أمي بالله عليك هل حقا تريدين مني أخذك هناك ؟ وفي هذا الوقت ! "
كتفت يديها لصدرها قائلة
" أجل فالرحلة لحوران تأخذ أكثر من أربعة ساعات ذهابا
ولن أستطيع بذلك العودة هنا اليوم , وأعتقد أنه لا شيء لديك
وغيهم في رحلة تدريبية وإلا كنت طلبت ذلك منه وليس منك طبعاً "
تأفف ودس يديه في جيبي بنطلونه الجينز متمتما بضيق
" عشنا ورأينا أمهات يحببن فقط الأبناء الذين يشبهون أزواجهم "
قالت من فورها عاقدة حاجباها الرقيقان
" ماذا قلت يا ابن أيوب ؟ "
لوح بيديه أمام وجهه قائلا
" لا شيء يا ابنة شاهين الحالك , يكفيني إيصالك
هناك كعقاب فوحده كاف وزيادة "
نظرت له بطرف عينها نظرة يفهمها جيدا فتنهد باستسلام قائلا
" والدي كان من سيأخذك فما تغير في مخططكما فجأة ؟ "
قالت من فورها وبذات ضيقها
" تغير أنه وعدني أن نغادر من هنا منتصف النهار وأنا
أراه منشغل جداً اليوم ويفعل ذلك من أجلي فقط , ولأنه له إبنان
أطول منه وقد جعل لكل واحد منهما سيارتان بدل الواحدة فعليك
فعل ذلك بدلا عنه ودون نقاش "
رفع رأسه ونظر للسقف متمتما بابتسامة
" يا رب ارزقني زوجة مثلها أنام وتسهر على راحتي "
ضربته بالحقيبة في يدها قائلة بضيق
" وتزوج إذاً بما أنك تتوق للراحة , ثم وكأنه ينقصك
نوم ورفاهية ؟ "
مسد ذراعه حيث ضربته وقال متألما بتمثيل
" بالرفق علينا يا ابنة الحالك , كل هذا لتري شقيقك الذي كان
يجب أن يأتي هو لزيارتك وليس أن تشدي أنتي الرحال له من
الصباح الباكر ؟ "
رفعت حقيبتها مجدداً هامسة من بين أسنانها
" أباااان "
فقفز للخلف خطوة قائلا
" حسنا ... حسنا , نذهب لحوران ما في الأمر "
" أمي ... "
كانت ستتحدث لولا قاطعها ذاك النداء الأنثوي من خلفها فالتفتت
برأسها فقط ونظرت للتي تقف عند نهاية السلالم في الأسفل ثم نظرت
للواقف أمامها وقالت قبل أن تغادرمن عنده
" تحرك بسرعة ولا تتحجج بأن سيارتك بها خلل ما لتأخر الرحلة "
وغادرت من عنده على صوت تمتمته متحركا خلفها وكأنه يتعمد
أن تسمعه
" أمري لله والدتي ولا مفر لي منك يا حبيبة القيادة العليا للمنزل "
فتنهدت بيأس تهز رأسها متوجهة جهة التي تنتظرها هناك
فطوال سنين مكوثها هنا لم تجد حلاً لطويل اللسان هذا الذي ومنذ
صغره لا يخشى فعل أو قول شيء ولا يفكر في العواقب فكبر هكذا
متمرداً وعنيداً وما يعنيه يأخذه كمزحة صغيرة فكيف بما لا يعنيه ؟؟
وصلت عند الواقفة مكانها والتي كانت نظراتها تراقب أبان حتى اختفى
ثم نظرت لوالدتهاوقالت بصوت منخفض
" لقد تحدثت معها البارحة بالهاتف وسألتها كما طلبت مني "
نظرت لها لبرهة باستغراب قبل أن تستوعب عما كانت تتحدث
ثم قالت
" جيداً فعلت فأمامكم يومي إجازة قبل الامتحان القادم .
ها ماذا قالت لك عنها ؟ "
حركت بثينة كتفيها قائلة
" قالت أنها لا تدرس "
قالت جوزاء من فورها " تقصدين لا تدرس في مدرستكم ؟ "
حركت رأسها بالنفي قائلة " بل لا تدرس أبداً "
نظرت لها باستغراب لوقت قبل أن تقول " أبداً أبداً ... ؟ "
أومأت برأسها بنعم قائلة
" أجل فقد قالت حوراء أنها لا تخرج من المنزل أبدا "
قالت جوزاء بفضول
" أخبريني عن كل ما قالته لك عنها "
قالت من فورها
" قالت أن والدتها متوفية وأن والدها تزوج من أخرى رزق منها
بتوأمين من ثلاث سنين فقط وأنها لم تراها إلا مرات قليلة جدا وأن
زوجة والدها تمنعها حتى من حضور المناسبات "
نظرت لها جوزاء بصدمة بينما تابعت هي بضيق
" تصوري يا أمي أنها تعتني بالطفلين منذ ولدا وهي ابنة العشر سنين وتهتم بالدجاج والأغنام في مزرعتهم وتساعد في المزرعة أيضا وكل هذا ويحرمونها من الدراسة كباقي الفتيات في البلدة "
رمشت الواقفة أمامه قليلا قبل أن تقول
" وأين والدها من كل هذا ؟ "
أجابت من فورها
" ما فهمته من حوراء أنه رجل قاس جدا وسريع الغضب والجميع
يتجنبه ولا أصدقاء له من البلدة تقريبا وأنه جعل ابنه الأكبر يدرس الهندسة الزراعية مرغما رغم تفوقه وأنها فتاة مطيعة جداً درجة أنها لا ترفض ما يطلبون منها فعله ولا تشتكي لأحد ولا حتى عائلة والدتها "
تمتمت جوزاء بضيق
" لا حول ولا قوة إلا بالله ... ما هذا الاضطهاد !! "
وتابعت متمتمه وهي تلتفت خلفها
" وذاك الأحمق يريد تأجل الأمر حتى تكبر ؟
كبرت عللك يا ابن جوزاء "
قالت بثينة باستغراب
" تأجيل ماذا ومن هو ذاك الأحمق ؟ "
نظرت لها وقالت
" لا شيء انتبهي أنتي لدراستك ولا أعلم من الخادمات أنك تجلسين
أمام التلفاز أو غضبت منك وأنتي تعلمي غضبي جيدا , واعتني بشقيقتك جيداً فلن اتأخر في حوران كله يوم واحد فقط "
تنهدت باستسلام قائلة
" حاضر أمي رغم أن ابنتك وحدها كفيلة بإلهائي عن الدراسة "
قالت مغادرة من عندها
" اهتمي بشقيقتك ولا تتحججي يا بثينة فغيرك ربت توأمين "
وغادرت مبتعدة عن التي استدارت مغادرة من هناك أيضا متمتمه بضيق
" أنا الحمقاء جلبت لها ما قلبته ضدي , لا أعلم أيهما سأتحجج
به هروبا من الآخر دراسة مملة أم طفلة مشاغبة لا تتوقف عن الحركة ؟ "
وما أن خطت خطوتين حتى أوقفتها اليد التي أمسكت بظهر بيجامتها وسحبتها خلف العمود الرخامي
فالتفتت مبعدة يده عنها بحركة من ذراعها قائلة بضيق
" أبان لقد أفزعتني "
قال باستهزاء
" حقا افزعتك يا رقيقة القلب ؟ آسف إذاً "
تأففت في وجهه وكانت ستغادر فأمسك يدها موقفا لها وقال
" ما الذي كنت تتهامسين ووالدتي فيه ؟ ولما غيرت رأيك في زيارة العمران ؟ لا أعلم لما يخبرني قلبي أنك تلعبين لعبة نتائجها خطرة جدا يا بثينة "
استلت يدها منه قائلة
" لعبة ماذا هذه الخطرة يا غبي ؟
أنا لا ألعب معك ولا بك فكن مطمئنا "
كتف يديه لصدره قائلا
" إذاً ما الذي أخبرتها به همسا منذ قليل ؟ "
قالت بضيق
" موضوع يخص النساء ولا يخصك فكن مطمئناً , ثم هي
طلبت أن لا أخبر أحدا وأنا لن أفعلها ولا على قطع عنقي
أو سأخبرها أيضا بما طلبته مني من باب العدل طبعا "
نظر لها بصدمة قائلا
" تعترفين إذاً أن الموضوع يجمعنا نحن الأثنين يا أم العدالة "
شهقت في وجهه قائلة
" أنا لم أقل ذلك "
وتابعت بضيق
" لا تتهمني بما لا يد لي فيه والموضوع حقا لا يخصك بل
طلبت مني السؤال عن فتاة تدرس في مثل سني وأنا فعلت
ما طلبت ولا علم لي بشيء "
نظر لها بفضول سرعان ما تحول لحماس وهو يقول
" حقا سألتك عن ذلك ؟ "
نظرت له باستغراب دون أن تجيب فتابع
" وما جلبت لها من معلومات يا جهاز الاستخبارات العالمي "
قالت بحنق
" لا دخل لك في ذلك ولن أقول ويكفي ما علمته "
غادر من عندها ضاحكا وهو يقول
" لا يهم المهم علمت أن لها وجود "
وابتعد على نظراتها المستغربة فلم تعد تفهم شيئا مما يجري
حولها ويقحمونها فيه وما علاقة أبان بتلك الفتاة ولما تسأل
والدتها عنها ؟؟
شعرت بشيء ما شد بنطلون بيجامتها فنظرت تحتها سريعا للتي تفرك عينيها النصف مفتوحتان وقد خرج صوتها الرقيق الطفولي مختلط بعبرة بكاء مكتومة
" أين ماما ؟ "
أمسكت يدها وسحبتها معها بسرعة قائلة
" ماما في الحمام تعالي سأريك ما في خزانتي ويكاد يقتلك فضولا يا رفيقتي ليوم وليلية الله وحده يعلم كيف سيكونان "
*
*
*
رفعت المنشفة التي وقعت منها أرضاً ورمتها في سلة الغسيل
ثم فتحت باب الحمام وشهقت بقوة وقبضت بأناملها على ياقة
روبها الحريري وفرشاة الأسنان في يدها الأخرى تنظر بصدمة
للواقف أمامها يضع منشفة على كتفه وببيجامة النوم أيضا
ويمسك وسطه بيديه ينظر لها مبتسما بسخرية وقد قال حين طال صمتها وتحديقها المصدوم به
" ساعة كاملة لتغسلي أسنانك ! كم من الوقت تأخذينه في
الاستحمام ؟ "
تراجعت خطوة واحدة للخلف ورمت الفرشاة من يدها دون أن تهتم حتى لمكان سقوطها وصاحت بحنق
" ما الذي تفعله هنا ؟ "
قال بذات سخريته
" عجبا !! هل يسألون الشخص ما يفعل في شقته ؟ "
لوحت بيدها بغضب وكانت ستتحدث فلم تجد أي كلمات تتفوه
بها لأن ذلك هو الواقع
لكن لما ومطر بنفسه أخبرها أنه يملك مالا أكثر مما يملك هو !!
شدت حزام روبها حول خصرها بإحكام قائلة بضيق
" لا أصدق أنه لا مكان لديك غير هذه الشقة التي امتلكتها مؤخرا "
مرر أصابعه في شعره وقال بلامبالاة
" بلى كان لدي فيلا كئيبة واسعة وخالية تصيب المرء بالمرض
من شدة الملل فيها فبعتها لأني لا أحتاجها بما أنه لدي خيار أفضل "
ضربت قدمها بأرضية الحمام قائلة باستنكار
" لكني أعيش فيها وصديقتي أيضا ومطر أخبرني أنك لن
تخرجنا منها "
كتف يديه لصدره قائلا
" بلى وأنا من قال ذلك وموافق عليه أيضا "
ضربت قدمها بالأرض مجدداً وبقوة أكبر هذه المرة صائحة بغضب
" ما الذي تفعله هنا إذا وبملابس النوم ؟
هل ضاقت بريطانيا بك لهذا الحد ؟ "
قال ببرود من يسكب بنزينا باردا حد التجمد على نار مشتعلة
" لا تصدري كل هذا الضجيج في الحمام فثمة ما يسمى بالجن تسكن فيه تسمونهم أنتم أشباحاً يا جاهلين "
قفزت دون شعور منها خارجه ونظرت له بضيق وهو يدخله ضاحكا وقد أغلق الباب خلفه
فشتمته هامسة رغم أنه لم يعد موجوداً أمامها سوى الباب الذي دخل منه .
توجهت لغرفتها وما أن وصلتها حتى عادت أدراجها جهة الغرفة المجاورة لها والتي كان بابها مفتوح قليلا .
وما أن دخلت وقع نظرها فورا على التي أغلقت باب خزانتها للتو ونظرت لها وقالت بضحكة مكتومة
" ما بك وجهك كقطعة من البورسلين ؟ "
أشارت بيدها خلفها وقالت بضيق
" من سمح لذاك الرجل بدخول الشقة ؟ أنتي أليس كذلك ؟ "
ضحكت من فورها قائلة
" لا طبعا فهو من دخلها بمفتاحه الخاص وأعتقد أنه من يستقبلنا
هنا وليس العكس "
شدت قبضتاها بغضب وهمست من بين أسنانها
" وعرّفك بنفسه أيضا ذاك الهمجي ؟ "
جلست تلك على طرف السرير وقالت ببرود وهي ترفع اللحاف وتدس ساقيها تحته ونظرها عليهما
" أجل وقال بأنه سيقيم هنا لفترة وأنكما مخطوبان يا جاحدة .
هل تخشي أن أسرقه منك مثلا ؟ "
نظرت لها بصدمة سرعان ما تحولت لحنق وهي تقول
" وبما سأخبرك ؟ بخطبة كنت أظن أنها ستنتهي لأني لست موافقة عليها ؟ هذا الرجل لا أعترف به خطيبا أبداً "
استوت تلك في استلقائها وقالت مبتسمة تشد اللحاف حتى ذقنها
" لا تكوني غبية جيسي فلست أراه إلا رجلا مناسباً فما أن تبادلت معه حديثاً قصيراً أدركت بأنه أفضل شخص رأيتك برفقته منذ عرفتك "
ضربت باب الغرفة قائلة بغضب
" هنيئا لك به إذاً "
وغادرت من هناك جهة غرفتها بخطوات غاضبة ودخلتها مغلقة
بابها خلفها بقوة زلزلت الجدران
فهذا لم يكن في حساباتها أبداً وباتت تتوقع الأسوأ من ذاك الرجل
ولن تصدق أنه يفضل العيش هنا في الشقة معهما مهما كانت
مرفهة ويترك منزلاً كبيراً يخصه وحده
ولن يعني ذلك إلا أن هذا القليل من كثير جداً ينتظرها منه .
أمسكت هاتفها ولم تعرف تتصل بعمها أم شقيقها الذي لا تعرف
أساساً أرقام هواتفه الجديدة هناك وتعلم أنها لن تجد حلاً لكل
هذا لدى أياً منهما فهما يشجعان هذه المهزلة المسماة خطوبة
ولن ينصفاها أبدا .
رمت الهاتف من يدها متمتمه بحنق
" ثمة حل واحد فقط لكل هذا وسأفعله "
*
*
*
لا يعلم كم من الوقت مضى وهو يقف مكانه هناك وكل ما يعلمه
أنه كان وقتاً طويلاً مهما قصر والأفكار تدور به في دوامات متصلة
وهو يقف عند الحجز الخشبي يراقب الظلام في الخارج وهذا فقط ما
يعلمه أن الوقت ما يزال ليلاً .
لا يعلم ما يوقفه كأفكاره هكذا ؟ هل ليقرر في أمر حسم قراره فيه
مسبقاً ولن يتراجع عنه مهما كان الأمر ؟
إذاً ما هذا الذي يجعل عقله يدور في دوامة واسعة حد أن شعر
بالألم في رأسه ؟
مرر أصابعه خلال شعره الغزير وتنفس بعمق مخرجاً ذاك الهواء من
شفتيه نافخاً له بقوة فما عادت له رغبة ولا في العودة لعمله المتراكم
مجدداً , مرر أصابعه نزولا لقفى عنقه ثم أدار رأسه ونظر لأول
مرة للمكان الذي نزل منه ليكتشف حينها أن التي تركها هناك لازال
جالسة مكانها تحضن ساقيها وفستانها القصير مجموعاً حول ركبتيها
وتريح ذقنها عليهما
تنظر له بصمت يشبه صمته , لا بل يختلف عنه كثيراً فهو موقن من
أنها تستطيع قراءة صمته ذاك جيداً
بينما يعجز هو عن فعلها ولم يعد يمكنه التكهن بما تفكر فيه تلك الفتاة
وما أرادته حقا بحديثها ذاك الوقت تحديداً.
فليس يعتقد أنه سيعنيها أن تصنع شرخاً واسعاً بينه وبين جده
فالغبي فقط من سيعتقد أنه لن يستطيع معالجة الأمر وإن بإخباره
الحقيقة التي سيعرفها أساساً من تلقاء نفسه ما أن يعلم بأنه أخرجها
من المنزل فما كان غرضها الحقيقي من كل ذلك ؟؟
طال الصمت بينهما بطول تحديق كل واحد منهما بالآخر هي
تجلس مكانها وعلى ذات هيئتها
يغطي أغلب جسدها ذاك الحرير البني الطويل وهو يقف مكانه
يديه في جيبي بنطلونه الرياضي المريح وقد ارتفعت بحركته تلك
أطراف قميصه الشتوي تلقي الأنوار الخفيفة في الخارج والتي
تتسلل من فتحات الحاجز الخشبي خلفه ظلال مضيئة على ملامحه
الساكنة تماماً .
كانت ردة الفعل الأولى ناجمة من الجالسة في الأعلى وقد أبعدت يدها
ورفعت بها الإبريق الفارغ واخترق صوتها الرقيق المنخفض سكون
المكان حين قالت
" ألن تجلب لي بعض الماء أم قررت معاقبتي بالموت عطشاً ؟ "
وجد رأسه يتحرك بالنفي لا إرادياً وتحرك من مكانه وصعد
عتبات السلالم بخطوات واسعة
حتى أصبح عندها وبدلاً من أن يأخذ منها إبريق الماء ويحمله حملها
هي بين ذراعيه عن الأرض وسار بها في صمت جهة الغرفة يدها
تقبض على ظهر قميصه لتتجنب التعلق بعنقه كي تثَبت نفسها
حتى وضعها على السرير وغادر في صمته ذاته نظراتها تتبعه
ثم سمعت خطواته وهو ينزل السلالم وما هي إلا لحظات وعاد
حاملاً الإبريق الممتلئ بالماء
ووضعه على طاولة السرير ونظره على التي أخذت علبة الأدوية
وأخرجت منها قرصين فتمتم بخشونة
" قرص واحد "
فرمت أحدهما في سلة القمامة الصغيرة تحتها دون تعليق ثم قالت
ونظرها على قرص الدواء الدائري الصغير في كفها
" لما أنت غاضب مني ؟ لقد آلمت ذراعي وقتها حقاً فأنت كنت
غاضب ولا تعلم بشدك القوي عليها "
لم يعلق على ما قالت ولم يفارق نظره ملامح نصف وجهها
المقابل له حتى رفعت رأسها ونظرت لعينيه مباشرة فقال بجمود
" ألم يدي لذراعك جعلك تنطقين بينما ضرب نجيب المبرح لك لا ؟ "
أبعدت عينها التي تلونت أحداقها بذاك الغضب الرمادي القاتم
مجدداً وتمتمت تقبض بأناملها على قرص الدواء في كفها بقوة
" أعتقد أن ما جلبك لجناحي وقتها صوت صراخي المرتفع "
حرك رأسه يميناً مبعداً نظره عنها أيضاً ومرر أصابعه في شعره
وشعر بذكرى ذاك اليوم ومنظرها ذاك يعرض أمامه وكأنه الآن ,
وكأنها تذكره بعجز الجميع عن إنصافها
وأن الوضع هو ذاته إن كانت خرساء أو لها لسان يتحدث أكثر
من لغة .
نظر لها حين وصله صوتها الهادئ مجدداً
" إن كان بسبب رد فعل جدك فالأمر سهل أخبره بالحقيقة
وينتهي كل شيء "
شد على فكيه بقوة من دون أن يعلق فهذه الفتاة وضعت عقله
بين نقطتين ضيقتين .
لا يصدق أنها تحمل من البراءة بهذا القدر الذي يظهر عليها
ولا يمكنه أبدا النظر لها كمذنبة وتغيير رأيه بها ولا يستطيع فهم
خبايا امرأة يجهل عن ماضيها وحياتها الكثير مهما كان محامٍ ناجح
فمن تكونين يا زيزفون ؟؟
لم يتحدث ولم يزح نظره عن وجهها حتى رفعت
نظرها به مجدداً وقالت بابتسامة صغيرة لم تخفي السخرية فيها
" أو أن الأمر يخص علاقتك المتأزمة بزوجتك ؟ "
شد قبضته بقوة ومال بجسده نحوها في حركة جعلتها تتراجع
زاحفة قليلا للوراء وقد وصلت قبضته لأنفها سريعاً وهمس
يضغط بها عليه ونظره على عينيها القريبة منه
لدنوه الكبير منها
" هل تعلمي إن لم يكن وقاص غبيا وكنتِ محللة له الآن
ما كنت سأفعل بك ؟ "
اتسعت عيناها الزرقاء بصدمة وعدم استيعاب وهمست بصوت
تغلبت عليه رجفة خوف رغماً عنها " ماذا تقصد ؟ "
دفعها بقبضته حتى ارتمى رأسها على الوسادة القريبة منه
وهمس مغادراً
" أقصد سحقا لوقاص "
وغادر مغلقا باب الغرفة خلفه
*
*
*
ما أن نزل آخر عتبات السلالم حتى وقع نظره على الواقف عند باب
جناحه ينتظر نزوله من وقت مستندا بإطار الباب ومكتفا يديه لصدره
ينظر له نظرة من لا مفر له من موافقة ما يريد
وإن كان نتيجته جدال مؤكد قد يتحول لشجار كما يتوقع ، تحرك نحوه
في صمت وكان رد فعل عمه صقر مماثل إذ دخل الجناح في صمت
أيضا ووقف منتصف ردهته حين سمع صوت إغلاق مطر للباب
بعد دخوله فالتفت ناحيته وملامحه لم تخفي ضيقه أبداً
وكان سيتحدث فسبقه مطر قائلاً بجدية وقاطعاً سيل توبيخه
الطويل له فوراً
" رجاءً يا عمي ما بيني وبين غسق لا أريد لأحد أن يتدخل فيه
ولا حتى والدها نفسه "
كانت كلمات واضحة ومفهومة لن يكون المقصد منها سوى
الصمت التام
لكن عبارته تلك لم تجد أي صدى عند الواقف على بعد خطوات
منه وقد انفجر فوراً
" تيما ليست أمراً عالقا بينكما يا مطر ولا أحد له أحقية التدخل
فيه ، غسق والدتها ولها الحق مثلك تماماً بل وأكثر "
تنفس مطر بقوة قبل أن ينطق بذات كلماته الجادة
" وأنا لم أنكر هذا الحق "
لوح صقر بكفه قائلا بذات ضيقه
" وما معنى رفضك أن تذهب لها ؟ ما معنى أن لا تشرح
لها أسباب تركك لها كل تلك الأعوام وأخذها منها ؟ ظننت أن
أول ما ستفعله فور نزولك أرض الوطن أن تضمها لحضنك
مجدداً , أن تجبر كسرها السنوات العجاف الماضية
أن تلملم جروحها النازفة من كل مكان وهي من فقدت كل شيء
حولها حتى الرجل الذي رباها ورعاها
وليس أن تتجه فورا لمشاكل غيرك تُخرج لها حلولاً من تحت الأرض
متجاهلا أقرب الناس لك وأحوجهم لحلولك تلك ... ابنة عمك التي
رميتها ليس لإهانتك لها فقط وأنت تتخلى عنها بل ولألسن الناس
أجمع وهم يلتهمون لحمها بعدما رماها ابن شاهين ورحل ، وابنتك
المراهقة الرقيقة التي تبكي شوقاً لوالدتها بالخفية عنك كي لا
تجرحك ولا تعصيك ... "
قاطعه ببرود وكأنه لا يشتعل أمامه غضباً
" اذهب واسرد سيل تلك الأسباب والأعذار أمامها وستكون محظوظا
إن لم تطردك "
وتابع وقد تحولت نبرته للحزم مغلقاً أي باب لنقاش أعمق في الأمر
" ما بيني وبين غسق لن يستطيع أحد فهمه ولا شرحه فاتركوا
الأمر لي يا عمي رجاءً "
حرك صقر رأسه متأففا وكأنه يجبر نفسه على الصمت وليس
الفهم والتفهم كما طلب منه
وهو أكثر من يعلم بأنه على حق وأنه لا رجل على وجه هذه
الأرض يمكنه أن يفهم ما بها وأن يحتويها ويلملم جراحها إلا
الواقف أمامه الآن ولا حتى والدها الحقيقي مثلما عجز شراع
صنوان وأبنائه عن فعلها رغم وجودهم حولها طيلة الأعوام
الماضية .
ورغم الحب والتفهم الذي يغدقونها به , فما أقسى أن يكون
طبيب جراحك النازفة دون توقف هو من غرس نصل سكينه
في قلبك طعنة تلو الأخرى .
تحرك من مكانه عدة خطوات حتى أصبح واقفا أمامه مباشرة
وشد بيده على كتفه وقال بحزم وعيناه تنظران للأحداق السوداء
أمامه مباشرة
" أنت من بات يلقبونه برجل العدالة يا مطر فلا تظلم ابنة
عمك وتحرمها ابنتها "
أومأ له برأسه موافقاً دون حديث فشد على كتفه أكثر وقال
" بل أنطقها يا مطر وعدني بذلك ولا تجعل من الفتاة ورقة
لعب بينكما "
أومأ له برأسه مجدداً وخرجت الكلمات من شفتيه هادئة متأنية
هذه المرة
" أقسم لن أمسكها عنها يا عمي وأعتقد أنه سيرضيك أن تنتزع
ابنة شقيقك حقوقها بيديها "
نظر له صقر لبرهة باستغراب وكان سيتحدث لولا قاطعه الباب
الذي طُرق طرقتين خفيفتين قبل أن يدور مقبضه وينفتح كاشفاً
عن التي كانت خلفه والتي قالت بحياء ما أن اكتشفت وجودهما
" آسفة عمي ظننت أنك لوحدك أو غادرت "
وكانت ستتراجع ساحبة الباب معها حين قال مطر والذي كان
يوليها ظهره
" تعالي يا تيما "
فوقفت مكانها ونظرت لعمه الواقف مقابلا له ولها نظرة ملئها لوم
وكل ما فكرت فيه أنه أخبره عما دار بينهما من حديث وفهم والدها
بذلك أنها تريد مغادرة المكان لوالدتها وأنها لا تريده وذاك ما كانت
ترفض أن يشعر به والدها ولا عن طريق الخطأ.
قال صقر مبتسما لها وموضحا موقفه لتفهمه هي فقط
" تعالي فوالدك معه حق يتصبح في وجهك كل يوم قبل أن يخرج "
ابتسمت له حينها بارتياح وهمست له محركة شفتيها فقط
" شكرا يا عمي "
أومأ لها صقر برأسه مبتسما دون أن يعلق وتحرك جهة باب
جناحه الآخر والذي يوصله للخارج مباشرة وغادر مغلقاً إياه
خلفه تاركاً الواقفة هناك مكانها تنظر للذي لازال موليا ظهره
لها وقد وصلها صوته الجاد
" أغلقي الباب وتعالي يا تيما فثمة ما علينا التحدث عنه "
دست خصلات شعرها خلف أذنيها بتوتر وتحركت بخطوات
مترددة نحوه بعدما أغلقت الباب كما طلب وما أن وصلت عنده
حتى رن الهاتف في جيب بنطلونه فأخرجه ونظرله ثم وضعه
على أذنه قائلا
" نعم "
سكت قليلا ثم دار بجسده للخلف مواجها لها وقال ناظراً لعينيها
ومحدثا من في الطرف الآخر
" افتحوا الأبواب ولا أحد منكم يعترض طريقها "
ثم أنهى المكالمة ودسه في جيبه مجدداً وتحرك من هناك
ونظراتها المستغربة تتبعه وقد قال بأمر مجتازا لها
" ابقي هنا ولا تخرجي دون أن آذن لك "
*
*
*
توقفت بسيارتها النسائية الفاخرة أمام باب المنزل الذي لم تزره ولا
مصادفة طيلة الأربعة عشرة عاماً الماضية.
ولم تتخيل أن تدخله من تلقاء نفسها مجدداً , لكن ما يدفعها هذه المرة
ليس نسباً مجهولاً تبحث ورائه ولا قلباً جريحاً يستجدي الرحمة من
ذكريات قد طوتها السنين خلف تلك الجدران الصماء.
بل ابنتها ... طفلتها التي انتشلوها من رحمها
للمجهول وللبعيد حيث لا يمكنها الوصول لها فكيف بإمكانها أن تصبر
على فراقها أكثر من ذلك وهي تعلم أنها هنا ؟
أي قلب هذا الذي سيطاوعها على فعلها !
دخلت ولم تتساءل عن السبب الذي جعل الأبواب تفتح أمام سيارتها
دون أن يوقفها أي فرد من كل تلك الحراسة المشددة عند بوابته
الحديدية الواسعة .
ولا عن باب المنزل الداخلي الذي وجدته مفتوحاً حين ركنت سيارتها
بعيداً عنه بضع خطوات وكأن دخولها هناك معززبأوامر لا نقاش فيها
ووصولها أمر مسلم به .
لم تفكر في كل تلك الأمور ولا الإيماءات
المدججة بالاحترام وسيارتها تعبر أسوار ذاك المنزل الضخم فهي هنا
من أجل شيء واحد ولن تعرفها جدران هذا المكان بعدها مجدداً .
نزلت من سيارتها تاركة بابها مفتوحاً وكأنها تخبر نفسها قبل الجميع
أن وجودها هنا لن يتجاوز الدقائق المعدودة لترجع من حيث جاءت
لمملكتها البيضاء لحيث غسق الحاضر تاركة الماضي هنا خلفها مجدداً
الماضي الذي حاولت جهدها وهي تشق أسواره الآن أن لا تلتفت لأي
زاوية ترجعها إليه .
لا الحديقة التي شهدت ضحكاتها يوماً , لا تلك الطاولة بمقاعدها
الحجرية لا الأشجار لا الماء ولاصوت الطيور التي كانت تسمعها كل
صباح في ذاك الماضي البعيد ولا حتى المكان الذي كان يركن فيه
سيارته سابقاً .
هي لم تعد من هنا لا تنتمي لهذا المكان ولا تريد لأغلال ماضيه
أن تقيد مشاعرها به مجدداً فلم تعرفه إلا دخيلة غريبة ويوم
تحررت منه باختيارذاك الرجل وليس بإرادتها هي تحررت منه
وللأبد .
سارت رأساً نحو الباب الخشبي الضخم المفتوح وصعدت عتباته
القليلة ووقفت مكانها ما أن اجتازته ببضع خطوات
ضربات قلبها تزداد صعوداً حد الألم ليس بسبب رائحة المكان التي
لم تغيرها السنين في داخلها ..
ليس بسبب الوجع الذي اتقد في قلبها ما أن رأت تفاصيل المنزل
الذي احتاجت لأعوام كي تتخلص من بقاياها العالقة في قلبها الصغير
المذبوح .
بل ما جعل قلبها يخفق بسرعة لدرجة شعرت معها أنه يسحق في
داخلها هو الباب الذي انفتح ببطء
كاشفاً عن صاحب الجسد الطويل الذي وقف أمامه ينظر لها بصمت
بقميصه الأبيض وزريه العلويين مفتوحان وبنطلون أسود شديد
الأناقة وكأنه قادم لتوه من إحدى اللوحات المعلقة على الجدران
هل يتوقف الزمن هكذا ليأخذ أحدهم للمستقبل كما هو ؟
أليست هذه ذات العينين السوداء التي عرفتها من أربعة عشرة عاماً ؟
أليس الشعر ذاته ؟
الحاجبان الأنف المستقيم واللحية السوداء المقصوصة بعناية !!
لما ظلمها هي الزمن وباتت ترى نفسها بكل ذاك الهرم
بينما لم تفعل السنين بهذا الرجل سوى أن زادته القوة إن في
عضلات جسده المتناسق الطويل أو في شخصيته القيادية المسيطرة
أو حتى في نظرته الذكية الواثقة التي أعطت معناً جديداً لعبارة مهيب .
شدت قبضتاها بقوة بجانبي جسدها وكرهت نفسها فوق المستوى
الذي ضنت أنها وصلته ناحية ذاك الرجل , لم تتخيل أن الكبرياء
أصعب شعور تمسك به الإنسان منذ القِدم إلا تلك اللحظة .
أن العناد ووأد المشاعر أمر يستنزف كل طاقة الجسد لتستطيع
فقط التمسك به بوهن , كانت تجاهد جهاد جندي وسط ساحة العدو
فقد سلاحه وعزيمته وكل شيء
وهي تصارع باستماته حتى عيناها المجهدة كي لا يرى الرجل الواقف
هناك يحدق بهما تحديداً كم هما مليئتين بالألم وخيبة الأمل وأنّ مجرد
رؤيتها له أشعلت الغيرة في قلبها
وكأن ما حدث ذاك اليوم يحدث الآن .
أنْ لا يقرأ في حدقتيها السوداء الواسعة أن نظرة واحدة منه
كفيلة حتما بجعل قلبها ينفعل بطريقة جنونية .
لا ليست غسق ولن تعترف بنفسها إن فعلتها
وإن استطاعت نسيان كل ما قاسته سابقاً بمجرد النظر للرجل الذي
جاهدت عمرها حد أن تيقنت من أن لقائها به لن يحرك بها ساكناً ,
أنها لن تنظر له إلا كأي رجل يعبر رصيف الشارع أمامها لا يعنيها في
شيء ولم تعرفه يوماً .
وكما تحولت هي لامرأة لا تعنيه منذ تركها خلفه عليه أن يكون
كذلك وأكثر , وكما تركها للزمن يدمر دواخلها حتى حولها
لرماد بينما حاز هو على كل ما حرمت هي منه .
كانت قوية وثابتة رغم أنها من الداخل تحترق كالرماد بسبب
كل تلك الأفكار التي رمتها في دوامة آنية
ولم تكن تعلم بأنها لازالت تمتلك من غسق الماضي كل شيء
وأنها أيضاً وقفت أمام الواقف هناك وكأنها شبح عادت به
أطياف الماضي رغم ملابسها السوداء ورغم حجابها
الأسود والذي لم يزد سواد عينيها وحاجبيها الرقيقان ورموشها
الكثيفة والبشرة ناصعة البياض إلا فتنة .
أنها لازالت حسناء صنوان الكفيلة بتحطيم أسوار قلب أي رجل
يراها أمامه مهما كان منيعاً ومحصناً فكيف بمن عرفها أقرب
له من غيره ؟
من نامت في حضنه وبكت وتحدثت أنثى تحتمي من كل شيء
بحضن رجولته ؟
من عرفها وارتبط بها قبل أن يراها ومن كانت وحدها قادرة
على العبث بمسارات حياته وشخصيته كيف تشاء .
أجل لازال هناك تلك النظرة العنيدة المحاربة التي عشقها
فيها منذ رآها أول مرة ترميه بها الآن دون رحمة .
كانت نظراتها من أعلنت الهزيمة أولاً وهي تبعدها عن عينيه
وقد أخذت أجراس الانذار تقرع في عقلها الباطن قبل أن
تهزمها مشاعرها ودارت بحدقتيها في المكان وتمكنت ببراعة
أن تنظر له باستخفاف وكأنه كومة أخشاب لا تساوي في نظرها شيئاً .
وما أن وصل نظرها للسلالم بجانبها سكبت على جرحها الرماد
طامره ألم طعنته فيه وأبعدته عنه مديرة وجهها بحركة سريعة
وعلى شفتيها ابتسامة باردة تحكي كل معاني السخرية
ليس من المكان ولا من الماضي البعيد بل من تفاهة مشاعرها
آن ذاك حين غفت على عتباته تنتظره في الليل الطويل البارد .
من تعزيزها لرجولته وهي تنتظره وتحترق عليه غيرة , حركة إن
أرادت بها إصابة الواقف هناك في مقتل فقد أصابت هذه المرة
هدفها وببراعة
" أين ابنتي ؟ "
كانت عبارتها تلك ما كسر الصمت التام بينهما ما أن عادت
بنظراتها الباردة لعينيه
وكأنها تطالب بحق من حقوقها لا نقاش لأحد فيه وهي من
تركتها له في صمت ما أن وضع شروطه تلك منذ أعوام مسلمة
في فلذة كبدها لتلحق باقي خسائرها العظيمة تلك .
أما اليوم فها قد زال كل سبب جعلها تصمت وتصبر وتكابر
لأعوام فوالدها مات والبلاد عاد شبح التفكك يهاجمها من جديد
فلن تصمت على حقوقها بعد اليوم , انتظرت أن يعلق على ما
قالت وطال انتظارها ولا جواب سوى الصمت وتلك النظرة
الهادئة المبهمة التي لم تفارق عيناها ..
نظرة جعلت قلبها ينفعل بطريقة غريبة حتى كادت تفقد السيطرة
عليه مجدداً وهو يتقدم نحوها بخطوات بطيئة وقد كابدت كل جهدها
كي لا تتراجع بسبب اقترابه .
وقف على بعد خطوات قليلة فتنفست نفساً متقطعا كي لا يظهر
ارتياحها بتوقفه المفاجئ وكأنه تراجع عن أمر ما لازالت تجهله
ولا تعلم أنه لم يمنع نفسه إلا عن امساكها وضمها إلى صدره ،
عن سحق ذاك الجسد الأنثوي النحيل وسط أضلعه حد أن يشبع
شوقه المتراكم من أعوام , تراجع خطوتين للوراء مجدداً
ولم يعد بإمكانها التكهن بردود أفعاله فكما عرفته سابقاً رجل يفعل
أكثر مما يتحدث ويقرر
ولا أحد يناقشه في قراراته وعلى هكذا تربى واعتاد واعترف
بذلك لها بنفسه سابقاً كما قاله لها كل من عرفه .
لكنها ليست غسق الأمس ليست تلك الفتاة التي استجدت عطفه
عليها وغفرانه لأخطاء لم ترتكبها , من لا تخرج ولا تدخل ولا تتنفس
إلا بأوامر منه .
هي الآن أصبحت حرة سيدة نفسها ليس منذ وفاة والدها شراع بل
منذ طلقها وتركها خلفه ولا حكم له عليها ولا من باب القرابة فهي
لا تعترف بهم أهل لها .
تعالت ضربات قلبها فوق ضعف المستوى الخيالي السابق
حين مال برأسه لليمين قليلا وتحركت حدقتاه السوداء هناك في
أول مرة تفارق فيها عيناها وكأنه ينظر لشيء ما خلف الباب
الشبه مغلق خلفه وخرج صوته ونبرته الرجولية العميقة
المبحوحة قائلاً
" تيما تعالي "
امتلأت عيناها بالدموع التي لم تستطع التحكم بها أكثر وهي
تسمع اسم ابنتها الذي لم تعرفه إلا الآن يليه صوت الباب الذي
انفتح من خلفه ببطء ثم الصوت الأنثوي الرقيق قائلا
" نعم أبي "
شدت قبضتاها حتى شعرت بأظافرها تخترق لحمهما تشعر
بقلبها يرتجف فأغمضت عينيها لبرهة راجية أن تخفي الموت
البطيء الذي كانت تشعر به في أعماقها , وما أن فتحتهما
وقع نظرها فوراً على التي أصبحت واقفة بجانبه تنظر لها
باستغراب سرعان ما تحول لسُحب من الدموع والحنين ..
لا تعرف المرأة الواقفة هناك لكن عمها صقر أخبرها بأنه
لا امرأة أجمل من والدتها وهذه لا أجمل منها على الإطلاق ,
لم تراها يوما لكن عيناها تخبرانها بأنها تشبهها تماماً , بأنها مثلها
تبحث عن جزء منها فقدته من أعوام طويلة
وبحثت عنه حتى في أطياف أحلامها , شعرت بقدميها تتحجران درجة
أنها لم تستطع التحرك من مكانها وبلسانها يثقل رافضاً الحركة
والحديث خشية أن تكتشف أن ظنونها خاطئة
وأن هذه المرأة ليست سوى عمتها التي تجهل شكلها أيضاً , لكن إن
كانت هذه عمتها حقاً فكيف ستكون والدتها !
ليست تتخيل أن تصل امرأة لكل هذا الحسن غير المسماة بحسناء
صنوان , هذه لا امرأة أبداً أجمل منها ولم تلبس يوماً الأسود واحدة
بجمالها
كانت تستجدي كل شيء فيها لفعل أي شيء غير الدموع التي جرت
من مقلتيها دون استئذان وانطلقت راكضة جهة الواقفة هناك عند باب
المنزل ما أن تحركت شفتاها هامسة دون كلام
" ابنتي ... "
ركضت ناحيتها بدون تفكير ما أن وصلتها تلك الإشارة التي كانت
تنتظر أي شيء يشبهها
لتتأكد أن الأمر حقيقة فعلاً وأنها والدتها التي انتظرت لقائها باليوم
والساعة لأعوام طويلة مضت , أن حلمها الطويل البعيد المستحيل ذاك
تحقق فعلاً والذي كاد أن يكون مستحيلاً من جديد ما أن علمت أن
والدها يرفض ذهابها لرؤيتها .
ارتمت في حضنها وبكت كطفل صغير لا يفكر في التوقف عن البكاء
أبداً , بكت الشوق والحنين .. بكت السنين القاسية التي قضتها بعيداً
عنها , بل وبكت سنيناً من الوحدة تمنت فيها أن تسمع وإن صوتها
من بعيد .
كانت تضمها بذراعيها بقوة بينما هي خائرة القوى أمام كل
ما حدث يداها مرميتان جانباً
لم تستوعب حتى الآن أن تكون هذه ابنتها !
هي أكبر وأنضج مما كانت تتخيل , أجمل مما صور لها خيالها من
صور ! وأرق من أن تكون ابنة القاسي الواقف هناك ... أجل
هذه ابنتها هي وتشبهها في كل ذلك .
تمكنت من تجاوز صدمتها أخيراً ورفع يديها وضمتها بشوق
يشبه شوقها وأغمضت عينيها بقوة وتلك الدموع الحارة تنساب
منهما , ابنتها صغيرتها الوحيدة التي حرمت من رؤيتها وهي تصل
لهذا الطول والعمر فما أصعب الفراق حين نضن أنه أبدياً وما
أشد اللقاء حين ينسف كل تلك الاعتقادات ,
من قال أن الأم هي فقط التي ربت وسهرت وتعبت فما سر ما تشعر به
الآن وهي تحضن فلذة كبدها التي كبرت بعيداً عنها ؟
أجل لم تسهر ليلة لبكائها ومرضها لكنها سهرت ليالٍ طويلة في
مناداتها بصمت تدفن شوقها وحنينها وأمومتها تحت ركام مشاعرها
مرغمة .
ضمت رأسها بيدها تدفن وجهها ودموعها الصامتة في شعرها
تقبل خدها تارة وخصلات شعرها تارة أخرى ولم تعد تهتم لشيء
أو لأحد ولا للواقف هناك ومن أقسمت سابقاً أن لا يرى دموعها
مجدداً والذي لم تنتبه ولا بأنه اختفى بعد ذاك المشهد ولم يعد له
وجود في المكان .
أبعدتها عنها تمسح لها وجنتيها الغارقة في الدموع تنظر بعينين
باكية لتلك الأحداق الزرقاء وهمست ببحة وحزن
" كيف حالك بنيتي ؟ اسمك تيما أليس كذلك ؟ والدك ناداك كذلك ؟ "
عادت للارتماء في حضنها تبكي بعبرة تجعل الحجارة تنطق وهي
من ضنت أنه لا وجع أكبر من فراقها لها لتكتشف الأسوأ وهو أنها
لم تعرف اسمها إلا الآن ، أي ظلم هذا الذي عاشته هذه المرأة التي
حتى بكائها يرى ولا يسمع ؟
ما يكون هذا السبب الذي لازالت تجهله جعلهم يأخذونها منها ؟
تعلقت في حضنها أكثر وقالت بعبرة
" أحبك أمي .... قسما أشتاق لك في كل نفس أتنفسه "
ضمتها أكثر تقبل رأسها ودموعها تسقي تلك الخصلات السوداء
الناعمة .. تسقي حنينها وشوقها لسماع تلك الكلمة التي وحدها كفيلة بإرواء أمومتها الضائعة ...
( أمي ) ما أعظمها من كلمة لم تعرف معنى لذة سماعها إلا الآن ، كم
افتقدتها .. كم حلمت بها
وتمنتها بحجم شوقها لطفلتها التي لم تراها منذ ولدت .
أبعدتها عنها مجدداً وأمسكت وجهها تشبع نظراتها المشتاقة
بملامحها البريئة الجميلة
ابنتها التي بالفعل هي انثى ناضجة كاملة عكس ما رسمت لها من
صور طوال الطريق الطويل الذي قطعته من منزلها إلى هنا تتخيل
حتى أن ترفضها لأنه أخبرها أنها لا تريدها , لا تنكر أنها رسمت
له صوراً أبشع من القسوة , وكيف لا وهو من
استطاع حتى أن يأخذها منها دون رحمة .
مسحت بكفها على وجنتيها مجدداً هامسة
" لا تبكي بنيتي لن يفرقنا شيء ولا أحد مجدداً أعدك "
أمسكت يدها وقبلتها ثم ضمتها لحضنها وهمست أيضاً ناظرة
للأحداق السوداء الدامعة لأجمل عينان رأتهما منذ ولدت
" سامحيني أمي ، سامحيني أرجوك فلم يكن ثمة طريق
يوصلني إليك "
مسحت بكف يدها الأخرى على شعرها قائلة بحنان
" الذنب ليس ذنبك يا تيما ليس ذنبك ولا ذنبي بل ذنب من
حرم الأم وابنتها من بعضهما "
جمدت ملامحها ولم تعرف ما تقول بل لم تترك لها هي أي مجال
وقد سحبتها من يدها خارج المنزل قائلة
" لكن ذلك لن يحدث مجدداً وسنكون معاً للأبد "
وقفت ما أن نزلت السلالم بسبب التي جمدت مكانها والتفتت لها وقد قالت بعبرة
مكتومة والدموع تملأ عينيها مجدداً
" أمي ما تعني بأنه لن يحدث مجدداً ؟ "
قالت من فورها وبجدية
" أعني أني لن أتركه يأخذك مني مجدداً وسنكون معاً
ولا أحد له الحق في أن يفرقنا ولا القانون "
مدت يدها وأمسكت كفها وضمته بين كفيها وقالت ودمعتها
الأولى تتدحرج من عينيها
" أمي أتركينا ندخل ونتحدث بروية عن كل هذا "
نظرت لها باستغراب لبرهة ثم همست
" نتحدث عن ماذا في الداخل ؟ "
شدت على يدها أكثر تضمها لصدرها وقالت برجاء باكي
" أمي أرجوك دعينا ندخل , أمي هو والدي أيضاً وسيكون وحيداً بدوني أنتي لــ.... "
سحبت يدها منها وقاطعتها قائلة بحزم
" لن أدخل منزله ولا تفاهم لي معه في أي شيء وخصوصاً أنتي "
مررت أصابها في شعرها ترفعه للأعلى عن وجهها وقالت ببكاء لم
تستطع إمساكه
" أمي أرجوك والدي سيكون وحيداً , الوضع معه يختلف عنك ولا
يمكنني تركه للأبد "
نظرت لها بصدمة قائلة
" ترفضين المغادرة معي ؟ "
أمسكت يدها مجدداً قائلة برجاء باكي
" أمي حلفتك بالله أن لا تفهمي الأمر
كما .... "
سحبت يدها منها مجدداً قائلة بضيق
" وحيد يا تيما ؟ والدك وحيد هنا ! وأنا من وضعي يختلف عنه ؟
أنا التي أعيش وسط عائلة أبنائها ليسوا أشقائي وعمتهم لم
تكن يوماً عمتي .. أنا هي التي لست وحيدة بينما والدك وحيد !! "
تراجعت بعدها خطوة للوراء وقالت بسخرية تنطق أحرفها
مرارة وكأنها تخرج من صميم أوجاع قلبها المتراكمة تراقب
عينا ابنتها الباكية
" كان عليا أن أتوقع هذا وأن ترفضينني يا ابنة مطر فأنتي تربيته "
حركت رأسها برفض ودموعها تزداد نزولاً وقفزت راكضة خلفها
ما أن استدارت الواقفة أمامها مغادرة جهة سيارتها وأمسكت
بيدها تحاول إيقافها قائلة ببكاء
" أمي انتظري أرجوك .... أمي ليس الأمر كما تحاولين فهمه "
كانت تتبعها ممسكة بها تحاول إيقافها وتترجاها باكية
وكل ما كانت تفعله الأم المجروحة بعمق إسكات صوت قلبها
وصم أذنيها تسحب قدميها وكأنها تمشي على الجمر وهي تترك
ابنتها للمرة الثانية يأخذوها منها في صمت لكن هذه المرة تلك
الرضيعة لم تعد كما كانت لا يمكنها أن تقرر مصيرها بنفسها وها
هي اختارت وبطريقة قاسية هي أكيدة بأنها كفيلة بجعلها تندم على
قدومها إلى هنا بنفسها وهي من لم تكلف نفسها عناء أن تشعر بها ..
بمشاعر تساوي ما فعلته من أجلها وهي تدخل هذا المكان مجدداً ,
كان جرحها من ذاك الرجل ما يزيد اشتعالها حينها وهو يسجل انتصاره مجدداً عليها لتخرج من المكان خاسرة ...
أجل خسرت كل حرب دخلتها معه ، حتى ابنتها التي حرمها منها
دون أي ذنب عرف كيف يجعلها له وللأبد فلن تستغرب الآن أنه
لم يرفض رؤيتها لها ونادها فور طلبها لها .
" تيما "
كان ذاك الصوت الرجولي الآمر ما جعل من كانت تتبعها وتسحبها
لعلها تجبرها على الرجوع تترجاها ببكاء تقف مكانها وتلتفت له
وهو واقفً عند الباب ينظر لها عاقداً حاجبيه ,
وما جعل التي وصلت عند باب سيارتها المفتوح تسجل وجعا
ً جديداً وجرحاً أعمق من مما سبق جميعا
فسحبت يدها منها دون أن تنظر لأي منهما وركبت سيارتها
تجاهد كل شيء فيها وأولهم قلب الأم الكسير كي لا تلتفت للتي
بدأت بالطرق بكفها على زجاج النافذة تناديها باكية
وتترجاها بنحيب يصلها بوضوح وتشعر به يمزق قلبها بلا رحمة ,
لكنها ابنته وهي من نسي ذلك , ابنته التي اختارته عليها رغم
أنه من استحوذ عليها بأنانية لأربعة عشرة عاما مضت فأين حقها
هي فيها ؟
أين العدل يا ابنة مطر شاهين يا ابنة الرجل العادل مع الجميع !
ما أن وصلت أفكارها عند تلك النقطة داست مكابح السيارة
وأدارت المقود بقوة وتحركت من هناك مرغمة نفسها على تجاهل
التي تبعت سيارتها ولازالت تطرق نافذتها باكية ومتجاهلة لأول
مرة في حياتها أوامر الواقف هناك عند أعلى عتبات الباب
رغم مناداته لها بأمر مجدداً فكيف تترك من انتظرت طوال عمرها
أن تراها وإن من بعيد ؟
كيف وهي رأتها وسمعت صوتها واختبرت حضنها الذي لم
يضاهيه حضن ؟
لما يطلب كل واحد منهما منها المستحيل ؟ كيف تترك والدها للأبد
فهو والدها فوق كل شيء ؟
وكيف تترك والدتها تحرمها منها مجدداً وهي من لم تصدق أن
وصلت لها ..
أن داست قدمها البلاد التي تعيش فيها فقط لأنها فيها ,
تباطأت خطواتها مع ابتعاد السيارة صارخة ببكاء تنظر جهتها
والريح الباردة تلفح قسمات وجهها الغارق بالدموع وتتلاعب
بخصلات شعرها السوداء الطويلة
" أمـــــــــــي ..... عودي من أجلي أرجوك "
" أمـــــــــــــــــــي "
لكن ندائها ذاك لم يجد صداه ككل رجاءاتها السابقة فعادت راكضة
جهة الواقف مكانه
وصعدت عتبات الباب حتى وصلت عنده وأمسكت يده قائلة برجاء باكي
" أبي لا تتركها ترحل أرجوك ... أبي حلفتك بالله ترجعها فهي
إن غادرت لن ترجع أبداً .... أرجوك أبي افعلها من أجلي "
مسح بيده على شعرها ثم ضم رأسها لصدره يدفن بكائها ونحيبها الموجع فيه وأخرج
هاتفه بيده الأخرى ضغط أحد الأزرار ووضعه على أذنه قائلا
" أغلقوا الباب لا أريد للسيارة المتوجهة نحوه أن تخرج
وأنا قادم لكم الآن "
ثم أبعدها ونزل العتبات قائلا
" عودي للداخل يا تيما "
*
*
*
غادروا المدينة فوراً ولم يقتصر الأمر على مدينتها فقط وهما يجتازا المدن الواحدة تلو الأخرى
وتلك السيارات السوداء لازالت تتبع سيارتهما كظلها ، شدت أنامل يديها المرتاحتان في حجرها
منذ انطلقا مغادرين رغم أنها تشعر بالتشنج في جميع أطرافها ، لا تصدق كل ما حدث اليوم
ولا يمكنها استيعابه دفعة واحدة فكيف من سجينة في غرفتها تجد نفسها فجأة هكذا في سيارة
تشق بها طرقات بلادها مسرعة كالريح ومن يجلس بجانبها ويقودها هو تيم كنعان نفسه !!
لا ولن ترى تلك العائلة ولا أولئك الناس مجددا ! استرخت على ظهر المقعد الجلدي المريح
خلفها وتنفست نفساً عميقاً شعرت بأنه خرج من وجع أعماقها ، لا تعلم إلى أين هما ذاهبان
وإلى ماذا سينتهي بهما الأمر وكل هذه الطريق الطويلة ولا يعنيها ذلك مطلقا ،
كل ما فهمته من حديثه الذي لم يتوقف مع أشخاص تجهل حتى أسمائهم أنه لن يمكث في البلاد أكثر من أربع وعشرين ساعة
أوامر صارمة وضوابط أمنية عالية وحراسة مشددة فقط لدخوله
وخروجه لفترة يوم واحد فقط محسوب بالساعة والدقيقة فكيف لها أن تصدق أن
رجوعه سيكون سببه مالها ! ما سيحتاجه شخص مثله بالمال ؟ .
عادت لسرقة نظراتها القصيرة على اليدين والأصابع الطويلة الممسكة بالمقود بقوة وتحكم
وكأنه ليس من يخرج من مكالمة يدخل في الأخرى بطريقة لم تفهمها
وهو من لم يبعد يديه عن مقود سيارته التي تكاد تحلق بهما من السرعة !
كان يتحدث عبر السماعة المثبتة في أذنه
وكأنها توصله بالعالم أجمعه دون وجهة أو دليل تارة بالعربية وتارة
بالإنجليزية وحتى الفرنسية
ولغة أخرى لا تستبعد أنها ستكون اليونانية بالتأكيد ، لم تستطع رفع
نظرها لوجهه
ولن تحاول إقناع نفسها بذلك أبداً وقد اكتفت بمراقبة تلك اليدين والساقين الطويلتين وهي تسرق النظر ناحيته بين الحين والآخر
فإن كان كل هذا يشعرها بتوتر مدمر لم تعرفه حياتها فكيف إن واجهت
عيناه بهذا القرب وهما وحدهما في سيارة مغلقة ؟
أبعدت نظرها ووجهها أيضا جهة النافذة وتنفست بعمق تتمنى فقط
أن يتوقفوا عن التحدث إليه ليصمت فصوته لوحده كفيل بجعل قلبها
يرتجف كطفلة صغيرة لعمق نبرته الرجولية واتزانه الذي إن دل يدل
على شخصية قوية واثقة ومستقلة
كانت لتفاجئ بكل هذا لو لم تعلم مسبقاً أنه عضو في تلك المنظمة السرية
العالمية وليس أي عضو فيها بل من أفرادها النخبة
وليست تعلم كيف وصل لكل ذلك ومن ورائه ويدعمه بقوة هكذا
درجة أنه يحميه هنا داخل البلاد كي لا تنكشف هويته الحقيقية حيث
يعمل هناك ؟
( رجال يتحدون الموت ويقدمونه لغيرهم بكل سهولة(
ارتجفت أوصالها جميعها حين تذكرت العبارة التي قرأتها في
ذاك الموقع
وأصبحت الآن تؤمن بصدقها بعدما رأت بعينها ما فعله بعمها وكأنه
يمازحه بشوكة صغيرة
فلم يرف له جفن وهو يراه يصرخ متألماُ من سحق قدمه بحدائه المدعم
بنصلي سكين.
ضمت جسدها بيديها ونظرها لازال على صور الأشجار المصفوفة
بجانب الطريق تتلاشى متعاقبة بسرعة
قبل أن تغمض عيناها المرهقتان ببطء ونامت ... أجل انتقلت لسكون
النوم بسرعة هي نفسها لم تتخيلها وكأنها لم تنم من قبل بل وكأنها
لم تشعر بالسكينة والاطمئنان في نومها كما الآن
نامت وجسدها المرهق لازال يشعر بدفء حضنه وذراعيه القويتان
الملتفتان حولها فهي لم تخرج من مشاعر تلك اللحظة حتى الآن .
نامت بسكينة وعمق درجة أنها لم تشعر بالوقت ولا توقف السيارات
حولها
ولا الأبواب الكثيرة التي فتحت بالتتابع واغلقت بقوة ولا حتى بفتح
الباب الذي بجانبها .
فقط ما شعرت به حينها الألم الساخن في وجنتها المتورمة حد أن
خرج أنينها الخافت وفتحت عيناها فجأة
مجفلة تنظر لعيني الذي كان مائلا ناحيتها وقد وقف مستوياً لحظتها
وابتعدت أصابعه عن وجهها ويده الأخرى يسندها على أعلى باب
السيارة ، مد يده وأمسك يدها وسحبها منها في صمت.
فنزلت تتبعه منصاعة بالكاد تستطيع مجاراة خطواته الواسعة وهو
يدخل بها من باب الفندق الفخم الزجاجي الواسع الذي انفتح فور اقترابهم
منه ودخل تتبعه بخطوات شبه راكضة لتجاريه وأفراد القوات الخاصة
يسيرون كطوق حولهما ,
لا زالت ببيجامتها التي أخرجها بها من هناك تمسح بكف يدها
عينيها التي لازالت واقعة تحت تأثير النوم درجة تعسر الرؤية عليهما ..
وكأن الماضي لم يتغير فيه شيء عداه وكأنها ماريه الطفلة يسحبها من
يدها ونظرات الموجودين في قسم الاستقبال الواسع تتبع دخولهم وكأنه
ينقصها جمهور يراها بهذا المشهد وكأنها طفلة تُسحب من غرفة نومها .
لم يتوقف إلا وهم قرب أبواب المصعد حيث توجه نحوهم رجل في
الخمسين من عمره تقريباً وامرأتان صغيرتان في السن بثياب موظفات
الفندق وقد قال باحترام
" كل ما طلبتموه جاهز سيدي "
وتابع وهو ينظر لإحدى الواقفتان خلفه
" ستقوم العاملات بإيصال الآنسة وسيتكفلن بالباقي "
نقلت نظراتها المستغربة بينهم قبل أن تنتقل للذي تحدث مع ذاك الرجل
قائلا بجدية
" سأعتمد عليكم "
أومأ له ذاك الرجل موافقا وبكل ثقة فتحرك ورجاله يتبعونه تاركاً إياها
معهم ونظراتها تتبعه مبتعداً جهة الباب الذي دخلوا منه يرفع يده ليعيد
سماعة أذنه مكانها , أجفلت
لملمس تلك اليد ونظرت لصاحبتها فوراً فكانت إحدى الفتاتين حيث
أن الأخرى غادرت وذاك الرجل أيضا دون أن تشعر بهما , قالت مبتسمة
" هلا تبعتني سيدتي لآخذك لغرفة زوجك "
نظرت لها بصدمة ضنت تلك الفتاة أن سببها معرفتها بأنهما زوجان
ورئيسها نعتها بلقب آنسة
فأدخلت يدها في جيبها وأخرجت بطاقة أرتها إياها برفعها فقط أمام
وجهها فعلمت ما أن نظرت لها بأنها تخص أفراد المخابرات في الدولة
فشعرت برأسها يدور مجددا في تلك الحلقات المتشابكة وقد دستها
سريعاً هامسة لها بابتسامة
" عليك أن لا تخشي شيئا فأنتي تحت الحماية "
ثم تحركت وتتبعها كالمنومة مغناطيسياً لباب المصعد المفتوح وقد بدأ
بالصعود بهما الطابق تلو الآخر حتى انفتح الباب وخرجتا منه حيث
الباب الأقرب له.
وأدخلت الفتاة بطاقة أخرى أخرجتها من جيبها لينفتح فوراً وأشارت لها بيدها قائلة بابتسامة
" تفضلي سيدتي ولا يمكنني تسليم البطاقة لك حسب الأوامر طبعا
ويمكنك الاتصال لطلب أي شيء "
نظرت لها باستغراب لبرهة ثم قالت
" هذه الغرفة لتيم ؟ "
أومأت لها بنعم وقالت
" ستجلب لك العاملات فوراً كل ما طلب إحضاره لك وسنعمل على
راحتك في كل ما تطلبين "
قالت وكأنها لم تستمع لأي كلمة
" وما مدة حجزه هنا ؟ "
قالت تلك من فورها
" اليوم والليلة "
عضت طرف شفتها لا شعورها قبل أن تحررها ببطء وهمست تشعر
بجفاف تام في حلقها
" وما الذي طلبه تجلبوه لي ؟ "
حركت تلك كتفيها بتلقائية وقالت مبتسمة
" الطعام وملابس نوم وأخرى للخروج وستصلك فوراً "
أمسكت شهقتها بشق الأنفس كي لا تخرج أمامها وابتعدت من عندها
سريعاً حيث وجدت نفسها داخل غرفة فخمة أغلق بابها خلفها فوراً
فتنفست بتوتر متمتمه
" يا إلهي ما يعني بثياب النوم ؟ "
حركت رأسها بقوة تبعد عنه كل تلك الأفكار وتقدمت للداخل فوقع نظرها
على السرير الواسع بأغطيته الفاخرة وعند طرفه توجد حقيبة سفر صغيرة
مفتوحة علمت فوراً أنها ستكون له , ركضت جهة السرير كطفلة صغيرة
واندست تحت أغطيته التي كانت تحمل عطراً رجالياً فاخراً تذكر جيداً أين
استنشقت مثله ... إنه ذاك الحضن
الذي لازالت ترتجف شوقاً له كلما تذكرته
*
*
*
رفع الهاتف فور رنينه وأجاب ونظره على الأوراق تحته قائلا بابتسامة
" مرحبا بأم رواح لوحده "
وصلته نبرة صوتها الباردة
" بل ووقاص قبلك فأين هو الآن وأين ذهب بالفتاة ؟ "
قال وقد انتقل لحاسوبه
" لا أعلم ولم يخبرني , يتابع طبعا الأعمال معنا من مكان أجهل حتى
إن كان داخل إنجلترا أو خارجها ويرفض الحديث في الموضوع "
وتابع بضيق
" وأغلق طبعاً الخط في وجهي مرتين حين سألته عنها وأخبرته
أن جدي لن يعجبه ما فعله هو أيضاً "
وصله صوتها قائلة بضيق
" وما نهاية كل هذا ؟ نجيب يتوعده عند خروجه ودخوله
والمرأة التي تعتني بها لا تتوقف عن السؤال عنها باكية "
أغلق حاسوبه بقوة قائلا ببرود
" نجيب لن يستطيع فعل شيء بما أن وقاص في الموضوع وهو
يعرف ذلك جيداً , وتلك المرأة أخبريها أن تكون مطمئنة فلن تكون
تلك الفتاة في مأمن كما مع وقاص , أعترف بذلك وإن كرهته نفسي "
وصله تنهدها الواضح وقد قالت
" لا أرى شقيقك ذاك إلا يزيد من حياته تعقيداً ومشاكلاً مع جده
وهو من كان لا يحتمل ولا أن يُغضبه أحد "
كان سيتحدث فسبقته قائلة
" وأنت أين خرجت من قبل الفجر ؟ هل ذهبت للشركة ؟ "
نصب ساق على الأخرى وقال مبتسما بمشاكسة
" بل في حضن شقراء جميلة تنسيني وقاص وشقيقه وجدهما معهما
والشركة أيضاً "
لم يستطع إمساك ضحكته بسبب شهقتها القوية المصدومة ثم قالت بضيق
" سترى حسابك مني يا كاذب , وتزوج إذاً لما تحلم وتتمنى فقط ؟ "
دار بالكرسي الجلدي قائلا بضحكة
" قريبا يا أم رواح فقط دعواتك لابنك المسكين "
قالت ببرود
" أرسل الله لك عروساً تجعلك تدور حول نفسك ولا تعرف يمينك
من شمالك "
ضحك من فوره ودار بالكرسي مجدداً حين انفتح باب المكتب وقال
ونظره على الذي دخل منه
" وداعاً يا أمي ورائي عمل كثير الآن أراك مساءً "
وأنهى الاتصال دون أن يسمع تعليقها ووضع هاتفه ينظر للذي جلس
مقابلا له وقد قال مبتسما
" إنه إنجاز عظيم يا رجل , لم يمضي على نشر الإعلان سوى ساعتين
وزار صفحة الموقع أكثر من مليون شخص "
دار بالكرسي قبل أن يثب قافزاً منه ثم دار حول الطاولة ووقف أمامه
وقال مبتسما بانتصار
" سأنتظر رأي وقاص فأنا تركتها له مفاجأة وهو لم يراه بعد "
قال مبتسما وهو ينظر له فوقه
" كم كلفتك الفتاة في المقطع ؟ لابد وأنها ما أن علمت عن اسم الشركة
ذكرت رقما خيالياً "
لم يستطع رواح امساك ضحكته وقال ما أن أنهى ضحكه
" ولا فلس "
نظر له بصدمة وقال محركاً كفيه " مجاناً "
نظر للساعة في معصمه وقال مبتسماً وهو يشير لxxxxبها بسبابته
" انتظر قليلاً وستعرف "
وما أن أنهى جملته حتى انفتح باب المكتب بقوة بسبب القدم التي
ضربته بقوة ووقفت أمامه صاحبة الإعلان نفسها تمسك خصرها
بيديها تلبس ملابس منظمة الإغاثة تنظر له بغضب تكاد تشتعل
معه عيناها
*
*
*
قفز جالساً من نومه ما أن اخترق صوت رنين هاتفه الأجواء الساكنة
حوله فمرر أصابعه في شعره وحرك رأسه يميناً فنومه القاسي على
الأريكة وفي البرد دون غطاء جعل الألم يتسلل لجميع مفاصله حتى
أن ضوء الفجر بدأ يتسلل للمكان ولم يشعر به .
لا يذكر كيف نام هنا فآخر ما يتذكره بأنه استلقى فوقها مغطياً عينيه
بذراعه يحارب عقله وأفكاره يحاول ترجمة وفهم كل ما حدث ولازال
لا يستوعب أغلبه .
نظر للهاتف الذي عاد للرنين مجدداً وتأفف بحنق وهو يرفعه ويجيب
عليه بصوت مرتخي من أثر النوم
" نعم "
وصله فوراً ذاك الصوت الغاضب
" هل استيقظت أخيراً واكتفين من حضن تلك المرأة لتفكر أن تجيب "
تنفس بعمق نفساً طويلاً بطول صبره على كل شيء حوله وقال بهدوء
" لا أعتقد أن الأريكة تنفع لتكون حضن امرأة "
صاح فيه من فوره
" هل تضنني أحمق أم أصم ولم أسمع صوتها بأذني "
استند بمرفق يده الحرة على ركبته ينظر للأرض وقال بذات هدوئه
" أنا لم أنكر ذلك لكني لم أنم معها ولم ألمسها ومـ .... "
قاطعه بصوته الغاضب
" كفا حمقاً يا وقاص فأنا لست طفلاً , هذه نتائج ترك زوجتك لمنزلها
ونتائج رفضك لإجرائها الجراحة أن تبحث عن المتعة لدى غيرها وهي
من ظهر أنه معها حق "
هو من خرج عن هدوئه هذه المرة وقد قال بضيق
" الجراحة لن تجريها أولن تبقى على ذمتي يوماً واحداً بعدها وهذا
الكلام هي تعرفه جيداً "
أبعد هاتفه ناظراً له حين أغلق الخط في وجهه ثم رماه جانباً ودفن
رأسه بين بيديه
لا يفهم لما تتعقد حياته يوماً تلو الآخر ؟
ما الذي فعله يستحق أن يعاقب عليه هكذا ؟
أجل يعلم خطأه وهو إطاعته لجده يوم عرض عليه أن يزوجه من يختار
هو وهو وافقه
وها قد حصد النتائج التي كان يحصدها أساساً منذ اليوم الأول لزواجهما .
وقف مستغفراً الله بهمس وتوجه لحمام الطابق الأرضي توضأ وخرج
وصلى الفجر
وقبل أن يبدأ في إعداد ما ينفع إفطاراً توجه للأعلى ولتلك الغرفة تحديداً
وفتح بابها ببطء دون أن يطرقه ظناً منه أن الموجودة في الداخل قد
تكون نائمة وكان عليه التأكد أولاَ
فوقف مكانه ومقبض الباب لازال في يده ينظر للجالسة على السرير
تحاول لف الشاش الطويل حول كاحلها وعبوة المرهم مرمية أمامها
فيبدوا أنها قررت إعفائه من جميع مهام العناية بها ليبتعد عنها .
استدارت وهي ما تزال جالسة مكانها مولية ظهرها له دون أن تنظر
ناحيته وتابعت ما كانت تفعله
فأمال وقفته مستنداً بإطار الباب وقال مبتسما بسخرية
" هل أفهم أنا هذه المرة سبب هذا الغضب بينما أنتي المخطئة ؟ "
لم تعلق على ما قال ولازالت تحاول لف الشاش وشده بإحكام فتابع
مكتفا يديه لصدره ونظره على شعرها الحرير الذي يغطي ظهرها
" إن كان غرضك الإيقاع بيني وبين جدي فهنيئاً لك بهذا "
لم تعلق أيضاً وكأنها تتعمد استفزازه فحاول هو لعب لعبتها أيضاً وقال
" أجل يبدوا أنك خرساء متى ما تريدين ذلك فقط "
خرج حينها صوتها الرقيق المنخفض قائلة ببرود
" أعتقد أنه الشيء الوحيد الذي بقي من حقوقي "
لم يستطع إخفاء الابتسامة التي شقت طرف شفتيه ولا يفهم ما السر
في هذه المرأة التي تستطيع قلب مزاجه للعكس كيفما كان .
نقل الحرب لمضماره هو هذه المرة وقال يستفزها
" جاوبي على السؤال إذاً يا ابنة إسحاق ضرار السلطان "
وكما توقع تماماً التفتت له وبكامل جسدها ورمت باقي الشاش المفتوح
من يدها قائلة بضيق
" نادني بهذا مجدداً وسترى يا ابن عائلة السلطان الحقيقي "
ليست ابتسامته ما حاول امساكها وقتها بل وحتى يديه عنها فلا يفهم حقاً
ما تثيره هذه المرأة من أعاصير في داخله تجعله في كل مرة يتصرف
بتهور هو نفسه لا يعرف فيه نفسه !
هل السبب عنادها الأنثوي المذهل ؟
أم القوة والذكاء المتدفقتين من عينيها الزرقاء الغامضة ؟
أم أنه الكره الدفين لهم جميعاً والذي تواجه بسببه كل محاولاته
لمساعدتها بالنكران ؟؟!!
تأففت مبعدة نظرها عن عينيه وسحبت الشاش تعيد لفه من جديد قائلة ببرود
" هل تتوقف عن هذه الأسئلة الحمقاء إن قلت أنه لا إجابة تعجبك لدي ؟ "
فك يديه عن صدره ومرر أصابع يده اليمنى في شعره الأسود الناعم
ينظر لها نظرة محارب يستمتع بجولاته إن كانت خاسرة أم لا
وقال بابتسامة ساخرة مستفزة
" هو سؤال أخير إذاً ويمكنك الإجابة عليه بالتأكيد "
نجح في سرقة نظرها وانتباهها له مجدداً فتابع مستغلا الفرصة
ونظره لازال على حدقتيها الزرقاء
" ما الذي حدث معك يا زيزفون الفترة ما بين موت المسمى
عكرمة وخروجك من منزله حتى فترة دخولك المصحة النفسية ؟ "
*
*
*
مرر أصابعه في شعره بقسوة وهو يستمع للواقف أمامه وقد قال
ما أن أنهى كلامه
" حسنا والخلاصة يا عمير ؟ ظننت أن في إمكانكم فعل شيء ما "
حرك عمير رأسه قائلا بقلة حيلة
" تحدث عن جميع مشاكل وفرقة البلاد قبل توحيدها ولا تفكر
في التحدث عن انحياز وقوانين الثنانين ولا أعتقد أن الزعيم مطر
لديه أكثر من هذا.
استعادة أراضيهم وضمهم للبلاد مجدداً قد يساعدك كثير بالتأكيد ,
هذا إن لم يعلموا شيئاً عنكما طبعاً لكن اختراق القانون لديهم
أمر أصعب من تصوراتك
لأنه يخص الثنانيين جميعهم وهو كفيل بجعلهم يعلنونها حرباً
على زعيمهم وعلى الجميع حال تدخلنا .... "
قطع كلامه حين لاحظ تبدل ملامح الواقف أمامه ثم ابتسم ومد
يده لذراعه وأمسكها بقوة قائلا
" من المفترض أننا كبرنا على تحكم المشاعر بنا يا ابن الزعيم
شراع فلا تجعل من عشق امرأة نهايتك يا رجل ولا تفكر بتهور "
حرك رعد رأسه بالنفي هامسا بضيق
" أنا لا أفكر في التهور بأي شيء قد يضرها هي في المقام الأول
وسأنتظر لقاء الزعيم مطر بوفدهم المنتظر والذي أرجوا أن لا يتأخر "
تنهد عمير قائلا
" لا فائدة ترجى منك ولا من كل ما قلت "
وتابع بابتسامة ساخرة مزجت المرارة مع عمق الذكرى
" ولا تعلم يا رعد قد يكون في كل ذلك خير لك واسأل مجرب
فالتضحيات أحيانا تكون نتائجها في صالحنا رغم سلبياتها "
نظر له باستغراب لوقت ثم قال
" هل تعني أنك تركت شخصاً ما برحيلك من هنا واكتشـ .... "
قاطعه بإيماءة من رأسه قائلا بذات ابتسامته الساخرة
" أجل من كانت خطيبتي وابنة خالتي ، طلبت منها انتظاري
وطالبتها بعهد بيننا يشبه ما كان بينكما أنت وتلك الثنانية
فهل تصدق أنها رفضت وصرخت بهستيرية واتهمتني وقتها
بأني لا أحبها وأني أتهرب من الزواج منها وأريد تركها معلقة ،
كان عليا أن أعلم أن ردة فعلها ستكون كذلك وأنا أكثر من كان
يعرف أنانيتها ودلالها المفرط لكن مشاعري نحوها كانت تؤملني
في أمور لا وجود لها "
كانت نظرات رعد المستغربة تتحول للصدمة شيئا فشيء حتى قال
" ولم تنتظرك وأنت وعدتها بأن ترجع لها ؟ "
خرجت منه ضحكة تنطق بؤس ولا مرح فيها أبداً وقال
" تزوجت ما أن سافرت أنا من هنا بعد الزعيم مطر بفترة قصيرة
ولم تهتم أبداً "
حرك رعد رأسه بعدم استيعاب وقد تابع عمير باستهزاء
" حتى الذي ترك طفلة خلفه كبرت ورفضت أن تفك عقد زواجها
منه بينما لم تستطع الراشدة الناضجة تفَهم أسباب خطيبها الذي كان
يجمع ثمن مهرها الخيالي فقط ليرضيها "
قال رعد باستغراب
" من الذي ترك طفلة ؟ "
ربت عمير على ذراعه قائلا بابتسامة
" لا تهتم لكل هذا وأخبرني ما حدث بشأن صنوان وهل من
أخبار عن شقيقك ؟ "
حرك رعد رأسه بيأس وقال متنهداً
" كبار بعض القبائل وافقوا التفاوض ومنهم من سلم في دم أبنائه
واعتبرهم خونة مخربين للبلاد لكن البعض الآخر يرفض ويحتمون
بهم وكل الخوف من تحشدهم ومن أن يأمر الزعيم مطر قوات
الجيش بالتدخل خاصة وأنه سبق وكلفهم بإحضارهم أحياء
للمحاكمة العسكرية وها نحن ننتظر قدومه فهو لم يصل حتى الآن
رغم أن عمه وصل منذ وقت طويل "
كان عمير سيتحدث لولا قاطعه الذي اخترق خلوتهما , صاحب
اللباس العسكري
المخصص بالرتب العالية في الجيش والطول والوقفة الواثقة
فتصافحوا ثلاثتهم
وغادر عمير معتذراً ونظر رعد للواقف أمامه حين قال
" هل نتحدث قليلا يا رعد ؟ "
تنفس رعد بعدم ارتياح من نبرته وطلبه وقد فهم تقريباً ذاك
الموضوع فقال
" بالتأكيد يا يعقوب فالوقت أمامنا بما أن الاجتماع لم يبدأ بعد "
أومأ له برأسه موافقاً لحظة ما علا صوت رنين هاتف رعد الذي
نظر لشاشته فوراً
ولرقم منزل غسق الظاهر فيها , لابد وأنها عمته جويرية فوحدها
من تتصل به بالخط الثابت للمنزل لرفضها اقتناء هاتف خاص ,
اعتذر من الواقف أمامه
وفتح الخط ووضع الهاتف على أذنه قائلا
" أجل عمتي "
عقد حاجبيه مستغرباً بسبب نبرة التردد في صوتها حين قالت
" مرحبا بني ... هل أنت قريب من هنا يا رعد "
قال من فوره " لا عمتي أنا في حوران هل من خطب ؟ "
قالت بعد صمت لحظة " غسق غادرت المنزل منذ الفجر
ولم ترجع حتى الآن و.... "
قاطعها بصدمة " غسق خرجت منذ الفجر ؟ أين ذهبت ذاك
الوقت عمتي تحدثي ؟ "
انتبه حينها فقط للذي لازال يقف أمامه ولتبدل ملامحه وتوجسها
لدى سماعه اسمها
فابتعد مشيراً له بيده معتذراً على صوت عمته قائلة بقلق
" سألتها وقالت لمنزل ابن شاهين ولم ترجع حتى الآن ولـ.... "
لفت نظره خروج صقر مسرعاً جهة باب القاعة الخارجي
يدس هاتفه في جيبه
درجة أنه لم يعد يسمع ما تقول فقال بغضب وهو يركض
جهة الباب
" كيف ذلك عمتي ؟ لما الآن فقط تخبريني "
وغادر ولازالت كلمات توبيخه لها تتبعه متجاهلاً حتى الذي انطلق
خلفه منادياً له وركب سيارته وانطلق من هناك وفي إثره الذي ركب
سيارته أيضاً وخرج خلفه مسرعاً
المخرج ~
بقلم / همس النهاية
تـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ م
غفراني له أصبح مستحيلا، كإستحالتي لمس البشر للعنان السماء
أو أن يصبح البحر خالي من هموم ومأساة!
أو أن نلمس الثريا وسهيلا في لحظة حلماء!
أو أن نبلغ الفضاء بغمضة من عين نجلاء
فقد دمر ماكان صعب البناء، ليتحول كل شيء إلى أشلاء
منثورة تدفعها أعاصير هوجاء
ليصبح الغفران سيد الظلماء!، بلون أدهم كليلة غبراء
فلا أمل من زرع حنين في أرض قحلاء؟!
فلن ينبث إلا شوكا ودماءًا سوداء؟!
فبعض الذنوب لا يمكن أن تمنح الغفران، حتى بعد عبور قرون وأزمان.
*****
نهـــــــــــــــ الفصل السابع ــــــــــاية
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الثامن 8 - بقلم BlackButterfly002
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الثامن
المدخل ~
بقلم / عبق حروفي
وأتساءل كل يوم! ..
هل أنا ناقمة؟ ..
أجد الإجابة ..
تختبئ أحياناً و أتجاهلها في أحياناً أخرى ..
ماذا يجري!! ..
لما أنامسحورة .. مبهورة ..
لما أضل مسجونة! ..
فگ قيدي و حررني ..
حبگ لا يناسبني ..
إنه يشقيني ..
يرهقني ..
يا متعبي ..
لا تسيطر عليّ بحضورگ ..
دعني أشعر بما حولي ..
يا متعبي ..
لا تجذب انتباهي ..
دعني أفكر بنفسي...
لا تفرض الحب يا معشوقي ..
فهو يتسلل إلى الأعماق بخفة ..
ويزول بشدة ..
******
لم تكن الدموع وحدها ما كان يملأ عيناها السوداء الواسعة
بل والألم والانكسار وحتى الخذلان وهي تجتاز بسيارتها
أرض ذاك المنزل الواسعة .
هل كان عليها أن تتوقع غير ذلك ؟
أليست ابنته التي رباها ولم تعرفها يوما ؟
لكنها كانت مصرة ! أجل وجاءت هنا
وسلاحها فوق كل شيء هو القانون الذي في أحكامه ابنتها
تكون قاصر ولازالت من حقها
وإن كان الأمر في مواجهة مطر شاهين تحديدا والذي يمكنه
التحول في لحظات لذراع قوي من أدرع القانون ولن يستطيع
أحد مجادلته إلا أنها غسق شراع صنوان من لم تقف
أي قضية مهما كان من ورائها عائقا في وجه محامي جمعيتها
الأكفاء ولا في وجه عنادها وقوتها التي عرفها بها الجميع فترة
انسلاخها عن مطر شاهين الذي تركها خلفه لقمة لأفواه الناس
لوقت طويل وهو يتخلى عنها دون أن يهتم لها وكأن ما يعنيه
فقط ابنته التي وجد مكانا لها في حاضره ومستقبله .
اشتدت قبضة أصابعها على المقود تشعر بقلبها يعتصر
ألما وتعسرت عليها رؤية أي شيء تقريبا بسبب كل تلك
الدموع المتكدسة في عينيها
لكنها استطاعت أن تفهم ما يجري هناك سريعا وقد تباطأت
حركة سيارتها وهي تقترب
من البوابة الحديدة الواسعة التي كانت تغلق ببطء فتوقفت
أمامها تقريبا ومسحت سريعا بطرف كم معطفها الثقيل الدموع
التي ترفض أن تنزل مجدداً وتحت أي سبب كان
أنزلت زجاج نافذتها ونظرت للذي كان يقف على بعد خطوات
قليلة من سيارتها قائلة
" لما تغلقون الباب ؟ أريد أن أخرج "
جاء رده فورا
" لا أستطيع سيدتي فالأوامر هكذا "
شدت قبضتيها على المقود بقوة قائلة بغضب
" أي أوامر هذه التي تمنعني من الخروج ؟ "
لاحظت أنه نظر لشيء ما بعيداً خلف سيارتها قبل أن يتراجع
خطوة للوراء وقال
" آسف سيدتي الأمر خارج عن استطاعتي "
زمت شفتيها بقوة وغضب ونظرت من خلال المرآة الجانبية
لسيارتها فظهر لها الواقف في الخلف بعيدا مكتفا ذراعيه
ينظر ناحيتهم فشعرت بنيران العناد تلك توقد في داخلها من
جديد وهي من باتت تؤمن بأن ذاك الرجل وحده من أصبح
قادرا على تحريك الجمر من تحت الرماد وإخراج عيوب
غسق القديمة .
داست على المكابح بقوة وعادت بسارتها للخلف حتى وقفت
بجانبه والغبار حولهما شكل سحابة كثيفة تشبه غضبها
المشتعل ليس من إغلاق الباب أمامها فقط بل ومن كل شيء
وأولهم ثقة الرجل الواقف قرب نافذتها من نفسه وكأنه لم يخلق
على وجه الأرض رجل سواه , أليس ذلك يليق به ..؟
سحقا له ولها ولرجولة عمياء لا تختار إلا القساة من الرجال
" انزلي "
لو كان الأمر بيدها لدارت بسيارتها وصدمته بها لأسلوبه الوقح
وهو يأمرها وكأنها تعمل لديه .
تجاوزت غضبها وركزت نظرها على عينيه وقالت بصلابة تشبه
صلابة وقفته وشخصيته وكلماته
" أخبر رجالك يفتحوا البوابة أو حطمتها بسيارتي "
قال مجددا وبلهجة آمرة لا تقبل النقاش
" انزلي يا غسق "
تجاهلت كل ما قال وحركت يد السرعة ونظرها على الطريق
أمامها وصولا للحارسين الواقفين أمام بوابة المنزل المغلقة
وليس في نيتها سوى التقدم ولم تترك لنفسها الوقت
لتتكهن إن كان الواقفان هناك لن يسمحا بأن تصطدم بها تحت
أي سبب كان أم لا
لولا منعتها اليد القوية والأصابع الطويلة التي التفت حول
معصمها تشده بقوة وقد أدخل يده الأخرى ونزع مفتاح
السيارة بكل بساطة وفتح الباب وسحبها منها مرغمة هامسا
من بين أسنانه
" مجنونة كما كنتِ يا غسق "
حاولت سحب يدها منه ودون جدوى متمتمه بغضب محتج
" بل لم يعد موجوداً من غسق القديمة إلا اسمها يا ابن شاهين
ولن تجبرني على ما لا أريد افهم هذا"
لكن كلماتها تلك لم تكن تتعدى سمعها وهو يسحبها متجاهلا
محاولاتها المضنية للتخلص منه .
وكل ما كان يفعله هو التقدم والوقوف كلما خطا بها خطوتين
وهو يلتفت لها للخلف ويشدها من يدها بقوة كلما تشبثت قدماها
بالأرض ويتابع سيره .
حتى وصل بها باب المنزل ودخل يجرها لم تؤثر به ولا ضربات
قبضة يدها الأخرى لكتفه بقوة
متعمدة حتى صعد بها السلالم المحاذيه للباب يسحبها مرغمة
*
*
*
توقع منها ردود أفعال عدة لسؤاله المباغت لها وهو يفتح
أمامها دفترا مغلقا تماما من ماضيها بالنسبة لهم على الأقل .
توقع أن يرى الصدمة في عينيها وحدقتيها الزرقاء الصافية .
توقع أن تتصرف بذكاء ومكر مبهم وغامض ككل مرة وتموه
الحقيقة أوترفض الإجابة كالمرة السابقة لكن ما لم يتوقعه أبداً هو
رد فعلها الفوري بل والعنيف وهي ترفع إبريق الماء وترميه
ناحيته صارخة بغضب
" اخرج من هنا "
سكن المكان تماما بعد ذاك الضجيج القوي لتحطم الإبريق بقوة
وتناثر قطعه الزجاجية في كل مكان تحت قدميه وتناثر الماء حوله
حتى أنه بلل جزءا من بنطلونه الطويل ولم تكتفي بذلك فقط فقد
سحبت جسدها وقدمها المصابة لتنزل من السرير وتوجهت نحوه
تعرج في كل خطوة حتى وصلت عنده وبدأت بدفعه من صدره
للخلف صارخة
" اخرج .. قلت اخرج ... لا أريد أن أراك "
تحركت يداه وشد ذراعيها بقوة مبعداً لها وسرعان ما لف يدها
خلف ظهرها ليصبح وجهها مقابلاً لوجهه مقيدة اليدين بقبضتين
قويتان منعاها من الحركة متجاهلا حتى تشابك بضع خصلات من
شعرها بين يديهما منعت بذلك حركة رأسها وهي ترفعه مواجهاً
لوجهه دون أن يعلق بشيء ونظره لا يترك عيناها المحدقة به
تشتعل غضبا وقد همست بحقد من بين أسنانها
" أكرهكم يا ابن ضرار أتفهم , أكرهكم
كرها إن امتزج بمياه البحر لجعلها سوداء "
شد يديه على يديها أكثر وقال بهدوء يعاكس كل العواصف
الهوجاء التي ترسلها نظراتها وكلماتها الحاقدة
" لا أسألك عن مشاعرك نحونا يا زيزفون فأنا أعلم الناس بها
بل عن السبب الذي جعلك تدخلين المصحة النفسية بعد تلك
الجراحة التي تم فيها استئصال الأكياس المائية من دماغك ؟ "
لم تحاول هذه المرة فك يديها من قبضتيه ولا إزاحة نظرها
عن عينيه وهي تهمس بابتسامة ساخرة
" يعنيك الأمر حقا يا وقاص ؟ "
" بلى "
كان جوابه مباشرا ودون أدنى تفكير كجوابها التالي تماما
" ولماذا ؟ "
لكنه لم يكن جوابا بل سؤال شعر بأنه أعظم من أن يجد له أي
إجابة خصوصاً في مواجهة عينيها الزرقاء الغامضة وملامحها
الجميلة متقلبة المزاج .
تنفس بعمق قبل أن يقول بجدية
" لأنك ابنة عمي و .... "
" كاذب "
قاطعته فورا بكلمة كانت كفيلة بإخراسه تماماً وهي ترجعه
لدوامة فك رموز هذه المرأة من جديد بل ونفسه أيضا وهو
من يجد نفسه أمامها في لحظة مجرداً من كل ما درسه في القانون
وطبقه وتدرب عليه وكأنها تعيده طالباً في المدرسة الثانوية من
جديد بل وأصغر من ذلك بكثير ولا يفهم أي أسلوب هذا الذي
تتعمده صاحبة العينان التي كلما نظرت له بكره ونفور جذبته
لفهمها أكثر .
حرر يديها من قبضتيه بصمت
ودون أن يعلق على ما قالت فابتعدت خطوتين للخلف ونفضتهما
بضيق ثم بدأت بتمسيد معصميها بالتوالي قائلة بحقد ونظرها
عليهما
" أنتم مجرد مجرمين لا يعنيكم في الحياة سوى مجدكم وخلودكم
بينما تحت الأقنعة يوجد بشاعة حقيقية "
رفعت نظرها له ونظرت لعينيه المحدقة بها وتابعت
بابتسامة ساخرة
" أتحداك يا ابن ضرار السلطان أن تجد لدى جدك ذرة إنصاف
لي وأن لا يخاف على نفسه مثلكم جميعا "
أعجزته بكلماتها تلك ولم يعرف ما يقول هل ينكر ذلك ؟
هل هو واثق حقاً من أن جده سيقف في صفها ؟
أجل سيفعلها لكن هل حقا سيعاقب نجيب ولن يهتم إن كان
العقاب سيضرهم أم لا ؟
سؤال لا يملك ولا هو الإجابة عنه ولن يستطيع مطالبتها مجدداً
بأن تجيب على سؤاله .
فلما أغضبها حديثه عن تلك المرحلة تحديدا ؟
أين كانت بعد وفاة المدعو عكرمة وقبل سفرها وإجرائها
تلك الجراحة ؟
ما الذي حدث جعلها تتحطم نفسياً بذاك القدر ؟
لن تكون وفاة جدتها أمامها السبب فهي اجتازتها مع ذاك
الرجل وزوجته وما كانت لتوصلها لكل ذلك !
كل ما استطاع معرفته عنها هو جزء مما حدث معها بعد
دخولها للندن عن طريق رجل لازال يجهل هويته ومن يكون
ثم خضوعها لتلك الجراحة للمخ ومن ثم نقلها فوراً لتلك
المصحة النفسية العالمية والتي لن تكون تكلفة بقائها فيها
قليلة أبداً .
فمن ورائها بتلك النفوذ والقوة ؟
وأين كان عنها بعد وفاة الرجل الذي رباها بعد وفاة جدتها ؟
" وقاص .... هل أنت هنا ؟ "
ابتسامة ساخرة وجهتها له فوراً ما أن وصل لهما الصوت
الأنثوي المنادي في الخارج وصوت كعب حذاء نسائي يسمع
بوضوح وصاحبته تصعد عتبات السلم القريب من الغرفة.
فنظر خلفه ثم شتم بهمس لم تفهمه وسحب الباب خلفه
وهو يخرج في صمت
ووصلها فوراً ذات ذاك الصوت الأنثوي الرقيق في الخارج
" أهه ... مرحبا وقاص ظننتك ستكون نائماً لأني وجدت هاتفك في
الأسفل ولم تجب على اتصالاتي "
" هل يمكننا الحديث في الأسفل إلينا لأني أحتاج الآن لكوب قهوة "
ولم تسمع بعدها سوى تعليق تلك المرأة الضاحك عن عبارته
الجامدة تلك وبأنه ولأول مرة تعلم أنه يستعين بالقهوة حين
يكون مزاجه سيئاً ثم صوت خطواتهما وهما ينزلان دون أن تسمع أي
تعليق منه .
عادت جهة السرير بخطوات ثقيلة وارتمت عليه جالسة ومتأوهة
بألم قبل أن تهمس بسخرية
" لا أغبى من هذه الإنجليزية الحمقاء سوى زوجتك يا حفيد
ضرار سلطان المفضل "
*
*
*
كان كلاهما ينظران للواقفة عند الباب تمسك خصرها النحيل
بيديها والغضب يتقاذف كالشرارات من عينيها الغاضبة ثم تبادلا
نظرة سريعة كانت متباينة تماماً .
فالواقف عند اليسار نظر له وللموقف بتوجس وخوف
بينما نظرة رواح كانت كما عرفها ويعرفها الجميع مرحة
لا مبالية فتسلل ذاك فوراً من المكان قائلا بابتسامة
" يبدوا عليا ترككما لوحدكما قليلا "
وتوجه مسرعاً نحو الباب الذي خرج منه متمتماً يمسك ضحكته
" حظاً موفقاً يا جميلة "
فلحقته نظراتها المشتعلة حتى اختفى ولأنه لا مزاج لديها
للرد على ما قال انتقلت للسبب الأساسي لوجودها هنا
والذي نظر لها مبتسما وأتكأ على طرف طاولة المكتب خلفه
مكتفاً يديه لصدره ولافاً ساق حول الأخرى وقال
" ما هذه الزيارة الصباحية الرائعة ؟ "
خطت عدة خطوات للداخل وكتفت يديها لصدرها مثله وأمالت وقفتها
تضرب بمقدمة حذائها على الأرض وقالت بضيق
" مؤكد تعلم بأني إن رفعت قضية ضدك وضد شركتكم الرديئة
هذه فسأربحها دون عناء "
ضحك من فوره قائلاً
" أوبـــس ما كل هذا التهديد الخطر ؟
لا لن تستطيعي يا متحولة بالطبع "
عدلت وقفتها وأشارت له بسبابتها قائلة بغضب
" بل أستطيع والفضيحة تكفيك يا ابن آل ضرار "
أومأ برأسه نفيا متمتما
" لا لا لا ذلك مستحيل "
ثم رفع سبابته قائلا بذات ابتسامته المستفزة التي لا تزيدها
إلا اشتعالاً
" ولسبب واحد قوي جداً يا ابنة آل هارون وهو والدك "
صرت على أسنانها بقوة وهمست من بينها
" سحقاً للوغد "
تحرك حينها من مكانه وتوجه نحوها وقد قالت ناظرة له بكره
" لا تقترب مني "
وقف مكانه على بعد خطوات منها ورفع يديه جانبا وقال بضحكة
" لا أتخيل أنك تخافين اقترابي ساندي "
صرخت بحدة
" اسمي ساندرين وقم بإلغاء إعلانكم السخيف ذاك فوراً "
اقترب منها خطوتين أيضا ودس يديه في جيبيه قائلا
" حسناً لكن بشرط "
قالت من فورها وباعتراض
" من دون أي شروط ولا حق لك في ذلك "
حرك كتفيه قائلاً
" لا بأس لن يلغى الإعلان إذاً "
تأففت في وجهه بغضب وقالت بنفاذ صبر " وهو ؟ "
مال ناحيتها وغمز لها بعينه هامساً بابتسامة
" نتزوج "
رد فعلها كان شهقة قوية كادت أن تكون صرخة
وصاحت فيه بصدمة
" نتزوج ؟؟؟ هل قلت ذلك أم هيء لي "
أومأ برأسه موافقاً دون كلام فقالت من فورها
" في أحلامك يحدث ذلك أوأن أصدق أنك تريد هذا "
فرد كفيه قائلا بكل بساطة
" صدقي ذلك إذاً "
صرخت من فورها
" في أحلامك أتزوج منك أنت يا ذا الخلية الواحدة "
لم يستطع امساك ضحكته التي ارتفعت بشكل هستيري وكأنها
لا تشتعل أمامه بل وتكاد تقفز عليه وتخنقه .
قال ما أن أنهى ضحكه
" إذاً استعدي لتكوني ذات خلية واحدة أيضاً "
أشارت بسبابتها لوجهه قائلة بضيق
" ذاك مصيرك وحدك أنا لا أريدا طفلا واحداً "
قال مبتسماً
" أهذا سبب اعتراضك الوحيد ؟ لا بأس لا مشكلة يمكننا تبني
أربعة آخرين أو مجموعة كلاب متشردة من التي تنقذونها "
لم تكن تزداد إلا اشتعالاً من سخريته واستهانته بما يقول
واستهزائه بها ولا يمكنها تصديق ما يتفوه به زير الشقراوات
هذا , قالت بضيق
" بل لأنني أكرهك كما لا أكره أحداً بل والهازان جميعهم بسببك
وحسابنا سيكون عسيراً يا رواح "
وخرجت مغادرة بخطوات غاضبة وقد لحقها صوته المرتفع ضاحكاً
" تعالي فقد نسيت شيئاً لم نتفاهم بخصوصه قبل إعلان الخطوبة "
فتجاهلته خارجة تشتعل غضباً أسوا من الذي دخلت به وما أن
أصبحت خارج مبنى الشركة أخرجت هاتفها وأرسلت رسالة
( ستري حسابك مني يا كنانة يا ابنة الهازان الخائنة(
*
*
*
كانت تعلم أنها أضعف وأوهن من أن تستطيع مقاومة قوته
الرجولية بل ومقاومة أي رجل
فكيف إن كان رجل مثله منذ نعومة أظفاره وهو يتلقى تدريباً
قاتلا وقاد جيوشاً وضرب بالمدافع والدبابات لكنها لم تتوقف
لحظة عن محاولات التخلص من قبضته
ومن معاملتها وسحبها كبهيمة لا حق لها في أن تعترض
على مصيرها بل وكأن غسق الماضي عادت لتعيش ذاك الدور
التعيس مجدداً , لا تريد دخول هذا المنزل من جديد
فكيف بالصعود على هذه السلالم ورؤية تلك الغرفة وإن من الخارج ؟
لا تريد لذلك أن يحدث يوماً مهما طال لذلك كان عليها أن تقاوم
باستماته لكن كل ذلك لم يجعله يتوقف لحظة
حتى وصل بها للأعلى بل ودخل بها لغرفته ودفعها للداخل وأغلق
الباب ووقف كل منهما مكانه كتمثالين صامتين ساكنين تماماً هي
أمامه توليه ظهرها بينما كل واحد منهما يقف مقابلا للسرير الذي
لازال ذاك الفستان الأبيض مكانه فوقه ,
أحدهما نسي أنه لازال موجوداً هنا والآخر أخذ قلبه يئن
بين أضلاعه كالظبي الجريح وحيد
فقد انقطعت أنفاسها تماماً وشعرت بأنه يوجد كتلة من الألم
حيث يجب أن يوجد قلبها
وتساءلت بمرارة لما يرفض قدرها إلا أن يضعها في مثل هذه
المواقف التعيسة ومع هذا الرجل تحديدا ؟ لا بل هذا الرجل من
يبدوا أنه يتعمد كسرها المرة تلو الأخرى
ولم تكن تعلم أن هذا القماش الفاخر والمخاط باليد وبعناية
فائقة لم يبرح هذا المكان منذ ليليتين لم تعرف فيهما تلك
الوسائد والأغطية أنفاس من كان يجلس عليها
ملأت رئتيها هواءً كم شعرت بأن أشواك تسحب من داخلها
والتفتت له وواجهته
بشجاعة بينما قلبها يخفق بشدة في صدرها وهي تواجه
تلك العينين السوداء والثقة المتفجرة.
بينما عيناها الواسعة تجاهد باستماته لإخفاء الألم فيهما .
ألم لم يعد لها أي قدرة أكثر على تحمله ودفنه خلف قوة
وكبرياء باتا بكل بساطة زائفين أمام كبرياء هذا الرجل وعنفوانه
وهذا ما جعل كل جراحها الماضية تطفوا للسطح مجدداً مستنجدة
بآخر الفرص لها للقصاص فتحولت نظرتها للعداء سريعاً متجاهلة
كل تلك المشاعر المتمزقة داخلها وقالت بقوة
" بأي حق تسحبني كالشاة وتدخل بي غرفتك ياابن شاهين ؟ "
وتابعت بسخرية مدمرة وكأنها توجه الضربة تلو الأخرى
" ظننت غسق وحدها من تتصرف بجنون كالسابق وأن ابن
شاهين لا تدخل امرأة لا تحل له غرفته "
قال بنبرة خالية من أي تعبير ناظرا لعمق عينيها
" لن تخرجي من هنا حتى نتفق بشأن عدة أمور يا غسق مفهوم "
ضحكت ضحكة جوفاء كقلبها وقالت
" نتفاهم بشأن ماذا ؟ انتهى الأمر الذي جئت من أجله ولصالحك
طبعا ولا بقاء لي هنا ولا حديث مع أحد "
أدار حينها يده ونصف وجهه للخلف وأغلق الباب بالمفتاح
واستله منه وقبض عليه في يده ونظر لها مجدداً وقال بحزم
" إذاً لا خروج لك ولا لي من هنا "
وتحرك نحوها وكأنه يوثق قراره بفعل ما تجهله فخطت
للخلف خطوتين صارخة باعتراض
" لا تقترب مني ... افهم لا يحق لك أن تسجنني هنا أنا لست ملكك "
كانت تعلم أن نقطة ضعفها هو الماضي الدفين .
أجل قوية أجل مجروحة منه حد رفضه بالكلية
لكنها لازالت تخشى اقترابه والنظر لعينيه عن قرب .
تخشى سماع همسه المبحوح واختبار لمسته من جديد ,
ليست تخشاه بل تخشى من نفسها وعلى نفسها ..
لا تريد لجراحها المتراكمة منه أن تتلاشى بمجرد
رؤيته أمامها , لا تريد أن تنسى ما فعله لن تسمح لمشاعرها
أن تتغلب عليها ليخرج منتصراً عليها مرة أخرى وإن قتلت
نفسها , تراجعت خطوة أخرى للوراء وقالت بجمود
" جئت لأجل ابنتي التي رفضتني واختارتك أنت فقررت
المغادرة بمحض إراداتي كما جئت فبأي عذر جلبتني إلى هنا ؟ "
لم يعلق أيضاً رغم وقوفه عند كلماتها تلك , كان عذابها من
صمته أعظم من وجوده قربها ومن وجودها في هذا المكان
تحديداً والذي تشعر بكل زاوية فيه تحطم قلبها وتمزقها إرباً
بمجرد النظر لها , كان واقفاً أمامها تماماً لا يفصلها عنه إلا
خطوة كم كانت أزماناً وسنين وحكايات من الألم والحرمان
لن يستطيع تقليصها الآن بسهولة هكذا لن تسمح له بذلك أبداً
عادت للتراجع للخلف مجدداً وتابعت ملوحة بإصبعها في الهواء
وكأنها تشير لكل شيء حولها
" ما الذي تفعله غسق شراع هنا ؟ لما جلبتها لمكان نبذتها فيه
سابقاً ورميتها خارجه .... تكلم ؟ "
وتابعت تشير للسرير بجانبها
" ما الذي يفعله هذا الفستان هنا وأنا من سبق وطلبت من راضية
أن ترميه وقت مغادرتي هذا المنزل ؟ "
أشارت بعدها بسبابتها لوجهه وعيناها السوداء تتوهج بشدة
وتغلب ألمها نهاية الأمر ليكتسح حصون عينيها قائلة بأسى
" بل ما الذي تفعله أنت هنا ؟ لماذا عدت ؟
لما لم يبتلعك الغياب نهائيا كما فعل مع الجميع ؟ "
أشارت بعدها للباب خلفه وتابعت بسخرية نكهتها المرارة بكل حرفية
" أم جئت لتختم آخر فصول الحكاية وتريني ما فعل الزمن بي أيضا ,
جئت تسجل انتصارك الأخير على المرأة التي هزمتها المرة تلو
الأخرى "
" غسق يكفي "
كانت تلك الكلمات الهادئة المنخفضة فقط ما صدر عنه وكأنه
يختم على جميع جملها الغاضبة المحتجة بنبرته الرجولية المبحوحة
تلك , لا بل وكأنه يأمرها فحتى هدوء هذا الرجل لا تراه إلا أوامر لا
تقبل النقاش , مسحت تحت جفنها بسرعة وكأنها تحذر بذلك مقلتيها
من أن تفكر مجرد التفكير في خيانتها والضعف أمام ما ستقول
وتسمح لدموعها الغبية بالنزول أمامه , قالت بعدها وباعتراض
غاصب
" لا ليس يكفي ... ليس يكفي يا ابن شاهين فأنت من أراد هذا
لأني ما كنت سأحاسبك عليه حتى أموت وأدفن تحت التراب فلن
يخدعني أحد بكل تلك الترهات التي سمعتها .... قتل وثأر وحجج
سخيفة لطمس هويتي ونبذي وتركي كاللقيطة ثم معاملتي كنكرة "
أشارت للأرض تحتها وتابعت بحقد
" هنا ووسط عائلتي كغريبة كمنبوذة
وكعالة على الجميع وأولهم أنت "
" .... حمقاء "
همس بتلك الكلمة التي تلاشت وكأنها لم تسمعها وتابعت وهي
تشير لكل مكان تقصده
" هناك عند تلك الخزانة سخرت مني وعند تلك المرآة نعتني بالدونية
وأنك من أنزل نفسك لمرتبتي وهنا على هذا السرير كنت أعتذر لك عن
ذنب لم أقترفه أترجاك وأتوسل غفرانك وتتجاهلني كالنكرة "
كانت مشاعرها تتمزق مع كل عبارة تخرج منها وهي تتذكر
كل ذلك وكأنها تنزف الوجع تلوالوجع ورغم أنها أقسمت سابقاً
على أن لا تحاسبه على شيء من ذلك تحدثت الآن ليس لأنها
من أراد ذلك بل لأنه من أجبرها عليه , أشارت جهة الجدار
يمينا ونظرها عليه وتكسر صوتها كتكسر تلك الكلمات عند
عتبات شفتيها المترددة تسجن عبرة تغلبت حتى على دموعها
الحبيسة وقالت
" وهناك ..... هناك يا مطر اعترفت لي بعشقك لامرأة استبدلتك
برجل آخر متجاهلاً أني كأي أنثى يحق لها أن تكون المرأة
الوحيدة لزوجها "
كانت كلماته حادة هذه المرة وهو يصرخ بها
" حمقاء ...... حمقاء يا غسق "
صرخت أيضا ملوحة بيدها في الهواء
" أجل حمقاء ... حمقاء لأني صدقتك حين قلت أنه لك مبررات لذلك ,
عندما اعتقدت بأنك عائلتي لأنه لا عائلة لي لكن غسق الحمقاء
ماتت هنا وانتهت من أربعة عشرة عاماً حين سهرت تلك الليلة
تنتظرك وكل ما أتاها منك أن رميتها خارج حياتك ومنزلك وحدودك
لحيث كانت ومن حيث جاءت ,
سبق وأخبرتك أن ما جلبني هنا ابنتي فقط وبما أنها اختارتك
أنت فأريد أن أرحل وفوراً فلا شيء غيره نتفاهم بشأنه "
كل ما فعله أن قلص المسافة بينهما في خطوة واحدة واسعة
حتى كان أمامها مجدداً وأمسك بذراعيها بقوة ناظراً لعينيها
السوداء التي التهب جفناها احمراراً من حبس الدموع وقال بحزم
" ستسمعين ما سأقوله يا غسق ولآخر حرف "
رفعت يديها وأغلقت بهما أذنيها صارخة بتمرد
" لن أسمع شيئاً , لا أريد سماع صوتك ولا ما ستقول ...
افهم أكرهك يا مطر .. أكرهك "
" افتح الباب يا مطر "
كلمات عمه صقر الغاضبة وضربه القوي للباب بقبضته جعله
يرخي قبضتيه عن ذراعيها حتى أبعدهما عنها ونظره لازال
على تلك الأحداق السوداء وقد وصله صوتها الساخر
والمفعم بالمرارة
" لازلت أحتاج لمن ينقدني من جبروتك في كل مرة كالماضي
يا ابن شاهين فهنيئاً لك بهذه أيضاً "
شد قبضته بقوة ومرر أصابع يده الأخري في شعره مغمضا
عينيه وما أن تكرر الطرق وارتفع صوته مجددا
" مطر افتح الباب "
حتى دار موليا ظهره لها وسار جهته بخطوات واسعة
وفتحه وخرج فتراجع عمه خطوتين للخلف لأنه خرج منه
ودون أن يعلق بشيء ثم دار للباب وأغلقه بالمفتاح
فقال صقر بحدة
" مطر هل جننت ؟ أتركها تخرج الآن "
استل المفتاح ووضعه في جيبه والتفت له قائلا بجمود
" لن تخرج من هنا "
انفجر في وجهه غاضباً
" ما هذا الذي تقوله يا ابن شاهين ؟ بأي حق وأي صفة
تسجنها في منزلك وغرفتك ؟ فحتى كونها ابنة عمك لا يمكن
أن يكون سبباً والجميع لا يعلم بذلك فاتركها تذهب "
تجاهل كل ما قال وكأنه لا يشتعل غضباً أمامه وتمتم
وهو يبتعد جهة السلالم
" سأذهب لرؤية تيما ثم نخرج "
لحقه عمه قائلا من ورائه وبضيق
" رعد هنا وسيأخذها معه كما أن اللواء يعقوب
في الخارج فجنبنا الفضائح يا مطر "
وقف حينها وهو عند أول السلالم والتفت له ونظر له وقد قست
عيناه السوداوتان لتصبحا حجرين غاضبين وقال بحدة
" ما الذي يفعله ذاك الرجل هنا ؟ "
قال صقر بانفعاله الغاضب ذاته
" جلبه أنه جاء خلف صديقه الذي خرج راكضاً من قاعة
الاجتماعات وهذا ليس موضوعنا الآن "
صرخ حينها مطر خارجاً من كل هدوئه وبروده القاتلين
" بل جلبه أمر آخر تماماً تعلمه جيداً وأنا من سيضع حداً لكل هذا "
وما أن أنهى جملته تلك حتى نزل السلالم بخطوات شبه راكضة
فلحق به عمه سريعاً ونزل عتبات السلالم راكضاً خلفه وصارخاً
" مطر توقف عن الجنون "
ولحق به عندما أصبح في الأسفل ممسكاً بذراعه وموقفاً له مكانه
حيث تلك الأعين المحدقة بهما بصدمة وكانت لرعد وجوزاء وأبان
اللذان وصلا وقت وصول رعد
صرخ مطر ناظراً لرعد تحديداً والواقف في طرف بعيد عن
جوزاء ملوحاً بيده الحرة
فذراع يده الأخرى لازالت في قبضة عمه
" ما الذي تفعله وذاك الرجل هنا ؟ من أخبره ليأتي ؟ "
شد صقر ذراعه بكلتا يديه وصرخ من قبل أن يفكر
رعد في الإجابة
" مطر تعقل الرجل خارج أسوار المنزل في سيارته "
حاول سحب ذراعه منه بقوة ولم ينجح فنظر له صارخاً
" أنا من سينسيه الطريق إلى هذا المنزل ليفكر مجددا
ألف مرة قبل المجيء "
ترك صقر ذراعه بحركة عنيفة وصرخ فيه بحدة ناظراً
لعينيه الغاضبة
" ما هذا يا مطر يا رجل البلاد ؟ أهكذا تحل المشاكل
يا من قدت جيوشاً داخلها وخارجها بالحكمة والتروي ؟
هل ستكون أنت السبب في فتنة تدمرها من أجل امرأة ؟ "
صاح مطر ملوحاً بيده
" للجحيم البلاد وجميع من فيها "
جملته تلك أخرست كل شيء في ذاك المكان وحتى عمه
الذي كان يجهز سيلاً آخر من العبارات الغاضبة فلم يستطيع
تصديق ما سمعته أذناه ! هل مطر حقا من قال ذلك ؟
هل قال للجحيم الوطن ومن فيه ؟ .... الوطن !
الشيء الوحيد الذي كان يبديه على الجميع دون تفكير وضحى
من أجله بكل شيء حتى المرأة الموجودة في الأعلى !!
تحدث رعد مجتاحاً ذاك الصمت المشحون قائلا بهدوء
عاكس كل تلك الأجواء المضطربة والعاصفة
" عذرا يا زعيم فأنا ما دخلت إلا بإذن من السيد صقر
ويعقوب مـ.... "
قاطعه مطر بغضب مشيراً بإصبعه جهة الباب
" يعلم ذاك الرجل أن غسق هنا وأنك جئت من أجلها أم لا يعلم ؟ "
التردد في ملامح رعد كان جواباً كافياً تماماً جعله يشتعل
فوق اشتعاله وقد صرخ به بأمر
" يعلم أم لا يا رعد لا تكذب "
وكأنه يحتاج لتأكيد لفظي لما أصبح متيقنا منه
بل وكأنه يتوقع إجابة مغايرة حتى قال رعد هامساً
" بلى يعلم "
تحرك حينها جهة الباب فلم يكن عمه صقر فقط من لحق به
هذه المرة بل ورعد الذي وقف أمامه وأمسكه من ذراعيه وقال
بجدية ناظراً لعينيه
" هو لم يكن يعلم أنها هنا بل ضن أنها في خطر فقط ولحق بي ...
أقسم أن هذا ما حدث "
نظر له بصمت رغم أن حدقتاه السوداوتان تتقد غضباً وتنفسه
الغاضب يكاد يهشم أضلع صدره التي كانت تعلو وتهبط بقوة
فقال رعد
" سأطلب منه المغادرة ففكر في مصلحة غسق "
حرك ذراعيه بعنف ليتحررا من قبضتي رعد الذي أفلتهما سريعاً
وقال بغضب مشيراً بإصبعه للخارج
" هل أعلم ما السبب الذي جعل والدك يخبر هذا الرجل تحديداً
عن حقيقة نسبها ؟ هل كان ثمة اتفاق لتزويجها له ؟ "
قال رعد منكراً من فوره
" لا ليس لكل ذلك وجود ووالدي كان ملتزماً بالشروط التي
وضعتها وفرضها على الجميع ولم يخبره إلا من أجل حمايتها
من عائلة غيلوان ومن المدعو شعيب تحديداً في حال
حدوث أي طارئ "
ما أن أنهى رعد جملته تلك حتى تحدث صقر من خلفه
قائلا بحزم
" لا تجعل الأمر يتحول لمشكلة يا مطر وأنت تعلم ما ستكون
عواقبه فاترك الرجل يغادر وأنا بنفسي من سيتحدث معه في
الأمر لاحقاً "
قال مطر بحدة موجهاً حديثه للواقف أمامه
" أخبر ذاك الرجل يغادر الآن أو قسماً رميت جثته
لكلاب شوارع حوران "
قال رعد بنبرة لم يخفى التوجس والتردد فيها
" لن يبقى هنا فاتركني آخذ شقيقتي ونغادر "
قال ناظراً حوله وكأنه لم يسمعه " أين تيما ؟ "
تحدث صقر مجدداً
" تيما في غرفتها فاترك غسق تغادر يا مطر من أجل
سلامتها فلن يتأذى أحد غيرها وأنت قبلها بوجودها هنا
بدون صفة شرعية "
نظر له مطر نظرة كفيلة بقتل أي رجل دون سلاح
فحرك رأسه وقال بحزم ونفاذ صبر
" لا جدوى من كل ما تفعله يا مطر فلا تحرق كل شيء مع قلبك "
رمى قبضته في الهواء دون أن يعلق وكأنه يحارب الجميع
حوله ثم استدار عائداً للأعلى
ولا يعلم أحد ما قرر وما سيفعل حتى إن كان ذاك القرار
أن يبقيها وهو معها في الأعلى
فكل ما فعله أن صعد مخلفاً صمتاً قاتلاً بعد كل تلك الأعاصير
الغاضبة والصراخ وأعين تحدق ببعضها بصمت متوجس
حتى كسر أبان ذاك الصمت قائلا بابتسامة
" دعوني أرى إن كانت تلك الحسناء التي أذكر لازالت تستحق
كل هذه الحروب الهوجاء "
نظر له صقر بضيق بينما يد جوزاء من كانت تفعل
حين قرصته في خصره بقوة هامسة بغضب
" لو بقيت صامتا يا ابن والدتك "
فرك خصره متألما وهمس مثلها
" عامليني كرجل أمامهم على الأقل "
نظر صقر جهة رعد قائلاً
" اتصل بذاك الرجل وأخبره أن يغادر فإن علم مطر
بأنه لازال هنا لن يتركها تغادر وإن اشتعلت البلاد "
أومأ رعد برأسه موافقاً وأخرج هاتفه وابتعد عنهم
ونظر صقر يتبعه متنهداً بضيق فهو من شهد ذاك المشهد
الذي هجم فيه مطر على ذاك الرجل ولن يستبعد أن يفعل
أي شيء الآن إن فكر المدعو يعقوب في التدخل غير مكترث
بأحد كالمرة السابقة فلا مأمن من عناد وشجاعة ذاك اللواء
ولا غضب ابن شقيقه وعشقه التملكي لتلك المرأة .
أنهى رعد المكالمة ووقف قريباً من جهة الباب وطال صمتهم
بطول انتظارهم لا أحد يمكنه التكهن بما يحدث في الأعلى
فلن يكون كل هذا الوقت فقط ليفتح لها باب الغرفة .
كان صقر سيتحرك جهة السلالم
مجدداً فوقف مكانه حين وصل لسمعهم صوت كعب الحذاء
النسائي ثم ظهرت تلك الساقان والبنطلون النسائي الأسود تنزل
عتبات السلالم وانكشف سريعاً جسد تلك المرأة الملتف بمعطف
أنيق ثم وجهها الذي تعلقت الأنظار به وهي تعاود لف حجابها
الأسود الذي دخلت وهو محكم اللف وصولا لعيناها المحمرة
من أثر البكاء الذي سبق وأقسمت أن لا يروه مجدداً وصلت آخر
السلالم وهي تمسح جفناها ووجنتيها من أثر تلك الدموع ووقفت
ونظرها على شخص واحد فقط وكأنه لا أحد غيره في المكان
وهمست ببحة تنظر له بضياع
" رعد !! "
تقدم نحوها دون تردد حتى وقف أمامها ومد يده لخدها
ومسح الدمعة التي تدحرجت عليه قائلا
" هيا يا غسق سنغادر من هنا "
حركت رأسها برفض هامسة
" لن أذهب "
*
*
*
سحبته معها ممسكة يده حتى أجلسته على الكرسي
حول الطاولة المستديرة التي تتوسط المطبخ الريفي
الفخم المفتوح وقالت وهي تتوجه للخزانة
" أنا من سيعد لك القهوة "
وتابعت وهي تفتح إحدى الرفوف وتخرج علبة حفظ البن
" كنت عائدة من برايتون ومن زيارة لصديقة لي
ومتجهة للندن فخطر لي أن أتوقف في طريقي لرؤيتك "
والتفتت له وقد خبى حماسها حين وجدته منشغل
برؤية الأشجار في الخارج وكأنه لايسمعها فقالت
بشيء من خيبة أمل
" أتمنى أن لا تكون زيارتي قد أزعجتك
فهي لن تطول لأكثر من دقائق "
نظر لها ثم للمزهرية الخزفية على الطاولة وقال
" لا لم تزعجني زيارتك لكني أخبرتك أنه لا أحد يعلم
عن وجودي هنا "
توجهت لآلة صنع القهوة وقالت وهي تضع البن والماء
" أجل وأنا لم أخبر أحداً عن زيارتي هذه فعائلتي يعلمون
فقط أني ذاهبة لبرايتون ولم أخبرهم بأني
سأزور منزلنا الريفي "
أومأ برأسه موافقاً دون أن يتحدث ولا أن ينظر ناحيتها
فسحبت الكرسي المقابل له وجلست قائلة بهدوء
" علمت أنك في إجازة من مكتب المدعي العام فخمنت
أنك ستكون مستقراً بشكل تام هنا ,
هل أحوال ابنة عمك سيئة لهذا الحد ؟ "
نظر جانبا وهمس بجدية
" لحد ما "
حركت كتفيها بقلة حيلة وقالت
" يبدوا مزاجك سيئاً للغاية "
وتابعت وهي تقف
" سأتركك الآن فأجب على اتصالاتي وقاص أريدك في
أمر يتعلق بعملي "
كانت تتأمل بيأس أن يطلب مكوثها وأن يرفض
فرضيتها تلك بأنه لا يريدها هنا
لكنه لم يفعل مما حطم أمالها التي لم يتركها ترتفع يوما
ولو بنسبة ضئيلة ,
دارت حول الطاولة حتى وصلت عنده قائلة
" سأترك لك القهوة تنهي إعدادها بنفسك "
رفع رأسه لها ناظراً لعينيها وهمس بابتسامة مائلة
" آسف إيلين مزاجي بالفعل سيء للغاية وأنا نفسي لا أعلم لما "
ابتسمت له فوراً ومالت ناحيته وطبعت قبلة سريعة على خده
وتحركت خارجة من المطبخ قبل أن يعقل قائلة
" لا تقلق أبداً بشأن هذا فلن أغضب منك .... وداعاً "
وأخذت حقيبتها وخرجت من هناك في صمت فمرر أصابعه
في شعره ودفن رأسه بين يديه وهو يشعر بأنه لحظات
وينفجر من شدة الألم في صدغيه ,
صوت رنين هاتفه البعيد جعله يرفع رأسه ثم وقف
وتوجه لآلة صنع القهوة وسكب فنجاناً منها ثم توجه
جهة الهاتف الذي عاود الرنين مجدداً وجلس على الأريكة
ورفعه وأجاب فوراً
" أجل يا رواح "
*
*
*
نظر لها رعد بصدمة شاركه فيها صقر وجوزاء
بينما أبان لازال ينظر للجميع
مستغرباً مما يجري هنا , خرج رعد من صمته قائلا باستغراب
" غسق أنــ ........ "
قاطعته تنظر حولها وكأنها تبحث عن أحد غير الموجودين هناك
" سأرى ابنتي أولاً ؟ "
تنهد صقر من تجاهلها لهم وقال
" مؤكد ستكون في غرفتها وهي غرفتك السابقة
يا غسق , ألن تسلـ..... "
بتر جملته تلك حين تحركت من مكانها جهة الممرات الشرقية
للطابق دون أن تلتفت حتى لما كان يقول ولم تتوقف إلا عند باب الغرفة الذي فتحته بهدوء ودون أن تطرقه
متجنبة النظر لتفاصيل الغرفة التي حتى طلائها لم يتغير كما مع
باقي المنزل
فنظرت جهة السرير فقط وحيث الجسد المختبئ تحت اللحاف
فوقه لا يخرج منه سوى صوت البكاء المنخفض والعبرات
المكتومة التي مزقت قلبها بألم وتلك الكلمة الوحيدة التي
كانت تنطقها بتكرار وأنين " أمي ..... أمي "
مسحت دمعة جديدة تدحرجت من جفنها المرتفع وتوجهت
جهة السرير الذي عرف دموعها أيضاً منذ أربعة عشرة
عاماً مضت , السرير ذاته الذي بكت وسط أغطيته
ستون يوماً وليلة وهي تحملها في أحشائها مرمية هنا
منبوذة من الرجل الوحيد الذي عشقته حد تنفسه مع الهواء
الداخل لجسدها في كل ثانية .
وصلت عندها وجلست على طرف السرير بهدوء ومسحت
بيدها على كتف المختبئة حتى الآن تحت الأغطية القطنية
السميكة هامسة بحزن " تيما "
قفز حينها ذاك الجسد جالساً مبعدة اللحاف عنها ودون مقدمات
ارتمت في حضنها تبكي بعبرات تخرج من أعماق قلبها متمسكة
بذاك المعطف الأسود بقوة ومتشبثة به كطفل يخاف
فراق والدته وكأنها تخشى أن تضيع منها مجدداً رغم أنها كانت
تطوقها بذرعيها بقوة وتضمها لصدرها وليست تعلم أيهما
الاثنتين كان عليها أن تخاف فراق الأخرى وتذوق أن تحرم
منها مجدداً ؟
مسحت على شعرها الناعم وهمست بحنان خالطته بحة
بكائها الصامت
" يكفي بكاء بنيتي دعينا نتحدث قليلا قبل أن أغادر من هنا "
ابتعدت عنها وأمسكت يدها وقبلتها قائلة ببكاء
" آسفة أمي أقسم لم أقصد أن أرفضك أبداً "
ثم رفعت رأسها ونظرت لعينيها السوداء الدامعة
وتابعت بذات بكائها
" لم أقصد ما فهمته أمي أقسم لك أنا فقط أردت أن ... "
قاطعتها ماسحة على خديها تكفف دموعها المتدفقة
" أفهمك يا تيما فعديني أن تزوريني دائما صغيرتي "
ارتمت في حضنها مجدداً وكأنها لم تبكي حياتها
تكره أن تخرج والدتها من هنا وأن لاتراها وإن ليوم واحد
وإن كانتا في ذات البلاد ولا سبيل لإقناعها بالبقاء هنا على ما يبدوا
فمن الواضح أن أملها المعلق بوالدها مات سريعاً وأن رجوعهما
معاً مجدداً بات مجرد أمنية
تعيسة كأمنيتها السابقة بروية النائمة في حضنها الآن
والتي احتاج تحقيقها لكل هذه الأعوام الطويلة .
أبعدتها عنها مجدداً وأمسكت وجها وقبلت خديها ثم نظرت
لعينيها المجهدة من كثرة البكاء ولحدقتيها الزرقاء الواسعة
وهمست مبتسمة بحزن
" كلما أردت رؤيتي اطلبي ذلك من والدك وإن لزم الأمر
سأرسل بنفسي من يأخذك لمنزلي وإن كان خالك
رعد حسنا بنيتي ؟ "
عادت دموعها للنزول مجدداً وهي تومئ برأسها موافقة
تزم شفتيها بقوة تمنع عبرتها من الخروج فعادت لمسح
خديها مجدداً بباطن كفها قائلة " هيا يكفي بكاء ...
أريدك كوالديك قوية دائماً يا تيما فالحياة مليئة بالتقلبات
وأنتي لم تري منها شيئاً بعد والرجال يكرهون المرأة الضعيفة
ونهايتك تحت ظل رجل مهما طال بك العمر "
أمسكت كفها الدافئ بقوة بكلتا يديها وهمست ببحة ناظرة لعينيها السوداء الفاتنة الواسعة
" أريدكما أنتما لا أريد أي رجل فالرجال أي واحد منهم
يأخذ مكان الآخر أما أنتما فلا يكفيني أن أراكما بخير وأن
لا أبكي أحدكما يوماً "
ابتسمت من بين حزنها ومسحت على طرف وجهها وشعرها .
هذه بالفعل ابنة مطر شاهين
أخذت منه الكثير , لو كانت تشبهها هي لما انتظرت حتى الآن
ولكانت ذهبت لها وإن متسللة بالخفية .
لكانت أعند من أن تفكر بروية وأن تحسب حساباً للنتائج
المترتبة على أي قرار تقرره , بذلك ستكون ابنة غسق فقط لكن
هذه لا لم تأخذ عيوب والدتها لذلك لن تخشى عليها
حتى إن أصبحت يوماً تحت جناح رجل غير والدها .
وقفت ونظر الجالسة على السرير
معلق بها تقرأ في كل نظراتها ودموعها الصامتة
ما تريد قوله وتعجز عن الحديث عنه لذلك سبقتها قائلة
" تيما ما بيني وبين ووالدك يصعب شرحه والحديث عنه
ففكري فقط بأننا كما تريدين موجودان في الحياة .
غير ذلك سيتعبك التفكير فيه بنيتي لأنه بات يشبه
مزج الماء بالزيت "
انفرجت شفتها وكانت ستتحدث ودموعها لا تزداد إلا نزولاً
فقاطعتها قائلة وهي تغادر
" أراك قريبا يا تيما "
وخرجت مغلقة الباب خلفها وتركتها لبكائها الذي عادت تدفنه
في وسادتها فلم تعد تقوى على فراقها أكثر ولا يمكنها ترك
والدها .. ذلك أبعد ما قد تفكر فيه
وأملها الميت في رجوعهما معا مجدداً بات يقتلها
بدلا من أن يحييها , بكت لوقت حتى لم يعد يمكنها
البكاء أكثر من ذلك وحتى بات قلبها الصغير مقتنعا
بواقعها الجديد ثم جلست وغادرت السرير والغرفة
وذاك الممر الطويل حتى كانت في بهو المنزل ونظرت
للواقفين هناك والدها وعمها صقر وامرأة لا تعرفها يقف
شاب طويل بجانبها لم تركز على ملامح أي منهما فنظرها كان
على الذي شعر أولاً بوجودها ونظر لها بصمت فركضت نحوه
فوراً وارتمت في حضنه مطوقة خصره بذراعيها النحيلان
وقالت ببكاء
" شكراً أبي ...شكراً لما فعلته فما كنت أتخيل بأني سأراها مجدداً "
مسحت يده على شعرها دون أن يعلق على ما قالت فرفعت رأسها ونظرها لعينيه المحدقة بعينيها وهمست ببحة بكاء
" لما لم تقنعها بالبقاء ؟ كنت قادراً على ذلك فلما لم تفعلها ؟ "
كانت تأمل في أن يشرح لها كل تلك الأسباب التي جعلته
يجرحها ويتخلى عنها , كانت تأمل في أن يشفي القرب الجراح
وأن تتغلب المشاعر الدفينة على كل ما فعلته السنين والظروف
لكن ظنونها خانتها هذه المرة وبقسوة , شعرت بقلبها يعتصر ألماً
ليس بسبب صمته عن الإجابة إنما بسبب النظرة التي رأتها
في عينيه وكم شعرت حينها بأنه يخفي الكثير خلف صمته وأكثر
مما كان يخفيه في داخله كل تلك الأعوام , لم ترى سابقاً العجز والحيرة في نظرته كما الآن فشعرت بقبضة من جليد اعتصرت
قلبها
" سلمي على عمتك يا تيما "
جملته تلك لحقت نظرته التي ابتعدت عن عينيها حيث الواقفان
جانباً فنظرت حيث قال وللمرأة التي ابتسمت لها فوراً وقد فتحت
ذراعيها قائلة بضحكة صغيرة
" ما شاء الله كل هذه الحسناء ابنتك يا مطر ؟! "
تحركت حينها نحوها تبادلها ابتسامة صادقة معبرة رغم أن الحزن وأثار البكاء قد شوهت جمال تلك الابتسامة البريئة وما أن وصلت عندها حتى نامت في حضنها قائلة بسعادة
" عمتي جوزاء ... ما اسعدني برؤيتك , أنا آسفة حقا فلم أنتبه "
طوقتها جوزاء بذراعيها سريعا وقالت ضاحكة
" لا بأس فوالدك لم يراني قبلك ويبدوا أن الأمر متوارث "
حمحم ذاك الصوت الرجولي بجانبها وقاطعهما أبان قائلا
" يبدوا أنه دوري فعرفوا
ابنة خالي المهاجر على ابن عمتها الوحيد "
ابتعدت عنها ونظرت ناحيته على صوت جوزاء قائلة ببرود
" لم تعد تحتاج لأن نعرفها عليك فقد قدمت التقرير مفصلاً
ونسيت أنه يوجد شقيق لك أكبر منك "
مدت تيما يدها ناحيته قائلة بحياء
" مرحباً "
صافحها فوراً قائلا بابتسامة
" مرحباً يا تيما أنا أبان سعدت جداً بلقائك يا ابنة خالي الوحيد "
ونظر لوالدته بطرف عينه قائلا بابتسامة
" لم أخطئ هذه المرة أليس كذلك ؟ "
نظرت جوزاء للسقف متمتمه بشيء لم يفهمه أحد منهم وسحبت تيما يدها وهمست
معتذرة وهي تغادر " نسيت حجابي في الغرفة .... عذراً منكما "
وابتعدت مسرعة ما أن اقتربت من الممر الذي خرجت منه
فنظرت جوزاء جهة مطر وقالت مبتسمة
" ما كل هذه العروس الفاتنة ؟ "
وتابعت تنظر للواقف بجانبها بطرف عينها
" لو لم يكن ابني الوحيد ثمة من سرقت قلبه
لكنت زوجتها له في أقرب وقت "
نظر لها أبان بصدمة بينما ضحك صقر فوراً وجاء التعليق
الوحيد من مطر الذي قال بجمود
" ولا ابنك له نصيب لدينا فابنتي عريسها جاهز سلفاً
ولن تخرج من قبائل الحالك "
نظر الجميع له بصدمة فجوزاء لم تعني ما قالت بل كانت تأخذ
الأمر بفكاهة فقط كما اعتقدت أن الجميع قد فهم ! كان صقر من
علق على الأمر قائلاً
" أنت مطر آخر من توقعت أن يكون تفكيره متعصب هكذا ؟
ما الفرق بين أن تتزوج من الحالك أو من غيرها ؟ "
قال أبان وكأن الأمر الوحيد الذي يعنيه هو ما سيقول
" لكنها صغيرة ؟ أنت لست تقصد الوقت الحالي أليس كذلك ؟ "
علقت جوزاء من فورها قائلة
" أنا كنت أمزح فقط ومؤكد مطر مثلي "
تحرك حينها مطر جهة باب المنزل قائلا ببرود
" أنا لم أكن أمزح .... أراك لاحقاً يا جوزاء "
وغادر من فوره ولحقه عمه صقر بعدما رفع يديه متنهداً
باستسلام وما أن اختفى خارج الباب نظرت جوزاء للواقف
بجانبها وقالت
" ثمة امرأة أريد زيارتها هنا فخذني لها قليلاً لأرجع لابنة شقيقي "
نظر لساعته وقال
" لديا بعض المشاوير أيضا لن تؤخريني يا أمي اتفقنا ؟ "
رفعت حقيبة يدها وقالت
" لن أعطلك فيمكنك تركي عندها لساعة أو اثنتين فلا تتحجج "
*
*
*
انتهت من ارتداء ثيابها وتوجهت للمرآة مشطت شعرها سريعاً
ورتبته جيداً ثم رشت بسخاء من عطرها المفضل وأخذت
حقيبتها وخرجت من الغرفة وتوجهت جهة المطبخ
حيث صوت غليان آلة إعداد القهوة ورائحتها الشهية تفوح
في المكان فهذا ما ينقصها الآن فعلاً كوب ساخن لتستعد
ليومها هذا فكل ما يلزمها هو بعض الحظ لتوفق فيما
تنوي فعله ولتتخلص من هذا المكان والرجل نهائياً .
وقفت عند باب المطبخ ولوت شفتيها بامتعاض ما أن وقع نظرها
على الجالس على الطاولة نظره على صحيفة في يديه .
نقلت نظرها منه للواقفة عند المغسلة وقالت ببرود
" سأخرج فابيا وقد أتأخر قليلاً وكما اتفقنا إعداد الغداء
هي وضيفتك اليوم "
توقعت تعليقاً من الجالس هناك والذي قد خان توقعاتها
ولم يرفع نظره من صحيفته أبداً
وهذه بداية جيدة فلم تتوقع أن لا يحقق معها ويبدوا أنه يختلف
عن شقيقها مطر كثراً
وهذا ما لم تكن تتوقعه , لكن أملها هذا خاب سريعاً حين قال
ببرود ولم يبعد نظره عن الجريدة
" كوني حذرة فوكالات التوظيف ليست جميعها نزيهة "
نظرت له بحنق سرعان ما غيرت اتجاهه للواقفة هناك والتي
ابتسمت لها ابتسامة كرتونية واسعة فهمست متوعدة لها
" لن أفوتها لك فابي "
وغادرت من فورها متجاهلة نداء تلك
" جيسي ماذا عن كوب القهوة ؟ "
وخرجت من الشقة ضاربة بابها خلفها بقوة , ما أن تحصل
على الوظيفة ستستأجر شقة أخرى وتنتقل للعيش فيها
ولن تحتاج لذاك الرجل ولا لماله ولا شقته تلك .
لن تحصل على واحدة تساوي ربع فخامتها ورقي هذا الشارع
لكنها ستستقل بنفسها وهذا هو المهم وللجحيم حينها هو وماله
وخطوبته المزعومة تلك .
ركبت سيارتها التي تستغرب أنه لم يتم سحبها منها أيضاً
مع الشقة والراتب الشهري ولا تستغرب أن تكون بيعت
أيضاً لذاك الرجل ودون علمها فهي من أملاك شقيقها أيضاً .
عبست ملامحها وهي تغادر موقف السيارات الخاص
وشعرت بالقهر من نفسها قبل الجميع ..
أيعقل أنها عالة على شقيقها لهذه الدرجة ؟
لما تكتشف هذا الآن فقط وهي من تعلمه جيداً ومن أعوام
ولا تهتم له ؟
وفاة والدتها غيرت من طباع مطر ناحيتها كثيراً وكأنه كان
يفعل كل ذلك من أجلها ومراعاة لها فقط ولا تنكر أنها استغلتها
في أوقات كثيرة لتحصل منه على ما تريد فهو كان يحترمها
كثيراً مثلما تقدره هي وتحبه وكأنه ابنها .
تمتمت تحرك المقود يميناً
" كل ذلك سيتغير من الآن وصاعداً جيسي اطمئني "
شعرت بدفعة كبيرة من التفاؤل والثقة عند وصولها لتلك النقطة
فستشعر بالاستقلالية ولأول مرة في حياتها وكم كان شعوراً مميزاً
ومن قبل أن تجربه , نزلت من سيارتها عند باب مبنى الوكالة
التي نظرت لها باستصغار فلم تتوقع أن تكون مكتباً صغيراً
متهالكاً هكذا !
فتحت حقيبتها وأخرجت قصاصة الصحيفة وتأكدت مجدداً
من العنوان والاسم وكان ذاته فرفعت كتفيها بعدم اكتراث
وتوجهت نحو الباب المفتوح فما يهم في الأمر هو الوظيفة .
ما أن دخلت حتى قابلها مكتب صغير تجلس خلفه فتاة بشعر
أشقر تنكس رأسها على مجموعة أوراق وتبدو مستاءة من البحث
عن شيء ما , حمحمت قليلا فرفعت تلك رأسها
فاقتربت منها قائلة بابتسامة
" صباح الخير جئت من أجل طلب وظيفة "
حركت رأسها بتلقائية وكأنها مبرمجة على ذلك وقالت
" هل جئت من أجل وظيفة محددة أم لا ؟ "
قالت من فورها
" بل الوظيفة في الإعلان ,علمت أن مكتبكم هو الوسيط الوحيد لها "
أشارت بالقلم في يدها للباب المغلق قربها قائلة
" تفضلي مكتب السيدة غولدر من هنا وهي من سيساعدك في ذلك "
ثم عادت لأوراقها وما تفعل فحركت كتفيها وتوجهت للباب الذي
أشارت له طرقته طرقتين متتاليتين ثم دخلت حيث السيدة برونزية
البشرة التي ابتسمت لها فور أن رفعت نظرها من حاسوبها قائلة
" تفضلي سيدتي بما أخدمك ؟ "
توجهت نحوها وصافحتها قائلة
" جئت من أجل إعلان الوظيفة الذي أدرجتموه صباح اليوم "
أشارت لها لتجلس ففعلت فوراً وقالت تلك
" الأفضل أن تتركي لنا خيار البحث لك حسب مؤهلاتك
فتلك الوظيفة شروطها لم تتماشى مع كل من تقدمن لها
ورفضن الموافقة عليها جميعهن "
ضغطت قبضتيها ببعضهما بقوة وقالت بقلة حيلة
" لكني أحتاجها وسأرى الشروط ثم أحكم "
حركت كتفيها قائلة
" يبدوا لي من ثيابك أنك سيدة راقية لا ينقصها المال
ولن أتخيل أن توافقي لكن لابأس "
فتحت درج مكتبها وأخرجت منه ورقة ومدتها لها قائلة
" يمكنك الاطلاع عليها "
وما أن أمسكت الورقة منها حتى عادت تلك للعمل على حاسوبها
فنظرت سريعاً للمكتوب فيها وزمت شفتيها ما أن قرأت أول
شرطين وكان حماسها يخبوا كلما تعمقت في تلك البنود
أكثر فأنزلت الورقة لحجرها تقبض على طرفها بأصابعها بقوة .
هذا تعجيز وليس شروطاً !!
هل ثمة من يُنفر المتقدمين لوظيفة لديه هكذا ؟
أي مختل عقلي هذا الذي كتبها ! هل خسرت حقا فرصة
وظيفة كهذه لن تحتاج معها لمؤهلات وبراتب سخي ؟
أي لن يكون ثمة حل أمامها سوى العمل كمدبرة منزل
أو بائعة في أحد المتاجر .
تلك الوظائف لن توفر لها ولا مصروفها الشخصي ومع التقشف
أيضاً فأين أجار الشقة والطعام ؟؟ سحقاً لها لم تكره ما فعلته
بنفسها كما الآن , أكان عليها أن تعتمد على أموال شقيقها
درجة أن تهمل التفكير في مستقبل قد لا يكون موجوداً فيه ,
كم نصحتها والدتها بأن لا تهمل دراستها وأن سخاء شقيقها
معها قد لا يدوم لها طويلاً لكنّ عنادها لكبته الدائم لها جعلها
توصل نفسها لكل هذا وكانت هي المتضرر الوحيد
ولم يخسر هو شيئاً , تنهدت بضيق وصل للتي انسجمت
مع حاسوبها درجة أن نسيت وجودها مما جعلها ترفع رأسها
وتنظر لها وقالت مبتسمة
" يبدوا أن النتيجة واحدة ؟ "
نقلت نظرها منها للورقة في يدها ثم رفعته لها مجدداً
وهمست بحزن
" بل موافقة "
*
*
*
نزلت من سيارتها ونظرت للذي نزل أيضاً من سيارته التي ركنها
قربها ومن تغلبت عليه بعنادها رافضة أن يوصلها بنفسه لمدينة العمران وأن تترك سيارتها هناك حتى يرسلوا من يجلبها ورفض
هو أن يلحق بالاجتماع ويتركها ترجع لوحدها ,
أغلق باب سيارته ونظر لها فقالت من قبل أن يتحدث
" هل نترك الحديث في الأمر لوقت آخر ... رعد أرجوك "
حرك رأسه وتنهد قائلاً
" لا أريد لومك على ما تقررين يا غسق فأنتي امرأة ناضجة
واعتدتِ أن تتخذي قراراتك الشخصية بنفسك وبحكمة وتروي
لكنَّ كَوني لست شقيقاً لك لن يمنعني من قول أنك تهورتِ
يا غسق وكدتِ تتسببين بمشكلة تبعاتها لن تنتهي "
تنفست نفساً عميقاً وتعلق نظرها بالسماء البعيدة خلفه
قبل أن تتمتم بحزن
" ليتك شقيقي وليت والدك والدي ولست أنتمي لهم , لم أتخيل
يوماً أن أكره الحقيقة التي بحثت عنها لأعوام ودفعت ثمناً غالياً
من أجل معرفتها ولازالت تبعاته تلاحقني حتى اليوم "
شعر بالألم ليس بسبب كلماتها فقط بل وتلك الدمعة التي ملأت
عينيها وهو يرى اولى حصون شقيقته المنيعة تنهار بعد كل
هذه الأعوام من الصبر والصمت والصمود
وفهم وقتها أنها بالفعل تحتاج لأن لا تتحدث عن الأمر حالياً .
قال بهدوء
" لن نتحدث الآن لكن لنا حديث طويل في وقت قريب يا غسق "
لم تعلق وقد نظرت لهاتفها الذي علا رنينه وأسكتته ثم عادت
لدسه في جيب معطفها
فقال ببعض التردد
" غسق كان ثمة ما أريد أن أخبرك به اليوم و.... "
سكت فجأة ونظر للأرض بصمت فقالت بريبة
" ماذا هناك يا رعد ؟ "
وتابعت فوراً وبصوت أجش متوجس
" ما به رماح ؟ "
رفع نظره لها فوراً ولعينيها التي عادت سُحب الدموع لتغشوها
مجدداً ولم يستغرب أن تفهم أن الأمر يخصه فهي ذاتها لم تتغير
تشعر بكل واحد منهم وتفهمه دون أن يتحدث , تنهد بعمق وقال
" سيغادر المستشفى قريباً وقد تحدثت مع المسئولين في
وزارة الصحة عن نقله هنا للبلاد في وقت قريب "
كان يفترض بهذا الخبر أن يسعدها لكن قلبها الذي انقبض
بشدة وهي تنظر لملامحه ولنظرته المشتتة لم يترك للسعادة
مجالاً لتجتاحه فهمست بصعوبة
" ماذا هناك يا رعد ؟ "
مرر أصابعه في شعره حتى شده للخلف فعليه أن يخبرها وأن
تعلم منه قبل غيره فالخبر سيصل لها بسرعة البرق , استجمع شجاعته وقال بحزن
" تقرير الأطباء يقول أنه لن يتمكن من المشي مجدداً "
شعرت بشيء ما ضرب جسدها بقوة وانزلقت دمعتها رغماً
عنها وشعرت بالأرض تحتها تتحول لشيء يشبه الماء فتمسكت
بطرف الباب بصعوبة حين لم يعد يمكنها رؤية شيء ولا الذي قفز راكضاً جهتها وهي تتهاوى للأرض صارخاً
" غســــــــــق "
*
*
*
ما أن غادر الواقفون حوله حتى اقترب منه قائلا
" وصل أغلب كبار قبائل صنوان , لا أعلم لما أشعر أن الاجتماع
بهم لا يبشر بخير أبداً "
قال مطر بجدية
" الأغلبية لا يفكرون سوى في تجنيب أنفسهم وغيرهم الحرب
لكننا لن نعول عليهم كثيراً فالبعض لن يلتفت لما ستقرره
القبيلة وسيتحجج كبارهم بأنه لا حكم لهم على شبابهم المتهور
وطالما أنهم يؤوون تلك الزمرة من رجال الجيش المنشقين
لديهم فلا مأمن منهم أبداً "
تنهد صقر متمتما
" لا أعلم كيف خرج ذاك الرجل من صلب شراع صنوان ؟
والغريب في الأمر أنه لم يكن هكذا في الماضي بل كان ذراع
والده القوية "
قال الواقف أمامه فوراً وبحقد لم يستطع إخفائه
" ذاك حسابه ليس مع المحاكم العسكرية بل معي أنا فقط ومصيره
في قبضتي لا محالة ولن تمسكني عنه لا صنوان ولا غيرها "
نظر له صقر مستغرباً فقال قبل أن يعلق
" أريدك أن تكون على اتصال بقاسم وتتولى مهمة دخوله البلاد ,
سأكون مشغولاً الأيام القادمة وستتولى أنت السفر له هناك "
حرك صقر رأسه موافقاً دون أن يعلق وقال بعيداً عن الموضوع
" كنت أريد التحدث واللواء يعقوب بشـ.... "
قاطعه مطر من فوره
" لا داعي لذلك "
نظر له صقر لبرهة مستغرباً ثم قال
" هل تحدثت معه ؟ "
قال بتهكم شديد
" لا ولن أفعلها "
قال الواقف أمامه وبريبة
" ما الذي حدث بينك وبين غسق ؟
هي من أنهى الموضوع أليس كذلك ؟ "
تنفس بعمق ونظر للبعيد حيث تجمع البعض من رجاله وقال
" تجاوزنا الموضوع وانتهى كما انتهى الحديث عنه أيضاً "
حرك صقر رأسه بنفاذ صبر , يدفع باقي عمره ويعلم ما جعله
يقنعها بكل ذلك وتيما من أخبرته أنها كانت راحلة وغاضبة
منها هي أيضاً ؟! قال بهدوء
" حسناً لكن تيما ماذا بشأنها ؟ لا تتخذ ابنتك ورقة ابتزاز
يا مطر , لا أتخيلك من هذا النوع أبداً "
نظر له وقال بحزم
" عمي تيما ليست ورقة يبتز بها أي منا الآخر وليست لعبة
بيننا أيضاً كما أنها لن تكون لا معي ولامع والدتها , وشن
الحروب بيننا من أجلها أمر تافه لا يمكن التفكير فيه "
قال صقر مستغرباً " وأين ستكون إن لم تكن معك ولا معها ؟ "
قال مباشرة وببرود " مع زوجها طبعاً وحيث مكانها الطبيعي "
نظر له عمه بصدمة ويعلم أن التعليق على الأمر لن يغير في
أفكاره وقراراته شيئاً ويبدوا أنه كما قال سابقاً لم يكن يمزح
في حديثه لشقيقته , زم شفتيه بضيق حين توصل لفكرة ما
عن سبب هذا القرار الجنوني ثم قال
" مطر أحذرك فكسر امرأة بامرأة أخرى لا ينجح دائماً
فكيف إن كانت تلك المرأة غسق "
عقد الواقف أمامه حاجبيه ونظر له بصمت للحظة
قبل أن يقول بحزم
" أكسرها بامرأة أخرى ؟ "
حرك رأسه بحركة لم يفهمها ثم تحرك من أمامه قائلا بجدية
" لا تقلق فلن تنام امرأة غيرها على أضلع عرفتها هي تحديداً "
وغادر مجتازاً له حيث الواقفين هناك وهو يتبعه بنظراته حتى
انظم لرجاله وغادروا معاً فتحرك أيضاً من هناك متمتما بضيق
" لما العناد إذاً يا ابن شاهين ؟ "
*
*
*
ابتسمت بحزن وحنين وهي تمسح دموعها وهمست ببحة
" كنتم محظوظون حقاً بالعيش معها "
ابتسمت جوزاء قائلة
" لم نعرفها إلا لأشهر لكننا لم نرى فيها إلا امرأة لا مثيل
لخلقها وصبرها وحكمة تصرفها , من عاش معها حقاً وعرفها
هم عائلة شراع صنوان والدليل حبهم الا محدود لها حتى اليوم
فلطالما كانت مدللة والدها الذي رباها وعشقُ أشقائها
لا يرفضون لها طلبا ولا يقبلون فيها لومة لائم "
وماتت ابتسامتها فجأة وتنهدت بحزن متابعة
" لكن كل ذلك تغير منذ علمت عن حقيقة نسبها حتى أنها لم تعد
تستقبل اتصالاتي ولا ترحب بزيارتي لها رغم أنها لم تتغير
ناحيتي بعد رحيل والدك بك , هي باتت تلوم الجميع رغم أني لم
أعلم بالأمر إلا قبل وفاة عمتي نصيرة بقليل "
تمتمت تيما بحزن مماثل
" هل كانت ستكون أحرص من الجميع على نفسها ؟
ما كانت لتعرض نفسها للخطر لو علمت , ليتهم أخبروها
لتغير الكثير في كل هذا الوضع الآن "
قالت الجالسة مقابلة لها من فورها
" والدك كان رافضاً للأمر بشدة , ذاك ما فهمته من عمي صقر
لاحقاً وكان حذراً جداً ومحتاطاً والأهم لديه أن لا يعلم أكثر من
عدد اللذين يعلمون بالأمر وقتها ولم يكن يتعدى الأربعة أشخاص
إن أضفنا لهم المرأة التي أولدت والدتها "
ترقرقت الدموع في عينيها الزرقاء الواسعة مجدداً وهمست بعبرة
" ألا أمل في أن يرجعا معاً كما الماضي عمتي ؟ أنتي قلتِ بنفسك
أن علاقتهما كزوجين كانت قوية ومختلفة "
مسحت على شعرها بحنان قائلة
" تيما لن يستطيع فعل ذلك لا أنا ولا أنتي ابنتهما ولا أحد سواهما
وحدهما , ثمة أمور حدثت لا أحد يعلم عنها غيرهما صنعت على ما
يبدوا فجوة صعب على الزمن محوها وحتى تقليصها , كل ما يمكنك
فعله الآن أن تعوضيها فقدها لك كما تحتاجينها أنتي وأكثر من ذلك
فلن يفهم شعور الأم التي تحرم من فلذة كبدها إلا من جربت مثلها
وهو أمر لا أتمناه لامرأة في الوجود لأني سبق وجربته "
مسحت دموعها وأومأت برأسها موافقة وهمست
" ليتني أراهما معاً من جديد , هذا فقط ما أريده من الحياة , والدي يستحق فعلاً امرأة تفهمه .. يحتاج لحنان امرأة ولقربها ... ذاك شيء هو أعظم من أن يطلبه لكنه يحتاجه فعلاً "
ابتسمت الجالسة أمامها قائلة
" ما أكبر عقلك وتفكيرك يا تيما , لن أستغرب أن تكون ابنتهما
هكذا فتحلي بالصبر وما أراده الله سيكون بالتأكيد "
طرقات خفيفة على باب الغرفة قاطعت حديثهما ذاك وقد تلاها
صوت أبان منادياً
" أمـــــي "
" قـــادمة "
أجابته من فورها ووقفت قائلة بابتسامة
" سأتركك الآن تريحي رأسك من ثرثرتي قليلاً "
تعلق نظرها بها في الأعلى وابتسمت لها بحنان قائلة
" بل استمتعت برفقتك وحديثك كثيراً وأنا من تتمنى
أن لا تكوني انزعجتِ من كثرة أسئلتي "
وتابعت وقد تحولت نبرتها للحزن
" يعز عليا أن تغادرينا غداً , ليتك تبقي لوقت أطول
فلا أحد ولا امرأة تسليني هنا وإن برؤيتها صامتة , ليتك
أحضرت ابنتيك وبقيتما هنا لفترة "
ابتسمت لها قائلة
" سنزوركم قريباً اطمئني , ابنتي في فترة اختبارات الآن
والمسافة بيننا وحوران بعيدة لكني أعدك بزيارة طويلة "
أومأت لها برأسها موافقة ومبتسمة بتفهم فتحركت جهة
الباب حين عاود من في الخارج الطرق مجدداً قائلة بضيق
" سأخرج له قبل أن يدخل علينا ... مجنون ويفعلها "
راقبتها مبتسمة حتى خرجت مغلقة الباب خلفها ثم نقلت نظرها
للنافذة وللسحب الرمادية المتجمعة وتنهدت بحزن هامسة
" اشتقت لك من الآن أمي , ترى ما الذي تفعلينه الآن ؟ "
*
*
*
مسح بكفه على جبينها ثم غرتها الناعمة ويده الأخرى تمسك
كفها الباردة ولا يجد شيئاً غير ذلك يفعله من أجلها , قالت الواقفة
قرب السرير
" لو تركتِ الطبيب يأتي لرؤيتك يا غسق ... ما أعند رأسك "
أغمضت عينيها برفق مسدله جفنيها الواسعان تخفي خلفهما
تلك الأحداق الواسعة المجهدة متمتمه
" أنا بخير عمتي لا حاجة لأي طبيب "
تنهدت بعجز أمام عنادها غير مقتنعة فملامحها وشحوب
وجهها وجفناها المحمران من سجن دموعها لا يطمئنها أبداً
على صحتها وتعلم بأنها لن تستطيع التغلب عليها أبداً ولا أحد
ولا الواقف في الخارج , قبّل الكاسر جبينها واتكأ عليه بخده
برفق هامساً
" يبدوا أنك تصرين فعلاً على تركي أنتي أيضاً "
شدت أناملها الرقيقة على يده وهمست بخفوت ولازالت
مغمضة عينيها
" أنا بخير بني أريد أن أنام قليلاً فقط "
عدل جلسته ولم يترك يدها ثم التفت للتي ربتت بيدها على كتفه
وقد أشارت له بعينيها ليخرجا فعاد بنظره للنائمة على السرير
ولتلك الملامح الفاتنة المتعبة ثم قبّل جبينها مجدداً ووقف مغادراً
خلف عمة والده ونظره لم يفارقها حتى خرجا من الباب
وأغلقه خلفه , نظر لهما الواقف في الخارج وقال فوراً
" كيف هي الآن ؟ "
تنهدت عمته قائلة بحزن
" ملامحها ما تزال متعبة لا أشعر أنها بخير لكنك تعرف عنادها جيداً , ماذا حدث يا رعد ؟ ما الذي جعلها تنهار مغشياً عليها هكذا ؟ "
تنفس نفساً عميقاً وقال بحزن مماثل " أخبرتها عن رماح "
حركت رأسها ضاربة بكفيها متمته بحسرة تمتمات غير مفهومة
ثم نظر ثلاثتهم لباب الغرفة حين وصلهم صوت البكاء الأنثوي
المكتوم الذي تسلل من الباب المغلق رغم كتمها له في وسائد
سريرها الوثيرة إلا أنه خرج موجعاً حارقاً تبكي له الجدران .
مسحت جويرية دمعة تسللت من عينها وتحرك الكاسر جهة
باب الغرفة فأمسكت يد عمه رعد ذراعه وهمس ناظرا لعينيه
" أتركها وحدها يا كاسر لن تحب أن يكون أي أحد معها الآن "
ضرب بقدمه الأرض حانقاً يحاول سجن الدمعة التي فضحتها
مقلتيه ثم غادر من عندهما بصمت وخطوات غاضبة فنظرت له
عمته وقالت
" ليتك لم تخبرها يا رعد ، لم يكن الوقت مناسباً أبداً "
رفع كتفيه وقال بعجز
" ومتى كنت سأخبرها وأنتي من رفضت فعلها وهي كانت
ترفض أن ندخل ونتحدث الآن ؟ ما كان من خيار أمامي فستعلم
بذلك من غيرنا وإن من الصحف التي نشرت كل شيء فجأة
أو من التلفاز "
شدته من يده وابتعدت به حتى نهاية الممر وقالت ناظرة لعينيه
" ماذا حدث معها هناك يا رعد ؟ تلقت سابقاً صدمات أوجع من
هذه بكثير وكانت أقوى منها ! ثمة ما حدث في منزل ذاك
الرجل بالتأكيد "
حرك رأسه بأسى متمتما
" ما كنت حاضراً فيه لا أعرف بما أصفه عمتي وما
حدث قبلي أو بعيداً عني وأنا هناك يبدوا أشد منه بكثير "
ضمت كفيها عند ذقنها وهمست بحزن
" لو ترحم نفسها فقط ، لو أن ذاك الرجل أكمل عمره راحلاً ،
كنت أعلم أن رجوعه لن يأتينا بالخير أبداً "
تنهد بعمق داساً يديه في جيبي معطفه وقال
" لا أخفيك عمتي أني عولت كثيراً على رجوعه لكن ما بينهما
يبدوا أعظم من أن يتجاوزاه بسهولة رغم أن من رأيته أمامي
هناك كان محارباً يموت ولا يترك أنثاه لغيره لكن ما حدث بعدها ....؟ ما حدث في الماضي ....؟ أمور لا يعلمها أحد غيرهما "
تنهدت بأسى متمتمه بشرود
" ليرحم الله قلبها الصغير "
ثم رفعت نظرها لعينيه مجدداً وقالت
" هل علمت جليلة ؟ هل اتصلت بهم ؟ "
أومأ برأسه بنعم وقال بهدوء
" اتصلت بوالدها وكان الخبر وصلهم قبلي ويبدوا صدمتهم
بحقيقة أنه على قيد الحياة أشد من حقيقة حالته الصحية ,
وكل ما قاله والدها بأن ابنته لن تتخلى عنه مهما اشتدت
محنته وختم جملته ( إن أرادها في حياته طبعاً ) وكأنه
يذكرنا بوضعهما وواثق جداً من أن رماح سيتجنبها أكثر "
وتابع وقد تبدلت لهجته للضيق
" لم يخطئ حياته كما أخطأ مع تلك الفتاة ويرفض حتى ذكر السبب "
حركت الوقفة أمامه رأسها بحيرة ولم تعلق فنظر لساعته وقال
" عليا العودة لحوران الآن "
وتابع وقد نظر لعينيها " اعتني بها جيداً عمتي وكوني بقربها وإن حدث شيء
اتصلي بي فوراً وليس بعده بوقت كما حدث صباحاً "
أومأت بالموافقة دون أن تعلق فغادر فوراً ونظراتها تتبعه
قبل أن تتحرك أيضا متمتمه
" سأجلب لها بعض الطعام لعلها تأكل وإن شيئاً بسيطاً منه
فهي لم تأكل شيئاً اليوم "
*
*
*
جلست لوقت طويل فوق طرف الطاولة عند الشرفة تلعب بقدميها
في الهواء وتتلاعب النسائم الباردة بخصلات شعرها البني تراقب
أنوار المدينة المتلألئة في الظلام من ذاك الارتفاع حيث الطابق
الذي توجد فيه , ها قد مر النهار بطوله وهي هنا سجينة لا شيء
لديها تفعله سوى النوم والأكل , نامت لساعات متواصلة حتى
ضنت أنها لن تنام بعدها أبداً وتناولت ثلاث وجبات ليس رغبة
في الطعام بل لتمضي الوقت في شيء آخر غير التفكير في كل
ما حدث صباحاً , حتى التلفاز لم تجد فيه ما يسليها فمعظم
قنواته إخبارية ورياضية وكأنهم يخصصون غرفاً للرجال
وأخرى للنساء في هذا الفندق !
لو لم تكن حقيبته موجودة معها هنا لشكت أنه غادر البلاد
وتركها بعدما خسرت حتى المنزل الذي كانت تعيش فيه مع
عمها فلن يستقبلها فيه بعد الآن وإن كان ملكها ولن تستبعد
أن يقتلها ما أن يراها , قفزت من فوق الطاولة تفرك كفيها
الباردين ودخلت مغلقة باب الشرفة الزجاجي ليتوقف تدفق
كل ذاك الهواء البارد الذي حول خديها لبقعتان زهريتا اللون ,
توجهت جهة السرير وارتمت عليه نائمة على بطنها ترفع
قدميها عاليا وضمت ذارعيها لبعضهما واتكأت بجانب وجهها
عليهما تنظر للثياب التي أحضروها لها هنا بعد وصولها بوقت
قصير وكانت على قياسها تماماً ولم تفهم كيف خمنوا أنها
ستكون مناسبة لها ؟
بنطلون من الجينز وبلوزة ومعطف شتوي أبيض , حتى
الحذاء والحقيبة لم ينسواجلبهم أيضاً , نقلت نظرها لقميص
النوم الموجود معهم حيث كان تقليديا ومحتشما بعض الشيء
رغم فخامة قماشه وتصميمه أي لا قماش دانتيل يتخلل تصميمه
على الأقل لكنها لم تستطع ولا ارتدائه لتنام فيه ليس بسبب
طوله القصير جدا بل ..... ؟ لا تعلم لما تحديداً
ولا تملك جواباً محدداً سوى أنها لا تتخيل أن تفعلها الآن
وأن تأخذه الافكار بعيداً ما أن يراه عليها , خبأت وجهها في
ذراعيها وهمست مغمضة العينين
" وأين هو ليرى قميصاً أو غيره ؟ "
قفزت جالسة ما أن أنهت جملتها تلك ما أن انفتح باب الغرفة
وعدلت شعرها وقميص بيجامتها لا شعورياً وهربت بنظرها
ليديها في حجرها ما أن لمحت بعضاً من جسد الذي دخل وأغلق
الباب خلفه ولم تعد تسمع شيئاً بعدها سوى ضربات قلبها التي
كانت تكاد تصم أذنيها ولا تفهم لما يوترها وجوده هكذا .... ؟
بلى تفهم وكيف لها أن تستغرب ذلك ففي أبعد أحلامها
وتخيلاتها بل وتوقعاتها الساذجة لم ترسم له صورة كالتي
هو عليها الآن فإن طلبوا منها وضع مواصفات لفارس أحلام
خيالي قد تتمناه أي فتاة ما وصلت عند أكثر من هذا
النموذج الحي أمامها . رطبت شفتيها بطرف لسانها ونظراتها
تتبع ساقيه وحذائه الجلدي الطويل حين تحرك نحو المرآة
ورفعت نظرها ببطء ما أن أصبح ظهره مقابلاً لها ومسحت
عيناها بتمعن تفاصيل جسده حتى شعره الاسود الناعم , نزع
سترته ورماها جانبا لتكشف عن القميص الرمادي الضيق قصير
الأكمام تحتها مبرزاً عضلات ذراعيه وكتفيه وخصره النحيل فغرسة
أسنانها لا إرادياً في طرف شفتها السفلى تهف بيدها على وجهها
فقد شعرت بحرارتها ترتفع بشكل غريب وفجائي
" لما تنامين بثيابك ذاتها ؟ "
شعرت بقلبها قفز لحلقها وكادت تغص بريقها ما أن وصلتها
جملته ونبرته الحازمة تلك وضاعت الكلمات ونسيت كيف تصاغ
حتى الجمل وتاهت نظراتها بين قفاه والثياب الموجودة هناك
وقالت حين وجدت صوتها " ليس على قياسي "
كانت تعلم أنها كاذبة كعلمها بأنه لن تنطلي عليه تلك الحيلة ولا
الحجة وتوقعت تعليقا ساخراً منه لكنه فاجأها حين قال وهو ينزع القميص عن جسده وبحركة واحدة
" لا يهم ذلك "
كادت تقفز هاربة خارج الغرفة ما أن فعل ذلك ورمى القميص
دون اكتراث جانباً ولم تهدأ ضربات قلبها المجنونة إلا حين قال
وهو يتوجه لباب الحمام
" غيري ملابسك سنغادر لا وقت أمامنا "
تبعته بنظراتها المصدومة حتى دخل وأغلق الباب خلفه فمدت
شفتيها وقربت حاجبيها تنظر لمكانه نظرة قطة سرقوا منها
عشاءها فلم يعطيها ولا مبرراً لتخاف وإن باقترابه ، انفتح باب
الحمام بعد لحظات وخرج منه وتوجه لحقيبته فوراً وقال بحزم
وهو يأخذ ثياب منها وموجهاً حديثه للجالسة مكانها على السرير
" بسرعة ماريا تحركي "
وعاد للحمام فوراً لم تسمع ولا قفل الباب وهو يغلقه بعد دخوله
فيبدوا أن هذا الرجل معتاد على الاستحمام والخروج عارياً ولا
يعرف شيئاً اسمه خصوصية في الحمام !
ارتمت على السرير مجدداً تدفن وجهها في أغطيته متمتمه
" ماريا ..... ماريا هذا الاسم هل سمعته من قبل ؟
هذا الرجل كيف ينطقه هكذا بطريقة غريبة "
وكتمت ضحكتها في تلك الأغطية لا تعلم هو فعلاً ينطقه بطريقة
مختلفة أم هي من سمعه كذلك ؟ لا هو بالفعل أول من يناديها
هكذا ويفخم حرف الألف نهاية اسمها ويمده قليلا ومع نبرته
الرجولية العميقة كان له معنى آخر تماماً
" بسرعة ماريااه تحركي "
تمتمت بعبارته تعيدها كما قالها وضحكت مجدداً قبل أن تفز
جالسة من جديد حين انفتح باب الحمام وخرج منه ببنطلون جينز
وشعر مبلل قطرات الماء تتسابق على صدره وكتفيه ووقف
ونظر لها بضيق يمسك وسطه بيديه فتسللت من السرير ببطء ثم
ركضت جهة الملابس
المرتبة هناك وأخذتها جميعها وركضت بها جهة الحمام قائلة
" سأخرج سريعاً "
وأغلقت الباب خلفها جيداً عكس ما فعل فهل كان يتوقع مثلاً أن تغير
ملابسها في الغرفة
ويخرج لها في أي لحظة كما فعل الآن وقد خرج في وقت قياسي ؟!
نظرت للمكان حولها بصدمة والمياه تملأ الأرضية الرخامية وتناثر الكثير منها في المكان وصولا للستائر
علبة شامبو الشعر مرمية على الأرض بإهمال وعلب معطرات
الجسم والزيوت مرمية أيضاً في حوض غسل الوجه وكأن
إعصاراً مدمراً مر على المكان !
نظرت للمياه تحت قدميها وتمتمت بعبوس
" كم هذا الرجل فوضوي !! "
طرقة صغيرة بمفتاح سيارته على باب الحمام جعلتها تتحرك
مسرعة وغيرت ثيابها في وقت قياسي , لا تفهم لما الاستعجال
الآن بينما قضى طوال النهار خارجاً ؟ أغلقت زرا المعطف الأبيض القصير بعدما أخرجت شعرها من تحته ثم توجهت للباب فتحته وخرجت
ونظرت فوراً جهة حقيبة اليد التي أحضروها مع الثياب متجنبة
النظر للواقف عند باب الغرفة ينتظرها هناك فلم تتجرأ على النظر مباشرة لعينيه حتى الآن , توجهت مسرعة جهة الحقيبة رفعتها وتوجهت جهة الباب أيضا حيث ظنت أنه سيخرج وهي خلفه لكنه
لم يتحرك من مكانه فبدأت خطواتها تتباطأ منتظرة حتى تحولت
لخطوة واحدة فقط تفصلهما فوقفت مكانها أمامه مباشرة تنظر
للحقيبة في يديها وأصابعها تعصرها بقوة وتوتر تنتظر أن يتحرك
لكن ذلك لم يحدث وقد مد يده ليلامس ذقنها فأثارت لمسته تلك
حواسها حد أنها لم تعد تعي إن كان يمكنها التنفس أم لا وهو
يرفع وجهها له ببطء وما أن وقع نظرها على عينيه حتى تسارعت
ضربات قلبها بشكل مفاجئ وكادت تفقد وعيها لولا أن نظراته انتقلت
من عينيها لباقي ملامحها سامحة لذرات هواء صغيرة أن تتسلل مجدداً لصدرها
وكأنه لم يكتفي بعد من مقارنة ملامح هذه الفتاة الجميلة بتلك الطفلة
التي تركها وطولها كطول فستانها الصغير الذي كانت تلبسه تقفز فوق
أحجار الطوب في فناء المنزل الخلفي كفراشة ملونة جميلة ضحكاتها
تبعث الحياة في ذاك المكان الصامت الكئيب .
انتقلت يده من ذقنها لصدغها وغرس أصابعه في شعرها وأخرجه
بهم في حركة سريعة فانسدل على طرف وجهها كستارحريري بني
تخللته خصلات ذهبية طبيعية ثم سرعان ما عاد لرفعه مجددًا وقد
رماه بظهر أصابعه للخلف ثم مررها على طرف جبينها ونظره
عليها عاقداً حاجباه المستقيمان وهمس بصوت رجولي عميق
" أين أثر ذاك الجرح ماريا "
أحست بالدماء الحارة تجتاح عنقها وتلسع خديها اللذان تلونا بلون
الدم فجأة فلم تتخيل أنه لازال يذكر تلك الحادثة وذاك الأثر ؟
بالطبع سيذكر فكيف سينسى الوقت الذي قضاه يسكتها
وقميصه قد تلطخ بدمائها وهو يمسحه به وارتمائها في حضنه
باكية لوقت طويل , عند تلك النقطة من ذكرى ما حدث لم تعد
تستطيع النظر لعينيه أكثر فأسدلت جفناها ورموشها
الكثيفة وهمست بخفوت
" اختفى بالأشعة "
أبعد حينها أصابعه ونظر للأعلى متمتما بسخط
" آه جراحة ماريا .... ؟
لماذا بحق الله ! "
نظرت له وكانت ستشرح له بأنها كانت ترى أي عيب في جسدها
مكمل لما يفعله الجميع وجزء من العيوب التي يرمونها بها دائماً ,
أنها كانت تغطي بكل ذلك النقص الذي أجبرها الناس على رؤيته
في نفسها ودواخلها فلم تتحمل رؤية تلك الندبة الصغيرة في جبينها ,
كانت ستتحدث لكنه لم يترك لها مجالاً لذلك وقد دار بنصف جسده
للباب ليخرج فنادته هامسة
" تيم "
التفت لها بوجهه ولازال يمسك مقبض الباب الذي فتحه للتو
فسرت الحرارة في أوصالها مجدداً وليست تفهم لما تجتاحها تلك
المشاعر كلما التقت نظراتهما ؟ لم تستطع إلا
أن تهمس وهي تقول
" إلى أين ذاهبان ؟ "
كان يشغل بالها مصيرها حقاً ولا تعلم ما ينوي فعله بخصوصها
ولما عاد في هذا الوقت تحديداً وتحتاج لأجوبة قبل أن تغادر هذ
ا المكان , تعلق نظرها بعينيه السوداء وقد نظر للفراغ خلفها قبل
أن يعاود النظر لعينيها قائلا بجدية
" للندن وأظنك تعلمين أني جئت من هناك "
سحبت الهواء بقوة لصدرها وكانت ستعلق لكنه سبقها قائلا
بذات جديته وقاطعاً عليها السبيل لأي سؤال
" عملي ونشاطي هناك ولا يمكنني تركه حتى وقت لست
أعلم متى سيكون , اضحي بحياتي ودون تفكير ولا أخذل من
يعتمدون عليا ماريا "
عبست ملامحها الرقيقة الجميلة وقربت حاجبيها متمتمه
بضيق طفولي
" لكنك تيم كنعان لن أنادين تيموثي أبداً "
سمح حينها لابتسامة صغيرة أن تظهر على شفتيه متسللة
لملامحه الوسيمة القاسية
ورفع يده وضرب بطرف إصبعيه على أنفها وقال
" وأنتي ماريه فقط فتحركي بسرعة ستفوتنا الطائرة "
ثم مد يده ليدها سريعاً وأمسكها منها وسحبها وتحرك خارجان
من الغرفة لم يترك لها المجال لتفكر ولا لتتساءل عن سبب ما قال
وما عناه بذلك وقد ترك حتى حقيبة ثيابه التي أحضرها بل وحتى
ثيابها التي نزعتها وذاك القميص الذي لم تلبسه ولم تستطع سؤاله
عنهم فابتسامته تلك أربكتها حد الجنون وتعلم أنها لن تراها مجدداً
قبل وقت طويل كما كان عند طفولته فيبدوا أن السنين لم تغير
فيه شيئاً
*
*
*
فتحت باب الشقة بمفتاحها الخاص ودخلت مغلقة إياه خلفها
حيث الهدوء والصمت يعمان المكان ولن تستغرب هذا فصديقتها
فآبيا يبدأ دوامها المسائي الآن وذاك الرجل لابد وأن يــ..........
رفعت رأسها للأعلى وتنهدت بنفاد صبر هامسة
" رفقا بي يا رب السماوات "
حين انفتح باب الغرفة التي وقف أمامها صاحب الجسد الطويل
والنظرة الباردة الواثقة مستندا بإطار بابها يديه في جيبي بنطلونه الرياضي ينظر لها ببرود وقال
" هل أعلم أين كنتِ حتى الآن غيسانة ؟ "
لوت شفتيها وقالت بامتعاض
" كنت تعلم قبل خروجي ولم تعترض فما تغير الآن ؟ "
استوى في وقوفه وقال بضيق
" ذاك كان صباحاً وأعتقد أنه لن تستغرق زيارة
وكالة التوظيف حتى منتصف النهار وإن لففتها جميعها "
قالت بضيق مماثل ملوحة بيدها في الهواء
" لما لم تخرج معي لتتأكد بنفسك أين كنت وإن كنت صادقة أم لا ؟
أو ارفع التقرير لصديقك ليعاقبني "
قال بغضب
" لست أحتاج لشقيقك ولا لغيره لأعرف كيف أعتني بما
يخصني و ... "
قاطعته بغضب مماثل
" أنا لا أخصك "
صاح فيها بعنف
" بل تخصينني منذو غادر مطر شاهين من هنا فأي تأخير
كهذا مجدداً دون علمي سيكون عقابه قاسٍ جداً يا غيسانة
وأنصحك أن لا تختبري نتائج غضبي "
لوحت بسبابتها قائلة باعتراض حانق
" لا يحق لك سجني هنا فحتى مطر لم يفعلها , ثم أين عملك
يا صاحب الثروات أليس يفترض بك أن تكون فيه ؟ "
قال بحدة
" عملي أمر يخصني وسأكون هنا متى ما شئت لأنها شقتي
ولن تخرجي من دون إذني يا غيسانة فجربي أن تعصيني
ولن تخرجي بعدها مطلقاً "
ثم دخل ضارباً الباب خلفه بقوة فرمت الحقيبة الممسكة بها في
يدها جهته بكل قوتها صارخة دون اكتراث إن كان سيسمعها أم لا
" سحقا لك ولشقيقي معك ولي أيضاً سأتحرر من جبروتكم يوماً ما وسترون "
وحين لم تجد منه أي رد فعل توجهت بخطوات غاضبة جهة
حقيبتها المرمية أرضاً ورفعتها ودخلت غرفتها ضاربة بابها
خلفها أيضاً ورمت الحقيبة مجدداً ولكن فوق سريرها هذه
المرة صارخة بغضب
" أكرههم .... جميع الرجال العرب أكرههم "
*
*
*
توقعت أن محطتهم القادمة ستكون إحدى المطارات لتقلع بهما
الطائرة التي سبق وتحدث عنها لكن الأمر يبدوا غير ذلك !
فما أن غادرا الفندق ركبا هذه المرة سيارة لم تكن ذاتها
التي وصلا بها ولم يكن هو من يقودها هذه المرة بل شخص
آخر جلس معه في الأمام بينما جلست هي في الكرسي خلفه
تماماً , كانت الرحلة طويلة لم تنتهي ولا ببزوغ الفجر وكان
صمت الجالسان في الأمام أكثر من الكلمات القليلة التي
تبادلاها وما فهمته أنه دليله في هذه البلاد التي تركها فتاً
صغيراً وقد تغيرت بعد رحيله بشكل شبه جذري , تحول بعدها
الطريق لترابي وعر وأصبح ما يحيط بسيارتهم الحشائش
الصغيرة والأشجار العالية والصخور الوعرة التي كانت تكاد
تقلبها بهم ولا يمكنها السؤال عن شيء , وبأي عذرستسأل
وهو من أخبرها عن مكان وجهتهم سلفاً , نظرت لكل شيء حولها
بحزن .. هل حقاً ستترك بلادها ؟ وحتى متى يا ترى ؟
صحيح أن من عرفتهم فيها جعلوها تكره كل شيء وحتى نفسها
لكن بلادها لا .. هي وطنها تراب أجدادها ولم تفكر يوماً في تركها
فهل تفعلها من أجل شخص واحد , نظرت للجالس في المقعد أمامها
لشعره الأسود ولأصابع يده الطويلة التي تخللته وقد رفع يده يسرحه
بها , لكتفيه العريضان والسترة الرمادية الغامقة فشعرت بقلبها
يخفق بجنون فهربت بنظرها للنافذة وأرحت خدها على يدها
هامسة بخفوت
" لو فقط تنتهي هذه الطريق "
شعرت بشيء ما على رأسها قد حرك شعرها فرفعت وجهها
مجفلة على صوته الرجولي الجهوري
" يكفي تذمراً "
تبعت نظراتها المصدومة يده التي أعادها للأمام وقد استوى
في جلسته مجدداً فلم تتخيل أن يسمع همسها الخافت ذاك !!
قال الجالس خلف المقود مبتسماً
" قريباً ستنتهي مهمتي معكما فيبدوا أن زوجتك لم ترق لها قيادتي "
علق تيم ببرود
" لو قدت أنا السيارة ما أحببت أنت ذلك "
ضحك ذاك من فوره قائلاً
" بالطبع لن أحب أن تحطم لي سيارتي "
وعند جملته تلك خرجت السيارة لمساحة واسعة من الأرض
خالية من الأشجار تنتهي بجبال بعيدة فنظرت بصدمة شبه
ملصقة وجهها بالنافذة تنظر للمروحية المتوقفة هناك وللرجلان
الواقفان قربها وسيارة سوداء تقف على بعد أميال قليلة منهم ,
هل هذه هي الطائرة التي قال أنها تنتظرهما !! لكنه كان سيقول
مروحية وليس طائرة ! ويستحيل لهذه أن تطير بهما حتى تصل
بريطانيا فهل دخل الحدود عن طريقها ؟ مؤكد سيكون الأمر كذلك
مع كل هذه السرية التي تحيط به فسيكون دخل البلاد عن طريق
دولة أخرى قريبة , توقفت سيارتهم بجانب تلك السيارة وفتح
الجالسان في الأمام أبوابهما فوراً ونزلا ففتحت بابها أيضاً
ونزلت ولحقت بهما حيث الموجودان قرب المروحية , وما أن
وصلوا عندهم تصافحوا أربعتهم وقد شد أحدهما على يد تيم بقوة
وقال مبتسماً
" مرحباً بالكنعاني .. كيف أنت يا بطل ؟ "
قال تيم من فوره وبذات تلك اللهجة الجادة
" بخير فما حالك أنت مع هذه البلاد ؟ "
ضحك عمير وسحب يده قائلاً
" تعرفني جيداً لقد تنفست فقط حين وطأت قدماي أرضها "
ثم نظر من خلف كتف الواقف أمامه للتي كانت تقف خلفه مباشرة
وقال مبتسماً
" أنتي ماريه إذاً ؟ كنت متشوقاً لرؤيتك منذ كنتِ طفلة
ولم تجمعنا الصدف إلا الآن "
نظرت له باستغراب فضحك واقترب من الواقف أمامه وهمس
له في أذنه دون أن يسمعه أحد
" تستحق فعلاً المغامرة بالدخول هنا "
وعاد للضحك مجدداً حين دفعه تيم بيده من وجهه للخلف
متمتماً ببرود
" أفقأ عينك .... أتفهم "
ثم التفت لها ومد يده وأمسك يدها وسحبها معه جهة المروحية
حتى وصلا عندها ووقف خلفها حتى صعدت السلم القصير وجلست على الكرسي ونظرت باستغراب للواقفين هناك وهم مكانهم ينتظرون مغادرتهم على ما يبدوا بينما دار هو حولها
وصعد في كرسي القيادة وقال
" ضعي الخوذة على رأسك "
نظرت له بصدمة لبرهة وهو منشغل مع أجهزتها المعقدة أمامه
فهذا اكتشاف آخر جديد وليست تعلم ما يخبئ هذا الرجل أيضا من
مهارات مخفية !
رفعت الخوذة لرأسها فور أن بدأت أذرع مروحة الطائرة بالدوران
مصدرة ضجيجا مرتفعاً وكان قد لبس خوذته أيضاً
ثم نظر حيث الواقفين مكانهم هناك وأشار لهم بإبهامه بينما لوح
له ثلاثتهم قبل أن ينظر للأمام ويدوس بكلتا قدميه على دواستي
التحكم لترتفع بهما المروحية ببطء
فشعرت حينها بالذعر الذي لم يعد بإمكانها إخفائه فتمسكت
بالكرسي تحتها بكلتا يديها
وأغمضت عينيها بقوة وما أن حلقت للأعلى وحرك مقودها بيده
للأمام وانطلقت بهما
تحول خوفها ذاك لحماس ونظرت لكل شيء تركاه تحتهما فلم
تركب حياتها طوافة
ولم تكن تتخيل أن الأمر سيكون ممتعاً هكذا وكأنها ليست تلك
التي كانت تكاد تموت خوفاً منذ قليل .
لم تكن رحلتهما قصيرة كما كانت تتوقع وما أن حطت بهما
المروحية على الأرض
كانتا سيارتان في استقبالهما وكما توقعت ومن اللهجة والمكان
هما باتا خارج وطنهما
في إحدى الدول المجاورة , توجه تيم نحوهم وحده وتحدثوا
لوقت قبل أن يرجع ناحيتها ووقف أمامها وقال
" ستغادرين معهم الآن ماريا "
انفرجت شفتاها وكانت ستتحدث ونظرتها له ملئها توجس وحيرة فأمسك كتفيها ونظر لعينيها وقال بذات جديته
" لا يمكننا المغادرة من هنا معاً , ستكونين بمأمن معهم
سيوصلونك للمطار وحتى بوابة المسافرين وسيتكفلون بجميع
الإجراءات ثم ثمة من سيستقبلك في مطار هيثرو بلندن "
حاولت التحدث مجدداً لكنه لم يعطيها أي مجال وقد سحبها
من يدها نحو الواقفين هناك وقال ما أن وصلا عندهم
" سأكون على اتصال دائم معكم "
قال أحدهما فوراً
" كن مطمئناً سيدي واعتمد علينا "
تحرك حينها يتبعه اثنين منهم وركبوا إحدى السيارتين وغادروا
نظراتها التائهة تتبعه وكأنه ثمة من شطر قلبها لنصفين وأخذ
ذاك الشطر معه , فهل كان كلامه ناقصاً أم أنه عنى فعلاً أنهما لن
يلتقيا هناك ؟ هل اختصر الجملة أم ذاك ما كان يعنيه فعلاً ؟
" علينا المغادرة سيدتي , بقي على موعد طائرتك أقل من ساعتين "
انتزعت نظراتها من السيارة التي ابتعدت بعيداً عنهم مسرعة
ونظرت للذي تحدث مبتسماً وكان خلافهم يتكلم بذات لهجتها ويبدوا
أنه من بلادها أيضاً , تحركت معهما
في صمت وركبت السيارة التي سارت بهم في اتجاه معاكس
للذي غادرت منه تلك السيارة وهي تحاول التفكير في أمر واحد فقط
أن دربهما لم ينتهي عند هذا المكان
*
*
*
لم يصعد لتلك الغرفة طوال النهار سوى مرة واحدة ليضع لها
إبريق ماء جديد وصينية الطعام وكانت كحالها ووضعها الآن
تجلس فوق السرير ضامة ساقيها بذراعيها وتنظرجهة النافذة
في صمت حتى يخرج ولم يبادر هو بالحديث
ويستغرب أن لا تعلق على قدوم إيلينا وهي من كانت لا ترحمه
من لسانها اللاذع منذ تحدثت أول مرة ؟ لا ... لن يحتاج الأمر
أن تتحدث فابتسامتها تلك وقت سماعهما لصوتها تناديه كانت
كافية لتوجيه رسالة
مفادها أنه في نظرها لم يتخطى رجل النساء العابث المستهتر ,
حمل صينية الغداء الموجودة هناك منذ منتصف النهار وغادر
الغرفة ونزل بها للمطبخ وضعها هناك
وعاد للجلوس حيث أوراقه وعمله وعاد لعقود الصفقات
والبنود والشروط مجدداً لكن
سرعان ما شعر بالملل يتسلل لمزاجه ولأول مرة يضجر من كل
هذه الأجواء التي اعتاد أن ينغمس فيها لساعات دون كلل ولا ملل
وحتى في جناحه الخاص في المنزل هناك حيث كان يقضي
ساعات طويلة متواصلة في مكتبه ولا يرى فيها زوجته إلا حين
تدخل لتضع له كوباً من القهوة أو بعض الفطائر المحلاة ولا يعلم
فيما كانت تقضي كل ذاك الوقت وبما تسلي نفسها وكان كأي رجل
يضع عمله في المقام الأول يكره التذمر منه وانتقاده بشأنه ,
رمى الأوراق من يده ووقف وتوجه لغرفة الموسيقى في الأسفل
ومن دون أن يقترب من تلك الآلة أو يشغلها استرخى على
الأريكة وكأنه يحتاج فقط لذاك المكان المنعزل الهادئ والشبه
مظلم والوحدة والعزلة التامة عن كل شيء وحتى أوراقه وأفكاره
لكنه ما أن أغمض عينيه ظهرت أمامه تلك الملامح وذاك الوجه
الدائري والشعر البني الطويل والنظرة ..... تلك النظرة القوية
الحاقدة , حتى في لحظات هدوئها ولا مبالاتها , في صمتها
وبرودها , في غضبها واشتعالها ... كل حركة منها وإن كانت
في سكون تعبر عن امرأة مختلفة في كل شيء , تبعث فيك
الفضول بقدر ما ينفرك منها حقدها الأسود الذي لم تحاول
إخفاءه لحظة .
تستطيع أن تجعل عقلك يدور في بعد جديد ويرجع لذات النقطة
دون أن يفهم شيئاً مما وجد نفسه فيه , أغمض عينيه بشدة
وتأفف بضيق قبل أن يفتحهما محدقاَ بالسقف فوقه ... لن يكون
سبب كل ذاك الكره موت والدها وجدتها فهي تعلم كما الجميع أنها
من أخفى أمرها عنهم خشية أن يأخذوها منها ولن يكون السبب
نكران جده لنسب والدها له لن يفعل ذلك كل ما يفعله الحقد بقلب
هذه الأنثى !
إنها تتنفس كرها لهم ودون استثناء حد أنها لا تعرف ولا تعترف
بصديقها من عدوها منهم وتلوم الجميع على شيء لازال لا
يستطيع فهمه !
عاد لإغماض عينيه مجدداً هامسا بصوت مرتخي
" توقف يا وقاص .... هيا توقف "
وعند ذاك الهمس الرجولي الخشن المبحوح غاب في نوم
هادئ طويل لا يعرف كيف سحبه إليه
*
*
*
كانت تنتظر هذه اللحظة منذ خروجها صباحاً وليست تعلم كيف
لم تنقل جثة وميتة قهراًحتى الآن فقد كان يوم عملها اليوم من
أسوأ أيام حياتها
ولن تغفر لذاك الوقح أبداً ففوق التعليقات المتفرقة التي سمعتها
من زملائها في المنظمة عن صورتها وعن الإعلان
يرسل لها ذاك السخيف المنحط رسالة يخبرها فيها وبكل وقاحة
بأنه يعشق قبلة الصباح
وبأن وقت استيقاظها الباكر يناسب مزاجه !!
نزلت من الحافلة الصغيرة الأنيقة التي كانت تحمل شعار المنظمة
والتي كان الزاماً عليهم جميعهم استخدامها وترك سياراتهم
الخاصة وقد تلقت نظرة حانقة من سائقها حين سحبت بابها
بقوة وغضب فهو المسؤل الأول عن أي ضرر قد يصيبها ،
تجاهلته ودخلت باب فناء المنزل وتوجهت فوراً وبخطوات
غاضبة للباب الذي فتحته ودخلت ووجدت فريستها أمامها
خارج من باب المطبخ يحمل صحناً لم تهتم لمعرفة ما يوجد
فيه فقد رمت حقيبة المنظمة فوراً
وأمسكت خصرها بيدها وقالت بضيق ناظرة لعينيه
" مؤكد رأيت ذاك الإعلان كالجميع "
قال بكل بساطة
" أجل رأيته لما أنتي غاضبة هكذا ؟ كان اعلانا مميزاً وكنتِ رائعة "
ضربت بقدمها الأرض غضباً فوق غضبها من لا مبالاته قائلة بحنق
" ما المميز في ظهوري السخيف فيه ومن دون علمي أيضا ؟
من قال أني أريد أن أكون مادة إعلانية لشركة طيرانهم السخيفة
الجديدة تلك ؟ إن لم يسحب ذاك السخيف الإعلان فسيحصد النتائج "
رفع شيئا مما في الصحن وقال وهو يأكله وقد تحرك من مكانه
" ساندرين لاحظي أنك ذكرت كلمة سخيف وسخيفة كثيراً
وباتت الجملة سيئة "
لحقت به قائلة بغضب لا يزداد إلا اشتعالاً
" لا أعلم لما لا تهتم لما فعله ذاك السخيف "
التفت لها ما أن دخل الغرفة حيث الجالسة مقابل التلفاز فقالت
بحنق من قبل أن يعلق
" أبي لا يكن موقفك حيادياً هكذا وهم يفعلون ذلك من دون علمك "
جلس بجانب زوجته وهو يطلق تنهيدة ارتياح بسبب تعبه في
عمله طوال النهار ثم قال
" ومن قال أنه لا علم لي بذلك ومن قبل نزول الإعلان "
نظرت له بصدمة فقال ملوحاً بيده
" تعالي ثمة ما هو أهم من ذلك .هناك ضيفة ستقيم معنا
لبعض الوقت وستحبين رفقتها بالتأكيد "
قالت الجالسة بجانبه وناظرة له
" هل ستصل اليوم ؟ كم أنا متشوقة لرؤيتها "
وتابعت مبتسمة وهي تنظر للواقفة عند الباب
" إنها تكبرك بعام ونصف فقط تقريباً
أي لن تجدا صعوبة في الانسجام معاً وستجدين رفيقة لك
طوال النهار "
شدت شعرها لا شعوريا من احتراقها غضباً وليست تفهم هل
يتعمدون تجاهل ما كانت تتحدث عنه أم ماذا ؟
تركت الغرفة قائلة بتوعد ومتجاهلة أيضاً ما قالاه
" أنا من سيأخذ بحقي منه وبنفسي وبعيداً عن القانون
وسيرى ذا الخلية الواحدة ذاك "
*
*
*
غطى بكفه على عينيه المغمضة حين شعر بالنور القوي تسلل
لهما ، هل نام حتى هذا الوقت ؟
كيف لم يشعر بنفسه وهو من قرر أن يسترخي قليلا فقط !
يبدوا أن ما كان يحتاجه نوم عميق وطويل فقط ، قفز واقفاً
وغادر الغرفة توضئ وصلى الفجر والصبح ثم استحم وغير
ملابسه ، صعد بعدها السلالم وطرق على الباب طرقتين ثم
دخل الغرفة ووقف ينظر باستغراب جهة باب الحمام المفتوح
ثم تحرك ناحيته وطرق الباب ليتأكد أولاً وحين لم يصله أي رد
دفعه أكثر ونظر داخله فكان فارغاً
فتحرك مسرعاٌ خارج الغرفة ودخل الغرف الأخرى بالتتابع
وجميعها فارغة فنزل السلالم ركضاً صارخاً
" زيزفـــــون "
وقف منتصف المكان ينظر حوله لا يعلم أين سيتحرك وكيف
أساساً ستكون نزلت السلالم وحدها ؟
توجه جهة هاتفه الذي علا رنينه فجأة ورفعه ينظر للاسم عاقداً
حاجبيه ثم أجاب فوصله صوت جده الجاد الحازم
" أنتظرك في المنزل "
نظر حوله بتشتت وذهن مشوش وقال
" لكني في جنوب لندن المسافة تحتاج وقتا "
أتاه رده مباشرا وبأمر قاطع
" سأنتظرك فتعالى فورا "
*
*
*
فتح باب المنزل بهدوء يشبه هدوئه وصمته التام وأغلقه خلفه
وامتدت يده لزر الإنارة الجانبي وما أن اشتغلت المصابيح
المنتشرة في ذاك البهو الواسع سرق نظره طيف الواقفة
عند الممر الشرقي تعبث أصابعها بأطراف أكمام بيجامتها
الطويلة تنظر له بقلق وعينان شبه دامعة وكأن الماضي
يعيد نفسه ، تشبه والدتها في هذا دون غيره ، الاختلاف الوحيد
أن تلك الجامحة العنيدة لم تكن تركض له بل عليه هو الاقتراب
منها .... لا بل هي من كانت تجعل الرجل ينساق جهة نظرتها
تلك دون تفكير .
استقبلت ذراعه كما أضلع صدره التي وصلت عنده راكضة
وارتمت في حضنه متمسكة به بقوة وقد همست ببحة بكاء
" أبي لما تأخرت أقلقتني عليك ، حتى عمي صقر هاتفه مقفل
طوال الوقت "
مسح على شعرها الأسود الناعم وخرج صوته الذي لم يفضح
إرهاقه سوى عمق تلك البحة المميزة فيه
" كنت في الجنوب يا تيما ، كان علينا تفقد المطار العسكري
في جينوا هناك لذلك تأخرت ، وعمي صقر سافر منذ منتصف
النهار ، ما كان ثمة ما يقلق وأنتي من اعتاد غيابي
المتواصل سابقا "
ابتعدت عنه تمسح عيناها بطرف كم بيجامتها ولم تستطع شرح
سبب قلقها عليه هذه المرة تحديدا بعدما حدث يوم أمس ،
لا يمكنها تخيل أن يفعل أمرا جنونيا وهي من عرفته رجلا
صلبا قويا أمام حتى مشاعره لكنها كانت قلقة حقا حتى من
تلك المشاعر المسجونة داخله
فبعد حديثها وعمتها جوزاء بالأمس استطاعت أن تفهم
شخصيته أكثر
وتفهم ما عنت له تلك الفاتنة الرقيقة وبعد رؤيتها لها تيقنت
من أنه ليس ثمة رجل على وجه الأرض يمكنه نسيانها وإخراجها
من قلبه بسهولة لكن .... ( سحقا للكبرياء(
جملة قالتها عمتها وأصابت فيها بالفعل .
رفعت نظرها لعينيه وقالت
" عمتي جوزاء انتظرتك كثيرا رغم تعبها من رحلتهم الطويلة
حتى غلبها النعاس ، ستغادر في وقت مبكر وكانت تريد رؤيتك "
أبعد خصلة من غرتها عن عينها وقال بجدية
" لا تقلقي سأراها قبل مغادرتهما عليك أن تنامي أنتي الآن "
أومأت برأسها ببطء هامسة
" تصبح على خير "
ثم غادرت من عنده جهة الممر الذي خرجت منه تمسح باقي
الدموع من وجنتيها ورموشها الكثيفة فسيكون بإمكانها النوم
الآن بعدما رأته أمامها واطمأنت عليه ، بينما تتبعها نظراته
هو حتى اختفت خلف الممر المظلم حينها فقط تحرك جهة
السلالم وصعد للأعلى ، صحيح أن ما أخّره هو رحلتهم للجنوب
لكن ذلك لم يكن وحده السبب بل ولأنه أراد الابتعاد عن هذا
المكان ، هو مطر شاهين ولأول مرة يخسر مواجهة مع نفسه
ويهرب من أصوات ذكرى ما حتى تفارق المكان ، هل هذا
هو فعلا أم شخص آخر لا يعرفه ؟
فتح باب الغرفة ووقع نظره فورا على بقايا إعصار ما حدث هنا
منذ ساعات مهما طالت وبعدت فهي ساعات لم تكن سنيناً
كسابقاتها .. لم تكن أياماً وأشهر طويلة فصلته عن ما كل جمعه
بتلك المرأة التي لم تزدها السنين إلا عنادا وجموحا مثلما زادت
ذاك الحسن فتنة والعينان الرقيقة المتمردة قوة وصمود .
دخل مغلقاً الباب خلفه ليفصله وكل ما في تلك الغرفة عن باقي
عالمه الذي لم يرحمه يوماً ولم يقبل إلا بمطر القائد المحارب
المضحي من أجل الجميع ، انعزل عن كل تلك المسئوليات التي
لم تعتقه منها يوما وعاد لسجن نفسه مع ذكرى ما حدث ..
مع بقايا فستان عروس الثنانيين الممزق وقطع هاتفه المحطم
على الأرض وسط أوراق ملكية مدينة العمران الممزقة التي
حملت توقيعه بل وكتبت بخط يده وختمت بآثار بصمة إبهامها
وفي هذا المكان تحديدا ، تحرك بخطواته للداخل يدوس بحدائه
الأسود بقايا كل ما أصبح مجرد ذكرى أيضاً بقي للسنين لتعبث به
كيف تشاء ، وصل للسرير الواسع وارتمى عليه مخرجا أنفاسه
القوية فيما يشبه التأفف أكثر منه تنهدا عميقا فلما يهرب
من ذكرى شيء ما ثم يعود ليرتمي في أحضانه ؟
لما لم يطلب من الخادمات تنظيف هذا المكان ثم يجبر نفسه ليس
على نسيانه بل تناسيه كما عرف نفسه دائما ... ؟
مرر أصابع يده خلال شعره الأسود الكث وأغمض عينيه بقوة قبل
أن يفتحهما محدقاً بالسقف وأنزل يده لجيب بنطلونه أخرج منه
شيئا رفعه أمام وجهه ونظر له لوقت وكأنه يبادله تلك النظرات
العميقة الصامتة فإن كان للجماد القدرة على النطق لتوسله أن لا
يجعله سلاحاً للحرب بين عاشقان فالعشاق وحدهم من يوصلوه
للجنون ، لكن الجماد لا ينطق كما أن صوت الصمت لا يسمع
وكما أن هذا الرجل لا يسمع في تلك اللحظة أي صوت يتعدى
قلبه فقد رفع يده اليسرى أيضا أمام عينيه ودس ذاك الخاتم
الفضي في خنصرها
المخرج ~
بقلم / منى سعد
ياقلب كيف ترتضي بعد كل ما عشته من هوان ان تبقى على حبه
مطر عصف بك وتركك تغرق برمال حبك ومضى يسقي بغيثه حلم كان له الاكبر
يا قلب الا تخجل وانت مع كل حرف باسمه تخضع وتركع
يا قلب انت قلبي ام قيد البسني اياه لابقى باسره
لعينيها تشرق شمسي وبها اتنفس على الباقي من عمري عل تعود فتصلني
القلب تعب سلاهاوما عاد لديه قوه ليصبر غدا عائد اليها ويا بقلبي ويا بقلبها سانتصر
*****
نهاية الفصل الثامن
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل التاسع 9 - بقلم BlackButterfly002
الفصل التاسع
مدخل ~
بقلم / زينه 4
من ماريه لتيم
(هُنَالِكَ حُبّ ...! )
ي......... رجل السفر
ولكن دماء اجدادك التي تجري داخلك ..تشدّك دائماً للرحيل..عني
فلا يعرف قلبك الاستقرار ولا الحب يبدو ،،
لن تعرف مكاناً واحداً يجبرك ع المكوث ..!
ولن تقبل بـ أنثى تسير حياتك ..
اذاً
هنالك حُبّ فقير هو حبي لك ، ومن طَرَفٍ واحدٍ ....!
(هُنَالِكَ حُبّ ...! ) من طفولتي المشتته الى نضوجي
وبين السمـاء وفي عينيه وجنون قلب عاشق هو انـا !
والموعد عودتك
فـ كل شيء في قلبي يكبُر ببطء منذُ رحلت ،
وحدكَ الأسرعُ في النمو دائمًا ... !
وعندما نزلت ع من السماء كما أتوقع بـ احلامي
اسرتني وجعلتني مختومه بك !
قالوا لي من حكاياتهم في غيابك!!
هناك عجوزٌ في قريتهم تبيعُ الحبّ في أكياس للماره ..
وتهمسُ لزبائنها أن "إنتبهوا ..! .. الحبّ يموتُ سريعًا حينَ يلامسُ الهواء!"
هل هو حقيقـه ي تيم ( او تيموثي كما احب )
رائحةُ اللقاء الأول بك لازالتْ مبثوثةً في حلمي
كل ليله نلتحف خيوط الشمس كل حلم ،
ونمُسد الهواء الذي يدغدغنا انا وانت فقط ...
أغرقك بإبتسامة عابرة ، وتغرقني بــ دمعة رحيل دوماً
تغمسني في البكاء حنينًا لكـ ، ..
.ولكن هل للنسيان إرادة أعمق لتتجمد الصور
من ذاكرة الروح من قبلك حتى تغيب عني كل هذا الوقت!
أتعلم
أني أهدرتُ السنوات من عمري والاشهر و الساعات ركضاً نحوَ لقائك ....
وأنّي تعثّرتُ كثيراَ بحصى الطريق وسقطت...
وتألّمت ...هل تسمع!!
ولكني فقطْ و لأجلك ...
لملمتُ نفسي وصبرت وبقيت انتظرك بقوىً عرجاء !
وقد أتيت !
و لكن تُلقيتني بجفاف كــ عادتك وأنت طفل ّ ...
عطشتُ لأجل إرتوائك ...ولم ترويني
وعندما سقطتُ لأجل إحتوائك لم تكن معي !
لاعلم مصيري معك وما طريقي يكون واخاف الخذلان والهجر لا احتمله
لاتقتلني مرتين ايه القريب البعيد
وانا طفله والان صبيه تنتظر السقاء بعد الجفاف
ف حينَ تضعني بين الجمود والبرود دمعتين تقف في محجر عيني
ونغمة حزن و تموت حكايتي معك!...
و حماقةُ اللحاق بك كما كنت طفله والتعلّق ببقايك حتى لا أفقدها
لن افعلها !..
ومن وضعته في جيبي ... وسقط على التراب لن التقطه ..
فـ أغفر لي ،
اذأ أخطأت في يقيني بحقك واجزمت بحياه جميله معك ولكن باللقاء
. شيء آخر لا علاقة له بالعطاء. الحب الذي اكنه لك فيبدو أكبر حالة التباس.
أن نحب رجلا لا يلتفت نحونا مطلقا ونبني قصور بالهواء
فهذا مايبدوا لي هل ستكون جلادي وحزني الأبدي.
و ذلك كله يختبئ عطش الروح. منك فلا شبعت منه وصغيره ولا يبدو منه كبيره!!
فـ كل شيء يشبع بالشكل الكافي مما حوله ماعدا انا !!
فـ ي انت !!
الحب عندما يصبح واجبا فقط ، من الأفضل التخلي عنه نهائياً!!
فـ أجمل الغيوم أحلاها، ولكن قد تكون فارغة و جافة.فــــــــــــــ
هنا لاتتنظـرني فلن أعود كما كنت !
علا الحب يطرق بابك يوماً و تدرك قيمتي بعدها
ومن قسوة الواقع الى غيمة بنفسجية في جنة الأحلام تكـون !
لتدرك كم هو جميل الحب ولكنك اضعته ....
فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــابحث عنى..!!!
*************
نظر لشاشة هاتفه ثم للمكان حوله ولم يعرف ما عليه فعله ؟
لا يمكنه المغادرة قبل أن يجدها لكن يجدها أين تحديدا ؟
قدمها مصابة كما يدها أيضا فلن تكون ابتعدت من هنا
إلا إن كان ثمة من دخل وأخرجها ... جده رواح مثلا أو .... نجيب .
ركض عند تلك الفكرة جهة الباب وما أن وضع يده على مقبضه
حتى وقف مكانه ونظر جهة الممر الشرقي والوحيد في ذاك المنزل ...
هل يمكن أن تكون هناك ؟
هو الممر الوحيد في الطابق والذي لم يتفقده ورغم استبعاده للفكرة
إلا أنه تحرك لا شعوريا جهته وما أن وصل له ونظر للنور المنبعث
من الباب الوحيد فيه وقف مكانه ومرر أصابعه في شعره متنهدا
بارتياح لم يعرفه سابقا فذاك الباب كان مغلقا وهو لم يفتحه .
تحرك من مكانه متمتا
" زيزفون يا زيزفون .... ما الذي تنوين فعله بي تحديدا ؟ "
وصل الباب المفتوح ووقف أمامه ونظر للأعلى متنهدا بعمق
ما أن وجدها هناك فهواجسه لم تتركه حتى رآها
ولم يتخيل أن تكون هنا حيث المرسم المليء باللوحات المائية
والزيتية المرتبة بعناية ، واجهته الشرقية عبارة عن زجاج لتعطي
المكان نورا قويا وطلائه أبيض ناصع .
عاد بنظره لذاك المشهد الذي لم يشوه جماله سوى الشاش الطبي
للمرأة الواقفة أمام نور الشمس المنبعث من الزجاج بجانبها
بفستانها الأبيض الذي يكشف عن ذراعين ناصعتين البياض
تداعب بشرتهما الناعمة خصلات من شعرها الذي توهج
بشقرة فريدة من نوعها تحت أشعة شمس بداية الربيع.
تقف مواجهة لإحدى اللوحات تنطر لها بإمعان ولم تشعر بوجوده
حتى تحرك واقترب جهة الداخل قليلا فنظرت له فورا وفي صمت
فتنفس بهدوء فملامحها هذه المرة تبدوا أكثر استرخاء منذ موجهتهما
العنيفة تلك بل تبدوا له غير مبالية ولا مكترثة وهذا وجه آخر جديد
من وجوهها المتعددة والتي هو متيقن من أنها تخفي خلفها جميعها
مشاعر مختلفة عن كل تلك الأقنعة وهي الكره والحقد والغضب
العاصف كالذي أخرجته فجر أمس يشبه وحشا تحرر من قفصه المغلق
عليه بإحكام لأعوام طويلة .
أبعدت نظراتها تلك عنه وعادت بها للوحة أمامها مجددا فأبعد
هو أيضا نظره عنها متنهدا بيأس ليقع حينها على العصى الطبية
التي رفضت سابقا استخدامها فهل بمساعدتها نزلت السلالم ؟
لكنه أمر شديد الصعوبة خاصة أن يدها اليسرى مصابة
فبأي عزيمة وقوة إرادة فعلت هذه الفتاة ذلك ؟
وكم من ألم هذا الذي تحملته لتنزل ؟ وما السبب ؟
فلن يكون هذا المرسم وهي لا تعلم عنه !!
" رأيت عدة رسم في الخزانة في الأعلى فعلمت بأن هذا المكان
سيكون موجودا هنا إن كان ما يشغل بالك سبب نزولي
ووصولي إلى هنا "
مرر أصابعه في شعره وتنفس بعمق ونظره على نصف وجهها
المقابل له ثم قال
" ليس هذا ما أتسأل عنه بل متى تنامين يا زيزفون ؟
إلا إن كنت تنامين وعيناك مفتوحتان "
ساد الصمت المكان ولم تعلق حتى ظن أنها تهمل سؤاله
كجميع تلك المرات لكنها فاجأته حين قالت ببرود
" سأجيب هذه المرة علك ترحمني من السؤال التالي "
وتابعت بسخرية وقد رفعت أناملها تلامس بأطرافها قماش
اللوحة أمامها وكأنها تختتبر جفاف الألوان عليه
" أنا لا أنام يا وقاص أو بالأصح لا أسمح لنفسي بالنوم "
نظر لها بصدمة ودون أن يسأل أو يستفسر عن أي شيء
فقد فهم السبب ... تهرب من الكوابيس لكن عن ماذا تحديدا ؟
وكيف لبشر أن لا ينام أبدا ؟
ذلك مستحيل لكانت تضرب الجدران برأسها من الألم .
وكما توقع وككل مرة كانت تقرأ أفكاره بكل سهولة
فقد نظرت له وقالت
" لذلك عليك جلب الأدوية الخاصة بي من هناك فلن يستحمل
جسدي أكثر من سبعة أيام دون نوم "
أخرسته عن الكلام تماما ليس بسبب معرفته أنها لا تنام
دون مهدئات ولا لأنها تستطيع احتمال فترة أسبوع كامل
مؤكد لن يمضي دون ألم ولا بوحها ولأول مرة بنقص ما فيها
ونقطة مبهمة جديدة عن ماضيها بل بسبب ريشة الرسم التي
وضعتها من يدها ، أمسكت المنديل وقالت وهي تمسح يديها
ونظرها عليها
"ما كان عليا أن أتصرف في شيء بدون استئذان لكن مالكها
لا يمكن استئذانه ومن الظلم أن تبقى هذه اللوحة ناقصة بعد
موت صاحبها "
وكانت هذه الضربة الأعنف له فرفع رأسه عاليا وهمس بأسى
" آه بربك زيزفون أنتي ستصيبينني بالجنون بالتأكيد "
ونظر لها مجددا حين قالت ببرود
" الأحمق فقط من لا يمكنه أن يدرك ذلك "
اقترب حينها جهتها ووقف أمام اللوحة التي كانت ناقصة
واكتملت الآن .
وقف مذهولا مما يراه أمامه هامسا بكلمة ( رائع ) التي خرجت
دون استئذان منه فهذه اللوحة كانت بالفعل ناقصة ..
عبارة عن محيط بلون الغروب وقمر مكتمل بلون رمادي
خالطه البياض يناقض حمرة الشفق حوله كبير ومستدير
وثمة بقعة مظلمة في المياه البرتقالية تحته ، أما الفراغ في
اللوحة فكان يبدأ من منتصف القمر وحتى بداية البقعة السوداء
والذي كان عبارة عن قماش أبيض تماما وكأن صاحب اللوحة
تعمد تركها هكذا قبل موته والذي يكون شقيق إيلينا الأكبر
والمتوفي قبل عام ونصف تحديدا وصاحب كل اللوحات الموجودة
في ذاك المرسم والتي كان يرفض إخراجها للنور رغم روعة
كل واحدة منها فكل لوحة كانت تحمل طابعا مميزا بأفكاره المبتكرة
وترك هذه اللوحة ناقصة ولأن عائلته أرادوا إحياء ذكراه بتخصيص
معرض للوحاته كان عليهم أولا إنهاء هذه اللوحة فجلبوا أكثر من
رسام لرؤيتها وإعطاء فكرة تنافس أفكار لوحاته الأخرى لكن لم تجد
أيا من أفكارهم تلك قبولا عندهم فمن يمكنه رسم شيء في ذاك الفراغ
الذي يدمج بين الشفق والقمر الأبيض المستدير والبقعة المظلمة ؟
ما من شيء يمكن أن يكون رابطا بينهم إلا ما يراه الآن أمامه ...
الفتاة بالفستان الأسود والتي تنزل من أرجوحة معلقة وسط ذاك
القمر تلامس أطراف أصابع قدمها البيضاء مياه سطع المحيط
وسط طرف البقعة المظلمة فيه تماما وكأنها بمجرد ملامستها له
تلون بالظلام بل وكأنها تنقله من مرحلة الغروب للظلمة .
لكن مهلا هل تلك الرسوم على قطعة القماش في جناحها من
رسم يدها أيضا ؟
مؤكد هي كذلك وهي ذاتها التي سبق ورآها في يدها يومها
فما الموجود فيها ؟
ماذا تكون تلك الخطوط الغامضة المتداخلة ؟
عاد بنظره لها وقال
" كيف علمت أن صاحب اللوحات مقتول ؟ "
نقلت نظرها من اللوحة له وقالت بسخرية
" مقتول !! بل قل ميت لأنه من قتل نفسه وأتمنى أن لا يكون
ثمة متهم بأمر لم يفعله "
رفع يديه جانبا وحرك رأسه بعدم تصديق أو عدم استيعاب
أو لا يفهم ما يكون ذلك سوى أنه لم يستطع امساك نفسه عن
الاقتراب منها وإمساكها بيديه من خصرها النحيل مرغمة رغم
اعتراضها ومقاومتها له لكنه لم يكترث لها حتى حملها جهة الكرسي
المستطيل وصعد بها عليه ورفعها فوق الرف الخشبي الذي ترتب
فيه عدة الرسم ثم نزل ونظر لها في الأعلى رافعا رأسه وقال
" أخبريني الآن من أين علمت كل هذا أو لن تنزلي من هناك "
نظرت تحتها وحركت قدمها السليمة تثبت نفسها بيديها الممسكة
بطرف الأرفف الخشبية وقالت بضيق
" إن لم تنزلني سأقفز من هنا وستتحمل أنت النتائج "
تراجع للوراء خطوة وقال بابتسامة ماكرة
" أنتي الخاسر الوحيد حينها لأنك من قفز "
أهدته ابتسامة تشبه ابتسامته وقالت ساخرة
" بل أنت الخاسر الأول فلن يهتم بامرأة ظهرها مكسور غيرك "
عض على شفته لا يعلم منها أم من نفسه ؟
لا يفهم كيف انقلب مزاجها هكذا فجأة من تلك الغاضبة ثم
المتجاهلة له وكأنه غير موجود لهذه ؟
هل الرسم السبب ؟
هل تحمل طباع الفنانين جميعهم ؟
وإفراغ انفعالها في الرسم جعل مزاجها يتغير وإن لم يكن
للأفضل تماما ، قال بعناد
" ليس ما عليك الإدلاء به الآن كيف علمت بموت صاحب
المرسم بل ما أدراك بأنه قتل نفسه ؟ "
حركت رأسها بنفاذ صبر قائلة
" لا يفترض بمحامي أن يسأل إنسان عادي عن مثل هذا
يا سيادة وكيل النيابة أليس كذلك ؟ "
وتابعت بسخرية لاذعة
" أتمنى أن لا تكون أنت من يرافع عن المقتول أو من يدافع
عن المتهم بقتله لأنك في الحالتين ستكون محام فاشل
فإما أنك تدافع عن رجل قتل نفسه وتتهم بذلك غيره
أو أن تكون عاجز عن الدفاع عن متهم بريء والحصول
على دليل براءته "
كتف يديه لصدره ولازال ينظر لها فوقه وقال بابتسامة مائلة
" أرني ذكائك أنتي لأرى "
نظرت حيث اللوحات المثبت أغلبها فوق حوامل خشبية وقالت
مشيرة بإصبع يدها المصابة لأنها لازالت تثبت نفسها باليد السليمة
" تلك اللوحات قام برسمها مؤخرا بالتأكيد ولو لاحظت بدقة توقيعه
خلف اللوحة لوجدت فيها شيئا مختلفا عن جميع اللوحات قبلها وهو
الحرف الأوسط ، ذاك الحرف له شكلان في اللاتينية فهو يعني الحياة
وإن قمت بإمالته قليلا للأسفل أصبح يرمز للموت .
الخمس لوحات الأخيرة التي قام برسمها كان فيها في أشد مراحل
حياته إحباطا ولاحظ أن أسمائها جميعا الخلاص والخلود والفكاك
فهؤلاء الأغبياء يعتقدون أن الموت يخلصهم من همومهم بشكل نهائي
وأنه ثمة خلود بعد الموت ولكن في عالم آخر "
كان منبهرا حقا بعمق تحليلها للأمر هو بالفعل قد سبق وطلبت منه
عائلة إيلينا المرافعة في قضيته ليتم تسليم الفاعل للعدالة لكنه رفض
فهذا قانونه دائما يرفض القضايا التي تخص الأشخاص اللذين تربطه
بهم صلة لأنه يرفض إلا أن يقام العدل ولن يقبل أن يقف مع الظالم
حال تبين له العكس لذلك رفض أن يكون ذراعا في القضية لأنه إن
تبين له أن المتهم بقتله بريء لا يمكنه الوقوف في صفهم مهما حدث
لذلك رفض .
قالت حين طال تحديقه الشارد بها
" إن أنزلتني سأخبرك من السبب في انتحاره "
حرك رأسه باستسلام مبتسما ثم صعد الكرسي وأمسك بخصرها
وأنزلها بخفة حتى وقفت أمامه تعدل شعرها الطويل بسبب تناثره
للأمام حين أمالت رأسها وهو ينزلها وقال
" لا يحتاج أن تخبريني فقد علمت بنفسي ، الفتاة في تلك
اللوحة السبب "
ثم نظر لعينيها وقال من قبل أن تعلق
" مؤكد لا تعرفينها ورغم ذلك قمت برسمها بدقة ، قد تكون ملامح
تلك الفتاة تكررت في لوحات متفرقة الأنف والفم والعينان والوجه
الدائري لكنه لم يجمعها في لوحة واحدة أبدا أليس كذلك ؟ "
نظرت للوحة متمسكة بصمتها فنظر لها أيضا وقال بهدوء
" تلك الفتاة هل تعلمي من تكون يا زيزفون ؟ "
نظرت لوجهه ولملامحه الارستقراطية لعيناه السوداء الناظرة
لتلك اللوحة وهو يقول بشرود
" إنها زوجة شقيقه "
تأوهت ناظرة للوحة وقالت
" عليا إذا رسم واحدة ناقصة لنرمي هذه بعيدا "
قال بجدية ونظره لازال على تلك اللوحة
" بل ستبقى هكذا ليروها لعلهم يقتنعوا بأن ابنهم من أجرم في حق
نفسه وأن تلك المرأة السبب فثمة علاقة كانت بينهما وهي زوجة
لشقيقه فهي كما في الصورة عبارة عن امرأة تنشر السواد والظلمة "
نظر بعدها لها ولعينيها المحدقة به بصمت وقال
" سنغادر الآن لبريستول "
نظرت لعينيه لبرهة قبل أن تدير حدقتيها الزرقاء متمتمة بسخرية
" آه جيد سنرى أفعال جدك الرائعة إذا ، يكاد قلبي ينفطر على
مصير حفيده ذاك "
حرك رأسه مبتسما بيأس منها فها قد عادت زيزفون السابقة سريعا ،
تحركت بخطوات ثقيلة جهة العصى الطبية فسبقها وحملها بين
ذراعيه قائلا وهو يتوجه بها للباب
" هذه ملك لأصاحب المنزل أيضا "
خرج بها حتى الخارج وأنزلها عند باب السيارة الخلفي وقال
وهو يفتحه لها
" المسافة طويلة سيساعدك الجلوس هنا ومد ساقيك على الكرسي "
وتابع مغادرا من عندها
" سأجلب أوراقي وحاسوبي ونغادر "
*
*
*
لم يكن فقط ثمة من تولى جميع الإجراءات في مطار المغادرة فقط
بل وفي مطار هيثروا بلندن أيضا حتى أن جواز سفرها لم يسلم لها
ولم تراه بل ولم تجلب معها أي جواز أو أوراق تخصها وليست تعلم
كيف أخروجها وأدخلوها إلى هنا ؟
نظرت للمكان والناس من حولها وكأنها ليست في مطار ولم تنزل
من الطائرة .. لا شيء تحمله في يدها .. لا أحد في انتظارها
ولا تعرف أحدا هنا ، حتى رقم هاتف لأي كان لا تملكه .
انتفضت مجفلة حين شعرت بيد ما على كتفها والتفتت للخلف سريعا
فوجدت أمامها رجل يقارب الستين من عمره بابتسامة ودود
وملامح رزينة وقد قال مبتسما
" أنتي ماريه ؟ "
أومأت برأسها ببطء دون أن تتحدث ففوجئت به وهو يحضنها
قائلا بضحكة
" ماريه الصغيرة ! لم أراك منذ كنت طفلة رضيعة .
كم أنتي شابة رائعة "
وما أن ابتعد عنها ممسكا ذراعيها وناظرا لعينيها المحدقة به
باستغراب وقال
" أنا عم والدك واسمي هو الحارثة ، لا يبدوا لي أنه ثمة من
أخبرك عني
حركت رأسها نفيا وهمست بحزن
" عمتي والدة تيم فقط "
قفزت جهته ممسكة بكتفه وقالت مبتسمة
" آسفة لتأخري "
وصرخت فورا بإعجاب ما أن وقع نظرها على ذات الملامح الجميلة
الحزينة والعينان الواسعة والأحداق بلون الذهب ، الشعر البني الناعم
والمقصوص بتدرجات مختلفة ومنسقة وصولا للجسد المتناسق
والثياب الفاخرة الجديدة والوقفة اللأنيقة ، رفعت ساندرين يديها
جانبا قائلة بضحكة
" لم أتخيلك عصرية هكذا ! كم أنتي رائعة "
ثم حضنتها مقبلة خدها وابتعدت عنها وقالت مبتسمة
" أنا ساندرين ابنة قريبك هذا الوحيدة وأنتي بالتأكيد ماريه
قريبتي الوحيدة هنا وأخيرا "
وتابعت بذات ابتسامتها
" وأجمل ما في الأمر طبعا أنك لست من الهازان "
وختمت جملتها تلك بتكشيرة اشمئزاز فضحك الواقف بجانبها وقال
" والدة مارية من الهازان ألم تلحظي لون الشعر وعينيها ؟
ثم لا تنسي بأن زوجها من الهازان أيضا "
تجاهلته ونظرت لماريه قائلة
" والدتي كانت تريد المجيء معنا لاستقبالك لكنها فضلت أن تبقى
لتعد غداء مميزا من أجلك وتستقبلك هناك "
كل ما علقت به كان ابتسامة أهدتهما إياها حين عجز لسانها عن
قول أي شيء فهما أهدياها شيئا لم تحضى به حياتها منذ وفاة
والدة تيم ورحيله ... إنها العائلة ... الأهل اللذين لا ينكرونها
والابتسامة الصادقة ، أناس يرحبون بوجودها بينهم وسعداء لأنها
جزء من عائلتهم ، هذا ما أرادته دائما وبخل به الجميع عليها ،
هذا ما افتقدته مع فقدها لتيم ووالدته ، حتى برآء ظهر نهاية الأمر
أنه نسخة عنهم ولم يتوانى عن جرحها وتذكيرها بحقيقة وضعها
ما أن سمحت له الفرصة بذلك .
أمسكت ساندرين بيدها وقالت تسحبها معها
" هيا علينا المغادرة من هنا أكره دخول المطارات "
*
*
*
وقفت ورفعت سجادة الصلاة وطوتها ووضعتها مكانها ثم نزعت
لباس الصلاة لحظة ما انفتح الباب بعد طرقتين متتاليتين فابتسمت
بحب للداخل منه فمازالت حتى طرقته للباب كما تذكرها تماما
وتسألت ما الذي غيرته السنين في هذا الرجل غير مطر المندفع
المجنون الذي رأته بالأمس ؟
قال وهو يدخل مقتربا منها
" أخبرتني تيما البارحة أنكما ستغدران مبكرا ، آسف بشأن ليلة
البارحة يا جوزاء "
وقفت على رؤوس أصابعها وقبلت كتفه وقالت
" أتفهم مسؤلياتك يا مطر يكفيني أن رأيتك بعد كل هذه الأعوام
وإن قليلا ، لا حرمني الله منك يا شقيقي لست أعلم ما كان سيحدث
لي لولا الله ثم أيوب إن ظلمتني الحياة وأنت عني بعيد "
أمسك رأسها وقبله وقال بهدوء تخلل نبرته الجادة
" لو علمت أن أيوب سيظلمك قيد أنملة لما تركتك هنا فلا تظني
أني كنت غافلا عنك وإن كنت بعيدا "
تعلقت نظراتها بعينيها وهمست بحزن
" لكنك تركت غسق ، ليتك لم تفعلها يا ابن والدي فلا أحد يعلم
معنى انكسار قلب الأنثى مثلنا نحن النساء "
أبعد نظره عنها للنافذة وتنفس بعمق متمتما بجدية
" وغسق لم أتركها ، لما تعتبرن أنتن النساء أن البقاء هو
بقاء الجسد "
كانت ستتحدث لكنه قاطعها وقد عاد للنظر لعينيها
" ما أحوال أيوب وغيهم وابنتيك "
ابتسمت قبل أن تعلق ، وكأنه يثبت لها أنه حاضر هنا معهم وإن
أبعدته المسافات لكن هذا لا يكفي أنثى تعشق رجلا أبدا ، قالت
بذات ابتسامتها
" غيهم تخرج حديثا من أكادمية الطيران ، بثينة تدرس في
المرحلة الإعدادية الآن أما زهراء فلازال عمرها ثلاث أعوام فقط
وقد تركتها مع شقيقتها هناك ، أيوب كان يريد المجيء بنفسه
لكن أشغاله وأعماله لا تنتهي وأنا لم أستطع أن أصبرا أكثر
كي أراك "
أومأ برأسه وقال مبتسما أيضا
" لا تقلقي فذاك سأراه قريبا فثمة اجتماع هنا في حوران مع
رجال الأعمال من أجل موازنة الميزانية مع دعم السلع "
خرجت منها ضحكة صغيرة وقالت
" أخبرهم بالسبب أولا كي لا يظنوا بأنهم سيحاسبون كغيرهم "
دس يديه في جيبي بنطلونه وقال بابتسامة مائلة
" بلى فثمة هفوات لن تفوت لبعضهم أبدا واطمئني فزوجك
ليس منهم "
قالت مبتسمة
" وأنا متأكدة من ذلك فأيوب أنزه من أن تغريه أموال وعائدات
سلع تدعمها الدولة "
وتابعت ونظرها معلق بعينيه
" ابنتك يبدوا لم يطب لها نوم حتى عدت ، طمئنها دائما وإن
بالهاتف يا مطر فقد كانت البارحة تكتم انشغالها عليك من أجلي
فقط لكن ملامحها كانت تفضحها "
تنهد بعمق قائلا
" تيما معتادة على غيابي لأوقات أطول من ذلك بكثير يا جوزاء "
قالت من فورها
" لكن الوضع هنا بالنسبة لها مختلف وأنت تعلم ما أصبحت عليه
البلاد ومن الطبيعي أن تقلق "
أومأ برأسه قائلا
" سيرجع كل شيء كما كان يا جوزاء ، هذه المرحلة تحتاج
لبعض الوقت والصبر فقط وسوف تتغير "
قالت مبتسمة بفخر
" وأنا وثقة من أن ذلك سيحدث كثقة الجميع بك فأنت شعاع
الأمل الذي بات الجميع يتطلع له بتفاؤل "
همس يهم بالمغادرة
" أملنا جميعا في الله وحده "
قالت من قبل أن يغادر
" مطر ثمة ما أريد طلبه منك وأملي أن لا تردني "
التفت لها بكامل جسده ونظر لعينيها قائلا
" ابتعدي عن طلب تيما لأحد ابنيك وغيره سأرى ما يمكنني
فعله حياله "
كتمت ضحكتها قائلة بابتسامة
" لا تقلق لا أحد سيخطف ابنتك من عريسها المجهول رغم أني
لو رأيتها قبل الآن بوقت قليل لغضبت منك عمدا حتى تعطيها لنا "
وتابعت تنظر لعينيه بترقب
" كنت أنوي سؤالك عن قانون في البلاد يفرض قيودا على سن
تزويج الفتيات تحت السابعة عشرة وأنت قلت أنك ستزوج ابنتك
فهل يعني هذا أنه سيتغير و .... "
قاطعها بحزم
" هراء ما هذا القانون الذي يفرض سنا معينة لتزويج المرأة ؟
في أي شريعة وجدوا ذلك ؟ نبي الأمة ( صلى الله عليه وسلم ( نفسه إحدى زوجاته
تزوجها في سن التاسعة "
قالت مبتسمة بسعادة
" تعني أنك ستغير ذاك القانون "
قال من فوره
" سيكون ثمة تغييرات جذرية في جميع ما تسمى بالقوانين
الوضعية فثمة كتاب وسنة يفرض بأنه ما يحكمنا لكن الأمر
مؤجل قليلا حتى ننجز ما هو أهم منه "
تمتمت متنهدة بارتياح
" أرحت بالي وقلبي يا شقيقي "
قال دون أن يلتفت لسبب سؤالها ومعنى كلامها كعادته التي
عرفته بها
" ألن أجدك هنا ظهرا ؟ "
لامست ذراعه بحنان وقالت مبتسمة بحب
" كان ذاك ما أتمنى لكن عليا العودة لمنزلي فبثينة في فترة
امتحانات الآن وغيهم إجازته من الفترة التدريبية اقتربت ،
سآتي لزيارتكم عندما تتحسن الظروف وقم أنت وتيما بزيارتي
أيضا إن كان لديك رحلة جهة شمال الهازان "
أومأ برأسه موافقا دون حديث ولامس بيده على يدها الملامسة
لذراعه فخطف نظرها سريعا الخاتم فيه فنظرت له بصدمة قائلة
" تزوجت يا مطر ؟ "
غادر من عندها من فوره قائلا ببرود
" أنا لم أطلق لأتزوج وتعرفيني لا أجمع زوجتين "
وخرج ساحبا الباب خلفه وتاركا لها مع صدمتها ودموع الفرح
التي ترقرقت في عينيها قبل أن تهرع جهة الباب أيضا قائلة
" يا سعادة تيما بهذا الخبر "
*
*
*
توقف الكاسر عما كان يقوله ما أن ظهرت لهما التي نزلت
السلالم فوقف كليهما وقال الكاسر مغادرا
" سأجهز نفسي فهذا امتحاني الأخير ... وداعا عمي رعد "
وغادر من فوره حامدا الله أنها لم توقفه لأنها سمعت فيما كانا
يتحدثان وكانت غسق حينها وصلت عنده فقال من فوره
" مصرة على الذهاب للجمعية ؟ "
أبعدت نظرها عن عينيه وقالت
" لا تزعجني بالنصائح يا رعد يكفي عمتي "
تنهد باستسلام وجلس قائلا
" اجلسي إذا فالوقت لازال مبكرا "
جلست على مضض قائلة
" طلبت أن نؤجل الحديث عن الأمر ليس معناه أن يكون
ذلك مجرد ساعات "
قال مبتسما من ضيقها وتهربها من النظر له
" فكرت أنه بما أني أمضيت الليلة هنا أن نتحدث الآن
فقد لا أجد وقتا لزيارتكم قريبا "
أشاحت بوجهها جانبا وهمست ببرود
" لا شيء نتحدث عنه يا رعد "
ثم نظرت له وقالت قبل أن يعلق
" كنت بالأمس مغادرا لحوران ما الذي جعلك تغير رأيك ؟ "
خرجت منه ضحكة صغيرة وقال
" قولي أنك تكرهين مكوثي هنا معكم وكلها ليلة واحدة
يا عديمة الذوق ! ثم أنا كنت بالفعل سأغادر لحوران لولا أنه
وصلني اتصال اعفيت به من حضور اجتماعات الأمس واليوم
أيضا لأكون هنا ولن أقول من صاحب الاتصال كي لا أعكر مزاج
صباحك الذي يبدوا سيئا أساسا "
وقفت من فورها ودون أن تعلق وحملت حقيبتها معها فقفز واقفا
وأمسك بيدها وسحبها معه جهة مكتب منزلها قائلا
" لن أسمح بأن تتهربي مني يا غسق وعليا أن أفهم ما حدث هناك "
وصل بها هناك دون أن تقاومه وأغلق باب المكتب خلفهما ونظر
لها بعناد ممسكا وسطه بيديه فقالت بضيق
" اخبرك عن ماذا تحديدا ؟ أتركني في صمتي يا رعد أفضل لي
ولك وللجميع "
قال بإصرار
" بل أريد أن أعلم إن كنت تعتبرينني شقيقا لك فعلا كما أعتبرك
شقيقة لي "
أشاحت بوجهها عنه جانبا مبعدة نظرها عنه ليست تعلم تخفي
الألم والانكسار أم كلاهما لكن أيا منهما لم تستطع التغلب عليه
وظهر جليا في عينيها السوداء الواسعة حين نظرت له
قائلة بضيق
" من أين أبدأ برأيك ؟ من أين تبدأ شقيقتك في سرد مآسيها
الجديدة يا رعد ؟ من اكتشافها بأن كبار ممولي جمعيتها هم ذاك
الرجل المدعوا مطر شاهين أم من أن الشركات الداعمة
لاستثمارات مملكتها جميعها بتوصيات خارجية منه ؟
أو أن مملكتها التي بنتها بتعبها لأعوام تتحول ملكيتها له
حال طلاقها منه في بند وافقت عليه ودون علمها ، أم من أنها
عاشت كل هذه الأعوام زوجة له وهي لا تعلم "
كانت نظراته المصدومه تلتهم ملامحها الحانقة المليئة بالأسى
والغضب المكبوت لكن الأسوأ لم يأتيه بعد وهي ترميه به دون
رحمة وكأنها تفرغ كل ما كبتته ليلة كاملة حتى كاد يقتلها
" أم أن والدها الحقيقي لازال حيا وأنه عليها أن تتنازل
وكثيرا جدا يا شقيقها إن كانت تريد رؤيته هنا ؟ "
خرج حينها من صمته صارخا بصوت مصدوم
" والدك الحقيقي حي !! دجى الحالك تقصدين يا غسق ؟ "
أشاحت بوجهها جانبا من جديد تخفي هذه المرة ليس مرارتها
ولا ألمها بل الدموع التي ملأت حدقتيها السوداء وهمست بأسى
" أجل ويبدوا أنه كان على والد غسق الذي رباها أن يختفي
ليظهر الآخر فالحياة لم تجمعها يوما باثنين ويبدوا أن سيل
تضحيات غسق لن يتوقف أبدا "
قال ناظرا لها باستغراب " عن ماذا تتحدثين يا غسق ؟
أشعر بأني لم أعد أفهم شيئا "
مسحت بطرف باطن كفها عيناها قبل أن تسمح لدمعتها بالنزول
وقالت بحزن تغلب على نبرتها
" عن قضية الثأر أتحدث يا رعد فهو يرفض الظهور بسببها
بل ليس هي إنما أنا "
حرك رأسه بعدم استيعاب ونظرته ملئها تساؤلات فرفعت رأسها
للأعلى تحاول سجن الدموع التي عادت لملء حدقتيها السوداء
قائلة بعبرة مسجونة
" أنا ورقة المساومة يا رعد والرابح في اللعبة هو ابن
شاهين وحده "
أمسك ذراعيها وقال ناظرا لملامح وجهها الذي أنزلته للأسفل
تنظر للأرض
" غسق إشرحي لي ولو شيئا واحدا أفهمه من كل هذا ؟
ما علاقتك أنتي بعودة ذاك الرجل وما سر ظهوره حيا الآن "
حركت رأسها بعجز وكأن الكلمات ترفض الخروج من شفتيها
أو تعجز عن التعبير عنها وكل ما استطاعت قوله من بين العبرة
التي خنقت صوتها ودمعة وحيدة تدحرجت من عينها اليمنى
" يشترط أن أكون متزوجة تحسبا لأن أكون ثمن ثأره ذاك
فبذلك يحميني ، وليتحقق شرطه يجب تحقيق الآخر وهو أن
أوافق بنفسي على الاعتراف بابن شقيقه زوجا لي أو يسمح ذاك
الرجل بأن يطلقني وأتزوج من غيره أو سيبقى ذاك الأب حسرة
في قلبي حتى أموت "
*
*
*
خرجت معهم من المطار للسيارة لا تشعر بأنها تفهم شيئا
من كل هذا !! تشعر فقط بأنه عليها أن تتبع قدرها لنهايته
ومن ثم يحق لها السؤال ، كان في استقبالهم في المنزل
امرأة شقراء لم تفقد بعد رونقها كما جمالها الذي يشبه
جمال منزلها بطرازه الحديث رغم صغر حجمه تقريبا إلا أنه
وكما يبدوا يحظى بعناية رائعة إبتداءا من حديقته الجميلة
المنسقة وصولا لآخر قطة أثاث ولوحة جدار وتحفة خزفية
مميزة تعبر جميعها عن ذوق عالي المستوى ، وليس ذلك فقط
فاستقبالها لها لم يكن أقل حفاوة من زوجها وابنتها ، كان ترحيبا
صادقا لم يتخلله أي انزعاج من وجودها بينهم ، ورغم أنها كانت
تتمسك بصمتها أغلب الوقت إلا أنها لاحظت أن ذلك لم يزعج تلك
العائلة الصغيرة المحبة المتفاهمة فقد سعى كل واحد منهم لدمجها في
حواراتهم بطريقته وحتى على طاولة الغداء ورغم انزعاج سيدة
المنزل من الحديث ذاك الوقت إلا أن الأمر لم يتخذوه إلا بفكاهة
حتى أنه أيا منهم لم يسألها عن سبب خروجها من بلادها وماذا
حدث معها أو أي حديث يؤدي لذاك الأمر رغم أنها تمنت فعلا
أن يتطرقوا له لتفهم على الأقل فترة مكوثها هنا ولما هذه
العائلة تحديدا ؟
بعد شرب القهوة عقب الغداء فورا حيث انتقلوا للجلوس
في غرفة الاستقبال المطلة على أروع مناظر حديقتهم حيث
النافورة الحجرية المحاطة بالورود التي كانت تطل عليهم من
الواجهة الزجاجية الواسعة كان على كل واحد منهم أن ينتقل
لغرفته لأخذ قيلولة صغيرة وهنا علمت أنه أصبح لها غرفة هنا !
لم يطلقوا عليها اسم غرفة الضيوف ولم تقاسم ابنتهم غرفتها
الخاصة فما سيعني كل ذلك ؟!
تبعت عم والدها الذي اختار بنفسه أخذها لما سماه غرفتها
حتى كانا في وسط غرفة لا تقل جمالا عن باقي المنزل إلا أن
ألوان أثاثها وأغطية السرير كانت شبابية ، حتى اللوحات على
الجدران تؤكد أن صاحبها ليس من الجنس الناعم .
التفت لها الواقف أمامها وقال مبتسما
" هذه الغرفة كانت تخص ابن زوجتي كين ومنذ قرر أن يستقل
بنفسه ويخرج من هنا وهذه الغرفة فارغة ولأنه لم يكن أمامنا
وقت كاف لم نغيرها بما يناسب أنثى جميلة مثلك ولا نريد أن
تستخدمي غرفة الضيوف فهذه هي غرفتك وسنغير كل شيء
بما يناسبك قريبا "
نظرت لعينيه بحيرة ووجدت القدرة أخيرا لطرح السؤال الذي
شغلها طويلا وعجزت عن طرحة
" هل سأقيم هنا معكم ؟ "
قال باستغراب " ألم يخبرك تيم ؟ "
حركت رأسها بالنفي تقاوم دموعها كما عبرتها وهمست
" لم يخبرني شيئا "
تنهد بعمق وقال
" ونحن لم يخبرنا سوى بأنك ستقيمين هنا معنا لفترة لم يحددها ،
وكلامه طبعا نقله لنا ابن زوجتي ولم نراه شخصيا فهو تقريبا
بل جديا يرفض الاعتراف بنا كأقارب له "
سكت لبرهة ثم قال حين لاحظ أن ثمة ما جرحها بعنف في كل ما قال
" أنتي ابنة ابن شقيقي أي أنك فرد من عائلتنا يا ماريه ويمكنك
البقاء كيف تشائين معنا و .... "
قاطعته هامسة ببحة
" وأين هو الآن ؟ "
حرك رأسه بعجز متمتما
" لا أحد يعلم لكنه يسافر كثيرا من أجل عمله ومؤكد سياتي
لرؤيتك حين سيكون هنا في لندن "
أنهى جملته تلك ثم استأذن مغادرا الغرفة تاركا إياها مع
تحطم مشاعرها وانهيار آخر حصون صمودها منذ عرفت
نفسها والحياة فآخر ما توقعته أن يرفضها ! أن لا يقدم ولا مبررا
لكل هذا ! أن لا يشرح لها أولا وضعها هنا ووضعهما معا ،
سندت نفسها بيدها ممسكة بطرف الطاولة بجانبها تنظر
للأرض ودموعها تتقاطر تباعا لتصتدم بها فلماذا أحضرها
هنا إن كان لا يريدها ؟ لما لم يتركها هناك على الأقل كانت
تعيش على أمل رجوعه وأن يراها ويفهم أنها تحتاجه هو
ليس أي شيء أو شخص آخر .
رفعت يدها ورمت لا شعوريا كل ما كان على تلك الطاولة أرضا
مصدرا ضجيجا قويا بسبب تحطمه صارخة ببكاء
" كان تركني مت هناك ودفنت حيث والداي بدلا من دفني حية هنا "
انفتح باب الغرفة حينها ودخل ثلاثتهم منه ينظرون لها بصدمة
فصرخت بهم متراجعة للخلف ومتجاهلة حتى يدها التي
كانت تنزف "
أرجعوني من حيث جئت ، لا أريد هذه البلاد ولا أريده "
*
*
*
دخل بسيارته حتى أوقفها أمام باب المنزل ثم نزل وفتح الباب
الخلفي حيث الجالسة هناك ، بقدر طول الطريق التي سلكاها
للوصول كان صمتهما طويلا وموحشا وكلما ظن أنها نامت في
الخلف ونطر لها من خلال المرآة يجدها على حالتها ذاتها تنظر
للنافذة المقابلة لها بصمت وشرود ولا تترك للنوم أي مجال
ليتغلب عليها على ما يبدوا ، حتى وجبة الغداء التي اشتراها
لها أخذتها منه وأكلت منها في صمت ، هذه المرأة لا تزداد
إلا غموضا بالنسبة له فإن كان يحار في حديثها ولا يفهمه
فكيف بصمتها وشرودها ؟
وقفت خارج السيارة بمساعدته تسند نفسها بتمسكها بطرف
الباب ثم اختارت وككل مرة أن تعتمد على نفسها لتسير وحدها
وإن كان على حساب صحتها لكنه هذه المرة أيضا لم يسمح بذلك
فقد رفعها من الأرض بخفة متجاهلا تأففها الصامت ، ورغما عنها
كان عليها التمسك بعنقه وإن بذراع واحدة فعلى هذا الأمر أن ينتهي
الآن لعله يقتنع بأنه عبثا يحاول معها ومعهم ، صعد بها عتبات
السلالم بخفة ودخل المنزل ليفاجأ بمن كانوا هناك وكأن الجميع
هنا في انتظاره ... !! زوجات والده الثلاثة .. نجيب وبجانبه جده
الواقف عند باب مكتبه ... وآخرهم الواقفة عند السلالم والتي
يفترض بأنها ليست هنا وبأنها غاضبة وعليه هو الركض خلفها
وإرضائها ، كان الجو مشحونا في ذاك المكان درجة أن الصمت
تحول لنظرات تتحدث بصخب ... نظرات وقاص المسلطة على
الواقفة عند السلالم تنظر له نظرة اتهام يشوبها الحزن والألم
بينما نظر التي يحملها بين ذراعيه كان موجها تحديدا لصاحب
الشعر الأبيض والشخصية الصلبة من كان نظره الحانق مسلطا
على حفيده فقط وكأنه لا أحد غيره هناك مما زاد تلك النظرات
العدائية التي ترميه بها ، وبينما كان نظر والدة رواح المتوجس
مركزا على نجيب الذي كان يكاد يحرقهما بعينيه كان نظر البقية
على صاحبة الشعر الأشقر المتدلي يكاد يلامس ركبتي الذي يحملها
بكل خفة ... صاحبة الملامح الجميلة والعينان الزرقاء ...
ابنة خماصة كما ينادونها وها هي أمامهم بالفعل تحاكي جذورها
تلك وكأنها ليست فردا من تلك العائلة .
أنزلها للأرض ببطء ولحظتها فقط تحركت الصور الجامدة هناك
فصعدت الواقفة عند السلالم للأعلى وبخطوات ثقيلة غاضبة
وتحركتا والدة رواح ووالدة ضرار لمساعدة التي لازال يسندها
بيده حين قال جده بجدية ونظره لازال عليه
" تعالى لمكتبي يا وقاص "
وما أن وصلتا لهما حتى قال وهو يترك يدها لزوجة والده
" خدوها لأحد الغرف في الأسفل فلا يمكنها صعود السلالم بسهولة "
وما أن ابتعدتا معها حين رفضت إلا أن تمسك إحداهما بيدها فقط
تحرك وقاص جهة الواقفان هناك ووقف أمام جده قائلا ونظره
مركز على عينيه
" أريد أن نكون وحدنا وأعتقد أن هذا من حقي مثلما استمعت
للحكاية منه وحدكما "
تحدث حينها نجيب قائلا بضيق
" بل رفض سماعي فهو لن يستمع لأحد غيرك ولا قبلك "
" نجييييب "
كانت صرخة ضرار تلك كافية لإخراسه تماما وقد تابع بحدة
" الحكاية سمعتها من غيركما وقت وصولي ولي حديث معك
وليس أنت من سيتحدث معي "
وما أن أنهى جملته تلك التفت للخلف ودخل مكتبه تاركا بابه
مفتوحا خلفه فتبعه وقاص ما أن تبادل والواقف هناك نظرة
لو كانت رصاصة لقتل كل واحد منهما الآخر بها .
وما أن كانا في الداخل حتى قال وقاص بضيق
" أنت من أحضر جمانة أليس كذلك ؟ "
التفت له ضرار قائلا بحزم
" ليس هذا حديثنا الآن فأنت من عليه أن يجيب عن الأسئلة
لا أن يطرحها "
كان سيتحدث والضيق يزيد ملامحه قسوة لولا قاطعه جده بأمر
" قلت تجب عن أسئلتي يا وقاص فلا تجادل "
أشاح بوجهه جانبا وتنفس بحدة على صوت ذاك قائلا
" أين ذهبت بها ؟ "
نظر له وقال بضيق
" قل لما وليس أين فذاك هو الأهم "
قال من فوره وبحزم
" ذاك السؤال لديا جوابه ولا أريد تكرار سماعه فلما أخذتها
من هنا دون أن تطلعني على الأمر وطلبت من الجميع التكتم
عنه كي لا يصلني ؟ اشرح هذه المسألة دون أسئلة يا وقاص "
قال بذات ضيقه الحانق
" نجيب كان يريد الدخول لها وضربها مجددا وكان علي
إبعادها عن هذا المنزل قبل أن يقتلها ، لا يحق له ضربها
تحت أي سبب كان فكيف إن كان بدون سبب "
" لما لم تخبرني ؟ "
كرر سؤاله بحدة وكأن ما يعنيه ذلك فقط أو أنه لم يسمع كل
ما كان يقول ، قال وقاص بجدية
" لأنك ما كنت لتقطع رحلتك وتأتي ولأن نجيب لن يقف عند
حده إن لم تكن هنا وما كنت سأسمح بأن تمتد يده عليها مجددا
وإن كان الثمن أن تطردني من المنزل والعائلة "
قال ضرار وقد تحرك جهة مكتبه
" لن يفعلها مجددا وأنا بنفسي سأهدده بهذا الخصوص
وجد أنت الآن حلولا لمشاكلك كما تجدها لغيرك "
شد قبضتيه بقوة وقال بضيق
" هل هذا فقط حق حفيدتك ؟ تهدده كي لا يفعلها
مجددا وانتهى الأمر ؟ "
التفت له وقال بضيق مماثل
" لا تعلمني ما عليا فعله يا وقاص واصعد الآن لزوجتك
وتفاهما فيما تريد الحديث معك فيه واترك شقيقك وزوجته
فقد سبق وقلت بأنه لن يعيدها وانتهى "
لوح بيده قائلا بحدة
" جيهان من خرجت من هنا بإرادتها وبما أنها عادت من
نفسها فلا حديث لي معها في شيء وما كان لن يتغير
وقراري هو ذاته لا جراحة أو كل في حال سبيله "
صاح فيه الواقف هناك بغضب أشد
" قلت تفاهما وأبعد عصبيتك الجديدة هذه جانبا ولا تظلم
زوجتك حقها يا ابن ضرار "
قال من فوره وبذات غضبه
" ولما تظلم أنت حفيدتك حقها ؟ كن عادلا معها أيضا "
قال مباشرة وبجمود
" هات عدلك وسأعطيك عدلي "
نظر له وقاص بصدمة أخرسته تماما فقال ضرار بحزم
" أرني ما لديك يا وقاص "
زم شفتيه بغضب بل وبعجز فلم يتخيل أن يحاصره هكذا !
أن يضعه في هذا الموقف فهل عليه دفع التنازلات من أجلها ؟
من أجل فتاة تكرهه كما البقية كرها أسودا قاتما ؟
من منذ قرر الوقوف في صفها وحياته لا تزداد إلا تقهقرا للوراء
خاصة علاقته بالواقف هناك ومن لم يغضب منه يوما أو ينتقده
حتى ظهرت تلك الحفيدة في حياتهم .
تنفس بعمق وقال دون أن يسمح للأفكار أن تجرفه أكثر لتنسيه
أنها ابنة عمه وأنها وحيدة
" لا ترجع زيزفون لذاك الجناح أو السجن إن صح القول "
قال ضرار من فوره
" تتصل بوالد جمانة وتخبره أنك أنت من لا تريد عودتها هناك "
أغمض عينيه بقوة وتنفس بغضب فلم يعرف حياته أحدا يتدخل
في قراراته وحياته ولا الواقف أمامه الآن ومن رعاه بنفسه رعاية
لم يحظى بها باقي أحفاده ولم يجدها هو ولا في والده ، فتح عينيه
وننظر له وقال
" تشارك العائلة حياتها حتى وجبات الطعام والحفلات ويحق لها
الخروج متى أرادت وإن مع مرافقتها"
قال ضرار
" تجري زوجتك الجراحة "
نظر للأعلى وتمتم متعوذا بالله من الشيطان ، كان يعلم أن ثمن
ما طلبه لن يكون سهلا وأن ما سيقوله الآن ويطلبه سيكون مقابله
أمرا لن يستطيع فعله فهو أكثر من يعرف جده ، نظر له مجددا
وقال مباشرة
" يطلقها "
وكما توقع لم يتأخر الواقف هناك في التفكير وقد قال بجدية الواثق
" لا تطلق أنت جمانة تحت أي سبب كان ولا تتزوج عليها "
شد قبضته بغضب وقال من فوره وبحدة
" لن يصل الأمر أن تفرض عليا هذا ، لن أسمح لأي أحد بذلك "
جلس حينها الواقف هناك وقال ببرود
" إذا نلغي شرطك الأخير أيضا "
خرج عندها من المكتب ضاربا الباب خلفه ونظر للذي لايزال واقفا
خارجه وقال قبل أن يجتازه
" سأحررها منك يا نجيب والأيام بيننا "
التفت ذاك مع حركته وقال ساخرا
" لأتركها لك ؟ "
وقف حينها وقاص مكانه ويده تمسك خشب سياج السلالم ونظر له
بصدمة فتابع بذات ابتسامته الساخرة وقد رفع أصبعه في حركة
مستفزة
" أقسم لن أفعلها وإن من أجل ذلك فلن تطالها ما حييت يا ابن جدك "
اشتعلت نيران التحدي في حدقتيه حينها وقال بعناد
" سنرى إذا "
وصعد السلالم من فوره وبخطوات واسعة غاضبة ، لا يصدق
ما تفوه به ذاك المجنون وما قاله هو أيضا ! لقد استفزه ذاك القذر
حد أن أصبح يتحدث دون تفكير ... لا بل سيخلصها منه بالفعل
ومهما كلفه ذلك ليس من أجله كما اتهمه بل من أجلها هي فلا
امرأة في الوجود تستحق أن تكون زوجة لأمثاله وهذا ما جعله
يصمت تماما عن وضعها الصحي الذي شرحه له تيم سابقا وعن
الحاجة لعرضها على طبيبة نسائية فلن يسمح لذاك الفاشل أن ينفذ
مخططه بجعلها تحمل منه .
فتح باب جناحه ودخل وأغلقه خلفه وتوجه فورا جهة الغرفة
المغلقة سابقا في الجناح لحظة ما انفتح باب غرفة نومه السابقة
ووقفت أمامه التي نظرت له بضيق قائلة
" أريد أن نتحدث قليلا يا وقاص "
قال بجمود
" وما الحديث الذي بيننا ؟ كل ما هنالك قاله والدك لجدي واتفقا
وأنا من عليه التنفيذ "
ملئت الدموع عينيها وكانت ستتحدث فقاطعها بضيق
" الجراحة .... الجراحة .... حلك الفاشل هو لك الآن "
لولا يقينه من أن كلام جده عن تطليقها ذو حدين لكان فعلها
وطلقها ما أن أجرت تلك الجراحة السخيفة واستكمل الشروط معه
لكنه متيقن من أنه عنا ما قال تحديدا ولن يسمح بتطليق نجيب
لزيزفون وإن أراد هو ذلك حال طلق هو جمانة ، تابع مشيرا بإصبعه
للغرفة خلفها
" لكن ذاك المكان لا وجود لي فيه بعد الآن وغرفتي هنا لا تقتربي
منها وجربي أن يتدخل الغير في خصوصياتنا مجددا يا جمانه ولن
تدخلي هذا المنزل بصفتك زوجة لي ما حييت "
ثم دخل الغرفة ضاربا بابها خلفه ، فابتسمت الواقفة هناك
من فورها بسعادة ، لا تصدق أنه وافق أخيرا وهي من تعرفه
جيدا لا يمكن اخضاعه لأي ضغط أو تهديد ، ما أن يحدث
ما خططت له وتجري تلك الجراحة سيتغير كل شيء وأولهم
رأيه بها وتلك الغرفة التي قرر الاعتصام عنها فيها
*
*
*
وصل المدينة وباب ذاك المنزل تحديدا والذي لم يكن يتخيل
أن يبقى ذاته بعد كل هذه الأعوام رغم تطوره من الخارج عن
الماضي كثيرا فحتى في زياراته الماضية للبلاد لم يفكر في زياراتها
ولا السؤال عنهم رغم أنه كان أحد رجال ابن شاهين الذين اختار
مؤخرا أن يكونوا حلقة وصل بينه وبين بعض الأشخاص هنا فكانوا
يدخلونها باستمرار وإن بشكل مموه . تنفس بعمق وطرق الباب فعليه
زيارتها بعد أن عاد للوطن بصفة نهائية فهي رغم كل شيء تبقى
عمته والتي كانت وحدها تعامله معاملة ابن الحالك وليس الهازان
التي ألصقوها به في الماضي لأن والدته من هناك ، عاد لطرق الباب
مجددا حين لم يسمع جوابا من أحد ولم تفتح له فسمع حينها
صوت طفل يصرخ راكضا " أمي تعالي أحدهم يطرق الباب "
اشتدت قبضته أمام ذاك الباب الحديدي وهو يسمع صوت المرأة
التي كانت تأمر ذاك الطفل بالابتعاد وأن لا يفتح ... وابتسم بسخرية ،
صوتها ذاته لم يتغير فسحقا للسنين ولأكذوبة عاشها يوما معها
يغمض عينيه عن حقيقتها باسم الحب الزائف ، لم يشعر بالندم لمجيئه
وقت وجودها هنا مع والدتها كما لن يندم يوما على سفره لأنه وحده
من كشف الحقيقة التي كان يعلمها جيدا ويتجاهلها ، انفتح الباب قليلا
وخرج له صوتها " من هنا ؟ "
حمحم بصوت واضح وقال مشيحا بوجهه بعيدا " أنا عمير أريد رؤية
عمتي إن أمكن "
عم الصمت المكان للحظات قبل أن ينفتح الباب أكثر وكان لازال يتجنب
النظر ناحيته ووصله صوتها وهي تبتعد بخطوات سريعة قائلة
" ادخل يا عمير "
فانتظر قليلا قبل أن يدفع الباب ويدخل ولم يستغرب ابتعادها بل كان
يفضله حقا فالزيارة كانت من أجل عمته ومن الجيد أنها فهمت ذلك
من نفسها .
دخل حيث أشار له طفل في العاشرة جهة إحدى الغرف التي تم
تجديدها عن الماضي قائلا
" جدتي هنا "
مر بجانبه وداعب بيده شعره شاكرا له ثم دخل الغرفة حيث التي
كانت تصلي وجلس خلفها في صمت ينتظرها ، حين غادر كانت في
نهاية الأربعين من عمرها ولابد وأنها اقتربت من منتصف الستين
الآن ، لم يشعر بعدد تلك السنين التي قضاها بعيدا إلا الآن والتي
لم يتوقع كما غيره أن تصل لأربعة عشرة عاما حتى بدأ كل عام
بسحب الآخر ورائه وأصبحوا سجناء لتك اللعبة المسماة
( حماية الوطن ) حتى سرقت أعمارهم جميعا وسرقتهم من ماضيهم .
سلمت من صلاتها والتفتت له بكامل جسدها ورأى حينها فقط
الدموع التي ملأت وجهها فهب جهتها وضمها لحضنه وقال
مقبلا رأسها
" يموت عمير ولا يرى دموعك ، كيف حالك عمتي ؟ "
ابتعدت عن حضنه وأمسكت وجهه تنظر له بعينان دامعة تتمتم حامدة
الله أن رأته مجددا ولا تصدق حتى الآن أنه أمامها ، تغير كثيرا أصبح
أكبر وأنضج حتى في ملامحه وقد أصبحت تفصله عن الأربعين أعواما
قليلة فقط لكنه لازال يحمل من عمير الماضي نظرته المحبة المتفهمة
وابتسامته المرحة الودود كما تذكرها جيدا منذ آخر مرة رأته فيها ...
لا ليس آخر مرة فالمرة الأخيرة تلك لم ترى فيها إلا انكسار قلبه من
حديث ابنتها القاسي معه ، أمسك يدها من وجهه وقبل باطن كفها ثم
نظر لعينيها وقال يمسح دموعها بأصابع يده الأخرى
" سامحيني عمتي فظروفي كانت أصعب من أن آتي لك قبل الآن "
أومأت برأسها بتفهم ثم همست ببحة تشد بيديها على يده
" كيف هي أمورك بني ؟ هل تزوجت ؟ هل ستستقر هنا كابن شاهين
وباقي رجاله ؟ "
نظر لأيديهما لبرهة ثم عاد ونظر لعينيها وقال
" لم أتزوج بعد تركت الأمر حتى أرجع هنا أولا وأستقر نهائيا
وكما تري أمامك شخت وأنا أنتظر رجوعي "
مسحت بكفها على يده وقالت بحنان
" بل صرت الآن رجلا حقيقيا ، أسأل الله أن يرزقك ما يعوضك
به يا عمير "
وتابعت متنهدة بحزن وقد شردت بنظرها بعيدا
" وأن لا يكون نصيبك كابنتي التي خسرت حقا يوم تركتك "
نظر لها باستغراب وقال
" ما معنى ما تقولينه عمتي ؟ "
تركت يده وضمت يديها في حجرها وقالت بحزن ناظرة لهما
" لم ترى يوما جيدا معه ، لا وفقه الله عانت معه ولازالت تعاني"
" أمييي "
أسكتها صوت ابنتها التي صرخت بها بأمر من الخارج فالتفت جهة
الباب حيث الطفل ذاته وقد دخل يحمل صينية بها كوبا شاي وصحن
فطائر وكعك ويبدوا أنها أوصلتها للباب لتعطيها له ليدخلها وسمعت
حديث والدتها ، أخذ كوب الشاي منه وشربه وأكل مما جلبوا معه يجيب
عن أسئلة عمته التي لا تتوقف وكأنها لن تراه مجددا ، قالت بسعادة
" ما شاء الله متى قررت كل هذا وفعلته يا عمير ؟ "
وضع الكوب وقال
" الفضل الأول بعد الله كان لابن شاهين فهو من تكفل بكل شيء وأراد
أن يكون لكل واحد منا مستقبلا مهنيا محددا فهو لا يرحم منا أحدا أبدا
ويريدنا جميعا نسخا عنه "
قالت مبتسمة
" ما أعظمه من رجل لم تغيره السنين أبدا لازال يفكر في الجميع قبل
نفسه "
أومأ برأسه موافقا ثم همس بتردد
" عمتي ما قصة زوج ابنتك ؟ "
حركت رأسها بقلة حيلة وبدأت تسرد عليه هامسة أيضا كل ما حدث
معها منذ تزوجته بل ما عانته أكثر في الأعوام الأخيرة حتى أنه تزوج
عليها من عامين وكلما اشتكت هددها بأن يطلقها ويرميها في الشارع
ويأخذ طفليها منها ، وما أن أنهت حديثها شد قبضته قائلا بضيق
" أريد اسمه كاملا عمتي وأين يعمل "
نظرت له بتوجس وقالت
" لا تدخل نفسك في مشاكل معه يا عمير فهو سيء خلق وطباع كما
أن تدخلك لن يزيد وضع ابنتي إلا سوء "
حرك رأسه برفض وقال بحنق
" بل أمثال هذا الرجل لا يستقيم حاله إلا إن خاف ، ولأنه يعلم بأنه
لا أحد لكما يبرز عضلاته عليها فاتركيه لي أأدبه لها أو أخلصها منه
وفي الحالتين أنتم الكاسبون وأنا سأتكفل بمصاريف أبنائها وقسما أن
أقتص منه وقتها بالقانون ولن أسمح له بأن يذل عمتي ولا ابنتها ما
دمت حيا "
خبئت عينيها في كف يدها ونزلت دموعها مجددا قائلة بعبرة
" لا كسرنا الله بعدك يا عمير ، رغم ما فعلته ابنتي بك تقف
معها الآن ؟ "
أبعد رأسها رافعا له للأعلى وعاد لمسح دموعها قائلا
" ما عاش من يذل هذا الرأس ولا ينزله وأنا موجود ، بثينة
ابنة عمتي مهما حدث وفي حسبة شقيقتي ولن أرضى أن يظلمها
أحد ، ما بيني وبينها كان وانتهى من أعوام طويلة إن كان الحب أو
الجرح "
ولم يغادر المنزل حتى أخذ منها جميع المعلومات عن زوج ابنتها
فلن يسمح له بالسخرية من حالهما وحاجتهما مجددا ، ليس من
أجل أي شيء سوى عمته ودموعها وحزنها الذي اعتصر قلبه
وهو يرى حالها هكذا فلن تحتاج شيئا ولا أحدا بعد اليوم وهو
حي يتنفس
*
*
*
يتبـــــــــــــــــــــــــــع
لامارا, بلا عنوان, الغزال الشارد and 82 others like this.
رد مع اقتباس
#3064
قديم 27-09-17, 09:54 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
فتحت باب الغرفة ودخلت وأغلقته خلفها ونظرها على الجالسة
على السرير منحنية قليلا تحاول ربط الشاش الملفوف حول كاحلها
وقدمها التي ترفعها عن الأرض قليلا وقد جمعت شعرها البني الفاتح
جميعه جانبا أطرافه تلامس الأرض تحتها وقد ارتفع فستانها الأبيض
فوق ركبتيها بقليل ، أنزلت قدمها وعدلت جلستها ونظرت مبتسمة
للتي اقتربت منها مسرعة وجلست بجانبها وضمتها لحضنها فورا ...
الحضن الوحيد الذي لا ترفضه بل وتشعر فيه بذاك الأمان الذي لا تعبر
عنه والحنان الذي لا تطلبه من أحد ، نامت على كتفها وتلك تضمها
لها قائلة ببحة بكاء
" زيزفون كيف أصبحت يا شقية ؟ أراك أفضل بكثير من وقت
خروجك من هنا "
لم تعلق متمسكة بصمتها ومكتفية بالنوم في ذاك الحضن فقالت
تلك ماسحة على شعرها بحنان
" كدت أجن حين أخذوك من هنا ولم أتوقف عن إزعاج تلك المرأة
بالسؤال عنك وحين أخبرتني أنك برفقة ذاك الشاب وأنك تحت
حمايته اطمئن قلبي فهو مختلف تماما عن شقيقه المتوحش ذاك "
ابتعدت عن حظنها وهمست ببرود تحاول ربط شعرها للخلف
" بل جميعهم متشابهون فقط الأهداف والأقنعة تختلف "
حركت رأسها بعجز من عنادها وأفكارها وهرعت فورا تساعدها
في جمع شعرها في تلك العقدة والطريقة التي تحبها وقالت
" أين أخذك كل هذا الوقت ؟ لاحظت أن عائلته هنا لا يعلمون
مكانه وكانت الأجواء مضطربة جدا "
كانت حينها قد انتهت من جمع شعرها في تلك العقدة فاستلقت
على السرير وأغمضت عينيها هامسة
" أريد أدويتي يا خالة أحتاج لأن أنام ولو لساعة واحدة فقط "
وقفت تلك من فورها خارج السرير وقالت مغادرة الغرفة
بخطوات سريعة
" سأجلبها لك حالا "
وصعدت للأعلى مسرعة أحضرت علب أدويتها جميعها في كيس
بلاستيكي وعادت للغرفة بأسرع ما يمكنها ودخلت مغلقة الباب
خلفها ونظرها على النائمة على السرير مغمضة العينين ،
أسرعت ناحيتها فعليها أن لا تتركها تنام من دون تلك الكبسولات
لأنها تعلم نتيجة ذلك جيدا وتستغرب أن استسلمت للنوم فهي
بمساعدة الأدوية وتقريبا لا تنام ! وصلت عندها منادية بخوف "
زيزفون لا تنامي "
فتحت عينيها وجلست ببطء متمتمة
" لم أنم خالتي لا تخافي "
أخذت أقراص الدواء منها وابتلعتها بالماء دفعة واحدة ثم مدت
لها ورقة مطوية وقالت
" هذه أوصليها لتلك المرأة توصلها لشخص تعرفه جيدا "
أخذتها منها ونظرت لها تقلبها باستغراب قائلة
" ما هذه وما الموجود فيها يا زيزفون ؟ "
ارتمت على السرير متنهدة بتعب وأغمضت عينيها هامسة
" أوصليها لها فقط يا خالة "
وارتخى صوتها وهي تتابع بخدر
" لا توقظيني أبدا ، أريد أن أنام فقط ولوقت طويل "
مسحت على شعرها بحزن وقبلت جبينها هامسة
" لن أوقضك صغيرتي أنتي فقط نامي ذاك النوم الطويل الذي لم
تعرفيه يوما "
*
*
*
سار بأقصى سرعة كان يمكنه السير فيها ورغم ذلك يبدوا أنه وصل
متأخرا فلم يكن يعلم أن وقت اجتماع ابن شاهين بوفد الثناننين
يكون اليوم إلا وقت مغادرته العمران ولو كان يعلم مسبقا ما نام
ليلته إلا هنا في حوران ، نزل وضرب باب سيارته باستعجال وتحرك
بخطوات سريعة جهة الباب الرئيسي المؤدي لقاعات القصر الرئاسي ،
تجمع السيارات في الداخل كبير لكنه لن يعول على ذلك أبدا فوجود
الرجال والسيارات في هذا المكان جزء لا يتجزأ منه لكنه سيعيش
على أمل أن يكون زعيمهم ضمن الوفد القادم ، دخل قاعة الإستقبال
ووقف ينظر للأشخاص الذين ملأ وجودهم المكان تقريبا وأغلبهم
كان يخرج من إحدى القاعات الرئيسية ومن ملامحهم علم سريعا
بأنهم الوفد المنتظر من أعوام طويلة بالنسبة له وأن اجتماعهم قد
انفض حاليا ، بحث أكثر بنظره بينهم يجيب تحية من يمر به ويحدثه
دون أن ينظر ناحيته حتى وقع نظره على أحد أبناء زعيم الثنانيين
السابق واقفا مع مجموعة منهم والذي كان ( ساجي ) فعلم حينها
بأنه سيكون من ترأس الوفد وأن شقيقه الأكبر وزعيمهم الحالي لم
يأتي ضمن وفدهم ، شعر الواقف هناك بوجوده من بين كل الموجودين
ونظر له بل لعينيه مباشرة نظرة لو كان لها القدرة على القتل لطرحته
أرضا ، نظرة جعلته يفهم فورا أن مخاوف مطر حقيقية وأنهم اكتشفوا
أمر وعدها وانتظارها له ولم يعد يستبعد الأسوأ أبدا ، شد قبضته بقوة
وكان ينوي بالفعل التوجه نحوه والتحدث معه لكنه أمسك نفسه في آخر
لحظة متسلحا بالصبر والتعقل فابن زعيم الثنانيين هذا تحديدا يعرف
بأنه أشرس أشقائه وأعندهم وأسرعهم غضبا فعليه أن ينتظر ليعرف
ما انتهى إليه اجتماعهم أولا ، انتقل نظره سريعا جهة الباب الذي
خرج منه مطر يتحدث واثنين منهم فتوجه نحوه سريعا لحظة ما
ابتعدا عنه فوقف أمامه وتصافحا وشد رعد على يده بقوة وهمس
ناظرا لعينيه
" ماذا حدث معهم ؟ "
قال مطر بجدية وصوت منخفظ أيضا
" ليس هذا وقته فهم لازالوا هنا يا رعد وأخبرني أنت أولا ما حدث
مع زوجتي "
ترك يده قائلا بضيق
" وزوجتك ليس وقتها الآن ، ولا ينشغل بالك عليها فرأسها أعند
من الصخر وقلبها لم يتوقف عن الحياة بعد "
ابتسم الواقف أمامه قبل أن تتحول ابتسامته تلك لضحكة صغيرة
ونقل نظره للذي انظم لهما ولم يكن سوى ... ساجي الذي نظر
سريعا جهة رعد لبرهة نظرة جامدة عميقة قبل أن يقول
" كيف أنت يا ابن شراع "
قال رعد من فوره
" بخير "
وعذل عن فكرة مصافحته بسبب العداء الواضح في نظراته ونبرة
صوته ونقل ذاك نظره سريعا جهة مطر الذي اندمج معه في حديث
سرعان ما أصبح أكثر خصوصية وهو يسأله عن أشقائه وأبنائهم
وعن أولاده حتى قال
" وكيف هي مدللتكم الصغيرة آستريا ؟ "
انقبضت حينها أصابع الواقف معهما لا إراديا مع انقباض قلبه وسط
أضلعه ، يعلم جيدا أن مطر تعمد هذا من أجله فقط فلم يعرفه أبدا يسأل
عن عائلات أيا كان ولا نسائهم ، قال ساجي بابتسامة باردة خالية
من أي تعبير " آستي الآن امرأة وأم لستة أبناء فعن أي طفلة
تتحدث ؟ "
أشاح حينها رعد بوجهه ونظره عنهم وشتت نظره في أمكنة
مختلفة مبتعدا عن حديثهما مجددا حتى غادر ذاك الثناني مودعا
لهما بكلمات من لغتهم دون أن يصافح أيا منهما وغادر المكان
ورجال قبائلهم يتبعونه فنظر حينها لمطر وقال
" كاذب فيما قال "
أومأ مطر موافقا دون أن يعلق فقال رعد
" ماذا حدث في اجتماعكم ؟ هل اتفقت معهم ؟ "
قال مطر بجدية
" تقريبا وسأزور مدنهم في وقت قريب وألتقي بزعيمهم ، هم لا
يرفضون الانظمام لنا مجددا لكن ثمة أمور قد تشكل عائقا وأهمها
اختلاف الديانات وأن نفرض عليهم أحكام شريعتنا ويرضون هم بها "
قال رعد من فوره
" لكن القوانين لدينا وضعية وقابلة للتغيير والدمج "
قست ملامح الواقف أمامه وقال
" ذاك سيتغير قريبا فلا شيء أسمه قانون فوق قوانين الله ، أي
وجوه هذه التي سنقابله بها ونحن نرفض ما شرع لنا ونغيره ؟
على تلك القوانين أن تتغير وعلى الثنانيين أن يرضوا بها أو
ليبقوا خلف حدودهم تلك "
حرك رعد رأسه بعجز وقال
" وذاك عين العقل لكن الأغلب لن يرضوا فكيف إن كان الأمر
دون استفتاء وتصويت "
قال مطر من فوره
" رغما عن أنوفهم ومن كره ذلك فلينظم لمتمردي صنوان
لتكون نهايته كنهايتهم القريبة "
شد رعد على فكيه بقوة وتنفس بعمق ولا يمكنه التعليق على كلامه
هذا ولا نكرانه ولا مجال له أيضا لفعلها فقد تابع مطر دون انتظار
" لا أحد يكون مع الله فيتركه والناس سترضخ لأن الحكم عسكري
حتى تستقر أمور البلاد "
أومأ برأسه موافقا وقال
" وإن فرضنا أن الثنانيين وافقوا ذلك وهذا الأمر الطبيعي في أي
دولة قوانين البلاد تسري على جميع الديانات فيها ، وقتها ما
سيكون وضع مدنهم المستقلة ؟ "
وسكت لبرهة قبل أن يتابع
" ووضعي أنا يا مطر ؟ "
ربت مطر بيده على ذراعه وقال
" اترك هذا لوقته يا رعد وأخبرتك سابقا أن قوانينهم بينهم لا شيء
ولا أحد يفرض عليهم فيها شيئا فاترك الأمر لي حتى ألتقي
سنمار أولا "
تنهد بقلة حيلة وقال
" لا حل غيره أمامي ولعلمك فقط فلن تأخذ امرأتك ما لم تخرج
منهم بامرأتي "
كان رد فعله وقتها آخر ما توقعه رعد وقد ارتفعت ضحكته مما جعل
الرؤوس تلتفت نحوهم ، ومن لا يستغرب ذلك وهم من لم يعرفوا
هذا الرجل إلا جادا عابسا آمرا كأي قائد حرب مقاتل ، نظر رعد
لمن كانوا حولهم وقد تحولت نظراتهم لهما بفضول ثم نظر للواقف
أمامه وهمس بضيق
" لا تسخر من كلامي ولا تتفاخر بقدراتك فلن يلين رأسها العنيد
ذاك غيرنا فتذكر هذا "
قال مطر بابتسامة مائلة
" ولست أثق ولا بقدرتكم أنتم وأعلم عن عنادها أكثر مما تعلمون "
أنهى جملته تلك وتحرك مجتازا له ليغادر فأمسك رعد بيده موقفا
له وقال ناظر لعينيه
" اتركني أخبرها عما فعل جبران إن كان ما حدث وقتها السبب
فيما بينكما ولن أخبرها عن حديثنا هذا "
حرك مطر رأسه برفض قاطع وغادر دون أن يضيف شيئا فوحده
يعلم أن ذلك لن يجدي نفعا بل سيزيد الوضع سوء وبدلا من أن يبرر
موقفه سيجرحها أكثر وهي تعلم بأنه اتهمها بالخيانة ومع من ؟
مع شخص لم تعتبره يوما إلا شقيقا لها .
*
*
*
وضعت القلم من يدها ودفنت رأسها بين يديها ، لم يعد يمكنها
التركيز في أي شيء من هذا طالما أنها تحاول طرد تلك الأحداث
من رأسها ومقاومتها ، وكيف تنسى أمورا هي سبب جميع مشاكلها
الآن ؟ لا هي ليست مشاكل فمملكتها ليست بحاجة لتبرعاته الضخمة
تلك ولا استثماراتها تقف عليه ، كل ذلك يمكنها تغطيته وإيجاد حلول
له فهذه مدينة كاملة ليست جمعية فقط ولا شركة يمكنه تدميرها
والكثير من رجال الأعمال سيكونون على استعداد لدعمهم ولن
يكسرها بما علمته ولن ترضخ لشروطه أبدا ، غادرت كرسيها
وتحكرت جهة الواجهة الزجاجية ووقفت أمامها تراقب الطبيعة التي
لم يفسد جمالها انتشار كل تلك المباني البيضاء العالية فيها ، كل هذا
من صنعها هي ولأعوام ولن تسمح بأن يدمره في داخلها أبدا .
قالت مخاطبة التي تركتها جالسة أمام طاولة مكتبها
" ألم تتصل جليلة ؟ "
" لا "
كان جوابها مباشرا ولم يأخذ منها أي قت للتفكير وهذا المتوقع
منها بعد ما حدث حتى أنها تغلق هاتفها ، تعرف جليلة جيدا لن
يكون هروبها هذا غضبا منهم بل لسبب لازالت لا تفهمه فحتى
موقفها من خبر موته كان صادما لها ، لا تفهم أسباب رماح
حقا كما يجهلها الجميع فبنفسه أخبرها يوما أنه يريد فتاة من
الهازان ، كان ذلك قبل أن توحد البلاد ثم لم يعد يتحدث عنها وقال
لها مرة حين سألته عن الأمر أن تنسى أمرها ثم وفجأة أخبرهم
بقراره الزواج من جليلة ! قرار فاجأهم جميعا كما فاجأتها موافقة
جليلة الفورية ثم تصرف رماح الغريب وهو يقترح أن تنهي
دراستها الجامعية أولا ومن ثم الدراسات العليا وتركها هكذا معلقة
لأكثر من سبع سنوات لا هو أتم زواجه بها ولا طلقها ! والآن
وبعدما حدث ما سيكون مصير هذا الزواج ؟ تنهدت بضيق تشعر
أنها أضافت لقلبها هما جديدا وكأنه ينقصها منغصات فالتفكير في
وضع رماح وحده يكفي لتدميرها كليا
"
سيدتي هل نراجع ملفات الحسابات الأخيرة أيضا أم ننتظر حتى
تأتي السيدة جليلة "
تنفست بعمق وقالت
" دعينا نؤجلها حتى تكون هنا أفضل ، شكرا لك يا راوية
يمكنك المغادرة الآن "
وما أن أنهت جملتها تلك حتى سمعت صوت سحب الكرسي
خلفها ثم خطوات ذاك الحذاء الأرضي فصوت الباب وهو يفتح
وغلق بهدوء ، حينها اتكأت بجبينها على الزجاج البارد أمامها
وأغمضت عينيها فلم يعد من جدوى لمحاولاتها نسيان أو تناسي
كل ما حدث هناك وما علمت به والموجود هنا بين أضلعها
يرتجف كالطير الجريح ، انسابت أول دمعة من بين رموشها
السوداء الكثيفة حتى تجمعت عند أطرافها لتهوي للأرض .. كغسق ..
كحال غسق .. ككل شيء فعلت المستحيل ليكون جزءا من غسق .
تدفقت الذكريات أمامها دون رحمة كدمعاتها المتسابقة للأرض
وهي تتذكر تلك العبارة تحديدا
( والدك يشترط أن تكوني متزوجة وفي العلن )
متزوجة !! هل عاشت أعواما كمطلقة وهي في أكذوبة بشعة ؟
هل عليها فعلا أن تعترف بذاك الرجل زوجا لها وأمام الجميع
لترى والدها ذاك أو أن يرضى ابن شقيقه أن يطلقها
لتتزوج بغيره ؟
تتزوج مجددا !! لما هذه الكلمة المقيتة تحديدا ؟
لماذا يحدث معها كل هذا دائما ؟
ولما لا تستطيع رفض كل تلك الشروط وواضعها ؟
ترفضه ... ! ترفضه كيف ؟
هل ترفض والدا لها بعدا أن باتت يتيمة وحيدة ؟
فتحت عينيها ورفعت رأسها ومسحت رموشها المبللة بالدموع
ونظرت للأفق البعيد خلف الزجاج ذو الواجهة المعتمة أمامها
وتذكرت كلام شقيقها رعد عن غضبها من عائلتها تلك
ومسامحتها لوالدها ! كيف لا تسامحه وهي من لا يحق لها أن
تغضب منه ؟
كيف لا تسامحه وهو من قتل دفاعا عن عرض المرأة التي
أصبحت والدتها وعن حياة الرجل الذي كان جدها ؟
بل وهاجر وتغرب عن أهله وزوجته وجنينها وعاش دون
هوية وعائلة ليحميها هي فبأي حق ستغضب منه الآن ؟
ابتعدت مبعدة تلك الأفكار عن رأسها مجددا وتحركت من هناك
فلا تريد التفكير في كل ذلك أكثر من هذا لأنه ليس سوى مضيعة
للوقت فابنتها ستراها من حين لآخر ووالدها الحقيقي ستلتقيه
مجددا وإن كان يوم واحد من كل الشهر فهي راضية والباقي لا
يعنيها في شيء وأولهم مطر شاهين ذاك ، حملت حقيبتها
وغادرت مكتبها بل ومبنى الجمعية بأكمله فعليها أن تزور ابنة
خالتها سريعا وتفهم سبب إغلاقها لهاتفها وسجنها لنفسها في
المنزل ، وما أن خرجت للخارج وقفت تنظر باستغراب لحركة
مهندسي التخطيط والأشرطة الصفراء التي تفصل الشارع وتحيط
بالمساحة المقابلة للمبنى فتوجهت نحوهم من فورها وخاطبت
أحدهم قائلة
" ماذا تفعلون هنا ؟ "
وقف ذاك وقال ينفض الغبار من قفازاته
" نجري مسحا للمكان "
شدت قبضتيها بقوة وغضب وقالت
" أين المهندس المشرف ؟ "
أشار بإصبعه بعيدا وقال
" إنه ذاك الرجل "
وعاد لما كان يفعل فتحركت فورا جهة الذي كان يوليها ظهره
ممسكا مجموعة أوراق في يده يناقشها والواقف أمامه فوقفت خلفه
مباشرة وقالت بضيق
" عذرا "
التفت لها حينها برأسه قبل أن يدور بجسده كاملا ونظر لها تلك
النظرة التي باتت تبغضها في جميع الرجال فقالت ببرود
" أنا غسق شراع وأريد معرفة ما يجري هنا الآن ؟ "
حمحم من فوره وقال
" سعدت بلقائك سيدتي وكما تري أمامك نحن نجري مسحا لبعض
الأراضي في المدينة لنعطي تقارير عنها وينتهي دورنا هناك
لتستلم الأمر الشركات المعمارية "
قالت بحدة
" أي تخاريف هذه التي تتفوه بها ؟ من سمح بهذا وقرره ؟ "
نظر للذين توقفوا عن العمل يحدقون بهما قبل أن ينظر لها
مجددا وقال ببرود
" القرار قادم من وزارة التخطيط وهو قرار رئاسي كما فهمت
فلا دخل لنا نحن بكل هذا "
تركته حينها وعادت جهة باب الجمعية مجددا تكاد تشتعل غضبا ،
الأمر رئاسي إذا ؟ هل هذا ردك يا ابن شاهين على رفض
أموالك ومستثمريك ؟ صعدت لطابق الإدارة مجددا ودخلت
مكتبها ضاربة بابه خلفها وتوجهت لخط الهاتف الثابت
واتصلت فورا بمن لديه الأجوبة عن كل هذا وبعيدا عن سماع
صوت ذاك الرجل ، ما علمته أن له مكتبا في القصر الرئاسي
رغم أنه لا يسكن فيه واختار العيش في منزل عائلته فاتصلت
بمكتب سكرتيره الخاص وحيث سيكون المكان الأول الذي صدرت
منه تلك الأوامر بالتأكيد وقبل حتى أن يصل وزارة التخطيط ،
أجاب بعد برهة قائلا
" هنا مكتب القيادة العامة من المتحدث ؟ "
قالت من فورها وبضيق
" غسق شراع وأريد أن أفهم فورا سبب ما يجري هنا ولما يتم
مسح أراض أنا مالكتها وبدون علمي أيضا ؟ "
لم يأخذ وقتا أبدا وقد أتاها جوابه سريعا قائلا
" قد لا يحق لي التحدث تفصيلا في أمر كهذا لكن ما أعلمه
أن بنود اتفاقية العمران تشرع هذا لشخص واحد فقط وإن أردت
تفاصيل أكثر يمكنني أن أنقل الإتصال للسيد مطر "
قالت من بين أسنانها
" لا بالطبع "
وضربت سماعة الهاتف بعنف شاتمة
" سحقا له ... لا بل لي فأنا التي لم أطلع سابقا على تلك الشروط
الحمقاء "
خرجت بعدها من مكتبها ووقفت عند مكتب سكرتيرتها المحدقة
بها وقالت بضيق
" هل بلغتم عمن سينوب عن الجمعية في اجتماع الوزارة ؟ "
حركت تلك رأسها فورا بالنفي وقالت
" كنت سأفعل ذلك الآن "
قالت وبذات ضيقها
" لا تبلغي أحدا ولن يحظر أي ممثل لنا أي اجتماع لهم "
نظرت لها بصدمة وقالت
" وكيف نرفض سيدتي ؟ أمر إرسال منذوبين عنك وحده قد
يزعجهم بالتأكيد فكيف بالرفض التام "
قالت مغادرة من عندها
" نفذي ما قلت يا راوية وليفعل ذاك الرجل ما يحلوا له "
*
*
*
طرقت على باب الغرفة طرقتين متتاليتين ثم فتحته ودخلت
ومدت شفتيها بعبوس ما أن وقع نظرها على الجالسة مكانها
فوق السرير تحضن ساقيها بيديها التي التف حول إحداها شاش
طبي تنظر جهة الناقذة في صمت وحزن ، اقتربت منها وجلست
أمامها قائلة
" ماريه هل أفهم فيما سيجدي سجنك لنفسك هنا والحزن ؟ "
وعضت طرف شفتها حين مسحت الجالسة أمامها بطرف كم
بيجامتها دمعة تسللت من رموشها ونظرها لازال على تلك
النافذة فهي نسيت بأنها ضيفتهم التي لم يمضي على وجودها
هنا إلا ساعات مهما طالت وليست تعلم حتى الآن عن طباعها
فيبدوا أنها حساسة وهي جرحتها بكلماتها ، لكن ما تفعله بنفسها
الآن لن يجدي في شيء والرجال لا يجدي معهم سوى الشد
والضرب ، قالت دون اكتراث هذه المرة
" رجال الهازان جميعهم قساة قلوب وقحين وسيئي طباع اسأليني
أنا عنهم ، ثم لا أكذبك حديثا فالمدعوا زوجك ذاك لم يعترف يوما
لا بوالدي ولا عمه ولا عمته ولا حتى والده عائلة له ويلوم
الجميع على وفاة والدته ، كانت مرات قليلة جدا تلك التي رأيته
فيها واجزم لك بأنه أكثر رجل رأيته في حياتي برودا وقسوة
وتعجرفا ولا مبالاة وكأنه لا رجل غيره على وجه الأرض "
وتابعت بضيق
" ذاك الوسيم المغرور اقسم أنه لم يبتسم يوما ولا دون قصد "
وما أن أنهت آخر كلمة قالتها عضت لسانها وكأنها تجبره على
الصمت فيبدوا أنها تمادت بالفعل هذه المرة فقد عادت الجالسة
أمامها لمسح دموعها مجددا وفي صمت فتنفست بعجز وقالت
" إن كنت تريدين رقم هاتفه أجلبه لك الآن من وقاص فهو
الهازاني الوحيد الذي سأرضى التحدث معه ، وهو وشقيقه
الدبور ذاك وحدهما من لا ينفر منهما المدعوا تيم "
خرجت حينها من صمتها وهمست ببحة وقد نقلت نظرها من
النافذة لركبتيها
" لا أريد رقم هاتفه ولا أي شيء عنه "
صفقت الجالسة أمامها قائلة بحماس
" رائع ظننت أنك حزينة من أجله وليس من أجل نفسك "
ثم قفزت خارج السرير وسحبتها من يدها قائلة
" تحركي هيا سأحضر لك ثيابا مني ونخرج نتنزه نزهة لن
تنسيها حياتك أبدا واتركي ذاك الأحمق وسنجعله يركض خلفك
بنفسه وقولي ساندرين قالت "
ومن دون أن تترك لها أي مجال لتعترض خرجت مسرعة
وتركتها واقفة مكانها فعليها فوق بيجامة النوم الخاصة بها
والتي تلبسها الآن أن تعيرها ثيابها الأخرى أيضا ، لو أنه
أخبرها بأنه سينبذها ويرميها على غيره لأحضرت ثيابها
معها بل لكانت بقيت مع عمها هناك فعلى الأقل ذاك منزلها
في كل الأحوال وتصرف على نفسها من مالها وقد اعتادت نبذ
أولئك البشر لها لكن هو فلا ، مسحت دموعها بقوة ترفض أن
تذرف المزيد منها فهي الحمقاء التي من سعادتها به لم تفكر
أن تلومه على ما تركها فيه كل هذه الأعوام ونهاية الأمر ها هو
يحرر نفسه أيضا من مسؤليتها ، تحركت من هناك لتوقف تفكيرها
عند ذاك الحد فكما قالت تلك الفتاة لا يستحق الأمر سوى أن تحزن
فيه على نفسها بل وحتى هذا عليه أن يتوقف فورا
*
*
*
ما أن سمعت صوت بوابة المنزل تفتح حتى ابتعدت عن النافذة
المفتوحة التي لم تفارقها منذ وقت ولبست حذائها وخرجت من
الغرفة راكضة فبالتأكيد سيكون هو فعمها صقر مسافر ولا أحد
غيره سيدخل هنا فهي تنتظره منذ الظهيرة وهو وقت عودته وقد
تأخر اليوم عن موعده أكثر من ساعتين وتركها تحترق نارا في
انتظاره ، ما أن وصلت باب المنزل حتى التقت بالذي كان داخلا
منه فارتمت في حضنه فورا مطوقة خصره بذراعيها تدفن
وجهها في صدره باكية فمنذ أخبرتها عمتها جوزاء فجرا وهي
تشعر بأنها تكاد تطير له حيث يكون من شدة سعادتها .
مسح على شعرها وقال بجدية
" تيما لاحظي أنك منذ أصبحت هنا وأنتي لا تتوقفين عن البكاء ،
كوني كوالدتك لا يبكيها إلا ما يبكي الرجال "
حركت رأسها برفض ولازالت تدفن وجهها في صدره ، تعلم أنه
يكره أن تبكي هكذا فحتى حين كانت صغيرة كان يوبخها إن بكت
لأي سبب كان حتى غرس فيها شدة تحمل غريبة فلم تكن كباقي
الأطفال تستخدم دموعها كسلاح لتنال ما تريده ولا يبكيها إلا
سقوطها من أرجوحتها ، وعلى ذاك عاشت وكبرت وتربت لكن
الآن لا يمكنها امساك تلك الدموع فلا شيء يمكنها التعبير به عن
سعادتها تلك غيرها ، أبعدت وجهها ونظرت له وقالت مبتسمة
من بين بكائها
" أنت لن تطلقها أبدا أليس كذلك ؟ ولن تغضب منها إن رفضتك ؟ "
تنفس بعمق وقال ناظرا لعينيها
" لم أطلقها سابقا لأفعلها الآن يا تيما "
ابتعدت عنه تمسح دموعها قائلة مبتسمة بسعادة فذاك فقط ما كانت
تريد التأكد منه ، وصلها صوته بعد لحظات
" إن كنت تريدين الذهاب لرؤيتها سيأخذك خالك رعد هناك "
نظرت له بصمت لبرهة وكأنها تترجم ما قال فلم تتوقع أن ينادي
ذاك الرجل الذي لم تراه يوما بخالها ولا أن يسمح لها بالذهاب معه !
قالت بسعادة
" حقا يمكنني زيارتها الآن ؟ "
قال من فوره
" رعد سيغادر لتوز عصرا وسيمر بالعمران في طريقه ويمكنه
أخذك معه ، ومتى أردت الذهاب لها فأخبريني يا تيما اتفقنا ؟ "
أومأت برأسها موافقة وقالت مبتسمة بحماس
" سأذهب لأجهز نفسي "
قال قبل أن تغادر
" تيما لا أريد أن تتحدثي معها بخصوص ما علمته من عمتك اليوم "
نظرت له وكانت ستتحدث والحزن قد عاد ليخيم على ملامحها
الجميلة مجددا فقاطعها قائلا بجدية
" أنتي خارج كل هذا يا تيما فلا تجعلي والدتك تغضب منك لأنها
قد تعتبره انحيازا منك وأنتي لم تعرفي بعد عنادها ولا رفضها
لواقعها الجديد "
أومأت برأسها باستسلام وهمست بحزن تنظر للأرض
" علمت عن ذلك ما يكفي "
ثم غادرت من عنده ونظراته تراقبها حتى اختفى وتحرك بعدها
جهة ممر مكتبه هناك ودخله مغلقا بابه خلفه وأخرج هاتفه
واتصل بعمه صقر والذي أجاب سريعا قائلا
" مرحبا يا مطر "
تحرك جهة النافذة وقف أمامها وقال
" مرحبا عمي ماذا حدث معكما ؟ "
وصله صوته مباشرة
" الأمور تسير كما خططت لها ، بقي أمامنا يومان فقط ونكون
لديكم ، كيف هي تيما ؟ "
قال من فوره
" بخير .... قاسم ما رأيه بشأن مكان إقامته "
قال صقر
" وافق أن يقيم في منزلنا في الوقت الحالي وكما تعلم عائلته لن
يوافقوا وجوده بعيدا عنهم الآن على الأقل لكنه قال بأنه سيرتب
أموره سريعا وأنت مؤكد تعرفه أكثر مني فأنا أراه رجل يمكنه
الاهتمام بنفسه جيدا ويمكن الإعتماد عليه "
همس ونظره على الأشجار التي بدأت تستعيد خضرتها تدريجيا
" أعرفه جيدا .... جيدا يا عمي وأعلم أي الرجال يكون "
قال صقر قبل أن ينهي الاتصال معه
" لست أعلم عما دار بينك وبين غسق لكن ورغم ذلك لن
أوصيك عليها يا مطر فيكفيها نكبات "
ظهرت ابتسامة طفيفة عند طرف شفتيه وقد تذكر فورا كلام رعد
عنها وما فعلته اليوم فقال
" لا تقلق بشأنها فهي كما عرفتها في الماضي وأشد ولن
أحتاج أن يوصيني أحد عليها "
وأنهى الاتصال بعدها مودعا له ثم دس الهاتف في جيبه مسندا
كف يده الأخرى على زجاج النافذة أمامه ووقع نظر على خاتم
الزواج الفضي في إصبعه ومر فورا طيفها أمامه .. صورة تلك
الملامح الفاتنة والعينان الدامعة .. الخدان المتوردان والشعر
الأسود الحريري فعادت لذاكرته سريعا ذكرى ما حدث بالأمس
هنا وفي تلك الغرفة تحديدا حين دخلها مجددا وبعد وقت أقل
مما كانت تتوقع بكثير ليجدها جالسة فوق السرير تفرغ غضبها
وألمها بتمزيق ذاك القماش بعنف وكأنها تمزق ذكرياتها التي
أصبح بقائها أوجع من التخلص منها مثلما باتت تؤمن بأن
التخلص منها مستحيل ، مشهد كان كفيلا بإخراج ذاك الصامت
من صمته المميت وتحطيم كل ذاك الجبل الجليدي الذي كان
يتحصن خلفه ببراعة من عاش واعتاد أن يتحكم في مشاعره
وليس هي من تتحكم به فرؤيته لتمزيقها للشيء الذي ما استطاع
هو إبعاده من مكانه ليلتين كاملتين كان كفيلا بنسف كل ذاك التعقل
والجمود فشد قبضتيه بقوة وقال بضيق
" كنت رميته بنفسك كفستان زواجنا بدلا من تركه لحبيبة
وتمزيقه الآن "
رمت ما في يدها ونظرت له وقالت كاذبة
" ذاك أحرقته وبالفعل كان عليا فعل ذلك مع هذا أيضا لما وجدت
الآن ما تعتقد بأنك ستذل غسق برؤيته "
أبعد نظره عنها وتنفس بقوة نفسا لو كان اعصارا لدمر كل شيء
ووصله صوتها قائلة بأمر
" أخرجني من هنا الآن لا أريد البقاء معك ولا في غرفتك
ولا حتى منزلك "
نظر لها وصرخ بعنف
" لن تخرجي حتى نتفاهم يا غسق قلتها ولن أكررها مئة مرة "
وقفت على ركبتيها فوق السرير ورمت سبابتها صارخة مثله
" لا حديث ولا تفاهم بيننا وأنا سبق وقلت هذا فبأي حق تمنعني
من الخروج "
ضرب الباب بقوة مغلقا له وقال بغضب
" بحق أنك زوجتي وأن القرار لي وحدي تفهمين هذا ؟ "
" كاذب "
صرخت فيه بأعلى صوتها بل بكل عصب في جسدها وهي تكرر
صارخة
" كاذب ... كاذب ... كاذب "
وكأنها تعتصر جراحها بيديها كي لا تنزف أكثر وهي تنكر أمرا
تعلم بأنه لن يتفوه به عبثا وأن هذا الرجل تملكي حد النخاع
ولن تستغرب أن يتلاعب بأي شيء كي لا يخسر ما يملك ليس
لشيء سوى لإرضاء غروره البشع .
صرخ مثلها
" بلى زوجتي ومنذ خمسة عشر عاما بل منذ أربع وعشرون عاما
يا غسق أتفهمي ؟ "
انهارت جالسة على السرير مجددا وضربت بقبضتها على فخذها
صارخة بصوت محتج تنظر لعينيه بغضب
" لست أفهم ولن أفهم أي شيء ولست زوجتك وأنت طلقتني
وفعلت ما أنكرت يوما فعله والقانون يشهد"
توجه جهة أدراج طاولة التزيين قائلا بحزم
" بل لم يدم عمر تلك الورقة التافهة أكثر من ساعات خروجي من
البلاد ولولا يقيني من أنها ستلغى سريعا ما وقعتها "
فتح الدرج وأخرج أوراقا رفعها أمامها وتابع
" هذه كانت ستسقط ملكيتها عنك بموتي أو طلاقي لك فهل أنتي
على استعداد لخسارة مملكتك يا درع المرأة "
لوحت بيدها قائلة بغضب
" لا يحق لك التحدث عن العمران ... العمران مملكتي أنا ..
أنا من بناها إن كانت الأرض ملكي أم لا ولا شيء لك فيها "
فتح الدرج مجددا وأخرج أوراقا أخرى ورماها جميعها في
حجرها وقال
" أتقصدين هذا ؟ "
نظرت للأوراق باستغراب ورفعت واحدة منها بيد مرتجفة
وما أن اطلعت عليها حتى شعرت بأن الجدران تطبق على قلبها
وهي ترى حقائق لو علمت أنها موجودة ما رضيت يوما
بتوقيعها بنفسها ... كل تلك الأسماء وهمية !
الشركات .. المستثمرين .. المتبرعين وأهم عملائهم جميعهم
صورة خلفها رجل واحد وهو مطر شاهين .
صرخت باستنكار تنعته بالكذب مجددا وقد بدأت بتمزيقها ورميها
على الأرض فتوجه نحوها وجلس أمامها واستلهم منها ورماهم
بعيدا ثم أمسك ذراعيها قائلا
" تمزيق كل هذا لن يلغي حقيقته يا غسق وأنا فعلته من أجل
القضية التي تدافعين عنها لأنها تستحق وتخدم الوطن "
لكمته بقبضتيها في صدره صارخة
" الوطن ... الوطن أقف لك إجلالا بالفعل يا ابن الوطن الوحيد "
أنزل نظراته لقبضتيها وكأن كلماتها خنجر انغرس في قلبه
فلم ينتظر يوما عرفانا بالجميل من أحد ولا أن يثني أي فرد من
شعب بلاده على ما قدم لهم فما فعله فعله من أجل الوطن وحده
لكن هذه المرأة لا ... هي وحدها من أراد أن تفهم كل ذلك وأن تراه
كما يراه هو فوحدها من دفعت ثمن ما قدمه دون تردد ولا مقابل ،
وحدها من قتلها ليعيش الغير ومن جرحها ليشفي جراح الجميع .
أمسك قبضتيها بيديه بقوة ونظر لعينيها وقال
" أنا لم أفعل ذلك إلا من أجلك يا غسق وأنا لم أتراجع عن كلمتي
حين قلت بأني لن أطلقك "
استلت يديها منه وقالت بجمود رغم الألم في عينيها
" طلقني الآن إذا "
أبعد نظره عنها وتنفس بعمق قبل أن ينظر لها مجددا وقال
" وتخسري العمران ؟ "
لكمته في صدره بيدها بقوة وقالت بعناد والدموع تتجمع في عينيها
وكأنها تقرر مصير موتها
" وأخسر كل شيء "
صرخ فيها بعنف
" حتى والدك الحقيقي يا غسق ؟ "
ألقى عليها تلك الجملة الغاضبة وكأنها لا تعني شيئا متجاهلا
تحديقها المصدوم به وهو يغادر السرير واقفا ، كان يتوقع
رفضها له وغضبها منه لكنه لم يتوقع أن يكون الشعور به عنيفا
هكذا ولم يتخيل أن يشهر هذه الورقة مبكرا لأنه لم يتوقع أن
تتنازل عن المملكة التي بنتها وحاربت من أجلها بسهولة هكذا !
ولأن ابنتهما لن يدخلها في الحرب بينهما مهما حدث فلا حل
أمامه غير ما سيقوله الآن ، نظر لعينيها السوداء المصدومة
والمحدقة به ... التي ما فارقته صورتها في غربته يوما وبدأ
يسرد بهدوء وروية أمام صمتها التام وانتباهها له كل ما حدث
مع والدها الحقيقي منذ خرج من الحالك ... قتله للرجلين ،
هروبه ، خبر موته والثأر الذي هو مطالب به وهي وابنتها
من قبله والشروط التي وضعها كي يرجع للبلاد وإن بهوية
مزورة ومتنكرا ولكي يحمي ابنته قبل كل شيء طالبا فقط أن
يراها وإن ليوم واحد في حياته .
همست ما أن أنهى كلامه ودموعها عادت للتكدس في عينيها
" كاذب ! لا يمكن لكل هذا أن يكون حقيقيا "
قال بجدية
" بلى حقيقي ، وافقي على شروطه وستريه أمامك خلال أيام "
بدأت بأخذ قطع ذاك الفستان ورميه بها دون تركيز صارخة
ببكاء وبذات الكلمة
" كاذب ... كاذب "
وهو واقف مكانه مشيحا بوجهه ونظره جانبا يشد قبضتيه بقوة
مانعا نفسه من الاقتراب منها لأنه يعلم بأنها سترفضه وبقسوة
أيضا رغم أن صوت بكائها فاق كل طاقة له على الصبر أكثر وقد
انحنت للأسفل ودفنت وجهها في كفيها تبكي بمرارة وليس يعلم
أتبكي الحي الذي مات وتركها أم تبكي الميت الذي ظهر أنه على
قيد الحياة وقد حرمت منه سنينا طوال أم تبكيهما معا ؟
توجه جهة النافذة ووقف هناك يستند بجبينه على قبضته
المشدودة التي تفصله عن زجاجها الذي يوازيها برودة معاكسة
تماما قلبه المشتعل بسبب ذاك البكاء المكتوم خلفه وهو أكثر
من يعلم أن هذه المرأة لا تسمح لدموعها بالنزول إلا لأمر
عظيم فكيف بصوت بكائها الذي لم يسمعه سابقا سوى مرة
واحدة حين أخبرها بموت شقيقها ، وحتى ذاك الوقت لم يخفف
حضنه عنها وقد اتهمته بأنه سبب إبعادها عنهم فكيف بالآن ؟
تحرك من هناك ما أن خف صوت بكائها وتوجه نحوها جلس
أمامها مجددا وأمسك كتفيها ورفعها لتجلس مجددا قائلا
" يفترض بهذا أن يسعدك يا غسق لا أن يبكيك "
مسحت عيناها بكمها بقوة وقالت
" أين هو ؟ أريد أن أراه "
قال من فوره
" يرفض ذلك قبل أن توافقي على شروطه يا غسق "
صرخت ملوحة بقبضتها
" لن أرجع لك لن أعترف بك زوجا فطلقني وسأحقق شرطه "
هزها بقوة قائلا بغضب مماثل
" وأنا لن أطلقك ولن يتزوجك أحد فليعلم بذلك الجميع وأولهم ذاك
المدعو يعقوب فأنتي لمطر فقط يا غسق مفهوم "
كانت ستتحدث وغضبها لايزداد إلا اشتعالا فصرخ مسكتا لها
" ولا كلمة أخرى واستمعي لما سأقول الآن وأولهم بأن ابنتك
أول من ستتأذى مشاعرها بجنونك هذا وهي تدخل منزل رجل
أيا كان لترى والدتها "
أبعدت يديه قائلة بحدة
" ابنتك لا تريد رؤية والدتها في جميع الأحوال "
صرخ فيها مجددا
" حمقاء ... قلت اصمتي فورا "
أخرج بعدها هاتفه وفتش فيه عن شيء معين ثم رماه في حجرها
قائلا بضيق
" انظري لهذا وأبعدي ابنتنا عما بيننا يا غسق فلا ذنب لتيما
في شيء "
رفعت الهاتف بعنف هامسة
" ذنبك وليس ذنبها وهو أنك ربيتها على طريقتك "
حرك رأسه متأففا بصمت من أفكارها وعنادها ولم يعلق وتركها
تشاهد أشرطة الفيديو المجموعة والذي انفصلت معها عن
العالم تماما تراقب بعينين دامعة تلك الطفلة فيها .. الطفلة ذات
العينين الزرقاء الواسعة الجميلة والشعر الأسود الحريري المقصوص
في مراحلها العمرية المختلفة فنزلت دموعها العصية مجددا .. نزلت
الواحدة تتبعها الأخرى .. وكيف لا تنزل وهي ترى من حرمت منها
لأعوام أمامها الآن ؟
ترى أجمل طفلة رأتها عيناها تجلس أمام شمعة عيد ميلادها في
كل مرحلة عمرية لها تصفق بيديها الصغيرتان وتغني أغنية عن
الأم ... في كل مرة طفلة أكبر وثوب آخر وشمعة مختلفة ... فقط
الأغنية نفسها والابتسامة نفسها للطفلة الجميلة ذاتها ، تغير العرض
بعدها لتظهر في حضن امرأة متوسطة العمر تبدوا مربيتها ، ومن
جديد ذات الطفلة وذات المرأة لكن العمر يختلف مع اختلاف ثياب
النوم الخاصة بها وفي كل مرة تطلب نفس الحكاية ... الحكاية التي
بطلتها طفلة أسمها تيما ووالدتها غسق وقد التقتا بعد غياب
وسافرتا معا فوق ظهر طائر صغير ، في كل مرة ذات الحكاية
وذات الشخصيات والأسماء حتى أنها كانت تغضب من تلك
المرأة وتنام على الأرض إن قررت أن تغيرها .
تغير المشهد مجددا حيث كانت تجلس أمام نافذة غرفتها وبدلا
من أن تحدث أشخاصا مجهولين كما يفعل باقي الأطفال في سنها
كانت تحدثها هي .. تناديها باسمها وتحكي لها عن كل ما رأته
وما لم تراه .
مسحت الدموع من عينيها مجددا رغم أن ذلك لم يكن يزدها إلا
انهمارا وكان حينها المشهد الأخير والوحيد الذي كانت فيه في
سن أكبر بل كما رأتها الآن وكأنه من وقت قريب جدا وكانت فيه
تحدث شخصا لم يكن ظاهرا لها وكانت تترجاه أن لا يخبر والدها
بما قالت لأنها لا تريد أن تجرحه إن فهم أنها تريد تركه وتفضل
والدتها عليه .
عند ذاك المشهد وتلك الكلمات انهار صمودها مجددا فرمت
الهاتف بطول يدها على الأرض متجاهلة أنها حولته لقطع بسبب
ذلك ودست وجهها في يديها وانهارت باكية لكن بكائها هذه المرة
كان مختلفا ، كان أكثر وجعا وأشد حرقة بل كان أنينا مؤلما أو
أنه هو من لم يعد قادرا على تحمل بكائها أكثر أو على دفن الشوق
لها في أضلعه أكثر فمد يديه وأمسك رأسها ورفع وجهها رغم
اعتراضها قائلا بضيق من نفسه قبلها
" يكفي يا غسق ... يكفيك بكاء "
رفعت يدها تمسح دموعها محاولة كتم شهقاتها المتعاقبة فمد
يده لحجابها وأخرج الدبوس الكريستالي منه في حركة واحدة
خفيفة فانفك من فوره ونزل عن رأسها بسبب قماشه الحريري
الذي نافسه ملمس ذاك الشعر الأسود وتحررت تلك الغرة
المقصوصة لتتدرج بعشوائية لا تزيد ذاك المشهد إلا جمالا قبل
أن ترفع يديها وقد استلت حجابها قائلة بضيق
" ما ذا فعلت ؟ أنا لا يضايقني ما بك أنت ! "
أخذه من يدها ورماه خلفه كي لا تعود للفه مجددا وأمسك وجهها
بيديه ونظر لعينها الدامعة المجهدة من كثرة البكاء ، كان سيتحدث ..
كان سيقول الكثير لكن الكلمات خانته ولأول مرة في حياته يعجز
أمام امرأة ...!
بل أمام الملامح التي علمه فقدانها لأعوام بأنه لا حياة له مع
غيرها كما لا حياة له إن تركها لغيره ، عجز عن قول أي شيء
يعلم أنه لن يجد صداه لديها ... لدى أنثاه الغاضبة منه حد الجنون ...
لا بل ليس التحدث معها ما كان يريده فقد قالا الكثير والكثير
وبلا فائدة تذكر لذلك عدل عن تلك الفكرة نهائيا وشدها لحضنه
يقبل تلك الخصلات الحريرية وكأنه يحادثها هي عما لن يستطيع
قوله ولا سجنه أكثر ولم يسمح لها بالابتعاد أو أن يحررها من
ذراعيه رغم محاولاتها المستميتة بل شدها لصدره أكثر وأعجز
حركتها تماما ودس وجهه في شعرها هامسا
" توقفي عن الجنون يا حمقاء واتركينا نتفاهم في باقي الأمر بروية "
لكنها لم ترضى الاستسلام له ولا للحضن الذي عنى لها الحياة
يوما ولا للأضلع التي ترتجف خلايا جسدها جميعها شوقا لها لأن
هذا الحضن جرحها .. تركها وخدعها وخانها أيضا فلم تستسلم
حتى تحررت منه في داخلها قبل خارجها وابتعدت عنه قائلة بجمود
" حتى إن وافقت يوما شرط والدي فتأكد بأني لن أرجع هنا ولا
لك أبدا "
ثم غادرت السرير ورفعت حجابها من الأرض وتحركت جهة
الباب وخرجت دون أن تضيف شيئنا آخر .
قبض على أصابع يده ونظره عليها ولازالت تستند على زجاج
النافذة ثم أبعدها مقربا لها لوجهه وقبل ذاك الخاتم قبلة طويلة
صامتة تلتها ابتسامة صغيرة غامضة ارتسمت على شفتيه وهو
يتذكر مكالمة سكرتير مكتبه وتمنعها عن حضور الاجتماع ،
أبعد يده ونظره على ذاك الخاتم هامسا بابتسامة جانبية
" هكذا إذا يا ابنة دجى الحالك ؟ "
*
*
*
حديقة ريجنتس بارك .. متحف الشمع .. متحف شارلك هولمز
فحديقة الحيوان ... نصف يوم استغرقتاه في زيارة كل تلك الأماكن
ولم تتعب مرافقتها ومرشدتها السياحية تلك أبدا من السير والحديث
عن كل ما مرتا به فهي ولدت هنا وعاشت وتربت وتعرف كل شبر
في تلك المدينة كإسمها .
بداية نزهتهما كانت تسير معها شبه مجبرة لكنها سرعان ما
استطاعت دمجها مع كل ما يحيط بهما وسرعان ما تبدل مزاجها
للاستمتاع والحماس وهي ترى كل ذاك العالم المختلف الذي لم
تعرفه إلا في التلفاز درجة أنها نسيت كل حزنها وكدرها ذاك
خاصة بصحبة هذه الفتاة التي تعرف كيف تجعل من الأمر العادي
رائعا ومسليا وتنشر السعادة من حولها وضحكاتها الرقيقة تنتشر
في كل مكان حتى أنها تمازح الحيوانات وتتحدث معها وكأنها
تفهمها فلم تندم نهاية نزهتهم تلك أبدا على أنها أطاعتها وخرجت
بصحبتها .
فتحت ساندرين باب المنزل وقالت ضاحكة وهي تدخل
" هذه أول مرة أخرج فيها للتنزه ولا أرجع للمنزل محملة بأكياس
المشتريات ، في المرة القادمة س.... "
توقفت عن الحديث فجأة وماتت ابتسامة التي دخلت خلفها وهما
تنظران لعلب الهدايا وأكياس المشتريات الكثيرة التي تتوسط بهو
المنزل فتبادلتا النظرات المستغربة وخرجت حينها والدتها من
جهة المطبخ تمسح يديها بالمنشفة قائلة
" تأخرتما ! هل أضع لكما طعام العشاء ؟ "
قالت ساندرين مشيرة بإصبعها
" لمن جبل الهدايا هذا ! "
نظرت الواقفة هناك ناحيتهم وقالت
" آه تلك من أجل ماريه "
نظرتا لها كليهما بصدمة وقالت ابنتها ملوحة بكفيها
" جميعها ... جميعها ؟ ألا شيء أبدا من أجل ساندي ؟ "
غادرت تلك عائدة للمطبخ قائلة
" ليس نحن من اشتراها بل زوجها من أرسلها لها فبأي صفة
سيرسل لك أيضا ؟ "
شدت مارية قبضتاها لا شعوريا بينما تمتمت الواقفة بجانبها بعبوس
" يرسل لي هدية ... !! فليعترف بي أولا "
عادت والدة ساندرين جهتهما سريعا تحمل في يدها ظرفا ورقيا
مدته لمارية قائلة بابتسامة
" وأرسل لك هذا أيضا ، لم يقم أحد بفتحه لأنه يخصك وحدك "
نظرت له في يدها لبرهة ثم مدت يدها وأخذته منها هامسة لها
بالشكر فعادت جهة المطبخ مجددا وابنتها تتبعها تتحدثان عن
أمر لم تفهم ما يكون فنظرها وتركيزها كانا على الظرف البني
الكبير بين يديها قبل أن تنقله لتلك الأغراض المكومة مجددا ...
أرسلها !! إذا هو لم يحضرها بنفسه وكلف غيره بهذا أيضا ؟
توجهت جهة غرفتها ورمت ما في يدها على السرير وتوجهت
للحمام نزعت ثيابها ودخلت تحت مياهه الدافئة ، لا تريد التفكير
في أي شيء ... أي شيء من كل ذلك فعليها أن تتأقلم فقط مع
وضعها الجديد فيبدوا أنها ستبقى للأبد هكذا بلا عائلة بلا استقرار
ولا مستقبل بل وعالة على من تعيش معهم ، خرجت من تحت
المياه بعد وقت ولفت جسدها بمنشفة الحمام الخاصة وربطت
حزامها حول خصرها وخرجت للغرفة فوجدت تلك الأغراض
جميعها هناك بل ومرتبة أيضا وعلمت عن ذلك من الأحذية
والحقائب اليدوية الأنيقة والفاخرة المرتبة في أماكنها المخصصة ،
فتحت الخزانة ووجدتها أيضا مليئة بالثياب فأخرجت قميص
نوم قطني دون أن تفتش بينها ولا من باب الفضول ولبسته سريعا
ثم أغلقتها وتوجهت للسرير جلست عند حافته ورفعت ذاك الظرف
الموضوع مكانه فتحته وأدخلت يدها فيه وأخرجت أولا بطاقة
صغيرة نظرت لها فكانت بطاقة مصرفية وباسمها أيضا فيبدوا أنها
أصبحت المتصرف الوحيد في جميع أموالها التي يبدوا أيضا أنه تم
نقلها إلى هنا ! وضعتها جانبا وأخرجت جواز سفر نظرت له تقلبه
باستغراب فهذا ليس جواز سفرها ذاك ! فتحته فكانت الصورة لها
بالفعل لكن الأسم .... ( ماري ديفسينت ) فتاة إيطالية فرنسية الأم !!
لا هذه ليست هي ! قبضت أصابع يدها على الجواز بقوة وامتلأت
عيناها بالدموع وهمست بضيق
" لأجل هذا إذا قال بأني أيضا ماريه فقط ؟ "
رمته بعيدا عنها بغضب ، كان عليها أن تتوقع هذا فهم يحمون
أنفسهم جيدا هنا فحتى ساندرين أخبرتها بأنها ووالدها يستخدمون
اسم عائلة والدتها الإيطالية ، أخرجت ما في الظرف أيضا فكانت
أوراق انتسابها في جامعة ( لندن سكول للإقتصاد والعلوم السياسية )
رمت تلك الأوراق أيضا متمتمة بحنق " ولما المدعوة ماري لم
تنهي دراستها لأكملها أنا عنها ؟ "
تذكرت شيئا فمدت يدها لجواز السفر ورفعته مجددا ونظرت لإسم
الأم بتركيز وتذكرت أنه اسم عائلة والدة ساندرين من والدتها
الذي ذكرته لها فجدتها فرنسية فهل سرقوا لها اسم ابنة خالتها ؟
هل كل هذا ليكون بقائها هنا مشروعا أمام الجميع وليس لأنه يريد
أن تكون قربه بهوية مختلفة ؟ رمته من يدها مجددا هامسة بحنق
" حمقاء ألازلت تعتقدين أنه قد يريدك في حياته "
تركت كل تلك الأغراض مرمية أرضا واندست تحت أغطية السرير
حيث يمكن لدموعها أن تتغلب عليها وتنزل بصمت كما اعتادت كل
حياتها
*
*
*
نزلت السلالم ووصلت عندها وحركت رأسها بعجز وتنهدت قائلة
" لم تفتح الباب وكل ماقالته وككل مرة أن نتركها لوحدها وأنها
ستنزل فيما بعد "
تنهدت بضيق وقالت
" هل تسمحي لي أن أصعد لها خالتي ؟ "
قالت من فورها
" بالتأكيد بنيتي هل يحتاج هذا لسؤال ! "
تحركت حينها من فورها وصعدت السلالم وتوجهت لباب
غرفتها وطرقته قائلة
" جليلة افتحي الباب فلن أغادر من هنا حتى تفتحي لي "
لم تسمع منها أي رد فطرقت الباب بقوة أكبر قائلة بضيق
" جليلة افتحي الباب أو جلبت من يكسره على رأسك "
انفتح الباب حينها فدفعته بقوة ودخلت وتوجهت جهة التي
توليها ظهرها وأمسكت كتفها وأدارتها جهتها بقوة ثناثر معها
شعرها البني الغامق الطويل وقالت والضيق يزداد في ملامحها
حدة ناظرة للعينين البنيتان المحمرتان من البكاء
" في ماذا سينفع سجنك لنفسك والبكاء ؟
رماح يحتاجك ويحتاجنا جميعا حوله أقوياء ليتخطى أزمته "
أبعدت يدها عنها وقالت بضيق مماثل عادت معه دموعها
للتقاطر كحبات المطر الرقيق
" رماح لا يحتاجني بل ولا أحد في الوجود ، شقيقك لم يحتج
لي يوما يا غسق وأنا لست أرثي حاله وحالي بل نفسي وحماقتي
"نظرت لها باستغراب ولم تفهم شيئا مما تتحدث عنه فصرخت
قائلة ببكاء
" الجميع يقولون بأنه أضاع العمر مني وأنه الآن حكم عليا بالفناء
مع رجل مقعد لكنه هو من أضاع عمره .. هو من خسر وحده ليتني
أموت يا غسق ليتني مت ولم أعرف شقيقك يوما "
أمسكتها من كتفيها وهزتها بقوة قائلة
" ما الذي بينكما يا جليلة ؟ شككت دائما بأنه ثمة خطب ما في
زواجكما فما الذي تخفينه عني ؟ "
ابتعدت عنها وأولتها ظهرها مجددا ودفنت وجهها في كفيها
ودخلت في نوبة بكاء طويلة فتوجهت نحوها ووقفت أمامها
وأمسكت ذراعيها قائلة
" خالتي قلقة عليك فكري فيها على الأقل ، أعرفك دائما قوية
يا جليلة ما الذي حدث غير خبر حالة رماح جعلك هكذا ؟ "
ابتعدت عنها مجددا قائلة بضيق
" لا شيء .. قلت لا شيء ، اتركوني وحدي .. أريد البقاء
لوحدي فقط لما لا تفهمون هذا ؟ "
نظرت لها بضيق لوقت واقفة مكانها وهي على حالها ذاته
توليها ظهرها وتبكي دون توقف ، لو تفهم ما الذي بينهما
وما الذي حدث ؟
والدتها قالت بأن حالتها هذه كانت بعد أن وصلهم خبر رماح
بيوم تقريبا فما السبب وراءها ! كانت ستتحدث لولا أن الواقفة
على بعد خطوات منها ترنحت في وقفتها قليلا ثم بدأت بالتمسك
بكل ما حولها لتتوازن في وقوفها فركضت جهتها فورا وأمسكتها
قبل أن تقع منادية لخالتها بأعلى صوتها
*
*
*
وقفت عند باب المطبخ حيث الذي تعلم أنه سيكون هنا هذا
الوقت بالتأكيد وكالعادة تلك الغبية فآبي تعد له قهوته ولا تتوقف
عن الحديث وكأنها ابتلعت مذياعا فهي على استعداد لفعل أي شيء
كي لا تخسر هذا السكن المجاني المرفه ، ولو كان الأمر بيدها
لتزوجته هي ، تنهدت بحسرة متمنية ذلك لتخلصها منه لكن تلك
الحمقاء لم تستطع جذب ولا سائق تاكسي ليقع في غرامها فكيف
بمثل هذا الرجل الكتلة من الدهاء والبرود .
رفع نظره من جريدته فجأة ونظر لها فقالت بنبرة جافة
" سأخرج من أجل مقابلة الوظيفة "
لم تشعر بنفسها حشرة كذاك الوقت وهي تطلب إذنه لتخرج في
وضح النهار فحتى شقيقها سابقا لم تكن تستأذنه في كل شيء
هكذا ، كان ممنوعا عنها الخروج مساء ومرافقة الرجال ومغادرة
لندن دون سبب لكن لها الحرية فيما تريد فعله طوال فترة النهار
رغم أنها تعلم بأنه كان يكلف من يراقبها طوال وقت خروجها لكن
هذا الحصار المميت لم تعرفه يوما .
قال ببرود مماثل وقد عاد بنظره لجريدته
" لا تتأخري "
اشتعلت حينها أعصابها كالبركان وقالت بحدة تشد قبضتيها
بجانبي جسدها
" حتى متى لا أتأخر مثلا فالأمر ليس جلب كيس خضار من السوق "
رفع نظره لها مجددا ونظر لها تلك النظرة الباردة المستفزة التي
تكاد ترسلها لجنون وقال بسخرية
" وأي وظيفة مشرفة هذه التي تستلزم منك مقابلتها كل هذا الوقت
في تجهيز نفسك وفترة الصباح بطولها لتجريها ؟ "
صرت على أسنانها بغضب وقالت
" وظيفة ستجعلني أتخلص منك نهائيا ومن مالك وشقتك هذه "
طوى الجريدة ووضعها جانبا وقال بذات سخريته
" حقا !! وأي وظيفة هذه التي ستجدها واحدة بمؤهلاتك توفر
لك كل هذا ؟ "
قالت بحزم
" بلى توجد وتذكر كلامي هذا جيدا ولا تفكر في معارضة
الأمر لاحقا "
قال بذات ابتسامته المستفزة
" لك ذلك إن وجدتها "
نظرت له بصدمة وابتسامة واسعة فلم تستطع تصديق ما سمعته
الآن ! هل قال حقا بأنه لن يعارض ؟
هذا ما لم تكن تتخيله فمشكلتها الوحيدة التي كانت ستعيق
شروط تلك الوظيفة هو هذا الرجل وكانت تفكر في طريقة تقنع
بها صاحب الوظيفة ما أن تقابله ليتنازل على بعض البنود ولا
تضيع منها ، غادرت من فورها قائلة
" كن عند كلمتك إذا "
*
*
*
يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــع
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 70 others like this.
رد مع اقتباس
#3065
قديم 27-09-17, 10:00 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
تبثت حجابها جيدا وأدخلته تحت سترتها النسائية وخرجت
من الغرفة مسرعة تعدل تنورتها الجينز الطويلة وهي تسير
فقد أخبرتها الخادمة التي انتظرتها حتى انتهت من صلاة العصر
بأنه ينتظرها في الخارج فسيكون في انتظارها منذ وقت ،
خرجت من الباب وابتسمت للذي وقع نظرها عليه فورا يقف
بجانب سيارة جميلة فاخرة يسند يده على سقفها والأخرى
يدسها في جيب بنطلونه والذي ما أن رآها حتى رفع يده ناظرا
لها بصدمة وابتسامة واسعة فركضت جهته وحضنته بقوة
متناسية بأنه ليس خالها الحقيقي فهي لا تراه إلا كذلك وهم من
تربت معهم والدتها كأشقاء لها منذ كانت طفلة ، ضمها بذراعيه
قائلا بضحكة
" لو لم تركضي جهتي لظننت بأني أخطأت وأنك لست ابنة غسق
بل شقيقتها "
ابتعدت عنه ونظرت له متمتمة بعبوس
" لما لا يجاملني أحدكم ولو قليلا ؟ "
ضخك وأمسك أنفها وقال
" هل يكفيك أن تعلمي بأنك أجمل من الجميلة التي كنت أتوقعها "
فركت أنفها قائلة بابتسامة
" حسنا رضيت بهذه "
ضحك وفتح لها باب السيارة وقال
" هيا أيتها الآنسة الصغيرة فرحلتنا ستكون طويلة بعض الشيء "
ركبت من فورها قائلة
" كم ستستغرق منا وقتا ؟ "
قال وهو يغلق الباب
" سنصل عند مغيب الشمس تقريبا "
ثم دار حول السيارة وجلس في كرسيه وأغلق الباب وقال وهو
يدير المفتاح لتشغيلها
" إن كنت لم تأخذي قيلولتك فيمكنك النوم ولن تشعري حينها
بالطريق "
نظرت ناحيته وقالت بحماس
" بل أريد رؤية كل شيء نمر به في طريقنا فأنا لم أرى من
بلادي شيئا ومتحمسة لرؤيتها وأريد أن تحدثني عن كل شيء ولا
تضجر مني فلا حل غيره أمامك "
ضحك وقال وهو يتراجع بالسيارة للوراء
" أذا ستكون الرحلة ممتعة لكلينا "
دار بعدها بالسيارة نصف دورة وغادرا المنزل ، وكما أخبرها
تماما الرحلة كانت ممتعة بل فاقت المتعة بكثير وهي تتعرف
على مدن بلادها لأول مرة ... ترى الناس الشوارع المنازل
والمحلات التجارية والأسواق ... حتى الأشجار والأزهار شعرت
وكأنها لأول مرة تراها في حياتها وكأنها لم تعش لأعوام في تلك
البلاد ذات الطبيعة الخلابة ، وما زاد رحلتها تلك متعة هو الجالس
خلف المقود من لم يتعب من التحدث عن كل ما مرا به حتى أسماء
بعض المناطق التي تغيرت والأحداث التي شهدتها في الماضي
قبل مولدها ، ومر الوقت دون أن تشعر به وكأن السيارة لم تسر
بهما مسافة ثلاث ساعات كاملة .
نظرت في كل اتجاه من نوافذ السيارة وقالت بانبهار
" ما هذه المدينة ؟ يا الله ما أجملها ! "
ابتسم رعد قائلا
" منذ اجتزنا ذاك السور والسياج الحديدي أصبحنا داخل حدود
مدينة العمران وهذه تكون مملكة والدتك البيضاء "
فغرت فاها بصدمة تنظر للمباني البيضاء بجميع أشكالها وأحجامها
حيث كانت جميعها مطلية باللون الأبيض وحتى المدارس والمحلات
كل شيء أبيض ... كل شيء حتى أعمدة النور واللافتات وقد أعطى
البياض مع خضرة المكان تداخلا مبهرا في الألوان فجميع تلك
المباني كانت أبوابها ونوافذها مطلية باللون الأخضر كلون
الطبيعة حولها ! لم تتخيل يوما أن ترى شيئا بهذا الجمال ...
ألوان ملابس الناس والسيارات وحده الشيء الذي كان يحدث فرقا .
همست بصوت مصدوم تنظر للأبنية التي كانت وكأنها تخرج من
صخور الجبال
" يا الله ما أروع هذا ! إنها أجمل مدينة بين التي مررنا بها "
وقف بالسيارة عند إشارة المرور وقال مبتسما
" هذه المدينة كانت الأجمل من قبل أن توحد البلاد ومنذ أصبحت
مملكة والدتك وهي توليها عناية خاصة ، حتى الأوساخ
يستحيل أن تجديها في شوارعها "
وتابع والسيارة تتحرك مجددا عند الضوء الأخضر
" ولم تري بعد الشلالات الإصطناعية التي تفتح ابتداءا من منتصف
الربيع إنها أجمل ما في هذه المدينة والبلاد بأكملها ، حتى أن جمعيتها
قامت ببناء المطاعم المطلة من الجبل عليها وقد تم حفره وبنائها
فيه تري من خلالها مشهدا لن تنسيه أبدا "
ضمت يديها لصدرها قائلة
" رباه ... هي من فعل كل هذا وفكر فيه ؟! "
تنهد بأسى وقد تذكر حديثها عما اكتشفته من تمويل لابن
شاهين وقال
" بلى كانت الشلالات والمطاعم فكرتها فالمدينة كان بها جداول
ماء تصب في بحيرة الرقراق سابقا وهي استغلتها لصنع هذه
الظاهرة لستة أشهر في العام وبذلك كان بإمكانهم بناء كل ما
تريه حولك ، هذه المدينة تحوي عددا لا يمكنك تخيله من النساء
اللواتي يقتتن من عائدات هذه المدينة ويعملن فيها ، عدد كبير
من الأسر هنا هي لأرامل ومطلقات تكفلهم جمعية الغسق ، إنها
مملكة النساء كما يقال عنها بالفعل وكل واحدة ممن يعشن هنا
تحمل حكاية أتعس ممن تليها وكم سهرت والدتك لليال طويلة
وكانت تعمل طوال النهار لتصل لما هي عليه الآن "
تتبعت بنظرها إحدى السيارات قائلة
" لكني أرى رجالا أيضا هنا ؟ "
ضحك كثيرا ثم قال
" بالطبع ثمة الكثير من الرجال والعائلات فهذه إحدى أكبر
مدن البلاد ولن تكون حكرا للنساء فقط فبالرغم من مساوئنا لا
يمكن الإستغناء عنا "
ضحكت من فورها وقالت
" بالطبع لا مثلما لا يمكنكم صنع مدينة للرجال فقط "
ضحك ولم يعلق وأوقف السيارة حينها أمام مبنى ارتفع نظرها
له لا إراديا ففتح الباب وقال
" هيا وصلنا "
فتحت بابها أيضا ونزلت ووقفت خارجها تنظر للمبنى أمامها
بدهشة وقالت
" هذا هو منزل والدتي ؟ "
ضحك وطوق كتفيها بذراعها وسار بها جهته قائلا
" أجل ... بل الطابقين فقط أما كل تلك الواجهة الزجاجية المقسمة
في الأعلى بشكل قبة هي خلفية مكاتب جمعية الغسق حيث أن
واجهتها في الخلف تماما "
سارت معه ونظراتها لم تفارق ذاك المبنى تنظر له بانبهار أنساها
أن تنتبه لجمال تلك الحديقة الواسعة المنسقة والتي قد فاق جمالها
ما مرا به في كامل المدينة ، وصلا باب المنزل فوقفت قبل أن يصعدا
العتبات أمامهما ونظرت له وقالت
" هل تعلم والدتي بقدومنا ؟ "
حرك رأسه نفيا وقال مبتسما
" تركتها لها مفاجأة هي والكاسر ، عمتي فقط من يعلم لذلك لم
أدخل بالسيارة ونبهت على الحراس أن لا يخبروها "
وتابع ينظر حوله
" رغم أنه يبدوا بأنها ليست هنا فسيارتها في العادة تكون أمام
باب المنزل خاصة أن وقت المغرب اقترب وهي تغادر
جمعيتها عصرا "
نظرت مثله للمكان وقالت بتوجس
" أتظن أن خطبا ما حدث ؟ "
سار بها صاعدان العتبات الرخامية قائلا
" لا فهي قد تتأخر في بعض الأحيان وقد تكون لم تخرجها من
المرآب أساسا فهي تملك سيارة هناك أيضا وسندخل الآن ونعلم "
دفع باب المنزل الزجاجي ودخلاه قائلا
" سيكون علينا البحث في هذا المنزل الواسع عن ساكنيه الثلاثة
فقط فلن نجدهم أمامنا هنا "
وقبل أن تعلق ولا أن تنتبه لتفاصيل هذه التحفة الفنية المسماة
منزلا سرق نظرها الذي ظهر من إحدى الجهات في يده شيء
ما يأكله ويبدوا أنه حبوب مكسرات وقد رمى آخر حبة منهم في
فمه ووقف ينظر لهما باستغراب ليس فقط من وجدود عمه هنا
دون إعلامهم مسبقا كعادته وعودته وهو من غادرهم في الصباح
الباكر بل والواقفة بجواره والتي لم يراها يوما ! بينما استطاعت
هي أن تعرف هويته سريعا من تخمين سنه والشبه بينه وبين
الواقف بجانبها وإن كان شبها بسيطا ، أجل هذا هو ابن خالها
الوحيد وشقيقها الوحيد أيضا ، ركضت جهته دون تردد وحضنته
بقوة دون أي مقدمات فأبعدها عنه وقال " هيه يا فتاة ابتعدي عني
ولا تعطيني سببا للانحراف "
ضحكت وحضنته مجددا رغما عنه وقالت ضاحكة
" أنت الكاسر بالتأكيد ، كما تخيلتك تماما "
نظر حينها بصدمة للواقف هناك عند الباب والذي ابتسم له ليفهم
أن تخمينه صحيح فضحك بصرخة عالية ورفعها مطوقا خصرها
بذراعيه ودار بها حول نفسه وهي في ضحك مستمر ثم أنزلها
للأرض ونظر لها وقال بسعادة
" تيما شقيقتي الوحيدة أنتي ؟ "
أومأت برأسها مبتسمة فانحنى للأسفل تنظر له باستغراب حتى
صرخت ضاحكة حين أمسكها من قدميها بذراعه ورفعها عاليا
وأصبح يركض بها في المكان صارخا بضحكة
" شقيقتي يا بشر ... انظروا لديا شقيقة ... أنا الكاسر ابن الكاسر
ابن شراع لست وحيدا "
كان يدور بها ويكرر ذات العبارات وهي تثبت نفسها ممسكة بكتفيه
كي لا تقع وقد اختلط ضحكها بدموعها من عباراته تلك ورعد
يراقبهما مبتسما وقد اقترب حيث تقف عمته التي خرجت من
المكان الذي خرج منه الكاسر منذ قليل يراقبانها مبتسمان .
أنزلها عندهما ولازالا يضحكان بأنفاس متقطعة وقالت ضاحكة
" كدت تصيبني بالغثيان "
ضحك وحرك يديه في الهواء قائلا
" احمدي الله أن دراستي انتهت اليوم لكنت لففت بك هناك أيضا "
ضحكا معا واقتربت منها جويرية وحضنتها بقوة قائلة بعينان دامعة
" مرحبا بك يا تيما يا قرة عين والدتك ، حمدا لله أن جمعها بك
وأنا حية "
ضمتها بقوة وقالت بعبرة نزلت معها دموعها
" كم أنا سعيدة بأن لي عائلة مثلكم ، بل ومحظوظة أيضا "
ثم ابتعدت عنها وقالت تمسح دموعها
" أين والدتي أليست هنا ؟ "
قالت الواقفة أمامها
" لم ترجع منذ خرجت للجمعية ، اتصل بها الكاسر وقالت أنها
في منزل خالتها وستكون هنا قريبا "
ثم أشارت بيدها قائلة
" دعونا نجلس فمؤكد أنتما متعبان من الرحلة ولتأكلا شيئا فقد
أعددت طعاما خاصا لكما "
أمسك الكاسر وسطه بيديه وقال بضيق
" لأجل هذا إذا كنت تعدين كل ذاك الكعك ولم تسمحي لي بالأكل منه ؟
يبدوا أنه وحدي من لا يعلم بهذه الزيارة "
قال رعد مبتسما
" بل ووالدتك أيضا فقد تركتها لكما مفاجأة "
ضحك وقال
" كانت مفاجأة بالفعل فما أن رأيتها معك ضننت بادئ الأمر أنك
تزوجت ولا نعلم وما أن قفزت لحضني ضننت أني أنا من تزوج
ولست أعلم "
ضحكوا جميعا وقال رعد
" أنهي دراستك أولا لنفكر في تزويجك "
أمسك يد تيما وسحبها معه جهة إحدى صالونات الجلوس قائلا
" تعالي فهؤلاء لا يريدون تزويجنا كي لا يكبروا "
*
*
*
أغلقت باب سيارتها وتوجهت جهة باب المنزل ودخلته ، لم تستطع
مغادرة منزل خالتها وترك جليلة حتى اطمأنت عليها أولا بعد زيارة
الطبيب وبعد أن استفاقت فلا يمكنها ترك خالتها في تلك الحالة من
الهلع خاصة أنها كانت خائفة من قدوم زوجها الذي يخشون جميعا
من ارتفاع السكر لديه مجددا .
وقفت ما أن اجتازت الباب بخطوات تستمع باستغراب لأصوات
الأحاديث والضحك فهل لديهم ضيوف هنا لم يخبروها عنهم !
مستحيل ذلك لم يحدث سابقا أبدا فعمتها تبلغها دائما ثم هذا صوت
الكاسر معهم ! اقتربت من ذاك المكان وهي تسمع صوت رعد أيضا
وهذا مازاد الأمر غموضا وهو من غادر من هنا فجر اليوم !!
ما أن وصلت عندهم وظهر لها الجالسون هناك حتى وقفت
مكانها وابتسمت هامسة
" تيما !! "
قفزت تلك من فورها جهتها وارتمت في حضنها فطوقتها بذراعيها
بقوة وقد قالت
" أمي اشتقت لك "
ضمتها لها أكثر وقبلت رأسها قائلة بحنان
" وأنا أيضا صغيرتي ، ما هذه المفاجأة الرائعة ؟ "
نظرت لعينيها وقالت مبتسمة
" والدي سمح لي بالمجيء مع خالي رعد ونحن هنا منذ ساعتين
ننتظرك "
ثم نظرت بطرف عينيها حيث الجالسين قربهما وتابعت ببرود
" وابن شقيقك يضايقني بسخريته دون توقف "
قال الكاسر يستفزها وناصبا ساق على الأخرى
" أنا ابنها ولست ابن شقيقها ثم أنا لم أقل شيئا كنت أستغرب
فقط لون عينيك وقلت قد تكونين لست شقيقتي وثمة خدعة ما "
قالت بضيق تكرر ذات تبريرها
" جدة أمي من خماصة ولون عيناها هكذا "
ضحكا رعد وعمته وضمتها غسق لحضنها لتتكئ على صدرها
مجددا وقالت مبتسمة
" أنا أصدق أنك ابنتي وهذا يكفي ، ثم هو الذي أحضره والدك
وقال أنه ابن الكاسر ولا أحد يجزم بحقيقة ذلك "
ضحكوا مجددا وتيما أيضا هذه المرة والتي كانت تنظر له بمكر
فقفز واقفا وأمسك وسطه بيديه وقال بضيق
" أمييي "
ضحكت غسق من فورها ومدت له يدها قائلة
" بل أنت ابني الذي ربيته بنفسي "
ركض حينها ناحيتها وأبعد تيما عنها بالقوة وضمها هو مقبلا
رأسها ينظر بانتصار للتي كانت تنظر لهما نظرة طفلة أخذوا
منها لعبتها المفضلة التي كانت تعني لها كل شيء ، نظرة شعر
بها قلب الأم كسكين غرس فيه بقوة فأبعدته عنها وأمسكت
يديهما وسحبتهما جهة الأريكة قائلة
" كلاكما ابناي فتوقفا عن حركات الأطفال "
ثم جلست في طرف الأريكة متنهدة بضيق وقالت عمتها
" كيف حال خالتك وعائلتها ؟ "
حركت رأسها دون أن تتحدث لحظة ما جلس الكاسر بجانبها
فأمسكته تيما من يده وقالت بضيق تحاول إبعاده
" أتركني أجلس بجانبها أنت تراها دائما "
لكنه رفض التحرك متمسكا بمكانه يبعد يدها ضاحكا فوقفت
الجالسة بجانبه وجلست وسط الأريكة بجانبه وجلست حينها تيما
فورا في الجهة الأخرى وطوقت خصرها بذراعيها متكئة على
كتفها وأخرجت لسانها للذي كان ينظر لها بضيق فوقف رعد
وقال ضاحكا
" أعانك الله على هذان الطفلان "
قالت ونظرها معلق به ويدها تمسح على ظهر النائمة على كتفها
" ما بك وقفت يا رعد ؟ تناول العشاء معنا "
أخرج مفاتيحه من جيبه قائلا
" مشواري الأساسي لتوز وجئت هنا لأوصل ابنتك فقط ويجب
أن أدرك الرجل الذي ينتظرني على العشاء هناك "
ثم غادر متمنيا لهم ليلة سعيدة فاستقامت تيما في جلستها وأمسكت
يدها وبدأت تحدثها بحماس عن كل ما مرا به في طريقهما وعن
رأيها في روعة العمران وهي تستمع لها بانتباه مبتسمة وقد شاركها
الكاسر الحديث الحماسي فورا يشرح لها أكثر عما رأت واختلطت
أحاديثهما بالضحك على تعليقاته لنطقها لأسماء بعض المدن بشكل
خاطئ وشاركتهم هي تلك الضحكات فشعورها بتلك الأجواء لا
يظاهيه أي شعور فكم كانت تحلم بهذه الأمسيات العائلية المليئة
بالضحك والأحاديث بالدفء والحنان الذي يغمر المكان كله ، ورغم
كل ذلك هي تفتقد والدها وجدها فيها فهما أيضا تشعر بحاجتهما
لكل هذا وإن كان والدها لا يصرح بذلك أبدا عكس جدها ، فهو
الليلة سيكون لوحده في ذاك المنزل الواسع قد يتناول عشائه
وقد لا يتناوله أبدا ... تعلم أنه لا يعبر عن ذلك ولا يبحث عنه
ولا تتخيل أن يلف المنزل يبحث عن أطياف من كانوا فيه يلعن
الوحدة والفراغ لكنه في النهاية بشر وهي تشعر به لأنه والدها
فكيف بعد أن حكت لها عمتها عن تغيره بشكل قد لحظه الجميع
بعد أن تزوج من والدتها وكيف استطاعت دمجه مع عائلته
وأصبحوا يروا مطر آخر يضحك ويشاركهم الحديث .
وقفت الخادمة قربهم وقالت
" العشاء جاهز سيدتي "
فقفز الكاسر من فوره وأمسك يد تيما وسحبها منها قائلا
" شقيقتي تجلس بجانبي "
فوقفت غسق وعمتها ضاحكتان وقالت جويرية وهما يتبعانهما
" وكأنهما ليسا من كان منذ قليل عدوان "
همست بحزن وحنين تنظر لهما وهو ينزع حجابها عنها يلعب
بشعرها وهي تحاول الهرب منه ضاحكة
" لم أشعر بطعم الحياة إلا بعد رؤيتي لها عمتي ولولا وجود
الكاسر لما بقيت بعقلي كل هذه الأعوام "
*
*
*
فتح الباب ودخل مجددا وقال
" هل كل شيء جاهز ؟ "
قالت بضيق
" جاهز ... وما لدينا نحن لنستغرق نهارا بطوله في تجهيزه ؟ "
قال بضيق مماثل
" وما الذي كتبته ولم أجلبه ؟ إنهم عائلة أيوب الشعاب لن تفهم
غبية مثلك من يكونا هذان "
ضربت كفيها ببعضهما قائلة بضجر
" أعدت عليا اسمه فوق العشر مرات حتى حفظته ولازلت غير
مقتنعة بأن أمثالهم قد يزوروننا "
ضرب باب المنزل مغلقا له بقوة وقال بنفاذ صبر
" ولما لا فابنهم صديق يمان منذ كانا في المدرسة الثانوية "
قالت بذات ضيقها
" أنت قلتها بنفسك هو صديقه منذ كانا في الثانوية فلما يزورنا
الآن تحديدا وبعد كل هذه الأعوام وفي الليل ؟ لا وزوجته معه !
وأنت بنفسك قلت بأن يمان غادر لتيمور مع ابنهم "
نظر لها بصدمة حين وصل له مغزى حديثها فهو لم يفكر في
الأمر من تلك الناحية أبدا ولم يفسر اتصال ذاك الرجل هذا التفسير
فلم يستوعب عقله بعد فكرة أن يفكر فقط في دخول منزله ،
غمرته السعادة فورا وقال
" إن صدق تخمينك أقسم أن أشتري لك ذاك الثوب صباحا "
ضحكت بسخرية مشيحة بوجهها عنه دون أن تعلق فقال بضيق
" هل أفهم ما يزعجك في الأمر ؟ هل لك أن تتخيلي معنى نسب
عائلة الشعاب وابنهم أيوب تحديدا ؟ إنه أحد أكبر رجال الأعمال
في البلاد ولديه من الأموال ما لا يعرف هو عدده "
نظرت له وقالت بغضب
" ولما يختارون نسبك أنت تحديدا وأنت بنفسك قلت أنه من أكبر
رجال الأعمال ؟ ثم ابنتك صغيرة وأنا أعتمد عليها في كل شيء "
صرخ فيها بغضب أشد
" قولي كلمة أخرى وارفعي صوتك في وجهي لأحطم لك هذا
الوجه العفن "
وتابع وقد رفع سبابته مهددا
" قسما إن أفسدت الأمر أن أدفنك حية فهمتي ، ثم القانون لن
يزوجها الآن فاتركي عنك هذا الجنون "
قالت ساخرة ومتجاهلة تهديداته
" هه أي قانون هذا الذي سيمنعهم والناس تخترقه وتزور شهادات
الميلاد ؟ هل ستتحول لنزيه الآن فجأة "
شعرت بخدها تحول لكتلة من الصخر حين نزل ذاك الكف الضخم
عليه بقوة وصرخ بغضب
" قابليها موسومة الآن هكذا سيكون أفضل "
أمسكت خدها وابتعدت جهة غرفتها صارخة ببكاء
" لن أقابلها أبدا وافعل ما شئت وسأتصل بشقيقي ليأتي الآن لأخذي
من هنا "
نظر لها بغضب حتى دخلت وأغلقت باب الغرفة خلفها بقوة ،
يستطيع إجبارها على مقابلتها وإن ضربها لكنه لن يضمن أنها
لن تفسد الأمر لذلك توجه جهة غرفة ابنته بدلا عنها وفتح الباب
على اتساعه دون طرق فقفزت الجالسة على الفراش الأرضي
واقفة دون شعور منها فهي كانت تسمع شجارهما وإن لم تفهم
ما يقولان وتخشى من هذا الرجل في هدوئه فكيف وهو غاضب
هكذا ، قالت بصوت مرتجف
" أبي هل تأمرني بشيء "
نظر لثيابها ثم عاد بنظره لعينيها وقال بحزم
" غيري ثيابك بسرعة والبسي شيئا فوق هذا الشعر فثمة ضيفة
ستستقبلينها "
نظرت له بصدمة فهذه أول مرة ترى فيها ضيفة تزورهم فكيف
أن يكون والدها من يطلب منها هذا ؟! قالت بتلعتم
" ألن تقابلها خالتي ؟ "
صرخ فيها بحدة
" قلت أنتي من سيقابلها فلا تكثري الحديث أو كان مصيرك مثلها "
ثم غادر ضاربا الباب خلفه بقوة وهي واقفة مكانها قلبها لازال
يرتعد من الخوف ولازالت تنظر لمكانه بصدمة فلم تستطع تصدق
ذلك حتى الآن فهي لم ترى أحدا غير عائلتها منذ كانت طفلة !
انتفض جسدها بقوة وقفزت في مكانها حين طرق الباب من
الخارج بقوة صارخا
" لا تتأخري سيصل الضيوف في أي وقت "
توجهت للخزانة الحديدية بسرعة وأخرجت توب العيد ، لم يكن
يساوي ولا نصف ملابس زوجة والدها وأبنائها لكنه أفضل
ما لديها ، لبسته سريعا وربطت منديلا حول رأسها وخرجت من
الغرفة مغلة بابها خلفها والتصق ظهرها بالباب لا شعوريا حين
انفتح باب المنزل ودخل منه والدها وقال بجدية واستعجال
" ها قد وصلا ... كل ما سنقدمه لهما جاهز في المطبخ فلا
تتأخري في إحضاره ولا تخبريها أن خالتك هنا مفهوم ؟ "
حركت رأسها بحسنا فخرج مجددا وترك الباب مفتوحا هذه المرة
وما هي إلا لحظات ودخلت منه امرأة ملقية السلام ووقفت تبادلها
النظرات بصمت ، كانت يمامة تنظر لها باستغراب لثيابها الفاخرة
ورائحة عطرها التي وصلتها من بعيد ولملامحها التي لا تعلم لما
ليست غريبة عنها وكأنها رأتها سابقا ! ومن هذا الذي تراه هي ؟
بينما نظرات جوزاء لها كانت مختلفة تماما فقد كانت تنظر لها
مبتسمة بحنان فسبحان من أوقع حبها في قلبها بسرعة هكذا !
ليست تعلم بسبب النظرة الحزينة في تلك العينان الواسعة أم
الملامح الطفولية البريئة وقد تذكرت سريعا ما قالته بثينة عنها
فأي ظلم هذا الذي يقع على هذه الصغيرة ؟ ألا يكفيها فراق
أمها وصغر سنها ؟ هذه تبدوا أصغر من ابنتها بثينة التي في
ذات سنها الآن ! فهل السبب نحول جسدها أم أن ابنتها كابنة
خالها تكبر قبل أوانها ؟
كسرت جوزاء ذاك الصمت أولا قائلة بابتسامة
" لابد وأنك يمامة ؟ "
تحركت حينها جهتها مسرعة وكأنها أدركت وقتها فقط بأنها هنا
ووصلت عندها ومدت لها يدها قائلة
" مرحبا بك سيدتي تشرفنا بزيارتك "
لم تعرف كلمات غيرها تقولها فهي لا تقابل الناس ولا تعرف اسم
هذه المرأة ولا من تكون ، توقعت أن تشمئز منها وتتجاهل يدها
الممدودة فهذا ما تعرفه عن الأثرياء من التلفاز لكنها فاجأتها بأن
أمسكت ذراعيها وقبلت خدها قائلة
" شكرا لك صغيرتي "
ثم قالت تنظر حولها
" حسب علمي أنه ثمة زوجة لوالدك هنا ؟ "
أشارت لها حينها بيدها جهة غرفة الضيوف قائلة
" ليست في المنزل ، تفضلي من هنا سيدتي "
سارت معها قائلة بابتسامة
" نادني عمتي جوزاء لا داعي لكلمة سيدتي يا يمامة "
همست تسير أمامها
" حسنا "
ودخلت تتبعها حيث غرفة بصالون متواضع صغير وطاولة زجاجية
في المنتصف فجلستا وقالت جوزاء
" والدك أخبر زوجي أن زوجته ستكون في انتظارنا فهل حدث أمر
طارئ جعلها تغادر ؟ "
تلعثمت بشكل واضح ولم تعلم ما تقول وهمست بعد وقت تنظر ليديها
في حجرها
" لا أعلم ما السبب "
تنهدت الجالسة هناك ولاذت بالصمت تراقب ملامحها المتوترة
والوجل الواضح في عينيها وخمنت سريعا أن ثمة ما حدث هنا قبل
وصولها ورحمت حالها بالفعل ، لطالما أحبت شقيقها ذاك وقت كان
يزور ابنها أبان في الماضي فقد كان فتى خلوق هادئ الطباع
وزوجها كان ولازال يفضله على جميع أصدقاء أبان رغم أنه لاشيء
يعيب أي واحد منهم ومعظهم أبناء عائلات معروفة ، نظرت بحزن
لملامحها الجميلة الطفولية لعينيها الرمادية الواسعة والشعر البني
الذي تظهر أطرافه من تحت منديل الرأس الأصفر ولن تستغرب هذه
الملامح في قبائل جنوب الهازان فهم يتميزون بها في أغلبهم خاصة
خط الحدود حيث مدن خماصة وهذه المناطق تأثرت كثيرا باختلاط
الأنساب معهم على مر العصور .
صغيرة بالفعل على الزواج وتعلم أنهم في هذه المناطق الزراعية
يزوجون بناتهم بالتلاعب بالقانون أو من خلال تمديد سنوات الخطبة
لكن بعد حديثها مع مطر تشجعت كثيرا للقدوم ورؤيتها مستغلة
فرصة غياب أبان مع ابن هذه العائلة ، لم تعرف يوما عن ذوق
ابنها بخصوص الفتيات لتخمن إن كان سيفظل بالفعل فتاة بسيطة
كهذه تاركا فتيات الجامعة الأنيقات المتبرجات ولا يمكنها تخمين إن
كان ما قاله صحيحا رغم أنها لا تستطيع تصديقه أغلب الأحيان ولا
تستبعد أن يكون يتحجج بها فقط ليهرب من فكرة الزواج لذلك قررت
المجيء ورؤيتها بنفسها وكم آلمها حال هذه الفتاة فملامحها البريئة لا
تخفي أبدا دواخلها .
بينما الجالسة في الطرف الآخر كانت ما تزال تنظر ليديها تحاول
حتى اللحظة فهم ما يجري ولما تقابل هذه المرأة وكيف سمحوا
لها بهذا !!
تعلم عن حال جيرانهم وأقارب زوجة والدها وإن كانت لا تراهم
فليس من أحد منهم بهذا المظهر والثراء حتى أنها لم تستطع إبعاد
نظرها لوقت عن ذاك الحذاء اللآمع الجميل الذي لم ترى مثيلا له
فكيف بالثياب والحلي .
قالت جوزاء مبتسمة تحاول جذب أطراف الحديث معها
" في أي عام دراسي أنتي يا يمامة ؟ "
أنهت جملتها تلك وعضت طرف لسانها فكيف نسيت بأنهم لا يسمحون
لها بالدراسة ؟ وهذا ما كانت تتوقع أن يكون جوابها لكنها خانت
توقعاتها حين قالت بصوت منخفظ ونظرها لازال على يديها
" لم اوفق فيها فتركتها "
سحبت جوزاء نفسا عميقا وأخرجته بسرعة ولم تعلق فهذه الفتاة
كما قيل عنها تبدوا كتومة بالفعل فكيف فشلت في الدراسة وهي لم
تدرس أبدا ؟ ابتسمت وقالت تلطف الجو المتوتر بالنسبة لتلك
الجالسة قربها
" ابني أبان صديق لشقيقك منذ طفولتهما وكم أحببت شقيقك
وأخلاقه "
نظرت حينها لها وقالت باستغراب
" أنتي والدة صديق يمان ؟ "
بادلتها جوزاء تلك النظرة وقالت
"أجل أنا والدة صديقه أبان ألست تعلمين من أكون ؟
ألم يخبرك أحد " !
عاد التوتر لملامحها مجددا ووقفت قائلة
" بعد إذنك سيدتي "
وغادرت من الغرفة مسرعة على نظرات جوزاء المستغربة قبل
أن تتنهد بأسى وفتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها واتصلت
بزوجها الجالس خارجا حيث صالون الرجال والذي ما أن أجاب
قالت له من فورها وبصوت منخفض
" اتفق معه يا أيوب الفتاة تعجبني وأريدها له ولا تتأخر
لنغادر سريعا "
ثم أغلقت الخط ودست هاتفها في حقيبتها مجددا فإن كان ابنها
ذاك يريدها زوجة له بالفعل فستختصر عليه الطريق بمعرفتها وإن
كان يكذب فيما قال فسيتزوجها رغما عنه وستكون كابنتها بثينة
وستعلمه درسا جيدا في الزواج وهي جوزاء شاهين الحالك .
رأتها من الباب المقابل لوسط المنزل تحمل صينية تقديم وتسير
بها مسرعة جهة باب المنزل ثم عادت من حيث خرجت وغابت
لوقت قبل أن ترجع وفي يديها صينية أخرى وضعتها على الطاولة
أمامها وكانت تحوي كوب عصير وصحن كعك محلى لحظة ما رن
هاتفها فنظرت له وأعادته لحقيبتها ثم رفعت الكوب وشربت ما فيه
كي لا تجرحها إن ظنت أنها ترفض طعامهم ، وضعت الكوب الفارغ
ووقفت فوقفت يمامة معها قائلة
" ستغادرين سريعا هكذا ؟ "
وكل خوفها ذاك الوقت كان من والدها أن يوبخها لأنها لم تقدم
لهم الشاي والفواكه أيضا قبل أن يغادرا ، قالت جوزاء مبتسمة
وهي تخرج من العرفة
" سيكون ثمة زيارات كثيرة غيرها وسنتعرف ببعضنا أكثر
يا يمامة "
*
*
*
عدلت جلستها تضرب بمقدمة حدائها على الأرض بتوتر فهي
تجلس هنا منذ أكثر من ساعتين ولا أحد أطل عليها أو اهتم
بأمرها ، أي معاملة سيئة هذه ؟ حين رأت مبنى تلك الشركة
من الخارج دهشت وظنت أن الحظ ابتسم لها فلم تكن تتخيل
كل هذا ! صحيح أن الراتب في الإعلان كان مرتفعا والشروط
أيضا تدل على أن صاحبه ذا شأن لكنها تخيلت أنه مجرد صعلوك
يريد أن يصنع حوله هالة من الإهتمام أو أن لديه حبيبة سابقة
يريد التخلص منها لكن ما أن رأت المبنى ودخلت لقسم الاستقبال
وتحدثت مع الموظفات هناك حتى تيقنت من أن السيد كروس ذاك
يبدوا بالفعل شخصا مهما رغم استغرابها لأن يضع إعلانا عن
تلك الوظيفة في ذاك المكتب الرث !! وفكرت أنه قد يكون يريد
فتاة من عامة الناس سترضى بكل تلك الشروط من أجل المال
لذلك اختاره تحديدا .
كانت قد أرسلتها موظفة الإستقبال لمكتب سكرتيرة المدير
مباشرة ما أن علمت بأنها من جاءت من أجل الوظيفة وبأن
مكتب وكالة التوظيف من أرسلها فأشعرها ذلك بسعادة غامرة
لكنها بدأت تتلاشى بالتدريج ما أن بدأ الوقت يمضي وهي جالسة
هنا لوحدها وذات الشعر الأحمر الناري تلك لا تتوقف عن الحركة
وتلقي الاتصالات والبحث بين الملفات وهاتفها على أذنها بينما
تهملها هي وكأنها غير موجودة بل وكأنه لا أحد يجلس عند تلك
الزاوية فوق الأريكة الجلدية المقوسة لأكثر من ساعتين ، وقفت
وتوجهت نحوها وقالت
" عذرا يا آنسة هل لي أن أعلم متى سأقابل السيد كروس أم أنه
ليس هنا كما يبدوا ؟ "
نظرت لها لبرهة وكأنها تكتشف وجودها الآن فقط ثم قالت
" آه حسنا هو لن يأتي اليوم على كل حال وموعدك مع السيدة
ريتشارد مديرة مكتب العلاقات العامة إنه في الطابق الخامس "
وعادت من فورها جهة مكتبها وكأنها لم تفعل شيئا ... هي لم
تفعل شيئا بالفعل ومن هذا الذي يستطيع محاسبتها ؟ هي مثلا ؟!
تحركت من هناك لا منفس لها لغضبها المشتعل سوى ضرب
خطواتها بالأرض بقوة فهي من تحتاجهم وتحتاج وظيفتهم
وليس هم ..
كانت تنعم في أموال شقيقها وتعيش حياة مرفهة لا تفكر في الغد
وما فيه رغم كل القيود التي كان يضعها عليها وليست تعلم ما
قلبه ضدها فجأة هكذا ليتركها في رحمة ذاك المتغطرس ؟
لكن لا بأس ستتخلص منه سريعا وسريعا جدا أيضا .
نزلت للطابق الذي أخبرتها عنه وبحثت عن مكتب تلك السيدة
ووجدت أن موعدها معها بالفعل فلما لعبوا بها كل تلك اللعبة ؟
لا بأس المهم أن تحقق ما جاءت من أجله والباقي لا يعنيها ،
جلست أمام مكتب التي استقبلتها بترحاب والتي بدأت تتحدث
بالنيابة عنها واختصرت عليها شوطا طويلا من الشرح
والتفاصيل ، قالت بحماس
" حقا يمكنني أن أحصل على دفعة مقدمة أيضا ؟ "
أومأت تلك مؤكدة وقالت
" علينا أن نتم التوقيع على بنود الوظيفة كل على حده أولا .. تلك
هي الأوامر "
قالت بسعادة
" جميل سأقوم بذلك فورا "
قالت المقابلة لها
" وظيفتك طبعا ستكون سهلة جدا كمرافقة للسيد كروس فقط
لكن الشروط هي ما يجب تأكيد موافقتك عليها أولا ، لا نريد
أي مشاكل لاحقا لأني من سيحاسب عليها "
أخذت الأوراق منها على الفور فقالت تلك
" ثمة بنود قانونية أيضا آنستي حيث أن السيد كروس سيكون
مكلفا بدفع مبلغ مئتي ألف دولار حال أخل بالشرط الوحيد الذي
يخصه أما أنتي فإخلالك بأي واحد منها معناه السجن "
نظرت لها وتنهدت بأسى متمتمة
" سبق وقرأت هذا "
قالت من فورها
" العقد المبرم مدته عام كامل ويمكنك زيارة محامي للاطلاع
على قانونية الأمر أو المرور بمكتب محامي الشركة إن أردت "
حركت رأسها برفض وعادت للتوقيع على تلك البنود قائلة
" أنا سأكون عند اتفاقنا ، ألمهم أن يلتزم هو "
مدت بعدها بالأوراق لها فقالت تلك مبتسمة
" تكسبين مبلغا رائعا وقتها ولن تخسري شيئا "
وقفت وقالت ببرود
" أخسر نفسي طبعا "
حركت تلك كتفيها بلامبالاة وقالت
" سيصلك اتصال من السيد كروس وسيكون تعاملك معه شخصيا
من الآن وصاعدا "
شكرتها وتصافحتا ثم حملت حقيبتها وغادرت ذاك المكتب بل
والشركة بأكملها ، وظيفة براتب سخي وسكن مستقل ولا تحتاج
لمؤهلات ! ذاك ضرب من الخيال ما كانت لتحلم به أما الشروط
فبالنسبة لمضطهدة مثلها تعد مقبولة بعض الشيء وستتغاضى
عن الأمور السيئة الأخرى من أجل باقي مزاياها .
قفزت الرصيف وهي تجتاز الشارع تشعر بأنفاس الحرية من
هذه اللحظة ، ستجعل ذاك المتغطرس يندم على سخريته منها
وعلى استهانته بها درجة أن حررها منه ولا يعلم
*
*
*
رفعت جسدها مستندة بمرفقها ما أن شعرت بباب الغرفة يفتح
ببطء وقد تسلل النور من خلاله مخترقا الظلام حولها وظهر لها
ذاك الجسد النحيل ملتفا في الفستان القطني بأكمامه الطويلة ..
شعرها الأسود قد تناثر حول وجهها وذراعيها بإهمال ، ابتسمت
بحنان وهي ورغم النور الخفيف ترى تلك الابتسامة والدموع
سجينة الأحداق الواسعة فأشعلت النور بجانب السرير ومدت
يدها لها قائلة بابتسامة
" تعالي يا تيما "
فأغلقت تلك الباب فورا وركضت جهتها وصعدت السرير ودخلت
معها تحت اللحاف ونامت في حضنها تطوق ذراعيها حول خصرها
فمسحت على شعرها قائلة بابتسامة
" لا تقولي بأنك خائفة ولم تستطيعي النوم ؟ "
خرجت منها ضحكة خفيفة ودست وجهها في حضنها أكثر قائلة
" كيف سأخاف وأنا معتادة على النوم وحدي لأعوام ، أريد فقط أن
أكون معك "
ضمتها لحظنها أكثر وقبلت رأسها فهي تفهم جيدا ما الذي تعجز عن
قوله فإن تأخرت عنها قليلا فقط لذهبت هي لها لغرفتها فلم تستطع
أي منهما استيعاب فكرة أن يفصلهما جدار مشترك ولا تكونا معا ،
رفعت رأسها ونظرت لملامحها وقالت بعبوس
" علينا أن نجد حلا لهذا "
تنهدت غسق بضيق وقالت
" تيمااا "
عبست ملامحها الجميلة أكثر وهمست بحزن
" ليس وضعنا أقصد أمي "
نظرت لعينيها بصمت دون أن تعلق فقالت بتذمر
" لما الجميع لا يصدق أن أكون ابنتك ؟ خالي رعد قال بأننا
ننفع شقيقتان فهل أنا بشعة لهذا الحد ! "
خرجت منها ضحكة صغيرة وقالت مبتسمة
" هم لم يروك منذ كنت مولودة هذا فقط ما في الأمر ثم ميزة
الفتاة أن تنضج وتكبر بسرعة ، أنا في مثل سنك كان الجميع
يعطيني عمرا أكبر من عمري ثم توقفت عن النمو فجأة "
تنهدت بضيق ولم تعلق فقالت بتردد وهي من سجنت ذاك السؤال
في قلبها حتى كاد يقتلها لكنها لم تعد تقوى على دفنه داخلها أكثر
" تيما هل كنت ترين جدك هناك ؟ حدثيني عنه "
نظرت لعينيها لبرهة ثم قالت مبتسمة بشوق
" أجل أمي ... لم أكن أراه دائما كان يزورني من وقت لآخر بعيد
وكم كنت أستمتع برفقته فهو رجل رائع "
سكتت قليلا تنظر بحزن لتلك الدموع التي ملأت تلك العينين السوداء
الواسعة وتابعت بحزن
" كم كان يتحدث عنك أمي ، في كل مرة زارني فيها كان يذكر
اسمك بحسرة وفي آخر مرة رأيته كان حزينا ومستاء لأننا
سنراك وهو لا يمكنه رؤيتك ولا ليوم في حياته "
نزلت الدموع من تلك العينان السوداء حين فقدت السيطرة
عليها فأغمضتهما برفق وتركتها تنساب من رموشها للوسادة
تحتها فنامت في حضنها مجددا قائلة بعبرة بكاء سرعان
ما شاركتها فيه ما أن رأت دموعها الصامتة
" ستلتقيه يوما بالتأكيد أمي فهو أخبرني بأنه لم يعد يريد الابتعاد
عنك أكثر "
قبلت رأسها مجددا ودفنت وجهها ودموعها في شعرها هامسة ببحة
" أسأل الله أن يجمعنا مجددا ثلاثتنا معا فكل واحد منا أتعبه الفراق
فعلا "
شدت ذراعيها حول خصرها أكثر ودفنت وجهها في صدرها تعجز
عن قول ما تريد قوله وأن والدها هو العامل المشترك بينهم
ثلاثتهم ولن يجتمعوا كما تتمنى ما لم ترجع له فستعيش هي
هنا وهم هناك في جميع الأحوال .
رفعت رأسها مجددا ونظرت لها وهي تمسح دموعها وقد ابتسمت
لها فقالت مبتسمة أيضا
" هذه المدينة تبدوا أروع مما قرأت عنها هل نخرج معا لرؤيتها ؟
أنا متشوقة لرؤية ما حكا لي خالي رعد عنه ومعك أنتي تحديدا "
مسحت على غرتها قائلة بذات ابتسامتها
" ثمة اجتماع مهم غدا في الجمعية لا أستطيع التغيب عنه فأعدك
أن نخرج وقت العصر وإن كان الوقت سيكون قصيرا قبل حلول
الظلام وسنعوضها بأفضل منها لاحقا اتفقنا ؟ "
ابتسمت لها بتفهم وأومأت برأسها موافقة ثم قبلت خدها
وغادرت السرير قائلة
" تصبحين على خير ... الآن يمكنني النوم وأنا لا أحلم برؤيتك ؟ "
ابتسمت بحزن وهي تراقبها تغادر الغرفة حتى أغلقت بابها خلفها
وقد لوحت لها بيدها قبل ذلك وأرسلت لها قبلة صغيرة .
فاستلقت حينها على ظهرها تنظرت للسقف وأغمضت عينيها
برفق فتسللت دمعة من طرف إحداهما وعاد ذهنها لمحاولة
رسم صورة لوالدها الذي لم تراه يوما ولم يراها وليست تعلم حتى
متى ستبقى تناجي أطياف الغائبين عنها من أخذته الحياة منهم أو
الموت ، همست بوجع تغطي عيناها الباكية بكفها " رحمك الله
يا والدي شراع ويا شقيقي الوحيد ... ليتني خسرت عمري وما
خسرتكما "
*
*
*
وصلا المنزل متأخرا بسبب الماسفة بين المدينتين وإن كانت
تعتبر ليست بعيدة وكل ما تستغرقه الطريق ساعة واحدة فقط
بسيارة مسرعة إلا أن زوجها وبسبب تأخره في موعد مع أحدهم
ذهبا متأخرين ووصلا المنزل متأخرين أيضا ليجدا سيارة أبان
في انتظارهما في الخارج فضحك أيوب وقال وهو ينزل
" لو تأخرنا هناك قليلا لوصل ابنهم وأمسك بنا "
أغلقت جوزاء بابها قائلة
" لا يهم حتى إن وجدنا أبان هناك فالموضوع انتهى الحديث فيه "
قال مبتسما وهما يدخلان المنزل
" إن لم أنطق بتلك الكلمات شككت أن ذاك الرجل قد يقفز على
عنقي ويخنقني حتى أنه وافق مباشرة دون أخذ رأيها ولم يعجبه
إصراري على أن يأخذوا وقتهم ويسأل الفتاة أولا "
قالت بأسى وهي تفتح باب المنزل
" مسكينة تلك الفتاة لا تستحق وشقيقها بكل خلقهما ذاك حياة
كالتي فرضت عليهما "
دخلا وكان سيتحدث لولا أسكته وجود الذي خرج من جهة
المطبخ الأرضي يحمل صحنا في يده وقال مبتسما وهو ينظر لهما
" الله أكبر ... أين تحتفلان في الخارج وتعطون إجازة نوم
مبكر للخادمات ليبقى ابنكما المفضل دون عشاء ؟ "
نظرت له والدته تلك النظرة التي يعشقها فيها حين يغضبها منه
خاصة في حضور الواقف بجانبها لكنها كانت تعد له مفاجأة أقوى
منه حين قالت ببرود
" كنا طبعا نحتفل في منزل صديقك ابننا المفضل والمدعو يمان "
*
*
*
فتحت باب الشقة ودخلت وكما توقعت وجدته في انتظارها ولن يرحمها
أبدا بسبب تأخرها هذه المرة أيضا حتى وقت المغيب لكن الأمر انتهى
تماما بتوقيعها تلك الأوراق وهو من سبق ووافق وليتحمل النتائج
ولن ترضى بأن يخسرها تلك الوظيفة ليكون مصيرها السجن وإن
قتلته فهي مسجونة في الحالتين ، انقبض قلبها عند فكرة أن تدخل
ذاك المكان المخيف المليء بالمجرمين وبالحشرات ، لا لن تسمح
لهذا أن يحدث أبدا .
دخلت ودفعت الباب بقدمها للخلف مغلقة له لأن يديها كانتا مليئتان
بأكياس المشتريات فقد اشترت كل ما قد تحتاجه في وظيفتها الجديدة
وأنفقت كل ما لديها من مال بما أنها ستستلم دفعة مقدمة من راتبها
فهي بحاجة لأثواب السهرة المميزة هذه وإن كانت مكلفة .
مرت من أمامه متجاهلة وجوده وكأنها لا تراه ووضعت الأكياس
أمام باب غرفتها ثم فتحتها ووقفت فاغرة فاها تنظر بصدمة للغرفة
الخالية تماما من جميع أثاثها ! لا شيء سوى الجدران حتى ثيابها
وأغراضها اختفت !!
نقلت نظرها للواقف عند باب غرفته حين قال ببرود
" أعتقد أنك قلت بأنك لا تحتاجين لا لشقتي ولا نقودي فيمكنك اكمال
السهرة حيث كنت والنوم هناك أيضا "
*
*
*
*
*
*
حركت رأسها بالرفض القاطع فقالت الواقفة أمامها بضيق
" لكن هذا سيخسرنا كثيرا سيدتي حتى نتعاقد مع ممولين جدد
وموثوقين ثم نحن لم نحصل على داعمين حتى الآن فكل ما لدينا
وعود من بعض رجال الأعمال والمؤسسات الخيرية أ.... "
قاطعتها بضيق مماثل
" سنناقش آلية تنفيذ كل هذا فقط أما أن يتغير القرار فمستحيل
وعقودنا تلك جميعها ستلغى ، أنا على استعداد وإن للبدء من الصفر
من جديد لكن أن يستمر البرنامج السابق فموتي فقط ما قد
يعطيكم الأحقية في الاستمرار عليه "
تنهدت بعجز من عناد الواقفة أمامها فهي تحاول أن تقنعها منذ
وقت وبلا نتيجة وتعلم أن هذه القرارات لن تحضى بالترحيب من
باقي مجلس إدارة الجمعية وليست تفهم ما السبب في إصدارها
لها فجأة فهل ثمة من يقوم بإلغاء جميع تلك العقود والاستثمارات
ويوقف كل ذاك الدعم دون تقديم سبب واحد ولا شرح أو توضيح !!
ولكن ورغم كل ذلك هي موقنة من أنه لا أحد يستطيع معاندة
ولا كسر قرارات هذه المرأة فما قررته سينفذ لأنها السلطة العلية
هنا ولن تتخيل أن يظهر لهم شخص من العدم يشاطرها إصدار
أي قرار بعد شراع صنوان الذي كان وحده من قد تفعلها احتراما
وحبا له فقط .
نظرتا كليهما حيث باب قاعة الاجتماعات الذي دخل منه للتو آخر
المنتظرات منذ حوالي الساعة والنصف لأن إحداهما كانت ابنة
خالتها التي على الرغم من ملامحها المتعبة وعيناها التي لازالت
تحمل أثر كل ذاك البكاء كان إلزاما عليها الحظور لأن هذا الاجتماع
ستناقشهم فيه أمورا قد تؤدي حتى لاختفاء مملكة الغسق للأبد إن
وصل الأمر لأن خسرت باقي استثماراتها ومستثمريها وهي على
استعداد لتلقي كل تلك الخسارات وإن وصل بها الأمر للسجن على
أن ترضخ لذاك الرجل وتقبل أن يكون طوق نجاتها الوحيد ، جلس
الجميع حول الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الزان الثقيل
والمدعم بالجلد الأسود وقد التفت حولها مقاعد جلدية سوداء تتناغم
مع الطلاء الأبيض المدعم بالبني لجدرانها المصقولة وأضواء
وزعت على السقف بشكل بيضاوي تتوسطهم ثريا دائرية فخمة
من الكريستال وواجهة زجاجية تصف جمال تلك المدينة الخضراء
بمبانيها المتناسقة .
نزعت سترة بذلتها الرسمية النسائية الأنيقة ووضعتها على ظهر
الكرسي واكتفت بالصدرية السوداء الحريرية ذات الأكمام القصيرة
والياقة المفتوحة والأزرار الزجاجية بإطارها الأسود المتناغم مع
لون تلك البذلة ولأنه لا رجال اليوم في ذاك الاجتماع مثلما استثنت
زوجات بعضهم لأنها لن تعترف بعد اليوم بكل تلك الشخصيات
الوهمية كان في إمكانها خلع سترتها بل وحتى حجابها تاركة
لشعرها الأسود الطويل حريته مكتفية فقط بقوس شعر فضي
مرصع بأحجار سوداء يمسك تلك الغرة الحريرية للخلف .
بدأت كل واحدة ممن جلسن أمامها تأخذ مكانها بنكهة نسائية
صباحية امتزجت بالممازحات والضحكات الصغيرة المتفرقة ،
تعلم أن ما ستقوله لن يعجب أغلبهن هذا إن لم يكن الجميع لكن
قرارها لا تراجع فيه أبدا وستسد تلك الثغره مهما كلفها من
وقت وجهد فهم مقبلون على موسم الربيع والصيف والعائدات
ستكون مرتفعة وستتعاقد مع مستثمرين جدد قريبا وتغطي العجز
وإن قامت ببيع جميع ممتلكاتها .
نظرت للأوراق تحتها وتنهدت بضيق فمزاجها اليوم أسوأ مما
توقعت وكله بسبب المجنونان اللذان تركتهما في المنزل بعد سيل
طويل من التوبيخ الذي تلقياه منها حين وجدتهما وفي هذا الطقس
وإن كان الوقت بداية الربيع قرب المسبح في هذا الصباح الباكر
بل ووجدت الكاسر داخل مياهه وتيما تجلس على حافته تلعب
بقدميها في الماء وأصوات ضحكهما وهو يرميها بالمياه تصل
للداخل ولم يفكرا بأن هذا قد يقتل أحدهما وبكل سهولة .
رفعت الأوراق وأعطتها لسكرتيرتها الواقفة بجانبها والتي بدأت
بتوزيعها بين الجالسات ولم تكن تلك الأوراق سوى جداول
لأرقام وحسابات وبعض الأسماء أما المهم في الموضوع فهي
من عليها قوله ، ما أن وصلت الأوراق لجميع الموجودات عم
الصمت التام المكان ليس بسبب تلك الأوراق ولا لأنها باشرت
بالحديث عنها فهي لم تتحدث بعد بل بسبب الباب الذي فتح من
الخارج بعد طرقتين متتاليتين كاشفا عن صاحب الجسد الطويل
المتناسق في بذلة سوداء فاخرة وكأنها قيست بالمسح الضوئي
لتناسب ذاك الجسد بياقة مخملية وأزرار مغطاة قد مزجت
التفصيل البريطاني بالأناقة الفرنسية بل وقد مزجت لون القماش
الفاخر بلون الشعر والعينين .. مزجت الرجولة بالفخامة .. الثقة
المتفجرة والعنفوان الذكوري المسيطر والذي زادته تلك الابتسامة
الجانبية معطية دفعة مجنونة من الثقة بالنفس ، مشهد جعل
الرؤوس تدور جهته فورا والأعين تحدق به بصدمة امتزجت
بالذهول عدا التي كانت تجلس عند رأس الطاولة والتي ما أن
وقع نظرها على تلك العينين المحدقة بعينيها تحديدا أشاحت
بوجهها جانبا متنهدة بضيق ومغمضة عينيها بينما هي الأحق
من بينهن وحدها بالتحديق فيه بتلك الطريقة الجريئة التي نظرت
له بها بعضهن درجة أن نسي فضولهن أن يدير تلك الأعين
جهة الجالسة هناك بعد دخول هذا الرجل تحديدا لذاك المكان ،
فمن أين خرج لها هذا الرجل في هذا اليوم تحديدا ؟
فتحت عينيها ولازالت تحدق جهة تلك الطبيعة البعيدة تقبض
أصابعها بقوة لحظة ما اخترق صمت المكان ذاك الصوت
الرجولي العميق والبحة المميزة وقد مزجت بنبرة ساخرة واثقة
مع صوت إغلاقه للباب
" عذرا فيبدوا أنه ثمة من عليه حضور اجتماعكم هذا "
*
*
*
" هل خرجت زيزفون ؟ "
وقفت الخادمة مكانها ونظرت للخلف حيث الواقف ورائها تماما
ينظر لها عاقدا عاجبيه فدارت جهته بكامل جسدها وقالت باحترام
" لا سيدي "
سأل من فوره
" ولا وجبة الغداء أيضا ؟ "
حركت رأسها نفيا من فورها فتركها وغير مسار طريقه حيث
الغرفة التي أصبحت تسكنها بالأسفل منذ أن أحضرها بالأمس ،
طرق الباب بمفصل سبابته طرقات متتالية حتى سمع صوت
مرافقتها تأذن له بالدخول ففتح الباب ودخل ودون أن ينظر
لشيء أو يقول شيئا توجه جهة الجالسة على حافة السرير
وشدها من يدها وسحبها منها فوقفت وسارت معه عدة خطوات
كادت أن تقع فيها فهمست بضيق وهي تشد يدها منه وهما
قرب الباب
" آي وقاص قدمي ! "
وقف والتفت له ونظر لعينيها وقال بضيق
" تحركي بإرادتك إذا قبل أن أحملك مرغمة "
أمالت ابتسامة ساخرة عند طرف شفتيها الرقيقة وقالت
" أخشى أن تصاب زوجتك بالحمى مجددا "
تنفس بقوة يشد قبضته فهي لا تترك فرصة للسخرية منه
ولا تستغلها لكنها لم تعرفه بعد ... أجل لا تعرفه وهو من
سيجعلها تعرف ذلك جيدا ، تجاهل كل ما قالت وقال بذات ضيقه
" ألم تخبرك الخادمات منذ الأمس أن تخرجي للطعام مع العائلة ؟
توقفي عن سجن نفسك في الغرفة يا زيزفون فقد أصبح لك
حرية التحرك هنا "
قالت ببرود
" شكرا لكني لا أريد "
تأفف وقال
" لا تريدين ماذا تحديدا ؟ "
قالت بضيق مماثل تنظر مباشرة لعينيه
" لا أريد رؤيتكم ولا سماع أصواتكم أتفهم هذا الآن ؟ "
سحبها من يدها مجددا وخرج بها هامسا
" ومع كل هذا عليك أن تخرجي فلم أقبل بكل ذاك الوضع
المزري لتسجني نفسك "
سارت معه مكرهة ولا خيار آخر أمامها فإن كان ثمة شيء واحد
تعرفه عن هذا الرجل فهو عناده الذي لا يمكن لشيء أن يكسره ،
وصل بها طاولة الطعام حيث تجمع أغلب أفراد تلك العائلة عدا
رواح المسافر منذ يومين ونجيب الذي لم يزر المنزل منذ حديث
جده معه بالأمس ووالده الذي لم يرجع حتى الآن .
انتقلت نظرات الجميع لهما محدقين باستغراب عدا من ترأس
طاولة الطعام وكان ينظر لطعامه فقط ، سحب لها الكرسي فلم يكن
من خيار أمامها سوى الجلوس وإن مكرهة وانشغلت بابعاد
شعرها للخلف متجنبة النظر لهم جميعا وتلك النظرات تلتهم
ملامحها الجميلة والعينان الملونة بزرقة السماء والتي تنظر
للأطباق تحتها بلامبالاة يكشف أكمام ثوبها الحريري الناعم
عن ذراعين شديدتين البياض ونحر يضاهيهما بياضا ونعومة
قبل أن تنتقل نظراتهم تلك للذي تحرك من خلفها وسحب
كرسيه وجلس مكانه المعتاد فتحرك كرسي آخر حينها وكان
الأقرب له حين وقفت الجالسة بجواره وغادرت المكان
بخطوات سريعة ، كانت والدة رواح أول من خرج من ذاك
الصمت المميت وقد قالت ناظرة له بعتاب
" لقد جرحتها يا وقاص ، أنت تنسى أحيانا أنها أنثى وأنها زوجتك "
رفع شوكته وقال ببرود ناظرا لطبق الطعام تحته
" يبدوا أني كنت أقبلها أمامها ولست أعلم ؟ "
ألجمتها جملته الجريئة تلك عن الحديث تماما فتمتمت مستغفرة
الله وعادت لطعامها وخرج صوت انثى أخرى هذه المرة ولم تكن
إلا والدة نجيب التي أبعدت نظراتها الحاقدة عن الجالسة هناك
أخيرا ونظرت جهة الجد قائلة بضيق
" لا أعرف مجنونة يتركونها تتجول بين الناس بحرية وتجلس
وأمامها سكين ؟ "
تنفس حينها وقاص بضيق ونظر جهة التي رفعت الشوكة وبدأت
تأكل دون أن تهتم بما قيل وكأنها لا تسمعه فعلا أو لا تهتم له
بينما اكتفى الجالس عند رأس الطاولة بمتابعة طعامه دون أن يعلق
أو يبعد نظره عما يأكل .
وقف ضرار الصغير والذي كان الأقرب لكرسيها وحمل طبقه وجلس
في الجانب الآخر فضحكتا والدته ووالدة نجيب على حركته تلك
وهو يهرب منها ، خرج حينها وقاص من صبره وصمته وقال
بغضب ناظرا للجالسة مقابلة له
" لو كانت تؤذي بالفعل لأخذت حقها من ابنك لكن يبدوا لي
أنه ثمة مجنون حقيقي غيرها في هذه العائلة "
صرخت تلك من فورها
" ما قصدك بهذا يا وقاص ؟ "
" ليصمت الجميع فورا "
جملة ضرار الغاضبة تلك جعلت ذاك الحوار المحتد يتوقف
تماما ونظراته الغاضبة تنتقل بين زوجة ابنه وحفيده الأكبر
فوقفت تلك مغادرة بخطوات غاضبة بعدما رمت المنديل من يدها
وعاد البقية لطعامهم فلم يعد هناك مجال لأن يعلق أي منهم .
بعد وقت قليل وقفت والدة ضرار أيضا وتبعها ابنها وغادرا
غرفة الطعام فنظر وقاص للجالسة في طرف الطاولة فكانت تضع
يدها والشوكة فيها على الطاولة تحتها ولا تأكل بل كانت تنظر
للمقابل لها في الطرف الآخر والأبعد نظرة لم يعرفها هو المحامي
ومن جاب المحاكم والقضايا وأصبح يحتك الآن بالمذنبين سوى
في أعين من وجدوا أمامهم سبب انهيار حاضرهم وماضيهم ..
سبب القهر والذل والمعاناة التي سلبتهم كل ما هو جميل في
حياتهم ... نظرة المجني عليه للجاني حين يأخذ كل واحد منهما
مكان الآخر في نظر القانون ويضيع الحق ليظلموا المظلوم مرتين ...
نظرة لو كان بإمكانه لأزالها من تلك العينين الجميلة لكنه عاجز
عن فعلها رغم كل محاولاته مثل عجزه عن فهمها وفك جميع
خباياها ... هل تحمله مسؤلية ما حدث مع والدها وجدتها أم أن
الأمر تعدى ذلك بكثير ؟ أي حقد هذا الذي يملأ قلبك الصغير
يا زيزفون جعله يتفرع ليشمل الجميع ؟
نقلت نظرها فجأة من جده له ووجدته ينظر لها فتبادلا نظرة
طويلة صامتة قبل أن تبتسم له تلك الابتسامة الساخرة الغامضة
التي تضيف بها لغزا جديدا في كل مرة وكأنها تقول له بها وبكل
وضوح ( أنت تضيع وقتك ليس إلا )
صوت سحب لأحد الكراسي حول تلك الطاولة جعلت نظرتهما
العميقة تلك تتلاشى كالسراب حين وقفت والدة رواح وقالت برجاء
ناظرة له " من ثيابك يبدوا أنك ستخرج مجددا فاصعد لزوجتك
أولا يا وقاص "
وقف حينها هو أيضا وقال ببرود وهو يرفع هاتفه ومفاتيحه وكأنه
لم يسمعها
" لديا موعد مهم في كامبردج وقد أتأخر فنامي ولا أجدك جالسة
تنتظرينني قرب الباب "
ثم غادر من فوره بخطوات واسعة واثقة زينتها تلك البذلة
السوداء الأنيقة فتمتمت مغادرة
" أراح الله قلبك يا وقاص "
وغادرت المكان ليعمه الصمت المميت مجددا ولم يبقى فيه سوى
الجالسان عند رأسي الطاولة البيضاوية أحدهما لازال ينظر لكوب
عصيره والطعام أمامه والعينان الأخرى عادت تحدق في ملامحه
الجادة الجامدة تلك بكره وعادت تلك الابتسامة الساخرة الحاقدة
للارتسام على شفتيها وخرج ذاك الصوت الأنثوي البارد
" ضرار سلطان ... لما تتجنب دائما النظر لي ؟ "
المخرج ~
بقلم / زينه 4
من وقاص ـ لزيزفـون
هكذا اشرق الفجر...!
أي نهاراَ كان ..
ذاك الذي ظهرتِ فيه على أفق عيني ..
ي بحرية العينين
كان صباحا .. مع بواكير شتاء
ظهرتِ كمعطف دافئ يلبسني
أصبحت و كأنني أملك الدنيا
ولكن تلك العينان بلون السماء التي بلا حدود
عرفت منها أن الحب قد يكون لعبة!
وأن للصدق سكين وللبراءة احقاد ..!ا
أنكِ أنثى تُجرح ..؟
فـ الصبر معك ِ بعيد والشمس غيابها طويل
وفي الوقت الذي تُلون نهاري بمفاتيح السعادة
لم تعطيني سوى الأرق وُظلم النهار
و القسوة والجفاء مع كبرياءك وحقدك الدفين ..!
يا ذات القلب الصغير :
القلوب لها هيبه .. وجرحها ضعف
وجرح قلب رجل حالم بكِ خطيئة
فهل يموت الأمل وتحكم قيود الفرح .. المُنتظره ..؟
فمشاعري كطفل وليد
بنت مدن من فرح فقد مللت من توحد القلب
فقد كنت وفي مع وحدتي رغم قسوة شتاء الانتظار
فـ كنت انام واصحو على حلم وقد أتي !
و مع ذلكـ اخاف اختفاء نجمك عن أفقي ..
يحكمني شعور لااعرفه ! واخاف فقداني سيطرتي
فـ يتملكني قرار أن أنتزعكِ
من الكل لنفسيِ أُطبِق عليكِ بأنفاسيِ ..
..أسحبكِ كخيط ضوءٍ بلا نهاية.. بعيداً
أحب أن آتيك بالمنام لأسكن بين حنايا الحلم ونومك !
أحب فجري بكِ!.
وأحب أن أغزوك مع أسراب الضوء الأولى !
في حدود بحوري وسماءاتي فقط
...
أحب أن ألمس عينيك بأناملي
ف اوقِظُ برك الصمت بداخلك كأنغام ناي !!
فمشاعريِ كـ السُحب كريمة
وسط قلبكِ الرمادي المتوحش تهطل كقطرات المطر!
فـ أمنيات من اطل نجمكِ بمحيطي أمنيات !!
.. اتمني أن أقاسمكِ الهموم ..
بل سآخذها كلها عنكِ ..
فبكل الحالات أعيش غرامك الجديد علي
.. وبكل لغات الجسد أناديكِ ..
أناديكِ بيديّ الشاعرة باليتم من صغري ! .. ..
فأنا أحتاج لوجههكِ الذي كـ الشمس ..
ولظفائركِ الذهبيه التي أصبحت أؤرخ فيها الزمن زمني وزمنكِ .. ..؟!
سأنتظركِ على الغيم
وما بين حضوركـِ وغيابكـِ أصبحت نصفين
نصفه هو انتِ والآخر لا أعرفه ..!
نهاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل العاشر 10 - بقلم BlackButterfly002
فتحت الباب بهدوء وأدخلت رأسها تنظر أولا إن كانت مستيقظة
أم لا وابتسمت وهي تراها تمسك بكتيب الدليل الخاص بجامعتها
الجديدة فدخلت وأغلقت الباب وتوجهت نحوها قائلة بضحكة
" كيف وجدت الوضع على الورق؟ "
نظرت لها بعبوس متمتمة
" ثمانية ألاف طالب ويزيد !! ما كل هؤلاء البشر ؟ "
قفزت أمامها على السرير ضاحكة وقالت
" ومساحة الجامعة تسع كل ذلك ويزيد فلا تنسي أهميتها كإحدى
أفضل الجامعات في العالم "
ثم رفعت شعرها للخلف متابعة بحماس
" هل تصدقي أن نسبة القبول فيها تصل إلى ستة بالمئة فقط !!
هذا وهي تحوي كل هذا العدد ! أنتي محظوظة فعلا بأن كنت
ضمن طلابها فهم يقبلون ألفي طالب فقط من عشرون ألف متقدم
سنويا ، هذا ولم تتقدمي للامتحان أي طالبة مع مرتبة الشرف ،
كما أنك اخترت تخصصا سيساعدك كثيرا في استثمار أموالك
مستقبلا "
نظرت للورقة في يدها وتنهدت بصمت فهي لم تختر هذا التخصص
ولم تفكر فيه مطلقا وهو لا يشبه تخصصها هناك البتة وكانت
ستعترض لكنها فكرت بأنه الخيار الأنسب بالفعل من أجل مستقبلها
بما أنها ستكمل حياتها وحيدة ، ثم هي لا تريد التحدث معه ولا
مناقشته في أي أمر ، رفعت نظرها للجالسة أمامها حين قالت
بذات حماسها
" شقيقي كين يدرس هناك لينال درجة الماجستير وهو أحد أعضاء
اتحاد طلبة الكلية ، إنه من أكثر الاتحادات الطلابية نشاطا في الساحة
السياسية في بريطانيا ويشرف على معظم الانشطة الترفيهية في
الكلية كما أنه ثمة مجموعة إعلامية متكاملة تتبع له يصدر عنها
صحيفة أسبوعية وتدير إذاعة خاصة بها وقناة تلفزيونية أيضا "
قلبت أوراق الكتيب قليلا في يدها ثم نظرت لها مجددا وقالت
" تعرفين الكثير عنها ! "
ضحكت وقالت
" أخبرتك أن شقيقي من والدتي طالب مهم فيها بل ومهووس
بنشاطاته هناك ولم يكن يتوقف عن الحديث عنها وقد أخذني
لزيارتها أيضا ، شعبيته كبيرة هناك لقد أصابني الحول بسبب
التعرف على كل ذاك العدد من أصدقائه "
تنهدت بحزن متمتمة
" ليتك تدرسين هناك معي ، لن يكون الانسجام هناك سهلا "
سحبت الورقة من يدها وقالت
" هذا هو سبب مخاوفك فتوقفي عن قراءته وسيعجبك المكان
ما أن تدخليه صدقيني وسأكون معك في أول يوم لك هناك هل
يرضيك هذا ؟ "
قالت مبتسمة
" أجل يرضيني على الأقل أتعرف على المكان الضخم ذاك أولا "
ضحكت ونظرت جهة الطاولة فماتت ضحكتها وقالت بانبهار
" واااو مارية ما هذا ؟ "
وقفزت فورا جهتها ورفعت الهاتف الموجود هناك قائلة بعدم
تصديق
" هذا موديل العام في الهواتف المحمولة وثمنه مرتفع جدا
يقتنيه الأغنياء فقط ، متى خرجت لشرائه ؟ "
نظرت جهة النافذة وهمست بابتسامة ساخرة
" بل كان ظمن الأغراض التي وصلت "
لم تعلق على ما قالت تقلب الهاتف بإعجاب من مميزاته الحديثة ،
فتحت سجل الأسماء المخزنة فكان ثمة رقم واحد فقط مسحل بإسم
( تيم ) فحركت شفتيها بامتعاض ونظرت لملحقات الرقم وفتحت
الرسالة الوحيدة فكان فيها
( راسليني إن احتجت شيئا بخصوص الجامعة(
فرمته على الطاولة قائلة بضيق
" ما أسخفه من رجل متعجرف لم يكلف نفسه بقول اتصلي بي ،
لو كنت مكانك لتطلقت منه فورا "
أنهت جملتها تلك وتنفست بعمق تنظر للتي تهيم بنظرها جهة
النافذة بنظرة جامدة خالية من أي تعبير وهذا ما شجعها على قول
ما قالت ، تحركت وجلست أمامها مجددا قائلة
" ماذا حدث بشأن المصرف هل اتصلت بهم ؟ "
كتفت ذراعيها لصدرها وتنفست بعمق متمتمة ونظرها لازال هناك
" نعم وكان الرقم مطابقا لجميع الأوراق في المغلف ، كل شيء تم
بيعه تحول لأموال وضعت هناك ولم ينقص منها شيئا وتوقيع
محاميه هناك المدعوا أويس كان موجودا في جميع الأوراق "
قالت الجالسة أمامها باستغراب
" تعني أن كل هذه الأغراض والثياب وحتى الهاتف المحمول
ليس من مالك أنتي؟ "
حركت رأسها بنعم دون أن تعلق ونظرت للأسفل فتنهدت ساندرين
قائلة بعبوس
" هي من ماله إذا ؟ "
غاردت حينها الجالسة أمامها السرير وقالت
" ما رأيك في زيارة المكتبة مجددا ؟ أنا لم أراها جيدا المرة
الماضية "
قفزت من السرير قائلة
" جميل وأنا أحب ذاك المكان كثيرا فدعيني أغير ثيابي فقط "
وخرجت من فورها ونظراتها تتبعها حتى أغلقت الباب خلفها
فنقلت نظرها جهة الهاتف المحمول والمرمي فوق تلك الأوراق
ثم رفعت رأسها للأعلى تسجن الدموع في مقلتيها الواسعة
رافضة أن تنزل مجددا وتذكرت عبارتها تلك
( لو كنت مكانك لتطلقت منه فورا )
وابتسمت بألم ... لا تفهم لما الجميع يرى أن طلاقهما هو حلها
الأمثل ! فهل الجميع على صواب ووحدها المخطئة ؟
*
*
*
كانت جميع تلك الأوراق تمرر إليه وجميع البنود يناقشها وكأنها
جزء من أعماله اليومية التي يحفظها عن ظهر قلب وليست
جداول لأول مرة يراها مليئة بالأرقام ككراسة طفل منظم يتعلم
الرياضيات ! وكيف ستستغرب ذلك وهو من كانت أذرعه تحظر
جميع اجتماعاتهم ونقاشاتهم كجزء من ذاك الاجتماع وكأكبر
داعم لمملكتهم ولصمودها كل هذه الأعوام رغم النقد والطعن
والمحاربة التي كانت تتلقاها من الرافضين لمبادئها وللقضايا
التي كانت تدافع عنها ، دعم لم تتخيل يوما أن يتحول لنكبة
تلون حياتها بالسواد وحمل ثقيل عليها البحث عن بدائل له
لتتخلص منه .
رفعت نظرها مجددا جهة الجالس في الطرف المقابل من رأس
الطاولة والذي كان منتبها مع ما تقوله كل واحدة منهن رغم
يقينها من أنه يعلم بأن هذا ليس سبب اجتماعهم ذاك لكن أي
واحدة منهن لم تكن لتخمن ذلك ومن لم يستغربن وصول مبعوث
من الوزارة بعد رفض مديرة جمعيتهم القاطع لحضور الاجتماع
لكن أن يحضر هذا الرجل خصيصا ! أن لا يكلف غيره ولا الوزير
نفسه فهذا ما لم تتوقعنه والأعين تحدق به وكأنها تعيش حالة
ذهول قد أصبحت مبالغا فيها .
أشاحت بوجهها جانبا من جديد تتنفس أنفاسا كالسعير ، لا تفهم
هؤلاء النسوة لم يرين رجلا من قبل أم ماذا ؟ أليست اثنتان منهن
متزوجات وثلاثة مطلقات كرهن الرجال بجميع أجناسهم على حد
قولهن ! أم لا يرين خاتم الزواج الذي لا يحاول إخفائه البته يزين
يده اليسرى ؟ همست من بين أسنانها
" حمقاوات "
فلم ينتبه لذاك الهمس سوى الجالسة بجانبها والتي كانت وحدها
البعيدة عن ذاك الرجل وعن كل ما يحدث في تلك الغرفة ، ابنة
خالتها التي لا ترى إلا أنها أجبرتها على المجيء عبثا وأنها
أبعد ما يكون عما يقال في ذاك الاجتماع
" أرى أن مديرتكم لها أراء أخرى فيما قيل "
عادت بنظرها مجددا حيث صاحب النظرة الماكرة الموجهة
لعينيها تحديدا ... صاحب الصوت الجهوري بنبرته المبحوحة
والكفيل وحده بأن يجعل الجميع ينتبه له ، لا بل جميع الأعين
باتت تحدق بها ذاك الوقت وكأنهن اكتشفن حينها فقط وجودها
هناك وبدأت الأعين تحدق بمظهرها الذي لم يتغير رغم دخول
ذاك الرجل ! الشعر الحريري المتدلي على كتفيها كستارة سوداء
والذراعان العاريتان شديدتا البياض تتمسك بصمت الجدران حولهم
تشد قبضتاها بقوة فوق الأوراق تحتها تفرغ فيهما غضبا يشتعل
داخلها قد تستطيع إخفائه عن الجميع إلا عن الجالس هناك وقد
سحبت ذاك النفس العميق المستاء لصدرها بقوة مبرزا مفاتنه
من تحت ذاك القماش الحريري وبدأت الأسئلة تتقاذف بين تلك
الأعين والنظرات والتفسير بات وحده الأقرب للحقيقة ، أحنت
رأسها تتكئ بجبينها على راحة يدها وأصابعها البيضاء الرقيقة
تتخلل تلك الغرة التي بدأت تتحرر من قوس الشعر تخفي غرسها
لأسنانها في شفتها بقوة آلمتها غضبا من كل شيء حولها وأولهم
الجالس هناك والذي دفع كرسيه حينها ووقف مظهرا ذاك الطول
والجسد المتناسق مجددا وقد تحرك من مكانه حول الطاولة
بخطوات واسعة والأعين تتبعه باستغراب حتى وقف خلفها
مباشرة وشعرت بملمس يديه على بشرة ذراعيها فأغمضت
عينيها تخفي ذاك الارتجاف في جسدها لشعورها بملمس يديه
مجددا بعد كل هذه الأعوام وتنهدت بضيق فها هو ما كانت تخشاه
قد حدث بل وسريعا جدا ، وما لم تكن تعلمه بأنه كان يخبئ لها
الأكثر من ذلك بكثير حين انحنى قليلا متجاهلا شهقتها المكتومة
وهو يلف ذراعيه حولها وقبل خدها من فوق ذاك الشعر الحريري
مما جعل الأعين تجمد مكانها من الصدمة وهم ينظرون لهذا
المشهد وللرجل الذي يزيد من شد ذراعيه القويتان حول ذاك
الجسد النحيل الرشيق يهمس في أذنها مبتسما بكلمات تمنت كل
واحدة منهن لو تسمعها ، صدمة لم يخرجهم منها سوى رفعه
لنظره جهتهن قائلا بابتسامة مائلة
" هلا انفردت برئيستكم قليلا ؟ "
*
*
*
نظرت له بصدمة واقفة مكانها وكأنها لم تفهم بعد اللغة التي كان
يتحدث بها أو لم تصل المعلومة لدماغها ... يطردها !!
ليس الإهانة تعني فهي لن تستغرب ذلك منه لكن ما لا تستطيع
تصديقه أن يخرجها من سجنه وسجن شقيقها الليلي الذي عاشت
فيه كل عمرها دون أن يرف له جفن ولا أن يتساءل أين ستقضي
ليلتها هذه أم أنه يراقبها أيضا ؟ لا ... لا تضن ذلك فهو ومهما
حدث لن تعنيه كما شقيقها ومتيقنة من أنه لن يتمنى لها إلا السوء
والأسوء ولن تستبعد حتى أن يكذب على الذي سيصدقه بسهولة
ويكذبها هي .
حملت أكياسها كما كرامتها معهم فهي لن تترجاه لتركها هنا حتى
تستلم سكنها الجديد وإن نامت على رصيف الشارع وهذا أول ما
أعلمه لها هذا الرجل وسريعا جدا أن غيسانة التي تذل نفسها من
أجل المال والمأوى قد اختفت وللأبد .
أدارت ظهرها له مرفوعة الرأس عامدة ليوقفها صوته البارد
المتعجرف
" ومفتاح سيارتي أيضا "
كتمت غضبها كما غيظها وحقدها ورمت الأكياس من يديها بقوة
وفتحت حقيبتها وأخرجته منها ثم نزعت منه علاقة المفاتيح التي
تحمل اسمها ورمته على الأريكة وحملت أكياسها وغادرت من هناك
دون أن تسأل أو تنطق بحرف وتركته واقفا مكانه مكتفا ذراعيه ينظر
لها بجمود ولم تسمع منه كلمة تراجع وإن كانت غاضبة كما توقعت
ولا حتى ( عودي هنا أيتها الخسيسة ) بل لم ينطق بحرف حتى
خرجت ! نظرت خلفها مفزوعة حين ضرب باب الشقة الخشبي الثقيل
بقوة رجل حروب كاد معها أن يسقط قلبها أرضا فبصقت جهة الباب
متمتمة " سحقا لأمثالل "
ثم أنزلت كتفيها متنهدة بعجز فأين ستذهب الآن وما ستفعل ؟
لا صديقات لديها سوى فآبيانا التي تسكن هنا معها وأنجيلا التي
لن تستطيع زيارتها وقضاء الليلة عندها بسبب زوجها فهو يعمل
في الكنيسة وأفكاره متزمتة وسيعرضها لتحقيق طويل ونهاية
الأمر سيطلب من صديقتها أن تصرفها بأدب وأي أذنب في طرد
الشخص علانية ؟
شدت على أسنانها بقوة هامسة
" وهل ترك لي ذاك الشقيق فرصا لأكون صداقات ؟ هما صديقتان
فقط يعلم أن الانحراف ينحرف يسارا حين يصل عندهما "
توجهت جهة عتبات السلالم المؤدية للسطح وصعدتها حتى
المنتصف ووضعت أكياسها هناك فلا حل أمامها فحتى عمها
سافر أيضا ولا أقارب لها غيرهم فقط خالة والدتها التي تسكن
في أقصى الريف ولا يمكنها الوصول لها ولا رؤيتها ومنذ طفولتها
لم تحب الواحدة منهما الأخرى وكانت تتنقدها في كل شيء وتصفها
بالمدللة الغبية فكيف الآن وتلك الخالة أصبحت عجوزا فهي لم
تراها منذ جنازة والدتها ولن تنسى تلك العبارة التي قالتها لها
( الموت يفترض أن يكون موعظة لضعاف النفوس ولمن لا دور
لهم في هذه الحياة علهم يتحولون لطاقة إنتاجية وأن يعتمدوا
على أنفسهم )
تأففت وجلست على إحدى تلك العتبات الرخامية تطرد كل تلك
الذكريات من دماغها فهي لن تلجأ لها في جميع الأحوال ولا
لغيرها فلا مال لديها لطلب سيارة أجرى ولا نقود للمبيت في
أحد الفنادق فقد أنفقت جميع ما تملكه من أجل شراء الثياب ،
سحبت أحد الأكياس جهتها ووضعته تحتها وجلست عليه فلم
يعد يمكنها تحمل برودة الرخام تحتها فالجو يبرد ليلا حد التجمد
وهي لبست ملابس ربيعية خفيفة نهارا من أجل تلك المقابلة .
وما أن مر بعض الوقت حتى أصبحت جميع تلك الثيات ملتفة
حول جسدها المرتجف من البرد تحاول تدفئته ولو قليلا لتستطيع
النوم فهي لم تنم منذ الصباح الباكر
*
*
*
ازدادت ابتسامتها الساخرة اتساعا وهي تنظر للذي رفع نظره
لوجهها ببطء شديد حتى التقت نظراتهما فرفعت ذقنها ونظرت له
نطرة لم تحكي الكره والحقد فقط بل وأعوام طويلة من الألم
والمعاناة ، ولم تستغرب نظرته الجامدة آن ذاك وأن لا يصدر
عنه أي ردة فعل فرجل كضرار سلطان لن تتخيل أن يخونه ذكائه
بذاك الشكل المخزي وأن لا يفهم حقيقة صوت المرأة الذي سمعه
في الهاتف ما أن يكون هنا ويطلع على حقيقة ما حدث ولا أن يفكر
للحظة أن حفيده المبجل ذاك قد يخطئ مع امرأة وإن رآه بعينيه في
حضن إحداهن ، وما صمته عن كل ما حدث هنا منذ قليل إلا ليقينه
من أنها تسمعهم مثله تماما ، وإن كان يتخيل بأن ما حدث يؤثر
بها فهو مخطئ كل الخطأ فما شهدته حياتها أسوأ وأفظع من هذا
بكثير ، لم تعتاد يوما على أن تعامل بلطف .. برقة .. بعطف منذ
تركت حضن جدتها ومن ثم ذاك المنزل وتلك العائلة الصغيرة ،
لذلك هي لا تعرف أن تحب أحدا لأنها حرمت ذلك كل عمرها ..
لا تصدق أحدا ولا تثق بأحد ... ذاك الموجود بين أضلعها مات
وانتهى منذ تركها هذا الرجل وقبلها جدتها ووالدها ....
( ابن الزنا ) هذا ما ألصقه به قبل أن يختفي من حياة تلك المرأة
التي توجوها وابنها بذاك اللقب وبجدارة ليحمل ابنها اسم والدها
ويصبح شقيقها في نظر القانون بدلا من ابنها فأي مهزلة تلك
وأي تاريخ ؟
لن يفهم هذا الرجل ما عاناه ذاك الابن ووالدته من قبله وهي
تطرق أبواب الناس تبحث عن أي شيء تفعله لتسد حاجتها وهي
تحمله في أحشائها ويرفض الجميع أن تتخطى عتبة تلك الأبواب
كما رفضت كل حياتها أن تتسول قوتها أو تأخذ صدقة من أحد
فاختارت أن تعمل في أراضي الحالك تحفر التراب بيديها فوق
حملها وتعبها وجوعها لتقتات القليل ، صبرت وعانت وتحملت
الكثير كل ذلك بسبب الجالس أمامها الآن من كان سبب دموع
والدها قبل أن يموت بساعات وهو يدعوا على نفسه بالموت ،
عبارة وجدتها ضمن الأوراق التي كتبتها جدتها بخط يدها ولن
تنساها ما عاشت ( زيزفون ليست من حق رجل تسبب بتمني ابنه
للموت قبل أن يأتيه بساعات ودموعه تسقي لحيته )
" ليس لأني أشبه جدتي بالتأكيد فلست أعتقد بأن ضميرك قد
آلمك يوما "
خرجت من صمتها مجددا لتصفعه الصفعة التالية دون رحمة ولا
خوف ، وما الذي بقي لها تخشاه وتخافه ... ؟ لا شيء ولا أحد
فهي خسرت حتى نفسها ولم يبقى إلا الموت ومرحبا به متى شاء ،
رفعت ذقنها أكثر وقالت بابتسامة ساخرة
" أشبهها أليس كذلك وفي كل شيء ؟ أشبهها قبل أن تدمرها
وتحولها لعجوز لم تصل العشرين عاما بعد "
تحولت الزرقة في مقلتيها لغيوم رمادية قاتمة وهمست بحقد
" قبل أن تحولها لفاجرة في نظر الجميع ، قبل أن تحكم على
ابنها بالنبذ كلقيط وقبل أن ترمي بابنته للوحوش أليس كذلك ؟ "
لم يعلق مثلما لم يزح نظراته الثابتة عن عينيها وذاك كان آخر
ما يعنيها فهي لا تريد سماعه وليس يعنيها ما سيقول فلا مبررات
تشفع له مهما قال وتعلم أنه لن يفعل ذلك وليست تهتم فكل ما تراه
أمامها ذاك الوقت السبب الأول لعذابها ولكل ما قاسته منذ ولدت
وحتى اللحظة ... ترا جحيما فقط تشعر به يشتعل في جوفها مدمرا
كل ما فيه ، رفعت السكين من أمامها ورفعت معصم يدها الأخرى
وغرست رأسه في طرفه تشد على أسنانها بصمود وتنظر له بكل
ما عنته كلمة كره في قواميس اللغات وهمست وهي تخرجه وقد
سالت قطرة دماء حمراء على ذاك الساعد الثلجي
" قسما أن تذوق كل ذلك يا ضرار سلطان وأن تتمنى الموت الذي
تمناه ابنك قبل موته وأن تجرب دموعه تلك وأن تذوق ما أذقته
لجدتي ولي ، سأفعلها وإن قطعت أطرافي ورميت بي في الشارع ...
لن أموت تأكد من ذلك وسآخذ بحقهم جميعا وأولهم أنا "
وقفت بعدها وغادرت المكان بخطوات بطيئة كروح طليقة كشبح
امرأة ظهر من الماضي ورحل له والدماء بدأت ترسم بقعا قانية
خلفها تتسرب من رؤوس أصابعها وليست تهتم لها فأنثى مثلها
آخر ما بات يعنيها هو أن تموت .
"جدتك من كذبت بشأنك كي لا آخذك منها "
وقفت مكانها ما أن وصلتها تلك الكلمات والتفتت بكامل جسدها
ناحيته تنظر للجالس مكانه منزلا رأسه للأسفل وقد شكل الظلام
النسبي ظلا أسودا على وجهه فلا يظهر منه سوى أنف عائلة آل
ضرار الارستقراطي المستقيم ... لكن المعضلة ليست هنا بل في
النبرة الهادئة التي تحدث بها وجعلتها تتجمد مكانها ! ضرار
سلطان عنوان القسوة والجبروت ! من لم تسمع له صوتا إلا
آمرا أو غاضبا وحازما منذ دخلت هذا المنزل ومع الجميع في
كل خروج لها من جناحها السابق متسللة !! شدت قبضتها بقوة
لتتقاطر تلك الدماء من مفاصلها وقد وصلها صوته مجددا حين طال
صمتها
" أرادت الاعتناء بك فلم أرغب في حرمانها منك "
ابتسمت بسخرية ابتسامة تشبه الموت البطيء قبل أن تتحول
لقهقهة أنثوية مرتفعة وهي ترفع رأسها للأعلى مما جعله يرفع
رأسه وينظر لها ، كانت ضحكة أقرب للشر والحقد والكراهية
منها للسخرية أو حتى القسوة ، توقفت فجأة وأنزلت رأسها
ونظرت له وقالت تشير لنفسها بسبابتها
" هذه أنا فماذا عنها هي ؟ ماذا عن ابنك منها ؟ "
ثم أشارت لوجهه وتابعت بحقد
" ألم تعلم الحقيقة ؟ ... ألم تصبح بريئة أمام عقلك المريض
وبالدليل القاطع فلما ذهبت تبحث عن حفيدتك فقط ؟ عن نسلك ..
عن مجدك وتركتها هي للجوع والموت والحروب "
أشارت له أكثر بسبابتها الملطخة بالدماء وصرخت بعنف
" لن يرضيني فيك سوى أن تموت كما ماتت هي أمام عيناي
وأن تموت كما مات ابنها أمام عينيها "
وتابعت وقد أشارت لنفسها تضرب بطرف سبابتها على صدرها
ضربا
" وأن تموت كما مت أنا أمام نفسي قبل الجميع ... قسما أن يحدث
ذلك وأنا ابنة اسحاق ابن نسيبة الخماصية "
غادرت بعدها المكان بذات تلك الخطوات البطيئة الخافتة انثى تسير
كفراشة بيضاء في أروقة ذاك المنزل الواسع لكن ما تخلفه بعدها
دماء ودموع تقاطرت من طرف فكيها فمن قال أن الكره والحقد
مجرد وحش إن حررته تخلصت منه للأبد ؟ لا ذلك ليس صحيحا
فالوحش في داخلها بات أضخم وأعظم وأقوى وما كان فتح القفص
عنه سيخرجه ولا حتى بدمارهم جميعا .
وصلت غرفتها وهي تستند بكل ما مرت به قرب بابها ولازالت تلك
الدموع الصامتة تسقي وجنتيها وثيابها والأرض تحتها ، تمسكت
بطرف الطاولة منحنية للأسفل قليلا ويدها الأخرى تمسك ياقة
فستانها المفتوح بقوة فحتى الهواء أصبح يشح على رئتيها ...
الظلام يتسلل للمكان شيئا فشيئا والدخان الأسود يملأ المكان ...
الأرض ليست ذاتها ! الجدران اختفت والبرد يشتد ! حتى المكان
تغير تماما ... أخشاب محترقة تربة مبللة بالأمطار وروائح عفنة
بشعة ! رفعت رأسها قليلا تتحرك حدقتاها بذهول واتسعت عيناها
الزرقاء الدامعة بذعر وهي تنظر لصاحب الثياب الرثة والملوثة
بالرماد الواقف هناك .... صاحب الابتسامة البشعة الكريهة التي
زادت خطوط وجهه المظلمة عمقا وقسوة وهو يمد يده ناحيتها
وبصوته الخشن الكريه
" تعالي يا زيزفون ، هيا يا صغيرة ... أنتي بأمان معي أنا فقط
فلا أحد غيري يحبك ويهتم بأمرك ... هيا تعالي "
" كااااااااااذب "
صرخت فيه بأعلى صوتها وبدأت برفع قطع تلك الأخشاب ورميه
بها تصرخ مهددة له وهو يقترب منها ضاحكا دون أن تصيبه أي منها
*
*
*
وقفت مبعدة يديه عنها ما أن اغلق الباب خلف آخر الخارجات
من ذاك المكان والتفتت ناحيته قائلة بغضب
" ما هذا الذي تفعله يا مطر ؟ وما الذي جاء بك هنا ؟ "
مد يده لقوس الشعر ونزعه محررا بذلك باقي غرتها التي تناثرت
حول وجهها فورا ورماه على الطاولة وقال ببرود
" بما أنه لا وجود لشيء في قاموسك يخصني يحمل مسمى النوايا
الحسنة فالسؤال الأول لا جواب له عندي ، أما الآخر جوابه لديك
فما الداعي لهما ؟ "
شدت قبضتيها بقوة وغضب وهمست من بين أسنانها
" متعجرف "
همس لم تتخيل أن يصله ولم تهتم أيضا حين علمت بذلك فهذا
هو لم تغيره السنين لازال الرجل الذي يتنفس غرورا وكبرياء ..
كتلة من السيطرة والاعتزاز بالنفس مثلما لازالت هي ذاتها الغبية
مبعثرة المشاعر .. لازالت الحمقاء الجاهلة بالرجال فقط حين تقف
في مواجهة هذا الرجل مثلما لازالت الغيورة البلهاء التي ترفض
اقتراب النساء منه حد الجنون ، فلما وحدها من تشعر ووحدها
تعاني وهي فقط من يوجد وسط أضلعها قلبا أحمقا ؟ كانت تلك
الأفكار تدور في رأسها دون توقف تنظر لعينيه بغضب ليس منه
فقط بل ومن نفسها قبله فالموت أرحم لها من أن ترتمي في
حضنه مجددا مهما اشتاقت له واحتاجت لدفئه وحنانه ، تحرك
نحوها ما أن انتقلت نظراتها من عينيه لصدره العريض فابتعدت
متراجعة للخلف وقالت بضيق
" فقط لأني تربية شراع صنوان لكنت أهنتك أمامهم "
زادت خطوتين للوراء حين اقترب أكثر دون أن يعلق حتى
التصقت بالجدار وقالت بأمر
" مطر ابتعد عني "
صرت على أسنانها بغضب مكتوم حين ارتفعت ضحكته مالئة
المكان وسند يده بجانب رأسها على الجدار وقال بابتسامة جانبية
ناظرا لعينيها القريبتان منه
" لست أصدق أنك تخافين اقترابي يا غسق "
نظرت لحدقتيه السوداء مباشرة وقالت بقوة وإن زائفة
" لست أخافك بل لا أريد "
أبعد حينها نظره عن عينها ورفع رأسه عاليا ونظر للسقف فتنفست
بقوة وعمق ، تعلم أن عبارتها تلك جارحة وودت لو أضافت حرف
الكاف لآخر كلمة فيها ليكون الجرح أعنف وليعرف معنى الرفض
الذي عاملها به لأعوام بل ومن قبل رحيله من البلاد لكنها لازالت
تربية شراع صنوان مثلما لازال هو زوجها ... حقيقة لا مناص
منها وإن كرهتها .
عاد بنظره لعينيها مجددا وقال بقسوة
" لن أسمح لجنونك أن يدمر العمران يا غسق ، لن أسمح لك بأن
تقطعي كل تلك الأرزاق وتشردي العائلات المحتاجة لها فقط لتثبتي
غرورك ولتنتقمي من مطر شاهين ، توقفي عن الجنون وفكري في
مصلحة الجميع "
قالت بإصرار
" ليس ما أفعله جنونا ولا يحق لك التدخل فيه ، أنا لا أريد أموالك
ولا دعمك ومملكة الغسق ستستمر وثمة الكثيرين غيرك على
استعداد لدعمنا "
ضرب كفه على الجدار بجانب وجهها وصرخ فيها
" لدعمكم أم لدعمك أنتي يا غسق ؟ غبية أنتي أم تدعين ذلك فقط ؟
هل فكرت في سبب قبول عروض المساعدة تلك ؟ "
شدت قبضتيها وقالت بضيق
" لأننا ندافع عن قضية حقيقية ولأنهم المستفيدون ماديا أيضا
بل وإعلاميا "
صرخ فيها مجددا وقد بدأ يفقد أعصابه وبروده درجة الخروج
عن السيطرة
" هراء ... أي منافع مادية هذه التي تتحدثين عنها وأرباحهم ستكون
مضاعفة إن استثمروا تلك المبالغ في أماكن أخرى وهم سيقدمون
نصف تلك العائدات كهبات للعائلات المحتاجة ؟ لا يخبرك عقلك
يا غسق أنه ثمة من يضع مالا في مكان ويمكنه استثماره بأرباح
مضاعفة في مكان آخر ، الهبات والحملات التبرعية وغيرها لا تكلف
كل هذا .. لا أحد يدفع المال كهبة لغيره .. ليس الجميع يحمل قلبك
أنتي "
هي من أبعد نظرها عنه هذه المرة وليس لأن كلماته جرحتها بل
لأن قربه منها بهذا الشكل بدأ يبعثرها تدريجيا .. رائحة عطره ..
جسده .. ملامحه القريبة وأنفاسه الغاضبة المداعبة لوجهها ، هي
ليست ندا لحرب كهذه تعرف نفسها جيدا لكنها لن تستلم لعواطفها
مجددا ، أغمضت عينيها دون شعور منها حين شعرت بملمس
أصابعه على ذقنها وقد أدار وجهها ببطء جهته مجددا وكأنه
استطاع قراءة ما يدور في ذهنها ، رفعه له ينظر لملامح وجهها
الفاتنة التي لم تغيرها السنين ، سحب نفسا قويا لصدره وأخرجه
ببطء وقد أغمض عينيه لبرهة هامسا لنفسه
( يا حر صبرك عليها يا مطر )
تسللت أصابعه لفكها يشعر بملمس بشرتها الناعمة وخصلات
غرتها الحريرية تداعب ظهر أصابعه وقد بدأت أنفاسها تفقد السيطرة
فكانت كمغناطيس جذبه بقوة وسريعا وقد أحنى رأسه يمينا لخدها
وما أن شعرت بملمس شفتيه فتحت عيناها مجفلة فوضع أصبعه
على شفتيها وهمس بأمر " اشششش "
ثم أدخل يده الأخرى في جيبه وأخرج منها شيئا رفعه أمام
نظراتها المصدومة وضغط على شفتيها بسبابته أكثر ما أن
حاولت التحدث مجددا وهمس بصوت رجولي عميق حازم
" لا تتحدثي أو قسما لن أرحم هذه الشفتين مني قبل نصف ساعة "
فلاذت بالصمت فورا تشعر بخديها يشتعلان احمرارا بسبب ما قال ،
أدار خاتم الزواج حتى كانت قطعة الألماس المتوهجة تلك في
الأعلى وقال ناظرا لعينيها
" أثبتي لي ما قلته سابقا يا غسق "
نقلت نظرها منه لعينيه وهمست بأحرف قطعتها أنفاسها
" م ج ن و ن "
ابتسم من فوره وهمس ناظرا لعينيها
" لن يلمس رجل شعرة منك وأنا حي أتنفس يا غسق فليفهم
الجميع ذلك "
كان عليها تجاوز كل ذلك بسهولة .. ابتسامته .. تملكه الرجولي ..
وسيطرته الفريدة من نوعها .. فالحرب حربها ولن ترضى بأن
تخسرها أبدا ، قست ملامحها الجميلة وقالت بضيق
" حدد أغراضك من هذا فيبدوا أنها كثيرة "
خرجت منه ضحكة صغيرة مكتومة وقد قبض على الخاتم في يده
ومد يده الأخرى ليدها ورفعها وألبسها إياه ثم رفعها لشفتيه
وقبلها ناظرا لعينها ثم مررها تحت ذقنه قائلا
" كلاهما يؤدي لذات النتيجة فليثبت كل واحد منا ما يريد "
أثارت لمسته تلك حواسها بقوة وأنهكتها من الداخل فاحتاجت لكل
ذرة قوة وصمود لتقاومة وهي تسحب يدها منه قائلة بضيق وإن
كان قلبها يئن بين أضلعها
" بعد عرضك الوقح اليوم أمامهم وذاك الخاتم في يدك لن يكون
لهذا أي داع "
أمسك بيديها وأدارهما خلف ظهرها ولم تجدي مقاومتها له شيئا
فقد استطاع تثبيتهما بيد واحدة فقط للخلف وحاصرها بجسده
الرجولي القوي واتخذت الحرب معه منحى آخر تماما وهذا ما
كانت تتوقعه وتخشاه وها قد حدث ، هي الحمقاء السبب فيه
فقد سمحت لمشاعرها الغبية أن تظهر للسطح ، اتكأت برأسها
للأعلى على الجدار خلفها فتدرجت بحركتها تلك غرتها الحريرية
للخلف وشدت على أسنانها حتى كادت تحطمها حين ارتفعت
أصابعه لقميصها الحريري وفك أول زر فيه ونظر لعينيها قائلا
بابتسامة جانبية
" تعلمين جيدا أن ما حدث هنا لن تخرجه سيدات إدارتك فتوقفي
عن المراوغة "
ضربت رأسها للخلف قليلا مع حركة يديها المقاومة محاولة
الفكاك ودون نتيجة فهمست بضيق من بين أنفاسها
" لازلت تلعب بغير نزاهة يا مطر "
لمعت عيناه بسخرية وقال وأصابعه تفتح الزر الآخر
" لمعلوماتك إذا أن النزيه مع النساء هو من يخسر دائما "
أغمضت عينيها لبرهة هامسة بتوعيد
" مطر لا تفتح على نفسك بابا أنت من سيكون الخاسر فيه "
ابتسم بتسلية وكأنه وصل لما يصبوا له منذ البداية وهو إخراج
غسق الماضي من جديد وهذا أكثر ما بات يعشق فعله ، أدخل
أصبعيه في ياقتها المفتوحة متعمدا لفتح الزر الثالث واقترب
من أذنها هامسا
" متأكدة من أنك أرضعت ابن شقيقك عاما كاملا ! "
عضت طرف شفتها بقوة وأحنت رأسها تغمض عينيها بشدة حتى
لامس جبينها صدره وباتت في حضنه رغما عنها ، كانت من
الضعف أن اقتربت من الهاوية وكادت أن تترجاه بضعف ليتركها
لولا تلك الطرقات القصيرة على الباب قبل أن يفتح فجأة مما
جعله يبتعد عنها بحركة واحدة سامحا للهواء بالتسلل لرئتيها
مجددا تدفعه وتخرجه بقوة وقد بدأت تعيد سريعا إغلاق أزرار
قميصها ثم ترتيب خصلات غرتها تنظر للأرض هربا من الواقفة
هناك والتي كان سهلا عليها أن تدرك أي وضع ذاك الذي كانا فيه
كما أن تلون وجهها وحمرة الخجل جعلتهما يدركان بسهولة أنها
فهمت ما يجري فنظرت للأسفل وقالت بتوتر
" ماذا بشأن الاجتماع يا غسق فالسيد سليمان وشريكاه من
المفترض أن يكونوا هنا بعد نصف ساعة من الآن "
وهذا كان ما خططت له أن يحظروا النصف الآخر من الاجتماع
بعد أن توضح لمجلس إدارتها الوضع الجديد والخطط المستقبلية
لكن الواقف بجانبها الآن والذي يضغط بقوة على أصابع يدها حيث
ذاك الخاتم أفسد كل شيء وها هو يذكرها الآن بالتحدي الذي
أجبرها على خوضه والتراجع فيه يعني الخسارة وهذا ما لن ترضا
به أبدا ، حاولت سحب يدها منه مجددا ولم ينجح الأمر فتأففت
بصمت وقالت مكرهة
" اعتذري منهم "
ترك حينها يدها وتحرك جهة الباب حتى وصل عند التي تنحت
بكل أدب للداخل ليخرج فوقف ونظر خلف كتفه حيث الواقفة
مكانها وقال موجها حديثه للموجودة قربه
" أفهمي ابنة خالتك أن ما تنوي فعله ليس في صالح الجميع
وأولهم هي وأن لعبة المال أكبر من أن تخوضها امرأة "
وغادر من فوره كما دخل كتلة من الكبرياء وعاصفة من العنفوان
الرجولي ... رجل وكأنه وجد فقط ليكون بطلا من الخيال لا ينافسه
في تلك الرجولة أحد بقدرته على إثارة العواطف وقدرته على
الاستفزاز برجولته الفياضة .
تبعته بنظراتها حتى خرج ثم نظرت للواقفة مكانها عند الجدار
وقالت متنهدة
" آه غسق بربك كيف جعلته يتزوجك ؟ رأيت رجلين بالأسفل
وما أن علمت أنهما من رجاله كدت أفقد وعيي بسبب شخصيتيهما ...
ما هذا بحق الله ؟ "
ثم تحركت من مكانها واقتربت منها ما أن سحبت الكرسي وجلست
عليه وقد دست رأسها بين يديها ترفع بأصابعها الشعر الذي تناثر
مع حركتها للأسفل ، جلست في الكرسي المجاور لها وأمسكت
بكتفها قائلة
" غسق ما الذي حدث بينكما ؟ متى تزوجتما مجددا ! "
خرج صوتها الهامس بسخرية دون أن ترفع رأسها
" تزوجنا !!! نحن لم ننفصل يا جليلة لنتزوج ، غسق قدوة
مطلقات مملكة الغسق ليست مطلقة ... تصوري !! "
مسحت على شعرها وقالت بابتسامة تخللت ذاك الصوت الحزين
" لن يليق بك رجل غيره يا غسق ولن يفهمك رجل إلا مثله ،
لن تتصوري ما قيل عنه بعد خروجنا من عندكما ، لو كنت
مكانك لاقتلعت ألسنتهن قبل أعينهن "
رفعت رأسها ونظرت لها وقالت بضيق
" لا أعلم لما تدافعون عنه جميعكم ؟ لما لا ترون ما فعله بي ؟
هل لأنه مطر شاهين تمسح له الزلة تلو الأخرى ؟ "
وقفت الجالسة أمامها مجددا وقالت بأسى
" بل لأنه رجل يتمسك بامرأة وأمثاله قليلون في هذا الزمن "
ثم غادرت ونظراتها الحزينة تتبعها حتى خرجت ، لو تعلم فقط
ما يحدث معهما ! نظرت
للخاتم في يدها ونزعته بعنف ووقفت وغادرت المكان أيضا وكل
ما تحاول فعله نسيان ما حدث في ذاك المكان بجميع تفاصيله ،
سندت يدها على طاولة مكتب سكرتيرتها حين سرت تلك الرجفة
في عمودها الفقري وجسدها يتجاوب لا شعوريا مع ذكرى
لمساته ، رفعت غرتها بعنف هامسة من بين أسنانها
" الوقح "
ثم رفعت نظرها بالجالسة خلف المكتب تنظر لها باستغراب وقالت
" أريد أن يرتب الحفل السنوي ليكون نهاية هذا الأسبوع ، سنجمع
خلاله حلفائنا الجدد يا راوية فأريد اهتماما شديدا بالأمر "
حركت رأسها بالموافقة فورا وقالت
" سنعمل جميعا من أجل ذلك كوني مطمئنة سيدتي "
غادرت من عندها جهة مكتبها تشد قبضتها على الخاتم فيها
بقوة وضربت الباب خلفها هامسة
" سنرى إذا يا ابن شاهين من منا الكاسب نهاية الأمر "
*
*
*
شد قبضتيه على المقود بقوة وبالكاد يرى الطريق أمامه بسبب
الأمطار وحركة مساحات السيارة كل ثانية فبالرغم من أنهم في
فصل الربيع إلا أن تلك المناطق الريفية في طريقه لا تتوقف
الأمطار فيها تقريبا حتى فصل الصيف ، لولا أهمية حظوره هناك
ما غادر ، يشعر بأنه يحتاج لأن ينام باكرا هذه الليلة فأمامه عمل
كثير في المحكمة صباحا كما أن بقائه في ذاك المنزل أصبح خانقا
له ، يشعر بأنه يبتعد عن جميع من في تلك العائلة وينفصل عنهم
وكل واحد منهم ينتقده بطريقته ويراكمون الأخطاء ثم يرمونها
عليه ... الجميع على صواب وهو المخطئ حتى نجيب وجمانة ،
بل وحتى وقوفه في صف زيزفون بات خطأ بشعا ، لم يعد يفهم
أحدا منهم فإن وقف مع المظلوم أصبح ظالما وإن وقف ضد المذنب
صنفوه مذنبا ! أمور حتى في القضاء لم يمر بها يوما فسحقا
لقوانين البشر وزوايا نظرهم المحدودة ، ابتسم بسخرية وهو
يتذكر لقائه بزوجة والده وقت خروجه صباحا من غرفة زيزفون
حين قابلته بتلك الابتسامة الساخرة الكارهة قائلة
" أرى أن قدميك قد اعتادتا على الركض خلفها حيث تكون ؟
زوجتك في الأعلى يا وقاص فابتعد عن زوجة ابني الذي يكون
شقيقك إن نسيت ذلك "
ضرب بقبضته على المقود وشتم بهمس فها هو يتهم بالخيانة
مجددا ، لا يرغب في شيء الآن أكثر من مغادرة ذاك المنزل
وبشكل نهائي ... فقط يحررها منه ويتحرر هو من زوجته تلك
ثم سيبتعد وللأبد فقد سئم لعب دور الابن المثالي والزوج
المراعي المضحي والمذنب الوحيد ... رجل المهام الصعبة
والمخطئ وقت لا يجدون شماعة لأخطائهم ، سئم المثالية بجميع
أنواعها ويريد أن يتحرر بالفعل أن يعيش كبائع مجلات أو ساعي
بريد على ذاك السجن المرفه القاتل .
نظر جهة الكرسي بجواره ولشاشة هاتفه المحمول الذي ارتفع
رنينه فوق صوت ارتطام المطر بنوافذ السيارة وعقد عاجبيه
مستغربا فلما ستتصل الآن ؟
مد يده لهاتفه سريعا فهو سبق واشترى لها واحدا تخفي أمره
عن الجميع لتستخدمه وقت الضرورة فقط فلن تتصل به الآن عبثا !!
ما أن فتح الخط ووضعه على أذنه حتى وصله صوتها الباكي
ومن قبل أن يتحدث " سيدي ... تعالى بسرعة ... أرجوك قبل
أن تؤذي نفسها "
رمى الهاتف دون حتى أن يستفسر منها عن أي شيء وأدار
مقود السيارة بقوة كادت أن تنزلق معها عن الطريق المبلل
ويفقد حياته للأبد ، لا يعلم ما حدث لكنه يعرف جيدا معنى أن
يكون الشخص نزيلا لمصحة نفسية لوقت طويل ثم لا يعيش
بعدها إلا على المهدئات درجة أن لا يستطيع النوم إلا بها ، كيف
تجاهل بأنها المرة الأولى التي تخرج فيها من عزلتها وتحتك
بالعائلة ؟ كيف نسي تلك النظرات التي كانت توجهها لجده ؟
لا يمكنه أن يتخيل أن يكونا تواجها ؟ أيعقل أن تكشف سرها
أمامه أيضا ! فماذا حدث ماذا ... ؟!
ضرب بيده على المقود شاتما بهمس " تبااا ... "
وزاد من سرعته متجاهلا أي مخاطر قد تنجم عن ذلك ولا يرى
هدفا أمامه إلا الوصول وعبارة واحدة تتكرر في عقله
( قبل أن تؤذي نفسها ... قبل أن تؤذي نفسها )
فلما وهي لم تفعلها سابقا ! زاد من ضغطه على المكابح
وسيارته تبتلع الطريق مسرعة حتى وصل ولا يعلم كيف ولا متى
كل ما يعرفه أنه أصبح أمام باب المنزل أخيرا فنزل وضرب باب
السيارة خلفه ودخل راكضا وتوجه جهة غرفتها فورا ، فتح
الباب على اتساعه ووقف يتلقف أنفاسه ينظر بصدمة للغرفة
التي كانت وكأن إعصارا مر عليها وللواقفة وسطها تبكي ممسكة
فمها وعبراتها بيدها قبل أن ينقل نظره جهة باب الحمام المغلق
حيث الصراخ والبكاء قبل أن يتحول لأنين باكي عند الباب فشد
قبضتيه ورفع رأسه عاليا مغمضا عينيه بقوة يسمع الألم
والوحدة والضياع في ذاك الأنين المؤلم ، يرى ما فعله الجميع
بتلك الفتاة التي قاست الظلم من الجميع وما خفي يبدوا أعظم ،
أنزل رأسه ونظر للواقفة قرب نافذة الغرفة المغلقة وصرخ
يشير بإصبعه جهة الباب
" ماذا حدث ؟ ما الذي حدث معها ومن سجنها هنا ؟ "
أنزلت يدها لصدرها وقالت ببكاء
" لا أعلم سيدي أقسم لك فقد دخلت بسبب صوت صراخها ووجدتها
تحطم الغرفة وكانت يدها مجروحة وتنزف ، كانت ستؤذيني أنا أيضا
إن لم أسجنها هناك "
لفت حينها انتباهه بقع الدماء وتتبعها بنظره حتى باب الغرفة
وخرج مسرعا يسير حيث أوصلته ووقف مصدوما ينظر للجالس
في المكان الذي تركه فيه والذي رفع نظره من يديه على الطاولة
له فهمس مصدوما
" جدي !! "
ورافق تلك الكلمة صمت مبهم غريب لا يخترقه إلا أنفاسه القوية
اللآهثة ، نظر لبقع الدماء الكثيرة على الأرض وصولا لمفرش
الطاولة ثم عاد بنظراته المصدومة للجالس هناك وهمس
" ماذا حدث ؟ ماذا قلت لها ؟ "
وصله ذاك الصوت الأجوف الحاد في آن معا
" أنت الذي ما جاء بك الآن ألست على موعد مهم ؟ "
أشار للطاولة وقال بضيق
" هذا هو موضوعنا جدي وليس ما أعادني هنا فما الذي قلته لها ؟
ماذا حدث هنا ؟ "
ضرب بقبضة على الطاولة صارخا بعنف
" وقاص ابتعد عنها وتوقف عن التدخل في شؤونها ، كم مرة
سأقول هذا ؟ "
رمى أصبعه في الهواء وصرخ أيضا
" لن أتوقف عن التدخل في كل ما يعنيها فزيزفون ابنة عمي
الذي لم نراه يوما ولا والدته ، يكفيها ما عانت لنزيدها نحن
وأولنا أنت جدها "
وقف على طوله وصرخ فيه بغضب
" قلت ابتعد عنها يا وقاص لأنها ميتة ... هي جثة في جسد
امرأة ولن تجد لديها ما تبحث عنه أبدا فهي لن تعطي شيئا
لا تملكه "
حرك رأسه بعدم تصديق وهمس
" أنت أيضا تتهمني بذلك ؟ لا أعلم أنتم كيف تفكرون ! "
قال بجمود
" لن يفهمك أحد مثلي فأنا من رباك يا وقاص فابتعد عن زيزفون
لأنها فقدت كل شيء وفاقد الشيء لا يعطيه أبدا فاقتنع بأنها
انتهت من الوجود مند أعوام "
شد قبضته بقوة أمام وجهه وشعر بمرارة لم يعرفها يوما ! لما
يشعر بأنه ثمة ما حدث لها ولا يعلمه ؟ ما سر نبرة المرارة في
صوت الواقف هناك رغم إخفائه لها بجموده ؟ لما يشعر
بمشاعره تنزف معها ! هل سيصدقون جميعهم وهو الكاذب ؟
لما يحدث هذا معك يا وقاص لما !! لما لا تكون مجرد مشاعر
إنسانية ناحية امرأة من دمك ؟ فما حدث معها ويحدث ليس
بالهين أبدا ، أشار له بسبابته قائلا بغضب
" جميعنا مسؤولون عن ذلك وأولهم أنت يا جدي ، أنت من تركتها
وتخليت عنها فلن يداوي الجراح أحد الآن ولن أغفر لك أبدا إن
حدث لها أي شيء ، وأنا خارج من هنا معها يوم تغادر هذا المنزل
حية كانت أو ميتة وليعتبره الجميع عشقا أو ما كان يكون "
أنهى سيل كلماته الغاضبة تلك وغادر المكان بخطوات ثقيلة
ووقف ما أن اجتاز الباب ينظر للواقفة هناك ترتجف باكية وقد
همست بعبرة
" سيدي أرجوك تعال ستقتل نفسها لا محالة "
ركض أمامها من فوره وهي تتبعه حيث صوت الصراخ وتحطم
الزجاج الذي كان يقترب باقترابه ، دخل الغرفة ونظر جهة باب
الحمام حيث مصدر أصوات تناثر قطع الزجاج المحطم والصراخ
الأنثوي الباكي
" أبعدوه عني ... قلت ابتعد الآن "
نظر ناحية الواقفة خلفه عيناه محتقنتان بالغضب وجفناه
محمران من كبت كل ذاك الألم والمشاعر ، مد يده لها وقال بصوت
آمر أجوف كئيب
" أعطني المفتاح "
حركت رأسها برفض وتراجعت للخلف خطوة تقبض عليه في يدها
وقالت بإصرار
" لا ذلك ليس حلا ... عليكم جلب طبيبها المختص فورا فهذه
الحالة لن يخرجها أحد منها غيره "
تحرك ناحيتها واستله من بين أصابعها بالقوة رغم مقاومتها
الرافضة له وصرخ بها ما أن أخذه منها
" لن يدخل لها أي طبيب ولن توصف بالجنون مجددا ، لن أعطيهم
تلك الفرصة أبدا أتفهمين هذا ؟ "
توجه بعدها جهة الباب المغلق متجاهلا شدها لذراعه ورجاءاتها
الباكية
" سيد وقاص أنت قد تؤذيها أو تؤذي نفسك بهذا ، اجلبوا لها
طبيبها أرجوكم ... ليرحمها أحدكم لما لا شفقة في قلوبكم أبدا "
تجاهلها مخلصا ذراعه من قبضتها وفتح الباب ودخل مغلقا
له خلفه
*
*
*
لامارا, بلا عنوان, رغد تبوك and 85 others like this.
رد مع اقتباس
#3523
قديم 18-10-17, 10:27 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
ملأت الدموع عينيها الواسعة فأسدلت رموشها الكثيفة للأسفل
بحركة من جفنيها لتخفي كل ذاك الألم فيهما عن الواقف أمامها
وهمست ببحة
" أرجوك سيد مطر أنت لا تعلم ما يعني الأمر لي قبل رماح "
وصلها صوته الجاد والذي ميزته تلك البحة الرجولية العميقة
" متأكد من أنك لم تخبريني الحقيقة كاملة وليس من حقي سؤالك
ما لا تريدين قوله ، قد أخدمك في مطلبك الثاني أما الأول فيلزمني
معرفة تفاصيله قبل كل شيء كي لا أظلم أحدا دون علم والخيار لك "
رفعت عيناها وحدقتيها البنية الواسعة به مجددا وقالت بحزن
" حقق لي المطلب الثاني فقط إذا وسأكتفي به "
تنفس بعمق ودس يده اليمنى في جيب بنطلونه وقال
" أعدك أن أفعلها يا جليلة ، وفكري أنتي فيما قلت أيضا فيمكنك
ورماح البدء من جديد ، هو يحتاج امرأة مثلك بقربه الفترة القادمة "
أشاحب بوجهها جانبا تمرر طرف سبابتها تحت رموشها تمسح
الدمعة التي تحاول التمرد عليهم وهمست بألم
" ليس ذلك بإمكاني سيدي صدقني فلست من قد تداوي جراح
رماح بل من ستزيدها سوءا أقسم لك "
رفع رأسه قليلا عن النظر لمستوى جسدها القصير متنهدا بعجز
وكان سيغادر لولا أوقفه صوتها الرقيق الحزين المنخفض
" لا تتخلى عنها سيدي فهي عانت كثيرا منذ كانت طفلة "
التفت لها بكامل جسده مجددا ونظر لعينها بصمت فأنزلت رأسها
هربا منه وحياء بسبب ما تتحدث عنه لكنها تعلم بأن فرصة رؤية
هذا الرجل والتحدث معه قد لا تتكرر أبدا ، تكسر صوتها الحزين
وهي تهمس
" آسفة فلست أعني التدخل في خصوصياتكما لكنها أقرب لي من
الشقيقة ومنذ كنا طفلتان ، غسق لم تعرف السعادة الحقيقية منذ
علمت أنها مجهولة العائلة والنسب ولم يستطع أحد ولا عائلة الزعيم
شراع أجمعهم أن ينسوها تلك الحقيقة القاسية ، لم أتوقف يوما
عن لوم نفسي بسبب دخولها أراضيك في الماضي لأني من أخذتها
لمنزل جدتي وساعدتها لتغادر من هناك جهة حدودك ، لو أن الزمن
يرجع بي للوراء ما فعلتها أبدا لأني السبب فيما وصل له حالكما حتى
اليوم واللحظة ، لولا فعلتي تلك ما كانت عرفتك ولا أنجبتما ابنة ولا
افترقت عنكما ، لست أعلم كم سأحطم أيضا من الموجودين حولي
يوما بعد يوم "
توقفت عن الكلام تمسح رموشها مجددا تسجن عبرتها في حلقها
وتجهل الابتسامة الخفيفة التي تغلبت على الملامح الجادة للواقف
أمامها حتى قال
" هل يرضيك إن قلت أني تمنيت أن فعلتها وأدخلتها حدودي منذ
كانت طفلة "
رفعت نظراتها المصدومة به وقد عادت الدموع لملئ حدقتيها مجددا
وهمست ببحة
" لما تركتها إذا ؟ ولماذا تتركها بعيدا عنك حتى الآن ؟ "
قال بابتسامة جانبية محدقا في عينيها
" نحن نختلف عنكن كثيرا يا جليلة ، القسوة قد تتغلب على تصرفاتنا
لتصل لمشاعرنا فنعبر عنها بخشونة إن غضبنا وإن جرحنا وحتى إن
أردنا الاعتذار لذلك تجديننا نعول دائما على الاختلاف بيننا "
أنهى جملته تلك ثم أدار ظهره لها وقال مغادرا
" لا تخبري ابنة خالتك بهذا كي لا تكرهك أنتي أيضا "
وابتعد عنها ونظراتها الحزينة المغشوة بالدموع تتبعه .. تتبع ذاك
الجسد الطويل المتناسق والخطوات الواسعة الواثقة ولازالت يده
في جيب بنطلونه يرتفع بسببها طرف سترته السوداء الفاخرة ،
همست بابتسامة صغيرة صادقة تخللت تلك الملامح الحزينة
والدموع المسجونة في حدقتيها الواسعة
" رجل وإن جرح الأنثى يعرف كيف يداوي جراحها أنت يا ابن
شاهين وأمثالك في زمننا قلة "
وما أن ابتعد عنها أكثر انكشف لها الواقفان هناك في انتظاره
وتحديدا الذي كان ينظر لها مباشرة فشعرت بالقشعريرة تسري
في جسدها فذاك الرجل كان يحدق بها كلما انكشفت لها تلك
الجهة وهي تحدث زعيمهم وكأنه يتخيل مثلا أن تؤذيه ؟ تؤذي
من وهي ابنة صنوان ذات الجسد القصير الضئيل أمام أجسادهم
المخيفة والتي لم تأخذ من قبيلة والدتها المنحدرة من حدود
الحالك سوى العينان النجلاء الواسعة ! إن كان رجاله بكل تلك
الهيبة والحظور القوي فمن الأحمق الذي سيفكر في أن يؤذي من
يكون زعيمهم !!
تحركت من مكانها قليلا جهة طاولة موظفات الاستعلامات هربا
من نظرات ذاك الرجل بينما وصل من تركها خلفه حيث الواقفان
ينتظرانه ومن دخلا برفقته ، وقف أمامهما ونظر جهة الواقف
يساره وقال
" ستغادرا الآن لحوران ... عمير أريدك أن تترأس من سيستقبلون
ابن شراع في المطار وتهتم بسلامته حتى يصل منزل شقيقته "
قال وهو يحرك رأسه محاولا النظر لما ورائه هناك
" بالتأكيد ... كن مطمئنا "
التفت الواقف أمامه للخلف ونظر لما كان ينظر ووقع نظره فورا
على الواقفة عند طرف الطاولة المستديرة توليهم جانبا واحدا
من جسدها تمسح عيناها بمنديل ورقي وحقيبتها مفتوحة أمامها ،
أخرجت منها هاتفا محمولا وتحركت من هناك تضعه على أذنها
تحدث أحدهم ، عاد بنظره للواقف أمامه والذي قال ونظره
لازال هناك
" من هذه التي أوقفتك كل ذاك الوقت ؟ "
نظر مطر للواقف معهما والذي ضحك من فوره وقال
" ليت بشر معنا فقط لأبدع فيك بلسانه الرائع "
نظر له عمير بطرف عينه نظرة حانقة وقال مطر ببرود مغادرا
جهة الباب الزجاجي الواسع
" تلك زوجة رماح شراع يا عمير فتوقف عن التحديق بها فورا "
تبعاه من فورهما وقال عمير وقد خرج ونظره لازال لما تركه
في الداخل
" ولما زوجته كانت تبكي ؟ "
لم يعلق مطر بينما ضحك تميم وقال وهو يقف للحارس الذي فتح
له باب السيارة
" صام الرجل دهرا متعمدا ثم اشتهى طبق غيره "
قال عمير ببرود وهو يجلس في كرسيه
" تصمت أنت أفضل لك ولي يا بشر النسخة المطورة "
تحركت سيارتهما على صوت ضحكة تميم بينما قال عمير
ناظرا حوله
" الزعيم مطر لن يغادر الآن ؟ "
فتح الجالس بقربه حاسوبه المحمول وقال وهو يضع السماعات
على أذنيه
" قال أنه ثمة مشوار آخر لديه داخل العمرآن "
وتابع بضحكة صغيرة ونظره على الشاشة أمامه
" يبدوا أنه سيرجع لمكتب أميرة جمعية النساء تلك مجددا ،
سلبت عقله الرجل !! "
كتف عمير ذراعيه لصدره ونظر جهة النافذة متمتما
" بل غادرت سيارته خلفنا مباشرة أي ثمة مكان آخر ذهب إليه "
*
*
*
عاد الجالس أمامه للضحك مجددا حتى أن الموجودين حولهم
في المقهى انصب اهتمامهم جميعا ناحيته فتجاهله بعدما رماه
بنظرة باردة ونظر جانبا ، معه حق يضحك عليه ويسخر منه
وهو من كان يتنفس ثقة بأن مخططه لن يخيب أبدا ونسي بأن
والدته ابنة شاهين الحالك ولن يكون أدهى منها ، لا يصدق ما حدث
ولا يمكنه استيعابه وهي ترميه بتلك القذيفة الحرارية وكأنها
تهديه زهرة ! هل فعل كل ذلك وخطط ونفذ لينتهي لهذه النهاية ؟
في أي عرف وقانون يزوجوه بطفلة ؟ هو المحامي الذي يفترض
بأنه يترافع عن أصحاب القضايا المشابهة يفعلها ! لا وبكل برود
تخبره بأن عائلتها وافقوا وأن زواجه سيكون قبل موعد زواج
شقيقه ولن تقيم له حفل زفاف ... بالطبع لن تفعلها فكيف ستقدم
تلك الطفلة للناس وأي ثوب زفاف هذا الذي ستلبسه لها ؟ إلا إن
كان ثوب بثينة حين كانت في العاشرة وسيكون حينها مهرجانا
للضحك وليس حفلا .
نظر للجالس أمامه والذي عاد للضحك مجددا ما أن نظر له وقال
بضيق
" لما لا توفر هذا الضحك لنفسك ؟ يعجبك وضعك كثيرا سيد أويس ...
يا ابن عائلة غيلوان "
وقف حينها الجالس أمامه وحمل حقيبة حاسوبه ولازال يحتفظ
بابتسامته وقال
" لن آخذ كلامك هذا على محمل الجد وأنصحك بأن تفعل ما قلت
لك فهو حلك الوحيد إن كنت تفكر حقا في مصلحة الفتاة قبلك ولا
تكن أنانيا "
وغادر عند آخر كلمة قالها تاركا الجالس مكانه يكاد ينفجر غضبا
من نفسه وندما على ما تفوه به منذ قليل فهو وبكل بساطة لم يستطع
أن ينفس غضبه في والدته فاختار صديقه ليعيره بحاله ، وقف متأففا
وأخرج بعض النقود من محفظته ثم أعادها لجيبه بعدما رمى تلك
الأوراق النقدية على الطاولة وحمل هاتفه وغادر من هناك أيضا ،
كان يفكر في أن يتصل بيمان فوحده من سيجد حلا لهذه المعظلة
الصعبة وإن صارحه بحقيقة ما حدث وكل تلك التمثلية وسينهي
الأمر بمعرفته لكنه قرر زيارته شخصيا فسيكون الحديث معه
مباشرة أفضل رغم أنها ما أصعبها على نفسه أن يقول له بأنه اتخذ
شقيقته حجة ليتهرب من إلحاح والدته على تزويجه
*
*
*
رمى آخر قطعة ثياب في حقيبته وانحنى عليها بركبته وبدأ
بإغلاق سحابها العريض متجاهلا نظرات الجالسان هناك
وهمساتهما الغير مفهومة ممتزجة بابتسامات وضحكات
رجوليه منخفظة ، إن كان خاله دجى ولا يمكنه التغلب على
لسانه فكيف إن اجتمع وخاله صقر ؟ لا يراهما إلا نسخة واحدة
وأن أعان الله من يجتمعان عليه ، أغلق حقيبته بعد جهد متأففا
بضيق فلم يعرف يوما شيئا يدعى ترتيب فكيف بحقيبة !!
استقام في وقفته ممسكا خصره بيديه ناظرا للجالسين متحاديين
على الأريكة وكما توقع بادر خاله صقر بالحرب عليه قائلا
" أخبرنا على الأقل إن وجدت ضالتك التي تخرج للبحث عنها
في باريس كل يوم أم ستسافر بدونها ؟ "
نظر فورا وبضيق للجالس بجانبه والذي رفع يديه باستسلام
قائلا بضحكة " لم أفعل شيئا هو سألني عن سبب تغيبك يوم
أمس فأخبرته أنك قلت بأنه ثمة ما عليك البحث عنه قبل
مغادرتك ، من حقي هذا أم ليس من حقي ؟ "
سحب الحقيبة لتنزل للأرض مصدرة صوتا قويا لارتطامها بها
وقال ببرود " حمدا لله أن واحد منكما فقط من سأقيم معه هناك "
ثم أولاهما ظهره وغادر الغرفة وتركهما ضاحكين ، نظر صقر
للجالس بجانبه وقال
" ما به ابن شقيقتك مستاء هكذا وكأنه يرجع هناك مرغما ؟ "
ضرب ذاك على فخذيه ووقف قائلا
" لا أعلم .. ثم هو عابس طوال الوقت تقريبا ، كان موافقا على
العودة ولا أراه يعترض الآن ... الأمر يبدوا حساسا جدا ويرفض
الحديث عنه !! "
وقف صقر أيضا قائلا بابتسامة
" أقطع ذراعي إن لم يكن في الموضوع امرأة فلا شيء يذهب
بعقول هؤلاء الفتية تربية مطر شاهين غيرهن "
ثم نظر له وقال قبل أن يعلق
" لا أراه مقتنعا حتى بالبقاء في منزلنا ويحترم فقط رغبة مطر "
حرك دجى رأسه موافقا وقال
" لذلك قال بأنها ستكون فترة قصيرة جدا ثم لا تنسى أن له
عائلة في جنوب الحالك ... جدتان وأعمام وعمات لا يمكنك أن
تحصي عددهم وهو ابن شقيقهم المتوفي والذي لم يروه منذ
اختفى خلف الحدود فتيا ولن يعجبهم أن يقيم عند عائلة والدته
وإن كان أحد رجال مطر شاهين "
تنفس صقر بعمق وأمسك خصره بيديه معلقا " بل لا أراه سيستقر
عند أي منا وهذا ما قاله مطر عنه وبأن قاسم رجل اعتاد أن
يعيش معتمدا على نفسه مستقلا كما بنا نفسه بعيدا عن جميع
أموال عائلة الشاهين طيلة الأعوام الماضية وأنا مع ما قال
رغم أن معرفتي به لم تتعدى الأيام القليلة "
حرك دجى كتفيه وقال
" حسنا على كل حال هو في السادسة والثلاثين الآن ومؤكد
سيستقل ويتزوج "
وتابع مبتسما بمكر ينظر بطرف عينه للذي دخل الغرفة مجددا
" وسيجد في فتيات أعمامه أصنافا مختلفة فنساء جنوب الحالك
أخذن صفات الحور سوداوات الشعر والعيون "
وضحكا معا فاقترب الواقف هناك من حقيبته وسحبها معه
وقال مغادرا
" إن انتهيتما من تفاصيل مستقبلي فعلينا أن نغادر الآن "
ضحكا مجددا وغادرا خلفه ونزلوا للأسفل حيث كان على ثلاثتهم
أن يفترقوا هناك .. اثنين مسافران وآخر أمامه أيام أخرى في تلك
البلاد قد تمتد لما هو أبعد مما يتمنى الجميع ، تعانقوا مودعين
له وأمسك صقر بكتفه قائلا
" أريد أن نراك سريعا بيننا يا دجى "
ربت على ذراعه مبتسما وقال " سلم لي على ابنتي وحفيذتي ...
خاصة تلك نسخة والدها المصغرة "
قال صقر من فوره
" أجب على اتصالات تيما فهي اتصلت بي البارحة ولم أستطع
التهرب منها إلا بصعوبة ، ينتابها الشك في أن رحلتي من أجل
رؤيتك "
تنهد دجى وقال
" قد لا تراني مجددا أبدا لذلك لن أغامر بسماع صوتها الباكي
فستجعلني أسافر لها فورا تلك الدمية الجميلة ، بلغها فقط أني
أحبها وسأراها قريبا "
صوت فتح قاسم لباب السيارة وإغلاقه ليضع حقيبته جعل حديثهما
ذاك ينتهي ثم ركب السيارة قائلا
" على هذا الحال ستلحق بنا طفلتكم تلك هنا "
ضحك صقر وركب قائلا
" لا تسخر من طفلتنا تلك فإن رأيتها ووالدتها ستحار من
ستتزوج منهما ، هذا إن خرجت من تحت يدي مطر حيا طبعا "
انطلق بالسيارة متمتما ببرود
" ومن يقدر على امرأة ليتزوج بنصفها "
ضحك صقر قائلا
" سأحتفظ بتعليقك هذا حتى تراها ثم سأذكرك به "
*
*
*
دخلت المنزل وضربت الباب خلفها بقوة تعبر فيها عن غضبها
الذي لم تنفس عنه بعد ووقع نظرها على الواقف عند باب
المجلس ينظر لها نظرة لم تستطيع فهمها فقالت بريبة
" أين هي تيما؟ "
أمال شفتيه وقال ببرود
" تسجن نفسها في مجلس الرجال "
تقدمت نحوه ورمت حجابها وسترتها على الأريكة وقالت
ببرود مماثل
" وما هذه اللعبة الجديدة التي تلعبانها ؟ من يجدالكنزالمفقود؟ "
تمتم بعبوس متضايقا من انتقادها لهما
" بل لن ألعب معها مجددا بعدما تغلبت عليا ثلاث مرات في لعبة
الأحاجي "
وتابع ينظر لها بريبة ما أن تغيرت نظرتها للاستغراب
" والدها كان معها هنا منذ قليل "
تبدلت ملامحها للغضب فورا وهذا ما كان يخشاه والقادم سيكون
أسوأ بالتأكيد وهذا ما حدث بالفعل حين صرخت بانفعال
" وما الذي يفعله هنا ؟ "
تمتم الكاسر ينظر لها بخوف
" هو ليس هنا الآن قلت أنه كان .... "
صرخت فيه مجددا
" لا يهم كان أو لم يكن فما يريده ذاك الرجل بها وهي كانت
معه بالأمس؟ وكيف لأولئك الحرس الأغبياء أن يسمحوا بدخوله
دون إبلاغنا "
عض باطن شفته ولم يعلق فلن يستطيع أن يقول لها أنه ليس ثمة
من يستطيع الوقوف في وجهه في أي مكان في البلاد فكيف
سيمنعه الحراس ! لأنه يعرف النتيجة جيدا إن هو تفوه بهذا ،
قال بهدوء وكأنه يحاول امتصاص غضبها
" المهم الآن أن تيما في الداخل وترفض أن تخرج ولسنا نعلم
ما دار بينهما جعلها تتصرف هكذا "
تحركت ناحية الباب وطرقته منادية " تيما افتحي الباب أو فتحه
الحر..... "
انفتح الباب حينها ومن قبل أن تنهي جملتها وكأنها تنتظر فقط
أن تسمع صوتها ، وقفت أمامهما بعينين محمرتان من البكاء
تكتم عبراتها في حلقها درجة أنها لم تعد تستطيع التنفس جيدا
فأمسكت الواقفة أمامها بكتفيها وقالت
" تيما ما بك؟ ما الذي أخبرك به والدك يبكيك هكذا ؟ "
رفعت لها يدها مقبوضة دون أن تعلق ثم فتحت أصابعها كاشفة
عما كان فيها ودموعها عادت لتتقاطر فوقها وظهر خاتم الزواج
الفضي في راحتها وهمست ببكاء
" ترك لك هذا "
نظرت له في يدها بصدمة لبرهة قبل أن تخطفه منها وترميه بقوة
دون أن تكترث ولا للمكان الذي وصل إليه وصرخت فيها
" لا يفترض بهذا أن يجعلك تتصرفين هكذا ، للجحيم هو وخاتمه"
صاحت فيها الواقفة أمامها في المقابل قائلة ببكاء
" لا أمي توقفي عن الدعاء عليه"
ثم تركتها وتوجهت حيث سمعت صوت رنين ذاك الخاتم ونزلت
على الأرض ولازالت في بكاء مستمر تحاول إخراجه من تحت
الأريكة متجاهلة التي صرخت من خلفها بغضب
" توقفي عن مطاردة الأوهام يا تيما وتوقفي عن رؤية ذاك
الرجل كمثالي فلا أحد غيره دمر كل ما كان يفترض أن يكون
جميلا بيننا وأنتي لا تتوقفين عن الوقوف في صفه كالحمقاء "
أنهت جملتها الغاضبة تلك تتنفس بقوة تشد قبضتيها حتى تكاد
تمزقهما ونظرها على التي وقفت على طولها وبدأت تحاول دفع
الأريكة باكية فتحركت بخطوات واسعة غاضبة وصعدت السلالم
وتركتها
*
*
*
نقلت نظراتها الحزينة بين الجالس على الكرسي مشبكا أصابعه
ومتكئا بمرفقيه على ركبتيه ينظر للأرض للنائمة على السرير
يداها مقيدتان بمنديل قماشي ورغم أن عيناها مغمضتان وغائبة
عما حولها تماما إلا أن تنفسها كان يلهث بلا انتظام وكأنها تركض
دون توقف ، وهذا حالها من وقت أو منذ حقنها بحقنة المهدئ تلك ،
تنهدت بأسى ونقلت نظرها في الغرفة التي عادت مرتبة كما كانت
وبمساعدة الجالس أمامها الآن وبطلب منه ، لم يشرح لها السبب
لكنها استطاعت معرفته من نفسها وهو إخفاء ما حدث هنا ولن
تستغرب هذا منه فهو آخر من تتوقع أن يثير الشكوك حولها مجددا
لكي تعامل معاملة المجانين من جديد ، لا تصدق أن رجلا مثله
وفي مركزه وبحجم الثروة التي يملكونها وكل تلك الخادمات يرفع
بيديه قطع الزجاج من الأرض ويمسك المنشفة وينظف بها الجدران !!
كم مرة تساءلت هل هذا الشاب ابن لهذه العائلة فعلا ؟ آآه ليته فقط
هو من تزوجها وليس ذاك المتوحش .
نظرت لها مجددا ومسحت على شعرها وقبلت جبينها متمتمة بحزن
" لا أبكى الله عينيا فقدك يا صغيرتي"
" ما سبب ما حدث معها ؟ "
نظرت فورا لصاحب ذاك السؤال والصوت الرجولي الهامس الجالس
قربها ولازال نظره للأرض ، السؤال الذي كانت تنتظره وتتوقعه منه
في أي لحظة ، لاذت بالصمت لوقت حتى رفع رأسه ونظر لها
فهمست بتلعثم
" لا أعلم سيدي أقسم لك "
استوى في جلسته وقال بحزم
" ومن يعلم إن لم يكن أنتي ؟ "
ضمت يديها لصدرها وقالت بخوف
" لم آتي إلا على صوت صراخها لأن غرفتي بجانبها و..... "
قاطعها بضيق
" ليس ما حدث هنا أعني بل السبب الأساسي لتلك الحالة ومؤكد
تفهمينني جيدا "
حركت رأسها بالنفي متمتمة
" ليس لدي ما قد يفيدك "
سوا جلسته ونظر لها مباشرة وقال
" قولي ما تعرفينه مهما كان "
رطبت شفتيها بلسانها ونظرت للنائمة على السرير ، مسحت
على شعرها وهمست بحزن
" سامحيني يا زيزفون "
نظرت بعدها له قبل أن تنظر للأسفل تضم يديها في حجرها وقالت
بهدوء حزين
" كانت أول مرة رأيتها فيها في المستشفى ، تم توظيفي للعناية
بها خصيصا ولم أصدق نفسي وقتها وأنا أراها أمامي لأول مرة
كانت طفلة تجلس في زاوية الغرفة تضم ساقيها بذراعيها بقوة ،
نظرت لي يومها نظرة لن أنساها ما حييت ... كانت نظرة ضياع
ووحدة وفقد ومنذ ذاك الوقت أقسمت أن لا أتخلى عنها أبدا ،
تحدث معي طبيبها قبل أن أراها وكل ما شرحه لي كان حالتها
والنوبات التي تصيبها ، قال بأن حالتها تحسنت كثيرا وبأنها قد
لا تصاب بها مجددا ، كنت أهتم بأدويتها كما أوصاني تماما
وبدأت أحاول إخراجها من عزلتها تدريجيا ومنحتني ثقتها وإن
بعد جهد ووقت ، أذكر كانت مرتان فقط خلال تلك الأعوام جميعها
التي أصيبت فيها بنوبة مشابهة وفي كلا المرتين كانت بسبب
نومها من دون أدويتها ، كانت تصرخ بهلع وهي نائمة وحين
تستفيق لا تخرج من تلك الحالة ، كانت وكأنها ترى أحدهم
وتتحدث معه ولا تراني أمامها مهما حاولت التحدث معها ،
كانت مرعوبة تبكي وتصرخ وترمي بكل ما تصله يداها وفي
كلا المرتين كان طبيبها من يحضر مع الممرضة لتهدئتها ،
كان ثمة رجل يأتي لزيارتها .. فقط ذاك الرجل الذي لم أراه يوما
لأنه كان يدخل ويخرج بسرية تامة ، حتى هي لم تذكر اسمه
أمامي أبدا ، هو من اهتم بها ووفر كل ما تحتاجه ، حتى تلك
الفيلا الريفية الرائعة كانت له ، أرسل معلمين لها في جميع
اللغات والتخصصات تقريبا ، حتى الرسم هوايتها المفضلة كان
ثمة معلم يشرف بنفسه عليها ، لم يزرها أحد غير ذاك الرجل
أبدا طيلة كل تلك الأعوام ، بقي ماضيها مبهما بالنسبة لي لليوم
لا تحب التحدث عنه بل قلما تتحدث عن أي شيء ولا عن ألمها
أو وحدتها أو حزنها ، لا تراها إلا صامته شاردة الذهن وكأنها
منفصلة عن العالم حولها ولازالت تعيش مع أطياف ماضيها ،
لم أراها ضعيفة يوما ولا منهزمة سوى تلك المرتين الشبيهتان
بهذه وحين تستفيق كانت لا تتحدث عما حدث لست أعلم نسيته
أم تتعمد أن لا تتحدث عنه "
" ألا تعلمين من يكون ؟ "
رفعت نظرها له وقالت
" لا فلم يكن مسموحا لي برؤيته "
قال مباشرة
" الشخص الذي تراه في حالة الا وعي أعني "
حركت رأسها بالنفي وقالت
" أقسم لست أعلم سيدي لكنت أخبرتك فوحدك من أراه يهتم
بأمرها ولن تؤذيها أبدا "
وقف على طوله ونظر لوجهها لبرهة لتلك الملامح الجميلة الشاحبة
المرهقة وتنهد بعمق ثم انحنى ناحيتها وفك المنديل عن يديها وقال
مغادرا
"اتصلي بي إن حدث أي شيء "
*
*
*
استيقظت على صوت رنين هاتفها فابتعدت عن الجدار تمسد
عنقها بيدها فهي لم تشعر بالراحة أبدا ولم تنم جيدا وكيف تنام
وترتاح وهي تنام جالسة تحيط بها الجدران الباردة من كل مكان !
وقفت ورمت عنها كل تلك الثياب التي كلفتها مبلغا ماليا كبيرا
ولم تنفعها بشيء ولا أن تزودها ببعض الدفء ، دستها في
الكيس بعشوائية ولم تعد تهتم ولا لتجعدها ثم أخرجت هاتفها
من الحقيبة تكيل السباب والشتائم لرجل واحد لم تتوقف عن
شتمه منذ أعوام بل ومنذ عرفته ، نظرت باستغراب للرقم على
الشاشة ثم رفعت كتفيها بلا اكتراث وأجابت فوصلها ذاك الصوت
الأنثوي الرقيق
" الآنسة جيسي أليس كذلك ؟ "
ولم تترك لها المجال لا لأن تجاوب أو تعلق وقد قالت مباشرة
" معك مكتب السيد كروس وهو يطلب رؤيتك هذا الصباح "
ابتسمت من فورها ابتسامة واسعة وقالت
" حقا يطلب رؤيتي الآن ؟ "
وماتت ابتسامتها فجأة وقد قالت
" ألم تخبريني أنه سيتصل بي بنفسه؟ ما تغير في الأمر! "
قالت تلك من فورها وبشيء من البرود
" أظن أن الأمر لن يكون مختلفا فأنتي ستقابليه في جميع الأحوال ،
هل لديك سيارة أم نرسل لك إحدى سيارات الشركة ؟ "
مطت شفتيها بحنق من نفسها وليس من أحد وتمتمت
" بل أرسليها لي "
نظرت بعدها للهاتف بصدمة وقالت بضيق
" لم تكلف نفسها ولا قول كلمة وداعا تلك المتعجرفة "
دست هاتفها في الحقيبة ونزلت السلالم ترتب شعرها هامسة بسخرية
" ستعرف حجمها قريبا تلك الغبية حين سآخذ أنا مكانها "
خرجت للخارج فلفحتها فورا برودة الصباح ففركت كفيها ببعضهما
ونفختهما ليدفئا قليلا ، لأول مرة في حياتها تستيقظ باكرا هكذا ...
لا بل منذ انتقل ذاك المتوحش للعيش معهما وهي لا تعرف نوما
مريحا ، تمتمت تفرك كفاها مجددا
" لا بأس جيسي ستتخلصين منه قريبا ، بل أنتي تخلصت منه
بالفعل بعدما طردك "
ابتسمت بانتصار ابتسامة سرعان ما تلاشت للعدم وهي تنظر
للشاحنة الحمراء الضخمة التي وقفت أمامها وقد فتح سائقها
الباب قائلا
" صباح الخير آنستي يمكنك الصعود لأوصلك لمبنى الشركة
الرئيسي"
فغرت فاها صارخة فيه بصدمة
" توصلني أين يا هذا !! "
ابتسم قائلا
" الآنسة كلوديا طلبت أن يقلك أحدنا هناك وأنا في الخدمة آنستي "
صرت على أسنانها بقوة حتى كادت أن تحطمها وضربت الأرض
بقدمها وصرخت به
" ومن أخبرك أن منزلي هنا ها ؟ أنا لم أخبرها عن عنواني "
رفع كتفيه وصرخ من الأعلى قائلا
" أخبروني من هناك ومؤكد علموا بذلك من المعلومات الموجودة
في ملفك ، بسرعة آنستي الجو بارد ، يمكنك الاتصال بوكالة تأجير
لطلب سيارة أجرى إن أردت "
تأففت وأمسكت بالمقبض الحديدي البارد وصعدت متمتمة بخنق
" وهل من خيار آخر أمامي .... سحقا لذاك الرجل "
وما أن استقزت جالسة مكانها وضربت الباب خلفها حتى قال
الجالس خلف المقود مبتسما
" أي رجل تعنين ؟ لا يكون السيد كروس لأنه لن يعجبني ذلك
فجميع من يعمل في شركته يحبه حتى من لم يروه يوما "
وضعت حقيبتها في حجرها بعنف قائلة ببرود
" ليس سيدك أعني كن مطمئنا بل من سيكسر السيد كروس
أنفه بالتأكيد "
وما أن انطلقت الشاحنة بهما حتى تمنت الموت كما لم تتمناه
سابقا وهي تري نظرات سكان ذاك الحي الراقي لها وهي تركب
ذاك الشيء المخيف بعدما كانت تتنقل في سيارة فاخرة متى وحيث
شاءت ، همست من بين أسنانها متجاهلة تلك النظرات المشمئزة
" ستندم على كل هذا يا ابن كنعان وقل جيسي قالت "
*
*
*
بسابيس, قلوووب محتاره, rayadeeb and 65 others like this.
رد مع اقتباس
#3524
قديم 18-10-17, 10:31 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
طرقت الباب طرقتين وفتحته ودخلت ووقع نظرها فورا على
الجالسة فوق السرير مكتفة ذراعيها لصدرها تنظر للفراغ أمامها
ولازالت بملاسبها سوى من السترة السوداء المرمية أرضا ، لا تفهم
ما الذي تعبر عنه تلك الملامح الجميلة الشاردة ؟ الحزن أم القهر
أو الغضب أم جميعهم معا ! تنهدت بحزن واقتربت منها وجلست
على حافة السرير بقربها وقالت ناظرة لعينيها
" غسق نفث نيران غضبك من ذاك الرجل في ابنتك لن يفعل
شيئا سوى تعقيد الأمور "
لم تنظر لها ولم تتحدث ومن أنفاسها التي باتت تخرج قوية علمت
أنها تكتم غضبها فقالت دون تراجع وبلهجة أشد هذه المرة
" تيما تبكي دون توقف ولاتردد سوى بأنها تحبك وبأنها لا تفضل
والدها عليك أو تنحاز له ، تخيلي أن والداك موجودان الآن وأن كل
واحد منهما في مكان ما سيكون شعورك ؟ ألن تتمني أن يجتمعا ؟
ألن تسعي لذلك لأن استقرار العائلة هو حلم كل شخص ؟ لما
تحملي ابنتك نتائج أفعال هي لم تفعلها ؟ "
نظرت حينها لها وقالت بضيق
" الذنب ليس ذنب تيما بل ذاك الرجل الذي يعلم جيدا سبب
ما يفعله وبلسانه قال أن ابنته خارج كل ما بيننا ثم يأتي هنا
ويترك خاتمه الصدئ ذاك لديها فما معنى ما فعله ؟ "
همست جويرية تحاول تهدئة انفعالها
" لكن ابنتك لم تفهم هذا من حديثك يا غسق هي .... "
قاطعتها وقد رمت يدها في الهواء فتحرك طرف شعرها الأسود
الطويل مع حركتها وعانقت تلك الغرة الحريرية جزئا من
وجهها تتحرك مع أنفاسها الغاضبة وهي تصرخ بعنف
" لن يكسرني بأي شيء عمتي لن يفعلها ... حتى والدي لن أراه
إن كان الثمن أن أرجع له وسأعيش بحسرتي لباقي ما حييت
فأنا خلقت للحسرات "
أمسكت ذراعيها وقالت بحزن ناظرة لعينيها المليئة بالدموع التي
ترفض تحريرها وجفناها يشتعلان احمرارا
" أنتي تؤذي نفسك بهذا يا غسق وابنتك معك ، ارحمي قلبك
الصغير وقلبها "
حينها انسكبت تلك الدمعة وتكسر صوتها وهي تهمس ضاربة
بقبضتها جهة قلبها
" هذا عمتي ... هذا إن كان سيذلني له أقتلعه من مكانه "
مسحت بكفها على وجنتها تشعر بقلبها ينزف مع تلك الدموع
التي أعلنت التمرد عليها وهي تتابع وكأنها تفرغ كبت الأعوام
الماضية جميعها ولا تزال تضرب على قلبها بقبضتها
" لما لا يشعر به ؟ لما يوجد هذا هنا عمتي أخبريني ؟ لما يختاره
كورقة ضدي ؟ ما الذي يريد أن يوصلني له .... الجنون ؟ "
ضمتها لصدرها فورا وتركتها تبكي هناك فقد كان بإمكانها أن
تفهم فورا أنها مرت بضغط نفسي كبير ، لا تفهم ولا تعلم
ما يكون لكنها تعرف صغيرتها هذه جيدا وما فهمته أنه اتخذ
عواطفها كورقة ضغط وليس يعلم ذاك الرجل أن الأنثى المجروحة
هي أشد النساء عنادا وتهورا وأن آخر ما قد تفكر فيه هو الاستسلام ،
ضمتها لها أكثر تقبل رأسها وليس بإمكانها ولا الدعاء عليه فهي
أكثر من يعلم بأنه وحده من يتربع على عرش هذا القلب الصغير .
ابتعدت عنها تمسح دموعها لحظة ما انفتح باب الغرفة ببطء
فنظرتا كلتيهما للتي وقفت تتكئ بطرف رأسها على إطاره تنظر
لتلك العينان السوداء باكية فمدت لها يدها هامسة ببحة
" تعالي يا تيما "
فانطلقت جهتها من فورها وارتمت في حضنها تبكي بصمت قبل
أن تهمس من بين عبراتها
" آسفة أمي أقسم أ..... "
قاطعتها تضمها لها بحنان
" أفهمك يا تيما أنتي من فهمني بشكل خاطئ ، كنت مستاءة
فقط حبيبتي "
وامسكت لسانها عن الكثير مما كانت تريد قوله فعليها فعلا أن
لا تسمح لذاك الرجل أن يدمر علاقتها بابنتها ، هو سبق وقال
أن تيما خارج ما بينهما وهي تعلم بأنه رجل أبعد ما يكون عن
الكذب والغش فهو لا يتوانى عن كشف أوراقه وهذا ما فعله منذ
البداية لكنه متلاعب .. أكبر متلاعب عرفته ولن يتغلب عليها
بألاعيبه أبدا فغرضه من كل هذا ليس ما جعل ابنته تفهمه بل
ليؤكد لها هي بأنه على الاتفاق الذي دار بينهما صباحا فكل ما يهم
ذاك الرجل أن يثبت نظرياته وأن يعزز غروره ولن تصدق أبدا
أنه يفعل ذلك ليعيدها زوجة له وهو من سبق وتركها لأعوام
طويلة دون أن يهتم مرتميا في أحضان تلك المرأة .
أبعدتها عنها ونظرت لوجهها وبدأت بمسح الدموع عن خديها قائلة
" تيما أنتي تنظرين للأمر فقط من منظور أنك ابنة لكلينا ترفض
الاقتناع بأن اجتماعنا معا أمر مستحيل ، لو تحاولي فقط أن تقنعي
نفسك بهذا فستتغير نظرتك للأمر وستشعرين بالراحة فأنتي سبب
كل هذه الدموع يا تيما وليس نحن "
حركت رأسها برفض ودموعها تعود للنزول مجددا فتنهدت الجالسة
أمامها بضيق متمتمة
" ابنة والدك كيف سيتركك العناد "
ابتسمت رغم دموعها وبكائها ونامت في حضنها هامسة بحزن
" بل ابنتكما كليكما وأعند منكما أيضا "
تنهدت بعجز ومسحت على شعرها تقبله من حين لآخر في صمت
وقد وقفت عمتها وغادرت مبتسمة لها تشجع علاقتهما القوية رغم
كل ما تمران به ، وما أن أغلقت الباب خلفها ابتعدت عنها ونظرت
لعينيها قائلة برجاء وعيناها مليئتان بالدموع مجددا
" أمي هل تفعليها من أجلي فقط هذه المرة أرجوك "
نظرت لها بضيق وكانت ستتحدث فقاطعتها برجاء باكي تحضن
يدها بكلتا يديها وتضمها لصدرها بعدما وضعت فيها ما كانت
تقبضه في إحداهما
" أمي لن أطلب منك العودة له ولا مسامحته فقط هذا أمي أرجوك
أن لا ترميه فوالدي تركه لك وليس لي "
تنهدت بضيق وقبضت أصابعها على ذاك الخاتم هامسة
" إن وعدتني بالتوقف عن البكاء فورا "
قبلت خدها مبتسمة من بين حزنها ودموعها ووقفت خارج
السرير فنظرت لها للأعلى وقالت
" وعدتك أن نخرج معا وتأخر الوقت فهل نتركها لوقت آخر أو
يقوم الكاسر بأخذك بدراجته النارية ، صحيح أن قيادته مجنونة
لكنك ستستمتعين برفقته "
قبلت خدها مجددا وقالت مغادرة الغرفة
" بل سأنتظرك أنتي "
" تيما "
وقفت مكانها عند الباب والتفتت لها ما أن نادت عليها فمدت
لها بذاك الخاتم قائلة
" خذيه معك وأعطيه لوالدك "
عادت ناحيتها وأخذته منها بعدما قبلت خدها للمرة الثالثة ،
كانت تريد سؤالها عن الكثير لكنها تراجعت فيبدوا أن الأمر
رسائل مشفرة بينهما لا يمكنها فهمها ، وتلك هي حقيقة الأمر
فلم يكن ذاك الخاتم سوى رسالة قبول لتحديهما السابق
*
*
*
جرب الاتصال به مجددا وبلا فائدة فأرسل له يضغط أصابعه
بقوة على الأحرف
( أجب يا جبان )
والنتيجة ذاتها فأرسل مرة أخرى
( ليس المال ما سأحاسبك عليه لكن كن رجلا وعند كلمتك
يكفي ما حدث لها كل هذه الأعوام )
تأفف بعدها ضاغطا زر إغلاق الهاتف حين لم يصله منه أي
جواب ورفع جسده للأعلى متكئ برأسه على ظهر الكرسي
المتحرك مغمضا عينيه ومر طيفها أمامه فورا وعيناها الباكية
وهي تترجاه في آخر مرة رآها فيها قبل الحادث قائلة ببكاء
وهي تمسك يده بيديها
" رماح أنتما لن تفعلا كل هذا بي ... رماح أخبره أن جليلة
تعفيه من الوعد البائس ذاك وحرر نفسك مني "
شد قبضتيه بقوة وهمس من بين أسنانه ولازالت عيناه مغمضتان
" ممن سأطلب الغفران ومن ؟ ليتك مت مع والدك يا رماح "
أخرجته اليد التي أمسكت بكتفه من كل ما كان فيه فنظر عاليا
لصاحب تلك العينين السوداء الحادة والملامح الجدية حين
تحركت شفتيه الحازمة وقال ببرود
" هل لديك مشكلة مع صاحب ذاك الرقم ؟ "
نقل نظره بين عينيه بصمت دون أن يجيب ، رجل يعلم من أي
نوع هو وإن لم يعرفه إلا من ساعات .... الذكاء والفطنة والقوة
بل والقسوة التي تحملها تلك العينين لا يكون صاحبها إلا كما سمع
عنه بالفعل ولن يكون إلا من سيعلم ذاك الرجل درسا لن ينساه.
" كنتما صديقين أليس كذلك ؟ "
ابتسم بسخرية أقرب للمرارة ولم يعلق أيضا.... صديقان .. !
قل أقرب للشقيقين ... من ضحى بالكثير من أجله بل وبأغلى
ما كان يملكه وبأثمن ما خسره ومن أجل صديق ...!
همس يشد قبضته بغضب مكتوم
" افعلها إذا من أجلها هي وليس من أجلي يا تيم "
ابتسم الواقف فوقه ببرود وقال
" كن على ثقة إذا من أنه سيتمنى لو لم يعرفها يوما "
شد بعدها على كتفه وقال بجدية ناظرا لعينيه المحدقة به للأعلى
" كن شجاعا يا ابن شراع وأنا موقن من أنه لن تكسرك إعاقة
حمقاء"
ابتسم له من فوره وقال
" رجل مثلك قد يفهم ما أمر به الآن وإن لم يجربه وليس ابن
شراع من يتغلب عليه ذلك ، تأكد من هذا ياابن كنعان "
كانت ابتسامة جانبية صغيرة تلك التي ارتسمت على شفتيه ودس
يده في جيبه قائلا " لا يمكنك إحصاء تلك المرات التي كدت فيها
أن أفقد أحد أطرافي أو حتى حياتي لكن الرجل لا يموت إلا كاملا
يا رماح تذكر هذا جيدا "
اومأ له برأسه موافقا وقال مبتسما
" كما أن البطل الحقيقي يظهر بعد موته يا تيم "
ابتسم له بدوره ابتسامة ودود .. ابتسامة حقيقية هذه المرة ثم
ربت على كتفه وغادر من هناك يتحدث بهاتفه قائلا
" جيد كل شيء جاهز أخبر توماس أن دورهم قد حان "
واختفى مبتعدا بخطواته الواسعة الواثقة لازالت تراقبه نظرات
الجالس هناك وقد همس بإعجاب
" من المؤسف أن بطلا مثلك لن يسجل التاريخ بطولاته إلا بعد موته
يا رجل عائلة كنعان هازان "
*
*
*
خرجت من عندها وعادت جهة غرفتها فعليها أولا محادثة خالها
رعد ، وصلت للداخل وأغلقت الباب خلفها فمنذ اتصلت بمنزل
والدها وأخبرتها الخادمة أن عمها صقر قادم اليوم وبرفقته
ضيف سيقيم عندهم لبعض الوقت فقط وأنه لا أحد منهم يعلم من
يكون لم تعد تستطيع الانتظار هنا ولا دقيقة ... جدها دجى لن يكون
ثمة أحد غيره سيسافر عمها صقر شخصيا من أجله لفرنسا ومن
سيقيم لديهم ولا أحد يعرفه لذلك عليها أن تتحدث معه سريعا ،
أمسكت هاتفها واتصلت به فأجاب بعد قليل قائلا بابتسامة " يبدوا
أنني سأندم على إعطائك رقم هاتفي "
مدت شفتيها بعبوس متمتمة " هذه المرة الأولى ! "
وصلتها ضحكته فوراً وقال " أمزح فقط فلا تغضبي ، بما أخدم
ابنة شقيقتي الجميلة "
نظرت جهة الباب بحزن وقالت بصوت منخفض
" أريد العودة لحوران اليوم خالي رعد أتفعلها من أجلي ودون
أن يعلم أحد "
ساد الصمت من جانبه فقالت برجاء قبل أن يقول ما تعرفه جيدا
" ستتفهم والدتي الأمر وسأتحث معها من هناك ولن تغضب كما
سأقوم بزيارتها قريبا .... أرجوك خالي رعد أنت ستفعلها من
أجلي أليس كذلك ؟ قسما أن الأمر مهم ولا يمكنني قوله لها الآن
وصلها صوت تنهده الواضح وقال
" أمري لله ... كوالدتك تماما حين كانت في عمرك تعرف كيف
تخرج بما تريد "
ابتسمت بحنين خالطه الكثير من الحزن فهي تشتاق لها وإن
كانت بقربها .. تشتاق لتلك الأيام التي لم تعرفها فيها ، همست ببحة
" وماذا عن الآن "
ضحك من فوره وقال
" الآن هي تفعل ما تريده ولا تحتاج لألاعيبها تلك ، سأكون أمام
المنزل مقربة غروب الشمس وسأجدك في انتظاري اتفقنا ؟ "
حركت رأسها موافقة وقالت
" بالتأكيد فلا تنسى أنت أن توصي الحراس بالتكتم كالمرة الماضية "
ضحك قائلا
" أمري لله كنت أعلم بأنني سأندم على الكثير بعدما عرفتك
يا ابنة غسق ... وداعا الآن "
أنهت الاتصال مودعه له وحضنت الهاتف مغمضة عينيها تدعوا
الله أن يوفقها فيما تريد فعله ، وقفت بعدها وغادرت الغرفة
وتوجهت للغرفة المجاورة لها فتحت الباب قليلا وأدخلت رأسها
تنظر مبتسمة للجالس على طرف السرير يمسك بين أصابع يده
اليمنى سهما أحمر الرأس صغير ويغمض إحدى عينيه ويصوبه
جهة حلقة التصويب المعلقة على الجدار ويمسك أسهم أخرى في
يده اليسرى فابتسمت على منظره ذاك وهو يحاول تعيين مسار
السهم قبل رميه ثم فتحت الباب أكثر ودخلت ووقفت أمام تلك
الحلقة المعلقة وأغمضت عينيها قائلة
" إن كنت غاضب مني فارمني بإحدى سهامك الآن لتكون غفرت لي "
ابتسم الجالس هناك وقال
" ابتعدي يا حمقاء أو غرسته في جبهك الصغيرة بالفعل ولن
نأخذك للطبيب ليخرجه لك فها قد حذرتك "
وصعت كفها على عينيها وقالت مبتسمة
" لا يهم إن كنت ستسامحني"
ضحك بصمت وقال
" احتفظي بجمالك أفضل لك يا ابنة مطر فقد تقابلي زوج
المستقبل قريبا ويغير رأيه بسبب السهم"
كتمت ضحكة تغلبت عليها وقالت ولازالت تغمض عينيها بكفها
" وما نفع أن أتزوج وشقيقي غاضب مني ، ثم لا تقلق فلن
أقابل أحدا "
حرك رأسه بيأس منها مبتسما وقفز بخفة ووصل عندها بخطوات
خافتة وقبل جبينها قائلا بابتسامة
" أنا لم أغضب منك يا شقيقتي لأسامحك "
أبعدت يدها وقفزت حاضنة له وتعلقت بعنقه قائلة بسعادة والدموع
تملأ عينيها الواسعة
" شكرا لك يا شقيقي الرائع "
أبعدها عنه قائلا بضحكة
" لا تفرحي بهذا كثيرا فأنا لم أفعلها إلا لأني لا أريد أن أزفك
لزوجك والسهم منغرس فيك "
ضحكت كثيرا وسحبت الأسهم من يده قائلة
" اتركني أجرب هذا إذا "
استلهم منها قائلا بضيق
" لا لن أسمح لك بأن تتغلبي علي في هذه أيضا "
قفزت على ظهره ضاحكة تحاول أخذهم منه وهو يحاول ابعادها
شاتما من بين ضحكاته
*
*
*
مرر أصابعه خلال شعره الأسود الغزير متكئ بمرفقيه على
سياج الشرفة ينظر للأرض الخضراء تحته ولبريق ضوء الفجر
ينعكس على سطع قطرات الندى المتسابقة فوق تلك الأوراق
المتراقصة برفق مع النسيم الخفيف ، أغمض عينيه ببطء ومر
أمامه فورا ما حدث منذ ساعات قليلة وما لم ينساه لحظة ليتذكره ...
بكائها .. صراخها المذعور واستنجادها بجدتها فقط من بين
الجميع . .كانت كما أخبرت عنها مربيتها تماما ترى شخصا أو
شيئا يرفض عقلها أن يرى غيره مهما حاول الموجودين حولها ،
وأي شخص سيقترب منها أو يلمسها ستظنه ذاك المجهول ، فتح
عينيه وتنفس بعمق ممرا كفه على صدره حيث لازال يشعر بها
هناك في حضنه .. حيث أنهكها الصراخ وتمكن منها التعب نهاية
الأمر من شدة مقاومته ، حيث أفرغت آخر شحنات غضبها
ووجهت آخر ضربات من قبضتيها ، بل حيث سكبت تلك الدمعات
الأخيرة وحررت العبرات القليلة وحيث استسلمت تقريبا نهاية الأمر ،
ضغط بيده على أضلعه متنفسا بعمق وأغمض عينيه لبرهة وهو
يتذكر همسها هنا .. أجل هنا باسمه قبل أن تفقد وعيها تماما
وكأنها أدركت أنه هو نهاية الأمر .
وقف على طوله وأمسك بيديه السياج النحاسي البارد منحن قليلا
ورفع نظره حيث شروق الشمس تداعب النسائم الربيعية خصلات
شعره الأسود القصير وياقة قميصه الأبيض المفتوحة وكل ما يحاول
ترجمته وفك رموزه هو كلام جده المبهم والذي لايزال يدور في
عقله حتى اللحظة
( قلت ابتعد عنها يا وقاص لأنها ميتة ... هي جثة في جسد امرأة
ولن تجد لديها ما تبحث عنه أبدا فهي لن تعطي شيئا لا تملكه )
( فقدت كل شيء وفاقد الشيء لا يعطيه أبدا فاقتنع بأنها انتهت
من الوجود منذو أعوام )
حرك رأسه برفض وهمس من بين أسنانه
" ليست ميتة .. كل شيء نفقده يمكننا استعادته إلا الحياة نفسها
وهي حيه ... حيه تتنفس أمامي "
أدار بعدها للشمس ظهره ودخل من باب الشرفة يغلق زري
قميصه المفتوحتين ورفع سترته المرمية على السرير وغادر
الغرفة فلا وقت أمامه ولا للاستحمام وتغيير ملابسه فعليه أن
يكون في لندن بعد أقل من ساعتين ، خرج مغلقا باب الغرفة وراءه
لحظة ما انفتح باب آخر وخرجت منه التي كانت تحمل حقيبة ثياب
صغيرة في يدها ، نظرت له بحزن وقالت
" وقاص سأغادر من أجل الجراحة اليوم ، كنت أتمنى فعلا أن
تكون معي وبجانبي .. أنت لا أحد غيرك "
ابتسم بسخرية وقال ناظرا لعينيها
" لو أردت رضا وقاص فعلا ما أجريتها يا جمانة ، وبعد أن نلت
ما تريدينه انسي وقاص للأبد "
ملأت الدموع عينيها وقالت بضيق
" لما تضع اللوم عليا دائما ؟ لما تتعمد أن لا تفهمني وترفض
ما فيه سعادة كلينا ؟ "
أشار لها بسبابته وقال بضيق أشد
" أنتي ... أنتي يا جمانة من دمر ما بيننا وأنتي من كان السبب
في أن لا يكون بيننا شيء من أساسه ، كم مرة أخبرتك أن ما
تبحثين عنه لا يعنيني وأن ما يخبرك به عقلك المريض أبعد ما قد
أفكر فيه "
وتابع بغضب وقد أشار بإصبعه جانبا
" النساء الرشيقات الشقراوات الفاتنات أمامي في كل مكان وحتى
داخل مكتبي إن كنت أريد ما تهلوسين به وكم مرة شرحت
وقلت وأعدت أن ما يعنيني في المرأة داخلها .. عقلها .. وأن
لا تكون هامشية ساذجة غبية تحركها عواطفها أو أهوائها ،
قلت وكررت وأعدت كالببغاء لأعوام وكنت وكأنني أتحدث لجدار
أصم بل لو كنت أتحدث معه لفهم ذلك ورحمني ، لو كنت أهتم
بما تفكرين فيه ما تزوجتك منذ البداية ومن دون أن أراك لأن
القشور الزائفة هذه آخر ما يعنيني "
تدحرجت دمعتها على خدها الممتلئ وقالت باستياء
" معك حق فأنت لم تكن تسمع ما.... "
صرخ فيها بغضب مسكتا لها
" يكفي سئمت من سماع هذه الأسطوانة لثلاثة أعوام متثالية ،
ها أنتي ستحصلين على ما تريدينه لتجدي ما تبحثين أنتي عنه
لكن ما يريده وقاص فيك لن تغيره الجراحة أبدا يا جمانة ، وتذكري
فقط أن لا تلومي إلا نفسك يوم ستبكين ندما على إقحامها في لعبة
إهدار المال ورضى الله هذه التي ستدخلينها "
أنهى جملته الغاضبة تلك ثم توجه جهة باب الجناح وخرج ضاربا
له خلفه بقوة دون أن يترك لها مجالا ولا لتعلق على ما قال تاركا
إياها وحقيبتها التي تسقيها دموعها وقد صرخت باكية وإن لم
يكن يسمعها
" لن تفهمني أبدا يا وقاص ، لن يفهمني رجل مثلك يملك كل شيء
ولا يعيره أحد "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 75 others like this.
رد مع اقتباس
#3525
قديم 18-10-17, 10:32 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
نزلت من الشاحنة تنفض ثيابها متأففة وتشعر بأنها لحظات
وستبكي ففوق الإذلال والغبار والأدخنة تأخرت كل هذا الوقت
بسبب سير هذا الوحش في الطرق المزدحمة ولا يمكنها حتى
الاستحمام وتغيير ثيابها ، صرخت منادية تنظر جهة الشاحنة
المبتعدة
" عد إلي هنا أخذت ثيابي معك يا أحمق "
ولا من مجيب ولا حياة لمن تنادي وهي لا ترى سوى نقطة
حمراء تبتعد شيئا فشيئا فنفضت حقيبتها تشتم شخصا واحدا
ورجلا واحدا ككل مرة ، توجهت بعدها جهة مبنى الشركة
ودخلت وتوجهت جهة المصعد فورا متجاهلة موظفة الاستقبال
التي كانت تناديها فلا ينقصها الآن أن تشرح سبب دخولها وهي
ليست ضمن موظفي الشركة ولا موعد مسبق مسجل باسمها فلن
تستبعد أبدا أن تطرح تلك الشقراء أرضا إن هي تحدثت معها وأن
تفرغ غضبها بأكمله فيها ، وصلت مكتب السكرتيرة التي ما أن
رأتها نظرت للساعة في معصمها ثم لها وقالت بنزق
" تأخرت كثيرا ، ساعة كاملة منذ اتصلت بك "
لوحت بيدها قائلة بضيق
" ما الذي كنت تتوقعينه وأنتي ترسلي لي تلك الشاحنة ؟
أن تطير بي مثلا وتوصلني في ثواني ؟ "
رمقتها بنظرة غاضبة وكأنها تكتم مكرهة ما تريد قوله ثم أشارت
بالقلم في يدها للكرسي أمام مكتبها قائلة بامتعاض
" يمكنك الجلوس هنا فالسيد كروس لديه ضيف مهم لن يغادر
قريبا لأنه دخل منذ لحظات قليلة فقط "
تجاهلتها رافعة أنفها وتحركت جهة الأريكة الجلدية السوداء
المقوسة المحاذية للواجهة الزجاجية المطلة على نهر التايمز
ورمت حقيبتها هناك وارتمت هي أيضا عليها نائمة فوقها
وقد تناثرت تلك الخصلات البنية المموجة حولها وحضنت
الوسادة المربعة الشكل الصغيرة قائلة
" أيقظيني حين يغادر ضيفكم المهم ذاك "
وأغمضت عينيها فور متجاهلة تلك النظرات الحانقة التي كانت
ترميها بها فهي تحتاج فعلا لأن تنام في مكان دافئ كهذا وفوق
شيء لا يشبه تلك الأرضية الصلبة الباردة وإن كانت مجبرة على
النوم بشكل مقوس هكذا .
" هيه أنتي "
تأففت ورفعت خصلة من شعرها عن وجهها وفتحت عين واحدة
فقط تنظر للواقفة فوقها تمسك خصرها بيديها بتنورتها القصيرة
التي لم تعد تخفي شيئا لوقوفها فوقها فتمتمت ببرود
" أجل هذا هو دور السكرتيرات الأساسي "
قالت الواقفة فوقها بضيق متجاهلة تمتماتها تلك
" هذا ليس مكانا للنوم يا آنسة ولن يعجب السيد كروس هذا
المنظر أبدا إن خرج ورآك وسيوبخني أنا وليس أنتي ، ثم
ماسيكون مظهر الشركة إن دخل أحد العملاء ووجد هذا ..... "
قاطعتها بحنق وقد عادت للجلوس
" وفري خطاباتك لنفسك ها قد جلست "
فتأففت تلك وغادرت دون أن تضيف شيئا وعادت لعملها بينما
احتضنت هي الوسادة وانزلقت على الأريكة المريحة قليلا وأتكأت
برأسها جانبا وأغمضت عينيها ، ورغم وضعيتها الغير مريحة إلا
أنها استسلمت للنوم سريعا بسبب دفئ المكان ولم تشعر بمرور
الوقت ولا ما يجري حولها ولم يخرجها من عالمها المظلم الدافئ
ذاك سوى ذاك الصوت الأنثوي المزعج
" هيا استيقظي "
فتحت عين واحدة تفرك الأخرى بيدها وتثاءبت مطولا ثم نظرت
حولها ليلفت نظرها باب المكتب الذي اختفى خلفه ذاك الكتف
العريض تغطيه بذلة سوداء يمكن معرفة نوع قماشها الفاخر من
بعيد ، كان ذلك فقط ما رأته من بين رموشها الكثيفة وهي بالكاد
تفتح تلك العين الواحدة وعلمت مما رأته بأنه لن يكون عجوزا
كما توقعت ، هبت واقفة على طولها ما أن استوعب عقلها
ما يجري وقالت ترتب خصلات شعرها
" هل غادر ضيف السيد ؟ "
شتمت هامسة ثم قالت بضيق
" لما لم توقضيني قبل أن يخرج السيد كروس من مكتبه "
رمقتها بنظرة حادة وعادت جهة طاولتها قائلة بضيق
" لم آذن لك بالنوم لأوقظك ، السيد ينتظرك في مكتبه "
نظرت لها بحنق ولم تعلق ، ليست تفهم كيف يوظفون واحدة
وقحة مثلها في هكذا وظيفة وشركة ؟ سحقا لها بسببها وضعت
في هذا الموقف السيء ، لم تكن تريد للقائها الأول بذاك الرجل
أن يكون هكذا وأن يراها وهي نائمة منحنية الرأس كالبلهاء
واللعاب يسيل من فمها المفتوح ، تأففت بحنق ورمت كل تلك
الأفكار من رأسها ونظرت لثيابها ترتبها ثم توجهت جهة الباب
التي تركه شبه مفتوح خلفه رافعة الرأس عمدا وهي تجتاز
الجالسة خلف مكتبها حتى دخلت وغاب نظرها فورا في المكتب
الفخم بتصميمه المبهر وقد ارتكز ديكوره الرائع على خشب
الزان الذي غطى حتى الجداران الخلفي والجانبي ، واجهة زجاجية
تطل على أجمل مناظر المدينة وأثاث جلدي أسود فاخر وإضاءة
خفيفة مصدرها المصابيح المدمجة مع ديكور السقف الأبيض
المخالف للون الجدران والأرضية الخشبية منسجما مع قطعتي
الأثاث البيضاء الوحيدة هناك ، حتى اللوحة الجدارية تنم عن
ذوق ذكوري فخم وذكاء حاد ، دار نظرها في المكان بإعجاب قبل
أن يستقر على الكرسي الجلدي خلف طاولة المكتب العريضة
والذي كان ظهره الطويل مقابلا لها لا يظهر من الجالس عليه
سوى ذراعه وساعده والساعة الفاخرة في معصمه لإتكائه بمرفقه
على مسنده يثبت هاتفا على أذنه ويبدوا يتحدث مع أحدهم ، ضحك
من بين كلمات قليلة همس بها لم تفهمها فارتسمت لا شعوريا
ابتسامة واسعة على شفتيها ، رباه ما أجمل ضحكته ! يبدوا أن
هذه الوظيفة ستحمل الكثير من المتعة برفقة هذا الوسيم المميز
كما تجزم من دون أن تراه ،
فتحت حقيبتها بسرعة وأخرجت مرآتها ونظرت لشعرها ووجهها
ثم أعادتها سريعا ونظرت مجددا للذي تحرك بالكرسي قليلا في
مكانه دون أن يظهر لها منه شيء وتحدث مع من في الطرف
الآخر بالفرنسية فعقدت حاجبيها باستغراب ، ألم تسمع هذا
الصوت سابقا ؟ هل يخيل لها أم أن شبح ذاك الرجل أصبح
يطاردها في كل مكان ! ركزت نظرها على يده الممسكة لذاك
الهاتف وبدأ مستوى الإدرينالين يرتفع في جسدها بشكل مخيف
وهي تنظر بإمعان لخاتم الفضة الرجالي المحفور والمرصع بحجر
كهرمان أحمر كبير في أصبعه فشعرت بالخدر يصعد من ساقيها
لباقي جسدها ببطء قاتل تحاول تكذيب ما يحاول عقلها ترجمته ،
ومن دون أن يكون أمامها مجال أوسع لأن تفكر وتحلل وتفسر
دار ذاك الكرسي نحوها في حركة واحدة سريعة ووقف من كان
يجلس فوقه ينظر مبتسما بسخرية خالطها الكثير من الانتصار
لعينيها الخضراوان الشاخصتان فيه بذهول .. شفتاها المنفرجتان
من الصدمة ووجهها الذي سحبت الدماء منه تماما فتحول
لتمثال حجري شاحب ، رمى الهاتف من يده على الطاولة أمامه
وقال بذات ابتسامته الساخرة
" مرحبا بك في عالمك الجديد آنسة غيسانة شاهين الحالك "
*
*
*
وصل عند سياج مزرعة منزلهم ونزل من السيارة ووقف مستندا
بظهره عليها بعدما اتصل بيمان ليخبره بأنه أصبح هنا ، ما طمئنه
أن يمان أخبره بأنه أيضا يريد رؤيته فورا ومن صوته علم أن
الموضوع لم ينل إعجابه وهذا ما سيسهل عليه مهمة شرح
الأمر له ، ومن الطبيعي أن تكون تلك ردة فعله وأي شخص آخر
غيره سيفعل مثله وهم يقررون تزويج شقيقته التي تحتاج هي
لمن يعتني بها ويربيها لا أن تكون زوجة وأم ، ما أن رآه
خارجا من فتحة السياج حتى أجفل ينظرله بصدمة وهو يسير
نحوه بخطوات واسعة فرفع قبضتيه قائلا
" يمان لا تتهور واتركنا نتحدث أولا "
لكن المتوجه نحوه لم يكترث لما كان يقول بل وصل عنده
وفاجأه بأن حضنه بقوة تاركا إياه فاغر فاه ليس من احتضانه له
وهو يتوقع هجومه الغاضب بل من دموعه التي لم يراها يوما !
من صوت نشيجه الباكي وهو من لم يبكي ولا في أقسى الظروف
ومنذ عرفه !! ضمه بقوة أكبر قائلا
" شكرا لك يا أبان ، أنت لا تعلم ما فعلته ... أنت قدمت لي
معروفا لن أنساه لك ما حييت يا صديقي ، لم أكن أتخيل أن حبك
لي وصل لأن تريد مناسبتي ، شقيقتي أمانتك يا أبان هي قاست
في حياتها ضعف عمرها بكثير ومتأكد بأنها لن تظام بعد الآن "
أغمض عينيه بقوة ولم يعرف بما يعبر وما يقول ..... يمان الذي
لم يترجاه يوما ! من لم يطلب منه شيئا أبدا تنزل دموعه الآن
امتنانا له ! تذكر الشجار الذي دار بينه وبين والدته صباحا وشعر
بهول الأمر وهو يتذكر تحديدا سؤالها الغاضب
" تريدها فعلا يا يمان أم كنت تكذب ؟"
شعر بأنه وجد المخرج أخيرا فقال من فوره
" بلى كنت أكذب بل كانت حجة فقط لأنك ترفضين الاقتناع برأيي "
أشارت له بإصبعها قائلة بحزم
" ستتزوجا إذا ورغم أنفك وستعيش بيننا كابنتي بثينة وأعز ولن
يعترف بها أحد زوجة لك فأرني من منا رأيه الصواب وادفع ثمن
أكاذيبك لوحدك "
وغادرت من هناك بعدما رمته بكل تلك القنابل وتركته يشتعل
غضبا لا يستطيع التعبير عنه فنظر للواقف مكانه عند الباب
والذي قال بضيق
" كم مرة قلت لا أحد منكم يغضبها ؟ تحمل نتائج أفعالك الآن "
وتابع وهو يجتازه متوجها للسلالم
" ولا أراك رابحا بتخليصك من مسؤليتها فلا تفرح كثيرا بذلك
فلا أقسى على قلب الرجل من أن يحرم مما يحل له "
ابتعد عنه وخبأ عيناه في يده منحني الرأس وقال ببكاء
" كسرة ظهري هي يا أبان من أجلها أتحمل الذل والمهانة
وضياع مستقبلي ، لو تعلم أي معروف هذا الذي قدمته لي "
لم يستطع تحمل أكثر من ذلك وكادت عيناه أن تدمع لبكاء
صديقه المقرب فأمسك ذراعيه وقال
" لما لم تخبرني يا يمان ؟ لما كنت تخفي كل هذا عني؟ "
مسح عينيه هامسا بحزن
" بماذا كنت سأخبرك وبما كنت ستساعدني؟ بأن شقيقتي ذات
الثلاثة عشرة عاما تعمل لدى والدها وزوجته كخادمة ؟ بأنها
تقوم بواجبات من هن فوق العشرين عاما؟ بأنها حرمت من
دراستها ومن رؤية الناس أو بأنها نامت ليال وليالي على البلاط
البارد في الشتاء القارس دون غطاء وجسدها بأكمله كدمات
بسبب الضرب وأن كل ما كنت أستطيع فعله من أجلها هو تغطيتها
في غفلة عنهما ؟ هي من كنت بسببها سجين هذا المنزل والمنفى
الذي تدمر فيه مستقبلي والآن أصبح بإمكاني التحرر منه "
شد على كتفه وخانته الكلمات مجددا بل حمد الله أنه لم يتحدث معه
أولا ويكسره فوق كسره من عائلته بل من والده عزوته وسنده ،
فهم الآن لما كان يرفض مساعدته له بأن يعمل معهم ، وفهم لما
درس ذاك التخصص المتدني وهو المتفوق دائما ، وعلم السبب
الذي كان يجعله حزينا وشارد الذهن طوال الوقت ... وخلاصة
الموضوع أنه أصبح مجبرا على الموافقة والصمت ، أخرج له
منديلا من جيبه أخذه منه فورا وبدأ بمسح دموعه فأمسك
بذراعه وسحبه جهة السيارة قائلا
" تعالى إذا أمامنا بعض المشاوير الهامة وأولها مكتب شركتنا "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 71 others like this.
رد مع اقتباس
#3526
قديم 18-10-17, 10:36 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
أمسكت يدها بقوة فمسحت تلك على شعرها الأسود القصير وقالت
" جمانة عليك أن لا تتوتري فالأمر بسيط جدا وسنكون معك خلال
ساعتين أو أقل"
أشارت برأسها بحسنا وأغمضت عينيها ببطء فعليها بالفعل أن
تكون قوية فهذا ما حلمت به وأرادته من اليوم الذي رأت فيه
وقاص ... اليوم الذي أصبحت فيه زوجته أو تلك اللحظة التي
دخل فيها غرفتهما وهو هناك .. لن تنسى ذاك اليوم ما عاشت
وهي ترى أمامها ذاك الشاب الذي فاق أحلامها البسيطة بألآف
المرات وهي من كانت تتمنى وإن زوج أقل منها بكثير ..
لم تجرب الحب يوما ولم تعرف نظرة الإعجاب في عيني رجل
درجة أنها وافقت على ذاك الزواج التقليدي ولم تعترض على
رفضه أن يراها أو يتحدث معها قبل الزواج ، كانت تتخيله رجلا
قصيرا بدينا مثلها لا شعر له حتى فوجئت بالحقيقة الفاجعة وهي
ترى أمامها أجمل رجل لبس البذلة السوداء الأنيقة وقعت عيناها
عليه وأكثر رجلا عرفته أناقة وثقة ، رجل يملك ابتسامة لم ترى
مثيلا لها وملامح تحاكي جذوره العميقة ، ومنذ ذاك اليوم كرهت
نفسها وجسدها وشكلها وأصبحت ثقتها في نفسها تتراجع من
السيء للأسوء يوما بعد يوم كلما كانت معه في مكان ما ورأت
تلك النظرات الموجهة ناحيتها وسمعت تلك التعليقات المتفرقة
عنهما ، فلا قصر جسدها البدين يناسب جسده الطويل الرشيق
ووقفته الواثقة ولا ملامحها العادية تتناسب وملامحه الأرستقراطية
الجذابة وكأنهما النقيظ تماما فبدأت علاقتهما بالتدني وصولا
للقاع وبدأت تبحث عن الحلول البديلة .. مكياج صاخب لتظهر
أكثر جمالا وملابس بأثمان أبهض لعلها تغطي كل ذاك النقص
لكن الأمر لم يكن يزداد إلا سوء وبدلا من نعتها بالبدينة القبيحة
باتت تنعت بالمهرج ذو الأنف الأحمر ، فتحول هوسها لوصفات
التنحيف وأصبحت تحرم نفسها الطعام لساعات بل ولأيام أحيانا
فنجح الأمر أخيرا وخسرت بعضا من وزنها وعندها ظهرت
المشكلة الأسوء فذاك الجسد الممتلئة المشدود أصبح مترهلا
قبيح المنظر وجميع عبارات التشجيع التي كانت تسمعها من
البعض بأن جسدها أصبح أفضل وبأنه عليها أن تستمر في ذلك
كانت تطير أدراج الرياح ما أن تنظر للجسد الموجود تحت تلك
الملابس والذي يراه شخص واحد ليس من ضمن جميع أولئك
المادحين لما أصبحت عليه فكرهت جسدها الجديد أيضا والذي
رغم عودته كما كان لم يتخلص من كل تلك الترهلات التي دمرت
معالمه الأنثوية بشكل شبه نهائي وأصبحت الفجوة تكبر أكثر
وتشكيها يكثر ونفوره منها بالتالي يزداد حتى قرأت إعلانا
عن تلك الجراحات التجميلية وأصبح هوسها هو البحث عنها
وخوض تلك التجربة التي ستجعلها أنحف من دون ترهلات ولا
مشاكل . لا تنكر أن تلك الفكرة كانت السبب الرئيسي في الفجوة
الأعمق بينهما فبينما كانت هي تصر عليها باستماثة كان هو
يرفضها وبإصرار حتى أصبحت شجارتهما شبه يومية ، منذ
عرفت وقاص عرفته رجلا خلوقا مثقفا حظاريا يفهم ما عليه
قبل أن يطالب بما له فحتى علاقتهما الخاصة كان يهتم فيها
بأن يرضيها كأنثى وإن لم يحصل هو على ما يرضيه فكان يهتم
بها هي قبل نفسه لكنها ليست غبية لذاك الحد درجة أن لا تفهم
أنه لم يتجاوب معها يوما برغبة منه .. بشغف بشوق وليس
مراعاة لها فقط ، أنه لم يحبها يوما كما يعشق الرجل الأنثى وكما
تمنت هي أن تكون علاقتهما ، قد لا تنكر أنها السبب كما قال ليلة
البارحة لكن الذنب ليس ذنبها وحدها فهو أيضا كان يعلم ما الذي
قد يحسن علاقتهما تلك ورفضه ، كيف يريد منها أن ترضى
وتتأقلم وتثق بنفسها كما يقول كيف ؟! كيف لها أن تمحوا تلك
الصورة من دماغها لتلك المرأة الفاتنة التي دخل يحملها بين
ذراعيه ؟ المرأة التي امتلكت كل ما تفتقده هي وتتمناه ، كيف
تنسى ذاك الجسد الرشيق بلون الشمع النقي ؟ تلك الملامح
الجميلة الهادئة والعينان الزرقاء الواسعة والنظرة القوية
الواثقة التي زادتهما جمالا والشعر الأشقر الذي كاد أن يغطيه ؟
كانت بالفعل النصف المفقود من الصورة التي وقف فيها وقاص
وحيدا لأعوام ... حقيقة قتلتها في أعماقها وإن كانت تلك المرأة
زوجة شقيقه وابنة عمه الخرساء فالأعمى فقط من لا يلاحظ
أن اهتمامه بها فاق حدود الدم والقرابة رغم أنها أكثر من يعرف
دفاعه المستميت دائما عن القضايا الإنسانية وحماية الضعفاء ...
لكنها امرأة بل فاتنة متكاملة ليست تعلم لو لم يكن يعيبها ذاك
الصمت التام ما كانت ستجد فيها عيبا !!
مسحت بظهر كفها الدموع التي تسربت من عينيها لحظة أن
تجمعت الممرضات حول سريرها وسحبنه بها فنظرت حيث
اللتان تركتهما خلفها تبتسمان لها مشجعتان ولم تتركهما
نظراتهما حتى دخلوا بها غرفة العمليات حيث أصبحت محاطة
بثلاثة أطباء يتناقشون حول جسدها وكأنه قطعة كعك فاسدة
عليهم إعادة تصنيعها وتدويرها من جديد ... لا يستر جسدها
العاري شيئا سوى تلك الحلقات الخضراء المنتشرة على بشرتها
بسبب ذاك القلم البارد في يد أحدهم ، فهل هذا أول ما كان
يرفضه وقاص ؟ أغمضت عينيها برفق وتنهدت بعمق فلن تدع
شيئا يقف في طريق تحقيق حلمها ولا حتى الموت
*
*
*
نظرت للهاتف الذي عاد للرنين مجددا ولاسم ( تيم كنعان )
يضيء شاشته ثم نظرت للجالسة أمامها وهمست بتهديد
" لا تجيبي أو اقتلعت عينيك "
ابتسمت بسخرية وكتفت ذراعيها لصدرها ونظرت جانبا ،
ولا هي تريد أن تجيب ، ألم يطلب أن تراسله فقط فلما يتصل بها ؟
كان أرسل رسالة أيضا ، بل عليه أن لا يتعب نفسه بقول
ما سيقول فهي تعلمه جيدا .
بعد اتصال آخر تجاهلته أيضا سكن المكان تماما فقالت ساندرين
ناظرة له بينهما
" يبدوا أنه يئس من المحاولة "
وتابعت بامتعاض وقد نقلت نظرها للجالسة أمامها
" سيجعلك تندمين على تغيبك عن الجامعة أعرف الهازانيين جيدا
متفنون في التعذيب والقهر النفسي "
نظرت ليديها في حجرها وقالت ببرود
" هي دراستي وأمرها يخصني وكان عليا انتظارك لنذهب معا ،
أنا لم أخطئ في شيء "
كتمت ساندرين ضحكتها وقالت
" قد لا يكون هذا ما يريده وسيغدقك برومانسية حالمة طوال الليل "
وما أن أنهت عبارتها تلك رفعت يديها أمام وجهها وقالت بضحكة
" لا تنظري لي هكذا أنا أمزح فقط "
وقفزت في مكانها ما أن رن هاتفها في جيب قميص بجامتها
فأخرجته فورا ونظرت لشاشته ثم انقلبت للخلف ضاحكة وقالت
من بين ضحكاتها
" إنه رقم هاتفه ، قسما سأصيبك بالجنون يا ابن الهازان "
حركت الجالسة أمامها رأسها بيأس منها وهي تعود للجلوس
مجددا قائلة
" ويعرف رقم هاتفي أيضا ذاك اللوح الجليدي ؟ "
همست المقابلة لها ببرود " لا تجيبي "
رفعت تلك الهاتف أمام وجهها وقالت بابتسامة ماكرة
" بل سأفعلها فهل تأتيني الفرصة للنيل من هازاني وأتركها ؟ "
تنهدت الجالسة أمامها بعجز وفتحت هي الخط متجاهلة تحذيرها
وما أن وضعت الهاتف على أذنها وصلها ذاك الصوت الرجولي
البارد العميق بنبرته القوية الواضحة
" أين هي ماريا "
عضت طرف شفتها وحركت كفها أما وجهها ثم أبعدت الهاتف
وهمست للجالسة أمامها
" أعانك الله على هذا ماريااا "
وضحكت بصمت لتعمدها نطق اسمها بطريقته بينما كتفت
الجالسة أمامها ذراعيها لصدرها وأشاحت وجهها جانبا بعبوس
فأعادت الهاتف لأذنها وقالت ببرود
" في غرفتها طبعا "
"
لما لا تجيب على هاتفها ؟ "
أتاها السؤال التالي كسابقه وكأنه لم يهتم لجوابها ذاك فوضعت
يدها حاجزا بين شفتيها والهاتف وهمست بضيق
" البائس !! "
قبل أن تبعدها بسرعة وقالت بضيق تمسك خصرها بيدها
" لا أعلم فأنا في غرفتي ، قد تكون نائمة أو ماتت "
نظرت بعدها للهاتف بصدمة وقالت
" قطع الاتصال !! الوقح ابن الوقحة "
قالت الجالسة أمامها معترضة بضيق
" لا تشتمي والدته "
ضحكت وقالت
" آسفة المهم مسموح لي أن أشتمه هو "
أشاحت بوجهها جانبا من جديد وتمتمت بأسى
" ولا هو أيضا "
ضحكت مجددا وقفزت جهتها وحضنتها تحيط عنقها بذراعيها
وقالت ضاحكة
" ويل قلبي من الذين يعشقون ويغضبون في آن معا "
وابتعدت عنها ما أن عاد الهاتف المرمي تحتها على السرير
للرنين مجددا ونظرت لشاشته ثم وقفت خارج السرير وقالت مغادرة "
أجيبي ماريه قبل أن يتصل بوالدي وحينها ما سيخلصنا من مناصر
الهازانيين ذاك "
وخرجت من الغرفة ونظرها يتبعها حتى أغلقت الباب خلفها ،
نظرت بعدها للهاتف الذي عاود الرنين بإصرار ورفعته ببطء
وكأن ثمة ما يمنعها من فعلها وهي من تمنى ذاك الشيء الغبي
في داخلها طيلة اليومين الماضيين أن يتصل بها لكن الحمقاء
تبقى حمقاء دائما ، تنفست بعمق وفتحت الخط ووضعت الهاتف
على أذنها ولأن ما واجهها كان الصمت التام من الطرف الآخر
همست تقاوم ضربات قلبها المجنونة كي لا يظهر التوتر في صوتها
" أجل يا تيم"
" ماريا لما لا تجيبي ؟ "
شعرت بالدموع الحارة تملأ عينيها وبقلبها يعتصر ألما وهي تسمع
صوته ، ذات الصوت الذي سمعته وعرفته .. ذات ذاك الرجل الذي
قفزت صورته فورا أمام عينيها ما أن سمعت صوته ، وعلمت يقينا
حينها بأنها تحترق شوقا اليه ، أغمضت عيناها العسليتان المليئتين
بالألم ببطء وصمتت قليلا قبل أن تهمس بنبرة هشة
" كنت في الحمام "
وصلها صوته الحازم مباشرة
" لما لم تداومي في الجامعة ؟ القوانين في ذاك المكان صارمة
وتختلف عن التي اعتدت عليها هناك وهم لا يتهاونون في هذا أبدا "
مسحت الدموع من رموشها بظهر كفها وتمتمت ببرود
" علم "
غزى الضيق نبرة صوته بوضوح وهو يقول
" ما معنى هذا ماريا ؟ "
تنفست بعمق وأرغمت نفسها على أن تقول بجمود
" معناه حسنا سأداوم ابتداء من الغد "
" لما أنتي غاضبة ؟ "
كان صوته لا يزداد إلا حدة فعضت شفتها بقوة ومالت على
الوسادة تخفي وجهها فيها تشتمه بين طياتها هامسة كي لا يصله
ما تقول ... غاضبة !! ويسأل لما أيضا ؟ رباه ما الحل مع هذا الرجل ؟
جلست مجددا ورمت الوسادة بغضب وبدأت ترتب شعرها الذي تبعتر
بسببها وقد وصلها صوته
" ماريا تسمعينني ؟ "
غرست أصابعها في غرتها تشدها للخلف وقالت
" أسمعك تيم ولست غاضبة .. مما سأغضب مثلا ؟ "
تمتم بكلمات يونانية لم تستطع فهمها وكانت المرة الوحيدة في
جميع مكالمته تلك التي لم يتحدث فيها بحزم فتمنت لحظتها لو
أنها لا تستطيع أن تتحدث لغة غيرها لتعلم ما هذا الذي لا يريد
أن تفهمه وليس توبيخا أو أوامر صارمة ، قال بعدها مباشرة
" اذهبي لجامعتك ماريا لا أريد أن يصلني إخطار آخر لتغيبك "
تركت أصابعها خصلات غرتها لتتساقط على وجهها وتنهدت بضيق ..
هل سيصله أي إنذار يخصها من الجامعة ليوبخها بشأنه كالطفلة ؟
سحقا لحظها السيء ، همست باستسلام " حاضر "
قال مباشرة
" إن احتجت شيئا أخبريني ... وداعا "
وأنهى الاتصال فارتمت على السرير والهاتف لازال في يدها
تنظر له بحزن أمام وجهها ، أغمضت عينيها برفق تسجن بين
رموشها تلك الدمعة الحزينة هامسة بضعف
" أحتاج ... !! هل تعرف معنى هذه الكلمة حقا يا تيم ؟ "
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 73 others like this.
رد مع اقتباس
#3527
قديم 18-10-17, 10:39 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
فتح باب الغرفة بعد طرقتين خفيفتين ووقع نظره فورا على الجالسة
فوق الفراش الوحيد فيها تحضن ساقيها مخبئة وجهها فيهما وتبكي
بصمت فدخل وأغلق الباب خلفه وتوجه نحوها ، جلس أمامها ومسح
بيده على شعرها قائلا بحنان
" يمامة لما كل هذا البكاء أخبريني ؟ "
خرج له صوتها تخنقه عبراتها المكتومة
" لا أريد أن أتزوج ، لما ترفض أخذي من هنا يا يمان ؟
لما تصمت عن كل ما يحدث يا شقيقي "
شعر بقلبه يتمزق ألما فهذه المرة الأولى التي تلومه فيها على
ما يحدث معها بل ولأول تسأله ذاك السؤال الذي قتله صمتها
عنه لأعوام ، مسح دمعة تسللت من رموشه ورفع رأسها لتنظر
له وقال ناظرا لتلك الأحداق الرمادية الواسعة والعينان التي
أجهدها البكاء
" يمامة أقسم يا شقيقتي أنك لن تكوني أفضل حالا من زواجك
بأبان ، هو صديقي منذ كنا فتية وأعرفه جيدا كنفسي ووالداه لم
أرى من في طيب أخلاقهما فلما تبقي للفقر والضرب والتعب هنا ؟
أقسم لو كنت أعلم أنك ستضامي هناك لخرجت بك من هنا الليلة
لكنك قاصر وفي عهدة والدنا قانونيا وسيرجعك بسهولة ولن يغفر
لك ذلك أبدا ، يمامة هل ترفضي أن تعيشي كأميرة تخدمك الخادمات
بدلا من أن تكوني خادمة ؟ هل ترفضي فرصة لأن تدرسي كما كنت
تحلمين دوما ؟ أنتي بنفسك قابلت والدته وتحدثت معها أليس كذلك ؟ "
حركت رأسها إيجابا وهمست ببحة بكاء
" نمت تلك الليلة أبكي وأنا أتخيلها والدتي التي لم أراها يوما "
مسح دمعة أخرى تمردت على عزيمته الرجولية وقال وقد بدأ
بمسح دموعها عن خديها الصغيران أمام كفه
" وهي ستكون لك كوالدتك يا يمامة تأكدي من ذلك يا شقيقتي "
عادت دموعها للتسرب من رموشها الكثيفة وقالت بعبرة
" لكن الرجال مخيفين ، هو سيضربني كما يفعل والدي مع
خالتي وسيشتمني دائما كما يفعل معها "
ابتسم من بين حزنه على أفكارها الصغيرة كحجمها وكعالمها
الصغير الذي سجنت فيه وقال
" ليس جميع الرجال كوالدي يا يمامة وأضمن لك أبان أكثر من
نفسي بأن يده لن تمتد عليك يوما ، ثم هو طمئنني أن زواجكما
لن يكون حقيقيا في الوقت الحالي وستعيشين وسط عائلته
كفرد منهم "
مسحت طرف عينها بظهر كفها وهمست ببحة
" ما تعني بحقيقي ؟ "
غرس أصابعه في شعره ونظر للأسفل يخفي ضحكته الصامتة
عنها ثم نظر لها وقال مبتسما
" يعني أنه ليس وقت شرح هذا لك الآن وأنه ليس وحدك من
سيتحرر من هذا المنفى بزواجك بل وأنا أيضا "
نظرت له بصدمة وقالت
" ستخرج من هنا وللأبد ؟ "
أومأ بنعم وقال
" سأبحث عن مستقبلي وعن يمان الحقيقي فلم يعد ثمة شيء
هنا يضطرني لتحمل ما قاسيته معهما "
ارتمت في حضنه وقالت باكية
" ستتركني أيضا يا يمان ؟ ماذا إن كان أولئك سيئين أيضا ؟ "
مسح على شعرها وقبل رأسها وقال
" لا تخافي يا يمامة ففي تلك الحالة سآخذك منهم فلن يقف حينها
ولا القانون في وجهي لأنك ستخرجين من وصاية والدي "
ثم أبعدها عنه وأمسك وجهها ونظر لعينيها قائلا
" يمامة لا تخبري أحدا بما أخبرتك به اتفقنا ؟ "
أومأت برأسها موافقة وهمست بحزن
" ومتى ستأتي لأخذي من هناك ؟ "
ضحك وضمها لحضنه قائلا
" متى ما رأيت أنتي أنك مظلومة ومهانة هناك اتفقنا ؟ "
همست بحزن تدس نفسها في حضنه الدافئ
" اتفقنا "
*
*
*
" هيا زيزفون ليس سوى كوب حليب ساخن ستشعرين بالانتعاش
بعد شربه "
أشاحت بوجهها جانبا وقالت بضيق
" لست أحتاج لشيء ساخن ، أشعر بجسدي يشتعل "
وضعت الكوب من يدها وقالت
" هل أحضر لك كوب عصير بارد ؟ "
حضنت ساقيها أكثر وقالت بضيق أكبر
" لا أريد خالتي توقفي عن معاملتي كالأطفال "
جلست على طرف السرير قربها وقالت بحزن تنظر لنصف وجهها
المقابل لها
" لكنك لم تأكلي شيئا اليوم يا زيزفون ، السيد وقاص اتصل مرتين
يسأل إن تناولت الطعام "
نظرت لها وقالت بحدة
" توقفي عن ذكر اسمه أمامي ، لا أريد سماع أسمائهم جميعا ولا
رؤيتهم "
تنهدت بيأس منها ومن عنادها ثم وقفت حاملة الكوب معها لتعيده
للمطبخ للمرة الثالثة بعدما فقدت الأمل في أن تقنعها وإن بشربه
لوحده .
" ما الذي حدث البارحة قبل أن أغيب عن الوعي ؟ "
وقفت مكانها مصدومة ما أن سمعت سؤالها ذاك فهذه المرة
الأولى التي تسأل فيها عن حالتها تلك حتى خيل لها أنها كانت تتذكر
كل شيء ما أن تفيق لذلك لم تكن تسألها ! التفتت لها بكامل جسدها
تمسك الكوب الخزفي بكلتا يديها ونظرت لها لبرهة بصمت وهي
غائبة بنظرها لأغطية السرير البيضاء تحتها لازالت تحضن ساقيها
اللتان يغطيهما اللحاف القطني الفاخر وقد جمعت شعرها الأشقر
الطويل في جانب واحد ليستقر في حجرها تحمل ملامحها الجميلة
الشرود والضيق والاستياء في آن معا ، تنفست بعمق وقالت ما
سبق وأوصاها الطبيب به
" وجدتك هنا مغميا عليك ، لست أعلم عما تتحدثين تحديدا
يا زيزفون ؟ "
وضغطت بأصابعها على الكوب حين ابتسمت الجالسة فوق السرير
بسخرية وقالت دون أن تنظر لها
" تكذبين يا خالة ! لأول مرة منذ أعوام أكتشف هذا فيك "
شعرت بالمأزق الذي أوقعت نفسها فيه وانتبهت حينها فقط أنها
ذكرت اسم ذاك الشاب واتصاله فقالت تنقذ الموقف
" ولما سأكذب ؟ السيد وقاص سأل فقط إن أنهيت عشائك
معهم البارحة و .... "
قاطعتها بضيق ناظرة لعينيها
" ها أنتي تكذبين مجددا ، أنا لم أسأل عما قال ذاك الرجل فتوقفي
عن إيقاع نفسك في كذباتك المتعاقبة "
تنهدت باستسلام فكيف فاتها أن عقل هذه الجميلة الشقراء لا يترك
شيئا دون تفسير ، لم تستطع أن تعلق على ما قالت ليس لأنها
حاصرتها بل لأنها لم تترك لها مجالا لذلك وهي تتابع بذات
ضيقها الحانق
" لما طلبت منه المجيء خالتي ؟ لماذا فعلتها ؟ "
فتحت فمها لتتحدث وعلى لسانها ألف تبرير غير الحقيقة لكنها
سبقتها قائلة
" لا تكذبي مجددا فهو قال أمامي البارحة بأنه سيغادر بريستول
من أجل موعد مهم فما سيرجعه إن لم يكن قد علم بما يحدث هنا ؟
ولا أحد غيرك سيفعلها "
حاولت التحدث مجددا لكن نظرات النكران في عينيها فضحتها
أمام الجالسة هناك والتي قالت بحدة وقد لمعت عيناها باستياء
تشد بقبضتيها على قماش اللحاف بقوة
" لا تنكري خالتي فلازلت استنشق عطره في جسدي حتى اللحظة "
تنهدت حينها الواقفة مكانها باستسلام فلا مجال للنكران بعد كل
هذا فهي تجهل ما حدث البارحة خلف الباب الذي أغلقه بعد
دخوله لكنها كانت تسمع صراخه محاولا التحدث معها وتهدئتها
قبل أن يتحول كل ذلك لكلمات هادئة يطمئنها بها بأنها بأمان وأنه
بقربها ثم خروجه بها يحملها بين ذراعيه فاقدة للوعي تماما ،
مثلما تذكر الجالسة هناك آخر ما حدث معها ولأول مرة منذ أعوام
ومنذ عرفت تلك الحالة التي تستفيق منها لا تذكر شيئا سوى أن
دوامة ذاك الماضي المظلم المخيف قد ابتلعتها تماما .. لا ترى
شيئا لا تسمعهم ولا تتذكر لاحقا سوى ذاك البشع وصوته الكريه
لكنها هذه المرة تذكرت .. تذكرت وجه ذاك الرجل وحضنه وحرارة
جسده .. إبعاده لخصلات غرتها عن عينيها وملمس أصابعه على
وجنتها يهمس لها بدفئ ( أنتي بخير يا زيزفون صدقيني )
لون الغضب حدقتيها الزرقاء حين تذكرت كل ذلك وآخره دموعها
الصامتة التي سكبتها على قميصه فصرخت فيها بعنف
" كنت تركت زيزفون المجنونة تقتل نفسها أفضل ألف مرة من
أن تستجدي شفقة حفيذ ضرار سلطان ذاك "
ارتجف الكوب بين يديها حتى كاد أن يقع منها وقالت بحزن
" أنتي لست مجنونة يا زيزفون ، وأنا كنت أمام خيارين وحيدين
إما أن أتصل به أو أخبر سيد المنزل ليتصلوا بطبيبك ففضلت
الخيار الأول كي لا يتهموك بالجنون "
صرخت فيها مجددا تحرك يدها بغضب
" أنا مجنونة في نظرهم في جميع الأحوال ، لا أريد شفقتهم هذا
فقط ما أرفضه أما بشاعة أفعالهم فاعتدت العيش مع أسوء
منها لأعوام "
قالت من فورها
" ما كنت لأتركك تتأذي ومهما كانت النتائج يا زيزفون لأني لن
أسامح نفسي أبدا بعدها "
أشاحت بوجهها عنها باستياء وعادت لإحتضان ساقيها
متمتمة بضيق
" ليتك تركتني قتلت نفسي وما فعلتها "
اعتصر الحزن والألم قلبها وقالت بهدوء حزين
" زيرفون لا تغضبي مني صغيرتي أقسم أن خوفي عليك كان السبب
الوحيد وراء اتصالي به و ... "
" أريد أن أبقى لوحدي "
قاطعها صوتها البارد وعبارتها اليتيمة تلك فتنهدت بحزن وغادرت
من هناك مغلقة الباب خلفها وما أن وصلت بهو المنزل الواسع
وقفت مكانها تنظر للذي قطع طريقها يحمل حقيبته في يده ويبدوا
دخل المنزل للتو ، قال من فوره ناظرا للكوب في يدها
" هل تناولت شيئا ؟ "
حركت رأسها بالنفي وقالت ما أن تحرك ليجتازها
" لا تتعب نفسك سيدي ولا تدخل لها وهي غاضبة منك فهذا
لن يزيد الأمور إلا سوءا "
نظر لها عاقدا حاجبيه وقال
" غاضبة لما ؟ "
حركت رأسها بعجز قائلة
" ليس منك وحدك بل ومني أيضا فقد اكتشفت أني اتصلت بك
وأنك كنت هنا البارحة "
ثم أبعدت نظرها عنه وتابعت بحزن تخلله الكثير من الأسى
" هي لا تثق في الناس بسهولة ولم يسبق وغضبت مني سابقا
كما أن غضبها بشع لا يزول بسهولة ولن أستبعد أن لا تغفر لي
أبدا ، هي وحيدة حتى بوجودي وها قد عزلت نفسها عني أيضا "
تنفس بضيق وتحرك مجتازا لها مجددا فأمسكت بذراعه وقالت
برجاء
" لن يجدي حديثك معها نفعا سيدي صدقني وأيا كان نوعه ، هي
تحتاج لأن تكون لوحدها لبعض الوقت ، أنا أكثر من عاش
معها ويعرفها "
نظر لها بصمت فتابعت
" الدواء الذي أحضرته معها بعد عودتكما يكفيها لبعض الوقت
فيبدوا أنه مكمل غذائي جيد وسأقنعها فيما بعد لتتناول شيئا ولو
يسيرا أعدك "
حرك رأسه متنهدا بضيق وغادر وتركها واقفة هناك فتنهدت
متمتمة تراقبه مبتعدا
" لو أعلم فقط بأي عين تراك تشبههم ؟ "
*
*
*
ما أن تركها سلك الاتجاه الآخر ووجهته هذه المرة كانت مكتب
جده ، طرق الباب وفتحه ودخل ووقف مكانه ما يزال ممسكا
لمقبضه بيده ونظره على الذي وضع سماعة الهاتف مكانها
ونظر له قائلا
" ادخل وأغلق الباب "
قال ببرود ونظره يتبعه وهو يدور حول طاولة مكتبه
" إن لم يكن الأمر مهما اتركني أنام أولا فأنا لم أنم البارحة "
جلس على الكرسي ووضع يديه على الطاولة أمامه وقال بأمر
لا نقاش فيه
" ادخل يا وقاص ... أعلم أنك لم تنم وأنك كنت تعمل طوال النهار
وما اتصلت في طلبك إلا لأن الأمر الذي أريدك من أجله مهم أيضا "
تنهد باستسلام متنفسا بعمق ثم أغلق الباب وتوجه جهة الكرسي
المقابل لطاولته ، وضع حقيبته وجلس في صمت فقال ضرار بجمود
عاقدا حاجبيه
" ظننتك حفيدي وقاص الذي أعرفه جيدا وأنك ستفكر في أن
تعتذر عما تفوهت به البارحة من حماقات "
نظر لعينيه مباشرة وقال بعناد
" لن أعتذر عن شيء مما قلته لأني لم أخطئ معك فيه ولازلت
عند كلمتي وبقائي في هذه العائلة والمنزل مرتبط ببقاء زيزفون "
قال المقابل له بضيق
" ما هذا الهراء الذي تتفوه به يا وقاص ؟ هل سنمسك عنها
أقدار الله إن حانت ساعتها "
قبض أصابع يده التي كان يريحها على طاولة المكتب وقال بضيق
" لن أرضى بالعيش وسط عائلة قانونها الظلم والجور على يتيمة
وحيدة هي جزء منها ، إن كانت غريبة عنا ما رضيت بذلك فكيف
بها هي ؟ لم تربني على هذا يا جدي ولم أختر المحاماة إلا بسبب
ما غرسته في داخلي من تلك المبادئ "
كانت عبارته تلك كمن سكب الماء على النار أخرسته تماما لوقت
لكنه يعرف جده جيدا لن يهزمه بسهولة فقد حدث ما توقع وقال
بذات ضيقه
" لن تعلمني كيف أنصف حفيدتي يا وقاص وأنا من لم أظلم أحدا
منكم ، ثم يا سيادة المدعي العام يا مناصر المظلومين زوجتك
هي الأحق بما تقوله وأن توليها اهتماما بسيطا وأنت لم تفكر
ولا في زيارتها أو الاتصال بها بعد خروجها من غرفة العمليات "
وقف على طوله وقال بغضب
" أجل فهي خرجت للتو من جراحة خطيرة على القلب وهي
الآن بين الحياة والموت "
صرخ فيه من فوره
" هي تحاول جهدها لتغير حياتكما من أجلك أنت فقط ، ثم أليس
هذا الحل الوحيد ليكون لديك طفل "
شد قبضتيه بقوة وقال بغضب
" لا تتعب نفسك بانتظاره لأنه لن يأتي "
وحمل حقيبته ما أن أنهى جملته الغاضبة تلك وغادر ليوقفه الذي
وقف من خلفه قائلا بحدة
" وقاص انتظر فحديثنا لم ينتهي بعد "
قال بضيق ولازال يوليه ظهره
" أي حديث عن جمانة لا طائل منه ، فعلت ما تريدون وتريد وانتهى "
صرخ فيه من فوره
" لا تتحدث معي وظهرك لي يا وقاص "
رفع رأسه عاليا وتنفس بعمق ثم التفت له بكامل جسده وقال
مستجلبا كل ذرة هدوء متبقية في جسده وإن كان تأثيرها على
ضيقه ضعيفا
" آسف جدي لم أقصد ذلك فإن كان حديثك عن جمانة فأوقفه
عند هذا الحد فقد انتهينا منه سابقا "
جلس مجددا وقال ببرود
" بل نجيب ... ابحث عن مكانه بمعرفتك فهو مختف تماما منذ
حديثي الأخير معه "
شد أصابعه على مقبض الحقيبة في يده وقال بضيق
" أجل فيبدوا أن مشاعره جرحت من توبيخك درجة أن هجر المنزل
والبلاد ! اتركه سيأتي من نفسه كالعادة مدلل والدته حد الإفساد ذاك "
قال ضرار بضيق أشد
" هو شقيقك في جميع الأحوال يا وقاص وتغيبه الطويل وراءه
مصيبة دائما فاستخدم معارفك في الشرطة للبحث عن مكانه
دون شوشرة وفضائح "
قال ببرود مغادرا من هناك
" من أجلك فقط يا جدي لكن زيزفون خط أحمر فليفهم ذلك جيدا "
" وقااااص "
وقف عند الباب يمسك المقبض بيده لم يفتحه بعد على صوت جده
الصارخ من خلفه متابعا بغضب
" لن أعيد ما قلته في كل مرة ، أخبرتك أنه لن يكررها مجددا فلا
أريد أي مشاكل بينكما بسبب امرأة فينتهي بكما الأمر قاتل ومقتول "
شد أصابعه على مقبض الباب بقوة وأغمض عينيه لبرهة ولا يعلم
لما ظهرت أمامه فورا تلك اللوحة ... القمر ... البحر والغروب
والمرأة الجالسة على الأرجوحة ، لا يمكن لزيزفون أن تكون كتلك
المرأة مهما امتلأ قلبها بالحقد ناحيتهم ، لا يمكنه تصديق ذلك ولا
تخيله وفي جميع الأحوال نجيب لا يتمسك بها إلا من أجل مصالحه
الشخصية ليس من أجلها كامرأة ، أدار مقبض الباب وفتحه وقال
وهو يخرج
" أقسم إن مد يدا عليها مجددا أن يموت هو وفي السجن أيضا "
*
*
*
ما أن أضاءت شاشة هاتفها باسمه حملت حقيبتها وغادرت
غرفتها والمنزل دون أن يشعر بها أحد ، لا تريد أن تودع والدتها
لأنها ستضطر لأن تشرح لها سبب مغادرتها المفاجئ كما أنها
سترجع في أقرب وقت وستحكي لها حينها عن كل شيء ، وبما أن
ساكني ذاك المنزل منشغلون منذ ساعات في التحضيرات لوصول
رماح المفاجئ والعمال يجهزون غرفته وكل ما سيساعده على
التنقل هناك ويعملون على قدم وساق في كل مكان في المنزل
سهل عليها أن تتسلل دون علمهم ، كانت متلهفة لرؤيته أيضا
واستقباله معهم لكن ما ينتظرها في منزل والدها هناك أهم حاليا
ثم ثمة أوامر صارمة أن لا تبكي إحداهن ما أن تراه مراعاة
لحالته النفسية وهذا ما لن تستطيع أن تعد به أحدا وأولهم نفسها .
ركبت السيارة وأغلقت الباب خلفها وتحركا فورا مغادرين تلك
المدينة البيضاء المضيئة ، لم تكن رحلة مغادرتهما تشبه رحلة
قدومها أبدا وليس لأن الظلام قد بدأ يلف الأماكن حول سيارتهما
المسرعة على الطريق المعبد بل لأنها تعلم بأن الجالس بجانبها
بعيدا جدا عنها بأفكاره وليست تلومه أبدا فبعد ساعات قليلة
سيلتقي بشقيقه الذي كادوا يفقدونه مع والدهم وقد رجع مقعدا
عليلا فما أقسى تلك الإعاقة على قلب الرجل .
واختارت هي أيضا الصمت التام تسبح مع أفكارها الكئيبة
وما تنوي فعله وهل سينجح الأمر فعلا ويساعدها جدها أم لا .
" هل تظنهما يرجعان يوما كما كانا في الماضي ؟ "
خرجت من صمتها بل وكسرت كل ذاك الصمت المميت متراجعة
عن فكرة ترك كل واحد منهما مع أفكاره وكأنها تحاول الهرب
من أفكارها تلك بما هو أسوأ منها وهو التحدث عنها علنا .
نظرت للذي نظر لها باستغراب من سؤالها المبهم وقالت بحزن
" والدتي قالت أن اقنع نفسي بوضعهما هكذا لكن ذلك مستحيل
فأنا أنام وأصحو على حلم رؤيتهما معا "
ابتسم وعاد بنظره للطريق قائلا
" مادام والدك مصمما على ذلك فكوني مطمئنة فلا أعند من غسق
إلا ابن عمها "
تمتمت بعبوس ولازالت تنظر له
" متى ذلك ؟ "
ضحك من فوره وقال
" لا أظنه سيكون قريبا "
نفضت يديها في حجرها ونظرت جهة النافذة قائلة بضيق
" لما ؟ لماذا يكون والداك موجودان وليسا معا ؟
إن كان أحدهما ميتا أو كلاهما لعذرتهما ، حتى أنهما لازالا زوجين "
عاد للضحك مجددا وقال
" واجتهدي إذا فأنتي حلقة الوصل الوحيدة بينهما "
نظرت له وقالت باستياء
" كيف ووالدي كلما تحدثت عن الأمر أمامه قال أني خارج
ما بينهما ويمنعني من التحدث معها عن كل ذلك ووالدتي
إن نطقت حرفا أمامها غضبت واتهمتني بأني أنحاز له وأدافع
عنه ، أي أنهما يخرسانني فورا من قبل أن أتحدث "
نظر لها بطرف عينه وقال مبتسما
" وأين عقل الأنثى ؟ والدتك كانت أدهى منك بكثير في سنك "
نظرت جهة النافذة مجددا وهمست بعبوس
" أي عقل أنثى هذا الذي سيتغلب عليهما ! لما يحدث معي هذا ؟
بل معها هي قبلي ؟ "
قال رعد مبتسما
" لا تستغربي ذلك فدماءها اختلطت بعائلة شراع الفاشلون
بالإجماع في الزواج والحب "
نظرت له باستغراب وقالت
" جميعكم !! "
ضحك ونظر لها قبل أن يرجع بنظره للطريق قائلا
" أجل والوقائع أمامك تتحدث ... شقيقي الكاسر رحمه الله تزوج
من امرأة خلف حدود الحالك ولم يعيشا معا إلا أياما قليلة وحين
غامر لإخراجها من هناك ماتا معا ، رماح عشق امرأة خلف حدود
الهازان ورفض أن يسلك مصير الكاسر ثم تزوج بغيرها ولا هو
مع هذه ولا تلك .
جبران دمر نفسه وجميع ما حوله بسبب امرأة يعلم أنها ليست
له ولن تكون له أبدا ، والجالس بجوارك الآن ليس بأفضل
حالا من ثلاثتهم فلن تكسر والدتك القاعدة أبدا وانتظري أنتي
دورك القادم أيضا "
تقوست شفتاها تنظر له بعبوس فنظر لها وضحك فورا على
شكلها فقالت بضيق
" ما هذا الفأل السيء ؟ "
خرجت منه ضحكة صغيرة وقال
" لنرى إذا إن كنت ستكسرين القاعدة ، ولا تنسي أني حذرتك "
نظرت جهة نافذتها وارتسم الحزن مع العبوس على ملامحها
وصورة تلك الملامح التي طبعت في ذاكرتها ولم تنساها يوما
ظهرت أمامها وكأنها تراها الآن وهمست
" لا يحتاج الأمر فقد علمت مسبقا "
علا صوته المتفاجئ قائلا
" أوووه يبدوا أن صغيرتنا الحسناء تملك سرا صغيرا في قلبها "
نظرت له بصدمة وتمنت أن قطع لسانها ولا تفوهت بما تفوهت به
لكن أوان الندم قد فات ، ضيقت عينيها وقالت تهاجمه بالمثل
" ورجل السياسة رعد شراع أيضا يبدوا أنه يملك سرا ما
فقصتك الوحيدة التي لم تشرحها لي واعترفت بنفسك أنه
ثمة امرأة "
قال بضحكة
" لن أستغرب هذا من ابنة مطر وغسق ، إن أفشيت سرك
سأخبرك بسري أيضا ما رأيك ؟ "
همست تنظر له بضيق
" محتال هل تحاصرني لتهرب ؟ "
حرك كتفه قائلا بابتسامة
" الحرب خدعة "
قالت مباشرة
" وإن قلت ؟ "
نظر لها وقال مبتسما
" أقول أيضا "
حركت حدقتيها بتفكير وأغرتها فكرة أن تعرف سبب عزوفه
عن الزواج حتى الآن .. السبب الذي يجهله حتى المقربون له
لا بأس إن أخبرته فهو لن يفشي سرها بالتأكيد مادام تكتم
عن نفسه كل هذه الأعوام ، ثم هي لا تملك الكثير لتخبره به
وستنتصر عليه نهاية الأمر ، قالت تشبك أصابعها بتوتر
" حسنا هو شاب قابلته مرتين فقط "
نظر لها بطرف عينه قائلا
" لا تكذبي يا ابنة مطر أو سأشي بك عنده "
ضربت كتفه بقبضتها قائلة بضيق
" لم يربني مطر على الكذب ثم ها أنت منذ الآن تهدد بإفشاء
السر فكيف سأثق بك أو حتى بصدق كلامك "
قال مبتسما
" حسنا أنا آسف آنستي ولن أكذب ولن أفشي سرك "
قالت ببرود
" دورك أخبرني الآن كل شيء "
ضحك وقال
" هذا فقط وتريدي أن تعرفي عني كل شيء ! "
قالت باستياء
" لأنه لا شيء غيره لكنت أخبرتك به فأنا لا أعرفه .. لا أعرف
اسمه أو من يكون ، فقط هو عربي يتحدث ذات لهجة بلادنا
تقابلنا مرة في لندن والأخيرة في فرنسا وفقط انتهى كل شيء "
نظر لها لبرهة وقال
" هذا فقط يا تيما ؟ هذا لا يسمى حبا مطلقا "
هربت من نظراته ونظرت ليديها في حجرها وقالت بحزن
" أنا لم أقل أني أحبه ، أنا لم أعرف شبانا يوما ولم أتحدث مع
شخص غريب قبله لكنه فعل من أجلي أمرا عظيما جدا ، لقد
أنقذني ذات مرة مما كان سيدمر مستقبلي بأكمله وكاد أن يموت
من أجلي ، أعلم أني لن أراه مجددا لكني سأبقى ممتنة له
ما حييت ولن أتوقف عن لوم نفسي لأني كنت حمقاء ولم
أشكره وأعتذر منه حين تقابلنا مجددا "
وصلها صوته الهادئ ما أن توقفت عن البوح عما سجنته داخلها
حتى كاد يقتلها
" الحياة مفارقات ودروب متشابكة يا تيما وقد تلتقين به مجددا
وتشكريه وتعذري منه "
حركت رأسها بالرفض ونظرت جهة النافذة هامسة بحزن
" لا أعتقد ذلك ، ثم من الأفضل لنا أن لا نجتمع مجددا فثمة ما
سيقف حجر عثرة بيننا للأبد "
قال مبتسما
" ها قد عدنا للألغاز المبهمة وإخفاء الحقائق "
نظرت له وقالت بعبوس
" ذاك لن أخبر به أحدا أبدا وإن قتلوني فالموت أرحم لي .
هيا دورك الآن ولا تتهرب "
ضحك وقال ونظره على الطريق
" حسنا ... هي فتاة ثنانية عرفتها حين أقمت لفترة في قراهم
وكنت مصابا حينها وهي من اهتمت بي ، تعاهدنا على أن نجتمع
مجددا وأن لا يكون أي منا إلا للآخر وانفصلت قبائل ثنان بعد
توحيد البلاد وسجنوا تلك الحبيبة عني خلف حدودهم حتى اليوم ...
وهذا هو فقط "
كانت تنظر له بصدمة حتى أنهى حديثه ثم قالت
" من قبل أن توحد البلاد تنتظرك ؟ لكن لما لم تذهب لها وإن
تختطفها منهم اختطافا "
ابتسم بحزن وقال ونظره لازال على الطريق أمامه
" الأمر أكثر تعقيدا من أن يكون حله اختطافها والهرب بها
وإن لآخر العالم يا تيما لأن نتائجه كانت ستكون سيئة ليس
علينا فقط بل وعلى البلاد بأكملها "
قالت باستغراب
" ولما ؟ "
نظر لها ثم للطريق وقال مبتسما
" وهذا سري الذي لن أخبرك به أبدا أيضا ، وها أنا أنتظر والدك
وما قد يفعل بشأن ذلك فوحده من تثق به تلك القبائل وتوافق
ما يقول لكني أراه منشغل بنفسه وزوجته العنيدة تلك عني
ولا حل أمامي سوى انتظاره "
أنزلت كتفيها وتنهدت بأسى متمتمة
" آمنت بأن حظي لن يختلف عنكم أبدا "
ضحك كثيرا ولم يعلق وعاد الصمت ليخيم على أجواء السيارة
مجددا وكأن كل واحد منهما احترم صمت الآخر وسفره في
ذكرياته البعيدة ، اتكأت بطرف جبينها على النافذة مكتفة ذراعيها
لصدرها تراقب ظلال الأشجار المتراكضة في الظلمة وغابت مع
تلك الذكريات الوحيدة البعيدة ، أغمضت عينيها برفق ما أن
تسارعت تلك النبضات المجنونة في قلبها وهي تتذكر حضنه
وذراعيه التي طوقتها تضمانها إليه بقوة ليحميها من الموت
مقدما نفسه له بدلا عنها ، فتحت عينيها مجددا لتسمح لتلك
الدمعة اليتيمة بالتدحرج على وجنتها وهمست بحزن وخفوت
لا يسمعه أحد غيرها
" ابتعد عني قدر استطاعتك يا هذا لأنك إن اقتربت لن أستطيع
أنا الابتعاد "
*
*
*
ليست تذكر ما الذي حدث لها منذ رأت ذاك الرجل وسمعت صوته
فقد تلون العالم بالسواد حولها ولم تعد ترى أو تسمع شيئا وليست
تعلم كم مر من الوقت وهي فاقدة للوعي ولا كم قضت منه وهي
جالسة في هذا المكان تبكي وتنحب دون توقف ، ليس هذا مكتبه
ولا مكتب سكرتيرته وليست تعلم ما يكون وليست تهتم أيضا ،
سحبت كومة مناديل أخرى ونفخت أنفها فيها ورمتها على
الطاولة أمامها بغضب لتدخل نوبة بكاء طويلة جديدة فآخر
ما كانت تتوقعه أن يكون رب عملها هو ذاك الرجل نفسه !
لكن كيف ولما ومتى !! أجل كيف نسيت أن أغلب المحيطين
بشقيقها يعيشون هنا بهويات مزورة وأنه أخبرها بنفسه أن ذاك
الرجل يملك الكثير من المال لكنها لم تفكر في كل هذا لأنه لعب
لعبته بشكل مدروس ، ازداد بكاءها شدة وهي تتذكر كل ما حدث
معها وكان بتخطيط منه ... وكالة التوظيف ثم تركها تنتظر
في شركته لساعات وإرسالها فيما بعد لمكتب آخر وفي طابق آخر .
طردها من الشقة ونومها تلك الليلة على الأرض ، الشاحنة
التي أوصلتها وتركها تنتظر هنا لساعات أخرى ، فهمت الآن
سبب كل تلك الشروط التي وضعها ووقعت عليها بنفسها كالبلهاء
ولم يكن قبولها هي تحديدا محض مصادفة فها قد وضعت حبل
مشنقته حول عنقها بيديها ولتتلقى الآن ما سيأتيها منه ، كانت
تعيش في شقته المرفهة تستخدم سيارته الفاخرة وسيوفر لها
مصروفا مغريا شهريا كما في الماضي وتركت كل ذلك بإرادتها
بحثا عن المهرب منه فأوقعت نفسها في مصيدته ومن دون شقة
ولا سيارة ولا مال والأسوأ من كل ذلك أنها ستعيش كخادمة له
لعام كامل لا يحق لها التراجع ولا الإخلال بالعقد تحت أي سبب
كان أو سيكون مصيرها السجن وليس لعام واحد كسجنه لها بل
لخمسة أعوام أو يزيد وفوق كل ذلك غرامة مالية ضخمة ،
لا تستغرب الآن ذاك المبلغ الخيالي الذي وضعه بخصوص
الشرط الخاص به لأنه يعلم بأنه لن يخل به أبدا
( مبلغ وقدره مئتي ألف يوروا يدفع لها نقدا ثمنا لأي علاقة
جسدية بينهما )
ومن حماقتها فرحت بذاك الشرط وبأن رب عملها الجديد بل
والأول في حياتها لن يطالبها بأي علاقة معه وإن عاشا في مكان
واحد وبذلك ضمنت نفسها وتجنبت أكثر ما كانت تخشاه والآن بات
ذاك الشرط السخيف لا يساوي لديها شيئا فهي تعرف ذاك الرجل
جيدا وأمثاله من المقربين من شقيقها فجميعهم يشبهونه تقشعر
أبدانهم من النساء وثمة سنة ضوئية طويلة بينهم وبين جميع
الانجليزيات فهو يعلم بأن شرطه ذاك مجرد مزحة سخيفة معها
لتوافق على الشروط والوظيفة أما هو فلا يحتاجه أساسا .
غطت وجهها بيديها وعادت للبكاء الذي لم يتوقف دقيقة
وكأنها لم تبكي حياتها بل هي بالفعل لم تعرف البكاء يوما سوى
يوم وفاة والدتها الذي لم تبكي فيه لهذا الحد أبدا فتلك حياة
والدتها انتهت بعد معاناة مع المرض لعام كامل وضع لها شقيقها
طاقما طبيا كاملا للعناية بها أما هذه فحياتها هي التي انتهت
وللأبد وحتى شقيقها لم يعد موجودا لينقذها كالعادة ، رفعت
وجهها ومسحت خديها بقوة حين سمعت صوت ذاك الكوب
الزجاجي يوضع على الطاولة أمامها ثم صوت تلك المرأة
البارد المتعجرف
" خذي اشربي بعض الماء ستموتين من كثرة البكاء "
رفعت الكوب وشربت كل ما فيه فهي كانت تحتاجه فعلا
ولولا ذلك ما قبلت به من متعجرفة كريهة مثلها ، ولم ينتهي الأمر
عند ذاك الحد فقد وصلها صوتها مجددا لكنه كان ساخرا مستفزا
هذه المرة وهي تقول
" كنت أعلم أن السيد كروس جذاب ورجل رائع والنساء يتهافتن
عليه تهافت الذباب على العسل لكن أي واحدة منهن لم يغمى
عليها ما أن رأته ولم يبكين هكذا ولا من رفضه الصريح لبعضهن "
شعرت بالنيران تتقد داخلها وبغضبها يتحول لإعصار من نار
وهي ترفع نظراتها الغاضبة بتلك الساقين الطويلتان أمامها وهبت
واقفة وقفزت عليها وكان شعرها فريستها الأولى متجاهلة
صراخها الأنثوي الرقيق المرتفع تركلها بقدميها بالتتابع تفرع
فيها شحنات غضبها المكبوت لأيام ، ولم يوقف موجة غضبها
العاصف تلك سوى الذراعان القويتان اللتان التفتا حول خصرها
مبعدا إياها عنها بالقوة ، من لم تكن تتخيل بأنه قريب منهما لهذا
الحد ولم تكن تهتم ، كانت تتلوى بين ذراعيه تحرك يديها جهة
التي كانت ترتب شعرها باكية صارخة بها بغضب
" اتركني أعلمها مكانتها تلك الحشرة الوضيعة "
أفلتها حينها صارخا فيها بحزم رجولي غاضب
" يكفي جنونا لسنا في حلبة ملاكمة هنا ، وأنتي يا كلوديا
غادري لمكتبك حالا "
رمقتها بتلك النظرة الحاقدة الغاضبة والكحل الأسود تسرب من
تلك العينين في خطان أسودان عبرا وجنتيها ووجها الطويل قبل
أن تغادر المكان ضاربة الباب خلفها بغضب لم تستطع التعبير
عنه بغير ذلك بينما التفتت الواقفة هناك حولها تبحث عن حقيبتها
وما أن وجدتها مرمية أرضا قرب الأريكة التي كانت تجلس عليها
رفعتها بعنف وتوجهت جهة الباب قائلة بغضب
" معها حق تسخر مني فأنا ما جلبت هنا إلا لأجل هذا "
وغادرت المكان والشركة بأكملها لتكتشف حينها أن الظلام قد حل
وعلمت وقتها كم من الوقت استغرقته في انتظار ضيفهم ذاك
والنوم والبكاء حتى أنها لم تتناول أي وجبة طعام منذ الأمس ،
سلكت الطريق تضم سترتها الصوفية الخفيفة حول جسدها
ودموعها لازالت ترسم مسارات متواصلة على خديها ، أين ستذهب
الآن وكيف ستتصرف ؟ حتى أرضية تلك الشقق فقدتها وللأبد ..
ثيابها .. نقودها كل شيء ضاع منها وتبخر ولا مكان لها
إلا الشارع ، سلكت الطريق أمامها وسارت كثيرا لا تعرف أين
تكون وجهتها ولا متى تنتهي فالشوارع ليلا تصبح مخيفة
والجرائم التي تسمع عنها دائما تقشعر لها الأبدان ، صرخت
قافزة للخلف حين قطع طريقها صرير تلك السيارة السوداء التي
وقفت أمامها وضنت أنه رجل ثمل يتصيد نساء الليل وكانت
ستهرب لولا نزل زجاج تلك النافذة المعتمة وظهر لها الجالس
في الكرسي الآخر يسند ذراعه على المقود وقد قال
بصوت مرتفع
" اصعدي هيا يا غيسانة "
ضمت نفسها وسترتها بذراعيها أكثر وصرخت به
" لا أريد الصعود ولا رؤيتك فاتركني وشأني "
صرخ فيها بغضب مماثل
" قلت اصعدي فورا أو سأنزل وأسحبك لها مرغمة "
لوحت بيدها وتطايرت تلك الخصلات البنية الطويلة المموجة مع
حركتها حين صرخت بغضب أشد
" ليس ضمن شروط عقدكم البائس ذاك أن أذهب حيث تريد
فدوام عملي يفترض أنه انتهى لليوم "
ضرب بيده على المقود وصرخ فيها
" لا تجبريني على ما لا أريد فعله يا غيسانة والشروط تلزمك
بإطاعة جميع أوامري وطلباتي إن نسيت ذلك "
ضربت بقدمها الأرض وصرخت ببكاء تلوح بالحقيبة في يدها بغضب
" لما تفعل بي كل هذا ؟ ما الذي فعلته لك تعاملني بهذا الشكل
المخزي ؟ إن كان بسبب دفعي لك في المسبح فآسفة سيدي
وسأعتذر لك حتى الصباح وانتهينا "
قال بنفاذ صبر
" أظننا انتهينا من مناقشة هذا الأمر وتعرفين جيدا حدود علاقتنا
الجديدة فأنتي في عهدتي تربطك بي علاقة شخصية وعملية الآن
فتحركي يا غيسانة خير لك ولي قبل أن أفقد أعصابي وتري رجلا
لم تعرفيه في حياتك "
استسلمت لواقعها الذي لا مفر لها منه وفتحت الباب وركبت ضاربة
إياه خلفها بقوة وصرخت ما أن تحرك بالسيارة
" توقف "
أوقفها ينظر لها باستغراب ففتحت الباب ونزلت وضربته مجددا
ثم فتحت الباب الخلفي وركبت هناك فتحرك حينها قائلا بابتسامة
تغلبت على غضبه بسبب حركتها تلك
" ولا في أحلامك يا غيسانة تفكري أني قد أتركك تهيمي في
البلاد كالمنحلات ، لا يخبرك عقلك أبدا بأن شاهر كنعان يشبه
شقيقك مطر فحتى قيوده السابقة لك كنت أراها تساهلا سيئا منه "
ركلت الكرسي أمامها بقدمها قائلة بغضب
" أجل فهو لم يترك شقيقته يوما تبات خارج شقتها لا يعلم
عن مكانها "
نظر لها خلال المرآة وقال بسخرية
" بل كنت أعلم عن مكانك وما كنت سأسمح بمغادرتك
لأي مكان كان "
قالت بصدمة
" كنت تعلم ؟ تقصد أنك كنت سترجعني للشقة إن أنا حاولت
الخروج للشارع ؟ "
قال بكل بساطة
" أجل "
فعضت طرف كم سترتها تكتم غضبها ليس منه فقط بل ومن نفسها
وسذاجتها وغبائها .
تمسكت بالصمت لباقي الطريق تأكل نفسها غيظا في صمت فقد
فات الأوان على أن تعترض أو تمانع أو حتى تقتل نفسها فهذا
الداهية عرف كيف يحاصرها بل يدفنها بالحياة ، غبية كيف
صدقت أنه قد يحررها منه بسهولة وأن تلك الوظيفة المريحة
المليئة بالمميزات حقيقية قد يرضى أي رجل أعمال أن يمنحها
لامرأة لا يعرفها ومن دون منافع شخصية ، إن كان عض
الأصابع ندما يمحوا ما حدث لابتلعت أصابعها الآن ندما .
نظرت حولها بغضب حين دخل بالسيارة لذات الحي الذي
خرجت منه بالشاحنة صباحا وكأنه ينقصها إذلال ومهانة .
نظرت جهته تصر أسنانها بغضب ولا يمكنها قول أي شيء
فلا جدوى من كل ما ستقوله .
أوقف السيارة ونزل منها فنزلت تتبعه وهذا هو مستقبلها الرائع
الذي وقعت عليه بخط يدها وأوقعت نفسها فيه بملأ إرادتها .
صعدت السلالم خلفه وما أن وصل باب الشقة وقف والتفت لها
وأشار بإبهامه خلفه حيث الباب الملاصق لها وقال
" تلك شقتك وأعتقد أني لم أخالف العقد الموقع ... سكن
مستقل وقريب "
يتبــــــــــــــع
لامارا, قلوووب محتاره, انت عشقي and 70 others like this.
رد مع اقتباس
#3530
قديم 18-10-17, 10:50 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
نظرت حيث أشار وشعرت بأن سقف البناية وقع على رأسها .
هل ستعيش فعلا هناك ؟ في الملحق الضيق المخصص لمدبرة
المنزل ! هذا المكان لم يتم استخدامه سابقا وليست تعلم حتى
كيف تكون حالته ، نظرت له بغضب يغني عن الحديث الذي
ليس بمقدورها قوله فوضع يديه في جيبيه وقال ببرود
" آسف لا يمكنك العيش معي في الشقة وحدنا فلم أكن راض
عن مكوثي معك أنتي وصديقتك سابقا لكن الضرورة حكمت وقتها "
خرجت عن صمتها الغاضب ذاك وصرخت فيه
" أنت أنذل رجل عرفته هل تعلم هذا ؟ "
نظر لها نظرة سوداء وقال من بين أسنانه
" أظنك قرأت الشرط الذي يخص الشتائم والكلمات البذيئة "
شدت قبضتيها وقالت بحنق
" أين ذهبت فآبي "
قال بحدة
" وفرت لها عملا أفضل من عملها السابق بكثير وساعدتها
في دفع إيجار سكنها الحالي وانتهى دورها في حياتك للأبد "
ضربت بقدمها الأرض قائلة بغضب
" ولما ؟ هي صديقتي منذ كان مطر هنا ولم يكن يعترض على
وجودها معي "
قال ببروده وكأنها لا تشتعل أمامه
" الشرط في العقد لا صداقات أبدا ولا بالنساء "
صرخت فيه من فورها
" سحقا لك ولشروطك البائسة ولي معكما أيضا "
فتح باب الشقة وقال وهو يدخل " هذه المرة الأخيرة يا غيسانة
ومنذ الغد ستنفذ الشروط ضدك "
ودخل ضاربا الباب خلفه فصرخت تنظر حيث اختفى
" إذا سأقولها الليلة أنت أكبر متخلف عرفه التاريخ بربري
همجي رجل كهف أحمق وبدائي "
وتلقفت أنفاسها ما أن توقف سيل شتائمها ذاك وصرخت مجددا
" وأكرهك كرها لا حدود له أبدا "
ثم فتحت الباب المجاور للباب الذي دخل منه ومكان سكنها
الجديد ودخلت ضاربة إياه خلفها ووقفت مكانها تنظر للمكان
باشمئزاز ... غرفة ضيقة ذات ورق جدران قديم الطراز وكئيب ،
سرير ضيق وكرسي وحيد مع طاولة خشبية ، أرفف خشبية
عند الزاوية وخزانة صغيرة بجانبها براد صغير ... فقط هذا
هو قصرها الجديد الذي كانت تحلم به !
ولم يكن يفتح على ذاك المكان الخانق سوى باب حمام صغير ...
أي سجن انفرادي ممتاز ، فتحت حقيبة يدها بغضب وأخرجت
هاتفها تبحث في الأرقام الموجودة فيه ، لا يمكنها الوصول
لشقيقها لكن عمها دجى قد يكون لازال هنا أو في الفيلا في
فرنسا ، وكما توقعت أجاب على رقمه هناك فقالت ما أن فتح الخط
" عمي ... "
ملأت الدموع عينيها الخضراء الواسعة ما أن سمعت صوته قائلا
" مرحبا يا غيسانة ... تذكرت أخيرا أن لك عم ؟ "
تذكرت ... !! بل هي شعرت الآن فقط بمعنى تلك الكلمة ...
بل واشتاقت له ولشقيقها لأول مرة في حياتها ، مسحت دمعتها
وقالت بحزن
" هل سترجع للندن ؟ حتى متى ستطول إقامتك في باريس ؟ "
قال من فوره
" لن أرجع هناك أبدا يا غيسانة فلم يعد يمكنني ذلك ثم أنا
مسافرقريبا لإحدى الدول العربية وقد أستقر هناك للأبد إن لم
أرجع لبلادي "
عادت دموعها للنزول مجددا وزمت شفتيها الرقيقتان تمسك
عبرتها من الخروج فليس بإمكانها ولا أن تطلب منه أخذها معه
بعد عقد موتها ذاك الذي وقعته لكن بإمكان عمها التحدث مع ذاك
الرجل فيلغيه حينها وتتحرر منه ، كانت ستتحدث وتحاول شرح
الأمر له لولا أنه سبقها قائلا
" نحن مطمئنون من أنك مع خطيبك وهو سيهتم بأمرك جيدا فعليك
أن تعلمي يا غيسانة بأنه المسؤل عنك الآن وأن أوامره تنفذ دائما
بما أنك اخترت بمحض إرادتك أن تعيشي في بلاد والدتك "
قالت باستياء حانق
" لست من يريد هذا بل أنتم من يريد ، لم تشعروني يوما بأني
جزء من عائلتكم فقط لأني أرفض ديانتكم ، حتى ابنة مطر كان
احتكاكي بها بضوابط وأوامر صارمة وكأني وباء تخشون أن
يلوثها ، لم تتوقفوا يوما عن معايرتي ومقارنتي بابنتك زوجة
ابن شقيقك ذاك فكيف تريدون أن اختاركم وبلادكم "
قال باستياء مماثل
" توقفي عن إلقاء اللوم على من حولك في أي مأزق تمرين به
يا غيسانة فأنتي لم تعودي طفلة ، وغسق لن تستطيعي نكران
أنها نجحت وأثبتت للعالم أجمع أي امرأة تكون هي وهي في مثل
سنك تماما وعاشت في بلاد حروب وتربت فيها وابنتها طولها
بطولك الآن وأنتي لازلت تركضين في مكانك ، ولا تقولي أني
أقارنك بها فأنتي من تحدث عن الأمر "
مسحت دموعها بعنف وقالت
" وداعا يا عمي "
وأنهت الاتصال ورمت الهاتف وحقيبتها على السرير بطول يدها
هامسة بغضب
" غسق ... غسق ... غسق ، جعلتموني أكره تلك المرأة من قبل
أن أراها "
*
*
*
شقت بهما السيارة الطريق من المطار تعبر شوارع حوران
المضيئة مسرعة ، كان الطريق قصيرا نسبيا لكنه شعر بأن
الأمكنة التي مروا بها كثيرة ، كل شيء تطور بل كل شيء تغير
جذريا فلم يرى هذه المدينة منذ كان في الخامسة عشرة أي منذ
إحدى وعشرون عاما قضى منها ثمان سنين في أراضي الهازان
غريبا وسط بلاده .
" تغيرت البلاد كثيرا يا قاسم أليس كذلك ؟ "
نظر للجالس بجواره ينظر له مبتسما والذي لم ينتبه بأنه
انتهى من مكالماته التي لم تتوقف منذ غادرا المطار ثم نظر
أمامه وهمس
" المهم أن تكون نفوس أهلها تغيرت ولا يرجعوها كما كانت "
قال صقر من فوره وبذات ابتسامته
" مطر ورجاله يفعلون ما في وسعهم وهم يربطون ليلهم بالنهار
تقريبا ، ورجال أفنوا حياتهم من أجل إيصالها لما هي عليه الآن
لن يرضوا أبدا بأن ترجع كما كانت وأنت كنت ضمنهم لأعوام
وتعلم جيدا معنى ما فعلتموه "
عاد بنظره لنافذته ولاذ بالصمت مجددا وليس يعلم ما سر ما يشعر
به الآن وهل وحده من فقد لذة كل هذا الانتصار أم جميعهم شعروا
بذلك ما أن دخلوا البلاد ! وقفت حينها السيارة أمام باب المنزل
الضخم الذي انفتح أمامهم ليجتازوه فأصبح حينها وسط العالم
الذي شعر بأنه لم يتغير عما عرفه سابقا فلازال ذاك المنزل
يحتفظ بعراقته وبطرازه العمراني المميز الذي يحاكي جذور الحالك
العريقة ، وقفت بهما السيارة أمام باب المنزل المفتوح ففتح صقر
بابه وقال وهو ينزل
" حمدا لله على سلامتك وأنرت البلاد "
فتح حينها بابه أيضا ونزل ودخل خلفه وما أن اجتاز عتبة الباب
حتى وقف مكانه ينظر لكل شيء حوله واعتصر الألم قلبه فورا
فصورة والدته كانت أول شيء ظهر أمامه فقد عاش هنا معها بعد
وفاة والده بل وهناك عند ذاك الجدار كانت آخر مرة رآها فيها
وهو ابن الخامسة عشرة ، كانت تمسك بيده وتخاطبه برجاء
حزين ناظرة لعينيه
" قاسم ما الداعي لرحلات الصيد هذه ؟ أنت لازلت صغيرا على
المكوث في تلك الأمكنة لأيام ، ارحم قلب والدتك فأنت وحيدي
ومن خرجت بك لهذه الحياة فلا تكسرني فيك وتتركني وحيدة بعدك "
ابتسم بمرارة على حاله ووضعه فقد قال لها يومها بأنه ليس طفلا
لتخشى عليه وبأنها وسط عائلتها وليست وحيدة وحين عاش بعيدا
عنها وعاش وهي ليست في هذه الحياة علم معنى أن تكون وحيدا
وسط عائلتك وأهلك وفهم معنى ما قالت ذاك اليوم فذاك الفراغ
في نفسه لم يملأه بعدها أحد ولا شيء ولا حتى وجوده مع أقربائه
في لندن ... فراغ لا يعلم لما بات يشعر به أوسع وأوحش منذ
ترك تلك البلاد وعاد إلى هنا !
" مرحبا بك في منزلك يا قاسم "
نظر للذي اقترب منه وقد خرج من جهة الممر الغربي للمنزل
فابتسم له فورا وما أن وصل عنده تعانقا عناقا رجوليا طويلا
وقال قاسم مبتسما وقد ضرب بقبضته على ظهره
" ظننت أني لن أراك حتى الغد يا رئيس البلاد الجديد "
خرجت منه ضحكة صغيرة وابتعد عنه قائلا
" لن أكون رئيسا لها أبدا ، ثم كيف أعلم بأنك ستصل الليلة
ولا أكون في استقبالك "
ونقل نظره بينهما وقال متابعا
" كيف كانت رحلتكما ؟ "
قال عمه هذه المرة
" بالنسبة لي متعبة وسأترككما لأرتاح وأنام قبل أن تصطادني
ابنتك وتنهال عليا بالأسئلة عن جدها "
وغادر ما أن أنهى جملته تلك فنظر مطر للواقف أمامه وقال
" أنت أيضا قد تكون متعبا ... جناحك جاهز "
حرك رأسه نفيا وقال
" لا أحب النوم في هذا الوقت وبما أنك هنا في انتظاري فثمة
ما قد نتحدث عنه قبل أن تسرقك مشاغلك صباحا "
ربت على كتفه ودفعه ليسير معه قائلا
" لنذهب لمكتبي إذا ، وإن كان حديثك عن فترة مكوثك هنا
فأعلم بأنها لن تطول أما فكرة سفرك وترك البلاد فأخرجها من
رأسك حاليا "
ابتسم وحرك رأسه بيأس من عناده وتابعا سيرهما وقد أشار
للخادمة التي خرجت من تلك الجهة قائلا
" أدخلوا حقيبة قاسم لجناحه واجلبي لنا القهوة في مكتبي "
أشارت برأسها بحسنا من فورها تراقبهما حتى اختفيا خلف ذاك
الممر ثم تحركت من مكانها جهة باب المنزل ووقفت فجأة ما أن
وصلته بسبب التي كادت تصطدم بها وهي تدخل مسرعة وقد
قالت بنفس لاهث
" هل وصل عمي صقر ؟ "
حركت الواقفة أمامها رأسها إيجابا وقالت
" أجل سيدتي منذ لحظات فقط "
أزالت حجابها متأففة بضيق منه وقالت من فورها
" ووصل الضيف الذي معه ؟ "
أومأت لها بالإيجاب فورا فابتسمت بسعادة وقالت
" وأين هو الآن ؟ "
قالت الواقفة أمامها باستغراب
" مع الزعيم مطر في مكتبه "
مدت الحجاب لها مع حقيبتها واجتازتها مسرعة قائلة
" أوصليهما لغرفتي "
*
*
*
تأففت ورمت اللحاف من على رأسها فالنوم يرفض أن يزور
عينيها وهذا حالها منذ ساعات ، ستذهب لجامعتها باكرا وسهرها
طوال الليل ليس في صالحها أبدا وإن تغيبت عن الجامعة هذه
المرة أيضا فلن تستبعد أن يأتي هنا بنفسه ليضربها ، نامت على
بطنها ودفنت وجهها في الوسادة وهمست بمرارة
" يأتي ... !! لن يفعلها ولا من أجل قتلي "
ليست تفهم ما هو وضعها في حياته تحديدا ؟ هل يعتبرها زوجة
فعلا أم ليست سوى واجب إنساني وحمل ثقيل رماه غيره عليه ؟
قبضت أصابعها الرقيقة على القطع النقدية التي تدسها تحت
وسادتها والتي لا تفهم أيضا موضعها في كل هذا فقد وجدتها
ضمن الأشياء التي أرسلها لها في ذاك الظرف البني ، قطعتين
منها كانت تخصها ولازالت تذكر حتى الآن حين أعطته إياها
في الماضي فكل ما أخبرها به عقلها الصغير حينها بأنها ستكفي
لشراء دواء والدته ، ولم تكن تتخيل أبدا أن يكون قد احتفظ بها كل
هذه الأعوام حتى أن عملة البلاد تلك تغيرت منذ توحيدها ، كانت
ستفهم الأمر بأنه إهانة أخرى منه وهو يسلم لها كل ما يملكه من
مالها لولا قطعة النقود الأخرى التي وجدتها معهما ، قطعة نقود
رومانية قديمة لو أمسكتها منظمة حماية الآثار لديه لسجن بسببها
لباقي عمره ، القطعة النقدية التي لم تفارقه في طفولته أبدا وكم
كانت تحلم بأن تفعل مثله وهو يرميها بإبهامه عاليا ليرجع
ويمسكها بقبضته ما أن تنزل ووحدها من كان يسمح لها بأن
تمسكها وتلعب بها محاولة تقليده ، شدت أناملها أكثر على تلك
القطع الباردة وشعرت بقلبها يتفطر أسفا على حالها ووضعها
معه فهل دروبهما شائكة ومتعاكسة لكل ذاك الحد ؟ كم تمنت
لحظتها لو أنها لم تراه مجددا ولم تسمع صوته وأنها دفنت
ذكرياتها مع صورة ذاك الفتى للأبد وما تركها تحترق شوقا إليه
هكذا وهو يرفض وجودها في حياته ويتركها هنا وهو من تبرأ
من هذه العائلة ولا يعترف بأي شخص منهم ... أي لن يزور
هذا المنزل أبدا وتحت أي سبب كان .
قفزت جالسة ومسحت الدموع من عينيها ونظرت جهة النافذة
بتوجس فقد خيل لها أنها سمعت صوتا ما هناك ! علت ضربات
قلبها بصخب حين طرق شيء صلب على النافذة من الخارج قبل
أن يصلها ذاك الصوت الرجولي الذي انغرس عميقا في ذاكرتها
هامسا
" ماريا "
المخرج ~
بقلم / Saker Fatma
أُحِــــبُــــكَ وحُـبـي لـكَــ كَلَـــلــتُهُ بِــالـعِـفَـــة
أحــفَـظُـه وَلَـم أَكُـــ فـي حـَقــِه مُـجحِـــفة
فكن لي كما انا في مشاعري مُتشدقة
واصنع لي بين حنايا ضلوعك مكتبة
ارى فيها ان كنت تبتـغي منـي مقربـة
فأفهم ما يعزفه قلبك من الحان صاخبة
التي امامها نفسي تقف عاجزة حائرة
ولا تَجُرَنِي للفُجور كي لا أغدُوَ فاسقة
وابـنـي لـي مـن صـرح المـحبـة مَـنزلــة
وكـن لـي فـي دنـيـا الاغــراب مَـلـجَأـَـــة
كَـــي لا ابــتـغــي مــن غــيــرك صَــدقـــــة
فَـ حَقا انا لا أرتجِي مِـن بـعـدك مَــذلَــــة
وصدقا انا لم أكُـ في حُبك يومـا كاذبة
لكن حبك همجي ان حل احدث صاعقة
لا يفهمه عاقل ولا يرده قانون محكمة
ماطلبت منك الا ابتسامة صافية
وفتح ابواب قلبك المتصدئة
ومانِلتُ مِنك إلا غطرسة عالية
فيا سيدََ على نفسي وروحي العاشقة
عدلتُ الدستور لأجلك مره تلوى مره
وغفرت زلاتك واحدة تِبعَـ واحدة
ولازال نفسك النازي بالغرور مُتجبرة
أَوَ تَعلَم مُصيبتي و لعنتي الملعونة ؟
هي دائمة ..وعلى ربوعَـ قلبي جاثمة
جذور حبك التي في الوريد قابعة
قطعها داخلي يُحدث فاجعة
فموتي حينها آتِيِن لا محالة
أما استمرارها لهو اكبر كارثة
جحيم تستوطنه نار عارمة
تكوي صدري بأسياخَـ حارقة
قنوط تصحبه مشاعر جارفة
فهل مِن إغاثة ؟؟....
أنثى جنوبية انا...في الحب طفلة
أمام تعكُارت مزاجك مُتعذبة
وسيدة شرقية ..على نفسي ملكة
لا حبذا ان اكون في قصرك سجينة
وزهرة ربيعية ..بِعَبيري زاهية
اخشى الوقوع بين يديك ذابلة
وانت لازالت اساليبك بالفخر قائمة
وكأن النرجسية منك موروثة
دمث ونضراتك عنوان للوقاحة
سيدُُ والكرامة كأنها فيك مُستأصلة
ومع كل مافيك انا في قُربك متشككة
هي صدفة عابرة جعلتني بك هائمة
لكن ما يفدني حبك ان غَدَوتُ هالكة
نهاية الفصل