تحميل رواية «جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني» PDF
بقلم BlackButterfly002
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول جلست بشهقة من وسط نومها ويدها على قلبها الذي كان ينبض بجنون , عيناها شاخصتان في الظلام حولها تشعر أنها لازالت في ذاك الكابوس حتى الآن وكأنها رميت بقوة من الفضاء الخارجي ولم تدرك بسهولة من هي وأين تكون , زحفت من بين تلك الأغطية الناعمة هامسة " ابنتي " غادرت ذاك السرير الواسع حافية القدمين لم تشعر ولا بالأرضية الباردة التي لامستها قدماها ما أن اجتازت تلك السجادة الحريرية الناعمة وقد استدلت طريقها سريعا جهة الباب دون أن تراه في ذاك الظلام الدامس وكأنها تحفظ طريقه كاسمها وفي رجفة يديها أ...
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الحادي عشر 11 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الحادي عشر
المدخل ~
بقلم / همس النهاية
من غسق للمطر:
مرت سنين عجاف ولم أراه
كيف أصبح وهل هو مثل ماكان
هل مزال مبهرا يخطف الأنفاس
هل مزال يحمل هموم البشر المثقلة بالآسى والحرمان
لكن هذه السنين مضت والذي في قلبي
لم يكن مثل ما كان
وضعت فيه ثقتي وقلت لنفسي
وجدت سندا في هذا الزمان
وشيدت له من قلبي عرشا ومن ضلوعي
جنودا تحرسه أينما كان
وجعلت له الخافق أبيضا ناصعا
ليخط فيه لوحة من إبداع فنان
يفعل به مايريد وأقول له
لبيك يا سعادة السلطان
يا من ملكت القلب في زمن مضى وقد كان
تحول الخافق للوحة سوداء وختم على العرش بلون أحمر قان
فما كان كان ولن يرجع مثل ماكان
**********
عبرت بهو المنزل الواسع مسرعة وتناثر شعرها الأسود الناعم
المموج مع دورانها لدخول الممر فأبعدته بيدها وركضت مسرعة
جهة ذاك الباب المغلق هامسة بابتسامة
" جدي ... "
فلن تتخيل أنه ثمة رجل غيره قد يسكن منزلهم ويسمح والدها بذلك
ولا أن يدخل مكتبه في هذا الوقت الذي يختاره ليكون في منزله فلم
يسبق أن فعلها الأيام الماضية ، وصلت الباب وأمسكت مقبضه تعض
طرف شفتها مبتسمة بسعادة وأدارته فورا وخلال جزء من الثانية
كان مفتوحا بوسع ذراعها الممدودة فتصلبت مكانها كلوح من خشب
حين كان في مواجهتها والدها الذي كان يدير ظهره للباب جهة طاولة
مكتبه يسند كفه على مجموعة أوراق فوقها .. لكن ما جعلها تتصلب
مكانها لم يكن ذلك بل صاحب الجسد الطويل والذي كان يدير ظهره
لها أيضا مقابلا النافذة الزجاجية الطويلة يداه في جيبي بنطلونه ....
هذا ليس جدها ! ما هذا الذي فعلته وما الذي لازالت تفعله هنا !
كانت قدماها ترفضان التحرك من مكانهما فقد علق نظرها على
الكتفان العريضان والشعر الأسود الذي حف ياقة تلك السترة
الرمادية وتصاعدت ضربات قلبها مع أنفاسها المتلاحقة حتى باتت
الأرض تدور من تحتها فيبدو أن طيف ذاك الرجل أصبح يلاحقها في
كل مكان ، كانت أجزاء من الثانية فقط تلك التي فتحت فيها الباب
والتي شعر فيها الواقف هناك بما يجري خلفه وصورة الفتاة التي
ظهرت له في زجاج النافذة فلم يكن لديه هو الوقت لإمساك قوته
ألا ارادية للإلتفات ولا هي للتراجع أو الهروب وهي تراه يدور
بكامل جسده ناحيتها في حركة واحدة .... فقط عيناها الواسعة
وحدقتاها الزرقاء الصافية من تغلبت على كل ذلك الجمود وهما
تتسعان بذهول وشفتاها المتساويتان تنفرجان في شهقة صامتة
لو تركت لها العنان لسمعها جميع من في هذا المنزل وعيناها
تتوجان هذا المشهد بدموعها الرقيقة التي سارعت للاختباء بين
رموشها الكثيفة ومقلتيها الواسعة ، شعرت لحظتها بأنها خرجت
للتو من ذاك الملهى و ركضت في ذاك الشارع واختبأت من كل
شيء في ذاك الحضن وهي تراه أمامها هنا وفي منزلهم وتلك
العينان السوداء التي أرقت نومها لليال تحدق بها بصدمة لم تقل
عن صدمتها شيئا فكيف للأقدار أن تجمع من افترقا خلف كل تلك
الأميال والقارات ! كيف للصدف أن تفتح بابا بكل ذاك الاتساع
لتجمع قطري الإرض في مكان واحد ! تدحرجت الدمعة اليتيمة
من عينها كقطعة ألماس على ذاك الخد الثلجي وتمنت لحظتها أن
اختفت من الوجود تماما وهي ترى نظرته تتحول للجمود وكأنه قرأ
تلك الأفكار التي تخبره بأنها تمنت الموت على أن تراه مجددا رغم
أن اللقاء وحده ما كان قد يشفي ذاك القلب الصغير العليل
" بقائك في حوران ليس عليه أن يكون مرتبطا بوجودك في هذا
المنزل يا قاسم لكني أحتاجك قريبا مني الفترة القادمة "
جملة مطر تلك كانت وحدها ما اجتاح تلك الثواني القليلة الفاصلة
بينهما وهو يرفع نظره بالواقف عند النافذة أمامه والذي كانت
عيناه تتسعان تدريجيا لشيء ما خلفه مما جعله يلتفت بسرعة
البرق وهو يراه يقفز ناحية ذاك المكان راكضا لينتبه حينها فقط
أن باب المكتب مفتوح وأنه ثمة جسد تهاوى متمسكا به كطوق
نجاة فأسرع راكضا هناك أيضا لكن يد الذي قفز مجتازا له كانت
الأسبق وذراعه تمسكها عن السقوط أرضا وقد ارتمى رأسها على
كتفه بسبب سحبه لها جهته وعانق ذاك الشعر الحريري عنقه
وياقة سترته ، امتدت يد مطر لوجهها ورفعه مبعدا شعرها عنه
وضاربا لخدها وهو يقول بقلق
" تيما... ما بك ؟ "
قبل أن ينقل نظره للذي كان ينظر له بصدمة من سماعه لذاك
الاسم والذي همس حين لاحظ نظرته له هربا من أي شكوك قد
تنتاب ذاك العقل الذكي
" ما أن فتحت الباب أغمي عليها "
وأبعدها عنه برفق حين شد مطر ذراعها قبل أن يحملها بخفة
بين ذراعيه وخرج بها من هناك مسرعا وتلك الخطوات تتبعه
لا شعوريا
*
*
*
رمت اللحاف عنها وقفزت خارج السرير وركضت جهة ذاك
الصوت المنادي باسمها ، أبعدت الستائر وفتحت النافذة التي
علقت فجأة وعلى غير العادة فبدأت تحركها بعنف هامسة من
بين أسنانها
" تحركي "
انفتحت على اتساعها ودخل الهواء البارد مندفعا بقوه محركا
الستائر خلفها مع خصلات شعرها التي تناثرت حول وجهها
بطريقة جنونية وتلاحقت أنفاسها الساخنة تعبر شفتيها
المنفرجتان وهمست تنظر للظلام الأسود في الخارج وحدقتاها
تنسخان صورا للمكان الساكن
" تيم !! "
ملأت الدموع عينيها وهي تنظر لأوراق الأشجار التي تحركها
الريح وصوت حفيفها الخفيف يتناغم مع أصوات حشرات الليل ،
أخرجت نصف جسدها ونظرت للمكان لكن يداها سرعان ما تعبتا
وشعرت بتقلص مؤلم في معدتها المستندة بها على النافذة
المفتوحة ، استقامت في وقوفها وأستدارت نحو الداخل مبعدة
باستعجال قماش الستائر المتطاير أمامها وركضت جهة باب
الغرفة فتحته وخرجت راكضة عبر الممر المظلم سوى من تلك
الأضواء المتسللة من النوافذ المطلة على الخارج ، وصلت الباب
الخلفي للمنزل ورفعت جسدها لتقف على رؤوس أصابعها وسحبت
المفتاح المخابأ في حافته العلوية كما أطلعتها سيدة هذا ا لمنزل
سابقا قائلة بصوتها اللطيف
( نحن لا نأمن الجريمة هنا ماريه حبيبتي وهذا الباب يوصل فورا
للخارج وليس الجميع يعلم مكانه (
فتحت الباب وخرجت راكضة تسابقها خطواتها للدوران حول
زاوية المنزل حيث نافذة غرفتها المفتوحة ، وقفت هناك تدور
حول نفسها تنظر لكل شيء حولها تتراقص تلك الخصلات البنية
مع نسائم الهواء الثائرة كتلك العاطفة المجنونة داخلها وكضربات
قلبها المتراقصة كقماش ذاك القميص القصير محتكا ببشرتها
الناعمة ، مسحت بباطن كفها عيناها تكرارا وبدأت بالركض في
دوائر متقاطعة تنظر لكل ذاك الظلام حولها ولا شيء سوى الفراغ ...
السكون ... والسواد ، كداخلها الخاوي تلك اللحظة بل كماريه
الطفلة التي كبرت وحيدة تائهة حزينة تجدها في وجهها الآن
تصفعها بيد الواقع المرير ، تباطأت خطواتها ترسم تلك الدموع
الدافئة جرحا جديدا غائرا في داخلها كما ترسم مسارها فوق
وجنتيها الباردتين ووقفت عند طرف النافورة الحجرية الساكنة
صارخة ببكاء قد شق الظلام الساكن أمامها
" تييييييييييييييييم "
كانت تعلم أن ندائها الباكي هذا ليس سوى دعابات تتناقلها أطياف
الليل مع الريح ، ليس سوى حماقة تتنازع في قلب أنثى أجوف خالي
من كل شيء ، حقيقة رغم قسوتها لم تستطع استيعابها ولا الوثوق
بها وهي تضرب بقدمها الأرض صارخة ببكاء أعنف
" تيييم ... أين أنت يا أحمق ؟ "
*
*
*
اتكأ برأسه للأعلى ورفع السلاح بجانب وجهه وهمس من بين
أسنانه محدثا الواقف بقربه
" سحقا الوقت يسرقنا "
نظر بعدها لمعصمه وللساعة فيه ثم لتلك النافذة القديمة المكسورة
والتي تكشف المبنى القابع خلفها وتحديدا تلك الشرفة المغلقة
وأطياف الأشخاص الموجودين خلفها قبل أن ينظر للجانب الآخر
يحرك معصمه ليرسل ذاك الزجاج العاكس في ساعته الخاصة
إشارة سريعة للواقفين على مبعدة منهم فبدأت الخطوات خلفهم
بالتراقص فوق تلك الأغصان اليابسة وكل واحد منهم يأخذ مكانه
عند النقطة الأقرب للمكان ، أخرج الهاتف المثبت في حزامه حين
عاد للاهتزاز مجددا وما أن نظر للرقم الموجود فيه حتى همس
شاتما بحنق وفكر للحظة في أن يرميه أرضا ويحطمه بحذائه
الثقيل لولا احتياجه له فهذا الجهاز هو ما يربطه بالجميع حوله ،
تحرك خطوتين واستدار خلف تلك الزاوية ووضعه على أذنه
وهمس ببرود شادا على أسنانه ونظره للخلف
" لوسيانا ما الذي تريديه مني تحديدا ؟ وكيف استطعت الإتصال
بهذا الجهاز الأخرق الذي لا يستطيع أحد اختراق أمثاله "
وصله صوتها الأنثوي الرقيق الحانق فورا
" تيموثي اسمي هو لوسيندا وليس لوسيانا ، أخبرتك بالأمس
أن والدي ينتظر لقائك في حفل العشاء المقام في منزلنا الليلة
وأخجلتني أمامه حين لم تأتي ، أنت أول شاب أتعرف عليه يطلب
بنفسه أن يقابله ... ما هذا الذي فعلته ؟ "
اتكأ برأسه على الجدار وسرق نظره للخلف مجددا حيث بدأت
تلك الإشارات الضوئية الصغيرة تتابع وهمس بحدة
" أخبرتك أني لن أكون في لندن وأني لا أستطيع تلبية تلك الدعوة ،
لا يمكن أن أكون قطعة من ممتلكاتك الخاصة تتحكمين بها كيف
تشائين لوسي أتفهمين هذا ؟ "
خرج فورا أنينها المحتج متذمرة برفض لإنتقاده اللاذع لها فلأول
مرة تواجه بحقيقة عيوبها فقد اعتادت أن تعيش وسط عالم من
الزيف وكأنه حقيقي تماما وهي لا تسمع سوى الإطراء والمديح ،
تحولت نبرتها لما يشبه البكاء الأنثوي المزيف قائلة
" أنت قاس معي كثيرا تيموثي حتى أنك رفضت بكل قسوة
دعواتي السابقة لنقضي أمسية وحيدة لوحدنا ونتناول الطعام
في أي مكان تختاره أنت "
شد على أسنانه بقوة ويكاد يحطم الهاتف في قبضته ، يعرفها
جيدا ولن يتخلص من إزعاجها الليلة أبدا ولا وقت لديه لمجاراة
عناد مدللة مثلها ، همس بضيق مستسلما
" نتقابل غدا مساء اتفقنا ؟ "
لم تجاهد لتخفي الحماس أبدا في صوتها وهي تقول
" جيد اتفقنا سأختار أنا المكان ولا تعترض أبدا "
نزل بجسده للأسفل وأخرج مسدسه المثبت في ساقه وأستوى
واقفا وهو يهمس وقد عاد لمكانه السابق
" اتفقنا "
أعاد الهاتف لحزامه وتحرك مجتازا الواقف هناك والذي أمسك
بيده ونظر لعينيه هامسا
" تيم ما الذي تنوي فعله ؟ "
سحب يده منه قائلا
" سأقتحم المكان لا يمكننا إضاعة الفرصة ببزوغ ضوء الفجر "
شده من كتفه وأداره ناحيته هامسا بحزم
" أنت تلقي بنفسك للموت يا رجل ، المكان محصن واقتحامك له
معناه هلاكك فلا تترك مصيرك للمصادفات "
نظر لعينيه تلك النظرة العنيده القوية التي لا يخاف صاحبها شيئا
ولا الموت وهمس بتصميم
" كيف تكون رجلا في القوات البريطانية الخاصة وتتفوه بعبارة
كتلك ؟ الموت لا يغير رأيه في آخر لحظة ، هو يأتي مرة واحدة
ودفعة واحدة حتى إن كنت نائما في سريرك "
وضع بعدها الحقيبة على كتفه وهمس وهو يقترب من حافة النافذة
" تحركوا حين تصلكم إشارتي "
وقفز ما أن أنها جملته تلك ليسمع الواقف هناك فورا صوت احتكاك
الحبال المشدودة بالجدار وقد تنفس بضيق متمتما
" لا أرى الكولونيل جايرو يختارك إلا متعمدا لأنه يعلم أنك ستفعل
هذا يا متهور "
*
*
*
شعرت بذاك العطر القوي يخترق أنفاسها وصولا لرئتيها
وبالأصابع الباردة التي كانت تعبث بأزرار بلوزتها الحريرية
فقفزت جالسة بشهقة تمسك ياقتها بقوة تنظر بذعر للطيف
الضخم الواقف فوقها وتنفست بارتياح ما أن اكتشفت بأنه ليس
سوى والدها ... وأخذت أنفاسها تلك تتسارع في صدرها درجة
أن شعرت بأن أزرار ذاك القميص الضيق ستتناثر على الأرض
كاشفة عن كل تلك المعالم الأنثوية الناضجة المخبئة تحت قماشه
الناعم ، كانت حدقتاها الزرقاء الواسعة المليئة بالدموع تحدق به
بضياع وكأنها تراه في ذاك الماضي البعيد وهي طفلة حين كانت
تخطئ ويوبخها بحزم أبوي صارم وبعيدا عن أي مظهر من مظاهر
العنف لكنها الآن تشعر بأن ذنبها أعظم من أن يقتصر على تلك
الكلمات الحازمة التي كانت تعلمها أن الخطأ عليه أن لا يتكرر
مجددا وتحت أي مسمى كان ، كانت شفتاها جافتان فوق ارتجافهما
وقد زمتهما في خط واحد ما أن لامس إبهام الواقف فوقها رموشها
ماسحا الدموع من عليها قائلا بقلق وإن كان قد تخلله الكثير
من الجدية
" تيما ما بك ؟ "
حاولت تحريك شفتيها المتصلبتان وإخراج الحروف من حلقها
المتحجر لكنها لم تعلم ماذا تقول وكيف ! تحركت حدقتاها يمينا
ببطئ لتلمح ذاك الطيف الذي لم تشعر بوجوده هنا ... الواقف قرب
سريرها يديه في جيبيه يلوذ بصمت قاسي مبهم شعرت به كالسياط
على جلدها البارد حد التجمد ونظراته التي وإن لم تراها كانت تشعر
بأنها تخترقها لعمق أعماقها وتعري أفكارها فوحده في ذاك المكان
من يملك الإجابة التي تعجز هي عن قولها ، أمسكت بتلك الكف
الدافئة التي عادت لمسح الدموع من رموشها السوداء الكثيفة
وكأنه يرفض أن تفارقها وقبلت كفه باكية وقالت
" أبي سامحني ولا تحكم على الأمر حتى تستمع لي وللنهاية "
جمدت نظرات مطر على ملامحها الجميلة الباكية التي جمعت
حسن جدتها سلالة قبيلة غزير وعينا جدة والدتها الخماصية
وجاذبية تلك الفاتنة ابنة الحالك التي أنجبتها فجمعت شرق البلاد
وغربها وجنوبها في أنثى متكاملة نضجت قبل أوانها وفاقت أقرانها
في كل شيء ، نزلت بكفه لصدرها تحضنه بكلتا يديها وتحركت
شفتاها بتردد تترجى الحروف أن تخرج لكن الذنب أحيانا أعظم
من أن نعترف به بسهولة
" أرى أن ابنتك تحتاج لأن ترتاح قليلا يا مطر "
تلك العبارة الرجولية وذاك الصوت الخشن الكسول كان ما قطع
تلك اللحظات القصيرة جدا التي تكابدتها بين صراع الخوف
والاعتراف جعلت نظرات الواقف فوقها تنتقل هناك فشدت على
يده ما أن شعرت بأنه سيسحبها من قبضتها وينساق خلف تلك
الفكرة وقالت برجاء رافضة لأن يتوقف الأمر عند ذاك الحد لتبقى
نصف مذنبة ونصف امرأة بريئة
" أبي أرجوك ثمة ما عليا قوله لك "
نظر لها مجددا ولم يترك أيا منهما المجال له ليخرج من ذاك
الصمت المبهم ونظره ينتقل سريعا لليد التي أمسكت بكتفه وشدت
عليه بقوة قبل أن يصعد للعينين السوداء خلفه والملامح الجادة
الجامدة التي قال صاحبها
" اتركها ترتاح قليلا ولننهي حديثنا الذي قطعناه في مكتبك "
وما أن أنهى جملته تلك نظر للتي كانت تنظر له بعينان دامعة
غاضبة قد هاج في مقلتيها ذاك البحر الهادئ فجأة ، نقلت نظرها
هربنا من نظراته العنيده المتوعدة ونظرت للذي كانت تمسك يده
بأصرار وما أن حاولت التحدث مجددا حتى علا صوت رنين هاتفه
في جيب سترته فارتخت قبضتاها ببطء سامحة ليده بأن تتحرر
منهما وقد استقام واقفا وأخرج هاتفه فورا ونظر لشاشته عاقدا
حاجبيه ثم مد يده لوجنتها مجددا وهمس وهو يضعه على أذنه
ودون أن ينظر لها
" سنتحدث لاحقا يا تيما "
وخرج مجيبا على هاتفه دون أن ينتظر تعليقا منها فدفعت جسدها
فوق السرير وأنزلت قدميها للأرض وتحركت مسرعة جهة الباب
الذي خرج منه منادية
" أبي انتظر "
لكن الأصابع التي التفت حول ذراعها النحيل منعتها من التقدم
خطوة أخرى نحو الباب وهو يديرها بقوة جهته جعلت ذاك الشعر
الأسود يلتف حولها قبل أن يتساقط على ظهرها تباعا وقال بحدة
ناظرا لعينيها
" مجنونة ... ما هذا الذي تريدين قوله له ؟ "
سحبت ذراعها من قبضته وقالت بحدة مماثلة
" الحكاية كاملة طبعا "
مد يده وذراعه بطولها كحاجز بينها وبين الباب صارخا بها
" أي حكاية تلك التي ستخبريه بها ؟ بأن ابنته تتسكع في الملاهي
الليلية برفقة مجرمي المافيا "
صرخت فيه من فورها
" بل بما تعرفه أنت عن ابنته "
شعر بكلماتها تلك كصفعة مباشرة له ، قسما أنها ابنة والدها فقد
فضلت الاعتراف بذنبها أمامه مهما عظم حجمه على أن يكون قيد
من نار يلفه هو حول عنقها فغيره كان سيفكر في استخدامه
لتحريكها كيف يشاء ، أم أنها تظنه فعلا من ذاك النوع السافل ؟
تراجعت لا شعوريا خطوة للوراء حين رأت الغضب يشتعل في
عينيه وسرعان ما صرخ فيها
" هو لا يتهاون عن الزلات منا نحن الرجال فكيف بامرأة ومن ...
ابنته ! قسما أننا نحن الرجال نخشى من غضبه إن أخطأنا فكيف
تفعلينها أنتي بدم بارد ! "
انتقلت شرارة ذاك الغضب لها فورا يلمع في مقلتيها الزرقاء
كلهب اشتد درجة حرارة اللون فيه حتى وصل لتلك الزرقة النارية
وقد قالت بغضب مماثل أنساها هشاشتها أمام ذاك الرجل
" لم تكن سوى تلك المرة وأستطيع أن أشرح له الأمر فاتركني
وشأني "
رفع ذراعيه جانبا مبرزا عضلات ذاك الصدر العريض الملتف
بقميص قطني ضيق من تحت تلك السترة الرمادية وقال بسخرية
" تشرحين له ماذا يا فتاة ؟ لا أصدق أن عمرك بعمر سنين غربته
تلك ! هذا أمر يفترض بأن لا تفكري مجرد التفكير في فعله وإن
كنت فوق الثلاثين "
قالت من فورها وأنفاسها تتقطع في حلقها
" كان خطأ بت على استعداد لتحمل عقابه عليه "
وملأ الألم عينيها وهي تنظر لملامح وجهه وقد أشاح به جانبا
يتنفس بغضب ممسكا لخصره النحيل بيديه ولازالت عضلات
صدره ترتفع وتهبط بانفعال ، لما كان على دروبهما أن تتقاطع
بهذا الشكل السيء ؟ لما يعجزها في كل مرة بشكل مختلف عن
شكره ... ممتنة له أجل وليست تتخيل ما قد يكون وضعها الآن
لولا وجوده تلك الليلة وإنقاذه لها دون تفكير في عواقب الأمر
عليه فهل لأنه ..... ؟
" كنت تعرف من أكون ؟ "
همست بها بألم وبحزن وبالكثير من الأسى وبطريقة جعلته
ينظر لها فورا ... لعينيها الفاتنة وحاجباها الرقيقان المقوسان
بحزن ولملامحها الطفولية الجميلة ... نظرة كانت كفيلة بدمج
النار بالثلج في صدره وبجعله يرفع رأسه عاليا ليزفر ذاك
التناقض في مشاعره ليسحبه لرئتيه مجددا مع الهواء المحمل
بعطرها الذي بات يملأ المكان بقوة بعد استخدام والدها له لتفيق ،
همس من بين أسنانه ما أن عاد بنظره لتلك العينين
" لو كنت أعرفك لسحبتك من شعرك ما أن دخلت المكان برفقة
ذاك المنحل أخلاقيا "
ملأت الدموع عينيها سريعا وارتعشت تلك الشفاه المزمومة
فالموقف ووجوده وغضبه واستيائه منها ... كل ذلك كان أكبر
من أن يستحمله قلبها الصغير الممتلئ بالألم والذنب .
" لا تبكي ... "
همس بتلك الكلمة بأمر يلعن نفسه وغضبه الذكوري الذي لم يكن
يعبر سوى عن رجل شرقي يدفن داخل كل من أراد ذلك أو رفضه
ولم يراعي الموقف ولا صدمة الموجودة أمامه ، أخفض رأسه
للأرض وأمسك عينيه بأصابعه يغمضهما بقوة فهو يحتاج فقط
لأن يهدأ كي لا تتهور هذه الطفلة وتخبر والدها وحينها لن يضمن
رد فعله أبدا وهي المتضرر الوحيد ... لما يزعج نفسه بالخوف
على مصيرها فهي أخطأت ولتتحمل نتائج خطئها ... بل لما تدفعه
تلك القوة في داخله لمنعها من ذلك بما أنه لن يكون ملاما أمامه
أبدا بل سيقدر له ما فعل وإن لم يصرح بذلك .
" لم يكن هذا رد فعلك حين التقينا في القطار ! "
رفع رأسه ونظره لعينيها الدامعة مجددا حين وصله ذاك الصوت
الحزين مختلطا ببحة بكاء مكتوم وعبرة مسجونة في حلقها فاهتز
بعنف من الداخل وعاد ذاك التمزق في مشاعره المتناقضة فهل
بحث فعلا لأيام عنها دون دليل ولا أي معلومات تخصها وهي
تنتظره هنا ويصدمها بعنف ما أن يراها ! هل كان من الجنون أن
يقرر بأن يقتحم حصون غيره ليسلبه امرأة من حقة وحده دون
تفكير في عواقب كل ذلك ثم الآن وحين وجدها .... ! وهذا السؤال
الذي حاصرته به هذه الداهية الصغيرة !! همس بنبرة هادئة هذه
المرة رغم الجمود في ملامحه ناظرا لزرقة تلك الأحداق المدورة
" حينها لم تكوني جزءا مني يا ابنة مطر "
وتحرك مجتازا لها وتاركا تلك العينان الدامعة مشدوهة بصدمة
ومخلفا مشاعر مدمرة حد الضياع لامرأة لم يكفيها أن تتبع جسده
الرجولي ورائحته بجسدها فقط بل تحركت من مكانها بخفة ذاك
الجسد الغض الصغير وسبقته لتقف بينه وبين الباب الشبه
مفتوح والذي اغلق بسبب استنادها عليه وحدقت بعينيه فور
وقوفها أمامه وهمست بأسى
" من أنت ؟ "
كان السؤال أقسى من أن يجيب عليه ويعلم بأنه أقسى من أن
تستقبل هي جوابه منه فحرك رأسه بعيدا عنها وكأنه يطرد منه
تلك الأحرف التي تعسر عليه احتوائها ، رفع ذراعيه جانبا ما أن
عاد بنظره لعينيها وقال
" من أنا .... ؟ أخبريني من أين سأبدأ تحديدا يا ابنة مطر شاهين ؟ "
شعرت بذاك الاسم كسكين غرسه في صدرها وكأنه يذكرها في كل
مرة ينطقه فيها بعظم ذاك الذنب الذي اقترفته وهو عظيم وقاتل
بالفعل فهل لها أن تنكر ذلك ؟ شعرت بقلبها يقفز في صدرها من
شدة جنون ضرباته ما أن سند يديه على الباب خلفها محاصرا
لها بينهما ونظر لعينيها القريبتان منه قائلا
" من أني ابن عمة والدك أم من أني ابن عمة والدتك أم بأن
جدك يكون خالي "
أمسكت حينها فمها بكفها وانزلقت الدموع التي ملأت تلك
الأحداق الواسعة تعانق الوجنتين الزهريتين المرتفعتين تكتم
عبرة لم يعد باستطاعة شيء كتمانها وهي تخرج أنينا من بين
تلك الأضلع وكأنها تحطمهم لتتحرر في معركة يثبت فيها كل
واحد منهما وجوده .
" توقفي عن البكاء يا تيما "
جملته الحازمة الآمرة تلك وهو يضرب بكفه على الباب خلفها
لم تزد الأمر إلا سوءا وقد أخفضت رأسها ودست وجهها بين
يديها تبكي دون قيود هذه المرة فلا أعظم من ذاك الذنب الذي
ارتكبته ولازالت تتجرع مرارة الندم عليه سوى أن تعلم بأن من
شهد على ارتكابها له ومن حفرت ملامحه في داخلها للأبد ومن
حملت له كل ذاك الامتنان فقط لأنه أعادها لنقطة الصفر قبل
ارتكابها لتلك الحماقة واختفى في صمت أن يكون أقرب لها مما
كانت تتصور ومما قد يرسم عقلها من خيالات فلم يكن بمقدورها
أبدا إمساك تلك الدموع التي لن تغسل أبدا ذنبها وحماقتها تلك فها
هي تحاصرها بواقع أقسى مما حدث بكثير ، فكيف تهرب من ذنب
خطيئة وهو دربك الوحيد لتصل لأمنيات قلبك المستحيلة .
شعرت بتلك الأصابع تتخلل خصلات غرتها التي انسدلت على
كفيها بنعومة ... أصابع من قبض يده أمام وجهها لوقت يمنع
عقله من فعلها في حرب كان يعلم من المنتصر فيها من قبل أن
يشعلها لكن لمسته تلك أعقبها قسوة رجولية وهو يرفع رأسها
قائلا بضيق أقرب للتوبيخ
" البكاء لن يجدي في شيء الآن هل تريدي أن يغمى عليك مجددا "
وأردف يمسك ابتسامة ساخرة وتلك الخصلات الحريرية تنساب
كالماء من بين أصابعة
" ليجدك والدك في حضني هذه المرة أيضا ومن ينجينا حينها من
الروبوت الموجود في عقله "
رمت يده عنها وضربت صدره بقبضتها قائلة بضيق زادته بحة
البكاء في صوتها
" أبعد يدك عني واخرج من غرفتي "
وضع يديه في جيبي بنطلونه وقال مبتسما من تهربها من
النظر لعينيه
" حسنا ابتعدي عن الباب لأخرج "
تحركت حينها جانبا وأولته ظهرها تمسح دموعها بطرف كم
قميصها ولازالت شهقاتها بسبب كل ذاك البكاء تتمرد على
أضلعها تخرج مع أنفاسها كطفلة آلمها البكاء لساعات ، انتزع
نظراته عن ذاك الجسد والشعر الأسود المتساقط كالليل فوق
قماش ذاك الحرير الأبيض وتنفس بعمق ثم تحرك وفتح باب
الغرفة وقال
" لا أنصحك بما تنوين فعله فصدمة الرجل في امرأة من أهله
معناها طعنة عميقة في رجولته كما أن فقدان المرأة ثقة أقرب
الأشخاص لها تعني دمارها نهائيا يا ابنة مطر "
وغادر مغلقا الباب خلفه بعدما فتح جرحا جديدا غائرا في روحها
وبكاء عاد ليحطم أضلعها من جديد فهي فقدت ثقته هو في كلا
الحالتين فلما تفقد ثقة والدها أيضا ، ركضت جهة سريرها
وارتمت عليه تكتم كل ذاك البكاء والعبرات في أغطيته الناعمة
*
*
*
يتبــــــــــــــــــــــــــــــع
لامارا, بلا عنوان, الغزال الشارد and 88 others like this.
رد مع اقتباس
#3865
قديم 01-11-17, 09:00 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفعت الهاتف وأجابت فورا على ذاك الرقم الذي كان يضيء شاشه ،
ليست معتادة على الإجابة عن أرقام لا تعرفها لكن هذا الرقم المميز
لا يمكنها تجاهله أبدا ، حمحمت قليلا ليتخلص صوتها من أثر
بكائها بعد مكالمتها لغسق ووضعت الهاتف على أذنها وأجابت
" مرحبا من معي ؟ "
شعرت بقلبها قفز من مكانه فور أن وصلها ذاك الصوت الرجولي
الفخم العميق والذي استطاعت تمييزه فورا من بحته المميزة
والواضحة حين قال بجدية
" مرحبا يا جليلة "
نظرت للهاتف مجددا وكأنها سترى صورته فيه لتتأكد أكثر بأنه
هو المتصل ! أعادت الهاتف لأذنها حين سمعت صوته ينادي
باسمها لمرة واحدة وقالت
" آسفة سيدي لم أكن أعلم بأنك تعرف رقم هاتفي لذلك أنا متفاجأة "
وصلها صوته من فوره
" بل وأعرف جميع تحركاتك طيلة الأربعة عشرة عاما الماضية
وجميع أرقامك السابقة ، ألست من المقربات من غسق شراع ؟ "
ملأت دمعتها عينيها فورا وشعرت بالأسى على نفسها حد المرض
فها هم الرجال حقا ، لا تنكر بأنه جرح ابنة خالتها وتركها تعاني
الفقد مضاعفا لكنه لم يفرط في انثاه أبدا ... كان قريبا منها وإن
كان بعيدا جدا ، تمسك بالرابط الذي جمعهما وإن كان شكليا ...
كان رجلا وفيا وأين هم الآن الأوفياء من الرجال ؟ جرحها أجل
لكنه يعرف كيف تشفى الجراح وكيف ينتشل الألم وإن بالقسوة
كما قال ، وصلها صوته متابعا كلامه وكما توقعت لم يهتم لتعليقها
على ما قال سابقا
" ثمة أخبار ستعجبك بالتأكيد "
اتسعت ابتسامتها وأدمعت عيناها فورا وشعرت بأن أنفاسها
ستتوقف وليست تعلم كيف خرج صوتها حينها
" هل وجدتهم ؟ أ.... "
قاطعها بجدية
" بل دخلوا البلاد منذ دقائق "
وقفت على طولها ونزلت دموعها فورا وقالت بعبرة
" يا إلهي لا أصدق هذا ؟ لقد بحثت عنهم كثيرا ،
كم حاولت أن أ.... "
وقطع حديثها بكائها من جديد تمسك فمها بيدها فلم تكن تتوقع
أن يحقق طلبها ذاك منه في وقت قصير بل في ساعات يوم واحد
فقط وهي من سبق وحاولت بجميع الطرق ولم تنجح !! وصلها
صوته من جديد قائلا بجدية
" لن يكون الأمر صعبا على وزارة خارجية بلاد بأكملها يا جليلة
ولست أعتقد بأنه كان صعبا عليه كذلك وأخشى أن لا يعجبه
تصرفك هذا "
مسحت دموعها وقالت ببحة
" لكني طلبت منك أن تفعلها إن تأكدت من تلك المعلومة أولا
أليس كذلك ؟ وبما أنهم دخلوا البلاد فشكوكي كانت في محلها "
وتابعت وقد عادت دموعها للنزول
" شكرا لك سيدي أقسم أنك قدمت لي معروفا لن أنساه ما حييت ،
جميلك هذا في عنقي حتى أموت "
قال مباشرة
" لا داعي لشكري يا جليلة فأنا لم أفعله من اجلك فقط بل ومن
أجله أيضا ، أنتي من سيكون في استقبالهم كما طلبت ورجالي
سيوصلونهم حتى المنزل ... هل يمكنني قول وداعا الآن ؟ "
شكرته مجددا بعينان دامعة وصوت باكي وأنهت الاتصال معه
ورمت الهاتف في حقيبتها وأسرعت جهة الخزانة غيرت
ملابسها وجمعت شعرها الطويل باستعجال وقد ربطته ببعضه
ولفت حجابها سريعا من دون حتى تثبته بدبوس وأخذت حقيبتها
وخرجت من الغرفة ونزلت السلالم مسرعة فوقفت والدتها في
طريقها والتي كانت خارجة من جهة المطبخ وقالت تجمع كفيها
عند وسطها
" إلى أين يا جليلة وفي هذا الوقت ؟ "
شدت قبضتها على حزام حقيبتها وقالت
" لمنزل غسق "
لم تستغرب نظرة الغضب والرفض التي رأتها في عيني والدتها
والتي قالت ما توقعته تماما
" جليلة هل جننت ؟ لو كان الرجل يريدك لجاء من نفسه هنا ،
حتى أنه لم يتصل بك أبدا ، إن كان يريد رؤيتك فليأتي أو
ليأخذك لمنزله بدلا من تهميشك هكذا "
نفضت يدها وقالت باستياء
" أمي أتركيني أفعل شيئا صحيحا واحدا في حياتي "
نظرت لها بصدمة واستنكار قبل أن ترفع يديها ثم بدأت بالعد
على أصابعها قائلة بضيق
" أنتي من بين شقيقاتك جميعهن من أنهت دراستها بل ووقف
رماح في وجه الجميع وسافرت للخارج لإكمالها ، ووحدك من تعمل
من بين نساء العائلة ، أنتي فقط من عصت أوامر والدها ورفضت
الزواج حتى أصبحت في منتصف العشرين وشقيقاتك تزوجن قبل
أن يصلن سن التاسعة عشرة ثم تزوجت من ابن رئيس البلاد حلم
أي فتاة غيرك ... كل هذا ولم نتركك تفعلين أمرا سليما في حياتك !! "
ملأت الدموع عينيها فورا وقالت بألم
" كل هذا لم يكن سوى حماقات ، كله فعلته من أجل شيء لا يستحق
أمي وحين صحوت على الحقيقة القاسية اكتشفت أنه مجرد سراب لا
أملك منه شيئا "
نظرت لها الواقفة أمامها بعدم فهم وقالت بنزق
" حدثيني بالعربية لأفهم يا ابنة يونس "
نفضت يدها مجددا والحقيبة فيها وقالت باستياء
" معناه أني لن أتنازل عن الطلاق هذه المرة "
شهقت والدتها في وجهها حتى ضنت أنها ستموت وتنقطع
أنفاسها قبل أن تصرخ فيها بغضب
" ما هذا الذي تنوين فعله يا حمقاء ؟ مطلقة بعد كل هذه الأعوام !
من هذا الذي سيرحمك بعدها ؟ ألا يكفيك ما قيل عنك حتى الآن
بسبب زواجك الصوري ذاك ؟ ألست من كان يصمت عن كل
ما فعله ابن شراع وهو يتركك معلقة هكذا ؟ "
صرخت فيها أيضا
" ليس يعنيني ما سيقال عني ولن يؤثر بي أبدا ورماح لم
يخطئ في حقي يوما بل أنا من فعل وبسببي تحطمت أحلامه
أيضا ولن يستمر هذا الوضع بعد الآن "
قالت التي تكاد تشد شعرها بسبب ما تسمعه منها
" لا بارك الله فيك يا جليلة لم يجلب لنا الفضائح غيرك ولن ينجوا
منها والدك هذه المرة بالتأكيد ، وتذكري فقط بأنه لن يقترب من
بابنا رجل آخر وأنتي طليقة ابن شراع وقد تجاوزت الثلاثين عاما
إن كنت نسيت ذلك "
قالت وهي تجتازها مغادرة
" ومن قال بأني أريد أن يطرق بابي أحد ؟ ما قلته سأفعله وإن
كان ثمنه موتي "
وتوجهت جهة باب المنزل متجاهلة التي تناديها وقد صرخت قائلة
" أقسم إن شعر وثاب بغيابك هذا الوقت وذهابك له أن يسلخ
جلدك عن عظامك "
لكن ذلك لم يجعلها تتراجع ولم يؤثر بما عزمت على فعله فعليها
أن تتحمل وحدها فقط نتائج ما حدث أما رماح فلا يستحق أبدا أن
يكون مصيره مثلها ، لو كانت تعلم بأن كل ذلك حدث ما وقفت
صامتة عن ذلك كل هذه الأعوام ، لن يؤثر بها كل ما ستحمله من
ألقاب جديدة ولن يكسرها ذلك أبدا فهي أكثر من عاش وعايش
هموم نساء مملكة الغسق ورأت بأم عينها كيف وقفت كل واحدة
منهن في وجه ظروفها ونظرة المجتمع لها كالجبل الصامد ،
فتحت باب سيارتها وركبتها وغادرت من فورها فلن يمنعها
ولا قدوم وثاب بنفسه عما تريد فعله
*
*
*
مرت ثلاث ساعات متعاقبة وهي على حالتها تلك تحضن
الوسادة بقوة تخبئ دموعها فيها تارة وعباراتها الباكية تارة
أخرى وتهيم أغلب الوقت بنظرها في الفراغ وهذا حالها منذ
غادر ذاك الرجل غرفتها وعالمها الصغير ، سحبت هاتفها
نحوها ونظرت للساعة فكانت الثانية عشرة بعد منتصف الليل ،
سيكون خالها رماح على وصول الآن كما قدرت وستكتشف
والدتها غيابها وستقلق عليها لذلك عليها أن تتصل بها قبل أن
تتسبب في مصيبة ما في ذاك المنزل بغيابها المفاجئ ، جلست
تبعد شعرها عن وجهها ومسحت وجنتيها بكم بجامتها الطويل
وجربت الإتصال بها ولا يوجد أي رد فأعادت الإتصال لعلهم
منشغلون بوصول رماح ، أبعدت الهاتف عن أذنها ونظرت له
بصدمة حين أقفلت الخط في وجهها فعضت طرف شفتها وقد
ملأت الدموع عينيها فها هي قد علمت بغيابها وغاضبة منها
أيضا ومعها حق لأنها الحمقاء تهورت لثاني مرة في حياتها
وعلى غير عادتها منساقة خلف عاطفتها الأسرية وها قد
حصدت النتائج وفي كل مرة كان على ذاك الشاب أن يكون
شاهدا على كل ذاك التهور والحظ المتدني حد الانعدام ، اتصلت
برعد هذه المرة والذي أجاب بعد وقت قائلا
" أجل يا تيما ؟ "
شدت أناملها على الهاتف وهمست ببحة
" هل اتصلت بك والدتي ؟ أحاول الاتصال بها وترفض أن تجيب "
قال من فوره وقد غزى نبرته ضيق واضح
" أجل منذ أكثر من ساعتين وبعد إيصالي لك مباشرة وكانت
قلقة بل تكاد تجن بسبب اختفائك ولأني لم أستطع الإجابة
عليها سريعا بسبب انشغالي في المطار وما أن أخبرتها بأني
أخذتك من هناك سمعت منها ما لذ وطاب وأغلقت الهاتف في
وجهي ولأول مرة منذ عرفت فيها والدتك وما سيخلصني
الآن من غضبها الأسود القاتم ابنة الحالك تلك"
تساقطت دموعها فورا وهمست بعبرة
" أنا آسفة كل هذا كان بسببي لأني حمقاء متهورة "
وصلها صوت تنهده الواضح وقال بهدوء هذه المرة
" لا تبكي يا تيما والدتك تحبك وأنتي تعرفين هذا جيدا وسيزول
غضبها سريعا ومفتاح الأمر لديك ، هي غاضبة فقط بسبب خوفها
من أن مكروها أصابك ولا أخفيك القول فمعها حق وأنا مذنب معك
أيضا وأستحق غضبها "
مسحت دموعها وقالت باستياء
" ضننت أن جدي دجى سيكون هنا لذلك لم أستطع قول ذلك لها
حتى أراه أولا لكني كنت مخطئة غبية ومتسرعة وها قد
أغضبتها مني "
قال باستعجال
" تيما أنا دخلت العمران للتو وسيارة الإسعاف دخلت منزل والدتك
قبل لحظات عليا أن ألحق بهم سريعا فلا أحد مع رماح من العائلة
غيري وسيكون في انتظاري في الخارج حتى أصل ... سنتحدث
فيما بعد فتوقفي فورا عن البكاء ... وداعا الآن "
وأنهى الإتصال فنظرت للهاتف قبل أن ترميه على السرير وتنزل
قدميها وتدسهما في حذائها المنزلي طفولي التفاصيل والذي كان
مصنوعا من الفراء له مقدمة رأس دب زهري اللون بأنف وفم
أبيضان ، خرجت من الغرفة تمسح بقايا دموعها من رموشها
بطرف كم بجامتها ثم رفعت القبعة الموصولة بها على رأسها
وسلكت الممر وبهو المنزل الساكن والشبه مظلم حتى وصلت
السلالم فعليها رؤيته والتحدث معه وإن أيقظته من نومه فهي لن
تجده فجرا ولن يجيب على اتصالاتها بسبب انشغاله لوقت طويل
من النهار ، صعدت أولى العتبات ثم وقفت مكانها ونظرت جهة
الممر الغربي للطابق وخطر لها أن تبحث عنه في مكتبه أولا
فهو لا ينام في هذا الوقت عادة ويرجع للمنزل وهي نائمة أغلب
الأوقات فيبدو أن صدوع وجروح تلك البلاد تحتاج منه ورجاله
للكثير من الوقت والجهد لذلك قد يكون هناك بما أنه كان في
المنزل في وقت باكر على غير العادة إلا إن كان قد غادر مجددا ؟
نزلت تلك العتبة التي صعدتها وتوجهت هناك فورا لتوقف كل
تلك الأفكار والتكهنات فإن لم يكن هناك فهو في غرفته وإن لم
تجده فيها فسيكون خارج المنزل وسيكون عليها انتظاره حتى
يعود ، وصلت الممر وكما توقعت ها هو هناك فقد كان النور
يتسرب من تحت باب مكتبه المغلق في ذاك الممر المظلم تماما ،
توجهت نحوه من فورها ووقفت عند الباب وعقدت حاجبيها
تستمع للحديث خلفه ، كان الصوت لوالدها لكن الطرف الآخر لم
يكن موجودا فخمنت بأنه يتحدث في هاتفه لأن جل حديثه ذاك
كان عن أسماء مدن وقبائل وتقارير فتنفست بعمق ورفعت يدها
وطرقت على الباب بمفصل سبابتها ثلاث طرقات متتالية .
" أدخل "
عادت لسحب نفس آخر لصدرها بقوة ما أن سمعت كلمته ونبرته
الجادة تلك وقد توقف سيل حديثه ذاك وكأن تلك المكالمة قد انتهت
فجأة ! أمسكت بمقبض الباب وأدارته ببطء قبل أن تدفعه للداخل
وتدخل وقد وقفت مكانها تنظر بأنفاس متوقفة تماما للجالس على
الكرسي موليا ظهره للباب منحن قليلا يسند مرفقيه على ركبتيه
ويجلس مقابلا للواقف عند طاولة مكتبه ومن لم تكن تتخيل بأن
حديثه ذاك كان مع شخص موجود أمامه ! دست يدها اليمنى
خلف ظهرها تلعب أصابعها بطرف كمها الطويل وهربت بنظراتها
من صاحب ذاك الجسد الذي أبرزه هذه المرة القميص القطني
الأسود الضيق بكماه القصيران كاشفان عن عضلات ذراعيه
القوية ومبرزا بوضوح أكتافه العريضة وخصره النحيل منسجم
تماما مع البنطلون الرياضي الأسود ، لو كانت تعلم بوجوده هنا
ما دخلت أبدا بل ما كانت لتغادر غرفتها وإن قتلوها فقد ظنت
بأنه سيكون نائما منذ وقت بسبب سفرهم الطويل من فرنسا
مرورا بكل تلك الدول للوصول إلى هنا لكنها باتت تؤمن بأن
سوء حظها وهذا الشاب لا يفترقان أبدا فلا حجة لديها الآن
لتتهرب بها مما جاءت تريد قوله لذلك ستعول فقط على ذكاء
والدها في فهم أنها لا تريد التحدث أمامه ، نظرت للأسفل
ورطبت شفتيها الجافتان قبل أن تقول بصوت منخفظ
" آسفة أبي ظننت أنك لوحدك "
" لما لم تنامي حتى الآن يا تيما ؟ "
عضت طرف شفتها ولم ترفع رأسها فها هو ذكاء والدها قد
خذلها أيضا في أحوج أوقاتها إليه ، سحقا لم تكن تعلم بأن نظرية
خالها رعد صائبة لهذا الحد في فشلهم بالإجماع وها هي تتوج
خاتمة السلالة العريقة .
" ما الأمر يا تيما ؟ "
رفعت نظرها له ما أن وصلتها عبارته الحازمة تلك فها هي ترجع
تيما الطفلة مجددا ، ودت لو قالت ( أريدك في أمر ما ) ليفهم
الجالس هناك والذي أفلح في بعثرة مشاعرها حد ضياع الكلمات
منها بأنه غير مرغوب به هنا في الوقت الحالي لكنها تعلم بأن
ذلك لن يحدث أبدا فهو لن يغادر ظنا منه بأنها ستخبره عما حدث
في لندن وليست تفهم لما يواجه محاولاتها بالرفض ؟ لا بل كان
عليها أن تفهم بأنه يكفيها أن تفقد ثقته هو فقط ولتحتفظ بباقي
الأضرار ، قالت بذات نبرتها الهادئة وصوتها الرقيق وبعد صراع
مضني مع ترددها وخوفها
" أريد الذهاب لوالدتي "
وانكمشت على نفسها سريعا حين نظر لها باستغراب عاقدا
حاجبيه لبرهة قبل أن يقول ما توقعته تماما
" ذهبت بالأمس ورجعت من هناك اليوم وتريدين العودة غدا !!
تيما هل أفهم ما في هذا العقل الصغير "
مطت شفتيها بعبوس من نهاية عبارته تلك ، هو اعتاد أن يصف
أفكارها هكذا منذ كانت طفلة وما أن تتوقف لبرهة في إبداء أي ردة
فعل حتى يقول لها مبتسما بسخرية
( فيما يفكر هذا العقل الصغير ، بما يخبرك عقلك الصغير أو توقفي
عن الحديث سرا مع هذا العقل الصغير )
وكبرت عبارات والدها تلك معهما ، تعلم أن جل ما يقصده بذلك
هو ذات المعنى في طفولتها لكنها الآن باتت إهانة عظيمة في
حضور الجالس هناك والذي ترى أن والدها يتصرف وكأنه
ليس موجودا ! بل وذاك البارد لا يحترم أنه قد يكون ثمة
خصوصية في الأمر فيغادر بكل أدب بعدما تيقن من أن
مخاوفه من اعترافها بما حدث تلاشت ، جمعت يديها معا
تنظر لهما ولأصابعها البارزة وحدها من تلك الأكمام وقالت
باستسلام لواقعها البائس
" ظننت أن جدي دجى من كان برفقة عمي صقر فجئت من
دون علمها كي لا تسألني عن السبب "
استوى حينها الجالس على الكرسي في جلسته فعضت شفتها
بقوة فها قد منحه حظها العاثر فرصة أخرى لإذلالها والتشمت
بها كما منحته بغبائها دليلا آخر على أنها فتاة مستهترة متمردة
ومتهورة
قال مطر فورا وبحدة
" دون علمها !! أ.... "
قاطعته من فورها وقد رفعت رأسها ونظرت له قائلة باندفاع
" بل خالي رعد من جاء بي إلى هنا ، أقنعته أن لا يخبرها
حتى أصل وأتحدث معها "
كتف حينها ذاك الصامت ذراعيه لصدره وتنفس نفسا قويا
واضحا لم يدل سوى على قنبلة موقوتة يسجنها بين تلك
الأضلع إن تفجرت في تلك اللحظة لأحرقتها بالكامل ، تجاهلت
تلك الجهة من عقلها ونظرها وانصب تركيزها على الواقف
هناك مقابلا لها فوحده من يجب أن تهتم برأيه بها وأفكاره
نحوها أما ذاك الوسيم الغاضب فمن المفترض أنه لا يعنيها
في شيء وبأنه ليس الوصي عليها وإن كان يربطهما رابط الدم
القوي ذاك ، ثم هي سيئة مستهترة في نظره في جميع الأحوال
ولن تحلم ولا مجرد حلم في أن تتغير نظرته لها ، رطبت شفتيها
بطرف لسانها وقالت بنظرة ملئها رجاء في أن يشعر والدها
بموقفها ذاك فنظرته لا تعجبها أبدا
" أبي أقسم لك أني خشيت فقط أن تسألني ولن أستطيع الكذب
عليها فحين أخبرتني الخادمة أن ثمة ضيف قادم برفقة عمي صقر
وأنه سيقيم هنا لفترة لم يأخذني تفكيري سوى لجدي لذلك جئت
ومن دون علمها وكنت سأتحدث معها وأشرح لها الأمر بعد
وصولي لكنها علمت قبل ذلك وضنت أن مكروها قد أصابني
واتصلت بخالي رعد وعلمت منه وهي الآن غاضبة مني
ورفضت أن تجيب على اتصالاتي كما أنها غاضبة من رعد
أيضا وهو ألقى باللوم علي ، أبي أرجوك أريد الذهاب
والتحدث معها وشرح الأمر لها كما أن خالي رماح سيكون
هناك الليلة وأريد رؤيته ... متشوقة جدا للتعرف عليه "
تعرف والدها جيدا ليس ذاك الرجل الذي يندفع الكلام والشتائم
من فمه كالسيل ولا الذي يصرخ ويتحدث بأي شيء حين
يغضب فأقل ما يستعمله هو الكلمات وهذا ما كانت تعول
عليه كي لا يسوء موقفها أكثر أمام تلك الصخرة التي ترفض
الخروج من هنا لكنها وفي ذات الوقت تعلم أن قليل الكلام
ذاك صاحب أفعال تغني عن كل ذلك ولن تنجوا أبدا من عقاب
مرتب على طريقته إن قرر ذلك وسيكون قاسيا كما تجزم ،
ورغم كل ذلك تعلم بأنها لن تسلم أيضا من بعض الجمل
التوبيخية مهما قالت وقد حدث ما تتوقعه فعلا وسريعا أيضا
حين قال بحدة ولازالا حاجباه المستقيمان معقودان
" معها حق تغضب منك ، ما أريد معرفته كيف استطعت
اللعب بعقل رعد شراع ليخرجك دون علمها وهو رجل
عرف بالحكمة طوال حياته ورجاحة عقله ؟ كنت أتساءل دائما
ما هو الشيء الذي تشبهين فيه والدتك وها قد علمت الآن "
شعرت بالعبرة تصعد لحلقها وتلك العينان تمتلآن بالدموع
سريعا وبطعنة عنيفة من تلك الإهانة المزدوجة منه فهمست
بصوت حزين
" أبي أنا المخطئة وأستحق العقاب منكما لكن ما ذنب والدتي
تتحدث عنها هكذا ؟ "
تنفس حينها الواقف هناك نفسا طويلا عميقا وقال بجمود
" أنا لا يمكنني مغادرة حوران قبل أيام وعمي صقر سيكون
في اجتماع مهم صباحا ورعد لن يرجع قبل يومين فهل يأحذك
أحد الحراس ؟ "
نظرت له بصدمة بينما وقف الجالس هناك على طوله وعلمت
أن موقفها لن يسوء أكثر من ذلك لكن ما لم تتوقعه كانت لاتزال
تجهله حين قال الواقف موليا ظهره لها
" يمكن أن أوصلها أنا "
" لا ... "
لا تعلم بأي جنون انطلقت تلك الكلمة من شفتيها فقالت
بتلعثم ناظرة لوالدها الذي أبعد نظره عنه بسرعة وحدق
بها بصمت
" أعني هو لا يعلم عن طرقات ومداخل المدن هنا وأنا لم
أنتبه لها جيدا فالمسافة كانت طويلة "
لا تتخيل أبدا أن تجمعها سيارة مغلقة مع هذا الرجل
ووحدهما لثلاث ساعات هذا إن لم يضيعا وامتدت تلك
الساعات لما الله وحده يعلم ، كانت تتوقع التعليق التالي من
والدها وليس أن يباغتها من دس يديه في جيبي بنطلونه ...
صاحب الملابس السوداء كشعره الفاحم والذراعان شديدا
البياض حين قال ببرود وقد أدار وجهه جانبا يتعمد أن
يشملها بنظرته
" ضننت أنه ثمة لافتات ترشد للطرقات وأنه لا أحد يمكنه
تحريك مدينة من مكانها السابق ، أو أن ابنتك تفضل مرافقة
أحد الحراس بالفعل "
نظرت له بصدمة نظرة سرعان ما تبدلت للحنق ما أن كسرت
ضحكة مطر ذاك الصمت المشحون فحتى والدها الذي تكاد
تحصي على أصابعها تلك المرات التي سمعت فيها ضحكته
وتحفظهم موقفا موقفا باليوم والساعة ها هو يضيف لتلك
اللآئحة القصيرة واحدة أخرى لن تنساها ما عاشت لأنها
ستسجل ضمن الإهانات التي تلقتها في حضور هذا الرجل
المتعجرف ، أدارت ظهرها لهما وفتحت الباب وقالت
باستياء مغادرة
" لم أعد أريد الذهاب "
وغادرت من هناك راكضة تمسح الدموع التي تمردت
عليها ففوق إهانة ذاك المتعجرف لها لم يدافع والدها عنها
وكأنه يثبت له بأنها كما يضن فعلا ، دارت حول نفسها وكادت
أن تقع وسط بهو المنزل المظلم حين أمسكت تلك اليد الضخمة
بيدها ، استوت واقفة من ترنحها تبعد شعرها عن وجهها وقالت
بنفس لاهث
" عمي صقر !! لقد أفزعتني "
ضحك وترك يدها قائلا
" بل أنتي التي أفزعتني لقد ظننك جنية تسرح في المنزل
لأعوام وأفسدنا نحن حياتها الهادئة الآن "
ضمت يدها لصدرها وهمست بخوف
" بسم الله ... سلام قول من رب رحيم "
ضحك مجددا وكان سيتحدث فماتت ضحكته وأمسكها من يدها
وسحبها جهة النور وقال ناظر لعينيها
" أوووه لا ما هذا الذي أبكى دميتنا الجميلة ؟ "
ابتسمت بحزن وعادت الدموع للتكدس في عينيها وقد ذكرها
بجدها دجى فهو من كان يناديها بالدمية منذ صغرها ، أنزلت
رأسها تمسح دموعها وهمست بحزن
" أردت الذهاب لوالدتي صباحا لأنها غاضبة مني ولا
أحد متفرغ لي "
حضن كتفاها بذراعه وقال سائرا بها جهة الأريكة
" تعالي أخبريني بما حدث وسنجد لذلك حلا ... كم حفيدة عندنا "
*
*
*
" هل أعلم ما سبب هذا العداء الذي تكنه لابنتي ؟ "
باغته مطر بهذا السؤال ليسرق نظره من الباب الذي خرجت منه
منذ لحظات وقال
" ولما سيكون ثمة عداء بيننا وأنا لا أعرفها ؟ بل لست أصدق
يا مطر أن تفكر في إرسال ابنتك مع أحد حراس منزلك !! "
دار مطر حول الطاولة وجلس قائلا
" لم أفقد عقلي بعد لأفعلها وهي تعلم ذلك جيدا فهو كان مجرد
سؤال هي تعرف جوابه وسببه أيضا "
شد قبضتيه داخل جيبيه وقال ما لم يعد يمكنه كتمانه
" ورعد صنوان ؟ "
رفع مطر نظره من الأوراق بين يديه له وقال بجدية
" قاسم لا تخطئ في حق الرجل لأني لن أسمح لك "
قال وكأنه لم يكترث بما قال
" إن كان الجميع يظن بأنه شقيق والدتها فأنت تعلم بأن الأمر
خلاف ذلك وإن كنت لازلت تظن أن ابنتك ما تزال صغيرة فأنت
مخطئ تماما "
كان يتوقع تعليقا قاسيا من الجالس مقابلا له وهو من يعرف أنه
لا يتلقى أوامر أو تعليقات وانتقادات من أحد ولا يرضى بذلك أبدا
لكنه تلك اللحظة لم يهتم وكان عليه قول ذلك قبل أن ينفجر بسبب
ذاك الشعور الرافض داخله لكل هذا ، لكنه فاجأه بأن قال وبكل
هدوء يفتش في درج المكتب منحن جابنا
" إن كان ثمة رجل أستأمنه عليها غيرك أنت وعمي صقر فهو
رعد شراع "
وتابع ماإن استوى في جلسته مغلقا الدرج وناظرا لعينيه
" أم أن المعني بحديثك ابنتي وليس رعد "
نظر له بصدمة فلم يتوقع هذا الهجوم المباغت منه وأن يكون فهم
الأمر بهذا الشكل الذي هو لم يفكر فيه بتاتا وليس يفهم لما قال
ما قال ! إن كان غرضه الإنتقام منه بسبب ما فهمه هجوما ضد
المدعو رعد فقد أصاب هدفه تماما ، هو نفسه لا يفهم سبب ما قال
ولما تضايق من الأمر ؟ أرخى يديه ولازال يدسهما في جيبيه ومد
ذراعيه منزلا كتفيه وكأنه يمطهما وقال باسترخاء
" لم أقصد اتهام ابنتك ولا التشكيك في ابن شراع ولننسى كل ما قيل "
وقف مطر حينها وخرج من خلف الطاولة ووضع ذراعه على كتفيه
وقال مغادران المكان
" أجل لنترك الحديث في هذا الأمر وتيما إن غفلت أنا يوما عن
حمايتها عين الله لن تتركها "
خرج برفقته ولم يعلق على ما قال وليس يعلم لما يشعر بأن كلامه
يحمل الكثير من الألغاز أم أنه فقط بات يتوهم كل ذلك بسبب
ما يعلمه !
وما أن وصلا بهو المنزل لفت انتباههما صوت الضحكات المنخفضة
وذاك النور المنبعث من إحدى الأرآئك وسرعان ما باتت الصورة
واضحة وظهر لهما الجالسان هناك بل التي كانت تتكئ في حضن
ذاك الرجل يمسك هاتفه ويشاهدان معا شيئا هو سبب كل تلك
الضحكات الأنثوية الرقيقة والهمس الرجولي الباسم ، مشهد
يفترض بأنه طبيعي بين فتاة وعم والديها لكنه كان خلاف ذلك
في دواخل الواقف هناك لازالت يديه في جيبيه ورأسها يتكئ على
كتف ذاك الرجل تحيط كتفاها ذراعه القوية وقد أشارت بإصبعها
الرقيق لشاشة الهاتف قائلة بضحكة منخفضة رقيقة تشبهها في
كل شيء
" انتظر ما سيحدث الآن "
أبعد حينها مطر عنه وتحرك جهتهما وما كان من الذي تركه
خلفه سوى أن فعل مثله وهو يقف خلفهما مباشرة وقت انشغالهما
بما يشاهدانه ، وقف على مبعدة قليلا منه لكنه كان يرى بوضوح
شاشة ذاك الهاتف الواسعة عالية الدقة والطفلة في ذاك الشريط
المعروض بشعرها الأسود الناعم القصير ... وجه دائري ووجنتان
محمرتان بشدة بسبب الثلج الذي شكل بساطا أبيضا يحيط بها من
كل جانب تحاول الوقوف وما أن تستوي واقفة حتى تقع مجددا
جالسة على الأرض وتبدأ بالبكاء ، ابتسم من فوره ونظره على
تلك الطفلة الجميلة وارتفعت ضحكة صقر مختلطة بهمسها الساخط
المحتج قبل أن تقول بإستياء
" جدي المحتال لا أعلم كيف استطاع تصوير كل هذا والاحتفاظ به
كل هذا الوقت دون أن يريني إياه "
" عمي ألست نائما حسب اعتقادي ؟ "
التفتا كليهما للواقف خلفهما مباشرة وقال صقر ضاحكا وهو يوقف
ذاك الفيديوا
" ها قد أمسكت بنا الشرطة الليلية "
بينما وقفت الجالسة بجواره لتجمد مكانها وهي تكتشف وجود
الواقف خلفه فأنزلت رأسها تنظر ليديها اللتان دستهما في جيبي
بجامتها الربيعية لتتدلى تلك الغرة المقصوصة من تحت قبعتها
مشكلة ستارا قصيرا شكل ظلا باهتا على ملامحها فقد شعرت
بقلبها سيخرج من ضلوعها ما أن تشابكت نظراتهما فور وقوفها ،
وقف صقر قائلا ونظره على الهاتف في يده
" كنت نائما بالفعل وها أنا أدفع ثمن نومي باكرا وخرجت أبحث
عن شيء يسليني فخمنت أنك ستكون مستيقظا "
وتابع وقد نظر له يمسك وسطه بيديه والهاتف لازال في إحداهما
" فصادفت سيدة المنزل الوحيدة الصغيرة تغادر ممر مكتبك باكية
من أجل أمر تافه تقضيه السيارات بسهولة "
قال مطر من فوره وبشيء من الحزم ناظرا لها وهي لازالت تهرب
بنظرها للأرض " أخبرتها أننا لن نكونا موجودان هنا وهي من
رفضت أن يوصلها قاسم خوفا من أن يضيعا في طرق حدود
صنوان فالذنب على من سيكون ؟ ثم عليها أن تتعلم أن تفكر
وتتروى قبل أن تقرر أو تفعل أي شيء مستقبلا "
قربت يديها المقبوضتان في جيبيها من بعضهما ولازالتا سجينتا
قماش تلك البجامة فها قد عادت للتحول لقزمة من الإحراج أمام
ذاك المخلوق الذي لا تعلم كيف أصبح جزءا من تفاصيل حياتها
هكذا فجأة ! أرخت كتفيها المتشنجان وهمست باستسلام ونظرها
لازال للأسفل
" آسفة أبي ولن يتكرر ذلك "
وصلها صوته البارد فورا
" أنا لست غاضبا منك لأني أعرفك لا تكررين الأخطاء أبدا يا تيما ،
والدتك هي من عليك أن تقنعيها بهذا "
أنزلت رأسها أكثر وقالت
" أقسم أن ذلك لن يتكرر مجددا أبي فيكفيك توبيخا لي كالأطفال "
ضحك حينها صقر وقال حاضنا لكتفيها بذراعه
" يكفيها هذا لن أسمح بأن تبكي حفيدة عائلة الشاهين الوحيدة "
وتابع وقد أبعد رأسه ينظر للواقف هناك قائلا بابتسامة
" أخبرني الآن يا قاسم كيف وجدت التي وصفتها بالطفلة ؟ "
رفعت نظرها له مصدومة وشعرت بتقلص مفاجئ في معدتها وهي
ترى نظرته لها وتلك الابتسامة المائلة الغامضة التي تشعرها بأنه
يسجنها في قفص الاتهام كلما وجهها لها ، شدت ثياب الواقف
ملاصقا لها معترضة بضيق حين قال ضاحكا
" هيا أدلي بشهادتك أم تكره الإعتراف "
تمنت أن اختفت من الوجود لحظتها أو أن تلاشت بل أن هربت
من المكان لكنها تعلم بأن الذراع الملتفة حول كتفيها لن تترك
لها الفرصة أبدا فنقلت نظرها لوالدها فورا فوجدته ينظر للواقف
خلفه ... للأحمق الذي لم يبعد نظره عنها ولا ابتسامته الوقحة تلك
ولم يكفيه كل ذلك بل قال بذات تلك الابتسامة ما أن عادت بنظرها له
" لقد أصابني الفضول حقا لأرى والدتها "
جملة وقعت كالصاعقة على ثلاثتهم ابتداء من التي أنزلت وجهها
وغطت عينيها بكفها مرورا بالذي دار ناحيته بجسده كاملا ينظر
له كنمر يوشك على الانقضاض على فريسته وصولا للذي علا
صوت صفيره المصدوم في المكان لتقطعه ضحكته العالية وقد
رفع يديه للواقف هناك وأشار له على المقابل له بأن خلص نفسك
منه الآن ولا تنتظر مساعدة أحد فرفع كفيه مبتسما ثم بسطهما
قائلا بسخرية
" لا تتوقع أن أكذب عليك يا مطر فهذا سيكون تفكير أي شخص آخر ،
ثم لا تنسى بأنها ابنة خالي "
تحرك حينها مطر من مكانه عائدا من حيث جاء قائلا ببرود
" عمي اتبعني لمكتبي بما أنك لن تنام وأنتي يا تيما الساعة
أصبحت الواحدة "
وغادر مبتعدا تتبعه نظراتها العابسة فضحك صقر وتحرك قائلا
" قاسم عليك أيضا أن تنام وترتاح ، أوصليه يا تيما حيث تكون
غرفته "
وابتعد سريعا وقد ابتلعه ظلام المكان فنظرت للواقف مكانه خلف
الأريكة وبلعت ريقها قبل أن ترفع أصبعها مشيرة خلف كتفه قائلة
" اسلك ذاك الممر ثم يسارا ثم أول باب سيقابلك هناك "
وما أن أنهت جملتها تلك ركضت في الاتجاه الآخر مسرعة هربا
من الذي عض شفته يكتم ابتسامته هامسا بتوعد " المحتالة "
*
*
*
يتبـــــــــــــــــــــــــع
لامارا, بلا عنوان, الغزال الشارد and 87 others like this.
رد مع اقتباس
#3866
قديم 01-11-17, 09:05 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
وقفت سيارة الإسعاف الخاصة أمام المدخل مباشرة تحيط بها
سيارات الحرس والمرافقين قبل أن يفتح بابها على مصراعيه
وينزل ذاك الكرسي منها ملامسا الأرض يحكي قصة شخص آخر
ورجل آخر سيعيش مقيدا بحديده البارد للأبد ، قد يحيي فيه أملا
مفقودا يوما ما وقد يقتله في داخله كلما رآه أمامه وجلس عليه .
شعر بتلك اليد على كتفه فرفع رأسه عاليا ونظر للذي ابتسم له
قائلا
" حمدا لله على سلامتك يا ابن الزعيم شراع ، أنرت بلادك مجددا "
ابتسم له بدوره ورفع يده ولامست أصابعه تلك يده وقال
" شكرا يا عمير ... رجال مطر شاهين لا تختلفون عنه أبدا
وأولكم الذي تكفل بحمايتي حتى كنت في مطار لندن وحين علمت
أنه تدرب طفلا على يديك قبل أن يتولى رعايته زعيمكم علمت أي
الرجال تكون أنت "
ضحك عمير وربت على كتفه قائلا
" ابن كنعاك ذاك تفوق على أساتذته ولا تغريك شجاعته وصمته
وذكائه فهو جلف قاسي وأحمق فيما يخص النساء ، أي لا فائدة
ترجى من وجوده حيا أبدا "
ضحك رماح بدوره ضحكة لم يتخيل أن تكون هي أول ما سيصدر
عنه ما أن يستنشق هواء هذه المدينة ، دار بكرسيه حتى أصبح
مقابلا له وقال مبتسما
" اجزم بأنه يفلح في كل شيء وسترى الدليل يوما ما "
نظر بعدها للمغلف في حجره والذي كان يتمسك به طوال رحلته
الطويلة تلك ثم وبأشارة من يده ابتعد كل أولئك الرجال المحيطون
بهما وركبوا السيارات السوداء التي بدأت تغادر المكان بالتتابع
حتى أصبحا لوحدهما ثم رفعه ومده له وقال ناظرا لعينيه
" لن يقدم لي هذا المعروف إلا رجلا مثلك يا عمير لأني لا أريد
إرسالها مع شقيقي رعد فهلا أخذت هذا للمحكمة صباح الغد
وأتممت الإجراءات التي تخصه "
أمسك المغلف ناظرا له باستغراب وقال
" وهل يمكنني معرفة ما يحوي كي أستطيع إنجاز ذلك ؟ "
حرك رماح رأسه موافقا وقال ناظرا له بين يديه
" هي أوراق ومعاملات طلاق يا عمير "
فانتقلت نظراته المصدومة فورا منه للجالس أمامه وهو يشرد
بنظره للفراغ ورآى تلك النظرة الحزينة في تلك العينان البنيتان ،
نظرة لم يرآها فيهما ولا بسبب حالته وإعاقته فلم يعرف إلا رجلا
قوي إرادة وعزيمة مثقفا حضاريا طوال الطريق من حوران إلى
هنا والتي قضاها في الحديث معه ليكتشف بأنه النسخة المصغرة
عن شراع صنوان وهو ما رآه في شقيقه رعد سابقا فقد أنتج جيلا
يحملون صفاته في كل شيء كما يرى أمامه إن استثنى المدعو
جبران ، ظهر سريعا طيف تلك المرأة أمام عينيه وهي تمسح
دموعا ترفض أن يراها أحد فقال مستغربا
" لماذا يا رماح ؟ لست أراك أنت تحطمت من وضعك الجديد
وتتقبله بعزيمة لم أراها سابقا في غيرك لتحطم زواجك وقلب
امرأة لا ذنب لها في كل هذا ! "
شعر بقشعريرة في جسده لم يفهم سببها حين أشاح بوجهه جانبا
وقال بسخرية تنطق مرارة
" أحطمها ... !! قل أني سأحررها من تحطمها لأعوام في زواج
صوري ولعبة حقيرة دفع كلينا ثمنها ، الواقع أقسى من أن أشرحه
لك يا عمير ومن أن أبوح به "
بقيت نظراته المصدومة تحدق به وعجز عن الحديث أو عن سؤاله
عن أي شيء فلا حق له أبدا في هذا وقد صرح بنفسه بأنه لا يمكنه
البوح به ، انتشله من لحظة الصدمة تلك صوت السيارة المقتربة من
مكانهما والتي وقفت بقربهما تجلس فيها امرأة استطاع التعرف
عليها بسهولة فالأضواء المنتشرة في تلك الحديقة جعلت من المكان
وكأنه ينعم بنور النهار من كثرتها ، ابتعد متراجعا عنه حين انفتح
باب السيارة ونزلت منها التي ركضت فورا جهة الجالس على الكرسي
وكأنها لم تراه أو لم تهتم لهوية الموجود هناك أو ظنته شقيقه !!
اكتفى بالتواجد تحت أغصان شجرة السنديان المتدلية كستائر
خضراء معلقة فلا يمكنه المغادرة قبل وصول رعد الذي تأخر
عنهم قبل المدينة بقليل ، لم يسأل عن السبب الذي جعلهم يتكتمون
عن خبر وصوله فلا أحد من أعمامهم ولا عائلاتهم يعلمون كما
يبدوا حتى أنه تم نقله لمنزل شقيقته وخمن فورا أنه من أجل
حالته الصحية فالرحلة لم تكن قصيرة أبدا ومعهم حق فهو يحتاج
لأن يرتاح الآن .
قبض أصابعه لا شعوريا ما أن جلست التي لم يبتعد نظره عنها
على الأرض أمام ذاك الكرسي وارتمت على ساقي الجالس عليه
تبكي بوجع .. بمرارة وبنحيب يفتت الجماد تشد بقبضتيها على
اللحاف الذي يغطي ساقيه ويده تمسح على رأسها لم تعد تعي
ولا لحجابها الذي انزلق عن رأسها وذاك الشعر البني الحريري
الذي انساب على ظهرها فأولى ظهره لهما فورا ينظر للأرض
ودس يده في جبيه يمسك ذاك المغلف بالأخرى وبدأ النصف
المفقود من الحكاية يسرد أمامه وبصوتها الباكي
" رماح سامحني أرجوك قسما لم أكن أعلم ... ليت ما بك بي أنا
وليس أنت "
غرس أصابعه في شعرها الكثيف الناعم وقال بحزن
" جليلة توقفي عن قول ذلك أنتي لم تخطئي بشيء لتعتذري ...
لا أحد ظلم في كل ما حدث مثلك فكلانا كان له حق الاختيار
فيما قرر إلا أنتي فرض الأمر عليك فرضا ، من كان ليتخيل
أن تلك اللعبة ستستمر لكل هذه الأعوام ؟ من منا كان ليتوقع أنها
لعبة مال على حساب مشاعرك وحياتك ومستقبلك ، ذلك الرجل
لم يستحقك يوما ومن المؤسف أن اكتشاف حقيقته احتاج لكل
هذه الأعوام "
ابتعدت عنه ولازالت جالسة على الأرض بركبتيها أمامه وقالت
ببكاء ونظراتها معلقة بعينيه فوقها
" قسما كنت سأرضى بأن أعيش خادمة لك للأبد لن أطالبك
بأي مشاعر نحوي ولا حقوقي كزوجة لكنك لا تستحق الفناء
لباقي حياتك مع امرأة لم ولن تحبها يوما فطلقني يا رماح فلم يعد
لذاك العقد أي أهمية "
تنفس بعمق قبل أن يقول ناظرا ليديه في حجره
" أنتي طالق يا جليلة وورقتك ستصلك غدا "
انسابت دموعها على خديها مجددا وقد تابع ولازال يتجنب النظر لها
" أنتي تستحقي رجلا أفضل من كلينا وتأكدي من أن الله لن يرضى
لك بالظلم دائما ومثلما خفتيه في نفسك سيختار لك ما يعوظك به
وأنا لن أكمل مسيرة عذابك وسأتحدث بكل ما كان سببا لزواجي بك"
وقفت حينها على طولها ودست شعرها تحت حجابها ولفته جيدا
وقالت بجدية تمسح دموعها
" لا يا رماح أنا لن أرضى بأن تلقي باللوم على نفسك وأن تكسر
صورتك كإبن للزعيم شراع أمام الناس ، أنا لم يعد لي بالرجال
حاجة ولن يؤثر بي ما سيقال أبدا وإن اتهمني الجميع بالتخلي عنك
في محنتك أيضا ولا تقلق أبدا بشأني فليست جليلة يونس من
يكسرها ثرثرات فارغة سرعان ما ستتلهى الناس بغيرها عنها ،
المهم الآن أن ..... "
وقطع حديثها السيارة التي وقفت قربهما وكانت لرعد الذي نزل
من فوره ينظر لها قائلا باستغراب
" جليلة !! "
تحرك حينها الواقف هناك وابتعد عن المكان مغادرا سور المنزل
حيث ينتظره مرافقيه في الخارج يشد قبضته على ذاك المغلف فيها
فها قد انكشف له ثلثي الحقيقة ... رجل غيره ما كان ليستطيع فك
كل ذاك التشابك وفهم حديثهما المبهم أما هو كأحد رجال مطر شاهين
المقربين لم يصعب عليه ربط جميع ألغاز تلك الحكاية ....
صديقان وامرأة وتضحية ليحتفظ له بها ثم وفي النهاية اكتشف
هذان الزوجان المرتبطان بعقد زواج مزيف أن ذاك الرجل استغلهما
من أجل المال فقط ولأعوام طويلة ... فهم ما خسرته تلك الفتاة
وعانت لكن الذي لم يفهمه هو الذي عنته بأن رماح خسره وأنها
لم تكن تعلم عنه !! كل ما يجب أن يعنيه الآن هو ما بات موكلا به
وهو فسخ ذاك العقد وليس يعلم أي أقدار هذه التي اختارته هو
خصيصا ؟ وكأنه وجد يوم غد فقط ليمجده تاريخ المحاكم فيه وهو
يوثق عقدي طلاق في ذات المحكمة .
*
*
*
مسحت عيناها مجددا ولازالوا يستمعون للحركة في الخارج
وفتح أبواب السيارات ولا شيء ظهر من خلف ذاك الباب حتى
الآن ، ما أن تحركت من مكانها حتى أمسكت بها يد الكاسر
يمنعها وقالت عمتها
" غسق لا تنسي تحذيرات رعد فلا تخرجي ويغضب منك فيما بعد "
سحبت يدها بعنف من الذي تركه معهما كتأكيد لتطبيق أوامره
وقالت بضيق
" بملابس ساترة وأرتدي حجابي فما المانع من خروجي وما سر
كل هذا التأخير ؟ "
لا تفهم ما المانع من ذلك أليس الرجال يرونها في الشارع وفي
كل مكان ؟ ثم هي لن تبكي ولن تنوح فقط يتركوها تراه أمام
عينيها وهي من كادت تفقده للأبد أيضا ولم يرحم أحد احتراقهم
في الداخل ، رفعت رأسها عاليا وأغمضت عينيها تهمس داعية
الله أن يلهمها الصبر والصمود كي لا تبكي رغم يقينها من أن
ذلك أصعب من أن تحققه ... هي غسق من تحملت الكثير بقلب
جامد وعينان صامدتان تعلن الآن هزيمتها وضعفها أمام مصائب
الحياة !! توقعت أن لقاء ابنتها ومواجهة ماضيها سيجعلانها أقوى
بكثير لكن ما تراه اليوم العكس تماما ، بل جميع ما باتت تراه
يثبت بأنها أصبحت مجرد آنية من زجاج كسرها أسهل من
الحفاظ عليها ، أنزلت رأسها وقفزت لا شعوريا واقفة وقد تبعاها
الجالسان بجانبها حين انفتح باب المنزل وما أن سمعت صوت
تحرك تلك العجلات وظهر لهم الجالس على ذاك الكرسي الذي
يسحبه رعد انهارت جالسة مجددا وخانتها قدماها ولم تستطع
أن تركض ناحيته كما فعلا عمته وابن شقيقه ونزلت تلك الدموع
ودون سابق إنذار الواحدة تلحق بالأخرى وهي تراهما يحضنانه
معا جالسان تقريبا منه على الأرض فلا عمتها التزمت بذاك
القانون ولا الكاسر أيضا والذي كان يتمسك به ويبكي بنحيب
كالنساء ، غطت وجهها بيديها وأنزلت رأسها للأسفل تكتم
عبراتها التي لم يعد يمكنها إمساكها أكثر من ذلك وأدركت حينها
فقط أن موت الشخص ودفنه للأبد أهون ألف مرة من رؤيته بنصف
حياة ، مثلما سبق وتمنت أن بقي ولو صوت والدها شراع وشقيقها
الكاسر تسمعه وإن لم تكن تراهما ، فما أقسى الحياة وما فعلت بقلب
هذه الأنثى حتى حولته لخراب .. لمدينة بات يهجرها ساكنيها الواحد
تلو الآخر تاركين بعدهم ذكراهم الموجعة في كل زاوية فيه.
" غسق "
حركت رأسها بالرفض ولم ترفعه ولم تتحرك من مكانها رغم
سماع اسمها من شفتيه وسماع صوته الهادئ بعد كل هذه
الأشهر وبعدما ظنوا بأنهم قد يفقدونه وللأبد ، صوت صرير
العجلات تتحرك نحوها هو ما جعلها تتحرر من كل ذاك
الاعتصام مع آلامها ورفعت رأسها ما أن كان أمامها مباشرة
وارتمت في حضنه تبكي بمرارة متمسكة بقميصه بقوة تخفي
وجهها في صدره وذراعاه تطوقانها بقوة وقد كسرت كل تلك
الحواجز التي بنتها بينهم منذ علمت بأنها ليست ابنة حقيقية
لهذه العائلة فلم يكن ليواسيها وقتها سوى النوم في حضنه
واستنشاق رائحته والبكاء على صدره فكم نامت هنا طفلة
وكم تعلقت بهذا الصدر ومسح كفه دموعها فلم تعرف حياتها
عائلة غيرهم ولا مثيلا لهم وما كانت تتوقع بأنها ستجد لدى
عائلتها الحقيقية ما أغدقوها هم به من عطف وحب واهتمام ورعاية .
مسحت يده على رأسها وقبله وهمس بحزن
" يكفي بكاء يا شقيقة رماح الوحيدة ، آخر صورة حملتها عيناي
لك قبل سفري هي عينيك الباكية فلما تستقبلينني بما تشبهها أيضا ؟ "
تمسكت بثيابه أكثر تدفن وجهها في صدره وقالت ببكاء
" ليتها غسق من فقدت حياتها لتهبها لك ... ليتها أنا وليس
أنت يا رماح "
قبل رأسها مجددا يحضنها بقوة يحجب الدمعة اليتيمة التي تمردت
على صلابته فأكثر ما كان يشغله ويخشاه هو لقائها هي دون
الجميع لأنه يعلم ما الذي يعنيه كل واحد منهم لها وما لقيته من
فراقهم واحدا تلو الآخر ولم يكن يخشى بكائها ولا يرفضه بل
خشي فعلا أن تكبته في داخلها كالعادة فليس يعلم كم سيتحمل
قلبها الصغير من كل ذلك ، أبعدها عن حضنه ومسح دموعها
بكفه هامسا بابتسامة
" يكفي فها قد أثبتم لي بأني مهم لديكم
" أمسكت بيده وقبلتها وألصقتها في شفتيها وعادت للبكاء
وكأنها لم تبكي يوما ولم تبكي أبدا ولم تفقد في حياتها أحدا فهذا
بالنسبة لها لا يشبهه أي شيء ولا وصول خبر موته لهم ، جلست
عمتها بجانبها ومسحت على ظهرها قائلة بحزن تمسح بيدها الأخرى
دموعها الصامتة
" أقسمت عليك بالله أن يكفيك بكاء يا غسق وارحمي نفسك "
وما أن أنهت جملتها تلك حتى قال رعد بضيق لم يكن سوى
الطريقة الذكورية في إخفاء الحزن والألم
" وكأني لم ألقي موشحا كاملا عليكم ؟ "
مسح رماح بيده الأخرى على رأسها وقال
" أتركوها أنا لست متضايقا من بكائها فمن غيرها كان يبكي
بدلا عني وأنا طفل إن ضربني والدي وادعيت الصمود "
لم تزدها كلماته تلك إلا بكاء فمد يده لوجنتيها يمسحهما قائلا
" وإن أنا من طلب منك ذلك الآن يا غسق "
رفعت يدها المرتجفة وبدأت بمسح عينيها بأصابعها الرقيقة على
صوته الباسم
" ما علمته أنه لك ابنة باتت في طولك وحسنك ولا أراك إلا لازلت
غسق ابنة الخمسة عشر عاما "
استمرت في مسح دموعها متمتمة بضيق
" لست أعلم حتى متى ستظنون أن النساء متحجرات مثلكم "
ضحك من فوره وقال
" ها هي غسق التي أعرف وأحب "
نظر بعدها حوله في المكان ثم للخلف قائلا
" أين هي جليلة ؟ "
نظروا جميعهم باستغراب جهة باب المنزل الذي لايزال مفتوحا
وهو أولهم فقد طلب منها أن لا تغادر وحدها هذا الوقت حتى
يسير خلفها رعد بسيارته ويوصلها وهي وعدته بذلك !!
كان رعد سيتحرك نحو الخارج بحثا عنها فور أن نظر له رماح
بقلق لولا أوقفه ظهورها عند الباب فجأة تنظر جانبا لشيء أو
لشخص ما في الخارج قبل أن تقول بابتسامة تحدث أحدهم هناك
" اقتربا ... تفضلي يا خالة "
بدأت نظرات الاستغراب بالتقاذف بين الموجودين هناك والتي
ازدادت بمجرد أن وقفت تلك السيدة التي قاربت الستين عاما
أمامه وما هي إلا لحظات ولحقت بها أخرى أخذت من ملامحها
الكثير فقط أنها كانت ما تزال في نهاية العشرين من عمرها تقريبا
تمسك حقيبة في يديها تنظر بحزن وشوق وشغف للشخص الوحيد
في ذاك المكان الذي استطاع التعرف عليهما ... من دار بكرسيه
جهة الباب فورا هامسا بعدم تصديق
" جهينة !! "
وأغمض عينيه فورا بألم ما أن رمت الحقيبة من يدها وركضت
ناحيته ... ما أن شعر بذاك الجسد يسقط في حضنه وتلك الذراعان
تلتفان حول عنقه وذاك الصوت الذي عشقه لأعوام واشتاقه لسنوات
يتخلل مسامعه باكيا ناحبا وهامسا بإسمه ، ما أعظم ما شعر به
حينها وما أقساه وهو يحيط ذاك الجسد بذراعيه ... سحقا للعلل
والأوجاع فلم يكن يعلم أن هذا الكرسي اللعين سيجمعه بمن ظن أنه
خسرها وللأبد ... من اختار أن يحطم أحلامهما لتسافر بعيدا عن
مكانها ... من تعلق قلبه بها منذ كانت ابنة الرابعة عشرة حين
أنقذ شقيقها عند خط الحدود الرابط بين صنوان والهازان قبل
أن توحد البلاد وقبل أن يتحول حلمه باجتماعهما بعد توحيدها
لسراب ... كانت في السابعة عشرة حين رآها آخر مرة وحين
انسكبت دموعها تقتله الواحدة تلو الأخرى وهو يترجاها أن تتفهم
أسبابا لم يستطع شرحها لها بسبب ذاك الوعد البائس والصديق
المزيف ، حاول أن يقنعها بأن تتفهم ظروفه وبأن تنتظره فقط
لفترة لم يستطع هو نفسه تحديدها لكن ذاك القلب الصغير المعلق
به لم يستطع استيعاب أن تأخذ امرأة أخرى مكانها ولا أن تغفر
له أن يتزوج بغيرها بل وأن تعذره من دون أسباب فبعد كل تلك
الأعوام التي انتظراها وكل تلك الوعود التي قطعها بأنها لن تكون
لرجل غيره ولا امرأة أخرى تأخذ مكانها تلوث الوعد بالواقع
وتهادت الأحلام كالسراب فكان رد فعلها قاسيا عليه كما على
قلبها المتيم به فرفضت سماع كل ما يريد قوله ... يذكر كم
شتمته وقتها كم صرخت في وجهه واتهمته بالخداع وكم بكت
أمامه وبعد رحيله ... رفضت انتظاره أجل لكنها لم تستطع أن
تكون لرجل آخر غيره ، أخبرته في رسالة ما أن سمعت خبر
زواجه بأنها تزوجت من غيره لكنها لم تصدق في ذلك أبدا ،
غادرت البلاد ووالدتها وشقيقاها بعدما قطعت عليه أي أمل في
محاولة البحث عنها وهو من أصبح ابن رئيس البلاد ومن لن
يصعب عليه إيجادها لكن فكرة أنها أصبحت زوجة لرجل آخر
ولا حق له ولا في البحث عنها كبله للأبد وقتل حلمه الوحيد وكل
هذا من أجل ... صديق ، ظنه لأعوام أقرب له من أشقائه ..
من حمل معه سره ذاك بل ومن ساعده مرارا في مقابلة تلك
الحبيبة من خلف الحدود ومن كاد ذات مرة أن يموت من أجله
فحمل له ذاك الجميل دائما فما استطاع رفض رجاءاته ولا دموعه
التي لم يراها يوما وهو يستجدي مساعدته من أجل حبيبته أيضا
الفتاة التي رفضه أهلها لأنه لا مستقبل له كما يقولون رغم أنه
وعده بأن يساعده والده لكن ذلك لم يكن ما يتطلع له بل السفر
والدراسة والعيش في الخارج كالملوك بينما يحتفظ هو له بتلك
الحبيبة التي كثر خاطبيها منذ قاربت العشرين عاما ليصبح
العامان أربع فخمس فسبعة أعوام وكل عام بحجة جديدة وعذر
جديد إلى أن كشف عن لعبته وضمن بأنه لن يستطيع أحد أن يتسبب
له بأي ضرر هناك ... لا ذاك أبدا لم يكن صديقه الذي كان يعرفه
ومن ضحى بنفسه من أجله ... حتى معدله الدراسي في أول عام
درس فيه هناك كان مرتفعا ثم لم يعد يعلم ما حدث ؟ ما الذي سلبه
مبادئه وأخلاقه بل وقيمه الإنسانية ؟ النساء أم الخمور أو القمار أم
جميعها معا ؟ .
مسحت يده على رأس المتمسكة بحضنه حتى الآن تبكي دون
توقف وهمس بوجع
" سامحيني يا جهينة "
تمسكت بعنقه أكثر تدس وجهها فيه وقالت ببكاء
" لما لم تخبرني يا رماح ؟ لما أخفيت الحقيقة عني وقتها ؟ لما
جعلتني أكذب عليك وأخسرك وقلبي معك للأبد "
احتضنها أكثر وخبأ وجهه في قماش حجابها الناعم ونزلت الدموع
التي لم يعد يملك عزما ولا قوة على إمساكها فكان مشهدا أبكى من
حولهما فإن جهلت عمته والكاسر حقيقة ما يجري ومن تكون تلك
الفتاة المتعلقة به كتعلق الطفل بوالدته والسقيم بالحياة فلن يجهل
هويتها البقية وإن لم يروها يوما .
*
*
*
حركت الملعقة في كوب قهوتها بقوة فهذه ثالث ملعقة سكر
تضيفها وليست تفهم متى سيتحسن طعمه في حلقها !
تشعر برأسها سينفجر من الصداع في صدغيها وبعيناها
تؤلمانها وكأنها لم تنم فترة أسبوع كامل .
مررت السكين المليء بالزبدة على قطعة الخبز المحمصة لحظة
سحب ساندرين للكرسي بجوارها وجلوسها عليه ولحظة جلوس
والدتها في الكرسي المقابل لهما بعدما وضعت صحن الفطائر
الساخنة في المنتصف وقالت وهي تسكب لنفسها كوب شاي
" ماريه تبدين لي شاحبة اليوم ؟ إن كنت متعبة فلا تذهبي "
رفعت غرتها بأصابعها وحررتها سريعا لتبتعد قليلا عن وجهها
ثم رشفت من كوب قهوتها وقالت وهي تضعه مجددا
" لا تقلقي عمتي فأنا فقط لم أنم البارحة ، سأشرب القهوة
وسأكون بخير فلا يمكنني التغيب عن الجامعة اليوم أيضا "
قالت الجالسة بجوارها تمسك ضحكتها
" وما سبب سهرك طوال الليل هكذا ؟ "
وضعت كوب القهوة الفارغ وقالت ببرود
" لأن هذا يحدث معي دائما حين أزور مكان وعالم جديدين
وغريبين عني صباح اليوم التالي ، يكفيك هذا الجواب أم تريدين
المزيد آنسة ساندرين ؟ "
ضحكت الجالسة مقابلة لهما وقالت
" هي كانت تعاني من ذات الحالة سابقا ولاتنام الليلة التي تسبق
أول يوم في كل عام دراسي جديد ، وفي طفولتها إن أردنا الذهاب
للبحر أو التنزه لا نخبرها حتى صباح ذاك اليوم كي لا تمضي الليل
مستيقظة "
وقفت ساندرين على صوت ضحكتهما المشتركة ورفعت حقيبتها
قائلة بضيق
" بسرعة سيدة ماريه أو سأذهب وحدي وأتركك "
وقفت من فورها وحملت سترتها وحقيبتها ودارت حول الطاولة
حيث الجالسة هناك والتي رفعت وجهها لهما قائلة بابتسامة
" قبلة الوداع إذا يا جميلتاي ويوما سعيدا لكما "
قبلتا خدها بالتتابع ضاحكتين وكان عليهما المرور أيضا بالجالس
قرب الواجهة الزجاجية يشرب قهوته والجريدة الصباحية بين
يديه والذي ناداهما مبتسما
" لا تنسيا العجوز المسكين "
قبلت ساندرين خده بقوة متعمدة وقالت مبتسمة
" هذا ليكون يومي رائعا "
قال ضاحكا ما أن ابتعدت عنه
" أتمنى أن يكون سيئا كي لا اضطر لتحمل هذه القبلة المتوحشة
كل صباح "
ضحكتا معا وقبلت ماريه خده برقة قائلة
" أنا هكذا سيعجبني يومي كيفما كان ... أراك بخير عمي "
قال مبتسما
" حظا موفقا حلوتي "
وغادرتا من فورهما على حديث ساندرين وضحكاتها التي لا
تتوقف ، كم هو رائع ذاك الجو العائلي الحميم الذي ينعمون به
والذي يحاولون إشراكها فيه بكل صدق لتشعر بأنها فرد منهم
وجزء مهم من عائلتهم ، كانت تحلم دائما بهذا وتتمناه لكنها
ليست تعلم لما تغير كل شيء منذ عاد تيم ورأته مجددا ؟
لما أصبحت تشعر بعالمها باهتا من دونه مهما كان جميلا !
ركبت السيارة وأغلقت بابها على كل تلك الأفكار فعليها تركها
هنا فيكفيها ما حدث معها البارحة وهي تخرج كالبلهاء تبحث
عنه في الحديقة المظلمة ، كيف استطاعت تصديق دعابة كتلك
وأنه قد يكلف نفسه بالمجيء من أجلها ؟ كيف تركت عقلها
المريض به يخدعها هكذا لتتوهم كل تلك الأشياء وكأنها حقيقة !
تبا لها من غبية حمقاء مغفلة ... ليست تعلم ما كان سيحدث
وما كانت ستقول إن لم تجد هاتفه مغلقا ما أن عادت لغرفتها
وأمسكت هاتفها بكل ذاك الغضب وجربت الإتصال به ؟
أجل فهو ينام قرير العينين يرفض أي إزعاج بينما هي الحمقاء
لم تستطع النوم فقط لأنها سمعت صوته وأنفاسه ومن دون
حتى أن تراه .
رفعت غرتها بعنف متأففة وبدأت بالطرق على إطار نافذة
السيارة بأصابعها بتوتر فقالت الجالسة خلف المقود
" لا داعي للتوتر هكذا ماريه صدقيني سيعجبك المكان
وستتأقلمين بسرعة "
تنهدت متمتمة ونظرها للخارج
" أتمنى ذلك "
كانت المسافة التي استغرقتاها للوصول نصف ساعة فقط
مع تلك القيادة المجنونة للجالسة خلف المقود فقد استقرت
تلك الكلية منذ بداية القرن التاسع عشر في مدينة كامبردج
لتنظم لجامعة لندن والمسافة حتى هناك حوالي الثمانون
كيلوا مترا شرقا ، وما أن دخلا المدينة حتى سرق نظرها
كل ذاك الجمال الخارق للوصف فلطالما سمعت عن هذه
المدينة المطلة على البحر والتي يعبر خلالها نهر كام فهي
تدل على الكثير من مظاهر الحضارة الانجليزية والتقدم الحضاري
الذي وصلت إليه المملكة على مدار عصور وقرون متعاقبة
فتاريخها يعود لعصر الإمبراطورية الرومانية وهي مدينة
جامعية يقصدها الآف الطلاب سنويا .
تنفست بعمق ذاك الهواء المنعش المشبع بالماء ورائحة
الأرض الخضراء المتدفق عبر النافذة المفتوحة وهمست بانبهار
" كل شيء هنا رائع "
وصلها صوت ساندرين قائلة بابتسامة
" لازال هناك ما هو أجمل بكثير وما أن نخرج من الجامعة
سنتسكع في المدينة لباقي النهار بما أننا أخذنا الإذن من والدي
فثمة مطاعم عربية رائعة هنا وسنتناول الغداء في إحداها أيضا "
أومأت برأسها موافقة دون أن تعلق أو أن تبعد نظرها عن
معالم تلك المدينة تشعر بتوترها قد اختلط بحماس قوي لا تفهمه
ولم يعد يمكنها تخيل كيف سيكون المزيد ذاك الذي تتحدث
عنه ولا الجامعة التي سيقصدانها فمثلما أن المدينة وجدتها
مختلفة عن الصور التي رأتها عبر الانترنت فالجامعة ستكون
كذلك بالتأكيد .
" والدي يرى أن تكون لديك سيارة "
أبعدت نظرها عن النافذة لأول مرة منذ دخلتا المدينة ونظرت
للجالسة بجانبها والتي نظرت لها بدورها قبل أن ترجع بنظرها
للطريق أمامها قائلة
" ويرى أيضا أن يأخذ رأي زوجك "
شدت قبضتاها على حقيبتها لا إراديا ثم نظرت لهما في حجرها
وتمتمت ببرود
" يأخذ رأيه لما ؟ الأمر يخصني أنا وليس هو "
حركت تلك كتفيها وقالت
" وأنا هذا كان رأيي لكن والدي لم يقتنع وقال بأنه إن لم يعجب
الأمر ابن كنعان ذاك لاحقا فسيغضب ويبدوا أن والدي يعلم جيدا
معنى أن يغضب ذاك الهازاني الجلف "
تنفست الجالسة بجانبها بعمق ولم تعلق فضحكت تعض طرف
لسانها وقالت
" أنسى دائما أنه عليا أن لا أسيء لزوجك أمامك لكني لن أتنازل
عن منحه تلك الألقاب حتى يظهر عكسها وساندرين وراءه وسيتغير
رغما عن أنفه "
نظرت جهة نافذتها وابتسمت بمرارة فهذه الفتاة إن كانت تعرفه
مثلها منذ كان صغيرا ما كانت تسلحت بكل تلك الثقة ، عادت
بنظرها ليديها وقالت بجمود
" حسنا وإن غضب ما الذي سيفعله مثلا ؟ فليغضب كما يحلو له "
ضحكت ساندرين من فورها قائلة
" لن يأتي لمنزلنا طبعا ليعبر عن غضبه القاتم ذاك ولن يأخذك
أيضا بعيدا عنا لكنه سيتحفك بالتأكيد بسماع صوته الرومانسي
العذب في مكالمة تشبه تلك التي تكرم عليك بها البارحة "
حركت قدمها بضيق قائلة
" ليجد حلا إذا لتنقلي بين لندن وهنا فلن اتعب نفسي بالركض
خلف سيارات الأجره ولا السير حتى المحطة لركوب الحافلات ،
أو أنا من ستتحفه بسماع صوتها العذب هذه المرة "
ضحكت ساندرين كثيرا وأوقفت السيارة أمام سياج حديدي
مرتفع تحيط به الأشجار من جانبيه في تداخل غريب ومدهش
وقالت هي تفتح باب السيارة وتنزل منها
" سيغضب حينها بالتأكيد لأنك اتصلت به ولم تراسليه كما أمر ،
هيا وصلنا لعالمك الجديد الرائع ماريه "
تنهدت بضيق ولم تعلق ونزلت أيضا مغلقة بابها وتبعتها فورا
وقد اجتازتا ذاك السياج المرتفع والمساحة الخضراء الواسعة
خلفه لتجد نفسها أخيرا أمام عالمها الجديد كما وصفته وكان
المكان وكما توقعت مختلف تماما عن كل تلك الصور التي شاهدتها ...
المبنى المرتفع بلون الحجر الطبيعي النوافذ الطويلة المقوسة
واتساع ذاك المكان بشكل الذي يثير نوعا غريبا من الرهبة
والفضول ، وما أن كانتا في الداخل حتى اتضح لها الاختلاف
الحقيقي عن مخيلتها وهي ترى تجمعات الطلبة الذين يملؤون
المكان ... شبان ببذل رسمية وحقائب حواسيب أو ملابس أنيقة
مرتبة وفتيات لا يختلفن عنهم في ذاك المظهر والأغلبية يكبرونها
بكثير ! أجل كيف نسيت أن أغلب التخصصات هنا هي للدراسات
العليا وأن خريجي تلك الجامعة يحملون شهادة الماجستير
والدكتوراه وأن من هم في مثل سنها قلة أمامهم وجميعهم
طلبة متفوقون أو ما كان قد تم قبولهم هنا ، تحركت الواقفة
بجانبها ناحية الداخل فتحركت معها تنظر لهدفها المحدد وهي
لوحة الإعلانات الضخمة كي لا تلهي نظرها بما حولها وتقع
على وجهها كما حدث معها عندما دخلت المدرسة لأول مرة في
حياتها في بلدتها الصغيرة ( توز ) في ذاك اليوم سرق انتباهها
الأطفال الذي كانوا يلعبون في دائرة يمسكون بأيدي بعضهم
فتعثرت بحجر في طريقها ولم تشعر بنفسها إلا ووجهها
في التراب ليملأ بكائها المرتفع المكان ، فكان عليها أيضا أن
تتلقى توبيخا معتبرا من الذي دخلت تسير برفقته قبل أن
يتحول كل ذاك التوبيخ الغاضب لمحاولات مضنية لإسكاتها
ينفض عن ثيابها التراب ويمسح دموعها بكفه ، ابتسمت
بحزن بل وبألم ومرارة وهي تتذكر كل ذلك وكلمات والدته
تلك المرة ( الرجال الصامتون أمثاله يصبحون متعبين جدا
مستقبلا يا ماريه ) فليتها رأت ابنها ذاك أي رجل أصبح وقد
فاق جميع تكهناتها
" جميل محاظرتك كما هو وقتها في الجدول لديك وأمامنا بعض
الوقت لنتعرف على المكان "
نظرت للتي كانت تشير بإصبعها على اللوح الزجاجي والتي
سحبتها من يدها قائلة
" تعالي لتري أجمل مكان هنا "
تبعتها شبه راكضة بسبب سحبها لها وهمست معتذرة من الشاب
الذي اصطدمت بكتفه وقد أومأ لها مبتسما ومتابعا طريقه .
" ساااندي "
وقفتا كلتيهما واستدارتا فور سماعهما لذاك الصوت الرجولي
المنادي بصوت مرتفع لحظة اقتراب الذي كان يجتاز شخصين
مارا بينهما ليصل لهما فأسرعت ساندرين نحوه وحضنته مقبلة
خده على نظرات ماريه المستغربة وقد قال لها
" كيف أنتي يا مشاغبة ؟ "
سحبته جهتها قائلة بابتسامة
" لو أردت الاطمئنان علي لكنت زرتني يا كاذب "
وما أن وصلا لها حتى قالت ساندرين
" هذا كين شقيقي يا ماريه "
فابتسمت له من فورها وهمست " سررت بمعرفتك "
فمد يده لها مبتسما فصافحته بعد تردد للحظة وقال بابتسامة مرحة
" أنتي بالتأكيد ماريه التي حدثني زوج والدتي عنها ، أنتي أجمل
مما كنت أتوقع بكثير "
سحبت يدها منه بحياء وضربته الواقفة بجانبه على كتفه قائلة
" أمسك لسانك عنها لأنها متزوجة ولا أريد أن أقول لك من
يكون زوجها ذاك "
دفعها من وجهها بيده وقال بضحكة
" أعلم من يكون إنه قريبك الذي لا يعترف بك أبدا "
نظرت له بحنق تمسك وسطها بيديها على نظرات الواقفة
أمامهما مبتسمة فيبدو أن شقيقها يشبهها في أشياء كثيرة من
ناحية الطباع بما أنهما متناقضان تماما في شكليهما فبينما
ساندرين ذات شعر أشقر وعينان عشبية وإن كانت تخفيهما
فشقيقها بشعر شديد السواد وعينان واسعة سوداء أيضا ،
له أنف مستقيم مقوس قليلا بطريقة رجولية مميزة وشفاه
محددة وشارب ولحية خفيفان وبشرته تراها فاقت شقيقته
بياضا بدرجات رغم بياض بشرتها وكان له طول معتدل كجسده
تماما فهو بالنظرة الشاملة شاب وسيم ومرح أيضا يمكنه أن
يخطف قلب أي فتاة وبكل سهولة .
" أنتي طالبة هنا كما فهمت ؟ "
استفاقت لنفسها ولسرحانها في ملامحه وأبعدت نظرها عنه
للأسفل وقالت
" أجل وهذا يومي الأول هنا "
رفع كفه وقال مبتسما
" جميل إذا ستتاح لي فرصة أن أعرفك على المكان بطريقتي "
أمسكت ساندرين بيدها وقالت
" شكرا لكرمك كين لكن ماريه برفقتي ونرفض أي إزعاج ذكوري "
أمسك بيدها الأخرى وسحبها منها قائلا
" تعالي سأعرفك بأشخاص سيفيدونك أكثر من هذه المتهورة
الحمقاء "
وسار يسحبها معه مستسلمة فلا حيلة لها في كل هذا بينما
تبعتهما شقيقته قائلة بحنق
" كين ابتعد عن الفتاة فورا "
التفت لها وهما يسيران أمامها قائلا بضحكة
" انتهت وظيفتك يمكنك المغادرة "
لكنها لحقت بهما وسارت معهما قائلة بضيق
" في منامك يا أحمق "
فضحك ولم يعلق ولازال يمسك بيد التي تسير مسرعة لتجاري
خطواته ولم تترك نظراتها كل تلك التجمعات الطلابية وتستغرب
أن صراخ هذين الأخوين لم يلفت انتباه أحد منهم !!
وهذا أول اكتشاف لها عن طباع الناس هناك
( ما لا يخصك لا يعنيك )
وصل بها عند مجموعة فتيات ووقف حيث التفت الجميع له
وقال مبتسما
" صباح الخير يا جميلات "
وبدأت كل واحدة منهن برد تحيته وقد اندمج معهن سريعا وقد
لاحظت أن أغلبهن كن يعرفن اسمه وكيف تستغرب ذلك إن كان
كما قالت شقيقته عضو مهم في اتحاد طلبة الكلية أي أن الجميع
هناك تقريبا يعرفه .
دمجها في الحديث معهم سريعا وإن كان بكلمات قليلة وعلمت
أنهم يدرسون في السنة الثانية الآن وفي ذات تخصصها وقد
بدأن بسرعة يبدين استعدادهن لمساعدتها متى أرادت فقد
لاحظت أن هذا الشاب يملك سحرا مميزا خاصا به ليس من
ناحية وسامته وشكله الخارجي فقط بل وليونته ولباقته ومرحه
وكأنه يملك عصى سحرية يجعل من حوله رهن إشارته في لحظات .
*
*
*
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــع
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 83 others like this.
رد مع اقتباس
#3867
قديم 01-11-17, 09:11 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
نظرت مبتسمة والدموع تملأ عينيها للجالسان بعيدا عنهم
يتحدثان بهمس ويديه تمسكان بيدها بقوة يمسح بين الحين
والآخر تلك الدموع التي تنساب على وجنتيها المحتقنتان
بالدماء منفصلان تماما عن كل ما حولهما لا يهتمان لوجود أحد
ولا والدتها الجالسة تحاول الانسجام مع ما قد تقوله هي أو عمتها ،
لا يمكن لأحد أن يلومهما فما حدث معهما يحتاج لأن يجلسا دهرا
ويتحدثان فيه ، مسحت دمعة جديدة تغلبت على حاجز تلك الرموش
السوداء الكثيفة ومررت أناملها بنعومة على شفتيها تهمس بحزن
حامدة الله على الهدية التي منحها لشقيقها الليلة تحديدا ، لم تستوعب
حتى الآن كل ما حدث وكل تلك الألغاز والمفاجآت التي تفجرت هنا
فمن كان يصدق أن وراء زواجه من جليلة وتركها بعيدة عنه
وصمتها هي عن الأسباب كل هذه القصة المليئة بالتعقيدات !
هي تعلم مسبقا أن جليلة إنسانة كتومة للغاية وإن استأمنها
أحدهم على أي أمر وإن قتلوها ما أدلت به ولم تستغرب
تصرفها ذاك بعد أن علمت أن رماح طلب منها ذلك فلم تخبرها
ولا هي صديقتها المقربة وابنة خالتها عما حدث ...
كم عانت تلك الفتاة وتحملت وآخر ما طعنها به ذاك الوغد أن
أخبرها متبجحا بأنه السبب في فراق رماح عن حبيبته فقط
ليكمل مخططه وهذا ما كان مخفيا عن جليلة تماما ولم تعرفه
إلا بعد حادث رماح وسفره ، بقدر سعادتها بلقاء شقيقها لحبيبته
أخيرا تشعر بالأسى على ابنة خالتها التي اختارت أن ترمي
بنفسها فريسة لأحاديث الناس من جديد ، فإن كان الجدل لم
يتوقف يوما حول زواجها الصوري برماح فما ستكون النتائج
الآن إن هو تزوج بتلك الفتاة بعد أن طلقها وأي ثوب هذا الذي
سيلبسها إياه الناس من جديد وبأي لقب ستلقب ؟
تنهدت بأسى فإن كان بإمكانها فعل شيء لأجلها لفعلته لكن
ما حيلتها وهي من رفضت وبإصرار أن يتحدثوا عن حقيقة
ما حدث ومعها حق في ذلك فالألسن لن ترحمها في كلا الحالتين
وتعرف ابنة خالتها جيدا لن يكون رفضها إلا لسبب واحد وهو
رماح وليس نفسها فهي ما أن أوصلت تلك الفتاة ووالدتها إلى
هنا غادرت حياتهما وللأبد رافضة حتى المكوث معهم لبعض
الوقت ورعد ما أن أوصلها لم يرجع أيضا وكأنه يتعمد الابتعاد
عن المكان قدر الامكان .
نظرت للذي يتكئ بخده على يده ويتثائب من الحين للآخر
وقالت مبتسمة
" كاسر لما لا تصعد لتنام قبل أن تقع على وجهك "
ضحكت جويرية بينما اكتفت ضيفتهم بابتسامة صغيرة وقال
هو بضيق
" أمي هل يعجبك هذا ؟ "
قالت جويرية مبتسمة
" لن ينام طبعا خشية أن يفوت شيئا "
ابتسم من فوره وكأنه لم يكن مستاء منذ قليل وقال
" أجل فلسنا نشاهد هذا كل يوم "
وضعت عمته كفها على فمها تنظر له بصدمة بينما أخفضت
المرأة نظرها للأسفل في صمت وتجهم ولم تخفى عنه نظرة
غسق الغاضبة أبدا فقفز واقفا وقال
" يبدوا أنه عليا النوم فعلا ، سعدت جدا بالتعرف عليك يا خالة "
وغادر المكان مسرعا وكأنه لم يكن يعترض منذ قليل ، وقفت
الجالسة بجانبها وقالت تنظر لابنتها هناك
" جهينة علينا المغادرة الآن "
وقفت تلك من فورها مع وقوف غسق وعمتها قائلة
" الوقت متأخر فأين ستغادران الآن ؟ اقضيا الليلة هنا وغدا
يمكنكما المغادرة حيث تريدان "
قالت من فورها
" شكرا لكرمك يا ابنتي لكننا سنقضي الليلة في الفندق وعلينا
المغادرة باكرا والسفر سيأخذ منا وقتا فأبني مريض ولا يمكنني
تركه لوحده لوقت طويل مع شقيقه وزوجته فأبنائهما مشاغبون
وسيتعبونه "
قالت غسق بإصرار ودون يئس
" وإن يكن تناما هنا الليلة وغدا تسافرا فالوقت تأخر على خروجكما
وحيدتين تجوبان فنادق المدينة "
أدار الجالس هناك كرسيه ناحيتهم وقال
" غسق اطلبي من الحراس أخذهما ولن يصعب عليك إيجاد فندق
مناسب لهما الليلة والفنادق هنا ملك لمملكتك جميعها ، علينا احترام
رغبتهما في المغادرة "
تنهدت باستسلام ورفعت هاتفها من الأريكة وتحدث مع الحراس
في الخارج وما هي إلا لحظات وكانت تلك الفتاة ووالدتها يودعونهم
وقد غادرتا كالحلم مثلما دخلتا ولم تخفى عنها نظرة الحزن التي
لمحتها في عيني الذي لم تتركهما نظراته حتى أغلق الباب خلفهما
ولا أن تلك الفتاة لم تودعه ولا بكلمة قبل خروجها ! توجهت جهته
وحركت الكرسي به قائلة
" وأنت أول من عليه أن ينام ويرتاح وصباح الغد سيكون لديك
كرسي كهربائي بدلا من هذا لتتحرك به بحرية "
وصلت به غرفته في الطابق السفلي وأدخلته لها فقال ما أن وصلت
به جهة السرير
" شكرا لك يا غسق يمكنني الاعتناء بنفسي لا تتعبي نفسك
شقيقتي "
حركت رأسها بالرفض فتنهد بعجز وقال
" حسنا عليا دخول الحمام أولا فهلا ابتعدت عن طريقي "
ابتعدت قائلة بضحكة
" أجل وسأنتظرك هنا "
وما أن أغلق باب الحمام خلفه انتقلت لسريره وأبعدت الأغطية
عنه وعدلت له وضع الوسائد تكابد الدموع التي تقاطرت رغما
عنها على تلك الأغطية البيضاء وهي تسمع صوت أنينه المتألم
من خلف ذاك الباب الأصم وهو يحاول تحريك جسده عن ذاك
الكرسي ، وقفت على طولها تمسح الدموع التي ترفض التوقف
لا تريده أن يخرج ويراها لأنها تعلم بأن جل ما يحتاجه رجل في
حالته أن يشعر بأن جميع من حوله أقوياء ويتصرفون وكأن شيئا
لم يتغير لكن هذا فوق طاقة احتمالها ولم يعد يجدي استجدائها
الفاشل لدموعها لتتوقف حتى تختلي بنفسها وتستسلم وحيدة
هناك لآلامها وحزنها ، مسحت عيناها بقوة وأدعت الانشغال
بدرج الطاولة بجانب السرير ما أن انفتح باب الحمام خلفها
وقالت تتجنب النظر له
" هنا وضعت كل ما قد تحتاجه وهذا الجهاز موصول بغرفنا
نحن الثلاثة أنا وعمتي والكاسر ، زر غرف الحراس في الخارج
لوحده هنا ، زر غرفتي هو الأول وسأكون لديك ما أن تضغطه
وفي أي وقت كان "
وما أن سمعت صوت العجلات قد أصبحت قرب السرير دارت
خلف الكرسي وعدلت وضعه بجانبه قائلة وهي تمسك بمسنده
الحديدي
" هذا يمكن إنزاله هكذا وبذلك سيكون بإمكانك التنقل منه للسرير
متى شئت فالسرير مصمم بنفس ارتفاعه "
وتابعت تمسك بيده وذراعه
" هيا سأساعدك هذه المرة "
انتقل له بمساعدتها وما أن انحنت لترفع له ساقيه قال
ممسكا يدها
" شكرا لك يا غسق أستطيع وحدي فعل هذا "
وقفت على طولها وتركته يرفعهما بنفسه تكابد الألم والدموع
وهي ترى صعوبة الأمر عليه والجهد المضني الذي بذله دون
يئس ، غطت ساقيه باللحاف وقالت
" ما أن تستلقي سيكون سحبه فوق جسدك سهلا هكذا "
ثم استوت واقفة مجددا ، تعلم بأنه لا يمكنه النوم بهذه الثياب
لأنها ليست مريحة لكنها تعلم رده جيدا إن هي قالت هذا ورعد
يبدوا قرر المبيت خارج المنزل أو أنه غادر العمران منذ وقت
وعمتها لم يخفى عليها من وجهها أن ضغطها مرتفع وتكابر فقط ،
توجهت للخزانة وأخرجت قميص بجامة النوم التي اشترتها له
مع باقي الثياب الجديدة واقتربت منه قائلة
" هذه سترتاح فيها أفضل من هذا القميص يا رماح والاعتراض
ممنوع "
تنهد بضيق واستسلم لعنادها لأنه يعرفه جيدا فساعدته على نزع
قميصه وإلباسه إياها ثم جلست على الكرسي الذي تركه منذ قليل
تمسك قميصه الذي نزعه بين يدها وقالت تراقبه وهو يغلق
الأزرار ونظره على ما يفعل
" رماح ماذا قررتما أنت وجهينة ؟ لم يعجبني طريقة رحيلها أبدا ،
لا تكن قسوت عليها يا شقيقي ؟ "
أغلق آخر زر واتكأ لظهر السرير متنهدا بتعب وقال ناظرا
للأعلى بشرود حزين
" ما ذنبها يا غسق تفني باقي عمرها مع رجل كسيح مثلي كل
ما ستفعله هو خدمته طوال اليوم ، حتى إن أراد كوب ماء
سيكون عليها جلبه له "
كابدت دموعها بكل إرادة وعزيمة وقالت معترضة
" ليس صحيحا ما تفكر فيه يا رماح ، جهينة تحبك ولن تتضايق
من ذلك أبدا مادامت بقربك ، لما ترفضون أنتم الرجال رؤية
الأمور كما نراها نحن النساء ؟ "
أمال رأسه قليلا ونظر لها وقال
" لأنكم تنجرفون خلف العواطف يا غسق ثم تكتشفون وسريعا
جدا فضاعة ما أقحمتن أنفسكن فيه عكسنا نحن الرجال نحكم
العقل مهما ألحق الأمر ضررا بأنفسنا لكن الأمر سيصب في
مصلحة المرأة نهاية الأمر مهما رفضت الاعتراف به "
شدت قبضتيها على قماش قميصه بينهما وقالت بضيق
" مخطئ يا رماح فليس أي قرار يتخذه الرجال يكون سليما
ويصب في مصلحة المرأة "
قال من فوره
" إن كان يحبها فبلى "
كانت ستعترض فقاطعها بجدية
" لا أريد أن يكون قرارها بدافع شفقة أكثر من كونه بدافع
الحب يا غسق ، أعلم أن جهينة أحبتني في الماضي وبقوة لذلك
أريد أن تكون تلك المشاعر ما يدفعها نحوي الآن وليس أملا
كسيرا في أن أسير مجددا "
حركت رأسها برفض وقالت والدموع تملأ عينيها
" لكنك قد تسير يوما يا رماح فثمة أمل "
أبعد نظره عنها مجددا وقال بسخرية تنطق مرارة
" لا تحاولي الكذب على نفسك وإيهامي بذلك يا غسق فأنا أعلم
بكل ما قاله الأطباء "
قالت من فورها
" لكنك تشعر بهما يا رماح ، ولما كل هذه الأدوية التي ألزموك
بالتقيد بها إن لم يكن ثمة أمل "
همس ببرود وكأن الأمر يخص شخصا غيره
" مجرد وهم يحاولون غرسه في قلوب مرضاهم ليعيشوا على
الأمل وإن كان ميتا ، ثم أنا راض بقضاء الله ولم ولن
أعترض عليه "
مسحت عينيها بظهر كفها بقوة تحاول منع الدموع من التسرب
منهما وقالت بحزن
" لكنك تظلمها بكل هذا يا رماح وستتركها تضيع منك مجددا ،
لو لم تكن تحبك ما كانت لتختار البقاء معك وليس ثمة شيء
كان سيجبرها على فعل ذلك وما كانت لتقطع كل هذه المسافة
من أجلك ولا لتتفهم موقفك من تركها كل هذه الأعوام وتغفر لك "
نظر لعينيها وقال مباشرة
" إن كنت مكانها أكنت ستغفرين يا غسق ؟ "
نظرت له باستغراب وكانت ستتحدث فقاطعها قائلا
" لو شرح لك مطر شاهين أسبابه هل كنت تغفرين له بدافع
الحب يا غسق مهما كان عظيما في قلبك ؟ "
نظرت له لبرهة بصدمة قبل أن تقول
" وما علاقة هذا بموضوعك وجهينة ؟ "
قال من فوره
" أجيبي عن سؤالي يا غسق هل تغفرين له إن قدم لك أسبابا قوية "
وقفت على طولها وقالت
" لا أسباب تشفع له يا رماح وما فعله بي ابن شاهين يختلف عما
حدث معكما ولا وجه مقارنة أبدا "
قال بجدية
" بل الوضع هو ذاته فهل سيكون قرارك كقرارها يا غسق ؟ "
غادرت من عنده دون أن تجيب وقالت وهي تغلق الباب خلفها
" جل ما أتمناه أن لا تظلمها مجددا يا رماح فجراح المرأة لا
تندمل بسهولة يا شقيقي "
وغادرت مغلقة له خلفها فرفع رأسه ونظره للسقف وأغمض
عينيه وتنهد بعمق هامسا
" بت أفهم لما يرفض ذاك الرجل شرح أسبابه لك يا عنيدة "
*
*
*
خرجت من عنده تمسح الدموع التي تمردت عليها من قبل
أن تصل لغرفتها وتعطيها الإذن ففوق شعورها بألمه وعجزه
كسرها بقراره رفض حبيبته التي عاش وفيا لحبه لها لأعوام
طويلة وحرم منها وفاء لصديقه ، وصلت بهو المنزل لحظة ما
انفتح الباب ودخل منه رعد و أغلقه خلفه فقالت تنظر له
باستغراب
" ظننتك ستنام خارجا أو أنك غادرت المدينة ؟ تأخرت
كثيرا يا رعد "
وصل عندها وقال وهو يمسح بطرف سبابته الدموع
من رموشها
" أردت أن أبتعد قليلا تعلمين كيف هو الوضع ، ثم ألم أنهاكم
عن البكاء أمامه ؟ لا تشعروه بشفقتكم يا غسق بل بقوتكم فهذا
ما سيفيده "
أنزلت نظرها لقميصه بين يديها وقالت بحزن
" رفض الفتاة التي يحبها وجاءت من أجله بسبب اللعنة المسماة
شفقة ، ظلمها يا رعد وظلم نفسه معها "
وصلها صوته الهادئ فورا
" من الطبيعي أن يشعر بهذا يا غسق فلا تلوميه فأي رجل مكانه
سيقرر ذات القرار "
رفعت نظرها له مجددا وقالت بحزن وعيناها تمتلئ بالدموع مجددا
" لكن لما و كثيرغيره في مثل حالته تزوجوا ولهم أطفال ؟
هل حالته لا تسمح بذلك ليرفض أن تكون له مجرد ممرضة ؟
" لم تخشى يوما من شيء كخشيتها من جوابه ذاك الوقت حتى
أنها شعرت بقدميها تخونانها وهي تترقب ما سيقول وقد أخفض
رأسه ونظره وقال
" بلى يمكنه ممارسة حياته وبشكل طبيعي ، حمدا لله أن الضرر لم
يصل لأن يشمل نصفه السفلي كاملا لكان فقد حتى التحكم في بوله "
شعرت بقلبها انقبض رغم ارتياحها لجوابه وحمدت الله على كل هذا ،
تعلق نظرها بعينيه وقالت بتوجس
" حتى أنه دخل الحمام بمفرده ... هل يعني هذا مؤشرا جيدا
يا رعد ؟ "
حرك رأسه بعجز وقال
" كلام الأطباء كان متناقضا ولن تعرف فيه الصواب من الخطأ
بسهولة فالإصابة تضررت منها الفقرات السفلى والانقطاع في
الحبل الشوكي كان جزئيا فلم تعد تصل إشارات الدماغ لساقيه
بالكامل ولم يصل الضرر لمنطقة الحوض ، بعض الأطباء قالوا
أن المشكلة الأساسية قد تكون في أعصاب الدماغ المختصة
بحركة الجزء السفلي نتيجة الضربة القوية التي تلقاها على
الرأس وآخرون قالوا بأنه لا وجود لأي تلف في أعصاب الدماغ
وهذا ما أثبتته الفحوصات والأشعة ، البعض قال بأنه مع الوقت
قد يموت بأقي ذاك النصف والبعض نصح بزراعة خلايا جنينية
في نخاعه الشوكي وهو آخر ما توصل له الطب في مثل هذه
المشاكل ورجحوا أنه قد يتمكن من السير مجددا وإن برجوع
ساق واحدة للحياة والحركة "
ضمت يديها أمام شفتيها ونزلت دموعها وقد همست
" هل سينفع ذاك الحل حقا يا رعد ؟ لما لا نلجأ له سريعا إذا ؟ "
تنهد بعمق وقال
" أغلب التجارب كانت على الحيوانات أما البشر فأبدت أجسادهم
تفاعلا إيجابيا وإن كان جزئيا ونسبة من نجحت عمليتهم تلك ضئيلة
فقد تمكن من الحركة وإن بشكل جزئي واحد من خمسة أشخاص ،
تكلفة تلك العملية والعلاج الفيزيائي هو رقم خيالي لم يستطع إلا
القلة توفيره والألآم الناجمة عنها أضعاف ما قد رآه من قبل "
قالت من فورها
" لن يعجزنا دفع المال له يا رعد فلما التردد ؟ "
رفع كتفيه وقال بأسى
" رماح من يرفض ذلك خاصة أن البعض تردت حالتهم للأسوأ ،
الأطباء قالوا أن ما يمر به أمر طبيعي فمن كثرة ما تحمل من ألم
وعمليات وتمارين سيرفض أي مسببات أخرى لتلك الآلام ، قالوا
إنه إن امتلك الحافز فسيتشجع للتجربة وظننت أن لقائه بتلك الفتاة
قد يحفزه لتغيير وضعه "
تنهدت بأسى قائلة
" هو يرفض شفقتها كما أن أملها في شفائه يراه مجرد تعلق
برماح الماضي الذي قد لا يعود أبدا ويريدها أن تقتنع به كما
هو وأن تكون مشاعرها ما يدفعها للبقاء معه وليس شفقتها
على وضعه "
أومأ برأسه بتفهم هامسا
" لن نضغط عليه يا غسق اتركيه يقرر ما يراه في صالحهما "
نظر بعدها للأسفل وقال
" أرى أن نعين ممرضة لتهتم بعلاجه الفيزيائي بانتظام ولتكون
قربه إن احتاج شيئا "
قالت من فورها وبضيق
" ولما الممرضات ؟ هو لا يعاني من شلل كامل ليبقى سجين
الفراش تهتم به ممرضة ، سأتفق مع المستشفى هنا ليأتي
الطبيب يوميا من أجل التمارين والعلاج وسأوفر جميع المعدات
التي سيحتاجها هنا وسيتنقل بحرية ويفعل ما يريد كالسابق
وباقي الأمور سأساعده فيها ولن أتركه إلا نائما أو إن كنت في
الجمعية وحينها ستتكفل عمتي بكل ما يحتاجه "
نظر لها وقال
" بل سيحتاج لأكثر من ذلك وأوله تغيير ملابسه واستحمامه ...
الكاسر لا يمكنه فعل ذلك وحده لذلك عليا أن أكون هنا من
وقت لآخر "
أشاحت بوجهها جانبا وقالت بحزن
" يحتاج لزوجة يا رعد لكنه عنيد وسيجرح تلك الفتاة فوق كل
ما حدث لها طيلة هذه الأعوام "
وصلها صوته الواثق مباشرة
" سيرجعان يا غسق لا تخافي "
رفعت نظرها له سريعا تنظر لعينيه بحزن من وسط بريق الدموع
التي ملأتهما وهمست بأمل
" تظن ذلك ؟ "
أومأ برأسه إيجابا وقال
" إن كان شقيقي رماح الذي أعرفه وإن كان يحبها فعلا سيقبلها
في حياته بل وسيحارب إعاقته لأجلها إلا إن خذلته هي في
اختباره هذا لها ومتأكد من أنه أخبرها بأنه لن يسير مطلقا
لتفقد الأمل في ذلك "
أنزلت رأسها وغطت وجهها بكفيها تبكي بمرارة فوضع يده
على كتفها وقال بحزن
" غسق يكفي بكاء فلن يجدي هذا في شيء سوى إرهاق
قلبك وجسدك ، رماح لن يحبه أحد أكثر من خالقه ولن يجلب
له إلا ما فيه الخير له وإن بقي على الكرسي كل عمره
وبلا زوجة ولا أولاد "
ركضت من عنده وصعدت السلالم تسقي عتباته بدموعها التي
لم تستطع اليوم إخفائها عن أي أحد منهم لتحررها فقط بين
أغطية سريرها ووسائده كالسابق ، وصلت غرفتها ودخلتها
مغلقة الباب خلفها ورمت هاتفها وحجابها ليتحرر ذاك الحرير
الأسود الطويل وارتمت على السرير لتنسكب باقي تلك الدموع
ترافقها عبراتها التي سجنتها بداخلها طوال الوقت تبكي
بمرارة متجاهلة ذاك الهاتف الذي بدأ بالرنين منذ وقت ودون
توقف وأن هذا الوقت المتأخر لا أحد يتصل فيه ، أبعدت يدها
وسحبت هاتفها الذي علا برنين رسالة بعد كل تلك المحاولات ،
نظرت للرقم أولا وعقدت حاجبيها باستغراب فليس مدونا لديها !
مسحت الدموع عن عينيها بطرف باطن كفها لتنظر بوضوح
لتلك الأحرف التي جعلت العالم يتوقف من حولها
( غسق قسما إن لم تتوقفي عن البكاء الآن لن يمنعني عنك
سوى الطريق من حوران لمنزلك (
فرمت اللحاف عنها فورا وغادرت السرير وأطفأت نور الغرفة
بضربة غاضبة من يدها على ذاك الزر لتغرق في ظلام دامس .
*
*
*
" لننتظر حتى يرجع والدك يا وقاص لا أريد حقا مشاكل بينك
وبين زوجته ولا تتحدث مع جدك عن الأمر بما أنه لم يعلم بعد "
أومأ برأسه موافقا ونظره وتركيزه لم يعد معها بل حيث تلك
الشرفة هناك والتي تظهر له من خلف النافذة المغلة والجالسة
على حافتها تتلاعب النسائم الربيعية بخصلات من شعرها الأشقر
الطويل منهمكة فيما تفعله وهي تمسك في يديها دفترا وقلم رصاص ...
( ترسم ) لابد وأن ذاك ما تفعله والغريب هو مكان جلوسها حيث
الغرفة المخصصة في تصميم المنزل كغرفة لشرب القهوة بواجهة
زجاجية كاملة تفتح على شرفة باتساع تلك الواجهة بأكملها وهم لا
يستخدمونها لأنهم لا يلزمون أنفسهم بعادات تلك البلاد وليس للقهوة
وقت محدد لديهم ، يستغرب أن خرجت من عزلتها وإن لعزلة جديدة
لكنها ليست سجنها الدائم ولأول مرة تفعلها ! منذ طلبت منه مرافقتها
أن يتركها لوحدها لم يقترب من جهة غرفتها ولم يراها ويبدوا أنها
بالفعل كانت تحتاج لأن تكون لوحدها ويرى أنها باتت أيضا أفضل من
السابق فأن تقصد مكان آخر غير غرفتها وتمسك دفترا وترسم علنا
أمر لم يسبق أن فعلته وليس يعلم أهو تأثير حالتها الأخيرة ومواجهتها
لجدها أم أن ذاك الرأس المليء بالغموض والعقد والمتاهات يفكر
بطريقة جديدة ويناور للهجوم بأسلوب مختلف ؟
" وقاص لما لم تتصل بزوجتك بني وإن من باب العشرة وكونها
لازالت زوجتك ؟ "
نظر للتي أخرجته من عالم تلك الشقراء الغامضة لواقعه المرير
وقال بضيق
" خالتي كم مرة سأعيد ما قلت ؟ جمانة ذهبت لإجراء جراحة
تجميلية سخيفة أنا لست راض عنها أساسا لأتصل بها ، ثم تعلمي
كالجميع أني لا أحب التدخل في خصوصياتي ولا أراكم تبحثون إلا
عما يكدرني "
تنهدت بعجز وتمتمت مغادرة
" كما تريد بني فقط لا تغضب مني "
وغادرت نظراته تتبعها حتى خرجت فنظر جهة النافذة مجددا
وللتي لازالت جالسة مكانها هناك وقد رفعت الدفتر أمام وجهها
ولازالت ترسم في تلك الورقة تثبتها كلوحة أمامها فاقترب بخطواته
حتى أصبح مقابلا للنافذة تماما ولتلك التي ترسم في الورقة المعلقة
في الهواء وكأنها تنقش رسومها في الفراغ ، يحار دائما كيف ترى
الأمور التي يرونها هم ؟ هل السلبي سلبي بالنسبة لها مثلهم أم
العكس ! وكذلك بالنسبة لكل شيء إيجابي حولها ؟ أحيانا يشعر
بأنها تراهم عكسهم تماما أو أنها ترى كل شيء حولها سلبيا
وهذا هو الخيار القاسي والأقرب للحقيقة ، التقت نظراتهما فجأة
حين أنزلت الدفتر من أمام وجهها وتبادلا نظرة طويلة صامتة
قرأت فيها الجالسة هناك بسهولة جميع تلك الأسئلة التي تدور
في رأسه عن ماضيها وما تخفيه كما قرأ هو رفضها التام لأن
تشاركه شيئا منه وإن من باب إشعال فضوله عمدا ، لم يتراجع
للخلف ولم يبعد نظره عنها حتى أبعدته هي عنه وأغلقت دفترها
الكبير قبل أن تقفز من حافة الشرفة وتدخل متوارية عنه خلف
الباب الذي أغلقته خلفها
*
*
*
أغلق محفظته ما أن شعر بتلك اليد على كتفه وانسحب من
عالمه الذي كان يسبح فيه وحيدا ليرجع لأرض الواقع ما أن
انحجبت صورة تلك الطفلة عنه خلف القطعة الجلدية الجامدة
الباردة ليطوي معها ذكرياته ككل مرة يفتحها فيها ويجلس متأملا
تلك الملامح الطفولية الجميلة ... عيناها بلونهما الأخضر
المشعتان مرحا وتفاؤلا والشعر الغجري الطويل شديد الشقرة
والشفاه الزهرية الصغيرة المبتسمة بسعادة لم تشوهها هموم
الحياة رغم الألم في تلك الحقبة ورغم الحروب والموت والدماء ،
فهكذا هم الأطفال وحدهم من لم تكن تلون دواخلهم بالحزن والسواد .
جلس الذي سحب الكرسي الموجود أمامه في ذاك المقهى الهادئ
المفضل لديه وجلس متمتما ببرود
" كم مرة بالله عليك تنظر لصورة حبيبتك تلك يوميا ؟ "
ابتسم من فوره وأطفئ عقب سيجارته في المطفئة الزجاجية
الموجودة منتصف الطاولة الدائرية بينهما وقال وهو يدس تلك
المحفظة في جيبه
" كلما اشتقت لها "
مط الجالس أمامه جسده مشبكا يديه خلف عنقه ومادا ساقيه
الطويلتان تحت الطاولة ورافعا رأسه للأعلى متنهدا بتعب وكأنه
يتخلص بذلك من كل ذاك الإرهاق المتراكم فقال الذي كان يراقبه بكسل
" كيف كانت مهمتكم هذه المرة ؟ ستيفن أخبرني أنك أصبت في
ذراعك ، أنت تجازف بحياة يحتاجها غيرك أكثر منك يا تيم ومن
أجل رجال انجليز موتهم كحياتهم بالنسبة لنا "
همس الذي لازال يرفع رأسها للأعلى وقد أغمض عينيه ببطء
وبذات بروده المعتاد
" ليس يعنيني هوية الشخص بل ما كرست عملي لأجله ، أمثالك
لن يفهموا ما أقوم به فسأوفر عليك ونفسي الشرح "
كتف الجالس أمامه يديه لصدره ولازال يراقب ذاك الصدر العريض
الذي كشفت عضلاته طريقة جلوسه تلك وذقنه البارز قليلا وملامحه
المشدودة رغم وضعه المسترخي تقريبا وقال ببعض الضيق
" حسنا أبعد حياتك التي هي آخر ما يعنيك جانبا وأيضا نحن
أصدقائك الذين قلما يراك أحدنا أساسا ، ولنبعد الوطن وما تفعله
من أجله معنا لكن ثمة زوجة لك إن نسيت ويحق لها أن تحافظ
على حياتك من أجلها أم لا تفكر في أن تكون لك عائلة يوما ما ؟"
رفع الجالس أمامه يديه من خلف عنقه وعدل جلسته مخرجا
علبة السجائر من جيبه وسحب إحداها منها بشفتيه وتمتم وهي
بينهما يشعلها بالقداحة في يده الأخرى
" إن كان غرضك الانتقام مني بسبب صاحبة الصورة فلن تنجح
في هذا "
تنهد المقابل له بيأس منه وقال
" لم يكن ذاك غرضي مما قلت وأنت من يعلم جيدا من تكون
صاحبتها "
دس تيم علبة السجائر والقداحة في جيبه مجددا وقال وهو
يبعد السيجارة بطرفي أصبعيه وقد نفث ذاك الدخان بقوة
" لما لا تجلبها إلى هنا وترح نفسك من رثاء صورتها طوال الوقت ،
هي شقيقتك ولا أحد سيمنعك من إخراجها معك يا هازار "
تنهد الجالس أمامه بعمق ولم يعلق وقد شعر بأن جرحا غائرا
في نفسه فتح من جديد فليس بإمكانه ولا زيارة تلك الشقيقة
ليخرجها من البلاد ! لا أحد يمكنه فهم ما مرت به عائلة غيلوان
غيرأبنائها أنفسهم بل هو تحديدا ووالده أحد الأخوة الثلاثة الذين
قتلوا على يد دجى الحالك عند حدود صنوان ، والده الذي تزوج
من والدته ايرلندية الأصل ... الصحفية التي دخلت البلاد لتغطية
أحداث الحرب الأهلية المندلعة فيها من عقود وانتهى بها الأمر زوجة
ليحي غيلوان الذي توفيت زوجته تاركة له إبنا رضيعا ... فسرعان ما
وقعت في حب ذاك الطفل قبل والده وتزوجته فورا وانجبت له طفلين
اختارت أن تسميهما بنفسها ( هازار ) والذي أنجبته بعد عام واحد من
زواجهما ثم ( مايرين ) والتي أنجبتها وعمره ثمانية عشرة عاما وحين
ترك البلاد مع من لحقوا بابن شاهين كان عمرها فقط ست سنوات
وهي اليوم تحديدا أصبحت في العشرين من عمرها ، آآه لا يتخيل أن
طفلته مدللته تلك أصبحت الآن امرأة شابة ولا يمكنه تصور كيف
سيكون شكلها الآن فمنذ تركهم لم يراها بل منذ طردته تلك العائلة
لأنه انظم لجيوش ابن شاهين وقت اقتحامهم لحدود الهازان وكان
حينها في الرابعة والعشرين من عمره ليصبح وصمة عار في عائلته
وهو ابن أحد قتلاها وهم من حملوا رآية الثأر ونبذوا عائلة الشاهين
بالإجماع وعلى رأسهم عمه شعيب ، ولم يعاقب وحده بسبب فعلته
تلك بل وشقيقاه ووالدته أيضا بعزلهم عن العائلة ونبذهم كليا ، لما
سيحمل آل شاهين ذنب مقتل والده وهو منذ عرفه يعرفه سيء طباع
وأحد لصوص الحدود وقتلتهم هو وشقيقاه ، بل وكيف يلقي باللوم
على دجى الحالك وهو من قتلهم دفاعا عن شرف امرأة وعرض
رجل عجوز لا حيلة له في رد شرهم عن ابنته بل وإنقاذا لحياته
وحياتهما منهم ، يعلم أن وضعه لا يمكن لأحد الاقتناع به لكنه وحده
من عايش ورأى ما عانته والدته منه رغم صغر سنه حينها وهو
يراها تتحمل الضرب والسب والشتائم ولم تفكر يوما في الفرار منه
والعودة لبلادها فقط من أجلهما هو وشقيقته .... شقيقته التي لم
يستطع ولا دخول البلاد لرؤيتها بسبب رفض ابن شاهين لذلك خوفا
على حياته ولم يستطع أن يسمح له هو بالتقصي عن أحوالها عن قرب
خوفا عليها من عائلتهم ... من عميها وجدتها فكل ما استطاع معرفته
بأنها لازالت تعيش مع شقيقها وزوجته بعد وفاة والدتهما ... شقيقه
من الأبوالذي يشبه والدهم كثيرا كما يذكره في صغره وجل ما يتمناه أن
يكون تغير الآن عن الماضي وأن لا يظلم شقيقته
أخرجة من دوامة أفكاره الكئيبة تلك الذي قال بسخرية وهو
يطفئ سيجارته في المطفأة
" أتعلم كان يفترض بمطر شاهين أن زوجك بابنته لتندثر قضية
الثأر تلك وللأبد "
نظر له بضيق وقال
" أتعلم أنت بأن الدعابات حين يلقيها بارد متعجرف مثلك تكون
سخيفة جدا ؟ "
ابتسامة ساخرة صغيرة تلك التي صدرت عنه وهو يخرج هاتفه
من جيبه قائلا ببرود
" بل عائلة والدك تلك مجرد شلة تافهين ما يعنيهم فقط مطامعهم
لذلك هم يبحثون عن نسل لدجى الحالك أكثر من بحثهم عنه
شخصيا ففكر لما يا ذكي ؟ "
ووقف ما أن أنهى كلامه ذاك يتحدث في هاتفه مغادرا
وقائلا بجدية
" أجل يا رواح سأكون أمام باب المقهى "
وغاب عن نظره سريعا تاركا الذي كانت نظراته المستغربة تتبعه
حتى اختفى تماما يحاول تفسير ما عناه بما قال !! بينما خرج هو
من باب المقهى ووجد سيارة رواح أمامه مباشرة لا يفصلها
عنه سوى الرصيف العريض يقف خارجها ومسندا ظهره عليها
يمسك هاتفه في يده ونظره عليه وقد قال ملوحا بيده ما أن شعر
بوجوده واقترابه منه
" تعال سأريك شيئا قبل أن نغادر "
توجه نحوه في صمت ووقف بجواره يسند ظهره أيضا بالسيارة
يديه في جيبي بنطلونه الجينز ينظر لشاشة الهاتف التي ضغط
عليها رواح بإصبعه قائلا بابتسامة
" انظر لهذا جيدا "
وما أن انهى حديثه حتى ملأت تلك الشاشة الواسعة صورة
الفتاتان اللتان كانت إحداهما تقف فوق حافة جسر البرج المعلق
فوق نهر التايمز بلندن تمسك يدها بأحد الأسلاك المعدنية المثبتة
له تتحدث مع التي كانت تقف على الطريق تنظر لها للأعلى تبعد
خصلات شعرها البني عن وجهها ترتدي سترة صوفية خفيفة
ومخرمة وبدون أكمام لتكشف عن كمي القميص القطني الأبيض
الضيق تحتها وبنطلون جينز باهت اللون ، كانت الواقفة في الأعلى
تتحدث ضاحكة وترفع إحدى قدميها لتقف على قدم واحدة لكن
تركيزه لم يكن مع ماتقول تلك أو تفعل بل مع الواقفة في الأسفل
ترفع يديها لها مبتسمة وكأنها ستستقبلها في أحضانها فور
سقوطها المتوقع يتأمل المشهد بصمت ، امتد إصبع رواح
للشاشة أمامه وقال مشيرا للتي بدأت بالسير على حافة الجسر
" ليست هذه محور حديثنا فالجنون طبع ملتصق بها "
وتابع مبتسما وقد وجه أصبعه للتي بدأت بالسير أيضا ولازالت
على الطريق وقد انتقلت بنظرها لخطواتها على الأرض ولحذائها
الرياضي الأبيض الأنيق الخفيف وقد دست يديها في جيبي بنطلونها
خصلات شعرها البني تتطاير حول وجهها وكتفيها بحرية ونعومة
" هذه إن لم تدركها سريعا وتبعدها عنها فستصبح عما قريب
تسير خلفها في الأعلى ، وهذا بعض من الكثير طبعا ولا تقل
مستقبلا أني لم أحذرك "
سحب الهاتف من بين أصابعه دون أن يعلق ، ودون أدنى تردد
أو تفكير رماه تحت قدميه وداسه بحذائه بقوة عدة مرات وبعدة
ضربات قوية متتالية متجاهلا الذي صرخ بصدمة بجانبه ثم
انحنى لحطامه ورفعه وشد طرفه بقوة لينقسم لنصفين وأخرج
الشريحة منه ثم رماه ووضعها له في راحة يده قائلا ببرود
وناظرا لعينيه
" في المرة القادمة حين تطلب من جواسيسك أن يلتقطوا مقاطع
سخيفة لتلك الفتاة نبههم أن لا يظهر أحد آخر معها فيها "
ضم رواح أصابعه في قبضة واحدة ووجهها ببطء جهة فكه
وقال شادا على أسنانه وهو يضغط قبضته عليه رغم أنه لم
يتحرك بسببها قيد أنملة
" قسما لولا أني لا أريد لتلك التعيسة أن تصبح أرملة أيضا
بسببي لكنت قتلتك الآن "
أبعد تيم يده عنه وفتح باب السيارة وجلس في الكرسي قائلا ببرود
" تحرك لا وقت أمامنا لسخافاتك "
وأغلق الباب بقوة فنظر له من النافذة وقال بسخرية
" سخافات !! حسنا لعلمك فقط ابن زوجة قريبك ذاك المدعو
كين لم يتركها لوحدها اليوم وأحدث بها ضجة بين رفاقه في
الجامعة وأنت تركض خلف مهامك القاتلة تلك "
نظر له نظرة سوداء قاتلة ومد يده لمقبض الباب وكان سيفتحه
فقفز رواح للخلف وقال مبتسما ورافعا كفيه للأعلى
" هيه تيم لا دخل لي بذلك ولا تنسى بأني ابن عمتك ووحيدها "
أبعد نظراته الغاضبة عنه وقال ببرود
" ستصعد السيارة لنغادر أم أغادر وحدي ؟ "
ضحك ذاك من فوره وركض حولها قائلا
" لا طبعا أعرفك مجنون وتفعلها "
جلس في كرسيه خلف المقود وانطلقت بهما تلك البروش
السوداء الرياضية فورا تسابق السيارات أمامها تجتازها كما
تسابق الهواء حولها ، قال رواح بعد وقت لأنه يعلم بأنه في
وجود الجالس بجانبه الآن إن لم يتحدث هو لن يتحدث أحد
" لم أخبرك ... وقاص استلم في مكتبه ملف قضية سلسلة
الجرائم الأخير في ميرتون "
وتابع بضحكة يتحكم في حركة المقود ببراعة
" الحمقى يريدون عمدا إلصاق التهمة بمتطرفي المسلمين
وكأنه لا مجرمين في العالم غيرهم وكل ما سعى وقاص لتحقيقه
بمساعدة جهاز البحث الجنائي والشرطى لم يعجبهم والحجة
أن المدعي العام من أصل عربي !! شلة حمقى بالفعل "
همس الجالس بجانبه بنبرة لم يخفى فيها الضيق عاقدا حاجبيه
" وهل هذه المرة الأولى ؟ هم شوهو صورة الإسلام كما
يخططون وانتهى "
نظر له بطرف عينه وابتسم بمكر من تبدل طبعه البارد فجأة قائلا
" هذا الاستياء لن يكون سببه هذا الخبر بالتأكيد فلا تقتل المدعو
كين ذاك بسببي "
همس الذي نظر للنافذة متجاهلا له
" معتوه "
فانطلقت ضحكة رواح عالية ليقطعها صراخه المتفاجئ ما أن
قطعت تلك السيارة البيضاء الفاخرة طريقهما بالعرض ولولا
تحكمه السريع بالمكابح لكان اصتدم بها ، مرر رواح أصابع
كلتا يديه في شعره ما أن ارتدا للخلف وتوقفت السيارة لا تفصلها
سوى إنشات عن تلك السيارة البيضاء يسمع الشتم الهامس
للجالس بجانبه فقال بحنق يمسد قفا عنقه بألم
" سحقا من هذا الأخرق المجنون ؟ "
وما أن أنهى عبارته تلك انفتح باب تلك السيارة ونزلت منه
ذات الشعر الناري القصير الذي تطاير مع حركة الهواء ، ذات
الثياب الأنيقة الفاخرة والكعبين العاليين التي أغلقت باب السيارة
ووقفت مقابلة لهما تكتف يديها لصدرها تنظر مبتسمة بمشاغبة
للجالس مقابلا لها في السيارة أمامها والذي شتم هامسا ما أن رآها
" سحقا لك ولها "
نظر له رواح بصدمة وقال
" هل أعلم ما علاقتي أنا بكل هذا ! "
فتح تيم بابه وقال بحنق نازلا من السيارة
" غادر أنت وسألحق بك بعد أتخلص من هذه "
ثم أغلق الباب وتحرك نحو تلك السيارة نظرات الجالس خلف
المقود تتبعه بصدمة حتى وصل للتي طوقت عنقه بذراعيها فورا
ورفعت جسدها على رؤوس أصابعها لتطبع قبلة سريعة على
خده وقد ابتعد عنها سريعا ليتحرر من ذراعيها ودار حول تلك
السيارة وفتح بابها وركبها وقد لحقته تلك الانجليزية من فورها
وجلست خلف المقود مغلقة الباب خلفها وانطلقت بالسيارة بالسرعة
التي ظهرت بها ، شغل رواح سيارته مجددا وتحرك من هناك متمتما
بابتسامة ساخرة
" سحقا للرجل ... سيرى ما هذا الذي وضع نفسه فيه وما
عواقبه وهو يترك زوجته برفقة تلك المجنونة الرائعة "
*
*
*
يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــع
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 75 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 18-11-17 الساعة 11:39 PM
رد مع اقتباس
#3868
قديم 01-11-17, 09:14 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
طرق الباب مجددا متأففا بغضب ونظر لساعته قبل أن يكرر
الطرق متلاحقا هذه المرة حتى انفتح الباب وخرجت منه التي
كانت تلبس سترتها وهي خارجة وتمسك مقبض حقيبتها بفمها
وما أن أمسكتها بيدها قالت بضيق تنزل السلالم خلفه
" لم تترك لي وقتا ولا لشرب فنجان قهوة ما كل هذا الاستعجال ؟ "
وقف والتفت لها فوقفت فجأة حتى كادت تقع وقال بحدة
" أوقات عملي لا يمكن تقليصها ولا تأخيرها آنسة غيسانة
عليك فهم هذا من الآن وصاعدا ، وها قد علمت وقت مغادرتنا
فكوني جاهزة قبله بوقت "
كانت ستتحدث لكنه قاطعها بأن أشار بإصبعه خلفها قائلا بأمر
" أغلقي باب شقتك فورا لما تركته مفتوحا ؟ "
نظرت خلفها قبل أن تعود بنظرها له قائلة بسخرية امتزجت بالحدة
" ومن سيسرق الكنز المدفون فيها وليس بها سوى ثيابي ؟ "
أشار مجددا قائلا بغضب
" غيسانة تغلقيه فورا أو لن يكون رد فعلي طيبا أبدا "
تأففت في وجهه وعادت أدراجها قائلة بغضب
" أجل يحق لك فأنت سيد هذه العبدة حاليا "
تجاهلها تماما ونزل السلالم ما أن أغلقته وقد عادت ناحيته
وقالت بضيق وهي تسير خلفه شبه راكضة لتجاري سرعته
وهو يتجه جهة سيارته
" بما أنك كنت تعلم أني سأأخرك لما لم تذهب بمفردك اليوم
حتى أعلمتني بموعد مغادرتنا بدلا من تركي هكذا أواصل
مسيرة الجوع لليوم الثالث على التوالي "
وصل السيارة وفتح بابها والتفت لها حيث أصبحت أمامه تماما
وقال بضيق مماثل
" تعلمين سلفا أني أخرج مبكرا من الليلة التي قضيتها في الشقة
أم أن نومك الثقيل حتى الظهيرة لا يترك لك المجال للشعور بأي
شيء ؟ اليوم ستستلمين راتبك مقدما وأحذرك يا غيسانة من
الاستهتار في صرفه لأنك ستكملي باقي الشهر جائعة حينها "
وركب مغلقا الباب خلفه بقوة متجاهلا صراخها الغاضب من
خلفه فدارت حول السيارة وركبت وقالت ما أن تحرك بالسيارة
" وكيف سيكون هذا ؟ راتبي للأكل ولا مطبخ في ذاك الجناح
الضيق ؟ ظننت أنه بإمكاني استخدام مطبخ الشقة ؟ "
أدار المقود ليدخل شارعا فرعيا وقال ببرود
" شقتي أعيش فيها لوحدي ويستحيل أن نتشارك في مطبخها
وراتبك يكفي حسب اعتقادي ، وما أعلمه أنك لا تجيدين الطبخ
فما هذا الذي ستعدينه في مطبخي أم ستأكلين المعلبات التي
أشتريها ؟ "
نظرت له بحقد ولم تستطع قول شيء فهذا ما كانت تصبوا له
فعلا أما الآن فلن يبقى من راتبها شيء إن هي أنفقت منه
على الوجبات يوميا ، قالت تنظر بطرف عينها لنصف وجهه
المقابل لها
" وجبة الغداء يوفرها مطعم الشركة أليس كذلك ؟ "
أوقف السيارة عند الإشارة وقال بذات بروده القاتل ينظر
أمامه ويضرب بأصابعه على المقود
" بالتأكيد لكنه يخصم من رواتب الموظفين وأنتي ستعاملين
كواحد منهم ولك الخيار كالبقية وطبعا بعد أن تقرئي لائحة
رسوم التكاليف "
شدت على أسنانها بغيظ لا يمكنها ولا التعبير عنه ، أسوأ قرار
كان ذاك الذي اتخذته حين قبلت بذاك العقد المزيف وأوقعت
نفسها في كارثة لن تسامحها عليها ما عاشت ، نظرت له مجددا
وقالت باستياء ما أن تحركت السيارة
" هل يعقل أن أنزل للأسفل إن أردت كوب قهوة ؟ أي ظلم هذا ؟ "
أوقف السيارة في الموقف الخاص بالشركة ونظر لها وقال وهو
يخرج المفتاح منها
" ليست مشكلتي ولا تنسي الخروج ليلا ممنوع "
نظرت له بغضب وما أن فتحت فمها لتتحدث رفع هاتفه لأذنه
ودخل في مكالمة مع أحدهم ونزل من السيارة تاركا إياها تشتعل
في صمت لا يمكنها ولا التنفيس عنه فنزلت أيضا وضربت الباب
بكل قوتها وركلتها بقدمها بغضب وزاد اشتعالها رؤية الذي كان
يأخذ حقيبته من الكرسي الخلفي يمسك ضحكته على حركتها
الغاضبة تلك فشتمته هامسة ثم تحركت تتبعه حتى دخلا من باب
الشركة الزجاجي فوقفن موظفات الاستقبال فورا لدى رؤيته
والنظرات الفضولية تحدق بها فاقتربت حتى أصبحت ملاصقة
له ورفعت أنفها بكبرياء أمام تلك النظرات التي كانت تغضبها ،
ولتزيد النار حطبا أدخلت يدها في ذراعه وأمسكت بكم سترته
وما أن نظر لها بسبب حركتها تلك ابتسمت له ابتسامة كرتونية
واسعة فسحب ذراعه مدعيا النظر لساعته وهما عند المصعد
ثم مد يده ليدها وأمسكها ففغرت فاها من الصدمة وكانت المفاجأة
الأعظم أن وضع مقبض حقيبته فيها وتركها تهوي بها للأسفل مع
فكها السفلي وأدار ظهره لها ونظر جهة المصعد الخاص وضغط
زره وتركها للبركان الذي يغلي داخلها والذي زاده كتم أولئك
الموظفات لضحكاتهن ما أن رأين ما حدث فشعرت بجسدها
بأكمله يرتجف غضبا لن تستطيع التعبير عنه ولا حين يصبحان
لوحدهما بسبب ذاك العقد الذي وقعته بنفسها وكتبت ساعة
موتها معه
*
*
*
أبعدت اللحاف عن جسدها وغادرت السرير فلم تستطع النوم
أبدا والموجودة بعيدا عنها هناك غاضبة منها ، جمعت شعرها
في جديلة جهة كتفها الأيمن وأمسكت غرتها بمشبك صغير
فتحررت منه بضع خصلات معانقة جبينها وحاجبيها ، توجهت
لباب الغرفة وفتحته بهدوء وخرجت بدون حذاء حفيف خطواتها
الخافتة لاحتكاك جوربها بالأرض يكاد يسمع في ذاك المنزل
الساكن تماما فالوقت متأخر ولا أحد يتحرك فيه غيرها فعليها
جلب الهاتف لتتصل بوالدتها به لأنها لن تعرف صاحب الرقم
وخاصة في هذا الوقت فستجيب فورا وما أن تجيب عليها سيكون
بإمكانها شرح الأمر لها بل وترجيها لتسامحها ولتفهمها بأنها
لن تكررها مجددا ، تكره أن تزعجها هذا الوقت لكن لا حل
أمامها غيره فإن اتصلت بها صباحا ستكون في الجمعية ولن
تجيب عليها وهذا الوقت ستكون فيه مستيقظة لتصلي وتقرأ
وردها قبل صلاة الفجر ، وعدها عمها صقر أن يأخذها لكن متى
ما وجد وقتا وإن كان كما قال سيحاول أن يكون قريبا فهي تستبعد
أن يكون قبل يوم أو يومين لأنه لن يتفرغ لست ساعات فقط ليأخذها
ويرجع هنا ، وصلت بهو المنزل وأخدت الهاتف وحملته في حضنها
وعادت أدراجها بخطوات أسرع هذه المرة فما أن تذكرت حديثه عن
جنية قد تكون سكنت المكان وقت غيابهم شعرت بقلبها سيخرج
من بين أضلعها من الخوف ، دخلت الممر مسرعة وقفزت صارخة
دون شعور منها ما أن وجدت ذاك الجسد أمامها مباشرة وكاد
الهاتف أن يقع من بين يديها ويتحطم ، وضعت يدها على صدرها
وتنفست بقوة عدة مرات حتى كادت تبكي من ذعرها وقالت بصعوبة
" يا إلهي ... لقد أفزعتني "
وتراجعت للخلف لازالت يدها على قلبها تتنفس بقوة وصعوبة
هربا من الذي كان يتقدم نحوها حتى أصبحا في مجال الضوء
الخافت لبهو المنزل فأنزلت رأسها تعض طرف شفتها حين
اكتشفت أن الواقف أمامها بقميص داخلي بدون أكمام وبنطلون
قصير لم يتجاوز ساقيه يتنقل في المنزل هكذا وكأنه منزله !
بل ما هذا الذي جاء به من هذه الجهة والممر الجنوبي هو
الأقرب لغرفته وقدومه من ممر غرفتها معناه ضعفي المسافة
أو يزيد ؟
" من هذا الذي تتسللين ليلا من أجل محادثته ؟ "
رفعت نظراتها المصدومة له حين وصلتها عبارته الساخرة تلك
وكان نظره على الهاتف الذي تحضنه بقوة كي لا يقع قبل أن
تنتقل لعينيها فتسرب الحنق مع أوردتها حتى اشتعل في حدقتيها
الزرقاء وقالت بضيق
" اطمئن فلن أتحدث مع صديقي الانجليزي زعيم المافيا ذاك "
تحرك نحوها وقد دس يديه في جيبي بنطلونه فتراجعت للخلف
خطوتين وما أن حاول التحدث قالت بحنق مقاطعة له
" لن أسمح لك باتهامي مجددا ولا تنسى بأنك من رفض أن أخبر
والدي وأنا على استعداد لفعلها فورا "
ارتد رأسه للوراء ورفع ذقنه ناظرا لها فهذه المحتالة الصغيرة
ليست كما يبدوا عليها وتيقن الآن من أن دماء والدها تسري
في عروقها بقوة ، هذا ولم يعرف والدتها بعد ليعلم ما جمعت
منهما فها هي تهدده مجددا بأن ما يملكه ضدها لا أهمية له
وقد يتحول لسلاح ضده في أي وقت ، ابتسم بسخرية قائلا
" أنا لم أتهمك كان مجرد سؤال بديهي فإن قابلك والدك
لسألك مثله "
ضمت الهاتف لحضنها أكثر وقالت بضيق " بل تتهمني وفي
كل مرة وكل شيء وسبق وأخبرتك بأنها كانت مرة وحيدة "
رفع يده ومرر أصابعها على فكه وصولا لعنقه حتى تخللت
شعره ونظره على عينيها التي تسدل رموشها فوق حدقتيها
الزرقاء الصافية تتجنب النظر له ... يستغرب أنها حتى الآن
لم تحاول أن تبرر له موقفها وسبب ما فعلت وما دفعها لذلك
فلا يمكنه أن يصدق أن ابنة مطر شاهين تتربى على الرذيلة !
لو أنها كذبت وقالت بأنه من أرسلها هناك لهدف معين لكان قد
يصدقها أو أن يدخل الشك قلبه على الأقل لكنها فضلت الصدق
ولازالت تتمسك به حتى الآن رافضة أن تصوغ أي أكذوبة ولا
تفسير لذلك سوى أنها تتستر على أحدهم ولا تريد إخباره هو عنه ...
ابنة والدها حقا والدمية الجميلة كما يسميها جدها وقد صدق
فعلا فلم تبدوا أقل من دمية بتلك الجذيلة والخصلات المعانقة
لجبينها وملامحها الفاتنة الطفولية ، شد على فكيه ورفع نظره
بعيدا عنها ثم قال
" حسنا لما لا نعقد اتفاقا ؟ "
رفعت نظراتها المستغربة له فالتقت بنظرته الهادئة الموجهة
لحدقتيها مباشرة مما جعل دقات قلبها تزداد الى درجة مرعبة
فهي لم تعد تأمن هدوء هذا الرجل أبدا .. لم تعرف الرجال ولم
تدخل عالمهم المعقد من قبل وتشعر بالفعل بأنها أجبن من أن
تواجهه بقوة تشبهه فهو يفوقها في كل شيء حتى في سنوات
عمره وخبرته في الحياة لكنها لن تستسلم ولن تشعره بأنها
ضعيفة ليستغل ذلك وستتمسك بتلك القوة وإن كانت زائفة
ومجرد قشور فهي خسرت ثقته في جميع الأحوال بل خسرته
بجميع تفاصيله وهذا أكثر ما بات يؤلمها وليست تفهم لما كل
هذا الشعور القاسي بالألم والضياع !
" هل يستلزم الجواب كل هذا الوقت من التفكير ؟ "
زمت شفتيها بحنق من نبرته الساخرة ومن ثقته بنفسه ..
ذاك الوسيم المغرور المتعجرف ، ثبتت نظرها على عينيه
وهمست بجمود
" أحاول أن أفسر ما تقول "
مد سبابته لجبينها ودفعها منه برفق وقال بابتسامة
" هل سيفعلها هذا العقل الصغير حقا ؟ "
أبعدت يده عنها بضيق فها هو يستغل كل تلك العبارات ضدها ،
قالت بذات ضيقها
" أجل وقد قرر أنه لا اتفاق بيننا أبدا ولا يحق لك محاسبتي
ووالدي يمكنني شرح الأمر له وحده وسأرضى بعقابه مهما
كان قاسيا "
دس يديه في جيبيه مجددا ومال نحوها قليلا وقال
" حسنا وماذا بشأن ذاك الخاتم ؟ "
تراجعت خطوة للوراء وقالت بحزن
" ذاك يخص شخص أحبه كثيرا وقد مات من وقت قريب "
وعضت طرف لسانها وقد شعرت أن موقفها يزداد سوءا عن ذي
قبل وهي ترى تلك النظرة السوداء في عينيه الداكنتين وليست
تفهم لما تلك النظرة الغاضبة وما الذي قالته يغضبه ؟ لكنها لن
تفسر له أبدا فليفعل ما يحلو له وليظن بها كيف يشاء ، أخرج
يده من جيبه يمسك في أصابعها شيئا ما وقد رفعه أمام
وجهها قائلا
" وهذا ؟ "
نظرت له بصدمة ما أن اكتشفت بأنه خاتم الزواج الخاص
بوالدها والذي أحضرته معها من منزل والدتها ، أجل كيف نسيت
أمره وبأنه كان في يدها حين دخلت المكتب ؟ قال حين طال
صمتها وتحديقها به بين أصابعه
" هذا أيضا يخص شخصا ميتا ؟ "
خطفته منه بسرعة وقبضت عليه بقوة تضم قبضتها لصدرها
قائلة بضيق
" لا تقل هذا قسما إن مات صاحبه أن أموت "
كانت عبارتها تلك ما كسر باقي الجبل الجليدي بل ما حطمه
نهائيا وقد أمسك ذراعيها بيديه مقربا لوجهها منه متجاهلا
نظرة الخوف في عينيها وهمس من بين أسنانه
" ستصيبينني بالجنون حتما يا ابنة مطر ... أقري الآن بالحقائق
جميعها وكاملة أيضا "
فعرفت حينها بأنها تمادت كثيرا فقد كان ثمة لمعان خطير في
عينيه الباردتين جعل قلبها ينتفض بشدة وأعلنت الإستسلام فورا
فهي من الغباء أن فكرت بأن تخوض حربا ضد رجل مثله
بأسلحتها الضعيفة وموقفها السيء أساسا ، بلعت ريقها
وهمست بخوف
" هذا يخص والدي والآخر مربيتي فأبعد يديك لأنك تؤلمني "
سمعت حينها صوتا أشبه بتنهيدة ارتياح تسربت من تلك
الأضلع والصدر العريض بلغت من الرقة ما جعلها ترتاب أن
تكون من نسج خيالها وقد أبعد يديه عنها ومرر أصابعهما
خلال شعره للخلف وكأنه يبعدهما لأبعد نقطة عنها وتراجعت
هي للخلف عدة خطوات تنظر جانبا حيث الخطوات البطيئة
التي كانت تقترب من مكانهما فاقتربت منه مجددا ودفعته
من صدره بيدها بقوة هامسة
" غادر هذا والدي "
فتراجع سريعا جهة الممر الذي خرج منه لكنه لم يغادر كما
طلبت بل اتكأ بظهره على الجدار يديه في جيبيه يسند إحدى
قدميه للخلف ثانيا ركبته وينظر جانبا حيث تقف متجاهلا
إشارتها بأن يغادر يخفي الظلام المحيط بنصف جسده العلوي
ابتسامته على تكرارها لإشارتها حانقة لتعمده البقاء فقررت
أن تغادر أيضا بما أنه يتعمد أن يفعل ذلك لكن الذي خرج من
هناك لم يترك لها مجالا لتفعلها وقد وصلها صوته من خلفها
قائلا باستغراب
" تيما !! "
فتنهدت باستسلام وأشارت بأصابعها مهددة الذي ما يزال
واقفا هناك قبل أن تلتفت للذي نظر فورا لما بين يديها فقالت
من قبل أن يسأل
" أردت الاتصال بوالدتي لأنها قد تجيب فهي لا تعرف رقمه "
أنهت عبارتها تلك وتمنت أن رمته خلفها ليصيب رأس ذاك
المتطفل فلعله يرتاح الآن بعد أن علم الحقيقة ، قال الواقف
هناك بعد صمت لحظة وبجديته المعهودة
" سأتصرف بخصوص اجتماع عمي صقر وسأطلب منه أن يأخذك
لها فلا داعي لإفزاعها باتصالك هذا الوقت "
أنزلت الهاتف من حضنها ونظرت له بين يديها قائلة
" شكرا لك أبي "
أولاها ظهره وقال مغادرا
" لغرفتك إذا ولا تنسي حجابك وأنتي تخرجين منها مجددا حتى
يغادر قاسم من هنا "
مدت شفتيها بعبوس ووضعت الهاتف عند أقرب طاولة لها
وعادت جهة الممر الذي خرجت منه وما أن ظهر لها الذي
لم يغادر مكانه نظرت له بضيق وابتعدت في سيرها قرب الجدار
الآخر وهمست بحنق ناظرة له
" هل ارتحت الآن ؟ "
وما أن أنهت عبارتها تلك ركضت هاربة ما أن تحرك الواقف
هناك جهتها قائلا بابتسامة
" تعالي هنا لنرى "
*
*
*
ارتمت على الأريكة متنهدة بتعب تنفخ الهواء من بين شفتيها
بقوة تشعر بأنه سيغمى عليها من شدة التعب والإعياء فلم
تجلس دقيقة منذ وصلا إلى هنا والساعة الآن أصبحت الرابعة
ونصف مساء وتلك المضطهدة جعلتها تقوم بنصف عملها
وصعدت ونزلت بين الأقسام بعدد ضعف الساعات التي مضت
بثلاث مرات أو يزيد ولولا المصعد الخاص بالإدارة لكان عليها
صعود السلالم أو النزول منها كلما وجدت المصاعد العامة مغلقة
كي لا تتأخر هذا غير البحث مع تلك الفاشلة بين الأوراق والملفات
ولولا أن أوقفتها عند حدها لكانت استغلتها لتقوم بجميع أعمالها
وهي جالسة ، لا تفهم لما لا تتصل بموظفيهم لجلب ما تريد كما
يفعل البقية أم أن تلك الحرباء تفعل ذلك عمدا لتبعدها أو لتتعبها ؟
نظرت ناحيتها وكما توقعت كانت تنظر لها تلك النظرة الحقيرة
الكارهة وكأنها شوكة غرست في حلقومها فجأة ... أجل وما
ستتوقع من سكرتيرة عديمة أخلاق مثلها فجميعهن متشابهات
أول ما ستفكر فيه الحصول على رب عملها أو بالأحرى ماله
إن لم تحصل عليه هو ... هه تلك الفاشلة لا تعلم بأنه عربي مسلم
معقد متحجر متعجرف لن تحصل منه على شيء أكثر من عبارة
( صباح الخير كلاولديا ) التي يهديها لها كل صباح .
انفتح باب مكتبه وخرج منه يحمل سترته في يده فقفزت واقفة
فيبدوا أن يوم عملها الشاق سينتهي أخيرا ، أغلق باب المكتب
وقال ناظرا للتي وقفت من خلف مكتبها فور خروجه
" سأخرج لتناول الطعام يمكنك أخذ قسط من الراحة ولتأكلي شيئا "
أشارت له تلك برأسها بحسنا من فورها بينما نظرت لهما الواقفة
هناك ببلاهة ... يخرج ليتناول الطعام !! ألم ينتهي عملهم بعد ؟
حسنا وماذا عنها فهي لم تتناول شيئا أيضا ومديرة قسم المحاسبة
المتعجرفة تلك رفضت أن تصرف لها أي مبلغ قبل انتهاء يوم دوامها
الأول حسب القوانين طبعا ، راقبت نظراتها الذي تحرك من هناك
حتى مر قربها قائلا
" هيا جيسي أم لا تريدين الأكل ؟ "
نظرت حينها للواقفة هناك نظرة ماكرة وابتسمت بشر على تلك
النظرات الحارقة التي أرسلتها سكرتيرته نحوها فقد تركها تخرج
لتأكل وحدها أو تتصرف في نفسها بينما هي سيأخذها معه ويبدوا
أن تلك الفاشلة لم يسبق لها أن حضت بوجبة طعام برفقته ، رفعت
سترتها وحقيبتها ورفعت أنفها متعمدة وغادرت خلفه فهذا جزائها
على ما فعلته بها ولولا يقينها من أنها لن تصدقها وستسخر منها
لاعترفت أمامها وإن مكرهة بأنه خطيبها لكن ما سيكون موقفها
وهي تخبرها بذلك وبعينيها تراها تعمل كمرافقة له ؟ دخلت معه
المصعد وقالت مبتسمة
" وأخيرا وقت راحة ، أنتم إلى أي وقت تعملون ؟ ما أعلمه
أن دوام الشركات ينتهي عند الخامسة أو السادسة ؟ "
قال الواقف أمامها ناظرا لأضواء أرقام المصعد التي تهبط تنازليا "
ونحن دوامنا كذلك فهي قوانين موحدة لكن المدير وسكرتيرته
حالة استثنائية دائما إن كان ثمة أعمال مهمة لا تؤجل ونحن
مقبلون على مشروع مهم لشراء معمل طباعة "
تنهدت بضيق متمتمة
" تعني أياما أكثر من العمل المضني ؟ "
قال مبتسما بسخرية
" وماذا رأيت من الأعمال المضنية ؟ لازال هناك رحلات
العمل والحفلات والسهر على العقود والصفقات حتى الصباح "
نظرت له بصدمة وقد منعها باب المصعد الذي انفتح حينها
من الحديث وقد خرج منه من فوره فتبعته حتى وصلا سيارته
وما أن صعدت وأغلقت الباب حتى قالت بضيق
" وما علاقتي أنا بكل ذلك ؟ تركني شقيقي كخطيبة لك وسافر
وليس كعاملة لديك "
قال ببرود وهو يتراجع بالسيارة للخلف
" كنت كذلك وأنتي بنفسك من اخترت أن تغيري من موقعك
في حياتي فلا تلومي إلا نفسك يا غيسانة "
ضربت بقبضتها على فخذها وقالت بغضب
" أنت خدعتني واستغليت الوضع ومطر أخطأ حين رماني في
عهدة رجل لن يعاملني مثله مطلقا "
نظر لها مبتسما بسخرية قبل أن ينظر للبوابة التي خرجت
السيارة منها وقال
" هل باتت معاملة مطر لك سابقا تعجبك ؟ عجبا منك يا غيسانة "
أبعدت شعرها الذي تطاير مع الريح ما أن أسرع بالسيارة على
الطريق وقالت بضيق
" كان يعاملني كشقيقة يحبها على كل حال ، صحيح أن أفكارنا
ومعتقداتنا لا تتشابه وخلافاتنا كثيرة لكن ذلك لم يجعله يعاملني
يوما كعبدة لديه أبدا "
قال بضيق أيضا هذه المرة ونظره على الطريق
" أراد لك الأفضل لكنك ناكرة للجميل وإن عاد الآن مسئول
عنك أقسم أنك ستعودين كالسابق وأسوأ وستتذمرين منه طوال
الوقت لأنك امرأة برأس فارغ تريد فقط ما يخدم مصالحها
لا يعنيك كيف ولا لما حتى أنك وبكل غباء وقعت عقد عمل
دون التفكير في العواقب ولم تسألي نفسك من يكون رئيسك
ذاك وما قد يفعله بك فقط لأنك أردت الهرب مني لا يهم كيف
ولا إلى أين ، هذا هو تفكير النساء المتحررات السخيفات "
شعرت بأنه طعنها في مقتل درجة أن أخرسها تماما لكن بعض
الحقائق تكون أسوأ من أن يعترف المرء بها وسرعان ما بحثت
عما تطعنه به وبالطريقة الأمثل فقالت بحدة
" إن كانت زوجتك السابقة امرأة كهف جاهلة عاشت كجارية
لديك تضحك لك بكل بلاهة فقط لأنك منحتها ابتسامة رضا فهذا
لا يعني أنك تسعدها كثيرا بذلك يا .... "
أمسكت فمها بيدها وقد شعرت بأسنانها تحطمت جميعها درجة
أن دموعها نزلت دون إرادتها بسبب كل ذاك الألم تنظر بصدمة
ليده التي لازال يرفعها بعد ضرب فمها بظهرها بقوة وقد صرخ
وكأنه يهددها بضربها بها مجددا
" لا تتحدث واحدة مثلك عن تلك المرأة التي قدمت الكثير لي
دون أن تنتظر مقابلا مني ، من تحدت ظروفها وظروفي فقط
لتهبني عائلة واستقرارا وأنا أعيش وسط أناس ليسوا من قبائلي
ولم يتقبل أغلبهم وجودي بينهم ، من تحملت المرض والجوع
والمعاناة رافضة رجوعي كي لا أموت مقتولا ... لن تساوي
ولا ظفرها يا غيسانة أتفهمين ذلك "
كانت يدها لازالت على فمها ترتجف كارتجافه تحتها من الألم
ولازالت دموعها تنزل دون توقف ، تعلم بأنها تهورت وأخطأت
في ذكر تلك المرأة لكنه من أجبرها على ذلك وها هو لازال
يهينها بل وضربها أيضا وهي من لم تمتد يد رجل عليها سابقا ،
نظرت باستغراب للطريق التي سلكها والتي أدخلتهم للحي الذي
يسكنون فيه بدلا من المطعم الذي كان يفترض بأن تأكل فيه بعد
كل هذا الجوع والإعياء ! أوقف السيارة أمام باب البناية وقال
بذات غضبه
" انزلي هيا ولشقتك فورا لا أريد رؤيتك لباقي اليوم أو ارتكبت
فيك جرما ولا تخرجي يا غيسانة من الباب أو قسما أتاك مني
ما لم تريه سابقا "
نزلت فورا وضربت الباب خلفها ودخلت البناية راكضة لازالت
تمسك فمها وعبراتها التي فاقت صبرها وتحملها لكل شيء .
*
*
*
تبع بنظره الخادمة التي مرت بجواره تحمل ذاك الكيس الكبير
المنفوخ عاليا لتتمكن من السير به مستغربا مما يجري هنا
وفي هذا الصباح الباكر فعاد أدراجه وتبعها صاعدا السلالم
خلفها حتى وصل ممر غرفة والديه ودخل خلفها الغرفة التي
دخلتها ووقف ينظر مستغربا المكان والخادمتين مع والدته
في تلك الغرفة التي لم تكن موجودة سابقا وقد أصبحت مجهزة
تجهيزا كاملا وكأنها غرفة ملوك ، نظر للتي انتبهت لوجوده
بعد إغلاقها للخزانة المليئة بالثياب الجديدة وقال
" أمي ما هذه الغرفة ولمن ؟ "
مسحت يديها بالمنديل المعقم قائلة
" ليمامة طبعا "
نظر لها بصدمة تجاهلتها كما تجاهلته وانشغلت مع الخادمة
التي دخلت للتو وبدأتا في وضع ذاك الغطاء المحشو بالقطن
على السرير ... ليمامة وهنا وتجهزها بنفسها مع الخادمات !!!
حتى أنها ذكرت اسمها دون حتى أن تقول زوجتك ! اقترب منها
حتى وقف خلفهما يديه وسط جسده وقال
" ولما غرفتها هنا وممر غرفتكما رفضت سابقا أن يكون فيه
أحد ولا ابنتيك ؟ "
قالت وهي تعدل الوسائد البيضاء المطرزة بالخيوط الزهرية
" أجل كان من حقنا في كل هذا المنزل الواسع جهة هادئة تخصنا
والآن أريد يمامة قربي هنا "
قال بضيق ولازال يمسك خصره ناظر لها منشغلة عنه تماما
" لو لم يكن لديك ابنتان لعذرناك بممارسة الأمومة عليها ....
لما لا تضعي جهازا ليزر أيضا ينذرك إن مر أحدهم من
هنا لغرفتها ؟ "
وقفت والتفتت له ونظرت له تلك النظرة النارية الغاضبة التي
يعرفها جيدا والذي تخصه بها وحده دائما لأنه الوحيد الذي
يوصلها لتلك المرحلة المتقدمة من الغضب دون أن يهتم
للعواقب التي يعلم بأنها ستسقط على رأسه ، أمسكت وسطها
بيديها مثله أيضا مقابلة له الند بالند وقالت لمن حولهما
" أتركونا وحدنا "
فخرجن ثلاثتهن فورا وأغلقت آخر واحدة الباب خلفها فقالت
حينها بحدة
" أعتقد أن أمر الفتاة لا يعنيك يا أبان وأنك بلسانك قلت بأنك
لا تريدها وبأنها حجة وها قد أسقطها من على عاتقك فأنا
المسئول الوحيد عنها ما أن تدخل هذا المنزل ولا رأي ولا قرار
لك فيما يخصها سواء كانت غرفتها هنا أو في أي مكان
ولعلمك فقط بأن هذه المرة الأخيرة التي ستدخلها فيها وتحت
أي سبب كان وسأريك أي أمومة هذه التي سأمارسها عليها "
لوح بيده وقال بضيق وكالعادة دون اكتراث لغضبها
" أعتقد أن الطابق الثالث صمم ليكون منزلين لي ولغيهم يفتح
سلالم كل واحد منهما على الطابقين حتى السفلي وبه ثلاث
غرف فلن يقترب منها الغول أبان ومكانها هناك أفضل من
أن تضايق غيهم أو تتضايق من وجوده "
كتفت يديها لصدرها وقالت ببرود
" غيهم غرفته ستنتقل للأعلى أيضا أما أنت فقد اخترت أن
تستقل في طابقكم منذ وقت ويمامة ستكون هنا وانتهى النقاش
في الأمر "
أمسك خصره بيديه مجددا وقال بذات ضيقه
" وأي نقاش هذا الذي ابتدأ لينتهي وأي دور لي فيه أساسا ؟
أعتقد أن عقد الزواج سيشمل اسمي معها وليس أنت ومن
دون وجوده لا شيء سيأتي بها هنا فرجاء يا أمي أ.... "
قاطعته بغضب رافعة سبابتها أمام وجهه
" قسما أن تدخل هنا وإن زوجتها لوالدك ونقاش في الأمر
لا أريد فلا تجعلني أقسم بشيء سيندم عليه كلينا مستقبلا ،
سبق وقلت لا تريدها وبمحض إرادتك ولن تفكر مجرد التفكير
أن تجبر تلك الفتاة على ما لا تريده أتفهم ؟ "
نفض يديه وقال بغضب مماثل
" ومن قال هذا يا أمي فأنا أعلم منك بصغر سنها لكن أن
تهمشيني وهي زوجتي ولا قرار لي فيما يخصها فأمر لن
أرضاه أبدا "
صرخت فيه من فورها
" قل الآن أنك ترفض الزواج منها يا أبان وأرح رأسك ورأسي "
سكت تماما ولم يعرف ما يقول فما سيكون موقفه مع يمان
إن هو رفضها الآن ؟ ثم هو لن ينسى أبدا دموعه وسعادته
بخلاصه وخلاصها يكفيه أنه رفض مساعدته له وأن يعمل معهم
رغم كل إلحاحه الشديد ، يبدوا أن الواقفة أمامه تعلم ذلك جيدا
وباتت تتخذ أساليب قتال جديدة فهو أكثر من يعرفها فلم يكن هذا
رأيها سابقا وكان عليه أن يتزوجها رغما عنه كما كانت تقول ،
طرقات على باب الغرفة قطعت كل ذاك الجو المشحون بينهما
حين تحدث ذاك الصوت الرجولي وقد انفتح الباب ببطء قائلا
" أمي "
وفتح ذاك الباب على اتساعه كاشفا عن صاحب ذاك الجسد
الطويل ببذلة الطيران الخاصة ونظر لهما ومقبض الباب لازال
في يده وقال باستغراب
" ما بكما تتشاجران أمي ولمن هذه الغرفة ؟ "
نظرت له ولازال تنفسها الغاضب يخرج قويا فعلم أن أمرا
سيئا جدا حدث وأسوأ منه قد يحدث إن لم تهدأ ابنة شاهين
الحالك تلك حتى أنها لم تستقبله بذاك الحضن وتلك النظرة
الفخورة والابتسامة المحبة كعادتها حين يرجع من رحلاته
التدريبية رغم أنه هذه المرة تغيب لفترة أطول من سابقاتها
فأهم ما في هذه المرحلة هو اكتساب أكبر عدد من ساعات
الطيران في الجو لأنها من سترفع درجته ككبتن طيران ، سحبت
نفسا حادا ونظرها لازال مركزا على عينيه وقالت بجمود وإن
كانت أنفاسها الغاضبة لازالت تخرج كالإعصار
" قل أنك تفعلها الآن يا غيهم وتتزوج من التي رفضها شقيقك "
نقل أبان نظره بينهما بصدمة بينما دخل هو مقتربا من والدته
وأمسك رأسها وقبله وقال
" أتزوجها يا أمي وكانت من تكون فقط لا تغضبي فجميعهن
نساء الواحدة تأخذ مكان الأخرى أما أنتي فلا أحد يأخذ
مكانك أبدا "
نظرت حينها للذي لازالت نظراته المصدومة تحدق بهما وقد
قال من فوره وبحدة
" أمي ما هذا الذي تنويان فعله ؟ ماذا ستقولون لوالد الفتاة ؟
غيرنا اسم العريس ! "
ضربت كفيها وقالت بحنق
" نقول له ابننا ظهر أنه طفل ولا كلمة له فزوجها للآخر وامسحها
في وجه والدته "
قال بغضب
" لن تضعيني في هذا الموقف مع صديقي يا أمي ، لن أسمح
بذلك أبدا وأبعدي ابنك عن كل هذا والفتاة سأتزوجها
وانتهى الأمر "
تجاهلته ونظرت جهة غيهم وقالت ناظرة لعينيه ويدها تمسح
على ذراعه
" استحم أنت الآن وسأرسل لك الطعام لغرفتك بني لتنام
بعدها وترتاح "
وخرجت من هناك دون أن تضيف شيئا نظرات غيهم تتبعها
حتى غادرت ثم نظر للذي كان يكتف ذراعيه لصدره ناظرا له
بغضب وقد قال من فوره
" في المرة القادمة أبرز شهامتك بعيدا عما يخصني يا ابن والدتك "
حرك رأسه بيأس منه وقال بجمود
" لست أعلم كم مرة سأشرح لك بأن إغضابها لن تجني منه شيئا
سوى تردي وضعك مع الجميع وأولهم من عرشه فوق السماء
وأنك ستخرج خاسرا في حرب أنت فيها الأضعف ووالدك يقف
في صفها دائما "
وتابع بابتسامة ساخرة
" ثم أين خططك الرائعة تلك ؟ ظننت أني ما أن سأصل سأجدك
خلصتنا من ذاك الزواج كما تقول وليس لأجد عروسك في انتظاري "
خرج حينها بخطوات غاضبة قائلا
" بل هنيئا لي ولك بمستقبل ترسمه والدتك كيف تشاء "
حرك الواقف هناك رأسه بعجز وخرج أيضا لازال يمسك قبعة
الطيران تحت ذراعه وتوجه جهة ممر غرفته
*
*
خرج من مبنى المحكمة وتخطى عتبات بابها الرخامية المرتفعة
مبتعدا عن المارة الداخلين والخارجين من ذاك المكان الذي لا
يتوقف عن استقبالهم ، وقف أمام سيارته ونظر للورقتين في يده
فها هو وثق اليوم طلاقين لامرأتين ليس يعلم ما سيكون مستقبل
كل واحدة منهما بعد هذا اليوم وهل سيصل به الأمر لأن يندم على
كل هذا يوما ما خاصة من سعى بنفسه لطلاقها ؟ التفت للخطوات
خلفه وكأن ذاك الشخص قرأ تماما ما كان يفكر فيه ولم يكن سوى
من وقع على إحدى الورقتين بنفسه وقال فورا ناظرا لعينيه
" لم أكن أريد قول ما سأقوله الآن قبل أن أوقع ورقة الطلاق
كي لا تظن أني سأقول ذلك فقط لأغير من قرارك ، وفقط لنكون
على بينة من أجل المستقبل فابنة عمتك هي من دمرت حياتنا
معا بغرورها وأنانيتها ومن أجبرني على الزواج بأخرى لأنه
ما أن تعسر وضعي المادي قليلا وتوقعت أن أفلس حولت حياتي
لجحيم ولولا الأولاد ما أبقيتها معي يوما بعدها "
رفع عمير الورقتين وقال
" ابنة عمتي لم تعد زوجتك ولا يحق لك أن تتحدث عنها لا بالخير
ولا بالسوء وما كان بينكما يجب أن يدفن حيث كان فأنا لن أسمح
أبدا بذلك وعمتي يوم طلبت مني إنصافها أنصفتها بما أرضاك
أنت وبموافقتك كي لا أظلم أحدا منكما "
ابتسم الواقف أمامه ابتسامة جانبية وقال
" وهذا ما أعرفه عن رجال مطر شاهين لكن تذكر فقط ما سأقول
وما وعدت أنت به وما أنا واثق منه فإن فكرت ابنة عمتك في
التضحية بطفلاي من أجل مطامعها وتخلت عنهما بسبب أنانيتها
أن أبنائي لن يتربوا إلا عندي وما تركتهم إلا لأنك من سترعاهم
ولأنك وعدت بأنه بإمكاني رؤيتهم متى أردت وأنا اخترت أن
يكونا لدينا بالتناوب أسبوعين بأسبوعين وإن كرهوا يوما الذهاب
معي سأتركهم من نفسي لها "
مد عمير يده له فصافحه ذاك شادا عليها وقال
" وهكذا يفكرون الرجال الحقيقيون يا قصي وبما أنها من طلب
الطلاق سقط حقها في المطالبة بأي شيء وأنا بالفعل لا أريدك
عدوا لي بل أن أكسبك صديقا فتبقى والد أبناء ابنة عمتي اللتان
لا أحد لهما غيري "
*
*
*
*
سحبت الكرسي وجلست ووضعت حقيبتها تنظر للتي جلست
مقابلة لها عند إحدى طاولات مقهى الجامعة وقد رمت حقيبتها
أيضا وتنهدت قائلة بضيق
" ما كل هذا ؟ ست ساعات في محاضرتين متتاليتين مملتين !
لا أسوأ من كين سوى موادكم ماريه بالله عليك ما الذي فهمته
مما قيل فيهما ؟ "
اتكأت بذقنها على راحة يدها وتمتمت ببرود
" لا شيء طبعا وكأني لم أعرف الإنجليزية حياتي "
أخرجت ساندرين هاتفها من حقيبتها بعد رنينه ونظرت لشاشته ثم
قلبته على الطاولة بعدما غيرته على الوضع الصامت وقالت
" لقد تأخرت عنهم قليلا هذا هو السبب وصديقات كين أولئك
سيساعدنك بالتأكيد "
رفعت غرتها بأصابعها وتنفست بتعب هامسة
" أتمنى ذلك "
وهذا جل ما كانت تتمناه وتعلق أمالها عليه فتغيير سير دراستها
وتأخرها قليلا عن الالتحاق بالجامعة سبب لها مشكلة كبيرة
فهي لا تعلم شيئا تقريبا عن أساسياتها هذا إن استثنت الأرقام
والعمليات الحسابية المعقدة لأنها كانت تبدع في فكها وحلها دون
عناء لكنها شعرت فعلا بأنها في دوامة والأساتذة يشرحون دون
توقف ولا لأخذ نفس والأسئلة ممنوعة وليس على لسان كل
واحد منهما سوى عبارة واحدة من حين للآخر
( ابحثوا عن هذا في الكتب الخارجة (
ويرفعون عن عاتقهم طبعا مهمة شرح ما يعتبرونه ليس من
مهامهم ولن يستطيع الطالب فهم أي محاضرة قبل أن يبحث عن
كل تلك التعقيدات أي أنه لا جدوى منهم سوى في نقل المحاضرة
فقط ، كين أخبرها أنه مع الوقت ستتأقلم مع نظام الجامعة وطرق
أساتذتها وسيصبح كل شيء سهلا وهذا ما وجدته فعلا فهو كان
يعلم على ما يبدوا بأنها لن تفهم شيئا مما سيقال اليوم لذلك طلب
من تلك الفتاة تحديدا صاحبة النظارات الطبية السميكة أن تعيرها
جميع مذكراتها ومسودات المراجع في أقرب وقت ممكن فهو
وفوق تسلمه مهمة تعريفها بالمكان شبرا شبرا حتى أنهم قاموا
بزيارة الغرف الخاصة بالإذاعة الطلابية هناك ومطابع الجريدة
وتجليد الكتب ومشاريع التخرج بحث لها عن أهم وأنبغ الطالبات
اللآتي درسن قبلها ومن أبدين استعدادهن الكامل لمساعدتها ،
نظرت للتي عادت للجلوس بعد مغادرتها لجلب القهوة وقالت
وهي تأخذ الكوب الورقي منها
" لما شقيقك ترك المنزل وغرفته ما تزال هناك ؟ "
رفعت ساندرين كتفيها وقالت وقد بدأت بتحريك القهوة المخفوقة
في الكوب بالملعقة البلاستيكية ونظرها على ما تفعل
" كين يفكر كجميع من يعيشون هنا ... الاستقلال والحرية ومواجهة
تقلبات المستقبل بقوة ليثبت لنفسه أنه قادر على أن يعتمد عليها
فقط لذلك اختار الخروج من المنزل رغم أن والدي لم يكن راض
أبدا عن ذلك لكنه استسلم نهاية الأمر "
قالت الجالسة أمامها بفضول
" هل يقيم هنا في سكن الطلاب ؟ "
حركت رأسها بالنفي ووضعت الملعقة جانبا قائلة
" والدي رفض ذلك كان خائفا عليه من أن يقع فريسة لأسباب
الانحراف خاصة أنه غادر منذ كان في التاسعة عشرة لذلك اختار
له بنفسه أين سيقيم وطبعا كان ذاك شرطه ليوافق على مغادرته "
ثم رفعت كوبها ورشفت منه وهمهمت بتلذذ قبل أن تضعه مجددا
قائلة
" طلب من تيم أن يسمح له بمشاركته شقته وكانت تلك أول
محاولات والدي الفاشلة للتقرب من ذاك الكنعاني "
نظرت لها باستغراب وهمست
" يقيم مع تيم ؟ "
حركت رأسها بالنفي فورا وقالت
" أخبرتك أنها محاولة فاشلة فزوجك رفض بطريقة تعد لبقة
أمام طباعه وكرهه لنا وأرسله ليشارك شخصا آخر شقته وكان
صديقا له قد وافق والدي عليه فورا لكن ذاك الشاب غادر بريطانيا
منذ وقت قصير وأصبح كين مضطرا للبحث عن شريك آخر لدفع
إيجار الشقة حتى يتخرج وحينها سيكون بإمكانه العمل في مكان
جيد وبراتب ممتاز فهذا ما توفره الشهادات الممنوحة من هذه
الجامعة "
نظرت لكوبها قبل أن تعود بنظرها لها قائلة
" ولما رفض أن يقيم معه ؟ هو ليس فرد من عائلته على كل حال "
حركت كتفيها قائلة
" لم يكلف نفسه شرح أسبابه ولا أحد يعلم لما "
وتابعت بنبرة ماكرة تنظر لها بطرف عينها وهي ترتشف من
كوب قهوتها
" يبدوا أنه لديه صديقة ما يرفض أن يفتضح أمرها "
وضحكت فورا على التي شرقت بالقهوة وبدأت بالسعال
فمدت لها بكوب الماء قائلة بضحكة
" أمزح ماريه فلا تموتي هنا وأسجن بسببك ، ثم اطمئني أجزم
بأن ذاك اللوح البارد لم يعرف امرأة في حياته "
أخذت الكوب منها وشرب منه وقالت بضيق وهي تضعه بقوة
على الطاولة
" مزاحك سخيف هل تعلمين ذلك ؟ "
ضحكت من فورها وكانت ستتحدث لولا علا رنين هاتفها مجددا
فنظرت للمتصل وقلبته مجددا دون أن تجيب فقالت
الجالسة أمامها
" لما لا تجيبين على هذا الشخص الذي يتصل بك من وقت ؟ "
رفعت كوب قهوتها قائلة ببرود
" لن أجيب عليها تلك الهازانية الحمقاء وسأعلمها درسا لن
تنساه أبدا كي لا تبيع صديقتها من أجل هازاني أحمق مثلها "
نظرت لها باستغراب وقالت
" هي من الهازان أيضا ؟ "
وضعت الكوب وأومأت برأسها إيجابا وقالت بضيق
" أجل للأسف وكنت غبية حين عقدت صداقة حمقاء معها
ونسيت بأن تلك الدماء الخائنة تجري في عرقها "
تمتمت الجالسة أمامها ببرود تنظر لكوب قهوتها
" توقفي عن نعتهم بالخونة ساندي أو أنا من ستغضب منك "
تأوهت من فورها قائلة
" عذرا ماريه لم أقصد اهانة زوجك "
وتابعت تكتم ضحكتها
" ونسيت أنها ابنة عمه أيضا "
رفعت نظرها لها وقالت مستغربة
" عمه !! "
شربت آخر ما في كوبها وقالت
" أجل ولديه ابن وإبنة وهو الوحيد من أعمامه الذي فر ولم
يصلبه ابن راكان أمام الناس ، ولديه عمة أيضا هي زوجة
لابن ضرار سلطان صاحب إحدى أكبر شركات صنع الطائرات
والطيران في بريستول وطبعا جميعهم في عداد الموتى بالنسبة
له ووالدي معهم ، وهذا بالإضافة لوالده "
نظرت لها هذه المرة بصدمة لم تفق منها بسهولة وقد همست
بحروف بالكاد تسمع
" والده على قيد الحياة !! "
حركت رأسها بنعم وقالت
" أجل فر أيضا من الموت الذي كان سيلحقه لأراضي الحالك
وعاش هنا ويملك أيضاً إحدى كبرى شركات صنع الورق
والأدوات المكتبيه والهندسية في لندن وجامعتي يتعاقدون كثيرا
مع شركته تلك وأسمها بات مشهورا فيها كما الحال مع
جامعات عدة "
حركت رأسها بعجز عن استيعاب كل هذه الحقائق التي تستغرب
أساسا كيف استوعبها عقله ما أن وجدها هنا أمامه ..!
قاطع أفكارها تلك رنين هاتفها في حقيبتها ففتحتها وأخرجته
ونظرت لشاشته قبل أن ترفع نظرها للجالسة أمامها تنظر لها
بفضول وقالت
" هذا تيم !! "
ضحكت من فورها وقالت
" عليك أن تراجعي جميع تصرفاتك اليوم فثمة خطأ سيوبخك عليه
بالتأكيد "
نظرت لها بضيق فقالت تمسك ضحكتها
" لا تجيبي وأخبريه أنك كنت في المحاضرة "
نظرت للهاتف ولإسمه في شاشته وأغرتها الفكرة فلينتظر
وليجرب شيئا من التجاهل الذي يعاملها به ، عاد الهاتف
للرنين مجددا فهمست الجالسة أمامها مبتسمة
" إن اتصل بي سأخبره بأنك في مقهى الجامعة "
نظرت لها بحنق ولم تستبعد أن تفعلها هذه المجنونة فالتهور
يسري في دمائها ، تنهدت بعمق وفتحت الخط تراقب إشارة
الجالسة أمامها بأن تفتح مكبر الصوت لتسمع معها لكنها
تجاهلتها بحركة رافضة من رأسها ووضعت الهاتف على أذنها
ليصلها فورا ذاك الصوت الرجولي العميق الجاد
" مرحبا ماريا "
شعرت بتلك الضربات الحمقاء في قلبها تتصاعد تدريجيا
ما أن سمعت صوته وعبارته تلك فها هو هذه المرة رحب بها
على الأقل وتذكر أصول اللباقة ، تاهت الحروف مع أنفاسها
المضطربة قبل أن تجيب بل ولم يعطها من في الطرف الآخر
وقتا لتصيغ تلك الكلمات وقد قال دون أن ينتظر ردها أكثر
" هل أنتي في الجامعة الآن ؟ "
همست فورا
" أجل"
قال مباشرة
" كيف كانت محاضراتك اليوم ؟ "
قالت بعد تردد لحظة
" جيدة نوعا ما "
وصلها صوته فورا
" ما تعني بنوعا ما ؟ هل من مشاكل واجهتك هناك ؟ "
مررت أصابعها في شعرها للأعلى وقد أخفضت رأسها حيث
كانت تتكئ بمرفقها على الطاولة تنظر لحقيبتها تحتها وقالت
" وجدت بعض الصعوبة في الفهم لأني لم أ ...... "
قاطعها من قبل أن تنهي حديثها
" قد تحتاجين لدورة لتعلم المبادئ أولا ماريا أليس كذلك ؟ "
زمت شفتيها وقبضت أصابعها لا شعوريا على الهاتف وقالت
" يبدوا لي ذلك ثم ثمة طالبات هنا أبدين استع ....... "
قاطعها مجددا
" سأهتم بأمر إلحاقك بدورة مسائية مدتها أسبوعان وستكون
كافية ، أين أنتي الآن ؟ "
مطت شفتيها بحنق ولو كان أمامها الآن لخنقته لا محالة ،
قالت ببرود
" في مقهى الجامعة "
وصلها صوته الحانق فورا
" لما تقوليها هكذا ماريا ؟ "
شدت أصابعها في شعرها حتى آلمها من شدة غيظها منه وقالت
" تيم لما تقف لي على الكلمة ؟ أنا أجبت على سؤالك فقط "
قال وكأنه لم يسمعها
" من معك هناك ؟ "
دست عينيها في راحة يدها التي لازالت تتكئ بمرفقها على
الطاولة تعض طرف شفتها بقوة آلمتها غيظا ليس منه فقط
بل ومن نفسها وصمتها عنه حتى الآن فلن تتخيل أنه اهتماما
منه مطلقا فقد يولي اهتماما بالقطة التي تنام أسفل منزله أكثر
منها ، قال مناديا حين طال صمتها
" ماريا .... "
تنهدت بعمق وقد حررت شفتها وقالت بجمود
" مع ساندرين فهي اختارت أن تكون معي اليوم لأتعرف على
المكان ، هل ثمة سؤال آخر ؟ "
سمعت بوضوح تنفسه القوي دليل تمسكه بالصمت عن الصراخ
الغاضب في وجهها وقال
" حدثني عم والدك اليوم بخصوص سيارة لك "
شعرت بغصة مؤلمة في عمق قلبها من قوله عم والدك بدلا من
عمي أو حتى عم والدتي ولا يمكنها لومه على نبذه للجميع فهي
أكثر من عايشت ما عاناه ووالدته وما حدث معهما فكم ناما
جائعين وكم تحمل المهانة والسب والشتم من الجميع وكم رأت
الأسى والحزن في عينيه على حالتها وعن عجزه عن فعل أي
شيء ليوفر لها علاجها على الأقل وتعترف بأنه لا يحق لأحد
الآن أن يعترض على نبذه لهم وكل واحد منهم يعيش هنا
مرفها متجاهلين تلك التي ماتت بسبب المرض والإهمال ،
تنفست نفسا عميقا وهمست
" أخبرتني ساندرين عن ذلك "
قال من فوره
" ما رأيك أنتي في هذا ؟ "
لوت لسانها داخل فمها تمنع نفسها عن قول تلك العبارة التي
تعلم بأن ثمنها سيكون توبيخا معتبرا منه ، فمنذ متى كان يأخذ
رأيها في شيء يخصها ؟ قالت بكل ما استجلبته من هدوء
" لا يمكنهم تكريس وقتهم لإيصالي للجامعة دائما فلكل واحد
منهم عمله المرتبط به ولست أرى الحافلات ولا سيارات
الأجرة حلا "
قال من فوره
" لا بأس إذا لكن الاستهتار ممنوع ماريا والخروج بها ليلا
ممنوع منعا باتا وتحت أي سبب كان ولن يركب معك فيها غير
عمك أو زوجته وابنته "
سوت جلستها وهي من أعلنت عليه الحرب هذه المرة وقد
قالت بضيق والدموع بدأت بملئ عينيها المحتقنتان غصبا وأسى
" تيم لا أفهم لما تقيد نفسك فعلا بفتاة لا تريدها درجة أن تحاول
جعلها تكره كل شيء حولها لتكرهك أنت "
أنهت جملتها الحانقة تلك تسحب الهواء لرئتيها وأشاحت
بوجهها جانبا متجاهلة التي صفقت لها بصمت مشجعة
تمردها الأول عليه وأغمضت عينيها بشدة ما أن وصلها
صوته الغاضب
" لا احد يجبرني على تحمل أمر لا أريده ماريا أتفهمين هذا ؟
أعيدي هذا الكلام مجددا وسيكون لي حساب آخر معك "
شدت على أسنانها بقوك وغضب ورمت الهاتف على الطاولة
متمتمة بضيق
" المتعجرف أغلق الخط في وجهي"
ضحكت الجالسة أمامها من فورها ولم تهدأ من ذاك الضحك
إلا بعد وقت وقالت
" ما الذي كنت تتوقعينه منه مثلا ؟ أن يقول لك لا بالله
عليك لا أريد أن تبتعدي عني"
نظرت لها بضيق ووقفت وحملت حقيبتها وقالت تدس
الهاتف فيها
" ها قد انتهت قهوتك فلنغادر من هنا فهذا المكان بات
خانقا بشكل مقيت "
وقفت تلك من فورها وحملت حقيبتها أيضا وغادرتا معا
على صوتها قائلة بنزق
" لست أفهم لما يعكر لك ذاك الهازاني مزاجك وأدفع أنا الثمن ؟ "
*
*
*
يتبــــــــــــــــــــــــــــع
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 67 others like this.
رد مع اقتباس
#3869
قديم 01-11-17, 09:19 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
فتحت باب الخزانة الحديدية الوحيدة الموجودة في الغرفة
ودست جسدها داخلها وفتحت الهاتف الذي تخبئه فيها فيمان منذ
يوم خطبتها يترك هاتفه معها كلما غادر المنزل خوفا من زوجة
والدهما فهو لم يطمئن لما تضمره لها من شر بعد أن علمت بأنها
ستغادر المنزل ولن تتوانى عن فعل أي شيء لتفسد عليها ذاك
الزواج فهي من كانت ترفع عنها أعمال المنزل والأرض والحضيرة
والدجاج بل وابنيها التوأمان أيضا ولن ترضى بالتأكيد أن يصبح
كل هذا على عاتقها هي خاصة الآن وبعد أن طلب والدها إعفائها
من جميع أعمالها السابقة بعد زيارة تلك المرأة وزوجها لهم ولأن
يمان يغادر كثيرا هذه الأيام وقد أخبرها سرا بأنه يبحث عن عمل
ومنزل للإيجار يترك هاتفه معها لتتصل بأبان إن حدث أمر طارئ
وليست تفهم لما يخاف هكذا من زوجة والدهما ويتوقع أن تضمر
لها الشر درجة أن تحتاج لأن تتصل بذاك الشاب لينقدها ؟!
بدأت بممارسة هوايتها المحببة وهي التقليب في ذاك الجهاز
الذي لم تملك حياتها مثله ولم يكن يسمح لها يمان بالعبث به
كيف تشاء خشية أن تفسده ، فتحت استديو الصور وبابتسامة
واسعة قلبت صور شقيقاها الصغيران التي يحتفظ لهما بها في
جهازه فعلاقتهما بأخويهما قوية فقد تربيا على يديها وحملا الكثير
من طباعها رغم صغر سنهما ، ماتت ابتسامتها فجأة وشعرت
بيديها تيبستا تماما ما أن ظهرت صورة أخرى مختلفة ليست
لأي منهم بل لشاب تعرفه تماما فقد سبق ورأته في مرتين
وفي موقفين لا شيء أسوء منهما في حياتها أبدا ، ذات ذاك الشعر
الأسود الناعم المصفف بعناية والابتسامة المشاكسة الجذابة يلبس
قميصا أبيضا قد ثنى كميه حتى مرفقيه منحن في وقفته يمسك مرفق
يده اليمنى باليد اليسرى ، أغلقت الهاتف فورا وأرجعته لمكانه
ليس بسبب رهبتها من رؤية صورته فقط بل وبسبب باب المنزل
الذي طرقه أحدهم فجأة فأغلقت باب الخزانة وتوجهت لباب الغرفة
وفتحته قليلا تنظر من شق الباب وابتسمت بحنان فورا ما أن رأت
التي دخلت من الباب وسلمت على زوجة والدها قبل أن تنظر
خلفها قائلة " ثمة أغراض وهدايا ليمامة ولأخوتها سينزلها
السائق قرب الباب وتدخلها الخادمة "
*
*
*
طرق الباب أكثر من مرة ولم تجب فزاد الطرق بشدة أكبر
وبلا فائدة فأدار المقبض وفتح الباب ودخل ووقع نظره فورا
على النائمة على السرير تغطي كامل جسدها باللحاف حتى رأسها ،
وضع أكياس الطعام الساخن على الطاولة الوحيدة في الغرفة
وقال ناظرا للتي تعتصم تحت أغطية سريرها هناك والتي يعلم
بأنها ليست نائمة وأنها تعلم بدخوله
" غيسانة اجلسي لتتناولي الطعام ... أعلم بأنك مستيقظة "
ولا جواب ولا أي حركة صدرت عنها فتنهد بقوة داسا يديه في
جيبيه وقال بهدوء
" آسف بشأن ما حدث ولن يتكرر فهيا اجلسي لتأكلي "
تحرك حينها جسدها قليلا تحت اللحاف جهة يدها التي يبدوا أنها
رفعتها لوجهها وسرعان ما أدرك بأنها كانت تمسح دموعها
وقد خرج صوتها الباكي
" وأنا آسفة ما كان عليا التحدث عنها هكذا ، ليست تنقصني
لعنة أموات فحياتي سيئة من دونها "
لم يستطع امساك ابتسامته التي سرعان ما تحولت لضحكة صغيرة
وقال وقد بدأ بفتح الأكياس وإخراج الطعام منها
" تعالي لتأكلي فليس ثمة لعنة تصيبنا من الأموات أكبر من أنهم
ماتوا وتركونا "
*
*
*
أبعدت طرف الوشاح الذي طار على وجهها بسبب الهواء
القوي الداخل من النافذة وقالت ضاحكة وهي تعدله مجددا
" هذه مزحة بالتأكيد "
قال صقر مبتسما
" بل حقيقة ويمكنك التأكد من ذلك بنفسك "
نظرت له بطرف عينها بشك فقال ضاحكا
" حسنا ليس الأمر كله حقيقي لكن الحكاية موجودة فعلا "
قالت مبتسمة
" حسنا وما قصة تسمية بلدة حجور ؟ "
قال بابتسامة مماثلة ونظره على الطريق أمامه
" هذه حكايتها طويلة وجميلة أيضا لكن عليك أن تستمعي لها
للنهاية ولا داعي لذكائك الخبيث ذاك في كشف نقاط ضعف القصة "
دارت بجسدها ناحيته وقالت مبتسمة
" أعدك أن أستمع فقط "
فضحك وبدأ بسرد القصة التي تناقلتها الأجيال عن سبب تسمية
تلك المدينة وهي تستمع له مبتسمة بانسجام فالطريق برفقته
كانت كرحلتها ورعد تماما مسلية ورائعة ولم تشعر بالوقت
أبدا فهو يذكرها كثيرا بجدها الذي كم اشتاقت له وكم تتمنى
أن يصبح بينهم قريبا فهو من كان يسليها في غربتها هناك
ورغم قلة زياراته لها إلا أنها كانت تقضي برفقته وقتا يعوضها
عن كل وحدتها بعد زيارته السابقة ، عمها صقر وجدها دجى
لا تراهما يشبهان شخصية والدها أبدا وكأنهم ليسوا من ذات
العائلة فهل جدها شاهين كان مختلفا عنهما ؟ انتبهت للجالس
بقربها والذي قال مبتسما
" ومنذ ذاك الوقت سميت بحجور ، أعجبتك هذه القصة ؟
أم لم يستوعبها عقلك أيضا ؟ "
حركت طرف أنفها بسبابتها وقالت مبتسمة
" يبدوا أني لم أنتبه للحكاية جيدا "
ضحك وقال
" وفيما كنت تفكرين وتتركيني أتحدث طوال هذا الوقت ؟ "
قالت من فورها وبفضول
" جدي شاهين كيف كان ؟ مثلك وجدي دجى أم كوالدي فأنتما
تختلفان عنه كثيرا "
ضحك وقال
" جدك شاهين كان زعيم قبيلة رجل صارم وقيادي كوالدك لكنه
لا يشبهه أبدا ... مطر غرس فيه والده مبادئ سامية حتى
شاهين رحمه الله لم يهتم لأن يتمسك بها مثلما جعل منه رجلا
كما تريه أمامك الآن لكنهما حقا مختلفان يا تيما "
اتكأت بمرفقها على إطار النافذة وأراحت خدها على كفها ناظرة
له وقالت بصوت منخفض متردد
" حتى قاسم مختلف عنكم ؟ أراه كوالدي تماما "
ضحك صقر وقال
" هذان الأحمقان لا يكسر أنفيهما إلا النساء فوالدك سبق وأن
جعلته والدتك يدور حول نفسه ومصير ابن عمته سيكون مثله ،
ثم قاسم مر بظروف مختلفة بعد اختطافه خلف حدود الهازان "
أبعدت خدها عن يدها وقالت باستغراب خالطه الكثير من الفضول
" اختطف خلف الحدود ! "
قال صقر ونظره على الطريق أمامه
" أجل حين كان في الخامسة عشرة ومكث هناك ثمان سنين
كاملة لا أحد يعلم تفاصيل ما حدث هناك معه غيره فكل ما قاله
بأنه سجن في أحد سجون ابن راكان لستة أعوام كاملة وأن
التعذيب كان أحد أساليبهم معه وتمكن من الهرب منهم بعدها
ولكنه لم يستطع الخروج من هناك فبقي مختبئا في الهازان لعامين
وقد أمسك به ابن راكان وقت تحرير الهازان وخرج به من هنا
ولم يتمكن والدك من تحريره منه إلا بعد عامين آخرين وكانت
والدته توفيت حينها وقبل أن يتمكن من رؤيتها مجددا فعاش باقي
السنوات الماضية في لندن أيضا وكان يعمل مع من كرسوا أنفسهم
لخدمة البلاد هناك ودرس إدارة الأعمال وتخرج منها بمساعدة والدك
ووقت عودة مطر عاد أيضا فلن تتوقعي أبدا أن يكون مختلفا عنه
يا تيما بعدما مر به ما علمنا منه وما جهلنا والذي يبدوا أنه من
قسوته يرفض الحديث عنه "
شعرت بارتجاف غريب في جسدها واضطربت ضربات قلبها بشكل
مؤلم وهمست بخفوت
" كله في كفة وموت والدته بعده في كفة لوحدها "
حرك رأسه إيجابا وقال بحزن
" ماتت شوقا للقائه رحمها الله وأرى أن هذا ما كسره فعلا وأكثر
حتى من التعذيب الذي تلقاه منهم وإن لم يصرح بذلك فهي كانت
أحن أهله عليه تخشى من النسيم أن يصيبه بسوء لكن هكذا كانت
مشيئة الله "
رطبت شفتيها بطرف لسانها وطرحت السؤال الذي ترددت كثيرا
لقوله وقالت بشبه همس
" وهل سيقيم معنا ؟ سمعت والدي يقول له أ .... "
قاطعها رافعا كتفيه
" لا قطعا فهو سيبقى لأيام فقط كما قال حين كنا في باريس
فشخصية قاسم استقلالية بشدة لن يوافق أبدا على البقاء ثم
عائلة والده يسكنون جنوب الحالك وجده تزوج مرتين وله
جدتين وأعمام وعمات كثر لن يعجبهم بالتأكيد أن يستقر في
حوران ويسكن معنا متجاهلا لهم رغم يقيني من أنه لن يعيش
بينهم أيضا ، عائلة والده كبيرة ومعروفة من قبل توحيد البلاد
واتسعت شهرتها الآن فهم من أكبر تجار القمح والشعير ويملكون
أغلب أراضي الجنوب الزراعية ورغم ذلك أنا موقن من أنه لن
يعتمد سوى على نفسه فهو لا تنقصه الشهادة ولا الخبرة ولا
المال أيضا "
عدلت طرف حجابها مجددا وكان في جعبتها عدد لا يحصى من
الأسئلة لتبحث لها عن أجوبة عنده لكنها لم تستطع طرح المزيد
منها فالمهم الآن أنها لن تضطر لمواجهته مجددا بما أنه سيغادر
قريبا وهذا ما هي عازمة عليه فلن ترجع للمنزل قبل رحيله فقد
اشبعت مواقف سيئة كان هو الشاهد عليها .
دخلا مدينة العمران حينها فنظرت لنافذتها وانشغلت بمشاهدتها
وكأنها لم تراها سابقا فلازالت تبهرها تلك الألوان المتناسقة بين
الأبيض والأخضر العشبي وكم يذهلها تقيد الجميع بذاك اللون سواء
في الأبنية أو النوافذ والأبواب ، قالت مبتسمة تراقب ما حولها
" لو أنهم يخصصون يوما يلبس فيه الجميع اللونين الأخضر
والأبيض ولا تخرج للشارع سوى السيارات بذات ذاك اللون
لكان مهرجانا عالميا تقصده الناس من كل مكان "
ضحك الجالس بجوارها وقال
" اقترحي الفكرة على والدتك فإما أن تنفذها أو أن ترميك خارج
سور مملكتها "
ضحكت وقالت
" أتوقع الخيار الثاني طبعا "
ضحك كثيرا وتوقفت السيارة حينها أمام بوابة المنزل فنظرت له وقالت
" ألن تنزل لتراها أيضا ؟ "
حرك رأسه بالرفض وقال
" هي ستكون في جمعيتها الآن وليست في المنزل وأنا عليا
العودة لحوران سريعا "
تنهدت بحزن وفضلت أن لا تناقشه في الأمر أكثر ثم حضنته
تلف ذراعيها حول عنقه وقبلت خده قائلة
" شكرا لك عمي أعلم أنها رحلة متعبة وبدون جدوى ولم تفعلها
إلا من أجلي "
مسح على طرف وجهها ما أن ابتعدت عنه وقال مبتسما
" بل فعلتها عن طيب خاطر فأي شيء إلا رؤية دموع حفيدتنا
المحببة "
قبلت خده مجددا شاكرة له ونزلت من السيارة ولوحت له مودعة
وتوجهت جهة المنزل لأنها تعلم بأنه لن يغادر قبل دخولها ،
وما أن احتازت الحديقة حتى سمعت أصوات رجولية وضحكة
الكاسر فابتسمت من فورها بسعادة وتوجهت حيث تلك الأصوات
وما أن وصلت هناك ظهر لها قفا الجالس على الكرسي المتحرك
ذا الشعر البني والأكتاف العريضة فنزلت دموعها دون شعور منها
ما أن علمت من سيكون فمسحتها سريعا وبقوة وسمعت صوت
الكاسر والذي كان يجلس مقابلا له يخفيها عنه عند الطاولة
الحجرية في وسط الحديقة قائلا بضحكة
" أقسم أني لم أغش لما لا تصدق بأنه يمكنني هزيمتك "
ثم ارتفعت يده وفيها إحدى قطع لعبة الشطرنج وقال وهوينزلها
مجددا
" هع مات وزيرك "
ابتسمت بحزن ما أن بعثر الجالس أمامه القطع جميعها قائلا بضيق
" لن تنتصر عليا وأنت من خسرت أمامي خمس جولات متتالية
إلا بالغش ولا مفر لك من التهمة فهي لبستك لا محالة "
اقتربت حينها منهما أكثر فكان الكاسر أول من انتبه لوجودها
وابتسم لها من فوره وقبل أن يدير الجالس أمامه رأسه لرؤية
من يكون القادم من خلفه كانت قد وصلت عنده وحضنته من
ظهره بقوة مطوقة لعنقه بذراعيها وقالت مبتسمة
" خالي رماح ... كم تشوقت لرؤيتك ومعرفتك "
أمسك بيده ساعدها وقال مبتسما يبعدها عنه
" تعالي تعالي هنا .... لا تقولي أنك ابنة غسق ؟ "
دارت حول كرسيه ضاحكة مع حركة يده التي لم تترك رسغها
حتى كانت بجانبه وقبلت حينها جبينه تكابد دموعها بشق الأنفس
وقالت مبتسمة ببحة
" حمدا لله على سلامتك "
امسك يدها مبتسما وقال وهو يحاول أن يديرها حول نفسها
" نعم نعم دعيني أرى "
دارت في مكانها ضاحكة وقالت
" أعلم ما ستقوله .... لست تصدق بأني ابنة غسق ومن المفترض
أن أكون شقيقتها "
ضحك وقال وهو يدير كرسيه ناحيتها بواسطة ذراع التحكم
" حقا أنتي أجمل من أي حد لتوقعاتي وليجهز ابن شاهين
نفسه لخاطبيك منذ الآن "
قالت ضاحكة بحياء
" للأسف لم أرى منهم أحدا حتى الآن لكنك الوحيد الذي قال
بأني جميلة دون أن يغني في والدتي قصيدة أولا "
ضحك كثيرا وقال
" والدتك تلك إن كانت امرأة تغتر بنفسها سريعا ما كانت لتكلم
أحدا مطلقاً من كثرة المديح الذي سمعته في حياتها "
جلست معهم حول الطاولة وقالت
" رائع تلعبون لعبتي المفضلة ، من منافسي في هذه الجولة ؟ "
رفع الكاسر يديه عاليا وقال
" ليس أنا ولن أكون أبدا فإن لم أتغلب عليك في الأمور التي
لا تعرفينها فكيف بلعبتك المفضلة كما تقولين "
نظر بعدها لرماح الذي كان ينظر له مبتسما وقال
" لا أنصحك أبدا بتجربة مواهبها فهي داهية في جسد فتاة "
ضحكت وقالت بمكر ناظرة للجالس بجانبها
" خالي رماح ما رأيك في ذكائه لتعلم إن كان الأمر متعلقا
بمواهبي أو به ؟ "
ضحك رماح من فوره وقال ينظر له بطرف عينه
" ما أنا متأكد منه أنه لولا شدة والدتك وحزمها معه ما اجتاز
عاما دراسيا "
شهق الكاسر في وجهه بصدمة وضحكا كليهما عليه ثم نظرت
خلفها قائلة
" والدتي مؤكد في الجمعية ؟ أين عمتي جويرية إذا ؟ "
قال الكاسر وهو يعيد ترتيب قطع الشطرنج
" تجديها تتشاجر وذاك المهندس فهي في عقبه منذ دخل "
نظرت له وقالت باستغراب
" مهندس !! "
قال ولازال منشغلا بما يفعل
" أجل مهندس برمجيات فهذا الصباح أفاقت لنا والدتك بمزاج
كالبارود واتصلت بشركة حواسيب واتصالات وأرسلوا هذا الرجل
لفك جهاز المراقبة الذي تم تركيبه موخرا في المنزل كما أنها
طردت جميع الحراس "
نظرت خلفها مستغربة وكأنها ستراهم وتذكرت أنها بالفعل لم
تجدهم وقت دخولها !! نظرت له وقالت
" وكيف ستتركون المكان دون حراسة ؟ ثم ما سبب كل هذا ؟ "
قال رماح هذه المرة وهو يضع القطع التي كانت في جانبه
" قالت بأنه ثمة من اخترق نظام المراقبة وطبعا الحرس هم
المتهم الأساسي "
مط الكاسر يداه عاليا وقال متثائبا
" يبدوا أن القوات الوطنية الخاصة من ستتولى حمايتنا أي أن
الأمر سيصبح أكثر تعقيد "
نقلت نظرها بينهما باستغراب قبل أن تنظر ليديها في حجرها
متنهدة بحزن فها هي والدتها غاضبة فوق غضبها منها والأمور
لا تزداد إلا سوء ، وقفت وقالت ناظرة للكاسر
" رعد أخبرني سابقا بأنها تدخل للجمعية من هنا فهل يمكنني
استخدام ذاك الباب لأصل لها ؟ "
نظر لها باستغراب لبرهة قبل أن يرفع يديه بجانبي وجهه قائلا
" ولست المسئول إن هي غضبت من ذلك فلم يستخدمه أحد
غيرها سابقا "
توجهت نحوه وسحبته من يده قائلة
" لن أذكر اسمك أبدا اطمئن "
وتابعت مبتسمة وبصوت مرتفع وهما يبتعدان
" سأعود للعب معك يا رماح فلا تضن بأني هربت من المواجهة "
وصلها صوت ضحكته وقد قال صارخا لابتعادهما
" وأنا في انتظارك يا ابنة مطر شاهين "
*
*
*
نظرت للساعة في معصمها والتي كانت تشير للواحدة ظهرا
وتنفست بعمق متشهدة على نفسها ثم توجهت جهة قاعة
المحاضرات فلا يمكنها الهرب منه اليوم أيضا وحتى متى
ستهرب فكل محاضرة ستضيع منها هي من ستدفع ثمنها
فعليها مواجهة مصيرها مثلما رمت نفسها فيه ، سحقا لها
هل كان عليها أن تقحم نفسها في هذه المشكلة ؟ كان غرضها
شريفا ولا تريد سوى أن تجد لحياة صديقتها حلا بدلا من أن
تستمر في مشاهدتها تعاني لباقي عمرها ، حسنا وما جنيت من
ذلك يا زهور يا حمقاء سوى أن طارت ماريه مع زوجها وبقيت
أنتي هنا لمواجهة محاميه الذي صمد في وجه عمها كل هذه
الأعوام فما سيفعله بك أنتي المسكينة ؟ الذنب ليس ذنبها فما كان
يدريها بأنه سيدرس في جامعتها التعيسة هذه ؟ تنفست بعمق
ودخلت القاعة فلن يجلب لها الوقوف أمام الباب الحظ ولا مفر
لها من مواجهة ذاك الرجل الذي ليست تعلم حتى كيف يكون ،
صعدت المدرج وجلست خلف شابين طويلان يكفيان لإخفائها
وإن جزئيا فلعل ذاك الرجل نسي أمرها تماما أو لن يهتم بوجودها
حتى إن تعرف على اسمها ، ثم كم من فتاة إسمها زهور لما
ستكون هي مثلا ؟ حمقاء هو علم حتى أين تدرس أي يعلم عنها
ما لا تعلم هي عن نفسها ، أنزلت رأسها واختبأت خلف الرأسين
الأسودين اللذين بالكاد أخفياها بسبب علو مقعدها عنهما ما أن دخل
الذي لم ترى سوى ساقيه وبنطلونه الكحلي بقماشه الأنيق وصوته
الرجولي ملقيا التحية ثم صوت سحبه للكرسي الذي سيجلس عليه ،
لو كان الأمر بيدها لاختبأت تحت الطاولة لكنه سينادي بإسمها
ليتأكد من عدد الحضور وهي الحمقاء نسيت هذه النقطة المحاضرة
الماضية التي هربت منه ومنها ، كانت تريد الإختباء لأطول وقت
ممكن لكن فضولها الغبي الملتصق بها منذ ولدت لم يتركها خاصة
مع صمته الطويل المبهم والهمس والتمتمات حولها فرفعت رأسها
قليلا وكادت أن تغص بريقها وتموت للأبد ما أن وقع نظرها على
الواقف أمام أول مقعد في المدرج مقابلا لها تماما بل ويراها وينظر
لها تحديدا يديه وسط جسده وابتسامة مائلة تزين تلك الشفتين ،
لم تتخيل أن يكون في منتصف الثلاثين أو يزيد قليلا !! توقعته
على الأقل ناصف الأربعين ومحام ذو خبرة طويلة ليقف في وجه
جميع أولئك المحامين الذين دفع لهم عم ماريه أموالا لا تعد
ولا تحصى ليبطل عقد زواجها ، هذا أصغر من شهرته بكثير
وكما هم قبائل جنوب الحالك سواد الشعر الفاحم والعينان واللحية
الخفيفة مع بياض البشرة سمات يفوقون فيه قبائل الحالك أجمعها .
اتسعت ابتسامته وقال بسخرية
" الآنسة زهور هنا اليوم ؟ ما هذه المفاجأة "
دست وجهها في حقيبتها على الطاولة أمامها لينساب ذاك
الشعر الحريري القصير الذي لم يتجاوز طوله نهاية عنقها تلعن
نفسها بهمس قبل أن ترفعه مجددا ودست يدها في حقيبتها
وأخرجت منها ما أعدته سلفا وكان عبارة عن قلم رصاص
ربطت فيه منديلا أبيضا صغيرا رفعته أمام وجهها وحركته
لتنطلق ضحكته فور وقال وهو يستدير متوجها لطاولته
" أخرجي لي هنا لأرى "
مدت شفتيها بعبوس شبه باكي ونظرت لكل تلك الأعين الفضولية
التي تحدق بها وبذاك العلم الأحمق في يدها
( ماريه لو تعلمي أي كارثة تركتها لي بعدك ورحلتي )
كانت تلك أول عبارة تبادرت لذهنها ما أن علمت ما ستكون عليه
حجم مصيبتها ، مؤكد ذاك الداهية عرفها من تغيبها السابق
وحضورها الآن هذا إن لم يكن يعرف شكلها من قبل أن يأتي
للتدريس هنا ، وقفت مستسلمة لقدرها وغادرت مقعدها ووقفت
على مبعدة من طاولته فرفع نظره من على الأوراق التي أخرجها
من حقيبته ونصب ساق على الأخرى وقال مشيرا بالقلم في يده
" قفي هنا مقابلة لزملائك "
تنهدت باستسلام وفعلت ما طلب منها تنتظر كيف سيكون عقابها
هذا الذي يستلزم أن يرى الجميع وجهها ولم يتأخر ذاك كثير
حتى قال
" اشرحي ما الذي يتحدث عنه القانون التجاري ؟ "
فتحت عيناها على أتساعها ، يا إلهي ما هذه الورطة فهي لم تحظر
معهم المحاضرة الماضية ولم تنقلها أيضا ، كان الصمت الطويل
جوابها الوحيد لا تعرف أي مأزق هذا الذي هي فيه ثم لما هذا
الأسلوب وكأنها طالبة ابتدائية ! منذ متى يسألون في الجامعات عن
المحاضرات الماضية وما شأنه بها تعرف أم لا وكيف ستعرف عن
مادة لم تدرسها سابقا أبدا ولا تعرفها فهي سنتها الأولى في
الجامعة وهذه المادة تأخروا في تدريسها لأنه يتم إلغائها أغلب
الأحيان أو تصنف كمادة اختيارية وليست إلزامية نظرا لأن
القوانين الوضعية ذاتها التي تسري على التجارة والاقتصاد
أما هذا العام فقد لعب ابن شاهين بجميع قوانينهم بالتعاقب
وعليهم دراسة كل ذلك بقوانين الشريعة الإسلامية حتى أنه أعاد
كبار المحامين كطلبة لتلقي ما تم تغييره وأدى كل ذلك للتركيز
على من يدرسون مثل هذه المواد التي اضيفت مؤخرا ، لم يكن
ثمة حل أمامها سوى أن تداوي المصيبة بمصيبة وهذا ما اعتادت
عليه كل حياتها لا تفكر في العواقب كي لا تتراجع ، توجهت جهته
وبخفة سرقت الورقة من أمامه قبل أن يفيق من صدمته بحركتها
تلك فهي اكتسبت مهارة خاصة في هذا ، قالت مبتسمة بانتصار
ما أن حصلت على غنيمتها
" بما أنه ثمة استثناء في الجامعات ليوقف الأستاذ الطالبة ويسألها
كالطفلة فثمة استثناء أيضا سيسمح لي باستعارة هذه منك "
علت الضحكات الرجولية في القاعة مختلطة بضحكته الخشنة بينما
كان التحفظ مريبا من الجنس الآخر ، اتكأ للخلف لظهر كرسيه
وقال مبتسما وهو يلعب بالقلم بين أصابعه
" جيد ولعلمك فقط إن لم تجيبي عن السؤال ستقفين وجهك
للجدار حتى نهاية المحاضرة يا طفلة المدرسة "
نظرت له بصدمة وما أن نقلت نظراتها تلك من ابتسامته
الساخرة للورقة بين يديها علمت أي مازق جديد ذاك الذي
اوقعت نفسها فيه
وهي تنظر بأسى للائحة أسمائهم المدونة فيها فغطت بها وجهها
قائلة باستياء
" قالتها والدتي مرارا
( تشترين المصائب بالمال إن لم تجدي ما تقحمين نفسك فيه ) "
*
*
*
تنهدت تسحب نفسا طويلا قبل أن تحرره من صدرها وقد ابتعدت
بأفكارها تماما عن الجالسة أمامها والتي قالت مبتسمة تضع يدها
على الأوراق تحتها
" مهلك سيدة غسق لا أريد أن أجمع أوراقي المتطايرة من الشارع "
لم تستطع منع ضحكة صغيرة تمردت على سجن أضلعها التي
تطبق على ذاك القلب بقوة فالجالسة أمامها الآن استطاعت
أن تقلب ذاك المزاح للحظة بابتسامتها التي افتقدتها حقا لأعوام
طويلة والتي لم تتوقع أن يكون طلاقها وكل ما حدث هو ما سيعيد
تلك الابتسامك لثغرها الجميل وكأنها تحررت من كل ذاك
السواد المحيط بها ما أن فعلت ما فعلته البارحة وكم باتت تعشق
الآن جليلة هذه التي لم تعرفها يوما بل التي كانت تختبئ خلف
تلك الفتاك الهادئة المسالمة الرقيقة التي تعجز أحيانا حتى عن
الدفاع عن نفسها ، هي الشيء الوحيد الذي لون صباحها اليوم
بالسعادة والتفاؤل وهي تراها لساعات تتنقل بين الأقسام وتقابل
الجميع بابتسامة كم اشتاقت أن تهديها لكل من حولها ... ابتسامة
مشرقة صادقة تلامس شغاف القلب ، وليست تلومها أبدا بل
وتتفهم موقفها فمن كانت لتستحمل كل ما مرت به ولو لم تكن
امرأة قوية بالفعل ما كانت لتكون هذه ردت فعلها حتى وإن كانت
هي من اختار مصيرها بنفسها ، امرأة أخرى بشخصيه
مهزوزه وضعيفة كانت لتتقهقر للوراء تبكي خيباتها ولكانت
سجنت نفسها خلف سواد نظرة الناس للخطيئة لكنها فعلا
استحقت وبجدارة أن كانت إحدى عضوات إدارة جمعيتها
بل ومن ستصبح قدوة حقيقية لكل من ستحاول مستقبلا تخطي
عقد ماضيها وصعوبة ظروفها لتواجه واقعها بكل شجاعة .
نظرت للأوراق تحتها ومررت طرف سبابتها على أنفها الصغير
المستقيم صعودا حتى استقر بين حاجبيها الرقيقان واللذان
عقدتهما بشكل طفيف تنظر لإصبع الجالسة أمامها تحركه على
إحدى أسطر الورقة تحتها قائلة
" هل رأيت هذا يا غسق ؟ إنه البند الوحيد الذي لا يمكننا
الموافقة عليه ، هم يحاولون التلاعب بنا بهذا الشرط ومتأكدة
من أنك إن عرضت العقد على أي محام سيفسر لك ذلك قانونيا
وستجدين أن ما أقوله صحيح "
رفعت القلم بجانبها وأشارت عليه بدائرة حمراء ثم وضعته
جانبا ورفعت نظرها لعينيها وقالت بهدوء
" جليلة ثمة ما يشغل تفكيري وعلينا الحديث عنه الآن لأستطيع
أن أركز ولو قليلا "
نظرت لها بصمت تنتظر ما ستقول بينما تنهدت هي بأسى
وغابت بنظرها لتلك الدائرة الحمراء وسط كل ذاك البياض
المزدحم بتلك الأحرف والكلمات تشعر وكأنها مسجونة
وسط تلك الدائرة المغلقة وترفض قيودها تلك بقدر ما تريد
الاحتماء داخلها وللأبد ، قلبت الورقة في حركة لا شعورية
ونظرت لها مجددا وقالت
" جليلة هل كنت تجهلين كشقيقي حكم الشرع في الزواج بنية
الطلاق ؟ "
نظرت لها لوقت وكأنها تترجم ما قالت قبل أن تهمس باستغراب
" حكمه شرعا ؟ "
حركت رأسها إيجابا وقالت بضيق
" لست أفهم هل صبغت القوانين الوضعية عقولنا جميعا أم
بتنا نبتعد عن ديننا درجة أن لا نتأكد من الأمر قبل فعله ؟
لم أستطع تصديق جهل رماح بذلك حتى أقسم اليوم أمامي بأنه
إن علم قبل أن يطلقك لكان أتم زواجه منك فانظري أي تعقيد
ذاك الذي كنتما ستصلان له "
قبضت الجالسة أمامها أصابعها لا شعورياً وهمست
" لا يا ألهي ما الذي كان ينوي فعله بي وبتلك المرأة التي
أضاعت سنوات حياتها السابقة تنتظره على الأمل الميت "
قالت الجالسة أمامها بأسى
" لست أفهم لما تتعقد حكايتهما يا جليلة ؟ رحيل تلك الفتاة
من هنا معناه أنها قد لا ترجع وللأبد "
طرقات منخفضة على الباب جعلتها تصمت عما كانت تريد قوله
وقد التفتت خلفها ما أن انفتح وظهرت ابتي ووقفت أمامه قائلة
" سيدة جليلة ثمة من يطلبك في الأسفل وجاء بحثا عنك "
وقفت من فورها وقالت تجمع الاوراق المبعثرة بينهما
" لم يعد بيدنا شيء نفعله يا غسق فاتركي الأمر لهما وحدهما
فليس ثمة رجل يرضى بأن يخفض راية التحدي مع قلبه
والعشق لأنثاه إلا وأحدهما من يعلن الهزيمة ليثبت للآخر بأنه
الطرف الأقوى وتلك هي الحقيقة التي لا تقبل جدالا فالخاسر
في الحب الصادق بين الطرفين هو المنتصر دائما "
وضمت الأوراق لحظنها وتابعت مبتسمة تنظر لتلك الأحداق
السوداء الفاتنة المحدقة بها باستغراب
" وأنتي أكبر مثال على ذلك يا غسق فلا تتركي ذاك الرجل
ينتصر آخر الأمر بينما أنت الطرف الأقوى فالمعادله معكوسه
دائما يا ابنة خالتي "
وغادرت ما أن أنهت جملتها تلك تراقبها تلك النظرات التائهة
حتى تورات خلف الباب الذي أغلقته بهدوء وتركتها تواجه
حقيقة قاسية ترفض الاقتناع بها ولا تصديقها ، وقفت وتوجهت
جهة الواجهة الزجاجية الواسعة لمكتبها والمطلة على الجزء
الأمامي من المبنى ووقع نظرها فورا على ذاك البناء الذي بدأت
ترتفع أسسه المتينة شيئا فشيئا .... المبنى الذي لازالت تجهل
ما سيكون ولا يحق لها مناقشة أمره مع أحد لأن مشاركتها
كل ما تملك من أراض هنا بات حق مشروع لذاك الرجل وحده
وقانونيا أيضا ، شدت قبضتيها بقوة وقد تذكرت كلمات جليلة
الأخيرة ، أي جنون هذا الذي أصاب عقل تلك المرأة ؟ لا يمكنها
أبدا استيعاب ما تقول ....!! هل تعني حقا بأنها طيلة الأربعة
عشرة سنة الماضية كانت هي المنتصرة عليه بينما انقلب
الوضع الآن للعكس تماما ؟ هل تريدها أن تقتنع بأنها إن استسلمت
له وتنازلت بالاعتراف به والعيش معه ستصبح هي المنتصرة !
حركت رأسها برفض هامسة " لا ذاك جنون قطعا ، إنه
للجنون بعينه "
التفتت مسرعة تنظر بصدمة للوحة التي تحركت من مكانها
هناك وللباب الذي انفتح كاشفا عن الواقفة أمامه ليست تفهم ولا
تعلم كيف وصلت هنا ومتى ! والتي نظرت لها بحزن قائلة
" أمي يمكنك طردي من هنا ومن منزلك بأكمله لكن استمعي لي
أولاً أرجوك "
رفعت نظرها للأعلى وتنفست بعمق فكلمة أمي من بين شفتيها
كفيلة وحدها بجعل قلبها يرتجف حنانا يخصها به دون الجميع ،
قالت الواقفة هناك برجاء
" قسما أمي أني ظننت بأن جدي دجى هو القادم من فرنسا
مع عمي صقر لذلك ذهبت "
شعرت بقلبها نزف حنينا هذه المرة بذكر ذاك الغائب الغريب عنها
ومن هي قطعة منه ومن دمه وكانت ستتحدث لولا قاطعها رنين
الهاتف في حيب السترة القصيرة للواقفة هناك والتي مدت يدها
له فورا فهذه النغمة تخص والدها ولا يمكنها تجاهل اتصاله ،
أخرجت الهاتف من جيبها وأجابت من فورها قائلة
" أجل أبي "
شعرت بقلبها يعتصر ألما وهي تنظر للتي اشاحت بوجهها
حانبا وبعيدا عنها فور أن علمت بهوية المتصل والذي قال
من فوره وبلهجة أخافتها وجعلتها ترتاب بشدة
" تيما هل وصلت للعمران ؟ "
أجابت من فورها ونظراتها الحزينة تراقب التي عادت للنظر
للخارج مولية ظهرها لها
" أجل أبي "
وصلها صوته الحازم فورا
" ووالدتك قربك ؟ "
عضت طرف شفتها وعلمت حينها أنه بالفعل ثمة أمر سىيء جدا
بينهما حدث أو سيحدث ، حررت شفتها ببطىء هامسة
" أجل أبي "
قال مباشرة
" أعطها هاتفك بسرعة "
غضنت جبينها وقالت بصوت منخفض
" لكن أبي أ ..... "
قاطعها من فوره وبحزم
" أعطها الهاتف يا تيما وغادري "
*
*
*
دخلتا لندن بعد مغيب الشمس بقليل وبعدما قضتا اليوم بطوله
في تلك المدينة الرائعة ، كانت متحمسة لتلك النزهة فعلا لكنها
لم تستمتع بها كما أرادت حتى أنها تمنت بأنها لم تسمع صوته
ولم يتصل بها ، من كان ليتوقع أن تتحول لهفتها لأعوام لأن تراه
من بعيد أو تسمع صوته وإن لم تكن المعنية بحديثه لكل هذا الألم
والخواء الروحي درجة أن تتألم لاهتمامه ولجفائه بذات الطريقة !!
لقد علمها ذاك الرجل درسا قاسيا جدا في محدودية التفكير وفي أن
الأنثى عليها أن لا تنتظر من رجل حروب وموت وقتل ودماء أن
يعزز غرورها كأنثى ولا كذبا ولا حتى مجاملة وبأنه مجرد آلة
حرب وآلة عمل وآلة مسؤليات لا تتوقف عن العمل أبدا ليهتم
بمن حوله ، باتت تشفق حقا على جميع النساء المتزوجات
بأمثاله كإشفاقها على نفسها الآن تماما .
اتكأت بمرفقها على إطار النافذة وخبأت وجهها فيه تقبض بيدها
الأخرى على القميص جهة قلبها هامسة بأسى وخفوت
" ماذا أفعل مع هذا الذي تعلق به منذ كان صغيرا ... ماذا ؟ "
ودست عيناها في كمها تغمضهما بقوة كي لا تبكي فيكفيها ضعفا
وركضا خلف مشاعرها البائسة
" ماريه هل أنتي بخير ؟ "
رفعت رأسها ما أن وصلها صوت الجالسة بجانبها قلقا متوجسا
ورفعت شعرها بأصابعها للأعلى وهمست ببحة تخفي الحقيقة التي
تخجل حتى من البوح بها
" بخير ... أشعر فقط بالنعاس والإعياء "
أدارت ساندرين مقود السيارة لتدخل حيهم قائلة
" هذا أمر طبيعي بما أنك لم تنامي البارحة ثم محاضرات وتنزه
لساعات طويلة من الجيد أنه لم يغمى عليك ، أنا آسفة حقا فلم أفكر
في كل ذالك بسبب حماسي لأريك المدينة "
اتكأت برأسه للخلف وتمتمت مغمضة العينين
" لا بأس ساندي فأنا أيضا كنت متحمسة لرؤيتها لكنت طلبت
منك أن نعود "
لم تستطع فتح عينيها المرهقتان رغم تباطء حركة السيارة
لوصولهما لكن ما جعلها تقفز جالسة هي الشهقة القوية
للجالسة بجوارها والتي صرخت بصدمة
" يا إلهي ماريه أنظري لهذه السيارة "
نظرت من فورها وباستغراب للسيارة الجديدة المتوقفة أمام المنزل ...
سيارة أنيقة فاخرة باللون العسلي كلون شعرها وعينيها تماما ،
أوقفت ساندرين سيارتها وقالت وهي تفتح الباب ونظرها لازال على
تلك السيارة
" لم أتخيل أن والدي سيفعلها بهذه السرعة وبأنه يمتلك ذوقا
رائعا هكذا ؟ "
وتابعت وهي تنزل
" هذه السيارة هي التي تستحق أن توضع في المرآب بدلا من
سيارتي التي باتت باهتة مسكينة أمامها "
وأغلقت الباب عند آخر كلمة قالتها ثم دارت حول السيارة
وقالت ضاحكة للتي لازالت جالسة مكانها تنظر لتلك
الامبورغيني بلون الذهب
" يبدوا أننا سنتبادل سيارتينا كثيرا مستقبلا "
وتابعت ضحكتها وهي تلف حول تلك السيارة ملامسة لها
بأصبعها من الخارج فنزلت ونظرها يتبعها وتبعتها للداخل
تسمع حديثها المسترسل عن تلك القطعة الذهبية التي تركتاها
في الخارج ولم تعلق بشيء وجل تفكيرها في أن عمها ما كان
ليستطيع سحب شيء من حسابها في المصرف دون إذنها
وتوقيعها ؟
وصلتا للداخل وكان وزوجته يجلسان في صالون الاستقبال
وقالت ساندرين التي وقفت أمامهما تمسك وسطها بيديها وبضيق
" هذا ظلم وانحياز سأرضى به طبعا من أجل ماريه "
ضحكا كليهما وقالت التي وقفت بجانبها
" عمي ما كان عليك أن تكلف نفسك ثمن هذه السيارة فهو
مؤكد مرتفع جدا ؟ "
قال ضاحكا
" إن بعت منزلي وزوجتي والواقفة بجانبك الآن ما تحصلت
على ثمنها ، زوجك من أرسلها قبل أقل من ساعة ومفتاحها في
غرفتك الآن "
نظرت لهما بصدمة بينما تأوهت الواقفة بجانبها قائلة بتذمر
" آه أبي بالله عليك من أين سأحصل الآن على زوج ثري يهديني
مثلها ؟ "
ضحكا على تعليقها وقال والدها
" حسبما علمت فثمة ثري خطبك من نفسك وأنتي رفضته فعلى
من سيقع اللوم الآن ؟ "
أخرجت لسانها بتقزز وبدأت بشن حرب عدائها وسبابها المعتاد
على قبائل الهازان بأكملهم بينما غادرت الواقفة بجانبها جهة
غرفتها في صمت وإن لم يكن متناسبا مع خطواتها الواسعة
الغاضبة ، دخلت الغرفة وضربت بابها خلفها بقوة وفتحت حقيبتها
وأخرجت هاتفها منها ورمتها على السرير بغضب فمن قال له بأنها
تريد سيارة من ماله فحتى الثياب والأغراض التي أرسلها لم تعجبها
فكرة أن يشتريها هو وقد رماها هنا دون اهتمام ولا توضيح ،
ثم ما يدريه إن كانت تريد هذه السيارة أم لا وإن كان أساسا
يمكنها قيادة هذا النوع ؟ كتبت أحرف الرسالة بغضب تشعر به
يزداد تدريجيا وأرسلتها له فورا وكان فيها
( لما اشتريت السيارة من مالك ؟ )
وانتظرت قليلا تضرب الأرض بطرف حذائها بضيق وغضب
مكبوت وحين لم يصل منه أي جواب أرسلت له مجددا
( تيم أجب )
ولا فائدة من كل ذلك فتنفست بقوة وغضب واتصلت به فورا
ووضعت الهاتف على أذنها تسمع رنينه في الطرف الآخر حتى
أبعدته فجأة تنظر له بصدمة حين أغلق الخط في وجهها فرمته
بطول يدها على السرير صارخة
" وتغضب أيضا وتعرف معنى الغضب والإهانة يا تيم ؟ "
وقفت لوقت تنظر لذاك الهاتف الأسود المرمي وسط الأغطية
البيضاء تتنفس بقوة وغضب وتشعر بأن جرحها منه هذه المرة
تخطى أي حدود له فهل يغضب هو لمجرد أن تأخرت في الرد
عليه سابقا بينما يفعل هو أسوء من ذلك ؟ هل يغضب وليوم كامل
فقط من قولها للحقيقة ومواجهته بتهميشه لها ومعاملتها كنكرة
بينما هي ليس من حقها ذلك ؟ شعرت بمشاعرها تهاوت للصفر
درجة أن نسيت من يكون تيم ومن كانت ماريه وما سيكونان
فرفعت هاتفها مجددا وأرسلت له ودون تراجع
( طلقني يا ابن كنعان )
ثم رمت الهاتف حيث كان كما رمت معه أحلامها وأمانيها
البعيدة وكما ارتمت معه تلك الدمعة على وجنتها المحتقنة بشدة
وهي تتوجه جهة باب الحمام الذي ضربته خلفها بقوة واتكأت
عليه تبكي بألم ونحيب ليست تبكيه هو بل تبكي ماريه وطفولة
ماريه وكل عذاب تحملته في انتظاره وهو مجرد وهم وسراب
كما كانت هي مجرد غبية ساذجة بلهاء لكانت عملت بنصيحة
زهور وتطلقت منه من أعوام وتزوجت بغيره وإن كان ابن عمها
برآء ، نزعت ملابسها عنها بقوة وغضب وواصلت مسيرة بكائها
الصامت تحت الرذاذ القوي لتلك المياه الدافئة وكأنها تغسل روحها
المشوهة بالألم وقلبها العالق في سواد الماضي الذي طالما رأته
جميلا رغم كل تلك الكآبة فيه .
مرت الدقائق أبطء من السير على نصل سكين حاد وهي تحاول
إيقاف تلك الدموع والشهقات المغمورة بالماء تستجدي تلك
الطفلة فيها أن تحررها منها وللأبد لكن اليأس كان حليفها
فمن منا استطاع انتشال نفسه من ماضيه وكأنه لم يوجد أبدا
وقد غرس داخلنا وللأبد ؟
هو أشبه بمحاولة نسيان شخص مات ودفن تحت التراب إنه
المستحيل الذي لم ولن يستطيع فعله أحد .
خرجت من تحت الماء بعدما نزفت كل تلك الدموع التي لم
يعد يمكنها جلب المزيد منها لأنها تنتهي دائما ولا تبقي إلا
الألم الذي لن تستطيع إخراجه معها أبدا ، لبست منشفة
الحمام الزهرية الخاصة وربطت حزامها وشعرت بذراعيها
تؤلمانها حد أن عجزت عن تجفيف شعرها الذي تقاطرت
منه المياه على الأرض تحتها وقد توجهت للمرآة ونظرت
لوجهها ولعيناها وجفناها المحتقنان بشدة فأغمضتهما
برفق تشعر بثقل لا يوصف فيهما وتتمنى أن تغمضهما
حتى مساء غد .. لا بل أن تغمضهما وللأبد وتلحق بجميع من
ماتوا وتركوها منذ أعوام بعيدة ، مررت أصابعها في غرتها
المبللة للأعلى وتنفست بعمق متعوذة من الشيطان في قلبها
وفتحت باب الحمام وخرجت ليفتح حينها باب غرفتها وأدخلت
ساندرين رأسها منه ونظرت لها نظرة لم تستطع فهمها أبدا
وقد قالت
" ماريه أكنت في الحمام وأنا أطرق الباب منذ وقت ؟ "
أبعدت شفتيها ببطء وكانت ستتحدث فسبقتها تلك قائلة
بهمس مبهم
" زوجك هنا "
فشعرت بالأرض تدور من تحتها وبالدماء تتجمد في عروقها
انتقالا من ساقيها ووصولا لشفتيها الحمراء الصغيرة الممتلئة
كثمرة فراولة صغيرة ناضجة وفقدت القدرة على النطق نهائيا
ليس فقط بسبب ما سمعته منها بل وبسبب الصوت الرجولي
البارد الحازم الذي قال من خلف ذاك الباب
" معذرة هلا ابتعدت لأدخل "
*
*
*
وقف بسيارته أمام باب المنزل وما أن نزل منها رن هاتفه
فأخرجه وما أن نظر للإسم وقف مسندا يده بسقفها وفتح
الخط ووضعه على أذنه وقال ناظرا للأرض تحته
" مرحبا إيلينا "
قالت من في الطرف الآخر من فورها
" مرحبا وقاص "
وتابعت بخيبة أمل
" ظننت أنه بإمكاني رؤيتك اليوم لنتحدث "
تنفس بعمق وقال
" لم أجد وقتا وأشعر بأني سأنا.... "
قاطعته مباشرة
" أحتاج لأن نتحدث سريعا وعليك أن تتفهم موقفنا وقاص أنت لم "...
قاطعها أيضا وبحزم
" زيزفون لا علاقة لها بالأمر إيلينا عليك أن تصدقي ما أقول
وتقتنعي بأنه حقيقة فليست تعرف زوجة شقيقك تلك ولم تراها
يوما كما أنها لا تعرف المتهم بقتله ولم تراه أبدا ويمكن إثبات
ذلك قانونيا وبسهولة فجنبينا كل هذا لأني لا أريد أن تدخل
أقسام الشرطة وجلسات المحاكم أبدا "
وصلته تلك النبرة الشبه باكية
" وقاص لما ترفض التعاون في القضية وتصر على أن ايديا
السبب في موت ريكاردوا ؟ ابنة عمك تلك هي من قد تملك جوابا
مفيدا فلن أصدق أنه يمكن لشخص أن يرسم شخصا لم يراه يوما
بكل تلك الدقة !! "
تنفس بضيق ورفع رأسه وأبعد يده ودسها في جيب بنطلونه قائلا
" إيلينا زيزفون لن تقحم في قضية لا علاقة لها بها وعليك أن
تقتنعي بأن تلك المرأة لم تستحق ثقتكم يوما وكما سبق
وأخبرتك فبإمكاني إثبات برآءتها وبرآءة ذاك الرجل بسهولة
إن أنا تدخلت فلا تضطريني لفعل ذلك من أجلها ، ثم لو رأيت
ملامح جميع النساء في لوحات شقيقك لوجدت أن كل خمس
لوحات تشترك في إحداها وكل ما فعلته زيزفون أن جمعت تلك
الملامح في لوحة واحدة وأنا من أخبرها عن هوية تلك المرأة
بعد ما رسمتها وأعتقد أنه ليس ثمة غبية توقع نفسها في ذاك
المأزق إن كانت تعلم عن قضية القتل"
وصله صوتها قائلة بأسى حزين
" وداعا يا وقاص "
وأنهت المكالمة فدس هاتفه في جيبه وتوجه جهة باب المنزل
تاركا كل ما قيل خلف ظهره فلن يسمح بإقحامها في قضيتهم
تلك وعليهم أن يعترفوا بأن تلك المرأة السبب وإن سكتوا عنها
أكثر فستأخذ ابنهم الآخر للموت أيضا ، دخل المنزل الساكن
الهادئ ووقف مكانه ينظر باستغراب لباب مكتب جده الشبه
مفتوح والضوء المنبعث منه قد رسم خطا طويلا في ذاك البهو
المظلم فما يعلمه أن جده وزوجات والده وأبنائهم مدعوون
لحفل عشاء عائلي لدى أحد أصدقاء العائلة وأنهم جميعا قد
لبوا الدعوة إلا أن كان أحدعم قد عاد مبكرا !! توقع أن جده
سيكون هناك فتحرك نحوه ووقف على مقربة منه ونظر
بصدمة للتي خرجت بعدما فتحته على اتساعه تنظر له
بجمود وكأنها تمثال حجري فهمس بغير تصديق
" زيزفون !! "
المخرج ~
بقلم/ بريق اروح
تيم &ماريه
لماذا نسيتني
لماذا تركتني
ليس لي في الحب بعدك الا قلبا منكسر
ليس لي في الجرح بعدك الا دما منحسر
ليس في قلبي حياه
الا في عروقي الوفا
اينتهي الامل البعيد اينتهي الحب الفريد ايموت الوريد
جفت في عرقي الدما
لذاء لم يدمي قلبي
ماريه&تيم
ما لكي بي مني وفي
انتي لي
لا تيأسي من رحمت الخالق
سوف تنسي الالم
انا لكي
كوني كعدي بالوفاء لكي
كوني كقلبي يتسنا لكي كوني عشقي كما كنت لكي
سوف انسيكي الاساءه سوف انسيك الالم
نهاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الثاني عشر 12 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الثاني عشر
المدخل~
بقلم/ Reeo
من ماريا لتييييم....
قلي ولو كذبا كلاما ناعما
وأهمس لي بأجمل الأشعار
قل أحبك وإن كنت غير صادقا
فأنا بتلك الكلمة...أشبه الأزهار
قل أحبك وأنا بحبك هائما
وأسقي الورود في قلبي بالأمطار
فأنا في فن المحبة طفلتا
تنساق خلف عشقك بأنبهار
ولكن أنتبه قد ينتهي الحب وينهار
وقلبي قد يأتي يوم ويسئم الأنتظار.
من تيم لمارييييا....
أعلم أني أتصف بالبرود
وأعلم بأن تركك بدون وعود
يجرحك يا أميرة الورود
وأن جرحكي بلا أي حدود
لكن لا تنتظري مني الجواب
ولا تسألي وتنقادي خلف سراب
فلن تجدي أجابة على صواب
فأنا أخشى توهانك في الضباب
وأنتي تبحيثين عن الأسباب
-يا طفلتيي-أستمعي ولا تسببي لنفسك العذاب
**********
لم تستطع استيعاب ما قالت الواقفة هناك عند الباب لتستطيع
تصديق بأن ما سمعته خلفها يكون صوت ذاك الرجل حقا !
لم تفكر في مظهرها بروب الحمام الزهري القصير وشعرها
المبلل وعيناها المحتقنتان بشدة ولا في المدة التي قضتها في
الحمام ليصل فيها إلى هنا بل في أن ذاك الصوت الذي سمعته
لن يكون من نسج خيالها مجددا وأن لا تكون عواطفها الغبية
لعبت بها مرة أخرى ... لكنها قالت زوجك هنا أي أنها حقيقة !
وقد تجلت لها سريعا ما أن اختفت الواقفة هناك وبعدما أشارت
بإبهامها غامزة لها وكأنها تذكرها بأن تكون قوية ليحل محلها
صاحب الجسد الطويل بملابسه السوداء .. بنطلونه المخفي حتى
نصف ساقيه في ذاك الحذاء الأسود الطويل والحزام الجلدي الأسود
المشدود حول خصره النحيل ... وصولا للقميص القطني الضيق
بالكتابة البيضاء العريضة على صدره والذي لن يكون سوى شعار
تلك المنظمة بالتأكيد فهل جاء من هناك إلى هنا !! هل ترك فعلا
عمله ليأتي ! إذا سيجد الحجة ليتهمها بالحمق وليبرر لنفسه
سبب تجاهل اتصالها ، وسيكون غضبا حقيقيا ذاك الذي جلبه إلى
هنا فورا ... وهذا ما علمته فور أن رفعت نظرها لعينيه الغاضبة
وملامحه القاسية رغم أن نظراته كانت تنتقل في تفاصيلها صعودا
وقد ارتجف قلبها بشدة ما أن التقت نظراتهما وشعرت بالألم يعتصر
ذاك الموجود بين أضلعها يئن بصمت فهي لم تراه منذ .... منذ
تركها في غرفة الفندق الساكنة تلك تحاصرها رائحته وأشيائه
في كل مكان .... بل منذ افترقا دون وداع ودون أن يشرح لها
سبب ما فعل لتجد نفسها هنا من دونه ومن دون كل شيء .
هربت بنظراتها منه ما أن ثبتت نظراتهما وهمست بخفوت
تقبض أصابعها على حزام روبها القصير
" يمكنك انتظاري في غرفة الضيوف حتى أرتدي ثيابي "
ارتجف جسدها وأغمضت عينيها بشدة ما أن ضرب باب الغرفة
بقوة ووصلها صوته البارد
" ويمكنك ارتدائها وأنا هنا "
" لااااا "
عضت طرف لسانها لا شعوريا ما أن رأت ذاك الغضب يشتد
في عينيه وليست تعلم كيف اندفعت تلك الكلمة منها ولا ما
فهمه هو وفسره من قولها لها ؟ وسيزداد موقفها سوء بالتأكيد
إن هو فهمه رفضا آخر له ولحقيقة ما يربطهما ، تراجعت للخلف
خطوة لا شعوريا ما أن تقدم نحوها بخطوات واسعة غاضبة
وراقبته نظراتها الوجلة وقد انحنى ورفع هاتفها من فوق السرير
وفتشه قليلا قبل أن يرفعه أمام وجهها وعلى شاشته أحرف
رسالتها تلك وأشار لتلك الكلمة تحديدا بإصبع يده الأخرى
والملتفتان بقفازين جلديين لا يظهر منهما سوى أصابعه
وقال بحدة
" هذه الكلمة لن أسمعها منك مجددا مارياا أتفهمين ما أقول ؟
... ط ل ا ق لن أطلقك أبدا وتحت أي سبب كان ... مفهوووم ؟ "
تجاهلت ارتجاف قلبها وتمزق مشاعرها ونظرت لعينيه وقالت
بضيق تكابد الدموع التي عادت للتكدس في عينيها
" من المفترض أن تحرر نفسك مني نهائيا يا تيم ... أنا أتحدث
عن واقع ما صرت إليه وما وجدت أنت نفسك فيه "
رمى يده جانبا وصرخ في وجهها بعنف
" أقتلك ماريا أم ما أفعل بك يا حمقاء ؟ "
رمى بعدها بذاك الهاتف مكانه السابق بعنف وأمسكها من ذراعها
وسحبها جهة الخزانة الخشبية الواسعة وأوقفها أمامها وقال بحدة
ناظرا لصورتها في مرآتها
" انظري لوجهك ولعينيك ... كل هذا لأني لم اجب على اتصالك ؟
أم لأني ألبي كل ما تطلبين فور أن تطلبيه ؟ هل أفهم فيما
أخطأت مثلا ؟ "
أسدلت جفناها بعيدا عن صورتهما تلك ... عن الفتاة الحزينة
والعينان الباكية وعن نصفها الآخر الغاضب الواقف بجانبها
والذي لو علم عن سبب بكائها ما صرخ بها هكذا ، رفعت يدها
وأمسكت رسغ يده الممسكة لذراعها بقوة وهمست بألم
" أنت تؤلمني "
أدارها ناحيته بقوة تطايرت معها خصلات شعرها الرطب مصطدمة
بوجهها قبل أن تنزل تباعا وقد تطايرت قطرات الماء منه مشبعة
برائحة الشامبو المميزة حتى وصلت وجهه وشدها من كلتا
ذراعيها وهزها منهما قائلا بغضب أشد
" أجل وسأولمك أكثر مارياا كلما كررت تلك الحماقات وفكرت بها ...
لن تتحرري من ابن كنعان إلا بموته ... إلا إن مااات وانتهى
أتفهمين ذلك ... يا زوجته ؟ "
عند تلك الكلمة انهارت آخر حصونها الهشة أساسا وفقدت
آخر ما تملكه من حصانة ضد الواقف أمامها فدست عيناها في
كفها وانهارت باكية فلن تفيد جميع محاولاتها لاستجداء أي ذرة
قوة متبقية داخلها فهي لم تعد تملك منها شيئا وباتت أضعف من
أن تقاوم انهيارها ذاك الذي بدأ بتحطيمها من قبل قدومه إلى هنا
فكيف الآن ؟ وها هي تثبت له مجددا هشاشتها أمامه واحتياجها
لأمانه لا لقسوته .. رسالة لم تحتج لفك ولا لتشفير ليفهمها
صاحب تلك الأنفاس الغاضبة التي بدأت تهدأ تدريجيا مع
ارتفاع تلك الشهقات الباكية فشدها فورا لحضنه شاتما بهمس خافت
" سحقا لك يا رجل "
فكيف نسي بأنها أنثى وأنها امرأة وليست رجلا ممن اعتاد على
الاحتكاك بهم واعتادوا هم على استيعاب غضبه وأساليبه القاسية
فيبدوا أن تيم الفتى الأخرق لم يفارقه أبدا كما أن تلك الطفلة
الحساسة البكاءه لازالت كما هي تنام الآن في حضنه وتسكب
دموعها فيه ، شد رأسها لصدره يغرس أصابعه في شعرها
الناعم الرطب هامسا
" هششش يكفي بكاء ماريا "
توقع أن كلماته تلك لن تجدي في شيء وأن الزمن لم يغير فيها
ذلك وذاك ما حدث فعلا ، أغمض عينيه فور أن شعر بقبضتيها
تشدان ظهر قميصه تطوق جسده بذراعيها بقوة وتدفن عبراتها
حيث أضلعه وضربات قلبه الثابتة فشدها له أكثر بذراعه الأخرى
قائلا بما يعتبره هو نبرة هادئة جاهد نفسه دهرا لاستجلابها
" ماريا لو أنك تحاولين فهمي فقط لما وصلنا لكل هذا ، ثم أيرضيك
أن اقتل بسببك وأنتي تراسليني بلقبي الحقيقي وتسجلين اسمي
في هاتفك كاملا ؟ هذا هو العقاب الذي تختارينه لي فقط لأني
أهملت اتصالك ؟ "
حركت رأسها نفيا ولازالت تدس وجهها في صدره ولازالت على
بكائها الذي لم ينقص شيئا فأبعدها عنه ومسح على وجنتيها بظهر
أصابعه المكشوفة من ذاك القفاز الجلدي الأسود وهمس بضيق
وقد حرك أصابعه أمام وجنتها حين رفضت تلك الدموع التوقف
" توقفي عن البكاء ماريا أو ضربتك الآن "
لم تستطع إمساك ابتسامة تغلبت على ملامحها الحزينة الباكية تلك
والتي سرعان ما تحولت لضحكة متقطعة تخللت أنفاسها المختنقة
بعبراتها تنظر له من بين تلك الدموع التي تملأ عينيها وتناقض
تماما تلك الضحكة المنخفضة المبحوحة فغرس أصابعه في
غرتها الرطبة وبعثرها وقد ارتفعت زاوية فمه بابتسامة صغيرة قائلا
" تبا لك ماريا أعدتني لحجور في ثوان معدودة "
ترقرقت الدموع دافئة في عينيها المحدقة به ولامست أصابع باردة
قلبها أوصلت ذاك التجمد الغريب لأطرافها وهي ترى تلك النظرة
التي أخفاها سريعا في عينيه فوحدها تعرف ما تعنيه بلدة حجور له ...
إنها ماضيه المتمثل في والدته .. صوتها .. ابتسامتها .. حنانها
ودفئ حضنها ، تمنت أن رفعت يدها ولمست خده .. أن كانت
أقرب له من أي وقت وأي شخص في تلك اللحظة لكنها كانت تعلم
بأنه سيرفضها سيرفض أن يظهر ضعفا هو نفسه لا يعترف به
لنفسه فلن تتخيل أن رجلا مثله قد يفعلها ، وذاك ما تأكد لها فور
أن رفع نظره لعينيها مجددا وقد اختفت تلك النظرة من تلك الأحداق
السوداء القوية الواثقة في لمح البصر كما ظهرت وكما توقعت تماما ،
طال الصمت بينهما وطالت نظرته تلك لعينيها درجة أن أفقدتها
أنفاسها فلم تفهم ما تخفيه نظرته تلك وعن ماذا تبحث تحديدا في
عينيها ؟ أمازال في دوامة الماضي البعيد ذاك رغم تبدل تلك المشاعر
في عينيه ؟ أيحتاج مثلها أن يتحدث عما يخالجه ... ما يتعسه وما
يشعر بأن الجميع لا يفهمه ؟ هل يفكر فعلا مثلها ؟ لا مطلقا لن
يكون كذلك وليس لها أن تتوقعه .
أبعدت شفتيها الزهرية وقررت قول أي شيء وإن كانت تجهل ما
سيكون لكنه أسكتها بلمسة من سبابته ممررا لها عليها ببطء هامسا
" هشششش "
قبل أن تنتقل أصابعه لشعرها غارسا إياهم فيه وشدها له وقد أحنى
رأسه ناحيتها وكاد يوقف قلبها من شدة صدمتها وهو يشرح لها
الأمر بالطريقة التي لم تتوقعها أبدا ... ليست تعلم كم قبلة كانت تلك ؟
... كم واحدة ! ... كم مرة ؟ وكم طال الأمر ؟ وكأنه قرر وبجنون
التهام تلك الشفتين بعنف رجولي مثير تحول للرقة تدريجيا درجة
أن أفقدها القدرة على الثبات رغم تمسكها بقميصه الذي كانت
تتمسك به بأصابعها الرقيقة بقوة وكادت أن تنزلق من حضنه
للأرض لولا ذراعه الملتفة حول خصرها ثبتها لجسده بقوة مما
جعل الأمر يزداد تهورا وهي تشعر بضغط أصابعه على خصرها
وخصلات شعرها يزداد شدها لدرجة آلمتها وخرج أنينها دون
شعور منها مما جعله يرفع رأسه سريعا ليتدفق الهواء لرئتيها
بقوة ودفعة واحدة ما أن أبعد شفتيه وقرر تحريرها من عبثهما
المجنون ذاك حتى كادت تشرق به وبدأت ذاك السعال يتصارع
وسط أضلعها وقد أخفضت رأسها تكتم أنفاسها تلك بظهر
أصابعها تغمض عينيها بشدة تشعر بأصابعه تخرج ببطء من
خصلات شعرها وبالأخرى تحرر خصرها ولم تسمع بعدها سوى
خطواته مجتازا لها ثم صوته قائلا بجدية وهو يفتح باب
الغرفة مغادرا
" اتصلي بي إن احتجت شيئا ولا تغضبي إن لم اجب ..
مفهوم ماريا ؟ "
وما أن سمعت الباب اغلق رفعت رأسها للأعلى تسحب الهواء
لرئتيها بقوة ويدها على قلبها الذي لازال فاقدا السيطرة على
نبضاته المجنونة تعض شفتها بقوة وكأنها تحاول طرد شعورها
بملمس شفتيه فيهما ، ليست تعلم أي جنون ذاك الذي جرفهما
فجأة وبما تسمي ما حدث ؟ كل ما تعلمه بأن تيم الفتى الذي لم
يعرف يومها جواب سؤالها البريء عن السبب الذي يتزوج به
الرجال من النساء قد أصبح رجلا بالفعل مثلما تغيرت نظرته
لماريه الطفلة التي لم تكن تعني له أكثر من مصدر إزعاج
لا يهتم ولا لكونها أنثى بجميع تفاصيلها .
مررت أصابعها في شعرها وخطت خطوتين جهة السرير قبل أن
تنهار جالسة عليه لا يمكنها ترجمة ما هي فيه الآن سوى بأنها
وبكل حمق ازدادت شوقا إليه ، وضعت يديها على جبينها
وهمست بصوت مرتجف
" يا إلهي ما هذا الذي فعله بي ؟ "
*
*
*
لامارا, بلا عنوان, الغزال الشارد and 119 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 03-12-17 الساعة 09:33 AM
رد مع اقتباس
#4417
قديم 25-11-17, 01:40 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
رمى الملف من يده على الطاولة أمامه وأصابع يده الأخرى
تشتد تدريجيا على الهاتف الذي يثبته على أذنه يسمع بوضوح
الهمس المتداخل في الطرف الآخر ثم صوت التي قالت برجاء
" أمي أرجوك تحدثي معه فهو يبدوا مستاء جدا وأخشى أن يأتي
هنا وستسوء الأمور حينها أكثر "
شد على فكيه وتنفس بعمق فيبدوا أن ابنته تفهمه أكثر من
والدتها فهو كان بالفعل سيفعلها ولن يمسكه عن الذهاب هناك
إلا أن ترفض جميع اتصالاته وليس له أن يتوقع أي سوء هذا
الذي قد يصل له الأمر ، ساد الصمت في الطرف الآخر لبعض
الوقت قبل أن يصله صوتها البارد
" نعم "
صر على أسنانه يتمسك بآخر ذرة صبر يملكها وقال بجمود
" هل أفهم لما طردت الحرس من منزلك ؟ "
وصله سريعا ذات ذاك الصوت البارد المستفز رغم رقته
" منزلي ويحرسونني أنا و... "
قاطعها صارخا فيها من فوره ومحررا ذاك الوحش الغاضب
الذي كاد يدمر أضلعه
" غسق تحترميني رغما عن أنفك فأنا زوجك ، وإن لم يكن
كذلك فأنا ابن عمك والمسئول عنك أحببت ذلك أم كرهته "
وصله صوتها الحانق وكأنه لم يهددها قبل لحظات
" إن كان مطر الماضي المتحكم الآمر لازال مسيطرا عليك
فغسق لم تعد تلك الحمقاء أبدا ... "
" غسسسسققق "
صرخته الغاضبة تلك أسكتتها فورا ولوقت حتى ظن أنها قد
تجن وتفعلها وتغلق الخط في وجهه إلى أن وصله صوتها
الساخط هذه المرة
" هل أعلم فيما أخطأت مثلا تعاملني بهذه الطريقة وكأني طفلة في
عهدتك ؟ بينما أنا التي يحق لها أن تغضب لأن أحدهم يتجسس
عليها حتى أنه وصل لغرفة نومها "
قال من فوره متجاهلا ما قالت ونبرته لم تخلوا من الضيق والحنق
" هل أفهم أنا ما الداعي لتستنجدي بالقوات الوطنية وما دخل
ابن العقاد ذاك يكلف رجاله بحراسة عرشك مولاته "
لو كانت تقنية الاتصالات يمكنها نقل أشياء غير ترددات الصوت
لكان وصله دخان نيران غضبها وهي تصرخ باحتجاج
" لا أسمح لك باتهامي يا مطر فأنا لست بحاجة لحجج لأتسامر
مع الرجال ويعقوب العقاد إن كنت أريد الذهاب له لما بحثت
عن حجة ولكنت ذهبت له فورا ، ما علاقتي أنا إن كان السيد
عقبة هو من أقحمه في الأمر ... حديثي كان معه هو وليس
مع ذاك الرجل ولم أراه أو أسمع صوته "
توجه جهة النوافذ الطويلة المقوسة والمطلة على أهم معالم
تلك العاصمة وأجابها بالغضب ذاته قائلا
" أجل هذه هي النتائج سيدة غسق وأنتي السبب في كل ما يحدث
حتى الآن "
كانت نبرة صوتها ساخرة هذه المرة وإن لم تخلوا من الضيق
وهي تعلق سريعا
" آه نعم معك حق وجميع من تحدثوا مع رعد أنا السبب فيما
فعلوه وليس أنت "
ضرب بقبضته على الزجاج أمامه وشد أسنانه بقوة حتى كان
يشعر بها ستتحطم فهذا ما لم يكن يعلمه ورعد لم يخبره به أيضا
وهي تظن العكس لما تفوهت بهذا ، لن أغفرها لك يا رعد أبدا ،
همس من بين أسنانه
" غسق متى ستكونين في مكانك الطبيعي ؟ "
" أنا فيه الآن "
كان جوابها قويا ومباشرا فهمس من بين أسنانه مجددا وقد
أولى تلك الإطلالة ظهره
" لا تحولي الأمر لتحد يا غسق لأجعلك تعرفيه قريبا وقريبا جدا "
أغلق بعدها الخط دون أن ينتظر تعليقها ومرر أصابعه في شعره
للأعلى وصولا لقفا عنقه متأففا بغضب لا يظن أنه ثمة شيء
قد يخمده سوى أن يسجن تلك الجامحة العنيدة في قفصه للأبد
ليطمئن ، انفتح باب المكتب حينها ودخل منه الذي قال مبتسما
ما أن نظر له
" ما هذا الوجه العابس يا رجل ؟ اجزم أن ابنة شراع السبب "
دس هاتفه في جيبه قائلا ببرود
" شاب شعر رأسك ولازلت سخيفا "
ضحك ذاك ولم يعلق لحظة دخول صقر وابن شقيقته الذي
أغلق الباب ممررا يده له خلف ظهره فتنحى بشر جانبا ونظر
له مجددا وقال مبتسما
" بما أن أفراد عائلة الشاهين قد اجتمعوا فعليكم أن تعلموا
أنه ثمة حفيده لديكم بدأت تفوح رائحتها الزكية في البلاد ونظرا
لأن كل أولئك الضباط في الجيش سيقومون بحمامية منزل
والدتها فستبدأ وفود خاطبيها بالتوجه لكم وأنا أول من طلبها
منك لابني يا مطر بل وما أن وطئت قدماها أرض الوطن فلا
تنسى هذا "
كان جواب مطر الصمت التام محدقا بعينيه بينما افترسته
نظرات الصدمة للواقف عند الباب أما التعليق الوحيد فكان
من رابع أفراد تلك المجموعة والذي قال ضاحكا
" لكن مهر دميتنا الجميلة مرتفع جدا يا بشر ولن يقدر
ابنك عليه "
ضحك والتفت له من فوره قائلا
" أنتم حددوا الرقم فقط وسيكون لديها من قبل أن تتزوجه "
" تزوج ابنتك وهي في هذا السن يا مطر ! "
خرج الواقف عند الباب من صمته ليسرق نظرته الصامتة
تلك له بينما كان التعليق من خاله الذي التفت له برأسه
قائلا بضحكة
" ونحن لم نصدق ذلك لكنه أكده بنفسه وأمام شقيقته
وابنها كما أنه رفض أبناء شقيقته أيضا "
نقل نظراته المستغربة منه للذي لازال ينظر له بصمت
مكتفا ذراعيه لصدره ... نظرة لم يكسرها سوى حديث
بشر قائلا
" المهم أني أول من طلبها منك يا مطر "
عاد مطر بنظره له وقال ببرود
" وابنك مرفوض أيضا "
تأوه بشر باعتراض بينما لم يكن لدى أي منهم أي فرصة
ليعلق على الأمر ولا ليتحدث والأرض تهتز من تحتهم وألسنة
النيران والدخان الأسود تحكيها تلك النوافذ الطويلة ولا شيء
يعلوا فوق صوت ذاك الانفجار المدوي سوى أصوات الصراخ
التي بدأت تتسرب لهم مع كل ذرة هواء كما رائحة ذاك
البارود والدخان ليكتشفوا بأنها دقائق قليلة فقط تلك التي
فصلتهم عن الفاجعة وسجنتهم في دوامة صدمة ما حدث فجأة ...
كل ذلك وبكل حجمه ذاك حدث فقط في ثوان معدودة فأشباه
الموت أولئك كثر ما أن يضربوا يضربون مباشرة وفي
لمح البصر .
كان مطر أول من اجتاز تلك الصدمة وقد تحرك جهة الباب
هامسا من بين أسنانه
" سحقا للأوغاد "
فأوقفته أصابع بشر التي التفت حول ذراعه وأداره جهته
وقد صرخ فوق كل ذاك الصراخ والركض في الخارج
" لا تخرج يا مطر حتى يهدأ الوضع قليلا ، لا تعرض حياتك
للخطر يا رجل "
سحب ذراعه من بين أصابعه بسهولة ما أن شدها منه وقال
صارخا بغضب
" وفيما سيجدي اختبائي هنا كالنساء ؟ اتركني أعلم من فقدنا
على الأقل "
وما أن تحرك مجددا كان قاسم في وجهه هذه المرة وقد أمسك
بكلتى ذراعيه قائلا بجدية
" الوضع تعمه الفوضى في الخارج يا مطر وقد يكون من
فعل هذا يقصدك شخصيا وخروجك الآن قد يتم استغلاله في
مثل هذه الظروف ، أنت لن تهب الحياة لمن فقدها بخروجك "
أشاح بوجهه عنه وتنفس بغضب شاتما من بين أسنانه وقال
عمه من خلفه
" قاسم معه حق يا مطر والانفجار يبدوا في موقف السيارات
وليس في المبنى لنغادر ، اترك من في الخارج يتصرفون أولا
وكن واثقا في رجالك ، خسارتك في هذه المرحلة معناها أن
ترجع البلاد أسوأ مما كانت فلا تتهور "
شد قبضتيه بقوة واستدار للخلف وتحرك جهة مكتبه ساحبا
هاتفه اللاسلكي من حزامه لحظة ما انفتح الباب على اتساعه
فالتفت فورا ناحية الذي وقف أمامه يتلقف أنفاسه وقد قال
" حمدا لله أنكم تأخرتم قليلا ، سياراتكم كانت المقصودة
يا زعيم لولا لطف الله بنا جميعا "
قال مطر من فوره
" من مات يا تميم ؟ ما هو حجم الأضرار ؟ "
سحب نفسا طويلا وزفره بقوة قبل أن يقول
" لا ضحايا حتى الآن ... بعض الجرحى من الحراس وطقم
أطباء القصر الرآسي يتولون الأمر والإسعاف ستقوم بنقل من
حالتهم تستدعي الحاجة لذلك كما أن رجال الأمن والقوات
الخاصة يسطرون على الوضع سريعا وتم إخلاء هذا المبنى قبل
أي من مباني القصر "
تحرك حينها خارجا من هناك وثلاثتهم خلفه قبل أن يحيطوا به
رجاله في الخارج ومن كل جانب وكل واحد منهم على استعداد لأن
يخسر حياته ولا تخسر البلاد ذاك الرجل الذي علمهم الاحتكاك به
لأعوام طويلة بأن التضحيات من أجل ذاك التراب الغالي أثمن من
أن يقدم قبلها أي شيء لتزف له الأرواح دون تراجع ولا تفكير .
*
*
*
وقف ينظر باستغراب للتي أغلقت الباب وغادرت وكأنها
لا تراه أمامها فنظر حوله واكتشف حينها بأنه يقف في الجزء
المظلم من بهو المنزل لذلك يبدوا أنها لم تراه ولم تنتبه لهمسه
باسمها ! بل فهم الآن سر تلك النظرة الجامدة الخالية من أي تعبير
التي رمقته بها وكأنه لا يراها وهي تخرج من هناك ، توجه جهة
باب المكتب من فوره وفتحه ودخل ينظر لكل شيء حوله ،
لم تخرج شيئا في يدها أي أنها لم تاخذ شيئا من هنا إلا إن
كانت قد خبأته في ثيابها ، توجه فورا جهة الجهاز المخفي
هناك والموصول بجميع المقابض البلاستيكية في تلك الغرفة
والمصممة بتلك الطريقة الفريدة من نوعها ولا أحد يعلم بأنها
عبارة عن جهاز كشف بصمات حيث لا تفتح إلا لبصمات معينة
ومسجلة فيها وهم ( هو وجده ووالده ) وليس كذلك فقط
فهو يسجل أي بصمة غريبة عنه ، حرك إصبعه على شاشته
بسرعة وحرفية وابتسامة جانبية تزين شفتيه ما أن تذكر
الشخص الوحيد الذي تعرف على هذا الجهاز ما أن نظر
لمقابض المكتبة ولم يكن سوى ( تيم ) وفي زيارته الوحيدة
لهذا المنزل والمكتب فكم يذهله ذاك الشاب بذكائه ! انفتحت
امامه قائمة طويلة نظر لها فورا فلم تكن ثمة بصمات غريبة
فجميع أفراد عائلته سجلت بصماتهم فيه وحتى الخدم وإن لم
تكن تفتح لهم ، إذا هي لم تحاول أو تفكر في فتح أي شيء
هنا ولا حتى في لمسه إذا ما هذا الذي كانت تفعله في هذا
المكان ! لن يصدق أن امرأة مثلها ستدخل إلى هنا كحب استطلاع
فقط خاصة وأنه وجدها سابقا متسلله من جناحها المحكم الإغلاق
أي أنها ستكون تحفظ هذا المكان كاسمها ، غادر ذاك المكتب
أيضا بعدما يئس من إيجاد أجوبة لتساؤلاته ككل مرة فأغلق
الأنوار والباب خلفه وغادر حيث الجهة التي سلكتها فهذه
الطريق الأبعد عن جناحها فلما ستضطر للذهاب منها إن لم يكن
سببا واحدا وراء ذلك ؟ وقف مكانه واستدار حيث المكان الآخر
الذي كانت تنبعث منه الأضواء وكما توقع كانت غرفة الشاي
ذاتها التي دخلتها صباحا جلست في شرفتها ، دفع الباب الشبه
مفتوح ببطء ودخل فكان المكان فارغا تماما بينما تلك الستائر
الناعمة تتطاير كاشفة عن ذاك الجزء المفتوح من الباب الزجاجي
المقسم والمطل على تلك الشرفة التي كانت تحتل تلك الجهة بأكملها ،
تحرك من فوره حيث تتسرب تلك النسائم الربيعية القوية الدافئة
مقارنة بكل ذاك الشتاء البارد الذي غادرهم للتو ، أبعد طرف
الستارة بيده ووقف مستندا بإطار الباب يلف ساقا حول الأخرى
يده في جيب بنطلونه يراقب الجالسة في ذات مكانها السابق على
حافة الشرفة تنظر للحديقة المضاءة وتذكر فورا صديق جده ذاك
الرسام العجوز الذي سافر لليونان منذ عامين ليعيش مع ابنته
التي توفي زوجها ذاك الوقت ، كان يحب الجلوس على الكرسي
في تلك الزاوية تحديدا من الشرفة وقد قال له ضاحكا ما أن سأله
مرة عن السبب ( أنت شديد الملاحظة يا وقاص ، أتعلم أن هذه
الجهة من الشرفة تطل على أفضل منظر لتلك النافورة الحجرية
المميزة ؟ إنها روح الفنان يا وقاص ... والفنان الحقيقي لا يرسم
ما يعجبه أبدا كذاك المشهد مثلا بل يكتفي بالتمتع بالنظر له دائما(
ابتسم واتكأ براسه على طرف الباب ينظر للتي تتطاير خصلات
شعرها الذهبية الطويلة مع النسيم قبل أن يسرق نظره دفترها
الخاص بالرسم الموضوع على الطاولة فهل كانت هنا قبل
ذهابها لمكتب جده أم أنها تركته هنا مكانه منذ الصباح !!
" هل تأكدت من أني لم أسرق من مكتبكم شيئا ؟ "
عاد بنظره لها سريعا ينظر لنصف وجهها المقابل له بصدمة ،
هي إذا رأته هناك فلما تصرفت إذا وكأنها لم تراه ! هل تعتبره
شخصا لا وجود له بذاك الشكل ؟ لو يفهم مرة واحدة هذه
المرأة كيف تفكر وفيما تحديدا ؟! عدل وقفته ودس كلتا يديه
في جيبيه وخطى نحو الخارج خطوتين وقال ونظره لم يفارق
ملامحها
" أنتي فرد من هذه العائلة يا زيزفون ويحق لك دخول أي مكان
في المنزل ومتى تشائين ، وتعلمين جيدا أني لا أعارض ذلك أبدا
ومنذ وقت "
اكتفت بالصمت والتحديق بعيدا ولم تعلق فتنفس بعمق وقال
" متأكد من أن زوجة والدي أخبرتك عن حفل العشاء فلما
ترفضين ما هو حق لك كفرد من أفراد العائلة ولم تذهبي معهم ؟ "
" ولما لم تذهب أنت ؟ "
رفع رأسه عاليا وحركه مبتسما فهذه المرأة حتى أجوبتها على
أسئلته أسئلة جديدة ! ورغم ذلك نظر لها وقال
" كنت سأصل متأخرا لأني كنت مشغولا هذا المساء وفي هذه
المجتمعات يعتبرىون ذلك افتقادا للباقة وسوء تصرف "
خرجت منها ضحكة صغيرة ساخرة ونظرت ليديها في حجرها قائلة
" بل الأغنياء منهم فقط ، إنهم تافهون حقا حتى أنهم ينجذبون
لمن يصل متأخرا دائما "
قال مبتسما وقد انحنى للدفتر الموضوع فوق تلك الطاولة
الزجاجية ذات الأذرع المصنوعة من الخيزران كما الكراسي
المحيطة بها
" هذا طبع البشر جميعهم يا زيزفون ينجذبون لمن يختلف
عنهم في كل شيء "
نزلت بقفزة صغيرة ونظرت له قائلة بابتسامة ساخرة
" لهذا تزوجت أنت بتلك المرأة ؟ "
استوى واقفا يحمل ذاك الدفتر في يده وقد تصرف وكأن سؤالها
مجرد أمر عادي لا أهمية له ولم يؤثر بمزاجه وقال بسخرية
مماثلة يقلب دفترها مغلقا ونظره عليه
" لو كانت امرأة غيرك لفسرت حديثها هذا غيرة منها "
وتابع بابتسامة مائلة وقد حول نظره لعينيها المحدقة به
" ثم إن فسرنا جميع العلاقات بمفهومك هذا فسيعني ذلك بأنك
الزوجة المناسبة لنجيب "
قالت بضيق ما توقعه تماما
" أيمكنك أن لا تقارنني بمشاريع حياتك الفاشلة "
حرك دفترها والهواء يتلاعب بأوراقه قائلا بابتسامة جانبية
" لم أغضب حين تحدثت عن زوجتي بل وتنتقدين اختياراتي
أيضا فلما يغضبك ما أقول ؟ "
قالت فورا وبسخرية لاذعة
" لأني أغار طبعا "
تاهت نظراته للحظات في ملامحها الفاتنة حتى في أوج حنقها
وغضبها وشعر بشيء ما في داخله يشبه الرغبة في الضحك
دون توقف وهو يتخيل فعلا أن تغار هذه المرأة من زوجته
أو من أي امرأة أخرى تقترب منه ... هنا ستنكون نهاية
الأرض بالتأكيد ، رفع دفترها بجانب وجهه وقال مبتسما
" لا أريد أن يصل حديثنا للشجار يا زيزفون فهل لي أن
أشاهد هذا ؟ والخيار لك طبعا "
نظرت له في يده قبل أن تشيح بنظرها جانبا وقد قالت ببرود
" لن تجد فيه أجوبة عما تبحث عنه إن كان ذاك غرضك "
قال بذات ابتسامته
" لا فأنا لا أبحث عن أجوبة أبدا بل أريد رؤية ما أبدعت فيه
أيضا من رسمت الجزء المفقود من تلك اللوحة "
تحركت من مكانها وقالت ببرود مجتازة له
" لكنك لن تجد حل لغز الجريمة فيها وستعتمد على ذكائك
هذه المرة يا وقاص "
تبعها بنظراته المصدومة حتى اختفت خلف تلك الستائر البيضاء ....
نادته باسمه وليس ابن ضرار ! وجريمة !! أي جريمة هذه التي
تحدثت عنها ؟ نظر للدفتر في يده وشعر بأنه يحمل سراً ما ..
سر آخر و ...... جريمة أخرى مدفونة ! لا هذه لن تكون كتلك
بالتأكيد هذه جزء من ماضيها هي .
رفع الغلاف ولا يعلم لما يشعر بتوتره يزداد تباعا وكأنه يواجه
حقيقة مخفية لأول مرة في حياته ولم يعرف جرائما بعدد شعر
رأسه ، رفع الورقة الأولى الفارغة وكان في مواجهة أولى
رسوماتها تلك ... كانت لامرأة لا بل لزيزفون في سن أكبر
قد تكون في الخامسة والأربعين !! مرر أنامله على
ملامحها ببطء ...
كانت وكأنها صورة حقيقية بدون ألوان ؟ هذا ابداع
منقطع النظير .... !! جدتها ... هذه جدتها بالتأكيد لقد
أخذت جميع ملامحها إلا هذه الابتسامة التي لم يراها على
شفتيها أبدا ولا أي واحدة من مثيلاتها ، كانت بملامح
مسترخية وابتسامة دافئة جدائلها قد استقرت في حجرها
من طولها ، أهذه هي المرأة التي جعلت جده ضرار السلطان
يتزوجها وسراً عن الجميع ؟ بل ويتركها في صمت كما
تزوحها ! رفع الورقة بسرعة وكأنه يهرب أيضا وبكل حمق
مما عانته تلك المتوارية خلف الماضي البعيد الأليم ، كانت
الرسمة التالية لرجل بلباس جيش عرفه سريعا ما أن نظر له
هذا ( عكرمة عماد الدين ) أحد رجال مطر شاهين ومن
مات بعد توحيد البلاد بعامين وبعد معاناة مع سرطان الرئة ...
يذكره جيدا فقد رآى صورته في الصحف كما أنه الرجل الذي
اهتم بزيزفون بعد وفاة جدتها ، يحار كيف لها أن تتذكر كل هذه
الوجوه والتفاصيل رغم صغر سنها ذاك الوقت !! هل توجهت
طاقتها الذهنية وقت مرضها لتخزين الصور ؟ قلب الصفحة
يريد معرفة باقي تسلسل حكايتها فظهر له وجه امرأة أخرى ...
هذه كانت بشعر أسود عكس جدتها التي كانت تظهر خطوط
رسمها بوضوح أنه شعر فاتح اللون كما عينيها تماما أما هذه
فسواد شعرها لا يضاهيه سوى عيناها وقد تدلى ذاك الوشاح
الأسود الخفيف على شعرها وكتفيها وكأنها اعتادت أن
تلبسه هكذا ...
كانت مبتسمة أيضا لكن ابتسامتها تلك كانت حزينة وشيء
ما في عينيها يشبه الدموع فمن تكون هذه ؟ أهي زوجة ذاك
الرجل أم ....... والدتها ؟
من منهما التي تولت رعايتها بعد موته ؟
ذاك هو الجزء المخفي عنه من الحكاية ، قلب الورقة مجددا
ليكتشسف حينها أن الصدمة الحقيقية كانت في الطريق إليه .....
هذا جده !! لا هذا ليس هو هذا أصغر منه بكثير لكنه يشبهه
تماما فكيف لها أن تعلم عن شكله من قبل أن تولد هي ؟
ثم عينيه ..! هذا لون عينيه ليس كجده لكن ملامحه ......!!
قبضت أصابعه لا شعوريا على تلك الأوراق وشعر بالعجز
أمام كل هذا فمن سيكون إن لم يكن هو ! ابنه إسحاق ... ؟
والدها !! لكن كيف لها أن ترسمه وهي لم تراه وقد قتل
منذ كانت جنينا في أحشاء والدتها ؟ حرك رأسه بعجز
ويشعر بأنه داخل متاهة وأصبح يخشى مما ستخفيه تلك الأوراق
أيضا لكنها سبيله الوحيد ليعرف ما عنت بقولها وما حدث معها
رغم توضيحها للأمر له وبأنه لن يجد من ماضيها وسبب حالتها
تلك شيئا هنا ، تنفس بعمق وهو يكشف عن الورقة الأخيرة
وحاجباه يعقدان ببطء وهو ينظر لتلك الرسوم التي لم تكن
لشخص هذه المرة بل لمنزل يحترق ... لا بل كان نصف
منزل تشتعل فيه النيران وأخشابه تتهاوى أما النصف
الآخر فكان .... ( ذئب ) يقف على قائمتيه الأماميتان ويرفع
رأسه للسماء ويعوي ، شعر بقلبه انقبض بقوة وبطريقة
غريبة وهو ينظر لذاك الحيوان والمنزل والنيران المشتعلة
وقد تذكر جملتها الباكية تلك في ذاك اليوم ( إنها تحترق تعالوا
أرجوكم ..... أوقفوه بسرعة فسيحرق كل شيء)
مرر أصابعه في شعره ونظر للأعلى أنفاسه القوية تخرج
متلاحقة وكأنها نيران تشب في صدره ..... ثمة جريمة
بالفعل ونار وأحدهم يحترق ثم موت ومتهم بريء ومجرم
قد يكون طليقا لكن من !! من التي احترقت ومن أحرقها ...
أكانت تلك هي الجريمة أم ..... ثمة من قتله انتقاما لها !!
تحرك من مكانه فورا بخطوات سريعة لم تتوقف حتى كان
أمام باب الغرفة الذي طرقه طرقات قصيرة منخفضة ومتتالية
كي لا تشعر به الموجودة في الغرفة المجاورة ولم تتوقف
طرقاته تلك حتى انفتح الباب وخرجت منه التي نظرت له
مستغربة وقد همست فورا " سيد وقاص ما ..... "
سحبها من ذراعها مبتعدان عن المكان وأوقفها أمامه
وقال ناظرا لعينبها
" من الذي كان يزور زيزفون ؟ ماذا حدث في ماضيها ؟
لابد وأنك تعرفين شيئا ... أي شيء وإن لم يكن مهما "
حركت رأسها بالنفي هامسة
" لست أعلم سيدي أقسم لك ... لم أراه يوما ولست أعلم
حتى إن كان شخصا واحدا أم عدة أشخاص فحتى زيزفون
نفسها تتكتم عن أمره وبشدة "
فتح الدفتر على صورة ذاك الشاب وأراها إياها وقال
" هذا هل رأيته سابقا ؟ "
نظرت لها بصدمه قبل أن تنظر لعينيه قائلة
" السيد ضرار ! "
حرك رأسه بالنفي ثم أخرج هاتفه من جيبه وفتش فيه قبل
أن يريها إياه قائلا
" وهذا ؟ "
نظرت للصورة لبرهة ثم نظرت له وقالت
" هذا مطر شاهين رأيته مرارا في الصحف والتلفاز لكني
لم أراه في غيرهما أبدا "
لوح بالدفتر في يده قائلا بضيق
" ومن سيعلم إن لم يكن أنتي ؟ عليا معرفة كل شيء ...
علينا إنقاذ زيزفون من ماضيها ومن نفسها ومن كل شيء
قبل أن تنتهي تماما "
ملأت الدموع عينيها سريعا وقالت بحزن
" ليته بيدي شيء لفعلته دون تردد لكني لا أملك لها إلا الدعاء
وظننت أن دعائي وضعك أنت في طريقها لتساعدها "
تنفس بعمق قبل أن يقول
" حسنا ماذا كانت ترسم سابقا ؟ عن ماذا تحكي لوحاتها
ورسوماتها في الماضي ؟ "
حركت رأسها نفيا قائلة
" لا شيء "
نظر لها بصدمة هامسا
" ما يعني لا شيء ! "
قالت من فورها
" كانت ترسم فقط ما كان يطلبه منها معلمها ذاك ولم ترسم
بنفسها شيئا أبدا إلا حين طلب منها هو أن تريه رسما
من تعبيرها لا علاقة له بدروسهم ولا بالأشياء التي يختار
أن ترسمها "
أومأ برأسه يحثها على المتابعة فقالت بتوجس
" كانت اللوحة لذئب "
نظر لها بصدمة شعر بأن أنفاسه توقفت معها قبل أن يورق
ذاك الدفتر ويرفعه أمام وجهها قائلا
" كهذا ؟ "
وضعت يدها على صدرها وقالت بحزن
" أجل لكن ليس هكذا كان يقف على صخرة مرتفعة وخلفه
قمر مستدير وتحت مخالبه أرنبا صغيرا وكان يعوي هكذا
رافعا رأسه للسماء وكأنه يسجل انتصاره على ذاك المخلوق
الضعيف ، لقد أثنى ذاك الرسام كثيرا على لوحتها تلك لأنها
لم تعتم ملامح ذاك الذئب رغم أن القمر كان مكتملا خلفه بل
أظهرتها بشكل متكامل ومميز ... فقط الأرنب والصخرة كانتا
معتمتين ، وقد أهدته تلك اللوحة ورفضت أن تبقى لديها "
نظر للدفتر في يده ولصورة ذاك الحيوان المفترس قبل أن
يسحب نفسا قويا لصدره مغمضا عينيه ... لا يريد أن تأخذه
أفكاره لذلك .. لا يريد ولا تخيله مجرد تخيل ، مد لها بالدفتر
قائلا بنبرة جوفاء
" أعطيه لها صباحا "
وغادر من هناك فور أن أخذته منه لا يجد تفسيرا واحدا لكل ذلك
ولا حتى لسبب رسمها الآن بينما كانت ترفض ذلك في الماضي !!
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 105 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 26-11-17 الساعة 01:26 PM
رد مع اقتباس
#4418
قديم 25-11-17, 01:43 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
عدلت ياقتها ورفعت خصلات شعرها الرطب خلف أذنيها فور
أن انفتح باب الغرفة ودخلت منه التي أغلقته خلفها وقد أمسكت
وسطها بيديها قائلة
" قضى وقتا طويلا هنا فهل تصرفت كما أوصيتك أم قضيتما
الوقت في الأحضان والقبلات "
نظرت لها بصدمة وقد شعرت بالدماء الحارة تصعد فورا
لخديها وهي تتذكر ما حدث وكادت أن تغص بريقها حين فردت
ساندرين كفيها وشهقت بصدمة قائلة
" ماريه يالك من بلهاء أقسم أن ذاك ما حدث فعلا ، ظننت ما أن
رأيته يدخل غاضبا أن تكوني أبردت حرقتي منه ... ذاك البليد "
وتابعت بضيق تتحرك في الغرفة بعشوائية
" المتعجرف المتحجر الأبله البارد لم تري كيف تحدث مع والدي
ببرود وهو يرحب به بسعادة ما أن فتح باب المنزل ووجده أمامه
لأنها المرة الأولى التي يدخل فيها قاطع الأرحام ذاك منزلنا "
ثم وقفت مقابلة لها مجددا وقالت تقلد نبرته الباردة وصوته الخشن
" أريد رؤية ماريااا "
وتابعت وقد عاد الضيق لنبرتها
" لم يكلف نفسه أن يحييه أو أن يجيب تحيته قطعة الحديد الباردة
ذاك الوقح الأخرق القاسي الحثا .... "
قاطعتها الجالسة أمامها والتي امتلأت عيناها بالدموع مجددا
وقد قالت بضيق مماثل
" توقفي ساندي لا يمكنك شتمه أمامي أكثر من هذا فيما يكون
فيه معه حق "
صرخت فيها بصدمة وقد فردت ذراعيها
" معه حق ماريه !! معه حق في أن يقلل احترامه لوالدي الذي
وإن لم يكن قريبه فهو أكبر منه ومن والده أيضا ؟ "
تدحرجت تلك الدمعة الحارة من عينها اليمنى محطمة أسوار
صمودها وقد صرخت مثلها تخنق العبرة ذاك الصوت الغاضب
" بلى معه حق يغضب ومن الجميع ... جميعهم تخلوا عنه
وعن والدته وقت احتياجه لهم ساندي ... وقت أن كانا يناما
جائعان ويلبسان أردأ الثياب ... حين كانا يعيشان في غرفة
تعافها الحيوانات بسريرين فقط لا بساط فيها ولا ليقيهما
برد الشتاء ... حين كان يرى والدته تموت أمامه بسبب مرض
تشفيه الأدوية ، حتى المال الذي خصصه ابن شاهين للأرامل
وكان يرسله لهما مضاعفا دون الجميع كان زعيم القبيلة يوصله
لعمي قيس وذاك الجشع يأخذه لنفسه ، من منكم يعلم ما قاساه تيم ؟
ما الدموع التي ذرفها لا يسمح لأحد بأن يراها وما المواقف
التي رفض فيها أن يبكي وداخله ينزف ألما ؟ هل فكرت يوما
أن تكوني مكانه ؟ هل تعلمي معنى أن يموت أحد والديك أمامك
بينما عائلته يستمتعون بحياتهم وكأنه ليس موجودا ؟ هل جربت
معنى المبيت جوعا لليال طوال ؟ البرد ... الحشرات ... الإهمال
وأنتي لست سوى طفلة ومسئولة عن شخص مريض هو كل
ما لديك في هذه الحياة ؟ أنا نفسي لست أعلم عن معاناة تيم إلا
القليل رغم كثرته ومتأكدة من أن ما أجهله كان أقسى من ذلك
بكثير فبأي حق ستحاسبونه الآن ... ؟ بأي حق ؟ "
أنهت سيل عباراتها الصارخة الغاضبة تلك تتلقف أنفاسها
الثائرة وسط عبراتها المتلاحقة والدموع تنسكب من عينيها
كحبات المطر قبل أن تشير بسبابتها لنفسها قائلة ببكاء
" حتى أنا زوجته أعجز عن تخفيف ذاك الألم الدفين في داخله
ولن أفعلها ما حييت ساندرين لأني أكثر من عرف تيم في أصعب
أوقات حياته وأعلم جيدا أن ما من أحد سيكسر ذاك الجليد لأنه
الستار لألمه لذكرياته .. لوالدته .. لطفولته القاسية ولكل الألم
الصارخ داخله فإن تخلى عنه سينتهي تماما ... سيتحول لمجرم
قاتل أو لمجنون فهل نستطيع تقبله هكذا ؟ .... لا بالطبع وأنا أول
من أعلن الهزيمة وأنا أطلب منه أن يطلقني "
همست الواقفة هناك بصدمة " يطلقك ؟! "
ثم سرعان ما حركت رأسها بعدم تصديق وتوجهت نحوها
وجلست بجوارها وضمتها لحظنها تواصل بكائها الصامت فيه
وقالت تمسح على شعرها الرطب
" يا إلهي ماريا لهذا جاء هنا وفعلها ولأول مرة ؟ حسنا
صديقتي الحلوة لن أتحدث عن حبيبك ذاك مجددا وسأحاول أن
لا أشتمه ... أعدك فقط أن أحاول فأحبيه كما تشائين "
وتابعت تمسك ضحكتها
" وتوقفي عن البكاء هيا كي لا تموتي وما سيخلصنا من
حبيب طفولتك ذاك حينها "
ابتعدت عنها وضربتها بقبضتها وهمست ببحة تمسح دموعها
" حمقاء "
ضحكت تلك من فورها وقالت
" ليس ثمة حمقاء في الوجود غيرك ترسل لرجل مثله تطلب
أن يطلقها ! "
وتابعت وقد عادت للضحك مجددا
" عليك أن تحمدي الله أنه لم يوجه مسدسه المخيف لرأسك
ويفجره فيه فهل بعد محاربته لأعوام ليبقي ذاك العقد الذي
يربطكما تطلبيه أنتي منه الآن وبكل دم بارد ! "
نظرت لها بعوبس وقد عادت الدموع لملأ مقلتيها الذهبية
الواسعة فرفعت يديها ومسحت بإبهاميها عليهما قائلة
" توقفي عن البكاء أيتها القطة الجميلة المبللة و ... "
قطعت جملتها وقد فغرت فاها الصغير بصدمة تنظر لها من
شعرها المبلل لوجهها وعيناها الدامعة وجفناها المحمران
ووجنتيها المحتقنة بالدماء نزولا لشفتيها الزهرية الناعمة
ووصولا لجسدها وروب الحمام الزهري القصير ملتفا حوله
وقالت بدهشة ما أن عادت بنظرها لعينيها
" آه بربك ماريه الآن فقط انتبهت بأنه دخل وأنتي بهذه الهيئة !
لا تقولي بأن هذا لم يحرك فيه ساكنا فسأقرأ عليه فاتحة
الكتاب حينها "
هربت بنظراتها منها وهمست ببحة
" غادري من غرفتي فورا "
ضحكت تلك من فورها وقالت
" في منامك أغادر قبل أن أعلم عن كل شيء "
رفعت الوسادة ورمتها بها قائلة بضيق
" قلت غادري ألا كرامة لديك أبدا ؟ "
بينما تلقت تلك الوسادة بسهولة وقالت بحماس وقد وضعتها
في حجرها
" هيا ماريه قولي أكانت قبلة أم حضن ؟ هيا أقسم لن أسأل
شيئا غيره "
نظرت لها بضيق فضحكت قائلة
" هيا ماريه هي كلمة واحدة ستنطقينها أريد الإطمئنان على
عقل زوجك إن كان سليما أم لا ... قوليها هيا "
تنفست بضيق وهربت بنظراتها لأصابعها التي كانت تلعب
بطرف الحزام وهمست
" بل كليهما "
فانقلبت الجالسة أمامها فورا على السرير خلفها صارخة
بضحكة وقالت
" لو أني رأيت ذلك فقط لأوثق تلك اللحظة التاريخية "
غادرت ماريه السرير قائلة بضيق
" هيا غادري لأغير ملابسي فها قد حصلت على مرادك
من هذه الزيارة "
رفعت المرتمية على السرير وشعرها الكثيف متناثرا حولها
يديها للأعلى وقالت بحالمية
" آآآه ربي ارزقني زوجا مثلها وسيما طويلا يهديني كل هذه
الثياب ولامبرغيني بلون عيناي وقبلات وأحضان وأنا أطلب
منه الطلاق ... لكن ليس باردا متعجرفا طبعا "
وعادت للضحك ما أن رفعت تلك الوسادة مجددا وبدأت بضربها
بها فسحبتها لتسقط معها على السرير تتبادلات الضربات
بالوسائد ضاحكتان
*
*
*
نظرت للتي أومأت لها مبتسمة فبادلتها الابتسامة وقالت
" من هذا الذي أخبروني أنه ينتظرني هنا ؟ "
أشارت لها الواقفة خلف الطاولة الطويلة المقوسة في قسم
الاستقبال بإبهامها لجهة معينة قبل أن ترجع للأوراق تحتها
منهية حديثها مع الواقفة أمامها بينما انتقل نظرها هي حيث
أشارت تنظر باستغراب لصاحب ذاك الجسد الطويل والبذلة
السوداء الأنيقة الواقف أمام اللوحة الجدارية الضخمة موليا
ظهره للمكان يدس يديه في جيبي بنطلونه ، شعرت بضربات
قلبها ترتفع بطريقة مرعبه ما أن مال ذاك الرأس ذو الشعر
الأسود الكثيف للجانب قليلا واتضح لها جزء من ملامحه ...
كيف نسيت من يكونون أصحاب هذه الأجساد المخيفة ؟ كان عليها
أن تعرف هذا دون تخمين فمن قد يثير الاستغراب والرهبة في
النفوس غيرهم وخاصة الواقف هناك ومن حدق بها تلك المرة
بتلك الطريقة وكأنها مجرمة قد تنهي حياة زعيمهم في أي لحظة ،
لكن ما الذي يريده ذاك الرجل منها وكيف عرف اسمها !!
تنفست بعمق تهدئ من ضربات قلبها وليست تفهم ما بها هكذا
وكأنها تلميذة مدرسة تواجهه مديرها لأول مرة ! تقدمت نحوه
بخطوات كانت تتباطئ تدريجيا حتى وقفت خلفه ما أن شعر
بوجودها وقد استدار ناحيتها في حركة واحدة فأخفضت نظرها
فورا وقالت بصوت منخفض
" عذرا .. هل طلبت رؤيتي ؟ "
وما أن أنهت جملتها تلك عضت باطن شفتها لا تفهم ما بها مرتعبه
من الوقوف أمامه ؟ بلى تعرف بسبب ضآلة حجمها المزرية هذه
فهي بالكاد تصل لصدره خاصة أنها ترتدي حذاءً أرضيا مريحا
وكم كانت تحسد غسق في مراهقتهما لأنها أطول من أغلب
فتيات صنوان وتستغرب كيف كانت تتذمر ابنة خالتها تلك من
كونها كذلك ! عليها أن تحمد الله فعلا فكيف كانت ستقف بجانب
زوجها وزعيمهم ذاك إن كانت بحجمها هي !! سيكونان أضحوكة
بالتأكيد .
رفعت نظرها قليلا لحركة يده وقد أدخلها في جيب بنطلون بذلته
الأنيقة الفاخرة وأخرج منه ورقة مطوية لأربع ومدها لها قائلا
بنبرة رجولية عميقة متزنة
" أعتذر إن كان قدومي أزعجك لكن ابن الزعيم شراع أوصاني
بأن أتم هذا الأمر وأردت أن أسلمها لك بنفسي "
نظرت لها بين أصابعه لبرهة قبل أن ترفع يدها وتمسك بطرفها
وتأخذها منه وقد دستها في جيب سترتها فورا ولم يستغرب
الواقف أمامها أن لا تسأل عن فحواها أو تفتحها فهي ستتوقع
بالتأكيد ما ستكون ، عجيبة حقا هذه المرأة حتى أنها لم تستنكر
إتمامه هو للأمر وإحضارها لها هنا وبنفسه ! وجد أنه لا مناص
له من التبرير فقال بذات هدوئه
" أعتذر حقا على كل هذا فأنا رفضت أن أترك للمحكمة مهمة
إرسالها مع أحد مبعوثيها لأني أعلم جيدا أي جواسيس وأذرع
للصحافة هم أولئك الموظفين ولم أجد مكانا أفضل من مكان
عملك لأوصلها لك "
قبضت أصابعها لا شعوريا على الورقة التي لازالت مع يدها في
جيبها ونظرها لم ترفعه به أبدا وقالت بشبه همس
" لست ممن يهتم لثرثرات ستتلهى الصحف بغيرها سريعا ولا
أن تصل هذه الورقة لمنزلي قبلي فهذا ليس عار تختبئ منه
المرأة ... وشكرا لك على أي حال "
ابتسم لا شعوريا يراقب تلك الملامح التي تجاهد لتخفيها عنه
وقد خطت خطوة للخلف فقال قبل أن تغادر
" لن أستغرب ذلك ممن حضت بتلك المكانة في هذه المملكة
وأحيي فيك ذلك بالفعل فقله هم من يديرون ظهورهم لماضيهم
بكل شجاعة وللأبد "
أنهى عبارته تلك وغادر فورا بخطوات أنيقة واسعة جهة الأبواب
الزجاجية للمبنى ونظراتها المصدومة تتبعه قبل أن تمسك جبينها
بأصابعها هامسة
" لا يا إلهي ... ماذا أخبر رماح هذا الرجل أيضا ؟! "
ارتجف جسدها ما أن شعرت بتلك اليد على كتفها والتفتت فورا
للتي غمزت لها بعينها وقالت مبتسمة
" هل يعلم ابن شراع أنك تقفين هنا مع ذاك الطويل الرائع
يا جليلة يونس ؟! "
نظرت لها بصدمة قبل أن تتحول نظرتها للحنق وتحركت من
هناك قائلة ببرود
" لا تبدئي أنتي بتسريب الشائعات يا حفصة .. يكفيني ما سيأتي
لاحقا "
ضحكت تلك من فورها وقد تبعتها وأمسكت بيدها وسحبتها
معها قائلة
" تعالي إذا فثمة مفاجأة لن تتوقعيها أبدا "
توجهت بها جهة مصعد الإدارة وصعدتا به ترفض أن توضح
لها أي شيء وكل ما قالته مبتسمة
" سنصل وتري ذلك بنفسك "
وما أن توقف بهما المصعد وانفتح بابه توجهتا فورا لردهة
الاستقبال الخاصة بقسم الإدارة المطلة على ذاك الممر وما أن
دخلتا هناك وقفت تنظر مستغربة للواقفة مع سكرتيرة ابنة خالتها
وأربعة من سيدات مجلس إدارتها وموظفتان من قسم المحاسبة
وكانت تلك الفتاة فقط الغريبة عنها ! تفحصت ملامحها سريعا
وهي منسجمة في الحديث مع إحداهن مبتسمة ... تبدوا في سن
صغيرة ... أجل صغيرة جدا و ... جميلة ، لا بل رائعة الجمال
وما أكثر النساء الجميلات لكن يبقى بينهن فئة هن الأجمل
ومتميزات عمن في مستواهن وفي كل شيء كما هو الحال مع
ابنة خالتها مديرة مملكتهم تلك ... هذه لا تشبهها في الملامح أبدا
لكنها تشعرك فورا بأنها تنتمي لها بل ... ولذاك الرجل ..
أجل إنها تشبهه أكثر ، اقتربت منهن حتى انتبهن لوجودها
وقد نظرت لها صاحبة تلك العينان الزرقاء الواسعة وابتسمت
لها من قبل أن تعرف من تكون ، ابتسامة رائعة وجميلة مثلها
فبادلتها إياها فورا وقالت بدهشة
" أنتي ابنة مطر شاهين بالتأكيد ؟ "
خرجت ضحكة رقيقة منخفضة من التي قالت فورا
" أنتي أول من لم تنادني هنا بابنة غسق ولابد وأنك السيدة
جليلة ابنة خالة والدتي المقربة "
ضحكت جليلة من فورها وتوجهت نحوها وقد فتحت ذراعيها لها
فاقتربت منها سريعا وتبادلتا الأحضان طويلا ضاحكتان على تعليقاتها
الهامسة بأنها باتت خطرا على والدتها وبأنها ستسرق الأضواء منها ،
وما أن ابتعدت عنها وضعت يدها على رأسها هامسة بابتسامة
" بسم الله مشاء الله ... العين حق وكم أخشى أن تصيبك حقا "
قالت مبتسمة ما أن أبعدت يدها عنها
" حسنا لست بذاك القدر ووالدتي أكبر دليل "
لحظة أن انفتح باب ذاك المكتب وخرجت منه التي نظرت ناحيتهم
نظرة لم يخفى فيها الضيق والعبوس أبدا فهمست لها جليلة ضاحكة
" ليس بعد عودة والدك وهو يتعمد مضايقتها طوال الوقت مسببا
عبوسها وغضبها الدائمين "
عبست ملامحها الجميلة وعلمت فورا أي مكالمة ستكون تلك
التي دارت بينهما وما كانت تتوقع غير ذلك وها هو موقفها
يزداد سوء ومهمتها في الحصول على غفرانها ستكون أصعب
وهي بهذا المزاج ، قالت جليلة مبتسمة في محاولة شجاعة لتبديد
ذاك المزاج السيء والواضح تماما لهم
" جاءت التي ستظهر عمرك الحقيقي يا غسق "
ضحكن موظفات ذاك المكان وعلقت ذات الخمسة وأربعين عاما
ضاحكة
" لابد وأن أبدأ مرحلة تأهيل أبنائي الثلاثة لعله يثمر واحد منهم
سريعا ونختطفها له "
بينما علقت الأخرى مبتسمة
" أنا لديا الشاب المؤهل سلفا ... ضابطا في البحرية ويملك
شركة سياحة ونحاول إقناعه بالبحث له عن عروس أيضا
فيبدوا أنه لم تستطع أي واحدة أن توقع به حتى الآن "
بينما تنهدت الواقفة هناك بضيق ونظرت حولها تتفقد جيوبها
تبحث عن هاتف ابنتها الذي يبدوا أنها تركته في الداخل فبعد أن
أغلق ذاك الرجل الخط في وجهها وأفار الدماء في رأسها بكلامه
واتهاماته تلك ليست تستبعد حتى أن تكون رمته على الجدار قبل
أن تخرج ، نظرت حيث ذاك النقاش الضاحك وكل واحدة تنصب
نفسها خاطبة للتي لازالت تنظر لها بحزن وكانت ستتحدث موقفة
لهن لكن التي دخلت مسرعة تتلقف أنفاسها لم تعطها أي مجال
للحديث وجميع الأنظار قد انتقلت ناحيتها بترقب بسبب تلك
الملامح الشاحبة والنظرات الشاخصة وقد قالت بأنفاس متقطعة
" ألم تسمعوا بما حدث ؟ "
بدأت نظرات الاستغراب بالتهام تلك الملامح قبل أن تخرج جليلة من
صدمتها أولا قائلة " ماذا هناك ؟ "
سحبت تلك نفسا قويا لتعيد اتزان تلك الأنفاس المضطربة وقالت
ويدها على صدرها
" سيارة مفخخة انفجرت أمام القصر الرئاسي وقيل أنها لحرس
الزعيم ابن شاهين والبلاد في حالة فوضى فلا أخبار عن مكانه "
اتسعت الأعين بصدمة والنظرات تنتقل منها للتي شهقت من
فورها قائلة ببكاء ويدها على صدرها
" أبي "
قبل أن يزداد ذاك البكاء حدة تمسك فمها وشهقاتها الباكية
الواحدة تلو الأخرى لتفهم الواقفة هناك عند الباب تمسك فمها
بصدمة أي حماقة تلك التي تفوهت بها دون أن تنتبه أو تعلم
عن هوية تلك الفتاة وكل واحدة ممن هناك قربها تحاول تهدئتها
وطمأنتها قبل أن تتحرك التي تغلبت على صدمتها أخيرا واستطاعت
تحريك قدميها وتوجهت نحو ابنتها وسحبتها لحضنها تدس بكائها
وعبراتها فيه وهمست تحضنها بقوة
" توقفي عن البكاء يا تيما هو كان يحدثني منذ قليل أي أنه
سيكون بخير "
لم يزدها ذاك إلا بكاء وقد قالت من بين عبراتها
" هو أخبرني صباحا أنهم سيغادرون لشرق الهازان في هذا
الوقت .. لن يموت يا أمي لن يتركني .. لا يمكنني استحمال ذلك "
شدت قبضتها لا إراديا ونظرت لابنة خالتها التي استطاعت فهم
رسالتها الصامتة تلك سريعا فنظرت للمتجمعات حولهم قائلة
" يمكننا العودة لما كنا نفعل سيداتي "
فتفرق الجميع فورا ولم يبقى غير ثلاثتهن فأشارت لجليلة بعينيها
فسحبتها من حضنها وحضنتها هي تحاول تهدئة بكائها المتواصل
ذاك وطمئنتها بينما ابتعدت التي أخرجت هاتفها من جيبها مولية
ظهرها لهما واتصلت بالرقم الذي أزعجها صباح اليوم قبل أن
يستغل ابنته ككل مرة ، تنفست بارتياح ما أن أجاب ذاك الصوت سريعا
" أجل يا غسق "
عضت طرف شفتها ومررت إبهامها أسفل ذقنها وصولا لحلقها
تحاول ضبط مشاعرها المضطربة وإخراج صوتها طبيعيا قدر
الإمكان قبل أن تقول
" مطر أنت بخير ؟ ما هذا الذي يحدث معكم هناك ؟ "
وصلها صوته فورا
" ما سمعتموه "
صرت على أسنانها بقوة وهمست من بينها بخفوت
" متعجرف "
قبل أن تقول بضيق
" مطر أنت لا شيء فيك تغير أبدا ... أجب هل كنت هناك ؟
هل تضررت ؟ "
كان صوته ساخرا هذه المرة وإن كانت قد تخللته نبرة مبتسمة
" لست أعلم إن كان سيسعدك ذلك أم لا فمكالمتك الرائعة تلك من
منع وقوع الأسوأ لي واطمئني فيبدوا أن المتعجرف مطر شاهين
باق لك لمدة أطول "
كتمت غضبها تكاد تحطم الهاتف بين أصابعها ، هل كان عليها
أن تقلق عليه فعلا وأن تشعر بذاك الغبي سيخرج من بين أضلعها
ما أن سمعت ذاك الخبر ؟ وبقي الآن أن يتهمها بذلك وبأنها
سارعت للإطمئنان عليه ، قالت من قبل أن يفكر في مهاجمتها بذلك
" ابنتك تبكي منهارة منذ علمت بهذا إن كان يعنيك فعلا أن
تطمئن عليك "
وصلها صوته سريعا
" أعطها الهاتف لأكلمها ، كنت أعلم أنه ليس ثمة امرأة غيرها
في الوجود قد يعنيها أن أكون على قيد الحياة "
شعرت بمزيج من الحقد والألم والغضب المنتقم وبألم طعنة الماضي
تجتاح صدرها من جديد فهمست بنبرة خالية من أي تعبير ودون
شعور منها
" بلى ثمة غيرها .. من تركت كل شيء خلفك و.... "
قطعت جملتها فجأة حين استفاقت لما كانت تتفوه به فأبعدت الهاتف
عن أذنها مصدومة وغاضبة من نفسها درجة الاحتراق في صمت
قبل أن تتحرك من هناك متجاهلة صوت ندائه الواضح
" غسق أجيبي ... غسق يا جبانة "
لم يؤثر بها ذلك مطلقا وهي تتحرك بآلية كالدمية المبرمجة حيث
التي مدت لها بالهاتف قائلة
" هذا والدك تحدثي معه لتصدقي أنه بخير "
مسحت دموعها فورا وأخذت الهاتف منها وما أن وضعته على
أذنها عادت تلك القطرات المالحة للتقاطر من عينيها مجددا
وقالت بعبرة
" أبي أهذا أنت ؟ هل أنت بخير ؟ "
همست بعدها بخفوت باكي
" حمدا لله .. كنت سأجن إن فقدتك "
كتفت الواقفة أمامها ذراعيها لصدرها وأشاحت بوجهها جانبا
وتنهدت بضيق بينما قالت التي كانت تنظر لها بحزن محدثة من
في الطرف الآخر
" بلى سأقولها وأعلم أن الوطن يحتاجك كثيرا لكننا نحتاجك أكثر
منه أبي .... كن بخير من أجلنا أرجوك "
" أجل أبي كن مطمئنا قسما لن أفعلها مجددا ولن أغادر إلا بعلمكما
كليكما وليس هي فقط "
" أحبك أبي اعتني بنفسك جيدا "
مدت لها بهاتفها ما أن انتهت مكالمته لها تمسح بيدها الأخرى
الدموع عن وجنتيها ومسحت يد جليلة على ظهرها وقد قالت مبتسمة
" حمدا لله على سلامته ، موته بالفعل خسارة للبلاد بأكملها "
قالت غسق ناظرة للتي عادت للهمس حامدة الله تمسح بقايا دموعها
ولازالت شهقاتها تعبث بأنفاسها القصيرة
" وأنتي عليك العودة للمنزل يا تيما وأنا سأكون هناك بعد ساعتين "
نظرت لها بحزن وكانت ستتحدث لكنها تراجعت في آخر لحظة
لوجود قريبة والدتها ومكتب سكرتيرتها المفتوح بحيث تستطيع
رؤية وسماع مايحدث خارجه
فهمست بحزن مغادرة من هناك
" حسنا "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 88 others like this.
رد مع اقتباس
#4419
قديم 25-11-17, 01:45 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
خرجت من الحمام وتوجهت جهة التي كانت تمسك بالهاتف
وأخذت السماعة منها وأعادتها مكانها قائلة
" أمي ما الذي تريدين فعله ؟ "
وقفت تلك من فورها ونظرت لها قائلة بضيق
" ما كان علينا فعله منذ الفجر طبعا وهو مغادرة هذا المكان والبلاد "
أمسكت بيدها وقالت برجاء
" أمي لم يكن هذا اتفاقنا قبل أن نصل هنا ، اتركينا نبقى ليومين
فقط أمي أرجوك لا يمكنني المغا.... "
سحبت يدها منها بقوة قائلة بغضب
" بل لن نبقى هنا ليوم آخر ولن تغادري هذا الفندق أبدا ولن
تقابلي ابن شراع ذاك مجددا ، أقسم لولا رجال ابن شاهين الذين
أرسلهم لنا واحتراما له ما أتيت ، يعجبك جدا العرض الذي قدمته
أمامهم وأنتي ترتمي في حضن ذاك الرجل ؟ قسما لولا الحياء من
الناس الذين استقبلونا في منزلهم لكنت سحبتك من شعرك وخرجت
بك من هناك ، لم أكن أعلم أن ما يحدث في المسلسلات المكسيكية
سأراه واقعا أمامي يوما ما ! ومن بطلة المشهد ... ؟ ابنتي !!
لو كان شقيقك معنا لكان قطع عنقك وعنقي ، ألا يكفي أنه لم
يكن مقتنعا وما أجبره إلا طلب ابن شاهين حظورك دون نقاش "
ملأت الدموع سريعا عيني الواقفة أمامها وحركت يديها بعشوائية
قائلة بأسى
" لما تلقي باللوم عليا فيما تغلبت عليا مشاعري فيه ؟
أنتي وشقيقي والجميع يعلم من رماح وما كان يعني له ولي قبله
وأكثر منه فما كان سهلا عليا أن أراه أمامي في تلك الحالة وبعد
كل هذه الأعوام وأنا من علمت ذاك اليوم فقط بأنه فعل ما فعل من
أجل صديقه ولم يتزوجها فعلا "
وسرعان ما تدحرجت دموعها تباعا وضمت قبضتها لصدرها
قائلة ببكاء
" اشعري بموقفي أمي ، أعلم بأني أخطأت وتجاوزت حدود ديني
وتربيتي لكن حاولي أن تكوني مكاني أقسم أني ما أن رأيته أمامي
على ذاك الكرسي لم أعد أعلم ما فعلت وفيما كنت سأفكر أساسا ،
اتركينا نبقى ليوم واحد فقط أمي أرجوك وأراه وأتحدث معه
مجددا وفي وجودك "
نظرت لها نظرة فهمت فورا ما سيكون الجواب معها وقد
صدقت ظنونها سريعا حين قالت بغضب
" لو كان يعنيه أمرك ما تركك تغادرين منزل شقيقته ولكان
هو من سعى خلفك اليوم ليتحدث معك يا ناقصة العقل والدين "
وتابعت مغادرة من هناك ولم يؤثر بها تلك الدموع
ولا البكاء المؤلم
" وسنغادر من هنا فورا ... كلمة قلتها ولن تناقشيني فيها "
تبعتها بنظراتها الدامعة حتى دخلت الغرفة وضربت الباب خلفها
فجلست ورفعت سماعة الهاتف وطلبت الرقم الذي حفظته
عن ظهر قلب ما أن نظرت له البارحة ونظرها على باب تلك
الغرفة المغلقة فحتى هاتفها حجرت عليه والدتها عندها ، حمدت
الله أن أجابت من في الطرف الآخر سريعا فهمست ما أن
سمعت صوتها
" جليلة أريد أن أتحدث مع غسق سريعا أرجوك "
*
*
*
فتحت العلبة المخملية ذات اللون الأحمر القاتم وأخرجت منها
الخاتم المرصع بالألماس أولا وألبسته لها في أصبعها الرقيق
وقالت مبتسمة
" جيد على قياسك تماما يا يمامة "
وتابعت وهي تلف ذاك السلسال المماثل له في بريقه وجماله
حول عنقها لتتدلى ماساته الثلاث على صدرها
" نعلم أن عاداتكم لا تسمح بأن يلبس الرجل خطيبته هذا
ولا نحن مقتنعون بذلك لذلك أخذت مكان ابني وأتمنى أن
تعجبك يا يمامة "
وراقبت عيناها بحنان التي قالت مبتسمة تتلمس ذاك السلسال
بأصابعها ونظرها عليه
" إنه جميل حقا شكرا لك عمتي "
ابتسمت وأخرجت السوار وألبستها إياه أيضا قائلة
" هذا أقل بكثير من قدرك بنيتي وسنقوم بواجبك يوم زفافكما
فاعذروا أنتم تقصيرنا فما تسمى هذه بخطبة أبدا "
وتابعت وقد أشارت لكل العلب والأكياس المرتبة في الزاوية
" تلك الأشياء من أجلك أيضا وبعض الهدايا لعائلتك "
كانت تود شكرها تود أن تحضنها بقوة وتبكي في ذاك الحضن
ليس من أجل كل هذا فقط بل ومن أجل تحرير شقيقها يمان من
سجنه هنا ودمار مستقبله من أجلها لكن الجالسة معهما
ومن لم يكن يعجبها شيئا مما يحدث أمامها قطعت عليها
أمنياتها تلك وبترت أحلامها البريئة كالعادة حين قالت ببرود
" ألست تري معي يا سيدة جوزاء أن يمامة صغيرة جدا على
الزواج وأن والدها لا ينصفها بإجبارها ؟ "
نظرت لها تلك الأحداق الرمادية الواسعة بصدمة وسرعان
ما أسدلت جفنيها عليهما ما أن بادلتها تلك بنظرة غاضبة
وقالت جوزاء وقد مسحت على يدها بين كفيها
" يمامة هلا تركتنا وحدنا قليلا "
وقفت من فورها وغادرت من عندهما حزنها الصامت يرافق
خطواتها الكسيرة وجل ما تخشاه وفكرت فيه وقتها بأن تلك
المرأة ستقتنع بحديث زوجة والدها ولن يتحقق حلم شقيقها أبدا
وسيموت ذاك الأمل الذي بات يشع من عينيه والذي لم تراه
فيهما سابقا ، ولم تكن لتعلم أو لتتخيل أن ما حدث وراء الباب
الذي أغلقته خلفها مختلف تماما وقد نظرت جوزاء للجالسة
أمامها وقالت
" بحسب حديث زوجي فوالدها وشقيقها قالا بأنها موافقة تماما
فما المشكلة في زواجهما ؟ "
قالت تلك من فورها وبامتعاض
" يمامه صغيرة ولن تستطيع تحمل مسئولية منزل وزوج ،
هذه أمور لا يعرفها الرجال "
قالت جوزاء ومباشرة أيضا
" الخدم في منزلنا ضعف عدد ساكنيه أي أنها لن تتحمل
مسئولية شيء أكثر من أن تستحم وتغير ملابسها "
زمت تلك شفتيها بحنق وقالت
" هذا شق فقط من حديثي "
قالت جوزاء من فورها
" الشق الآخر اتفق فيه أبان مع شقيقها وكوني مطمئنة
فلن يدخل ابننا بها قبل أن تكون مستعدة لذلك وبموافقتها
ورضا تام منها أيضا وهذا ما أتحمل أنا مسئوليته "
قالت التي شعرت بأنها حاصرتها فعلا
" إذا لا حاجة لأن يتزوجا قبل ذلك الوقت الذي تقولين عنه
ولتبقى مجرد خطبة "
تنفست جوزاء بعمق متمتمة بالتعوذ من الشيطان فهي لم تحب
هذه المرأة أبدا ما أن رأتها ولا تستبعد أن جميع ما قالته ابنتها
بثينة عن الفتاة هي السبب فيه وجل ما تخشاه أن تجعل زوجها
يغير رأيه في زواجها ، لكنها لن تخسر حربها أبدا وستخرجها
من هنا وإن دفعت من مالها لوالد الفتاة ليوافق ، رفعت ذقنها
وقالت بثقة
" وأنا اصر على زواجهما كي لا تفوتنا لغيره ولا مانع من الأمر
بما أن رجلا العائلة موافقان "
غزى الضيق بوضوح ملامح الجالسة أمامها والتي قالت فورا
" لا أصدق أن شقيقة الزعيم مطر شاهين تفعلها وتخترق
القوانين لتزوج ابنها من طفلة ! "
وقفت جوزاء ورفعت حقيبتها وقالت
" لتكوني مطمئنة فقط فقد تحدثت مع شقيقي في هذا ومطر بلسانه
قال بأن القوانين الوضيعة بالكامل ستتغير ومن ضمنها تحديد
سن زواج الفتيات وها نحن نراه ينفذ ذلك منذ أيام وقد بدأ
بقوانين الميراث والطلاق والمعاملات التجارية والقادم
سيكون أكثر حتى تلغى جميع تلك القوانين ، ويمامة بما أنها
موافقة ولم تصرح لي برفضها فلن تكون إلا لإبني فلن نجد
أفضل من فتاة هي شقيقة يمان ... رحم الله من أنجبته وربته "
نظرت بعدها جهة باب المنزل متجاهلة تلك النظرات الغاضبة
وقالت
" الخادمة التي جاءت برفقتي في الخارج وستبقى هنا حتى
تغادر مع يمامة لمنزلها لتقوم بكل ما تحتاجه وتحتاجونه
فخطيبها من طلب إرسالها لها "
وكان ذاك الأمر الوحيد الذي نطق به وبعبوسه الذي قابلها به
وقت مجيئها إلى هنا بسبب شجارهما صباحا ولم تعارض الأمر
وأحضرت الخادمة معها لأنها موقنة من أن أبان يعلم عن حياة
تلك الفتاة ما تجهله هي ولا تستبعد أبدا أن تكون خادمة لدى
هذه المرأة ، ما أن أنهت عبارتها تلك غادرت جهة باب المنزل
ودون حتى أن تكلف نفسها بتوديعها ولا أن تتبعها تلك للباب ،
فقط نظراتها الكارهة من رافقتها حتى خرجت وقد همست بحقد
" لن تستمر هذه الخطبة ولا على جثماني "
انفتح باب الغرفة على اليسار وخرج منها اللذان ركضا فورا
جهة كل تلك الأشياء المغلفة وقد تحررا من سجنهما أخيرا
وانفتح باب غرفة يمامة وخرجت منه ما أن سمعت صراخهما
الحماسي وضحكاتهما فصرخت فيهم الواقفة هناك بغضب
" لغرفتكما فورا ... وأنتي يا يمامة خلفهما ولا تخرجي حتى يناما "
تحركت التي لا حيلة لها في كل هذا ناحية التوأمان الواقفان
منتصف الصالة وأمسكت بأيديهما وتحركت بهما جهة الغرفة
التي خرجا منها على أصواتهما الطفولية المتذمرة رفضا لأن
لا يريا كل تلك الأشياء ، وما أن اغلق الباب خلفهم نظرت
لتلك الخادمة قصيرة القامة نحيلة الجسد التي أصبحت تقف
عند الباب بعد أن غادرت سيارة من جلبتها معها وأشارت لها
على الأشياء المكومة هناك قائلة بأمر
" أجلبي هذه واتبعيني "
امتثلت تلك لأوامرها فورا وحملت ما استطاعت حمله منهم
وتبعتها تسير خلفها بصعوبة حتى خرجتا من الباب الخلفي
للمنزل وتوجهت جهة باب حديدي فتحته وقالت تشير لها على
الغرفة المليئة بالتبن وعلف الدجاج
" ارميها هنا واذهبي لجلب الباقي ، أريدها جميعها هنا مفهوم "
دخلت بهم فورا ووضعتهم هناك وخرجت تنظر لها بخوف
وقد قالت
" أين أغراضك أنتي ؟ "
ارتجفت الخادمة بخوف وقالت
" حقيبة ثيابي لازالت أمام باب المنزل سيدتي "
" وهاتفك ؟ "
دست يدها في صدرها فورا وأخرجته ومدته لها قائلة
" ها هو سيدتي "
أخذته منها فورا لتضمن أنها لن تكون جاسوسة لسيدتها تلك
وتحركت جهة باب المنزل مجددا وتلك تتبعها قائلة
" ما أن تنهي عملك ستتوجهين للمطبخ فورا لتنظيفه وستقيمين
في غرفة يمامة لا مكان لك غيره ثم كلاكما من ذات المستوى "
تبعتها تلك بقلة حيلة تترحم على سيدتها التي لم تعمل عند
واحدة تشبهها سابقا وجل ما تتمناه أن يتزوجا سريعا ولا يطول
بقائها في ذاك المنزل ومع هذه المرأة .
*
*
*
وضع رماح جهاز التحكم الخاص بالتلفاز عند جانبه الآخر من
السرير فتنهد الجالسان قربه بيأس من أن يرضخ لطلب أي منهما
والكاسر يريد متابعة مباراة فريقه الانجليزي المفضل أما الجالسة
تتكئ على صدره ويريح هو ذراعه على كتفيها فقد يئست أيضا
من أن تقنعه لتشاهد مسلسلها وكان عليهما تحمل الاستماع
للمزيد من القنوات الإخبارية نزولا عند رغبة صاحب الغرفة
والذي قالها لهما وبكل برود
( كل واحد منكما يملك غرفة وتلفازا كحجم هذا فليذهب ويتابع
ما يريد )
لكن رفضهما لتركه وحيدا جعلهما يتنازلا عن رغبتهما
وإن مكرهين . ضمها الكاسر بذراعه وقبل رأسها المتكئ
على صدره حين لعبت أناملها بأصابعه وقد ضغطت عليها
لا شعوريا وملأت دموعها مقلتيها الزرقاء الواسعة وعضت
طرف شفتها ما أن ظهرت صورة والدها في الشاشة المسطحة
الواسعة المعلقة على الجدار يحيطونه رجاله وحرسه من كل
جانب ويسير بجانبه عمه صقر وفي الجانب الآخر كان
من نغص نومها البارحة وجعلها تفر لمنزل والدتها صباحا
ولأجل غير مسمى ليست تعلم هربا منه أم من نفسها وها هي
تكتشف الآن بأنها اشتاقت له أسرع مما كانت تتصور رغم ألم
اقترابها منه ، حاولت تشتيت نظراتها عنه لجميع من في تلك
الشاشة عداه لكنها كانت تعود وتنظر لتلك الملامح الرجولية
الوسيمة لا شعوريا وذاك المشهد يتكرر دون توقف ودون أن
يرحمها الجالس هناك بأن يغير القناة فحاولت التركيز مثلهما
فقط على صوت المحلل السياسي وصاحب المداخلة الهاتفية
وصورة والدها وذاك يقول بصوت جهوري مرتفع
( من الذي من مصلحته أن يختفي هذا الرجل سوى من
لا يريدون للبلاد أن تنهض بنفسها مجددا وأن تقام دولة
القانون والعدالة ، منذ اغتيال الزعيم شراع ونحن نعيش
كابوس عودة البلاد لما كانت عليه في الماضي حتى رأت
الأعين هذا الرجل البطل وقدماه تدوسان أرض الوطن مجددا ...
هل ستلد لنا البلاد مطر شاهين في كل مرة ؟ لا قطعا فلن
تنجبه أي امرأة وجميع النساء اثبتن عجزهن عن ذلك
ونحن نرى نماذج تخجل منها الحرائر وهم يرسلون البلاد
للهاوية بأيديهم ، متى عرفت البلاد جهازا لمكافحة الفساد
قد طال حتى كبار رجال الدولة ورجال الأعمال إلا الآن !
متى رأينا الكبار من رجال الجيش يحاكمون عسكريا
ويحاسبون إلا هنا ! الزعيم شراع كبلته سابقا الأحزاب
والبرلمانات واتخاذ أسلوب الاستفتاء على القوانين ورضخ
خوفا من الفتنة وحروب القبائل أما اليوم فمن سيرعب
هذا الرجل أو يقيده ؟ لا أحد ولا شيء إنه يضرب بيد من
حديد كل من يقف في وجه ، بالأمس كنا سنفقد حدود البلاد
وسندخل لمتاهة لن نخرج منها أبدا واليوم نراها مؤمنة أكثر
من الداخل بفضل عقل هذا الرجل الذي لم يغفل شيئا ، بالأمس
كاد المتمردون أن يقتحموا معسكر فزقين ومخازن الدخائر
والأسلحة الثقيلة والمطار العسكري التابع لها وتدخل البلاد
في حرب ودماء لن تتوقف قبل أعوام طويلة وما أن أشار فقط
بسبابته في وجوه قبائل تلك المنطقة مهددا سلموها له طوعا
وطردوا تلك الشراذم ، هل ترون صمت ابن شاهين عما يحدث
في بعض مدن صنوان خوفا منهم ؟ لا ورب الكعبة فهي القوة
في أوجها وهو من يفكر في السلم وحقن الدماء قبل كل شيء
ويوم سيقرر ضربهم بالحديد والنار لن يمسكه أحد ولا شيء ،
فمن من مصلحته أن يموت هذا الرجل غير المارقين عن
القانون أمثالهم ، أم سنلبس التهمة وبكل جهل للمتطرفين
الذين لم يعد لهم وجود منذ أعوام !
هل بتنا نفكر فقط وبكل جهل من سيحكم البلاد ومن الأحق
من غيره وعدنا لصنوان والهازان والحالك والأقاليم المتناحرة
من أجل شيء لن يحصل عليه ثلاثتنا إن بقينا على هذا الحال
وهذه الأفكار ؟ نرى اليوم البعض يحرضون غيرهم متحججين
بأن مطر شاهين يسعى لحكم البلاد وأن الحالك ستنهب كل شيء
أي كلام جاهلين هذا ! ... "
قطع الكاسر انسجامهم ذاك بأن مرر أصابع يده في شعره قائلا
بضحكة
" لما لا تغير هذه القناة ؟ نخشى أن تغتر علينا إحداهن بوالدها
إن استمعت لأكثر من ذلك "
ضحك رماح وقالت التي نظرت لصورته بفخر وحزن
" لن أحتاج لسماع ما يقال لأعلم من يكون مطر شاهين فأنا أكثر
من علم ما قدمه لأعوام لهذه البلاد يربط ليله بنهاره ويقدمها
على نفسه دون أن يطلب مقابلا أو ينتظره من أحد "
ساد الصمت التام من طرفهما فنظرت لهما قبل أن تنتبه أيضا
للواقفة عند باب الغرفة والتي دخلت وحملت جهاز التحكم
وأغلقت التلفاز قائلة
" للخارج كليكما فعليه أن ينام الآن ويرتاح "
وقف الكاسر من فوره وسحب الجالسة بجانبه معه من يدها قائلا
" بسرعة قبل أن تأمرنا بالنوم أيضا "
تبعته ضاحكة وقالت وهما يخرجان
" شرط أن نلعب شوط شطرنج آخر "
ابتسم رماح يراقبهما حتى اختفيا ونظر للتي كانت تبعد هاتفه
والأدوية عن السرير وقال مبتسما
" سبحان من جملها قلبا وقالبا ! ابنتك سيحار والدها لمن
سيعطيها من كثرة ما سيتهافت عليه خاطبيها "
غطت جسده باللحاف قائلة ببرود
" ابنتي صغيرة على كل هذا فلتنهي دراستها وتكبر أولا فهي
ستدخل الثانوية العام القادم فأي زواج هذا الذي تتحدث عنه ؟ "
قال بذات ابتسامته يراقب ملامحها الجميلة العابسة
" إن كنت مستاءة من أحدهم أو من أجله فلا تنفسي عن ذلك
بي فأنا لست صغيرا لتجبريني على النوم وأعيدي لي جهاز
التحكم فورا "
استوت واقفة ونظرت له وقالت بضيق
" الطبيب أوصى كثيرا على أن تنام جيدا لأنه الوقت الوحيد
الذي لن يكون مجهدا لعضلاتك يا رماح وأنت نمت متأخرا البارحة
واستيقظت باكرا فأين العشرة ساعات التي أوصى بها الطبيب
راحة لك ؟ أي ثمان ساعات في الليل وساعتين في النهار
أحببت ذلك أم لا "
تنهد مستسلما واستلقى يدفع جسده مستندا بمرفقيه فقبلت
جبينه وقالت مغادرة
" اطلبني فورا إن احتجت شيئا اتفقنا ؟ "
" غسق "
أوقفتها نبرته صوته الهادئة المترددة قبل ندائه باسمها
والتفتت له فورا فقال يتجنب النظر لعينيها
" هل سافرت جهينة ووالدتها ؟ "
شعرت بقلبها تمزق ألما على حاله وحال تلك الفتاة فأغمضت
عينيها لبرهة متنهدة بعمق ثم فتحتهما وقالت ناظرة له
" لا أعلم يا رماح ونزولا عند رغبتك لم أراها أو أستفسر عنهما "
أومأ برأسه موافقا دون أن يعلق بشيء وكانت ستتحدث رغم
أنها تعلم بأنها عبثا تحاول لولا أوقفها رنين هاتفها فأخرجته من
حقيبتها ونظرت للرقم باستغراب قبل أن تجيب قائلة
" نعم من معي ؟ "
أتاها الصوت الأنثوي الباكي فورا
" غسق أنا جهينة والدتي تريد أن نسافر رغم رفضي وإصراري
عليها وأنا لا أريد الابتعاد عن رماح ، غسق ساعديني
في هذا أرجوك "
نظرت للذي كان يحدق بالسقف ولا يعلم عما يدور بينهما
ولا مع من تتحدث ثم غادرت فورا جهة الباب وخرجت
منه هامسة
" حسنا يا جهينة كل شيء سيكون على ما يرام توقفي أنتي
عن البكاء ولا تسمحي لها بأن تأخذك وتغادر حتى أصل أنا
أولا وإن ربطتها بعارضة السرير اتفقنا ؟ "
سمعت تلك الضحكة الأنثوية المكتومة وسط ذاك البكاء المنخفض
وهمست من فورها
" حسنا ... أنتظرك فلا تتأخري أرجوك "
أنهت المكالمة معها وواصلت سيرها جهة باب المنزل بخطوات
سريعة فبما أنها فعلتها واتصلت بها بنفسها كما اشترط فلن
تتركها تغادر بها أبدا خصوصا بعدما رأت تلك النظرة الحزينة
في عيني شقيقها منذ قليل .
" أمي "
وقفت مكانها ممسكة بمقبض الباب ونظرت للتي أصبحت
واقفة خلفها مباشرة تنظر لها بحزن والدموع قد وجدت سريعا
مكانا لها في تلك الأحداق الواسعة حين همست ببحة بكاء
" استمعي لي أمي أرجوك "
كان قلب الأم داخلها أضعف من أن تقاوم ذاك الصوت الرقيق
الباكي مناديا لها بتلك الكلمة وتلك الدموع في عينيها لكنها
أخطأت ولا تريدها أن تستهين بالأخطاء أبدا بما أن المدعو
والدها أرسلها اليوم مجددا وكأن شيئا لم يكن ، أدارت المقبض
وفتحت الباب وقالت مغادرة
" عليا الخروج سريعا وسنتحدث لاحقا "
لكن تلك اليد لم تسمح لها بالخروج وقد أمسكت يدها
وقالت برجاء
" أمي عليك أن تستمعي لي أولا ولن تغادري من هنا حتى
أعلم بأنك لست غاضبة مني "
تنهدت بضيق قائلة " تيما أنتي متى ستتصرفين .... "
قاطعتها برجاء باكي لازالت تمسك يدها بقوة
" أقسم لم أكن أقصد أن أفزعك أو أزعجك قسما أني
ظننت أنه جدي هو القادم من فرنسا ومن سيسمح له والدي
بأن يقيم معنا في المنزل لذلك ذهبت دون أن أخبر أحدا "
شعرت بانقباض غريب في قلبها .. لا ليس غريبا فها هو الشعور
بتلك المرأة يزداد قربا ولا تفهم لما هي حمقاء هكذا لماذا ؟
كانت ترفض أن تسألها عن أي أمر يخص أي امرأة دخلت حياته
وهو هناك وليست تعرف كيف خرج صوتها حين قالت
" ومن تكون هذه التي أ.... من يكون هذا الشخص يا تيما ؟ "
رطبت شفتيها بلسانها وهمست وقد أسدلت جفنيها على تلك
الأحداق الزرقاء المغمورة بالدموع
" ابن عمة والدي واسمه ... قاسم "
" من !! "
تلك الصرخة المستنكرة من الواقفة أمامها جعلتها ترفع نظرها
لها فورا وقد فتحت فمها مصدومة ما أن صرخت بغضب
" هل تذكر ذاك الرجل الآن أن يأتي ؟ أين كان كل تلك الأعوام ؟ "
نظرت لها باستغراب من غضبها ذاك منه وهمست
" كان مع من كانوا في لندن و..... "
سحبت يدها منها وصرخت فورا
" سحقا لوالدك ولرجاله بأكملهم .. متى سيتعلمون أن ما يفعلونه
يدمر غيرهم نهائيا ؟ متى سيشعر أولئك المتحجرين ؟ هل تذكر
ذاك الشاب الآن أن له وطن وعائلة ؟ ماذا عن والدته التي
ماتت تناجي شوقها إليه ليست تعلم حتى إن كان ضمن الأحياء
أم الأموات "
فتحت فمها عدة مرات وأغلقته والدموع تملأ عينيها مجددا
ولم تعرف ما الذي آلمها تحديدا في كل ما قالت ؟ دعائها على
والدها وجدها وذاك الشاب معهما أم أن فردا آخر من عائلتها
بل وليس أي شخص ها هو ينال وسام كره والدتها الشديد له ،
مسحت عينيها سريعا قبل أن تفضحها دموعها وهمست تنظر
لها بحزن
" هو كان محتجزا في الهازان لقد كان مسجونا هناك ولم يخر.... "
قاطعتها وقد تحركت من هناك قائلة بضيق
" حجة أسخف من أن يقنع بها شخصا توارى تحت التراب "
راقبتها بحزن والدموع تملأ حدقتيها مجددا ولازال صوتها الحانق
يصلها بوضوح رغم خروجها
" لعل والدك أشبع غروره الآن وهو يصنع نسخا عنه في كل مكان "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 85 others like this.
رد مع اقتباس
#4420
قديم 25-11-17, 01:47 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
" زهور يمكنك الجلوس مكانك "
تجاهلت ذاك الصوت الرجولي العميق مجددا وبقيت واقفة حيث
هي بعناد ترفض أن تتحرك من مكانها ، لم تتمنى الموت حياتها
كما تمنته اليوم وشعرت بأنها والجدار المقابل لها سواء فبأي حق
يعاملها هكذا كطفلة في مدرسته ثم وما أن ينهي سخريته وطلبه
منها يطلب منها الجلوس ؟ لن تتحرك من مكانها مهما كرر ذلك
كل حين وستتحمل ألم ساقيها مهما طالت المحاضرة وبعد خروجه
من هنا فليفعل بها ما هو أسوء من هذا إن رآها مجددا .
قرر أن ينهي المحاضرة أخيرا بعد قرابة الثلاث ساعات قضتها
واقفة حتى تخدرت قدماها اللتان لم تحركهما من مكانهما أبدا
وكأنه يتعمد أن يوقفها أكبر وقت ممكن أو أن يكسر عنادها
لتتعب وتقرر الجلوس ، وما أن بدأ بجمع أوراقه يتحدث عما
عليهم البحث عنه قبل محاضرتهم القادمة تحركت جهة حقيبتها
ومذكراتها وحملتهم وغادرت القاعة من قبل أن يخرج هو ليست
تهتم برأيه ولا ما سيكون عقابه القادم لأنه لن يطبقه عليها ،
غادرت الجامعة وركبت سيارتها وغادرت من هناك فورا وفي
ذات الطريق الذي جاءت منه حتى وصلت منزلهم ونزلت ضاربة
بابها بقوة ودخلت من فورها متوجهة حيث والدتها التي كانت
في المطبخ مع الخادمة والتي نظرت لها ما أن دخلت وقد نزعت
قفاز الفرن من يدها قائلة
" ما بك عابسة هكذا ؟ ثم أليس أمامك محاضرة أخرى حتى
الرابعة عصرا ! "
تنفست بقوة وغضب وقالت
" لن أذهب لتلك الجامعة مجددا "
نظرت لها والدتها بصدمة قبل أن تقول بضيق
" ما هذا الجنون يا زهور ؟ من التي أصرت على الدراسة في
كلية التجارة غيرك لتغيري رأيك الآن والفصل الدراسي
يكاد ينتهي ! "
نفضت يدها والحقيبة فيها قائلة بحنق
" لم أعد أريدها ولن أذهب هناك مجددا ولن أقابل ذاك الرجل "
" ما بها ابنتي غاضبة ؟ "
التفتت فورا للواقف خلفها ببذلته الرسمية الرمادية الأنيقة
يمسك حقيبته في يده وقد عاد للتو من عمله .. من رباها
منذ كانت طفلة وعاملها كابنته وليس ابنة لزوجته وهو من لم
يرزق بالأبناء من زوجته السابقة فطلبت الطلاق منه ، قالت باستياء
" أبي أريد تغيير دراستي أنت قلت أني أدرس ما أريد أليس كذلك ؟ "
اقترب منها وحوط كتفيها بذراعه وقال سائرا بها في الاتجاه الآخر
" ما هذا الذي يجعل زهرتي الجميلة تترك التخصص الذي تحبه
وقد عاندتني ووالدتها لتدرسه ؟ "
عبست ملامحها الرقيقة وعلمت ما سيكون رأيه من المقدمة التي
أتحفها بها وكأنه يذكرها بأنه وقف في صفها حين اختارت ما تريد
دراسته ، جلس وأجلسها قربه فرفعت شعرها القصير خلف أذنيها
وقالت ناظرة لعينيه برجاء
" إن أخبرتك بكل شيء أتعدني بأن تنصفني ؟ "
مسح بإبهامه تحت جفنها الواسع وقال مبتسما
" أعدك فهيا أخبريني ما سبب هذا القرار المفاجئ ؟ "
نظرت للتي وقفت أمامهما يداها وسط جسدها تنظر لها بحنق قبل
أن تنظر ليديها في حجرها وتنهدت بحزن وبدأت تسرد ما حدث
معها منذ البداية حتى اليوم وما أن انتهت نظرت للذي كان يستمع
لها بانتباه وقد قال مبتسما
" أنتي إذا السبب وراء مغادرة ماريه وإغلاق منزل عمها وجميع
أعماله واختفائه حيث لا أحد يعلم مكانه حتى الآن ؟ "
ابتسمت ببرآءة ورفعت كتفيها قائلة
" كنت أريد فقط أن تخرج ماريه من هنا والباقي كان
خارج مخططي "
ضحك وقال
" جيدا فعلت يا زهور "
" عبد الرحمن !! "
تحدثت الواقفة أمامهما بضيق تنظر له تحديدا فابتسم وعاد
بنظره للجالسة بجانبه وقال
" لكن قرار ترك الجامعة ليس صائبا يا زهور وأنا لن أوافق
عليه أبدا "
قالت بتذمر يائس
" أبييي "
شد شحمة أذنها وحركها برفق مبتسما وقال
" هل لي أن أفهم يا مشاكسة كيف تكون من فعلت كل ذلك
جبانة هكذا وتهرب من مواجهة استاذها "
لمست أذنها لا شعوريا ما أن أبعد يده وقالت بأسى
" بعد أن أخبرتك بكل ما فعله اليوم تقول هذا ؟ "
وقف وقال ناظرا لها
" أجل فأثبتي لذاك الشاب أنك أقوى من أن يهزمك ؟ أنتي
التي لم تعجزك مادة سابقا وكانت والدتك تلقبكما أنتي وماريه
بفأرتا الكتب تهزمي أمام مادة ليست سوى مادة قانون لا تمت
لتخصصك الأساسي بأي صلة ! "
كانت ستتحدث والسخط باد على ملامحها فسبقها قائلا
" اعتبري الأمر تحد وأثبتي له أنك أقوى من أن يهزمك فلن
يستطيع أن يخسرك المادة وأنتي متفوقة وأعدك أن أتدخل
إن لزم الأمر ذلك نهاية العام "
عبست ملامحها الحزينة وتمتمت بأسى
" لكني خسرت كرامتي أمام الجميع "
قال بذات ابتسامته المحبة
" بل حين رفضت العودة للمدرج أثبتي للجميع أن كرامتك
فوق كل شيء وأولهم استاذك ذاك "
زاد عبوس ملامحها حتى كادت أن تبكي وقالت
" لكن الأسوء أني خرجت من المحاضرة فور أن انتهت
وقبل أن يخرج هو لأني كنت عازمة على أن لا أرجع أبدا
لتلك الجامعة "
ضحك ووضع يده على رأسها ولعبت أصابعه بشعرها القصير
الناعم وقال
" لا أريدك أن تخسري أمام نفسك قبله يا زهور ولست
أصدق أن المشاكسة الشجاعة دائما تهرب من هذا ! "
أنهى كلماته تلك وغادر ووالدتها تتبعه تراقبهما نظراتها
العابسة اليائسة بعد أن فقدت الأمل في أن يقف في صفها ،
رفعت وسادة الأريكة وضربة بها وجهها متمتمة بقهر
" سحقا لي ولماريه ولزوجها ومحاميه الأخرق ذاك "
*
*
*
وصلت بهو الفندق ولازالت تضع النظارات الشمسية الكبيرة
على عينيها وبحثت بنظرها في الأرجاء حتى وقع على الواقفة
بعيدا تنظر أيضا لما حولها بحثا عنها ويبدو التوتر واضحا جدا
عليها فاقتربت منها سريعا وسحبتها من يدها حتى كانتا خلف
العمود الرخامي الضخم المذهب ورفعت نظارتها فوق حجابها
وقالت هامسة
" أين والدتك الآن ؟ ألن تشك بشيء ؟ "
حركت رأسها بالنفي فورا وقالت
" ما تزال في الأعلى ولن تشك أبدا فهي لا تعلم أني أملك رقم
هاتفك ولا هاتف جليلة وكل ما تعلمه أني هنا لطلب سيارة تقلنا
للمطار فهي قررت أن نسافر بالطائرة هذه المرة وكل ذلك كي
لا نبقى هنا لوقت أطول "
وسرعان ما ملأت الدموع عينيها وأمسكت بيدها قائلة برجاء
" لا أريد المغادرة قبل أن أراه يا غسق ، بل لا أريد أن أبتعد عنه
أبدا ، والدتي لا يمكنها فهم هذا وإن أخذتني من هنا فلن
أرجع مجددا "
شدت على يدها بيدها الأخرى وقالت ناظرة لعينيها
" جهينة عليك أن تعلمي أولا أن رماح قد يعيش مقعدا للأبد
بل وقد تزداد حالته لأسوء من هذا "
حركت رأسها وهمست والدموع تتقاطر من عينيها
" ليس يعنيني كل ذلك يا غسق أريد فقط أن نكون معا فلن
يعلم أي منكم ما يعنيه لي وهو الرجل الذي أحببته منذ أعوام
طويلة فكيف سيكون طعم حياتي وهو بعيد عني ؟ لقد جربت
ذلك سابقا وما أقساه "
رفعت يدها لوجهها تمسح دموعها من وجنتيها تكابد أيضا
الدموع التي ملأت تلك الأحداق السوداء الواسعة فهي قاست
ذلك مثلها تماما وتعلم ما معنى ذاك الشعور لكنها لا تمتلك صفة
الغفران التي امتلكتها هي وإن وجدت التبريرات مثلها ، ليست تعلم
لأن جرحها أعمق وأقسى أم أن حبها لذاك الرجل هو ما كان أشد
وأعظم من أن تغفر له !
أمسكتها من يدها وسحبتها جهة المصاعد قائلة
" هيا اصعدي وسألحق بك بعد قليل وعليك أن تتفاجئي برؤيتي
أيضا لا تنسي ذلك "
وراقبتها وهي تغادر بعينان اكتسحتها الدموع مجددا فهي ستسعى
كل جهدها لتسعد هذه الفتاة وشقيقها قبلها مهما فعلت ومهما
كان الثمن بما أن شرط رماح تحقق أخيرا
*
*
*
تلك الطرقات الخفيفة على باب جناحهما كانت ما كسر ذاك
الصمت القاتل سوى من الدموع الصامتة للتي كانت تجمع
أغراضهما في الحقيبة الصغيرة التي أحضرتاها معهما البارحة .
تبادلتا نظرة صامتة قبل أن تهمس والدتها متوجهة للباب
" لابد وأن السيارة جاهزة وأرسلوا أحدهم ليعلمنا عنها "
وقفت التي تركتها خلفها على طولها تمسح بقايا دموعها هامسة
بدعاء خافت أن تكون شقيقته تلك أعند من والدتها رغم شكها
في ذلك فلم يكسر يوما عنادها أحد ولا والدهم رحمه الله ولا
إبنها البكر وأقرب الناس لها ... وحده ابن شاهين من فعلها
الآن فهي كما الجميع لن تستطيع قول كلمة
" لا " لهذا الرجل .
فتحت والدتها باب الجناح وكم أملت بأن أملا جديدا قد يكون
فتح معه وهي تنظر للواقفة أمامه بل ولأجمل من رأت عيناها
قد لبست السواد كاملا والتي نقلت نظرها بينهما قائلة بابتسامة
رائعة تشبهها تماما
" أعتذر إن أزعجتكما "
نقلت نظرها لوالدتها حين التفتت لها برأسها فتبادلت معها تلك
النظرة المصدومة كما سبق واتفقتا رغم أنها استشفت الكثير
من الشك في نظرتها تلك قبل أن تعود بنظرها للواقفة أمامها
وقالت وقد تنحت جانبا
" أبدا بنيتي أمثالك لا يزعجون أبدا ... تفضلي "
وما أن خطت قدماها للداخل حتى تابعت التي أغلقت الباب
ونظراتها التحذيرية مسلطة على تلك العينان الدامعة
" كنا نجهز أنفسنا للمغادرة فطائرتنا بعد ساعتين لكن الوقت
أمامنا لنتوادع بالتأكيد "
عبست تلك الملامح الحزينة الباكية ما أن وقفت غسق بينهما
تخفيها عنها فأومأت لها برأسها مبتسمة ومشجعة فهي إن كانت
تعرف والدتها فليست تعلم عنادها هي وحصولها دائما على
ما تريد ، التفتت سريعا للتي أصبحت خلفها وقالت مبتسمة
" إن فاتت هذه الطائرة فثمة العشرات غيرها بالتأكيد ولا مشكلة
أبدا في ذلك فهل نجلس ونتحدث قليلا يا خالة "
أشارت لها بيدها فورا على الصالون الأنيق قائلة
" بالتأكيد تفضلي "
فتحركت هناك من فورها لحظة ما نظرت تلك لابنتها قائلة
" اجمعي باقي الأغراض من الغرفة يا جهينة "
نظرت لها فورا وباستياء ولم تستطع قول شيء بسبب نظرة
التهديد في عينيها فلم تكن تتوقع أبدا أن تبعدها عن حديثهما !
وكان عليها أن لا تستغرب ذلك فهي بالتأكيد ستفكر بأنها قد تؤثر
على حديثها سلبا لذلك ما كان أمامها سوى أن تنصاع لأوامرها .
وما أن اغلق باب الغرفة خلفها حتى جلست والدتها ونظرت
للتي قالت بهدوء
" يبدوا أنك غادرت منزلي مستاءة ليلة أمس ولن تغادري البلاد
وفي خاطرك ما يكدرك منا أبدا "
نظرت فورا ليديها في حجرها وشعرت بالخجل من نفسها فحتى
إن كانت أكبر منها وفي مقام والدتها فهي تبقى ابنة الرئيس
السابق للبلاد ومن كانت زوجة لذاك الرجل العظيم ووالدة
ابنته بل ومالكة هذه المدينة وكل ما فيها تتنازل لتعتذر منها
هي وتراعي خاطرها وتفكر أساسا إن خرجت من منزلها مستاءة
أم لا !! قالت ونظرها لازال على يديها ولتختصر على كليهما
المقدمات
" جهينة هي ابنتي الأنثى الوحيدة ولست أكره لها ما تحب أبدا ،
كنت أتفهم دائما أسباب رفضها الزواج حتى الآن وكل ذاك الحزن
الذي رافقها لأعوام حتى أنها اعتزلت الناس لفترات طويلة ولن
أحب لابنتي إلا ما يسعدها فلا أريد لها أن تتخذ قرارا تندم عليه
لسنين طويلة وأن تنجرف خلف عواطفها فتعيش نصف امرأة
لباقي عمرها "
شدت الجالسة أمامها قبضتيها لا شعوريا وشعرت بالألم لحجم
الإهانة التي وجهتها لشقيقها وإن كانت لم تقل ذلك بشكل مباشر ،
لكنها تغاضت عن كل ذلك وقالت بذات هدوءها
" لن يرضى أحد بذلك لابنتك يا خالة وأولهم رماح وما كنت
لأكون هنا لو كنت أعلم بأن ذاك سيكون مصيرها معه "
لاذت المقابلة لها بالصمت دون أن تعلق ولا أن ترفع نظرها
بها فتنهدت بعمق وعلمت أن مهمتها لن تكون سهلة أبدا ،
قالت تراقب ملامحها وجفناها الواسعان المسدلان وقد اكتحلا
بسواد فاحم
" لو كان لك ابن أو شقيق في حالته لما تمنيت له إلا الأفضل ،
واتباع عواطفنا لا يعني دائما أننا سنؤذي أنفسنا "
رفعت نظرها بها حينها وقالت بجمود
" لديا ابن مصاب بسمات التوحد ولن أفكر يوما في أن أظلم
امرأة لتكون خادمة له وإن كانت مجنونة بحبه "
أغمضت عينيها وتنفست بعمق تذكر نفسها بأنها في سن والدتها
وأن تحترمها مهما قالت وتقدر طريقة تفكيرها في مصلحة ابنتها
قبل أن تفتحهما وتنظر لها قائلة
" وضع رماح مختلف تماما يمكنه ممارسة حياة طبيعية
جدا ثم هو .... "
سكتت قليلا قبل أن تقرر قول ما كانت ترفض قوله نزولا عند
رغبة شقيقها
" هو قد يسير مجددا وإن بشكل جزئي وهذا ما أكده الأطباء
لكنه من يرفض العملية "
لاحظت نظرة عدم اقتناع في عينيها فتقدمت في جلستها حتى طرف
الأريكة ومدت يديها وأمسكت بيدها وقالت برجاء
" رماح يحتاج لمساعدتنا جميعا وجهينة أولنا فهل يرضيك
أن يبقى هكذا وبيدك الحل ؟ "
أبعدت نظرها عنها وقالت
" تعلمين بأن شقيقك من يرفضها فلنذهب في حال سبيلنا
أفضل لنا فظروفنا لن تسمح ولا بالبقاء هنا ليومين آخرين "
ابتسمت وقد شعرت ببصيص أمل وإن كان ضئيلا وقالت من
فورها وقد تركت يدها
" أي ظروف هذه التي ستمنع بقائكم في بلادكم ؟ من يفضل
أن يتغرب عن وطنه ومجتمعه وأهله ؟ "
تنهدت الجالسة أمامها بحزن وقالت تنظر لأصابعها
" ابني البكر يعمل هناك وهو من يعول أسرته وعائلتنا ،
هو مطارد في قضية ثأر قديمة فقد أصاب زميلة برصاصة
بالخطأ حين كان مع جيش ابن راكان في الماضي ، عائلة
المقتول أعفوا عنه لكن شقيقه من والده طالب بإخراجنا من
المدينة وقال بأنه لن يبحث عنه لكن إن رآه أمامه فسيقتله
لذلك غادرنا البلاد بأكملها لنحافظ على حياته وهو يرفض
العودة والحديث عن الأمر خاصة أنه لم يحضى بأي فرصة
للتعليم ولا شهادة لديه ويعتمد على عمله اليدوي هناك
لدفع إيجار المنزل وإعالتنا جميعنا ويرفض أن تعمل أي
واحدة منا عملا تهان فيه وأي أعمال هذه المشرفة التي
سنحضى بها ! فحتى جهينة أوقفت دراستها منذ أعوام بسبب
تكاليف رسوم المدارس لأننا لسنا من البلاد "
شعرت بالحزن على قصتها وما عانت هذه العائلة فالإبن الأكبر
مطرود وحياته مهددة بالخطر والآخر مريض هذا غير تردي حالهم
ماديا ومعنويا بالتأكيد ، قالت من فورها
" السكن والوظيفة جميعها مشاكل يمكن حلها وبسهولة فالمنازل
هنا تقدم مجانا أو بأسعار رمزية للأسر المحتاجة حتى يتحسن
وضعها وتنتقل لأماكن أخرى وتكون ملكا لها ، كما يمكن إيجاد
وظيفة لكل واحد منكم وسأتكفل شخصيا بابنك المريض فثمة
مراكز هنا لمن هم في مثل حالته ، أنا لن أطالبك بأن تذهب ابنتك
لشقيقي ولا أن تفرض نفسها عليه أريد فقط أن نمنحهما فرصة ...
فرصة أخيرة ليقررا مصيرهما فإما أن يقتنع رماح أو أن تغير
ابنتك رأيها فيه ولن تظلم أبدا أقسم لك يا خالة وكرامتها من
كرامتي لن تهان ولن تجرح يوما "
لاذت بالصمت للحظة واحترمت هي ذلك وتركتها مع أفكارها
لتقرر وجل ما تتمناه أن تنجح في مهمتها فإقناع هذه المرأة
ومهما كان صعبا هو أيسر من إقناع شقيقها رماح ، قالت
التي نظرت لها مجددا
" ابني لن يقبل أبدا أعرفه عزيز نفس بل وسيغضب مني ومنها
إن نحن فقط تحدثنا معه في الأمر ولا تفكري بأنك قد تقنعيه
بالتحدث معه فالنتيجة ستكون ذاتها وسيغضب من جهينة
تحديدا فحتى قدومنا إلى هنا كان رغما عنه ولولا إرسال الزعيم
ابن شاهين رجاله وأوامره الصارمة لندخل البلاد معهم
ما وافق أبدا "
نظرت لها بصدمة قبل أن تهمس
" مطر من فعل ذلك ؟ "
أومأت برأسها بنعم وقالت
" أوامره وحدها التي ما كان ليستطيع رفضها أبدا ... بل من
كان ليتخيل أن يطرق رجاله باب منزلنا يوما ؟ "
أشاحت بوجهها جانبا وتنهدت بضيق .. هل على ذاك الرجل
أن يخرج لها في كل شيء ؟ جليلة ... مؤكد هي من لجأت له
في هذا لكن كيف وصلت له ؟ آه أجل وقت قدومة لاجتماعهم
لا تفسير آخر للأمر ، نظرت لها مجددا وقالت
" اتركيني أحاول التحدث معه وإن عبر الهاتف ، بل وسأسافر
وأراه شخصيا إن كان ذلك سيقنعه "
حركت رأسها بالنفي متنهدت بحزن وقالت
" لن يجدي ذاك نفعا صدقيني فحتى حين اقترحت عليه أن نخبر
رجال ابن شاهين يوصلوا له طلبنا بحل قضية الثأر لأننا كنا خارج
البلاد وقت حرر الهازان وتولى جميع تلك القضايا المشابهة رفض
ذلك فورا وقال بالحرف الواحد
( لسنا بحاجة لأن نتسول عطف من هم مسئولون عنا أمام الله
قبل الناس )
فلا تتوقعي أبدا أن يوافق "
وقفت على طولها تشد قبضتاها بقوة ونظرت فورا جهة التي
كانت تنظر لهما من شق الباب المفتوح قليلا .. نظرة باكية
حزينة مكسورة فظهرت صورة شقيقها أمام عينها فورا ونظرته
الحزينة الشاردة تلك حين علم أنها قد تكون غادرت البلاد ، أغمضت
عينيها وتنفست بعمق هامسة بخفوت
" من أجلهما يا غسق ... من أجلهما "
أدخلت يدها في جيبها وأخرجت هاتفها وتحركت حتى باب الشرفة
وفتحته ووقفت خارجا تتكئ بظهرها على الجدار ونظرها على
الحديقة المقابلة لتلك الفنادق والأطفال يتراكضون حول النافورة
التي تلاعبهم برذاذ قطرات الماء المتناثرة منها وكأنها تستمتع
بأصوات ضحكاتهم الصغيرة المتداخلة .
ضربت بطرف حذائها على الأرض بتوتر تستمع لصوت رنين
الهاتف في الطرف الآخر ، تكره أن تتحدث معه مجددا بعد مكالمته
تلك واتهامه لها وتكره أكثر أن تطلب ذلك منه لكن لا مفر لها من
هذا فالثمن سيكون سفر تلك الفتاة وللأبد وعيش شقيقها وحيدا
رافضا حتى المحاولة للمشي مجددا ، كتمت تنفسها الذي سحبته
قويا وبدأت تخرجه ببطء فور أن فتح الخط وسمعت تلك النبرة
العميقة المبحوحة
" أجل يا غسق "
زمت شفتيها بضيق تسمع بوضوح صوت الريح لتحركه في
سيارة ما أي أنه لن يكون لوحده فيها بالتأكيد ، هذا الرجل لن
يتوقف عن التبجح بأنها ما تزال زوجته وتعلم بأنه لا يفعلها
إلا لمضايقتها ، حررت شفتيها وقالت
" تبدوا مشغولا لكن ثمة أمر مهم علينا التحدث فيه "
وصلها صوته القلق فورا
" ما بها تيما ؟ هل هي بخير ؟ "
قالت من فورها
" هي بخير الموضوع يخص رماح وجهينة ولا يقبل التأجيل أبدا "
سمعته يحدث أحدهم قائلا
" توقف هنا يا قاسم "
تنهدت بضيق ما أن سمعت ذاك الاسم ونظرت جانبا وهي تسمع
ذاك الصوت الرجولي القريب
" ماذا حدث ؟ ما بها ابنتك ؟ "
سمعت صوت باب السيارة وهو يفتح وصوت مطر قائلا
" لا شيء "
ساد الصمت من ناحيته قليلا ومن صوت الأمواج الواضحة
علمت أنه عند الخط الساحلي لبحر بينبان جهة غرب الحالك
ليسلكوا طريقهم لغرب الهازان كما سبق وقالت ابنته فشعرت
بتلك الغصة المؤلمة في قلبها والدموع تملأ عينيها السوداء
الواسعة محدقة بالسماء ولم تستطع مع انكتام أنفاسها أن
تقول شيئا .
*
*
*
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الثالث عشر 13 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الثالث عشر
المدخل ~
بقلم/ لواء الحق
استريا...
ليته يعود الزمن...لأحرق هذا القلب العفن ..
أحب بوقت رهن ...بين الحروب والفتن ..
لابارك الله في قلب وهن ...من أثر الجراح والمحن ..
أسرت وهام قلبي وجن ...يبحث بين الحدود والمدن ..
رفضت بن عم وبن وبن ...وانتظرت رعدا المتن ..
أهنت سجنت ولم أكن ...أبالي بالعذاب والسجن ..
قالوا ..آستي ..هم صنوان ونحن من ...قلت نحن تانان غجر عفن..
لا يقبل بأختلاط الدماء ولن...يرضاها وأن دفن ..
فقط أنتظر جنون المطر فأن ...وحده من يزيل المحن
*************************
رعد......
أين أنت يامطر ....قد أنتهت كل الفصول ..
ولست أفهم مالعذر...فالوقت يركض كالخيول ..
قلت اصبر ومالصبر ...واشتياقي لن يزول ..
فحالك وصنوان اندثر ...والهازان أيضا لم يطول ..
قد وحدتهم يامطر ...فلترى باقي الفصول..
فقرة عيني تنتظر ...وعد المكبل المشلول ..
لم تطلب مني عمرانا مهر ...بل تطلب منصفا عدول..
هيا تحرك يامطر ...فلست أئمن المجهول..
التنان قوم مستعر ...ضد الحب والميول..
أخشى أن تقول عني غدر ...ابن صنوان الرحول..
لن أغدر بمن جهر ...بذكر الله والرسول ..
بأنصاف الليالي قد سرر....برؤية المصحف المحمول..
أين أنت يامطر ...فلم أرى خضر الحقول..
فالأرض جدباء بلا زهر ...ولست أخشى ماتقول..
فقلبك عاشق ولم تقر... عينك بالغسق الجمول..
وقلبي لهيب مستعر ...وجسمي في وهن وذبول..
فما أرى غير السهر ...اناجي فيه طيف البتول ..
أين أنت يا مطر ..............................أنتهت كل الفصول ..
******
حاولت الاختباء بجسد الواقف أمامها تنظر حولها وليست تفهم
أين اختفى شقيقها ؟ بل وتلك المرأة معه ! لم تعد تسمع شيئا
مما يقوله المقابل لها يتحدث دون توقف عن إنجازات شركته
السياحية الصغيرة تلك محدقا بوجهها لم ينتبه ولا لما يجري
خلف ظهره ، كانت تتأمل أن لا يكون من دخل من هناك بذاك
اللباس الذي تراه عليه لأول مرة وهي البذلة السوداء الأنيقة
قد رآها في خضم ذاك الضجيج الذي أعقب دخولهما فليس
ينقصها اتهام ورسائل تهديد فقد انتقم منها بسبب فعلتها تلك شر
انتقام وعاقبها نيابة عن الجميع ، لكن ذلك الأمل مات في مهده
وهي ترى ذاك الحذاء اللآمع قربها لترتفع نظراتها المتوجسة
صعودا لتلك الساقين الطويلتان فالصدر والأكتاف العريضة
وانحبست أنفاسها فور أن وصلت لوجهه ولعينيه بل ولحدقتيه
المحدقة بعينها تحديدا ، هربت بنظرها منه للواقف أمامها
وابتسمت له فستتبع نصائح رعد وإن كانت لا تجزم بمقدرتها
على ذلك فقلبها يكاد يتوقف تماما من انفعاله بسبب وجوده قربها ،
قالت للواقف أمامها وكأنها منتبهة أساسا لما كان يقول
" رائع أنتم تقومون بعمل جيد فعلا "
اتسعت حدقتاه البنيتان وقال باستغراب
" نحن !! أخبرتك أن الشركة ملكي وطورتها بمجهودي ! "
ابتسمت له مجددا ممررة طرف سبابتها على حاجبها تشعر بأنها
وقعت في مأزق لا تجد طريقة للخروج منه بل لم يترك لها الواقف
بجانبها أي فرص للتفكير وهو يمسك بمعصمها ويسحبها من
هناك هامسا ببرود للذي مر مجتازا له
" عذرا هذا الشيء لم يعد لك "
فعلمت حينها أي مأزق ستأخذها له تلك النصائح المجنونة ،
لم تتصور أن ثمة ما قد ينقذها تلك اللحظة وأن نهايتها المحتمة
حانت لا محالة حتى شعرت باليد الأخرى التي أمسكت بيدها الحرة
موقفة لهما كليهما فالتفتت للذي كان يحاول النظر خلفه ولما
يجري هناك قبل أن ينظر لها قائلا
" أين تنوين الذهاب يا حمقاء فيبدوا أنه ثمة ما يحدث هناك "
شعرت بأصابع الواقف خلفها تشتد على أناملها فها هي المصائب
تتقاذف على رأسها ولم يتأخر باقيها كثير وقد غمز الكاسر بعينه
قبل أن يقول لها مبتسما
" هل ظننت أنك ستتخلصين مني لتتنقلي بين ... "
أشارت له بإصبعها على شفتيها ليصمت لكنه تابع دون أن يكترث
لها ولا أن ينتبه للواقف خلفها
" لتتنقلي بين الشبان ... لا فأنا لك بالمرصاد ورعد معه حق في أن
لا يثق بك "
ضربت بكفها على عينيها المغمضتان لا تفهم لما تتقاذف عليها
المصائب دائما حين تكون المصيبة الأساسية الواقفة خلفها الآن
موجودة ؟ انتبه حينها الواقف أمامها أنه ثمة من يمسك بيدها
وموجود ضمن مجالهما ويسمع كل ما قال ، نظر له عاقدا حاجبيه
لبعض الوقت قبل أن ينتبه للواقفة أمامه تشير له بسبابتها بتكرار
كي لا يرتكب جريمة أخرى والضحية سمعتها بالتأكيد وكادت تبكي
لا تعلم من ماذا تحديدا حين أشار له بسبابته قائلا
" أنت ... أنت ... "
وفرقع بإصبعيه عدة مرات قبل أن يشير له مجددا قائلا بابتسامة
" أجل تذكرتك لقد رأيتك في التلفاز برفقة .... "
والتفت خلفه مجددا حين أدرك عقله من سيكون ذاك الذي سيحيط
به كل ذلك الحشد هناك وغادر من هناك قائلا بحماس
" مطر شاهين ! لا أصدق بأني سأراه أخيرا "
وابتعد بين الأجساد الواقفة هناك تنظر له نظرة من فقد طوق نجاته
الأخير قبل أن تقرر اللحاق به فورا قائلة
" كاسر انتظر أ.... "
لكن اليد التي شدتها للخلف منعتها تماما مما كانت تفكر فيه فأنساقت
خلفه مجبرة وهو يجتاز بها الطاولات المصفوفة لا خيار آخر أمامها
فمع هذا الرجل إما الموت أو الموت خياران لا ثالث لهما ، وصلا جدار
القاعة الخلفي وأدارها أمامه موقفا لها عليه وسند يده بجانب
رأسها والأخرى في جيب بنطلونه ينظر لتلك الملامح الجميلة ..
للعينان الزرقاء الواسعة بشكل ملفت للنظر .. أنف صغير وشفاه
بلون ذاك الحجاب الحريري الأحمر الغامق محيطا بذاك الوجه
الدائري شديد بياض البشرة ، فستان قرنفلي اللون طويل مخصر
وبأكمام طويلة ضيقة وتنساب على قماشة أزهار مطرزة بحرفية
تنزل من كتفها الأيمن بنصف موجة حتى مقدمة حذائها الأيسر
وبلون حجابها الأحمر الغامق ... هذه كفيلة بجلب أي رجل
لمصيدتها ..
جميلة فاتنة نظرتها الطفولية البريئة تستطيع إفقاد أي شخص
لصوابه فكيف إن اجتمع معها نسبها فستصبح قذيفة متحركة
وليس فتاة في الرابعة عشرة من عمرها .
نظر لعينيها المحدقتان فيه بتوجس وقال بضيق
" متى ستتوقفين عن العبث ؟ "
زمت شفتيها تمنع نفسها من التبرير والدفاع فستتبع نصيحة رعد
وإن لم تقتنع بها فهو كما قال رجل ويفهم الرجال كيف يفكرون
وستصدق اعتقاده بأن الواقف أمامها الآن يعاقبها كلما تألم بسببها ،
وبما أنه من سيحمي سرها فلا بأس في خوض التجربة ، قالت
بضيق تحرك شفتيها بطريقة جعلته لحظتها يتمنى أنها
زوجته لا سواه
" وما علاقتك أنت بي ؟ "
ارتدت للخلف لا إراديا ما أن قال بحدة ناظرا لها بغضب
" ما سيكون موقف والدك الذي يبحث لك عن زوج لا وجود له
على كوكب الأرض ليستحق ابنته إن علم بما فعلته وتفعلينه؟ "
نظرت له بصدمة ليس من غضبه الا مبرر ولا من اتهامه الصريح
لها بالعبث مجددا بل من حديثه عن أن والدها يبحث لها عن زوج !!
والدها هي .. !
مطر شاهين يذلها بهذه الطريقة .. !
لا تصدق ذلك أبدا ، تحولت نظرتها للشك سريعا ولم يفت ذلك
الواقف أمامها والذي همس مبتسما بسخرية
" تحدث عن ذلك أمامي واسألي خالي صقر إن كنت تشكين
بصدق حديثي "
شدت قبضتيها بقوة ورسمت ملامح باردة بعد صراع مضني مع
قلبها ومشاعرها وألمها من كلماته وإهاناته الدائمة وقالت بجمود
" وإن يكن والدي ويريد لي الأفضل "
كادت تقفز صارخة بضحكة انتصار حين لاحظت الصدمة على
ملامحه قبل يخفيها خلف بروده المستفز قائلا
" حقا لا تهتمين ؟ "
قالت فورا ودون تراجع
" إن أمرني بالقفز في النار لفعلت فورا ، سأتزوج من سيختاره لي
وإن كان في عمر جدي دجى وأنا راضية تماما "
*
*
*
لم يفهم ما يجري حينها سوى تحول الواقفة أمامه لتمثال حجري
لا شيء فيها يتحرك سوى خصلات شعرها المتراقصة مع الريح
واحمرار جفنيها ليس يعلم بسبب بكائها السابق أم بسبب انحباس
طوفان آخر من الدموع ؟ لكن ما يعلمه جيدا بأن هذا ما يعرف
بسكون ما قبل الانفجار وهدوء ما قبل العاصفة ، يعترف بأنه
يجهل تماما أساليب احتواء غضب امرأة سوى بتجاهلها وهذا
ما فعله مع تلك الانجليزية كما أنه يجهل أساليب احتواء حزنها
وهذا ما فعله معها هي مرارا فكان كل ما استطاع فعله في كل مرة
أن أمرها بالتوقف عن البكاء وهددها بضربها وإبكائها أكثر فتعامله
مع الجنس الآخر توقف تماما منذ سافر وافترق عنها .. منذ تركته
والدته وتركها هي ورحل لعالم لا وجود فيه ولا لتلك الطفلة التي
ترقص وتغني له وتملأ ضحكاتها الرقية عالمه الكئيب ، فإن لم يكن
يستطيع احتواء حزنها وبكائها حينها فكيف بالآن !!
لكنه لن يتراجع عما فعله ولن يندم عليه أبدا رغم أن هذا ما كان
ليعجب مطر شاهين وقد خالف أوامره فيه فهو يرفض أن يعلم أحد
بحقيقة علاقته بتلك الفتاة ولا المقربون منه لكنه لن يكون نسخة
عنه ولا عن شاهر كنعان .. سيرضى بأن تكرهه بشدة وهي تعلم
الحقيقة أفضل من أن يقف موقفهما يوما ما يقدم تبريرات لامرأة
قد تكون توارت تحت التراب كوالدته أو تحولت لكتلة من الألم
المدفون داخلها كغسق دجى الحالك .
" خدني للمنزل "
بالكاد استطاع سماع همسها الحازم ذاك ويجزم بأن شفتيها لم
تتحركا من مكانهما ، رفع يديه وأمسك بذراعيها الباردتان كالجليد
وقال بجدية ونظره على عينيها المعلقتان في الفراغ
" ماريا عليا شرح كل هذا أولا ثم آخذك حيث تريدين "
أبعدت يديه عنها بقوة وصرخت في وجهه وكأن لحظة الانفجار
قد حانت بالفعل
" خدني للمنزل لا أريد سماع أي شيء بل أعدني لوطني ولعمي
قيس فهو أرحم منك "
شد أسنانه بقوة وقال من بينها
" ماريا لا تشبهيني يوما بذاك الرجل وتوقفي عن استفزازي
واتركينا نتحدث بروية "
كانت أنفاسها تخرج بقوة وازت الهواء حولهما يرتفع معها
صدرها ويهبط بشدة وكأنها تفقد الحياة تدريجيا ، يصعب عليها
تصديق ذلك أو استيعابه لتستطيع فهمه ! كيف يريد منها أن تتخيل
ذلك مجرد تخيل ليطلب منها أن تتصرف وكأنه أمر عادي ؟ كمزحة
سخيفة يضحكان عليها وانتهى الأمر !
ألا يعلم بأنه ثمة قلب يوجد بين أضلعها تعلق به ولأعوام طويلة
تعلق الإنسان بكل ما يبقيه على قيد الحياة ؟
ألا يفهم بأنها لا تستحمل فكرة أن ينظر لأخرى ... أن يبتسم لها
وإن مجاملا ليختار قتلها وبهذه الطريقة ؟
وبعد ماذا ...؟
بعد أن عرت مشاعرها أمامه وبعد أن أعلمته مكانته لديها بكل
حمق وغباء بل وسذاجة طفلة لم تخرج من شوارع وأحياء بلدة
حجور حتى اليوم واللحظة ، ارتجف جسدها من كل ذاك الغضب
المكبوت داخلها وصرخت فيه مجددا
" لا أريد سماعك فخذني من هنا أو أنا من سأخلصك مني وأرمي
بنفسي في هذا النهر ليأخذني حيث يريد ... وللجحيم نهاية الأمر "
شد قبضته أمام وجهها وهذا ما يعرفه جيدا عن نفسه سيفقد
أعصابه بسهولة أمامها وهذا ما بات يحدث دائما مقابل غضبها
وما حدث حينها وهو يصرخ بها أيضا
" ماريا ستستمعين لي ورغما عنك ، تلك الفتاة مجرد وسيلة
للوصول لوالدها إنها مهمة ... مجرد مهمة يا حمقاء "
دفعته من صدره بقوة وتحركت من هناك قائلة
" أجل أصدق هذا ودوري سيكمن في أن أقف وأتفرج وكأن
الأمر لايعنيني "
تبعها فورا وأوقفها ممسكا لذراعها وأدارها جهته بقوة
وقال بحدة
" ماريا توقفي عن الجنون فما أخبرتك بذلك إلا لتعلمي حقيقته
ومني أنا "
استلت ذراعها منه وصرخت بحرقة تكابد دموعها كي لا تنزل
من أجله وأمامه مجددا
" أنت لا تخبرني بذلك لأعلم منك يا تيم بل لكي لا أفسد الأمر عليك ...
لكي أراها في حضنك وفي منزلك وحياتك دون أن أتحدث أو أكشفك
أمامها ، إن كنت تضن بأني أجهل معنى العلاقة بفتيات من هذه
البلاد فأنت مخطئ ... مخطئ تماما "
أنهت عبارتها تلك وأدارت ظهرها له وغادرت فلحقها مسرعا
وأمسك بيدها وأدارها جهته مجددا دون أن يتركها وقال بحزم
مشيرا بإصبع يده الأخرى حيث المكان خلف ذاك النهر
" أنتي زوجتي ماريا وأنا أريدك الآن "
ساد الصمت بينهما للحظة لا يكسره سوى أنفاسه الغاضبة
والمتلاحقة وتحديقها به وكأنها عادت لاقتناص دور ذاك التمثال
الروماني مجددا حتى أن أصابعها في يده تصلبت تماما فإن جهل
هو فهي تعلم جيدا بأنها السبب في ذلك وبأنها من أشعل رجولته
لكن ما تجهله تماما بأنه يبحث فقط عن وسيلة للتواصل معها
فمهما كان جاهلا فيما يخص النساء فهو يعلم بأن المرأة أضعف
ما يكون وهي في حضن رجل تحبه ، لكن الأمر لن ينجح الآن ..
ليس كما تمنته وحلمت به .. امتلأت عيناها بالدموع وهمست
بجمود ونظرها معلق بعينيه
" إن كان يرضيك أن تنام مع امرأة جسد بلا روح فلن أطلب منك
سوى أن تسطر ذلك في تاريخك الآن لأنه لن يتكرر مع
امرأة أخرى "
أشاح بوجهه جانبا ومرر أصابع يده الأخرى في شعره الكث
للخلف ليرجع للتكدس أعلى جبينه وسار بها في اتجاه الممشى
الحجري خارجان من ذاك المكان كما دخلاه بل ليس كذلك تماما
فالقلب الذي دخله مفعما بالمشاعر خرج وهو محطم وبشكل
نهائي والمرأة التي سارت فوق أحجاره البيضاء تتبع ابتسامتها
خطواتها عليه خرجت تنعي تلك الابتسامة وهي تسير فوقه
جثة بلا روح ... حتى الدموع التي كان ذرفها أسهل ما تجود به
عيناها في وجوده تحجرت داخل تلك الأحداق تلسعهما كالسعير .
*
*
*
لم تنظر لتلك الجهة مطلقا تكاد تشعر بلحم كفيها يتمزق وأظافرها
المقصوصة تخترقة من كثرة شدها لقبضتيها فها هو عرف كيف
يفسد حفلها وعن جدارة وختم الأمر بدخوله كنجوم السينما ليحول
الأمر لحفل استقبال له بل لمهرجان سخيف وكل ذاك الجمع تحلق
حوله وكل واحد منهم يصافحه على حده ممسكا بيده بكلتا يديه
لوقت وسيل الترحيب لا ينقطع والبعض قد تذكر حتى بأن يرحب
به على أرض وطنه ولعودته لهم ، لم تكن ترى شيئا سوى الأرضية
الرخامية تحتها وهي تشيح بوجهها جانبا لم تعد تهتم ولا بالواقف
قربها لم يغادر مكانه ولم يتحرك لتلك الجهة فهو قد حضى بشرف
رؤيته وجها لوجه بسبب رتبته العسكرية ومكانته في جيش البلاد
ويفهم أي نظرة تلك التي يخصه بها في كل مرة ولولا يقينه من أنه
رجل لا تتحكم الأمور الشخصية في قيادته للبلاد لكان فقد رتبته
العسكرية منذ حديثه ذاك وأمامه عن خطبته للواقفة قربه الآن ،
كان يعلم بأن تلك النظرة الصقرية لن تخطئه أبدا وذلك ما حدث
فمن بين كل تلك الرؤوس المتحركة كان ثمة مجال لتشتبك نظراتهما
ولتبدأ تلك الحرب الصامتة رغم أنه فقد فريسته منذ قليل ما أن رأى
ذاك الخاتم في أصبعها ولا يستبعد أن يكون خصمه فقد المعركة أيضا
إلا إن كانت غسق شراع صنوان وليس دجى الحالك باتت أضعف من
أن تنتصر على رجل سرق ماضيها وتركها للتكهنات والأقاويل بل
وقتل أمومتها بأبشع صورة كانت .
لم يزح نظره عن عينيه وهو يجتاز ذاك التجمع حوله رافعا كفه
كاعتذار على انسحابه وقد تكفل حرسه بالمهمة وهم يقفون حاجزا
بينه وبين من تركهم خلفه مجبرين الجميع على العودة لطاولاتهم
وأماكنهم بينما تحرك هو بخطوات واسعة رشيقة يده اليمنى في
جيب بنطلون بذلته الرمادية الفاخرة والتي تفجر معها جسده
القوي أناقة ورجولة ويده الأخرى لازال يمسك فيها الأوراق التي
دخل بها مجتازا المسؤلات هناك عن تنظيم ما فقدن زمام الأمور
فيه ما أن دخل هذا الرجل وكل واحدة منهن تتبعه بنظرها ما أن
يجتازها مثلما تتصيد تلك الكاميرات حركته فاتحا المجال أمامهم
ولأول مرة لتوثيق حدث مشابه تواجدت فيه مديرة جمعية تلك
المملكة التي حرصت دائما أن لا يكون لها أي ظهور اعلامي
من أي نوع كان عدى اللقاءات الصحفية النادرة جدا ، وصل
عندهما واختار أن يستقر بجانب الواقفة أمام من لم تتركه
نظراته بل من لم يترك هو نظراته تخطئه حتى وقف ملاصقا للتي
لازالت تختار الأرضية الرخاميه عن كليهما .
تحولت نظرات الواقف أمامهما وبسرعة جهة خصرها النحيل
المحاط بسترة سوداء بقماش فاخر ترسم حدوده ومعالمه بحرفية ...
بل لليد التي التفت حوله وللخاتم الفضي الرجولي في أصبع يده
تلك ليتضح له النصف المفقود من الصورة بل وللجميع وهو يؤكد
ما بدأ يشاع بين الناس وبعضهم صدقه والآخر استنكره .. فها
هو مطر شاهين عاد ليس ليسترجع حق البلاد الذي بدأ يسلب
منها فقط بل وما كان حق له وحده وبقي ولازال .
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة ساخرة وهو يراقب نظراته التي
ارتفعت من يده المطوقة لخصرها لوجهها .. لوجه التي كانت
تغمض عينيها ورأسها للأسفل وذاك حالها منذ رأت أيضا ما فعله
الذي لو كان بيده حينها لاقتلع تلك العينين المحدقة بوجهها
وكأنه ينتظر أن تنكر ذلك ، فليعلم الجميع إذا بأنها له وملكه ولن
يسمح لأي كان بالاقتراب منها وأولهم هذا الذي كان أجرأ من
غيره وهو يطلبها من نفسها ثم من عمها وأمامه ، عادت نظراته
له وتبادلا تلك النظرة الطويلة التي لا يفهمها في ذاك المكان غيرهما
قبل أن يستدير موليا ظهره لهما ويغادر في صمت لحظة أن اقترب
منهما أحد من لا سلطة لحرسه عليه لمكانته في البلاد ومن قال
مبتسما
" يمكننا مناقشة أمور الجمعية الآن ، أتختارين المنصة أم إحدى
الطاولات سيد.... "
" شكرا لكن باب التبرعات والإعانة اغلق "
قالتها بجمود محدقة بعينيه .. أليس هذا من أكثر من كانوا يعولون
عليهم في هذا الحفل ؟ أليس هو من قال منذ قليل متشدقا بأن سياسة
جمعيتهم ليست حيادية أبدا !
ألم يغير من أرائه ما أن علم بوجود ذاك الخاتم في أصبعها فما
جعله يتنازل الآن ؟
رفع كفيه باسطا لهما وقال مبتسما
" أردنا المساندة لكن لا بأس "
قال مطر حينها
" هذه المملكة ليست بحاجة لداعمين بعد اليوم "
أشار بيده مبتسما وقال يأخذ كأس عصير من التي وقفت لإشارته
" هي كانت مساعدة رمزية فقط وبما أن السلطة العليا في البلاد
في صفكم فلن تحتاجوها "
أخفضت رأسها ورفعت يدها تمسد بأطراف أناملها على جبينها فقد
بدأت تشعر بالصداع يجتاح تلك الجهة تحديدا فشد بذراعه على
خصرها أكثر وكأنه يذكرها بما لم تنساه اليوم أبدا .. بأنه لا حليف
لها في عالم المال وأن المرأة الحسناء لا صديق لها سوى جمالها
كما أنه عدوها أكثر من غيره .
" أبي "
التفت برأسه للواقفة خلفه قبل أن يبتعد مبعدا يده عن ذاك الخصر
النحيل ودار بكامل جسده للتي ارتمت في حضنه هامسة
" اشتقت لك "
طوقها بذراعيه وقد انتقل نظره للواقف هناك عند الجدار يتكئ
بظهره عليه مكتفا ذراعه لصدره ونظره مركز على المرتميه في
حضنه فابتسم وهو يبعدها عنه ونظر لعينيها وقال ماسحا بإبهامه
على خدها
" كيف حالك يا تيما ؟ "
أومأت له برأسها هامسة بابتسامة
" بخير "
لامس جانب وجهها بيده وقبل خدها ثم استدار للجهة الأخرى
وحيث التي لازالت تختار النظر لكل شيء عداه أمسك وجهها
بيديه ورفعه له ناظرا لتلك الأحداق السوداء الواسعة وقبل جبينها
قبلة عميقة طويلة ثم تركها وصعد المنصة على صوت التصفيق
الذي بدأ يرتفع تدريجيا بحماس قبل أن يهدأ كل ذلك بمجرد أن
أمسك بالميكرفون ورفع درجة الصوت فيه مما نجم عنه صوت
صرير مرتفع جعل جميع الجالسين حول تلك الطاولات ينتبهون
في صمت لذاك الصوت الجهوري المبحوح وذاك الجسد والوقفة
الرجولية الواثقة والملامح الجذابة الجادة وكأن الزمن عاد بالجميع
للوراء لذاك الخطاب الذي ألقاه في ذاك الاجتماع العربي وفضح فيه
جميع الجرائم البشعة ضد شعبه ، تنقل بنظره بينهم ليثبت على سيدات
تلك الجمعية تحديدا حين قال
" قبل أربعة عشر عاما كانت هذه المدينة مجرد أشجار وجبال
وطبيعة لا يستفيد منها سوى الصيادين ، مطمع لكل زعيم حرب
لأنها تقع في قلب البلاد وتربط شرقه بغربه وبجنوبه ، سلمتها
لمديرة جمعيتكم على العهد بأن لا تقام فيها أي منشأة عسكرية
وكانت عند وعدها تماما بل وحولتها لقلب ينبض بالحياة ، دافعت
عن أسمى قضية وهي المرأة ... الأم الشقيقة الزوجة والإبنة ، من
إن صلحت صلح مجتمعنا بأكمله لأنها من تربي الأجيال ... تضحي
بكل شيء من أجل من تحبهم وهم بحاجة لها "
رفع يده مظهرا الأوراق التي يمسكها وقال ناظرا للجميع
" بدأنا بتغيير القوانين الوضعية للبلاد وهنا في هذه الأوراق تكمن
البنود التي تخص المرأة والقضايا التي تم تقديمها للقضاء من جمعية
الغسق وتم رفضها بتكرار والآن تم تحقيق أغلبها وسنناقش البقية
بما يرضيكن ، وابتداءا من الغد ستتولى خزينة الدولة دعمكم وإتمام
مشاريع الجمعية المتوقفة"
علا التصفيق والصرخات الحماسية للحاضرات ممن دعمتهم تلك
الجمعية ودافعت عن حقوقهن ومن قدن تلك المملكة بجد وتفاني
وإخلاص لأعوام طويلة .
نقل نظره للتي كانت تصفق له بحماس وتمسح دموعها بين الحين
والآخر مبتسمة بحب وفخر قبل أن يستقر على الواقفة بجانبها تنظر
للفراغ أمامها حيث باقات الأزهار التي تزين المكان أسفل تلك المنصة
بملامح جامدة خالية من أي تعبير رغم هدوئها وسكونها قبل أن
ترفعه له ببطء بارتفاع رأسها مع نظرها حين قال بهدوء ونظره
لازال معلقا بملامحها
" جميعنا لم نعلم قيمة المرأة في حياتنا ... جميعنا جرحنا احداهن
يوما ما وبعنف ... وأنا أولكم "
تحولت الانظار حينها وبصدمة جهة الواقفة في الأسفل أمامه
مباشرة ونظراتها لازالت معلقة به تتفس بقوة فشد قبضته على
الميكرفون مسدلا جفنيه على تلك الأحداق السوداء مخفيا صورة
تلك الفاتنة عنه كي لا يضعف فيما يريد قوله وتنفس بعمق وقد
رفع نظره للبعيد قبل أن يتابع بابتسامة ساخرة
" بسبب عبث رجولي ونزوة سخيفة "
تعالت شهقات الاستنكار والصدمة والجميع يحاول التقاط ردة فعل
التي امتلأت حدقتاها السوداء بالدموع ولازالت لم تفارق ملامحه
رغم أنها تمسكت بأصابع يد ابنتها كي لا تفقد توازنها .. صغيرتها
التي لم تفق من صدمتها بعد تمسك فمها بيدها والدموع تسقي تلك
الأنامل تنظر للواقف في الأعلى ... طيش رجولي و.... نزوة !
يعترف وأمام الجميع بل وأمام شاشات التلفاز !
لكن كيف ومتى وهي من عاشت معه هناك وعرفته أكثر من غيرها ؟
تبعته بنظرها وهو ينزل السلالم الآخر للمنصة ويغادر ورجاله خلفه
آخذا كل شيء معه .. أجل تشعر به أخذ كل ما في الواقفة بجانبها
ورحل به ، نظرت لها بعينان دامعة وهي تنزل بنظرها للأسفل تكاد
تلك الدمعة أن تفارق رموشها فأدارتها جهتها فورا وانساقت هي
لها وكأنها جماد لم تعد تشعر بشيء حولها فأخفت بحركتها تلك
وجهها عن كل التلك الكاميرات المترصدة لردة فعلها ومسحت
دمعتها سريعها هامسة
" أمي أقسم لك أنه و..... "
" اصمتي يا تيما "
أوقفها صوتها الأجوف رغم نبرته الحازمة الآمرة وقد تابعت وهي
تبتعد مجتازة لها
" لتعلمي فقط من أي نوع الرجال يكون والدك "
فنزلت دموعها مجددا ولم تستطع هذه المرة كتم شهقاتها الباكية
وهي تراها تغادر أيضا ومن باب آخر وفي اتجاه آخر وكأنها تثبت
لها أكثر بأن طرقهما لا تجتمع أبدا .
نظرت بذهول للأشخاص الذين هرعوا جهتها من يمسك جهاز
تسجيل في يده يمده نحوها ومن يمسك ميكرفون لقناة ما ومنهم
من يمسك بهاتفه المحمول والأسئلة من كثرتها لم يعد يمكنها
فهمها وكل واحد يريد معرفة الأمر من وجهة نظرها وبطريقته
بحكم أنها من عاشت مع ذاك الرجل سنوات اغترابه تلك جميعها ،
كانت تتراجع للخلف مما يزيدهم اقترابا منها ونظراتها الدامعة
التائهة لازالت تحدق فيهم بضياع إلى أن شعرت بجسدها اصطدم
بشيء ما خلفها ويدان أمسكتا بكتفيها فاستدارت فورا نحو صاحب
ذاك العطر الذي لا تخطئه أبدا ونزلت دموعها مجددا ما أن وقع
نظرها على عينيه فأمسك وجهها بيديه ومسح بإبهاميه وجنتيها
ثم أمسك يدها وخرج بها من هناك يجتاز بها كل ذاك الحشد يطوق
كتفيها بذراعه يبعد من يعترض طريقهما بيده الأخرى يردد ذات الكلمة
" معذرة منكم "
حتى وصل بها للخارج وسارا عبر الطريق مسرعين
*
*
*
لامارا, رغد تبوك, بسابيس and 78 others like this.
رد مع اقتباس
#4970
قديم 15-12-17, 07:19 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
صوت ضجيج المحرك القوي وحده ما كان يسمع في تلك السيارة
المسرعة على الطرقات الخارجية للندن ... قبضتاه تكادا تتمزقان
من الشد على ذاك المقود لا تعبر إلا عن غضب مكبوت لصاحبها
ليس من نفسه ومن كل من كانوا السبب في كل هذا فقط بل ومن
صمت الجالسة بجواره وإشاحتها بوجهها جهة نافذتها وإن أنكر
ذلك أو جهله رغم أنه كان يعلم جيدا ما يخفيه ذاك الصمت من
انقباض أناملها البيضاء على قماش ذاك الفستان حيث ترتاح يدها
على فخذها لترخيهم لبرهة ثم سرعان ما تعود وتشدهم عليه وكأنه
أشواك لن ترتاح إلا إن نزعته عنها ، لم يتوقع منها كل هذا الصمت
كما لم يتوقع موقفها العدائي منه وهو من اختار أقصر طريق على
نفسه لتعلم بالأمر ! لم يكن يستطيع رفض تلك المهمة فعلى عاتقه
يقع مهمة تحرير بلاده ونهائيا ممن يتسببون في عرقلة كل ما يفعله
مطر ورجاله هناك .
ضرب براحة يده المقود شاتما بهمس ومرر أصابعه في شعره
يشده للخلف بقوة ، أما كان عليها تفهم موقفه ؟ لما النساء غريبات
أطوار هكذا ! أليست من كانت قبل ذلك بقليل انثى تسلب لب أي
رجل وقد ترك لها حرية تحريكه بين أناملها كيف تشاء وكأنه
مكعب لعب ؟
أوقف السيارة بقوة أمام المنزل وكأنه كان يتوقع طريقا أطول
وظهر أمامهما فجأة ، أمسك بيدها المجاورة له ما أن فتحت
بالأخرى الباب وقال بجدية ناظر لنصف وجهها الذي بالكاد
يظهر له
" ماريا فكري جيدا فيما تحدثت عنه وسأنسى أنا حديثك أنتي "
وكان جوابها أن سحبت يدها منه ونزلت مغلقة الباب خلفها بقوة
ودخلت من الباب الخارجي بخطوات سريعة لا يسمع سوى صرير
الباب خلفها وسارت بخطوات بالكاد تحمل جسدها وهي تكاد تهوي
للأرض ودموعها تسقي ترابها الرطب تحتها وبالكاد وصلت باب
المنزل ودخلت منه راكضة جهة غرفتها وارتمت على سريرها تدفن
وجهها في وسائده وأطلقت العنان لتلك العبرات والبكاء الموجع الذي
تحجر داخلها منذ نطق بتلك الكلمات وكأنه قتل كل شيء فيها وليس
قلبها فقط ، هي الحمقاء والمغفلة ضنت أنه إن أهداها كل تلك الأشياء
التي يجلبها المال في أي وقت وأخذها لذاك المكان الذي اعترف بنفسه
أنه لم يكن باختياره سيكون يبادلها المشاعر الغبية التي حملتها له
منذ كانت طفلة وأن ذاك الرجل البارد القاسي قد يحمل قلبا وسط
أضلعه سيشعر بها وبمشاعرها .
كان بكائها يزداد أنينا وألما وحرقة كلما تذكرت تلك اللحظات اليتيمة
وكأنها جميعها تبكي معها بل وكأن كل شيء حولها ينوح لنواحها لم
تعد تشعر بشيء ولا بالتي دخلت راكضة وجلست بجوارها على السرير
تحاول إجلاسها قائلة بجزع
" ماريه ما بك ؟ ماريه ستموتين بسبب هذا توقفي هيا "
لكن ذلك لم يؤثر بها شيئا وكأنها لا تسمعها منفصلة عما حولها
تماما لا تستجيب ولا لضربها لها بقبضتها على كتفها دموعها تنزل
مع مشهدها ذاك صارخة بحدة
" ما الذي فعله بك ذاك المتعجرف ؟ ماريه لن تقف حياتك عليه ...
ماريه توقفي عن البكاء هكذا أرجوك "
لكن كلماتها تلك كانت تتلاشى مع تلاشي عبراتها في الهواء فحضنتها
وهي ما تزال نائمة على حالتها تلك تبكي معها بصمت رغم أنها لم تكن
تفهم شيئا مما حدث لكن ذاك البكاء لم يكن يعبر سوى عن أنثى
مجروحة حد الوجع والألم .
لم ترضى بأن تتركها ولا للحظة ولا حتى لتخبر والدها الغير موجود
حاليا في المنزل ليجد حلا لابن ابنة شقيقه ذاك ، كانت تجلس بجانبها
تمسح على شعرها تستمع لأنينها الباكي تشعر بغضب مدمر من ذاك
الرجل بل ومن الرجال جميعهم فمن يبكي جميلة مثل هذه تزينت
له واستقبلته أفضل استقبال إن لم يكن متحجرا قاسيا ولن
تستغرب ذلك من هازاني أبدا .
ما أن خف بكائها وجلست تبعد خصلات شعرها العالقة في وجهها
بسبب كل تلك الدموع أمسكت بكتفها وأدارتها جهتها قائلة
" ماريه ما الذي حدث أخبريني الآن وفورا "
لكنها لم تنطق بحرف بل نزلت من السرير وتوجهت للخزانة فتحت
بابها بقوة وأخرجت حقيبة سفر صغيرة رمتها على الأرض وفتحتها
وبدأت بوضع بعض الثياب فيها فقفزت ساندرين نحوها مسرعة
وأمسكت بيدها وأخذت البنطلون منها ورمته داخل الخزانة صارخة
" ماريه ما الذي تفكرين في فعله بحق الله "
قالت ببحة بسبب بكائها الطويل وقد عادت لإخراج ذاك البنطلون
ورميه فيها
" سأعود لبلادي بل سأذهب حيث لن أعرف أحد
ولن يجدني أحد أيضا "
أمسكت بمعصم يدها بقوة وأدارتها نحوها قائلة بغضب
" غاضبة منه .. لا تريدي رؤيته ؟ حسنا تلك مشكلتك لكن أن
تختفي حيث لا يعلم مكانك أحد وتتركي والدي هائم على وجهه
يبحث عنك فلا تفكري بها أبدا ، ثم أنتي هنا في منزل عم والدك
لست في منزله هو ونحن لم نستقبلك لأنه أراد هذا أو طلبه بل
لأننا نريدك هنا معنا أتفهمين ذلك ؟ "
حاولت سحب يدها منها قائلة ببكاء
" بل لأنه أحضرني فأنا هناك من أعوام لما لم يحضرني والدك ؟
تعبت من الحياة كمخلوق طفيلي يعيش ويتغذى على غيره ومن دون
موافقته أيضا "
شدت على يدها بقوة أكبر فهي اكتسبت لياقة وقوة من تدربها منذ
صغرها على رياضة الدفاع عن النفس وسحبتها بعيدا عن تلك
الخزانة ووأوقفتها مقابلة لها وقالت بحدة
" ماريه ما الذي حدث ؟ غادرتما من هنا متفقان تماما فما تغير ؟ "
رفعت يديها لشعرها ورفعته للخلف بأصابعها وقالت ببكاء
" قال بأنه على علاقة بفتاة أخرى ساندي تصوري ؟ "
نظرت لها بصدمة بينما لوحت هي بيديها بغضب صارخة بنحيب
" ويريدني أن أتصرف وكأنه لا شيء بيننا بل وبينهما "
ثم مدت يديها فاردة كفيها أمامها وهمست ببكاء موجوع
" يجري هنا ساندرين .. إنه يسري مع الدماء في عروقي فكيف
سأستحمل ذلك أخبريني بالله عليك ؟ "
أمسكت وجهها وقالت بحزن
" اهدئي ماريه وسنجد حلا لكل شيء فقط اهدئي حسنا "
ثم تركتها وتوجهت جهة الخزانة أخرجت قميص نوم قطني
وعادت ناحيتها وسحبتها جهة الحمام قائلة
" المياه الساخنة ستجعلك تهدئي وتسترخي وسأحضر لك شرابا
منعشا ثم نتحدث عن كل ذلك فلن أسمح لك أبدا بأن تغادري البلاد
يا مجنونة "
أدخلتها الحمام وأغلقت الباب خلفها فوقفت عليه وتقاطرت دموعها
فور أن تذكرت كلماته مجددا وتلك النظرة المرتبكة في عينيه
( أنا على علاقة بفتاة انجليزية )
أمسكت فمها بيدها تمسك عبراتها ونزلت للأرض تبكي بوجع تتخيل
فقط أنه ثمة أخرى تقترب منه مهما كان المسمى لاقترابها ذاك .
*
*
*
ركن سيارته في الموقف المخصص في الأسفل وأخرج المفتاح
منها بقوة لينتبه حينها لحقيبتها الموجودة تحت الكرسي بسبب
لمعان ذاك المعدن في حوافها فمد يده لها ورفعها ، فتح إضاءة
سقف السيارة وفتحها فكان فيها هاتفها أخرجه ومجموعة تلك
المناديل الورقية معه فانتبه سريعا للكتابة الموجودة فيها وكانت
بكلمات انجليزية مرتبة لن تكون إلا لشخص تعلمها منذ نعومة
أظافره وكانت
( عليك بقلبه يا فاتنة )
شد قبضته عليها بقوة ونزل ضاربا الباب خلفه ودخل باب
المبنى السكني وصعد السلالم يدس الهاتف في جيب بنطلونه
الخلفي فبحكم أن المبنى لا يحوي سوى أربع شقق في طابقين فلم
يكن للمصعد أي داع ولم يكن يحب استخدامه ، فتح باب الشقة
ودخل مغلقا له خلفه ووقف مكانه ينظر للتي خرجت من جهة
باب المطبخ تمسك كوب قهوة في يدها ترتدي بنطلون جينز قصير
لم يتعدى طوله نصف فخذيها وقميص أبيض مربوط عند خصرها
لا شيء تحته سوى حمالة الصدر البيضاء وشعرها الأحمر القصير
منسدل على كتفيها .. لا يفهم هذه الفتاة وعقلها وأفكارها السخيفة
فتارة تظهر كإحدى النبلاء بالفعل وتارة تتصرف كفتاة ليل منحلة
بملابسها الوقحة كهذه ؟ اقتربت منه مبتسمة ترتشف من كوب
القهوة الكبير في يده ونظرها على عينيه وما أن وقفت أمامه
رفعت جسدها على رؤوس أصابعها وقبلت خده وابتعدت عنه قائلة
" آسفة بشأن ما حدث هنا تلك الليلة ، لقد أخطأت فعلا لأني لم
آخذ رأيك بالأمر "
أشاح بوجهه عنها وكأنه يبحث عن شيء ما حوله وتمتم ببرود
" لا بأس لوسي "
ضحكت برقة ومررت كفها على صدره وهمست ونظرها معلق
بملامحه
" لا تنسى بأنك طردتني وغفرت لك ثيموتي بل واعتذرت منك
فلم يفعلها أحد قبلك "
نظر لها وكان سيتحدث لولا أوقفته نظرتها المصدومة ليده تضم
شفتيها وكأنها ستنفخ بهما الهواء قبل أن تستل من يده تلك
الحقيبة الزرقاء ورفعتها بجانب وجهها وقالت محدقة بعينيه
" ما هذا تيموثي ؟ كنت برفقة امرأة ؟ "
أخذها منها ورماها على الكرسي قربه قائلا بجمود
" كوني مطمئنة فأمرها انتهى "
وغادر جهة باب غرفته قائلا
" سأستحم ونغادر "
وما أن دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه توجهت لتلك الحقيبة رفعتها
ونظرت لها باشمئزاز رغم يقينها من جودة ذاك التصميم والقماش ،
فتحتها بأطراف أصابعها ونظرت للمناديل الموجودة داخلها ثم
أغلقتها ورمتها على الكرسي وتوجهت جهة غرفته متمتمة بغرور
" بالطبع سينتهي أمرها أو أنا من سينهيه بنفسي "
أدارت مقبض الباب بقوة عدة مرات وتأففت بحنق حين وجدته
مغلقا من الداخل فتركت مقبضه بحركة عنيفة متمتمة بضيق
" ياله من قديس ؟ حتى أسلافه اليونانيين ليسوا هكذا ! "
توجهت ناحية صالون الاستقبال وارتمت على الأريكة الفاخرة الواسعة
تلعب بخصلة من شعرها ونظرها على ذاك الباب وتفكيرها منحصر
فقط في الموجود هناك تحت رذاذ المياه الساخنة جسده الرائع
مبلل بالكامل فعضت شفتها سخطا منه ومن معتقداته تلك ، إن كان
له فعلا حبيبة لكانت قتلتها فقط لأنه ثمة رجل يعشقها بكبرياء هكذا .
كان عليها أخذ نسخ لجميع المفاتيح هنا وليس الباب الخارجي فقط
بدلا من أن دفعت كل ذاك المال لعجوز حمقاء جلبت لها مفتاحا
واحدا لكانت عرفت الآن كيف تسحبه للسرير طوعا ، بينما ما كانت
تجهله تماما أن ما يوجد خلف ذاك الباب المغلق رجل ساجد فوق
الأرض يصلي ليدرك الوقت قبل أن يغادر الشفق الأبيض السماء .
*
*
*
ضمت يديها وسط حجرها تنظر لبساط الأرض الأخضر تحت قدميها
تحاول أن تكبت تلك الدموع التي ترفض الانصياع لها فهي لم تجتاز
صدمتها بعد ، كانت لتستوعب الأمر لو أنها رأت امرأة يوما معه
أو سمعته يتحدث مع احداهن في الهاتف أو وجدت شيئا يخص
امرأة في أغراضه أو حتى رائحة عطر نسائي في ثيابه ؟
لكنه اعترف بذلك بنفسه !
أكان الأمر قبل رحيله وانتهى !!
كيف يمكنها استيعاب أنه قد يفعلها فهي أكثر من يجزم بحبه لها !
لكن والدها لا يكذب تعرفه جيدا فهو كان يعاقبها هي وبشدة
ومنذ صغرها إن لجأت للكذب تحت أي ظرف أو سبب كان .
نظرت جانبا ومسحت دموعها سريعا حين لاحظت اقتراب الذي
تركها هنا منذ لحظات على ذاك الكرسي في الحديقة العامة القريبة
من مبنى الجمعية ، لم تشعر إلا بجلوسه بجانبها وقد مد لها قارورة
ماء صغيرة ووصلها صوته قائلا
" هيا حذي الماء وتوقفي عن البكاء "
وتابع بابتسامة مائلة
" لا يرونا شرطة مملكة والدتك واعتقل بتهمة ابكاء امرأة "
أخذتها منه تمسح دموعها مبتسمة بحزن على عبارته وفتحت
الغطاء وشربت منها ببطء تتابع نظراتها حركة الأطفال بعيدا
وابتسمت بحزن فلطالما تمنت في صغرها أن كان لها أشقاء كثر
تلعب معهم وليست وحيدة لكن ذاك الحلم لم يتحقق أبدا حتى
كبرت وفقد ذاك الشعور معناه بالنسبة لها ، نظرت للجالس بجانبها
يتكئ بمرفقيه على ركبتيه ينظر للأسفل ويمسك قارورة عصير
برتقال صغيرة قد شرب نصفها ، تنقلت نظراتها في ملامحه التي
أخذت من قبائل الحالك الكثير فإن كانت والدته ابنة عائلة الشاهين
فوالده من أحد قبائل أقصى الجنوب حيث سواد الشعر والعينان فاق
الليل حلكة ، نظر لها فجأة فأبعدت نظرها عنه ونظرت للقارورة في
يدها وقالت بابتسامة مازحة رغم لمحة الحزن فيها
" لما تعطيني الماء وتشرب أنت العصير ؟ كنت أحضرت لي
واحدا مثلك "
نظرت له حين وصلها صوته المبتسم فورا
" لأنك تحتاجين الماء بسبب ما فقدته منه "
وتابع وقد رفع القارورة أمامها
" أما أنا فأحتاج هذا بسبب الركض الذي بات أحد طقوسنا "
عبست ملامحها الجميلة وتمتمت بضيق
" وإن يكن أريد العصير "
لم يستطع إمساك الضحكة القصيرة التي تغلبت عليه فهذه الفاتنة
يبدوا أنها لم تكبر قبل أوانها في كل شيء ، مدها لها قائلا
" خذيها فلم أشرب سوى نصفها "
وضعت القارورة من يدها فورا على المساحة الفارغة من الكرسي
بينهما وأخذتها منه فضحك قائلا
" ظننتها مزحة ولن تأخذيها حقا وأنك ممن يكرهون الشرب
بعد أحد ! "
شعرت بقدر من الماء البارد سكب على رأسها وكاد يغمى عليها
من الإحراج فهربت بنظراتها منه فورا تكاد أصابعها تحطم زجاج
تلك القارورة من شدة قبضها عليها فهي لم تفكر في الأمر من
هذه الناحية وأن تشرب من حيث شرب هو ... يا إلهي ما بها
غبية لهذه الدرجة ؟ عضت شفتها بقوة تعدل بيدها الأخرى طرف
حجابها تخفي ابتسامتها وارتباكها عنه حين رفع قارورة الماء
وشرب منها فأغمضت عينيها تشعر بقلبها ينبض بقوة لكن
تلك الابتسامة سرعان ما تلاشت للعدم حين وصلها صوته قائلا
" ليس جميع الرجال يميزون بين تصرفات الفتاة العفوية
والمقصودة يا تيما فلا تنسي هذا "
نظرت له فورا نظرة ملأها أسى وخيبة أمل وكان ينظر للقارورة
في يده قبل أن يدخل يده في جيبه وأخرج منه شيئا ومده لها مبتسما
ابتسامة مائلة خفيفة فنقلت نظرها ليده ولقطعة الحلوى فيها تأخذ
شكل رأس دب مبتسم مثبتة بأنبوب أبيض طويل وملفوفة بغلاف
بلاستيكي شفاف مربوط بشريطة حمراء فتحولت نظرتها للحنق
سريعا وعادت بنظرها لعينيه وهمست بأسى
" لماذا تكرهني هكذا يا قاسم ؟ "
أغمض عينيه وفتح فمه وكأنه سيقول شيئا وتراجع في آخر لحظة
ثم نظر حيث الطفلة التي مرت قربهما تقفز ضاحكة بفستان قصير
وشعرها الأسود مربوط في جديلتين فأشار لها بالحلوة في يده
يحركها بعشوائية فركضت جهته فورا وأخذتها منه قائلة بابتسامة
" هي لي حقا ؟ "
أومأ لها بنعم مبتسما فقفزت بفرح ثم عانقته وقبلت خده شاكرة
له وغادرت راكضة فنقل نظره للجالسة بجانبه ورفع كتفيه قائلا
بابتسامة
" هي لم تعتبرها إهانة "
أشاحت بوجهها عنه وقالت بضيق
" هي طفلة ، ثم أكنت تتوقع أن أقفز فرحا مثلها ؟ عموما رسالتك
وصلت وبأقسى مما كنت تخطط له "
مد يده لوجهها وأمسك ذقنها وأداره جهته ونظر لعينيها الدامعة قائلا
" لاحظي أنك تحولت لسلبية جدا ناحيتي حتى باتت تصرفاتي جميعها
تفهم بشكل سيء ؟ "
أبعدت وجهها فابتعدت يده عن ذقنها ونظرت لقارورة العصير في
يدها وهمست بحزن
" لأنها الحقيقة "
تنهد بعمق وأعاد وجهها له مجددا وقال بهدوء
" حين اشتريت الماء والعصير البائع لم يكن لديه دراهم ليرجع
لي باقي المال فطلبت منه تركه لنفسه لكنه رفض وأعطاني
تلك الحلوى بدلا عنه "
وتابع مبتسما ينظر للدمعة التي تكاد تنزلق من رموشها الكثيفة
" ولأنك أخذت الماء والعصير كليهما كان عليك أخذها أيضا "
رفعت يدها ومسحت عينيها وزحفت حتى طرف الكرسي وأولته
ظهرها فخرجت منه ضحكة صغيرة وقال ناظرا لها
" حسنا ... أنا آسف "
مسحت دمعتها مجددا وابتسمت بحزن على حماقتها الجديدة وقالت
" بل أنا من عليها قول شيء ما والاعتذار أيضا "
عدل جلسته ولازال نظره عليها وقد تابعت بعبرة مكتومة تمسح
دموعها التي عادت للنزول مجددا
" بعد تلك الليلة تمنيت كثيرا أن رأيتك مجددا فقط لأشكرك وأعتذر
عما سببته لك فلم أكن أستطيع تصور ما كان سيحدث لي لو لم
تكن هناك حينها "
وازداد بكائها وضوحا وهي تقول
" لو أني اكتشفت بأنك مت تلك الليلة ما كنت لأسامح نفسي أبدا
ما حييت ، أنا كنت حمقاء وطفلة وغبية وأستحق ما قد يحدث لي
لكن ما ذنبك أنت ؟ "
تنفست بشهقة وتابعت تبكي بوجع
" تمنيت أن ألتقيك وأن أفعل أي شيء لأشكرك ولم أكن أتخيل أن
لقائنا سيكون أقسى من تلك الليلة وأنا أراك تكرهني بسبب ما حد... "
وقطعت عبراتها كلماتها فقبضت بيدها على ثوبها جهة فخذها بقوة
فوقف وتوجه نحوها وجلس أمامها مستندا بقدميه وأمسك بذراعيها
ينظر لوجهها الذي كانت تنزله للأسفل والدموع تنسكب من رموشها
الطويلة تسقي ذاك القماش الناعم وقال بجدية
" تيما عليك أن تعلمي بأني لا أكرهك ... أنا متأكد من أن ابنة مطر
شاهين ومن تربت على يديه لا تكون من ذاك النوع أبدا لكنك لم
تبرري موقفك ولم تدافعي عن نفسك أبدا وكأنك مدان لا دليل
براءة لديه ، ورغم كل ذلك فالمدان حقا سيختلق الكثير من
الأكاذيب ليبرئ نفسه لكنك لم تفعلي ذلك أبدا فأنتي تتسترين
على أحدهم دون شك فهل تستطيعين قول الحقيقة لي لننسى
ذاك الأمر نهائيا ؟ "
غطت شفتيها بظهر أصابعها ولم تزدد إلا بكاء تتذكر كلمات رعد
عن أنها قد تحتاج لأن تعترف يوما ما لأحدهم كي لا تمتد مأساتها
لأمد بعيد فهل كان يقصده هو ؟
هل عليها فعلا قول ذلك له ؟
لكنها لا تستطيع بسبب هوية عمتها غيسانة ووعدها لها وما قد
تكون النتائج إن علم والدها بما فعلت شقيقته وهي من راسلتها
اليوم وأخبرتها بأنها تمر بمشاكل وصعوبات كثيرة وما أن أخبرتها
عن أن سرهما قد يكشف حذرتها من ذلك وأخبرتها بأنها تعلق
أمالها المتبقية بشقيقها وأنه إن تخلى عنها نهائيا لا تتوقع ما قد
يحدث لها وجل ما كانت تخشاه أن يعلم السبب أيضا خلف إرسالها
لذاك الملهى والقرص الذي كان مع ذاك الرجل وما يحوي .
شعرت بأصابعه ترتخي عن ذراعيها حتى ابتعدتا ووقف على طوله
فرفعت رأسها له سريعا وقالت بحزن
" أنا آسفة "
قال همسا ببرود
" لا يهم "
شعرت بقلبها يتفتت ألما وبأنها تخسره فعلا فقالا معا
" حسنا من .... "
" هو كان .... "
فسكت ينظر لعينيها الزرقاء الدامعة وقد تابعت بعبرة
" هو شقيق امرأة تعمل في الجمعية ، كنت واقفة مع الكاسر حين
اقتربا منا وعرفتنا عليه ثم أخذت الكاسر وغادرت به ولست
أفهم كيف ولا أين ولم أستطع اللحاق بهما لأنه كان يتحدث معي
وبدأ يشرح عن عمله وشركته السياحية وأمور لا أفهمها ولا تعنيني "
وتابعت ببكاء محدقة بعينيه
" أقسم لست أنا من وقف معه فتوقف عن اتهامي دائما أرجوك
فنظرتك تلك تؤذيني كثيرا فأنا لم أعتد عليها أبدا "
نزل لمستواها مجددا وقال بهدوء يمسح دموعها بظهر أصابعه
" لم يكن هذا ما أود التحدث عنه يا تيما فهل لاحظت الآن أنك
أيضا تسيئين الظن بي ؟ جميعنا نخطئ يا ابنة مطر لكننا لا نهتم
إلا لأخطاء من لا نريدهم أن يخطئوا أبدا "
وقف بعدها مجددا وقال
" سننى الأمر نهائيا وما كنت أبدا لأؤذيك به تأكدي من ذلك لكن
جل ما أخشاه أن يفعلها الشخص الذي تدافعين عن سره وبشراسة
وإخلاص وليس ليؤذي علاقتك بوالديك فقط بل وبالشخص الذي
سيختاره والدك زوجا لك "
أنهى عبارته تلك وغادر مبتعدا تتبعه نظراتها الدامعة قبل أن تقف
وتتوجه حيث اختفى مسرعة حتى اجتازت الأشجار التي كانت تخفي
تلك الجهة عنها ونظرت حولها تبحث عنه ولا وجود له بين جميع
الموجودين هناك ، وما أن كانت ستتحرك من مكانها حتى رن هاتفها
فأخرجته من جيب الفستان الجانبي والمخفي بطرازه الواسع ،
نظرت لإسم المتصل ثم أجابت ونظرها لازال يبحث في المكان
" مرحبا كاسر "
وصلها صوته القلق فورا
" تيما أين أنتي يا حمقاء جبت مبنى الجمعية بجميع طوابقه
ولم أجدك ؟ "
مسحت عيناها وأنفها بطرف كمها وقالت بحزن
" أنا في الحديقة قرب الجمعية "
قال باستغراب
" الحديقة !! ما الذي أخذك هناك "
قالت من فورها
" هربت من رجال الصحافة بأعجوبة ووصلت هنا ، أين هي
والدتي هل رأيتها ؟ "
وصلها صوته فورا
" لا فأنا لم أستطع دخول المنزل وحدي كانت ستأكلني حيا إن لم
تكوني معي وسيكون عقابك أقسى طبعا "
تحركت من مكانها فورا قائلة
" سأخرج من هنا حالا ونلتقي فتعالى بسرعة "
وما أن تحركت من مكانها وقفت مجددا ولم تعرف أي اتجاه ستسلك
وأين سيكون المخرج تحديدا فهي لم تدخل هذا المكان سابقا وذاك
المعتوه ذهب وتركها هنا لوحدها بعد أن قال ما قاله وبكل برود
وبساطة وكأن الأمر لا يعنيه ، شعرت بحزن عميق يجتاح قلبها
ونظرت لقارورة العصير التي لم تستطع تركها هناك وبدأت ضربات
قلبها تصعد تدريجيا ما أن فكرت في رفعها لشفتيها والشرب منها
وكأنها سترتكب جريمة وتقبله أمام الناس وليس مجرد قارورة جففها
الهواء ! لكنها لن تستطيع تركها هنا ولا رميها ولو كان الأمر بيدها
لاحتفظت بها لباقي عمرها ، أغمضت عينيها وتنهدت بأسى .. هو
السبب .. أجل هو من أدخل الفكرة لرأسها فهي لم تفهم الأمر هكذا
ولم تتعمده .
ارتجف جسدها وشهقت بصمت والتفتت خلفها بسرعة حتى كادت
توقعها من يدها ونظرت بجزع للواقف أمامها وهمست
" أفزعتني يا غبي "
قال بضيق ممسكا خصره بيديه
" أنا الغبي أم التي تريد الخروج من الحديقة مغمضة العينين ؟ "
نظرت له بصدمة قبل أن تهمس بشك
" وكيف علمت وأنت كنت خلف ظهري ؟ "
اختطف القارورة من يدها ورفعها لشفتيه وشرب ما فيها دفعة
واحدة متجاهلا صرختها المحتجة ولكماتها لكتفه ، رمى القارورة
الفارغة في سلة القمامة الكبيرة قربهما وشدها من يدها وقال
يسحبها خلفه
" جيد أني شربتها قبل أن ترميها ، مختلفة ... فيها طعم
غريب ورائع "
لكمته بيدها الحرة من كتفه مجددا وقالت تنظر لقفاه بأسى
" ما كنت سأرميها لماذا شربتها أنت يا شره ؟ "
سحبها بقوة حتى سارت بجانبه قائلا
" سأعطيك ضعف حجمها في المنزل تحركي الآن قبل أن يشعر
الحراس الجدد بغيابنا "
*
*
*
انتظرتها حتى أنهت كوب العصير الذي أرغمتها على أن تشربه
بأكمله ثم أخدت منها الكوب الفارغ ووضعته على الطاولة بجانبها
ونظرت لوجهها .. عيناها متورمتان بشدة من البكاء وأنفها وخداها
محمران وبشرتها البيضاء باتت أقرب للشحوب وكأنها فقدت عائلتها
للتو ، تنهدت قائلة
" أنتي أفضل قليلا الآن فهل نتحدث ؟ "
نظرت ليديها في حجرها ولم تعلق فتابعت الجالسة أمامها على السرير
" أريد أن أفهم ماريه ماذا حدث وما هذا الذي أخبرك به ؟ "
رفعت نظرها لها وامتلأت عيناها بالدموع مجددا فأمسكت وجهها
وقالت بحزن
" حلفتك بالله يكفي بكاء ستمرضين وأقسم أن أتصل به حينها "
همست بعبرة مكتومة دموعها تتقاطر تباعا
" قتلني ساندي ودون رحمة ، كان عليا توقع ذلك منذ زارني
صباحا في الجامعة "
مسحت الدموع عن خدها وقالت
" هيا توقفي عن هذا واحكي لي كل ما حدث ولن أكون ساندرين
إن لم نعاقب ذاك الهازاني المتعجرف "
مسحت وجنتيها وأنفها بظهر كفها ودست خصلات غرتها الرطبة
خلف أذنيها وبدأت تسرد ما حدث منذ الصباح والدموع التي لم
تسكبها في كل ذاك البكاء انسابت لحظتها وكأنها تفرغ الألم
المكبوت داخلها لأعوام فذاك الرجل عنا لها أكثر من زوج التقته
من أشهر أو أيام قليلة فهو العائلة التي لم تعرفها يوما ووالداها
اللذان فقدتهما صغيرة ولا تذكرهما فأول ما فتحت عينيها عليه
كان وجهه فهو من كان يحملها ويجوب بها المنزل والفناء
لساعات لأن زوجة عمها لم تكن متفرغة لها كما تزعم لتتحول
لمهمة من مهامه هو أحب ذلك أم كره ، إن سقطت كانت يداه
من توقفها .. إن بكت لا أحد غيره يسكتها كبرت لا تعرف
عالما غيره ورغم صغر سنها وقت رحيله واختفائه إلا أنه
ترك فراغا عميقا في روحها لم يملئه أي شيء .
ما أن انتهت من سرد كل تلك الأحداث عبراتها تقطع كل كلمة
تقولها أخرجت لها مجموعة مناديل ومدتها لها قائلة
" تضنين حقا أن ما جعله يتراجع عن أخذك صباحا هو ما كان
يفكر في قوله ؟ قد يكون ثمة ما ضايقه حينها مارية "
نظرت لها باستغراب فقالت ملوحة بيدها
" حسنا اتركي هذا لي "
وتابعت بجدية تضم يديها في حجرها
" ماريه هو أخبرك أنها السبيل لوالدها وأنها مهمة لما لا يكون
كلامه حقيقة ؟ "
امتلأت عيناها بالدموع وقالت بأسى
" أي مهمة تلك وهو يعمل في تلك المنظمة ؟ ابنة زعيم مافيا
أو تاجر سلاح مثلا ! هذا لا يصدقه أحد أبدا ، هو لم يقل بأنه
يخرج معها ولا يصادقها قال على علاقة بها تعلمين ما معنى
ذلك ساندي ؟ "
مدت يديها وامسكت بيديها الباردتان كقلبها وقالت
" أفهم ماريه وأعلم معنى ما مررت به ولو كنت مكانك لقتلته
بالتأكيد فتلك جريمة في حق أي امرأة "
نظرت بعيدا ودموعها عادت للانسكاب على وجهها هامسة بعبرة
" ليتني مت قبل أن أسمعها منه "
وتابعت وقد نظرت لها مجددا وأشارت لنفسها قائلة ببكاء
" أنا زوجته عليا أن أكون بعيدة عنه وأرى تلك الفتاة برفقته
لا أعترض ولا أمانع بينما لا يجد لي وقتا ولا مكانا في حياته
وعليا أن أنتظر لوقت هو نفسه لم يستطع تحديده "
رفعت الجالسة أمامها شعرها خلف أذنيها وقالت
" علينا معرفة تفاصيل ذلك أولا ماريه ، من تكون تلك الفتاة
وما صلتها بعمله ثم سنحدد ما علينا فعله "
همست تمسك عبرتها
" لن نفعل شيئا فأنا لم يعد يعنيني الأمر "
نظرت لها بشك قائلة
" من قلبك هذا الكلام ماريه ؟ "
قالت مباشرة ودمعتها تتدحرج من رموشها
" أجل "
مدت يدها ومسحتها لها قائلة
" وما تفعل هذه إذا ؟ "
أشاحت بوجهها جانبا وقالت بعبرة
" هو يعلم بأنه لن يكون بإمكاني اكتشاف الأمر بسهولة
ولم يقل ما قاله إلا وثمة ما يخفيه أعظم من ذلك بكثير فليس
تيم من يبرر أفعاله الخفية أبدا "
نظرت لها بتفكير قليلا ولم تستبعد ذلك فما سيجعله يخبرها
بذلك إن كان كشفها له مستبعدا وهي التي لا تخرج إلا لجامعتها
أو في نزهات معدودة لانشغالهما ؟ إن كانت هي التي عاشت حياتها
هنا لم تلتقيه إلا مرات قليلة تعد على الأصابع من ندرتها ولأسباب
منطقية وليس مصادفة فما الذي جعله يخمن أنها ستعلم ! تنهدت
بعمق وقالت
" ماريه اتركي الأمر لي وسأعلم بطريقتي ثم نقرر ولا تتهوري
بفعل أي شيء اتفقنا ؟ "
وقفت بعدها وأخرجت علبة الدواء من جيب بجامتها فتحتها
وأخرجت منها قرصا مستديرا قائلة
" هذا مهدئ ضعيف المفعول سيجعلك تنامين بشكل أفضل "
وتابعت وهي تسكب لها كوب ماء
" ستحتاجينه الليلة لأني أعلم بأنك لن تنامي ولن تتوقفي عن
البكاء وغدا يوم جديد صديقتي الجميلة "
أعطتها قرص المهدئ فأخذته منها فورا وبلعته بالماء ووضعت
الكوب بجانبها فهي تحتاجه فعلا بل لو كان الأمر بيدها لابتلعت
جميع الأقراص ، استلقت تلف جسدها بلحاف السرير تنظر للفراغ
بحزن فرفعت ساندرين كوب العصير الفارغ وعلبة الدواء ثم قبلت
خدها هامسة
" نامي ولا تفكري في شيء وسأوقظك وقت الفجر "
غادرت بعدها وبعدما أطفأت الأنوار وأغلقت الباب بهدوء تاركة تلك
الدموع تسقي الوسادة البيضاء تحتها ، انقلبت على وجهها ودسته
في تلك الوسائد وعادت للبكاء المتقطع الموجع حتى غفت على ذاك
الحال والوضع .
*
*
*
خرجت من المستشفى مسرعة وقبل انتهاء دوامها وموعد
خروجها المعتاد بنصف ساعة ولم تستطع فعلها إلا بصعوبة فقط
لأنه تم اختيارها كرئيسة لممرضات ذاك المشفى الريفي المتواضع
من مدة قريبة ، ذهبت أولا للمنزل المجاور لمنزلهم والذي اختارت
الوصول له من الجهة الخلفية وما أن وقفت أمام سوره رفعت
حجرين من الأرض ورمتهما فوقه وما هي إلا لحظات ووصلها
ذاك الصوت الأنثوي الرقيق من الشق الواسع في الجدار
" فجر ... "
اقتربت من الشق وظهر لها ذاك الجزء البسيط من وجهها وعينها
وحدقتها الخضراء الواسعة فأدخلت لها مرهم الحروق الصغير قائلة
" هذا آخر ما يمكنني جلبه لك يا مايرين "
مدت أصابعها من الشق وأمسكته بأطرافهم قائلة بحزن
" لكنه لم يشفى بعد ولست أفهم لما ؟ "
تنهدت فجر بضيق وقالت
" لأنه حرق بشع كوجهيهما ، استمري في دهنه بزيت الزيتون
دائما ولا تغطيه وسيشفى سريعا "
ثم نظرت حولها لمساحة المزارع الشبه خالية خلف حيهم ثم
عادت بنظرها لها وقالت
" ما هي الأمور لديك ؟ "
قالت بحزن ومرارة
" كما هي عليه وها قد بدأ جسار بنقل بعض أغراضهم الخفيفة
بالخفية فيبدوا أن مهلته لي ستتقلص لأقل مما كان "
تنهدت بعجز محركة رأسها بأسى ثم قالت
" علينا إذا التحرك قبله يا مايرين وأن ننفذ خطتنا قبل خطته "
نظرت لها بخوف وقالت
" فجر أبعدي تلك الفكرة من رأسك فلن نجد شابا ساذجا أبدا
ليصدق كذبتنا تلك "
قالت من فورها وبإصرار
" لن نجد شابا ساذجا بالتأكيد لكننا سنجد شخصا يخاف على
نفسه هنا أكثر من غيره .. رقيق قلب طيب لا يحمل الخبث والمكر
الموجودان في جينات أبناء الجنوب "
تنهدت بقلة حيلة هامسة
" أنا خائفة من حلك هذا يا فجر فليس ينقصني أقاويل "
قالت مغادرة لا يصلها إلا صوتها
" اتركي الأمر لي مايرين "
وتحركت من هناك بخطوات واسعة ودارت حول الجهة الأخرى من
المنزل ودخلت الأحياء مجددا واجتازت حيهم مسرعة تنظر خلفها
كل حين تخشى أن تظهر سيارة والدها في أي وقت ولن تستغرب
أن يصدمها بها إن وجدها تجوب الأحياء .
وصلت مكانها المقصود تلهث بتعب بسبب ركضها فما أن اجتازت
حيهم حتى تركت قدماها للريح فبما أنه وقت الذروة فالحركة في
البلدة تكون شبه معدومة والوقت يداهمها وعليها فعل ما تخطط له
قبل وقت عودتها للمنزل .
أمسكت بطرف باب محل البقالة تتلقف أنفاسها ودخلت فورا
فلا وقت أمامها ولا لتنظيمها ، وقفت أمام الذي قال مبتسما
" مرحبا بالفجر في وقت الظهر "
أمسكت أنفها وتنفست من فمها بقوة وما أن أبعدت أصابعها
حتى عطست بقوة درجة أن أدمعت عيناها وقالت بصعوبة تهف
بيدها على وجهها
" لست أفهم لما المبيد الحشري وأنت تبيع الأطعمة ؟ "
عطست مجددا وتابعت بضيق
" أين وزارة الصحة عنك ؟ على مطر شاهين أن يزور
الجنوب سريعا "
ضحك الجالس خلف الطاولة وقال
" ما أبيعه هنا مجرد معلبات وأطعمة مغلفة ففيما سيضرها المبيد
الحشري ؟ ثم أنا استخدمته بالأمس أنتي فقط من يستطيع
استنشاقه اليوم "
عطست للمرة الثالثة وحركت أنفها بأطراف أصابعها بقوة ثم
فتحت حقيبتها بسرعة وأخرجت منها منديلا وغطت به أنفها
وفمها وقالت ناظرة له
" أخبرني ما حدث معك بشأن ما طلبته منك ؟ "
قال مبتسما
" الأمر الأول تعني أم الآخر ؟ "
قالت من فورها
" هات الأول فإن لم يجدي سنستعين بالآخر "
حرك رأسه مبتسما وقال
" حسنا ... بشأن ذاك الرجل المدعو حازم عمار فقد تقصيت عنه
كما طلبت مني ، هو من غرب صنوان عائلته يعيشون هناك وتم
توضيفه هنا في المدرسة الثانوية القديمة حتى يتم بناء الأخرى
حسب أوامر الزعيم ابن شاهين هي والمستشفى الجد... "
قاطعته ملوحة له بيدها الحرة
" أجل .. أجل أعلم كل هذا فقل المفيد عنه بسرعة لا وقت لدي "
أومأ موافقا وقال
" ما لا يعلمه أحد عنه أن والده يريد تزويجه بابنة شقيقه مرغما
وهذا سبب موافقته على العمل هنا وهو تشاجر مع ابن عمه أيضا
وتم اعتقالهما لأسبوعين كاملين الشهر الماضي "
شدت قبضتها قائلة بضيق
" سحقا هذا لن يجدي ، ضننت أننا وجدناه أخيرا "
نظر لها باستغراب فتابعت مباشرة
" هات الأمر الآخر فلا مناص منه على ما يبدوا "
فتح درج الطاولة الخشبية وأخرج لها ورقة مدها لها قائلا
" هذا هو رقم هاتفه حصلت لك عليه بالأمس فقط "
أخذتها منه سريعا فقال ناظرا لها
" لست أعلم فيما تفكرين فعلا يا فجر لكني سأنصحك مجددا
بأن اللعب مع عائلة غيلوان ليس أمرا سهلا أبدا "
نظرت للورقة في يدها ثم له وقالت
" لكن أويس مختلف عنهم ثم هو محام ويعلم جيدا معنى
الظلم والاضطهاد "
رفع كتفيه قائلا
" يبقى ابن تلك العائلة وهم لا يغفرون الزلات أبدا ولا ينسون
حقدهم بسهولة ووضع مايرين بالنسبة له متأزم جدا كما تعلمي "
وتابع بجدية محدقا بعينيها السوداء الواسعة
" وها أنا أنصحك مجددا يا فجر ابتعدي عن مشاكل تلك الفتاة
كي لا تتأذي أيضا فأن تكوني إحدى ضحايا تلك العائلة معناه أن
تعاني وللأبد سواء كان المدعو أويس أو غيره "
قبضت أناملها على الورقة في يدها وهمست مغادرة من عنده
" لن أقف أتفرج عليها وإن دق شعيب غيلوان عنقي بقدمه "
*
*
*
حاولت النظر من فوق كتف الواقف أمامها وتأففت قبل أن
تقول بضيق
" ابتعد قليلا لأرى أين تكون محاضرات ذاك الجنوبي المغبر اليوم "
التفت لها الواقف أمامها ورفع كفه معتذرا بابتسامة ثم تنحى جانبا
وواصل حديثه مع الواقفين معه ونظرت هي لتلك الجهة من جدول
المحاضرات المعلق على الجدار تتبع بإصبعها اسم
( أويس عبد الجليل غيلوان )
وابتسمت ساخرة تتمتم وإصبعها على اسمه
" هه ... يومان في الأسبوع فقط ؟ حمدا لله لذلك لا أتشرف برؤيته
في الجامعة دائما .. عاش الجنوب الذي ينقذ البشرية منك "
" عذرا إن أنتهيت من تقفي أثري فابتعدي لأرى الجدول الجديد "
شعرت بأنها تحولت لتمثال فرعوني لا شيء يتحرك فيها سوى
حدقتيها البندقيتان اللتان مالتا جانبا ما أن سمعت ذاك الصوت
الرجولي الكسول الساخر خلفها والذي تميزه عن أميال ، ابتلعت
ريقها بصعوبة ولم يكن أمامها سوى مخرج واحد لتغادر منه
وهي الجهة اليمنى فعلى يسارها يقف مجموعة من الشبان وهو
يقف خلفها مباشرة فحركت قدمها ببطء لتتسلل من هناك فأوقفتها
اليد التي استندت على الجدار بجانبها وقد أصبحت محاصرة به
تماما تشعر بأنفاسه على شعرها الناعم القصير فأغمضت عينيها
متشهدة على نفسها وليست تفهم متى سيتركها هذا الرجل وشأنها
وما هذه الجريمة التي يعاقبها عليها هكذا ؟ إن كان المدعوا تيم
كنعان لوجدت له عذرا أما هذا فما علاقته بالأمر ؟ همست من بين
أسنانها ليسمعها وحده لانشغال الموجودين قربها بما يتحدثون عنه
عن التغيرات في جدول محاضراتهم
" أبعد يدك لأغادر "
همس من خلف أذنها تشعر بجسدها ارتجف بأكمله لتعمده
الاقتراب منها أكثر
" يمكنك المغادرة من تحتها من منعك ؟ "
زمت شفتيها بحنق وتصنمت مكانها ، لابد وأنه يخطط لأمر ما
ولن تعطيها له أبدا فليست تستبعد حتى أن يركلها بقدمه ما أن
تنحني للأسفل أو أن يسقطها انتقاما مما قالته ، أغمضت
عينيها لبرهة وكما اعتادت حين تتصرف بجنون ودون تفكير
في العواقب هدفها النتيجة فقط التفتت له بكامل جسدها وكاد
يغمى عليها حين أصبح ملتصقا بها تقريبا وعلمت حينها بأنه لا
تراجع أبدا عن جنونها ذاك خاصة وأن من يقفون قربها تحول
انتباههم لهما وهي تكاد تكون في حضنه فأغمضت عينيها بشدة
من هول موقفها تكاد تبكي وهمست
" ابتعد ... ابتعد يا وقح "
لكن الواقف أمامها لم يعر كلامها أي اهتمام وقد حرك رأسه
يحاول رؤية ما يخفيه رأسها أمامه فكادت تنهار على الأرض
فكيف نسيت بأنه ابن الجنوب وستنتهي مهمته هنا في أي وقت
ويغادر وللأبد أما هي فباقية في هذه المدينة بل والجامعة التي
هذا عامها الأول فيها وسيصبح هذا المشهد على سيرة كل لسان
ولن تستطيع إنكار الشائعات مهما حاولت .
همس في أذنها وكأنه يتعمد إظهار المشهد كلقاء غرامي حقيقي
وعلى العلن
" حاولي التحرك فقط وقسما أن أسحبك لحضني لتتعرفي على
الجنوبي المغبر عن قرب "
بدأ ارتجاف جسدها يزداد وضوحا فهي وإن كانت منذ طفولتها
معتادة على التصرف بشجاعة حد التهور إلا أنها لم تقف ملتصقة
بشاب هكذا من قبل فاحتكاكها حتى بزملائها كان عمليا جدا حتى
في المدرسة سابقا ولم تكن على علاقة بأحدهم يوما لأن أهم ما
لديها كان دائما أن لا تفقد ثقة والدها الذي رباها وهو كان ينبهها
بهذا الخصوص منذ مراهقتها فإن خسرته ستخسر كل ما يربطها
بالحياة لأنها تحبه وبجنون .
عاد للهمس في أذنها مجددا وبابتسامة
" إن كنت تري اللعب معي مسليا فعليك أن تغيري فكرتك تلك ...
أما بالنسبة لي فاللعب معك متعة لا نظير لها "
وما أن أنهى جملته تلك ابتعد محررا لها أخيرا وغادر وتركها
أكثر شحوبا من الجدار خلفها ، يهددها وعلانية ! سحقا له
سيرى ما هو الأ..... صرخت ما أن حاولت التحرك من هناك
تشعر بشيء ما شد شعرها للخلف بقوة آلمتها بشدة بسبب
تحركها السريع والمفاجئ ودمعت عيناها ليس من الألم وحده بل
ومن تلك الضحكات قربها ، أدارت يدها خلف رأسها تحاول فك
خصلة شعرها تلك مما علقت فيه فاكتشفت أنها ملفوفة حول
أحد المسامير الجانبية المعكوفة والتي تستخدم لتتبيث اللوح
على الجدار وكانت ملفوفة حوله في الاتجاهين مما يجعل فكها
مستحيلا ، سالت دمعتها على خدها وهي تحاول تخليص نفسها
ودون جدوى تستمع لتلك التعليقات الضاحكة وتشعر بأنها
باتت والأرض سواء
( كل هذا من تأثير اللقاء والحضن ؟ )
( أين هو ليخلص أميرته العالقة ؟ )
وارتفع الضحك والصخب حين قال أحدهم
( أثمة أمل في أن يطول شعرك قريبا وتبتعدي قليلا لنرى
اللوح خلفك )
وغادروا ضاحكين دون أن يهتموا لمساعدتها ، وما ستتوقعه
منهم فهم في النهاية يشبهون ذاك المتعجرف .. بل هي الحمقاء
أكان إحساسها ميت درجة أنها لم تشعر بأنه كان يلف
شعرها حوله ؟
مسحت دمعة جديدة سقطت من رموشها ورفعت حقيبتها لمستوى
وجهها وفتحتها تحاول النظر داخلها لتتمكن من إيجاد المقص
الصغير الذي تحتفظ به فيها وما أن وجدته رفعته خلف رأسها
وقصت به تلك الخصلة لتتحرر قبل أن يشهد عليها المزيد من
الطلبة ، التفتت للخلف وفكت شعرها من ذاك المسمار بحركة
عنيفة غاضبة ثم غادرت من هناك بخطوات غاضبة تشعر
بالأرض تشتعل تحتها حتى وصلت ممر المكاتب الطويل وعبرته
تفتش بنظراتها فيهم وحتى الأبواب المغلقة فتحتها ، وقفت عند
آخر مكتب في الممر وقبضت على خصلة الشعر في يدها لا
شعوريا وهي تنظر للجالس في الداخل وحده موليا الباب ظهره ،
تنفست بقوة وغضب ودخلت وما أن رفعت يدها وشعرها فيها
تصنمت مكانها وهي تنظر للهاتف في يده وللرقم الغير مسجل
لديه يتصل دون توقف قبل أن يرفع الهاتف لأذنه قائلا
" نعم من معي ؟ "
سكت قليلا ثم قال باستهجان
" من فجر ؟ "
رفعت حاجبها باستغراب وأنزلت يدها حين قال ببرود
" أجل يبدوا أني عرفتك ... ماذا تريدين ؟ "
ابتسمت بمكر ، جميل يبدوا لديه لائحة طويلة حتى أنه لا يذكر
أسمائهن ، أخرجت هاتفها بسرعة وخفة وسجلت الرقم قبل أن
تنساه فهي تحفظ أي رقم ما أن تراه لكنها لا تتذكره لفترة
طويلة ، نظرت لقفاه مجددا وبصدمة حين قال بضيق
" أنا لا أعرف واحدة اسمها مايرين تفهمين هذا ؟ "
ابتسمت بسخرية تراقب أصابعه التي مررها في شعره الأسود
الناعم ، رائع هذه واحدة أخرى وتبدوا أجنبية ! مستورد ممتاز
هذا الرجل الجنوبي .
ارتفع حاجباها بدهشة حين شد على نهاية شعره بأصابعه قائلا بحدة
" لا يعنيني سماع ما يحدث أو سيحدث معها ولتجد حلا لمشاكلها
بعيدا عني "
تراجعت خطوة للخلف حين فصل الخط ودس رأسه بين يديه
متكأ بمرفقيه على ركبتيه وابتسمت بسخرية ... هه يبدوا يحبها
أيضا ومتألم لما يحدث معها وإن كابر وأنكر ، وقعت بين يداي
يا ابن غيلوان .
خرجت من هناك تنظر لهاتفها مبتسمة بانتصار وما أن خرجت
لحديقة الجامعة اتخذت مكانا منعزلا واتصلت بذاك الرقم الذي
لم تجب صاحبته إلا بعد وقت حتى يئست أن تسمع صوتها ،
قالت من فورها وكأنها ما صدقت أن أجابت عليها
" مرحبا آسنة فجر "
وصلها صوتها المستغرب بعد برهة
" من أنتي ؟ "
تنحنحت قليلا وابتسمت بمكر قائلة
" أنا سكرتيرة السيد أويس عبد الجليل حجاج غيلوان وهو
من طلب مني الاتصال بك وكلفني أن أهتم بموضوع المدعوة
مايرين ... أعني كحلقة وصل بينكما "
ابتسمت بانتصار حين قالت من في الطرف الآخر وبسعادة
" حقا قال هذا ؟ كنت أعلم بأنه رجل نبيل وشهم ومختلف عن
عائلته ولن يرضى لها الذل والتشرد ، إنها فتاة مسكينة ولا يد
لها فيما حدث في الماضي "
انفتحت عيناها على اتساعها وقالت بحماس
" يمكنك شرح الأمر لي لنتناقش فيه ونرى الحل الذي يمكنني
مناقشته مع السيد أويس "
بدأت تلك بسرد القصة من بدايتها ومن دون طلب أو إلحاح
فكانت نظراتها تتسع بصدمة كلما تغلغلت في الحكاية أكثر تعض
شفتها بتوعد لانتقام يليق به وبما فعل بها ، تركتها تحدثت للنهاية
ثم قالت " آه ... امم ... أنا ... لا أعتقد أن الأمر هين ويسهل
إيجاد حل له .... أعني حقيقة الأمر أنا سمعت القصة ناقصة
منه وأردت المساعدة لذلك تحدثت معك لكني لم أكن أعلم بأنها
معقدة هكذا وفيها تهمة شرف ونسب مجهول لكني سأحاول
إقناعه مجددا "
قالت ما قالته لتضمن أنها لن تتصل به مستقبلا وتكشفها رغم
يقينها من أنه لن يكتشف أنها من اتصلت بها مهما فكر ولا أن
المعلومات وصلتها من خلالها .
وصلها صوتها قائلة بخيبة أمل
" أيمنكنك المساعدة حقا ؟ "
قالت من فورها
" سأحاول جهدي ... وداعا الآن عليا المغادرة "
أنهت الاتصال معها وضربت راحة يدها بطرف الهاتف وهمست
مبتسمة بمكر
" جهز نفسك للعقاب فلست وحدي التي ستكون علكة في أفواه
الطلبة هنا "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 75 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 17-12-17 الساعة 07:46 PM
رد مع اقتباس
#4972
قديم 15-12-17, 07:24 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
رفعت حقيبة اليد الخاصة بالفستان وخرجت من ملحقها ساحبة
الباب خلفها متنهدة بابتسامة ... وأخيرا عشاء عمل ، لم تصدق
أذناها حين قال لها ذلك فهذه الأمسيات هي الجنة بالنسبة لها
فليست تهتم فيها بما يناقشونه من أعمال ومشاريع بل تستمتع
بالأكل الفخم في جو مميز وأحاديث مسلية وضحك حين يبتعدون
عن مجال عملهم قليلا ، زفرت بكآبة وهي تغلق الباب .. يا الهي
هل باتت مدعاة للشفقة لهذه الدرجة ؟ هي من كانت تعيش كإحدى
الأثرياء رغم محاصرة شقيقها لها وحرمانها من الخروج ما أن
تسقط الشمس خلف الأفق وكأنها خفاش ! حاولت مرارا أن
تقنع نفسها بالتحدث معه لكن كبرياءها منعها فهو رماها هنا
وعلى هذا الرجل وغادر ولا تستبعد أن يهينها ويجرح كرامتها
أيضا كما فعل عمه حين اتصلت به ، ثم تلك الحمقاء ابنته أخبرتها
أن سرهما سيكشف ... غبية وطفلة كان عليها أن لا تعتمد عليها
وأن لا تثق بها فما سيكون رد فعل مطر إن علم ؟ يا إلهي لا
يمكنها تخيل ذلك خاصة بعد الإمساك بذاك الرجل ، هي تعلم بأن
تلك الفتاة جبانة أغلب الأحيان لكنها موقنة أيضا من أنها تحفظ
الأسرار جيدا وتفي بالوعود كما أنها لا تكذب مطلقا وهنا تكمن
المشكلة أي إن وضعت بين خياري الصدق والكذب أمام والدها
فستختار الأول سريعا ودون تراجع لأنه لن يرضى بخيار ثالث
ولا إن كان الصمت .
انتبهت من أفكارها على انفتاح باب الشقة قربها وخروجه منها
ينظر لقفل الباب الذي يغلقه بالمفتاح فلوت شفتيها .. هذا الرجل
يشبه شقيقها لا يكبر في العمر أبدا ، أحيانا تشعر بأنه بجانبها
يكاد يكون في ذات سنها وليس يكبرها بستة عشر عاما تقريبا
وأن له ابن في السادسة والعشرون ومتزوج أيضا ! لا تتمنى أن
تلتقي ذاك الابن أبدا كي لا تكتشف بأنها تظهر أمامه وكأنها والدته .
ابتسمت ببرود ما أن نظر ناحيتها وكما توقعت جال بنظره على
فستانها أولا وكان بدون أكمام طويل لكنه مفتوح حتى الفخذ ،
أدارت حدقتيها الخضراء جانبا وتنهدت بضيق ما أن قال ما
تتوقعه جيدا
" كم مرة سأعيد ما قلته يا غيسانة ؟ "
مطت شفتيها وقالت ببرود ولازالت تدير حدقتيها بعيدا عنه
" أجل فأنت تخرج بي للعشاء كل ليلة "
" غيساااانة "
أشعلتها نبرته الحادة فورا فنظرت له وقالت بضيق
" ملابسي جميعها هكذا فمن أين سأحضر غيره الآن وبماذا ؟
ثم لا تنسى بأنك السيد كروس وبأني جيسي وبأننا انجليزيان حاليا
فهل تريد أن أرافقك بجلابيبكم السوداء السخيفة تلك كالغراب "
صرخ فيها فورا رافعا سبابته مهددا
" هذه آخر مرة تتحدثي فيها عن أمر يخص الإسلام أمامي أو قسما
أنا من سيجعلك تكرهينه وبشكل أبشع ، ثم أتعجبك حياتكن كالحيوانات
ترتعن في الشوارع عاريات وكل امرأة فيكن ملك لجميع الرجال "
فتحت فمها لتتحدث وعادت وأغلقته سريعا وقد شعرت بألم تلك
الصفعة عليه وكأنها الآن وتعلم بأن ذاك ما سيكون مصيرها إن
فعلتها وتحدثت عن زوجته تلك ، زمت شفتيها بحنق حين قال بضيق
" أنا من سيشتري لك ملابسك وسترمي جميع ما لديك "
فتحت فمها لتتحدث فقال بحزم قبلها
" ووحدي ... "
ثم نزل السلالم وتركها فضربت الأرض بقدمها بحنق وتحركت
خلفه ولا يحق لها أن تعترض طبعا لأنها من وقع على تلك
البنود البائسة ، وصلت السيارة وركبت بجانبه ضاربة الباب
خلفها وانطلقا فورا فأشاحت بوجهها جهة نافذتها تتأفف كل
حين وليست تتخيل أن تسوء هذه الليلة أكثر من هذا ، لكن المفاجأة
كانت في انتظارها ما أن وقفا بالسيارة وقد نظرت بصدمة للمطعم
ذو الواجهة الخشبية قبل أن تنظر له قائلة باشمئزاز
" هنا سيكون اجتماع عشائكم ؟ "
نظر لها وقال ببرود
" أجل ألا يعجبك المكان ؟ ليس من أشهر مطاعم لندن طبعا لكنه
مطعم فخم بالنسبة للبسطاء و .... المعدومين "
شد على الكلمة الأخيرة متعمدا فزمت شفتيها تحاول كبت ألم إهانته
وهمست ببرود
" أنت المعدوم فأنا شقيقي رئيس بلاد بأكملها "
كانت تعلم بأنه سيسخر منها فهو أكثر من يعرف بأنه رماها
عليه وسافر لكنها حقيقة لا يمكنها نكرانها ، فتح باب السيارة
وقال بسخرية وهو ينزل منها
" أخشى أن هذا اللقب لن يدوم طويلا إلا إن كنت تجهلين من
يكون مطر شاهين "
فتحت بابها وتمتمت بحقد وهي تنزل
" أجل أعرفه يشبهك في كل شيء ... أحمقان وتافهان "
ضربت باب السيارة وسارت خلفه قائلة بضيق
" انتظر لندخل معا أتريدنا أن نكون سخرية للجميع هنا أيضا "
وقف والتفت لها وفاجأها حين لم يعلق أو يسخر منها بل ورفع
لها مرفقه فرفعت حاجبيها تنظر له باستغراب ثم تحركت ناحيته
وحضنت ذراعه بيدها ودخلا معا فلا بأس في هذا فهي ترى جيدا
نظرات النساء له ثم لها وهي تدخل خلفه ، كان المطعم كما أخبرها
عنه فخما من الداخل عكس مظهره الخارجي وعلمت أنها ليلة
حظها فالأطعمة ستكون رائعة بالتأكيد ، لكن سعادتها تلك ماتت
سريعا ولم تكن تتوقع أن تلك الليلة تحمل لها مصائب أكبر حتى
وقع نظرها على الجالسان عند إحدى الطاولات وكانا
( آرمان وباربرا )
فشعرت بأطرافها تجمدت فلم تخفى عليها أبدا تلك النظرة التي
رمقتها بها الفتاة ، نظرت للممسكة بذراعه بتوجس وتمنت لحظتها
أن لا يكون قد لاحظ وجودهما وستجد فيما بعد حلا لتلك الحمقاء
العاشقة ، لكن أملها مات سريعا حين وجدته ينظر لطاولتهما تحديدا
ثم سار بها هناك فشعرت بأن نهايتها المحتمة قد حانت وعليها
أن تتصرف ولا تتركه يطيل البقاء معهما ، وصلا عندهما فوقفا
لهما فورا وقال الواقف بجانبها مبتسما
" نعتذر على التأخير "
فنظرت له بصدمة كادت تفقد أنفاسها معها قبل أن تحرك حدقتيها
بتوجس جهة التي كانت تبتسم لها بسخرية فنظرت له مجددا وهمست
بعدم استيعاب
" أهذا هو عشاء العمل ؟ "
نظر لها وقال بملامح جامدة
" أجل هو عمل داخلي فقد اتفقت وآرمان اليوم أن ننهي العمل وقت
العشاء ولأني متفرغ الليلة عرضت عليه الأمر وحين علمت أنه
على موعد مع باربرا اعتذرت لكنه أصر "
زمت شفتيها ونظرت هذه المرة لذاك الأشقر الوسيم والذي أهداها
فورا ابتسامة ماكرة فأمسكت معدتها وقالت مغادرة
" لا أشعر أنني بخير وسأنتظرك في السيارة فلا تتأخر "
وغادرت المطعم من فورها تلعن آرمان وتلك البلهاء ونفسها أيضا ،
ليست تعلم لما لا تنجح مخططاتها أبدا وأي لعنة هذه التي تتبعها
حيثما ذهبت ؟
فتحت باب السيارة وجلست في كرسيها وأغلقته خلفها بقوة
ونظرها لم تزحه عن باب المطعم تقضم ظفرها وتحرك قدمها بتوتر ،
سيعلم منهما بالتأكيد ولن يتوانيا عن إخباره هذا إن لم يكن يعلم
أساسا ، شهقت بصدمة ما أن لامست تلك الفكرة عقلها فهل يكون
يعلم فعلا ومنذ التقى آرمان في مكتبه ولعب بها هذه اللعبة ؟ لا
لا لكان أخبرها وصرخ بها كالعادة فور عودتهما وما كان جلبها
هنا أساسا ! أمسكت رأسها بيدها متمتمة بأسى
" رباه كن معي أرجوك "
انتفضت في مكانها ما أن اغلق الباب بجانبها ونظرت بتوجس للذي
خرج من المطعم وفتح الباب وجلس ولم تشعر به ! راقبت ملامحه
المسترخية باستغراب فلا يبدوا أنه علم منهما لكن ما الذي أخرجه
سريعا ! بلعت ريقها وشعرت بارتياح نسبي ما أن تحرك بالسيارة
قائلا ببرود
" كيف هي معدتك الآن ؟ "
نظرت له بصدمة وتحكمت بها سريعا قائلة
" أفضل بقليل "
ورمشت بعينيها حين تابع طريقه دون أن يعلق أو أن ينظر
ناحيتها وابتسمت براحة فيبدوا أنهما أجبن من أن يخبراه أو أنهما
ظنا بأنه قد يصدقها ويكذبهما هما إن اختلقت أي حكاية غير الحقيقة .
وصلا لموقف السيارات ونزلت تتبعه في صمت لا تريد شيئا سوى
أن تصل لغرفتها فلم تعد ترغب بشيء ولا بالطعام ، ولم تسأله
حتى لماذا ألغى عشائه معهما رغم يقينها بأن مرضها المزعوم
لن يكون السبب ولا يملك هذا الرجل أي مشاعر ناحيتها ولا
حتى الشفقة .
لم تشعر بالراحة التامة إلا حين أصبحت في غرفتها فرمت حقيبتها
على السرير وضحكت بمرح ثم ارتمت عليه بجانبها تنظر
للسقف لتموت تلك الضحكة ما أن سمعت صوت رنين رسالة
وصلت هاتفها وخمنت فورا ممن ستكون فلا أحد غيره يملك
رقمها بل لا أحد لها غيره الآن بعدما جردوها من كل شيء ،
جلست وفتحت الحقيبة بتوتر وأخرجته منها ونظرت لرسالته
وعيناها تكادان تخرجان من مكانهما
( مخصوم من راتبك النصف ولثلاثة أشهر )
شهقت بصدمة وصرخت بغضب
" وفيما سيكفيني النصف ؟ "
وقفت مسرعة وبغضب وما أن تحركت من مكانها حتى رن هاتفها
معلنا وصول رسالة أخرى فرفعته بعنف وفتحتها وكان فيها
( أي اعتراض سيخصم نصف النصف الباقي )
رمت الهاتف على السرير بقوة شاتمة بحنق وتوجهت للحمام
تشتم فيه بكل ما استطاعت قوله
*
*
*
ضمت ذراعيها أكثر تتكئ بذقنها عليهما احتضنت مسند الأريكة
الجانبي تركيزها وانتباهها بعيدان جدا عما يعرض على شاشة
التلفاز أمامها والذي كان حوارا تلفزيونيا يضم مجموعة ناشطات
حقوقيات والنقاش محتد حول التغييرات الجديدة في القوانين الخاصة
بالمرأة ومحور الحديث هو الظهور الأخير لمطر شاهين في
ساعات الصباح الأولى مزلزلا الصحافة الداخلية والعربية بما أدلى
به بخصوص تلك القوانين والدعم الجديد والقوي لجمعية الغسق
والضربة الموفقة كما سمينها لصالح المرأة في البلاد والتي
ستشكل رعبا حقيقيا للرجل فأن يقف القانون معها وبهذا الشكل
القوي فيما يخص العديد من القضايا وأهمها العنف الأسري
والزواج القسري وصولا لعمليات الاغتصاب بل وحتى محاولة
فعلها فمعناه لا استهانة أبدا بقوة حقوق المرأة في القضاء مستقبلا ،
وها هو مطر شاهين يتوج بلقب جديد لن يكون الأخير بالتأكيد وهو
( مناصر المرأة القوي )
تنهدت بأسى ووقفت مغادرة من هناك وتوجهت لممر مكتب
والدتها فهي لم تخرج منه اليوم تقريبا ولم تتحدث مع أحد
منهم وانغمست في ذاك المكان بين اتصالات وأوراق وملفات ،
وحتى ابنة خالتها جليلة زارتها هنا مع امرأة أخرى ودخلتا لها
للمكتب فور وصولهما ولم تغادرا إلا بعد ساعات وليست تفهم
ما هذا الذي يعملون عليه هنا ولما لم تذهب للجمعية ولمكتبها هناك
بل نقلت العمل بأكمله هنا !! حتى وقت العشاء خرجت وجلست
معهم تأكل في صمت ولم يستطع أحد شدها لأي موضوع مما
تحدثوا فيه .
وقفت أمام باب المكتب وأغمضت عينيها متنهدة بحزن فإن كانت
هي لم تستطع تخطي الصدمة حتى الآن ولا أن ترسم ابتسامة
وإن مجاملة بعد ما حدث فكيف بها هي وإن كابرت وتجلدت بالصبر
بل وحتى إن كانت تعلم بذلك مسبقا فأن يشهر ذلك وعلى العلن
ومع مكانتهما في البلاد ووضعه الحساس تكون كارثة على
جميع الأصعدة وأولهم مشاعرها كأنثى .
شدت قبضتيها بقوة تنظر للأرض تحتها تشعر بقلبها يتفتت ألما
عليها فليس لها أن تتخيل أن تكون زوجة لرجل تحبه وبشغف
ثم تكتشف بأنه ثمة امرأة أخرى في حياته ... خيانة ! وجرح ..
وألم ، وبدلا من أن يبرر موقفه ويبرئ نفسه وإن كاذبا يعترف
وبكل بساطة وأمام الجميع !! مسحت دمعة عانقت رموشها
ورفعت قبضتها للباب وطرقته بخفوت فوصلها فورا صوتها
من الداخل
" لا يمكننا التحدث الآن يا تيما "
فضمت قبضتها لصدرها ونزلت دموعها تباعا ، كانت تعلم
بأنها سترفض الحديث عن الأمر لكن .... هو حقا لم يكن لديه
حبيبة هناك ، هي متأكدة من ذلك ..... لكنه اعترف بنفسه ! قد
يكون لأن الأمر حدث في الماضي لكن جرحها مايزال نازفا كما
فهمت منها تلك الليلة والأسوأ من ذلك أن يكون الأمر لازال
موجودا وتلك المرأة لم تختفي من حياته بعد والأعظم أن تكون
والدتها تعلم بذلك ، أغلقت فمها بيدها تمسك عبراتها وليست
تفهم إن كان يحبها فلما سيخونها مع أخرى ؟
غادرت من هناك راكضة وصعدت السلالم وتوجهت لغرفتها
ولسريرها فورا ... للشيء الوحيد الذي لن يرفض احتضان
دموعها وألمها بل ولن يطردها أو يأمرها بالصمت .
بكت كثيرا ونيابة عن الجميع بل هي منذ أصبحت هنا لم تتوقف
عن البكاء ... تنام كل ليلة تحلم بعائلة متماسكة وبوالدين سعيدين
يكونا كليهما آخر من تراه ليلا وأول من تبدأ نهارها به وليسا
غريبان هكذا متباعدان ومجروحان ... تعلم أن والدها يتألم أيضا
وإن كان يخفي ذلك خلف الصمت والكبرياء لكنها وحدها من كان
يستطيع قراءة نظرته تلك حين قال ما قاله وأمام الملأ وخروجه
السريع بعدها .
غادرت السرير تمسح دموعها ودخلت حمام الغرفة واستحمت
مطولا رغم أن آخر ما كانت قد تفكر فيه هو الاستحمام والنوم
في المياه الدافئة مغمضة العينين تحاول نسيان كل شيء وأن
لا تفكر في كل ما حدث ، كم تحتاج لجدها دجى الآن ... تشعر
بأنها حزينة وضائعة ووحيدة .. كان هو داعمها القوي دائما ..
كان يفهمها ويشعر بها دون أن تتحدث .. يمسح دموعها قبل أن
تنزل ويشعرها بأنه ثمة حلول لجميع مشاكلها مهما ازدادت تعقيدا .
خرجت من المياه الدافئة ولفت جسدها بمنشفة الحمام وخرجت
للغرفة لبست ملابس النوم وجففت شعرها سريعا واندست في
أغطية سريرها بعدما أطفأت جميع أضواء الغرفة لتسبح في ظلام
دامس ساكن جعل دمعتها تنزلق مجددا ، رفعت يدها ومسحتها
سريعا حين انفتح باب الغرفة ببطء وتسلل النور منه طويلا
مستقيما فأغمضت جفنيها مسدلة رموشها المبللة بالدموع
على تلك الأحداق الزرقاء الواسعة تشعر بضربات قلبها تئن
مع تلك الخطوات التي تقترب منها بهدوء حتى شعرت بتلك
الأصابع الباردة تمسح الدموع من رموشها ثم تلك الشفاه الناعمة
تقبل جبينها ببطء فانزلقت دموعها رغما عنها وهي تسمع
همسها الخافت
" سامحيني بنيتي "
قبضت أصابعها على قماش اللحاف الناعم وهي تشعر بيدها
تبتعد عن شعرها برفق ثم تلك الخطوات تغادر كما دخلت ففتحت
عينيها الدامعة تراقب ذاك النور الذي بدأ ينحصر في مجال ضيق
حتى اختفى نهائيا حين أغلقت الباب خلفها فحضنت الوسادة
ودست وجهها فيها تبكي بصمت ، كم تمنت أن فتحت عينيها
وجلست لتعلم بأنها مستيقظة وأن تحدثتا معا وتشاركتا الهموم لكن
ذلك مستحيل ... أجل هي تعلم بأنه مستحيل فكل واحدة منهما ترفض
إخراج ما في قلبها كي لا تجرح الأخرى وتصدمها وفهمت الآن
لما كانت ترفض أن تشرح لها سبب رفضها العودة لوالدها .
جلست مفزوعة بسبب صوت الرسالة التي وصلت لهاتفها
ووضعت يدها على قلبها فهذا الصوت بات يفزعها في أي وقت
وبسبب أو بدونه ، رفعته بتوجس وعضت طرف شفتها ما أن
فتحتها وقرأت ما فيها
( لازلت مستيقظة ؟ )
ترددت كثيرا قبل أن ترسل له
( أجل )
ولم تستطع كتم شهقتها حين ظهر رقمه على الشاشة فمررت
أصابع يدها الأخرى في غرتها للخلف لتتحرر متناثرة مجددا
على جبينها وأطراف وجهها ، أغمضت عينيها وتنفست بقوة
لتهدئ من ضربات قلبها المتلاحقة وكأنها خيل تعدوا مع الريح
ثم فتحت الخط ووضعته على أذنها فوصلها صوته الرجولي
العميق فورا
" ثمة خبر قد يعجبك "
زمت شفتيها وغضنت جبينها مقربة حاجبيها الرقيقان وقالت
ببحة وأسى
" إن كان بخصوص ذاك الرجل فلا تقله رجاء "
وصلها صوته المستغرب مباشرة
" ما به صوتك هكذا ! هل أنتي مريضة ؟ "
مررت أصابعها على نحرها نزولا لصدرها وهمست بإحراج
" لا ... أنا بخير "
ساد الصمت من طرفه للحظات قبل أن يقول
" أكنت تبكي يا تيما ؟ "
عضت شفتها ولم تستطع قول شيء لا الكذب ولا الاعتراف
بالحقيقة فوصلها صوته جادا هذه المرة
" لن يغير بكائك شيئا في واقعك ، أنتي تضرين نفسك فقط بهذا "
لم تستطع السيطرة على دموعها التي انسابت على وجنتيها ببطء
وقالت ببحة بكاء
" لماذا قال ذلك ؟ هو يحبها أقسم لك فلما فعل ما فعله ؟ كيف
يخون الرجل امرأة يحبها ؟ اشرحها لي ! "
وصلها صوته فورا
" لا أحد يملك جواب هذا السؤال غيره يا تيما ولا يمكننا الحكم
لا على أسبابه ولا أسباب والدتك فماضيهما وحدهما من يعرفانه "
غطت عينيها الباكية بكفها ولم تعلق فوصلها صوته قائلا
" هيا توقفي عن البكاء لتسمعي ما سأخبرك به "
رفعت رأسها وقالت بضيق من بين شهقاتها
" لا أريد أن أعرف عنه شيئا "
ضحك ضحكته قصيرة منخفضة وقال
" ضننت أننا اتفقنا أن لا نتحدث عن الأمر ؟ "
وتابع من فوره
" تيما لما لا تنظري للأمر من ناحيته الإيجابية بدلا من
البكاء هكذا ؟ "
حركت يدها قائلة بضيق
" أي ناحية إيجابية في انفصال والديك واتساع الفجوة بينهما ؟
أنت لن تشعر بما أشعر به أبدا "
أغلقت فمها بيدها مصدومة حين استفاقت لنفسها ولما قالت
فهمست بإحراج
" آسفة ... أنا حقا آسفة لا أعلم كيف قلت ذلك أ ..."
قاطعها بهدوء
" لا بأس لم أغضب منك فأنا لست أفكر في وضعي مثلك لأني
أنظر للأسوأ مني دائما "
أخفضت كتفيها قائلة بأسى
" آه قاسم بربك ما الأسوأ من فقدانك لوالديك ، لست أتخيل إن
فقدتهما أين سأجد الأسوأ مني ؟ "
قال مباشرة
" بلى إنه أقرب لك مما تتصورين "
همست بصوت مصدوم
" أقرب لي مما أتصور ! "
" أجل ... الكاسر "
قالها دفعة واحدة كصفعة قاسية ومباشرة فأمسكت قلبها وقالت
بضياع
" الكاسر شقيقي ؟ "
قال بجدية
" أجل فلما لا تنظري لوضعه أمامك ؟ هو فقد والديه من قبل
أن يراهما والآن إن تحقق ما تحلمين أنتي به فسيفقد من أخذت
مكانهما في حياته "
شعرت بقلبها انقبض بقوة وتقاطرت دموعها مجددا وقد همست بعبرة
" لا والدتي لن تتخلى عنه أبدا "
" بلى ذاك ما سيحدث فهل برأيك سيرضى بأن يعيش معها في
منزل والدك ؟ وماذا عن رماح ووضعه وماذا عن عمتهم ؟
منزل والدتك هو الذي يجمع أبناء شراع مهما تفرقوا يا تيما ؟ "
حركت رأسها برفض تغرس أسنانها في شفتها السفلى بقوة
تنظر للأعلى والدموع تتقاطر من جفنيها الواسعين تحاول كبت
عبراتها التي فقدت سيطرتها عليها سريعا وبدأت بالبكاء وقد
ارتمت على السرير وانزلق الهاتف من يدها وبعيدا عنها ،
هي لم تفكر هكذا ! لم تفكر فيهم أبدا وخصوصا شقيقها الكاسر
فهو بالفعل يرى فيها أبويه اللذان فقدهما رضيعا بل هي تعني
له أكثر من ذلك بكثر فحديثه عنها لا يتوقف أبدا ، ذكريات
طفولته جميعها مرتبطة بها كما أحلام مستقبله ، ورغم يقينه
من أن مطر شاهين الشخص الوحيد الذي قد يجعله يفقدها كان
متحمسا لرؤيته ويتحدث بفخر عن كل ما يفعله بل ويواسيها
ويمسح دموعها كلما تحدثت معه عنهما ويؤكد لها دائما بأن
والدتها سترجع له وبأنهم سيكونون عائلة مجددا ، كان في كل
مرة يواسي جرحها برش الملح على جرحه .. تبث له وجعها
متناسية أوجاعه الأقسى من أوجاعها .
قبضت على اللحاف تجمع ذراعيها فوق رأسها تدفن عبراتها
فيه ولم تعد تعلم أفصل الخط أم تحطم هاتفها على الأرض التي
انزلق من السرير إليها فلم تسمع رنينيه بعدها حتى نامت وهي
على حالتها تلك دموعها تسقي تلك الأغطية البيضاء .
*
*
*
جلست أمامها وقالت بضيق تمسح دموعها بالمنديل الذي تلطخ
بسواد كحل عينيها مرارا وتكرارا
" آستريا توقفي عن البكاء ، أنتي ستؤكدين ما قيل إن رآك
الجميع هكذا في الحفل "
أبعدت يدها عنها وقالت ببكاء
" لا أريد أن أتزوج .. لما يكون الأمر بالإكراه ؟ كيف نسيتم أن
والدي وعدني ومنذ صغري أن أختار أنا من أتزوجه ومتى
سأتزوج ولم يجبرني في حياته أبدا ولم يسألني حتى لما "
تنهدت الجالسة أمامها بقوة وقالت
" لأنه ليس في صالحك آستريا فلم تنسي بالتأكيد ما قاله ساجي
وهو سينفذ قسمه ويعاقبك بالصلب في ساحة البلدة حتى تموتي
جوعا فأنتي تعرفيه جيدا يفعلها دون تراجع "
ضربت بقبضتها على صدرها وقالت بنحيب
" راضية وقلتها له مرارا فليقتلني بالطريقة التي يشاء لكن لا
يزوجني به ، ثم أنا مسلمة ولا أتزوج من غير المسلم "
أغلقت لها فمها بيدها وقالت بحدة
" أصمتي يا غبية أتريدين أن يسمعك أحد ؟ لن تنجي من هذا
الزواج بهذه الطريقة ولا تعتقدي بأنه حلك للأمر "
دفنت وجهها في كفيها تبكي بألم وحسرة فشعرت بيدي شقيقتها
الوحيدة على كتفيها ووصلها صوتها الحزين قائلة
" ارحمي نفسك آستريا أرجوك فهو لا يستحق كل هذا وقد تزوج
ولم يفكر بك "
رفعت رأسها ونظرت لها وقالت ببكاء
" لا لن يفعلها .. اقسم لن يفعلها وهو سبق ووعدني "
قالت الجالسة أمامها بضيق
" ساجي خرج للعاصمة أي أنه علم بذلك وهي الحقيقة آستي
عليك تصديقها "
صرخت من فورها
" كاذب ... هو أخبرني بأنه سيعيش على أمل لقائنا حتى يموت ...
رعد لا يكذب أبدا بينما ساجي بلى "
أغلقت لها فمها مجددا قائلة بحدة
" اقسم أنك تحفرين قبرك بيديك يا حمقاء وإن سمعك أحد وعلم
دونسوا بما تقوليه فستعيشين حياة مأساوية معه "
أبعدت يدها عنها وقالت ببكاء
" لن أعيش معه ولا أريده لما لا يفهمون هذا ؟ "
وتابعت بعبرات تفتت الحجر وقد أمسكت بيديها برجاء
" أشعروا بي لما لا يرحمني أحد ؟ أنا أتعذب شقيقتي واقسم
بأني سأموت إن عشت مع رجل غيره ، لا حياة لي مع سواه
لما لا تفهمون هذا ؟"
ضمتها لحضنها فورا تنسكب دموعها مع عبراتها ولا حل في
يديها تقدمه لها ولا تريد أن يؤذيها شقيقها فهي تعرفه جيدا
فما أن علم بما يشاع عنها جن جنونه وكاد أن يقتلها لولا سنمار
منعه من ذلك ونقلها لمنزله منذ ذاك اليوم خوفا عليها من غضب
ساجي الذي كان يتوعدها طوال الوقت فقرر سنمار تزويجها
لينقذها من الموت على يدي ذاك المتهور فهو يعلم بأنه سيفعلها
ودون تردد ، ولم يخبروها بالأمر إلا اليوم وها هي منذ الصباح
على هذه الحالة ، كم تمنت سابقا رؤيتها هكذا عروس وبثوب
زفاف قبائل ثنان كما تمنت والدتهما ذلك قبلهما لكنها كانت
ترفض وتتهرب وكان والدها يساندها في ذلك كلما رفضت خاطبا
تقدم لها ووقف في وجه أبنائه الثلاثة مانعا إياهم من إجبارها
لكن والدهم اختفى الآن ولا أحد يمكنه ردعهم عنها .
مسحت على شعرها البني الطويل قائلة بحزن
" كان عليك أن لا تقطعي عهدا آستي فالنساء لا يمكنهن الوفاء
بالعهد كالرجال "
وحين لم تعلق على ما قالت وقفت مبتعدة عنها وغادرت المكان
الذي يخصصونه لتزيين العروس وتركتها مع دموعها وبكائها
تقبض يداها بقوة على قماش ذاك الفستان تنظر له على جسدها
وكأنه كفن موتها تتقاطر دموعها عليه تسقيه ألما وحسرة وقد
تدلت خصلات شعرها الطويل المموج تنزلق على بشرة ذراعيها
الثلجية وتداعب أزهاره الجميلة ترسم معهم لوحة فنية شديدة
الجمال لا يشوهها سوى تلك الدموع المتناثرة كحبات ألماس
تلمع في النور الخفيف تحكي مأساة حب ونهاية عشق وبداية
ألم قد لا ينتهي أبدا .
لم تندم يوما على اعتناقها الإسلام إلا الآن فقد تمنت لحظتها أنها
على ديانة ثنان لكانت قتلت نفسها دون تردد .. لاختارت الموت
على أن تكون لرجل غيره ، أمسكت فمها بيدها وازداد بكائها
وعبراتها وهي تتذكر كلماته ووعوده تلك وكأنها اليوم لم
تنساها لحظة
( لن تأخذ امرأة غيرك مكانك في قلبي آستريا فإما أن نكون
معا أو أعيش وحيدا ما حييت )
) إن تزوجت يوما مرغمة من غيري فلا تحاولي إخباري آستريا
لأني لن أكون لامرأة أخرى في جميع الأحوال)
( إذا آستريا لرعد يوما ما (
وقفت على طولها ونظرت حولها تمسح دموعها بعنف ،
عليها أن توقف هذا الزواج وبأي طريقة كانت ، هي تفضل
الموت على النوم في حضن رجل غيره وستفعل أي شيء
وإن قتلت نفسها ، توجهت لباب الخيمة وفتحته ثم سرعان
ما عادت وأغلقته مجددا وهي ترى الموجودات هناك ولن
يفارقن الباب حتى وقت خروجها بالتأكيد فتلك عاداتهم ، نظرت
حولها ورفعت السكين الذي كان قرب صينية الفاكهة التي
أحضرتها لها شقيقتها ورفعته أمام وجهها فها هو خلاصها
بين يديها ، ركضت للجهة الخلفية للخيمة وشقتها بالطول
بصعوبة بسبب سماكة القماش الذي يستخدم في صنعها ، أبعدت
طرفي الشق بيديها قليلا ونظرت للمكان فكان خال تماما رغم
أضواء الزينة فيه ، أغلقت الشق ونظرت خلفها ثم فتحته على
اتساعه وخرجت منه بصعوبة وغادرت الخيمة وركضت مسرعة
ترفع فستانها الطويل بيديها وكل ما تفعله هو الركض .. الركض
ودون توقف أو التفات رغم يقينها من أن الفرار من هناك مستحيل
لكن لا حل غيره أمامها فإما أن تنفذ بجلدها من ذاك الزواج أو
تقتل وتختفي من الوجود للأبد لذلك لم يكن أمامها سوى أن تركض
وتركض فقط مبتعدة عن كل ما تركته خلفها من ضجيج وموسيقى
غافلة عن العينين التي كانت تراقبها بصمت وتلك الابتسامة
الساخرة ممن أخلت لها المكان عمدا قبل أن تهمس بمكر
" رائع .. فعلتها كما توقعت آستي وستري ما سيكون حجم
خسارتك الآن "
وغادرت من هناك ضاحكة
*
*
*
لامارا, قلوووب محتاره, عراقيــه and 69 others like this.
رد مع اقتباس
#4973
قديم 15-12-17, 07:26 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
اتكأت بجبينها على راحة يدها لينسدل ذاك الشعر البني
متدرجا على أصابعها ورسغها تنظر للأوراق تحتها تمسك قلما
باليد الأخرى ولم يعد يمكنها رؤية ولا استيعاب أي شيء مما
يقوله الواقف هناك يتحدث دون توقف ، تشعر برأسها سينفجر
من شدة الألم في صدغيه وبعينيها تؤلمانها بشدة بل وجسدها
بأكمله يوشك على الإنهيار فقرص المهدئ الذي أعطتها إياه
ساندرين البارحة لم يجعلها تنام سوى لساعة ونصف وامتدت
بعدها ليلتها طويلة كئيبة بائسة لم تستطع إبعاده عن أفكارها ولا
إيقاف دموعها حتى تسرب ضوء الفجر من نافذة غرفتها ، وبعد
إصرار قاتل من ساندرين وافقت أن تذهب للجامعة فكل ما كانت
تردده حانقة
( هل تريدي أن يعلم بأنك لم تذهبي لأنك مريضة
بسبب حبه وخذلانه لك ؟ )
ولأنها وجدت بأنه معها حق ركبت سيارتها وغادرت المنزل بل
ولندن بأكملها باتجاه كامبريدج وها هي تدفع الثمن الآن فيكاد
يغشى عليها في مكانها .
" ماري !! "
رفعت رأسها ونظرت للواقف أسفل المدرج .. صاحب الشعر
الأشقر الخفيف والجسد الطويل النحيل يمسك ورقة في يده والذي
قال ما أن نظرت له
" هل أنتي متعبة ؟ "
نظرت ليديها ما أن التفتت الرؤوس لها وهمست ببحة تعدل أوراقها
" قليلا "
" يمكنك المغادرة "
رفعت نظراتها المستغربة به ولم يكن ذاك حالها لوحدها بل جميع
من يجلسون معها هناك فهو لم يفعلها سابقا وكان صارما جدا
فيما يخص حضور محاضراته ويبدوا أن البحث الذي قدمته
الأسبوع الماضي شفع لها عنده فقد أمضى قرابة العشر دقائق
يمدحه ويثني عليه ، أو أن حالتها المزرية من وجهها الشاحب
وصولا لعيناها المجهدتان من البكاء والسهر وجفناها المحمران
حتى الآن جعلاه يشفق عليها في أول بادرة في تاريخه ...
أي أنها ستكون أبشع حالة مرت عليه !
وقفت وجمعت مذكراتها وأوراقها في صمت وغادرت فلن ترفض
هذه الشفقة أبدا لأنها باتت مدعاة لها بالفعل وهي حقا لا يمكنها
أن تتحمل الجلوس لساعة أخرى وليست تعلم أين ستكون
أفضل مثلا ؟
ليس ثمة مكان سيشعرها بالراحة ولا منزل عم والدتها
أو سريرها فالألم يفتك بقلبها ويحرق مشاعرها أينما كانت ،
قد تعتاد هذا بعد أيام أو أشهر أو حتى أعواما طويلة لكنها
ستعتاد الفكرة نهاية الأمر وتتعايش مع عالمها الخالي منه
بالتأكيد .. ستعتاد العيش دون أن تحلم به أو تنتظره كما تعايشت
سابقا مع مارية المشوهة في نظر الجميع .
مسحت دمعة تسللت من رموشها وتابعت سيرها في أروقة مبنى
الجامعة تحضن مذكراتها بقوة نظرها على خطواتها تحتها فلن
تبكي مجددا ولن تبكي أكثر من ذلك بل لن تبكيه أبدا .
" ماااريه "
نظرت حيث الصوت الرجولي الذي ناداها من بعيد جهة
صناديق الاقتراع الخاصة بالإنتخابات الطلابية فأشارت له بيدها
متابعة سيرها فلا يمكنها التحدث مع أحد الآن وخصوصا كين
فسيسألها عن سبب حالتها المزرية تلك ولن تستطيع التهرب منه
كالمرة الماضية ، غادرت من بوابة الجامعة تشعر بضجيج الطلبة
حولها وكأنه زلزال يضرب رأسها ولم تعد تحتمل سماع أي صوت
ولم تشعر ببعض الراحة حتى أصبحت في مواقف السيارات أو
هكذا خيل لها فالمفاجأة كانت في انتظارها هناك وعلمت حينها
بأن نهارها الطويل القاسي لم ينتهي بعد ما أن وقعت عيناها
على الواقف بعيدا يتكئ بظهره على سيارته الجاغوار البيضاء
مكتفا ذراعيه لصدره ينظر لها بصمت وتركيز نظرة جعلت قلبها
ينفعل بطريقة جنونية ، تبا له فما كان يجب أن يحدث حينها
هو أن يتفجر الألم القوي في أعماقها ما أن تقع عينيها عليه لا
أن ينفعل بحمق كالسابق .
كان بملابس سوداء تماما كلون سترتها القصيرة وبنطلونها
المصنوع من القماش الفاخر وكأنهما اتفقا على خوض معركة
موحدة هذه المرة وفي كل شيء .
أبعدت نظرها عنه وتحركت من هناك بخطوات سريعة جهة سيارتها
يتلاعب الهواء بسبب حركتها تلك بخصلات شعرها البني حول وجهها
وبغرتها الناعمة التي لم تهتم ولا بإبعادها عن مجال الرؤية أمامها
فليست تريد سوى الابتعاد عن هنا ولأي مكان وإن كان للماضي
المظلم الخالي منه ، لكن ذلك أيضا لم يكن لها السلطة المطلقة
لفعله فقد أوقفتها بسهولة أصابعه التي التفت حول ذراعها بقوة
وقد أدارها ناحيته فورا وجمدت نظراته على وجهها وعيناها ما
أن نظر لها عن قرب وقد اكتحل جفناهما باحمرار رسم عليهما
الألم وخيبة الأمل فبدأت أصابعه تشتد على ذراعها تدريجينا
ولازال محدقا بهما فأشاحت بوجهها عنه تكره أن يشهد على
تحطمها بسببه وعلى مخلفات تمزيقه لمشاعرها ، وكم تمنت
لحظتها أن عاندت ساندرين ولم تأتي هنا أبدا .
حاولت سحب ذراعها منه لتتابع طريقها لكن قوة سحبه لها كانت
أضعاف قوتها وهو يبتعد بها جانبا تسير خلفه مجبرة لإحكام
قبضته على ذراعها حتى ابتعد بها عن حركة الموجودين هناك
وإن قلت إلى أن وصلا لأحد الأرصفة خلف صفين متراصين
من السيارات وأدارها جهته وقال بلهجة فضة قاسية ينظر لعينيها
" ما هذا الذي تفعلينه بنفسك مارياا ؟ "
سحبت ذراعها منه بقوة وبحركة عنيفة حتى أفلتها وقالت بسخرية
تنظر له من بين خصلات غرتها التي عبثت بها الريح أمام عينيها
" ما الذي أفعله أنا بنفسي ؟! "
لوح بيده قائلا بحدة
" بلى أنتي فلا مبررات لما فعلته أبدا سوى بأنه حمق وقلة تفكير "
كان رد فعلها ابتسامة ساخرة أخرى اعتصرتها من أعماق قلبها
راجية أن تخفي الموت البطيئ الذي كانت تشعر به في أعماقها
وقالت محدقة بعينيه الغاضبة
" لن أصدق أنك قد تبحث لي عن مبررات كي لا تجدها ! ثم هلا
أخبرتني ما جاء بك إلى هنا ؟ ولا تقل من أجلي فلن أصدق بأنك
ستنتظر واقفا هناك لساعة حتى وقت مغادرتي "
ولم تستطع أن تخفي تكسر صوتها وهي تتابع متشدقة
" أم أن حبيبتك الانجليزية تدرس هنا ؟ "
قست عيناه السوداوان لتصبحا حجرين غاضبين فشعرت بأن
موقفها تحول للأسوأ لكنها لن تبالي ولن تصمت ككل مرة ما أن
يصرخ بها ويأمرها وكأنها ما تزال تلك الطفلة أمامه ، أمسك
بذراعيها بقوة وقال بغضب
" المرأة الذكية قد تجد حلا مع مراوغتها وحركاتها السخيفة
لكن ما الحل مع الحمقاوات منهن ماريا تكلمي ؟ "
أبعدت يديه عنها وقالت بغضب مماثل
" سأكون حمقاء فعلا إن قلت غير ذلك واجزم بأنك كسرت قلبي
وسخرت من مشاعري بالأمس ثم ذهبت لها "
ضربته بسبابتها على عضلة صدره صارخة بمرارة تنظر
لعينيه بانكسار
" أقسم لي الآن بأنك لم تكن معها البارحة ما أن تركتني أنا خلفك "
شعرت بتلك الكلمات خرجت كالأشواك من أوردتها وتنفست بقوة
علا معها صدرها وهبط عدة مرات وقد بدأت الدموع تسقي حواف
تلك الرموش الكثيفة ما أن طال صمته وتحديقه بعينيها تشعر بنار
الغيرة تشتعل بداخلها كالسعير فهمست بمرارة لم يعد يمكنها اخفائها
كما الدموع التي ترقرقت حارة في عينيها
" أتعلم ما المشكلة بي يا تيم ؟ "
وتابعت بسخرية امتزجت بالكثير من الألم تشير بسبابتها لنفسها
ولازالت تنظر لعينيه
" أني أستسلم دائما لأحلام تدفعني للإيمان بأنها واقعية "
تحولت نظرته للغموض فجأة ولم يعد يمكنها قراءة أفكاره
وساورها ارتباك مخيف فتحركت مجتازة له لا تريد سوى الابتعاد
عنه فلن تسمح له بأن يسيطر على مشاعرها أبدا ، لكن ذلك
لم يتحقق أيضا وقد أمسك بذراعها مجددا وسحبها جهة السياج
الحديدي وأوقفها عليه وأمسك وجهها بيديه ورفعه له ناظرا
لمقلتيها الذهبيتان السابحتان وسط بركة الدموع الرافضة أن
تفارق رموشها وقال بحزم
" هي لا تعنيني في شيء ماريا "
ابتلعت غصة مرارة أنهكت دواخلها وهذا ما كانت تتوقعه تماما
سيتحاول التلاعب بوتر مشاعرها ناحيته ، أغمضت عينيها ببطء
وقد قالت بخفوت
" اختر بيننا إذا "
أبعد يديه عن وجهها وقال بضيق
" ماريا سبق وقلت بأنها مجرد جسر للوصول لوالدها فلا تجعليني
أندم على إخبارك بذلك "
نظرت له بجمود وقد ارتفعت أنفاسها تدريجيا تكابد دموعها
وهمست بإصرار
" اختر بيني وبين مهمتك إذا "
أشاح بوجهه جانبا وخلل أصابعه في شعره يتنفس بقوة وعيناها
الدامعة معلقتان به فعليه أن يختار وإن كانت حقا مجرد مهمة
كما يقول فهي لن ترضى بأخرى تشاركها فيه وتحت أي مسمى
كان فليس ثمة أنثى تعشق بصدق ترضى بأن تناصفها إحداهن
من تحب فإما أن يكون لها لوحدها أو لا شيء مطلقا ، فستفضل
الموت بعيدا عنه على أن تقف وتصفق له وهي ترى غيرها في
حضنه وتأخذ مكانها في كل شيء فالحب لا يقبل القسمة أبدا ..
أناني .. متملك .. يريد كل شيء له أو لن يتنفس أبدا ولن يدوم .
انزلقت أول دمعة من رموشها لتحتضنها وجنتها المحتقنة بالدماء
تراقب نصف وجهه المقابل لها لازال يشد شعره بأصابعه للأعلى
وصمته لا يزيد وجعها إلا حدة ويعطب جرحها المفتوح لينزف
دون توقف وقد بدأت تفقد أملها الكسير شيئا فشيئا وهي تراه
يخرج أصابعه من شعره تاركا له حرية التنفس مع الريح وقد
حول نظره للأسفل وهو ينزل يده لجيب بنطلونه الخلفي وأخرج
منه هاتفها ، وضعه في يدها التي أمسكها وقال ببرود ناظرا له فيها
" سلمتك عنقي بالأمس إن أردت الانتقام مني "
وما أن أنهى جملته تلك تركها وغادر تتبعه دموعها التي انسابت
تباعا وهي تراقبه يتوجه لسيارته وقد ركبها وغادر فورا دون
حتى أن ينظر ناحيتها فنزلت للأرض تحضن مذكراتها تبكي
بمرارة تدفن وجهها ودموعها فيهم .
*
*
*
فتح الباب ودخل ملقيا التحية على الجالس خلف الطاولة والذي
وقف له فور دخوله فأغلقه وتوجه نحوه وقد خرج له من خلف
طاولته تلك وصافحه قائلا
" أعتذر على تركك تنتظر سيدي فالأمر كان خارجا عن إرادتي "
جلس على الكرسي قائلا
" لا بأس فأنا لم أنتظر طويلا "
جلس ذاك مكانه السابق وقال
" بما يمكنني خدمة النيابة العامة ؟ أنا تحت أمركم "
نظر للأسفل وتنهد بعمق ، هو لم يستخدم صلاحياته في السابق
من أجل أي أمر لم تصدره المحكمة أو مكتب المدعي العام لكن عليه
أن يعلم الحقيقة وإن جزء منها فقط قبل أن يفقد عقله تماما بسبب
التفكير في حل لغز لا يملك منه شيئا فهو لم يعد ينعم ولا بالنوم
والراحة وهذا هو سبيله الوحيد فهو لن يضر أحدا بهذا فقط بعض
المعلومات وانتهى كل شيء .
دس يده في جيب سترته وأخرج له صورتها ومدها له قائلا
" أريد معرفة كل ما يخص هذه الفتاة ، هي حالة كانت لديكم هنا "
أخذها منه ونظر لها لبرهة عاقدا حاجبيه وكأنه يحاول تذكرها
فهي كانت أصغر سنا حين دخلت هذا المصح لكنها قضت وقتا
لابأس به عندهم ولن يصعب عليه التعرف عليها بالتأكيد ، نظر
لها مطولا ثم مدها له قائلا
" اعذرني قد لا أستطيع إفادتك في هذا "
أخذ الصورة منه وقال
" ولما الرفض ؟ هي مجرد حالة سأطلع على ملفها وبسرية تامة "
حرك رأسه برفض قائلا
" اعذرني سيدي لا يمكنني خدمتك بشيء صدقني "
شد أصابعه على الصورة بقوة وقال
" اعتبره أمر من مكتب المدعي العام "
بسط كفيه قائلا من فوره
" لست أرى أي أوراق لديك "
تنفس بقوة وقال مخاطرا حتى بنزاهة عمله هذه المرة
" سأكتب لك ورقة إن كان هذا ما يرضيك "
جمع كفيه مشبكا أصابعه وقال بأسف
" حتى مركزي هنا لا يخولني بذلك فالنزيلة آنجي جاكس
لا معلومات مدونة في ملفها قد تفيد أي أحد في أي شيء ،
ولست أعلم لما إن كان هذا سؤالك التالي "
وقف حينها على طوله ولم يعلق وهذا ما توقعه فهي دخلت
هذا المكان بشخصية مزورة لذلك جلب الصورة معه ، إذا تخمينه
صحيح ولها يد في تلك الجريمة وإن قانونيا فقط ، وقف الجالس
خلف الطاولة وقال
" يمكنني أن أدلك على عنوان الطبيب الذي كان مشرفا على
حالتها فهو من قد يملك ما تبحث عنه فوحده من كان يحتك بها
بشكل مباشر ومن كان شفائها التام على يديه "
دس الصورة في جيبه قائلا
" جيد أعطني إياه "
فتش عن ورقة كتب فيها الإسم والعنوان ثم شقها ومدها له
وقال ما أن أخذها منه
" لا تخبر أحدا أني من أوصلك له أرجوك سيدي "
رفع نظره من الورقة التي كان يطويها وقال باستغراب
" ولما ؟ هذا مجرد عنوان طبيب ! "
قال من فوره
" الفتاة كان موصى بها بعناية كبيرة ولا أحد يسمح له ولا بالاقتراب
منها غير ذاك الطبيب والممرضتان اللتان دخلتا المصح بدخوله
وخرجتا وقت خروجه فقد أتورط في أمور ومشاكل تفقدني
عملي سيدي "
أومأ برأسه موافقا وهمس يفتح الورقة مجددا
" كن مطمئنا تماما "
وعقد حاجبيه فور أن قرأ اسم ذاك الطبيب فهو لم يهتم بداية
الأمر برؤيته ليكتشف الآن بأنه عربي !! لكن لما وما الهدف
وما الذي يخفونه !
دس الورقة في جيبه وصافح ذاك الرجل وشكره وغادر من هناك
وليس يفهم لما تتشابك خيوط حكايتها كلما قام بفكها أكثر فمن هذا
الذي وراءها ويدعمها بقوة وسرية هكذا ! بل ويطمس شخصيتها
الحقيقية أيضا وكأنه يحميها من أمر ما !! من سيكون يا ترى بما
أن مطر شاهين أنكر ذلك سابقا ! عليه أن يزور ذاك الطبيب
وفي أسرع وقت ممكن ليفهم منه فمؤكد يملك الكثير ليخبره عنه ،
هذا إن لم يتكتم كالجميع وحينها سيضطر للضغط عليه وسيتحدث
وإن بالتهديد .
*
*
*
وضعت كوب القهوة على الطاولة ونظرت لساعتها متنهدة بملل
لحظة أن انفتح باب المنزل فعقدت حاجبيها تنظر باستغراب للتي
دخلت وأغلقته خلفها تحمل مذكرات في يديها بملابس أنيقة
وجميلة زادها ذاك الجسد المتناسق روعة وشعر بني ناعم وصل
لنصف ظهرها ، لم تتبين شكلها جيدا لأنها لم تنظر ناحيتها بل
سارت يسارا مباشرة لحظة أن خرجت ساندرين من جهة أخرى
وتوجهت نحو السائرة هناك فوقفت فورا ونظرت لها فهي تنتظرها
هنا من ربع ساعة تقريبا ووالدتها أخبرتها بأنها أبلغتها بوجودها
واعتذرت منها لأنها كانت مضطرة للمغادرة من أجل موعدها مع
طبيب الأسنان ، وقفت في مكانها لم تتحرك منه تنظر للتي مرت
من أمامها متجاهلة لها وكأنها لا تراها وقد لحقت بالتي توجهت
هناك حتى أدركتها منتصف ممر غرفتها وأمسكت بذراعها قائلة
" ماريه انتظري ... لما عدت باكرا و ما.... "
شهقت بقوة حين وجدت أن حالتها ازدادت سوءا عن الصباح
وقالت بصدمة
" ماريه ما بك هل ..... "
قاطعتها هامسة بحزن
" أجل جاء للجامعة اليوم "
أدارتها جهتها جيدا حتى أصبحت مقابلة لها تماما وقالت بتوجس "
ماذا حدث ؟ هل ساءت الأمور بينكما أكثر ؟ "
حركت رأسها بالنفي ولم تعرف ما تقول وكيف تشرح عما حدث
تحديدا فمررت أصابعها في غرتها بعنف قبل أن تحررها مجددا
قائلة بضيق
" لا شيء لديه ليقوله سوى الصراخ والأوامر وحين خيرته بيننا
قال مجددا بأنها مجرد مهمة فخيرته بيني وبين مهمته تلك "
وضعت أناملها على شفتيها تنظر لها بصدمة هامسة
" خيرته بينكما ؟ وماذا كان جوابه "
أشاحت بوجهها جانبا وتقاطرت دموعها وقد قالت بسخرية
تنطق مرارة
" لم يقل أي شيئ طبعا فلا يمكنه أن يختارني أنا "
وتحركت من هناك فورا فشدت ساندرين على أسنانها هامسة
بغيظ تنظر لها وهي تدخل غرفتها ضاربة بابها خلفها
" ياله من بغيض "
قبل أن تلتفت للتي وقفت خلفها مباشرة فنظرت لها ببرود وتحركت
مجتازة لها فأمست بيدها وأوقفتها قائلة
" ساندي اتركينا نتحدث واستمعي لي مرة واحدة أرجوك "
استلت يدها منها وقالت بضيق
" اسمي ساندرين ولا حديث بيننا مفهوم ؟ "
تأففت في وجهها بضجر وقالت
" كثر من ينادونك ساندي ولا مشكلة لديك ! "
تكتفت وقالت ببرود
" أجل الذين أحبهم فقط أما الغاضبة منهم فلا وخاصة أنتي "
تنهدت كنانة بقلة حيلة قائلة
" اقسم لم أقصد ما حدث ساندي ، كنت فقط أريد ممازحتك
بالصورة ولم أتخيل أن يضعها في إعلان .. اقسم لك بذلك "
أشاحت بوجهها عنها وتمتمت بسخرية
" هه صدقتك فعلا "
أمسكت بيدها وقالت برجاء
" ساندي نحن صديقتا طفولة بل وشقيقتان وليس لإحدانا شقيقة
غير الأخرى فلما نترك أمرا كهذا يفرقنا ؟ "
أبعدت يدها قائلة بضيق
" حمدا لله بات لديا شقيقة أخرى أوفى منك فابحثي أنتي لنفسك
عن واحدة تشبهك "
قوست شفتيها وبدلت ملامحها للحزن قائلة
" حقا أصبحت تكرهينني ساندي ؟ "
أولتها ظهرها وكتفت ذراعيه مجددا وقالت كاذبة
" أجل وفوق ما تتصورين "
ضمتها من ظهرها واتكأت برأسها على كتفها قائلة بابتسامة
" كاذبة لو كان كلامك صحيحا لقلتها في وجهي ، هيا ساندي
سامحيني قسما لن أكررها مجددا "
ابتعدت عنها والتفتت لها وقالت بتهديد
" أبدا أبدا ... ؟ "
رفعت سبابتها لشفتيها وقبلتها قائلة
" قسما برب الكعبة لن أفعلها مجددا ولست أعرف شخصا اسمه
رواح ضرار بعد اليوم "
نظرت لها بشك فأنزلت كتفيها متمتمة بضيق
" هيا ساندي لقد أقسمت واعتذرت فما بقي أيضا ؟ "
لوت شفتيها قليلا ثم قالت
" حسنا سامحتك "
قفزت وحضنتها قائلة بضحكة
" وأخيرا .... ما أطول غضبك وما أسوده يا ابنة الحالك "
أبعدتها عنها قائلة بضيق
" لأنها الطريقة الوحيدة التي تجدي معكم أنتم "
أمسكتها من يدها وسحبتها معها قائلة
" تعالي لنحتفل إذا والغداء على حسابي هذه المرة "
وقفت موقفة لها وقالت
" انتظري فعليا رؤية ماريه أولا "
نظرت من خلف كتفها للباب الموجود آخر الممر وقالت
" تعني تلك الفتاة التي دخلت منذ قليل ؟ هي قريبتك أليس كذلك ؟
سمعتها تحدثك وتبكي ما بها ؟ "
ضمت أطراف أصابعها لبعضها ورفعت يدها وأدارتها فوق رأس
الواقفة أمامها قائلة
" كله من بركاتكم آل الهازان لا تدخلون حياة أحد إلا و توكونوا
سببا في دمارها "
أبعدت يدها عنها قائلة بضيق
" وما ذنبي أنا كلما حدثت مصيبة سببها هازاني حملتني
المسئولية ؟ "
قالت مغادرة
" لأنكم متشابهون طبعا ، انتظريني قرب سيارتي سآتي حالا "
وما أن وصلت باب الغرفة طرقته طرقتين متتاليتين ثم فتحته
لحظة أن انفتح باب الحمام وخرجت منه التي كانت تنشف وجهها
بمنشفة صغيرة فدخلت قائلة
" جيد أنك لم تغيري ثيابك بعد ، هيا اخرجي معنا "
رمت المنشفة من يدها وقالت تنزل أكمام سترتها
" لا رغبة لي في الخروج .. أريد أن أنام قليلا "
توجهت نحوها وأدارتها جهتها ونظرت لعينيها قائلة
" هيا ماريه لن تتوقف حياتك على بائس مثله ، أعرفك لن
تنامي فلنخرج ونتسلى ولتتعرفي على كنانة ، صحيح بأنها
غبية ومملة لكنها طيبة قلب ، ولتتعرفي أيضا على باقي عائلة
زوجك المنبوذين "
أنزلت نظرها للأسفل بحزن ولم تعلق فقالت بتوجس
" هل أخبرك من تكون تلك الفتاة ؟ "
أشاحت بوجهها جانبا وهمست بحزن
" لا "
تنهدت بأسى وأمسكت بيدها وضغطت عليها برفق هامسة برجاء
تنظر لنصف وجهها المقابل لها
" توقفي عن تعذيب نفسك من أجله ماريه ، أقسم أن يركض
خلفك مستجديا وستري بنفسك ، ثم هو قال أنها ... "
قاطعتها متوجهة جهة الخزانة
" لا يهم ما قال بل ما يفعل "
وتابعت ببكاء وقد اتكأت بجبينها على بابها الخشبي
" كان معها البارحة ساندي ..! مهمته لم يتأخر عنها أبدا ما أن
رماني هنا "
ملأت دموع الغضب عينيها وتوجهت ناحيتها وضمتها من ذراعها
واتكأت برأسها على رأسها وقالت برجاء
" حلفتك بالله ماريه يكفي بكاء عليه لأنه لا يستحق "
ثم قبلت خدها وقالت مغادرة جهة الباب الذي تركته مفتوحا
" سأنتظرك ولن نغادر حتى تأتي فغدا تبدأ عطلة الأسبوع
ولن نحصل على وجبة غداء من تلك الهازانية المقفرة دائما "
وخرجت مغلقة الباب خلفها فمسحت دموعها بقوة وتوجهت
جهة طاولة التزيين رفعت المشط وسرحت شعرها به فسيكون
خروجها أفضل من بقائها هنا بالتأكيد فعلى الأقل لن تفكر فيه
وفي كل ما حدث لبعض الوقت .
*
*
*
لامارا, قلوووب محتاره, عراقيــه and 68 others like this.
رد مع اقتباس
#4974
قديم 15-12-17, 07:29 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
ضربت خاصرته بقدميها أكثر وأكثر ليعدوا بها شاقا ظلام الليل
الذي لا دليل لهما فيه سوى نقطة ألا عودة ولا رجوع تتجه حيث
ليست تعلم أي وجهة تكون تلك المهم أن تبتعد عن قراهم قدر
المستطاع قبل بزوغ الفجر كي لا يدركوها ، لم تغادر مدنهم
يوما ولم ترى باقي بلادها أبدا بعد تحريرها لا هي ولا أي أحد
منهم لأنهم وبكل بساطة اختاروا حريتهم مقابل العيش منفصلين
عن أغلب مظاهر الحياة والحضارة .. أن يتقهقروا للوراء بينما
يسير الجميع للأمام من أجل معتقدات سخيفة بأن الثناني لا عربي
يحكمه ويتحكم في مصيره أبدا فهم يغرسون كرههم وبغضهم لهم
في نفوس أطفالهم ما أن يولدوا ، ومنذ أن فقدوا صلتهم بمطر
شاهين أغلقوا أبوابهم في وجوه الجميع ولم تلح في الأفق تلك
الأحاديث عن دمجهم مع باقي مدن البلاد إلا بعد عودته لكنه لم
يأتي كما تأملت وانتظرت لأيام بل ولأعوام وأعوام مضت منذ أن
اختفى من الوجود فجأة ويبدوا بأنه لم يجد لهم وقتا حتى الآن
ولا يمكنها إلقاء اللوم عليه فثمة أمور أهم من التفكير في مدنهم
النائية المنفصلة عنهم تماما ، لكن قدومه بعد فجر اليوم لن يكون
له أي جدوى إن هي أصبحت زوجة لذاك الرجل فلن ينفعها ابن
شاهين في شيء بعدها ومهما قدم للثنانيين فإبنة الزعيم أو شقيقته
لا تطلق أبدا لديهم ولا تتحرر ولا بموت زوجها ولن يفصل رباطها
بذاك الرجل أحد ولا ابن شاهين نفسه ولن يشفع لها لديهم
ولا إسلامها لذلك لم يكن أمامها من خيار سوى الفرار من هناك
قبل أن تصبح زوجة له.
كانت تتذكر كلماته لها دوما حين نهاها عن التفكير في الهرب
معه وأن ذلك لن يجلب إلا الضرر لقبائلها ولقبائله ورضيت بالصبر
والانتظار كل تلك الأعوام لكن أن تكون لرجل آخر وأن تخلف
عهدها لقلبها قبله فلن يحدث أبدا .
ما هي موقنة منه تماما أنه ثمة من ساعدها على هذا .... ثمة
من كان يتوقع أن تفكر في الهرب وفتح السبيل أمامها لفعل ذلك
لما كانت وجدت المكان فارغا تماما وأحد الخيول مربوطا في غير
مكانهم المخصص بل موجود خلف خيمتها تلك بمسافة قصيرة
وسرجه فوق ظهره يوجد فيه حتى الماء وبعض الطعام ! ثم تلك
البوابة الحديدية المفتوحة والحراس منشغلون عنها تماما !! فلن
تجتمع جميع تلك المصادفات دفعة واحدة إلا وأحدهم قد رتب للأمر
وبدهاء لتخرج ، ليس يعنيها من يكون ذاك الشخص وما هدفه
من كل هذا فالمهم لديها أنها لن تتزوج بذاك الرجل أبدا ،
مسحت دموعها وتمسكت أكثر بحبل اللجام وطوق نجاتها الذي
لم ترهقه المسافاة التي قطعها دون توقف وهي ترى نور الفجر
الأبيض يزحف للسماء ببطء وكأنه يشعر فعلا بمعاناتها وبأنه
سبيلها الوحيد لتبتعد عن هناك فعليها أن تصل لإحدى المدن
سريعا وتختبئ فيها فالعراء لن يوفر لها الحماية أبدا فواصلت
الركض به دون توقف وما أن ارتفع قرص الشمس قليلا حتى
بدأت سرعة جوادها ذاك في التباطئ تدريجيا فعلمت بأن التعب
وصل أقصاه لديه ولن تستغرب ذلك فهو ركض بها لساعات
ودون توقف ، نزلت من على ظهره ما أن توقف تماما وأخرجت
قنينة ماء من سرجه فتحتها وحاولت أن تجعله يشرب منها وإن
كانت قد فقدت نصفها على الأرض ، أغلقتها وأعادتها للسرج
فارغة ومسحت على عنقه وشعره هامسة بابتسامة حزينة
" شكرا لك يا صديقي ، جل ما أتمناه أن لا يدركونا حتى نبتعد عنهم "
تصلبت يدها فجأة وشخصت عيناها في الفراغ وهي ترعي سمعها
للفراغ حولها وضربات قلبها تتصاعد تدريجيا تسمع صوتا لن
تخطئه أبدا ... إنه محرك سيارة ! التفتت خلفها سريعا وفي كل
اتجاه شعرها الطويل المموج يتناثر حولها ولم تعد تعلم تلك
الأصوات من أين تأتي تحديدا ! وهل هي سيارة واحدة أم أنها
مجموعة سيارات كما تتوقع ، شدت اللجام وامتطته مجددا وضربته
بقدميها بقوة لكنه لم يتحرك من مكانه وكل ما فعله أن رفع قائمتيه
الأماميتان عاليا وصهل بقوة فعلمت بأنه لن يتحرك خطوة أخرى
للأمام ومهما حاولت وها قد أعطاهم أول إشارة عن وجودها
إن كانوا قريبين من هنا فنزلت من على ظهره وركضت على
قدميها ترفع فستانها الطويل بيديها لم تعد ترى شيئا أمامها
بسبب الدموع التي ملأت وجهها وهي تسمع أصواتهم يقتربون
شيئا فشيئا
*
*
*
أدارت قرص العجين بين يديها وتأففت بحنق قائلة
" أمي لو أفهم لما رفضت وعاندت عمير في أمر الخادمة ؟
من هذا الذي يجلب التعب لنفسه ! "
تنهدت الجالسة على الطاولة تقطع ثمرة تفاح لحفيدتها الجالسة
بجانبها وتمتمت ببرود
" صباح الخير يا بلادي "
رمقتها بطرف عينها بضيق وقالت تقلب الخبز على النار
" أعلم أني لازلت في بلادي بل ومكاني وأنه لا خادمة لديك
سابقا لكنه من عرض ذلك ويريد راحتنا فلما الرفض ؟ "
وتابعت بذات ضيقها تشير حولها للمطبخ الفاخر المجهز تجهيزا
كاملا وحتى أرفف خزائنه تفتح بالأزرار
" هذا المكان يحتاج لمن ينظفه جيدا وباستمرار ليبقى كما هو
وأنتي لا يمكنك فعلها وأنا لديا طفلان ... "
ونظرت لها متابعة حديثها
" هذا غير باقي المنزل أم لا تري اتساعه وفخامته أمامك ؟ "
مدت قطعة تفاح مقشرة للجالسة قربها وقالت
" عمير قال أن المنزل تتكفل به شركة تنظيف من قبل أن نأتيه نحن
ثم الأحياء هنا كما تريها أمامك لا توجد بها ولا ذرة غبار شوارعها
مرصفة جميعها وأبنيتها كبيرة وعالية ، أما ما يحركه أحد ابنيك
من مكانه فأنتي المسئولة عنه ولن نعجز عن طبخ طعامنا وغسل
ثيابنا فلما نكلفه فوق تكاليف عيشنا هنا وطعامنا وكل ما أحضره
من أجل ابنيك "
رمت الخبز الناضج في الصحن بقوة وضيق وبدأت بإعداد غيره
فالتفتت لها قائلة
" هاتي الذي نضج أطعمه لابنتك بدلا من التفاح على معدة خاوية "
" جدتي أريد جبن "
مسحت على شعرها الأسود الناعم القصير تنظر لعيناها الواسعة
وقالت مبتسمة
" فقط جبن ؟ ستحضره والدتك حالا "
وضعت لهما الخبز فوق الطاولة متنهدة بضيق وتوجهت جهة
الثلاجة وفتحت بابيها تنظر للأطعمة المتراصة فيها حتى احتارت
أي أنواع تلك الأجبان تختار ! أغلقت باب الثلاجة بعدما اختارت
جبنا فرنسيا ونظرت للجالسة حول الطاولة ترفع يديها عاليا
مفرودتا الأصابع قائلة بصوتها الطفولي الرقيق
" عمي عمير أخبرني أنه يوجد جبن كثيييير هنا ... سآكل منه كله "
فاقتربت منهما قائلة بابتسامة
" إن تركك على هواك فستأكلين لحمه أيضا "
وضعت الجبن أمامهما وصحن وسكين ثم عادت لإنهاء الخبز
وقالت بعد قليل وبشيء من التردد توليهما ظهرها
" لما نعد الطعام ولا يأكل منه ! أليس من واجبنا أن نطبخ له
على الأقل "
وصلها صوت والدتها من خلفها فورا
" تلك رغبته هل سنجبره مثلا ؟ "
لوت شفتيها وقالت ببرود
" حسنا إن كان لا يريد الجلوس وتناوله معنا نأخذه له للأعلى
بدلا من أن يأكل في الخارج "
ثم وضعت آخر رغيف خبز وأطفأت الموقد ولم تتحرك من
مكانها فقد علمت أن والدتها وقفت من صوت سحبها للكرسي
وقد قالت ما توقعته تماما
" قال بأنه يخرج باكر ولن يرجع قبل الثانية عشرة ليلا فهل
ستأخذين له طعامه في مبنى جهاز المخابرات أم في
المركز التجاري ؟ "
ادعت الانشغال بترتيب المكان قائلة
" لكن اليوم جمعة أمي "
أنزلت تلك حفيدتها وقالت مغادرة بها
" إن أراد طعاما منا ما تردد في قولها "
التفتت لمكان خروجها مادة شفتيها بعبوس وتحركت من هناك
خلفهما وخرجت من المطبخ ، نظرت للسلالم قليلا قبل أن تنظر
حولها ثم عدلت وشاحها الخفيف على شعرها وصعدت بخطوات
خافتة سريعة فالفضول يدفعها بقوة لرؤية ذاك الطابق والمكان
الذي ينام فيه ، وصلت للأعلى ووقفت مبهورة ففوق جمال الطابق
الذي يعيشون فيه هذا أفخم منه بكثير ، نظرت حولها بحسرة
ففي أحلامها ما كانت لتتوقع أن تدخل مكانا مشابها لهذا
فحتى منزل زوجها السابق لم يصل لنصف جمال هذا المنزل ،
تحركت من هناك بخطوات بطيئة تنظر لكل شيء حولها ، يبدو
أن هذا الطابق لا يختلف عن طابقهم مجهز للنوم والاستقبال
عكس ما ظنت سابقا أنه للنوم فقط ! وصلت عند أول باب صادفها
ولم تتردد أبدا في مد يدها لمقبضه وفتحه فوقفت لبرهة تنظر
للمكان باستغراب ، ضنت أنه سيكون مقسما لأجنحة لكن هذه
غرفة نوم ويبدوا أنها غرفته !! اشتدت أناملها على المقبض
لا شعوريا وهي تنظر لتلك الغرفة .. إنها لا تشبه ولا غرفهم
في الأسفل رغم جمال وروعة تلك ! هذه ليست غرفة رجل
عازب عازف عن الزواج أبدا !! الأقمشة التي دمجت اللون
الأحمر والزهري مع أرضية واسعة باللون السكري ! الستائر
الناعمة من الشيفون الأحمر والزهري والقماش الذهبي السميك ..
ورق الجدران المذهب والمفعم بنقوش حمراء غامقة كخلفية
لذاك السرير الواسع وشاشة تلفاز مسطحة واسعة في الجهة
المقابلة له ! لم تكن مساحة الغرفة كبيرة لكنها أروع ما رأت
عيناها يطرب لها قلب أي أنثى حالمة فحتى السقف فوق ذاك
السرير مضاء بالرغم من تلك الثريا الذهبية المتدلية منه ...
هل يفكر عمير في الزواج حقا ! هل عزف عنه كل هذه الأعوام
ليس لأنه كرهه وكره النساء وينتظر فقط الفرصة المواتية مهما
طالت الأعوام ؟ ابتسمت بنشوة وتقدمت نحو الداخل تنظر حولها
فكان ثمة باب مغلق خمنت فورا بأنه سيكون حماما وثمة باب آخر
أيضا يفتح على الغرفة سيكون غرفة ملابس بالتأكيد فهي لم
تجد خزانات هنا .
تقدمت نحو الطاولة الزجاجية بأذرعها الذهبية قد فرشت
بمفرش أحمر بسيط ومميز رصعت نقوشه بالخرز والعقيق
فكان مع تلك الطاولة والكرسيان حولها بوسائدهم الحمراء
والسجادة الدائرية الحمراء أيضا قطعة فنية مكملة لجمال المكان ،
رفعت الجريدة الموضوعة فوق الطاولة والتي كانت الدليل
الوحيد على عيش أحدهم في هذه الغرفة فلازال كما كان في
الماضي رجل مرتب في كل شيء حتى في أدق التفاصيل ،
نظرت غاضنة جبينها لصورة المرأة في المقال الذي ترك الجريدة
مفتوحة عليه وكانت بحجاب بني شابه لون حدقتيها الواسعة تماما
تلفه بأناقة وتميز تقف أمام طاولة صغيرة ومرتفعة ومايكرفون
أسود رقيق متبث عليها ويبدوا أنها فوق منصة ما ! ملامح
بسيطة لكنها جذابة بل ملفتة للنظر فالابتسامة التي كان يفتر
عنها ثغرها المتناسق كانت تضاهي تلك العينان الواسعة جمالا
مما يجعلك لا تتوقف عن النظر لها ، شعرت بنغزة غيرة لم
تفهم سببها لكنها تضايقت فعلا من تركه لهذه الصفحة تحديدا ،
رفعت نظرها لعنوان المقالة الأسود العريض
( حفل جمعية الغسق والمزيد من المفاجأات )
عقدت حاجبيها باستغراب ونزلت بنظرها لأسطر تلك المقالة
علها تفهم أكثر وقرأتها بتأني
( اعلان خبر طلاق السيدة جليلة يونس من ابن الزعيم الراحل
رماح شراع صنوان كان من الأخبار التي هزت ذاك الحفل وبقوة
وهي تتحدث عن الأمر علانية متجاهلة نظرات الصدمة والاستنكار
تصرح وبكل شجاعة بأن رماح شراع يستحق امرأة أفضل منها
وأنها من خسرته في هذا الطلاق ولم تهتم ولا بنظرات الاستهجان
ورأي الشارع في تخليها هي عنه بسبب وضعه الجديد ... )
رمت الجريدة على الطاولة متمتمة ببرود
" معها حق فستكون حمقاء إن هي أفنت حياتها مع رجل مقعد "
انتفض جسدها بقوة والتفتت دون شعور منها حين انفتح باب
الحمام وشهقت بصدمة وهي تنظر للواقف أمامه لا يستر جسده
سوى المنشفة الملتفة حول خصره ينظر لها بصدمة لم يستطع
تخطيها بسهولة أيضا فأولته ظهرها سريعا تشعر بأنه يكاد يغمى
عليها من الإحراج وتلعثمت قائلة
" آسفة أققسم ما كنت أعلم أنك هنا ، كنننت أتفقد الغرفة لأخذ
ثيابك المتسخة وظننتك مغادرا منذ وقت "
أنهت جملتها تلك وأمسكت فمها بيدها فكيف نسيت أن اليوم جمعة ؟
وصلها همسه فورا
" لا بأس "
ثم صوت إغلاقه للباب مجددا فتحركت خارجة من هناك تشعر
بقلبها سيقع من مكانه وكأنها عذراء لم يسبق لها أن رأت ذاك
المشهد .. ! لا بالتأكيد فما كانت تراه لا يشبه هذا أبدا ، فلا أكتاف
وعضلات صدر زوجها السابق كهذه ولا ذاك البطن المسطح وهو
كرشه أكبر ما في جسده فكم كان يشعرها بالنفور منه وكم ألحت
عليه ليدخل النوادي الرياضية ويتبع حمية غذائية وإن لمدة قصيرة
لكنه كان يرفض باستمرار حتى يئست من تغييره ولولا طول
جسده لكان ككرة السلة بسبب ذاك الكرش فشتان بينهما بالتأكيد .
همست مستغفرة الله وهي تنزل السلالم تهف بطرف وشاحها
على وجهها وما أن وصلت للأسفل ودارت حول السلالم سالكة
ممر غرفهم تقابلت بابنها خارج من غرفته منتفخ العينين شعره
غير مرتب لاستيقاظه للتو وقد قال ما أن رآها
" اليوم الجمعة متى سيأتي والدي لأخذنا لنقضي الأسبوع لديه ؟ "
أمسكته من أذنه وسحبته جهة غرفته متجاهلة صرخته المتألمة
قائلة بحدة
" نفخت لي رأسي بالسؤال عنه طوال الأسبوع وقلنا الجمعة
يأتي لأخذكما وليس من نومك نأخذك إليه "
*
*
*
نزع أحد المفاتيح من علاقة مفاتيحه الشبابية الأنيقة ورماه
عبر الطاولة للجالس أمامه وسط ذاك المطعم الراقي الهادئ
بإنارته الخفيفة المميزة وقال ما أن التقطه ذاك
" تذكر فقط أني أعطيتها لك دون أن أسألك ماذا ستفعل بها "
شد هازار قبضته على المفتاح الذي التقطه في الهواء قائلا بضحكة "
كل ذاك التحقيق المطول ولم تسأل ! كدت تجردني من ثيابي لتفتش
إن كنت أخفي تحتها شيئا يا رجل "
شبك رواح أصابعه خلف رأسه متكئا به على راحتيه للخلف وقال
ناظرا له بمكر وهو يخرج علاقة مفاتيحه الخاصة ليثبت
المفتاح فيها
" خشيت فقط أن يكون ثمة امرأة في الموضوع فلم يعد يمكن
للمرء أن يثق بكم يا رجال المهام الصعبة "
وختم جملته وهو يرمق الجالس على يمينه بطرف عينيه والذي
لم ينطق بحرف منذ جلسوا هناك رغم أنهم لم يدخلوا المطعم
إلا من لحظات ، نظر له باستغراب حين وجده يتكئ بذقنه
على ظهر أصابع يده المقبوضة التي تخفي حتى شفتيه خلفها
متكئ بمرفقيه على الطاولة بينما نظراته مركزة على شيء
ما بعيدا ينظر له بتركيز وجمود ولم يكن منتبها لا لما يقولانه
ولا لنظراته تلك له ، نقل رواح نظراته المستغربة منه للجهة
التي كان ينظر لها ورفع حاجبيه بدهشة مبتسما ما أن وقع نظره
على الجالسات عند الطاولة في الزاوية هناك ، كانت اثنتان
منهما متقابلتان لا يظهر له إلا نصف وجه كل واحدة منهما
تتبادلان هواتفهما كما الأحاديث والضحكات عما يريان بعضهما
إياه بينما الثالثة تجلس في مواجهة طاولتهم تتكئ بجبينها على
راحة يدها قد تخللت أصابعها البيضاء الرقيقة خصلات غرتها
وشعرها البني الناعم تمسك بيدها الأخرى ملعقة صغيرة تضع
بها السكر في كوب قهوة أمامها وتحرك دون توقف تبدوا غير
مهتمة بما تتحدثان عنه بل ومزاجها سيء أيضا من طريقة
تحريكها للملعقة ، كما يبدوا أنه لم تنتبه أي واحدة منهن لوجودهم .
عاد بنظره له وكان على حالته تلك ينظر لتلك المسافرة مع همومها
وكأنه يريد اختراقها أو إحراقها نهائيا فضحك بصمت ونظر للجالس
أمامه والذي كان يدس مفاتيحه في جيبه .. غمز له مبتسما وأشار
بنظراته فقط جهة الجالس معهما ثم لتلك الجهة فنظر هازار هناك
فورا قبل أن ينظر له وانفجر ضاحكا ما أن وقع نظره على عيني
رواح فاستوى الجالس معهما في جلسته ينقل نظراته الباردة بينهما
فهف رواح بيده أمام وجهه قائلا بضحكة مكتومة
" الجو حار هنا أو يبدو أنه ثمة شيء ما يحترق "
فعاد هازار للضحك مجددا لحظة أن وقف تيم وأخرج محفظته
من جيبه وأخرج منها نقودا رماها على الطاولة وقال ببرود مغادرا
" هذا ثمن ما ستأكلانه "
وغادر بخطوات واسعة ثابتة يعيد محفظته لجيبه دون أن يلتفت
وراءه أبدا ، عاد رواح بنظره للجالس أمامه ما أن غادر ذاك باب
المطعم لأنه كان ملتفتا يتبعه بنظراته وقد قال هازار باستغراب
" مابه ؟ أليس هو من طلب أن نخرج معا في بادرة اولى ونادرة
في حياته وترك لنا حرية اختيار المكان وأن يدفع هو ثمن
ما سنطلبه ! "
رفع رواح النقود التي تركها لهم يعدها بالورقة وقال مبتسما بسخرية
" ألم تفهم السبب يا أحمق ؟ اقسم أني اشفق على حال تلك الفتاة
المسكينة معه "
نظر حينها هازار جهة تلك الطاولة مجددا وضحك فور أن اكتشف
هويتها فهي كانت هذه المرة تشرب من كوب القهوة فلم ينتبه سابقا
للجالستان معها وظن أن رواح كان يقصد بأنه ينظر لطاولة فتيات
مجهولات الهوية فقط فتلك الطباع لا تعرف عن تيم أبدا فهو أول
رجل يراه في حياته لا تلفت انتباهه ولا امرأة تعبر أمامه بملابس
السباحة ولا من باب الغريزة كرجل ولا حتى بطرف عينه ، نظر
لرواح مجددا حين دفع كرسيه واقفا وقال باستغراب
" ما بك هل ستلحق به أنت أيضا ؟ "
ضحك رواح وقال
" لا بالطبع فأنا لا يمكن لامرأة أن تطردني من مكان بل العكس "
وتابع غامزا جهة طاولتهم
" بل عليا تعكير مزاج إحداهن لأستمتع بطعام الغذاء أكثر "
حرك هازار رأسه بيأس منه بينما تحرك هو جهتهم يديه في
جيبي بنطلونه الجينز واجتاز العمود الخشبي المحاط بشجيرات
الزينة ليصبح حينها أمام طاولتهم مباشرة فانتبهن ثلاثتهن
لوجوده وبردود أفعال متفاوتة فبينما نظرت له كنانة بصدمة
وذعر من أن تضن الجالسة أمامها بأنها متفقة معه لجلبها إلى
هنا لأن المكان كان من اختيارها هي فقد نظرت له المقابلة له
من خلف الطاولة باستغراب من ظهوره فجأة كالمرة السابقة
ولن تتوقع إلا المزيد من الجنون من شخصية كشخصيته ، بينما
كانت نظرات الاشمئزاز والحنق من نصيب الشقراء التي كادت
أن تقتله بنظراتها تلك .. نظرة كفيلة بقتل أسد في ريعان شبابه
وقوته والتي كان يتجاهلها بكل برود كعادته وقد نظر للجالسة
يمينا قائلا
" مرحبا كنانة كيف أنتي ؟ "
فبلعت ريقها بصعوبة وقالت بابتسامة باردة
" عذرا من أنت ؟ "
لم يستطع إمساك نفسه عن الضحك وقال
" تنكرين ابن عمتك من أجل متحولة ستبيعك بسهولة ! "
نقلت ساندرين نظراتها الغاضبة منه للجالسة أمامها وقالت
بضيق غير مبالية لوجوده
" أنتي من أخبر هذا الدبور أننا هنا ؟ "
نظرت لها كنانة بصدمة ولوحت بيديها قائلة
" لا لست أنا أقسم لك "
ضحك رواح مجددا وقال ناظرا لها أيضا
" تخافين منها يا غبية ؟ أبعد ما تستطيع هذه الطفلة فعله
هو تغيير مظهرها كالحرباء "
وقفت حينها ساندرين على طولها ونظرت ناحيته قائلة بحدة
" اغرب من هنا فأنت غير مرحب بك "
نظر لها بصدمة مصطنعة وقال
" يا إلهي لم أكن أعلم بأن هذا المكان ملك لك ؟ "
حملت حقيبتها غاضبة لتغادر فقفزت كنانة واقفة لحظة أن وقفت
ماريه أيضا كي لا تذهب تلك المجنونة وتتركهما هنا لكن يد كنانة
كانت الأسبق لها وأمسكت بيدها بصعوبة من طرف الطاولة
المستديرة لأن حجمها لم يكن كبيرا جدا وقالت برجاء
" ساندي أنا لم أخبره بمكاننا اقسم لك "
نفضت يدها عنها وقالت تمسك خصرها بيديها
" من أخبره إذا ؟ "
قالت من فورها
" لست أعلم وها هو أمامك اسأليه "
نظرت له بكره فغمز لها وأشار بإبهامه جهة قلبه وقال يمسك ضحكته
" هذا يخبرني "
نظرت له بصدمة وحقد قبل أن تنقل نظراتها للتان كانتا تمسكان
ضحكتهما تحاولان إشغال نظراتهما بأي شيء ثم عادت بنظراتها
الغاضبة له والتي تجاهلها ككل مرة وقد نظر للتي تقف مقابلة له
خلف الطاولة قائلا بابتسامة
" مرحبا ماريه كيف أنتي ؟ "
نظرت له بصدمة تحولت للإحراج فورا وهمست
" بخير ... شكرا لك "
قال مبتسما
" لا يبدوا لي أنك كذلك أبدا ويمكنني تخمين السبب ، ورغم ذلك
أنا أهنئك حقا فقد أحدثت شقا صغيرا في حجر فرعوني عتيق "
نظرت له باستغراب وعدم فهم فقال ملوحا بكفه
" اتركينا من ذلك الآن ... مؤكد سيخبرك عمك عن الحفل المقام
في منزلنا مساء الغد وها أنا أدعوك بنفسي فلا تؤثر بك إحداهن
لأنها سترفض الذهاب بالتأكيد "
وختم جملته يرمق الواقفة يساره بطرف عينيه مبتسما والتي لازالت
ترميه بتلك النظرات الحارقة مكتفة ذراعيها لصدرها قبل أن ينقل نظره
لكنانة التي قالت مستغربة
" حفل ماذا ؟ "
قال مبتسما بسخرية
" لو أنك تزورين منزل عمتك باستمرار لعلمت يا قاطعة الأرحام "
وتابع ممررا أصابعه في شعره بغرور
" حفل من أجل ابنهم الذي نجح في أول مشروع لشركة الطيران
التي افتتحناها مؤخرا وسأستلم إدارتها ابتداء من الغد "
قالت بسعادة
" حقا !! مبارك لك "
قبل أن تموت ابتسامتها تلك ما أن نظرت للتي كانت ترمقها
بحدة فأخفضت كتفيها قائلة بسخط
" ساندي بربك لا تدخلاني في مشاكلكما فهو ابن عمتي وأنتي
صديقتي المقربة "
لم تعلق ساندرين لأنه ثمة من استلم ذلك عنها حين قال ناظرا
لكنانة ومبتسما
" حسنا أنا موافق ... وعليك الحظور أنتي أيضا فقد أبلغنا والدك
صباحا "
نظر بعدها لماريه وقال مبتسما
" وأنتي أيضا فها أنا أدعوك للمرة الثانية "
نظرت له بإحراج وهمست ترفع خصلات من غرتها خلف أذنها
" لست أعلم "
ضحك فورا وقال غامزا بعينه
" بل عليك المجيء ، ولا تخافي فذاك الكنعاني لم يحظر لنا حفلا
في حياته "
وتابع ملوحا بيده وهو يستدير مغادرا من هناك
" وحاولي إقناع قريبتك بالمجيء فسنوزع الهدايا في الحفل فلا
تأخذ هديتك منك فيما بعد "
وابتعد ضاحكا على نظرات ساندرين الغاضبة هامسة من بين أسنانها
" قذر ... "
بينما قالت كنانة بتوجس في محاولة لأن تلطف الجو قليلا
" رواح يحب المزاح كثيرا ولا يضايق إلا من يحبهم "
وانتفض جسدها حين نظرت لها تلك النظرة الكفيلة بإرسالها لمنزلها
جثة فقالت بتلعثم
" أ ... أقصد دعونا نجلس ونطلب الطعام "
نظرت ساندرين حولهم بضيق حتى وقع نظرها على الجالسان على
مسافة منهم خلف العمود وزمت شفتيها بحنق تنظر للذي يرفع كأس
العصير لها مبتسما فأشاحت بوجهها عنه فورا وقالت بضيق
" سنغادر لمطعم آخر أو للمنزل حالا "
رفعت كنانة حقيبتها متنهدة باستسلام قائلة
" لا بالطبع سنختار غيره وأمري لله فلن أجد شيئا في منزلنا
لآكله حين سأصل "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 69 others like this.
رد مع اقتباس
#4975
قديم 15-12-17, 07:34 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
نظرت له بعبوس ثم تكتفت وقالت ببرود
" خرجت بي منذ الصباح الباكر لنتنزه أم لتأخذني حيث تريد
أنت وتدخل بي لأماكن تجلب الكآبة ؟ "
ضحك وقرص خدها بقوة متجاهلا تألمها ومحاولة إبعاد يده قائلا
" هذا أول مكان أدخل له ، ثم نحن بالكاد اجتزنا أول شارع بعد
المنزل يا كاذبة "
وتابع وهو يدخل محل بيع الأدوات المدرسية والقرطاسية
" سأخرج بسرعة ... خمس دقائق فقط "
تنهدت بقلة حيلة ووقفت أمام الواجهة الزجاجية العريضة للمحل
تنظر لبطاقات المعايدة المصفوفة خلفه مباشرة قبل أن يلفت
انتباهها رف المجلات والجرائد الموضوع أمامه أو بالأحرى الخبر
الذي احتل أغلب أغلفتها
( مطر شاهين يعترف وعلانية بأن سبب هجرانه لزوجته قبل أكثر
من عشرة أعوام هو امرأة أخرى ... !! )
كانت صورته تحتل أغلب الصحف إن لم يكن جميعها وهو يعتلي
تلك المنصة والخبر ذاته وإن اختلفت الصيغ حتى أنه قلة من
عنونوا بما قدمه من دعم للجمعية وتغيير للقوانين ، حتى أن
بعضها افتخرت بعرض صورة تلك الزوجة ولأول مرة في تاريخ
البلاد ، وليس أي صورة بل مشهدها وهي ترفع نظراتها وعيناها
السوداء الواسعة الدامعة به وهو يلقي تلك الفاجعة على مسمع
ومرأى من الجميع ، وها هي الصحافة بدأت بنهش لحمها من
جديد وهي التي لم تأخذ فترة استراحة منهم أبدا ، ابتعدت من
هناك تشعر بحجم كآبتها يتضاعف مجددا واختارت الجلوس على
حافة الرصيف المرتفع قليلا تحضن ركبتيها تراقب حركة المارة
في الجانب الآخر من الطريق أمام المراكز التجارية التي تفتح
أبوابها للتو قبل أن تسرح بنظرها للأرض تحتها فقد أصر الكاسر
اليوم على أن يخرجا للتنزه معا ولم يترك والدتهما حتى وافقت
شرط أن لا يركبا الدراجة النارية وأن لا يبتعدا فبعد تلك المرة
التي أوشى بهما الحراس فيها وبأنه كان يتخطى السرعة المسموح
بها في الطرقات حرمتها من ركوبها معه مجددا ومن أن يركبها
هو لشهر كامل كعقاب له فهي تعلم بأن حرمانه منها لأسبوع واحد
فقط يساوي لديه عاما كاملا ، لذلك اختار أن يتنزها على الأقدام
وهي لم ترفض ذلك أبدا فأجواء ذاك المنزل اليوم وإن تجنب كل
واحد منهم عند الفطور الحديث عما حدث بالأمس إلا أنها كانت
مشحونة بشكل متلف للأعصاب ولا شيء سوى النظرات الصامتة
التي تقاذفتها والكاسر تشعر بأنه ثمة أمر مريب حدث بين والدتها
وخالها رماح ويبدوا أن عمتهم على علم به أيضا وليست تعلم لما
تشعر بأنه ثمة شجار حاد دار بينهما قبل اجتماعهم على طاولة
الطعام لكنها لا تفهم ما يكون فيبدوا رماح مستاء للغاية !!
شعرت بالقدمان اللتان وقفتا قربها ولم ترفع رأسها له ولم تتحرك
من مكانها فجلس بجانبها يحمل في يده كيسا صغيرا ووصلها
صوته مازحا
" يبدوا اشتقت لأيام المدرسة الابتدائية والجلوس على الرصيف
منتصف الطريق "
ضمت ركبتيها أكثر وأرخت ذقنها على ذراعها هامسة
" الجو رائع اليوم "
قال مبتسما يحرك الكيس في يده
" أجل ففصل الربيع هنا هو الأجمل في البلاد بأكملها "
اتكأت بجانب وجهها على ذراعها ناظرة له وقالت
" يبدوا أنك تحب العمران كثيرا ؟ ماذا إن وجدت نفسك مضطرا
للرحيل منها يوما ما ؟ "
حرك كتفيه وقال ببساطة
" لا فرق عندي ... ولست أهتم حقا لذلك "
شقت ابتسامة طفيفة ملامحها الحزينة وقالت بتفاؤل
" تعني إن رحلت والدتي منها ستكون معها ؟ "
نظر لها وقال مبتسما
" تعني إن رجعت لوالدك ؟ "
أبعدت نظرها عنه فورا ونظرت لقدميها على الأرض وهمست
" لما تقول هذا ؟ أنا كنت أتحدث بشكل عام "
ضحك ضحكة صغيرة وقال
" كاذبة ... لم تكوني تسألي عن هذا سابقا فما ذكرك به الآن ؟ "
شدت ذراعيها حول ركبتيها وتمتمت بعبوس
" ذكرني به من لا يظهر إلا ليذكرني بالمأسي المخفية عني "
ساد الصمت من طرفه ولم يعلق فنظرت له فكان ينظر للبعيد
ويبدوا شارد الذهن وقد غاب مع أفكاره وحيدا فشعرت بتأنيب
الضمير فما كان عليها قول ذلك وجرح مشاعره .. لكنها كانت
تجرحها باستمرار سابقا وبقسوة ودون أن تعلم ، أبعدت نظرها
عنه تنظر حيث ينظر بعيدا للرجل الخارج من أحد المحلات التجارية
مع طفليه متوجهين لسيارتهم وهمست بحزن
" كنت أنانية دائما ولم أفكر سوى بنفسي فأنتم تحتاجون لها أكثر
مني وهي يبدوا تحتاجكم أكثر منا "
ومسحت دمعة تسربت من رموشها فحضن كتفيها بذراعه وقبل
رأسها قائلا
" تفكيرك خاطئ يا طفلة فهي لا تحتاجنا كما تحتاجكما أبدا ،
رماح سيجري العملية يوما ما بالتأكيد ويتزوج وكذلك رعد أما
عمتي فيمكنها العيش مع أي منهما لكن والدتك لن تجد السعادة
إلا معكما صدقيني "
نامت في حضنه وهمست ببحة بكاء
" وماذا عنك أنت ؟ فأنت لن تتزوج ولن يكون وجود أي منهم
في حياتك كوجودها وهي تعلم ذلك جيدا "
ضمها له أكثر قائلا
" وأنا سأسافر من أجل دراستي يوما ثم سأتزوج بالطبع كغيري
ونهاية الأمر ستبقى هي وحيدة بلا عائلة ولا أبناء آخرين ولا زوج
يحبها ويحتويها "
وتبدلت نبرته للحزن وهو يتابع
" لا انكر أنها تعني لي كل ما يربطني بهذه الحياة فهي والداي
اللذان لم أراهما يوما .. كبرت على يديها وكان كل واحد منا
طوق نجاة للآخر من وحدته وضياعه وهمومه ولست أتخيل أن
يمضي يوم دون أن أراها فيه لكني أيضا لن أسمح لنفسي أن
أسعد على حسابها وأن أسلب سعادتها لألون بها عالمي فوالدتك
عاشت حزينة مكسورة ومذبوحة من الوريد حتى الوريد طيلة
تلك الأعوام وإن كابرت وأخفت ذلك ولن أشعر أبدا بالراحة وهي
تعيسة وسعادتها بعيدا عني "
مسحت دموعها بظهر كفها وهمست ببحة
" يمكنك أيضا أن تكون معها حيث ستكون لأنها مؤكد لن ترضى
بغير ذلك "
ابتسم كعادته لا يظهر ولا ألمه المدفون وهو يقول بضحكة
" ألسنا نتحدث في أمر سابق لأوانه ياعدوة الفرح فها هو والدك
من يغلق السبل بينهما ... يا له من أحمق لقد بدأت أفقد إعجابي به "
ابتعدت عنه وقالت بضيق
" هييه لا تنعت والدي بالأحمق "
دفعها من جبينها بإصبعه قائلا بتملق
" وهو والدي أيضا أم نسيت هذا ؟ "
ابتسمت من بين ضيقها وكأنها اكتشفت شيئا عظيما للتو وقالت
بسعادة
" أجل كيف نسيت ذلك ! فبما أنها أرضعتك وهو زوجها فهو
والدك أيضا "
ضحك وشد سبابتها بإبهامه وضرب بطرفه جبينها بقوة آلمتها قائلا
" يا له من اكتشاف عظيم سمو الأميرة تيما "
دفعته وضربت رأسه بيدها قائلة بضيق
" أجل وستعيش معه رغما عنك فمن هذا الذي يرفض أن يكون
له والدان ؟ "
ساد الصمت بينهما فجأة وقد انتبها حينها فقط بأنه ثمة من يقف
وراءهما مباشرة فوقفت أولا التي حركت حواسها رائحة ذاك العطر
الرجالي المميز تنظر بصدمة وارتباك للواقف أعلى الرصيف يديه
في جيبي بنطلونه الجينز ترتفع سترته قليلا خلفهما ينظر لعينيها
بصمت ووقف الكاسر حينها ومد يده له قائلا بابتسامة
" مرحبا ... لم تتح لنا الفرصة بالأمس لنتعارف "
مد يده وصافحه قائلا بابتسامة مماثلة
" مرحبا بالكاسر ... كيف أنت ؟ "
ضحك ممررا أصابعه في شعره وقال يرمق الواقفة بجانبه
بطرف عينه
" أنا بخير حاليا لكن لن يدوم الأمر طبعا إن لم تبتعد قريبتك
عن حياتي "
وكزته بمرفقها ورمقته بحنق قبل أن تنظر للواقف أمامهما
قائلة بإحراج
" لم أكن أعلم أنك لم تغادر العمران ! "
قال بابتسامة جانبية
" بلى غادرت عصر الأمس لحوران "
نظرت له بصدمة بينما نقل الكاسر نظره بينهما مستغربا وقال
ما أن استقر نظره عليه
" ولما غادرت بالأمس إن كنت سترجع اليوم باكرا !
إنها ست ساعات ذهابا وإيابا !! "
رفع كتفيه مبتسما بمكر يرمق الواقفة بجانبه وقال
" كنت أتحدث مع أحدهم البارحة وأغلق الخط بل وهاتفه أيضا
ولم يشفق عليا بفتحه طوال الليل لأعلم ما أصابه "
نظر له الكاسر بصدمة رافعا حاجبيه قبل أن ينظر للواقفة بجانبه
ويمسك بها وهي تنظر للواقف أمامهما فوق الرصيف بتهديد
تعض شفتها السفلى فوكزها بمرفقه لقربها الشديد منه فكتمت
تنفسها من الإحراج متجنبة النظر له .. البائس الأحمق ها قد
انتقم منها بالفعل ، أخرج الكاسر هاتفه من جيبه مبتسما وقال
رافعا له
" يبدوا أنه عليا إجراء مكالمة ما "
وابتعد عنهما سريعا ونظرها يتبعه قبل أن تنظر للواقف أمامها
بعبوس فتكتف قائلا بابتسامة جانبية
" من منا سيلقي باللوم على الآخر فيما حدث ؟ "
عضت طرف لسانها في حركة طفولية وقالت محرجة
" آسفة الخطأ كان مني فعلا فهاتفي سقط على الأرض وانفصلت
البطارية عنه ولم أنتبه له إلا صباحا لأني نمت دون أن أشعر "
لاذ بالصمت ولم يعلق وقد علقت نظراته على ملامحها الفاتنة
طفولية القسمات في كل شيء حتى في طريقة حديثها وحركة
يديها وابتسامتها المحرجة ولا يفهم حقا معنى هذه المشاعر
المتضاربة التي تعبث به كلما كانت أمامه ، هربت من نظراته
للأرض وقالت تراقب حركة مقدمة حذائها على حافة الرصيف
" لم تخبرني ما هو الأمر الذي سيعجبني سماعه ؟ "
ورفعت نظرها به حين تقدم خطوة بسبب السيدتان اللتان عبرتا
الرصيف خلفه مفسحا لهما المجال وتراجعت هي خطوة للوراء
فقال مشيرا بإبهامه يسارا
" هل نسير معا ؟ "
نظرت له ببلاهة لبرهة قبل أن تستيقظ لنفسها ونقلت نظرها بينه
وبين الكاسر الواقف هناك هاتفه على أذنه موليا ظهره لهما
وتمتمت بتوتر وببعض التردد
" أ... اممم ... لكن الكاسر ... وهو إن عاد من دو.... "
قاطعها متراجعا خطوة للوراء ورافعا كفه
" لا بأس أفهم قصدك وآسف حقا "
وما أن كان سيستدير مغادرا قالت موقفة إياه
" انتظر يا أحمق "
وتحركت جهة الكاسر قائلة بضيق
" أنت لا حلول وسط لديك أبدا "
راقبها مبتسما وهي تتحرك جهة شقيقها .. كانت تلبس تنورة
جينز وقميص حريري قصير بأكمام مفتوحة تزين بعض الفصوص
حوافها وحجاب ناعم بلون عينيها تتحرك في تلك الملابس كالحورية
الصغيرة تأسر الناظر لها حتى في خطواتها فهل كانت تتخيل أن
يغادر هكذا ببساطة ؟ فمثلما ما كانت هي لترده خائبا وقد قطع
كل هذه المسافة ليطمئن عليها ما كان ليضيع هو فرصة وجودها
خارج أسوار منزل والدتها وكان سيبحث عن حلول وسطى بالتأكيد .
بينما وصلت هي للواقف هناك وعقدت حاجبيها باستغراب تسمع
حديثه الذي يفترض أنه مع شخص ما في الطرف الآخر
" الحمقاء المنحلة ستجعلني سخرية للمارة وسأريها فيما بعد "
ابتسمت تمسك ضحكتها وسحبت الهاتف من يده فالتفت لها فورا
عاقدا حاجبيه ونظرت هي لشاشة الهاتف وضحكت فسحبه منها
قائلا بضيق
" وقحة ... هل انتهى الموعد الغرامي سريعا هكذا ؟ كنتما
جلستما قليلا "
ضحكت مجددا وقالت بصوت منخفض
" ما رأيك لو تسبقني للمنزل "
انفتحت عيناه على اتساعها وقال
" انظروا للوقحة وتقولها علانية أيضا ودون خجل !! "
لكمته في كتفه وقالت محرجة
" لا يأخذك خيالك بعيدا فثمة ما سنتحدث فيه ويبدوا مهما ثم
هو قريبي إن نسيت "
أومأ برأسه قائلا بابتسامة جانبية
" آه أجل قريبك وموضوع مهم ؟ "
ثم غادر من حيث جاءا ملوحا بيده قائلا
" أخبريني فيما بعد عن هذا الموضوع المهم رجاء ؟ "
ابتسمت تراقبه مبتعدا ثم التفتت جهة الذي لازال يراقبهما من هناك
وسارت جهته متجنبة النظر له حتى وصلت عنده وقالت مبتسمة
تلمس شفتيها العليا بطرف سبابتها
" هل تشتري لي المثلجاث من عربة البائع هناك "
وأشارت له بسبابتها فابتسم ونظر حيث العربة الخضراء
المزينة على مسافة قريبة منهما وتحرك قائلا
" موافق "
فسارت بجانبه فورا قائلة بابتسامة
" رائع فالكاسر رفض مرارا أن ياخد لي منه متحججا بأنها عربة
جوالة وغير صحية "
حرك رأسه مبتسما فالكاسر المراهق رفض خوفا على صحتها
ووافق هو ما أن طلبت ذلك منه ! قال وقد وصلا لها
" إن أصابك شيء فلا علاقة لي بذلك "
وقفت أمام العربة تنظر للأحواض المغطاة بأغطية زجاجية
وقالت مبتسمة
" لا تخف لن أذكر اسمك أبدا "
قال العجوز الواقف خلفها ببشاشة
" أجمل أيسكريم هو ما يؤكل عند الصباح ...
فماذا ستختارين آنستي ؟ "
أشارت بإصبعها مبتسمة
" أريد الفراولة ... والفانيليا أيضا "
فتح الأحواض وقال مبتسما وهو يملأ لها الكوب الورقي الملون
" هل تعلمي بأن المرأة التي تحب أيسكريم الفراولة هي الرقيقة
دائما أما الفانيليا فهي التي تحب إسعاد من حولها ؟ "
نظرت للواقف بجانبها مبتسمة وكان ينظر لها بدوره راسما
ملامح هادئة على وجهه ثم عادت بنظرها للذي مد لها بكوب
الآيسكريم بعدما رش على سطحه الكثير من المكسرات وغرس
فيه ملعقة بلاستيكيه وقالت مبتسمة وهي تأخذه منه
" أكره نكهة الشيكولا والليمون أيضا "
قال ضاحكا وهو يمد لها منديلا ورقيا
" توقعت ذلك فذاك النوع هم المسيطرات وحادات الطباع "
ضحكت وشكرته هامسة فأخرج الواقف بجانبها نقودا من جيبه قائلا
" كم حسابك ؟ "
دفع له النقود وتحرك من هناك فلحقت به قائلة
" لم تأخذ واحدا لنفسك ؟ "
ولم تترك له مجالا ليجيب أو يعلق وهي تعود أدراجها وقد أخذت
ملعقة أخرى من البائع وعادت ناحيته وغرستها في الآيسكريم قائلة
" سنأكله معا فأنا أساسا لا يمكنني أكل كل هذا لوحدي "
قال وهما يبتعدان قليلا
" لو انتظرت قليلا لأخبرتك بأني لا أريد "
رفعت الكوب بينهما قائلة بإصرار
" وأنا لن آكل إن لم تأكل أنت ، أم أن هدنتنا صورية فقط ؟ "
تنهد مستسلما ورفع الملعقة وأكل ما فيها فأكلت ما في ملعتقها
متلذذة وقالت
" أم أنك تضن أن الأطفال فقط من يأكلون هذا ؟ "
خرجت منه ضحكة عميقة مكتومة وقصيرة وقال
" لو كان كذلك لكانت ردة فعلك مختلفة بالتأكيد "
ضحكت وغرفت من الأيسكريم مجددا قائلة
" أنت لا تنسى أبدا ، ثم هذا ليس كحلوى الدب تلك ولا يتناوله
الأطفال فقط "
نظرت بعدها لوجهه وقالت
" كم عمرك أنت ؟ "
نظر لها لبرهة ثم نظر لنهاية الشارع بعيدا حيث يتوجهان بخطوات
بطيئة وقال مبتسما
" ولما هذا السؤال ؟ "
رفعت كتفيها وقالت مبتسمة
" لا لشيء فقط مجرد سؤال ويمكنك أن لا تجيب عليه "
نظر لوجهها مجددا وقال
" أنا في السادسة والثلاثون "
ابتسمت من فورها قائلة
" لست كبيرا .. "
عاد بنظره للشارع وقال بابتسامة ساخرة
" أبلغ الأربعين مثلا لتريني كبيرا ؟ "
ضحكت وقالت تأكل من الأيسكريم
" ليس ذلك أقصد فرجال الحالك لا يمكن تقدير أعمارهم أبدا
وبشهادة الجميع ، ثم والدي كان في مثل عمرك حين تزوج بوالدتي "
نظر لها وقال
" وكم كان عمرها هي ؟ "
أخرجت الملعقة من فمها وقالت بتفكير
" في التاسعة عشرة أعتقد "
قال من فوره
" معلوماتك خاطئة فهما تزوجا وهو في الخامسة والعشرين بينما
كانت هي في العاشرة "
تأوهت قائلة
" لا هكذا سيظهر كبيرا جدا أمامها حين تزوجا ، ثم ذاك الزواج
كان صوريا فقط وقتها بل وسريا أيضا "
قال بعد صمت لحظة
" وما رأيك أنتي في فارق السن بين الزوجين ؟ "
حاولت إخفاء ارتباكها من سؤاله وقالت تنظر لمفترق الطرق الذي
وصلاه نهاية الشارع
" لم أفكر في ذلك من قبل "
ظنت أنهما سعبران الشارع لكنه فاجأها بأن وقف مسندا يده
بعمود الإنارة مقابلا لها وقال ناظرا لعينيها
" حقا لست تهتمي بأن يزوجك والدك بمن يكبرك بكثير ؟ "
عضت باطن شفتها ونظرت للكوب في يدها ولجزئها الذي أكلت
أغلبه بينما لم يأكل هو إلا القليل منه وأشارت بملعقتها قائلة
" أنت لم تأكل ! "
وصلها صوته مباشرة
" أعتبر نفسي أكلت كثيرا فهذه المرة الأولى التي أتذوقه فيها "
نظرت له بصدمة وقالت
" أول مرة تتذوقه ! "
حرك كتفيه قائلا
" لا أحبه ولم آكله يوما "
تأوهت من فورها ملوحة بيدها والملعقة ما تزال فيها وقالت
" لما أجبرت نفسك وأكلت إذا ؟ "
قال بابتسامة جانبية ناظرا لحدقتيها الزرقاء
" لأنك لن تأكلي إن لم آكل أم نسيت كلامك ؟ "
نظرت للكوب في يدها وشعرت بالدماء تلون خديها وقالت محرجة
" حسنا كيف وجدته "
قال بضحكة صغيرة
" سيء للغاية "
ضحكت ولم تعلق وعادت للأكل منه مجددا وكادت تغص
بالأيسكريم حين وصلها صوته قائلا
" حقا ستوافقين على الزواج ممن سيختاره والدك
وكان من يكون ؟ "
رفعت نظرها المصدوم لعينيه ولملامحه الرجولية الجذابة التي
اكتساها الجمود فجأة وعلقت نظراتهما بطريقة أربكتها كما
أخافتها نظرته تلك كثيرا وكانت تشعر وكأنه يبحث عن الجواب
في عينيها قبل كلماتها فهربت بهما منه لكوبها مجددا وهمست
" أجل "
علمت من حركت أصابع يده التي قبضها بقوة ثم وبسرعة خاطفة
فكهم مجددا بأن جوابها لم يرق له وشعرت بأن الجو بات مشحونا
جدا بينهما وليست تفهم كيف ولما لكنها استشعرت تلك الهالة
الغامضة التي أحاطت به ورفعت نظراتها المصدومة به حين
قال ببرود
" أيعجبك أن تكوني ضعيفة شخصية هكذا ؟ "
كان ينظر جانبا حيث حركة السيارات على الطريق مشيحا بوجهه
عنها وكأنه يهرب من النظر لما خلفه من ألم في ضحيته فقربت
حاجبيها الرقيقان تنظر له بأسى وهمست بعدم استيعاب
" ضعيفة شخصية ! "
تمنى الجزء الحالم فيها أن تكون أخطأت في سماع ما قال
أو أنه من أخطأ في قول ذلك وسيبدل كلامه وموقفه الآن لكن
شيئا من ذلك لم يحدث بل ولم يكتفي بذلك فقط وقد نظر لها
مجددا وقال بقسوة
" أجل وأرى الجميع يسيرونك وترضخين وإن كان في الأمر هلاكك "
شعرت بغصة في حلقها وامتلأت عيناها بالدموع وقالت بحنق
" ضننت أننا فعلا بدأنا ننسى ما حدث سابقا لكنك أبدا لم تفعل "
وما أن أنهت جملتها تلك أولته ظهرها وغادرت من هناك قائلة بضيق
" شكرا على المثلجات رغم أني لا أستحقها بكل تأكيد "
وتابعت طريقها بخطوات سريعة غاضبة تحاول أن لا تبكي كي
لا تمسح تلك الدموع ويعلم بها فهي لم تسمع خطواته يتبعها
وليست تعلم حتى إن كان ما يزال واقفا هناك أم غادر .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 73 others like this.
رد مع اقتباس
#4976
قديم 15-12-17, 07:37 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
كتفت ذراعيها لصدرها وأشاحت بوجهها جانبا فقال الجالس في
كرسيه أمامها وبضيق
" غسق لم أعرفك سابقا صاحبة قرارات طائشة متهورة ! "
تمتمت ببرود ولم تنظر ناحيته
" ها قد علمت "
شد قبضة يده التي كان يريحها على مقبض الكرسي وقال بضيق
أشد من سابقه
" اقسم أنك جننت ! ما هذا العقل الذي تفكرين به يا غسق ؟
ابنتك ما كانت لتفكر بطريقتك هذه لتفعليها أنتي ! "
فكت ذراعيها ونظرت له وقالت بضيق مماثل
" فليعتبره الجميع ما أراد لكنه قراري ولن أتراجع عنه وأعتقد
أننا تحدثنا عن هذا سابقا وبما فيه الكفاية "
كان سيتحدث والغضب هذه المرة قد اكتسى ملامحه لولا أوقفه
باب المنزل وقد انفتح لحظتها ودخل منه الذي اتصل به منذ
ساعة تقريبا وطلب منه أن يقطع طريق رحلته جهة الجنوب
ويمر بالعمران أولا ليرى معه حلا لهذه العنيدة قبل أن تنفذ
جنونها الذي تفكر فيه ، اقترب رعد منهما ونظره على رماح
مستغربا ملامحه الغاضبة المشدودة قائلا
" ما بكما ؟ "
نظرت غسق لرماح وقالت بضيق قبل أن يتحدث
" لما طلبت منه المجيء ؟ "
نظر لها وقال بحدة
" ليوقف جنونك طبعا فهو على الأقل بساقيه ويمكنه رميك من
أعلى طابق في جمعيتك لتستفيقي لنفسك "
وتابع وقد نقل نظره لرعد غير مبال بنظرتها الغاضبة قائلا
بضيق ومشيرا لها
" تعالى وانظر ما تريد شقيقتك فعله ، قررت تسليم إدارة الجمعية
بل وجميع ما يخص هذه المدينة .. لا بل وتسعى الآن لتحويل
ملكية أراضيها وعـقـاراتها جميعها للدولة ... أي استقالت بالعامية "
نظر لها رعد بصدمة وهي تشيح بنظرها عنهما كليهما ترسم
على وجهها ملامح جامدة خالية من أي تعبير فتحرك نحوها
وأمسك بذراعها وأدارها ناحيته جيدا وقال
" صحيح هذا يا غسق ؟ "
لم تجبه ولم تنظر له ليس بسببها بل لأن رماح لم يترك لها
الفرصة وهو يجيبه نيابة عنها وبضيق وحنق
" بلى وناقشت مع نائبتيها ذلك بالأمس ولولا رسالة جليلة لي
والتي لم أراها سوى فجر اليوم ما علمنا بذلك حتى قرأناه في
الصحف كغيرنا "
رفع يديه ثم قبضهما وأنزلهما وكأنه لم يعد يعرف ما يفعل كرد
فعل على صدمته تلك ثم قال بحدة
" لا أصدق يا غسق أن تتخلي عن الحلم الذي بنيتيه لأعوام في
لحظة هكذا وبسبب ماذا ... ؟ رجل !!! "
نظرت له وخرجت من صمتها قائلة بحدة مماثلة
" بل من أجل كرامة غسق وعزة نفس غسق ، وقسما لو علمت
منذ البداية بأنه الداعم الأساسي لنا ما أسستها من أساسه
ليأتي ويتبجح الآن بأنه صاحب الفضل وبأني فاشلة في عالم المال
وأن وجهي هو سلعتي "
تبادل ورماح نظرات مستغربة قبل أن ينظر لها قائلا بجدية
" أثبتي له عكس ذلك إذا ... حاربيه كما عرفناك قوية وعنيدة
فمن بنت كل هذا بأفكارها وحدها قبل أمواله لن تعجز عن إثبات
ذلك له "
أشاحت بوجهها عنه مجددا تشعر بأنه أصاب قلبها في مقتل
وهي تتذكر نتائج حفلهم بالأمس وقالت بسخرية تنطق مرارة
" وهذا ما فعلته لكني فشلت وبكل بساطة ، وبعد أن أصبحت
الدولة الداعم الأساسي لها فلا حاجة لهم بي وستقودها أي
عجوز من الشارع "
حرك رأسه بعدم تصديق هامسا
" اقسم لو علم ابن شاهين لكان أول من سيصفعك الآن فنحن
لا نستطيع فعلها "
نظرت له وقالت بغضب
" لم يبقى له شيء سوى أن يمد يده علي لأكسرها له وبقانونه
الجديد الذي يتبجح به ، ثم هو يعلم إن كان هذا ما ستفكر في فعله
ما أن تخرج من هنا .. بل وموافق عليه أيضا "
رفع حاجبيه بصدمة وقال
" موافق !! "
شدت قبضتيها بجانب جسدها وقالت بجمود
" أجل وطلب أن يجتمعوا لترشيح من تأخذ مكاني "
قال رماح باستغراب
" من أخبره ! "
نظرت له وقالت بسخرية
" التي أخبرتك طبعا .. هل يوجد غيرها ؟ "
قال من فوره وبضيق
" معها حق تفعل كل ذلك وأكثر لتعذلك عن قرارك المجنون هذا "
قال رعد الذي يبدوا بأنه أفاق من صدمته لكلامها الأخير للتو
" وتوافقين أن يرحب هكذا بالفكرة ! تستسلمين أمامه
وبكل بساطة ! "
لوحت بيدها قائلة بحدة
" لا يعنيني ما يفكر فيه وما يريده ، مكان بنيته وأفنيت عمري
في تأسيسه ولم يكن سوى أكذوبة فليس يعنيني أبدا ولست
أتشرف بأن أحمل اسمه ولا أن يحمل هو اسمي "
تبادلا النظرات الصامتة كل واحد منهما يعجز عن استيعاب
ما سمعه للتو فكلاهما يعلمان ما تعنيه تلك المدينة بأكملها لها
وكم سهرت وتعبت وعملت بجد لتوصلها لما هي عليه الآن !
كان بإمكان كل واحد منهما قراءة الصدمة والانكسار في عينيها
السوداء الواسعة مهما أخفت ذلك فكلاهما يدرك بأن ما مرت به
في حفل الأمس لم يكن بالأمر الهين أبدا فإن كانت البلاد لم تتخطى
صدمتها بتصريحاته بعد فكيف بها هي ؟ لكنها كالعادة تتمسك بالصبر
والصمود تمسك الجسد بالحياة وهذه هي غسق التي أعادها لهم
ابن شاهين قبل رحيله لم يروا ولا دموعها من أعوام طويلة
إلى يوم رجوع رماح وهي تترك لها العنان وأمامهم فجأة فحتى
خبر وفاة والدهم تلقته بجمود عجزوا جميعهم عن تفسيره سوى
بتحولها لمومياء محنطة كان ينتظر كل واحد منهم أن تنهار للأرض
في أي لحظة لكنها خانت توقعاتهم جميعا وتلقت الخبر الذي كانت
هي تجزم بأن يكون سبب موتها إن وصلها يوما ما وكأنها قتلت
مشاعرها وللأبد ناحية أي شيء وأي شخص أو أن ما حدث تلك
الليلة وسرا عنها حتى هي كان السبب !!
كسر رعد ذاك الجو المشحون قائلا بهدوء
" غسق لا تتهوري باتخاذ قرار لن يفيد الندم عليه لاحقا "
" لن أندم مطلقا "
قالتها مباشرة وبكل تصميم وعناد يعرفانه جيدا قبلها وبأنها
لن تتراجع عنه ومهما حدث فلن يشعر أحد بما تشعر به
ويدمرها تماما ، لن يعلموا معنى أن تبني صرحا عظيما
لأعوام وأعوام ثم تكتشف بأنك لم تكن سوى واجهة مزخرفة
له وصورة وقشور واهية ، أن يصفق لك الجميع وأنت تنظر
لهم بكل فخر ثم تكتشف بأنهم لا يصفقون لك أنت بل للواقف
ورائك .. ! فلا أبشع من الحقيقة القاسية سوى لاعتراف بها
وليس أقسى من البشاعة الخفية سوى اكتشافها متأخرا .
علت أنفاسها القوية تدريجيا مما جعل التوجس يسكن قلبيهما
معا من أن ينفجر البركان الخامد ولأعوام تلك اللحظة لكنها
همست بعزم مهما أنهكته الفواجع المكبوتة
" لكن غسق شراع لن تنتهي كما يتخيل وستبني نفسها من جديد "
لم يعلق أي منهما على ما قالت لأن تلك الطرقات المتتالية على
باب المنزل لم تعطي لأي منهم المجال لقول المزيد وهم يتبادلون
نظرات الاستغراب فمن هذا الذي سيدخل ويطرق الباب دون أن
يعلمهم الحراس بوصوله ! رعد هنا والكاسر وتيما يملكان المفتاح
وغير هؤلاء لن يدخل الحراس أحدا دون أن يأخذوا الإذن من أحد
أفراد تلك العائلة ! وغفلوا فجأة عن أنه ثمة من سيملك الصلاحية
المطلقة لفعلها ليدخل دون استئذان ولم يكتشفوا ذلك إلا حين
فتحت الخادمة الباب الذي عاد الواقف في الخارج للطرق عليه
وبإصرار وكشف حينها عن الواقف أمامه ببنطلون أسود وقميص
ناصع البياض وربطة عنق رمادية وبدون سترة ، أكمام قميصه
مثنية لمرفقيه كما أن زره العلوي مفتوح مرخيا ربطة العنق
قليلا يبدوا التعب على ملامحه رغم تمسكها بالجمود والحدة
وكأنه قاد سيارته لأميال طويلة بل وكأنه قضى الليل فيها ولم
ينم لثانية واحدة ، وقد زادت النظرة المتجهمة والحاجبان
المعقودان ملامحه قسوة ، نظر تحديدا وفورا لرعد المحدق
به باستغراب وهو من اتصل به منذ قليل وسأله فقط عن مكان
وجوده دون أن يذكر السبب أو أي أمر آخر ! خطا للداخل خطوتين
وقال ناظرا لعينيه تحديدا " أين الفتاة الثنانية يا رعد ؟ "
كانت الصدمة أول رد فعل له شاركه فيها رماح الذي لطالما شك
بأمر شقيقه وإن جهل هوية تلك المرأة بينما نظرات الحيرة
والاستغراب كانت من نصيب الواقفة بجانبه وهي ترمق رعد
وكأنها تراه للمرة الأولى !! .
اقترب منه مطر وشد ياقة سترته وقال صارخا به
" أين هي يا رعد تكلم ؟ "
همس والصدمة لم تفارقه بعد
" ما بها آستريا ؟ "
ليتضح الأمر حينها للواقفة قربه وقد تبدلت نظراتها للصدمة
تغطي شفتيها بأطراف أناملها فهذا الاسم تعرفه جيدا كما تعلم
هي والجالس على كرسيه في الجانب الآخر بأنه احتجز في
الماضي لدى تلك القبائل لفترة ليست بقليلة .
شده مطر أكثر ينظر لعينيه بغضب وهزه بعنف صارخا
" تكلم أين هي يا رعد واتركنا ننهي الموضوع بأقل الخسائر
يا رجل ولا تجر نفسك وقبائلك للهلاك "
أبعد يده عنه بعنف قائلا بحدة
" ليست معي ولست أفهم عما تتحدث يا مطر ! "
أمسكه من ياقته مجددا وقال بذات غضبه
" كيف يا ابن شراع وثمة من رآها تهرب معك ؟
لم أعرفك تتصرف بجنون سابقا ! "
أبعد يده مجددا وصرخ هو هذه المرة
" لو أردت فعلها ما انتظرت كل هذه الأعوام وحرمت نفسي
منها ومن النوم والراحة فعن أي جنون تتحدث ؟ "
لوح بيده قائلا بحدة
" ليلة أمس هو حفل زواجها "
همس الواقف أمامه بصدمة
" ز.. ز.. زواجها ! "
صرخ فيه مجددا
" أجل زواجها مكرهة بعدما افتضح أمركما ، لقد انطلقت إلى
هناك فور أن علمت بذلك لأوقف الأمر لكني وجدت تلك المدن
تغلي كالبركان بسبب هروب ابنة زعيمهم السابق وشقيقة الحالي
والشهود يتهمونك أنت .. وشقيقها ساجي يتوعد بهدر دمك في
أقرب وقت ورجال قبائلهم يطالبون بالحرب على صنوان ، هل ثمة
مجنون يفعلها في وضع البلاد الحالي يا رعد ؟ هل جننت ! "
صرخ نافضا يديه
" لست أعلم عما تتكلم يا مطر وكنت البارحة في حميراء وثمة
شهود على أني لم أغادرها إلا فجرا ولست أعلم عما تتحدث عنه "
صرخ فيه مطر من فوره
" أين هي إذا وكيف اختفت هكذا ولا أحد يمكنه الخروج من هناك
بسهولة ؟ ولما قال البعض أنهم رأوك ؟ "
صرخ من فوره
" كذب ... كاذبون "
أمسك بعدها برأسه وقال بضياع ناظرا لعينيه
" أين هي يا مطر ؟ أريد أن أفهم حالا "
تحركت الواقفة بجانبه وأمسكت بكم سترته جهة ذراعه وأدارته
جهتها وقالت بحدة
" أنا من تريد أن تفهم والآن حالا ما علاقتك بآستريا
وما حكايتكما ؟ "
نظر لها بضياع قبل أن يضرب صدره قائلا بحسرة
" هي ما أدفنه هنا من خمسة عشر عاما مضت ... ما أضعت عمري
من أجله وانتظرته دون يئس .. تضيع مني هكذا قبل أن أصل لها ! "
نظرت له بصدمة لم تستطع اجتيازها بسهولة وهمست ما أن
وجدت صوتها
" كنتما.... ؟ تعني .... ؟ "
مرر أصابعه في شعره شادا له للخلف وهمس بتشتت
" بلى تعاهدنا وليتنا لم نفعل "
خرجت حينها من صدمتها وهدوئها ومن كل ما حملته معنى كلمة
تعقل في قواميسها ولكمته بقبضتها في صدره صارخة
" سحقا لك من رجل يا رعد "
ولكمته الأخرى صارخة
" سحقا لكم جميعا ألا تكتفون من قتل النساء ؟ ما هذا الذي
ستجنونه من تعذيبهن لأعوام ؟ "
أشارت بعدها جهة رماح ونظراتها الغاضبة لازالت على عيني
الواقف أمامها وقالت بحدة
" تلقي باللوم عليه فيما فعل مع جهينة وأنت أسوأ منه ؟
من هذا الذي أخبركم أن قلب الأنثى لعبة في أيديكم ؟ أترونها
رجولة هذه وأنتم تشيعون جثمان الواحدة تلو الأخرى ؟ "
أنزل نظره للأرض ولم يعلق يشعر بأنه رمي في متاهة من الألم
لا نهاية لها فلكمت صدره مجددا صارخة
" لماذا فعلت ذلك إن لم تكن ندا له ؟ لما تعلقها لأعوام إن لم يكن
بإمكانك الإيفاء بالوعود ؟ لما تقترب منها أساسا إن كنت أجبن من
أن تكون رجلا يستطيع أخذها معه وإن للجحيم ؟ "
شد قبضتيه بقوة وكأنه يعتصر ألمه فيهما ولازال نظره للأرض
بينما أشاح الواقف خلفه بوجهه جانبا ممررا أصابع يده في شعره
وتنفس بضيق فهي تقصده معه لا محالة بل وثلاثتهم معا فلكل
واحد منهم حكاية مشابهة للآخر ، ولم يتأخر دوره كثيرا وهو
يواجه نظراتها الملتهبة وقد صرخت مشيرة له بسبابتها
" أنت سبب كل هذا "
نظر لها باستهجان بينما تحولت نظرات رعد ورماح المصدومة
له حين تابعت بذات صراخها الغاضب وكأنها تحرر ذاك الوحش
المدفون داخلها لأعوام
" بل وجميع ما أصاب عائلة شراع صنوان بسببك أنت .. بسببك
عشت بلا هوية وعائلة ودخلت أراضيك ودخل رعد هناك وبسببك
مات الكاسر ودون حتى أن أراه ، بسبب صلتك بوالدي الأعوام
الأخيرة قتل وبسببك حدث ما حدث لرماح ، بسببك فقدت ابنتي وحلمي
الذي بنيته بتعبي لأعوام ، حتى هجران جبران لنا جميعا بسببك أيضا
يا رجل العدالة "
" غسققق "
صرخة رماح تلك بها لم تؤثر بها شيئا بل ولم تخترق سمعها المشوش
بسبب تراكمات الماضي و ألم الحاضر حتى أنها انفصلت عن جميع ما
حولها عداه وقد لوحت بيدها صارخة فيه بعنف أكبر
" أنت من دمر عائلتي بأكملها ودمرني قبلهم فاخرج من حياتنا لأنك
لم تبقي شيء آخر تمارس غطرستك عليه ... أخرج الآن "
كان يقابل كل اتهاماتها وصراخها ذاك بالصمت التام محدقا بعينيها
بجمود دون أن يدافع عن نفسه ولا حتى أن يوقفها فأشارت للباب
الذي تركه مفتوحا بعد دخوله وصرخت بغضب
" واخرج من منزلي فورا "
لم يستطيعا الموجودان خلفها أن يخفيا آثار الصدمة على وجهيهما
بينما اكتفى الواقف أمامها بالصمت محدقا بعينيها الغاضبة حد الألم
قبل أن يستدير مغادرا بخطوات واسعة وثابتة حتى اجتاز الباب
الذي دخل منه منذ قليل ضاربا بابه خلفه وهي تلحقه إلى هناك
بخطوات غاضبة وكأنه ما يزال موجودا صارخة دون توقف
" اخرج من حياتنا ... اخرج ... اخرج "
حتى وصلت لذاك الباب المغلق وضربته براحة يدها صارخة ببكاء
تحرر من أضلعها أخيرا
" اخرج من حياتي فورا ... اخرج ... اخرج الآن "
شد رعد قبضتيه بقوة وألم يراقبها وهي تلتصق بالباب وقد اتكأت
عليه بجبينها باكية وحال رماح لم يكن أفضل منها فها هي أخيرا
حررت ألم وبكاء أربعة عشرة عاما مضت ، ها قد أخرجت ألمها
المكبوت بسبب ذاك الرجل لأعوام فكلاهما كان يتوقع أن ما حدث
بالأمس لن تصمد بعده طويلا ، تحركا ناحيتها في وقت واحد وإن
كان أحدهما واقفا والآخر جالسا يقوده ذاك الكرسي فقط ، وما أن
وصلا عندها أمسك رعد بكتفيها وأدارها ناحيته ودفنها في حضنه ،
يعلم أن ما مرت به طوال فترة حياتها لم يكن بالهين أبدا .. معاملة
والدتهم القاسية لها منذ كانت طفلة ثم اكتشافها حقيقة أنها ليست
ابنتهم ونظرات الشك في عيني ممن حولها .. ضغط جبران عليها
لتتزوجه وهي لا تراه سوى شقيقا لها .. دخولها أراضي الحالك
ووقوعها أسيرة لدى ذاك الرجل وحياة عاشتها بينهم هناك لا يعلمون
ما مرت به فيها .. موت الكاسر المفاجئ ودون أن تراه ..
رحيل ذاك الرجل آخذا ابنتها معه .. موت والدها الذي رباها ثم
اكتشافها بأن تلك العائلة التي عاملتها كغريبة عنها لم تكن سوى
عائلتها الحقيقية ، من يستطيع تحمل كل ذلك ؟ بأي قلب تعيش حتى
الآن ؟ ليس يستغرب انهيارها تلك اللحظة بل أن يتأخر كل هذه الأعوام .
ابتعدت عنه ومسحت عيناها بعنف قبل أن تصرخ به
" ما الذي يبقيك واقف هنا حتى الآن ؟ اذهب وابحث عن الفتاة
قبل أن تفقد حياتها أو نفسها بسببك "
تحرك من فوره وكأنه استفاق لحظتها فقط لما حدث والذي لم
يستوعبه حتى اللحظة لكن يد رماح منعته وهو يمسك رسغه بقوة
موقفا له وقال بحزم رافعا رأسه للأعلى ومحدقا بعينه
" انتظر يا رعد ، ألم تسمع ما قاله وبأن شقيقها يريد قتلك ويبحث
عنك ؟ يمكنك البحث عنها من مكانك هنا فلا تتهور وكن تحت
الحراسة والحماية ولا تستهن بالثنانيين فهم منتشرون حولنا
دون أن نعلم ويتحولون لآكلي لحوم البشر إن تعلق الأمر
بمعتقداتهم وقوانينهم "
حدق فيه بضياع وكأن عقله توقف عن التفكير تماما درجة أن فقد
القدرة على اتخاذ أي قرار وبات الجميع يدفعه ويوقفه ! لكن ما نفع
بقائه أيضا ؟ وما يفعل مع الذي يئن وجعا وشوقا بين أضلعه الآن ؟
نقل نظراته التائهة منه للتي أمسكت برسغيهما وفكت يده منه
بالقوة قائلة بحدة
" اتركه يذهب فموته أشرف له ألف مرة من أن يحيا ويتركها تموت "
فتحرك حينها وكأنها أدارت مفتاح التشغيل في أطرافه وهو يتخيل فقط
فكرة موتها وتركه وحيدا بدون ولا أمل يعيش عليه ، فتح الباب وخرج
منه مسرعا فنظرت هي للجالس أمامها أنفاسها تتلاحق وتتصاعد بقوة
لازالت الدموع تسقي رموشها وتملأ محاجرها فقال ببعض الهدوء
محدقا بها
" غسق اهدئي و ... "
قاطعته بغضب مشيرة له بسبابتها
" وأنت متى ستتحرك يا أحمق ويتحرك ذاك الصوان الموجود وسط
أضلعك ؟ "
نظر لها بصدمة وقال
" غسق ما بك أ.... "
قاطعته صارخة مجددا
" متى ستقرر أن ترحم تلك المسكينة من جبروتك أيضا ؟ ألا يكفي
الأعوام التي ضيعتها منكما ومن عمرها ؟ متى ستشعر بها وهي
تسأل عنك طوال الوقت بلهفة بينما تكرر أنت عباراتك
البلهاء كالببغاء ؟ "
تراجع بكرسيه للخلف قليلا قائلا
" حسنا غسق اهدئي "
لوحت بيدها قائلة بغضب من حديثه معها وكأنها معلولة نفسيا
" لن أهدأ واعتبرني مجنونة إن أردت "
وتابعت رافعة سبابتها أمام وجهها بتهديد صريح
" قسما يا رماح لست شقيقتك ولن يخاطب لساني لسانك بعد اليوم
ما لم تجد حلا لوضعكما وسريعا "
نظر لها بصدمة لم تعرها أي اهتمام وهي تجتازه قائلة
" وشقيقك ذاك أيضا "
تبعها بنظراته المصدومة وهي تصعد السلالم قائلة بحنق
" لست أفهم لما يسكت القانون عنكم وعن أمثالكم ؟ يفترض أن
تسجنوا بعدد الأعوام التي تستنزفوها من أعمار النساء يا جلامدة "
وتابعت صعودها تشتم دون توقف فتنهد وتراجع بكرسيه متمتما
بضيق
" مطر شاهين ... هل سندفع ثمن أفعالك معها دائما "
*
*
*
وقفت أمام المرآة الطويلة في غرفة تبديل الملابس تدير جسدها
وتشد البدلة الضاغطة حوله بإحكام فعليها ارتدائها لوقت بعد
العمليات التي خضعت لها قبل أن تنتقل للجزء الآخر منها ،
لا تصدق أنها تخلصت من كل تلك الترهلات وإن كانت لم تخسر
الكثير من وزنها بعد فقد أجروا لها عملية ربط للمعدة من وقت
قريب وبدأت تلاحظ سرعة فقدانها لبعض الباوندات كما أن جسدها
كان بحاجة لعمليات شد الجلد التي اجريت لها بسبب مخلفات
الحميات الغدائية التي كانت تتبعها دون انتظام ولا مراقبة طبيب
أو ممارسة رياضة ، مررت كفيها على صدرها البارز قليلا من
السترة الخاصة وابتسمت بنشوة فلم تكن تتخيل أن يصبح ثدياها
مشدودان هكذا بعد الترهل المريب الذي أصابهما ! فجسدها
كمثري الشكل تتركز الدهون في الجزء السفلي منه ومع تلك
الحميات الفاشلة لم تنقص تلك الشحوم المتراكمة بشكل منتظم
بل اختفت قليلا من الجزء السفلي بينما نحف الجزء العلوي أكثر
وأصبحت بشعة من الأعلى والأسفل وتهدم ثدياها وترهلا بشكل
بشع وبعد العام الأول من زواجهما لم تلبس قميص نوم قط
بل تدهورت نفسيتها وكرهت النظر لجسدها حتى في المرآة وكانت
تصر على أن يناما في الظلام التام بينما كان يكره وقاص ذلك ،
وخلال السنة الأخير لم يعد يطلب العلاقة الجسدية معها أبدا ..
فقط إن هي تقربت منه وأرادت ذلك أما من ناحيته فباتت
والوسادة بجانبه سواء ، وهي السبب .. أجل لا تنكر بأنها السبب
في كل ذلك فهي دفعت علاقتهما للهاوية وباتت تعاقبه هو على
عيوبها النفسية قبل الجسدية تتخذ أسلوبا هجوميا مريضا كي
لا تكون هي ضحية هجومه لها فكانت تخشى أن تسمع عباراته
الساخرة من شكلها وجسدها وباتت تحاربها من قبل أن توجد بل
وتعترف بها وتتذمر منها أمامه كي لا تسمعها منه ، لم تفهم
وقاص يوما رغم أنه كان من أكثر الرجال وضوحا حتى أن لينه
ورقته وسلوكه الراقي معها كانا يشعرانها بالخوف من فقدانه ..
خوف تحول لهوس ثم لهجوم شرس ضده هو تحديدا ، يخال لها
أحيانا بأنه إن كان رجلا عصبيا حاد طباع لما كانت تصرفت معه
بذاك الأسلوب الفض ولكان علمها أن تخاف منه على الأقل ، لكن
ما ذنبها هي ؟ هي لم تختر لنفسها كل ذلك فسبق وأعلنت رفضها
له حين علمت كيف يكون ذاك الزوج من قبل أن تراه لكن أحدا لم
يعر رأيها بالا ، ثم وبعد أن أصبحت زوجته ورأته أمامها أعلنت
لعائلتها وعلنا بأن حياتها مع ذاك الرجل لن تنجح أبدا وبأنها تريد
الانفصال عنه بما أنها لم تتعلق به بعد لكن كلامها ذاك ووجه
ليس بالرفض فقط بل وبهجوم شرس ومن قبل الجميع وأولهم
والدها الصديق المقرب لضرار سلطان ومن لم يصدق أذناه حين
أخبره بأنه يريد أن يزوج حفيده الأكبر بل والمفضل من بين أحفاده
من ابنته فرموها جميعا في ذاك الجحيم وحيدة تعيش اهتزازا مريعا
في شخصيتها وثقتها في ذاتها فلم يعد الأمر يقتصر على جسد تخفيه
الملابس مثلما حين كانت فتاة بل أصبح ذاك الجسد ملك لشخص
آخر يراه كما تراه هي وهذه أكثر فكرة كانت تدمرها تماما ، فكانت
تتعذب نفسيا كلما رأته خارجا من الحمام وذاك الجسد والعضلات
المشدودة لا يلبس سوى بنطلون قصير يجفف شعره المبلل بمنشفته
الخاصة درجة أنها كرهت تلك العلاقة الحميمة بينهما وسببت له
النفور منها تدريجيا ، لكنها الآن تشعر بأنها بدأت تتحول لامرأة
أخرى وثقتها في نفسها ترتفع صعودا كلما تقدمت في هذا البرنامج
المتكامل ولن تتوقف حتى تصبح ما تريد هي وكما تمنت .
لبست ملابسها وخرجت للغرفة لحظة أن انفتح بابها ودخلت منه
شقيقتها جيهان فابتسمت لها بحبور فقالت تلك بابتسامة واسعة
تتقدم نحوها فاردة ذراعيها
" رائع ... أرى أنك بمزاج أفضل اليوم "
اقتربت منها وقبلتا خدا بعضهما وقالت جمانة بسعادة ناظرة
لعيني شقيقتها
" في كل يوم ينقص وزني أكثر ... كلما وقفت على جهاز قياس
الوزن واكتشفت بأن وزني نقص عن اليوم الذي سبقه أشعر
بالنشوة وسعادة لا توصف "
أمسكت يديها مبتسمة وقالت
" سبق وأخبرتك أن الأمر يحتاج لبعض الوقت فقط وستري النتيجة
كيف ستكون "
توجهت جهة مرآة التزيين جلست أمامها وفكت شعرها الأسود
الناعم لينسدل على كتفيها وقالت مبتسمة تمشطه بأصابعها
ونظرها على ملامحها
" الطبيب آندي أخبرني أنهم يجرون جراحات تجميلية للوجه أيضا
وتحسن من مظهر الملامح كثيرا وشرح لي الكثير عن ذلك "
نظرت لها الواقفة هناك بصدمة وقالت
" جراحة تجميلية للوجه !! "
قالت بسعادة تضم يديها لصدرها
" أجل قال بأنه يمكن أن تصبح شفتي العلوية بذات حجم السفلى
وأن أنفي سيصبح أفضل إن تم إزالة العظمه البارزة فيه قليلا
وأن حاجباي يمكن رفعهما فلا يصبحا مقوسان هكذا ... سيغيرني
ذلك تماما "
اقتربت منها التي لم تجتاز صدمتها بعد هامسة بعدم تصديق
" جمانة أتعي معنى أن تفعلي ذلك ؟ سيغضب زوجك أكثر ثم
والدي لن يوافق هذا "
التفتت لها وقالت بجدية
" أخبرتك أنتي فقط بذلك ولن يعلم أحد حتى اجري العملية فالطبيب
قال بأنه يمكن إجرائهم جميعا في مرة واحدة ، أما وقاص فهو
غاضب في جميع الأحوال وسأتفاهم معه بطريقتي فيما بعد فأنا
أعرفه قلبه طيب ولا يحقد أبدا "
حركت رأسها بيأس منها وقالت
" هل اشتريت فستانا من أجل الحفل ؟ "
وقفت وقالت
" لن أذهب .. قلت بأني لن أزور ذاك المنزل حتى أكون جمانة
التي أريدها أنا "
ثم توجهت جهة هاتفها الذي علا صوت رنينه ورفعته ونظرت
للرقم مبتسمة ثم أجابت من فورها تنظر لشقيقتها التي غادرت
الغرفة مغلقة الباب خلفها
" مرحبا جدي "
وصلها صوته الجاد فورا
" مرحبا جمانة كيف أنتي الآن ؟ "
اتسعت ابتسامتها وقالت فورا
" بأفضل حال .. كيف حالك أنت ؟ "
" بخير ... هل تحدث معك وقاص ؟ "
ماتت ابتسامتها فورا وجلست على السرير قائلة
" لا لم يتصل "
سمعت تنهيدته المتضايقة بوضوح فقالت ممررة أصابعها في شعرها
بتوتر حتى من سماع صوت هذا الرجل
" سيلين قلبه بالتأكيد ونسوي الأمور فيما بيننا فلا تتشاجر معه
بسببي جدي أرجوك "
كانت تعلم بأن تعقد علاقته مع جده بسببها لن يكون في صالحها
أبدا فيكفي ما حدث حتى الآن ، وصلها صوته الجاد مجددا
" اتصلت بوالدك من أجل حفل الغد وأردت أن أتصل بك خصيصا
لأدعوك لتكوني فيه "
عضت طرف شفتها ولم تعرف ما تقول فهي لم تتوقع أن يتصل
لدعوتها شخصيا بعدما أرسل دعوى عامة لهم واتصل بوالدها ،
حمحمت قليلا وقالت
" أشكر اهتمامك جدي لكني متعبة قليلا والطبيب طلب فترة راحة
بين العمليتين ، كنت سأكون سعيدة جدا للاحتفال مع رواح والعائلة
لو كانت الظروف أفضل "
وصلها صوته فورا
" حسنا كما تريدين ... عمت مساء "
أبعدت الهاتف عن أذنها ونظرت له باستغراب قبل أن ترميه بعيدا
متمتمة
" لم يكلف نفسه ولا عناء أن يلح عليا لأكون معهم "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 62 others like this.
رد مع اقتباس
#4977
قديم 15-12-17, 07:39 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
سارت بذات خطواتها السريعة الغاضبة لم تتوقف ولم تلتفت خلفها
قط تشتم نفسها قبله كل حين ، هي الحمقاء أكان عليها أن تصدق
أنه فعلا نسي كل ما حدث وهو من طلب منها بالأمس أن تخبره
الحقيقة لينسى الأمر كلاهما وهي رفضت ؟ ليست تفهم لما يشوه
اللحظات الجميلة بينهما نهاية الأمر دائما ولما جاء إلى هنا إن
كان سيفسد الأمر هكذا ؟ ماذا كان يتوقع منها أن تقول مثلا ...
لا سأعصي والدي لأني أعرف مصلحة نفسي أكثر منه !
ثم هو غضب منها حين فعلت أمرا متهورا في السابق وخرجت
عن أوامره فلما يستاء الآن وهي تعلن الولاء والطاعة !!
لا تفهمه حقا وليست تعلم متى ستتغير فكرته السيئة عنها ؟
دخلت من بوابة المنزل الخارجية مجتازة الحرس الموجودين
هناك والسيارات السوداء الكثيرة التي لم تنتبه ولا لازدياد عددها
عن السابق وسارت على بلاط ممشى الحديقة الواسعة وكأنها
تخشى أن تحيد عنه ليست تعلم حتى كيف اتبعت مساره بدقة هكذا !
قفزت مفزوعة تضع يدها على صدرها وهمست منقطعة الأنفاس
تنظر للذي قطع طريقها فجأة
" أحمق ... لقد أفزعتني "
أمسك الواقف أمامها خصره بيديه وقال متشدقا
" ما كنت تريدين مني أن أفعل ؟ أن أناديك من بعيد
( بسم الله عليك آنسة تيما ؟ )
ثم لما عدت مبكرا هكذا ؟ كنتما لففتما العمران بأكملها يا عاشقان "
نظرت له باستهجان وقالت
" توقف عن تسريب الشائعات عنا ... أخبرتك أنه يريدني في أمر
وأنا لم أكذب أبدا "
حرك يده بسخرية قائلا
" جيد وما هو هذا الأمر ؟ "
لاذت بالصمت لبرهة قبل أن تهمس بإحباط
" لم يخبرني عنه "
انفجر ضاحكا من فوره فضربت كتفه قائلة بضيق
" قسما أنها الحقيقة "
استمر في الضحك متجاهلا نظراتها الغاضبة قبل أن تموت ضحكته
فجأة ونظر لها وقال بريبة
" والدك هنا "
نظرت له بصدمة وعدم تصديق وقد همست
" والدي !! "
أومأ برأسه بنعم وقال
" يبدوا لي ثمة أمور تحدث هنا فبعد وصولي دخلت سيارة رعد
مسرعة وبعدها بقليل رأيت غبار سيارة والدك المندفعة وكأنها
إعصار ، غادر رعد بعدها بوقت وبسرعة أضعاف التي دخل بها
أما والدك فلازال في الداخل على ما يبدوا "
شعرت أن قدماها تصلبتا من الخوف وأمسكت قلبها قائلة
" ماذا حدث ؟ ماذا بها والدتي ؟ "
تكتف وقال بضيق
" لست أعلم طبعا ولم أستطع ولا أن أقترب من المنزل وبقيت
متخف هنا بين الأشجار كالقرد كي لا تراني والدتك وأنتي لست
معي فترميني جثة أمام البوابة الخارجية "
تحركت من هناك بخطوات سريعة جهة المنزل والهواجس
تتلاعب بها ... المهم أن تكون والدتها بخير لا تريد شيئا آخر
تلك اللحظة ، أجل ورماح قد يكون ... أسرعت بخطواتها أكثر
تشعر بقلبها سيخرج من مكانه من شدة ما كانت خائفة على
الموجودين هناك فهي تعتبرهم عائلتها جميهم ولا تتخيل أن
يصيب أحدهم مكروه ، لم تكن تسمع خطوات الكاسر خلفها وليست
تعلم إن تبعها أم لا فهي كانت تسير شبه راكضة تريد الهرب من
أفكارها السوداء بالاقتراب من الحقيقة أكثر .
وقفت مكانها ما أن ظهر لها المنزل ورأت سيارة والدها المتوقفة
أمامه وهو يقف خارجها يسند ساعده ببابها المفتوح ينظر للأرض
ويمسك هاتفه بيده الأخرى يتحدث مع أحدهم ويبدوا مستاء
وغاضبا ... !
سارت نحوه فورا ما أن رفع نظره ناحيتها وقد أبعد هاتفه عن أذنه
وما أن وصلت عنده حتى قالت بنفس لاهث وقلق
" أمي ... هل هي بخير "
دس هاتفه في جيبه قائلا ببرود
" هي بخير لا تقلقي ، وهيا سنغادر من هنا "
نظرت له باستغراب وتردد فقال
" تحركي يا تيما لا وقت أمامي أم لا تريدين رؤية عمتك وجدك ؟ "
شهقت بصدمة وامتلأت عيناها الواسعة بالدموع فورا وقالت هامسة
" جدي !! "
قال وهو يجلس في كرسيه خلف المقود
" أجل فقاسم مسافر اليوم لتأمين وصوله بسرية وسيصلان غدا
فبسرعة أحضري أغراضك لأننا سنتناول الغداء في منزل عمتك
في الحميراء "
وأغلق باب السيارة ما أن أنهى كلامه وشغلها فتحركت من هناك
جهة باب المنزل ، إذا هذا هو الخبر الذي كان يريد إخبارها به
وكان يفسد الأمر في كل مرة ؟ ذاك الخبر كان سيكون رائعا بالفعل
وأفقد نفسه متعة زفه لها ذاك الأحمق متقلب المزاج ، دخلت من
باب المنزل المفتوح ووجدت رماح في بهوه يمسك هاتفه ويجلس
على كرسيه موليا ظهره لها فاقتربت من جهته وكان يحدث أحدهم
بتوتر وضيق قائلا
" لا تتهور يا رجل واترك رجال الشرطة والقوات الخاصة
يقومون بذلك ... لا نريد أن نخسرك أنت أيضا "
عقدت حاجبيها باستغراب وهي تقترب منه أكثر وقد صرخ بحدة
" رعد ... إسمع ... "
ونظر بعدها للهاتف في يده متأففا بغضب ويبدوا أنه أغلق
الخط في وجهه ، وقفت خلفه مباشرة وقالت بريبة
" ماذا يجري هنا ؟ "
دار بكرسيه ناحيتها فورا وقال بامتعاض محدقا بعينيها
الزرقاء الدامعة
" تقصدي هنا أم هناك ؟ "
نظرت له باستغراب قبل أن تهمس بحيرة وضياع
" أين هي والدتي وما به خالي رعد ! ولما والدي هنا ؟ "
حرك رأسه بعجز وقال بضيق
" رعد فقد عقله تماما ويريد أن يرمي بنفسه للموت على أيدي
أولئك البربر ... والدتك صعدت للأعلى وستكون في غرفتها بالتأكيد
ولا أنصحك بالاقتراب منها حاليا ، أما والدك فلم أعد أعلم أهو
الحل لمشاكلنا أم أنه لا يزيدها إلا تأزما وتعقيدا "
نظرت له بتيه ولم تستوعب شيئا مما قال ! أي بربر ولما سيقتلون
رعد ؟ أيعني الثنانيين ؟ لكن لما سيقتلونه ! وما علاقة والدها ولما
والدتها غاضبة ؟ تحركت من هناك ما أن عاد رماح للانشغال مع
هاتفه وصعدك السلالم مسرعة ، ما فهمته أنه ثمة أمر حدث
بخصوص تلك الفتاة الثنانية ووالدها هنا وغاضب من أجل ذلك
فرعد سبق وأخبرها أن وضع علاقته بتلك الفتاة حساس جدا بسبب
قبائلها لكن ما تعجز عن فهمه لما والدتها غاضبة ونهاها رماح
عن الاقتراب منها !
وصلت باب غرفتها ووقفت أمامه مترددة لوقت قبل أن ترفع يدها
وتطرقه فوصلها صوتها الحانق وكما توقعت
" سنتحدث فيما بعد يا تيما "
فتنهدت بأسى واستسلام وقالت بعد برهة
" أمي سأغادر مع والدي ... هو هنا وقال بأنه سيأخذني معه "
ملأت دموعها عينيها ما أن خرج لها ذاك الصوت الرقيق الغاضب "
غادري فورا وإن كان سيحرمني من رؤيتك نهائيا فأخبريه بأني
لست أهتم "
غادرت من هناك تمسح الدموع التي بدأت تسقي وجنتيها تباعا
ودخلت غرفتها ، أخذت حقيبة يد مما اشترته لها والدتها فهي قد
ملأت خزانتها بالثياب والأحذية كي لا تضطر لنقل أغراضها كلما
جاءت هنا ، وضعت فيها هاتفها وبعض الأغراض البسيطة التي قد
تحتاجها ولازلت تمسح دموعها التي ترفض التوقف ، خرجت من
الغرفة ومرت بباب غرفتها المجاور لها ووقفت أمامه قليلا قبل أن
تغادر مسرعة ودموعها لا تزداد إلا انهمارا ، نزلت السلالم ومسحت
وجنتيها بطرف كمها بقوة ما أن لمحت الكاسر ورماح وعمته
جالسين هناك ويبدوا التجهم واضحا على ملامح الكاسر الذي يبدوا
أن رماح قد أخبره بما تجهله هي ولا وقت لديها لتعلمه منه ، نظروا
لها جميعهم وقال رماح باستياء ما أن رآى عيناها الدامعة
" أخبرتك أن لا تقتربي منها الآن لأنها ستكون غاضبة ومن
الجميع لكنك أعند من والدتك "
فركضت جهة باب المنزل تمسح دموعها التي عادت للنزول مجددا
وخرجت من هناك للخارج فورا لتجد والدها في مواجهة دموعها
هذه المرة ينظر لها من داخل السيارة عاقدا حاجبيه يتكئ بساعده
على المقود فأنزلت رأسها ونزلت عتبات الباب النصف دائرية تمسح
دموعها وفتحت الباب وركبت مغلقة له خلفها فتحرك بالسيارة فورا
ودون أن يعلق بأي حرف حتى اجتازا أسوار وبوابة ذاك المنزل
لتنطلق تلك السيارات السوداء المعتمة ورائهما مباشرة وقد
غادروا أسوار تلك المدينة المسيجة فورا ولا شيء يرتفع على
صوت هذير تلك السيارة داخلها سوى صوت شهقاتها التي كانت
تحاول كتمها بصعوبة وقد تشقق جفناها من كثرة ما كانت تمسح
دموعها كي لا تنزل تحاول منع نفسها من البكاء لكنها لم تستطع
وكلما حاولت فعل ذلك أكثر كلما ازداد وضعها سوءا .
" اتصلي بها "
نظرت له بصدمة من عبارته الجادة الآمرة تلك وكان ينظر للطريق
أمامه وقد أعاد بحزم
" اتصلي بها يا تيما "
تدحرجت دمعتها على وجنتها المحتقنة بشدة وهمست ببحة بكاء
" أبي أرجوك أ.... "
قاطعها قائلا بحدة
" قلت اتصلي بها "
أخرجت هاتفها من حقيبتها منصاعة دموعها تتقاطر فوقها وهي
تبحث عن الهاتف فيها ، لهذا كانت لا تريد أن تبكي لأنها تعلم بأنه
سيغضب لكنها لم تستطع والأمر كان فوق احتمالها وخارجا عن
إرادتها ، أخرجت الهاتف ما أن وجدته واتصلت بها لكنها لم تجب
حتى انقطع الاتصال وما أن رفعت نظرها له لتخبره بأنها لا تجيب
وجدت يده أمامها وقد قال بحزم
" أعطني الهاتف "
مدته له مكرهة لأنها لا تريد إغضابه أكثر لما كانت أعطته إياه
فهي تعلم ما ستكون نتائج كل هذا ، أخذه منها وبدأ يكرر الاتصال
بها المرة بعد الأخرى دون يأس أو توقف حتى انفتح الخط فأغمضت
عينيها لا شعوريا حين صرخ بغضب
" أهذا ما تفلحين فيه دائما إبكاء ابنتك التي لا علاقة لها بشيء ؟ "
كانت تنظر له باكية تمسك فمها بيدها تلعن نفسها لأنها السبب في كل
هذا وها هما سيتشاجرا بسببها ، لم تكن تسمع حديث من في الطرف
الآخر بسبب شهقاتها الباكية لكنها تعلم بأنها غاضبة أيضا ولن يزداد
الوضع إلا سوءا ، أمسكت بكم قميصه المثني جهة ذراعه حين صرخ
فيها مجددا ونظره على الطريق أمامه
" نوبات جنونك ابتعدي بها عن ابنتك ولا تحمليها نتائج أفعال غيرها
يا قدوة النساء في مملكتك ... ولعلك تقتنعي فقط بأنك لا تستحقين
الأبناء "
شدت كمه حتى انتبه لها فهمست باكية تنظر لعيناه الغاضبتان
" أبي أرجوك لا تتشاجرا أكثر بسببي .. حلفتك بالله "
أبعد الهاتف عن أذنه ممسكا المقود بيده تلك أيضا وهو فيها
وصرخ ناظرا لها ودون أن يقطع الاتصال
" اتركيها تعلم أي أم فاشلة تكون وهي تحملك مسئولية كل ما تعجز
عن إيجاد حل له أو الاعتراف بفشلها فيه "
أمسكت بذراعه بكلتا يديها هذه المرة وقالت ببكاء
" أبي أرجوك ... أنا لست غاضبة منها وهي لم تتحدث معي عن
شيء مما حدث أقسم لك "
تنفس حينها بغضب وقطع الاتصال هامسا من بين أسانه
" لا تتستري عليها يا تيما فأنا أعرفها أكثر منك لا تتوقف أبدا
عن تحميل غيرها نتائج فشلها المستمر "
مد لها بعدها بهاتفها وقد عاد بنظره للطريق تنفسه يخرج كالإعصار
من شده غضبه بينما نظرت هي جهة نافذتها تمسح دموعها التي
ترفض التوقف تشعر بقلبها يتفتت بألم وهي تراهما يصلان لطريق
مسدود تماما وجميع آمالها تلك تطير أدراج الرياح .
*
*
*
تمسكت بجذع الشجرة تتنفس بقوة ولم يعد يمكنها الركض
ولا لخطوة أخرى بعد فهي ركضت ما لم تتخيل في حياتها
أن تركضه واجتازت مسافة ليست بقليلة أبدا لم تجلس فيها
للراحة سوى لدقائق معدودة فلم تصدق نفسها حين وجدت أن
المكان الذي وصلته حيث توقف ذاك الجواد عن الركض والحركة
كان عبارة عن منحدر متوسط الارتفاع والمكان تحته عبارة عن
مساحات شاسعة من الأشجار العالية الكثيفة تحدها سلسلة جبال
بعيدة فنزلت منه دون تفكير ولا تراجع .. نصف المسافة اجتازتها
راكضة باندفاع نحو الأسفل والنصف الآخر متدحرجة لسقوطها
بسبب سرعتها التي لم تستطع التحكم بها بسبب الجاذبية الأرضية ،
ورغم الخدوش والكدمات في ذراعيها وساقيها إلا أنها وقفت
وتابعت الركض بين الأشجار التي وفرت لها حماية كبيرة ولم
تعد تركض مكشوفة في الفراغ واثقة من أن تلك السيارات لن
تستطيع نزول ذاك المنحدر خلفها وسيكون عليهم الالتفاف حول
المكان بأكمله ولن تستطيع سياراتهم تلك السير في كل مكان في
تلك الغابة الواسعة والفرصة أمامها مواتية لتبتعد أكثر ، وغاب
عنها تماما أن ذاك المنحدر لم يكن سوى الحدود الخارجية لمدنها
وأبعد نقطة يستطيع الثنانيين الوصول لها مكشوفي الهوية مثلما
أن باقي أبناء تلك البلاد لا يجتازون تلك الحدود أبدا .
اتكأت بظهرها على الجذع الضخم لتلك الشجرة ورفعت رأسها
عاليا تنظر للسماء الزرقاء من بين قمم الأشجار العالية تتلقف
أنفاسها بتسارع وصدرها الملطخ بالأتربة والدماء بسبب كل تلك
الخدوش يرتفع ويهبط بشدة ، أغمضت عيناها العسلية الواسعة
ببطء ترعي سمعها لكل شيء حولها كي تعلم إن كان ثمة سيارة
قريبة أو تلتقط أي أصوات غريبة لكن لا شيء سوى أصوات
الطيور وحفيف أوراق الأشجار مع الريح فبدأت أنفاسها تتباطئ
تدريجيا تشعر براحة غامرة وإن كانت مدججة بالخوف والتوجس ،
نزلت بجسدها على الجذع الخشن برفق وجلست تحضن ركبتيها
بذراعيها ودست وجهها فيهم تشعر بجسدها بأكمله يؤلمها كما
أنها تركت الماء والطعام في السرج فلم يكن بوسعها أن تركض
بحمل أكثر من جسدها ولكانت فقدتهم في جميع الأحوال وقت
سقوطها وهي تنزل للأسفل ، رفعت رأسها للأعلى واتكأت به
على الجذع خلفها تنظر للفراغ بحزن وضياع ، لا تريد أن تندم
على ما أقدمت على فعله فهي إن بقيت هناك لكانت زوجة لذاك
الرجل من ساعات ولضاع حلمها الذي عاشت من أجله ولفقدت
أملها في أن تجتمع بحبيبها ذاك وللأبد ، تعلم بأنها تصرفت بتهور
وهو أول من سيغضب منها إن علم بما فعلته لكنها ترفض أن
تضحي بقلبها من أجل أي أحد ولا البلاد بأكملها فسيعيش الجميع
سعداء لن يهتموا أبدا بمن دفنت قلبها ومشاعرها وعاشت تعيسة
للأبد فلن تكون ضحية لقوانين الثنانيين السخيفة ولا أفكارهم
المتحجرة تلك ، مسحت الدموع التي انسابت على خديها وأغمضت
عينيها برفق فظهرت أمامها فورا صورة الشاب التي احتفضت بها
في ذاكرتها وأعماقها طيلة تلك الأعوام تعيش وتغذي روحها عليها
لتستمر في الحياة ، انزلقت دمعة جديدة من عينيها المغمضتان
وهمست بحزن
" أين أنت يا رعد فأنا أحتاجك وبشدة ؟ "
قبل أن يسيطر عليها النوم ودون شعور منها من شدة التعب والإعياء .
*
*
*
وقف أمام باب المنزل الخشبي ذو اللون البني الداكن تفاصيله
محفورة بعناية شديدة وتصميمه يأ خذ شكل قوس علوي ليكمل
الشكل الكلاسيكي للواجهة يتوسط حائط حجري قد علق عليه
مصباحان ، نظر لساعته والتي كانت تشير للسادسة مساء قبل
أن يرفعه مجددا بباب ذاك المنزل القابع في أحد أهم شوارع
فولنهام إحدى ضواحي ومدن لندن الداخلية ، أكثر ما يخشاه
أن لا يجد الشخص المدون اسمه في تلك الورقة في هذا المنزل
وسيكون عليه حينها أن يلجأ للبحث الموسع في كامل انجلترا
وسيأخذ منه ذلك أشهرا قبل أن يجده وسيرجع لنقطة الصفر مجددا ،
مرر أصابعه في شعره متنهدا بعمق ثم وضع اصبعه على جرس
الباب وقرعه برفق مرتين منفصلتين وقصيرتين وما هي إلا لحظات
وانفتح الباب كاشفا عن رجل في منتصف الخمسين من عمره تقريبا ،
نظر له بتمعن وشعر بالارتياح لملامحه العربية فهذا هو هدفه
بالتأكيد ولم يبقى له إلا أن يتأكد من الاسم ، مد يده له وقال مبتسما
" الدكتور مختار هاشم بالتأكيد "
نظر ليده لبرهة قبل أن يمد يده ويصافحه قائلا
" وصلت ... لكن المعذرة .. من أنت ؟ "
شد على يده قائلا
" وقاص سلطان ضرار نائب مدعي عام محكمة
( أولد بيلي الجنائية " )
نظر له مفكرا لوقت قبل أن يقول
" أنت حفيد ضرار سلطان ضرار ؟ "
سحب يده وقال مبتسما
" أجل ... هل تعرفه ؟ "
فتح له الباب وأشار له بيده ليدخل قائلا
" سمعت عنه كثيرا ، ولست أعتقد أنه ثمة عربي في بريطانيا
لا يعرفه ... تفضل بالدخول "
دخل للداخل وألقى نظرة أولا على المكان حوله ، كان راق ومميز
بالفعل رغم صغر مساحة ذاك المنزل نسبيا ... الأرضية الخشبية
اللامعة والجدران البيضاء الناصعة والأثاث الكلاسيكي البسيط
والمميز .. المطبخ فرنسي الطراز والمفتوح على بهو المنزل
واللوحات والمنحوتات الخزفية السريالية الموزعة في الأرجاء
لتعبر عن النزعة الفكرية والميول النفسية لصاحب ذاك المكان
فهذا الفن يحمل المضامين الفكرية والانفعالية التي تحتاج إلى
ترجمة من الجمهور المتذوق كي يفهم مغزاها حسب خبراته
الماضية لتظهر ما خلف الحقيقة البصرية الظاهرة فهو يعتمد
على التعبير بالأشكال والألوان عن الأفكار ألا شعورية والإيمان
بالقدرة الهائلة للأحلام ، وقد استخدم هذا الفن حتى في
العلاجات النفسية خاصة خلال الحرب العالمية الأولى .
انتبه من شروده في ذاك التناغم حتى في ترتيب تلك الكنوز
الفنية للذي أشار له لصالون الجلوس قائلا
" هل تشرب القهوة ؟ "
توجه حيث أشار وجلس قائلا
" شكرا لك أود فقط أن نتحدث في أمر مهم وأغادر فالمسافة
من هنا لبريستول بعيدة بعض الشيء "
جلس في الكرسي المقابل له وقال مبتسما
" إذا بما يمكنني أن أخدم سيادة نائب المدعي العام ؟ "
أخرج الصورة من جيبه ومدها له قائلا
" آنجي جاكس أو زيزفون ، هذه الحالة كنت أنت المسئول
الوحيد والمباشر عنها "
وتجنب اخباره باسمها كاملا فهو متأكد من أنه يعرف فقط اسمها
الأول وأنها عربية بسبب طبيعة حالتها لكن اسم عائلتها فمستبعد
جدا أن يكون يعرفه خاصة مع الحماية والسرية التي كان يحيطها
بها ذاك الرجل مجهول الهوية ، نظر الجالس أمامه للصورة التي
أخذها منه قبل أن يعيدها له قائلا
" من أخبرك عن مكاني ؟ "
أخذ منه الصورة وأعادها لجيبه قائلا
" لا يمكنني حقا إخبارك "
وقف حينها وغادر من هناك قائلا
" انتظرني قليلا "
وغاب لبعض الوقت وليس يعلم لأين ولما ؟ وبدأ بالنظر لساعته
كل حين وقد تلاعبت به الهواجس بأن يكون لاذ بالفرار كي لا يجده ،
وما أن فكر بالوقوف والبحث عنه حتى سمع خطواته تقترب من
خلفه ووقف أمامه ومد له بمغلف ورقي أبيض اللون وقال
" في هذا يوجد الملف الخاص بها كاملا "
وقف وأخذه منه ينظر له باستغراب فقد كان مغلقا بإحكام ، رفع
نظره به وقال
" كانت مجرد أسئلة أريد أجوبة عنها فما سأفعله بملفها الطبي
إن لم يكن فيه ما أبحث عنه ؟ "
قال الواقف أمامه فورا
" ستجد فيه كل ما أستطيع تقديمه لك في كلا الحالتين ولا أخفيك
حديثا بأني أنا نفسي لست أعلم ما يحوي تحديدا "
نظر له بصدمة وقال
" لست تعلم !! بماذا إذ ... "
قاطعه قائلا
" لن تفكر أبدا في أن تستدرج طبيبا لكشف أسرار مرضاه ،
تلك الفتاة حالة أشرفت عليها بنفسي بطلب وتوصيات شديدة
من شخص أنا نفسي لست أعلم من يكون "
مرر أصابعه في شعر قفا عنقه متنهدا بضيق ينظر للفراغ بشرود ..
ليس يفهم حتى متى سيظهر له شبح ذاك الرجل ومن يكون هذا
الذي لا يعرفه أحد ! قطع الواقف أمامه أفكاره قائلا
" وما كنت لأسلم هذا المغلف لأي شخص رغم أني كنت أجهل
هوية من كان عليا تسليمه له "
رفع نظراته المصدومة به وقد تابع من فوره
" كان عليا فقط تسليمه للشخص الذي سيستطيع الوصول لمكاني
رغم السرية التامة لتلك المصحة النفسية وشرط أن يكون
محاميا وأرى تلك الشروط توفرت فيك جميعها فلم يطرق باب
منزلي شخص يسأل عنها قبلك وطيلة الأعوام الماضية "
كان ينظر له بحيرة وضياع أصابع يده تشتد على ذاك المغلف
ولم يعد يمكنه استيعاب كل ما يقول !!
قال مبتسما من نظراته له
" وأصبح بإمكاني التحرر من هذا المنزل أخيرا والعودة لموطني
وعائلتي فلست تتصور كم تأخرت في قدومك هذا "
قال باستغراب
" تسافر من هنا ! لكن ماذا إن احتجت لمعرفة شيء ليس موجودا
فيه ؟ أو اكتشفت بأنه مجرد أوراق بيضاء ؟ "
رفع كتفيه قائلا
" أخبرتك بأنه لا شيء سأنفعك به فحتى ورقة تقريري الجنائي
ضمن أوراقه "
نظر له بعدم استيعاب قبل أن ينقل نظراته منه لذاك المغلف في
يده فما يعني بالتقرير الجنائي ... جريمة !! ها هي رائحة
الجريمة تفوح مجددا .
تحرك جهة باب المنزل في صمت تام يشعر بأنه يحمل في يده
سرا سيعجز عن استيعابه واحتوائه لكنه يحتاج فعلا أن يكتشفه
قبل أن يفقد عقله بسبب التفكير فيه ، ما أن وصل باب المنزل
حتى أوقفه الذي قال من خلفه
" رجاء يا سيد وقاص إن لم يكن بإمكانك مساعدة تلك الفتاة فلا
تفتحه أبدا لأنك قد تكون السبب في عودتها لحالتها السابقة تلك
ولن يخرجها منها أحد بعدها أبدا ولا أشهر أطباء العالم النفسيين "
*
*
*
لامارا, قلوووب محتاره, عراقيــه and 62 others like this.
رد مع اقتباس
#4978
قديم 15-12-17, 07:41 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
عقدت الخيط وعادت لخياطة القميص وقالت ونظرها عليه
" ما أسرع ما افتقدت الطفلين ! المنزل كئيب من دونهما "
تنهدت الجالسة أمامها بضجر واتكأت بخدها على راحة يدها
متمتمة بضيق
" لا أفهم ما يحبانه في والد حتى أصوات لعبهما وصراخهما
لم يكن يحبها "
قالت الجالسة أمامها بضيق مماثل
" والدهما ويحبانه بالتأكيد فها أنتي أيضا تصرخين بهما طوال
الوقت وتضربينهما إن أخطئا ويحبانك ؟ ثم إن كانا لا يحبانه
حقا ما كانا متلهفان لرؤيته وما ذهبا معه الآن "
استوت في جلستها وقالت بحنق
" لم يفكر يوما في مصلحتهما بل في نفسه فقط .. تزوج على أمل
إنجاب أبناء غيرهم ليرميهم نهائيا ، إن أنجبت زوجته ستري
كلامي هذا بأم عينك "
حركت رأسها بيأس منها تنظر للقميص الذي تخيطه وقالت
" لو كان كذلك ما كان ليطلب أن يكونا لديكما نفس المدة ولكان
طالب بالتنازل عن نفقتهما ليطلقك وهو يعلم بأن عمير مستعد
للتكفل التام بهما دون أن يدفع قرشا واحدا لكنه رفض وخصص
لهما راتبا شهريا وعمير من اختار تركه لهما للمستقبل "
وتابعت وقد رفعت نطهرها لها ترمقها بضيق
" ولن نتحدث طبعا عن الذي كان مستعدا للتضحية بهما "
نفضت يديها قائلة بضيق
" أمي لا تخطئي فهم ما أقول فأنا أيضا كان من حقي أن أعيش
حياتي وهو من تزوج وأراد سجني بتهديدي بأخذهم مني فلا
يبقى لنا ولا يتركني أتحرر منه وأرى نصيبا غيره "
وضعت والدتها القميص من يدها بعنف قائلة
" وما معنى هذا سوى أنك تفكرين بأنانية أيضا وليست مصلحة
أبنائك ما تعنيك ؟ "
قالت باستنكار
" أمي !! "
قالت بضيق متجاهلة لها
" وما معنى كلامك ذاك سوى أنك على استعداد لتركهم إن واتتك
فرصة زواج برجل يرفض وجودهم لديه "
قالت بضيق مماثل
" أمي أنا قلت بأنه من حقي أن أعيش حياتي مثله فأنا لازلت
صغيرة ... هذا ليس يعني بأني سأرمي أبنائي "
رفعت قميص حفيدها تنهي خياطة أزراره قائلة بحنق
" هذا حين لا تكونين ابنتي التي أعرفها جيدا ومنذ كانت طفلة "
زمت شفتيها بضيق وكتفت ذراعيها لصدرها مشيحة بوجهها جانبا ،
هذا ما يخطط له ذاك الرجل أن يبقيها مربية لأبنائه سواء كانت
زوجة له أو طلقها وهذا هو تفكير الرجال الأنانين مثله ، من حقها
أن تفكر في نفسها أيضا وقبل كل شيء كما فعل هو .
سرق نظرها سريعا الذي نزل السلالم بخطوات واسعة يلبس سترته
باستعجال يتحدث عبر سماعة في أذنه قائلا
" نريد أي معلومات عنها .. مكان الجواد الذي تركته خلفها بالتحديد
وصورة لها أو مواصفاتها بدقة وماذا كانت تلبس وسنبدأ بتحريك
جميع القوات والخلايا النائمة وسنجدها سريعا بالتأكيد إلا إن ... "
وغادر مغلقا الباب خلفه لينقطع حديثه عنهم ، غادر مسرعا دون
حتى أن ينظر ناحيتهما رغم أن مكان جلوسهما واضح له تماما ..
بل غادر ونظراتها اليائسة تتبعه بحسرة ...كم تغير ناحيتها ؟
أهذا هو عمير الذي كان ينظر لها بحب وشغف يظهر واضحا
في عينيه كلما كانت أمامه ! الذي كان يزعجها لتغضب ثم يعود
ويراضيها فورا ! من كان على استعداد لجلب كل ما تطلبه وتتمناه
كي لا يظلمها في حياتها معه ؟ لن تسامح نفسها أبدا على غبائها
حين رفضت انتظاره وتزوجت من غيره ليعلمها ذاك الزوج أن
الرجال ليسوا جميعهم متشابهون وليسوا جميعهم عمير .
" هل صعدت للطابق العلوي أو لغرفته ؟ "
نقلت نظراتها التي علقت في مكان خروجه للجالسة أمامها ونظرت
لها بصدمة وهمست بتوتر
" لغر ... لغرفته !! "
نظرت لعينيها وقالت من فورها
" أجل "
شعرت بالدماء جفت في عروقها وفقدت حتى القدرة على النطق ،
هل فعلها عمير وأخبر والدتها ؟ لا لا مستحيل إن كان عمير الذي
تعرفه فلن يفعلها أبدا ، إذا من أين علمت ؟ قالت بصعوبة
" مممن قال هذا ؟ "
نظرت لها بشك وقالت
" لا أحد أنا سألت فقط "
قالت بإنكار
" لا قطعا ... فإن صعدت للأعلى لرأيتني فنحن لا نفترق أبدا ،
ثم ما مناسبة هذا السؤال أمي ؟ "
وقفت وقالت ترفع القميص وعلبة عدة الخياطة
" عمير قال بأن لا نتعب أنفسنا بتنظيف غرفته أو أخذ ثيابه منها "
وتابعت مغادرة على نظراتها المصدومة
" فإن كنت فعلتها سابقا فلا تكرريها "
وغادرت جهة السلالم قاصدة ممر غرفهم الموجود خلفه ونظراتها
المصدومة تتبعها ليس بسبب ما قالت فقط بل وبسبب ما قال هو .
*
*
*
جمعت حاجياتها بسرعة واستعجال في حقيبة يدها وخرجت مسرعة
لتدركه ووقفت أمام المصعد تضغط زره بتكرار ليفتح فلن تسمح له
بفعلها هذه المرة أيضا يكفيه صباحا غادر وتركها تركب سيارة الأجرة
وحين اتصلت به قال وبكل برود ( محطة الباصات أمامك ، ولعلمك
فقط أي تغيب عن العمل سيخصم من راتبك (
وما الذي تركه في راتبها يخصمه وزاد عليه المواصلات ! لا هكذا
لن تجد ما تأكله باقي الشهر ، صعدت المصعد ما أن فتح لها ونزلت
للطابق الأول فورا وما أن انفتح الباب خرجت مسرعة تنظر للذان
يقفان عند طاولة الاستقبال وهدفها كان واحد منهما غير أنه تحرك
فجأة جهة باب الشركة فتبعته مسرعة لولا أوقفها فجأة الذي كان يقف
معه حين وقف أمامها تماما ولم يكن سوى آرمان الذي نظر لها مبتسما
بسخرية قبل أن تتوجه باربرا ناحيته تفتش في حقيبة يدها قائلة "
وجدته أخيرا ... يمكننا المغادرة الآن "
فابتسم رافعا ذراعه لها وقد تمسكت بها مبتسمة بسعادة وقال ناظرا
لعينيها المحدقة به ببرود
" شكرا على المصادفة التي جمعتنا بسببك "
رمت شعرها المموج للخلف وقالت بسخرية مغادرة و مجتازة لهما
" جيد ... فعلى الأقل سأعرف أين أجدك مستقبلا حين يطلب مني
مديرك البحث عنك "
وغادرت من باب الشركة الزجاجي الواسع قدماها تضربان الأرض
بغضب حتى وصلت موقف السيارات المخصص به وركضت مسرعة
تضرب بحقيبتها مؤخرة سيارته المغادرة أمامها صارخة
" توقف "
كانت تتوقع بأنه سيغادر ويتركها لكنه فاجأها بأن تراجع بالسيارة
للوراء حتى وقف أمامها وأنزل زجاج نافذته وقال
" نعم ... ما المشكلة ؟ "
أمسكت خصرها بيدها الحرة وقالت بضيق
" ليس ثمة مشكلة سوى أنه يكفيك نصف الراتب الذي خصمته
مني لتزيد عليه ثمن المواصلات "
اتكأ بساعده على إطار النافذة وقال ببرود
" تلك مشكلتك لوحدك .. أنتي من تجلبين كل ذلك لنفسك "
ضربت بقدمها الأرض قائلة بغضب
" كان يكفيني خصم الراتب كعقاب بل وإرسالي اليوم وبدوام كامل
لطابق التسويق فذاك وحده يساوي الموت البطيء "
تنفس بقوة وقال بجمود
" إذا ... ؟ "
نظرت له بعبوس مقربة حاجبيها البنيان الرقيقان ، هي لم تفعلها
سابقا ولم تكن تتخيل أن تضطر يوما للاعتراف بخطأ ارتكبته لتفكر
أساسا في الاعتذار عنه ، لكنها لن تستحمل هذا الوضع أكثر ..
لا يمكنها استحمال يوم آخر في ذاك القسم أو أن تركض خلف الباص
في المحطات كل يوم ذهابا وإيابا فسيارات الأجرة كلفتها مرتفعة ،
بل وأن لا تأكل سوى ساندوتشات البيض والجبن شهرا كاملا ،
قوست شفتيها وقالت وإن مكرهة
" أنا آسفة ولن يتكرر ذلك "
أغلق حينها نافذته وتحرك بالسيارة تنظر له بصدمة تشعر وكأنه
صدمها بها وداسها بعجلاتها .. بل لو كان فعلها لكان أهون مما فعله ،
لكنه فاجأها بأن دار بالسيارة حولها ووقف بها أمامها من الجانب
الآخر ففتحت الباب وجلست في الكرسي وأغلقته خلفها وتحرك
بالسيارة فورا وما أن اجتازا الشارع الرئيسي قالت بضيق
" لم يكن ذاك الفاشل يستحق أن اعاقب من أجله كل هذا العقاب "
قال الجالس بجانبها وببرود نظره على الطريق أمامه
" ليس من أجله بل من أجلك "
نظرت له بدهشة سرعان ما ضربها في الجدار حين تابع
" كي تتعلمي درسا في التفكير في العواقب قبل فعل أي شيء "
عبست ملامحها وتمتمت بضيق
" شكرا على المحاضرة التربوية "
لف بالمقود يمينا ونظر للساعة في معصمه ولم يعلق فلم يزدها
ذلك سوى اشتعالا ، لا تفهم هذا الرجل كيف يفكر تحديدا ؟ أحيانا
تراه بارودا ساخنا أبسط شرارة صغيرة تفجره محرقا كل شيء
وبعض الأحيان كثلة من جليد لن يكفيها عاما كاملا تحت الشمس
لتنصهر ! وما أن اقتربا من الحي الذي يعيشون فيه قالت ما لا
يمكنها الحديث عنه إلا هنا كي لا تستمع لمواعظه طوال الطريق
" وماذا بشأن الراتب فلن يكفي نصفه أبدا "
وقف بالسيارة أمام المبنى السكني وقال ببرود
" غيرك يعيشون بأقل من نصفه ، فلا تنسي بأنه يوازي رواتب
مديري الأقسام في الشركة "
فتحت باب السيارة ونزلت منها قائلة بضيق
" مسجل في بنود عقدك العقيم ذاك طبعا وإلا لما كنت أعطيتني
ولا ربعه "
وضربت باب السيارة بغضب فانطلق بها من فوره مغادرا من هناك .
*
*
*
طرقت الباب وفتحته وأدخلت رأسها منه ونظرت للجالسة
متربعة على سريرها والكتب ومذكراتها منتشرة حولها ترفع
شعرها بعشوائية تمسكه بمشبك فضي وفي يدها قلم حبر تكتب
في ورقة ما قبل أن ترفع نظرها بها فقالت مبتسمة
" ماذا تفعلين ؟ سؤال سخيف أليس كذلك ؟ "
وضحكت وهي تدخل مغلقة الباب خلفها ونظرها على التي
ابتسمت قائلة
" بل كنت أحتاج بالفعل لمن يقاطعني قليلا "
اقتربت منها وقفزت على السرير وجلست مقابلة لها وقالت بأسى
ناظرة لرموشها التي لازالت آثار بعض الدموع واضحة عليها
" ماريه اقسم أنه لا يستحق دمعة واحدة من عينيك الجميلتين "
نزلت بنظرها للأوراق في حجرها وعادت لتدوين الأرقام في الجدول
فيها هامسة بحزن
" بدأت أعتاد وسأتأقلم سريعا "
أخرجت ساندرين أحد الكتب من تحت ركبتها لجلوسها على طرفه
ورمته بعيدا عنها قائلة
" بربك مارية ستتأقلمين مع فكرة مهمته الكاذبة تلك أم مع وجودها
في حياته ؟ "
رفعت نظرها لها وقالت بغصة وقد ملأت الدموع عينيها
" بل مع فكرة أنه لم يعد له وجود في عالمي "
وتابعت ببرود وقد عادت بنظرها لأوراقها مجددا
" ساندي لنتوقف عن الحديث في كل هذا أرجوك "
سحبت الأوراق من يديها ووضعتهم جانبا قائلة
" إذا أخبريني ماذا ستلبسين من أجل حفل الغد ؟ "
ضمت يديها في حجرها ونزلت بنظرها لهما هامسة
" لن أذهب "
تنهدت ساندرين وقالت من فورها
" إن كان بسبب المدعو تيم فلا تخافي فهو لن يكون هناك
بالتأكيد ففوق أنه لم يحضر حفلاتهم سابقا لن يدخل مكانا يجتمعون
فيه أفراد عائلته جميعهم "
رفعت نظرها لها وقالت
" ليس لأجل ذلك بل لا أريد الذهاب بدونك فأنا لا أعرف أحدا هناك "
تمتمت الجالسة أمامها بعبوس
" ومن أخبرك بأني لن أذهب "
نظرت لها بصدمة هامسة
" ستذهبين حقا ! "
نفضت يديها قائلة بضيق
" وهل ترك لي والدي أي خيار ؟ كدت أتشاجر معه منذ قليل لولا
تدخلت والدتي وفي صفه طبعا .. قال ماذا ؟
( لن أسمح لك بأن تخجلينا معهم وهم يدعوننا جميعا وبالإسم ثم
نذهب بدونك )
اقسم أن ذاك الدبور وراء ذلك ويخطط لأمر ما لكنه جنا على نفسه
وأنا من ستنتقم منه "
حركت رأسها بحيرة وقالت
" وما سبب كل هذا العداء بينكما ؟ "
تأففت قائلة
" أكرهه وهو السبب .. هو من كان يسخر مني باستمرار منذ
كنت طفلة وحاله لم يتغير ولا بعد أن أصبح عجوزا .. زير النساء
القذر ذاك "
ابتسمت الجالسة أمامها وقالت متشهدة على نفسها ترفع يديها
أمام وجهها
" قد يكون في الأمر إعجاب ما ومن الطرفين أيضا "
وكما توقعت تماما كانت ردة فعل الجالسة أمامها أن قفزت ناحيتها
وسقطتا كليهما للخلف تحاول خنقها شاتمة بينما لم تستطع هي
التنفس من الضحك لحظة أن انفتح باب الغرفة فجلستا كليهما
ولازالت ساندرين ترمقها بنظرات حانقة متوعدة بينما كانت هي
ترتب شعرها مبتسمة وتمسح دموعها التي نزلت من كثرة الضحك
والصراخ مستنجدة فقالت الواقفة عند الباب مكتفة ذراعيها لصدرها
تنظر لابنتها تحديدا
" لا تدرسين ولا تتركين غيرك يدرس ؟ "
لوحت ساندرين بيدها أمام وجهها قائلة بتملق
" لا تبحثي لي عن الحجج فقط لأن زوجك الحبيب غاضب مني "
حركت رأسها بيأس منها ثم نظرت للجالسة معها على السرير قائلة
" ماريه ثمة زائر يريد رؤيتك "
نظرتا لبعضهما باستغراب قبل أن تنظر ساندرين لوالدتها تمسك
خصرها بيديها قائلة
" إن كان المدعو تيم فأخبريه بأنها ماتت "
نظرت لها بضيق وقالت
" أنا أتحدث معها وليس معك يا أم لسانين ، ثم زوجها ما كان
ليطلب من أحد جلبها له "
وتابعت مغادرة من هناك
" هذا والده يريد رؤيتك فلا تتأخري فهو ينتظرك في
غرفة الضيوف "
*
*
*
لامارا, قلوووب محتاره, عراقيــه and 59 others like this.
رد مع اقتباس
#4979
قديم 15-12-17, 07:44 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
غضنت جبينها عاقدة حاجبيها بقوة قبل أن تفتح عينيها فجأة
وشهقت بصدمة وهي تنظر للواقفين فوقها بذعر حتى أنها لم تستطع
الوقوف بسبب سلاح الرشاش الذي كان يوجه أحدهم فوهته لرأسها
وشعرت بذعر لم تعرفه في حياتها وهي تنظر لوجوه أولئك الرجال
المخيفين المتحلقين حولها بلباس جيش ينظرون لها وكأنها وجبة
دسمة سقطت عليهم من السماء ، لا تعلم كيف تغلب عليها النعاس
ونامت دون أن تعلم وكم من الوقت قضته لا تعلم عما حولها شيئا
ويبدوا بأنه وقت طويل جدا حتى أن الشمس قد ارتفعت لكبد السماء
أي أن الوقت تعدى الظهيرة ، سندت نفسها بيديها على الأرض تنظر
لهم بخوف هامسة بخفوت بكل ما تحفظه من آيات تحصن نفسها
بثقتها في الله وحده وحدقتاها العسلية الدامعة محدقة بهم فوقها
بهلع وقد قال الذي نزل بفوهة سلاحه من جبينها لخدها المغطى
بالخدوش نزولا لذقنها ووشم العروس فيه قائلا بابتسامة ساخرة
" لا يبدوا أنها عربية "
قبل أن ينزل بنظراته لفستانها الذي لم يفقد معالمه الحقيقية وإن كان
ملطخا بالأثربة وصاح بضحكة
" ثنانية يا رجال "
فضحكوا جميعهم مما زاد ذعرها وارتجاف جسدها النحيل وكاد يغمى
عليها ودموعها بدأت بالانهمار من الصدمة حين قال أحدهم بضحكة
" أتصدقون .. ؟ ثنانية في أراضي صنوان !! "
*
*
*
وصل بريستول في وقت أطول مما توقع بكثير ففوق المسافة من
لندن حتى هنا علق في زحام أول المساء وهو يغادر فولنهام عائدا
فلم يصل المنزل حتى كانت الساعة العاشرة ، ركن سيارته قرب
سيارة رواح كالعادة رغم طريقته الفوضوية في ركن تلك البورش
السوداء .. لا يعلم السبب لكنه يشعر بأنه نوع من التقارب الروحي
بينهما فهو يفضل أن يخرج صباحا ويجدها بجانب سيارته هكذا ،
هو ورواح كانا منذ الصغر شخصيتان متناقضتان تماما فهو يراه
شخص مستهتر بعض الأحيان بينما رأي رواح فيه أن حياته رتيبة
ومملة وأنه يعطي للأمور قدرا أكبر من حجمها لكن ذلك لم يؤثر في
علاقتهما الأخوية أبدا فكانا يتفقان في أغلب الأمور مهما اختلفت
شخصياتهما ووجهات النظر حولها كما أن والدة رواح كانت السبب
الرئيسي في كل ذلك فهي كانت بمثابة الأم بالنسبة له ولم تعامل ابنها
بتميز عنه في أي شيء بل كانت تقف في صفه ضده أغلب الأحيان .
أغلق باب السيارة بعدما أنزل معه المغلف الذي كان رفيقا له طوال
ذاك الطريق الطويل لم يفتح حتى نوافذ السيارة خشية أن يفعلها
الهواء ويحمله معه بل أنه لم ينزل ولا ليتناول العشاء يخشى من
إنزاله معه ومن تركه في السيارة فعليه أن يعلم ما بداخله ..
هذا هو أهم ما سيكون عليه فعله حاليا .
صعد عتبات المنزل بخطوات واسعة وفتح الباب ودخل وكان في
استقباله الصمت والهدوء التام كالعادة فلا أطفال يتحركون فيه ولا
أشخاص تربطهم علاقات قوية قد يجلسون وسط بهوه يتبادلون
الأحاديث والضحكات فزوجات والده كل واحدة تنفر من الأخرى وإن
لم تكن كذلك فهي تتجنبها تجنبا لأي مشاكل ستتفاقم بسرعة البرق ،
رواح بعد أن أصبح يعمل في شركة الطيران الجديدة أصبح وجوده
يتقلص تدريجيا ، ضرار انضم لمدرسة داخلية تاركا مكانه الفارغ
أساسا شاغرا ووالده يبدوا رحلته أطول مما يتوقع ، أما العضو
الأخير والجديد في العائلة فهي تفضل مقابلة الجدران على أن تبقى
برفقة أحدهم وإن لدقائق معدودة ، فتحول المنزل لشبه خال من
ساكنيه لا ترى أحدا منهم إلا مصادفة وهو يبحث عن الآخر .
توجه جهة السلالم فورا ليوقفه صوت من لم يكن ضمن تلك
اللآئحة بأكملها وهو ... جده ، وقف والتفت له وهو يقترب ناحيته
قائلا بجدية
" ماذا حدث في موضوع شقيقك ؟ "
عقد حاجبيه قائلا بتفكير
" من منهم تعني ؟ "
وقف أمامه وقال بامتعاض
" نجيب أعني طبعا أم أنك نسيت تماما ما طلبته منك ؟ "
أشاح بوجهه متنهدا بعمق ليلفت حينها انتباهه التي وقفت عند
بداية الممر الشرقي تمسك شعرها الأشقر الطويل في جديلة جهة
كتفها الأيمن تلبس بيجامة نوم حريرية بيضاء بأكمام طويلة تنظر
لعينيه بصمت وهدوء مريب فهو بات يخشى هذه المرأة وفي جميع
حالاتها خاصة أنها يبدوا استمعت لحديثهما من بدايته ، كانت تمسك
دفتر الرسم في يدها ويبدوا بأنها كانت في تلك الغرفة التي ترفض
الخروج لسواها حتى في الليل ، انتزع نظراته من عينيها ونظر
للواقف أمامه ولا مناص من قول الحقيقة له رغم أنه تجنب ذكرها
طوال الفترة الماضية يتهرب حتى من الحديث عن أي موضوع
قد يؤدي للسؤال عنه ، قال ببرود
" في سوانزي من فترة "
انفتحت عينا الواقف أمامه على اتساعها ليس من الصدمة بل
بسبب الغضب المتفجر منهما فهو يدرك جيدا ما تكون تلك المدينة
ولما سيلجأ لمثيلاتها وهي من شهدت أكبر عدد من جرائم المخدرات
مؤخرا ، كما ويعلم بأن الواقف أمامه يدرك ذلك جيدا بحكم عمله في
مكتب المدعي العام وقبل ذلك لكونه محام يعلم جيدا ما تكون مدن
الجرائم في تلك البلاد ، شد قبضته على العصا في يده وقال بحدة
" من برايتون سابقا أصبحنا في سوانزي الآن ؟ يتنقل في مدن
الجرائم وكأنه زعيمهم !
أهذا رده على مواجهتي له بعيوبه وأخطائه ؟ "
أغمض وقاص عينيه لبرهة متنهدا بعمق قبل أن ينظر له مجددا قائلا
" جدي لست أرى أن معاقبته في كل مرة حلا له ، أنت لن .... "
قاطعته التي نزلت السلالم قائلة بغضب
" لو تبتعد أنت عن حياة ابني فسيكون بأفضل حال "
نقل نظراته الحانقة لها بينما استدار الواقف أمامه بنصف جسده
ما أن سمع صوتها وقد وصلت للأسفل ليصبحوا ليس ثلاثتهم فقط
في مواجهة بعضهم بل والتي كانت واقفة خلف ظهره تماما قبل
أن يستدير ، تابعت تلك حديثها مشيرة بسبابتها للواقف يمينا
" أنت السبب يا وقاص في أي أمر سيفعله ابني ، بسببك فقد ثقته
في الجميع لأنهم جميعا بسببك كان يراهم لا يثقون به "
تبدلت ملامحه للضيق وقال
" أجل فأنا شقيقه الأكبر منه وقدوته وجدني منحرفا منحلا قبله
وهو يقلدني "
شدت قبضتاها بجانبي جسدها وقالت بحدة
" بل أنت وجميعكم السبب "
وتابعت تنظر للذي كان ينظر لها بقسوة تنذر بإنفجاره الوشيك فيها
" وأنت أيضا يا عمي كنت تهمل المشاكل الصغيرة وحين عظمت
رميتموها عليه جميعها وكأنه ليس حفيدك مثل البقية ، لم تتركه
يدرس ما يريد ولا يعمل حيث وكيف يريد ، كانت أرائه مهمشة
دائما وقراراته مرفوضة دون سماع ومن الجميع حتى أشعرته
بالدونية وبأنه أقل حتى من شقيقاه الأصغر منه "
وتابعت وقد أشارت بحركة من رأسها جهة الواقفة هناك
" ونهاية الأمر زوجته بخرساء مجنونة وتعاملونه على أنه هو
المجنون وليس هي "
لم يعلق الواقف أمامها بحرف على ما قالت فلم يزدها ذاك إلا
اشتعالا فأشارت بإصبعها ناحيتها قائلة بغضب
" وطرد هو من المنزل بينما فرض علينا معاملة هذه المعلولة
الناقصة أفضل مما عومل هو طوال حياته "
كان جواب ضرار الصمت التام رغم أن نظراته لها لم تفقد قسوتها
وحدتها بينما تجنب وقاص أيضا التحدث محدقا بالتي كانت تنظر لها
بجمود ينتظر وبكل فضول ما الذي ستفعله فهو انتظر هذه المواجهة
طويلا فعليها أن تعلمهم جميعا بأنها أقوى من أن يسخروا من قدرتها
على الدفاع عن نفسها كما عرفها هو سابقا وجيدا أيضا ، ولم يتأخر
ما كان ينتظره طويلا وقد اقتربت الواقفة هناك بضع خطوات لتصبح
في مواجهتها وحركت رأسها بغرور ما كان ليليق بسواها حين قالت
" لما لا تتوقفي عن محاولة إلصاق فشلك في تربية ابنك المنحل
أخلاقيا بغيرك ؟ "
نظرت لها بصدمة لم تجاهد لإخفائها أبدا قبل أن تنقل نظراتها تلك
له وهو يكتف يديه لصدره ينظر لها ببرود ثم لجده الذي لازال على
صمته وجموده قبل أن تعود بنظرها لها وقد همست بعدم تصديق
" لا وكنت تدعين الخرس أيضا ! ما الذي تخفينه بعد يا كاذبة ؟ "
قالت من فورها وبسخرية
" هه .. الجنون والمرض وأن ابنك ضربني ... وماذا بعد ؟ آه أجل
نسيت ومدمنة على المخدرات والشرب وشاذة أيضا وأبحث عمن
أجعله شماعة لأفعالي "
صرخت فيها فورا ملوحة بيدها بانفعال
" ومن وجدت غيره يرضى بواحدة مثلك يا خائنة، يا حفيدة الخائنة "
كانت تلك العبارة ما أشعلت التي لم تنتظر أي ردة فعل من غيرها
وتلك الزرقة في عينيها تتحول لسحب رمادية داكنة من شدة
الغضب وقد رمت ذاك الدفتر الذي تمسكه بطول يدها ليضرب
مباشرة وجه التي لم تستطع تداركه لصدمتها وصرخت فيها بغضب
" فكري فقط بالتحدث عن جدتي بسوء مجددا وقسما أن اسجن
فيك هذه المرة "
نقل وقاص نظراته المصدومة من زوجة والده لها ليس بسبب
ما حدث وما قالت بل بسبب عبارتها تلك
( اسجن فيك هذه المرة ... اسجن فيك هذه المرة (
ضغط قبضته على ذاك المغلف لا شعوريا ونظراته المصدومة
لم تفارقها ... أي ثمة مرة سابقة ولم تسجن فيها !! كان يشعر
بالدماء تتدفق في شرايينه بقوة آلمته وكأنها ستنفجر في أي لحظة
حتى أن أطرافه عجزت عن الحركة وهو يفكر في أمر واحد فقط
( هي المدان في تلك الجريمة لا محالة ! )
كسر كل ذاك الصمت المشحون الصوت الغاضب للتي تقف بداية
السلالم تلمس أنفها بأطراف أصابعها بعدما كانت الصدمة الأقوى
من الطرف الصلب في ذاك الدفتر من نصيبه
" وأنكري أنك تخونين زوجك مع من يفتر... "
" أسماااااء "
كانت تلك الصرخة ممن انتظر وقاص أن يحسم هو الأمر تحديدا
ويتحدث ويحدد موقفه مع من سيكون لما كان ليسكت أبدا لتلك
المرأة ومنذ البداية ، أشاحت زيزفون بوجهها بعيدا على الفور
بينما صرخت تلك مبعدة يدها عن أنفها لتنكشف الكدمة الحمراء فيه
" تسكتني أنا وتراها أمامك تتطاول على زوجة عمها ووالدة زوجها
بل وتمد يدها عليها ؟ "
صرخ فيها مجددا مشيرا بعصاه ناحيتها
" أصمتا كلتيكما أو أنا من سيعرف كيف يسكتكما حالا "
رمته بنظرة حانقة قبل أن تصعد قائلة بغضب
" معك حق تقف في صفها فهي حفيدتك في كل الأحوال وأنا
الغريبة عنكم "
واختفت في الأعلى مخلفة صمتا مبهما لم يكسره سوى خطوات
التي تحركت مجتازة لهما وتوجهت جهة ممر غرفتها ليتبعها ذاك
الصوت الغاضب الآمر
" زيزفون توقفي "
لكنها لم تعره أي اهتمام وكأنها لا تسمعه وتابعت طريقها دون
أن تتوقف لحظة حتى اختفت عنهما فتحرك خلفها لتوقفه اليد التي
أمسكت بذراعه وامتد ذاك الساعد أمام صدره العريض فنظر فورا
وبغضب لعيني الذي قال بجدية
" أرجوك جدي ... أنت لن تحل المشكلة هكذا ، ثم زوجة والدي
هي من بدأ بل وتحدثت بالسوء عن جدتها وأنت أكثر من يعلم
ببراءة تلك المرأة "
أبعد يده عنه بقوة وتحرك في الاتجاه الآخر جهة السلالم أيضا ودون
أن يعلق بحرف فتنهد بضيق ممررا أصابعه في شعره قبل أن يتوجه
للدفتر المرمي أرضا ورفعه ودون أن يقاوم فضوله أبدا لفتحه يبحث
عن آخر ما رسمت ليجد ما شل أطرافه تماما ... كانت رسمة واحدة
جديدة ولنفس الذئب لكن هذه المرة الوضعية مختلفة تماما ، شعر
بجسده يتعرق وأطرافه تتصلب وهو ينظر للذي رسمته معه في
الورقة وكان .. أسد .. بتفاصيل دقيقة وكأنه صورة حقيقية أمامه
ينقض على عنق ذاك الحيوان الذي لم يستطع مقاومة قوته التي
فاقته بأضعاف فاتحا فمه وأنيابه بارزة من صرخة الموت التي
كانت تخرج حتى من عينيه .
رفع نظره من تلك الورقة ونظر جهة الممر الذي غادرت منه قبل
قليل .. يعجز عن فهم ما كان يجول في رأسها حين رسمت هذا ؟
بل ويعجز عن فهمها في جميع حالاتها !
من يكون الذي رمزت له بالأسد ... ؟
بل ومن ذاك الذئب الذي تحول في رسوماتها من مفترس لفريسة ؟!
نظر للمغلف في يده وتذكر فورا ما قاله ذاك الطبيب
( إن لم يكن بإمكانك مساعدة تلك الفتاة فلا تفتحه أبدا لأنك قد تكون
السبب في عودتها لحالتها السابقة تلك ولن يخرجها منها أحد بعدها
أبدا ولا أشهر أطباء العالم النفسيين )
شد قبضته عليه بقوة ثم صعد عتبات السلالم بخطوات واسعة
لا يمكنه أن ينتظر ولا دقيقة أخرى ليكتشف ما يخبئه بداخله .
وصل جناحه ودخل غرفة مكتبه هناك من فوره وأغلق بابها خلفه
بالمفتاح بعدما رمى بهواتفه خارجها فلا يريد أن يقاطعه شيء
ولا أحد عن معرفة كل ما يحويه من أوراق ، رمى بدفترها على
الطاولة لم يهتم ولا لانزلاقه مفتوحا على الأرض وجلس على الكرسي
الجلدي وفتح ذاك المغلف فورا يشعر بأن تلك الثواني التي تفصله عن
معرفة الحقيقة تمزقه كتمزيقه لطرفه برفق كي لا يخسر شيئا مما
يوجد فيه ، فتحه أخيرا وأخرج مجموعة الأوراق بداخله وبدأ يقلبها
بسرعة وصدمة فلم يكن يحتاج للكثير ليفهم ما تكون تلك ...
محاضر أقسام شرطة .. أرقام قضايا معلقة .. شهادات إدانة
وشهود و....
رماهم من فوره وأمسك رأسه ينظر بصدمة وضياع للطاولة التي
يتكئ عليها بمرفقيه وشعر حينها بمعنى الانهيار الحقيقي للرجال ...
هذه ليست تقارير طبية ولا جنائية ... إنه ملف قضايا يحمل اسمها
في كل ورقة فيه ....
( مقتل السيدة زهراء علي شعبان محترقة في منزلها )
( ومقتل زوجها السيد صفوان حسن العبار طعنا بحربة صيد )
جريمتان في ذات المكان وفي ذات الليلة والمتهم بذلك وبالأدلة
القاطعة ....
(زيزفون إسحاق ضرار السلطان)
أمسك صدغيه بقوة يشعر بأنهما سينفجران ووقعت نظراته الضائعة
المصدومة على دفترها المرمي أرضا مفتوحا تحديدا على رسمة ذاك
الشاب الذي لم تختلف ملامحه عن ضرار سلطان سوى في لون العينين
الفاتح ومن لم يكن سوى لغزا من ألغازها التي تكاد ترسله بها للجنون
*
*
*
رفع نظره وحدقتيه الزرقاء المستديرة من على العلب التي كان
يصفها في الصندوق الكرتوني أمامه وانتقل تركيزه وانتباهه لما
يجري هناك والواقف فوق الجالسين على المجلس الأرضي الواسع
والذي دخل للتو يرمي بجريدة ما أمام الجالسين هناك قائلا
" ابن شاهين نفى جميع شكوكك مجددا يا شعيب وها قد أرسلتني
كل تلك المسافة عبثا "
كانت تلك اليد المجعدة والتي رن حول معصمها ثلاث أساور من
الذهب يحفها كم الفستان المطرز والواسع هي من سبقت لتلك
الجريدة ورفعتها تحدق عيناها السوداء التي لم تستطع تلك التجاعيد
إخفاء اتساعها وحدتها ممعنة النظر بتلك الصورة وملامح
الموجود فيها قبل أن تمدها للجالس على يمينها قائلة
" اقرأ يا عيسى "
أخذها منها فورا ونظر للخبر أولا قبل أن يرفع نظره بالجالس في
الطرف الآخر والمقابل له يحدق به بصمت يلف عمامة بيضاء حول
رأسه كعادته التي عرفوها عنه لأعوام طويلة مبرزة ملامحه الجنوبية
الحادة ، ورغم بلوغه الستين من عمره إلا أن ذاك الشعر الذي لامس
كتفيه ينزل ناعما ومموجا من أطراف عمامته لازال يحمل من السواد
الكثير كحال باقي أبناء تلك القبائل التي لم يحمل أفرادها لقب الحالك
عبثا ، ابتسم بسخرية أمام نظرته الجامدة تلك ورماها جهته قائلا
" إقرأها أنت يا شعيب لتسمعها والدتك منك تحديدا "
امتدت أصابعه السمراء الطويلة التي لوحتها الشمس وأقست
بشرتها تلك الطبيعة الزراعية الخشنة لتك الجريدة ورفعها بعدما
رماه بنظرة متوعدة فهو يعلم بأنه لم يقصد بذلك سوى إيصال رسالة
واضحة لهم بأن الجالسة بينهما ليست تثق بأحد غيره ، انتقلت حدقتاه
السوداء في أسطر تلك المقالة وخطوط ملامحه البدوية لا تزداد إلا حدة
قبل أن يرميها حيث كانت ونظره عليها فقالت التي ضربت بعكازها
الأرض
" ماذا هناك ؟ لما لا يتحدث أحدكم بما يوجد في هذه الخرقة "
قال من أحضرها تحديدا والواقف مكتفا ذراعيه لصدره
" فيها أن ابن شاهين يعترف وأمام الصحافة والإعلام بأنه ترك
ابنة شراع قبل أربعة عشرة عاما من أجل امرأة أخرى "
رفعت نظراتها المصدومة به قبل أن تنزل بها للجالس على يسارها
نظراته القاسية لازالت جامدة على تلك الصورة وقالت باستغراب
" إذا ظنونك لم تكن في محلها يا شعيب ! "
لم يعلق بكلمة لازال نظره على صاحب تلك النظرات القوية الواثقة
في الصورة وكأنه يبادله إياها ويراه أمامه فعلا بينما قال الجالس
مقابلا له
" إذا ما شاع عن أنها ما تزال زوجته إما أنه غير حقيقي أو أنه
حدث حديثا "
عقب الواقف خلفه مباشرة
" إن انتزعت منها ملكية العمران وإدارة تلك الجمعية وهذا
ما سننتظر إعلانه في الصحف القادمة فستكون شكوك مجرد
أوهام يا شعيب ولن تكون ابنة دجى الحالك أبدا وليس من داع
لأن نفتش عن الحقيقة في أفراد ومدن قبائل غزير وستنتهي
مهمتي عند ذلك "
قال نوح متشدقا كعادته ونظره على المقابل له يفرقع أصابعه
بإبهام ذات اليد ونظره لم يفارق تلك الجريدة والصورة
" بالطبع ستنتهي كما انتهت سابقتها قبل خمسة عشر عاما حين
تزوجها وما أن كنا سنصل لسلالة دجى الحالك العريقة حتى ضرب
ذاك الرجل وجوهنا في الجدار وهو يسافر بابنته تاركا إياها
مطلقة وراءه بعدما رماها لوالدها شراع "
عاد الجالس بعيدا عنهم لما كان يفعله ما أن رمقته تلك العينان
التي حفت حاجباها غرة تكاد تغطيها من كثافتها وطولها قد صبغت
بالحناء والكتم وكأنها ليست لذاك الوجه الذي تجاوزت صاحبته
الثمانين من عمرها وقد قالت بأمر
" ظننتك أوصلته للمخزن ولست جالسا هنا حتى الآن ؟ "
وضع آخر علبتين فيه ورفعه مغادرا من هناك من فوره وفي صمته
المعتاد ووقف ما أن اجتاز الباب الخشبي لتلك الصالة الواسعة لازال
يصله صوت الموجودين في الداخل ونوح تحديدا
" أمي عليك أن لا تثقي في ذاك الفتى كثيرا ، صحيح أنه أخرس
لكنه يسمع جيدا وأراه لا يفارقك تقريبا "
علا صوتها الرقيق المرتفع فورا
" الفتى تربى بيننا منذ كان صغيرا وأنا لا أعتبره إلا فردا من
عائلة غيلوان فيكفيه أنه يتيم ووحيد "
قال نوح مجددا
" هه .. ثمة فرق كبير بين كلمة يتيم ولقيط ، وفي جميع الأحوال
علينا أن لا نثق به كثيرا "
قالت من فورها
" من برأيك سنجد لخدمتنا جميعا ؟ النساء ممنوعات هنا وفتية
لن ترضوا بأحد من الجنوب وهو يعمل دون مقابل منذ صغره "
قال عيسى ببرود
" يكفيه المأوى والمأكل والملبس "
قاطع شعيب حديثهم ذاك قائلا
" ذاك الفتى ليس موضوعنا الأساسي الآن فاتركونا فيما نحن فيه
وما كتب في هذه الجريدة "
قال نوح
" ما كتب فيها كتب في جميع الصحف غيرها والخبر لا يحتاج لتأكيد
وقد أعادنا ذاك الرجل لنقطة الصفر مجددا "
وما أن انتقل حديثهم لأراضيهم ومشاكلها وضع الصندوق من يديه
على الطاولة الخشبية بجانب الباب والتي تحوي رفين لوضع
الأحذية فيها ثم نظر من حوله قبل أن يرفع طرف قميصه وأخرج
الهاتف الذي يثبته في الجزء الداخلي من حزام بنطلونه وكتب
أحرف تلك الرسالة سريعا وأرسلها وكان فيها
( نجحت الخطة )
وأعاده بالسرعة التي أخرجه بها وبالخفة التي حرك بها أصابعه
على أزراره ورفع الصندوق مجددا وما أن تحرك من مكانه حتى
أوقفه ذاك الصوت المنادي من خلفه
" إسحاق "
فالتفت من فوره للواقفة في الجانب الآخر لذاك الباب .. ذات الضفائر
السوداء التي تجاوز طولها فخذيها وعينان واسعة فاقتها سوادا
ورغم أنها أصبحت في السابعة والثلاثين من عمرها إلا أن من
يراها يضنها أصغر من ذلك بعشر سنين ، ابتسمت له بود كعادتها
وكأنها ليست شقيقة أولئك الثلاثة الموجودين في الداخل ولا ابنة تلك
العجوز وقالت
" هل تساعدني في شد حبل الساقية ؟ أخشى أن يسقط الدلو مني
مجددا وأنال من لسان والدتي ما لا أحب "
ابتسم ورفع الصندوق قليلا في إشارة بأنه سيوصله أولا فتوجهت
نحوه وقالت تساعده في حمله
" حسنا سنتشارك في هذا فهو ثقيل عليك يا إسحاق "
المخرج ~
بقلم / أمومه الحلو
آستريا....
ننادي بالبوح خواطرنا العميقة ، نبحث عن بقايا حب آثر ..
نتيه في دولخنا نسمع ضجيج تلك المشاعر..
نهرب منها
تصادمنا في في كل خاطر..
ويااه ومن لوعات الفراق وتلك المآثر
أخفي كل ذكرى في أضلعي.. أسابق أنفاسي قبل أن تغادر..
فيغدو البوح أليماً صدًاحا
يطرب شجرا مع كل غادر ..
خذني مع رحلك سيرا ، إلى حبيبٍ هزني إليه حظي العاثر..
فقط
أبوح له على أعتاب بيته أنادي
آما زلت تذكر الوعد يا رعدا وما أبرمناه عشقاً قبل ان تغادر..
رعد..
طرقت الشوق في أضلعي دهرا
ومازال يشجب صوته ألماً مع كل طارق
أحاكيه في همسي المخنوق عبثا
أما زلت تذكر يا ذاك ''حلمي الفاتن ''
تركتها خلفي ، والوعد بيني وبين وصالها وطن يقف شامخا قد غدا واحد..
طال المسير إليك يا زهرتي
ولكن قلبي بالموده لم يكن للهوى جاحد..
سيأتي يوم أن ترضِ عني
وكيف لا وثوبي وثوبك قد صار واحد..
أعاهدك الوفا دوما حبيبتي..
أخفيه نقيا عن كل طارق
وأمسح أثر ذكراك المرير عني
بقبلة تلامس قلبك المحبوب لي عن كل خاطر..
********
نهـــــــــــــــــــــــاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الرابع عشر 14 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الرابع عشر
المدخل ~
بقلم / نوار حوران
(غسق)
غ: غريبٌ ياسيدتي وسواد عينيكِ لي مأوى
س: سجينٌ ياغاليتي ونبض قلبكِ هو السلوى
ق: قلبي يامعذبتي لم يعد لي ملك وتلك هي البلوى
(مطر)
م :مجنون يارجلأ لم يزد عمري إلا النكبات
ط: طويلٌ طريق الصفح يابطل الحرب والجبهات
ر: روحي تائهة معذبة يامولاي لاينقص قلبي جراحاً وآهات
*******
بقلم / bella snow
من غسق إلى مطر
بينما أنا أقلب صفحات الذكريات فإذ بطيفك رغما عني يزورني
يرسم لي لوحات شوقي و حسرتي
بألوان كانت تغمرني سعادة فأضحت الآن تتعسني ..
قل لي ، لمَ افترقت سبلنا ؟
أحبك كان شرا أم أنه فقط قدري ؟ .
حبي لك كان جنة و حبك لي أحالها جهنما ..
بنارها أتلظى و أكتوي
و بألمي و عذابي ..
و بعشقي لك أحتمي .
أين السبيل و أين الخلاص ..
قد ضقت ذرعا من بحثي عنكَ و توهمي ..
أرنو إلى حياة تكون فيها أنت الشمس و القمرا
أحِنُّ إلى قدرٍ تكون فيه أنتَ البداية و المسرى
لكنني في أحلامي غارقة ..
فنسيت أن طريقنا منذ البداية منتهي ..
و أن قدرنا سيأمر بأن نفترق
ربما قد أحببتك و لم تحبني ..
لكن تأكد أنني لم اكن نصفك لأكملك
و لم تكن لي و لم أكن لك
قلبك في ذنوبه غارق و لم يعرف قيمة حبي
لم يعرف معنى الوفاء
و كيف له ؟
إن كنت أنت له سيدا و هو مجرد تابعِ
كنت قد وعدت أنك لن تخون العهد فخنته و خنتني .
كنت قد حلفت أن لن تغادر فنكثت بيمينك و رحلت و تركتني .
أأبتغي العزة في حبك و هو من أعزني مرة و مرات أذلني .. ؟
أرضى الهوان لأجل حق مني قد سلبْ
لكن لا أرضى المهانة إن كانت مع الحب تجتلبْ
فإن في قلبي حبك و كرهك اجتمعْ .
فاعلم أيا حبيبا أن الخيار على نبذك قد وقعْ .
فما أنا في فنون الغرام سيدة
لكنني في أصول الخيانة بفضلك أضحيت متمرسة
********
لم تكن تتوقع أن الطريق للمدينة التي تسكنها عمتها ستكون
بطول المسافة التي يسلكونها من حوران لمنزل والدتها فقد
شعرت بأن ذاك الطريق لا نهاية له والجالس بجانبها لم يتوقف
هاتفه عن الرنين ولا عن استقبال المكالمات وأغلبهم تحدث
معهم بلغة ليست عربية ولا انجليزية ولا حتى فرنسية ولم
تسمعها يوما وخمنت فورا بأنها ستكون لغة الثنانين وهذا
هو المتوقع مع الأحداث الأخيرة فما فهمته من حديثه مع
بعض رجاله أنه ثمة فتاة منهم مختفية في أراضي البلاد وتبدوا
ليست أي فتاة ومؤكد ستكون التي أخبرها عنها رعد فهي ابنة
زعيمهم أو شقيقته لم تفهم جيدا لكن الوضع يبدوا سيئا جدا ،
نظرت جهة النافذة وتنهدت بعمق .. تلك الفتاة شجاعة حقا
واتخذت قرارا صعبا كانت تعلم تبعاته جيدا وإلى ما قد يجر
البلاد ! لا تتخيل أن تقدم هي على فعل مثله من أجل رجل تحبه ،
هي تخشى حتى مخالفة أوامر والدها فكيف بقبائلها أجمع فقد
تصل لرعد ويعيدها لهم بنفسه ، انقبضت أصابعها لا إراديا
فقط لتفكيرها في ذلك ... ترى أيفعلها ؟ هل يكسر قلبها
ومستقبلها أيضا بسبب البلاد ؟
لا تستبعد أن يفعلها فالرجال يحكمون عقولهم قبل عواطفهم
ولا يرون إلا ما فيه مصلحة المرأة مهما كان ذلك مدمرا لمشاعرها
ومستقبلها المرتبط وبشكل مباشر بعواطفها ، لكن رعد يحبها حقا
وعزف عن الزواج كل تلك الأعوام من أجل وعده لها ينتظر أمرا
قد لا يحدث أبدا فيفني عمره وحيدا حتى يموت يعيش على أطياف
ذكرها فهل كان حقا سيفعلها ويعيدها لقبائلها وهل يفعلها بالفعل
إن وصلت إليه ؟
اتكأت على مسند الكرسي متنهدة بعمق تشعر بالضياع بسبب تعقد
حياة المحيطين بها جميعهم .. كم تمنت سابقا أن تراهم أن تقترب
منهم وأن تكون جزء من عالمهم ولم تكن تتخيل بأنه مليء
بالتعقيدات وبالحزن والمرارة والفقد الذي يعاني منه كل واحد
منهم ، حتى والداها ومن تأملت بأن يشفي القرب جراحهما
لا ترى وضعهما يزداد إلا سوءا .
" الطريق طويل وأعلم بأنه مع رجل مثلي ممل جدا "
نظرت سريعا لصاحب تلك العبارة والنبرة المبحوحة الهادئة
وابتسمت بحزن تنظر لجانب وجهه وملامحه المسترخية وقد
قالت فورا
" أبدا ليس كذلك فأنا أعلم جيدا أي رجل تكون بالنسبة لهذه البلاد
وما تمر به من تعقيدات كبيرة ولن أتوقع أن تغلق هاتفك فقط
لتتحدث معي كي لا أشعر بالملل ، ثم أنا منذ عرفتك أعرفك
وهاتفك لا تفترقان أبدا "
نظر جهتها وابتسم لها ومد يده لوجهها ومسح بكفه جانب
وجهها قبل أن يعود لقيادته لكن نظراتها الحزينة لم تفارق جانب
وجهه وقد همست بما لم يعد يمكنها كتمانه أكثر
" ليتني فقط سمعت يوما اتصال لك مع امرأة غير عمتي غيسانة
لكنت استطعت استيعاب ما قلته "
وما أن نظر ناحيتها حتى انزلقت أول دمعة من رموشها فمد يده
لوجهها مجددا ولامس خدها ومسح ابهامه تلك الدمعة وقال
ما أن عاد بنظره للطريق وبيده للمقود مجددا
" ابقي هكذا يا تيما تنظرين لوالدك بعقلك ليس بعواطفك
وستجدين الأجوبة دائما "
خنقت صوتها عبرتها وهي تهمس ونظراتها الدامعة معلقة
بنصف وجهه
" عقلي وقلبي كليهما يرفضان تصديق غير ما عرفته لأعوام
لكن لما قلت ذلك أبي أجبني أرجوك ؟ "
اشتدت أصابعه على المقود وشعرت بها تعتصر قلبها معه
حين اختار الصمت جوابا وما أن أبعدت شفتيها ببطء لتتحدث
سبقها صوته الجاد قائلا
" ما الذي تريدينه في علاقتنا تحديدا يا تيما ؟ "
نظرت له بصدمة وما أن نظر ناحيتها قالت هامسة ودموعها
عادت لملئ مقلتيها الواسعة
" أن تعيشا معا وللأبد "
عاد بنظره للطريق وقال بذات جديته
" إذا عليك أن تعلمي بأن ما فعلته وسأفعله ليس سوى ليتحقق
ذلك فلست وحدك من يسعى له "
ابتسمت من بين حزنها ويأسها ودموعها هامسة
" حقا ستكونان معنا ؟ "
قال من فوره
" أجل وأخبرتك مرارا يا تيما أن تتوقفي عن تعذيب نفسك
بسببنا فأنتي لست لكلينا أنتي امرأة ستكون لها حياة مستقلة
بعيدا عنا مهما طال الوقت "
انفرجت شفتاها وتصلبتا مكانهما .. كانت تريد سؤاله عن ذلك
تحديدا عن مسألة تزويجها وبحثه عن زوج لها لكنها لم تستطع
فإن سألها عن هوية الشخص الذي أخبرها فلن تستطيع أن تكذب
ولا يمكنها قول الحقيقة ففضلت الحديث عما عليها اخباره به
أيضا فليست تضمن اجتماعها به قريبا هكذا ، رطبت شفتيها
بطرف لسانها وقالت
" أبي لكنك قسوت عليها في مكالمتك تلك .. "
ملأت الدموع عينيها وتابعت بأسى
" لما قلت بأنها لا تستحق الأبناء ؟ أنت جرحت أمومتها "
نظر لها نظرة تعلم مايتبعها جيدا وهو حديث غاضب قد يؤلمها
هي أيضا فأمسكت بذراعه وسبقته قائلة بعبرة مكتومة
" اللوم لا يقع على عاتقها وحدها أبي بل أنا أيضا "
تبدلت نظرته للإستهجان سريعا وقد توقفت سيارتهم حينها
ولم تهتم أين ولا لما فنظراتها كانت معلقة بعينيه السوداء
المحدقة بها وقالت بحزن
" كنت أتوق دائما لأن أراها وإن من بعيد أن أسمع صوتها وإن
عبر الهاتف .. كنت أحتاجها وأشتاق لها في كل حين ووقت وساعة
وحين اجتمعت بها وأصبحت قربها اكتشفت أن الأمر أصعب من
أن أفهمه أو أن أتوقعه وأن ذاك الفراغ سيكون ملئه صعبا للغاية ... "
تكدست الدموع في مقلتيها الزرقاء وهي تتابع
" أحببتها أجل نمت في حضنتها عشقت قبلاتها لجبيني كل ليلة
وهي تتفقدني قبل أن تنام وتغطي جسدي جيدا وكأني طفلة ..
كانت تراقب حتى طبقي بعد كل وجبة طعام إن أكلت جيدا أم لا ..
اشترت لي كل ما طلبته وما لم أطلبه ورغم كل ذلك كانت
علاقتها بالكاسر مختلفة عني ، كانت تفهمه وإن لم يتحدث
تعلم حتى إن كان يكذب في حديثه أم لا وتنسجم معه في الأحاديث
أكثر مني لأنه تربى على يديها وعاشت مراحل حياته جميعها
تعلم حتى ما يحب ويكره في الشخص الجالس أمامه ، ولست
ألومها فأنا مثلها تماما كنت اغوص في عالم الكاسر أكثر من
عالمها هي .. حتى رماح ورعد أتحدث معهما عن أمور
لا أستطيع التحدث معها فيها ، وحتى عمتي جويرية كنت أنسجم
معها بسهولة أكبر لأنها في عمر مربيتي السابقة ، فاكتشفت
أنه ثمة مسافة طويلة بيننا لم تستطع أي طائرة أن تقطعها
لتوصلني لها ، حتى طلب كل واحد منكما أن لا أتحدث فيما
يخصكما جعل تلك الفجوة تتسع أكثر .. لقد أبعدتماني عن
عالمكما أبي وكأني شخص غريب عنكما تماما ثم كل واحد
منكما أصبح يلقي باللوم على الآخر وبسببي طبعا ..
أنا أشعر حقا بأني عقبة بينكما "
أنهت حديثها تمسح دمعتها بظهر سبابتها المثنية فأغمض
عينيه وتنفس بعمق قبل أن ينظر لها مجددا وأمسك وجهها
بيديه وقال محدقا بعينيها تزين شفتيه ابتسامة خفيفة
" تكبرين قبل أوانك يا تيما بالفعل ولن أستغرب ذلك من ابنة
من صلبي ووالدتها تكون ابنة دجى الحالك تلك ورغم ذلك
لن تفهمي تلك المرأة مثلي ولا أي شخص ممن عاشوا معها
هناك لأعوام فثمة شخص واحد فقط في الحياة يفهم المرأة
وهو من شاركها أمورا لا يعرفها الغير وستفهمين ما أعني
يوما ما "
وتابع بجدية وقد أبعد يديه
" سبق ونبهت والدتك بأنك خارج ما يحدث بيننا ومهما كان
لكنها ترفض تطبيق ذلك وليس فهمه فهي تفهمه جيدا فما أن
تغضب بسببي تنفس عن ذاك الغضب بك ليس بأي أحد
من أبناء شراع ولا عمتها رغم أنك مثلهم تماما لا علاقة لك بشيء
لأنها لم تستطع أن تجتاز حتى الآن مسألة أخذي إياك منها
وحياتك معي بعيدا عنها ورضاك أنتي بذلك فلومها لي توجه
نحوك فورا فأول ما صوره لها عقلها حين التقتك أول مرة
بأنك تختارينني عليها لأنك عشت معي وإن كان العكس
لاخترتها هي بينما أنا أكثر من يعلم وهي مثلي أيضا بأنك
لم تشعري يوما بالسعادة ونحن في انجلترا ولم أستطع
منحك إياها أبدا لأنك تبحثين عنها في اجتماعنا معا فحتى
إن تركتك معها وابتعدت كنت ستعيشين تعيسة يا تيما وحالك
كما هو الآن وكما كان سابقا .. والدتك تفهم كل هذا لكنها
ترفض فقط الاعتراف به بل وترفض أفكارك تلك وأنك لا تري
سعادتك معها فقط فعليها أن تقتنع بأن أفكارك ملك لك وحدك
ليس يحق لأحد أن يتحكم فيها فلا يبني شخصيتك أحد غير
نفسك .. تفهمين هذا يا تيما ؟"
بلعت غصتها مع ريقها وكانت ستتحدث فقاطعها صوت رنين
هاتفه فأغمضت عينيها متنهدة باستسلام تستغرب أساسا كيف
تركوه لها قليلا ، بينما أجاب هو من فوره وما أن رأى اسم
المتصل قائلا بضيق
" جيد تذكرت أن تنتبه أنه لديك هاتف ... أين أنت يا رعد ؟ "
نظرت له بتوجس وقد قال بحدة
" رعد لا تجبرني على اتخاد اجراءات ضدك لن تعجبك أبدا
فدخولك تلك المدن ليس حلا "
أمسكت قلبها لا شعوريا حين قال بحدة أكبر
" أعلم أنها ستكون هناك لكنك لن تستطيع إخراجها بدخولك
ولنأمل فقط بأنها لم تسقط في أيدي أولئك الشرذمة ، لقد حركنا
جهاز المخابرات والقوات الخاصة وسنجدها فابتعد أنت عن تلك
الجهة من البلاد "
وما لبث قليلا حتى صرخ فيه غاضبا
" قسما يا رعد إن لم ترجع للعمران ولمنزل شقيقتك الآن أنا
من سيرسل من يلقي القبض عليك وأسجنك حتى ننتهي من تلك
المشكلة ولا تجرب أن تختبر صدق يميني "
قال بعد صمت لحظة وبحزم
" لن اسلمها لشقيقها حال وجدناها كن مطمئنا وارجع أنت لتكون
تحت الحراسة وسأتصرف أنا في الأمر "
تنهدت المحدقة به بارتياح ما أن قال ذلك فعلى الأقل هو لم
يخن توقعاتها ولا ينوي أن يعيدها لأهلها ما أن يجدوها وظهر
أنه فعلا يقدم عاطفته نحوها على كل شيء وستكون مطمئنة
بأنه بخير ولن يصله أولئك الثنانيين حتى يجد والدها حلا للأمر .
فتحت بابها ونزلت ما أن قال الجالس بجانبها وهو ينزل قبلها
" هيا انزلي يا تيما فعمتك تنتظرنا منذ وقت "
نزلت ونظرت بصدمة للمنزل أمامها ليس بسبب جماله الخارجي
الذي فاق جمال منزل والدتها بل من دخولهم حتى وصلوا له
وهي لم تنتبه لكل هذا ! تعلم بأن زوج عمتها رجل أعمال كبير
ومعروف في البلاد بل وعائلته جميعهم لكن هذا الثراء الفاحش
لم يكن باديا أبدا على سلوك وحديث عمتها التي التقتها سابقا ،
كانت ثيابها وابنها من أجمل ما رأت خاصة ابنها ذاك الذي تراه
أخذ من ملامحها وسمات الحالك الكثير لكنهما كانا من البساطة
وبطيبتها تلك وكأنهم من بسطاء الناس مما بث فيها الفضول لأن
تتعرف ببقية عائلتها وكم تمنت ذلك لكن في ظروف أفضل من هذه
فمنذ صباح أمس وذاك الحفل وهي تفضل الجلوس في أحد الكواكب
وحيدة ولعام كامل ففوق ما حدث بالأمس كان عليها اليوم مواجهة
متقلب المزاج ذاك الذي يرفض أن ينسى أمرا هو من اقترح بأن
ينسياه فتارة يشعرها باهتمامه بها وتارة بأنه يكرهها ويتضايق
من كل ما تقوله أو تفكر به !! .
ما أن دخلوا المنزل الذي لم تعرف أرضيته من سقفه بسبب الأرضية
الرخامية التي تشبه الزجاج تعكس كل تلك الأضواء المتدلية من ثريا
السقف العملاقة كانت عمتها ورجل يبدوا زوجها وطفلة صغيرة في
استقبالهما ومن استقباله الحار له علمت فورا بأنه سيكون زوجها
ومن تتوقع مثلا ! فهو ليس بعمر ابن لها كما أن شخصيته تدل على
ذلك فهو ليس أي رجل بالتأكيد ، كان دورها بعد والدها فصافحته
بحياء فقرص خدها بيده الأخرى قائلا بضحكة صغيرة
" ها قد أصبحت عجوزا يا مطر "
ضحكوا جميعهم ومسحت هي خدها مبتسمة وابتسم مطر قائلا
" ابنك البكر أكبر منها بثلاثة عشر عاما فمن منا العجوز ؟ "
ضحكت جوزاء قائلة
" كما أنه قد يصبح جدا قبلك يا أيوب وأنت تنتظر أبنائك أن
يتزوجوا "
ضحكوا جميعهم عدا التي تنقلت بنظراتها بينهم بصدمة ..
إذا حقيقة ما قاله وها هي عمتها تعلم كما قال .. لكن لما سيقول
ذلك ويفعله !! هي تثق في والدها وتعلم بأنه لا يفعل أو يقول
شيئا عبثا ولا ليضرها به لكن لما !!
تقدمت عمتها منها وسلمت عليهما وأهدتها حضنا لا يختلف عن
لقائهما الأول فكم تشعر بدفء وحنان هذه المرأة .. تشعر به
ما أن تراها وكأنها خلقت لتحب الجميع .. شيء التمسته فيها
رغم الحزم في نظرتها ولن تستغرب هذا أيضا وهي شقيقة مطر
شاهين .
رفع الواقف بجانبها الطفلة الواقفة قربه وقبل خدها وسألها عن
اسمها فقالت من فورها مبتسمة
" صبح "
ضحك والداها وقالت جوزاء
" اسمها صباح لكنها تصر على اختصاره "
نظرت لها تلك العينان السوداء الواسعة وقالت صاحبتها بعبوس
" صبح "
ضحك وأنزلها للأرض وقال
" غيهم في المطار بالتأكيد فأين أبان أم لا يعلم بقدومنا ؟ "
قال أيوب مبتسما
" لأن غيهم هذه رحلته الأولى خارجيا أصر أبان على أن يكون
معه حتى تقلع الطائرة "
قالت جوزاء ناظرة له بامتنان
" شكرا لك يا مطر أنت لا تعلم أي هدية هذه التي قدمتها لي
فغيهم ستتغير نظرته للأمر ما أن يقود الطائرة اليوم في رحلة
دولية فقد خشيت أن يحبط من كثرة القوانين الإلزامية فخمسة
ألآف ساعة طيران فقط ليكون مساعد طيار ستحتاج منه عاما آخر
من التدريب "
قال الواقف بجانبها ضاحكا
" هذا وسيكون مساعد طيار فقط فما ستفعلينه حين سيقود
الطائرة بنفسه ؟ "
كانت ستتحدث لولا قاطعتها التي نزلت السلم البعيد راكضة ومنادية
" هيييه لا أحد ذكر اسمي هنا "
فانتقلت الأنظار جميعها جهة النازلة من هناك مسرعة تقفز
العتبات تلبس تنورة قصيرة واسعة يصل طولها لتحت الركبتين
بقليل وقميص حريري أنيق وجميل ، ملابسها تظهر سنها فعلا
وأناقتها وثرائها .
وصلت عندهم وقفزت فورا لحضن الذي تعلقت به قائلة
" خالي مطر ... كم كنت متشوقة لرؤيتك من سنوات "
ابتعدت بعدها عنه ونظرت له وقالت مبتسمة بحماس ترفع قبضتيها
" أنت أجمل من التلفاز بكثير "
نظر لها بصدمة بينما تابعت هي بضحكة
" حمدا لله أن غسق شراع ليست أجمل منك "
ضحكوا جميعهم حتى الواقف أمامها وقد لعبت أصابعه بغرتها
المقصوصة عدى الواقفة بجانبه تنظر لها بصدمة فهي أصغر
منها بعام كما أخبرتها عمتها سابقا بل هي من تبدوا أكبر منها
بثلاث أو أربعة أعوام كما أنها أجرأ منها بكثير فما استطاعت
يوما أن تمزح مع والدها هكذا ولا أن تتحدث عن شكله !
بل إنه حتى التنورات القصيرة كان يكره أن تلبسها وإن كانت
هكذا طولها حتى ما تحت ركبتيها ولا حتى لنصف الساق !
كان دورها بعد والدها حين التفتت ناحيتها فنظرت لها مبتسمة
بينما أمسكت هي خصرها بيديها ونظرت لوالدتها قائلة بضيق
" لما ليست عيناي زرقاء مثلها ؟ أليست ابنة شقيقك ؟ "
ضحكت جوزاء وقالت
" انتظري النسل القادم "
ضحكت وحضنت الواقفة أمامها قائلة بضحكة
" يا إلهي كم أنتي جميلة ورقيقة أيضا ولن أكون في مكان أنتي فيه "
نظرت جوزاء لمطر ما أن رن هاتفه وقد أخرجه من جيب
سترته وأوقف الاتصال وقالت مبتسمة
" عليك إبعاده اليوم لأنك لنا فما صدقنا أن أتيتما أخيرا "
قال وهو يدسه في جيبه مجددا
" فرصة أخرى يا جوزاء فلن أستطيع غير تناول الغداء معكم "
وتابع وقد وضع يده على كتف الواقفة بجانبه
" تيما ستأخذ مكاني هذه المرة ثم سيأخذها عمي صقر بالطائرة
لحوران صباح الغد فالرحلة من هنا حتى هناك طويلة وأنا
طريق رحلتي مختلف "
*
*
*
تنقلت نظراتها المذعورة التائهة بينهم وكأنها لا تفهم حقا
ما يقولون ! صنوان !! كيف وصلت من الحالك هنا !
آه أجل كيف نسيت بأنهم في غرب الحالك وثمة حدود مشتركة
بين القطرين فهل ركض بها ذاك الجواد شمالا حتى كانت هنا ؟
هذه المسافة تقطعها السيارة المسرعة في أكثر من خمس ساعات !
يبدوا أنه ركض بها لوقت أطول من ذلك بكثير ؟
صنوان .... ! هل وصلت لرعد فعلا يا ترى ؟
لم تكن تعي تماما فيما يتناقشون ويختلفون في مصيرها لكن
ما هي موقنة منه أن رأي كل واحد منهم أسوء من الآخر
ويبدوا أن أسوأهم سيطبق عليها وهو أخذها لما سموه بسجن
المقر وسرا أيضا ، أي أنه ....
ما أن امتدت يد أحدهم لذراعها وسحبها موقفا لها قالت تحاول
إبعاد يده
" اتركوني أنا هنا من أجل رعد شراع "
نظروا لبعضهم قبل أن تتعالى ضحكاتهم الصاخبة ولكل واحد
منهم تعليق مختلف
" حقا يا جميلة ؟ "
" رعد شراع دفعة واحدة ! "
) هههه حقا أخفتنا(
نقلت نظراتها الضائعة الدامعة بينهم وهمست برجاء
" اقسم أنها الحقيقة فقط أخبروه أني آستريا شقيقة الزعيم
سنمار وإن رفض رؤيتي وقتها افعلوا بي ما شئتم فلا شيء
سيعنيني بعدها "
راقبت وجلة النظرات التي تبادلوها واستقر نظرها على الشخص
الوحيد الذي لم يشاركهم لا الضحك ولا السخرية منها ولا حتى رأيه
في تحديد مصيرها وشعرت بأنه بالفعل مختلف عنهم ووجهت جميع
آمالها عليه ، ارتجف جسدها بقوة حين صرخ الممسك بذراعها
ضاحكا وكأنهم تحصلوا على غنيمة لكن نظراتها الراجية لم تفارق
تلك العينان المحدقة بها وأغمضتهم فور أن رفع سلاحه الرشاش
في وجهها راضية بحكمه وإن قرر قتلها فذاك أسلم لها مما ينوون
فعله بها ، كانت تنتظر وتتوقع كل شيء وأولهم الموت فضمت
نفسها بيديها لا شعوريا وانسابت دمعتها على وجنتها المغطاة
بالدماء والأتربة في أكبر جزء منها حين صرخ ذاك بهم
" توقفوا لن تأخذوها لأي مكان "
فتحت عينيها فجأة وفي غمرة انصدام الواقفين حولها بإشهاره
السلاح في وجوههم ابتسمت هي له من بين دموعها وذعرها
تهمس شاكرة له ليس يعنيها يسمعها ويفهمها أم لا ، صرخ الذي
أصابعه تشتد على ذراعها أكثر حتى لم يعد يمكنها تحمل الألم بسببها
" ما الذي أصاب عقلك يا رجل ؟ "
صوب رشاشه جهته تحديدا وقال بحزم
" سنسلمها لابن الزعيم شراع ... "
ابتسمت من فورها تشعر بالأمل يتسرب في داخلها دفعات متتالية
قبل أن تموت تلك لابتسامة ناحرة ذاك الأمل معها وقد تابع
" جبران هو من سيقرر مصيرها "
قال أحد الواقفين معهم وبضيق
" أنت تعلم بأن رعد في صف ابن شاهين وتعلم جيدا ما سيكون
قرار ورأي شقيقه جبران "
شعرت بجسدها يتقلص من ألم لم تعرفه ولا بسبب تلك الرضوض
والجروح وهي تدرك حقيقة المكان الذي وصلت له ... مدن أقصى
غرب صنوان المتمردة ! أجل سمعت عن هذا وسط قبائلها وأنه ثمة
قبائل رفضت الإنصياع لحكم ابن شاهين بل واتهمت الحالك في موت
الزعيم شراع والجميع يستغرب صمت مطر شاهين عنهم حتى الآن
خاصة بعدما أعاد منهم مقر ومعسكر اليرموك وفقدوا الجناح
العسكري لهم وعزا الجميع ذلك بأنه فعلها حقنا للدماء وتجنبا
لزرع الفرقة والأحقاد بين أبناء شعبه من جديد فلم يصمت عنهم
حتى الآن متحليا بالصبر والحكمة إلا تجنبا لما قد يجر البلاد
لحرب أهلية جديدة .
قال الواقف أمامهم
" اقتلوني إذا قبل أن تأخذوها لأي مكان غيره وليكن واضحا
لديكم بأني قاتلكم أيضا حينها "
شهقت بصمت وصدمة تنظر لجميع تلك الوجوه فهل سيتقاتلون
فعلا وأمامها ! هي لا تثق بأنهم لن يفعلوها به كما أنها تثق بأنه
لم يقرر تسليمها لابن شراع الأكبر إلا وهو موقن تماما من أنه
لن يمسها بأذى مهما بلغ تفكيره من سواد ، أغمضت عينيها بقوة
حين صوب سلاحه لوجهها وهو يتابع
" وسأقتلها معي عند أول رصاصة توجه لصدري "
انسابت دموعها مجددا ودون توقف هذه المرة فلم تستسلم للموت
كتلك اللحظة ولم تسلم مصيرها لشخص يضع موتها خيارا أقوى
من غيره إلا ذاك الوقت فلم تتخيل يوما أن يكون الموت أيسر
خياراتها ! بلى هو كان كذلك منذ قرروا تزويجها لذاك الرجل ...
أجل منذ صباح أمس حين اكتشفت ما يخططون له خفية عنها
من أسابيع ، صرخ الذي هزها من ذراعها بقوة
" ترفع السلاح في وجوهنا من أجل ثنانية ؟ "
وقال آخر بنبرة أقل حدة منه
" صحيح أنك كنت صديقا مقربا من الكاسر شراع في الماضي
لكن رعد باع قبائله ودم والده مقابلا لطمعه في السلطة "
قال ذاك من فوره
" تعلمون جيدا أن رعد لا يفكر في ذلك وما انضم للبرلمان الحاكم
إلا بعد ضغط كبير من قبائل صنوان وهو على اتصال حاليا بجميع
قبائلها وشارك في الصلح بين الكثير منها مع الحالك فهو رجل
شريف كوالده تماما ، ثم الفتاة أخبرتكم بأنها شقيقة زعيم ثنان
واختفائها سيكشف سريعا ومكانها سيحدد بسهولة ولن اخبركم
أي عقاب ذاك الذي ستتلقونه حال علمهم بما ستفعلون وذاك
ما سيحدث بالفعل "
أخرست كلماته الجميع كما حولتهم لتماثيل جامدة محدقة به عدا
تلك الأحداق العسلية الواسعة التي كانت تتنقل بينهم بتوجس قبل
أن تستقر عليه وقد مد يده لأحدهم قائلا
" أعطني الهاتف "
نقل ذاك نظره بينهم قبل أن يخرج من جيب سترته العسكرية
هاتفا خلويا يعمل بالأقمار الإصطناعية ومده له فأخذه منه فورا
وضغط عدة أرقام قبل أن يضعه على اذنه قائلا
" صلني بالمقر أريد التحدث مع ابن الزعيم شراع "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 74 others like this.
رد مع اقتباس
#5809
قديم 01-01-18, 09:07 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
وقفت أمام باب غرفة الضيوف وتنفست بعمق تشعر بتردد
وتوتر كبيرين .. لا بل برهبة شديدة من مقابلة ذاك الرجل الذي
لم تراه يوما ولم تسمع سوى عبارات تيم الحاقدة والكارهة له
صغيرا ونهي والدته له عن قول ذلك والنتيجة كانت دائما أن
يخرج غاضبا وكل ما كانت تقوله لها والدته بعدها وحين تنظر
لها بحزن طفولي لأنه خرج
( سيرجع قريبا بنيتي فتيم لا يعرف الغضب أبدا )
تنهدت بحزن ومسحت تحت جفنيها بقوة وكأنها تمنع دموعا لم
تفكر أساسا في النزول ثم مدت أصابعها التي تظهر وحدها من
كم قميصها القطني الطويل وأمسكت مقبض الباب وأدارته ببطء
وفتح ليكشف عن الواقف عند الواجهة الزجاجية للغرفة والمطلة
على الجزء الخلفي للحديقة والبركة الإصطناعية الجميلة تتلألأ
مياهها تحت أضواء الحديقة وضوء القمر ، كان موليا ظهره لها
لكن قلبها انفعل لا شعوريا لطوله وأكتافه ووقفته فإن كان ابنه ذاك
لا يشبهه في الملامح التي لم تراها بعد فهو يشبهه في هذا وبشكل
واضح جداً غير أن تيم يبدوا لها أطول أو أنه أنحف قليلا أو لا تعلم
قد يكون فارق السن فقط ! .
التفت لها الواقف هناك ما أن خطت للداخل بضع خطوات فوقفت
مكانها تنظر له وكما توقعت فهذه الملامح لا تتشابه وتلك أبدا فتيم
بالفعل أخذ من والدته الكثير .. تذكر كم كانت جميلة رغم المرض
والإعياء ، لن تنكر جاذبية هذا الرجل ووسامته رغم الشيب الخفيف
في شعر صدغيه وبعض الشعيرات من لحيته الخفيفة جدا والمحددة
بعناية وبعض الخطوط البارزة جهة فكيه لكن تلك المرأة كانت أجمل
نساء عائلتها ولا تراها بخلت بذاك الحسن أبدا على ابنها فتراه جمع
محاسنهما فأخذ جسد وثقة وطول الواقف أمامها الآن يديه في جيبي
بنطلون بدلته السوداء الأنيقة وجمال والدته الحاد المميز .
شعرت بالإحراج من طول وقوفها هناك وتحديقها به وإن كان هو
نفسه مثلها تماما فقد التزم الصمت أيضا محدقا بتلك الملامح
الجميلة الحزينة البريئة وكأنها ملاك بجناحين صغيرين يسعى لنشر
السلام بين البشرية تشعرك من أول وهلة تراها فيها بأنها فراشة
تلون عالم من يحتويها فعلا بالألوان الجميلة فبمجرد النظر لقسمات
وجهها تشعر فورا بأن ما تحمله في داخلك من هموم ومهما عظم
يتلاشى بسهولة فهي تملك هالة من السكينة والسلام والهدوء تضخ
الناظر لها بدفعات هائلة من الإيجابية ، تلك العينان الذهبيتان المشعتان
والغرة البنية المدرجة والوجه الدائري تشعرك بالراحة ما أن تنظر
إليها .
بادر هو واقترب منها فهو يقدر ترددها لرؤيته لأول مرة في حياتها ،
وصل عندها بخطوات واسعة أنيقة وما أن رفعت يدها لتصافحه
فاجأها بأن شدها لحضنه وطوق جسدها الغض بذراعيه فهذه زوجة
ابنه وإن نبذه .. إنها الماضي .. أجل شيء من رائحة الماضي البعيد ..
من تلك البلدة التي احتضنته حين نبذته قبائله ومن رائحة تلك المرأة
التي عاش معها سنينا قليلة تساوي حياته بأكملها منذ ولد فهذه الفتاة
جزء من عائلة تلك المرأة ومن حياتها فابنه لم يمنحه أي فرصة ليشعر
بأنه الشيء الذي تركته له بعد رحيلها .
بينما كانت هي متصلبة في حضنه تماما وليست تفهم هل لأنها لم
تعتد هذا النوع من العواطف من المحيطين بها ! لكن شعورها لم
يكن هكذا حين حضنها عم والدها في المطار ولا حتى تيم ! ليست
تعلم لما تشعر بأنه ليس من النوع العاطفي جدا من الرجال وهذا
الأمر تلحظه فيه ما أن تراه .. هو ليس بتعقيد وصلابة وبرود
شخصية ابنه بالتأكيد لكنها تجزم بأنه يشبهه في الكثير من ذلك
وتستغرب هذا الموقف منه رغم أنه لم يراها يوما ! أبعدها عنه
وأمسك كتفيها وقال ناظرا لعينيها المحدقتان به
" كيف أنتي ماريه ؟ "
همست بعد برهة
" بخير ... شكرا لك "
أبعد نظره عن عينيها لبرهة قبل أن ينظر لهما مجددا وقال بحزن
" أتمنى أن لا يكون موقفك مني سلبيا كزوجك "
لم تستطع أبدا التحكم في الدموع التي ملأت عيناها الواسعة ولا
إخفاء المرارة في صوتها وهي تهمس بحزن
" إن ألقيت باللوم عليكم مثله فلن يكون لي مكان سوى الشارع "
نظر لها باستغراب بادئ الأمر ثم قال وهو يبعد يديه عن ذراعيها
" هل أوضاعك معه سيئة هكذا ؟ "
أبعدت نظرها عنه وقالت بسخرية
" تيم ظروفه وعمله وحتى حياته لا مكان لزوجة فيها حاليا "
وتابعت ببعض التردد وقد رفعت نظرها به مجددا
" وأكذب عليك إن قلت أني لست أعذره في موقفه منك "
حرك رأسه برفض قائلا
" أنا لم أتعمد أن أتخلى عنهما صدقيني "
أخفضت رأسها ونظرت ليديها اللتان كانت تشبك أصابعهما ببعض
وقالت بأسى
" تيم لا يمكنه تفهم ذلك أنت لم ترى ما قاساه ووالدته وكنت أنا
شاهده عليه "
أمسك ذراعيها مجددا وقال
" والدته من رفضت أن آخذهما حين استقرت أموري هنا وأن
أفعل لهما أي أمر يكشف أني لازلت على قيد الحياة وقالت بأنها
تريد أن يبقى له أحدنا فاختارت أن تموت هي لأعيش أنا ، كنت
حينها بدأت في عملي الجديد هنا وأصررت على مطر شاهين أن
أدفع أنا لهما المال وليس هو فكان يرسل راتبها مضاعفا بمرتين
ولم يكن أحد منا يعلم بأنه لا يصلهما وبأنهما يعانيان ما يعانيانه
خلف جدران ذاك المنزل "
رفعت نظراتها الدامعة به وقالت بغصة
" من سيعلم إذا ؟ من سيعلم بأنه كان يسرق الرمان من الحقول
ويطعمها البذور بينما يأكل هو قشوره كي تضن بأنه يأكل وكل
اعتقادها بأن عائلة عمي قيس من يعطونهم إياه ؟ وكنت أعلم
بذلك وأخفي الأمر عنه لأنه لا يعلم بأني راقبتهم من خلف الباب "
تدحرجت دمعة من رموشها وهمست ببحة
" حتى أنه عمل في مستشفى مقر الحدود كي يوفر لها الدواء
رافضا أن يتصدق به ذاك الطبيب عليه ، كان يتلقى الضرب
والسب والإهانات من عمي والتهميش والسخرية من الجميع
ولا يتحدث أو يشتكي .. كل ذلك من أجلها فقط "
أخفضت رأسها حياءا مما ستقوله وتابعت دموعها تتقاطر على
الأرض
" حتى أنه اتهم في شرفه ونزاهته وهو فتى صغير واعترف
بذلك فقط ليحميني منهم ، يوم توفيت والدته أرسلته للطبيب
كي لا يحضرها وقت وفاتها وكان سيبات تلك الليلة في الشارع
وفي البرد لأنه يرى أنه لا حق له في ذاك المنزل وأجبرته على
الدخول مكرها وبات ليلته تلك في غرفتهما مع ذكراها ومكانها
الفارغ وحيدا بدونها لأول ليلة في حياته ، ماذا تتوقعون منه إذا ...
ماذا ؟ "
أنهت عبارتها تلك تمسح دموعها المتقاطرة من عينيها تباعا
فبالرغم من جرحها منه وغضبها عليه إلا أنها لا تستحمل التفكير
أو الحديث عن ماضيه وعن ألمه الذي يرفض هو الاعتراف به
منذ كان طفلا فكيف بالآن ؟ رفعت رأسها ونظرها للذي لاحظت
صمته المبهم بعد حديثها فصعقت به يمسك عيناه بأصابعه بقوة
منزلا رأسه للأسفل و ... يبكي !! وسرعان ما أولاها ظهره وسار
جهة الواجهة الزجاجية تمسح أصابعه تلك الدموع التي يرفض
أن تفضحه أكثر وكأنها لم تنزل سابقا ولا أمام نفسه ، مسحت
دموعها التي عادت للنزول مجددا وساد الصمت طويلا بينهما
وكأن كل واحد منهما يرفض إشراك الآخر فيه قبل أن تكسره
قائلة بصوت منخفض ونظرها على قفاه
" تيم ليس غاضبا من أجل نفسه .. أنا متأكدة من ذلك رغم أنه
لم يتحدث أمامي عن الأمر "
التفت لها وقال
" هل يأتي لزيارتك ؟ "
نظرت للأسفل فورا وقالت
" أحيانا "
وصلها صوته فورا
" لا أعلم لما أشعر بأنك لا تقولين الحقيقة ماريه فأنتي من النوع
الذي لا يعرف الكذب وما في قلبك تظهره ملامحك ، أنتي وحدك من
قبلها تيم من ماضيه لم يحملها إثم ما حدث مع والدته ولم يتخلص
منك في حاضره ولم ينبذك فظننت أنك تستطيعين مساعدتي لأنك
ستكونين الأقرب له من بين جميع المقربين منه لكن يبدوا أن
أموركما أيضا ليست على ما يرام "
لم تستطع رفع نظرها به ولا التعليق على ما قال وهي تسمع
خطواته مجتازا لها ثم فتح باب الغرفة وقال
" إن احتجت أي شيء أخبريني فقط ماريه وإن انزعجت يوما من
البقاء هنا فمنزلي مفتوح لك في أي وقت تريدين "
استدارت منادية ما أن غادر
" عمي "
وعضت طرف شفتها منزلة رأسها ما أن التفت لها ، تريد أن تعلم
أن تفهم على الأقل ، لن تفضح سره أبدا لشخص آخر غير ساندرين
التي لولا أنها أخبرتها قبل أن تعلم منه لما فعلتها أبدا لكنه ذكر اسم
مطر شاهين قبل قليل وصلته به وعليها أن تتحقق من شكوكها ،
رطبت شفتيها بطرف لسانها ورفعت نظرها له وقالت بتردد
" هل يعمل تيم في مكان آخر غير تلك المنظمة ؟
أ .... أنا أعني عملا سريا آخر ؟ "
نظر لها عاقدا حاجبيه باستغراب لبرهة قبل أن يقول
" لما تسألين ماريه ؟ "
شعرت بضربات قلبها تتصاعد بسرعة فها هو لم ينكر وإن علمه
بذلك بل سألها لما سألته أي أنه .... قالت برجاء حزين
" أرجوك عمي جوابك سيشكل أهمية كبيرة بالنسبة لي ، أريد
فقط جوابا وإن بكلمة واحدة "
كانت تنظر له بأمل كسير ضعيف استشفه ذكائه بسهولة فقلبها
العاشق كأي أنثى كان يتأمل في أن يكون ثمة تبرير ... ثمة سبب
وإن كان يصعب عليها استيعابه والتعايش معه المهم أن يكون
صادقا حقا فيما قال ولم يكن يكذب ، راقبت حركة شفتاه بأمل
يحتضر وهو يحركهما ببطء وقد قال
" نعم "
ثم استدار وغادرا تاركا إياها واقفة مكانها تتنفس الهواء وكأنه
ينعدم من المكان حولها وقد مررت أصابع كلتا يديها في شعرها
للخلف تشعر بضربات قلبها وصلت أقصاها ... إذاً ما قاله صحيح
والمهمة موجودة بالفعل ، لكن ... نزلت دموعها رغما عنها فليس
يمكنها تصور ذلك أبدا وتحت أي مسمى كان وامرأة انجليزية ... !
أي لا ضوابط في حياتها ولا في علاقتهما .
مسحت دموعها بقوة وخرجت من هناك وعادت جهة غرفتها
وتوجهت لسريرها مباشرة جلست عليه ورفعت هاتفها واتصلت
به فورا قبل أن يتغلب عليها ترددها فعليها أن تفهم منه وأن يشرح
لها أكثر عن طبيعة عمله ذاك وحدود صلته بتلك الفتاة ، مسحت
دموعها التي انسابت فقط لمجرد التفكير في الأمر وعاودت الاتصال
مجددا حين لم يجب وضربات قلبها تتصاعد مع رنينه .. تعلم بأنه
غاضب منها أيضا وقد لا يجيب عليها لكنها لن تتوقف عن المحاولة
فما كان ليوضح لها بالقدر الذي سيقنعها هي لكنها الآن تعلم
وستحاصره بمعرفتها لطبيعة عمله الآخر ، مررت أصابعها في
غرتها الناعمة ورطبت شفتيها الجافتان ما أن انفتح الخط تشعر
بضربات قلبها ترتفع حد الجنون حين انفتح الخط ولم يتحدث
فقالت فورا
" تيم أ..... "
" من أنتي ؟ "
تصلبت يدها كما لسانها وجميع أطرافها بل وتجمد كل شيء حولها
وانسابت دموعها دون استئذان وهي تسمع ذاك الصوت الأنثوي
الغاضب والذي قالت صاحبته مجددا
" من أنتي أجيبي "
*
*
*
أطلقت شتيمة بذيئة حين انغلق الخط في وجهها وأبعدت الهاتف
ونظرت له هامسة بغيظ " الوقحة سترى حسابها مني "
التفتت لباب الحمام الذي فتح فجأة ونظرت للواقف أمامه ببنطلون
جينز فقط يمسك منشفة يجفف بها بشعره وقد توقف تماما عما
كان يفعل ينظر لها بصدمة سرعان ما تبدلت للاستهجان فأمسكت
خصرها بيديها وهاتفه لازال في إحداها قائلة بضيق
" من هذه ماري ديفسينت تيموثي والتي تتصل بك مقربة
منتصف الليل ؟ "
رمى المنشفة من يده بعنف وتوجه جهة قميصه القطني المرمي
على السرير ولبسه في حركة غاضبة عنيفة ثم توجه نحوها سحب
الهاتف من يدها وقال بضيق " ما الذي أدخلك هنا لوسي ؟ ومن
أين تحصلين على نسخ مفاتيح منزلي ؟ ... سحقا للحثالة "
ثم لوح بيده بغضب والهاتف فيها متابعا ومن قبل أن تتحدث
" بل وتفتشين هاتفي دون استئذان أيضا ؟ كم مرة نبهتك عن
التصرفات الصبيانية هذه ؟ ثم ما تفعلين أنتي أيضا في منزلي
مقربة منتصف الليل ؟ "
قالت باستياء وصوت باكي وقد ضربت الأرض بحذائها العالي
" والدي في انتظارك فلم يحصل على وقت فراغ غير هذا الوقت
ثم أنا من حقي أن أعلم من تكون هذه التي تتصل بك الآن وأنت
بنفسك قلت لا حبيبة ولا صديقة لديك "
" لم أقل ذلك .... سحقا "
صرخته تلك لم تزد الأمر إلا سوءا فقد صرخت فيه بالمثل
" أجل فأنت سبق وأخبرتني أنه ثمة امرأة وأنا لم اصدق ذلك لأنك
لم تخرج مع إحداهن سابقا وها قد علمت من تكون "
وما أن أنهت عبارتها تلك خرجت من الغرفة ضاربة الباب خلفها
فشتم بحنق وانتظر قليلا وكما توقع لم يسمع صوت باب الشقة فنظر
لهاتفه في يده واتصل بماريه أولا فتلك المدللة الخرقاء لم تفسد
هذا الأمر فقط بل إن ضلت على شكها بأنها حبيبته فستفعل أي
شيء للتخلص منها ، توجه جهة باب الشرفة الزجاجي أصابع
تشد شعره للخلف بقوة وأصابع اليد الأخرى تثبت الهاتف على
أذنه وكلما قطعت عليه الاتصال حاول مجددا حتى وجده مغلقا
فرماه على السرير بطول يده شاتما بغضب وسحب سترته بعنف
وغادر الغرفة فوقع نظره فورا على الجالسة على الكرسي تحرك
قدمها بغضب مشيحة بنظرها عنه فقال ببرود مستندا بالجدار
خلفه ومكتفا ذراعيه لصدره
" لو ركزت على اسم عائلتها لاكتشفت أنها قريبة لي من جهة
الأم ومؤكد تعرفين اسم عائلة والدتي وهي فتاة يتيمة الأبوين
أنا المسئول الوحيد عنها وقد قمت بنقلها من إيطاليا من مدة
قصيرة من أجل الدراسة وتعيش مع قريبة لنا كلينا ، هل يكفي
هذا أم أشرح أكثر ؟ "
لم تتحدث ولازالت على حالتها تلك فشد على فكيه بقوة وغضب
وكره تلك اللحظة مهمته ومطر شاهين بل والنساء اللواتي لا
يفهمن معنى التبرير أبدا ، فك ذراعيه وقال بنفاذ صبر
" تعلمين جيدا بأنه لا علاقة بيني وبينها فتحركي لنغادر لوالدك
أو سأنام "
وقفت على طولها واستدارت بجسدها ناحيته وقالت بسخط
" لن تخجلني مع والدي مجددا تيموثي أتفهم ؟ ثم ما هذه الطريقة
التي تراضي بها امرأة غاضبة ؟ "
كاد يضحك في وجهها ولا رغبة له أساسا في الضحك ، يراضي
امرأة غاضبة ! قد أثبت عجزه عن ذلك من قبل أن يراها الآن ،
بل تهذي هذه المرأة بالتأكيد فسيقطع يده قبل أن تلمس طوعا
جسد امرأة غير تلك وهذا ما يراه حقا لها وحدها ، قال بذات بروده
" لا طرق أخرى لدي وأنا لم اغضبك "
سارت جهة باب الشقة قائلة بتذمر
" يالك من بارد وأحمق لكن لا بأس سنهدم حاجزك هذا قريبا "
وغادرت تاركة الباب مفتوحا خلفها فتأفف بنفاذ صبر وتبعها
فسيقتلها بالتأكيد إن لم تنتهي تلك المهمة قريبا .
*
*
*
مسح وجهه بكفيه مستغفرا الله بهمس وأبعد تلك الأوراق عنه
مجددا ، هو يؤمن بشيء واحد فقط أن زيزفون لم تفعلها ...
من وكيف ولما هذا ما عليه اكتشافه أو اعتزل المحاماة
لباقي حياته .
سحبها نحوه مجددا ككل مرة أبعدها فيها وعاد لدراسة كل بند
وكل سطر كتب في تلك الأوراق لا يغفل عقل المحامي في رأسه
عن كل صغيرة وكبيرة رغم تشابك وتعقد الأحداث فالأدلة جميعها
ضدها .. كانت في العاشرة ! عمر لا يصلح للقتل إلا إن كان الدافع
قويا فهذا يحدث أحيانا ويدفع من في عمرها لارتكاب جرائم
مشابهة ، لكن لما كانت هيئة المحلفين من دافعت عنها ! لما
لم يستلم قضيتها أي محام ليظهر الحقيقة ؟ أين الشخص الذي
كان يحميها وأخرجها من البلاد وأنقدها من القضية وقتها لم
يسعى لإظهار الحقيقة ؟ ما السر الذي يخشون أن ينفضح
بظهور مجريات الأحداث الفعلي ؟ وهذا الموقف كان مشابها
لموقفها تماما وهو ما جاء في ملف القضية .. الصمت التام
من جانبها رغم جميع التهم الموجهة لها ! فلما لم تدافع عن
نفسها ولا حتى بعد إرسال مبعوث المحكمة لها في المصحة
قبل ثلاث سنوات وحين كانت في الخامسة عشرة حينها ؟
إن لم تكن هي من فعل كل ذلك فلما الصمت عن قول الحقيقة ؟
هي خرجت من القضية بحكم حالتها المرضية والنفسية وقتها
فلم يستطيعوا ولا استجوابها بشكل جيد وقانوني لأنها كانت شبه
فاقدة للعقل بسبب ما حدث تلك الليلة لكن القضية لازالت معلقة
في بلادها كما أنها لازالت مسجلة كنزيلة في ذاك المصح وهذا
جدار حماية جديد لها فلا تصلهم أي معلومات بأنها شفيت فعائلة
المقتول لم يسقطوا حقهم بعد وهي تجاوزت الآن السن القانوني
والسجن سيكون مصيرها حال فتحت القضية من جديد ، تقرير
طبيبها الخاص عن حالتها مشابه تماما لما شهده هو نفسه تلك
الليلة فهي في حالة ألا وعي تذكر حادث احتراق والدتها فقط
حين كانت تقول صارخة
( إنها تحترق تعالوا أرجوكم ... أوقفوه بسرعة فسيحرق كل شيء )
إذا هذه هي الجريمة الأولى وهذا دليل براءتها منها وإن كان
القضاء لا يعترف بمثل هذه الأدلة لكنها بالنسبة لمحام هو دليل
قاطع لكن ماذا عن الجريمة الأخرى ! هل قتلته فعلا لأنه أحرقها ؟
أم ثمة من قتلهما كليهما ؟ لكن لما ستصمت عنه إن كان قاتلا !
هل ستحمي قاتل والدتها ؟
ضم رأسه بين يديه ونظره على تلك الأوراق المبعثرة أمامه
فلا جديد فيها رغم السنوات الخمس التي كانت تفتح فيها القضية
في كل مرة قبل أن تغلق منذ ثلاث سنوات ، إن كان زوج
والدتها هو من قتلها ثم هي قتلته فمن هو الذئب في رسوماتها ؟
أهو زوج والدتها أم أنه القاتل الحقيقي ؟ إن كان زوج والدتها
فكيف ظهر الآن ذاك الأسد بينما كان طوال الوقت فريسته أرنب
ضعيف ! إن كان ميتا فكيف سينقض عليه ذاك الأسد !!
إلا إن كان الأمر نفسيا .. أي حرب داخلها فقط !
فتش مجددا وأخرج ورقة معينة اشتدت أصابعه عليها لا شعوريا
وهو يقرأ أسطرها وشعر بقلبه ينقبض وكأنه توقف عن ضخ
الدماء لجسده وعن استقبالها منه فلما طلبت لجنة المحلفين هنا
تقريرا طبيا بتعرضها للاغتصاب ؟ لماذا وأين التقرير الطبي
ولما لم يتم ذكر هذه النقطة في القضية لاحقا ؟ اتكأ بجبينه
على راحة يده وشد صدغيه بأصابعها بقوة لا يريد أن يفكر في
هذا أبدا فحينها لن يسامح ولا نفسه فيما مرت به ولن يلومها
أبدا إن لم تسامحه هو أيضا وليس جده فقط بل وجميع من يمت
لعائلة ضرار سلطان بصلة .
عاد للبحث مجددا بين شهادات الشهود فبحكم أن الجريمتان
حدثتا في مزرعة فشهادة الجيران كانت ضعيفة وشحيحة أيضا
والجميع أقروا بحالتها المرضية سابقا بسبب الأكياس المائية
في دماغها وانطوائها عن الجميع فبالكاد كانوا يرونها بينما
شهد الجميع بعلاقتها العميقة بوالدتها وبأنها كانت تخشى
عليها حتى من احتكاكها بالأطفال كي لا تتعرض للسخرية
بسبب تأخرها في إدراك ونطق الكلمات أما زوجها فكان
الحاضر الغائب في شهاداتهم فلم يكن لديه أي احتكاك بهم
وليس له أي أصدقاء منهم وكان يقضي أغلب وقته في
المنزل لم يكن لديه عمل محدد يستقر فيه ولا يملك شهادة
أو مؤهلات وحتى في عائلته لم يتم ذكر أصدقاء أو أعداء له .
ثمة شخص واحد كان له احتكاك مباشر بتلك العائلة الصغيرة
وهو ( بشير ) شقيق الزوجة من الأم أي خال زيزفون لكنه
لم يدلي بأي شهادة وقد أثبتت المحكمة أنه كان بعيدا عن ساحة
الجريمة تلك الليلة بطولها لكن ثمة أمر مريب ذكر عنه وهو بأنه
( الشخص الوحيد المقرب من تلك العائلة والوحيد الذي شك
في قدراتها العقلية وفي ذات الوقت استبعد أن تكون مؤذية)
ثمة أمر مريب في أقواله لكنه لم يكن في مكان الجريمة
وبشهادة أكثر من شخص ! جمع الأوراق معا وأعادها لذاك
المغلف ورفع دفترها من الأرض وفتح على تلك الرسمة تحديدا
محدقا بذاك الأسد المنقض على فريسته بقوة وثقة وبدأت
التساؤلات تدور في رأسه فهل تيقن عقلها الباطن من أنه ثمة
من سيقتص من الجاني حيا كان أو ميتا ؟ وإن عنت بذاك الأسد
العدالة وبالذئب قضيتها ليس إلا لكن ماذا إن كانت ترمز
لأشخاص حقيقيين ! حينها سيكون ثمة مذنب حي طليق وثمة
من باتت تثق بأنه سيهزم تخفيه خلف جرائمه طوال تلك الأعوام .
وقف وترك الدفتر من يده وتوجه لباب الشرفة الزجاجي ووقف
أمامه يراقب الليل والسكون وتذكر فورا حديثهما الأخير
وعبارتها تلك
( لكنك لن تجد حل لغز الجريمة فيها وستعتمد على ذكائك
هذه المرة يا وقاص )
وهذا أكبر دليل على براءتها .. دليل واضح جدا على أنها تنتظر
شخصا يستطيع فك خيوطها بذكائه وحده دون أن يعتمد على أي
شهادة منها ، لكن عبارتها الأخرى !!
( وهذه قد تلعب فيها العلاقات الشخصية دورا مشابها ... فهي
إذا ليست من اختصاصاتك )
فلما قالت أن العلاقات الشخصية ستلعب فيها دورا إن كانت هي بريئة !
من هذا المذنب الذي قد يقف عاجزا أمام تقديمه للعدالة ؟
شد قبضته على زجاج باب الشرفة وقد ظهرت أمامه صورتها
وذاك البريق في عينيها الواسعة حين قالت بحزن
( ذاك لن يأخذ له أحد بحقه ومهما حاول )
ضرب بقبضته على الزجاج أمامه هامسا من بين أسنانه
" أنا من سيأخذ بحقك ... قسما يا زيزفون أن أفعلها "
*
*
*
شدت الحبل جهتها بقوة بينما كان يشد طرفه الآخر الواقف في
الجهة المقابلة لها من البئر الواسع العميق حتى ظهر لهما الدلو
الكبير المليء بالماء فهذا هو حالهم كلما أصاب مضخة المياه
الكهربائية عطل ما فسيحتاجون لوقت لإصلاحه وعليهم حينها
إخراج الماء بالطريقة البدائية الشاقة ، فعلى تلك الآبار كان
يعتمد أهالي تلك القرى فشبكات المياه الحكومية قديمة وبسبب
المشاريع الزراعية والري الجائر لم يعد يصلهم من تلك المياه
شيء فأصبح اعتمادهم على أبار المياه الجوفية وسحبها
بمضخات المياه بشكل مستمر مما يؤدي لتعطلها شبه شهريا
فحتى مياه الأمطار التي تنزل على مدنهم طوال موسم الشتاء
لا يتم الاستفادة منها بشكل منظم وسليم فتتضرر بعض الأراضي
بينما يستفاد البعض الآخر وجميع الحلول التي كانت تسعى
الحكومة لتوفيرها سابقا كانت تنتهي بالفشل إما بسبب عدم
تعاون أهالي تلك الأرياف أو بسبب شجارهم المستمر على
سبل الاستفادة منها فيتحول الحل لمشكلة معقدة ، وحتى الشركات
الزراعية التي تتبنى المشاريع في هذه الأراضي الخصبة تجني
الفائدة دون أن تفيدهم ومشاكلهم بشيء .
ابتسمت للذي تلقى هو الدلو وسكب المياه منه في الحوض
الحديدي ثم عادا لإنزاله مجددا تراقبه مبتسمة بحزن فكم تشفق
على حال هذا الفتى فعمره نصف عمرها تقريبا ويقوم بخدمتهم
جميعا وحتى أشقائها من هم في عمر والده فلا تسمع في ذاك
المنزل سوى
( إسحاق تعال هنا ... إسحاق خذ هذه هناك ... إسحاق إرفع
هذا للأعلى )
وأيسرها كان دائما
( إسحاق ساعدني في ذلك )
فعلى الأقل يتشاطر معه العمل .
تحار أحيانا في قصته المدفونة خلف الماضي والغموض وسر
إحضار أشقائها له رضيعا وقد قالوا بأنهم وجدوه مرميا على
طريق حدود الهازان مع الحالك وتشعر دائما أنه ثمة ما يخفونه !
صحيح أن لون عيناه الزرقاء وبشرته لا يشابه قبائل الحالك
وخاصة الجنوب أبدا لكنها لا تصدق أن يكون الأمر مجرد
مصادفة ورقة قلب منهم ليحضروا طفلا لقيطا لمنزلهم !
ثم ذاك الرجل الذي أخذه قبل أعوام وقال بأنه ابنهم ثم عودته
بعد عامين في حال مزرية وتغيره بعدها وكأنه ليس من كانوا
يعرفونه سابقا حتى أنه فقد صوته نهائيا بل وتراه منذ ذاك
الوقت منطوي أكثر على نفسه شارد الذهن وثمة حزن عميق
يسكن تلك العينان الجميلتان بل ورأته عدة مرات يجلس عند
احدى الأشجار ويبكي بالخفية .. تشعر بأنه ثمة سر عظيم
ورائه وليست تعلم ما يكون ! كم مرة انتابها الشك في أن
يكون من سلالة دجى الحالك فوالدة ذاك الرجل خماصية من
الهازان طلقها والده تحت ضغط كبير من جدهم شاهين بعد
ولادتها لدجى مباشرة ثم لم يعد يعلم أحد عن مصيرها !!
لكن إن كان كذلك فمن الذين احتالوا عليهم وأخذوه منهم
سابقا وأين ولما ! بل وكيف أعادوه منهم وبأي صفة !!
هل يكون ابن آخر لتلك الإيرلندية زوجة شقيقهم يحيى أيضا
ومن أحد إخوتها ؟
استغفرت الله بهمس وأخذت منه الدلو وسكبت هي ما فيه
هذه المرة قبل أن ترفع نظرها بالتي كانت متوجهة نحوهما
مسرعة تمسك جريدة في يدها يتلاعب الهواء بفستانها الطويل
المطرز تتحرك ضفائرها الطويلة المثنية ضاربة لخصرها وذراعيها ،
تشبهها في كل شيء تقريبا حتى في سنوات عمرها وملامحها
وسواد ذاك الشعر الطويل المضفور غير أنها تحب ثني ضفائرها
الطويلة تلك عكسها كما تختلفان في طباعهما فبقدر هدوء هذه
وطبعها المسالم فتلك تحاول دائما ابداء أراء عقيمة في عائلة
لا تعير لرأي المرأة بالا وتدافع عن حق لن تحصل عليه منهم
أبدا ، ما أن وصلت عندهما قالت بضيق تلوح بالجريدة في يدها
" حوراء تعالي وانظري ما يوجد هنا "
قالت وهي تضع الدلو جانبا
" أنتي التي تعالي لننقل حوض المياه للمنزل واتركي عنك ما لا
ينفعك في شيء "
تأففت واقتربت منها قائلة
" قلت انظري لهذه "
ووقفت بجانبها وأرتها إياها قائلة بسخرية
" انظري لهذه الحسناء في الصورة هل تتوقعين من تكون
هذه بدر البدور ؟ "
ضحكت حوراء رغما عنها على ابتسامة الواقف أمامهما على
مسافة قليلة فقالت جيداء بحنق
" وما قلته يضحك ؟ هي بدر بالفعل فكيف إن وضعتها بجانب
شقيقك شعيب ؟ "
أرتها عنوان المقال وقالت تتبع حروفه بإصبعها
" غسق شراع صنوان "
ضربت بعدها بيدها على الصورة قائلة
" هل علمت الآن لما يبحث شقيقك المصون عن نسبها بجميع
الطرق زائغ العينين ذاك ؟ "
استلت منها الجريدة قائلة
" دعيني أرى هذا ! "
نظرت عاقدة حاجباها الرقيقان الطويلان للمقال تحتها ثم أشارت
لصورة الواقف فوق المنصة قائلة تمسك ضحكتها
" وهذا مطر شاهين ؟ يا حسرة قلبي عليك يا شعيب "
ضحكت جيداء من فورها وقالت
" هو وتلك المرأة وجهان لعملة واحدة ، قسما لا رجل أغبى
منه في التاريخ يبحث عن شيء في امرأة غيرها "
طوت حوراء الجريدة ومدتها لها قائلة
" حسنا شكرا لإيصال الخبر بسرعة وهيا ساعدينا في حمل هذا "
رمت الجريدة من يدها دون اهتمام أين سيستقر بها الأمر في
تلك لأرض الواسعة بأشجارها المصفوفة على مد النظر
وقالت بضيق
" أيعجبك أن يسعى أشقائك لإيجاد زوجات لهن من نسل ذاك
الرجل الذي قد يكون تحلل تحت التراب من أعوام طويلة
ويتركوننا نحن نظفر الشيب في حبائل طويلة ؟ "
تنهدت الواقفة أمامها بضيق وقالت
" لا نفع مما تقولينه يا جيداء وإن سمعتك والدتك لقطعت لسانك "
ضربت يديها في وسطها فرنت أساورها الذهبية في نغم خفيف
وقالت بضيق
" هذا ما يوقف حالنا هكذا عبارات الاستسلام هذه ، قارب عمرك
للسابعة والثلاثين إن لم تكوني تعلمين ذلك ولولا جذور قبيلتك لخط
الشيب في جدائلك يندب حظك معك فلما يطبقون حدادهم علينا بينما
يتزوجون هم من نسل دجى الحالك ؟ "
ثم أشارت بإصبعها للجريدة التي يتلاعب الهواء بأوراقها تحتها قائلة
" هذه ... ! هذه يتزوجها شعيب ! قسما إن نام معها في غرفة
واحدة ما خرج لنا بعدها أبدا "
لم تستطع حوراء إمساك الضحكة التي شاركها فيها الواقف صامتا
كعادته وإن كان يحاول كتمها بجهد فنظرت لهما بحنق قائلة
" وما الذي قلت يضحك ؟ هذا بدل أن تبكيا على مستقبلكما الرائع "
قالت حوراء ما أن توقفت عن الضحك
" سمعت أيضا أن ابنتها من ابن شاهين تنافسها في الحسن أي
أننا لن نتخلص من شعيب فقط بل ونوح معه أيضا "
زمت شفتيها بحنق قبل أن تقول
" يا سعادتك يا ابنة غيلوان ، ستبقي وحدك دون زواج ولا أولاد
وشقيقتك معك أيضا "
قالت مبتسمة
" بلى هناك مايرين وأويس أيضا "
لوت شفتيها بسخرية قائلة
" مايرين ستتزوج كما تزوج شقيقها فهم انشقوا عن العائلة من
أعوام طويلة حين أراحهم هازار منا .. ليته شقيقي فقط ، أما
أويس إن قرر أن يتزوج فلن يقف في طريقه أحد وهم يعلمون
ذلك جيدا ، ثم هو أحق من غيره فعلى الأقل يجد من تخدم والدته
الضريرة "
انحنت حوراء جهة الحوض قائلة
" ويحي كيف نسيت ؟ عليا الذهاب لرؤية ما تحتاجه فأويس لن يرجع
قبل الغد وأنا لم أذهب لها اليوم ، بسرعة ساعداني لحمل هذا "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 71 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 01-01-18 الساعة 09:39 PM
رد مع اقتباس
#5810
قديم 01-01-18, 09:09 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
وضع كأس الشاي ووقف فوقف الجميع لوقوفه وقالت جوزاء
" لم تبقى معنا سوى ساعتين يا مطر ، أي زيارة هذه يا شقيقي ! "
رفع سترته وهواتفه قائلا
" اتركينا ننتهي من مشاكل هذه البلاد أولا ثم لك عليا أن تملي
من وجودنا "
قالت مبتسمة بحب
" أمل من وجودك ! قسما لن تكفيني ولا أربعة عشر عاما مماثلة "
وتابعت بعينان دامعة تجمع كفاها عند شفتيها
" ليت عمتي نصيرة معنا الآن كم كانت تفتقدك وذكرك على لسانها
كان يعادل ذكرها لابنها المفقود ، لو أنها فقط رأته وإن لمرة واحدة
قبل أن تموت "
خيم الحزن على ملامح الجميع وهمس المقابل لها متنهدا
" رحمة الله عليها كل زاوية في ذاك المنزل تذكرني بها "
قالت التي بدأت بمسح دموعها المتقاطرة من رموشها
" وقاسم ما وضعه الآن يا مطر ؟ لما لا يتزوج بدلا من البقاء
وحيدا كما يخطط حال مغادرته منزلك "
اشتدت قبضتا الواقفة بجانبه لا شعوريا وأرخت نظرها للأرض
خشية أن تفضحها نظرة الصدمة في عينها حين علق قائل
ا " سيحدث بالتأكيد فأنا لن أسمح بغير ذلك "
وتابع وقد أراح يده وذراعه على كتفي الواقفة بجانبه والتي
تنفست بقوة تشعر وكأن مشاعرها وصلت له
" خاصة أنه رفض إلحاح عائلة والده جميعهم للعيش معهم
حتى في منزل مستقل ، هو يحتاج لزوجة فعلا يكفيه ما
عاشه وحيدا "
كانت تشعر بكفيها يتعرقان بشدة وبكل شيء حولها يبتعد
عنها وليست تفهم حقا لما يضايقها ذلك ؟ هو يراها فتاة
ضعيفة شخصية سلبية المشاعر ومذنبة فعليها أن لا تهتم
به أيضا ، تنفست ببعض الارتياح حين تحرك مبعدا ذراعه
عنها منهيا الحديث عن الأمر مودعا زوج شقيقته وابنتها
بينما رافقته جوزاء حتى باب المنزل والذي منعته أساسا
من الاقتراب منه كثيرا حين أمسكت بيده موقفة له وقالت
محدقة بعينيه ما أن نظر لها
" مطر أود التحدث معك قليلا "
علمت من نظرته بأنه لن يوافق خاصة ليقينها بأنه يعلم جيدا
عما تريد التحدث عنه وذاك ما حدث فعلا وقد حرك رأسه
برفض قائلا
" ليس وقته يا جوزاء ولا داعي لذلك أساسا "
شدت أصابعها على يده أكثر وقالت بإصرار
" بلى علينا التحدث والآن أيضا لأني أعلم بأن زيارتك هذه
لن تتكرر قريبا ولا يمكنني السفر لحوران قبل فترة قد تكون
بعيدة ، ثم أنا لن أؤخرك "
أغمض عينيه لبرهة متنهدا بضيق فقالت بحزن
" لما فعلتها يا مطر ؟ اقسم لو أنك قتلتها لكان أرحم ألف مرة
مما قلت "
استدار بكامل جسده ناحيتها وقال بجدية
" لا أحد يمكنه فهم ما قد أقوله يا جوزاء وليس بإمكاني
شرح ذلك فوفري على نفسك طرح السؤال"
قربت حاجبيها قائلة بأسى
" حين كنت في رحلة سفرك الأخيرة تلك سألتني أيهما افضل أن
يتزوج زوجي أم أن يخونني مع امرأة أخرى .. لم أفهم سبب
سؤالها حينها وظننتها شكوكا لا وجود لها لكني الآن فهمت "
أبعد نظره عن عينيها ولم يعلق فقالت بحزن ونظرها لازال
معلقا به
" كانت تحبك وبشغف ... الأعمى فقط من لا يمكنه رؤية ذلك ،
لما أخسرت نفسك كل شيء جميل كان بينكما يا مطر ... لماذا ؟ "
بقي متمسكا بصمته وكما تعرفه جيدا لا يشارك أحدا أفكاره
ومهما كان لكن ذلك لم يجعلها تستسلم أبدا فتابعت من فورها
وبضيق
" ما أن علمت بحقيقة نسبها قطعت علاقتها بي ودون أن
تعطيني فرصة ولا للتبرير ، أنت لم تجعلها تخسرك فقط بل
وأخسرتنا إياها جميعا "
تحرك من مكانه ليغادر فأمسكت يده بقوة ودارت حوله حتى
وقفت بينه وبين الباب وقالت بجدية محدقة بوجهه
" مطر لا يكون جوابك الصمت ، أنا لا يمكنني تصديق أنك قد
تفعلها وإن رأيت ذلك بعيني ، ولن أصدق أن من انتظرها
منذ كانت ابنة العشرة أعوام ولم يتزوج أن يفعلها بعد أن
أصبحت لديه فلما قلت ما قلت ... لماذا ؟ "
نظر لعينيها وقال بحزم
" لأنه كان عليا قوله "
" لماذا !! "
قالتها مباشرة وبنبرة قوية لا تحتمل أي تبرير غير الجواب
الواضح الحقيقي فرفع يده جانبا وقال بضيق من إصرارها
" لأنها ليست أقسى من حقائق أخرى يا جوزاء فارحميني
من استجوابك العقيم هذا "
قالت بإصرار
" أخبرها تلك الحقيقة إذا ... هي ستكون أرحم لها مما قلت
ومهما كانت قاسية "
لوح بيده قائلا برفض
" ذلك لن يجدي .. لن يجدي أبدا بل وستكون نتائجه أسوأ "
قالت بضيق
" لست أفهمك يا مطر لما لا تكن واضحا ؟ ما هذا الأسوأ
مما فعلت ؟ "
خرجت أعصابه عن السيطرة هذه المرة بسبب إلحاحها
فقال بحدة
" لأنها ستدفع نفسها للهلاك من أجل أن تحمي شخصا آخر ،
إن علمت فلن تتوانى عن رمي نفسها للمجهول من أجل
إنقاذ حياته بل وستجر ابنتها معها وسأخسرهما كليهما
يا جوزاء وهذا ما لن أسمح بحدوثه أبدا "
حركت رأسها برفض قائلة بحدة مماثلة
" أنت تخسرها الآن أيضا يا مطر ... تخسرها وبأقسى الطرق "
ثم رفعت يدها لصدره واشتدت أناملها على قميصه جهة قلبه
وقالت بجدية محدقة بعينيه
" وتأكد من أنها إن قتلت حبك في قلبها فليس لأي قوة
على وجه الأرض أن تحييه مجددا ولا ركوعك عند قدميها
طالبا الصفح "
أنهت عبارتها تلك ثم ابتعدت عن الباب وسارت عائدة حيث
كانت دون أن تلتفت لمن تركته خلفها
رغم شعورها بما يخفيه خلف جموده وصمته القاتل ذاك ،
لكنه من يختار دائما أن لا يستمع لأحد غير نفسه
وهي فعلت ما عليها وأوصلت له ما تريد قوله
وتعرفه جيدا أذكى من أن لا يفهمه أو أن يستهين به .
ما أن دخلت الغرفة كانتا بثينة وتيما هناك فقط فاقتربت
من التي كانت تنظر لها بحزن نظرة استطاعت قراءتها
فورا وفهم سببها خاصة مع دخولها عليهم بذاك الوجه
المتجهم والملامح الحانقة ، وقفت أمامها وأمسكت
بوجهها وقالت بحنان محدقة بمقلتيها الزرقاء الواسعة
" تيما لا تجعلي مشاكلهما تؤثر عليك صغيرتي ، صحيح
أن والدتك أكبر عنيدة عرفها التاريخ ووالدك أكثر رجل
ينساق خلف عقله في الوجود لكنهما يحبان بعضهما
أضعاف عنادهما الغبي ذاك فلا تحزني لأنه ليس ثمة
قوة على وجه الأرض قد تفرقهما أبدا "
أومأت برأسها وعيناها تمتلئان بالدموع هامسة ببحة
" وذاك عزائي الوحيد عمتي "
*
*
*
فتحت باب الغرفة ودخلت ونظرت بصدمة للهاتف المحطم
المرمي على الأرض ثم للجالسة فوق السرير تخط في الورقة
تحت يدها بعنف ثم جعدتها ورمتها مع كومة الأوراق تحتها
أسفل السرير فتوجهت نحوها ووقفت أمامها تمسك خصرها
بيديها قائلة باستغراب
" ماريه ما بك ؟ "
نظرت لها بجمود نظرة جثة خالية من أي حياة قبل أن تعود
لما كانت تفعل وكأنها لا تراها أمامها فانحنت جهتها واستلت
الأوراق من يدها وجلست أمامها قائلة
" ماذا حدث ؟ "
" لا شيء "
نظرت لها باستغراب من نبرة صوتها وملامحها وقالت
" ماذا كان يريد والده ؟ "
أنزلت نظرها وابتسمت بمرارة هامسة
" جاء يأمل بأن أعالج شرخا بينهما ما استطعت معالجة أصغر منه
بيني وبين ابنه "
نظرت للخلف حيث الهاتف المحطم على الأرض قائلة باستغراب
" واتصلت به من أجل ذلك ؟ "
وعادت بنظرها لها ما أن همست ببرود
" لا "
تنهدت بنفاذ صبر قائلة
" ماريه بربك لا تتعبي لي رأسي أكثر "
نزلت من السرير وبدأت بجمع أوراقها ومذكراتها بعنف قائلة
" أنتي من تجلب لنفسها وجع الرأس "
وقفت أيضا وقالت بضيق
" ماريه هل أفهم مما يشتكي عقلك ؟ "
توقفت عما تفعل ونظرت لها وقد امتلأت تلك المقلتان بالدموع
وهمست ببحة بكاء
" بل قلبي هو ما يؤلمني وبشدة ساندي "
تأوهت من فورها وأخذت منها الكتب ووضعتهم ..جانبا
ثم أمسكتها من ذراعيها وأجلستها على طرف السرير وجلست
أمامها قائلة
" ماذا حدث ماريه ؟ ماذا قال حين اتصلت به ؟ "
انسابت أول دمعة على وجنتها وكأنها جمرة من نار من كثرة
ما سجنتها خلف تلك الأجفان المحتقنة بشدة وهمست بضياع
محدقة بعينيها
" هو يعمل مع رجال مطر شاهين هنا "
نظرت لها ببلاهة لبرهة قبل أن تهمس
" يعمل معه ؟ "
أومأت برأسها بنعم وقطعت عبرتها كلماتها حين قالت
" اتصلت به ... لأفهم منه ... لكنه لم يجب بل تلك المرأة ... "
فصرخت الجالسة أمامها من فورها
" التافه السافل الكريه القد..... سحقا له من بين الرجال "
وغادرت السرير بل والغرفة بأكملها لا يتوقف لسانها عن سبه
وشتمه حتى وصلت غرفتها وضربت بابها بقوة خلفها وتوجهت
لهاتفها رفعته واتصلت بالتي أجابت بعد وقت قائلة بنعاس
" أجل ساندي ماذا هناك ؟ "
قالت من فورها وباستهزاء
" لا شيء سمو الأميرة النائمة ... ما الذي غير طباعك فجأة ؟ "
وصلها صوت تثاؤبها الواضح قبل أن تقول بكسل
" لا شيء سوى أني أعمل إن نسيت ذلك وسأكون في المطار باكرا "
قالت ساخرة
" طوال حياتك تعملين هناك ولم تكوني دجاجة هكذا ؟ "
وصلها ذات ذاك الصوت الخدر
" انظري للساعة قبل أن تتحدثي ثم عليا أن أكون نشيطة غدا
وفي أفضل حال لا أريد أن أذهب بعينان منتفختان من قلة النوم "
قالت باستغراب
" ولما ؟ "
تبدل صوت التي في الطرف الآخر للحماس فجأة وقالت
" أجل لم أخبرك من سيكون الكابتن المساعد على الطائرة التي
ستهبط أرض المطار الساعة السابعة "
جحضت عيناها باستغراب وهمست
" من ؟ "
وصلها صوتها فورا
" غيهم أيوب الشعاب "
أدارت حدقتيها بتفكير قبل أن تقول
" ومن يكون هذا ؟ "
وصلها صوت تأففها قائلة
" ما أسرع ما تنسين ساندي إنه ابن جوزاء شاهين الحالك "
ضحكت من فورها قائلة
" قولي هذا من البداية ... هو الخطيب الصوري إذا "
وصلها صوتها المتضايق فورا
" ليس صوريا ووالدته تحدثت مع والدتي مجددا فقالت لها بأنه
يمكن أن نتعرف ببعضنا في الحفل في منزل عمتي وقد أبلغته
هو بذلك "
علقت ساخرة
" قالت الحفل إذا وليس المطار فحاذري أن تذهبي صباحا
بفستان الزفاف "
وصلها صوتها الحانق سريعا
" ساندي يكفيك سخرية مني فهو لا يعلم بأني أعمل هناك ولن
أترك له الفرصة ليتعرف عليا بل سأراه أنا أولا فقد لا يعجبني
ولا أحضر الحفل أساسا "
لوحت بيدها قائلة ببرود " حضا موفقا إذا يا بلهاء واتركينا
من هذا الآن أريد رقم هاتف ابن عمك "
" تيم ؟! "
قالت من فورها
" أجل تيم هل لديك ابن عم غيره ؟ "
" لماذا تريدين رقم هاتفه "
أمسكت خصرها بيدها الحرة قائلة
" لا علاقة لك آنسة كنانة فأعطه لي قبل أن تخمد النار في داخلي "
وصلها صوتها فورا
" لكني لا أملكه "
قالت بضيق
" الآن تقولين هذا بعد سيل من التحقيقات ؟ أعطني رقم زير
النساء ذاك إذا فقد يخدمنا أكثر منه "
تنهدت تلك باستسلام قائلة
" حسنا ولا تزعجيني مجدداً فما استطعت النوم بسهولة "
لوت شفتيها وقالت متشدقة
" لا تقلقي فاسترخي لتختفي تجاعيدك ولا تنسي قطعتي الخيار
لعينيك "
" بلهاء "
ضحكت فور أن أغلقت الخط في وجهها وما هي إلا لحظات
وأرسلت لها رقم هاتفه في رسالة ، كانت ستتمنى الموت
وسماع صوت المدعو تيم على أن تسمع صوت ذاك الوقح
لكنه الوحيد الذي سيوصلها للحقيقة وهذا ما لم تفكر فيه سابقا ،
اتصلت به من فورها وهمست باشمئزاز تستمع لصوت رنينه
في الطرف الآخر
" من أجل ماريه سأتحملك هذه المرة "
لوت شفتيها بامتعاض ما انفتح الخط ووصلها صوته الساخر فورا
" ما هذه المفاجأة السارة ؟ الأميرة ساندرين بجلالة قدرها تتصل ! "
شدت فكيها قائلة
" توقف عن السخرية لم أتصل من أجلك ولا شوقا لسماع صوتك "
وصلها صوته فورا
" حقا !! وأنا ما كنت لأجزم بأن تفعليها لكن ظنوني لم تكن
بمحلها وها قد اشتقت لسماع صوتي "
شعرت بالأدخنة تتصاعد من رأسها وقالت من بين أسنانها
" متعجرف "
ضحك من فوره وقال
" يحق لي أليس كذلك ؟ "
مررت يدها في شعرها ورمته على كتفها قائلة بسخرية
" هه لا تصدق قول عشيقاتك لك فكل ذلك من أجل مالك فقط "
كاد يقتلها غيضا بضحكته التي قال بعدها مباشرة
" سبق وأقسمت أني لم اقبل غيرك "
صرخت بضيق
" اصمت يا وقح ولا تكرر هذا أمامي مجددا ... ما به حظي
التعيس اليوم مع مغفلي الهازان ؟ "
قال وكأنه لم يسمع ما قالت
" ستأتين للحفل يا شقراء الحالك أليس كذلك ؟ "
ابتسمت بمكر من فورها فكما توقعت هو من كان وراء إصرار
والدها لكنها لن تترك له الفرصة هذه المرة ليسخر منها وسيرى
المفاجأة التي تخبئها له ولشقراواته ، قالت ببرود
" أريد رقم ابن خالك وخلصني بسرعة من سماع صوتك الجميل "
وصلها صوته مباشرة
" وماذا تريدين برقم تيم وزوجته بقربك ورقمه لديها ! أم
ستتحدثين معه من وراء ظهرها ؟ "
قالت بضيق
" لن أستغرب هذا فالخائن يرى الجميع مثله ، بل أريد معرفة
ما يخفيه قريبك وشبيهك من مغامرات مع الانجليزيات "
وصلها صوته المصدوم فورا
" من قال لك ؟ "
صرخت فيه بغضب
" تعترف إذا بأنك تعلم عنها "
" هييه لا تتهميني بما لم أقله ولا تلصقي بي أخطائه "
أمسكت خصرها بيدها الأخرى قائلة
" من تكون تلك الفتاة ؟ "
قال بعد صمت لحظة
" من أخبركم أو لن أقول "
صرت على أسنانها بغيظ فهو أمكر منها كما توقعت ولا سبيل
غيره لتعلم ومن الجيد أنه لم يضع لها شرطا من شروطه السخيفة
تلك ، قالت ببرود
" هو طبعا "
وصلها صوته المصدوم فورا
" تيم !! "
قالت بذات برودها
" أجل ولا تخبره أو قطعت عنقك فهو من اعترف بذلك ولزوجته
أيضا وأريد أن أعرف من تكون تلك المرأة "
ساد الصمت من ناحيته حتى ضنت بأنه أغلق الخط فأبعدت
الهاتف ونظرت له قبل أن تعيده لأذنها قائلة
" رواح ؟ "
تأوه من فوره قائلا
" نعم يا قلب رواح ... وأخيرا نطقت اسمي "
قالت بضيق
" اصمت يا وقح وأخبرني من تكون "
ضحك وقال
" حسنا فقط لأني لاحظت بأن أمورهما اليوم ليست على ما يرام
وقد يكون بسبب تلك التي لم أراها سوى مرة واحدة وهي من
قطعت الطريق علينا وأخذته معها وعلى فكرة لم يبدوا لي
بأنه مسرورا برؤيتها أبدا ، وهي ابنة الجينرال غامسون قائد
القوات البحرية لا أحد يراها ولا يعرفها فصورها كانت في
جميع المجلات "
أغلقت الخط في وجهه ما أن أنهى كلامه فوظيفته انتهت بالنسبة لها ،
جيد إذا هو صادق ووالده أكد ذلك ثم هذا الدبور ، ما أن تحركت
جهة الباب حتى رن هاتفها برسالة فخرجت من الغرفة ونظرها
عليه تقرأ أحرفها
( ستري حسابك مني ليلة غد يا استغلالية )
ضحكت من فورها قائلة تلعب بالهاتف بين أصابعها وهي تسلك
الممر الغربي للمنزل
" بل سترى أنت أي مفاجأة أخبئها لك يا زير النساء "
فتحت باب الغرفة بهدوء فتسلل نور الممر القوي وسط الظلام
ونظرت مبتسمة بحزن للنائمة في سريرها عيناها مفتوحتان
تجمع كفاها تحت خدها وتنظر للفراغ فكم تعجب لحال هذه الفتاة ...
بكت نحبت صرخت وفعلت كل ما عبرت به عن جرحها وألمها
وصدمتها في الرجل الذي أحبته بل وعشقته بجنون حتى وهي
لا تراه أمامها لكنها سرعان ما عادت للوقوف على قدميها مجددا
مسحت دموعها أمسكت كتبها ومذكراتها ، بل وفاجأتها حين
اكتشفت بأنها سمعت صوت تلك الفتاة تجيب على هاتفه ولم
تجدها تبكي وتنحب وها هي الآن أيضا تختار الموت في صمت ،
من يراها برقتها وهدوئها وعذوبتها تلك لا يتخيل أن في داخلها
امرأة قوية تستطيع اجتياز صدمتها خلال يوم واحد وإن كانت موقنة
من أنها تشتعل في داخلها فما مرت وتمر به ليس بالسهل أبدا خاصة
وأنها ترى في ذاك الشاب عائلتها وماضيها وأمانها بل ومستقبلها
وفجأة دمر كل ذلك وتركها تواجه تلك الحقيقة القاسية وحيدة ...
لم يكن بجانبها وهي تجتازها .. احتواها وتركها تلكمه وتصرخ
به وتضربه أيضا ثم حضنها ودسها وسط أضلعه وأخبرها بأنه
يحبها ولن يتخلى عنها أبدا لكن الرجال حمقى دائما مجرد آلات
ويريدون المرأة مثلهم تماما وهم يعجزون حتى عن احتواء
غضبها وحزنها وألمها .. ما الذي كانت تنتظره مثلا من شاب
مثله لم تراه يبتسم يوما ؟ بل ولم يرق قلبه لوالده وأقربائه لأعوام .
كانت قد قررت سابقا إخبارها بما علمته من ابن عمته ذاك لكنها
الآن تراجعت فلن ترجعها لنقطة البداية مجددا وتعلقها بآمال قد
تكون كاذبة فليبرر لها هو ويشرح موقفه أكثر ومن تكون تلك
الفتاة بدلا من أن تجمع المعلومات من رجال عائلته لتخلق له
أعذارا لم يهتم هو بتقديمها .
سحبت الباب مغلقة له مجددا تاركة خلفها التي أغمضت عينيها
مع انحسار ذاك النور معه وكأنها قرأت أفكارها تماما فكل ما
كانت تحتاجه وقتها أن تقطع جميع حبال آمالها فيه تتمنى فقط
أن تشفى منه يوما ما فكل ما تحاول الآن فقط تجاوزه هو التفكير
بأنهما معا الآن ... معا ... وهي وحيدة وبعيدة تحترق من مجرد
التفكير في أنه ثمة امرأة تنام في حضن رجل هي الأحق به .
*
*
*
تمسكت بخصره بقوة تلف ذراعيها حوله تتكئ على كتفه
العريض وقالت ضاحكة لمن يقف مقابلا لهما مبتسما
" أجل أبي فتيموثي بطل حقيقي "
حول الواقف أمامهما نظره لطريقة تمسكها به وجال بنظره
بطريقة جعلت الواقف أمامه يدرك سريعا ما يفكر فيه عقل
ذاك الرجل الحذق ففوق شخصيته القيادية العسكرية القوية
ونظرته الحذقة الذكية هو عقل لا يغفل شيئا أبدا وهذا ما لاحظه
عليه ما أن رآه ، قبض أصابع يده بجانب جسده بقوة ... يعلم
بأن دخوله لهذا العالم معناه أن يُكره نفسه على أمور كثيرة
لا يحبها ، رفع يده ببطء وأراحها على خصرها النحيل دون أن
يجعله ينتبه بأن حركته تلك كانت مقصودة لانتباهه لنظرته
فسرعان ما ارتخت ملامحه وابتسم وقال رافعا نظره لعينيه
وموجها حديثه للمتعلقة به
" لوسي كنت دائما تنهين علاقاتك بأبناء عائلات معروفة
أغلبهم أصدقاء لي وكنت لا أعترض ، هذه المرة أنا من لن
يسمح لك بإنهاء علاقتك بهذا الشاب لأسباب تافهة كتلك "
اشتدت أصابعه لا شعوريا على خصرها في حركة فهمتها
التي ضحكت برقة أنه إثبات لما يقوله والدها وقالت وقد رفعت
نظرها له
" ليس تيموثي أبي فجميعهم ليسوا مثله ... ألست معي في هذا ؟ "
ضحك من فوره وقال ناظرا له
" بالتأكيد "
وتابع موجها حديثه له
" وكلت لكم مهمة في ميناء ليفربول قبل عامين تذكرها بالتأكيد ؟ "
أومأ برأسه إيجابا وقال بجدية
" بلى في الرابع من ابريل "
ضحك وأمسك كتفه بيده قائلا
" ولم أنسى أنا اسم الشاب الذي قفز من المروحية بدون مضلة
حماية لتلك البارجة البحرية رغم أني لم ألتقي بك حينها لكن
اسمك حفر في ذاكرتي وحديث الجنرال جايروا عنك لم يتوقف
أبدا حين التقينا قبل عام في حفل تسليم الرتب لخرجي الكلية
البحرية ولن أستغرب ذلك ممن اختلطت دمائه بالأسلاف اليونانيين "
مرت الخادمة بصينية القهوة فأشار بيده حيث وضعتها قائلا
" هيا لنجلس وحدثني عن مهمتكم الأخيرة في جنوب إفريقيا
فتلك البلاد تحمل مفاجاءات غريبة دائما "
جلس هناك وتبعاه من فورهما ولم تبتعد عنه تلك حتى جلس
وجلست ملتصقة به وقالت بضيق حاضنة لذراعه
" أبي هل ستقضيا السهرة تتحدثان عن السفر والمهام ؟ "
ضحك من فوره تراقب عيناه صاحب الابتسامة المغصوبة وقال
" سنقيم حفلا مهما هنا مساء الغد وأريد تقديمك وبشكل رسمي
لمجتمعنا يا تيم ... رفاقك ينادونك هكذا أليس كذلك ؟ "
تنفس بعمق شادا قبضتيه فلم يكن مكرها حياته على القبول أو
الرفض في قرارات تخصه كما الآن ويشعر بأنه على استعداد
لإنهاء هذه المهزلة السخيفة في أي وقت وإخراج هذه العاهرة
من حياته وللأبد لكن النتائج لن تضر البلاد وحدها بل ووضعه
هنا وحتى ماريه أيضا ولن يستفيد من التراجع الآن في شيء
خاصة أنه كما يبدوا سيدخل حياة وعالم بل وأسرار هذا الرجل
بقوة وسهولة خصوصا إن تحقق توقع مطر وفكر في توجيه
بعض مهامهم السرية تلك له فسيقفز بمصير بلاده قفزة واسعة
وقوية للأمام .. لكن ليس هكذا ليس أن يحددوا مصيره أمامه دون
أن يتحدث أو يعترض فهذه المرأة لا تختلف عن والدها أبدا
ويبدوا أنها تراجعت عن كلامها السابق واعتذرت عنه لأنها
واثقة من أن والدها سيستلم المهمة عنها ويحاصره بل يبدوا
بأنها فكرته منذ البداية وهو من اختاره لابنته وعليه التنفيذ فقط
وهذا ما يتوقعونه من أي شخص في مكانه الآن فأي انجليزي
كانت ستسر أساريره ويوافق على هذا العرض مباشرة لأنهم
سيقفزون به قفزة واسعة في عالم السلطة والشهرة .. لكن هو
ليس يعنيه كل ذلك وهذا ما لا يمكنه قوله أو التعبير عنه .
رفعت الجالسة بجانبه بضع خصلات من شعرها الأحمر المسترسل
على كتفها وجمعتها خلف أذنها قبل أن تنتقل أصابعها ماسحة بنعومة
أسفل دقنه وأدارت وجهه ناحيتها قائلة بابتسامة
" بالتأكيد سيكون هنا أبي وستتكفل أنت بالكلونيل جايروا ليعفيه
من أي مهمة مستعجلة "
" ما رأيك أنت تيم ؟ "
نظر فورا لصاحب تلك العبارة محررا ذقنه وفكه من ملمس تلك
الأصابع وتنفس بعمق وليس يفهم هل ثمة من يرمي بنفسه
لأسباب دماره ؟ لشخصين أحدهما يدمر بلاده والآخر يدمر زواجه ؟
لطالما امتاز ببروده وتحكمه الفريد من نوعه في انفعلاته وأعصابه
لكنه لم يعد يجزم بأن ذاك قد يستمر للأبد .
همس مستغفرا الله بينه وبين نفسه قبل أن يقول بجمود
" بالتأكيد سأكون هنا ويشرفني حضور حفلكم "
*
*
*
فتح باب المنزل ودخل ضاربا له خلفه فكان رماح أول من استقبل
ذاك الوجه العابس فقال فورا
" ماذا حدث ؟ "
ارتمى على الأريكة وحضن رأسه بين يديه وقال بصوت متعب
ونبرة جوفاء
" دخلت جهة توز واختفت هناك .... لا أحد يعلم أين تكون وما حل
بها وزوج شقيقتك منعني من دخول تلك المدن "
تنهد بضيق يراقب حاله المزرية فهو لا ينادي ابن شاهين
بغير اسمه أو لقبه إلا إن كان مستاء منه بالفعل وإن سمعته
الغاضبة الأخرى تلك ينسبه لها فلن تكون النتائج مرضية أبدا ،
قال بعد برهة وبهدوء حذر
" اعذرني يا رعد لكن تلك الفتاة متهورة ولم تفكر في مصير
غيرها وهي ترتكب هكذا حماقة وتز....... "
ارتد للخلف لا شعوريا حين حدقت به تلك العينان المتعبة
الغاضبة وقد صرخ صاحبها به
" الحماقة كانت أن تبقى لهم ليزوجوها بذاك الرجل ولن تكون
آستيريا التي أعرفها حينها والتي أفنيت عمري أنتظر أن
تجمعنا وإن معجزة ما "
أشار بعدها لنفسه متابعا بجدية
" فقط ..... فقط لو أستطيع أن أصل لمكانها قسما أن أخرج
بها من البلاد ولتحترق الأرض هنا ومن فيها فيكفي ما ضاع
منا نراعي هذا وذاك "
حرك الجالس هناك رأسه بيأس منه وقال
" مجنون .... ما الذي ستجنيه إن أعلنت قبائل ثنان الحرب
ضد صنوان ؟ سيتصيدون لبعضهم في كل مكان وجميع الضحايا
سيكونون في عنقك يوم تقف أمام خالقك "
تجاهله وأشاح بوجهه للجانب الآخر ولم يعلق على ما قال
فتنهد بضيق قائلا
" لست أفهم لما تعقدت أمور عائلتنا بعودة ذاك المدعو
ابن شاهين وكأنه خرج من العدم فقط ليحرك مصائر أفراد
عائلة شراع وكأننا قطع شطرنج بين يديه والمثال الأقوي
موجود في الأعلي الآن "
نظر له الجالس على مبعدة منه وقال بجمود
" ماذا حدث أيضا ؟ "
حرك كتفيه وقال ببرود
" من وقت خروجك وهي ترفض التحدث معي أو حتى سماع
ما أقول ولعلمك فقط أنت أيضا تشملك العقوبات الجديدة وقد
أقسمت أمامي أن لسانها لن يخاطب أيا منا حتى نجد حلا
لتعقيدات حياتنا وبما تراه هي مناسبا طبعا ، حتى وقت الغداء
جلست وأكلت في صمت تجيب فقط الكاسر إن سألها عن شيء
أما أنا فلم تنظر ناحيتي ولا مجرد النظر فثلاثتنا بالنسبة لها
مجرمي حرب وعلينا الاثنين دفع ثمن ما يفعله ابن عمها بها طبعا "
وقف على طوله وتحرك من هناك نظرات رماح المستغربة تتبعه
وهو يجتازه متوجها جهة السلالم فقال مدركا له وهو يصعد
عتباته بسرعة
" لا تتعب نفسك يا رعد فلن تستمع لك ولا تزد أمورها سوءاً "
لكنه واصل صعوده ولم يهتم بما قال حتى كان عند باب غرفتها
وما أن رفع يده ليطرقه وقف مكانه وهو يسمعها تحدث أحدهم
في الهاتف قائلة بضيق
" ولما الرفض وكل ما أريده شراء تلك المطاعم عند الشلالات
وبشكل قانوني وسليم ومن مالي ؟ "
" لا ليست خارج استطاعتك سيد عقيل فلست أعتقد أنه ثمة
ما يجبرك على الرفض لكني أعلم جيدا من وراء ذلك ويرفضه
فلا شيء في هذه المملكة يحدث بدون أوامر منه وأنا لم يعد
يعنيني منها شيء وحتى المنزل سأسلمه لكم فمؤكد هو ليس
من حقي أيضا "
سكتت لوقت قبل أن تقول بضيق أكبر
" لا لست أفترض أمورا من رأسي وهذا ما عليه الحدوث فعلا
فاعذرني على إهدار وقتك .... وداعا "
رفع قبضته يشد أصابعه بقوة وتنهد بعمق فها هو خلف
هذا الباب قلب يتحطم أكثر منه .... هنا من يغفل الجميع عن
النيران المشتعلة بداخلها فقط لأنهم يرونها صامدة مكابرة
عنيدة ترفض حتى الاعتراف بألمها فيتناسون الآمها بل ويلقون
باللوم عليها في كل ما يحدث معها ويتركونها تنهار شيئاً
فشيئاً أمام أعينهم دون أن يتحرك لهم ساكناً .
انفتح الباب في وجهه فجأة فأنزل قبضته ينظر للتي وقفت
مكانها تنظر له باستغراب ترتدي ملابس الخروج وتلف
حجابها وتمسك حقيبة في يدها ملامحها الجامدة الصامدة
والفاتنة لا تخفي أبدا نظرة الحزن في عينيها ... وما سيتوقعه
من امرأة اعترف زوجها وعلى العلن بعشقه لأخرى وهجرانه
لها من أجلها بل وتجريدها من كل ما امتلكته لأعوام طويلة
وبنته بتعبها وسهرها وها هي كما فهم من مكالمتها تلك تخسر
حتى فرص النهوض بنفسها من جديد وإن جزئيا ... لو يفهم
فقط ما يطمح ذاك الرجل للوصول له من تدميرها بهذا الشكل ؟
كان موقنا من أنه يعشق هذه الفاتنة لحد التملك لكنه بات
الآن لا يفهم شيئا ولا أحدا ولا حتى نفسه ! نظر لها بصمت
وهي تجتازه مشيحة بوجهها عنه وها هو ما تحدث عنه
رماح حدث بالفعل ، مد يده وأمسك برسغها قبل أن تبتعد
موقفا لها وقال
" أين تنوين الذهاب يا غسق ؟ "
لكنها لم تجبه تحاول سحب يدها من قبضته والمغادرة
فشدها بقوة وأدارها ناحيته وقال بضيق
" مستاءة من الجميع لا بأس .. ستطردينني من منزلك أيضا
لا مانع لدي أيضاً لكن أن تتصرفي وكأنه ليس ثمة مسئول عنك
فلا يا ابنة والدي "
حدقت فيه بصمت فقال وأصابعه تشتد على رسغها
" سمعت مكالمتك تلك مصادفة ولن أسمح لك بالخروج ما لم
أعلم أين تنوين الذهاب "
همست بجمود
" للشلالات أم ممنوع عني زيارتها أيضا بعدما خرجت من
ملكيتي لها "
نظر لها بصمت واستغراب لبرهة قبل أن يفلت رسغها فغادرت
من فورها جهة السلم الذي جاء منه ....
الشلالات !! مشروعها الذي صممته بنفسها وكان من فكرتها
وقد حولت تلك الجداول العذبة التي كانت تصب في بحيرة
الرقراق سابقا لشلالات اصطناعية وظاهرة ضاهت الظواهر
الطبيعية المشابهة لها .... المكان الذي لم تزه سابقا أبدا وطيلة
الأعوام الماضية وكان متأكدا من أن ماضيها مع ذاك الرجل
السبب في رفضها الذهاب لتلك الأماكن ... جبل غضنفر الذي
تحول اسمه لجبل الرياحين حديثا والينابيع التي تحولت لذاك
المشهد المبهر فما سر زيارتها لها الآن تحديدا ... ؟
أجل يفهم السبب ولن يسمح لنفسه أن يغفل عنها أكثر فهي
وصية والدهم الأولى وقبل حتى حفيده الوحيد ، أخرج هاتفه
من جيبه واتصل فورا بالذي أجاب عليه بعد برهة قائلا
" أجل يا رعد "
سند كف يده الحرة على الجدار وقال
" أين أنت الآن يا مطر ؟ هل غادرت الحميراء ؟ "
*
*
*
ضمت ركبتيها لحضنها أكثر ودفنت وجهها فيهم وانسابت
دموعها رغما عنها ، لم يؤثر بها يوما ما كان يقال عنها ولم
تهتم لكل تلك التساؤلات حول زواجها الصوري بابن شراع
ولا بتركها معلقة لأعوام وكل تلك التهم والشكوك حول سبب
ذلك ، ولا حتى طلاقها الآن منه وكل تلك الأقوايل الجديدة بأنها
هي من تخلت عنه حين أصبح مقعدا وعليلا ... ولا حتى سماعها
لحديث لجنة إدارة الجمعية اليوم مصادفة عن أنه لا يمكن ترشيحها
لرآستها وتلك الأقاويل تدور حول سبب طلاقها الذي لم تقدم تبريرا
عنه وبأنها لا تصلح لحمل ذاك المنصب لأنها من وجهة نظر الرأي
العام امرأة مذنبة ... كل ذلك لم يؤثر بها أبدا وكانت تتوقعه لكن
ما حطمها تماما وبكل قسوة هو حديث والدتها مع شقيقاتها ،
كانت ستستحمل الأحاديث أو الأذى من أي شخص ومن جميع
البشر إلا والدتها .... وإلا عائلتها .
اشتدت أناملها تقبض على اللحاف المغطي لساقيها بقوة واشتد
بكائها وعبراتها وهي تتذكر حديثهم وقت دخولها عائدة من
الجمعية ووالدتها تحدث شقيقتيها قائلة بضيق
" ومن هذا الذي قد يتقدم لها وهي في الثالثة والثلاثين الآن
ومطلقة أيضا ؟ حتى العجوز لن يطرق بابها بعدما قيل ويقال عنها
بنات شقيقاتها الأكبر منها تزوجن قبلها وهذا حالها سيتزوج
أحفاد العائلة جميعهم ... فضحتنا بين خلق الله جميعهم "
ما ذنبها هي فيما حدث معها ؟
هل اختارت مصيرها مثلا ؟
ومن قال أنها تريد الزواج أو تفكر فيه ؟
منذ ولدت في هذه العائلة لم تعرف معنى الحنان ومعنى الدفء
الأسري فقد أنجبت والدتها شقيقها وثاب وسط سبع فتيات
جعلت بهن والدهم يكرههن دون سبب وكان في كل حمل لها
يناديها بأم النعاج فحضي شقيقهن بكل ما حرمن هن منه
فكان يزوجهن من قبل بلوغهن العشرين ، حتى والدتها كانت
تشعر بأنها تبتعد عنهم شيئا فشيئا وكأنهن من اخترن أن يولدن
إناث ، وبعد حادث دخول غسق أراضي الحالك وتحميلها هي
الذنب في ذلك وتلقيها كل ذاك الضرب من شقيقها حتى اعترفت
بكل شيء تم معاملتها كمنبوذة لأعوام ولم تتغير معاملة
والديها لها إلا بعد زواج رماح منها ... معاملة سرعان ما عادت
لسابق عهدها ما أن تتابعت الأشهر والسنوات وهي زوجة له
وعذراء في منزل والدها وقد بدأت الأسئلة تنهال عليهم من الجميع
حول السبب ورميت علكة في أفواه الجميع لأعوام صامدة مكابرة
تعيش على الوعد الكاذب ولم تكن تتخيل بأن الرجال لا يعرفون
معنى الحب ومعنى الوفاء وأنهم جميعهم متشابهون ، فها هي
ابنة خالتها أيضا دمر حياتها عشق رجل استبدلها بأخرى وجرح
أنوثتها وعلى العلن تاركا إياها جسدا بلا روح ، وها هي حبيبة
رماح أيضا فعلت كل شيء من أجله حتى إجبار عائلتها على
العودة للوطن وغفرانها لكل ما فعله معها في الماضي وفي
النهاية رفض وجودها في حياته ! شقيقتها التي تكبرها بعامين
فقط تزوج عليها زوجها من أقرب صديقاتها وحجته بأنهما
ستتحابان وتتعاشران معا لتتلقى ضربتان كل واحدة أقسى من
الأخرى فما ستتوقع من الرجال مثلا ؟ لكنها لا تهتم ... قسما
لم تعد تهتم لذلك وليست تنتظر أن يطرق بابها أحد لا أرمل ولا
مطلق كمثال لفارس الأحلام الذي ينتظرونه لها ولا يتوقعونه ،
ولا العجوز الذي سيعافها ويترجونه ليوافق على تحريرها
من لقبها الجديد .. هي فقط تمنت مساندتهم لها وأن لا يكونوا
مع الجميع عليها ، أن يعلموا بأن هذا هو الوقت الذي تحتاجهم
فيه بالفعل ليقفوا في صفها فلا تشعر بأنها وحيدة في مواجهة
كل شيء .
رفعت رأسها ومسحت دموعها بقوة لحظة أن رن هاتفها معلنا
وصول رسالة فرفعته تنظر باستغراب للرقم الغير مسجل وفتحتها
سريعا فكان فيها
( أنتي الأحق برئاسة جمعية الغسق فقولي فقط بأنك تريدين
ذلك وسيحدث وإن أوصلت الأمر للزعيم مطر )
رمت الهاتف من يدها تشعر بضربات قلبها ترتفع بشكل مرعب
وقد ظهرت فوراً صورة ذاك الرجل الطويل عريض المنكبين
أمام عينيها وليست تفهم لما ! أجل هم وحدهم ينادونه بالزعيم
ولا أحد غيره يعرفها ...
لكن كيف علم برقم هاتفها ؟
بل وبأنه سيتم ترشيح غيرها !
لا تعلم كيف !
تشعر بأن هذا الرجل يعلم عنها أكثر مما قد تتخيل ، وجل
ما تخشاه أن يكون أخبره رماح عن قصتها وقت طلب منه
توثيق أوراق الطلاق ... لكن لا مستحيل رماح لن يفعلها أبدا
تعرفه جيدا كما تعرف ابنة خالتها التي تربت معهم فهم يحملون
ذات الطباع التي رباهم عليها والدهم وكم كانت تخبرها عنهم
وعن شخصية كل واحد منهم وها هو حمل سرها لأعوام دون
أن يخبر عنه أحد فهل سيفعلها الآن ؟ لا هذا مستحيل .
مررت أصابعها في شعرها وكررت ذلك عدة مرات تجمع غرتها
خلف أذنيها ونظرها على هاتفها المرمي قربها على السرير ،
لا تستطيع أن تجيب على رسالته فهذا سيؤكد له بأنها علمت
من يكون ولا يمكنها تجاهلها أيضا فالنتيجة ستكون واحدة وإن
أرسلت له تسأله عن هويته فسيقول لها من يكون بكل تأكيد ،
مدت أصابعها له بتردد ورفعته ببطء وكأنه قنبلة موقوتة
ستنفجر فيها في أي وقت ، وبأصابع مرتجفة كتبت ردها فورا
( شكرا لك يا راوية فأنا كما سبق وأخبرتك لا أريد أن يتم ترشيحي
لهذه المهمة فلست على استعداد لتحملها )
أرسلتها سريعا قبل أن تغير رأيها ولم تكذب فيما كتبت في شيء
سوى في اسم المرسل إليه فهي بالفعل كانت سترفض حال تم
اختيارها وبعد أن سمعت ما قيل بأذنها فلن تقبل وإن كان المقابل
طردها من الجمعية ونهائيا .
ارتجف جسدها لا شعوريا حين وصلت رسالة أخرى للهاتف الذي
لازال في يدها لم يعطها مرسلها وقتا ولا لتقرر أين ستضعه ،
فتحتها بتوتر يزداد لا شعوريا واتسعت عيناها ما أن قرأت حروفها
( اسمي ليس راوية ولم أكن أعلم بأن سكرتيرة مديرة الجمعية
تستطيع الوصول لمطر شاهين بأي طريقة كانت أو أنك لا تملكين
رقم هاتفها ؟ ... وعموما الخيار كان لك رغم أني أراك الأحق
بذلك من غيرك .... آسف لإزعاجي لك )
اشتدت أناملها على الهاتف وتنفست بقوة مغمضة عينيها
وليست تفهم لما لا يراها ذاك الرجل كما الجميع ؟
قد يكون رماح أخبره فقط بأنه هو من يريد الطلاق ويصر عليه ؟
حركت رأسها وكأنها تنفض منه كل تلك الأفكار وفتشت عن
رقم غسق ... تشعر بأنها تحتاج لأن تتحدث مع أحدهم وعن
أي شيئ فوحدها من تشعر بما تمر هي به ... وحيدة مخذولة
وأنثى مشوهة أمام الجميع مثلها تماما .
اتصلت بها مرارا ولم تجب فرمت الهاتف من يدها وغادرت
السرير جهة الحمام تستحم للمرة الثالثة اليوم علها تطفئ
شيئا من النيران المشتعلة في قلبها
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 68 others like this.
رد مع اقتباس
#5812
قديم 01-01-18, 09:13 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
مررت أطراف أصابعها تحت جفنها الواسع تمسح الدمعة
اليتيمة قبل أن تفكر في مفارقة رموشها الكثيفة وتقدمت من تلك
الصخرة ببطء تتلاعب النسائم بخصلات شعرها المفتوح تحضن
ذراعيها بقوة ، لم تستطع يوما دخول هذا المكان ولا زيارته
وكان شرخا عميقا في روحها صعب عليها اجتيازه بسهولة ...
فكرتها تم تطبيقها كما تمنتها وحلمت بها بسحب مياه بحيرة
الرقراق بمضخات ضخمة قوية وإعادة ضخها بقوة من فوق
المنحدر الصخري المرتفع .. أي تغيير مسار الجداول الثلاث في
المدينة والتي كانت تقسمها لثلاث أقسام وتوجيهها في مسارات
جديدة متقاربة جهة ذاك المنحدر لتنزل بقوة كشلال طبيعي
وقد صممت المنطقة حوله لتكون ظاهرة طبيعية مميزة
واختارت هذا الجدول الذي زاراه سابقا تحديدا ليكون مسارا
لتلك المياه فتعود لمكانها الطبيعي وهو البحيرة ، وكان هذا
المشروع يفتح سنويا وقت موسمي الربيع والصيف
ويبدأ في كل عام كما هذا الوقت بعد حفل الجمعية السنوي
ويتم تشغيله بشكل تدريجي والافتتاح بعد ثلاثة أيام أي في
الغد ليصبح هذا المكان بمطاعمه ومنتزهاته وجسره المعلق
مزارا للكثيرين من داخل البلاد وخارجها لتشكل القلب النابض
لعائدات تلك المدينة ، وقد حولت قمة جبل ما يسمى الغضنفر
في الماضي أيضا لثلاث مطاعم متجاوره بشكل دائري بواجهات
زجاجية كاملة تطل على جميع تفاصيل تلك المدينة البيضاء كما
كان ذاك الجبل سابقا .. وهو الشيء الوحيد الذي كانت تريد
الاحتفاظ به من تلك المدينة وكانت تريد شرائها بمالها ليكون
بداية غسق من جديد لكنه حطم حلمها هذا أيضا كما دمر أحلامها
سابقا وكما حول كل مكان عرفهما في الماضي هنا لجراح تؤلم
قلبها كل حين وإن لم تزرها أوتراها بعد ذاك اليوم لتمثل فشلها
الأكبر في نسيانه وليكون الدليل القاسي والفاضح لمشاعرها
المكبوتة داخلها ، واليوم ... فقط اليوم اعترفت لنفسها بأنها
كانت أجبن من أن تواجه جراحها وأنها مجرد صورة للمرأة
القوية التي أثبتت للجميع بأنها دفنت الماضي خلفها وسافرت
للمستقبل قوتها في وحدتها لكانت استطاعت دخول هذا الجزء
من مدينتها دون أن تخشى سيطرة عواطفها عليها .
نزعت حذائها الأرضي المسطح واقتربت من تلك الصخرة التي
اختارتها من ضمن التفاصيل التي لم يتم تغييرها في المكان
والمدينة التي كانت ولازالت الأجمل بين مدن البلاد جميعها ،
وقفت فوقها حافية القدمين لازالت تحضن نفسها بقوة وتقدمت
لحافتها تنظر للبعيد بحزن وكأن الزمن عاد بها أربعة عشر عاما
للوراء حين جلسا على هذه الصخرة وفوق ذاك الجبل وتبادلا
الأحاديث كما الشغف والقبلات .. كيف كانت حمقاء بذاك الشكل
المخزي ولم تفهم ما عناه بكلماته تلك ؟ ألم يخبرها بأنها ستكون
في المؤخرة دائما وبأنه تربى على أن يسلب من غيره كل شيء
وأن لا يعطي إلا لنفسه وأن يصعد على جراح الغير ؟
ابتسمت بألم وحسرة دموعها الحارة تملأ تلك الأحداق الواسعة
وهي تتذكر كل تلك الأدلة التي داست عليها بعاطفتها الحمقاء
وغبائها ألا محدود
( مطر هل خرجت من الحمام ؟ اتصال لك وصاحبه لا يجيب)
( آه يا رجل أنت لا تعرف طرق الأبواب أبدا)
اشتدت أصابعها على ذراعيها بقوة وذكرى ذاك الصوت
الرجولي العميق الغاضب تطرق رأسها أكثر
( امرأة داس على كرامته وتنازل من أجلها ... عشقها سمعتي ؟
عشقها هي وحدها ليكتشف أنها لغيره .. أنها باعته بأرخص منه .. )
( لي أنا ليست له حتى دمائها التي تجري في عروقها ملكي )
انسابت دمعتها على وجنتها ببطء وذكرى ذاك الصوت الرجولي
الهادئ المبحوح تصيب قلبها هذه المرة ودون رحمة
( بسبب عبث رجولي و... نزوة سخيفة ... عبث رجولي
ونزوة سخيفة )
مسحت دموعها بباطن كفها بقوة ... هي لم تسمح لهذه
المياه المالحة الحمقاء بالنزول سابقا ولأعوام طويلة ، لم
تبكه أبدا ... لم تبكي جراحها النازفة منه .. لم تبكي الفقد
والحرمان وجميع ما خسرته بخسارتها له .. تكرهه ...
تكره جميع ذكرياتها تلك لأنها لم تستطع أن تنساها يوما ..
لأنها كانت أضعف من أن تدفنها مع من دفنتهم وللأبد .
أغمضت عينيها وابتسمت بسخرية بل وبمرارة وهي تتذكر
كلمات رسالة رعد التي وصلتها قبل أن تنزل من سيارتها
وبعد أن رفضت الاجابة على جميع اتصالاته
( غسق فكري في أمر واحد فقط .. رجل كمطر شاهين لما
سيقول ما قاله وأمام وسائل الإعلام ليهز صورته بذاك الشكل
أمام الرأي العام وهو يحتاج لتلك الصورة أكثر من أي وقت مضى ؟
غسق شقيقتي ليس ابن شاهين من يكشف عن عيوبه وأخطائه
وللعلن وأنتي من يعرفه أكثر من الجميع بالتأكيد )
تدحرجت دمعتها من بين رموشها الكثيفة المطبقة وتلك
العبرة والمرارة تخرج في قهقهة مكتومة حارقة تشعر بها
تفتت قلبها قبل أضلعها ... تعرفه !! أجل تعرفه جيدا درجة
أنها كانت تملك كل تلك الأدلة عما قال الآن وكانت على استعداد
لمسامحته .. رغم أنها سمعت صوت تلك المرأة بأذنها ورغم أنه
اعترف أمامها بلسانه وكانت ... ستسامحه !! ستحكم عقلها على
عواطفها وتستمع لتبريراته ! لو كانت غسق الماضي لاستطاعوا
خداعها بكل ذلك كما فعلت عمته قبل أربعة عشر عاما لكن
غسق الماضي بقيت هناك في حوران وفي منزل عائلة الشاهين ..
دفنت في تلك الغرفة التي انتظرته فيها ليلة كاملة تسقي غراس
أملها فيه بكرامتها المهدورة وكبريائها المجروح والنتيجة .....
أرسل عمه ليخرجها منها لخارج حدوده بأكملها .
رفعت يدها ومسحت عيناها بقوة وبسرعة ونظرت تحتها
أنفاسها تخرج مندفعة بحدة وضربات قلبها تشعر بأنها طعنات
سكين في صدرها ما أن شعرت بأنها لم تعد وحدها في ذاك المكان .
أغمضت عيناها بقوة تشتم نفسها وغبائها ورعد معها ما أن
شعرت بتلك اليدين على كتفيها قبل أن تلتف حولها تلك
الذراعان القويتان مرفوعتا الأكمام حتى المرفقين تشدانها
لذاك الجسد القوي الصلب وأصبحت تلك الأنفاس المتلاحقة
أنينا خافتا وقبلاته تعبث بخصلات شعرها وبشرة عنقها الناعمة
تحاول فك ذراعيه عنها ودون جدوى وهمساته الدافئة تكاد
توصلها للجنون
" لازلت تذكرين يا غسق ؟ "
شدت أصابع يدها على ذراعه بقوة حتى كانت تشعر بأظافرها
القصيرة ستخترق جلده تكاد تفقد توازنها وتنزلق من بين
ذراعيه فهمست ببحة منحنية الرأس قليلا
" اتركني لا أريد أن تلمسني ... ابتعد "
فك ذراعيه عنها لكن ذلك لم يكن خلاصها الأخير وهذا ما توقعته
وهو يمسك ذراعها ويديرها ناحيته بقوة كادت توقعها من فوق
تلك الصخرة الكبيرة وكانت ذراعه مجددا ما ثبتها عن السقوط
لتصبح في حضنه هذه المرة أنفاسها القوية المتلاحقة تداعب
بشرة صدره المكشوفة من زري قميصه الأبيض المفتوحان
يشدها لجسده وقد عاد للهمس المتعب للحواس مجددا يده
الأخرى تتسلل لخدها من بين خصلات شعرها الكثيف
" طردتني من منزلك لكن هنا لا حق ولا سلطة لك "
ودفن وجهها في صدره يشد رأسها بيده يضمها أكثر محبطا
أي مقاومة لها فمنذ أن اتصل به رعد لم يترك له أرضا من
سماء ليكون فيها مرسلا إياه للجنون ، هو على علم مسبق
بأنها لم تزر هذه الأمكنة سابقا وقدومها اليوم لها وبعد كل
ما حدث بالأمس معناه أمر واحد فقط أنها ستدفنه فيه وللأبد
ما أن تخرج منه وهذا ما لن يسمح بحدوثه أبدا .
شدها لحضنه أكثر وكأنه سيدخلها وسط أضلعه متجاهلا
جميع محاولاتها الواهنة للإبتعاد يستنشق بخدر خصلات
ذاك الشعر الحريري الذي أضناه الشوق لرائحته ليال طويلة
ينام يبحث عن ذكراه في صدره .. عن المرأة الوحيدة التي
داست أرض تلك الأضلع وعبثت أصابع يدها وحدها بقسمات
وجهه وخصلات ذاك الشعر الكثيف وعرفت شفتاها فقط طريق
الوصول لشفتيه ... حاربت حتى شكوكها من أجله وعلمته
معنى أن يحارب الرجل بشراسة من أجل أنثاه وإن بحرمان
نفسه منها كي لا يخسرها وللأبد .
شد أصابعه وسط تلك الخصلات الناعمة يدفنها في صدره
أكثر وهمس عند أذنها
" هذا مكانك يا غسق .. خلق لك تفهمين هذا ؟ "
قبضت أصابعها على قميصه بقوة تحاول تحريكها في حصاره
لها وهمست بصعوبة
" كاذب ... ابتعد عني "
كانت تريد فقط أن يفلتها أن تستعيد قوتها بعيدا عن حضنه
وعن سلاحه الذي يستخدمه بدهاء في كل مرة فلن تستمع
لأكاذيبه مجددا ولن تصدقها فليس ما قتلها جرحه لأنوثتها
و كرامتها أمام الجميع بل اعترافه وأمامها بما كسرها به
قبل أعوام وأعوام عمرها بعمر معاناتها وألمها وفقدها .
تمسكت بقميصه أكثر تشعر به سيتمزق بين أصابعها
ما أن شعرت بجسدها يرتفع وقدماها تبتعدان عن الأرض
وشهقت بقوة وبلا شعور حين قفز بها في مياه الجدول
تحت تلك الصخرة وأفلتها حينها من حضنه فكادت تسقط
في المياه تحتها لولا يده التي أمسكت ذراعها بقوة فاستوت
واقفة تبعد شعرها الذي غطى وجهها ونفضت يده عنها
مبتعدة عنه ونظرت له بعينان فوق بريق الدموع الحبيسة
وسطهما كان الغضب أعلى من أي شيء .. من الألم ..
من الخدلان.. ومن الانكسار ..، رفعت رأسها في مواجهة
عينيه وأشارت لصدره بسبابتها وقالت بقوة وثبات تنظر لعينيه
" هذا خلق للنساء .. للعبث وللنزوات وليس لي "
شد قبضتيه ونظراته لم تفارق عينيها ولم يعلق بشيء فرمت
يدها في الهواء وصرخت فيه بعنف حين لم يبدي أي ردة فعل
" لماذا أتيت ؟ لما لم تبقى معها هناك ؟ "
كان جوابه الصمت مجددا والذي لم يزدها إلا اشتعالا أخمدته
سريعا بنبرتها الساخرة
" خانتك مجددا ومع رجل آخر ؟ "
ارتسمت ابتسامة طفيفة على شفتيه وقال ونظره لم يفارق
تلك الأحداق السوداء الغاضبة
" هي لم تخني يوما "
قالها بهدوء وكأنها لا تشتعل أمامه بل وأضاف يفقدها آخر
حصون ثباتها الذي لم يخذلها يوما ولم يرفض تمسكها به
" بل هي لا تعرف الخيانة ووحدي من كنت أجرحها بذلك "
انسابت دمعة وحيدة يتيمة من رموشها للمياه تحتها فورا
ولم تستطع لا منعها ولا التحكم بها وهمست ونظرها معلق
في عينيه
" أجل فأنت خنتها معي مرة "
مد يده نحوها وشدها من يدها وتحرك من مكانه وسار بها
في المياه وعكس التيار ساحبا إياها خلفه وقال يشيع جثمانها
في كل مرة
" بل لم أخنها مع أي امرأة ... ولن تستحق امرأة في الوجود
أن تأخذ مكانها "
سار بها متجاهلا شدها ليدها منه ومحاولة إيقافه تضرب
بيدها الأخرى رسغ يده الممسكة ليدها ودون جدوى فلم
يترك لها خيارا سوى أن تتبعه مكرهة وخطواتهما السريعة
في المياه تجعلها تتناثر حولهما في كل اتجاه ، وبينما حسب
هو حساب كل ما سيفعله وقد رفع بنطلونه مسبقا لنصف ساقيه
هي لم تخطط لهذا ولم تفكر فيه فتشبع بنطلونها الكحلي بالمياه
درجة أن أشعرها بالتجمد في ساقيها حتى كانت ستفقد توازنها
عدة مرات بسبب فقدها الشعور بهما وليست تفهم فيما يفكر
هذا الرجل وما ينوي فعله تحديدا ولما لحقها إلى هنا أساسا
إن كان أمرها لا يعنيه ؟
ولم يتأخر عنها الجواب كثيرا وقد ظهر لها أسفل المنحدر
الذي تصب منه تلك المياه كرذاذ مطر تساقطت قطراته متباعدة
متتالية تصطدم بالصخور والمياه تحتها فضخ تلك المياه يكون
تدريجيا قبل أن يتم دفعه بالقوة القصوى ليكون كشلال حقيقي
ينزل على ثلاث أقسام منفصلة وكأن كل واحد منهم شلال لوحده .
شهقت بقوة ما أن سحبها وأدارها أمامه لتصبح واقفة تحت
تلك المياه تحديدا تتساقط فوقها كالأمطار متجاهلا شهقتها
وارتجاف جسدها تحتها بل أمسكها من كتفيها ولم يهتم ولا
لما يبلله أيضا منه ونظر لها من بين خصلات شعرها وغرتها
المبلله تنزل رأسها للأسفل وشد على ذراعيها قائلا بحزم
" كم مرة نبهتك على أن ما بيننا تيما خارجه ؟
هل تنتقمين مني فيها يا غسق ؟ "
لم تتحدث ولم ترفع رأسها له بل ولم تقاومه يداها مرميتان
جانبا وكأن كل ما قاله سابقا حولها لجثة ميتة ، هزها بقوة
وقال بحدة
" أيعنيك أن تعلمي بأنها ألقت اللوم على نفسها فيما حدث
ودافعت عنك ؟ هل سألت نفسك يوما أكانت هي السبب أم
اختارت ابتعادها عنك ؟ تيما لم تكن يوما سعيدة معي ولن تكون
كذلك معك لأن حلمها ومنذ كانت طفلة أن تعيش مع كلينا ،
ابنتك لم تكن يوما ضعيفة ولا كثيرة بكاء واجهت وحدتها
وغربتها لوحدها بل وفعلت أمرا أنا لم أكن أتخيل أن تفعليه
أنتي والدتها وليس مراهقة صغيرة ومن أجل ماذا ... ؟
من أجلك أنتي ، تبكي الآن من أجلك ليس من أجل نفسها
ولا عليها لكنك ترفضين رؤية أي شيء غير حقدك وغضبك
من واقعك ورميتها هي بهم وقبل الجميع وخلقت فجوة
بينكما لن تجتازاها أبدا "
هزها مجددا وصرخ فيها بعنف
" هي ابنتك قبل حتى أن تكون ابنتي لا تحاسبيها على أفكارها
وإن كرهتها نفسك ، لا تدمري شخصيتها بسبب ما حدث بيننا
فهذا ما حرصت أنا لأعوام أن لا يحدث "
خرج له حينها صوتها فقط من خلف ذاك الشعر المبلل لازالت
المياه تنساب من بين خصلاته قائلة بهمس مرتجف
" بل أنت سبب كل ما حدث ويحدث "
أمسك رأسها بيديه ورفع وجهها له للأعلى فأغمضت عينيها
برفق بسبب قطرات المياه التي تنزل عليها بقوة رغم تباعدها
وقال بحزم
" إذا أنا من يحاسب وليس هي .. حسابك معي فقط يا غسق "
فتحت تلك الأحداق السوداء الواسعة تسدل رموشها عليها
جزئيا لتحميها بل ولتهدم بها حصونه الحامية وقطرات الماء
تنساب بنعومة فوق تلك البشرة الثلجية والشعر الأسود الكثيف
ازداد فتنة عندما ابتل بها وتلك الشفاه الناعمة المغرية رغم
ارتجافها لونها الدمي لايزداد إلا قتامة ، لبست الأسود حدادا
على فقداها ولم تزدد به إلا فتنة بات يرفض أن يراها أي رجل
في الوجود غيره .
أسدلت جفناها الواسعان مطبقة شفتيها تنساب المياه فوقهما
تتنفس كالغريق قبل أن تهمس بصوت مرتجف
" أكرهك ...... أكرهك مطر شاهين "
شد أصابعه على وجهها أكثر وانحنى بجبينه على جبينها
أنفه يلامس أنفها الصغير ينظر لجفناها الواسعان المطبقان
ورموشها الكثيفة المبللة بالمياه ولم يقاوم أبدا إنحدار أنفه
عن مساره فوق تلك البشرة الناعمة المبللة متمردا على طاعته
وأسدل جفنيه ببطء وقد همس بخفوت يشعر بملمس شفتيها
على شفتيه
" ومطر شاهين يحبك ... يحبك يا ابنة دجى الحالك "
رمت يديها عنه فورا مبتعدة تحت رذاذ تلك المياه وقد نظرت
له صارخة
" كاااااذب "
*
*
*
خرجت من باب المنزل الخلفي راكضة ووقفت في الخارج
تمسك رأسها بيديها تنظر بذهول للنيران المشتعلة في غرفة
الأعلاف قبل أن تلحق بها التي شهقت من فورها قائلة
" يا إلهي ما هذا الذي يحدث هنا ؟ "
همست الواقفة بجانبها بعينان دامعة مصدومة
" احترق كل شيء ... الثياب والحلي والحقائب وكل شيء جميل
في هذا العالم "
اقتربت منهما الواقفة قرب تلك الغرفة المحترقة تنفض فستانها
بغضب تنظر للتي قالت تمسك كتفي الباكية والواقفة بجانبها
" لا تقلقي يمامة السيد أبان سيشتري لك أكثر من هذا بأضعاف "
قالت التي وقفت أمامهما تمسك خصرها بيديها
" تحركا بسرعة وحاولا إخماد النار "
كان جواب التي لا حيلة لها في شيء الصمت بينما قالت الأخرى
" نحن لم نشعلها فليطفئها الذي فعل ذلك "
وصلت يدها لشعرها المجموع للخلف سريعا وأمسكتها منه
بقوة متجاهلة صرختها المتألمة وصرخت فيها تهزها منه بقوة
" خادمة سليطة لسان كسيدتك تماما ، قسما إن لم تبلعي لسانك
رميتك في تلك الغرفة لتحترقي مع الخرق التي أحضروها معك "
أمسكت يمامة برسغها فورا قائلة برجاء باكي
" اتركيها خالتي أرجوك ولن تعيدها مجددا وسنخمد النار حالا "
تركت شعرها بعنف وقالت
" أي كلمة غير التي سأقولها ستتهم صاحبتها بحرق الغرفة
والأعلاف وستتلقى الضرب عقابا لها حينها بالطبع "
وتابعت مغادرة من هناك
" هذا كي لا تتلهيا عن أعمالكما مجددا بسبب تلك التفاهات ،
وعلى عنقي تخرج إحداكما من هذا المنزل "
راقبتاها حتى اختفت خلف الباب وقالت يمامة بحزن متوجة
للصنبور القريب
" هيا نحاول إخمادها فقد ننقذ أي شيء "
تبعتها فورا التي فكت شعرها تعيد شده مجددا قائلة بضيق
" لما تستحملين كل هذا ؟ صمتك يقتلني يا فتاة ! لست أعلم
متى ستتذكر السيدة جوزاء أنها نسيتني هنا وغادرت "
رفعت دلو الماء دون أن تعلق وتوجهت به نحو الغرفة المشتعلة
وحاولت الاقتراب منها لكن الدخان وحرارة النيران بداخلها منعتها
من ذلك رغم أن كمية الأعلاف فيها كانت قليلة والنيران بداخلها فقط ،
حاولت سكبه فيها من بعيد والنتيجة كانت أن انسكبت المياه قرب
الباب دون أن تدخلها فقالت التي أخذت منها الدلو
" لا تتعبي نفسك بهذا وستخمد من نفسها بعدما تلتهم كل شيء "
نظرت للمكان بحزن فبعدما أصبح يشكل عالم النجوم بالنسبة لها
ها قد تحول لهباء كباقي أحلامها التي فقدتها بالتتابع منذ كانت طفلة ،
تحركت من هناك تنظر للأرض بحزن ودخلت المنزل وتوجهت
لغرفتها فورا تشعر بأنها فقدت كل ما هو جميل في حياتها اليوم ،
أغلقت باب الغرفة وتوجهت للخزانة وأخرجت الهاتف الذي كان
صوت اهتزازه بسبب اتصال أحدهم يمكنها تمييزه ما أن تدخل
فيمان من اقترح عليها ذلك فقد يضطر للاتصال بها عليه إن
واجهته مشكلة ما وهو خارج المنزل ، ولأن زوجة والدها لا
تدخل غرفتها مطلقا وجد أن هذا أنسب حل كي لا يجتاز صوت
رنينه الباب المغلق .
نظرت لشاشته المضاءة وعضت شفتها لا شعوريا وهي ترى
الاسم فيه فهو يتصل به منذ وقت ولم تستطع أن تجيب عليه
لكنه لن يتوقف عن الاتصال إن لم تجب وتخشى أن يتصل
بوالدها نهاية الأمر ويمان غادر من قبل وقت الفجر ومؤكد
للجنوب ولن يرجع قبل آخر الليل ، فتحت الخط بعد صراع
طويل مع نفسها ووضعت الهاتف على أذنها وقالت فورا
وبصوت منخفض
" يمان ليس هنا "
وصلها ذاك الصوت الرجولي المستغرب فورا
" وأين هو ! ولما يترك هاتفه في المنزل دائما ؟ "
ليست تفهم لما تشعر بجسدها يرتجف بمجرد سماع صوته
فهي لم تعتد التحدث مع أحد فكيف إن كان رجلا ! قالت بذات
الصوت الشبه هامس
" لا أعلم "
وصلها صوته الحانق فورا
" وسكرتيرته لما إن لم تكوني تعلمين أين هو ؟ "
زمت شفتيها فورا وملأت الدموع مقلتيها الرمادية الواسعة
قبل أن تهمس بصوت مرتجف من اختناقها بعبرتها
" لم يخبرني .. "
قال من فوره
" آوه بربك يمامة ما الذي قلته يبكيك يا طفلة ؟ ما أن يرجع
أخبريه يتصل بي .. وآسف فهيا توقفي عن البكاء "
مسحت عيناها بقوة هامسة
" حسنا سأخبره "
وصلها صوته قائلا
" شكرا لك ... وداعا "
أعادت الهاتف مكانه تحت ملابسها ومسحت عيناها بقوة
وغادرت الغرفة مجددا فعليها تنظيف غرفة الأعلاف ما أن
تخمد النار كي تخفف من غضب والدها وإن قليلا حين يعلم
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 69 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 01-01-18 الساعة 09:34 PM
رد مع اقتباس
#5813
قديم 01-01-18, 09:15 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
دس هاتفه في جيبه ونظر للذي خرج من غرفة عمليات المطار
مع مجموعة المضيفين وكابتن الرحلة حيث كانوا يتناقشون حول
رحلتهم مع فريق الملاحة الجوية قبل إقلاع طائرتهم ، اقترب منه
يمسك أوراق معلومات رحلته في يد بينما يمسك قبعة بذلة الطيران
في اليد الأخرى فعلم بأن وقت رحلته قد حان ، وما أن وصل عنده
سحب أبان القبعة منه ووضعها له على رأسه وضرب له التحية بيده
قائلا بابتسامة
" رحلة موفقة يا شقيقي "
ابتسم له وتعانقا ثم ابتعد عنه قائلا بضحكة
" استمع لنصيحتي إن لم تعجبك العروس فلا ترجع أبدا "
أزال الواقف أمامه القبعة عن رأسه وقال بضيق
" هل هذا وقت الحديث عن ذلك ؟ ما أسخفك يا رجل "
كشر في وجهه قائلا
" أحسدك يا رجل ليس ذنبي وأخشى أن تنقذ أنت نفسك من المأزق
وأبقى فيه لوحدي "
قال ببرود
" تحمل نتائج أفكارك "
حرك يده قائلا بضيق
" كانت فكرة ناجحة والدتك هي التي لا يقدر عليها ولا زعيم
الشياطين وخطئي كان أني استهنت بقدراتها "
وتابع بلا مبالاة قبل أن يعلق الواقف أمامه
" حسنا لا مشكلة فهي قررت أن تضيف فردا جديدا لفريق فتياتها
وتخزينها لوقت من الزمن أي أني الكاسب فهي ستكون ابنتها
وليست زوجتي حسب قانونها الرائع "
حرك الواقف أمامه رأسه قائلا
" لا تستهن بالأمر فقد تندم قريبا على موافقتها ذلك "
أمال طرف شفته بلا مبالاة ولم يعلق فقال غيهم
" أنت سلمتها مصيرك وتحمل النتائج "
قال بضيق
" أجل تشدق فأنت لم تتورط مثلي "
رفع كتفيه قائلا
" لست أرى أي اختلاف فكلانا سيتزوج حسب ذوقها ومزاجها "
دس يديه في جيبي بنطلونه قائلا
" بلى فثمة فرق شاسع بين أن تتزوج من فتاة في الثانية والعشرين
من عمرها وفتاة في الثالثة عشرة ، على الأقل هي لن تبكي ما أن
يرتفع صوتك قليلا "
حرك رأسه مبتسما وقال
" وما سبب غضبها منك هذه المرة ؟ "
مرر أصابعه في شعره وتأففا قائلا
" أخبرتها أن تعجل في الزواج وتلغي فكرة الحفل السخيفة تلك
لكنها طبعا لا تستمع سوى لرأي عقلها وكأنها هي من سيتزوج "
لم يستطع الواقف أمامه أن يمسك ضحكته القصيرة المنخفضة
وقال مغادرا من عنده
" تناقض نفسك يا رجل ! "
نظر له بضيق وهو يبتعد جهة الممر المؤدي لبوابة المسافرين
الخاصة والتي بدأ أفراد الطاقم بالتوجه نحوها فلن يفهم أحمق
مثله أسبابه فالأمر يتعلق بيمان وليس بنفسه ، يشفق عليه حقا
من كثرة ما يضطر للذهاب للجنوب خفية يذهب ويرجع في ذات
اليوم كل تلك المسافة كي لا يفقد عمله وكل ما يمسكه عن أن
يقيم هناك هو خروج شقيقته من ذاك المنزل وإن ترك الأمر لوالدته
فلن يتحقق مراده أبدا فمخططها أطول من عمر تلك الفتاة وشقيقها
معها وليس يفهم ما الداعي لكل تلك السخافات التي تتمسك بها النساء .
غادر من هناك ومن المطار بأكمله وما أن وصل سيارته رفع نظره
للطائرة التي علا ضجيجها في الأجواء وابتسم يراقبها ترتفع عاليا
معانقة السماء ، فها هي والدته أجبرت حتى شقيقها على السماح
له بالتحليق في رحلة دولية خشية أن تنفره الرحلات التدريبية
والتجارية ويموت حلمها في مهده لأنها تعرف ابنها جيدا قد يقدم
طاعتها على كل شيء لكنه إن قرر فعل ما في رأسه وتجاهلها فلن
تقدر عليه أبدا .
فتح باب سيارته وركبها ورمى المغلف الموضوع على مقدمتها
في الخلف فعليه الآن أن ينتظر حتى يوم الغد ليرجع ابن الجنوب
الجديد ذاك .
*
*
*
وقف أمام باب الشرفة وكما توقع هي هنا ومنذ الصباح الباكر
أيضا فيبدوا أن هذا المكان أصبح عالمها الخاص فحتى من دون
دفتر الرسم تجلس في ذات الزاوية تضم ساعديها وتتكئ بهما
على حافة الشرفة مرخية ذقنها عليهما وتهيم بنظرها للبعيد
لا يظهر من ملامحها سوى القليل تتطاير خصلات شعرها الذهبية
حوله دون أن تهتم ولا لإبعادها وكأنها منفصلة عما حولها تماما ...
لا يمكنه تصور أن هذه الفتاة قد تقتل فعلا ... الآن وهي في سن
الثامنة عشرة لا يصدق أن تفعلها فكيف وهي ابنة العشرة أعوام ؟
على الرغم من جميع عقدها النفسية والكره الأسود الذي يغذي
قلبها ضدهم إلا أنه يستبعد أن تؤذي أحدا بذاك الشكل فهو اكتسب
خبرة طويلة في معرفة أنواع المجرمين وطرق تفكيرهم ، كان يراها
في السابق لغزا غامضا من قبل أن يكتشف عنها أي شيء والآن
بات يرى ذاك اللغز يتجسد فعلا في جسد امرأة تتحرك أمامهم
لم يعر أحدهم بالا لأن يفهم لما هي هكذا بل ومن هي تحديدا ؟
لم ينم ليلة البارحة ولم يغمض له جفن يتنقل بين سريره
وأوراق قضيتها تلك ... وكيف له أن ينام وهو يعجز ولأول مرة
أمام قضية ما ، لكن الأمر طبيعي جدا فثمة ثغرات كثيرة في
القضية ولن يستطيع فهم خباياها وهو هنا وساحة الجريمة
والشهود جميعهم هناك وإن كانت ثمان سنين ما يفصلهم عن
الحادثة .
" هل جئت لتقنعني أيضا بحضور حفلكم ذاك ؟ "
ابتسم ولم يعلق ولازال يراقبها وهي على ذات حالها لم تزح
ولا نظرها عن مكانه السابق ، يحار في هذه الفتاة كيف تشعر
بوحوده رغم أنه يدخل دون أن يصدر أي صوت ! حتى أن رائحة
عطره ذاتها التي يستخدمها جده ورواح فهم يتشاركون في هذا
أيضا رغم التناقض الرهيب في شخصياتهم إلا أن ذوقهم في
العطور الفرنسية متشابه فهل تتوقع دائما أنه هو ؟ لما لا تحاول
التأكد في أي مرة فقد يخونها ذكائها إلا إن كان ثمة أمر غيره
تعرفه به ؟ تنفس بعمق وتقدم نحو الخارج خطوتين قائلا
" والدة رواح تحدثت معك عن الحفل إذا ؟ "
ابتسم رغما عنه حين همست ببرد
" بل وأراها أفضل منك في أسلوب الإقناع "
قال ونظره لم يفارقها كما ابتسامته
" أعرفها جيدا حين تصر على أمر ما تتحول لمزعجة فلا تفكر في
شيء سوى الخلاص منها لكنها تفعل ما تفعله رغبة منها فعلا "
أبعدت هذه المرة تلك الخصلات القصيرة المتطايرة من أمام عينيها
وقالت بعد صمت لحظة وببرود
" أتريد إقناعي بأنك لست من طلب منها ذلك ؟ "
قال من فوره
" إن قلت لا ؟ "
" كاذب "
قالتها مباشرة ودون تردد فابتسم قائلا
" أنا سألت فقط ولم يكن ذاك جواباً "
استوت في جلستها مبعدة ذقنها عن ساعديها ولازالت شبه توليه
ظهرها وقالت
" وأنا أجبت عن الشطر الذي تريد إيصاله لي من سؤالك "
حرك رأسه مبتسما وقال
" أفهم من كلامك أنك ستكونين في حفل الليلة ؟ "
وقفت على طولها والتفتت له محدقة في عينيه بتلك الأحداق
المشعة بلون السماء الصافية فوقها وقالت بجمود
" تكون مرافقا لي ؟ "
نظر لها باستغراب ظهر على ملامحه واضحا فقالت بابتسامة ساخرة
" لست أعرف أحدا غيرك بالطبع "
حرك رأسه وابتسم وقال
" موافق "
قالت من فورها
" ولن تهتم برأي زوجتك أو زوجة والدك المهذبة تلك ؟ "
ضحك وقال
" لا "
أهدته أول ابتسامة يراها تزين تلك الشفتين لأول مرة غير
ابتساماتها الساخرة القاتلة تلك وإن كانت متكلفة وغامضة
أيضا ككل شيء يصدر عنها بل ولم تنظر لعينيه وقتها وهي تنزل
بنظرها لدفترها في يده وقالت ونظرها عليه
" هلا أعدته إلي؟ "
نظر له في يده ثم مده لها من فوره قائلا
" بالتأكيد فأنا جئت لأعطيك إياه "
اقتربت منه وأخذته منه وأمسكته بكلتا يديها وحدقت بعينيه
حين قال بهدوء حذر
" هل ثمة من تثقين فعلا بأنه سيأخذ لذاك الأرنب بحقه ؟ "
كان جوابها المبدئي الصمت وهذا ما توقعه منها وواثق تماما
من أنها فهمت بأنه يتحدث عن ذاك الأسد ، كان ينتظر بفضول
جوابها ويعلم ذات الوقت بأنه لن يستطيع توقعه وأول ما تبادر
لذهنه بأنه سيكون سؤالا مقابل سؤال كعادتها وذاك ما حدث
فعلا حين قالت ولازالت محدقة بعينيه
" هل تم تبرئة صاحب قضية حبيبتك الانجليزية تلك ؟ "
أدار حدقتيه جانبا وتنهد مبتسما .. شخص غيره كانت لتغضبه
عبارتها تلك لكن هو وفي مواجهتها هي تحديدا فالعكس تماما
وقد قال مبتسما ما أن عاد بنظره لها
" إيلينا ليست حبيبتي والمتهم في قضية شقيقها ظهرت براءته
بالفعل "
قالت من فورها
" من ترافع عنه ؟ "
نظر لها باستغراب عاقدا حاجبيه قبل أن يقول
" أنا "
ظهر شبح ابتسامة مائلة على طرف شفتيها ونزلت بنظرها
لدفترها هامسة بجمود
" إذا ثمة من سيقتص لذاك الأرنب "
نظر لها باستغراب لبرهة قبل أن يقول بذهول
" إن كان أي شخص آخر غيرك لظننت بأنه يثق بي فعلا لفعلها "
رفعت نظرها له مجددا وفهم فورا من نظرتها تلك بأنها رافضة
لكل ما قال بل وعلى استعداد لقتله بسببه فورا لكنها خانت
توقعاته مجددا وقد قالت بجمود
" وهل وثق بك ذاك الرجل أكثر من محاميه السابق لذلك
كسبت القضية ؟ "
حرك رأسه بالنفي قائلا
" الثقة أمر ضروري لكن من جانب المحامي يا زيزفون وليس
المتهم فعليه أن يثق فعلا بأن موكله بريء أو لن يربح القضية أبدا "
أبعدت نظرها مشيحة بوجهها عنه وقالت ساخرة
" ذاك حين يكون القانون في صفه "
استشف المرارة بسهولة في نبرتها تلك وإن كانت تحاول
إخفائها بحرفية ، لا يستطيع خوض حديث معها في أمر
القضية وتلك الجريمة فهذا ما حذر منه طبيبها في التقرير
الذي كتبه عن حالتها فهي في تلك الحالة أقل ما قد تفعله
أن تصبح عدائية جداً ناحيته ولن تثق به أبدا وهذا ما لا يريده
خاصة أن طباعها ناحيته تغيرت كثيرا وإن لم يكن بشكل كامل ،
قال بهدوء حذر
" القانون في صف الضعفاء دائما "
" واهم "
قالتها بحدة وكأنها تتهمه هو بذلك .. بلى ستفعلها فهو في
نظرها رجل قانون أيضا ، قال بجدية
" بلى وليس ثمة مجرم ينفذ بجلده طويلا ولا حقيقة تبقى مدفونة
طوال العمر "
قالت ساخرة
" تريد أن تقنعني بأنه ليس ثمة أبرياء في السجون ؟ "
قال مباشرة
" بلى يوجد لكن العدل سيقام وسيقتصون من ظالميهم يوما ما
بالتأكيد "
قالت بجمود
" حديثك هذا لا يجب أن يصدر عن نائب مدعي عام يعرف أكثر
مما يجهل غيره عن الموجودين خلف زنزانات السجون إلا إن
كنت تعني بذاك القصاص يوم الحساب "
حرك رأسه بالنفي قائلا بالكثير من الصبر
" ليس يوم الحساب أعني .. الحمقى فقط من يعتقدون أن القانون
من يأخذ لهم بحقهم مباشرة .. جميعنا تحركنا قدرة الله يا زيزفون
لا أحد يقتص للمظلوم بذكائه فقط صدقيني ومن يؤمن بذلك سيعلم
بأن الله لا ينساه "
أشاحت بوجهها عنه وهمست
" حديثك ليس حديث محام أبدا "
تنهد بقوة وقال
" حسنا برأيك ظهرت براءة المتهم في مقتل شقيق إيلينا لأنه
لم يكن يثق في محاميه السابق ؟ "
نظرت له مجدداً وقالت بسخرية
" أنت من وضع نظرية الثقة تلك وليس أنا ورغم ذلك فبرأيي
أنه لم يكن أغبى من عائلة حبيبتك تلك سوى محاميه "
رفع يديه وتنفس بضيق قائلا
" زيزفون بربك أنا رجل متزوج أي حبيبة تلك التي
تتحدثين عنها ؟ "
رفعت حاجبها قائلة
" متزوج !! ألا تخبرني أين هي زوجتك تلك ؟ "
دس يدسه في جيبيه وقال ببرود محدقا بعينيها
" وإن يكن فمن حقها أن لا أعبث مع غيرها أبداً "
قالت وهي تجتازه مغادرة
" أتعلم بأنها لا تستحقك "
راقبها بنظرات مصدومة عجز معها عن التعليق وهي تدخل
الغرفة الواسعة لكنها وككل مرة لم تتركه يستمتع بلذة انتصاره
الجديد على رأيها السلبي فيه فقد تابعت وهي تبتعد جهة الباب
وقد رمت شعرها المربوط برباط مطاطي عن كتفها للخلف منسابا
بنعومة على ظهرها
" لذلك أنصحك بأن تعيد النظر بشأن تلك الانجليزية فتبدوا
متيمة بك "
وغادرت تاركة الباب مفتوحا خلفها فحرك رأسه بعجز ممررا
أصابعه في شعره الأسود الكثيف هامسا
" أحيانا تشعرينني بأنك قادرة على القتل فعلا يا حفيدة ضرار
الحقيقية ! "
أدار بعدها للباب ظهره وتقدم بخطواته نحو الشرفة وتحديدا
عند الجهة التي تقف فيها دائما وأخرج هاتفه واتكئ بساعده
على حافتها ورفعه لأذنه تراقب عيناه منظر النافورة الحجرية
من بين الشجيرات المنسقة ، عليه أن يبحث في المكان السليم
وهو أرض تلك الجريمة فلن ينكشف له شيء وهو هنا والحقائق
المخفية هناك .
ما أن انفتح الخط في الطرف الآخر حتى قال من فوره
" مرحبا أويس "
*
*
*
داس على فرامل دراجته النارية بقوة أكبر يتحرك بها بين
السيارات بمهارته المعتادة وبسرعة ضعف التي اعتاد عليها
سابقا ولا يرى هدفا أمامه سوى الطريق الرئيسي فما أن
وصلته تلك الرسالة حتى خرج من المنزل راكضا كالمجنون
( تعالى لمستشفى المدينة ولا تخبر أحدا ... مطر شاهين )
والدته خرجت لوحدها قبل ساعتين تقريبا ولن يكون أحدا
غيرها ولا يستطيع تخمين السبب لأنه سيجن حينها فطلب مطر
شاهين قدومه تحديدا جعل عقله يقفز من مكانه فهو غادر من
هنا صباحا مع ابنته فما سيرجعه الآن وما جمعه بها ؟
وصل المستشفى أخيرا وكاد يسجد لله شكرا لتوقف تلك
الأفكار عن العبث بأعصابه وإتلافها فأحيانا معرفة الحقيقة
أفضل مئة مرة من انتظارها ، ترك دراجته في المواقف
الخاصة بها هناك وركض فورا جهة مدخل المستشفى يجتاز
المارة لا يعلم من صدمه ومن اصطدم به منهم وجل ما يخشاه
أن تكون تعرضت لحادث سير .
وصل ممر غرفتها الذي بالكاد استطاع نطق اسمها في الاستعلامات
ليخبروه عنه من شدة ما كان نفسه متقطعا من الركض والخوف ،
وقف مكانه لبرهة عند أول الممر يتلقف أنفاسه ونظره على الحرس
المنتشرين في المكان والذين لحظ وجودهم منذ دخوله المستشفى
يمنعون أي شخص من الصعود لهذا الطابق بأكمله غير الأطباء
وأشخاصا معينين كما يبدوا وبدأت تبحث نظراته عن شخص واحد
لم يجده بينهم حتى الآن .
ركض فورا ما أن انفتح باب إحدى الغرف في الممر وخرج منها
الذي كان يبحث عنه تحديدا مغلقا الباب خلفه ، وقف أمامه وقد نظر
له يتلقف أنفاسه نظراته المستغربة الوجلة تنتقل من شعره المبلل
لقميصه المشبع جزئيا بالماء أيضا وقال بصعوبة
" أمي ... ما بها ؟ أ....أهو حادث ؟ "
وملأت الدموع عيناه فورا وهو يقول
" إن ماتت فاقتلني قبل أن تخبرني "
رفع الواقف أمامه يده وأمسك بها جانب وجهه قائلا بجدية
" هي بخير يا كاسر لا تكن ضعيفا هكذا ، من سأعتمد عليه في
أن يحميهما بعدي غيرك أنت ؟ "
مسح عيناه فورا لا يصدق ما قال وسمعه ! كان ذلك أعظم على
قلبه من معرفته بأنها بخير ، قال مبتسما بتفاؤل
" حقا هي بخير ؟ "
ربت على كتفه قائلا
" ألا تثق في صدق كلامي ؟ الطبيب قال أنها بخير لا أحد يعلم
بعد الله أكثر منه وأنا اخترتك أنت لأنك خياري الوحيد فأنت تعلم
بحالة رماح وظروف رعد ، أريدك أن تكون قربها حتى تغادرا
من هنا "
وتابع يخرج له شيئا من جيب بنطلونه
" سيارتها في الأسفل وهذا مفتاحها ، أنا مضطر للذهاب لمدن
ثنان الآن ولولا الضرورة ما كنت سأغادر ... سأعتمد عليك "
نطر له في يده بصمت وكان يريد سؤاله عن الكثير وأوله
لما هي هنا وهو معها ؟ لكن لا الزمان ولا المكان مناسبان كما يرى ،
أخذه منه وقال ناظرا لعينيه
" كن مطمئنا "
ثم مرر أصابعه في شعره وتردد قليلا قبل أن يقول
" في الحقيقة أنا اتصلت بجليلة قبل مجيئي ، لم اخبرها أنك
من طلب مني ذلك لكني أعلم عن قوة علاقتها بها وأ.... "
قاطعه ناظرا لهاتفه الذي بدأ بالرنين
" لا بأس يا كاسر أعلم أني أخطأت في عدم إخبارك بأنها بخير "
أوقف الاتصال ثم عاد بنظره له قائلا
" لا تخبر أعمامك حتى ترجعا للمنزل اتفقنا ؟ "
أومأ برأسه موافقا وقال
" بالتأكيد سيدي "
ابتسم له من فوره قائلا
" سيدك ! "
حك شعره وقال بإحراج
" حسنا ... يا زعيم "
وضحك ما أن رأى نظرته المستهجنة وقال
" بما أناديك إذا ؟ "
ابتسم له قائلا
" أنا زوج التي أرضعتك ومن قبل أن تولد أنت يا كاسر وحملتك
بين يداي رضيعا فنادني كما تناديني شقيقتك "
ابتسم بدهشة ولم يستطع امساك الدموع التي ملأت عينيه وشد
قبضتيه قائلا ببحة
" أتسمح لي بمعانقتك ؟ "
فرد له الواقف أمامه ذراعيه مبتسما من فوره وتبادلا عناقا قويا
حقيقيا ثم أبعده عنه وشد ذراعيه ونظر لعينيه قائلا بجدية
" أنا والدك يا كاسر وستناديني كذلك من الآن وصاعدا ومتأكد من
أني سأكون فخورا بك دائما "
مسح دمعة غلبته وقال
" بل أنا الفخور بك وبأن أكون ابنك "
" مطر علينا المغادرة فالوقت يسرقنا "
نظرا كليهما للذي وقف قربهما وقال مطر مغادرا من هناك
" أجل يا عمير فعلينا إخماد ذاك البركان هناك سريعا "
راقبه يبتعد ورئيس المخابرات الجديد يسير بجانبه ليطوقهم الحراس
من كل جانب يسيرون بخطوات واسعة تشبه خطواتهم وابتسم بحب
فلم يستطع يوما أن يكره ذاك الرجل مهما فعل ولا يفهم لما !
أجل يعلم بسبب حديث جده شراع الأخير معه قبل موته .
ما أن اختفوا خلف الممر نظر للحارسان اللذان بقيا هنا ومؤكد
بأوامر من ذاك الرجل ، توجه جهة باب الغرفة فتحه ببطء ودخل
ووقع نظره فورا على النائمة على السرير مغمضة العينين
يدها فوق اللحاف ناصع البياض الذي يغطي جسدها والمغذي
محقون فيها فغضن جبينه مستغربا ينظر للقميص الأبيض الذي
ترتديه واقترب منها حتى جلس على حافة السرير قربها ، مسح
بيده على شعرها الرطب ونظر بحزن لملامحها الجميلة المتعبة ،
كانت تئن بخفوت ووجنتاها تكادا تشتعلان احمرارا وشفتاها
المرتجفة تهمس دون توقف من بين تلك الأنفاس المتقطعة
وبكلمة واحدة
" كاذب ...... كاذب ...... كاذب "
وليس يفهم ما حدث ولما تقول ذلك ! لكن ما هو موقن منه
أن ذاك الرجل هو المعني بذلك بالتأكيد ، قبل جبينها واتكأ عليه
بجانب وجهه هامسا بحزن
" ليحفظك الله لي أمي "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 70 others like this.
رد مع اقتباس
#5814
قديم 01-01-18, 09:18 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
دخلت من باب المستشفى مسرعة وهي التي كانت عازمة
على أن لا تغادر غرفتها اليوم أبدا ولا أن ترى أحدا ووجدت
نفسها فجأة تجلس في كرسي سيارتها وتغادر منزلهم مسرعة ،
ليته أخبرها ما الذي يجري لكان أرحم لها ألف مرة من تركها
هكذا تتلاعب بها الظنون فأول من سافر له خيالها هي ابنة خالتها
لأنها كانت تتصل بها ولا تجيب من أكثر من ساعة وأن يستعين
الكاسر بها هي فمعناه أن المكروه بغسق بالتأكيد لكان اتصل بها
هي فورا لو كان أي شخص غيرها ، وقفت في صالة المستشفى
الواسعة وفتحت حقيبتها لكي تخرج هاتفها منها لتتصل به فهو
اشترط أن لا يخبرها حتى تكون هنا ، أخرجته بحركة غاضبة
متمتمة
" حركات مراهقين مدمرة للأعصاب "
وما أن رفعته لتفتش عن رقمه أبعدت نظرها عن شاشته وحدقت
باستغراب في الواقف بين مجموعة حراس شخصيين والبعض
من القوات الخاصة ، اقتربت قليلا حتى ظهر لها بوضوح الواقف
مع مدير المستشفى يتحدثان قبل أن يومئ له ذاك باحترام ويغادر
فهمست وخوفها يتصاعد بشدة
" يا إلهي إنها هي بالتأكيد "
أعادت الهاتف لحقيبتها وتحركت جهته وما أن منعها أحد الحراس
من الاقتراب منه أوقفتهم إشارة يده ودون حتى أن يتحدث فاجتازتهم
واقتربت منه حتى وقفت أمامه وحدقت في عينيه هامسة بتوجس
" ما بها ؟ لا تقل أنها هي فعلا ؟ "
كانت أنفاسها المتلاحقة والمتوترة تخرج من صدرها بقوة أنهكته
درجة أن اعترفت لنفسها بأنها لن تعيش ذعرا كهذا في حياتها ..
لكن سرعان ما خانتها توقعاتها وهي تفقد ذاك الشعور في لحظة
وقد تجمد كل شيء فيها حتى ذاك الشعور بالخوف ما أن تحرك
الذي كان يختفي خلفه يبدوا يحدث أحدا ما وظهر لها ما أن وقف
بجانبه فشعرت بجسدها قد تصلب وكأنه قطعة خشب تحاول أن
لا تنظر جهته وتمنت حينها بالفعل أن قتلت الكاسر،أولت انتباهها
للذي قال من فوره
" هي بخير لا تقلقي وستغادر اليوم على الأرجح "
زمت شفتيها تمنع نفسها من قول ما تريد قوله لكنها لا تستطيع
فذاك فوق قدرتها على كتمانه فهي اليوم تحديدا غاضبة من كل
شيء ومن الجميع والرجال أولهم ، حررت شفتيها المتساويتان
ونظراتها الشبه دامعة معلقة بعينيه وقالت بأسى
" كنت أعلم أن ما حدث بالأمس ستكون هذه نتيجته ، ليتك فقط
مهدت لها في طريقة قتلك لقلبها "
لم تبالي لما قالت ولا لتبدل ملامح الواقف أمامها من الجمود
للضيق ولا حتى لمكانته ومركزه وأن احترامها له يعد قانونا
اختراقه جريمة يحاسب الشخص عليها ولم تتراجع عن موقفها
ولا حتى حين قال بضيق
" جليلة لا تكوني حمقاء كابنة خالتك "
نظرت له بحنق قائلة
" اعذرني لكني فقدت حقا الثقة في جميع الرجال "
رفع حاجبه مبتسما بينما لم يستطع الواقف بجانبه إمساك ضحكته
المكتومة المنخفضة وجاء التعليق منه قائلا ونظره على عينيها
المحدقة به بضيق تظنه يسخر مما قالت
" يبدوا أن تلك الجمعية تخرج عدوات رجال عن جدارة "
زمت شفتيها في حركتها المعتادة كتعبير أولي دائم عن أغلب
انفعلاتها في حركة لا تزيد ملامحها سوى جاذبية تميزها عن
غيرها تنظر له بحنق فتراجع للخلف مبتعدا ورافعا يديه وقال
بابتسامة ونظره لم يفارق حدقتاها البنية الواسعة
" حسنا أنا أمزح فقط وها أنا سأبتعد فيبدوا أن قريبة زوجتك
لا تطيقني فعلا
" أبعدت نظرها الحانق عنه للواقف أمامها والذي كان يتبعه بنظره
قبل أن ينظر لها حين قالت ببرود
" هل رجالك جميعهم هكذا لا يقبلون أن يعارض أحدا أوامركم
واقتراحاتكم ؟ "
نظر لها باستغراب رافعا حاجبه الطويل قبل أن ينقل نظره جهة
الواقف بعيدا ينظر لهما ثم عاد بنظره لها وقال
" ما قصتك معه ؟ "
توترت فورا وزمت شفتيها لبرهة قبل أن تقول
" لا شيء "
ابتسم وأومأ برأسه قائلا
" حسنا كوني هنا بقرب الكاسر وابنة خالتك وغطي عن غيابها
عن منزلها كي لا يعلما شقيقيها بالأمر "
ثم غادر مجتازا لها وقائلا بجدية
" وسأتجاهل فضاضتك معي فقط لأن لك دينا في عنقي عمره خمسة
عشر عاما "
راقبته بنظرات مستغربة وهو يغادر وبلعت ريقها بصعوبة حين
فهمت مغزى كلماته فها هي تلك الحادثة وإدخالها لغسق لحدوده
لازالت تطاردها ، غادرت من هناك فورا متنهدة بضيق ، على الأقل
هو أول شخص لم يلقي باللوم عليها فيما حدث سابقا فحتى
زوجته تلك صرخت فيها في إحدى ثوراتها قائلة
( ليتك قتلتني وما تركتني دخلت حدوده وعرفته )
*
*
*
رفعت الهاتف أمام وجهها تنظر بانتصار للرقم الذي يضيئ على
شاشته وصوت رنينه يملأ صمت تلك الغرفة التي تتحرك فيها
بعشوائية وما أن انقطع الاتصال حتى قفزت في مكانها لتقابل
الجالسة على السرير تحضن ساقيها المغطاة بلحاف ربيعي
خفيف بنفسجي اللون ترتدي بجامة زهرية بدون أكمام ترفع
شعرها البني بعشوائية وتمسكه بمشبك شعر تراقبها بصمت
ونظرة عدم رضى وقد أشارت تلك ضاحكة بأصابعها الأربعة
تضم الإبهام لكفها وقالت
" المكالمة التاسعة وليس من مجيب "
أسدلت جفناها الواسعان تخفي الحزن في تلك الأحداق الذهبية
وهمست ببرود
" لست أفهم ما ستستفيدين من كل هذا ساندي ؟ "
ضحكت تلك من فورها وقالت تلعب بهاتفها في يدها وقد وضعت
شريحتها فيه عمدا لتشغلها
" أن يحترق ذاك الكنعاني البارد طبعا "
وتابعت وقد تحولت نبرتها للسخرية
" هه ... لست أفهم يتصل بك ليقول ماذا ؟ كانت تلك الحمراء
مريضة وأقوم بفحصها مقربة منتصف الليل ! "
شدت أناملها على اللحاف بقوة تكابد عيناها دموعها ترفض كل
واحدة منهما الانصياع للأخرى فلا هي نزلت وأراحت احتراق
جفنيها وقلبها ولا عادت لمحجرها وانصاعت لها فبقيت معلقة
هكذا بين ماء تلك الأحداق العسلية الواسعة ولسعات الهواء الخارجي
حولها تحكي قصصا حزينة عن الخذلان والألم .. عن الاحتياج في
أشد حالات الرفض والحرمان فلا تشبع أرواحنا الفقيدة ولا تقنع
بعبارات ألا موجود .
مسحت بظهر كفها عيناها بقوة لحظة أن شعرت بالسرير
ينخفض قربها ثم تلك اليد الناعمة تلامس ساعدها ووصلها ذاك
الصوت الحزين رغم نبرة الضيق فيه
" ماريه أنتي تخيفينني من الحب فعلا ... اقسم أن يندم ذاك
الأحمق على أن استبدلك وإن بعمله السري ذاك وستضجر
منه تلك الانجليزية سريعا وترميه كالسابقين وسيعيش بعد ذلك
وحيدا منبوذا حتى يموت "
لم تعلق على ما قالت ولم ترفع نظرها لها وأناملها تشد ذاك
اللحاف أكثر وأكثر فهي من عاشت منبوذة طوال حياتها وليس
هو والجميع يرتجي فقط أن يرضى عنهم وهو من يرفض
ذلك فأي حياة نبذ تلك التي سيعيشها ؟ هو اعتاد أن يرفض
من حوله وأن يعيش بدونهم فلن يصعب عليه فعلها معها
بالتأكيد ، هذه هي الحقيقة التي عليها أن تقتنع بها مهما رفض
عقلها ذلك .
وقفت ساندرين وسحبتها خارج السرير قائلة
" هيا إذا نخرج لشراء ما سنلبسه الليلة ولنستمتع بيوم الإجازة
وسحقا للحب وللرجال "
سحبت يدها منها وقالت برفض
" ساندي إنها التاسعة هل سنشتري السوق بأكمله ! "
دفعتها جهة الحمام قائلة
" وإن يكن سنزور ميدان بيكاديللي ونلف المتاحف ودور العرض
جميعها ونستمتع بيومنا "
انصاعت لها وإن مكرهة فهي تعرف عنادها جيدا رأسها يكسر
الصخر دون أن يتصدع مطلقا ، ما أن وصلت باب الحمام وقفت
والتفتت جهة السرير الذي تركته خلفها والهاتف الذي عاد للرنين
مجددا قبل أن تنظر للتي ضحكت وقالت تفرد أصابعها
" المكالمة العاشرة "
وتوجهت جهة باب الغرفة وخرجت منه تدندن لحنا فرنسيا
فتنهدت وعادت بنظرها لذاك الهاتف الزهري الذي أخذ
اليوم مكان هاتفها المحطم منذ ليلة البارحة وكم تمنت أن
حطمته سابقا والشريحة معه فهما سبب حرمانها من النوم
ليلة كاملة تحترق فيها بصمت وكأن ما يوجد وسط أضلعها
جمرة مشتعلة وليس قلبا يتألم من مجرد تخيلها فقط بأن تلك
الفتاة نائمة في حضنه ، ابستسمت بمرارة تبعد ببطء نظراتها
المليئة بالدموع عنه ودخلت الحمام مغلقة الباب خلفها حاجبا
ذاك الرنين الملح عنها فلن تستغرب حتى أن تكون تلك المرأة
هي التي تتصل بها .
*
*
*
ضغط بقوة زر الخروج من قائمة الإتصال ورمى الهاتف على
الكرسي ونظر للنافذة المفتوحة أمامه ومرر أصابع يديه في شعره
للخلف متأففا بقوة نفسا طويلا أفرغ هواء رئتيه بأكمله ونظره على
السحب البيضاء المتفرقة في السماء البعيدة وقد ظهرت أمامه فورا
صورة تلك العينان العسليتان الدامعة والشفاه الزهرية الهامسة بذاك
الصوت الأنثوي الرقيق الحزين
( لم أقتلها بل هي من رحلت معك ... مع والدتك ومع كل الأشياء
التي تشاركنا فيها في تلك البلدة وابتعدنا عنها بعد رحيلنا )
تركت أصابعه ذاك الشعر الناعم الكثيف ليتحرر عائدا كما كان
ومد يده لجيب بنطلونه وأخرج علبة السجائر ودس سيجارة منها
بين شفتيه وأشعلها ثم رمى العلبة والقداحة أيضا على ذاك الكرسي
وبدأ بسحب النفس تلو الآخر يخرج ذاك الدخان الأبيض من بين
شفتيه بقوة وبطء في كل مرة ونظره على الشارع وحركة المارة
فيه دون توقف فلا شيء أقل مللا يفعله اليوم غيره بعدما أعفاه
الكولونيل من أي مهام وبطلب من ذاك الجنرال طبعا وكأنه دمية
بين أيديهما ، لم يعتد على أن يكون مقيدا وأن يحدد غيره مصيره
وقراراته ولا يحب ذلك وذاك أكثر ما ينفره من كل تلك المهمة
المدمرة للأعصاب ولا يمكنه الرفض ليس بسبب مصير بلاده فقط
فتلك البلاد لم تقدم له شيئا طوال حياته ومنذ كان طفلا وكل ما
يربطه بها شعور الانتماء الذي غرسه الخالق في قلوب جميع
الشرفاء ، بل ومن أجل الرجل الذي قدم له الكثير منذ ذاك اليوم
الذي زاره فيه في منزل عمة عمير قبل أربعة عشر عاما وحقق
له كل ما طلبه وقرره بل وأقسم بأنه لن يحاسبه حينها على موت
ذاك الرجل إن كان ميتا بسببه ، هو من انتشله من ذاك المنزل
والعائلة التي كان سيبقى خادما لها حتى اليوم لو لم يخرجه من
هناك بل وتكفل به منذ أصبح هنا وصنع منه الرجل الذي ما كان
ليصنعه أحد ولا حتى نفسه فهل سينسى له كل ذلك من أجل
تمثلية ودور كريه مزيف ؟ .
سرق هاتفه نظره وانتباهه منتشلا إياه من تلك الأفكار حين
علا صوت رنينه فجأة فأطفأ السيجارة في المطفأة الكريستالية
الممتلئة بأعقاب السجائر التي لم ينهي أيا منها ثم رفع الهاتف
وأجاب متوجها لسترته ورافعا إياها
" نعم يا رواح "
وصله صوته فورا
" أين ستكون اليوم ؟ "
خرج من الغرفة وهمس ببرود يلبس سترته
" لماذا تسأل ؟ "
لم يتأخر عنه ذاك الصوت الحانق أبدا
" سحقا لك يا رجل .. حمدا لله أني لست زوجتك وأنك لست زوجتي "
تصرف كالعادة بلامبالاة وهو يقول خارجا من باب شقته
" قل ما لديك أو أغلقت الخط "
قال ذاك بسخط
" تفعلها طبعا ... كنت أود إخبارك مجددا عن الحفل الليلة ،
هو من أجلي يا تيم لا أحد آخر ففكر في الأمر "
نزل عتبات السلالم قائلا ببرود
" هل قابلت ريتشارد اليوم ؟ قال بأنه سيتحدث معك "
تنهد ذاك قائلا
" تبا لعقلك العنيد يا رجل ، أجل تحدث معي وأرى كلامه أسخف
من أن يؤخذ بعين الاعتبار "
*
*
*
دخلت تحمل مجموعة ملفات في يديها دافعة باب المكتب بمقدمة
حذائها وتوجهت فورا جهة طاولة الذي كان يجلس على كرسي
المكتب الجلدي موليا ظهره للمكان ويتحدث بالهاتف ، كانت سترمي
تلك الملفات الكريهة التي قضت ساعتين تبحث عنها بين كل تلك
الأكوام وتغادر لولا أوقفها حديثه قائلا لمن في الطرف الآخر
" بالتأكيد سأحضر ما كنت أحتاج لدعوتك أيضا يكفي رواح ،
وهو يستحق بالفعل الاحتفال به فأن يمسك شركة طيران خاصة
وجديدة ويثبت كفاءته فيها في غضون أشهر بسيطة يعد انجازا
في حد ذاته ! لقد أصبح اسمها يتكرر في عدة أماكن "
سكت قليلا قبل أن يقول
" لا ليس الآن "
تنهد بضيق قائلا
" خديجة أخبرتك سابقا بأنه ما أن يحين الوقت لأعرفك عليها
فسأفعل بنفسي ، ثم هي مجرد خطبة من يسمعك يضن أني
تزوجت وسيولد لي طفل قريبا "
رفعت حاجبيها ليس بصدمة بل باستهجان وليس من تهربه
من إشراكها في حياته الخاصة وحياة شخص يبدوا جزءا من
عائلته فهي لا تهتم بذلك مطلقا بل من أن يذهب للحفل بدونها ...
تعمل تعمل طوال النهار كالرجل الآلي ووقت الحفلات والترويح
عن النفس يرفض أخذها ! أين بنود عقده السخيف ذاك بأن
تكون مرافقته الدائمة ؟
ابتسمت بسخرية حين وصلها صوته قائلا ببعض التردد
" هل سيكون تيم موجودا ؟ هل اتصل به رواح ؟ "
جميل يبدوا أنها ستعرف أسماء أفراد عائلته على الأقل ، سكت
قليلا قبل أن يقول بامتعاض
" كان دائما جوابه الصمت ثم في النهاية لا يذهب حتى إن لم
أكن أنا موجودا ، زوجته ستكون هناك ظننته قد يذهب أيضا "
اتسعت ابتسامتها فورا ... جميييل هذا يبدوا ابنه الذي لم تراه
يوما منذ أصبحت تسكن ملاصقة له .. لا يزوره ولا يتصل به
ولا يتحدث هذا الرجل عنه أبدا ويبدوا أنه ثمة ما يحدث في تلك
العائلة وفي وضع هذا البائس فيها ، لاحظت اليوم بأنه ليس على
طبيعته السابقة وخمنت أن مشواره البارحة السبب وظنت أن في
الموضوع امرأة ما لكن الأمر يبدوا مختلفا كليا .
ابتسمت بمكر تعود بخطواتها للوراء ببطء لتغادر دون أن يشعر
بها ، تريد إبعادي عن حياتك الحقيقية يا شاهر كنعان ؟
ها قد جاءتني الفرصة لأنتقم منك في جزء مما فعلته بي .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 64 others like this.
رد مع اقتباس
#5815
قديم 01-01-18, 09:24 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
رفعت يدها عاليا بالكوب الخزفي الذي تتصاعد منه أبخرة القهوة
الساخنة حين كادت تصطدم بأحد المارة ووقفت أمام الذي كان
يفصله عنها حاجز زجاجي يصل لذقنها ومتجاهلة الفتحة النصف
دائرية الموجودة أسفله مدت يدها بالكوب من فوقه تنظر مبتسمة
للشاب الأشقر الذي أخذه منها قائلا بابتسامة
" هل أخبرتك سابقا أنك أروع فتاة في انجلترا ؟ "
أتكأت بساعدها على حافة الحاجز الزجاجي وأراحت ذقنها عليه
وقالت مبتسمة
" بلى وكل صباح وفي المرة القادمة سأوثق هذا بالصوت
والصورة لأريه لزوجتك "
تأوه ضاحكا وقال
" أنتي لن تفعليها يا جميلة بالتأكيد ف( شيري ) تحبك بجنون "
أبعدت ساعدها وجمعت شعرها للخلف بعيدا عن كتفيها وتركته
مسترسلا على ظهرها وقالت تشير له بسبابتها غامزة بعينها اليسرى "
تذكر فقط بأن وظيفتي هنا أرقى من وظيفتك وأجلب لك هذا
الكوب كل صباح يا كسول "
حرك رأسه ضاحكا ورشف من قهوته فرفعت نظرها حينها
لإحدى شاشات عرض الرحلات ثم نظرت للساعة في معصمها
وكأنها ليست واثقة تماما من أنها صحيحة ، نظرت لباقي
الشاشات الأخرى ومررت أصابعها في غرتها الطويلة نسبيا
بتوتر ، الرحلة تأخرت عن الإقلاع ثلاث ساعات كاملة فبدلا
من أن تهبط طائرته عند السابعة ستهبط عند العاشرة أي بعد
أقل من نصف ساعة وتشعر بتوترها يتصاعد تدريجيا كلما تقدم
الوقت وكأنه سيتعرف عليها وليس لا يعلم حتى أنها تعمل هنا !
تبا له لم يكلف نفسه ولا عناء أن يسأل عنها أو يفكر في
رؤيتها فحتى لقائهما في حفل الليلة والدته من رتبته مع
والدتها وتشك أساسا أن يهتم لكنها لن تتخذ أي قرار متهور
حتى تلتقيه أولا ... حسنا لكن لما التوتر هكذا كالبلهاء !
مررت أصابعها في شعرها مجددا ونظرت عاليا لتلك الشاشة
من جديد متأففة فوصلها صوت الجالس خلف ذاك المكتب يرمقها
بنظرة ماكرة
" هل لي أن أعلم من يوجد على متن تلك الرحلة التي تستعلمين
عنها منذ وقت ؟ "
وتابع يكتم ضحكته متجاهلا نظرتها الحانقة
" لما لا تتأكدي إن كانت تلك الطائرة تطير في الجو فعلا أم
عادت أدراجها ؟ "
نظرت له بضيق وقالت تمسك خصرها النحيل بيديها
" لا شأن لك أنت واهتم بعملك "
ضحك غامزا لها دون أن يعلق وكانت ستتحدث لولا أن التفت
الجالس أمامها يمينا وقال
" ماذا يجري هناك ؟ "
نظرت بريبة حيث كان ينظر ولفت انتباهها تلك الحركة المريبة
خلف أحد الأبواب الذي تعرف جيدا أين يؤدي وتبعت نظراتها
صاحب الزي الأزرق الذي توجه بخطوات شبه راكضة مجتازا
زوار المطار ودخل غرفة معينة قبل أن يخرج منها بذات سرعته
واثنان من هناك خلفه ، نظرت في جميع الاتجهات ولاحظت أن
الجو بات مشحونا أكثر وبعض الموظفين تحركوا من أمكنتهم
فتوجهت نحوهم مسرعة تشعر بضربات قلبها تتعالى بشكل
مرعب فهي تعرف ما يكون معنى ذاك جيدا ... إحدى الطائرات
تواجه مشكلة ما في الهبوط ولن تستبعد أن تكون الرحلة 104
المقصودة فهذا وقت هبوطها التدريجي على الأرجح .
ما أن اقتربت من هناك حتى أصبحت في مجال سماع بعض تلك
العبارات المتناقلة بين الجالسين يراقبون شاشة حاسوب أمام
طاولة أحدهم تشعر بعباراتهم تلك تضرب قلبها قبل أذنيها
( الهيدروليك الرئيسي يختفي من الطائرة )
( الهبوط سيكون كارثيا إن لم يجدوا حلا )
( أوه يا إلهي ستتحطم ما أن تصل الأرض إن لم يتم انزال
جميع العجلات )
ركضت مغادرة ذاك المكان بأكمله واجتازت رجال الأمن
عند أحد الممرات ومن لم يقم أيا منهم بمنعها لانتمائها
لموظفي ذاك المكان وتلك الأقسام منه تحديدا ، كانت
وجهتها غرفة المراقبة الجوية رأسا والتي دخلتها فورا
تتلقف أنفاسها تنظر لتلك الشاشات الضخمة المعلقة
يجلس تحتها ما لا يقل عن عشر مراقبين جويين
وضابط العمليات الجوية أمام طاولة مقوسة وأجهزة
حاسوب خاصة والذي كان على اتصال مباشر بتلك الطائرة
يراقب كل ما يفعله المهندسون حوله .
انفرجت شفتاها بذهول حين ضرب أحدهم على الطاولة
براحة يده صارخا
" سحقا ... فقد الطيار وعيه بسبب انخفاض الضغط ، وكأنه
تنقص تلك الرحلة مشكلات "
ووقف مغادرا الغرفة مسرعا ومجتازا الواقفة هناك كتمثال حجري
تراقب عيناها الدامعة الذي حمل سماعة الأذنين ووضعها حول
رأسه وقال ونظره معلق بالأعلى حيث الشاشات المليئة بالمعلومات
والأرقام
" أخلوا مدرجات الهبوط بسرعة نحن نواجه كارثة "
وضغط زرا آخر قبل أن يقول
" مساعد طيار ( غيهم أيوب ) أنت على اتصال مباشر بنا ...
تلقى التعليمات فورا فلا يمكنك الهبوط آليا وسنلجأ لأجهزة الرادار
فستعتمد الطائرة في هبوطها عليك ... تذكر أن جميع تلك الأرواح
بين يديك "
*
*
*
اشتدت قبضتاه على المقود لا شعوريا ورغم أن نظره كان
على الطريق المظلم الذي شقته أنوار سيارته القوية والسيارات
السائرة معها إلا أن عقله ابتعد مجددا عن واقعه سامحا لتلك
الأفكار بجذبه لها من جديد ، مرر أصابع يده اليسرى خلال
خصلات شعره التي استمرت في الحركة من بينها بسبب الهواء
القوي المندفع من نافذته وصورتها لا تفارق عقله أبدا ...
عيناها الغاضبة وجفناها المحمران بشدة وشعرها المبلل وقد
التصقت خصلات كثيرة منه بوجهها بسبب حركتها العنيفة
الغاضبة حين ضربت بيدها ذاك الماء المنساب في قطرات كثيفة
وكأنها ترميه به في وجهه صارخة بكل ما دفنته في جوفها لأعوام
( أنت لست سوى رجل أناني لم يكتشف شعبك حقيقتك بعد ... ظالم ..
لم تستطع أن تكون عادلا مع من هم أقرب لك من ذاك الشعب وهذه
البلاد ونهايتك ستموت وحيدا ومنبوذا ) .
شد قبضته تحت ذقنه يرخي مرفقها على إطار النافذة المفتوحة
وذكرى ما حدث تهاجمه بقسوة أكبر وقبضتها تضرب صدره جهة
قلبه تحديدا وصرخت محدقة في عينيه وتلك الأحداق الواسعة
بدأت الدموع بتدمير حصونها المنيعة
" ماذا يوجد في هذا ؟
حجر .. ! صوان ... ؟
ألا تشعر ؟ ألست بشرا ؟ "
قبضت بعدها على قميصه تلك الجهة وصرخت تهزه بقوة
" أكرهك ... أكرهك بشدة أتسمع هذا ؟ "
أغمض عينيه ما أن تابعت بحدة وغضب باكي تضرب براحتها
جهة قلبه
" كيف تخبر امرأة أنك تحبها وقبلها بلحظات تصف ما جمعك
بها سابقا بأنه أقل من أن يكون خيانة لغيرها ...
كيف تفعلها كيف ؟ "
وتفجر الألم القوي في أعماقها عند حدود تلك الفكرة وهو
حبها التملكي اتجاهه فتركها تمارس عقابها عليه دون أن
يحرك ساكنا أو يمنعها .. ضرباتها لقلبه يشعر بها تخرج
من أعماق جرحها المدفون كما تصيب عمق جراح تركه لها
مكرها ، تضربه عليه وتضرب وتضرب وتفرغ كل غضبها
بإيذائه بقسوة حيث لم تتركه الآلآم أساسا لأعوام وحيث توجد
وحدها وحيث احتفظ بذكراها..بصورة وجهها..بابتسامتها وصوتها
فترك لها حرية إيذائه والبحث عنها فيه مجددا حتى تعبت وانهارت
جالسة وسط تلك المياه تستند بيديها داخلها منحنية للأسفل بعض
خصلات شعرها المبلل غطست معها فيه وعبراتها خرجت عن
حدود سيطرتها كاسرة حواجز الصبر والصمود فنزل على ركبتيه
أمامها وسحبها لحضنه يدفن تلك العبرات فيه كما يدفنها داخله بقوة
حيث تنتمي وحيث يجب أن تكون ، يقسم بمن خلقها وخلق كل
شيء أنه لم يتعمد كل ذلك ... أن يحرم هذا الحضن لأعوام طويلة
كانت تسرق روحه وتستنزف مشاعره لآخر رمق ... كانت أربعة
أعوام فقط ما ضن كل واحد منهم أنها ستفصله عمن تركوهم خلفهم
ورحلوا بذكراهم العميقة في قلوبهم .. من كان ليتوقع أن تتضاعف
تلك السنين وتتضاعف وتتضاعف الواحدة تسحب معها الأخرى ؟
كيف كان له أن يبقى حينها ويقاتل صنوان جميعهم في حرب
الموتى فيها أكثر من الأحياء وستنتهي بخسارة الطرفين
وبخسارتها هي ضمن ما سيخسره ؟ كيف يأخذها معه ويفقدها
بعدها وللأبد ؟ لما لا يشعر أحد بحجم تضحيته ؟ لقد ترك كل شيء
ليكسبها هي فكيف سيسمح بأن يخسرها الآن ؟
شد أصابعه على شعرها يدفن وجهها في صدره مغمضا عينيه
بقوة وكأنه يريد أن تشعر بأنه بالفعل ثمة شيء ينبض هناك
وسط أضلعه ... قلبا يستمد الحياة من الموجود وسط أضلعها فقط ،
ما كان ليسمح لها بأن تقتله داخلها .. لن يحدث ذلك أبدا ، يعلم
بأن مشواره لاستعادتها طويل وهو على استعداد للمضي فيه وإن
كلفه عمرا آخر كالذي خسراه مفترقان فقسما لن تمنعه أي قوة
على وجه الأرض عنها مجددا ولا احتراق البلاد ومن فيها ، شدها
له أكثر يدفن وجهه في خصلات شعرها المبلل يشعر بعبراتها
تخرج من صدره ومن قلبه قبلها فها هي تعلن انهزامها مجددا
وفي سابقة فريدة من نوعها فلم يشهد انهيارها هذا سوى ثلاث
مرات منذ عرفها .. موت شقيقها ، معرفتها بأن والدها على قيد
الحياة وحربها الآن مع مشاعرها اتجاهه ... قسما كانت ستدفنه
اليوم هنا مع ذكرياتهم تلك وذاك ما كان سيرضى بأن تفنى
البشرية ولا يحدث أبدا .
حضنها بقوة أكبر حتى لم يعد ثمة قوى أخرى يملكها لفعلها
هامسا بأسى من بين تلك الخصلات المبللة والعبرات الموجعة
وكأنه يقتلع أشواكا غرزت في لحمه
" سامحيني يا غسق "
أخرجه رنين هاتفه من كل ما كان فيه فمرر أصابعه في شعره
وتنفس بعمق مستغفرا الله بهمس ثم رفعه ونظر للرقم على شاشته
باستغراب .. أرقام هواتفه تخضع لمراقبة مشددة وليس أي أرقام
أو أشخاص يمررون له وليس قبل استجواب مطول وكشف هوية
صاحب الرقم أيضا سوى أرقام وأشخاص معينين فمن سيكون هذا
الذي سمحوا له بالوصول لهاتفه من دون أن يأخذوا له الإذن أولا
على الأقل !
فتح الخط ورفعه لأذنه فوصله فورا ذاك الصوت الرجولي
الخشن المتهكم
" مطر شاهين ... ؟ "
عقد حاجبيه باستغراب .. يعرف هذا الصوت ! سمعه سابقا ...
" من أنت ؟ "
لم يكن سؤاله أقل كلفة وتهكما منه وكأنه استشعر نفورا متبادلا
لم تستطع تقنيات الإتصالات منعه وأتاه الجواب سريعا وبنبرة
تقطر سخرية هذه المرة
" جبران شراع صنوان ... وكابوسك القادم "
*
*
*
فتح باب الغرفة ودخل مغلقا إياه خلفه ليصبح حيث ذاك
السرير الحديدي والخزانة الصغيرة والنافذة الحديدية المغلقة بإحكام ..
عالم كان يعني له سابقا الرفاهية والوجود والانتماء لا يعرف ولا
يريد غيره .. مكان بات الآن سببا لدماره .. يحطمه ويقتل روحه
ببطء فكم تمنى أن لم يغادره يوما ، أن بقي فيه حتى مات وأن
حمل لقب اللقيط لباقي حياته وما عرف حقيقته القاتلة تلك .
حمل الشمعة المضاءة مصدر إنارته الوحيد ليلا وجلس خلف
السرير في ذاك الحيز الضيق بينه وبين الجدار يحضن ساقيه
بقوة يخفي أغلب وجهه في ركبتيه ينظر للهبها المتراقص أمامه
وهذا حاله منذ سبعة أعوام بل منذ عاد هنا مجددا ينام أغلب
الليالي في تلك الزاوية بعد أن يتغلب النعاس على عينيه الباكية
حينما تهاجمه تلك الذكريات كوحش قاتل وطوفان مدمر يسلبه
كل شيء حتى روحه المعلقة بين الحاضر القاسي والماضي الأليم .
وقع نظره على الجريدة التي عاد لجمع أوراقها المتطايرة من تلك
المزرعة الواسعة صباحا وتمنى أنه لم يفعل ذلك ويرى ذاك
المقال تحديدا بل العبارة التي كتبت بالخط الأسود العريض
( مطر شاهين يزلزل المحاكم بقوانينه الجديدة ليخرج القضايا
العالقة للسطح مجددا باعثا الأمل في قلوب أصحاب الحقوق
المهدورة )
بدأ ساعداه في الارتجاف يتمسك بساقيه بقوة وذاك اللون الأحمر
القاني يلون جفناه والغضب المكبوت يشع كذاك اللهب من تلك
الأحداق الزرقاء الواسعة وعادت أشباح الماضي وتلك الذكريات
القاتلة لمهاجمته مجددا وذاك الصوت الطفولي الصارخ المنادي
باستجداء من خلف الباب الخشبي المغلق يشعر به يضرب في
قلبه وكأنه يسمعه الآن
( لااااااا أمييي .... لاااا ابتعد .... تعالوا أرجوكم ... أميييي ..
إسحااااااق )
نزلت دموعه محرقة كل ما تمر به وهو يرى أمامه ذاك الفتى
العاجز عن فعل أي شيء أمام صرخاتها المستجدية سوى أن
يطرق ذاك الباب الأصم صارخا بالقلب الميت داخله يعجز عن
فعل أي شيء سوى البكاء مثلها والصراخ معها والنحيب كنحيبها
وهو يشعر بمعنى العجز الحقيقي عن منعهم من قتل روحه وعن
تمزيقها معها بالداخل وعن إنقاذها وإن كان الثمن حياته لإيقاف
معاناتها قبل معاناته وللأبد ، لكنه لم يكن يملك شيئا سوى أن
يموت وأن يتمزق يبكي ملتصقا بذاك الباب الذي يحجبها عنه
لا يخرج سوى صوت بكائها وصراخها المستجدي وهو يتحول
لأنين متقطع تدريجيا حتى يختفي تماما خلف السكون المميت
والموت البطيء والصمت القاتل فلا يبقى سوى أنينه الباكي
منكمشا أمام ذاك الباب البارد الأصم .
أبعد يده المرتجفة عن ساقيه دموعه تنزل دون توقف من تلك
الأحداق الزرقاء التي تراقبها تمتد ببطء نحو ذاك اللهب المشتعل
فيسدل جفناه بألم مع ارتجاف تلك الأصابع بقوة من حرارة النار
على بشرة ساعده الذي تركت علاماتها عليه في كل مكان .
*
*
*
حملت الصينية التي تحوي كوب عصير وخبز محمص وجبن
وبعض الزبدة وغادرت المطبخ مسرعة فما أن رأتها عادت
لغرفتها جلبتهم فورا لتتناول وإن القليل فهي إن لم تضع الطعام
أمامها لا تسأل عنه أبدا بل وتضطر أحيانا لإجبارها على تناوله .
ما أن دخلت الغرفة شهقت بصدمة ووضعت الصينية على الأرض
شبه موقعة لها عليها وركضت نحو التي كانت تجلس منحنية
على الأرض تمسك قلبها بقوة يخفي ذاك الشعر الحريري ملامحها
عنها فلا يخرج سوى صوت أنينها المتقطع ، وصلت عندها
وارتمت على الأرض أمامها وأمسكت بكتفيها وقالت بخوف
تحاول رفع جسدها ورأسها
" زيزفون مابك بنيتي ؟ زيزفون أرجوك أخبريني ما بك ؟ "
لكن المنحنية للأسفل تئن كالضبي الجريح لم تكن تسمع شيئا
مما تقول تلك ولا تشعر بوجودها أساسا فليست تسمع سوى
ذاك الطنين المرتفع في أذنيها ولا تشعر سوى بالألم يفتك
أوردة الموجود بين أضلعها تشد عليه بقوة وكأنها ستخرجه
من مكانه لتتخلص من آلامه .
انحنت للأرض أكثر أنينها المرتجف يتحول لشهقات متقطعة
مختلطا ببكاء التي كانت تحضنها منحنية فوقها لا تملك أن تفعل
لها شيئا ككل مرة وليست تعلم ما بها ولا تفهم ولا همسها من بين
تلك الشهقات المتثالية
" إسحااااق ... إسحاااق توقف أرجوك "
المخرج ~
بقلم / Reeo
من مطر لغسق::::
أتخيل عالم مليئ بالجمال
مليئ بأصوات الفرح الجلية
بضحكات عيون الأطفال
وطن آمن مزين بالحرية
متوحد لا يعرف الأنفصال
يلعب الصغار فيه دون أذية
ويال جمال هذا الخيال
الذي أصبح أحلامي الأزلية
أسعى له بعزيمة كالجبال
أضحي لأجلة بأغلى البرية
أقف ثابتا ثبات الأبطال
أحمل بيدي البندقية
أدافع عن وطني أحقق اﻵمال
فعذريني لو جرحتك يا فتية
فعذري أحلامي الأبية
وأقبلي حبي لكي كهدية
هدية أعتذار يا فتاتي البرية
*******
بقلم / Anabeth 21
مطر
رحلت رغما عني
رحلت بعقلي ،،ونفضت قلبي مني
سقط جريحا ،،يكابد أوجاعه الى ان خَر صريعا
قلت لنفسي : لا باس ،، سأعود سريعا
وأعيده الى صدري ،، هانىيءا سعيدا
لكني اطلت المغيبا ،،،
رغما عني
لكني اطلت المغيبا
فهل يشفع لي يا خافقي ،،
أني لهواك دمت مخلصا مطيعا
هل تشفع ،،،ولا اظنها تشفع
أسباب،، ومبررات
تصدقها العقول ،،،
لكنها عند القلوب ،،ترهات
هل تسامحيني؟؟؟
،،،يا قلبي،، سامحيني
أبدا لن اقولها ،،ولكنك دون كلام ،،،تفهميني
وهل تصديقيني؟؟
يا قلبي صدقيني
كان ،،ما كان ،،رغما عني
فهل تصديقيني ؟؟؟
******
نهاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الخامس عشر 15 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الخامس عشر
المدخل ~
بقلم أنة غريب
°°°من تيم لشاهر°°°
ياأبتي قد كُنتَ ظَلوماً
أوتطلبَ مِنِّي الغفرانْ؟!..
قد عانيتُ زماني المرُّ
وسُقِيتُ بكأسِ الخذلانْ...
لن أنسى أياماً مَرَّتْ
أسرِقُ بالحقلِ الرّمانْ...
لمْ أفرحْ يوماً أو أمرحْ
لمْ ألعب مثلَ الصبيانْ...
ولأُمِّي مَنْ ماتتْ ألماً
كمْ عانتْ ظُلمَ الجيرانْ...
هلْ أنسى ظلماً من أهلٍ؟؟
أمْ أنسى حياة الحرمانْ؟..
******
°°°من شاهر لتيم°°°
ياولدي يكفيني عذابٌ
ماعدتُ أطيقُ الحرمانْ...
روحي في وطني ساكنةٌ
ولجسدي بقي الأحزانْ...
أُمُّك كانتْ نبضي وقلبي
كانتْ في جوفي الشريانْ...
قد أهملتُ حقوقي وسرتُ
ناداني حبُّ الأوطانْ...
أُمّكَ من دفعتني لأَمضي
ياولدي مِنكَ الغُفران...
فحياتي ذهبتْ في عَمَلٍ
كي يرجعَ بالوطنِ أمانْ...
******
اشتدت أصابعه على الهاتف فيها حتى كان سيحطمه بينها فهو
الرجل الوحيد في هذه البلاد من يحمل له ثأرا لن يرتاح إن لم
يوفيه ووحده من لن يضمن أن يكون عادلا فيما يخصه ويفهم
تقريبا لماذا اتصل به بل وهذا جل ما كان يخشاه ، قال بجمود
" أين الفتاة الثنانية ؟ "
وصله صوته المستفز فورا
" عندي طبعا "
يعلم بأنه لا يكذب فأمر اختفائها لم يشع بعد ولازال في حدود
قبائل ومدن الثنانيين وهذا سبب ذهابه لهم شخصيا وفي أسرع
وقت قبل أن يخرج الأمر عن السيطرة تماما ، لن يتعب نفسه
بإسماعه سيلا من المواعظ وبأنه يجر البلاد وقبائل صنوان
تحديدا للحرب فلن يجدي ذلك مع شخص أناني حاقد مثله وليس
هو ممن يحبذون إلقاء تلك الخطابات السخيفة لذلك قال وفورا
" والمقابل ؟ "
هو واثق من أنه يعلم بأنه سيتبع معه هذا الأسلوب وأنه لن
يهدده بمحاربتهم فهو يعرفه جيدا لم يصمت عن تلك الأفعال حتى
الآن إلا لأنه يرفض إراقة الدماء وهذا أكثر ما يراه يشجعه على
ما يفعل هو وأمثاله ويحاول الآن إمساكه من يده التي تؤلمه وهي
الحروب ودمار البلاد فحرب الثنانيين للعرب معناها دماء ستسفك
لأعوام طويلة خاصة أن الدول المجاورة ذات الحدود المشتركة
معهم تلك الجهة يسكنها قبائل ثنانية أيضا وسيدخلون في متاهات
ليس لها آخر والحالك والهازان ستنقسمان أيضا ومنهم من
سيشارك في الحرب حينها بسبب الأنساب وبسبب الحمية لأن
عدوهم ليس منهم كما يرونه ، ومنهم من سيقاتل صنوان أيضا
لأن الأمر لن يقف عند ذاك الحد بما أن بعضا منهم يتهمون
الحالك بالطمع في السلطة وبمقتل الزعيم شراع وهذا ما يستغله
ابنه وأتباعه أفضل استغلال وها قد حصلوا على سلاح قوي
لإضعافه .
أتاه جوابه سريعا
" غسق ... وامرأة بامرأة "
جوابا كان كافيا لإشعال من كان سمته البرود والجمود منذ قليل
بل وفي أغلب حالاته لكنه أخمد تلك النيران وإن كانت أنفاسه
الغاضبة لا تخفي اشتعال جوفه وأول ما ظهر أمامه صورتها وهو
يحملها بين ذراعيه ويخرج بها من المياه مبللة كليا يضمها له
بقوة ، قال من بين أسنانه
" تحترق البلاد ومن فيها وما سلمتك ظفرها ولا أي رجل في
الوجود ... غسق لي زوجتي ستعيش وتموت هكذا "
وتابع بسخرية يعلم بأنها ستصيبه في مقتل
" ثم لو كنت تعني لها شيئا لكانت هي من ذهبت إليك ومن أعوام
ولكنت استطعت جعلها تقبل بك "
تحولت نبرته للحدة وكما توقع وقد قال
" ولن تكون لك مثلما لن تكون لي لأنك من خسرها بكل غباء
وأنا من يعرف غسق جيدا وتربى معها "
قال بذات نبرته الساخرة القاتلة
" وأنا أعرف أفكار أمثالك جيدا وأنت تعلم بأنها لن تكون لك
وإن سلمتك إياها فجسدها لن يرضيك لأن قلبها لن تأخذه معك
فاختصر علينا الحديث "
شد قبضته ما أن سمع تلك الضحكة الواثقة وكما توقع قال
صاحبها فورا
" اليرموك ... معسكرها مطارها العسكري ومخازن الذخيرة فيها ...
أي باختصار اليرموك كاملة مقابل تلك الثنانية أو انسى أمرها تماما "
رمى الهاتف على الكرسي بجانبه بعدما قطع عليه الاتصال وأوقف
السيارة على جانب الطريق واتكأ برأسه للخلف على مسند الكرسي
مغمضا عينيه وضغط عليهما بأصابعه بقوة ... توقع ذلك وتوقعه
كان صائبا فهم بخسارتهم لها سابقا لم يعد يهتم لأمرهم وتركهم
لقبائلهم تتخلص منهم ما أن يكتشفوا حقيقتهم ويتعبوا من انفصالهم
عن البلاد بسببهم لكن دخول تلك الفتاة ووقوعها في قبضتهم دمر
كل شيء ولا يمكنه ترك الأمر للمصادفات على أمل أن يكون تهديده
ليس حقيقيا أو حتى تهديد الثنانيين فهو رجل حرب لا يعترف بشيء
اسمه ( قد يحدث عكس ما أظن ) وها قد حاصروه بمكر ولعبت
الظروف لصالحهم .
" مطر هل من مشكلة ؟ "
استقام في جلوسه بعدما وصله صوت الواقف في الخارج أمام
نافذته وشغل سيارته مجددا قائلا بجمود
" لا يا عمير وسنتابع سيرنا فكدنا نصل "
فقد أصر على أن يكون فيها لوحده بدون مرافقة لأنه ثمة من كان
عليه الاطمئنان عليها كل حين بل والانفراد بأفكاره كعادته دائما
يجد الحلول لمشاكله بانزوائه مع أفكاره فمنذ حكم الحالك قبل أكثر
من خمس وعشرون عاما وهو لا يجد حلولا لتعقيدات الأمور أفضل
من وقت قيادته لسيارته وحيدا مهما طالت المسافات لذلك لم يكن
يشعر بطولها ولا يتعب منها بسهولة وهذه المرة يحتاج فعلا لأن
يدور حول الأرض دورة كاملة ليجد لهذه المشكلة حلا ينقذ به
الجميع من الانزلاق في حرب أهلية أسوأ من سابقتها .
*
*
*
نقلت نظرها بين الواقف في الطرف الآخر للسرير والذي
حدق بها بدوره للجالسة عليه مكتفة ذراعيها لصدرها تنظر
للفراغ ملامحها جامدة خالية من أي تعبير وكأنها تسبح في
بعد آخر لا وجود فيه لأحد غيرها وهذا حالها منذ أفاقت
فقد خرجوا بها من المستشفى تحت إصرار كبير منها وبثيابها
التي دخلته بها فأول ما طالبت به كان تلك الثياب فالذي أخذها
إلى هناك طلب غسلها وكيها وكأنه يتوقع تماما بأنها ما أن
تفيق ستطلبها وهذا هو المتوقع فهي لن ترضى بلون آخر
فكيف إن كان أبيض ؟
تنهدت بعجز ونظرها لازال عليها ، لو تفهم فقط ما حدث
بينهما جعلها هكذا ! وما الذي تفكر فيه أيضا ؟
تحركت من مكانها ودارت حول السرير وسحبت الواقف هناك
معها خارج الغرفة وما أن أصبحا في الممر سألته بصوت منخفض
" ماذا حدث ؟ لما هي هكذا ! "
حرك رأسه نفيا وهمس أيضا
" لا أعلم "
قالت بضيق
" ومن سيعلم يا كاسر ؟ أنت من كنت هناك قبلي "
فرد كفيه قائلا بعجز
" أنا أيضا وصلت هناك بعد رسالة منه ولم يخبرني شيئا
سوى أنه عليا أن أكون بجانبها لأنه لا يستطيع إخبار رماح
ولا رعد ، كان مثلها شعره مبللا وقميصه أيضا ولست أفهم
فلا أمطار هنا ولا بحر أيضا ليكونا غطسا فيه "
حركت رأسها بعجز ونظرت للفراغ بتفكير قبل أن تنظر له قائلة فجأة
" الشلالات ... هي المكان الوحيد الذي توجد فيه المياه ....
هل كانت فيها ؟ "
قال بتفكير
" هذا محتمل فهي خرجت وحدها وبالفعل هناك فقط توجد مياه ...
لكن كيف علم ولما عاد وهو غادر بابنته صباحا وتيما حين اتصلت
بها قالت أنهما متوجهان للمدينة التي تسكنها عمتها ! "
كانت الواقفة أمامه ستتحدث لولا أوقفها الباب شبه مغلق قربهما
حين انفتح وخرجت منه التي كانت تلف حجابها ومرت من بينهما
في صمت وتوجهت جهة السلالم فتبادلا نظرة مستغربة قبل أن
يتبعاها كليهما فالمطمئن في الأمر أنها ببجامة حريرية ولن تفكر
في الخروج بها بالتأكيد ، نزلا خلفها للأسفل وحيث كان رماح
وعمته هناك فجلست معهما متجاهلة تماما نظراتهما المستغربة
والتي نقلوها فورا جهة النازلان خلفها ما أن كانا في الأسفل
ولن يستغربا ذلك فحالتها تلك تلفت أي انتباه فما بالك بمن
عاشوا معها !
حدقت الأعين جميعها بها حين نظرت ليديها في حجرها وهمست
ببحة تعب ظهرت بوضوح في صوتها
" كاسر نادي على رعد فورا ثمة ما عليا إخباركم به "
نقل الواقف خلفها نظراته بين الجميع قبل أن يغادر من هناك في
صمت فتحركت التي كانت تقف بجانبه ووضعت يدها على كتف
الجالسة أمامها وانحنت لها وقبلت خدها قائلة
" سأراك غدا ... عمتم مساء "
وغادرت ما أن أنهت جملتها تلك ووجهتها باب المنزل فحتى
إن تم التعامل معها بأدب كفرد منهم تعلم بأنه عليها أن تغادر فلا
شيء يخولها للاطلاع على خصوصياتهم .
خرجت مغلقة الباب خلفها لحظة خروج الكاسر من جهة الممر
الغربي ورعد يتبعه ولم تكن نظرته لها تختلف عنهم رغم علمه
المسبق بلحاق ذاك الرجل بها فتوقع حتى أن تضربه بأي شيء
في يدها على رأسه ما أن تراه بسبب إخباره .. أن تصرخ فيه
بغضب أن تلقي باللوم عليه .. أن تفعل أي شيء لكن أن يكون
رد فعلها هذا الهدوء الغريب فهذا ما لم يتوقعه أبدا ! وليس
يمكنه تسمية حالتها هذه بالهدوء مطلقا وكأن عقلها يعيش
حالة صدمة لم يفق منها بعد !!
جلسا كليهما معهم والصمت سلوك الجميع محدقين بالتي تملك
وحدها دفة الحديث والتي شدت أنامل يديها المقبوضة في حجرها
بقوة ونظرها عليهم قبل أن تقول بصوت منخفض
" سنغادر هذا المنزل "
تبادلوا نظرات صامتة مستغربة ورغم علم رعد المسبق بمكالمتها
تلك إلا أنه كان أول من علق قائلا
" غسق هذا منزلك لا أحد له الحق في إخراجك منه "
نظرت له وقالت بحزم
" لا ليس منزلي هو جزء من مبنى الجمعية ومتصل بها ، حتى
الأرض التي بني عليها تابعة لها وأنا لم أعد أريد شيئا من هذه
المدينة بعدما سلمت الدولة ملكية أراضيها جميعها فهذا المنزل
أيضا من ضمنها "
كان رعد أيضا من علق هذه المرة فوحده من اجتاز صدمته سريعا
قائلا بضيق " لا ابن شاهين ولا أي أحد غيره أجبرك على ترك
الجمعية ولا حتى تسليم العمران ، لم أعرفك انهزامية هكذا سابقا ! "
وقفت على طولها ونظرت له قائلة
" ها قد علمت بأني كذلك وفاشلة أيضا ، إن كنت ترفض أنت أو
رماح استقبالي في منزل أحدكما فسأعيش في منزلنا القديم وحدي "
أنهت عبارتها تلك وصعدت من فورها عائدة من حيث جاءت
ونظراتهم تتبعها فهمس رعد من بين أسنانه
" جنت هذه المرأة بالتأكيد "
قال رماح بهدوء
" هي امرأة راشدة وتعرف ما تريد فعله ولا تنسى وصية والدي
يا رعد "
وقف على طوله وقال بضيق
" وما أوصلها لكل هذا سوى كلمة راشدة وعاقلة ؟ لو كنا أشقائها
حقا لكانت تأخذ برأينا وليست تعلمنا بقراراتها فقط هكذا "
قال رماح فورا وباستنكار
" رعد ما هذا الذي تقوله ؟ غسق لم تعصي لنا يوما أمرا ولا
والدي أما ما يحدث الآن فأنت تعلم سببه جيدا ولا أحد يمكنه
لومها فيما تفعل ، يكفيكم وقوفا في صف ذاك الرجل "
تحرك من هناك دون أن يعلق وتوجه لغرفته ودخلها ضاربا الباب
خلفه ورفع هاتفه واتصل بمن ضن أنه سيجد حلا للأمر وليس
يعقده أكثر والذي أجاب عليه بعد وقت قائلا
" هل هي بخير ؟ "
قال بضيق
" تسأل إن كانت بخير ؟ إن كان يعنيك أن تكون بخير لكنت
أخبرتني من البداية "
وصله صوته الجاد فورا
" أنت تعلم عن وضعك وما كان الحراس ليتركوك تخرج ، الكاسر
لم يجب على اتصالاتي ولا ابنة خالته ولولا أنهم في المستشفى
أخبروني أنها غادرت لكنت عدت أدراجي "
قال بذات ضيقه
" أنا من أخذ هاتفيهما وإن كنت أعلم أنك ستستعين بالمستشفى
لكنت أخبرتهم بأنها ماتت ليزفوا الخبر لك "
تحولت نبرة من في الطرف الآخر للضيق أيضا وقد قال
" لا تكن طفلا يا ابن شراع وتوقف عن المزاح السخيف "
قال بحدة
" معك حق .. طفل لما كنت أخبرتك لتذهب لها والنتيجة عقدت
الأمور بدلا من أن تحلها "
وصله صوته فورا
" ماذا حدث ؟ "
قال بذات نبرته الحادة
" ماذا برأيك ؟ تريد تسليم منزلها أيضا ومغادرة العمران "
وصله صوته فورا
" لا بأس وما المشكلة في هذا ؟ "
شد شعره للخلف بقوة من لا مبالاته بجميع هذه الأمور قائلا بضيق
" لا مشكلة طبعا غير أنها تضيع أمامنا وجميعنا نتفرج عليها وها قد
انضممت أنت أيضا للموكب ، وحين ترفع عليك قضية طلاق وافق
هكذا بالله عليك "
خرج ذاك عن جموده مجددا قائلا بحدة
" رعد لما تحملون بشرا فوق طاقته ؟ لو كان الأمر بيدي
ما تركت حياتي وصلت لهذا المنحى أبدا ، الأمر أكثر تعقيدا
من أن أشرحه وأن يكون حله بين ليلة وضحاها ، وغسق لي
مرجعها لي رضي من رضي وكره من كره وإن كان المقابل
أن تتناحر القبائل "
نظر لهاتفه في يده بصدمة ما أن أغلق الخط بعد آخر عبارة له
وليس يفهم ما مناسبة ما قال وما سببه ومما غاضب هكذا !!
رمى هاتفه حيث كان وخرج مجددا ووجد أي منهم لم يتحرك
من مكانه محدقين به وكأنهم يتوقعون ما كان ينوي فعله ،
أمسك خصره بيديه وقال ناظرا لهم
" ستنتقلون جميعكم لمنزلي في حوران "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 91 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 16-01-18 الساعة 02:58 AM
رد مع اقتباس
#6287
قديم 16-01-18, 12:54 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
وقفت سياراتهم أمام أحد بوابات أسوار تلك المدن والتي فتحت
أمامه لعلمهم المسبق بقدومه ونزل أولا وقد أشار لباقي مرافقيه
بيده فلحق به عمير فقط ودخلا من دون حراسة ولا حتى أسلحة
ومن دون أن يجتاز بسيارته تلك البوابة المفتوحة وسارا وسط تلك
الأعين المحدقة بهما بفضول من كل مكان وجهة وكما توقع حتى
دباباتهم وراجمات الصواريخ مجهزة فمن ضمن مطالب استقلالهم
كان عتاد حربي كامل لا يستخدمونه إلا في الحالات القصوى ولن
يلومهم في طلبهم هذا فهم كانوا بحاجة لما يدافعون به عن أنفسهم
حال أعاد الماضي نفسه واقتحم العرب مدنهم ليجبروهم على
الخضوع لهم مكرهين .
سارا في خطوات موحدة وكأنهما رجل واحد ووجهتهما الواقفين
على مسافة منهما وقد أغلقت الأبواب بعد دخولهما على الفور وها
هو يسلمهم نفسه بنفسه فإن أرادوا المقايضة به فلن يمنعهم شيء
عن أسره لديهم وهم لا يعلمون أن شقيقة زعيمهم ليست عند
رعد شراع وأنه لا يعلم عن مصيرها شيئا وأنها رهينة عند ألد
أعدائه ودخل لهم بدون حماية تاركا حرسه الشخصي وقوات الحماية
الخاصة خارج تلك الأسوار لأنه يعرف جيدا كيف يفكر هؤلاء الناس
ويعرفهم أكثر من أي عربي لأنه سبق وتعامل معهم لأعوام حين كان
زعيما لذاك القطر من البلاد ووحده من فتحت الأبواب أمامه بعد
عودته وهم من رفضوا الاندماج مع العرب أو استقبال أي منهم
بسبب ما عانوه في الماضي وقبل استلامه هو لزعامة الحالك
وابرام الاتفاقيات معهم والتي حقنت دمائهم وأعادت لهم حقوقهم
المهدورة كما ضمنت لهم حقهم كأفراد من ذاك الشعب وحتى بنود
الاتفاق التي تركها بعده ضمنت لهم تلك الحقوق حال قبولهم بالاندماج
مع تلك البلاد أو رفضهم فبقي مطر شاهين رمزا للعدالة والثقة لديهم
رغم اختفائه ومرور كل تلك الأعوام .
وصلا عند تجمع العشر رجال الواقفين في استقبالهم برفقة زعيمهم
وأشقائه الإثنين وتبادلوا السلام بالأيدي ولم تفته أبدا نظرات ساجي
وهو عقبته الأعظم إن تخطاها حدث ما يريد .
بعد أن تبادلوا السلام والعبارات الرسمية المختصرة قال مطر ناقلا
نظره بينهم
" هل أنفرد بزعيمكم وشقيقيه قليلا ؟ "
لم يبدوا على نظرات أولئك الرجال الرضا أبدا فقال
" الأمر يخص امرأة وهي شقيقتهم ولهم هم الحرية فيما يريدون
إخراجه فيما بعد "
بدا الاقتناع واضحا على أشقائها فتفكيره كان سليما تماما لكن
من حولهم لم يبدوا له أن جميعهم اقتنعوا بما قال وقد قال أحدهم
مشيرا برأسه للواقف بجانبه
" وماذا عن الذي دخل معك ؟ "
نظر مطر لعمير قبل أن يعود بنظره لهم قائلا
" هذا يكون رئيس مخابرات البلاد بأكملها ووجوده أمر طبيعي
بل وقانون لا نقاش فيه في هذا الوضع والحال وأثق فيه كما أثق
في نفسي فاستمعوا لي أولا ثم لكم ما تريدون "
تحدث سنمار حينها قائلا وقد أمسك بذراعه
" لك ما تريد فدعونا نقم بواجبكما أولا فالطريق كان طويلا
بالتأكيد والعشاء ينتظركم "
قال مطر من فوره
" دعونا نتحدث أولا ونصل لحل يرضي الجميع ثم نتناول عشائكم
فلن أزور مدنكم ولا أتناول طعامكم اللذيذ بالتأكيد "
ربت سنمار على ظهره وهو يحثه على السير معه وغادروا خمستهم
المكان رغم أنه موقن من أن ما يحمله سنمار في داخله لا يشبه
دواخل شقيقيه أبدا ولا حتى من تركوهم خلفهم فسنمار يشبه والدهم
تماما وكم سعد بأن تم اختياره الزعيم بعده فله ذكاء وحنكة وصبر
والده .
وصلوا لإحدى أبنيتهم التي تشبه الخيام في شكلها وألوانها والتي
يتفننون وحدهم في بنائها بتلك الطريقة وما أن تدخل لها تكتشف
بأنها تشبه صالة استقبال متكاملة وهذا ما يميزهم عن باقي البلاد
أنهم لا ينساقون أبدا خلف التطور المعماري بل يتمسكون بجذورهم
بقوة مهما استعانوا بالتقنيات الحديثة .
جلسوا جميعهم حول طاولة بيضاوية الشكل صنعت من خشب
الزان الثقيل وبدأ مطر حديثه أولا قائلا
" أود فعلا أن لا ينفض اجتماعنا هذا إلا وقد وصلنا لاتفاق يرضيكم
قبلي "
علق ساجي فورا وكما توقع
" لن يرضينا سوى دمها ودم ذاك الرجل معها أو كانت حربا لا آخر
لها "
" ساااجي "
كانت لهجة سنمار التحذيرية تلك ما طمأن مطر لكنها لم تؤثر بالذي
حاولت التحدث مجددا
" أنت .... "
فصرخ فيه هذه المرة
" اصمت ودعنا نستمع له أولا أو أخرجتك من هنا "
لاذ بالصمت وإن مكرها وقال مطر
" شقيقتكم ليست عند رعد شراع "
شخر ساجي بسخرية بينما كان جواب شقيقيه الصمت وهذا ما توقعه
فقال بجدية
" والدكم كان يثق بي وتعلمون ذلك جيدا "
قال اوسو هذه المرة
" كان يقول بأنك العربي الوحيد الذي يثق في يمينه وبأنك من إذا
قال فعل "
قال بجدية
" وأنا اقسم لكم بمن عرشه فوق السماء أنها ليست معه ولم تصل
له ولم يكن يعلم بهروبها إلا مني "
قال سنمار
" وماذا عمن قالوا بأنهم رأوه وكيف ستخرج وحدها ؟ "
نظر لعينيه وقال بجدية
" ذاك جوابه عند من قال هذا ويمكنكم معرفته بسهولة ، فكروا
في الأمر جيدا فحتى رعد شراع ما كان ليفتح لها الأبواب لتخرج
وحراسها رجالكم وأنا سبق وأقسمت لكم بأنه لم يراها "
تبادلوا نظرات صامتة علم فورا ما ورائها فهم يعلمون بالتأكيد من
مصدر ذاك الخبر وإن جهله هو ، قال ساجي وبجمود
" أين هي إذا ؟ "
قال ناقلا نظره بينهم
" سنتحدث في هذا لكن قبل ذلك ثمة ما علينا التفاهم فيه "
نظروا له ثلاثتهم باستغراب فتابع بجدية ملقيا طعمه الذي يعلم بأن
أيا منهم لن يرفض التقاطه
" حددوا مهر شقيقتكم ولكم ما تطلبون وأيا كان غير الحرب
والدماء وستنسون أمرها تماما "
*
*
*
لم تكن تتوقع يوما أن تعيش رعبا وتوترا كالذي عاشته اليوم
واللحظة ، كانت تشعر بجسدها يتعرق بأكمله ولم تعد تفكر فقط
في ذاك الذي يقود الطائرة ولأول مرة كما أخبرت والدته والدتها
بل وفي جميع تلك الأرواح من بلادها فأن لا تنزل عجلات الطائرة
جميعها تعد كارثة خاصة أنهم لجأوا لجميع الحلول في الحالات
المشابهة ولم تنجح فلم يستطع مهندس الطائرة فكها يدويا لأن
مفصلها كان عالقا بسبب فقدان الهيدروليك الرئيسي من الطائرة
وتبدد زيته بالكامل ولا حتى بنفضها في الهواء عن طريق جذبها
بطريقة معينة ضد الجاذبية علها تنفك بذلك فجهودهم جميعها
ذهبت أدراج الرياح ومما زاد ذعرها ذاك المهندس الذي نزع أيضا
سماعته من رأسه قائلا
" سلمت تلك الأرواح للرب "
مما جعلها تمسك قلبها لا شعوريا فأن يقول ذلك أحد المهندسين
الجويين فمعناه أن الحلول لديهم قد نفذت وسيعتمدون على مهارة
مساعد الطيار في الهبوط بها بشكل سليم موازنا بين عجلتي الطائرة
والجناحين فإغماءة كابتن الطائرة كان كارثة في حد ذاته فغالبا
ما تحدث هذه الحالات لأسباب عرضية أكثر منها مرضية وليست
تفهم حقا إن كان حقيقة أم أن ذاك الطيار يتهرب من مسؤلية
ما يجري أو بسبب سوء حظ مساعده فأن تفقد الطائرة الاتصال
الآلي بغرفة المراقبة ومدرج الهبوط يعد في حد ذاته مصيبة
فالهبوط الآلي يوجه الطائرة ذاتيا لمكان هبوطها وبدقة أما أن
يستعينوا برادار الهبوط فمعناه أن يكون هبوطهم يدويا بشكل
مطلق لا تدخل لأي أجهزة الكترونية حديثة فيه وهذا وحده يحتاج
لخبير في الهبوط وفوقها بثلاث عجلات فقط وليس أربعة أي إن
نجت الطائرة من الهبوط المدمر واستقرت على الأرض بشكل سليم
فلن تنجوا من خطورة السير على المدرج بشكل مائل واحتكاك
جناحها بالأرض ومن ثم تعرضها لخطر الانفجار بنسبة أكبر من
نجاتها .
نقلت نظراتها بينهم بتوتر وكان صوت المرحل الجوي وحده
ما يملأ صمت ذاك المكان يعطيه تعليمات الهبوط وبشكل متكرر
حتى كانت ستحفظها وليست تعلم كيف تكون الأجواء لدى من
يتلقى كل تلك المعلومات في الطرف الآخر فمن تكرار المهندس
الجوي لكلامه يبدوا أن الجالس خلف مقود الطائرة هناك يلوذ
بالصمت .
نظرت لموظفي ذاك القسم الذين دخلوا أيضا يراقبون الوضع
وهمساتهم المستجدية لله لا تتوقف والأعين جميعها محدقة
بتلك الشاشات التي ظهر فيها جسم الطائرة في السماء كنقطة
بعيدة لدخولها المجال الجوي للمطار فتوجهت جهة السماعات
في المقعد الشاغر ورفعتها ووضعتها على أذنيها تمسكها بكلتا
يديها وكما توقعت لا صوت لقائد تلك الطائرة الحالي ولولا إشارات
أزرار الأجهزة أمامها لاتصاله بهم لضنت أنه لا يسمعهم ولم يتلقى
أي معلومات منهم ، وإن دل ذلك على شيء فهو يدل على أنه لم
يعد بحاجة لتلك المعلومات التي يكررها على مسمعه كالببغاء
وينقصه فقط أن يصرخ فيه ليصمت بل ما يحتاجه الآن فعلا هو
أن يشعر بأنهم يثقون في قدرته على فعل ذلك فهم يهملون هذه
النقطة لأنهم يرونه مجرد مساعد طيار لم يقد رحلة سابقا ويعولون
على الحظ أكثر من ثقتهم في مهارته وهذا ما عليها هي فعله فهو
بالتأكيد وكما يبدوا حفظ جيدا تلك الاحداثيات التي يكررها له منذ
وقت .
امتدت أصابعها ودون تردد لذاك الزر الأخضر أمام الكرسي الذي
تقف بجانبه وفتحت مجال الاتصال بتلك الطائرة وتحدثت هي هذه
المرة وبالعربية قائلة
" نحن هنا نثق بك كما الجميع في الطائرة وستنجح بالتأكيد "
كانت تعلم بأنه يسمعها ويفهمها عكس الموجودين حولها محدقين
بها باستغراب وكما توقعت لم يمنعها المرحل أو يطردها ليس لأنها
موظفة في قسمهم بل ولأنها تحدثه بذات لغته الأم وإن لم يكن يفهم
ما تقول فهوا يعلم بالتأكيد أنها تحاول فعل ما لم يفعلوه هم حتى
الآن وأثبت لها ذلك إيماءته لها مبتسما فبادلته الابتسامة فورا
ورفعت نظرها مجددا بتلك الشاشة المقابلة لها والطائرة التي
أصبحت تقترب من مجال الرؤية أكثر وتحركت شفتاها من جديد
أمام ذاك الميكرفون الأسود الرقيق الموصول بالسماعات على
أذنيها قائلة
" أنت ستفعلها اقسم بذلك ... أنا أثق بك "
انحسبت أنفاسها وتوقف قلبها عن الخفقان حين خرج ذاك الصوت
الرجولي العميق ضاربا أذنيها بنبرة باردة
" أستطيع حتى أن أقف بها على رأسك لو تصمتي قليلا "
ضربت براحة يدها على الطاولة تحتها تزم شفتيها الرقيقتان
بحنق من هذا البارد المتعجرف الذي باتت شبه موقنة من أنه
لم يكن يلوذ بالصمت كما توقعت .
قالت مجددا وبضيق هذه المرة
" أرني كيف ستقف بها على أرض المطار وليس رأسي وأريد أن
أراك واقفا على قدميك في مبناه وليس على حمالة لسيارة الإسعاف
جثة هامدة طبعا "
ونزعت بعدها فورا السماعات كي لا تسمع تعليقه رغم أنها تستبعد
ذلك واكتفت كالواقفين خلفها بمراقبتها تقترب على الشاشة تجمع
كفيها أمام شفتيها تدعوا الله هامسة وضربات قلبها تتصاعد تدريجيا
مع اقترابها أكثر حتى أصبح بإمكانهم رؤيتها كاملة في وضع الاستعداد
للهبوط التام وهمست وقلبها يكاد يتوقف
" يا رب لا تجعل ساندرين تسخر مني بتحطم طائرته وموته فيها "
مسحت دموعا تسربت من عينيها لا شعوريا مبتسمة بحمق على
أفكارها الغبية وقاومت بشدة كي لا تغمض عينيها مستجيبة لرأي
عقلها بالهرب من مشاهدة هبوط قد يكون كارثيا وانسابت دموعها
دون توقف ما أن أزال المرحل الجوي سماعاته وقال محدقا
بالشاشة في الأعلى
" فعلنا كل ما بوسعنا وسنترك الباقي لمهارة ذاك الطيار الصامت "
كانت الطيارة تقترب من المهبط تشعر بها وكأنها ستسقط على
جسدها وتسحقها معهم ، كان شعورا لم يضاهيه أي شعور وكأن
جميع من في تلك الطائرة يقربون لها ... وأليسوا هم كذلك ؟
من دمها من وطنها البعيد الغالي فكيف لا تشعر بكل ذلك اتجاههم ؟
كانت تعصر قبضتاها بقوة لم تعد تشعر ولا بألم اختراق أظافرها
للحم كفيها ونظراتها الدامعة تراقب عجلات الطائرة وهي تقترب
من أرض المهبط وتعالت تأوهات الفرحة ما أن حطت عليه
باتزان تام وقد وازن بالفعل في هبوطه بها بين وزنها وجناحيها
والثلاث عجلات التي ارتكزت عليهم بقوة اثنتان يسارا وواحدة فقط
يمينا لكن الخطر لم ينتهي عند ذاك الحد وجميعهم يعلمون ذلك وقد
هبطت الطائرة على جناحها الأيمن الذي انحرف جهة الأرض ولازالت
تسير على المدرج مصدرا صريرا عاليا واحتكاكا كبيرا بالأرض
أفقدها إياه وقد انحرفت عن مسارها فأغمضت عينيها وغطت وجهها
بيديها فلا يمكنها رؤية ذلك أبدا فإن انفجرت الطائرة سينفجر قلبها
معها بالتأكيد .
بقيت على ذاك الحال حتى سمعت صوت الصرخات والتصفيق الحار
من الموجودين قربها فأبعدت يديها ونظرت بعينين باكية وابتسامة
واسعة للطائرة المتوقفة بشكل مائل تحيط بها سيارات الإطفاء
والإسعاف من كل جانب وتم فتح أبواب الطوارئ لينزل الركاب
فالتفتت للواقفة خلفها وتبادلتا حضنا قويا تبكي وتضحك في آن
واحد فليست تصدق أبدا أن تلك الطائرة وصلت الأرض فعلا وأنها
توقفت بنجاح ودون أي أضرار ، بدأ الموظفين جميعهم بتهنئتها
وكأنهم يعلمون بأنها بالفعل في استقبال أحد الموجودين ضمن
تلك الرحلة لعلمهم فقط بأنها رحلة من دولة عربية .
بدأ المهندسون بالخروج من هناك فنظرت لشاشات العرض
وكانت الطائرة قد تم إخلاؤها تماما فخرجت أيضا راكضة من
هناك وتوجهت فورا حيث صالة الإستقبال الخاصة بطواقم الطائرات
وما أن دخلت وقفت مكانها تنظر للمضيفات والمضيفين يدخلون مع
طقم المهندسين الفنيين ووجدوا استقبالا رائعا في انتظارهم يهنئهم
الجميع بوصولهم بسلام في حادثة لم يكن لها سابقة أبدا وفرصة
نجاتهم منها كادت تكون صفرا .
كانت نظراتها تبحث من بعيد عن شخص لم تراه بعد وكانت
ستستطيع التعرف عليه من زيه المميز لكن لا أثر له على ما يبدوا
ولا حتى الطيار الآخر فهل أغمي عليه أيضا ونقلوهما معا بالإسعاف ؟!
هل يبدي كل تلك الشجاعة والثبات ثم يغمى عليه ... !مستحيل .
تقدمت بضع خطوات قبل أن تقف مكانها وعضت طرف شفتها
بقوة ترفع شعرها خلف أذنيها ما أن دخل ذاك الشاب المفقود من
البوابة والذي التفتت الأنظار جميعها له وقد بدأوا بمصافحته وحتى
طقم مضيفين الطائرة وقد تبادل الأحضان مع الرجال منهم فقط
وحتى موظفات المطار الثلاث صافحهن بيده فقط عكس من دخلوا
قبله لم يمانعوا استقبال تلك الأحضان بالترحاب وهذا أول
ما أعجبها فيه .
كانت تضع يدها على قلبها لا شعوريا تشعر به سيخرج من مكانه
ونظراتها تتنقل في تفاصيله ، كان بشعر بني ناعم ومصفف للخلف
بعناية لحية خفيفة بنية أيضا أبرزت بياض بشرته وعينان تبدوان
واسعتان كثيفتا الرموش لم تتبين لونهمابعد يعلوهما حاجبان
طويلان ... كان يلبس سترة الطيران الزرقاء بخطوطها الذهبية
المميزة وربطة عنق من ذات اللون تلتف حول ياقة قميص ناصع
البياض تحتها وكان يمسك بالقبعة تحت ذراعه ،كان رائعا وفوق
ما تخيلته ويبدوا شخصا واثقا من نفسه قوي عزيمة بالفعل ورجل
للمهمات الصعبة ولن تستغرب أن تكون له تلك الشخصية والثقة
فهو حسب ما قالت والدتها عائلة والده ذات نفوذ في بلاده ووالده
رجل أعمال كبير ومعروف زد عليه أن خاله يكون الأسطورة مطر
شاهين فما كان عليها أن تتوقع شابا أقل من هذا .
كاد يغمى عليها وتتوقف جميع أجهزة جسدها الحسية ما أن وقع
نظره عليها وتبادلا نظرة طويلة تشعر بأنفاسها توقفت بسببها
فلابد وأنه خمن أنها من تحدثت معه .. نظرته أثبتت ذلك جيدا
وزاد عليها تلك الابتسامة الجانبية التي زينت شفتيه وأمسك
قبعته ووضعها على رأسه لتكتمل تلك الصورة الرائعة وكأنه
يقول لها
( ها قد وقفت في مبنى المطار على قدمي )
فضحكت فورا وبصمت ورفعت إبهامها مبتسمة له ، وماتت
ابتسامتها ما أن وقف ذاك الانجليزي الطويل بينهما وأخفى رأسه
وجهه عنها فمدت شفتها بعبوس وسرعان ما عادت وعضت على
طرفها ما أن أحنى الواقف هناك رأسه ناظرا لها من خلفه وكادت
تقفز حينها صارخة بسعادة لولا أمسكت نفسها بصعوبة وليست
تعلم هل النساء جميعهن حمقاوات مندفعات هكذا أم هي التي سلب
عقلها ذاك الشاب ومن أول لقاء لهما ؟ لم تهتم أبدا بأن تبحث عن
إجابة لسؤالها هذا وقد وجدت قدماها تقودانها لا إراديا حيث ذاك
التجمع هناك ووقفت مباشرة أمام من لم يزح نظره عنها فأبعدت
نظرها عنه وكما توقعت قد نزل بنظره لجيب سترة بذلتها الخاصة
بعملها يبحث عن القطعة المعدنية التي تحمل اسمها كموظفة هناك
وكما باقي الموظفين لكنها كانت أذكى منه ونزعتها من قبل أن تصل
الطائرة لما كانت تذكرتها وقت انتظارهم المأساوي لهبوط طائرته ،
عادت بنظرها له ما أن ارتفعت نظراته لعينيها مجددا وابتسم من
فوره ابتسامة كادت تحولها لرماد فمدت يدها له قائلة بابتسامة
" كان هبوطا رائعا ... هنيئا لك "
صافحها مدمرا باقي مشاعرها المشتعلة وقال بابتسامة ونظره لم
يفارق عيناها البنيتان
" المهم أن المهبط بخير "
تغلبت ضحكتها عليها ودون شعور منها وقد فهمت مقصده فورا
وهذا ما توقعته فهو استطاع معرفتها سريعا وهذا طبيعي فثلاث
نساء فقط هنا واحدة منهن في الخمسين من عمرها واثنتان
شقراوتان ملامحهما انجليزية بحتة فلم يتبقى غيرها رغم أنها
تشك بأن يكون هذا هو السبب ولولا بحثه عن اسمها لكانت شكت
بأنه يعلم من تكون .
سحبت يدها من كفه ورفعت كتفيها قائلة بابتسامة
" بلى وطائرتك وقفت فوق رأسي بسلام ... نحن فخورين حقا بك "
نظر لعينيها مبتسما بصمت نظرة وابتسامه أنيقة أوصلتا قلبها
للجنون وقد علقت نظراتهما ولم يعد بإمكانها إبعادها عن عينيه
ولم تعد تعي شيئا حولهما ولا أحاديث وضحكات الموظفين والمضيفين
ليقطع كل ذاك الاتصال الصامت الذي رغم قصر مدته شعرت به
طويلا جدا بقدر روعته ،وقوف ذاك الجسد قربهما والذي سرق
انتباه الجميع ولم يكن سوى مدير المطار والذي صافحه فورا قائلا
" كنت رائعا يا بطل ... منذ قليل كنت على اتصال مع السفارة وسيتم
إرسال لجنة لإغلاق الملف من الناحية القانونية ما أن يتم فحص
الطائرة وأخذ شهادة الطيار "
ابتعدت حينها وقت انشغالهما بالحديث معا وقد أولاه كامل انتباهه
وأعطاها جانب وجهه وجسده فاكتفت بالمراقبة من خلف الزجاج
المعتم الفاصل تريح راحة يدها عليه تنظر مبتسمة لصاحب تلك
الابتسامة والوقفة الواثقة يده في جيب بنطلون بذلته والأخرى
يمسك بها القبعة التي نزعها مجددا فستكتفي بهذا القدر ولن تتركه
يكتشف من تكون خاصة أنه نال خمس نجوم بالنسبة لها وقلبها
يكاد يجن كلما تذكرت الطريقة التي نظر لها بها . اقتربت من الزجاج
الفاصل ملتصقة به تنظر مبتسمة بشغف للذي ما أن ابتعد عنه مدير
المطار جال بنظراته في المكان والموجودين حوله يبحث عنها ،
أولت الزجاج ظهرها واتكأت به عليه ترفع رأسها للأعلى مغمضة
عينيها بقوة وهمست بسعادة
" يا إلهي أهكذا يكون الحب ؟ أهو رائع بهذا الشكل ويحدث
أسرع من أي شيء ؟ "
كتمت ضحكتها تغرس أسنانها في طرف شفتها وغادرت من
هناك فعليها أن تبتعد عن أي مكان سيكون فيه .
*
*
*
أشاحت بوجهها جانبا وقالت بضيق
" لا أريد ... قلت أنني بخير لما تصرين دائما على معاملتي
كطفلة بل وجلبت ولي أمري معك هذه المرة "
تنهدت الواقفة فوقها بعجز والتفتت للواقف خلفها والذي بادلها
نظرة صامتة قبل أن ينظر للجالسة على السرير مكتفة ذراعيها
لصدرها ومشيحة بوجهها بعيدا عنهما وقال بهدوء
" زيزفون إن كنت متعبة نستدعي الطبيب لا تكوني عنيدة على
حساب صحتك ، ومربيتك ما كانت لتقلق لو كان هذا أمرا معتادا "
نظرت لها فورا نظرة فهمتها تلك سريعا فهذه ليست أول مرة تمر
بمثل تلك الحالة وهي تعلم ذلك جيدا لكنها الأولى التي تستعين
فيها به وهذا أكثر ما بات يزعجها فهي تراه يتقرب منها كثير
وهي مرحبة تماما بالفكرة رغم أنها شرحت لها مرارا بأنها لا
تريد مساعدة منه ولا من أي أحد ، كسر وقاص ذاك الجو
المشحون مجددا ونظره على التي لازلت تحدق في مربيتها بضيق
" حسنا لا بأس إن كنت تري أنك بخير فلا داعي لإحضار الطبيب "
أبعدت نظرها ليديها في حجرها ولاذت بالصمت فقال مجددا
" ماذا بشأن خروجكما من أجل حفل الليلة ؟ "
التفتت له التي خشيت أن تصطادها نظرات الجالسة أمامها قبل
أن تتحدث ولن تستطيع قول شيء حينها فقالت سريعا
" سائق المنزل قال بأنه مشغول ولن يرجع قبل أول المساء وأنا
لن أحتاج من السوق لشيء كنت أود فقط أن يأخذ ز... "
" خالتي ... "
أسكتتها تلك النبرة الآمرة المهددة فورا فأغمضت عينيها وسحبت
نفسا عميقا قبل أن تفتحهما مجددا محدقة بالواقف أمامها ومن
فهم سريعا نظرتها تلك فأومأ لها برأسه بهزة خفيفة فابتسمت
له وغادرت نظره يتبعها حتى خرجت مغلقة الباب خلفها فعاد
بنظره للجالسة على السرير أمامه وقال
" هي تحبك وتقلق عليك وهذا ما يدفعها لمساعدتك وأ.... "
قاطعته بضيق
" لا أريدأهتماما من أحد .... "
" اتركيني انهي حديثي يا زيزفون "
صرخته الآمرة تلك جعلتها تصمت تماما بل ونظرت له وإن كانت
نظرة تهديد لا مكان للرقة فيها فتابع بحدة متجاهلا نظرتها تلك
أو حتى رأيها هذه المرة
" هل أخطأت لأنها تحبك ؟ إن كانت تكرهك لوجدنا لك عذرا ،
هي تقلق عليك حقا وتلجأ لمن سيساعدك كان من يكن وإن
كان ألد أعدائك "
وتابع مشيرا للباب بسبابته
" حتى أني أجدها مرارا تقف عند باب غرفتك تستمع حتى
لأنفاسك وأنتي نائمة من خلف الباب وفي المقابل تعاملينها
كخادمة لديك "
قالت بامتعاض
" وما الذي تفعله أنت خلفه ؟ "
صرخ فيها فورا
" لا شيء سوى أني مغفل مثلها "
حدقت في عينيه بصمت لبرهة قبل أن تبتسم بسخرية قائلة
" جيد هذا يعني أنه بدأ صبرك ينفذ وسأرتاح من زياراتك قريبا "
همس من بين أسنانه
" أبدا "
حدقت في عينيه بضيق دون أن تعلق فتابع ببرود
" ليكن معلوما لديك يا زيزفون بأن صبري أطول من صبرها هي
عليك كل هذه الأعوام "
كانت ستتحدث فسبقها قائلا بأمر
" هيا سآخذك لتشتري ثوبا وكل ما يلزمك "
قالت بضيق
" لا أريد ولن أحضر حفلكم السخيف ذاك "
قال بضيق مماثل
" سخيفا كان أو رائعا ستحضرينه ولست أظن أنك ممن
يخلفون وعودهم للناس أبدا "
شدت على أسنانها بقوة تنظر له بغيظ فهو أمسكها من يدها
التي تؤلمها ونسيت أنها وعدت تلك المرأة اللحوحة المزعجة
بالفعل أن تحضر الحفل فهي لم تتركها أساسا حتى أخذت منها
ذاك الوعد أحبت ذلك أم كرهته ويبدوا أنها أخبرت هذا المزعج
الآخر أيضا ، رمت اللحاف عنها بقوة وغادرت السرير متمتمة
بكلمات غاضبة لم يفهمها فأمسك برسغها ما أن مرت بجانبه
ونظر لنصف وجهها المقابل له وقال بهدوئه المعتاد
" إن لم يكن حديثي من أجلها وليس نفسي لكنت اعتذرت
أتفهمين هذا يا زيزفون ؟ "
نظرت لوجهه القريب منها ولعيناه ومقلتاه التي باتت تحار
فعلا في لونهما فتراهما أحيانا بلون عسلي غامق وفي ضوء
الشمس خضراء وفي حالات غضبه النادرة سوداء مدمرة كما
تحار في لون شعره الذي يتغير للبني إن واجه ضوء أشعة
الشمس فتراه في كل مكان بملامح مختلفة ! حدقت في تلك
الأحداق بصمت شاركها فيه كما في النظر لحدقتيها السمائية
اللون الواسعة المستديرة قبل أن تشيح بوجهها عنه وقد
همست ببرود
" أنا إذا لم أعد أحدا بالخروج لشراء أي ثوب "
قال ونظره لازال على ملامحها
" تعني أنه يوجد لديك واحدا على الأقل ؟ "
تجنبت النظر له أيضا ولم تعلق ، تعلم من نبرة صوته وسؤاله
بأنه يتوقع العكس بل وواثق منه أيضا فهي لم تحضر حفلا يوما
ولم تخرج للسهر في أي مكان فلما كانت ستحتاج لها ؟ تحرك
تاركا رسغها حين لم تعلق وقال متوجها جهة خزانة غرفتها
الضخمة
" دعينا نرى إذا "
ركضت خلفه مسرعة ووقفت أمامه رافعة ذراعيه جانبا
وقالت بضيق
" لن تفتحها "
حدق فيها باستغراب رافعا حاجبه فتلقفت أنفاسها قبل أن تقول
" هذا أمر شخصي لن أسمح لك بأن تفتش أغراضي "
قال بجمود
" أنا لن أفتشها بل سألقي نظرة على الفساتين التي يفترض
أن تكون معلقة فيها "
شدت على أسنانها بغيظ فلا تستبعد أبدا أن تكون أخبرته
حليفته الجديدة تلك بأنها كانت تعيش في فيلا ريفية معزولة
فثقته تبدوا واضحة من نظرته ونبرة صوته ، قالت بإصرار
" وإن يكن لا تفتح خزانتي "
قال من فوره
" أخرجيها أنتي لأرى "
صرخت فيه بضيق
" وقااااص .... لما أنت مزعج هكذا ؟ "
ابتسم مميلا طرف شفتيه وقال
" ثوب واحد إذا لأتأكد "
تأففت بضيق قائلة
" ليس لدي ... هل سيخلصني هذا منك ؟ "
قال بذات ابتسامته
" لا بالطبع وستغادرين معي لتشتري ثوبا يا زيزفون إن بالطيب
أو الإكراه وتعلمين جيدا بأنك تحتاجين ذلك فتوقفي عن العناد "
أشاحت بوجهها عنه فترك رسغها وقال مكتفا ذراعيه لصدره
" هيا غيري ملابسك سنغادر الآن "
قالت ببرود ولازالت تتجنب النظر له
" اخرج أم سأغيرها وأنت هنا ؟ "
تحرك من مكانه حينها ووجهته الباب قائلا
" سأنتظرك قرب الباب لا تتأخري "
وخرج مغلقا إياه خلفه ووقف بجانبه مسندا كفه بالجدار ينظر
للأرض فليس يضمن أن لا تتهرب منه أبدا ، خزانتها تحوي
سرا ما تخفيه هو متأكد من ذلك ورد فعلها كان أكبر دليل لكنه
لن يستعجل وسيأخذ بنصائح طبيبها جيدا فعليه البحث بعيدا عنها
أولا وحين تحين فرصة مواتية سيرى ما تخفيه هناك .
غير وقفته واستند بالجدار ينظر لساعته كل حين يخشى أن
يصيب توقعه وتكون نائمة في سريرها وهو ينتظرها هنا !
وقف مبتعدا عن الجدار وما أن فكر في أن يطرق الباب ليفتحه
بعدها انفتح من تلقاء نفسه ووقفت أمامه التي خانت توقعاته
بالفعل وغيرت ملابسها استعدادا للخروج فقد ارتدت بنطلون
جينز أسود وسترة طويل مفتوحة بلون عيناها لها نقوش سوداء
عند ياقته الدائرية وأكمامها وقميص أسود ضيق مظهرا جسدها
النحيل المتناسق ولأول مرة تلبس غير القمصان القطنية
والبيجامات الحريرية فهي لا تخرج أساسا من غرفتها سوى
لغرفة الشاي تلك مؤخرا ووحيدة ، أما شعرها فتركته مفتوحا
واكتفت فقط بقوس شعر أسود رقيق رفعت به غرتها للأعلى
والتي كانت أساسا بقصة خفيفة ولم تكن كثيفة أبدا فنزلت
خصلات من ذاك الشعر على كتفها وصولا لخصرها النحيل
كما بعض الشعرات الحريرية على جبينها ... يحار هذه الرائعة
لما تكون عدوة للرجال ويمكنها أن تكسب قلب من تختاره من
نفسها ودون عناء وليس بسبب جمالها الخارجي فقط بل وقوتها
وذكائها .
ابتسم من سذاجة أفكاره التي لو علمت عنها لقطعت عنقه
باتأكيد وأشار لها بيده قائلا
" نغادر ؟ "
تحركت وقد سار بجانبها قائلة ببرود
" هل أعلم ما المضحك ؟ أنا أم أنت أم كلينا ؟ "
أطلق العنان لضحكته هذه المرة وإن كانت قصيرة ومنخفضة
وقال يجتازان الممر المؤدي لبهو المنزل
" بلى كلينا ولن أقول السبب كي لا ترجعي أدراجك "
حركت حدقتيها بملل ولم تعلق وما أن اقتربا من باب المنزل
توقفا بسبب اللذان دخلا منه وكانا رواح وضرار الجد الذي
نظر لكل واحد منهما في صمت وكان التعليق من الذي لا يمكنه
ترك أحد ولا شيء في شأنه قائلا بابتسامة ماكرة
" أرأيت يا ضرار سلطان ؟ لم ترحمني اليوم أبدا بينما حفيدك
الأكبر يخرج للتنزه مع ابنة عمه ! "
أشاحت الواقفة أمامهما بنظرها الذي لم تدع له المجال أساسا
للنظر لأي منهما بينما تنهد وقاص بضيق وكانت نظرات جده
مسلطة عليه تحديدا وقد قال بجدية
" أين ذاهبان ؟ "
نظر له وقال مباشرة
" لديا موعد في اكسفورد وسآخذ زيزفون في طريقي للتسوق
هناك من أجل حفل الليلة "
نقل نظره منه للواقفة بجانبه لازالت ترفض النظر ولا للجهة
الموجود فيها أصابعها تكاد تتمزق من شدها لقبضتيها قبل أن
يعود بنظره للذي قال له بجمود ومحدقا بعينيه
" لما لا تتصل بزوجتك ؟ "
كان الضيق من نصيبه هو هذه المرة فها هو يضغط عليه
مساوما بزيزفون مجددا ولن يسمح لهذا أن يستمر ويتكرر دائما ،
قال ببرود وإن كان الغضب بات يشتعل كالجحيم داخله
" أظننا تحدثنا عن هذا سابقا جدي "
قال ضرار بملامح مشدودة
" تعرف أنت أيضا ما تحدثنا فيه جيدا يا وقاص "
تنهد بحدة مغمضا عينيه وها هو كما توقع بل ويستمر بالضغط عليه ،
لم يكن يريد التحدث عن الأمر لا أمام رواح ولا زيزفون خاصة لكنه
من دفعه لذلك وعلى هذه المهزلة أن تنتهي ، قال بأحرف مشدودة
هذه المرة
" جدي قسما ترجع زيزفون لغرفتها وسأحضر لها أنا ما تحتاجه
ولن تلعب بي تلك اللعبة مجددا "
نظر له بتحد فبادله ذات النظرة يعلم كل واحد منهما عن عناد الآخر
جيدا وما الذي قد يصلان له بسبب هذا ، وما أن تحركت الواقفة
بجانبه لتغادر من هناك شد يدها بقوة مانعا إياها من تنفيذ ما تفكر
فيه بينما نظراته لم تفارق الواقف أمامه والذي ما أن كان سيتحدث
حتى سبقه رواح قائلا بابتسامة وحدها المخالفة لكل ذاك الجو
المشحون
" اوه حسنا لا تتشاجرا بسببي كنت أمزح فقط وزيزفون أنا
أيضا مستعد لأخذها حيث تريد وأينما تريد "
وتابع بضحكة وكعادته متجاهلا مزاج من حوله
" إنها الحفيدة الأنثى الوحيدة هنا ويفترض أن تكون مدللة من
قبل الجميع "
شدها وقاص من يدها وسار بها بينهما خارجان من الباب دون أن
يعلق أي منهما بشيء ولا أن يهتم برأي الذي رافقته نظراته
الغاضبة وهو يجتازه غير مبال بتهديده الصريح فلن يرضى بالتدخل
في شئونه مجددا يكفي أن تركه لعب في مصيره سابقا حين ربط
طلاقها من نجيب باستمرار زواجه من جمانة وللأبد فلا يتخلص هو
من تلك المرأة أو لا تتخلص هي من حفيده المنحرف ذاك .
سار بها حتى وصلا السيارة البنتلي السوداء المركونة قرب الباب
وفتح لها بابها فجلست في كرسيها الجلدي المريح بصمت فأغلقه
ودار حولها وركب كرسيه وغادر من هناك فورا وبدأت تلك السيارة
الحديثة في ابتلاع الطريق كقرش عملاق ليس بسبب سرعتها المميزة
فقط بل وغضب الجالس خلف مقودها والذي استشعرته الجالسة
بجانبه بسهولة فهذا الشاب يصعب تعكير مزاجه والعبث بأعصابه
كما لاحظت عليه مرارا لذلك فاستيائه يمكنك أن تشعر به وإن كان
يخفيه خلف صمته .
كتفت ذراعيها لصدرها ونظرت جهة نافذتها فهذه هي نتائج عناده
وإلحاحه فليتحملها ... لكن لما قال ما قاله لجده ! هو حاول الضغط
عليه ليتصل بزوجته ويبدوا أنها هي ذاك السلاح لكن ما كانت السابقة
التي تحدث عنها ؟ ولما يضغط عليه بسببها ! بل ولما يرضخ هو له
من أجلها ؟
نظرت له ولنصف وجهه المقابل لها تحاول تفسير وفهم ما حدث ؟
إذا هذا هو سبب تحريرها من سجنها في الأعلى وكأنها سجين
سياسي خطير حتى النوافذ مؤمنة بالكامل وكاتمة للصوت والباب
لا يمكن فتحه إلا بكلمة معينة ؟ لكن ما كان المقابل ! أيخص
زوجته تلك ؟ بالتأكيد سيكون كذلك والدليل أنه قال تلك اللعبة
مجددا أي أن السابقة تشبهها .
" لا تحاولي تفسير ما حدث كثيرا فهو ليس مهما ولك خاصة "
زمت شفتيها بحنق واستوت في جلستها مكتفة ذراعيها
لصدرها وقالت ببرود ناظرة للطريق أمامها
" أتعلم بأنك أكبر مغفل في التاريخ "
شقت ابتسامته تلك الملامح العابسة المتجهمة وسرق نظره
لها قبل أن يعود به للطريق مجددا فهذه الفتاة لا يهنئ لها بال
إن لم تقلب مزاجه وكيفما كان ، يعلم بأنها استطاعت فك وفهم
خبايا حديثهما بسهولة بينما عجز رواح عن فعلها لذلك لم يكن
ينوي قول ما قال لولا استفزاز جده له وليس لسبب يخصه
بل لأنه يرفض أن تجمع سلبيات أكثر عن جدهما ناحيتها لكنه
لا يراه إلا يصر على إتساع الفجوة بينهما وكأنه يتعمد أن
يزيد من معدل كرهها المرتفع له .
رن هاتفه فأخرجه من جيبه ووضعه على الوضع الصامت
ما أن نظر لاسم المتصل وأعاده لجيبه وتجاهل بعدها جميع
اتصالاته حتى بات رنينه مزعجا بالفعل فأجاب عليه هذه
المرة قائلا باختصار
" مرحبا "
ولم يستطع ذكر اسمه احتياطا بسبب الجالسة بجانبه فقال من
في الطرف الآخر وبضيق
" تكلفني بالبحث عن قضية عمرها ثمان سنوات أكثر تعقيدا
من حياتي ثم أتصل ولا تجيب ؟ "
نظر بطرف عينه للجالسة بجانبه قبل أن يعود به للطريق قائلا
" يمكن للقضية أن تنتظر قليلا سأتصل بك أنا حين يكون لدي وقت "
وصله صوته فورا
" حسنا يبدوا الوضع غير مناسب لديك نتحدث لاحقا ... وداعا "
ابتسم ممتنا لذكائه وأعاد هاتفه لجيبه وما هي إلا لحظات
وتحدثت الجالسة بجانبه مجددا وببرود ساخر هذه المرة
" لست أفهم لما يعتمدون في قضاياهم عليك "
كتم ضحكته غارسا أسنانه في شفته السفلى وحرك رأسه
مبتسما فهذه الفتاة تصر على الانتقام منه اليوم ولا يفهم
لما فغضبها غامض كمزاجها تماما ! مرر أصابعه على قفا
عنقه قائلا
" لو كانوا لا يثقون بقدراتي ما لجئوا لي أساسا "
لم يتأخر تعليقها اللاذع المستفز أبدا وقد نظرت له قائلة
" كان عليهم أن لا يعتمدوا على محام مهمل مثلك يركن القضايا
على الرف حتى وقت لاحق "
نظر ناحيتها سريعا فأشاحت بنظرها عنه جهة نافذتها ، فهم الآن
سبب استيائها منه !آآخ منك يا حفيدة ضرار ، عاد بنظره للطريق
وقال
" المحامي الناجح يعمل بصمت بعيدا حتى عن موكله أحيانا وعليه
أن يثق دائما به يا زيزفون "
نظرت له فورا وكما توقع وقد قالت بحدة
" ما تعني بكلامك هذا ؟ "
قال بلامبالاة ولم يبعد نظره عن الطريق
" لم أعني شيئا فما الذي فهمته أنتي أغضبك هكذا ؟ "
نظرت جهة نافذتها مجددا هامسة بحنق وصله بوضوح
" مغرور "
فابتسم واستمر في القيادة في الصمت فالنتيجة حصل عليها وأوصل
لها ما يريد إيصاله وردود أفعالها الغاضبة لا تعنيه بل اعتاد عليها
وألفها فإن لم تستقبله وتودعه بها في يوم ما سيكون عليه عرضها
على الطبيب حينها .
دخلت سيارته شوارع لندن بعد ساعة ونصف تقريبا من خروجهما
ولم يتبادلا فيها غير ذاك الحديث ولم تبعد الجالسة بجانبه نظرها عن
نافذتها ولا بسبب شوارع لندن المزدحمة ، بما أن موعده سيكون في
ذاك الشارع فسيكون وصل بها للمكان المناسب فهو أشهر شارع
أوروبي للتسوق وستجد الخيارات أمامها مفتوحة .
ركن سيارته عند مركز تجاري خاص بمتاجر جون لويس المشهورة
ثم فتح باب السيارة ونزل في صمت ففتحت بابها ونزلت أيضا وتبعته
حتى كانا في الداخل ونظرت حولها بملل .. ليست ترغب فعلا في
التواجد هنا لكنها ما كانت لتتخلص من هذا المزعج إن لم تأتي
معه ثم هي بحاجة لثوب فعلا ولن تخرج لهم ببجامة نوم بالتأكيد .
وقف والتفت لها فوقفت لوقوفه ما أن كانا حيث محلات الملابس
والماركات المشهورة وقال ناظرا حولهما
" هنا ستجدين أفضل وأنسب ما ستبحثين عنه "
وتابع وقد عاد بنظره لها
" وبعض الأسعار خيالية أيضا فكم بحوزتك من مال ؟ "
أدارت مقلتيها الزرقاء بعيدا عنه وقالت ببرود
" ومن أين لي بالمال وأنا والجدار في منزلكم سواء ؟ "
ابتسم وأخرج لها بطاقته قائلا
" في نظر نفسك فقط يا زيزفون "
وتابع من قبل أن تعلق مادا لها إياها
" هذه بطاقتي يمكنك شراء ما تريدينه ومهما كان ثمنه "
نظرت لها في يده ثم لعينيه فأمسك يدها ووضعها فيها قائلا
" اقسم أنه مالي ولا علاقة لجدي به فأنا لا علاقة لي بأعماله سوى
في استشارات قانونية ولست آخذ أتعابا عليها أيضا "
تنهدت بضيق وقبضت أصابعها عليها وأبعدت يدها وقالت ناظرة
يمينا حيث حركة الناس والمحال التجارية مصطفة بواجهات زجاجية
وكأنها محل واحد مشترك
" أتعني أنك ستتركني هنا ؟ "
نظرللساعة في معصمه وقال
" عليا زيارة صديق لي هنا وأعدك أن لا تأخر "
وتابع وقد عاد بنظره لها
" ثم أنا لن ازعجك بوجودي في اختيارك لما ستشترين وأريدك حقا
أن تأخذي كل ما ترغبين به ويمكنك الخروج والتجول في باقي الشارع
إن لم يعجبك شيء هنا "
نظرت له وقالت ببرود
" وكيف ستعرف أين سأكون في هذا المكان ؟ "
مرر أصابع في شعره ناظرا للبعيد ولم يعلق .. أجل كيف نسي هذا
الأمر فهي لا تملك هاتفا والبحث عنها في مبنى بسبع طوابق أمر خيالي
فكيف في شارع طوله يقارب الكيلو مترين وبين نصف مليون شخص !
إنه أمر أصعب من المستحيل عينه حتى أن سيارته لا يمكنها أن تكون
علامة لها فلا يمكنه تركها هنا فركن السيارات ممنوع حتى أن دخول
السيارات الخاصة مخالفة يحاسب عليها القانون لولا صلاحيات مركزه
التي تخوله لذلك ، نظر حوله ممررا أصابعه في شعره يريد حلا سريعا
للأمر .
" الأفضل أن تعود بي للمنزل "
نظر لها وأمسكها من يدها وتحرك بها قائلا
" لن تخرجي من هنا إلا بما جئنا من أجله ، سأركن السيارة في
الموقف ثم نرجع هنا معا "
ولم يترك لها مجالا لا للرفض ولا للنقاش تتبعه منصاعة وإن
مكرهة تحاول فقط تجنب الاصطدام بأحد المارة بسبب إسراعهما تكاد
لا تستطيع مجاراة خطواته ، وقف بها فجأة حتى كادت تصطدم به
ونظر جهة أحد المتاجر بعيدا عنهم قليلا قرب المخرج وابتسم فورا
وهو ينظر للموجودة داخله فها هو وجد الحل المناسب .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 66 others like this.
رد مع اقتباس
#6288
قديم 16-01-18, 12:57 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
نظرت لها ما أن أعادته للبائع وقالت بضيق تمسك خصرها بيدها
" ماريه لن ندخل متاجر اكسفورد جميعها حتى يغمى عليا من السير
فقط لتجدي هاتفا يعجبك "
رفعت تلك حزام حقيبتها لكتفها وقالت ببرود
" لن أشتري شيئا لم يعجبني ، ثم لنغادر أنا لا مانع لدي "
قالت بذات ضيقها
" قولي هذا منذ البداية فأنتي تتهربين من شراء هاتف جديد وليس
لأنه لم يعجبك شيء يا جبانة "
نظرت لها بضيق فتابعت دون اكتراث
" أنتي أجبن من أن تتركيه يتصل ولا تجيبي أليس كذلك ماري ؟ "
قالت بحنق
" ماريه "
قالت بعناد
" بل ماري "
خرجت حينها بخطوات غاضبة وهي تتبعها قائلة بحنق
" سيكون علينا العودة للمنزل وقت العصر كي لا تفوتنا الصلاة ونتلقى
عقابا لن يعجبك أبدا من أمي وها قد أضعنا النهار بطوله هنا ولم
نزر مما خططنا له شيئا لا ميدان بيكادلي ولا متاحف ولا أي شيء ...
فستان لففنا بسببه نصف هذا الشارع الطويل لنرضي دوقك كونتيسة
ماريه "
تجاهلتها وخرجت من المحل فتبعتها حتى سارت بجانبها لا تتوقف
عن التذمر وتذكيرها بما أضاعاه من وقت .
" مرحبا ساندرين "
وقفتا مكانهما والتفتتا فورا لصاحب ذاك الصوت الرجولي المتزن
العميق بينما نظرت ماريه له باستغراب لجهلها لهويته وتحدثه
بالعربية وقالت الواقفة بجانبها بصدمة
" وقاص... ! "
قبل أن تنقل نظرها للواقفة بجانبه تتفحصها نظراتها المندهشة
وقالت ما أن عادت بنظرها له
" تزوجت من أخرى !! "
وتابعت بحماس من قبل أن يعلق وقد قالت بضحكة ملوحة بقبضتها
في الهواء
" فعلت الصواب أخيرا يالك من رائع "
نظر لها ضاحكا بينما اكتفت الواقفة بجانبه بالتحديق بها بصدمة
وقال هو
" لا لم أتزوج هذه زيزفون ابنة عمي "
لوحت بيدها متمتمة بضيق
" سحقا لك ظننتك تخلصت من تلك الباردة ال.... "
قطعت حديثها وقد فغرت فاها قائلة بصدمة
" قلت ابنة عمك !! "
نظر للواقفة بجانبه وقال
" أجل وسبق والتقيتها في منزلنا أم نسيت ذلك ؟ "
أشارت لها بسبابتها وقالت بصدمة ونظرها لازال عليه
" رباه الخرساء تكون هذه ! لم أراها يومها جيدا بسبب حالتها تلك "
وتابعت تنظر لها بدهشة
" يا قلبي ليتني أصاب بالخرس أنا أيضا "
لم يستطع امساك ضحكته فنظرت له ولم تنتبه للتي ابتسمت من
كلامها وقالت ناظرة له بضيق
" تضحك يا غبي ؟ أهذه تكون زوجة شقيقك النذل ذاك وتلك زوجتك
أنت ! متى بالله عليكم ستضعون كل شخص في مكانه المناسب ؟ "
حرك رأسه مبتسما وقال ناظرا للواقفة بجانبه
" زيزفون هذه تكون ابنة قريب لنا من جهة والدة رواح وأسمها
ساندرين "
نظرت له قبل أن تنظر لها وقالت بابتسامة خفيفة مجاملة
" سررت بمعرفتك "
ولم تستطع امساك ابتسامتها أمام تلك النظرات المصدومة قبل
أن تتحول لضحكة صغيرة مكتومة ما أن اقتربت منها تنظر لشفتيها
وقربت أذنها منها وكأنها تتأكد من أن الصوت خرج منها فعلا !
بينما نظرات الواقف بجانبها التصقت بضحكتها تلك وبملامحها
التي تغيرت جذريا بسببها وإن كانت تعد شبه ضحكة فهذه أول
مرة يراها تضحك فيها ، من قال أنها جميلة سابقا ورآها الآن
فسيشك بمقدرته على تقدير الجمال بالتأكيد !
بينما نظرات ساندرين لازالت تراقبها باندهاش ثم نظرت للذي كان
ينظر لها ضاحكا وقالت
" هي تتحدث !! "
أومأ برأسه بنعم مبتسما وقال
" وتسمعك أيضا "
شهقت بصدمة قائلة بعدها بضيق
" وتتركني أتحدث هكذا عنها وعن زوجتك تلك ! "
قال بذات ابتسامته
" مر على ذاك الموقف عامان ولازلت تكرهين جمانة بسببه
حتى الآن ؟ "
قالت باشمئزار
" أنا لم أحبها يوما "
نظرت بعدها للواقفة بجانبها وقالت
" آه أجل نسيت أن اعرفكما بهذه المزعجة "
وتابعت باشمئزاز
" هذه ماريه زوجة ابن خال شقيقك الأحمق زير النساء ذاك "
ضحك ولم يعلق على كلامها بل مد يده للواقفة بجانبها
قائلا بابتسامة
" أنتي هي زوجة تيم إذا ؟ سررت بمعرفتك ماريه "
مدت يدها لها وصافحته هامسة
" شكرا لك ... وأنا سررت بلقائك "
وتولت ساندرين باقي مهمة تعريفهما ببعض
" وقاص يكون شقيق ابن عمة زوجك من والدته ولا تحاولي فهم قرابة
العائلتين لأنك ستصابين بالجنون حينها فزوجك ذاك سبب مشكلة كبيرة
في تشابكها حين ولد بين العائلتين "
نظر الواقف أمامهما للساعة في معصمه ثم لها وقال
" عليا المغادرة لأمر مهم فهل تساعدا زيزفون لاختيار ما تحتاجه
من هنا ثم أصل لها عن طريقك فلا هاتف لديها "
قالت ساندرين باستغراب
" من هنا ؟ "
حرك كتفيه وقال
" من حيث تحبان "
قالت بحماس
" رائع إذا لشارع بوند ستريت فورا ماذا تفعل ابنة عائلة ثرية
مثلكم هنا ؟ "
قال مبتسما
" جيد فأنا كنت أنوي أخذها له فعلا لكن خشيت أن ترفض بسبب
أسعاره ولتشتري منه ما تريد ولا تهتموا للسعر أبدا ، هو قريب من
هنا يمكنكم الوصول له سيرا أو أوصلكم له بنفسي "
أمسكتها من يدها وسحبتها معها قائلة
" لا شكرا فقط خذ معك هذه المملة للمنزل وحقق لها امنيتها "
وغادرت بها خارج المبنى ونظره يتبعهما قبل أن ينقله للتي بقيت
واقفة أمامه تنظر لمكان اختفائهما وقال مبتسما
" يمكنني إيصالك حيث تريدين "
حركت رأسها بالرفض وقالت ناظرة للأكياس في يدها
" سيارتي هنا شكرا لك ، عليك فقط إيصال تلك المجنونة للمنزل
فيما بعد "
وتابعت مجتازة له
" أنا اشفق على ابنة عمك منها حقا "
وغادرت جهة المخرج أيضا نظراته تتبعها مبتسما ثم غادر من
هناك فقد تأخر عن موعده وتلك ليست عادته .
*
*
*
دخل غرفته في الفندق ووضع حقيبته على السرير وفتحها
وأخرج منها ملابسه ليستحم ويصلي فاليوم كان مرهقا بالفعل
ففوق أنها رحلته الأولى اضطر فيها ليكون الطيار الأساسي ..
لا وهبوط كارثي كاد يذهب ضحيته أكثر من مئة شخص ، أي
اختبار قدرات متلف للأعصاب هذا ؟ ومن الجيد أن خاله مطر
على علم مسبق بأخذه لمهمة مساعد الطيار وساعات خبرته
أقل منه بكثير لكان أصبح في مشكلة كبيرة قد لا يجد ولا هو
حلا لها إن تأخر خاصة في هذه البلاد ، وها هو لم يخن توقعاته
فلم يسمح ولا بالتحقيق معه والنظر لملفه السابق وتلك هي النقطة
التي إن تأخر عنه فيها لكان تعرض لمسائلة قانونية وما كانوا
ليهتموا بما فعل وأنجز .
أخرج بنطلونا مريحا واستقام في وقفته ونظر جهة باب الشرفة
الزجاجية المطلة على أهم معالم تلك العاصمة ففندق هيلتون من أحد
أهم وأفخم الفنادق القريبة من مطار هيثرو حيث هبطت طائرته وقد
تم اختياره حسب جدول رحلتهم ، تحرك نظره مع الطائرة التي
حلقت في السماء بعيدا وزينت ابتسامة غامضة شفتيه ما أن تذكر
ذاك الوجه والابتسامة ، لم تجذبه فتاة سابقا وليس يفهم ما السر
في تلك ! عفويتها وابتسامتها و جمالها الرقيق تسحرك بسهولة
وبساطة لا بل هو من انشد لها ما رآها من بعيد فما أن دخل مبنى
المطار كان لديه فضول غريب لرؤية تلك العربية التي كل ما فكرت
فيه هو دعمه معنويا وإشعاره بأنها تثق بقدرته على إنجار ذلك رغم
أنها لا تعرفه ورغم أنه مساعد طيار مبتدئ في مواجهة كارثة قد يعجز
حتى الطيارين عن اجتيازها ، لا وبل تحدته أيضا ليقف على الأرض
سالما وكأنها ليست تلك !
حرك رأسه مبتسما وتحرك جهة الحمام فاستوقفه صوت رنين هاتفه
وكان سيتجاهله فهو بحاجة لأن يستحم فعلا لكنه تراجع عن ذلك وعاد
ناحيته ورفعه ناظرا للاسم فيه ثم جلس على طرف السرير وفتح الخط
مجيبا فوصله صوتها الباكي فورا
" غيهم بني أنت بخير ؟ قل أنك بخير يا قلب والدتك "
ابتسم وقال
" بخير أمي لما البكاء هكذا ؟ لو أنك تعلمين أني لست بخير
ما كنت اتصلت بي "
" ما كان ليطمئن قلبي إن لم أسمع صوتك ، اقسم إن حدث لك
مكروه أو خسرتك ما كنت لأسامح نفسي أبدا "
مرر أصابعه في شعره قائلا
" أمي ما هذا الذي تقولينه ! من هذا الذي يمسك قدر الله أو
يحركه غيره ؟ "
وصله صوتها المختنق بعبرتها
" ونعم بالله لكن ثمة فرق بين أن يموت شخص بسببك أو من دون
سبب ، هذه آخر رحلة لك ولن تركب طائرة مجددا "
قال بضيق
" أمي بالله عليك ألست من أصر على هذه الرحلة وعلى أن أكون
طيارا ؟ هل هي لعبة تشتريها لي ثم تأخذينها مني لتعطيني غيرها ؟
هذه أعوام ودراسة وتدريب ولن أبدأ من الصفر مجددا وأنا سأبلغ
السابعة والعشرين بعد أيام "
وصله صوتها فورا قائلة بسعادة وحماس وكأنها ليست من قررت
أنها آخر رحلة له منذ قليل
" خالك مطر قال بأنه سيقام احتفال لك وقت استقبالك وسيتم منحك
شهادة طيار للانجاز الذي قمت به ، اقسم أني يوم رأيتك ببذلة الطيران
كان يوما لم يضاهيه يوم في حياتي ولا حين ولدت لأن هذا ما كنت
أريدك أن تكون عليه "
وتابعت قبل أن يعلق
" اعتني بنفسك جيدا بني فسيتم منحكم فترة راحة قبل رحلة عودتكم ،
أنافخورة بك وليس ثمة أم أسعد مني في الوجود ... رزقك الله كل ما
يحبه قلبك لطاعتك لي ووالدك منذ كنت صغيرا "
ابتسم ونسي همومه وتعبه مما مر به حينها فرضاها عنه هو ما كان
منغرسا في قلبه دائما ولا يستطيع النوم ليلا إن كانت مستاءة منه ،
لن ينسى أبدا ما قاسته حين أخذوهما منها طفلين أحدهما حديث
ولادة والآخر عمره عام واحد فقط بل ورفضت الزواج وهي شقيقة
زعيم الحالك وقتها وتطلقت صغيرة في السن وطالبيها كثر كي لا
يغضبا منها وعلى أمل أن يبحثا عنها يوما ما فقط ليس ولا حتى أملا
في رجوع والدهم لها ، ورغم حزمها وشدتها معهم غالبا إلا أنها أكثر
النساء حنانا وكل ذلك كان من أجل مصلحتهم فقط .. كانت ترفض أن
تربيهم على الدلال وعدم تحمل المسؤلية وحين كبر علم معنى ذلك وهو
يرى نماذج حقيقية أمامه لمن تحدثت عنهم فشعر بالفخر لأنها والدته
وربتهم على التمسك بدينهم وأخلاقهم فحتى أبان ورغم عناده المتوارث
منها وعدم اهتمامه لما يلقيه لسانه إلا أنه كان ناجحا متفوقا دائما وها
هو طموحه لم يتوقف عند شهادة محاماة بامتياز ولم يكن له علاقة بأي
فتاة من قبل والفضل بعد الله لها فوالدهم أكثر لينا منها ورغم ذلك لم
يعارض أسلوب تربيتها لهم يوما فقد كان أشبه بزائر ليل بسبب أعماله
ومنذ صغرهم وهذا أكبر ما يواجه من هم في مكانه تأخذهم أعمالهم من
شيء وليس يلومه فهو ما فعل كل ذلك إلا من أجلهم ولم يحرمهم أي
شيء في حياتهم ومهما كان مكلفا .
تنهد بعمق وقال بهدوء
" وليحفظك لي أمي حياتنا من دون وجودك لا معنا لها وأنا من يفخر
بأنه ابنك "
وصله صوتها الحنون فورا
" شكرا بني .. سأتركك لتنام وترتاح ولا تنسى حفل الليلة في منزل
السيد ضرار فهم يصرون على حضورك وسيرسلون لك سيارة لتقلك
لمنزلهم في بريستول وعليك أن تلتقي بكنانة هناك يا غيهم فقد اتفقت
ووالدتها .. لا تضعني في موقف محرج معهم "
اتكأ بجبينه على راحة يده ناصبا مرفقه على ركبته ينظر للأسفل ومرر
أصابعه في شعره وتنهد هامسا
" حاضر امي "
قالت من فورها " لا حرمني الله من سماع هذه الكلمة من شفتيك يا
عينا والدتك ... وداعا بني "
رمى الهاتف جانبا ما أن قطعت الاتصال ووقف ليدخل الحمام فأوقفه
هذه المرة صوت الطرق على باب الغرفة فتوجه نحوه وفتحه فكانت
إحدى الموظفات تجر معها عربة خشبية أنيقة من طابقين مليئة
بالأطعمة فابتعد فاتحا لها الباب أكثر وأدخلتها وقال ما أن بدأت برفع
أول طبقين لتضعهم على الطاولة الزجاجية
" يمكنك تركها سأهتم بالأمر بنفسي "
أعادت الطبقين مكانهما وقالت مغادرة من فورها
" كما تريد سيدي وأعلمنا وقت تريد أن نخرجها من هنا "
أغلق الباب خلفها ودخل ونظر لكل تلك الأطعمة التي سيحتاج ليوم كامل
ليأكلها ثم تحرك جهة الحمام ليوقفه صوت رنين هاتفه مجددا فرفع
رأسه وتنهد مستغفرا الله ثم عاد ناحيته ونظر لرقم المتصل فكان والده
وهذا شخص آخر لا يمكنه تجاهل اتصاله ، رمى ملابسه على السرير
ورفعه مجيبا
" مرحبا أبي "
*
*
*
ابتعدت عن حضنه دافعه إياه من صدره وقالت بحدة
" توقف عن هذا فأمثالك لا يعتذرون إلا من أجل المستقبل وليس
الماضي "
كانت تنظر له تتلقف أنفاسها وكأنها تفقدها ببطء تنظر لعيناه السوداء
المحدقة فيها بصمت .. تعلم جيدا بأن كلمة آسف لديه معناها جرح آخر
وصدمة جديدة فأمثاله لا يعتذرون عبثا ، لم تستطع التحكم في دموعها
التي عادت لملئ حدقتيها السوداء الواسعة تنظر لعينيه المحدقة بها
بهدوء ... لملامحه المسترخية ... لشعره ولحيته المبللتان بالماء
ليعكس ضوء النهار سوادهما الشديد .. بل لتقاسيم وجهه التي عشقتها
يوما وبجنون وتملك وبشغف ولم تكن تتخيل أن عواطفها تلك ستواجه
بتلك القسوة منه بأن يقتلها ويطعنها حيث دفنته وحيث احتفظت به ،
همست بأسى ودمعتها تتدلى من بين رموشها
" ليتك قتلتني بطريقة أخرى يا مطر .. ليتك فقط اخترت سلاحا آخر
تخرجني به من حياتك "
أمسك وجهها ورفعه له أكثر وقال بجدية ناظرا لحدقتيها السوداء
الواسعة
" أنصفيني يا غسق واجعلي مكانا لي في عقلك مرة واحدة فعواطفك
لن تنصفني أبدا "
تلاحقت أنفاسها وقد همست بسخرية أقرب للألم
" أعتقد بأن أربعة عشرة عاما كافيه ليتخذ عقلي جميع قراراته
أما عواطفي فقد قتلتها وقت رحيلك "
غرس أصابعه أكثر في خصلات شعرها المبلل وقال بتصميم
" اتركي عقلك يخبرك يا غسق .. استمعي لحديثه مرة واحدة فقط "
شدت ذراعيه على ركبتيها أكثر تدفن وجهها فيهما وانسابت تلك
الغرة الحريرية متدرجة على بشرة ساعديها الثلجية تشد ذراعيه
بأناملها بقوة درجة أنها تركت علامة حولهم وكل تلك الكلمات تنهال
على قلبها بحجم الوجع الذي عاشته لأعوام
(هذا مكانك يا غسق .. خلق لك أتفهمين هذا ؟(
)بل لم أخنها مع أي امرأة ... ولن تستحق امرأة في الوجود أن تأخذ
مكانها(
(ومطر شاهين يحبك ... يحبك يا ابنة دجى الحالك ... يحبك يا ابنة
دجى الحالك)
أشتدت أناملها على ذراعيها أكثر وسقطت الدمعة اليتيمة في حجرها
وسيل ذكريات الماضي البعيد يختار له مكانا في ألمها أيضا
(امرأة داس على كرامته وتنازل من أجلها ... عشقها تسمعين ؟
عشقها هي وحدها ليكتشف أنها لغيره .. أنها باعته بأرخص منه ..)
(لي أنا ليست له حتى دمائها التي تجري في عروقها ملكي)
(غسق فكري في أمر واحد فقط .. رجل كمطر شاهين لما سيقول ما
قاله وأمام وسائل الإعلام ليهز صورته بذاك الشكل أمام الرأي العام
وهو يحتاج لتلك الصورة أكثر من أي وقت مضى ؟ غسق شقيقتي ليس
ابن شاهين من يكشف عن عيوبه وأخطائه وللعلن وأنتي من يعرفه
أكثر من الجميع بالتأكيد)
)أنصفيني يا غسق واجعلي مكانا لي في عقلك مرة واحدة فعواطفك لن
تنصفني أبدا(
رفعت رأسها ومررت أصابعها في غرتها للأعلى تنظر للفراغ وهمست
وأنفاسها تتقطع في حلقها وجفناها متوهجان بشدة من حبسها لدموع
ترفضها بتاتا
" لن أسمح له بأن يغفر لك يا مطر .. لن أبحث لك عن أعذار وإن
توضحت أمامي ... لن اسامحك على ما فعلته بي أبدا "
مسحت عيناها بظهر كفها بقوة حين طرق أحدهم باب غرفتها ولم يترك
لها المجال ولا لأن توافق أو ترفض دخوله وقد انفتح سريعا وظهر لها
رأس الكاسر الممدود منه ونظر لها مبتسما وقال
" أمي أنتي لم تنامي بعد ؟ "
أبعدت غرتها للأعلى مجددا وجمعت شعرها على كتفها الأيمن قائلة
بصوت منخفض تتجنب النطر له
" سأنام الآن "
دخل وأغلق الباب خلفه متجاهلا ما قالت واقترب من سريرها قائلا
" المهم أنك لم تنامي بعد "
قالت بجمود تنظر له وهو يجلس أمامها
" إن كنت تريد التحدث عن مغادرتنا المنزل والمدينة فلا تتعب نفسك "
قال مبتسما
" لا فأنا حقا سأكون سعيدا بانتقالنا لحوران لأن تيما حينها لن تحتاج
لقطع كل هذه المسافة لتكون معنا وسأراها كل يوم وأزورها إن لم تأتي
هي لزيارتنا بل وسأدرس في مدرستها ذاتها ولن أرحمها مني أبدا "
ابتسمت بحزن على حماسه وتعلقه بشقيقته التي لم يعرفها سوى من
وقت قريب حتى أنه لم يهتم لمغادرته المدينة التي عاش فيها صغيرا
ودرس وله أصدقاء كثيرين يعيشون فيها وباتت تيما بالفعل عالمه
الجديد ! تفهمه جيدا فهو حرم الأشقاء كما الوالدان وعاش وتربى
ولعب وحيدا بينهم كتيما تماما كانت طفولتها وحيدة ولن تعرف هي
معنى هذا لأنها عاشت مع أربعة أشقاء عاملوها كالأميرة المدللة ولم
يشعروها يوما بأنها تختلف عنهم لأنها فتاة ولم يجعلوها نسخة ذكورية
عنهم أيضا فحتى وقت لعبهم وركضهم تكون على عنق أحدهم يركض
بها كفريق ولم يعلموها خشونة أن تواجههم وحدها مطلقا حتى أنهم
كانوا يقولون بأنها الفائزة في أي لعبة يلعبونها كي لا تبكي فلم تكن
ترضى بأقل من الفوز .
مسحت بكفها على طرف وجهه وقالت بحنان
" وتيما لن يزعجها ذلك بل وستكون أسعد منك به "
أمسك يدها وقبل باطن كفها وقال ما أن سحبتها منه
" لقد التقيت اليوم بمطر شاهين في المستشفى "
عبست ملامحه ما أن أشاحت بنظرها عنه وقد ارتسم الضيق على
ملامحها فقال بهدوء حذر
" هو من طلب مني أن أكون قربك هناك و.... "
غصت الحروف في حلقه فهمسها بصعوبة
" وأن أناديه أبي "
نظرت له فورا نظرة لم يفهم كانت نتيجة لصدمتها مما قال أم بسبب
رفضها له فتابع بحزن متجاهلا ما ستكون عليه رد فعلها
" كنت أتمنى دائما أن أنطق هذه الكلمة ، أنتي لم تتركيني أحتاج
لحنان أمي ولم أشعر بفقداني لها قط لكني تمنيت والدا لي ومنذ
كنت طفلا كنت أشعر بأني يتيم الأب فقط "
لم تستطع مقاومة الدموع التي ملأت مقلتيها ومدت يدها له
هامسة ببحة
" تعالى بني "
اقترب منها فورا ونام في حضنها فقبلت رأسه ومسحت على
شعره ودموعها وجدت سبيلها للنزول متقاطرة من رموشها
الطويلة ، إن كانت هي تفقد والده وشقيقها الوحيد ولازالت
عيناها تبكيه حتى اليوم فكيف به هو من حرم حتى من رؤيته
ومن أن يعيش مع والديه وإن لأعوام قليلة فقط ، تنسى دائما
بأنه لازال في الخامسة عشرة وتريده رجلا قبل أوانه ولا
تساعده حتى ليكون كذلك ، كيف فكر ذاك الرجل في هذا ؟
لن تعدها حسنة له لكنها حقا تعترف بأنه أصاب فيما فعل
وهذا هو حاله دائما لا ينسى أحدا من عدله وإنصافه إلا هي
وابنتها من بعدها وكأنهما تدفعان ثمن بطولات مطر شاهين
وثمن عدله وإنصافه للجميع .
مسحت دموعها ما أن ابتعد عن حضنها ونظر لعينيها قائلا
" أمي إن أنتي ذهبت للعيش معه فلن أكون إلا معكما "
نظرت له باستهجان فقال سريعا قبل أن يسمع منها تعليقا
يعرفه جيدا
" لن أكون سعيدا إلا بوجود عائلة لي أمي ... والدان وأشقاء
لن يمنحهم لي أحد ولا أعمامي أو عمتي جويرية "
قالت بضيق ما أن أنهى كلامه
" كاسر أنا لن أغادر لأي مكان وسنبقى معا ولا تتحدث عن
هذا أمامي مجددا "
قال باستياء
" أمي أ... "
قاطعته بأمر
" كاااسر "
تأفف قائلا
" إن فرضنا مثلا ... وها أنا قلت إن فرضنا فسأكون معك "
وتابع بنظرة حزينة
" أنتي لن تتركيني أمي أليس كذلك ؟ "
حضنته مجددا وقبلت رأسه هامسة بحزن
" لن أفعلها يا كاسر لن يأخذني منك ولا أي رجل في الوجود
أنت ذكرى شقيقي الوحيد ومن دونك لا يمكنني العيش بني ولن
أبتعد عنكم كن مطمئنا "
ابتعد عنها وقبل رأسها وقال مبتسما ومغادرا السرير
" الآن يمكنني النوم ... تصبحين على خير "
وغادر الغرفة نظراتها الحزينة تتبعه حتى أغلق الباب خلفه
ثم نظرت لهاتفها على الطاولة بجانب السرير ورفعته واتصلت
بمن هي لن تستطيع النوم الليلة إن لم تتحدث معها فما أن
تغادر منزلها تشعر بأنها أخذت روحها معها وتعترف بأنها
تخطئ حين تلقي باللوم عليها في أمور لا يد لها فيها ، أجابت
سريعا وقد وصلها صوتها المتلهف قائلة
" أمي ؟ "
ابتسمت بحزن قائلة
" هل أزعجت نومك صغيرتي "
وصلها صوتها فورا
" أبدا أمي فأنا لم أنم بعد "
همست باستغراب
" ألم تنامي حتى الآن ؟ "
وصلها صوتها الحزين
" لم أستطع النوم ولا الاتصال بك خشية أن تكوني نائمة ، أمي
سامحيني لم أكن أعلم أنه سيغضب وسيلقي ... "
قاطعتها بهدوء
" لا بأس حبيبتي أنا من عليه الاعتذار كنت مستاءة وما كان
عليا قول ما قلت "
وصلها صوتها فورا
" لا بأس أمي أنا لم أغضب منك أساسا ولن يحدث ذلك يوما ...
أنتي ووالدي أثمن ما أملك في هذه الحياة ولن افكر يوما في
أن أغضب من أحدكما أبدا "
تنهدت بعمق ممررة أصابعها في شعرها فهي فعلا كما قال
تضعهما في كفتا ميزان واحد لا تغضب من كليهما ولا تحب
أحدهما أكثر من الآخر وبالتالي لن تكون سعيدة بوجودها مع
أحدهما دون الآخر .
قالت مقاطعة لأفكارها تلك
" والدي أخذني فقط من أجل زيارة عمتي جوزاء وأنا في منزلها
الآن بينما غادر هو لمدن الثنانيين "
قبضت أناملها دون شعور ما أن تذكرت رعد وما حدث معه ، لم
تكن تتصور يوما بأن هذا سبب رفضه للزواج وكان عليها أن
تتوقع ذلك فأبناء هذه العائلة لا يختارون سوى النساء
الممنوعات عنهم ولا تفهم لما تتعقد حياتهم هكذا ! .
قالت بشبه همس
" هل سيقضي الليلة هناك ؟"
لا تعلم كيف خرج منها ذاك السؤال ولا كيف قالتها لكن عقلها
ودون شعور منها فكر في تلك الثنانية التي دفعته للرقص معها
في الماضي وشعرت بذات تلك الجمرة تتقد في داخلها ، غطت
عيناها بكفها تتنفس بعمق ... سحقا له هو السبب لم يترك لها
مجالا ولا لتتخلص منه داخلها ... جعلها تعيد اختبار ملمس
شفتيه وحضنه وكلماته الهادئة الرزينة حين يعنيه حقا أن
يشرح أمرا ما لمن يحدثه وكأنه اختار قتلها قبل أن تقتله فيها
لكنها لن تستسلم لعواطفها مجددا ولن تسمح له ولا لها بهزيمتها
فمطر شاهين عليه أن يموت داخلها وإن قتلت نفسها معه .
قاطعتها قبل أن تجيب على سؤالها
" هل سيطول بقائك هناك ؟ "
وصلها صوتها فورا
" لا أمي سأغادر صباحا لحوران "
تنفست بعمق قبل أن تقول
" ونحن سننتقل هناك للعاصمة قريبا "
وكما توقعت وصلها صوت شهقتها المختلطة بضحكة سعادة
قبل أن تقول
" حقا أمي !! يا له من خبر رائع ، بل هو أجمل خبر سمعته
وسيكون بإمكاني زيارتك كل يوم ... "
سكتت قليلا قبل أن تقول باستغراب وكأنها تذكرت لحظتها فقط
أن تفكر في ذاك الأمر
" لكن لماذا أمي ! هل من مشكلة ؟"
تنفست بعمق قائلة
" لا شيء من ذلك أنا فقط عليا تسليم المنزل أيضا فرئيسة
الجمعية الجديدة ستكون الأحق به ولأن منزلا رعد ورماح في
حوران سيكون علينا الانتقال هناك فلن يرضى أيا منهما بأن
أشتري منزلا بعيدا عن هناك خاصة رعد فهو كان يريدنا
دائما معه خصوصا بعد حادث رماح ووضعه الحالي فهو
يضطر لزيارتنا دائما من أجله "
وصلها صوتها الهادئ فور أن أنهت حديثها
" لم أكن سعيدة أبدا بقرار تركك الجمعية والعمران ، لقد كنت
الجزء المكمل لها فعلا لكني أحترم قرارك أيضا أمي وأريد أن
أكون مثلك تماما امرأة تقرر بنفسها وتعلم أين تضع قراراتها
السليمة "
ابتسمت بحزن ولم تعلق على ماقالت فها هي التي تفهمها فعلا
ورغم كل شيء رأت بأنها تتخذ قرارات سليمة وأرادت أن تكون
مثلها رغم تناقض أرائهما خاصة فيما يخص والدها وعودتها له !
قالت بهدوء مماثل " تصبحين على خير إذا صغيرتي ونامي جيدا
فرحلتك ستكون طويلة غدا "
وصلها صوتها فورا
" رحلتي ستكون بالطائرة وما كنت لأشبع من التحدث معك
أبدا لكن أنتي من عليها أن تنام وترتاح ... أحبك أمي وأشتاق
لك من الآن "
همست بحزن وحنان
" وأنا أحبك بنيتي اعتني بنفسك جيدا "
" حسنا أمي .... تصبحين على خير "
وما أن فصلت الخط ضمت الهاتف لحظنها بقوة مغمضة
عينيها وقد تقاطرت منها الدموع التي حاربتها لساعات ،
ليته فقط لم يحرمها منها ... من احتضانها طفلة ومن
مراقبتها تكبر شيئا فشيئا أمامها .. تحبوا ثم تقف فتمشي ...
ضحكاتها الصغيرة كلماتها الطفولية المتقطعة وزيها المدرسي
الصغير بل وجميع ثيابها التي كانت تكبر معها رويدا رويدا ...
ليته قتلها به فقط وما اختار طعنها مرتين متتاليتين ليرجعها
لها فتاة ناضجة تكاد تساويها في الطول ستحتاجان لعمر آخر
لسد الهوة الواسعة بينهما ولتفهم كل واحدة منهما الأخرى
وتعتاد وجودها في حياتها فبأي قلب وعقل ستسامح ذاك الرجل ؟
أجل هي غبية ولن تفهم أبدا معنى ما قال وحاول شرحه لها
عند الشلالات ولن تسمح لعقلها بالتفكير فيه مجددا فلا مسوغات
أبدا لذبحه لها مرارا وتكرارا وأمام الجميع .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 81 others like this.
رد مع اقتباس
#6289
قديم 16-01-18, 12:59 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
وصل المنزل مقربة الفجر وركن سيارته أمام بابه ونزل فالمسافة
من مدن ثنان غرب الحالك حتى حوران أخذت منهم مقربة الأربع
ساعات هذا غير الوقت الذي قضوه هناك وإصرار زعيمهم على
أن يتناولوا العشاء معهم .
لا يصدق أن مطر قدم لهم كل ذلك ! كل تلك التنازلات من
أجل امرأة ! رغم أنها كانت ستسبب حربا بينهم وبين العرب
بل وقدمها مهرا لها ! والمفاجأة الأعظم كانت ما قاله وأمامهم
بعدما عقدوا اتفاقهم ذاك بأنه كان سيمنحهم كل ذلك في جميع
الأحوال ( العربي والثناني سواء في جميع حقوقهم في البلاد كما
تمنح الجنسية لهم بالإجماع ، تبنى لهم مدن جديدة في أماكن
أخرى من البلاد ولا تكون الحدود مكانهم الأساسي والوحيد
وكأنهم جزء خارج بلادهم ، لغتهم تصبح أساسية في البلاد
وتضاف لجميع اللافتات وتدرس في المدارس لمن رغب من
العرب وشرط أساسي للثنانيين ، شرط زواجهم من العرب
الإسلام كما أنه يمنع اعتناق ديانتهم على العرب وهذا أكثر
ما نوقش وكانو يرفضونه حيث أن الثناني سيسمح له بدخول
الإسلام بينما العربي لا يرتد عن دينه وكان شرطا إلزاميا رفض
مطر التراجع عنه أو تغييره وكان على استعداد لأن يلغي
اتفاقهم بأكمله من أجله )
يعلم بلقاء مطر السابق بهم وطرحهم لمجموعة مطالب
لانضمامهم لباقي أطياف البلاد لكنه لم يكن يتوقع أن يقدم
لهم أكثر مما أرادوا ! وليس يعلم ما ستكون ردود الأفعال
عليه داخليا وخارجيا أيضا ؟ يعلم بأنها ستكون الإيجاب خارجيا
لكن داخليا ... ؟ هنا ستكون المعضلة وليس يفهم كيف سيدمج
ثقافتين وشعبين مختلفين تماما ! يثق جيدا في قدرات وأفكار
مطر شاهين ويقف في صفه من حيث أن تلك القبائل ظلمت
بالفعل وفي كل بلاد تكون فيها فيكفي أنه لا وطن لهم ينتمون
له .. لا هوية .. لا جنسية ومطرودين للحدود في بلدانهم جميعها .
أغلق باب المنزل خلفه بهدوء ودخل بخطوات سريعة فبالكاد
سيجد وقتا ليستحم ويلحق الصلاة في المسجد ويبدأ بعدها
يومه الشاق المعتاد .
" عمير "
وقف مكانه عند أول السلالم والتفت لصاحبة ذاك الصوت
والتي خرجت فجأة من ناحية المطبخ أو أنها كانت هناك
ولم ينتبه لها ! نظر لها باستغراب وقال
" بثينة لما أنتي مستيقظة حتى الآن ؟ "
نظرت للأسفل ولم تستطع قول الحقيقة فقالت بصوت منخفض
بالكاد سمعه
" اشتقت لطفلاي ولم أستطع النوم "
أنزل رأسه مبعدا نظره عنها ما أن نزل شعرها على وجهها
بسبب حجابها الموضوع على رأسها بإهمال وقال
" ذاك حقه يا بثينة لا يمكنني نقض الاتفاق معه "
رفعت رأسها ونظرت له قائلة
" وأنا لست أطالبك بنقضه يا عمير "
قال بهدوء ولازال على وضعه السابق
" تريدين العودة له ؟ "
انفتحت عيناها من الصدمة وقالت فورا
" لا بالطبع "
قال ولازال يتجنب النظر لها
" بما يمكنني مساعدتك إذا ؟ "
عبست ملامحها وقالت
" ليس هذا ما أردت التحدث معك فيه "
قال ونظره على مفاتيحه في يده
" فيما إذا ؟ إن أردت أي شيء أخبريني "
نظرت له بحزن وقالت
" عن صدودك عني هكذا أتحدث يا عمير ، أنت تتجنب حتى
النظر لي وتشعرني بالذنب مضاعفا على ما حدث في الماضي "
دس مفاتيحه في جيبه وقال ونظره على عتبات السلالم أمامه
" ليس الأمر كما تتخيلين يا ابنة عمتي فأنتي في عدة الآن وأنا
رجل لا أحل لك في جميع الأحوال "
قالت بأسى ونظرها معلق بوجهه الذي يوليها جانبه
" لكنك لم تكن هكذا في الماضي وكنت وقتها مجرد خطيبة
لك بل وقبل خطبتك لي لم ... "
قاطعها قبل أن تنهي حديثها قائلا بجمود
" ذاك حين كنت في بداية العشرين من عمري وأغلب
تصرفاتي خاطئة "
شعرت بسكين غرس في قلبها وآلمها بشدة وأول ما حاول
عقلها فعله أن حارب فكرة أنه يعني مشاعره السابقة نحوها
أيضا فقالت بأمل كسير
" أعلم بأنك غاضب مما حدث ولست ألومك فأنا أيضا كنت
أتصرف وأفكر بطيش حينها "
قال مباشرة
" لا لم تكوني كذلك "
شقت ابتسامة أمل ملامحها الحزينة المحبطة لكن ذلك لم
يدم طويلا وهو يحطمها متابعا وقد نظر لها هذه المرة
" كان قرارك بعدم انتظاري صائبا يا بثينة فأنا ما كنت
أتوقع أن تطول سنوات غيابي عن البلاد لكل هذا الحد فلو
أنك انتظرتني ما كان ابنك في العاشرة من عمره الآن ،
علاقتنا كانت خاطئة من أساسها ولم نكن متوافقين أبدا
وكنت أتغاضى عن اختلافاتنا بسبب مشاعر كانت ستوقعنا
في حياة بائسة وللأبد "
وتابع متجاهلا نظرتها المصدومة له
" أنتي تستحقين رجلا أفضل مني يا بثينة وعليك أن تشكري
الله أننا لم نخض تجربة الزواج لأنها كانت ستكون
فاشلة بالتأكيد "
وصعد السلالم ما أن أنهى كلامه ولم يسمع ردها أو تعليقها
ولم يهتم لذلك فهو لن يتركها تعلق آمالها عليه بسبب ماض
لم يعد يعنيه في شيء ، ليس لأنها تزوجت ولا أنجبت أبناء
فكان سيقبل بها الآن ولن يهتم لكنه استفاق لما كان سيقحم
نفسه فيه فكم تجاهل سابقا عيوبها حين كانت تطالبه بمنزل
أحلامها ومهرا يكفي لإعالة عائلة كاملة في ذاك الوقت
ولأعوام ولم تفكر في وضع البلاد وتدني الوضع المعيشي
وقتها ووضعه في عائلته فلم يعتمد على والده قط لكنها
أنانية ولم تفكر سوى في نفسها وكل ما كان يعنيها وقتها
أهوائها ورغباتها ، إن كانت تحبه لنفسه لكانت ضحت بكل
شيء ليكونا معا وإن ناما على بساط بالي في غرفة واحدة
ولكانت انتظرته على الوعد بينهما مثلما فعلت تلك الثنانية
التي لم تعرف ابن شراع سوى فترة شهرين فقط وليس
أعواما مثلهما ، ومثلما أنكرت زوجها ونفرت منه ما أن
مر بانتكاسة مالية ستفعل ذلك معه أيضا حين تزول مملكته
الحالية ولأي سبب كان وإن بانقلاب ضد مطر شاهين
وإزاحتهم من الحكم جميعهم .
دخل غرفته وتوجه لغرفة الملابس فورا ليخرج ثيابا له
ويستحم سريعا مبعدا تلك الأفكار من رأسه فهو يستقبلها
هنا احتراما لعمته فقط ولأنها قريبته وتحتاج إليه أما أكثر
من ذلك فليست تعنيه في شيء فهو أيضا قرر الخيار السليم
المناسب لحياته ولن يترك عواطفه تتحكم في قراراته مجددا ،
صحيح أنه انجذب لتلك الفتاة حين التقيا أول مرة وما أن
وقع نظره عليها لكنه ترك لعقله مهمة القرار فيما بعد فإن
رفضها ما كان ليتبع عاطفته ناحيتها أبدا .
رمى عنه السترة والقميص وأخذ ثيابه من هناك ودخل الحمام
هامسا بابتسامة
" ولن أجعل طريقي للوصول لك طويلا أبدا يا ابنة صنوان "
*
*
*
توقعت أن تكون مرافقتها هذه المرة أسوأ من ماريه وستجوبان
شارع بوند ستريت كاملا لتجد ما يعجبها رغم أنه الشارع الأفخم
في انجلترا .. شارع الأناقة والجمال وآخر صيحات الموضة
العالمية والأفكار المبتكرة ولا يرتاده سوى الأثرياء وتلك الحمقاء
ماريه رفضت أن تزوراه لتشتري منه وتعرف لما فعلت ذلك لأنه
ما يربط شارع اكسفورد بميدان بيكدلي وهي لا تريد أن تذهبا
هناك بل أن تعودا للمنزل لذلك رفضت لكن هذه الشقراء الجميلة
خانت توقعاتها ولم تجتازا أكثر من محلات ريس وباروني ولم
تصلا ولا لمحلات بازلر الأرقى في ذاك الشارع كما كانت تريد ،
حتى أنها لم تأخذ رأيها أو رأي أي من العاملات اللواتي لا يتم
قبولهن في تلك المتاجر إلا ولهن خبرة في الموضة وعالم
الأزياء بل تصرفت باستقلالية تامة وكأنها زائر دائم لتلك
الأمكنة فنظرت للمعروضات أمامها بصمت واختارت واحدا
ولم تلتفت ولا لحديث العاملة التي كانت تنصحها بواحد أقصر
منه بسبب طول شعرها وقوامها النحيل بل ورفضت حتى أن
تختار مجموعة ليقمن عارضات الأزياء بعرضها أمامها لتختار
من بينها كما يفعلون هناك لجذب الزبائن ، ورغم أنه ترك
بطاقته لها وحسابه مفتوحا إلا أنها لم تشتري سوى الفستان
وملحقاته ! لو كانت مكانها لخرجت من هنا يداها مليئتان
بالأكياس وما استطاعت مقاومة اغراء كل تلك الثياب والماركات
العالمية لكنها تبدوا كماريه تماما لا تقدر قيمة المال الذي تملكه .
رفعت غرتها في مواجهة النسيم ونظرت عبر نهاية الشارع
تقفان على الرصيف وقالت مبتسمة
" ها هي سيارة نائب المدعي العام الوسيم قادمة من هناك "
نظرت الواقفة جانبها حيث كانت تنظر وللسيارة البنتلي السوداء
التي تشق الشارع نحوهما ولم تعلق وتابعت ساندرين وكعادتها
لا تهتم إن بادلها الطرف الآخر الحديث أم لا قائلة باشمئزاز
" لست أفهم متى سيتخلص من تلك البلهاء ... بل لست أفهم أين
وجدت ساحرة ساندريلا التي زوجتها به بل وجعلته يتزوجها "
قالت الواقفة بجانبها وقد ابتعدت بنظرها لمحلات الشارع المقابل
" لو لم تكن تعجبه ما تزوجها "
قالت من فورها
" لا أنتي لا تعلمين عن القصة كاملة فهو حتى لم يراها بل جده
اقترح عليه تلك العائلة وهو وافق دون أن يهتم "
نظرت لها وقد وقفت سيارته مقابلة لهما جهة الرصيف الآخر
قائلة ببرود
" لا أراه يهتم بمظهرها الخارجي ونظرته للنساء تبدوا مختلفة
عنك ولست أرى هذا عذرا لتكرهيها "
مطت شفتيها باشمئزاز وقالت بضيق
" مغفلة وعقلها كجسدها مليء بالشحوم فقط ، لن أنسى ما فعلته
بي سابقا تلك البلهاء ... هو أكبر مني بإثنى عشرة عاما وكنت
حينها في الخامسة عشرة ولست أراه سوى كشقيق أكبر لي
لكن كرشها المنتفخ طبعا وليس عقلها من أوحى لها بأنني
معجبة به ! هل تضن بأني كنت سأتركه لها لو أنه اهتم
لأمري حقا ؟ ما كنت لأتركه لها لتتزوجه حينها فهو الجزء
الحي الوحيد في تلك العائلة والذي يملك قلبا وعقلا ..
طبعا إن استثنينا والدة زير النساء ذاك "
نظرت له وهو يسلك الشارع نحوهما نظره على حركة السيارات
والحافلات فيه وقالت بابتسامة جانبية
" إن كنت تتحديثن عنه هكذا أمامها فمن الطبيعي أن تضعك
في خانة أعدائها ؟"
لوحت الواقفة بجانبها بيدها قائلة بلامبالاة
" أنا لست أمدحه بل أذمهم وأنا لا يعنيني رأي أحد لأني أقول
ما لديا وأمام الجميع فهم بالفعل عائلة غريبة أطوار وأغلبهم
كريهين إن كان نجيب ووالدته أو ضرار ووالدته أيضا وذاك
الوقح المدعو رواح بل ووالدهم معهم طبعا "
وصل حينها عندهم الذي مرر أصابعه في شعره حتى قفى
عنقه قائلا بابتسامة
" هل تأخرت عليكما ؟ حاولت أن أخرج من عنده سريعا "
لم تعلق الواقفة أمامه بينما قالت الأخرى
" لا لم تتأخر ابنة عمك الجميلة هي التي لم تتعبنا في البحث "
قال مبتسما
" وأنتي أيضا يا جميلة شكرا لك وسأوصلك حيث تريدين"
لوحت بكفها وقالت مغادرة
" شكرا لك أريد زيارة معرض الفنون لأشتري غرضا من هناك "
ووقفت بعد مسافة قليلة والتفتت له وقالت رافعة كيسا صغيرا
في يدها
" وشكرا على الهدية التي اشترتها لي من مالك ... أراكما الليلة "
وتابعت طريقها حتى اختفت خلف شارع فرعي فأمسك حينها
بيد الواقفة أمامه وسار بها عابرا الشارع المزدحم حتى وصلا
السيارة وفي صمت ، أخذ الكيس منها وفتح لها الباب وما أن
جلست أغلقه خلفها ثم وضعه في المقعد الخلفي وركب أيضا
وغادرا من هناك .
ظنت أن رحلتهما انتهت عند ذاك الحد فكلاهما فعل ما جاء
من أجله لكنه خان توقعها وقد ركن سيارته في مكان قريب بدلا
من أن يغادرا تلك الشوارع بل والمدينة بأكملها ، خمنت بأنه
يريد النزول من أجل أحدهم أو شراء غرض ما إلا أنه مد يده
لصندوق السيارة جهتها وقال وهو يضع فيه مجموعة أوراق
" هيا انزلي "
نظرت له باستغراب ففتح بابه ونظر لها وقال
" ثمة مطعم رائع هنا فخم ومميز "
قالت ببرود
" ومن قال أني أريد أن آكل ؟ "
قال من فوره
" أنتي لم تأكلي شيئا اليوم وأنا لم أسألك إن كنت موافقة "
قالت بضيق
" لا أعلم أهي الثرثارة أم أنت الذي تتدخل فيما لا يعنيك فعلا ؟ "
قال بحزم
" بل كلانا نهتم لأمرك يا زيزفون "
قالت بضيق أشد
" هذا ليس اهتماما وأكره معاملتي كطفلة .. أنا أعلم جيدا
ما يصلح لي وأكثر من أي شخص آخر "
تنفس بعمق مغمضاعينينه ثم نظر لها وقال بهدوء
" أنتي ابنة عمي يا زيزفون وتعنيني مصلحتك حقا فقد أرى
أي امرأة في الوجود تتصرف كطفلة لكن أنتي لا ، وأن
تتناولي كل تلك الأدوية من دون طعام جيد فمعناه أن تقتلي
نفسك بالبطيء وهذا ما لن أسمح لك به أبدا "
حدقت في عينيه بصمت قبل أن تشيح بوجهها عنه فتنهد ببطء
وفتح بابه ونزل فعلى الأقل لم ترمه بتعليق من تعليقاتها الرائعة
تلك ، أغلق بابه ودار حول السيارة وفتح لها الباب فتنهدت
بضيق ونزلت لأنها تعلم جيدا ما نتائج العناد مع هذا الرجل .
كان المطعم في الطابق الأربعين من برج هيرون والمطعم
الأعلى في المملكة المتحدة فهو بذلك يوفر إطلالة زجاجية
على جميع أنحاء المدينة وكان بأثاث عصري مميز وأرآئك
جلدية بالإضافة للمقاعد والطاولات الخشبية البيضاء المميزة
والحركة فيه كانت تدل على أنه يفتح أبوابه على مدار الساعة .
ما أن جلسا حتى تقدم منهما النادل متجتازا باقي الطاولات يقصد
طاولتهما تحديدا وما أن وقف عندهما قال للجالس مقابلا له ومبتسما
" مرحبا سيد وقاص "
أومأ له مبتسما فقال ذاك من فوره
" الأطباق البحرية كالعادة ؟"
قال من فوره
" أجل ولا تنسى التعليمات المعتادة "
قال مبتسما
" بالتأكيد سيدي فالشيف مارتن ما أن يذكر اسمك يختار أطباقك
بنفسه ويعدها أولا "
وتابع ينقل نظره بينهما
" هل سيكون الطبق الرئيسي من اختياره كالعادة أم لديكما
طلبات محددة من القائمة ؟"
نظر للجالسة أمامه ملتهية بتغيير ترتيب مجموعة السكاكين
والملاعق الفضية اللآمعة والموضوعة فوق منديل مطرز فخم
ومميز وبطريقة أنيقة وملفتة للنظر ، هو يعلم أن هذه الأجواء
لن تستهويها أبدا وهي من عاشت حياتها منزوية ومعزولة
عن الناس وعن مظاهر الحياة ورغم ذلك لم يستغرب أن لا
تتصرف كشخص يدخل لعالم غريب عنه فخم ومميز لأول مرة
في حياته بل كانت وكأنها تزوره كل يوم ليس لأنها اعتادت هذا
بل لأنها بالفعل مختلفة في كل شيء تعلم كيف تتصرف كامرأة
نبيلة ثرية متى أرادت وهذا ما توقعه أيضا وأصاب فيه بالنسبة
لشرائها لما تحتاجه من ذاك الشارع الذي لا يرتاده سوى الأثرياء
فلم تأخذ وقتا طويلا لتبحث عما يناسب ذوقها وما عاشت وتربت
عليه ولم تشتري أكثر مما تحتاجه للحفل رغم تركه لحسابه مفتوحا
لها ، عاد بنظره للواقف قربهما وقال
" فليكن طبق سمك فالبعض لا يفضل جميع المأكولات البحرية "
أومأ برأسه مبتسما وغادر فورا وعاد هو بنظره للتي قالت
ونظرها لازال على طبقها الفارغ وملحقاته
" بشأن الميدالية الذهبية التي اشتريتها لساندرين فأ...."
قاطعها قبل أن تنهي حديثها
" أنا لم ولن أسألك عن هذا يا زيزفون وحين تركت بطاقتي لديك
أخبرتك أنك تستطيعين التصرف فيها كيف تشائين "
نقلت نظرها جهة الإطلالة الزجاجية للمطعم تراقب معالم المدينة
ولم تعلق ، لو أنها من طلبها أو لمح لذلك ما اشتريتها لها ،
لقد كان واضحا ذلك على نظراتها وسألت البائع عن ثمنها
وكانت تحصي ما لديها دون أن ينتبه أحد ومن ملامحها المحبطة
كان واضحا أنها كالحلم بعيد المنال بالنسبة لها لذلك أرادت
تحقيقه لها وإن لم يكن من مالها فالذنب ذنبه وليس ذنبها هي ،
تابع مبتسما حين لم تعلق
" ثم هي تستحق ذلك فهي صديقة طفولة بالنسبة لعائلتنا ، لابد
وأنك استمتعت برفقتها فهي فتاة مرحلة بمزاج جيد طوال
الوقت تقريبا "
نظرت له وقالت
" بل صريحة وواضحة لا تعرف منافقة أحد وليست تهتم لرأي
الناس بأرائها فيهم "
وتابعت وقد عادت بنظرها للأسفل
" حتى أنها تدم شقيقك المفضل أمامك دون أن تهتم "
قال مبتسما يراقب ملامحها وجفناها المسدلان للأسفل وذاك الشعر
الحريري المتدلي بانثنائة مميزة على كتفيها كستائر فاخرة
" هي ورواح كالزيت والماء دائما ومنذ طفولتهما ولست ألومها
فذاك المزعج السبب رغم أن مشاعره نحوها لا تشبه مشاعرها
أبدا فبعض الرجال قد يتخذ أساليب غريبة بل ورهيبة ليعبر عن
مشاعره للطرف الآخر "
رفعت نظرها له وقالت
" تعني أنه يحبها ؟ "
حرك كتفيه وقال ونظره يراقب النادل الذي بدأ بوضع أطباق
المقبلات والسلطة أمامهما
" اجزم بذلك رغم أننا لم نتطرق للحديث عن الأمر سابقا فهو
من ورائها لا يتوقف عن ترديد أنها رائعة ومدهشة وشهية "
نقلت نظرها منه للطبق تحتها وتمتمت بضيق
" يبدوا أنك بت تخلط بين الطعام وشقيقك "
اكتفى بضحكة صغيرة ولم يعلق وتجنب إحراجها أكثر فاللوم يقع
على عاتقه وليس يعلم كيف خرجت منه تلك الكلمة ! قال وهو يملأ
طبقه من الأرز الموزع حول سمكة الكافيار المشوية وزينه بقطعة
كبيرة منها
" هذا مطعمي الانجليزي المفضل وستفهمين ذلك ما أن
تتناولي هذا "
ورفع طبقها واضعا طبقه مكانه وبدأ بملئه لنفسه فرفعت
الملعقة وقالت ببرود تحرك الأرز بها
" أتقيد نفسك بالطعام البحري فقط لتكون في مطعم انجليزي
مشهور ؟"
حرك رأسه مبتسما فهذه المرأة تغذي نفسها بإهاناتها له
بالتأكيد لكنها لم تعرفه جيدا على ما يبدوا رغم كل ما علمته
عنه ، قال بليونته المعتادة وهو يضيف لطبقه بعض السلطة
" بل أرتاده وقت اجتماعات العمل وبرفقة أصدقائي في مكتب
المدعي العام أو أحد المحامين فقط وغير ذلك فالمطاعم العربية
هي وجهتي يوميا فأنا لا أغادر لندن وقت الغداء أغلب الأحيان "
وتابع مبتسما وقد رفع نظره لها ومن قبل أن تعلق
" وطبعا جلبتك له وأنتي لست انجليزية لأني أحب هدوئه
وإطلالته الرائعة "
لم تعلق وغرفت بملعقتها وأكلت وما أن بدأت بمضغ ذاك الأرز
مع السمك اكتشفت بأنه مميز بالفعل فلم تتذوق طعاما كهذا من
قبل بكل ذاك النضج والليونة وتناسق المكونات فانسجمت في
الأكل بصمت لا تقاوم الملعقة بعد سابقتها وإن كانت تأكل ببطء
ولباقة وساد الصمت بينهما فكان نظرها ينتقل بين طعامها
وتلك المناظر التي يطل عليها المطعم من كل جانب بينما نظر
الجالس أمامه انحصر عليها لا يستطيع أن يوقف عقله عن
التفكير في خبايا جريمة ماضيها تلك ، حين كانت في العاشرة
كانوا هم هنا لم يسافر أحد منهم لبلادهم أبدا كان عمره حينها
أربعة وعشرون عاما وكان على خط النجاح والشهرة في عمله
كمحام بينما كان جده يعقد أهم صفقة في تاريخ تجارتهم وكانت
مملكتهم في أوج ازدهارها بينما هي أين ؟ في ماض تحول لمأساة
لجرائم متراكمة ولطفلة عانت المرارة حتى أنها دخلت المحاكم
وقضت باقي سنوات حياتها في مصح نفسي .. ماتت جدتها
أمام عينيها ثم والدتها ومحترقة أمامها وما خفي كان أعظم
ويلومونها على حقدها عليهم ؟ ماذا يتوقعون منها وهم عاشوا
متجاهلين وجودها وما عانته وتعانيه بينما من حقها أن تكون
كأي واحد منهم فلم تجد ولا شخصا يوفر لها الحماية والطمأنينة ..
أبسط متطلبات الحياة .
أخرجه رنين هاتفه من بحر أفكاره العميق ذاك فنظر له على
الطاولة أمامه قبل أن يرفعه مجيبا ودخل في حديث مطول مع
أحد وكلاء النيابة العامة في محكمته عن آخر دعوى جزائية
وما أثرت به على سير عملهم وآخر قضية أثارت جدلا واسعا
اليومين الماضيين وشغل نظره بكل شيء عدا الجالسة أمامه
والتي لاحظ أن نظرها واهتمامها بات منصبا عليه وعلى ما يقول
وهذا ما لم تفعله سابقا ولا حتى في مكالماته في طريقهما للندن ،
ما أن أنهى مكالمته تلك أعاد هاتفه مكانه وعاد لتناول الطعام
نصف تركيزه مع التي شغلت نفسها بشرب المشروب ونظرها
قد أصبح شاردا في الفراغ لا يفهم ما تفكر فيه تحديدا لكنه
متيقن من أنه يدور في مربع واحد ( ماضيها وجريمته .. القضاء
والدعاوى الجنائية ) فالقضية التي ناقشاها نهاية المكالمة كانت
تشابه في بعدين منها لقضيتها ( القتل العمد مع توفر الأسباب
وصمت المتهم عن الدفاع عن نفسه ) كانت قضية هزت الرأي
العام كاملا الأسبوع الماضي وليس النيابة العامة فقط خاصة
أن الجاني زوجة رجل سياسي يشغل مقعدا في البرلمان الحاكم
والمجني عليه هو الزوج نفسه .
" أيدافع المحامي عن مذنب فقط من أجل المال والشهرة ؟"
استقام في جلسته ونظر لها فها قد وصل لأعمق نقطة في
بحرها الغامض العميق وحرك سكون عواصفه أخيرا ولن يضيع
هذه الفرصة أبدا لأنها لن تتاح له دائما بل يشك بأن تتاح له
مجددا بسبب تكتمها الشديد عن ذاك الجزء من ماضيها حتى
أمام القضاء ومحامي الدفاع عنها في لجنة المحلفين سابقا فأن
تثق به وإن للحديث حول الأمر من نقاط بعيدة قليلا أمر لن يتكرر
وعليه أن يستغله بذكاء ، قال ونظره لم يفارق عيناها
" تقصدين بوجه عام أم السؤال موجه لي خصيصا يا زيزفون ؟"
غابت بنظرها للشوكة التي حركت بها طبق السلطة بجانبها قائلة
" اعتبره كليهما "
ابتسم وقال فورا
" ثمة محامين وكبار أيضا يترافعون عن مجرمين وهم متأكدين
من إدانتهم ويزجون أبرياء بالمقابل في السجون للدفاع عن رجل
سياسة أو أعمال أو مافيا لكن أنا لا قطعا ولا من أجل أي مبلغ
مهما كان ضخما "
رفعت نظرها له مجددا وقالت
" وإن كان المدان شخص يصعب أن ... ؟ "
غضن جبينه وتصلب ظهره ليس بسبب نظراتها التي ارتفعت
فوق رأسه فور قطعها لحديثها الأهم في حوارهما ذاك بل وبسبب
اليد التي لامست ظهره تلاها ذاك الصوت الأنثوي الرقيق
" وقاص أنت هنا ؟ "
نظر للأعلى حيث تلك العينان الخضراء العشبية والابتسامة
الأنيقة ووقف على طوله مبتسما بتكلف لا يعرف أيضحك أم
يسخر من قدره حين جلب له من قطع طريقه للوصول لماضي
تلك المرأة الدفين !
قال بابتسامة مقتضبة
" مرحبا إيلينا "
ابتسمت تلك من فورها وأراحت يدها على كتفه قبل أن ترفع
جسدها على رؤوس أصابعها وطبعت قبلة صغيرة على خده غير
مبالية بصدوده المعتاد وهو من حذرها سابقا من التمادي في
علاقتهما وتحت أي مسمى كان وبأن ما هو عادي لديهم كقبلة
التحية تلك هو غير ذلك لديه ويرفضه لكنها تجد عذرا في كل
مرة كالصداقة والتعود والنسيان ولم يرى ذلك في غير محله كما
اليوم .
قالت مبتسمة ونظرها معلق في عينيه
" لم أرك من فترة ولا تجيب على اتصالات سوى بتلك المراسلات
المملة بأنك مشغول ... اشتقت لك وقاص "
فرك جبينه بأصابعه خافضا رأسه للأسفل قبل أن ينظر للتي كانت
تنظر لطبقها تحرك الملعقة فيه بعشوائية وتنفس بعمق وقال وقد
عاد بنظره لها
" كنت مشغولا بالفعل الفترة الماضية في مبنى النيابة وبالكاد
أزور المنزل وقت النوم ... ما أخبارك أنتي ؟ "
أمالت رأسها قائلة بابتسامة
" اشتقت لك فقط "
فضل ألا يعلق مجددا لأنه خمن سبب تصرفها ذاك وقال معرفا
إياها بالتي أخذتها أفكارها بعيدا بسبب وجودها معه
" هذه زيزفون ابنة عمي "
نظرت ناحيتها بصدمة هذه المرة عكس الطريقة التي نظرت لها
بها وقت دخولها ورؤيتها معه وقالت وقد عادت بنظرها له
" أهذه ابنة عمك الخرساء ؟! "
تنهد بقوة قائلا
" زيزفون ليست ... "
وقطع حديثه ذاك الصوت الذي رن مرتفعا بسبب ضرب الجالسة
أمامهما لملعقتها على الصحن في إشارة فهمها فورا رغم أنها
كانت لاتزال تشغل نظرها عنه للأسفل ، إن تجاهلها وادعى عدم
الفهم يعلم ما ستكون النتيجة وأي فكرة تلك التي ستأخذها عنه
خاصة بعد حديثها الأخير عن أنها حبيبته ونكرانه لذلك وكأنها
تقول له أثبت ذلك الآن ، قال مشيرا بيده
" تفضلي اجلسي معنا إيلينا "
سحبت الكرسي بجانب كرسيه فورا وجلست فتنهد بقلة حيلة
وجلس أيضا متجنبا النظر للجالسة مقابلة لهما فمهما شرح
وفسر عن حدود علاقته بإيلينا لن يفهمه أحد ، لا ينكر أن ما
تحمله له يعاكس تماما ما يشعر به ناحيتها لكنها فتاة عاشت
طفولة مشتتة ورأت نوعا ما فيه ذاك الشيء الذي سيجمع
شتاتها فأصبحت تحيك حوله أحلاما وردية بالاستقرار والعائلة
والحنان المفقود وكانت صدمتها بزواجه عنيفة اجتازتها بازديادها
تعلقا به ثم وفاة جوش شقيقها المقرب فأصبحت تكتفي وإن بالقليل
كالصداقة الصورية ومشاعر مكبوتة لا تمانع في إخراجها للسطح
غالبا متجاهلة حتى ردود أفعاله الرافضة رغم اقتناعها تماما
بمشاعره نحوها إلا أنها لازالت تردد بأنه ثمة أمل في أن تتغير
نظرته لها .
رفعت يدها معتذرة حين رفع الطبق أمامها ليسكب لها الطعام
فيه ونظراتها كانت مركزة هذه المرة على الجالسة تأكل صلصة
السمك بتأني لا تنظر جهتهما وكأنهما ليسا موجودين تبعد
بيدها الأخرى شعرها الذي انساب متمردا على قوس الشعر
منحن فوقه كي لي يضايقها وهي تأكل أو ينزل على أطباق
الطعام تحتها .
" خرسها دائم أم عرضي وثمة أمل أن تشفى منه ؟ "
نظر لصاحبة السؤال والتي كانت تحدق به قبل أن يعود بنظره
للتي كانت تنظر له أيضا هذه المرة وحركت الملعقة قرب
وجهها تنظر له بتحد فهم مغزاه سريعا فزينت ابتسامة خفيفة
شفتيها وقال ونظره لم يفارقها
" بلى ثمة أمل "
ضربت حينها بقبضتها على الطاولة قائلة بضيق
" لا ليس عربية أخرى يا وقاص "
نظر لها باستهجان فسبقته قائلة بأسى قبل أن يعلق
" أعلم بأن زوجتك في منزل والدها من فترة وكنت متأكدة
من انفصالكما القريب فلن تفعلها وتقتلني مرة أخرى وبعربية
أخرى يا وقاص "
قال بضيق
" إيلينا أنا لم .... "
قاطعته بأسى
" أعلم أنك لم تعدني بشيء لكن قلبي يرفض الاقتناع وأنت
تقتله مرارا وتكرارا من قبيحة غبية لخرساء مريضة وتتجاهلني
وكأني لست موجودة "
قال بضيق من انفلات مشاعرها هذه المرة وعلى غير العادة
" إيلينا تعلمين جيدا بأن زيزفون متزوجة ومن شقيقي أيضا
وأنا متزوج ... "
قاطعته بضيق
" لكنه يضربها ورجل سيء جدا وأعرفك لن تتركها زوجة له
أبدا ، كنت أرى جيدا نظراتك ل...."
" إيليناااا .... "
صرخته بإسمها جعلتها تصمت رغم بحر الدموع الذي طفا فوق
مقلتيها الخضراء بل وجعلت الرؤوس حولهم تلتفت جهتهم
بفضول فدفعت زيزفون كرسيها ووقفت ونظرت لها مباشرة
فمرر الجالس أمامها أصابعه في شعره متنهدا بعجز فهو
يعرف جيدا هذه القطة البرية ويعلم ما تعنيه نظرتها تلك وما
ستكون تبعاتها ولم تخنه توقعاته أبدا وقد أهدتها تلك الابتسامة
الساخرة بل والقاتلة وقالت
" قال لك بأنه متزوج وأنك خارج مخططاته إن كان البديل
أنا أو أي امرأة أخرى فهي ليست أنت بالتأكيد ... ألا كرامة لديك ؟ "
وتابعت دون اكتراث لنظراتها المصدومة
" ثم الخرساء المريضة لا تهتم لأمر حبيبك هذا ولا شقيقه فابحثي
عن غيري تلصقي فشلك العاطفي به "
أنهت عبارتها تلك وغادرت فوقف وقاص فورا وتبعها مسرعا
ينادي باسمها تاركا تلك النظرات الفضولية تنحصر جهة
الجالسة مكانها ودموعها قد وجدت سبيلها فوق وجنتيها
فصرخت تفرغ غضبها في المجهول
" انظروا لأطباقكم "
وأخفت وجهها في يديها مجهشة بالبكاء ولم تشعر ولا بالذي
جلس مكان من غادر منذ قليل حتى أحاطها بذراعيه فنامت في
حضنه باكية .. من نسيت تماما أنها كانت برفقته منذ قليل وأنها
تركته ينتظرها عند تلك الطاولة وحيدا .
قبل رأسها وقال يضمها لحضنه أكثر
" إيلينا عليك إخراج ذاك الرجل من قلبك فها هو أمامك الآن
غادر خلف تلك الفتاة وتركك رغم أنها من أهانتك وأمام الجميع ،
لو كان يحبك لبقي ليعتذر منك على الأقل ولو كان الموقف
معاكسا لبقي معها هي وتركك تغادرين وحدك بالتأكيد "
ابتعدت عن حضنه بعنف صارخة في وجهه
" أنت لا شأن لك في هذا أتفهم ؟"
ثم وقفت وغادرت المكان بخطوات غاضبة بعدما مرت بحقيبتها
عند طاولتهم السابقة .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 70 others like this.
رد مع اقتباس
#6290
قديم 16-01-18, 01:08 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
أشار بإصبعه على الورقة الكبيرة المفرودة على الطاولة
بينهما وقال
" من هنا مد خط الأنابيب سيكون مستحيلا ، ستتعرض للأضرار
المستمرة بسبب حركة السيارت وإن حفر لها عميقا بعض الشيء
فكثر يتجاهلون هذه النقطة خاصة أن الطريق ليس معبدا وهو
زراعي رخو أغلب أيام السنة بسبب الأمطار القوية ومثلما
جرفت المياه الطريق الشمالي سابقا فقد تفعلها هنا أيضا
خاصة مع عبث البعض بخط سيرها الطبيعي وقت نزول الأمطار
ليستفيدوا من ري الأراضي في خط عبورها "
وتابع وقد حرك إصبعه للجهة الأخرى
" هنا خط أنابيب الدولة الرئيسي وقطعه والامداد منه كما يفعل
الكثيرين معناه مخالفة محتجزة لوقت لا أراه سيكون بعيدا ولن
يغفل ابن شاهين عن مشاكل الجنوب طويلا فهو ذاته لن يتغير
فتجنبها سيجنبكم مساءلات قانونية أنتم في غنى عنها مستقبلا
وتعويضات للأهالي وغرامات ومشاكل لا حصر لها ، ولست
أنصحكم باتباع فكرة الآبار وسحب المياه الجوفية لأن فعل ذلك
بدون انتظام وإذن مصرح ورسمي وكميات محددة ستكون
جريمة أسوأ من سابقتها "
كتف الجالس مقابلا له ساعديه على الطاولة مستندا بها وقال
ناظرا له
" وكيف سنوفر المياه للمشروع إذا ؟ لست أنكر أن تفكيرك
منطقي وسليم بل وذكي لكنك سددت جميع السبل أمامنا هكذا "
سحب ورقته وقال وهو يلفها
" ثمة من يلجأون لتنقية مياه الصرف الصحي كبدائل ومن ثم
استخدامها في الري لكنه أمر مكلف إن لم تكن الدولة داعما
له فخسائركم ستكون أكبر من أرباح المشروع خاصة مع الحاجة
الدائمة لصيانة المصافي والمضخات "
وتابع وقد وضعها جانبا
" ومع مشكلة عدم المساواة في مد أنابيب الري وعدم اتفاق
أهالي هذه البلدان بشأن ذلك وتضرر الأراضي من الأمطار
أكثر من استفادتها منها فالحلول محصورة بل شبه مستحيلة
إلا بفكرة جديدة غير تلك جميعها "
قال باهتمام
" أجل هذا ما كنت متأكد منه أنك لم تلحظ كل هذه الثغر القانونية
إلا ولديك حل للمشكلة وأنا واثق من أفكارك وذكائك "
قال فورا
" ثمة حل سينهض بشركتكم ليس هنا فقط بل وفي جميع أنحاء
البلاد لأنه سيكون حلا ليس لكم وحدكم فقط بل ولجميع أهالي
الجنوب ، سيحتاج فقط لصبر وجهد وتعاون وموسم الأمطار
القادم يكون التطبيق الفعلي للمشروع وأنا على استعداد لشرح
فكرتي والاختراع الذي سيتم به التنفيذ وأنت لك أن تقبل أو
ترفض ذلك "
أومأ ذاك برأسه قائلا
" قل ما لديك وأنا متأكد من أني لن أرفضها إلا إن وقفت قبيلة
غيلوان ضد فكرتك فلا شيء يحدث هنا خارج موافقتهم "
أومأ له بحسنا وبدأ بشرح فكرته والاختراع الذي يأمل أن
تتبناه هذه الشركة فهو اضطر للمبيت هنا ليلة البارحة ليلتقي
بمديرها لأنه لم يكن موجودا يوم أمس وقد لا يجد فرصة أخرى
مواتية كهذه لأنه لا يزورها إلا أياما معدودة في الشهر تاركا
إدارتها لنائبه وكان يريد التحدث معه مباشرة ليس أن ينقل
له ذاك الرجل أفكاره فذاك لن يجدي .
وقفا كليهما ما أن انتهى وصافحه شاكرا له وممتنا لله أن رآى
نظرات الرضا في عينيه وهو يخبره بأن يقدم له تقريرا
بفكرته كاملة بعد دراسة للمكان مع المهندس الجيلوجي للشركة ،
وما طمأنه أيضا بأنه قال بأن اسمه سيوثق في كل خطوة
يقومون بها وإن نجح اختراعه يضمن بذلك بأنه سيحمل
اسمه وللأبد .
خرج بعدها من مبنى الشركة ووقف أمام سيارته الحوض التي
اشتراها من هنا ويتركها حيث المنزل الذي استأجره كلما غادر
ونظر لمبنى تلك الشركة الذي يأخذ سقفها شكلا منحنيا مائلا
وهي أشهر شركة زراعية في جنوب البلاد وفرصة عمله فيها
لا تعوض وما كان يستطيع تضييعها فلن يساعده والد أبان في
هذا كل مرة فوحدهم من يمكنهم تبني اختراعه بل وتحقيقه
أو سيبقى حلما منسيا كباقي أحلامه .
رفع نظره عاليا للسماء تتبع نظراته هدير الطائرة المدنية التي
وصله صوتها بعدها وابتسم بألم فكأنها مرت من هنا والآن
تحديدا لتذكره بواقعه الأليم ، ما كان لأمثاله أن يحلموا بما لا
يمكنهم أن ينالوه يوما فحتى إن لم يعترض والده ما كان
ليستطيع تحمل تكاليف كلية الطيران فهذا بالنسبة له كحلم
الدجاجة بالطيران ، لكن من هذا الذي يمكنه التحكم في أحلامه
وطموحاته ... لو تركه والده فقط يحاول تحقيقه كان سيحرث
الأرض ليخرج بالمال وينهي دراسته بدلا من أن يضيع ذكائه
ومستقبله في دراسة الهندسة الزراعية كما اختار هو له أحب
أم كره ذلك وكأنه يملك نصف أراضي البلاد ليجبره على دراستها !
فكل ما فعله حين تخرج أن قال له ( أرضنا تنتظرك إذا )
وهل كانت تلك الأرض تحتاج لدراسة الهندسة الزاعية !!
تنهد مستغفرا الله وفتح باب سيارته وركبها وغادر فلا أحد
يعلم الخير والشر في الأمر إلا الله وعساه يكون خيرا له ،
المهم الآن أن يستقر هنا فلن يسمحوا له بالعمل دائما ليومين
في الأسبوع فالمهلة التي أعطوه إياها تكاد تنقضي ولا يمكنه
ترك يمامة حتى يضمن أنها وصلت لمنزل زوجها فمن يعلم الغيب
وما خفي فيه .
شقت سيارته الطريق الترابي وسط حقول الشعير التي كانت
كبساط أخضر متموج تحت أشعة شمس الصباح الباكر فمن كان
يتوقع أن يعيش يوما في جنوب الحالك وهو من الهازان !
هل درس الهندسة الزراعية فقط ليحمله قدره إلى هنا ؟
ترى ما تخفي له تلك البلدة التي لم يفكر في زيارتها يوما ؟
خفف سرعة سيارته ينظر باستغراب لتجمع بعض العمال والصراخ
المريب عند طرف أحد الحقول فأوقف السيارة ونزل منها وركض
جهتهم وما أن وصل عندهم وقف ينظر بصدمة للشاب الذي كان
يفترش الأرض وساقه تنزف وأحدهم يمسك له الجرح بعمامته
بقوة وهو يصرخ متألما فقال
" ما به ؟"
التفت له الجالس قربه وقال رافعا رأسه له
" جرحته آلة التسطير "
قال بصدمة
" ولما هو هنا ؟ علينا أخذه للمستشفى حالا "
قال أحدهم
" ذهب شانجو لإبلاغ أصحاب الأرض وليجلبوا من يأخذه
لمستشفى القرية "
أشار بيده قائلا بضيق
" وتنتظرونه حتى يذهب ويجلب أحدهم ؟ وأين يكون أصحاب
الأرض هؤلاء ؟"
قال الآخر بامتعاض
" في الطرف الآخر من البلدة حيث مزارعهم المثمرة "
صرخ فيه بصدمة
" وذهب لهم على قدميه ؟"
نظروا لبعضهم ولم يعلق أحد منهم فأشار للمرمي على الأرض وقال
" وتتركوه هنا حتى متى ؟ "
لم يعلق أي منهم أيضا فقال
" هيا علينا نقله للسيارة سآخذه للمستشفى "
وقف الجالس عند رأسه وقال
" لا نستطيع "
نقل نظره بينهم وقال باستغراب
" كيف لا تستطيعون أتتركونه يموت هكذا ؟ "
قال أحدهم بقلة حيلة
" مالكي الأراضي لا يسمحون بذلك وسيأتي أحدهم لأخذه فهم
يمرون هنا من وقت لآخر وإن وصل لهم شانجو قبل ذلك
سيرسلون معه سيارة "
صرخ فيه بحدة
" والتي معي سيارة أيضا فقد لا يصل الذي تتحدثون عنه ،
وإن وصل سيكون بعد أكثر من ساعتين ، أي عبودية واستبداد
هذا الذي ترضون به ؟ بأي حق يهملون حقوقكم هكذا؟"
قال أحدهم بقلة حيلة
" هذه إحدى أراضي شعيب غيلوان وأشقائه وهم لن يعجبهم
أبدا أن نخالف أومرهم ولن يعطوا المال لأي منا هذا الشهر إن ... "
قاطعه بضيق
" من أجل حفنة نقود تسلمونهم أعناقكم بل وتتخلون عن بعضكم !
هيا احملوه للسيارة أنا من سيأخذه بنفسي وليفعلوا ما يحلوا لهم "
حملوه ووضعوه معه في السيارة وغادر به من هناك وحيدا فلن
يرضى أي منهم بزج نفسه في العقاب كما يسمونه ، بأي حق
يعاملوهم هكذا فقط لأنهم عمال لديهم ؟ أمازلنا نفكر ونتصرف
بعنصرية وكأننا لم نجتز عصور الجاهلية والأسود عبد للأبيض
وخادم لديه ! ما ذنبهم إن قادتهم الحاجة لمغادرة بلدانهم وأهلهم
للعمل لدى من هم ليسوا أفضل منهم في شيء فالأرزاق رب العباد
كما يعطيها يأخذها والسيد يجعله عبدا بين ليلة وضحاها .
كان ينظر له كل حين وهو يئن من الألم ممسكا فخذ ساقه
المصابة ويحاول أن يسرع قدر استطاعته فهو لا يعلم منذ
متى اصيب وكم نزف من دماء وقد يغمى عليه في أي وقت
ويبدوا جرحه بليغا وهذا هو المتوقع من تلك الآلآت الزراعية .
وصل مستشفى البلدة الذي لا يقل عن باقي مبانيها المتواضعة
غير أنه وضع أساسات المستشفى الجديد حديثا بعث الأمل في
قلوب ساكنيها بتحسن وضعها الصحي كي لا يضطروا لنقل
مرضاهم دائما لمدن أخرى أقرب لهم وأكثر كثافة وتعداد سكاني
فأصحاب الأراضي هنا لا يمكنهم تركها والعيش في المدن
وكان على الدولة أن لا تهمل حاجياتهم الأساسية هكذا فحتى
المدارس تقتصر على المراحل الابتدائية فقط وهذا ما يتم معالجته
حديثا أيضا ببناء مدرسة كبيرة وحديثة وجلب الأطباء والمعلمين
وهو ما يرى مطر شاهين عازما عليه بل وبدأ بتنفيذه أيضا فقد
أعطى أمرا ببناء مئة مستشفى ومئتي مدرسة في المدن الريفية
في البلاد والمشاريع يجب إتمامها قبل نهاية العام وها هو العمل
عليها على قدم وساق وكان من الرائع أن يلتفت لاحتياجات هذه
المناطق للصحة والتعليم وبسرعة هكذا ، ولازالت الناس تأمل بأن
تحل باقي مشاكلهم العالقة ويراه يبدأ بالأهم فالأهم فكم من نساء
هنا تموت هي أو مولودها أو كلاهما معا بسبب التأخر في
إيصالها لمناطق بعيدة بسبب المسافة أو وعورة الطريق
خاصة في وقت الأمطار الغزيرة وكذلك الأطفال المصابين
بالحمى ولدغات الأفاعي والحوادث الخطرة والجلطات الدماغية
وغيرها الكثير يموت الناس هنا طوال العام بسببها ويصابون
بعاهات مستديمة لأنه لا يتوفر لديهم مستشفى مجهز تجهيزا
كاملا وكوادر طبية مختصة ، وكذلك بالنسبة للمدارس فالجهل
متفشي في هذه المناطق لرفض الكثير من الأباء إرسال أبنائهم
أو الانتقال خارجها لاجتياز مراحل ما بعد الابتدائية وخاصة
الفتيات ، وحسب ما سمعه سيكون التعليم هنا إلزاميا يحاسب
عليه القانون وسيتم مراقبة دراسة الأطفال من خلال ملفاتهم في
الدولة أي لا أحد يستطيع إخفاء أحد أبنائه أو حتى إجباره على
عدم الدراسة ، وبما أن أبان من قال هذا فهو ليس محض
شائعات وكم تمنى لو يلتقي بذاك الرجل مطر شاهين ليقبل
رأسه على صنيعه هذا بل ليته فعلها قبل أعوام لما كانت شقيقته
حرمت من دراستها وبقيت حسرة في قلبه حتى يموت ، ولن
يستغرب هذا منه فحسب ما تحدث عنه أبان في آخر لقاء لهما
بأن والدته توفيت وهي تنجبه ولم يستطيعوا إنقاذها بسبب الأمطار
والصحة المتدنية أيام الحرب الأهلية في البلاد ولم يتركه والده
يذهب للمدرسة رغم مقدرته وقتها على ذلك ووجودها فهو
عانى مما يعاني منه الكثيرين هنا ويعلم معنى احتياجهم لكل
هذا ولم يهمله أبدا حين اعتلى عرش السلطة وترفع عن مشاكل
من هم أقل منه ، وحتى الثنانين المهملين المهمشين في أي بلاد
يكونون فيها رفع حقوقهم لمستوى باقي أبناء البلاد من قبل أن
يغادرها ، وحربه الشرسة الآن ضد القانون ذاته واقفا في صف
من لم تنصفهم القوانين الوضعية السابقة أبدا وأصحاب الحقوق
المهدورة وعلى رأسهم اللقطاء والأيتام وضحايا العنف الأسري
والزواج القسري والتحرش الجنسي فالعظيم يبقى عظيما
والشريف يبقى شريفا لا يغيره جاه ولا مال .
وآخر مفاجأاته كانت قوانينه الجديدة فيما يخص سن زواج الفتيات
وهو يلغي قانون تحديد سن الزواج وضاربا بيد من حديد في ذات
الوقت كل من تسول له نفسه استغلال تلك النقطة فكل من تتزوج
تحت سن السابعة عشرة القانون من يحدد مهرها ويسلم لها
قانونيا وكذلك مؤخرها وحدد لها نفقة خاصة حال طلاقها
أو ترملها وتعويضا ماليا خياليا لمن تطلق منهن إن بطلب منها
أو من الزوج وطلاقها لا يتم إلا بجلسات محاكمة لإتباث حقها
أو إسقاطه ، ونفقتها لا تسقط حال الطلاق وأبنائها نفقتهم تحدد
حسب راتب الزوج وليس بالمتعارف عليه في المحاكم وحضانة
أبنائها من حقها كما أن قضاياهم تتكفل البلاد بنصف أتعابها أي
أنه كل من يفكر في أن يتزوج قاصرا سيكون عليه التفكير ألف
مرة في عواقب فشل زواجه ذاك وتحت أي سبب كان .
وصلا المستشفى ونزل وحده وركض للداخل وما أن اجتاز بابه
الحديدي قال لأول ممرضة قابلته
" ثمة عامل مصاب في سيارتي أريد من يساعدني في نقله "
تحركت من فورها مسرعة وقالت راكضة في الممر
" اركن سيارتك قرب الباب هنا "
فخرج مسرعا وقربها أكثر فهي لم تكن بعيدة أساسا وما أن
نزل منها خرجت ممرضتان بكرسي متحرك وهذا ما توقعه
شح الإمكانيات في هذا المكان فكيف سيستقبلون حالات الحوادث
الخطرة والمميتة ؟ ساعدهما في وضعه على الكرسي وأدخلتاه
وهو يتبعهم ووقف في الممر فعليه إعادته من حيث أحضره بعد
أن يخيطوا له الجرح كي لا يعاقب من أسياده أولئك طبعا ...
قبائل غيلوان والمدعو شعيب عبد المجيد غيلوان تحديدا
وعائلته بات لا يسمع ويعلم عنهم إلا السيء والأسوأ وكم
يخشى من فكرة تأجيره ضمن أراضيهم لكنه يثق في أبان
وفي ثقته في صديقه أويس ذاك وبلسانه قال له
( لا تقارن أي فرد في تلك القبيلة أو العائلة به فهو رجل
شريف تأذى منهم كل الأذى فلن يكون شبيها بهم أبدا )
أخرجه من أفكاره دخول ثلاث ممرضات للغرفة التي أدخلوه
لها وجلس هو في الخارج ينظر لساعته كل حين فهو أيضا
لا يريد التأخر في العودة لمنزلهم وما يطمئنه أن والده في
هذا اليوم من كل أسبوع يخرج من قبل أذان الفجر لسوق
الخضروات الرئيسي في غرير ولا يرجع حتى أذان العصر
وسيكون وصل قبله إن لم يعطلوه هنا كثيرا فلن يلحظ غيابه
لا البارحة ولا اليوم وزوجته ستظنه كان معه .
بعد لحظات من جلوسه بدأت الممرضات بالخروج تباعا من تلك
الغرفة وبدأ البحث عن واحدة اسمها فجر وقد بات اسمها يتردد
على طول ذاك الممر بل وتم استقبالها من باب المستشفى
ونظراته تتبع حركتهم وقد عادوا لتلك الغرفة مجددا فيبدوا بأن
جرح ذاك الرجل بليغ وثمة تمزق في الأوردة وحالته لا يقدر
عليها أحد غير تلك الممرضة .
*
*
*
وقف على طوله ما أن خرجت التي دخلت خصيصا لتخيط جرحه
فهو جالس هنا ينتظر من ساعتين تقريبا ، قال قبل أن تغادر
التي يبدوا لم تنتبه أساسا لوجوده أو لم تهتم
" عذرا يا آنسة "
وقفت والتفتت له وتنقلت نظراتها في ملامحه فورا من عيناه
الرماديتان بلون الفضة النقية وبياض بشرته الذي كان عكس
قبائلهم بياض تشوبه حمرة خفيفة ومميزة وصولا لشعره المائل
للكستنائي ، هذا ليس من الجنوب ! ابتسمت ابتسامة واسعة
جعلته ينظر لها باستغراب وليس يعلم بأنها أدخلته حاليا
لحاسوب عقلها ويتم فحصه والتأكد من باقي بياناته فلم تهتم
بوجوده سابقا وظنت بأنه أحد مالكي الأراضي أحضره إلى هنا ،
قالت سريعا
" أنت جلبته ؟"
أومأ برأسه بنعم وقال
" كيف هي حالته ؟ هل يمكنني إعادته لمكان عمله ؟"
حركت رأسها برفض قائلة
" مستحيل فجرحه بليغ ولولا إحضارك له سريعا لكان سيفقد
ساقه ولا يمكنه الحركة قبل ست ساعات ثم نقله لمكان يرتاح فيه
ولا يتحرك حتى يلتئم الجرح نسبيا "
وتابعت قبل أن يعلق
" أنت لست من هنا أليس كذلك ؟ "
قال مومئا برأسه
" نعم وعليا إعادته من حيث جئت به قبل أن يتسبب له مالك
الحقل بمشكلة "
رفعت كتفيها قائلة
" أنت من قد يصبح في مشكلة فما فهمته منه أنه يعلم في
أراضي عائلة غيلوان "
قال بضيق
" وما الذي كنت لأفعله مثلا أتركه ينزف حتى يموت هناك ؟
فليفعلوا ما يحلوا لهم وإن قتلوني فعلى الأقل أموت مرتاح الضمير ..
ما هذ الاجحاف هل هم عبيد لديهم ؟"
سرت أساريرها وقالت بسعادة
" وجدتك أخيرا "
نظر لها باستغراب فقالت مبتسمة ببلاهة تدس يدها في جيب
معطفها وقد أخرجت منه ذاك الشيء الحديدي اللامع
" وجدت المشرط الذي كنت أبحث عنه منذ وقت وحمدا لله في
الوقت المناسب تماما بل وبدل الضائع "
كانت نظراته المستغربة تزداد حيرة وشعر للحظة بأنها مجنونة
لا محالة ، لوحت بيدها قائلة
" بما أنه وصل هنا فيستحيل إخراجه ثم أنت في مشكلة في
جميع الأحوال إن أعدته أو تركته لذلك سيكون بقائه أفضل له
وواجه أنت قدرك "
قال بضيق مغادرا من هناك
" فليفعلوا ما يحلوا لهم ، ما كل هذا الاضطهاد والجهل ؟"
راقبته نظراتها المتفاجئة وهو يبتعد حتى خرج من باب المشفى
ثم ضمت يديها لصدرها قائلة بسعادة
" هذا هو منقذك يا مايرين سقط علينا من السماء أخيرا "
*
*
*
فتحت باب المنزل ببطء مطمئنة بأن سيارة أويس ليست في
الخارج رغم أنها تخشى قدومه في أي لحظة فهي تدخل هنا
لوالدته من دون علمه كما أنها تأتي من دون علم والدتها
وأشقائها ، فقط شقيقتها فيحاء من تعلم بمجيئها لها كما لم
تخبرها بأن أويس لا يعلم كي لا تمنعها من المجيء .
دفعت باب الغرفة ونظرت داخلها وابتسمت بحزن ما أن وقع
نظرها على النائمة على فراش أرضي بدون حتى غطاء مسبحتها
لازالت في يدها وسجادة الصلاة مفرودة قربها فاقتربت منها وسحبت
اللحاف الملقى تحت قدميها على جسدها وقبلت رأسها وجلست عنده
تنظر لها بحزن ، هذه ليست عمتها فقط بل ووالدتها التي أرضعتها
صغيرة مع ابنها الذي بات ينكر حتى الحليب الذي رضعاه سويا ...
ومن يستطيع لومه في ذلك ؟
في صغرها رفضت حليب والدتها بينما فيحاء قبلته فأرضعتها
عمتها الوحيدة كي لا تموت جوعا ، ابتسمت ما أن تذكرت في
طفولتهم حين كانت تمازحها قائلة
( يالك من شقيقة رجال فما قبلت حليبي إلا لأنه بمشاركة مولود ذكر )
مسحت على شعرها الذي بالكاد ظهرت فيه شعرات بيضاء رغم
أنها في الخامسة والخمسين من عمرها تنظر بعينان دامعة
لملامحها المسترخية وجفناها المحمران من تأثير العلاج أو
ليست تعلم قد يكون البكاء وكأنها لم تبكي كل تلك الأعوام
حتى فقدت بصرها ، كم يتقطع قلبها ألما عليها فإن كان
أشقائها لم يرحموها فمن كان سيرحمها ؟ حمدت الله أن كان
لها ابنا بارا كأويس حتى بقائه هنا وفي منزلهم وأرضهم
من أجلها فقط بل ويحرم نفسه حتى من أن يضع سريرا أو
كرسيا في المنزل كي لا تتأذى أثناء حركتها فيه خاصة إن
كان خارجا ، بل حتى أرضهم حول المنزل هو من يعمل فيها
بيديه نزولا فقط عند رغبتها لأن والده حين كان طفلا كان يقول
لها ويده الصغيرة تمسك بسبابته
( هذا هو الذي سيحمل أرضي بعدي ويزرعها ويحرثها )
من بكت على فراقه حتى فقدت نور عينيها .
مسحت دموعها بقوة ووقفت وتأكدت أولا من أن ابريق الماء
ليس فارغا ثم غادرت الغرفة وتوجهت جهة المطبخ ووجدت
كوب الحليب الذي تركته لها البارحة فارغا وصحن التمر أيضا
أي أنها تناولت فطورها ، خرجت بعدها من المنزل فلا يمكنها
البقاء أكثر من ذلك بما أنها نائمة .
*
*
*
دخلت راكضة ما أن نزلت من السيارة التي توقفت أمام باب
المنزل فهي انتظرت هذا اليوم منذ وصولها لهذه البلاد ولم
تصدق أنه أصبح هنا بالفعل حتى سمعت اتصال عمها صقر به
منذ قليل وبأنه وصل المنزل من دقائق فقط حتى أن والدها لم
يصل بعد فهو لم ينم البارحة في المنزل ومن مدن ثنان انتقل
للمسجد في حوران ثم القصر الرأسي وقال بأنه سيكون هنا
بعد قليل .
دفعت باب المنزل بيدها ودخلت هامسة بعينان دامعة
" جدي ... "
ما أن وقع نظرها على الذي فتح لها ذراعيه فورا مبتسما
فركضت ناحيته وارتمت في حضنه فورا تطوق خصره بذراعيها
تدفن وجهها في صدره العريض هامسة بسعادة شابها الكثير من
الشوق والحنين والحزن
" اشتقت لك جدي ... اشتقت لك بجنون "
فطوقها بذراعيه بقوة يقبل رأسها كل حين .. حفيدته المحببة لقلبه
وأجمل ما أهداه الله وكانت عزائه الوحيد في غربته الطويلة تلك وإن
لم يكن يراها كثيرا فهي قطعة منه من ابنته التي لم يراها يوما
وبقيت حسرة في قلبه بعدد أعوام عمرها ولن يكفيه عمرا آخر
يتحسر فيه عليها .
أبعدها عن حضنه وأمسك وجهها بيديه وقال مبتسما
" كيف حال دميتي الجميلة ؟ "
ابتسمت مومأة له برأسها وقد عجزت الكلمات عن التعبير عما
تشعر به فنامت في حضنه مجددا وطوقها هو بذراعيه قائلا بضحكة
" أراك أجمل من السابق بكثير ! هل هذا من تأثير رؤيتك لوالدتك
أم أنك أحببت شابا ما هنا ؟ "
خبأت وجهها في حضنه هامسة بحياء
" جدييي .... ! "
فضحك مجددا وقبل رأسها لحظة دخول صقر والذي قال
مبتسما وفاردا ذراعيه له
" مرحبا بك في بلادك أخيرا يا شقيقي "
ابتعدت حينها عن حضنه وتعانقا كليهما عناقا أخويا طويلا
تنظر لهما مبتسمة بسعادة فها قد اجتمع بعض أحبائها أخيرا ،
لكن تلك الابتسامة ماتت فجأة ما أن وقع نظرها على الواقف
بعيدا لم تنتبه لوجوده وقت دخولها فلم تكن ترى في المكان
غير الذي ركضت لحضنه وارتمت فيه .. الذي كان الغذاء
لروحها التائهة سنين غربتها في تلك البلاد .
تقطعت أنفاسها في صدرها تنظر له بأسى وهو يشيح بوجهه
عنهم بل عنها تحديدا وهذا ما هي أكيدة منه وليست تفهم
لما هو غاضب منها بينما هي من تلقت إهاناته الموجعة دون
أن يهتم ولا لمشاعرها !
أبعدت نظرها عنه ما أن شعرت بيد عمها صقر على ظهرها
وقد قال ضاحكا
" وهي من سيتنافس الجميع الآن على من يدللها أكثر من الآخر ..
حفيدة العائلة الوحيدة "
اغتصبت ابتسامة صغيرة ولم تعلق فلم تكتشف إلا وقتها بأنه
ثمة حديث بينهما كان يدور عنها واتكأت على كتف عمها
صقر هذه المرة فأحاط كتفيها بذراعه وقال ناظرا للواقف
هناك ومبتسما
" لن تصدق ما تنوي ابنة خالك جوزاء فعله وتخطط له وأخبرتني
به اليوم يا قاسم "
نظر له الواقف بعيدا ملامحه لازالت تحتفظ بجمودها وحدق
بعينيه تحديدا وكأنه يتجنب متعمدا النظر للتي أخفضت نظرها
للأرض فورا تجنبا له أيضا وتابع صقر ضاحكا
" يبدوا أنها ستنتقل من ابنيها لك فقد قررت أنه عليك أن
تتزوج بل وسريعا أيضا "
شدت النائمة في حضنه قبضتاها بقوة ترسم أيضا ملامح لامبالية
على وجهها الجميل ولازالت تتجنب النظر جهته وشعرت بذاك
السكين الذي ضرب قلبها مباشرة حين قال وببرود
" لا مانع لدي فلتبحث هناك عن واحدة تعجبها "
بلعت غصتها مع ريقها وشعرت بإهانة موجة لها تحديدا
وليست تفهم لما لكنها واثقة من أن مقصده هو جرحها وهذا
ما أثبته لها فعلا حين تابع بذات بروده القاتل
" شرط أن تكون بماض نظيف بالطبع "
فرفعت حينها نظرها له ودون شعور منها وكأنها تريد توثيق
إهانته لها بأفعاله وكان بالفعل ينظر لها نظرة تشبه كلماته
باردة قاتلة خالية من أي تعبير أو رحمة فزمت شفتيها وهي
تبعد نظرها عنه للأسفل مجددا تشعر بجسدها يرتجف حنقا
بأكمله وتمنت أن والدها موجودا حينها لكانت أقرت بكل شيء
أمامه وأمام الجميع لتتخلص من تجريحه لها وللأبد .
( تيما عليك بكتمان الأمر فالمتضررون منه كثر ولست وحدي
وأولهم والدك إن كان أمري أنا لا يعنيك )
أغمضت عينيها وتنفست بعمق فكلمات عمتها غيسانة تلك لازالت
تكبلها عن فعل أو قول أي شيء لكنها لن تستسلم وقررت
محاربته بذات أسلحته فهي مشوهة في نظره في جميع الأحوال
ولن يتخطيا ذلك مهما قال ووعد ، رفعت نظرها للفراغ تتعمد
تجاهله أيضا وقالت ببرود يشبهه
" جيد فوالدي وجد لي زوجا مناسبا أيضا فليكن ذلك في يوم واحد "
لم تكن تعلم أن حربتها أصابت الهدف وأن انتصارها كان قويا
فهي حرمت نفسها من لذة مشاهدة ذلك ورؤية ملامحه التي لم
يستطع اخفاء الصدمة فيها وكان التعليق لدجى الذي قال بضيق
" من هذا الذي قال بأنك ستتزوجين وأنك في سن مناسب
للزواج أساسا ؟ "
رفعت نظرها له وقالت بتأني وكأنها تقتلع نصل حربتها تلك من
مكانه ودون رحمة
" والدي قال وأنا موافقة "
وما أن أنهت عبارتها تلك كان مطر قد دخل من الباب فتحركت
من هناك جهة غرفتها تاركة خلفها استقباله لعمه ولم يكن أمامها
طريق آخر تسلكه سوى بالمرور بقرب الواقف مكانه هناك فلن
تسلك طريق ممر غرفته أبدا ، وما أن اجتازته تتجنب النظر له
حتى أوقفتها يده التي أمسكت برسغها بقوة فنظرت له وعلقت
نظراتهما .. النظرة التي حاول كل واحد منهما جاهدا أن يخفي
ما يكمن خلفها .. من ألم وخذلان يدمر قلبها الصغير لغيرة قاتلة
تفتك بحنايا قلب ذاك الرجل الصامت الصامد العنيد ، سحبت
يدها منه بقوة وغادرت راكضة لم تتوقف خطواتها حتى كانت
في حضن أغطية سريرها تدفن وجهها فيها وتشد قبضتاها
على قماشها بقوة تحاول فقط أن لا تبكي فهو لا يستحق أن تذرف
لأجله دمعة واحدة من عينيها ، يكفي بأنه لا يشعر بها ولا يحترم
مشاعرها ولا يتوقف عن جرحها ودون سبب .
شدت أناملها على ذاك القماش الناعم أكثر وأكثر حتى آلمتها
ونزلت نهاية الأمر تلك الدمعة التي لم يعد يمكنها التغلب عليها
أكثر من ذلك فما أقسى هذا النوع من الجراح .. إنه أعظم وأشد
مما كانت تتخيل ! لقد فاق تحملها وتوقعها درجة أن أشعرها
بتفاهة كل ما عانته وآلمها سابقا .
جلست تمسح دموعها ما أن رن هاتفها فأخرجته لحظة أن
رمت حجابها من على رأسها وانسدل شعرها على ظهرها وكتفيها ،
وما أن نظرت لاسم رعد على شاشته فتحت الخط ووضعته على
أذنها فوصلها صوته سريعا قائلا
" مرحبا تيما ... هل والدك في المنزل أم أنه نائم ؟
أتصل به ولا يجيب ؟ "
مسحت عيناها بقوة مجددا وقالت
" بلى هو هنا في المنزل ومعه ضيف يبدوا مهما لذلك لم
يجب بالتأكيد"
وصلها صوته مستغربا
" تيما ما بك ؟ ما به صوتك هكذا ! "
مررت أصابعها في شعرها وهمست
" لا شيء "
" تيما !! "
نبرته التحذيرية تلك جعلتها تستسلم طوعا قائلة
" لا شيء مهم "
وتابعت وقد نظرت ليدها في حجرها تلعب أصابعها بطرف اللحاف
" أ.... اممم ماذا حدث بشأن الفتاة الثنانية "
قال من فوره وبضيق
" الأخبار لدى والدك فأنا محتجز هنا كالسجين وإن لم يتصرف
سريعا فسأجد لنفسي مخرجا من حرسه الأغبياء أولئك ولن
يمنعني شيء عن الدخول لشمال صنوان وإخراجها أو الموت
دون ذلك "
ابتسمت بحزن فها هو الرجل الذي يعرف كيف تعشق النساء
وكيف تعامل المرأة فلم تنسى أبدا كل ما حكاه لها عنها وقضيا
ليلة كاملة يتحدثان ويتسامران وقد أخبرها برحلته تلك لمدن
ثنان وكيف تعرف على تلك الفتاة التي لازال يذكر جميع تفاصيلها
وتفاصيل ما حدث بينهما وكل كلمة قالتها ، حتى الكتب التي
قرأتها له حفظها عن ظهر قلب من كثرة ما قرأها وهي بعيدة
عنه ، إنهما أكبر مثال حي للحب الصادق وللوفاء الأبدي حتى
أنها اختارت أن تلقي بنفسها للمجهول وبقبائلها للحرب على أن
تكون لرجل غيره وإن مكرهة رغم مرور كل تلك السنوات فلم
تفقد الأمل فيه أبدا ولا الثقة في مشاعره نحوها ، قالت بحزن
" كم أتمنى أن يجد والدي لكل ذلك حلا وأن تجتمعا سويا "
شعرت بقلبها يتحطم وهي تسمع تنهيدته الواضحة قبل أن يقول "
وأملي في الله ثم فيه يا تيما وأتمنى أن يحفظها الله وليرجعوها
لي حية فقط لا أريد شيئا غير ذلك "
مسحت دمعة تغلبت عليها وهمست ببحة
" متأكدة من أن والدي لن يتوانى عن فعلها "
قال من فوره
" اتركينا من كل هذا الآن وأخبريني ما بك وما يضايقك هكذا !
هل والداك السبب ؟ هل تشاجرا مجددا ؟ "
عضت طرف شفتها ولم تعلق .. كان وقتا سيئا جدا لاتصاله
فكيف ستهرب منه الآن وليس بإمكانها الكذب عليه ؟ .
" تيما .... تسمعينني ؟!! "
تنهدت باستسلام قائلة
" بلى أسمعك "
قال من فوره
" أجيبي عن سؤالي إذا "
تنهدت مجددا قائلة
" لا لم يتشاجرا وقد اتصلت بي والدتي البارحة أيضا "
قال مباشرة
" إذا ما الذي حدث ؟ ذاك الشاب السبب أليس كذلك ؟ هل التقيته
هناك اليوم ؟ "
رطبت شفتيها بطرف لسانها وهمست بحزن
" أجل "
قال من فوره
" وماذا حدث أزعجك ؟ هل تحدث عن موضوع زواجك مجددا ؟ "
ابتسمت بألم هامسة
" بل عن موضوع زواجه هو "
قال بتذمر
" هيا تيما قولي ما لديك واختصري عنا المقدمات "
نفضت قبضتها مع اللحاف في حجرها وقالت بامتعاض
" ماذا سأقول وأختصر ؟ بأنه لازال يفعلها وينتقم مني كلما
استاء بسببي ولست أفهم أساسا ما الذي أفعله يجعله يستاء هكذا ؟
هو يغضب من نفسه ثم يلقي باللوم علي بل ويشركني استيائه مني
ولم أعد أفهمه أبدا "
قال ما أن أنهت حديثها
" احكي لي هيا ما الذي حدث ؟ "
تنهدت بعمق قبل أن تحكي له ما حدث منذ قليل فلعلها ترتاح إن
أخرجت ما بداخلها فهو على علم واطلاع بكل ما حدث بينهما
سابقا ويهتم دائما بسؤالها عن أي جديد بينهما دون أن يحرجها
ولا بسؤاله عن مشاعرها اتجاهه وتشعر بأنها في منطقة الأمان
بتحدثها الدائم معه لأنه ثمة من يعلم بسرها ومستعد لحمايته
معها أيضا بل والدفاع عنها إن هي أصبحت في مأزق بسببه .
قال ما أن أنهت حديثها
" كاذب .. هل صدقته فعلا يا تيما ؟ "
قالت باستياء
" ولما سيكذب وهو يعلم بأن عمي صقر سيخبر عمتي جوزاء
بالتأكيد لتبحث له عن زوجة "
قال فورا وبسخرية
" ومن دون ماضي سيء ؟ "
وتابع مباشرة
" أخبرتك سابقا أنك لا تفهمين الرجال كما أفهمهم أنا يا تيما ،
هو أراد فقط إزعاجك لأنه منزعج منك وكنت رائعة حين صفعته
بالمثل ، ابقي على موقفك هذا ولن أكون رعد ابن شراع إن لم يفتح
هو الموضوع معك بل وسيعتذر عما قال ، وإن لم يفعلها فوافقي
فورا على عريس والدك المجهول ذاك"
تمتمت ببرود
" أنا موافقة عليه سلفا كائنا من يكون "
قال من فوره
" كاذبة "
قالت بضيق
" لست كاذبة ولن أعارض رأي والدي وأكسر كلمته أبدا "
قال بصوت باسم
" سنرى إذا كيف ستقبلين بزوج غيره "
قالت باستياء
" رععععد "
ضحك قائلا
" تلك هي الحقيقة يا ابنة مطر فلا تراوغي "
نفضت قبضتها مجددا قائلة بعبوس
" وإن يكن فرأي والدي فوق كل شيء "
قال بجدية هذه المرة
" لا أنصحك بتضييع مستقبلك وقتل عواطفك من أجل أي كان يا تيما "
شعرت بأنه أصابها في مقتل فتمتمت ببرود
" لما تقول هذا ؟ أنا لا أحبه كما تتخيل "
اختلط صوته بضحكته قائلا
" كااااذبة "
قالت بضيق
" وداعا "
وقطعت الاتصال على صوت ضحكته من جديد ثم رمت الهاتف
وغادرت السرير والغرفة وسارت في الممر ببطء حتى وصلت
طرفه فسمعت أحاديثهم وضحكات جدها وشقيقه فعادت أدراجها
فورا وأغلقت الباب خلفها بضيق وتوجهت لهاتفها مجددا فلتتصل
بذاك المزعج كاسر وتزعجه أفضل لها من أن تقضي الوقت بين
الجدران تحدث نفسها تنتظر أن يغادر ذاك المغرور .
*
*
*
فتح له باب المكتب فدخل فورا وتبعه هو منصاعا وإن مكرها
وأغلقه خلفهما فلم يتركه ولا ليصعد لغرفته ويستحم فورائه
ما الله وحده يعلم ما يكون وكل ما سيفعله عمه وهو متأكد منه
بأنه سيتلف باقي أعصابه المدمرة أساسا ، وما توقعه حدث
فعلا حين التفت دجى ناحيته وقال بحزم
" أريد أن أفهم الآن يا مطر ما سبب ما حدث وما قلت
أمام الاعلام ؟ "
أمسك خصره بيديه من تحت سترته المفتوحة وأشاح بوجهه
جانبا قائلا ببرود
" فعلت ما فيه مصلحة الجميع وأولهم ابنتك "
لوح بسبابته قائلا بحدة
" كم مرة حذرتك سابقا من جرحها ومن إهانتها أو العبث
بمشاعرها لكني لو كنت أتحدث مع جدار لاستوعب ما قلت "
نظر له نظرة تشبة نظرته السوداء فسبقه قائلا بذات حدته
" هي ابنتي ولن أرضى فيها جرح النسيم يا مطر وقلت مرارا
وتكرارا توقف عن تدميرها والتعامل معها كآلة حرب "
كان سيتحدث وبما يعلمه دجى جيدا وهو نسب الملكيات لنفسه
كتبرير واضح لأفعاله الدائمة فسبقه قائلا بحدة
" قلت ابنتي ... هي ابنتي قبل أن تكون زوجتك "
أشار بيده جانبا قبل أن يشير بها لنفسه وهو يقول بحدة مماثلة
" ابنتك أجل ... لكنها حبيبتي "
نظر له دجى بصمت فتأفف ممررا أصابعه في شعره قبل أن
يتابع بغضب
" هي زوجتي وأم ابنتي يكفي ما ضاع من عمري بعيدا عنها
فلن اسلمها الآن لشعيب غيلوان ولا لغيره كائنا من يكون ولا للموت "
همس عمه بجمود
" استغفر الله يا رجل "
لكنه كان كبركان تغلبت عليه حممه الراكدة وتفجرت في أقوى
لحظات الضعف رغم صراخه الغاضب
" لست أفهم متى سيتركها الرجال وشأنها ومتى سيقتنعون
بأنها لي .. لمطر شاهين فقط ، حتى متى سأدفع حبها لي ثمنا
لإبقائها في حضني ؟ حتى أخسرها نهائيا والجميع معي ؟ "
واجهه بغضب مماثل قائلا يشير له بسبابته
" أنت من يدفع مشاعرها نحوك للهاوية يا مطر فلا تحاول
إلقاء اللوم على الآخرين "
رفع يديه جانبا قائلا بنزق
" أجل معك حق تريد أن اخبرها وبكل بساطة بأن قضية الثأر
لازالت تلاحقك وأن تلك العائلة يبحثون عنها هي تحديدا وابنتها
من بعدها لتقدم نفسها لهم مقابلا لإنقاذك ؟ "
لوح بعدها بسبابته جهته قائلا
" قسما أن تفعلها دون تردد وأنا من يعرفها أكثر منك بل
وتيما ستحذوا حذوها ودون تفكير ونحن لم نعلم حتى الآن
ما ورائهم ولما يبحثون عن نسلك تحديدا ؟ "
وتابع وقد أشار لصدغه الأيمن
" لا يخبرك عقلك أنهما لن تدفعا ثمن قتلاهم الثلاثة وبأبشع
مما تتخيل فآخر ما وصلني عن ذاك البربري أنه يقسم بأن يذيق
سلالتك العذاب إن فقط أثبت وجودها "
صرخ دجى برفض
" ليس بهذه الطريقة يا مطر ليس بأن تقتلها حية "
قال بضيق
" كيف إذا ؟ اشرح لي حلا غيره ، ما الذي كنت سأفعله مثلا
وهم يبحثون عنها عن طريقي في كل مرة ؟ "
قال دجى بضيق مماثل
اتركها لغيرك إذا وسيقتنعون حينها بأنها ليست ابنتي "
صرخ فورا
" مستحيل ... قسما لن يهنأ لي بال حتى ترجع لحضني مجددا "
قال دجى ملوحا بيده بضيق
" سأسلمهم نفسي إذا وليفعلوا بي ما شاءوا "
قال المقابل له برفض قاطع ونبرة حازمة
" ذلك لن يجدي في شيء سوى أن نخسرك معهما وأنت تعلم
جيدا قوانينهم في الثأر ... الرجل بديه لأهله والرجلان بعنق
قاتلهما والثلاثة بعنقه وبسلالته وأنت لم تقصر فيهم أبدا "
قال بذات ضيقه
" وما كنت تتوقع مني وأنا أراهم يحاولون قتل شيخ مسن
وهتك عرض ابنته ؟ أن أقف أتفرج فقط لأن لهم أفكارا مجنونة
في الثأر قد وقع والدك معهم عهودا بها فهو لم يفكر لأبعد من
أنفه يوما "
صرخ فيه فورا
" لا تلقي باللوم على والدي فهو لم يجبرك على قتلهم "
لم يعلق وابتعد عنه يتحرك في الغرفة بعشوائية ممسكا خصره
بيديه وكأنه يصارع أفكاره بالدوران حولها فقال مطر بجمود
ونظره يتبعه
" ذاك الرجل يفكر حتى في سبب عودتها زوجة لي الآن بل
وإن عادت للعيش هنا فلن يتوانى عن التفتيش عن حقيقتها
مجددا وأنت تعلم جيدا بأنك أيضا لن تراها ما لم تكن هنا "
وقف مقابلا له مجددا وقال مشيرا بيده له
" والحل إذا ؟ ها أنت لم تبقي خنجرا لم توجهه لقلبها ولازلت
تردد بأنها مهددة بالخطر "
قال فورا وببرود
" الحل لدي "
لكن ذاك الجواب لم يكن كافيا لمن اشتعل مجددا قائلا
" مطر لو أفهم ما تنوي فعله بنفسك وبها تحديدا يا رجل ؟
تحبها تعشقها وتدمرها ! ثم وتيما ما قصة تزويجها هذه ؟
أنت تعلم بأن زواجها لن يمسكهم عنها حال علموا بأنها حفيدتي "
أشاح بوجهه عنه مجددا ولم يعلق فقال بحزم
" تكلم يا مطر هل بالفعل ستزوجها وهي في هذه السن ؟ "
" أجل "
قالها ببرود ودون أن يواجه عينيه فصرخ فيه دجى من فوره
" جننت يا رجل ؟ ألا تعلم أن عمرها أربعة عشر عاما فقط ؟ "
نظر له وقال بذات بروده
" أنا أعلم الناس بعمر ابنتي "
صرخ فيه مجددا
" لا أنت فقدت عقلك لا محالة ولم يكفيك قتل والدتها فانتقلت
لها هي "
قال بحدة
" وتيما ابنتي قبل أن تكون حفيدتك "
ارتفع صوت دجى أكثر وكأنه يبارزه في الصراخ فقط
" لا تكرر كلامي يا مطر وأخبرني الآن من هذا الذي جعلك
تسلمها له دون أن تفكر في شيء لا سنها ولا عواقب هذا
ولا شيء أبدا ؟ "
قال بجمود
" شخص هو من سيقرر متى يجب أن تكون زوجة له "
قال دجى بصدمة
" هو يقرر ! "
قال من فوره
" أجل وإن قال الآن كانت الليلة زوجته "
قال المقابل له وبضيق
" ما هذا الجنون بحق الله ! هل ابنتك رخيصة درجة أن تعرضها
على الرجال يا مطر ؟ "
قال من فوره وبحزم
" أنا لم أعرضها على أحد ولن أفعلها أبدا وأخبرتك بأنه
من سيقرر متى يريدها وأنا لا أثق في شخص أكثر من ثقتي
به ليحميها من كل شيء حتى من نفسه "
مرر أصابع في شعره متأففا وقال بضيق
" ومن يكون هذا فأنت تعرف نصف رجال البلاد ويعرفوك جميعهم "
كتف ذراعيه لصدره وقال
" حتى يحين الأوان أولا "
دجى من ضرب بأصابعه على صدغه هذه المرة قائلا بضيق
" لو أفهم فقط كيف تفكر ؟ ثم ماذا إن لم يطلبها منك ؟
ماذا إن تزوج بغيرها ؟ "
تنفس بعمق مغمضا عينيه قبل أن ينظر له قائلا
" حينها ستتزوج بغيره وجميعهم سيكونون سواء "
حرك ذاك رأسه بعجز متأففا وإن كان الضيق لازال مرتسما
على ملامحه ويعلم جيدا أي أنواع الرجال يكون ابن شقيقه وأنه
لا أحد يمكنه كسر قراراته أو تغييرها لكنه لن يسمح له
وسيحاربه أيضا فإحداهما ابنته والأخرى حفيدته ، رفع سبابته
في وجهه مهددا وقال بحزم
" احذرك يا مطر من اجبارها إن هي رفضت ذلك أو أنا من
سيكون لي رأي لن يعجبك أبدا "
قال من فوره وبجمود
" لن ترفض "
صرخ فيه بحدة
" أجل واثق طبعا وتعلم بأنها لن تعصي أمرك وإن كان على
حساب نفسها "
تنهد بضيق وقال بذات جموده وكأنه لا يشتعل أمامه
" أخبرتك بأني لن اجبرها ثم هذا الحديث سابق لأوانه "
حرك رأسه بضيق ويئس منه وتحرك جهة باب المكتب قائلا
" قسما لولا أني مكبل بالعيش هنا ودون هوية لكنت أخذتهما
كلتيهما منك وافعل ما شئت حينها "
وخرج ضاربا الباب خلفه بقوة تاركا ورائه الذي لم يخرج
حممه جميعها مثله وبقيت عالقة داخله تدمره ببطء وليس يفهم
حتى متى سينظر له الجميع بسلبية وحتى من يعلمون أسبابه ؟
كان يتوقع هذه المواجهة العنيفة معه ولن تكون الأخيرة
بالتأكيد حتى يدمروا مطر شاهين هذه المرة وليس غسق ،
ضرب بيده علبة الأقلام المذهبة بقوة ناثرا كل ما فيها
على الأرض وتوجه جهة النوافذ الطويلة للمكتب ووقف
أمام إحداها ومرر أصابع كلتا يديه في شعره للخلف وأمسك
رأسه بهما بقوة وظهر أمامه فورا ذاك الوجه الدائري والنظرة
الغاضبة رغم الدموع في تلك الأحداق السوداء الواسعة وهي
تقول بحدة ( أقتلعه من مكانه إن فكر في إيجاد أعذار لك يا مطر ،
لن يغفر لك أي شيء وأي تبرير ما فعلته بي ولا إنقاذي من
الموت فلا تفكر يوما في أن تشرح لي أي أسباب )
تأفف وأخرج هاتفه من جيب سترته وبحركة عنيفة ما أن ارتفع
صوت رنينه مالئا صمت المكان وما أن نظر للرقم على شاشته
شعر بنيرانه تشتعل أكثر من اشتعالها السابق ، فتح الخط
ووضعه على اذنه فوصله ذاك الصوت المستفز فورا
" ماذا قررت ؟ "
تنفس بقوة نفسا كان كفيلا بإحراق كل شيء وقال بجمود
" كيف ستسلمني إياها عند حدود اليرموك ؟ "
وشد على فكيه بقوة حتى كان سيحطمهما حين ضحك من
في الطرف الآخر قائلا
" لا أصدق هذا ... ! مطر شاهين يتنازل عن منطقة عسكرية
كاملة بدلا من تقديم امرأة لم تعد تحمل له في قلبها سوى
الكره والحقد ! "
كتم غضبه واشتعاله هذه المرة أيضا وقال بذات جموده
" تلك لن أسلمها لك وإن أخذتم البلاد بأكملها وليس اليرموك
فقط ولن تحصل عليها ولا بعد موتي "
وفصل عليه الاتصال هامسا بوعيد
" أنا من سيجعلكم تندمون على هذا وسأريك مكانك وحجمك يا طفل "
توجه بعدها جهة مكتبه ورفع سماعة الهاتف وضغط أحد الأزرار
فيه باستمرار حتى انفتح له الخط في الطرف الآخر ووصله
ذاك الصوت قائلا
" أجل سيدي "
قال من فوره
" أبلغ جهاز المخابرات يتولوا الاتصال مع صاحب الرقم الأخير
في هاتفي ، لا أريد سماع صوته مجددا وسأعلمهم بكل ما
عليهم فعله "
" حاضر سيدي "
ضرب بعدها سماعة الهاتف وغادر ذاك المكان أيضا فعليه
الآن إعطاء الأوامر بإخلاء اليرموك تدريجيا
*
*
*
سارت حتى نهاية الممر ثم عادت لباب غرفتها ودخلتها دون
أن تغلق الباب ثم سرعان ما خرجت منها مجددا وسارت حتى
طرف الممر ووقفت تنظر من هناك فلم يعد يمكنها البقاء أكثر
بعدما سمعت صراخهما الذي وصل لجميع أنحاء المنزل تقريبا
تشعر بقلبها يحترق وإن لم تطفئ تلك النيران فيه فستحرق
كل شيء فيها ، مررت أصابعها في شعرها للأعلى حتى نهايته
لتتناثر تلك الغرة الحريرية على أطراف وجهها وتحركت من
هناك مسرعة ومجتازة بهو المنزل الفارغ جهة الممر الشمالي
والذي لا يحوي سوى غرفة جدها ساكن المنزل الجديد فتلك
الجهة لم تكن مستخدمة من قبل وتلك الغرفة فيها تعتبر كملحق
للمنزل تفتح على الخارج أيضا حيث فناء المنزل الخلفي وتم
اختيارها خصيصا من أجله ومن أجل أي حالة طارئة لوجوده
السري هناك .
وصلت باب الغرفة وفتحته دون طرق ودخلت ووقفت متسمرة
مكانها تنظر ليس للذي كان جالسا على السرير ينظر للأرض
متكئا بمرفقيه على ركبتيه والذي جاءت لهذا المكان من أجله
بل للذي ظهر أمامها وكان يقف خلف ذاك الباب قبل أن تفتحه
ويبدوا أنه كان هنا لذات السبب وهي من ظنت أنه في غرفته
البعيدة عن كل ذاك الضجيج خاصة أنهما وصلا من وقت
قريب وخمنت بأنه سيكون نائما أو يستحم فخرجت هكذا دون
حجاب وببنطلون جينز وقميص أحمر ضيق بالكاد يصل طوله
لوركيها ، كان عليها أن تتعلم من أخطائها السابقة ولا تخرج
هكذا فلا ينقصها أن يتهمها بأنها تتعمد فعل ذلك في وجوده .
أبعدت نظرها عنه لحظة أن أشاح هو أيضا بوجهه جهة الجالس
هناك فكتمت وجعها ككل مرة وتخطته ووجهتها الذي لازال
على حالته تلك ويبدوا مستاء بل وغاضبا بشدة من ملامحه
التي لا يمكن وصفها وصمته المخيف ، جلست أمامه على
الأرض ورفعت رأسها ناظرة له لتبتعد تلك الغرة الحريرية
عن ملامحها وقالت هامسة وبحزن
" جدي ما بكما تتشاجران ؟ ماذا حدث ؟ "
أشاح بوجهه جانبا وتمتم ببرود وتجهمه لم يخف أبدا
" لا شيء "
أمسكت يده بأصابع يديها البيضاء ونصف ذاك الكف يخفيه
كمي قميصها الطويلان وقالت ونظرها لازال معلقا بوجهه الذي
يشيحه عنها
" اصواتكما لم ترتفع هكذا من قبل ! ماذا حدث جدي ؟ "
وقف على طوله قائلا بضيق
" قلت لا شيء يا تيما فتوقفوا عن إزعاجي بهذا السؤال "
نظرت له بحزن ولازالت تجلس بركبتيها على الأرض أمامه
فيبدوا أن الموجود هنا سأله أيضا عن السبب ولم يحصل
على أي جواب لكن لا أحد مثلها يعلم عن علاقتهما سابقا فلم
يتشاجرا يوما أو تسمع أصواتهما مرتفعة بذاك الشكل ولم
ترى جدها بهذا المزاج السيء أبدا فما الذي حدث الآن ويخفونه ؟
وقفت على طولها وقالت ناظرة لعينيه
" بل ثمة ما تخفيانه ومتخالفان في أمره ومتأكدة من أنه
يخص والدتي "
لوح بيده قائلا بضيق
" لا شيء سوى أن والدك فقد تعقله وعقله وبات يرى الأذى
حماية والخطأ صوابا ، بل وجنونه تخطى الحدود "
وتابع متوجها لحمام الغرفة
" ولا أستبعد أن يهيم في الطرقات قريبا يهذي كالمجنون "
وما أن وصل باب الحمام التفت لها وقال بضيق
" وأنتي أصحيح توافقين تزويجه لك وأنتي بهذا السن ؟ "
نظرت له بصدمة وقد انفرجت شفتاها وتاهت الحروف منها
بين أنفاسها المتلاحقة وانتقل نظرها لا شعوريا ناحية الواقف
قرب الباب يديه في جيبي بنطلونه والذي كان ينظر لها وقد
أشاح بوجهه عنها فورا فشعرت بتلك الغصة المؤلمة في قلبها
وتنفست بعمق عائدة بنظرها للذي لازال واقفا مكانه ينتظر
جوابها وهمست بصعوبة تشد أناملها حتى كانت ستمزقها
" لا أستطيع مخالفته في شيء جدي "
قال بأحرف مشدودة
" ولا إن قلت أنا بأني لست موافقا يا تيما ؟ "
غصت بريقها وبالكاد وجدت صوتها وقد قالت برجاء
" جدي أرجوك لا تضعني في خيار بينكما فلست أتخيل أن تفكر
في أن والدي قد يفعل أمرا يؤذيني "
دخل حينها الحمام ضاربا بابه خلفه بقوة أرجفت جسدها تنظر
لمكان وقوفه بأسى وتوجهت مسرعة جهة الباب لتخرج قبل
أن تغلبها دموعها في وجود ذاك الرجل لكن يده كانت أسرع
منها وقد أمسك برسغها وأدارها ناحيته بقوة تحرك معها
شعرها الأسود الناعم حولها وأخفت غرتها أغلب ملامحها ،
شد على رسغها من فوق كمها الطويل وقال ناظرا لعينيها
وحدقتيها الزرقاء الواسعة
" من يكون ؟ "
تنقلت نظراتها في عينيه الجامدتين كحجرين أسودين وقالت
بثبات وإن كان قلبها يرتجف وبشدة
" وفيما يعنيك الأمر ؟ "
حركها من رسغها بقوة كادت توقعها أرضا وخرج تأوهها
المتألم خافتا حين اصطدم ظهرها بجدار الغرفة قرب الباب
ووقف أمامها مباشرة بل واقترب منها بطريقة بعثرت
حواسها ومشاعرها وأنفاسها وكل ما يربط جسدها بالحياة
وهي تنظر لعينيه القريبتان منها بصدمة وليست تعلم بأنه
يقاوم وقتها وبشدة رغبته في دفن وجهه في عنقها ليشعر
بدفء بشرتها .. أنوثتها .. رقتها .. نعومتها .. فينسى بها
جميع هموم حياته السابقة لكن كيف وأميالا طويلة تفصله عن
كل ذلك ! رفع يده ورسغ يدها لازال فيها وضغط بها على الجدار
فوق رأسها وقال ناظرا لعينيها بعدائية قاتلة
" أرأيت ما يوصلك له غبائك ؟ حتى علاقة جدك بوالدك باتت
ضحية من ضحايا شخصيتك المهزوزة "
اتسعت عيناها ولم تستطع التحرك وشعرت بأنها عالقة في
مكانها وكانت أنفاسها ستتوقف تماما مع توقف قلبها عن
الخفقان ما أن قرب وجهه منها أكثر حتى كانا أنفيهما سيتلامسان
وهمس من بين أسنانه ناظرا لعينيها
" من يكون ذاك الرجل يا تيما ؟ تكلمي لأجد من أرتكب فيه جرما "
سحبت أنفاسها بصعوبة مختلطة بأنفاسه الدافئة وهمست برجفة
تتجنب النظر لعينيه
" ابتعد عني "
وانتفضت كضبي صغير شعر بالخطر ما أن شعرت بملمس
أنفه فعلا هذه المرة على أنفها وقد همس بتأني
" ليس قبل أن تنطقي بإسمه "
كانت تعلم بأنه يحاول إضعافها وإرباكها وكانت بالفعل ستستسلم
وتقر بالحقيقة فلم يعد بإمكانها السيطرة على مشاعرها أكثر
من ذلك ولا على توترها بسبب قربه هكذا .
أغمضت عينيها وتنفست بعمق حامدة الله في سرها ما أن طرق
أحدهم باب الغرفة مبعدا له عنها وسامحا للهواء بالعبور
لرئتيها مجددا ، وما أن دار مقبض الباب حتى أفلتها مبتعدا
عنها بحركة واحدة سريعة قبل أن يدخل صقر الذي قال
مبتسما ينقل نظره بينهما باستغراب
" شقيقي واسمه دجى هنا أم أني أخطأت في رقم الغرفة ؟ "
تحركت حينها التي كاد يغمي عليها من الاحراج وركضت خارجة
من هناك ونظره يتبعها قبل أن ينتقل للذي بقي واقفا مكانه ينظر
للأرض ممررا أصابعه في شعره وقال
" هل لي أن أفهم ما الذي يحدث هنا ؟ "
نظر جهة الحمام متجنبا النظر له وقال
" خالي دجي في الداخل ويبدوا مستاء للغاية وثمة حوار
عنيف دار بينه وبين مطر "
كان صقر سيتحدث لولا أوقفه باب الحمام وقد انفتح وخرج
منه الذي كان يمسح رسغيه بالمنشفة متمتما بالتشهد ورماها
على الكرسي قائلا ببرود
" ألا غرف لدى أصحاب هذا المنزل ؟ "
قال صقر مبتسما
" بالطبع ثمة غرف لا حصر لها لكن ثمة ما تكون الإثارة فيها أكبر "
حرك دجى رأسه بيأس منه ولم يعلق وقد بدأ بإنزال كمي قميصه
فنظر صقر للواقف أمامه والذي كان قد عاد للنظر للأسفل
تفرك أصابعه شعر قفا عنقه وقال
" هل قررت فعلا مغادرة المنزل ؟ "
وغضن جبينه مستغربا حين لم يجب وقال
" قاسم أنا أتحدث معك ! "
رفع ذاك حينها رأسه ونظر له في صمت فقال بابتسامة جانبية
" كنت أسألك عن قرارك الأخير بالمغادرة من هنا ؟ "
تحرك حينها من مكانه وقال ببرود مغادرا
" لا أعلم "
وخرج فورا فنظر صقر للذي رفع سجادة الصلاة وقال
" ما به هذا الجنوبي في كل يوم بقرار ؟ "
فرد دجى السجادة قائلا ببرود لحظة ارتفاع صوت الأذان عاليا
" لا أعلم سوى أمرا واحدا بأني رميت نفسي هنا في منفى
حتى المسجد لا يمكنني الصلاة فيه "
ربت صقر على كتفه قائلا
" استعن بالله يا شقيقي فوحده بيده الحل لكل هذا ، ثم أليس
مرحبا بمنفى فيه ابنتك وحفيدتك "
وقف على طرف السجادة قائلا بسخرية
" أخشى أن لا يكون فيه ولا واحدة منهما "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 76 others like this.
رد مع اقتباس
#6292
قديم 16-01-18, 01:12 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
فتحت باب الغرفة ودخلت فالتفتت لها الواقفة أمام المرآة تضع
قرطا دائريا صغيراً في أذنها فتوجهت نحوها وأمسكت يدها
وأدارتها حول نفسها قائلة بدهشة
" رائعة ماريه .. !! لم أكن أتخيله جميلا هكذا ! لقد غيرت
رأيي السابق به "
لمست بطرف أصابعها القرط الذي لبسته منذ قليل تتأكد من
مكانه وقالت
" أخبرتك أنه سيكون جميلا "
قالت الواقفة أمامها تبعد غرتها عن طرف عينها
" حسنا علينا الاعتراف بأن تناسق جسدك الرهيب السبب "
وتابعت مبتسمة وملوحة بيدها
" لا يستطيع المرء أن يجد فيه عيبا أبداً "
قالت المقابلة لها بابتسامة صغيرة
" وفستانك جميل أيضا وها قد تغلبت على والدتك "
مطت شفتيها بضيق قائلة
" عليها أن تقتنع بأن هذا ما يناسب عمري فأنا في السابعة
عشرة ولست أفهم لما تريد أن ألبس ملابس مسنات ؟ "
ابتسمت لها ودارت جهة المرآة مجددا تضع القرط الآخر ورفعت
خصلة من شعرها خلف أذنها ونظرت لنفسها بعدما أصبحت جاهزة
تماما ، كان فستانها باللون الأحمر ومن القماش الحريري بكتف
واحد ملتفا على جسدها من الأعلى وينساب بنعومة من خصرها
حتى الأرض ويلتف حول خصره حزام أبيض من القماش وبشكل
أزهار مطرزة وكتفه تتدلى منه قطعة قماش من ذات اللون بذات
طوله قد تم إمساكها ودمجها تقريبا مع تفاصيل الفستان من
الأمام مرورا بالحزام ومن الخلف تنزل من الكتف للأسفل مباشرة
دون أن يمسكها شيء ، كان تفصيله غريبا لكنه رائع وبشكل
مبهر وشعرت بالرضى عن نفسها تماما به حتى أن تركها
لشعرها مفتوحا كما طلبت زوجة عمها بسبب كتفه العاري تناسبت
معه وأبرزت ملامحها وعيناها الذهبية الواسعة كما أن أحمر
الشفاه الدمي اللون انسجم تماما مع لون الفستان ...
العقد المصنوع من اللؤلؤ الطبيعي والسوار المماثل له والقرطين ..
كانت جميعها قطع فنية متناسقة .
نظرت لخاتم الزواج في الدرج المفتوح أمامها وابتسمت بألم فهذا
ما لن تحتاجه أبدا ، أغلقته بقوة وشعرت حينها بذراعي ساندرين
اللتان التفتا حول كتفيها فرفعت نظرها للمرآة ونظرت لعينيها
الزرقاء الغامقة الجميلة وابتسامتها المميزة حين قالت
" رائعة ... لو فقط تتخلصي من هذه النظرة الحزينة وتستبدليها
بابتسامة رائعة من ابتساماتك البريئة المميزة كي لا تفسدي
كل هذا الجمال "
أسدلت جفنيها للأسفل ولم تعلق فقالت التي ضمتها أكثر
" ماريه لا تهتمي لأمره واتركيه هكذا حتى يجد لنفسه حلا لما
أقحمك معه فيه وكوني أنانية مثله "
رفعت نظرها لعينيها مجددا وهمست بحزن
" هل يمكنك انتزاع أوردتك من قلبك ساندي ؟ "
وتابعت مبتسمة بألم وقد رفعت نظرها للأعلى
" لكني سأعتاد وسأنساه يوما مهما كان بعيدا "
ابتعدت عنها وقالت تنظر لها في المرأة وهي تمسح دمعة يتيمة
ترفض أن تفارق جفنها
" أعلم بأنك لن تستطيعي أن تكرهيه ماريه لكن التنازلات تحطم
المرأة صدقيني ، فلا تنسي ذلك أبدا ولا تنسي أيضا بأن الرجل
أناني ولن تسيطر عليه إلا واحدة مثله تشعره دائما بأنها
الأهم لدى نفسها من أي شيء آخر حتى هو نفسه لأنه إن شعر
بضعفها في أي لحظة داس على كرامتها ، هم لا يعترفون
سوى بمسمي واحد للحب وهو موت أحد الطرفين ليعيش
الآخر وإن قتل المرأة التي يحبها كي لا تصاب كبريائه "
حضنت نفسها تنظر للأسفل بحزن وشعرت بملمس يدي الواقفة
خلفها على ذراعيها العاريان ووصلها صوتها هادئا هذه المرة
" لذلك أردت أن تفتحي رقم هاتفك وأن لا تجيبي على اتصالاته
ولا تختاري إغلاقه نهائيا لأن الأولى قوة بينما الأخرى
ضعف ماريه "
التفتت لها بكامل جسدها وقالت بحزن والدموع الدافئة
تملأ عينيها
" يمكنني تحمل أي شيء وأن أدعي القوة أمامه في أي وقت
ومكان إلا إن رأيت تلك المرأة برفقته "
وتكسر صوتها وقد تابعت ببحة بكاء ودمعتها تتدلى من رموشها
" اقسم أن أموت حينها ولن تجدي مواعظ الأرض جميعها معي "
أمسكت وجهها وقالت ناظرة لعينيها
" أنتي مريضة بحبه ماريه وعليك أن تشفي منه بنفسك
لا أن يساعدك هو على ذلك "
أبعدت نظرها عنها وهمست بحزن
" لما لا نتوقف عن التحدث عنه ساندي ؟ "
تنهدت الواقفة أمامها بعمق وأبعدت يديها قائلة
" أنا فقط أخشى أن يكون هناك ماريه وأن يحاول تغيير
رأيك وقرارك "
أشاحت بوجهها جانبا وقالت
" لن يكون هناك فهو يرفضهم وحفلاتهم فما سيأتي به الآن ؟ "
أمسكتها من ذراعيها مجددا وقالت بجدية ناظرة لوجهها
الذي كانت تشيحه عنها
" قلبي يخبرني بأنه سيأتي للحفل فأريدك أن تستمري على
موقفك ولا تسمحي له بخداعك بكلمة ( تفَهّمي موقفي وظروفي
وانتظري وما إلى ذلك ) أنتي الأحق به من عمله ومن مهامه
ومن كل شيء إن كنت فعلا تعنين له وإن شيئا بسيطا "
انفتح باب الغرفة فجأة قاطعا حديثهما ذاك فرفعت ساندرين
نظرها للسقف فورا وقد وصلها صوت والدتها الحانق
" فعلتها إذا ساندي؟ "
أبعدت يديها عن ذراعي الواقفة أمامها وأغمضت عينيها
متمتمة ببرود
" رحماك ربي "
قالت والدتها من خلفها وبحدة
" أعيدي فلم أسمعك ؟ "
دارت ناحيتها وقالت بضيق فاردة ذراعيها
" انظري أمي ها هو أمامك لم يتعدى طوله ركبتاي بل يكاد
يصل لنصف ساقاي ... هذا ليس قصيرا أبدا وأكمامه حتى
مرفقاي ، هل تريدين أن ألبس معه بنطالا أيضا ؟ "
غادرت تلك من فورها متمتمة بحنق
" اللهم ألهمني الصبر عليها "
فتأففت من تركتها خلفها ودارت ناحية من أصبحت مقابلة لها
مجددا هامسة بضيق
" ها قد نزعت باقي المزاج ولم تترك لزير النساء ذاك شيئا "
ابتسمت الواقفة أمامها تمسك ضحكتها فقالت مبتسمة بحماس
" رائع هكذا أنتي أجمل "
ثم سحبتها من يدها جهة الباب قائلة
" بسرعة فالمسافة حتى بريستول مقربة الساعتين "
وتابعت بضحكة وهما تغادران ممر غرفتها
" ولم اخبرك أيضا أني وجدت شبيه الفستان الذي أحضره لك
ذاك الهازاني سابقا في أحد متاجر بوند ستريت وكاد يغمى علي
حين سألت البائعة عن سعره ... لا ولا يوجد منه سوى قطعتين
فقط في انجلترا بأكملها ! أتساءل أحيانا كيف يفكر ذاك الشاب ؟ "
*
*
*
وقف أمام المرآة وأغلق زر السترة السوداء الفاخرة تحتضن
ذاك الصدر العريض والقميص الأبيض الناصع تزينه ربطة
عنق رمادية غامقة أعطته مظهرا مميزا ومختلفا تماما عما يعرف
عنه فهو يكره هذه الملابس المعقدة المقيدة كما يكره الحفلات
ويتجنبهما منذ كبر هنا ولا يعجبه شيء مما يحدث فيها ، رفع
المشط وسرح به شعره للخلف مجددا لكن الأمر لم ينجح هذه
المرة أيضا فتأفف بحنق ورماه على الطاولة وفتح الدرج بحركة
عنيفة يفتش في الأغراض المكومة فيه ، كثافة شعره ونعومته
لا تساعده أبدا في التحكم به ويكره أن يكون ملزما بمظهر
مرتب وكأنه دمية عرض ، أخرج علبة معينة وسكب منها في
راحة يده ورماها في الدرج مجددا ووزع ذاك السائل بين يديها
ثم مرر أصابعه بين خصلات شعره للأعلى بالتتابع فهذا أمر
آخر يكرهه وأكثر من سابقاته لكنه مضطر لوضع القليل منه
ليتحكم في تصفيف هذا الشعر المزعج كي لا يتحرك مع حركته
وحركة الهواء ، مرر المشط خلاله مجددا ونجح الأمر هذه المرة
فرماه وتوجه جهة هاتفه الذي ارتفع رنينه مجددا ورفعه
وأجاب قائلا
" مرحبا لوسي "
وصله صوتها الرقيق فورا
" تيموثي لا تتأخر حبيبي والدي في انتظارك "
تنهد بعمق وقال بجمود
" حسنا أنا قادم فما يزال المساء في أوله "
قالت مبتسمة
" أجل .. أنا فقط لا أريدك أن تنسى أو تتأخر ... وداعا حبي "
رمى الهاتف حيث كان وعاد جهة مرآة التزيين ولبس ساعته
مستغفرا الله بهمس ، عليه أن يتأقلم مع هذا الدور السخيف
بما أنه لا مفر له منه قبل أن يرتكب جرما في أحدهم وتلك المدللة
طبعا على رأس القائمة ، مرر أصابعه على فكه وصولا لقفا عنقه
وتنفس بقوة مغمضا عينيه قبل أن يرجع للهاتف مجددا ، رفعه
وأجرى اتصالا لم يدم طويلا وهو يستمع لصوت المرأة التي
تخبره بأن الرقم الذي يطلبه مقفلا ، ضغط زر إنهاء الاتصال
بقوة هامسا من بين أسنانه
" ماريااا ... ماريا يا حمقاء "
ثم رماه مجددا حيث كان ووقف مواجها للنافذة ورفع يديه
مكبرا قبل أن يضمهما جهة صدره فلم يكن يريد المغادرة
قبل وقت صلاة العشاء فأولئك الأثرياء الهامشيين قد لا يكون
ثمة حدود لساعات سهرهم ليلا ولن يترك صلاته لما بعد
منتصف الليل متهاونا أبدا .
وقف بعدها ودس هاتفه في جيبه وغادر الغرفة من فوره بل
وشقته والمبنى السكني بأكمله ، ركب سيارته ونظر لساعته
لبرهة قبل أن يدير المفتاح ويشغلها وغادر من هناك فورا .
*
*
*
اندست تحت اللحاف أكثر تتمسك به بقوة تدس وجهها فيه
وجسدها بأكمله يرتجف كضربات قلبها المتتالية فلم تعرف
حياتها شعورا مماثلا لهذا ولم يقترب منها رجل بذاك الشكل
من قبل درجة أن تصبح تتنفس أنفاسه الساخنة وترى تفاصيل
حدقتيه بدقة فحتى حين احتضنها سابقا في تلك الليلة التي
أنقذها فيها لم يكن شعورها مماثلا لهذا رغم فضاعته آنذاك ،
لو تفهم فقط ما يريده منها !
أليست ساذجة ذات ماض متسخ ؟
وشخصية مهزورة ؟
ألا يريد الزواج بواحدة بماض نضيف ؟
إذا ما يريد بالذي ستتزوجه يسأل عنه ؟
متى سيتوقف عن إيذائها وإهانتها بهذا الشكل ؟
ألا يعلم بأن عمره فوق ضعف عمرها ؟
ألا يفكر في أنها أضعف من أن تكون في مواجهته ومن أن تجاريه ؟
لماذا لا يتركها وشأنها ؟
ألا يكفيها أن تراه أمامها هكذا ينفر منها ويكرهها ويحكم عليها
بالسوء وهي أبرأ من أن تكون كذلك ؟
شدت أسنانها على قماش اللحاف مغمضة عينيها بقوة
ما أن طرق أحدهم باب غرفتها ومن حماقتها نسيت أن تغلقه
بالمفتاح .. قد يكون جدها أو والدها أو حتى عمها صقر
وكل واحد منهم سيفتح الباب بالتأكيد إن طرق أكثر من مرة
ولم تجب أما الخادمات تم صرفهن جميعا قبل وصول جدها
حتى يتم استبدالهن بأخريات من خارج البلاد ، لكن قد يكون
شخصا آخر لن يدخل إلا إن أذنت له أو فتحت الباب بنفسها
وهنا ستكون أوقعت نفسها في قبضته مجددا لذلك ليس
بإمكانها أن تسمح للطارق بالدخول الآن وكائن من يكون
ولا أن تفتح له الباب .
جلست مبعدة اللحاف عنها ما أن غادر الواقف في الخارج
وتنفست بارتياح تضع يدها على صدرها فها قد ذهب وكائن
من يكون ، مدت جسدها وأخذت هاتفها من على طاولة
السرير واستوت جالسة مجددا تبعد غرتها عن وجهها وكتبت
رسالة وأرسلتها لرعد فورا وكان فيها ( سألني من يكون ولم اجب )
هو متفرغ هذه الفترة تماما وسيقرأ رسالتها سريعا بالتأكيد وهو
من سيساعدها في أن تقرر ما تفعل لأنها تخشى أن تفعل أمرا
تندم عليه فيما بعد ويوبخها هو أيضا لأنها لم تأخذ رأيه ، وصلها
رده سريعا كما توقعت ( ألم اخبرك بذلك ... جيد ابقي على
موقفك وسيحدث ما قلته حرفيا وستري بعينيك )
أنزلت الهاتف لحجرها متنهدة بيأس ... يعتذر منها !!
هي ترى أن رعد يأمل فيه كثيرا وكأنها لم تحكي له ما حدث
بالتفصيل ! بل هو لم يرى تصرفاته لما كان وثقا من نفسه هكذا .
وصلتها رسالة أخرى منه ففتحتها وكان فيها ( تذكري يا تيما
أنك قد تحتاجين لقول الحقيقة له يوما ما وأنتي فقط من سيكون
بإمكانه تحديد متى يكون ذلك )
أغمضت عينيها متنهدة بعمق تشد أناملها على الهاتف فيها بقوة
قبل أن تفتحهما محدقة في الفراغ بحزن ، ليست تفهم ما يقصد
فعلا ولما يكرر هذا دائما ؟ أي وقت هذا الذي ستكون فيه مجبرة
على قول الحقيقة له كي لا تعاني طوال حياتها !
رمت الهاتف من يدها ومعه جميع تلك الأفكار وغادرت السرير
فعليها رؤية جدها فسيكون غاضبا منها بالتأكيد وهذا ما لا تريده ،
سحبت حجابها من العلاقة الخشبية بجانب الباب وفتحته لتخرج
فقفزت مكانها بشهقة فزع ووضعت يدها على قلبها هامسة
بنفس متقطع
" لقد أفزعتني "
نظر لها الواقف أمامها باستغراب وقال
" ولما أفزعتك ! ممن أنتي خائفة ؟ "
نظرت له بصدمة وقالت
" أ.... لا أنا فقط كنت شاردة الذهن و... كنت أود الذهاب لجدي "
أمسكها من يدها وقال مغادرا بها
" جدك نائم الآن .. تعالي ثمة أمر مهم علينا فعله ولا داع
للبس الحجاب فقاسم غادر منذ قليل وقال لن يرجع قبل المساء "
وضحك متابعا
" ثم هو حفظ شكلك هكذا فما الداعي لتغطية شعرت ؟ "
عبست ملامحها وتمتمت ببرود
" لم أكن أعلم بأني سأجده هناك ... ظننته نائما "
قال مبتسما وسالكا بها بهو المنزل الواسع
" هذا طبيعي طالما هو مقيم هنا وما أن يغادر لن تقيدي نفسك هكذا "
رطبت شفتيها بطرف لسانها وقالت بعد تردد تجاري خطواته
" متى قال سيغادر ؟ "
قال وهما خارجان من باب المنزل
" لا أعلم فهو لم يحدد وقتا معينا لكنه قال سيشتري قريبا
منزلا هنا في حوران "
تنهدت بصمت ولم تعلق وليست تعلم أسعدها هذا الخبر أم لا ؟
مؤكد ستتخلص من ملاحقته لها باتهاماته وعباراته الجارحة
وليست تعلم لما تشعر بشيء ما يحزنها في هذا وفي أن لا تراه
هنا دائما رغم أنها هربت لمنزل والدتها المدة الماضية فقط كي
لا تراه وتواجهه بعد لقائهما الأول فإن هو غادر لمنزل مستقل
لن يأتي هنا أبدا إلا إن أراد زيارة جدها ومؤكد سيدخل من
باب غرفته الذي يفتح على الخارج ، هذا إن لم يتزوج فلما
سيشتري منزلا ليعيش فيه وحيدا ويترك منازل عائلتي
والده ووالدته ؟ شعرت بالتعاسة للفكرة فقط فكيف إن كانت
واقعا أمامها ؟ حركت رأسها برفض هامسة
" حمقاء توقفي عن هذا هيا "
وقف بها صقر حيث حديقة المنزل الواسعة ونظر لها
وقال مبتسما
" من تكون هذه الحمقاء وعما عليها أن تتوقف ؟ "
نظرت له بصدمة فضحك وقال مشيرا للمكان خلفه بإبهامه
" هنا توجد شجرة لكل فرد من العائلة غرسها بيديه وها قد
حان دورك "
نظرت للمكان أمامها وللأشجار المثمرة العالية فيه وقالت بدهشة
" كل واحد لديه شجرة هنا ! "
قال مبتسما
" أجل وكل واحد شجرته تشبهه فشجرة الدراق تلك لوالدتك
وهي آخر من غرس واحدة هنا أما البرتقال فلجدك ، المشمش
لنصيرة رحمها الله والزيتون لابنها قاسم أما والدك فاختار
شجرة السنديان وأصر عليها منذ صغره رغم أنها ليست مثمرة
وأصبحت كما هي عليه الآن عملاقة تضلل كل تلك الأشجار تحتها "
نظرت لها مبتسمة بحب فهي مثله بالفعل يحيط الجميع برعايته
واهتمامه ... وقوي وصامد وعنيد ، نظرت له وقالت مبتسمة
" وعمتي جوزاء وأبنائها ؟ "
أشار بإصبعه وقال
" جوزاء شجرتها التفاح هناك أما أبنائها فلم يعيشوا هنا
وزاروها مرتين فقط هذا بالنسبة لغيهم وأبان أما الفتاتان فلم تزورا
هذا المنزل حتى الآن "
وتابع ضاحكا يشير لشجرة موز بعيدة
" تلك شجرة جدك شاهين كان كابنه عنيدا على مخالفة غيره
وأصر عليها وهي لا تثمر هنا وهذا ليس مكانها وبقيت صغيرة
الحجم هكذا بالمقارنة بباقي الأشجار "
لم تستطع امساك ضحكتها ونظرت لتلك الأشجار قائلة بفضول
" وفيما يشبه كل واحد شجرته "
قال من فوره وبذات ابتسامته
" والدتك كالدراق تماما ناعمة وحلوة إن كانت كما أذكرها فهي
كذلك تماما جميلة بنعومة الحرير حلوة في كل شيء في حديثها
في طريقة كلامها .. صوتها نظراتها ابتسامتها ضحكتها وكل شيء
أما جوزاء في وقت طفولتها كانتا وجنتاها مستديرتان وممتلئتان
وحمراوتان بشدة كالتفاحتين تماما وها هي مثله أيضا إن ضربك
أحد بثمرة منه على رأسك فقدت الذاكرة بسبب صلابتها "
لم تستطع امساك ضحكتها وقالت
" بل أراها رائعة "
قال مبتسما
" بلى فداخلها أيضا مثل لب التفاح ، أما نصيرة رحمها الله
فكانت كالمشمش بالفعل طرية لينة وعطبها سهل أيضا ، وابنها
قاسم كالزيتون تماما تستفاد منه في جميع حالاته وفي كل شيء
كما حبة الزيتون مفيدة وهي هكذا وإن عصرناها أو طحناها أو
خللناها وحتى نتاج عصرها يستفاد منه ولا يرمى منها شيء وهو
كذلك رجل يستفاد منه في كل حال ووقت وموقن بأنه سينجح حيث
سيكون كرجل كصديق كزوج وكأب "
نظرت ليديها تسحب بأصابعها كميها الطويلان وابتسمت بحزن
وتابع هو بضحكة مشيرا بعينيه جهة شجرة الموز
" أما والدك ووالده فاختارا أشجارهما بنفسيهما فليفسرا بنفسهما
علاقتهما بها "
ضحكت ونظرت تبحث بحدقتيها بين الأشجار قائلة
" وماذا عن شجرتك أنت "
أشار بإصبعه وقال مبتسما
" إنها تلك هناك شجرة الإجاص مثلي تماما طرية من الداخل
والخارج تأكلها بقشورها "
ضحكت وقالت ناظرة للشتلة قربه
" وماذا اخترت لي يشبهني ؟ "
رفعها من ساقها الطويل وقال مبتسما
" شجرة اللوز "
ماتت ابتسامتها وقالت
" ولما اللوز ! هل أنا أشبه قشرة حبة اللوز "
ضحك كثيرا وقال
" لا بالطبع لكنك مثل شجرتها خضراء زاهية في الربيع
والصيف وأغصانها مغطاة بالأزهار الجميلة شتاء ... أي
لا تتعرى أغصانها أبدا "
قالت بتذمر
" والزيتون والسنديان لا تسقط أوراقهم أيضا "
أمسك خصره بيديه وقال
" هل ثمة من يكره النظر لشجرة اللوز في الشتاء ؟ إنها الشجرة
الوحيدة الرائعة الجمال في ذاك الموسم وأنتي مثلها فلما يضايقك
وصفك بأنك جميلة دائما ؟ ثم أنا لا أتراجع في اختياراتي ، كان عليا
أن أتوقع ذلك فوالدك وجدك أيضا اعترضا واختارا بنفسيهما وأمامك
النتائج فلا تعانديني كي لا تخسري وتصبحي سخرية للأجيال القادمة "
مدت شفتيها بعبوس فضحك وقال
" لا مفر لك منها وفي الشتاء القادم ستكونين الأسعد بهذا "
انحنت ورفعت المعول بحركة غاضبة متمتمة بضيق
" قل بعد عشر سنين حتى تكبر هذه الشتلة الهزيلة "
ضحك ورفع هو الفأس قائلا
" وقد يكون ابنك يركض حولها حينها "
*
*
*
دخلت الغرفة تحمل كوب الحليب الدافئ في يدها وقالت متوجهة
ناحية الجالسة على السرير تربط رأسها وتمسكه بيدها تئن بتألم
" هذا سيفيدك كثيرا فعليك شربه بأكمله "
أمسكت رأسها بكلتا يديها قائلة بصوت متعب
" هل غسلت الكأس جيدا ؟ "
ابتسمت ووصلت عندها قائلة
" أجل ومرتين أيضا "
أخذته منها وشربته دفعة واحدة ثم وضعته على الطاولة بجانبها
فجلست قربها ووضعت يدها على جبينها قائلة بقلق
" حرارتك لم تنخفض أمي ! "
دفعت يدها عنها ووضعت المنديل على فمها وأنفها قائلة بضيق "
ابتعدي عني يا كنانة أتريدين أن تصيبك العدوى ؟ وغادري السرير
بسرعة فهو مليء بالجراثيم والفيروسات "
وقفت وقالت مبتسمة
" هل سأبتعد عن المرض هكذا ؟ ثم أنا الزكام لا يأتيني مثلك بهذا
الشكل ولا خوف علي "
عادت لإمساك رأسها تهز جسدها بأنين متألم ولم تعلق لحظة أن
دخل شخص آخر للغرفة واقترب منهما قائلا
" كيف أنتي الآن؟ "
قالت التي لا زالت تحرك جسدها متألمة
" لست بخير ... لست بخير ، غادرا بسرعة لا أريد سماع أصوات
أو التحدث أرجوكم رأسي سينفجر "
نظرت كنانة لوالدها بحزن فحرك كتفيه بقلة حيلة وخرج وهي
خلفه وما أن كانا في الخارج قالت بأسى
" نحن في فصل الربيع الآن فلما تصاب بالزكام ! ومتى ستمرض
كغيرها من البشر ؟ "
حرك رأسه بعجز قائلا
" تعلمين حيدا ما قال الاطباء يا كنانة فهوس والدتك بنظافتها
ومحاربتها لجميع أنواع المخلوقات المجهرية ضارة كانت أم نافعة
لم يعزز مناعة جسدها في مقاومة المخلوقات الغريبة التي تدخله
فلم تعد مناعتها الطبيعية تقاوم أي مرض بل وحتى الأدوية لم تعد
تجدي معها ولا شيء في يدنا نفعله سوى البقاء قربها حتى تتخطى
حالتها المرضية كالعادة "
تحركت من هناك قائلة
" إذا سأعد لها شايا بالزنجبيل فقد يفيدها "
أمسكها من يدها موقفا لها وأدارها ناحيته قائلا
" شربت كأس الحليب الآن يكفيها سوائل ثم أليس ثمة حفل في
منزل عمتك ببريستول عليك أن تكوني فيه ؟ "
فتحت فمها وأغلقلته أكثر من مرة قبل أن تقول
" وأترك والدتي وهي بهذه الحالة ؟ يمكنك أنت الذهاب نيابة
عنا أو اتصل بعمتي واعتذر منها "
قال من فوره
" بل عليك الذهاب وأنا سأبقى مع والدتك "
كانت ستتحدث فسبقها قائلا بإصرار
" كنانة وجودك هناك أهم من وجودي فعليك أن تلتقي بالشاب
الذي سترتبطين به ولا أريد أن تضيعي الفرصة وتتزوجيه
دون أن تري ولا شكله أو تقيمي طريقة تفكيره ما أن
يتحدث أمامك "
أحنت كتفيها بقلة حيلة ولم تستطع أن تقول بأنها قابلته صباحا
لكنها حاولت مجددا ودون يأس
" لا داع لذلك أبي أنا موافقة من دون أن أراه ... أؤكد لك ذلك "
حرك رأسه بالنفي قائلا
" وما سيكون موقفنا أمامه وموقف والدتك أمام والدته إن ذهب
ولم يجدك وتحت أي سبب كان ؟ لن تظهري تربيتنا لك بذاك الشكل
السيء ولن نعطيهم انطباعا سيئا عنا يا كنانة فإن كنت أنت
المريضة ما كانت تلك حجة وسيظنون أننا نكذب أو أنك تدعين
ذلك كي لا تري ابنهم ، سأتصل بشقيقك ليأتي لأخذك هناك فلن
تركبي سيارة أجرى حتى بريستول وحدك "
أومأت برأسها موافقة وابتسمت له بحنان فوالدها كان دائما هكذا
بعقل كبير يزن كل الأمور ويكره ترك أي شيء للصدف وهي
ما كانت لتفعلها وتتغيب عن الحفل دون أن يكون لذاك الشاب
علم مسبق بذلك بل وكانت ستخبره من تكون ولا تضع نفسها
وعائلتها في موقف سيء أمام تلك العائلة ، أمسك وجهها بيديه
وابتسم قائلا
" لا نريد أن تضيعي زوجا مثل ابن تلك العائلة فأقل ما قد يمنحه
لك أن تكوني في بلادك وتحققي حلم طفولتك وحياتك "
ابتسمت ودموعها تملأ عينيها وأمسكت يده وقبلت بطن كفه
فقال ماسحا على شعرها
" هيا اذهبي وجهزي نفسك بالكاد سيكفيك الوقت فالمسافة بعيدة
بعض الشيء وستصلين متأخرة "
أومأت بحسنا وغادرت من أمامه فأوقفها صوته مناديا لها
فالتفتت له فقال بجدية
" أنا أثق بك يا كنانة فلا تنفردا وحدكما أو يطلب منك الخروج
من هناك وتوافقي ، لا تشوهي تربيتنا لك وإن كان الثمن أن
لا يكون ثمة زواج بينكما فأنتي أهم عندنا من رجال الأرض
جميعهم "
عادت ناحيته وحضنته بقوة قبل أن تغادر مجددا جهة غرفتها
ودخلت وحملت الفستان الذي ظنت بأنها لن تلبسه الليلة أبدا ولن
تراه ولا يراها به ، صحيح أنه بسيط جدا أمام ما سيلبسنه النساء
هناك لكنها لا تهتم ولا بكونه ابن تلك العائلة الثرية وتأمل بأن نظرتها
فيه لن تخيب وفي أنه ليس ممن ينظرون للناس بدونية لأنهم أقل منهم
ومؤكد يشبه والدته التي اختارتها له دون أن تهتم بالفروق الاجتماعية
بينهم .
دخلت الحمام مسرعة لتستحم سريعا وتجهز نفسها في أقصر وقت
ممكن فهي تشعر بحماس يكاد يقتلها لرويته مجددا ومعرفة رد
فعله ما أن يعرف من تكون .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 67 others like this.
رد مع اقتباس
#6293
قديم 16-01-18, 01:15 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
نظر لساعته مجددا ثم للباب قبل أن ينقل نظره بين الحضور
في الأرجاء ، لم يتم دعوة سوى المقربين وبعض رجال الأعمال
وشخصيات سياسية معينة إلا أن غرفة الاحتفالات الواسعة تلك
باتت شبه ممتلئة رغم أنها تأخذ أغلب مساحة الطابق الأرضي
ورواح السبب الرئيسي في ذلك بالطبع ، نظر جهته وتنهد بضيق ..
لا يفهم ما سبب دعوته لكل أولئك الفتيات لا وشقراوات جميعهن ؟
هو لا يتصرف بغرابة هكذا إلا والمدعوة ساندرين في الموضوع
ومؤكد يخطط لأمر ما ولن يستبعد حربا طاحنة هذه المرة فقلبه
يخبره بأن هذه الليلة لن تسلم من الأعاصير المدمرة ، ومن الجيد
أن جده يرفض وجود الصحافة رغم أهمية ذلك بالنسبة لعملهم
فإن سلمت الحفلة من رواح وتلك الفتاة لن تسلم من البقية خاصة
زيزفون ووالدة زوجها أو في مواجهة أي كان فتلك الفتاة ظهر أنها
تنافس حبيبة رواح بأضعاف رغم صمتها الدائم ، نظر لساعته
مجددا وتحرك من مكانه مغادرا من هناك فلن يضمن أبدا أن لا
تحظر رغم يقينه من أنها لن تخلف بوعدها لوالدة رواح لكن
مزاجها المشتعل الذي عادت به للمنزل بعد خروجهما لن يستبعد
معه أن ترفض الحضور رغم أنها لم تتحدث طوال طريق عودتهما
لكن رفضها ولا النظر جهته كان كافيا ولم يستطع هو قول شيء
ولا مناقشة الأمر معها لأنها ستجعله مذنبا وبكل بساطة خاصة
بعد العرض السخيف الذي قدمته إيلينا أمامها والذي هو موقن من
أن وجود زيزفون معه كان السبب فيه ، هو لا يريد أن يجعل من
نفسه عدوا لها وعليه أن يتحلى بضعف صبره السابق معها لأنه
ومهما بحث وتقصى ستبقى هي حلقة الوصل الأقوى بحقائق
ماضيها ولن يكتشف كل شيء ويصل للحقيقة كاملة إلا من خلالها
خاصة أن ذاك الطبيب غادر إنجلترا بجواز سفر ونزل بلاده بآخر
وليس يفهم كيف فعل ذلك ولا تفسير للأمر سوى بأن تلك اليد
القوية والسلطة العليا المجهولة وراء الأمر ! لا زال لا يفهم لما
لم يقم ذاك الشخص بفك خيوط القضية حتى الآن ! ما الذي
يمنعه فمؤكد هو لن يتوانى عن تقديم أي شيء من أجلها
والثمان سنوات الماضية تشهد له بذلك ! أويس أيضا لم يحصل
حتى الآن إلا على القليل لكنه لن يبعد ذاك المدعو بشير عن حلقة
الاتهام أبدا حتى تثبت براءته أمامه هو وقاص وليس قضاء أي
بلاد ، وما سيقومون به الآن هو مراقبته وسيكتشف جميع خباياه
وإن بعد حين خاصة أنه وشقيقتاه لكل واحد منهم والدا لكن
والدتهم واحدة وجميعهم من الحالك بينما والدتهم من الهازان
وهم والدة زيزفون والمدعو بشير وأخرى متوفاة كانت متزوجه
من خماصي وتركت بعدها ابن وإبنة ، وزيجاتها الثلاث كانت
سرية غير موثقة ونسبت أبنائها الثلاثة لعائلتها وليس لآبائهم
لذلك وافقت والدة زيزفون الزواج من والدها إسحاق فمصيرها
يشبهه ابن نسب لوالدته وعائلتها أما شقيقتها والمدعوة سلافة
فقد تزوجها قريبها من والدتها الخماصية وتزوج بعد وفاتها من
امرأة من الحالك .. إلا المدعو بشير ثمة غموض كبير حوله من
اختفائه صغيرا حتى ضنوا أنه ميت ثم ظهوره مجددا واقتحامه
حياة شقيقته والدة زيفون خصيصا حتى أنه لم يهتم ولا لإبني
شقيقته الثالثة المتوفاة فكل هذا يثير الشكوك حوله ولن يتجاهله
أبدا ومن الغباء تجاهل غموض ذاك الرجل .
ما أن وصل ممر غرفتها وقف مكانه ينظر لباب الغرفة الذي
انفتح ببطء وللتي خرجت منه ووقفت مقابلة له تنظر له بصمت ...
من وضعته في مأزق معها قبل نفسه وكأنها تريد اختبار سيطرته
على مشاعره وانفعالاته وكيف بالله عليها ستتوقع غير النظرة
التي رأتها في عينيه وصعب عليه السيطرة عليها وهو ينظر
لذاك المشهد أمامه ... الثوب الأخضر الربيعي الحريري
المنساب بنعومة على جسدها النحيل مظهرا تفاصيله حتى وركيها
لينزل بعدها بانسيابية وصولا للأرض مع ذيل خفيف خلفها ،
أحد كتفيه ووصولا لوركها عبارة عن قماش شفافي مبطن بطبقة
قماش تحته بلون الجلد وقد تم وبحرفية تثبيت أزهار قماشية
صغيرة تمسكها حبة لؤلؤ صغيرة حقيقية في منتصف كل
واحدة منها في تجمعات أنيقة باللون الأخضر الغامق وأوراق
بشكل زخرفة تم تطريزها يدويا بالعقيق الأبيض والفضي تحد
حوافها وبالعقيق الأخضر داخلها .. كانت تلك النقوش تغطي
جانب الفستان الأيمن بالكامل وتمر حواف نهاية تلك الزخارف
المطرزة بخصرها حتى منتصفه وللأسفل حتى الفخذ ويمتد
القماش لكفها في كم وأحد شفاف ومزين بذات الورود والعقيق ،
أماكتف الفستان الآخر كان كباقي الفستان من القماش الحريري
ولا كم له يخفيه شعرها الطويل الذي كانت تجمعه عند ذاك
الكتف تاركة لغرتها الخفيفة الطويلة حرية الانسياب معه
في ذاك الجانب ليظهر القرط الزمردي اللامع في أذنها اليمنى
والسلسال الفضي الذي يزين عنقها ينتهي بزمردة خضراء أيضا
تظهر بأناقة من ياقة الفستان المثلثة الشكل ، كانت وبكل
بساطة حورية فاتنة ومبهرة تحار ما الرائع فيها أكثر من غيره !
حتى الرسم الأسود الخفيف لعينيها الواسعة وأحمر الشفاه بلون
التوت البري الذي يزين شفتيها وهو ذاته لون طلاء أظافرها
الذي أبرزها في تلك الأصابع البيضاء ... هذه حورية من الجنة
بلا شك ! .
" إن كان سيئا فعليا عودة أدراجي لأني لم أشتري غيره "
رفع نظره لعينيها ما أن وصلته كلماتها الامبالية تلك فحرك
رأسه مبتسما واقترب منها قائلا
" إن كنت تودين تمريني على الكذب الليلة فساقول بأنه ليس
جميلا ولست رائعة "
وما أن وصل عندها رفع ذراعه لها فرفعت يدها له وألتفت
أصابعها حول مرفقه وسار بها قائلا بابتسامة
" لا تنسي بأنك مرافقتي الليلة والمرافقة لا تترك رفيقها وتحت أي
سبب كان "
رفعت نظرها له وقالت بابتسامة جانبية
" ولا في وجود حبيبتك تلك ولا ربيكا ولا آندريا ولا إيما ؟ "
ضحك رافعا رأسه للأعلى ثم نظر لها وقال
" إيلينا بت تعلمين جيدا أنها ليست حبيبتي ، ثم لم أكن أعلم
بأنك كنت منتبهة لمكالماتي مع موظفات مكتبي هكذا ؟ "
أبعدت نظرها لطريقهما خلال الممر ذو الأرضية الرخامية والمغطى
ببساط أحمر فاخر وقالت ببرود
" المهم أن لا تكون إحدى نسائك السبب وتلقي عليا باللوم حينها "
قال مبتسما
" لن تكون أيا منهن هنا فلا تغادري أنتي بسبب والدة زوجك
فهي لم تنسى ثأرها منك بعد "
شعر بأصابعها تشتد على مرفقه قبل أن تسحبها بعنف ووقفت
مكانها حيث كانا قرب الباب الخشبي الواسع المرتفع والمفتوح
على مصراعيه فوقف والتفت لها وقد قالت بضيق محدقة بعينيه
" لا تقل زوجك مجددا ، إن كنت أنت راض عن المرأة التي
اختارها لك جدك فأنا لا ولم يأخذ أحد برأيي أيضا "
تنفس بعمق وبطء فها هي تحتج ولأول مرة على واقع لم تكن
تبالي به ، رفع ذراعه لها مجددا وقال بهدوء
" حسنا آسف خطأ ولن يتكرر ومعك حق ذاك الرجل ليس
زوجك ولن يستمر ذلك .. وسنقول والدة نجيب "
قالت بحنق
" لا تذكر اسمه أمامي "
ضحك وشدها من يدها قائلا
" حسنا زوجة والدي هل يرضيك هذا ؟ "
لم تعلق على ما قال ودخلا المكان الذي اختلطت فيه الفخامة
بالإنارة الخفيفة المميزة ورائحة العطور الفاخرة برائحة التبغ
الفرنسي المميز نظراتها تتنقل بين الموجودين ببطء كي لا
تظهر بمظهر سخيف ، لكن ذلك كان خارجا عن إرادتها فهي
عاشت منعزلة ولم تشفى من الرهاب الاجتماعي إلا من عامين
ونصف تقريبا حتى أنها في تلك المتاجر صباحا لم تفضل البقاء
فيها طويلا ، آخر ما قال لها طبيبها بأنه عليها أن تؤمن بأنها شفيت
أو لن تتغلب على وهم المرض أبدا رغم شفائها منه فعليها
اليوم مواجهة ذلك بالرغم من أنها تكره أن تستمد ذاك الأمان
من السائر قربها الآن ورفضها خوض التجربة وحيدة في مكان
لا تعرف فيه أحدا تقريبا لكنها خشيت للحظة أن تفشل فاختارته
على الفشل ، وهذا ما كان يشعر به هو جيدا واستشفه من
حركة أصابعها التي كانت تقبض على طرف كم سترته وتحرره
كل حين ما أن دخلا واستطاع ترجمة بعض مما يحدث داخلها
وإن كان لا يظهر عليها ذلك أبدا ولن يستغربه فلا يبدوا أن
ما مرت به هين ، ليته فقط أدرك ذاك الطبيب قبل أن يغادر كان
سيستعلم منه عن أمر واحد فقط وسيفعل المستحيل ليعرفه وهي
مسألة الاغتصاب في ملفها ولما تم سحبها من القضية بالسرعة
التي ظهرت بها ! شعر بقلبه انقبض لا شعوريا من مجرد الفكرة
التي يهرب حتى من التفكير فيها ويحاول استبعادها قدر الامكان
وهذا ما فعله لحظتها أيضا وقد سار بها يمينا مجتازا بعض
الضيوف وطبعا لأن أغلبهم انجليز فمن عاداتهم أن لا يستقبلوا
الضيف من دخوله الباب رغم أن الأنظار أغلبها كانت مسلطة
عليهما ولن يستغرب ذلك في ظهورها الأول والفريد من نوعه
هكذا ، قال يسحبها من يدها
" تعالي ثمة من أريد أن اعرفك عليه أولا "
ومقصده كان شخصا عند نهاية المكان من الجهة الأخرى لولا
قطعت طريقهما التي قالت ضاحكة
" أووه لا تقل بأنك وكاص ؟ "
وقف ونظر لها ، كانت امرأة في منتصف الأربعين من عمرها
لكن اهتمامها بمظهرها وجمالها يظهرانها أصغر من ذلك بكثير ،
لم يتعرف عليها من شكلها بل من طريقة نطقها لاسمه فقال
بابتسامة جانبية
" مرحبا سيدة شيرل"
ضحكت بصوت مرتفع كعادتها التي يبدوا أن السنين لم تغيرها وقالت
" تذكرني إذا أيها المحتال ؟ ألم يكن ثمة اتفاق أن تتزوجني حين
تصبح شابا ؟ "
قال بابتسامة جانبية
" وأذكر أن الشرط لم يتحقق "
ضحكت مجددا وقالت تبعد خصلات شعرها القصير خلف كتفها
" يالك من مخادع فمشروبك كان به سكر لذلك لم يمتزج مع
مشروبي واحتلت علي "
وتابعت ونظرها ينتقل للواقفة بجانبه
" سمعت أنك تزوجت .... اوه اوه اوه لديك ذوق فريد من نوعه
لذلك خنت العهد معي إذا ؟ "
ابتسم قائلا
" هذه ليست زوجتي هي ابنة عمي واسمها زيزفون "
حركت كفها بعشوائية قائلة
" لما أسماءكم غريبة وصعبة هكذا ؟ "
وتابعت مبتعدة من هناك وملوحة بيدها
" حسنا نلتقي فيما بعد عليا البحث عن سبب هذه الحفلة فمؤكد
لم يتزوج حتى الآن "
وغادرت ضاحكة ونظراته تتبعها قبل أن ينقلها للتي همست بسخرية
" يبدوا أنك تجمع الأعمار جميعها "
ضحك وسحبها من هناك سائرا بها وقال
" تلك المرأة لم أرها منذ كنت في الرابعة عشرة وتوقفي عن
مهاجمتي "
" مرحبا سيد "
التفت لهما الذي كان يقف عند الطاولة الطويلة المليئة بالأطعمة
يقضم قطعة كعك محلى يمسكها بأصابعه وكان رجلا تجاوز الستين
من عمره بشعر رمادي وصل طوله لكتفيه غير مرتب ولكنه جميل
ذات الوقت بسبب تموجه الناعم .. سترته السوداء مفتوحة كما
زري قميصه العلويين ولم يكن يلبس ربطة عنق ، ما أن نظر له
حتى فرد ذراعيه له قائلا
" أوه سيادة وكيل النيابة الوسيم "
ضحك له وتعانقا وقال ذاك مربتا على ظهره
" ظننتك ستزورني في منزلي ما أن تعلم بخبر عودتي يا محتال "
ابتعد عنه وقال مبتسما
" لو أني وجدت وقتا لفعلتها "
ضرب على صدره بقبضة يده التي لازال يمسك فيها قطعة الكعك قائلا
" أجل أجل تعذر بحجج سخيفة "
نظر بعدها للواقفة بجانبه وقال باستغراب
" هذه ليست زوجتك ؟ لا أذكر أنها كانت هكذا حين سافرت "
نظر لها وقال
" لا هذه ابنة عمي زيزفون "
صفر من فوره قائلا
" الجمال الصامت تعني ؟ أخبرني جدك عنها سابقا "
نظر له بعدها وحرك يديه قائلا بضحكة
" كان على ضرار استبدال قطع الشطرنج فعلا "
ولكمه على صدره مجددا قائلا بابتسامة
" هذه كان يجب أن تقف بجانب الملك "
ابتسم له ونظر للتي كانت تنظر له وقد أدارت حدقتيها مبتسمة
ابتسامة جانبية فضحك ضحكة صغيرة ونظر للواقف أمامهما وقال
" هذا يا زيزفون السيد إنه أحد الرسامين المعروفين هنا وهو
صديق قديم للعائلة "
نظرت له وقالت بابتسامة صغيرة مجاملة
" سررت بمعرفتك "
فكاد يغص باللقمة في فمه والتفت للطاولة خلفه فورا ورفع
كأس العصير وشربه بأكمله قبل أن يلتفت لهما مجددا قائلا بصدمة
" ليست خرساء ! "
قال وقاص مبتسما
" لا هي كانت تعاني فقط مشاكل في النطق بسبب الأكياس المائية
في دماغها وزال السبب بزوال مسببه وانتهى "
وتابع وقد أراح يده على كتفها
" وهي صاحبة لوحة النصف المفقود "
نظر لها الواقف أمامها بصدمة ووضع ما في يده أولا قبل ينظر
لها مجددا قائلا
" أنتي من أنهى تلك اللوحة الناقصة لجوش سبنسر ؟ "
نظرت للواقف بجانبها والذي كان ينظرا لها مبتسما ثم عادت بنظرها
له وقالت هامسة بابتسامة خفيفة
" أجل "
تأوه من فوره وأبعد يد وقاص عنها وأمسكها من ذراعيها ودون
أن تفهم ما يجري أو تدرك ذلك سحبها نحوه وقبل خدها بخفة
وسرعة وابتعد عنها قائلا " يا الهي لا أصدق إن تلك اللوحة
تحولت لتحفة فنية بسببك رغم أن عائلة سبينسر لم يعرضوها
سوى ليوم واحد لكني كنت محظوظا برؤيتها "
كانت متصلبة مكانها لم تفق من صدمتها بعد مما فعل فأمال
الواقف بجانبها رأسه وهمس في أذنها مبتسما
" ها قد ظهر أنه لك حبيب أيضا "
زمت شفتيها بحنق وضربته بمرفقها فضحك ولم يعلق وانطلق
الواقف أمامهما يتحدث دون توقف عن مزايا تلك اللوحة وما تثيرة
في نفس الشخص ما أن يراها وعن أسرار وكنوز وأمور تخص
الموضوع ولا تخصه ، توقف فجأة ونظر لها وقال
" ماذا رسمت أيضا ؟ "
أبعدت نظرها عنه وهمست ببرود
" لا شيء ... أعني لا شيء مهم "
نظر لها باستغراب وقال
" لا لوحات لديك ؟ "
حركت رأسها نفيا فتأوه ونظر للواقف بجانبها قائلا
" ألا يوجد مرسم لها هنا ؟ ما هذه الجريمة الشنعاء ! "
كان سيتحدث لولا قاطعته التي اقتربت منهما وكانت في السابعة
عشرة تقريبا بفستان أسود قصير وشعر يوازيه طولا ولونا
وسحبته معها قائلة
" تعالى جدي وتوقف عن تناول السكريات هيا ... معذرة منك وقاص "
وغادرت به تسحبه مرغما لا تهتم بما يقوله وابتعدت به عنهما
فرفع وقاص كأسي عصير توت وقدم لها واحد فأخذته منه تنظر
حولها بصمت تتجنب نظراتها شخصين محددين وهما ضرار
سلطان وزوجة ابنه تلك فكل واحد منهما كان يخصهما بنظرة
الا تعجبها أبدا .. نظرة رفض وعدم رضى يرميهما بها ذاك العجوز
من حين لآخر ولم تزدها إلا إصرارا على البقاء بقرب حفيده
المفضل ، ونظرة حاقدة لم تفارقهما تقريبا من عيني تلك الكريهة
كابنها .
" تلك اللوحة تم سحبها بالفعل بعد يوم واحد من عرضها فيبدوا
أن اكتشاف هوية صاحبتها لم يكن صعبا على الجميع "
أخرجها صوته الهادئ من أفكارها تلك فرفعت كأس العصير لشفتيها
وشطفت منه ببطء ولم تعلق نظرها لازال على المدعوة أسماء
وكأنها تتحداها عمدا الند بالند وتابع الواقف قربها
" أتعلمي بأن تلك المرأة في اللوحة باتت تغير من مظهرها قدر
الامكان بسببها ؟ "
أنزلت الكأس وسرق نظرها هذه المرة وقد رفعته له رغم أنه كان
ينظر للبعيد وقالت
" ألازالت حرة طليقة ؟ "
نظر لها وقال
" لا يمكن إدانتها يا زيزفون فالحجة ستكون ضعيفة بل
وسيرفضها القضاء "
اشتدت قبضتها على الكأس بين أصابعها حتى كادت تحطمه
وتحولت نظراتها للغضب فجأة وقالت بضيق
" أفهمت الآن ما عنيت سابقا ؟ من سيدين أمثالها ومن سيخرج
ضحاياهم من السجون إن كنت أنت نائب المدعي العام تقول هذا
يا وقاص ؟ "
تنقلت نظراته بين حدقتيها اللتان تلونتا بتلك الغيوم الرمادية الغاضبة
فتابعت بحدة ملوحة بيدها حتى كاد ينسكب العصير من الكأس فيها
" لما لا يحاسب القانون من يحرض غيره على ارتكاب الجريمة
أو يدفعه لها بينما يدين فاعلها ؟ من سيأخذ بحق ذاك الشاب
من تلك الحية وغيره وأمثاله الكثيرين ؟ "
شد على أصابعها بقوة وقال بجدية ناظرا لعينيها
" سيحدث ذلك يا زيزفون فليس ثمة مذنب يهرب من العدالة الإلاهية
في الأرض طويلا ، ولن يضيع حق لم يهمله صاحبه "
أبعدت نظرها عنها وسحبت يدها من يده ومررتها في شعرها
بحركة متوترة ولم تعلق فمرر هو أيضا أصابعه في شعره
المصفف بعناية للخلف وتنفس بعمق مغمضا عينيه ، أيعقل أن
يكون هذا هو السر وراء جريمة ماضيها ! أثمة من حرض غيره
على ارتكابها أو دفعه لفعلها لذلك لم يثبت عليه القضاء أي شيء !
لكن من يكون ؟ ومن الذي اختاره ليرتكب جريمته عنه ؟
هي أم شخص آخر وهو من تصمت تماما عنه بل وتتحمل الجريمة
من أجل حمايته !! .
نظر للذي دخل من الباب للتو ثم لها ومن تحريكها للكأس في
يدها بعشوائية علم بأنها غاضبة وبأن مزاجها انحدر للسوء
فوضع كأسه وأخذ كأسها منها ووضعه أيضا وأمسك بيدها وتحرك
بها من هناك قائلا
" تعالي لأعرفك بخال رواح ووالد زوج ماريه التي التقيناها اليوم "
وسار بها ناحيته فعلى ذاك الجو المشحون أن يتبدد قليلا ، وصلا
عنده ولامست يده كتفه فالتفت له لأنه كان يتحدث مع أحدهم
وقال مبتسما ما أن وقع نظره عليه
" مرحبا بنائب المدعي العام "
قال بضحكة حفيفة
" متى سأتخلص من هذه الألقاب ؟ "
ضحك الواقف أمامه وقال
" بل عليك أن تفخر بهذا "
قبل أن ينقل نظره للواقفة بجانبه قائلا بابتسامة
" ومن تكون هذه الجميلة ؟ "
ابتسم ونظر لها قائلا
" هذه زيزفون ابنة عمي إسحاق "
قاطعهم الصوت الحانق من خلفه
" فعلتها إذا ولم تحضرها معك ؟ "
التفتت للتي كانت تنظر له بخيبة أمل وقال
" أخبرتك بأنه ليس وقته يا رقية "
وتابع باحثا بنظره في الموجودين
" ألم يحظر تيم ؟ "
تنهدت بضيق قائلة
" لا إن كان هذا سبب عدم جلبها معك "
قال متجاهلا ما قالت
" أين صاحب كل هذا الحفل ؟ "
وضحك ما أن وقع نظره على الواقف بعيدا بين أربع انجليزيات
شقراوات لا يتوقف عن الضحك والحديث معهن ومنشغل بهن تماما
وقال مبتسما
" ابنك يحتفل بنفسه بطريقة غريبة "
نظرت جهته وقالت بضيق
" وهل يتعبني شخص في الوجود مثله هو وغرابة أطواره ؟
أشك دائما بأني من ربى وقاص معه صغيرين "
ضحك وقال مغادرا ناحيته
" يبدوا كان عليك تسليمه لضرارا فيما بعد أيضا كوقاص "
تمتمت بضيق " وهل أنا من اختار كل ذلك ؟ "
ثم التفتت لهما مجددا وقالت مبتسمة
" زيزفون أنتي رائعة اليوم وبشكل لا يصدق وكثير يسألون
من تكون هذه الفاتنة "
همست بابتسامة مجاملة مغصوبة
" شكرا لك "
فضحكت ونظرت للواقف بجانبها قائلة
" لم يدعوا وقاص أحدا من زميلاته ولا أصدقائه لما تركوه لك أبدا "
وما أن أنهت عبارتها تلك نظرت جهة من دخلوا للتو وقالت مغادرة
" عذرا منكما "
وابتعدت عنهما ونظره يتبعها ونظرت الواقفة بجانبه لرسغ كم
فستانها المطرز وقالت
" تبدوا وحدها من تتقبل وجودنا معا الليلة "
نظر لها وقال
" لا تشغلي نفسك بذلك فأمثالها ممن يتفهمون وضعنا كقريبين كثر
يا زيزفون وهي بالفعل امرأة رائعة مختلفة تماما عن زوجتا
والدي الأخريتين "
قالت ببرود ونظرها على الواقف بعيدا مع مجموعة من رجال الأعمال
" لا أفهم كيف فكر جدك بغباء هكذا ؟
وتابعت بسخرية
" وأراه سيكرر هذا معكم ويزوج كل واحد بأربعة لتمتلئ مملكته
بالأحفاد طبعا "
رفع رأسه ضاحكا ثم نظر لها قائلا
" ومن سيرضى بذلك ؟ أنا لا أحب التعدد وطفل واحد يكفيني "
نظرت له قائلة بابتسامة ساخرة
" ومؤكد كمحام لا تحب الطلاق أي أن زوجتك ضمنت مكانها وللأبد "
ارتسمت ابتسامة جانبية على طرف شفتيه وقال ناظرا لعينيها
" المرأة تضمن مكانها بعقلها وشخصيتها يا زيزفون لا بأفكار
الزوج ومعتقداته فالحمقاء فقط من تفكر كذلك "
وماتت ابتسامته تلك واكتسى ملامحه الجمود وهو يرفع نظره
بالواقفة قريبا منهما بقليل تنظر ليس له بل للواقفة بجانبه نظرة
غاضبة حاقدة قبل أن ترفع نظرها له ولم تكن سوى جيهان شقيقة
جمانة فيبدوا بأنها وعائلتها وصلوا منذ لحظات ، اقتربت منهما من
فورها وكما توقع ويعرفها جيدا لن تتوانى عن فعلها فشخصيتها
مناقضة لشقيقتها التوأم في كل شيء كما مظهرها الخارجي ،
وصلت عندهما وقالت ونظراتها الباردة لازالت موجهة لزيزفون
" مرحبا وقاص "
ورفعت نظرها له حين قال ببرود مماثل
" مرحبا "
وتابع يعرفهما ببعضهما
" هذه جيهان شقيقة زوجتي جمانة يا زيزفون "
وتابع ناظرا للواقفة أمامه
" وزيزفون مؤكد سمعت عنها سابقا "
نظرت لها وقالت بابتسامة ساخرة
" آه أجل الخرساء المجنو... "
قاطعها بضيق قبل أن تنهي حديثها
" لو كانت خرساء ما عرفتها بك وأظنك رأيتنا نتحدث منذ قليل ،
وإن كانت مجنونة ما كانت هنا فهي أعقل من غيرها بكثير "
زمت شفتيها بحنق لفهمها مقصده وقالت ناظرة لعينيه
" وهذا يفترض أن يكون مكان زوجتك لاابنة عمك "
نظر لها نظرة كادت تهرب بسببها فسبق وحذرتها شقيقتها من
أن السخرية من طبعه المسالم أكبر خطأ قد يقع فيه من لا يعرفه
جيدا لكنها فقدت أعصابها ما أن رأت هذه الفاتنة ملتصقة به أو
بالأحرى يبدوا هو الملتصق بها ولا يتوقف عن الضحك والابتسام
وهو يحدثها ، قال بكلمات مشدودة تعلم بأنه لم يخرج بها كامل غضبه
" ألأجل هذا جئت هنا ؟ "
زمت شفتيها بحنق وتجنبت محاربته مجددا قائلة بشيء من الهدوء
" بل جئت أود التحدث معك قليلا ... ووحدنا "
أمسك يد الواقفة بجانبه وسحبها معه قائلا
" عذرا فلا شيء نتحدث عنه "
وابتعد بها حامدا الله أنها التزمت الصمت فهو يعرفها جيدا إن قررت
الدفاع عن نفسها دمرت نفسية الواقف في مواجهتها تماما ولا يستبعد
أن مزاجها السيء بسبب حديثهم ذاك عن القانون والقضاء السبب
لكانت ستقتص لنفسها منها بالتأكيد ولهذا ابتعد بها فلا يريدها أن
تغادر المكان بسببها .
قال مبتسما ونظره على من دخلوا للتو وكانت والدة رواح في
استقبالهم عند الباب
" ها هي رفيقة تسوقك اليوم قد وصلت هي وعائلتها "
*
*
*
رفعت سماعة الهاتف ونظرها على باب المنزل وهمست قائلة
" ماذا تريد ؟ "
وصلها فورا ذاك الصوت الرجولي الهامس كفحيح أفعى برية
" ماذا حدث معك ؟ "
دارت بمقلتيها في الأرجاء تراقب الأبواب المغلقة هامسة
" كل شيء يسير حسب الاتفاق "
عاد ذاك الهمس المبحوح مجددا
" اتفاق ماذا والأمور تبتعد من بين يديك يا سار..."
قاطعته هامسة بضيق
" كل ما فعلته سابقا لم يكفيك ؟ لقد جعلته يحرم الفتاة الدراسة
والخروج وجميع ما قد يربطها بالحياة وعاشت بائسة معقدة وحطم
حلم ابنه وبقي رأسه في تراب الأرض هنا كالنعامة وتقول لم أفعل
شيئا ؟ "
وصلها ذاك الفحيح الهامس غاضبا هذه المرة
" والفتاة ستتزوج من ابن شقيقة مطر شاهين وستنتشل بالتالي
شقيقها معها يا بلهاء ، تعلمين جيدا ما سيكون عقابك إن حدث ذلك "
ارتجف جسدها بأكمله وهمست من فورها
" لن يحدث ذلك ... أخبرتك بأني سأمنع حدوثه نهائيا وقد بدأت
في التنفيذ فتوقف عن الاتصال بي هنا "
وما أن أغلقت الخط أجفلت مفزوعة ونظرت خلفها للخادمة التي
كانت تنظر لها باستغراب فصرخت فيها فورا
" ماذا تفعلين هنا ؟ ألهذا أرسلتك سيدتك لتكوني جاسوسة لها ؟ "
نظرت لها ببرود كعادتها فصرخت فيها بقوة
" تحركي من هنا "
فانتفضت في مكانها وغادرت مسرعة لحظة أن انفتح باب المنزل
ودخل منه صاحب ذاك الوجه القاسي المتجهم وكحاله في مثل
هذا اليوم من كل أسبوع بعد عودته من سوق الخضراوات في
غرير لأنه خسر بضاعته ولم يشتريها أحد بسبب إتلافها لها
بالمياه الساخنة البارحة وهي في الشاحنة فابتسمت بمكر قبل أن
تركض نحوه وأمسكت يده قائلة بجزع
" مصيبة يا إبراهيم مصيبة "
نفض يده عنها وصرخ فيها
" ماذا حدث أيضا ؟ يكفيني مصائبي "
ضربت خديها قائلة
" مخزن الأعلاف احترق بالكامل "
نظر لها بصدمة قبل أن يصرخ فيها بغضب
" ماذا ؟ متى حدث ذلك ؟ "
قالت كاذبة
" اليوم "
نظر حوله وكأنه يستوعب أين هو قبل أن ينظر لها صارخا
" مستحيل كيف يحترق وحتى أسلاك إنارة لا توجد فيه ؟ "
قالت ببكاء تمثيلي
" لا أعلم وأنت تعلم جيدا أني لا أقترب من تلك الجهة "
تحرك من مكانه خطواته تضرب الأرض بغضب فقد كلفته تلك
الأعلاف ثمن بيعهم لمحصول أرضهم نصف عام كامل لارتفاع
أسعارها كما أن الأغنام لم تحمل أو تلد ولا يفهم لما .. ! أي أنها
تأكل دون نفع من أكثر من عامين ، توجه جهة الجدار المحاذي
للمطبخ واستل سوط الأحصنة المعلق فيه بقوة ، لا خيول لديه
لكنه يحتفض به منذ أعوام لأغراضه الخاصة فقط وليعلم كل
مذنب ما سيكون عقابه من قبل أن يفكر في ارتكابه ، وقف
منتصف صالة المنزل وصرخ بأعلى صوته
" يمااااامة "
وحين لم يسمع ردا لندائه صرخ بقوة أكبر
" يماااااااااااامة "
فانفتح باب الغرفة المقابلة له في الجانب الآخر وخرجت منه
التي قالت وجسدها يرتجف ذعرا
" نعععم أبي "
ضرب به على الأرض وقال بغضب
" تعالي هنا "
جمعت كفاها عند شفتيها وبدأت بالبكاء وتقطعت كلماتها قائلة
" لم ... لست أنا أأبي أقسم لك "
توجه نحوها وجرها من كتف قميصها بقوة ساحبا لها على
الأرض وصرخ بغضب وذاك الوحش الأسود ينزل على جسدها
الصغير النحيل بقوة
" من إذا ووحدك من يطعم الأغنام ؟
من وأنتي أصبحت طوال اليوم هناك ؟ من تكلمي ؟ "
لكن ما نفع جوابها أو كلماته من بين صراخها المتألم وبكائها
العالي ترتجف وتتلوى على الأرض تحت ضربات ذاك السوط
الذي لا يرحم من جسدها شيئا صفيره يسمع من فوق صراخها
الباكي لا أحد يمكنه منع ذلك عنها ولا إيقافه ومن سيفعلها مثلا ... ؟
الخادمة المرعوبة ترتجف عند أحد الزوايا باكية تعلم جيدا
كما سبق وحذرتها من أن من يحاول منع والدها عن ضرب
أحدهم معناه أن يضرب معه أم شقيقاها التوأمان الصغيران
اللذان لم يستطيعا اجتياز باب غرفتهما لا يشاركانها سوى في
البكاء أم الواقفة خلفه مبتسمة بانتصار لنجاح النصف الأول
من خطتها ؟ من سيشعر بذاك الجسد البريء إن لم يكن القطعة
منه والواقف فوقه يضربه بكل قوة رجل حقول تربت يداه على
الحرث والحفر ورفع الأوزان الثقيلة ؟ من سيكون بعدما فقدت
الوحيدة التي كانت ستشعر بها وستضع نفسها تحت رحمته
من أجلها ؟ فلم تترك لها الحياة سوى شقيق لا حول له ولا قوة
مع غطرسة ذاك الوالد المستبد فبدأت تناديه من بين صراخها
الباكي رغم يقينها بقلة حيلته لا تحاول سوى إخفاء وجهها
بذراعها عن ضربات ذاك السوط الذي لم يهتم صاحبه
أين سيترك علاماته وإن أفقدها إحدى عينيها .
انفتح باب المنزل بقوة ودخل منه راكضا الذي وصله صوت
صراخها من قبل أن يعبر نصف أرضهم الواسعة وندائها بإسمه
من بين بكائها وصراخها شعر بأنه سكين غرس في قلبه
وشقه لنصفين ، ولأنه أعلم من غيره بأنه لن يستطيع إيقافه
ولا أخذ ذاك السوط منه رغم أن طوله يفوق طوله فهو سبق
وفعلها ومنعه عن ضربها حين نسيت باب الحضيرة مفتوحا
وهربت بعض الأغنام فكانت النتيجة أن تضاعف عقابها وتكرر
كعقاب له هو معها فما كان أمامه الآن سوى أن ينزل عندها
للأرض وينحني فوقها حاضنا لجسدها المرتجف الباكي يتلقى
عنها باقي العقاب الذي يجهل سببه ، أن ينقذها على الأقل من
الموت تحت يديه فلا أحد له في هذه الحياة غيرها يتحمل كل ما
يعانيه من أجلها فقط .. فلن يسمح بفقدان الشيء الوحيد الذي
تركته له والدته ويربطه بذكراها
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 68 others like this.
رد مع اقتباس
#6294
قديم 16-01-18, 01:19 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
ضغطت زر الطباعة وراقبت نظراتها المنتصرة الورقة التي بدأت
تخرج ببطء من الطابعة هامسة بابتسامة انتصار
" ها قد حانت ساعتك يا أويس عبدالجليل غيلوان "
فها هو مجهودها ستبدأ باقتطاف ثماره أخيرا فهي عملت لأيام على
جمع كل هذه المعلومات والتأكد منها جيدا لأن عمتها والتي تكون
شقيقة والدها تسكن الجنوب لزواجها من قريبها من والدتها
فجدتها والدة والدها جنوبية فاستعانت بابنة عمتها لجلب
بعض المعلومات لها فهم يعيشون في بلدة قريبة لبلدته هناك
وساعدها ذاك كثيرا .
سحبت الورقة من الطابعة ونظرت لها بانتصار تقرأ أسطرها
وكأنها لم تكتبها وترتبها بنفسها وتقرأها مرارا على شاشة
حاسوبها ، ستنتقم منه الآن انتقاما يليق بما فعله بها وآخره
ادراج اسمها اليوم على رأس القائمة للطلبة المجدين الملتزمين
بحضور محاضراته والجميع يعلم بأنه العكس ليوسع دائرة
التهمة حولها ونطاق الشائعات حولهما لكنها الآن وجدت
ما سيلتهون به عنها ولوقت طويل جدا ، بقي الآن أن تطبع
لها نسخا بعدد طلبة تلك الجامعة وسترى بعدها كيف سيدخلها
مجددا . وقفت وغادرت غرفتها بعدما أخذت حقيبتها معها
ونزلت السلالم مسرعة ومرت من خلف زوج والدتها الذي كان
يحدث أحدهم في الهاتف قائلا بضحكة
" كنت واثقا من قدرات ذاك الجنوبي لقد أنقذنا بذكائه من ضياع
تعبنا لأعوام "
كشرت باشمئزاز سائرة نحو باب المنزل فقد كرهت كلمة جنوبي
بل وأهل الجنوب جميعهم بسبب ذاك الرجل الوقح .
*
*
*
اقترب منها وأمسك ذراعيها وقبل خدها فالتفتت له فورا
فهي لم تشعر بدخوله ولا باقترابه ! قال وهو يفتح أزرار
سترته مبتسما " ما بها ابنة شاهين الحالك مستاءة هكذا ؟ "
قالت بضيق مشيرة بالهاتف في يدها
" زوجة والد يمامة لا تجيب ومنذ أيام أتصل بها لأذهب وأزور
يمامة وفي كل مرة تتحجج بحجة جديدة ولست أفهم لما يكونون
خارج المنزل كلما اتصلت بها وتعطيها الهاتف فقط لتحدثني
وبكلمات مختصرة ؟ حتى الخادمة قالت أن هاتفها وقع في الماء !
كنت أود الذهاب لرؤيتها وأخذ بعض الأغراض لها ولم أعد أصدق
كل تلك الحجج "
قال الذي بدأ بفتح أزرار قميصه
" هو شهر واحد فقط وستكون هنا وأنتي من حدد هذا الموعد
يا جوزاء "
قالت بذات ضيقها
" بل ثلاثة أسابيع ، ثم ما في الأمر إن زرناها كل فترة والأخرى
وهي خطيبة ابننا ؟ اتصل بوالدها وأخبره بزيارتنا فهو لن تنطلي
عليه حيل زوجته بالتأكيد "
رمى القميص وقال
" جوزاء أبعدي فكرة أن أكلمه أو أراه من رأسك فأنا لا أستحمل
ذاك الرجل إلا من أجلك وإن كان الأمر بيدي ما جلست معه دقيقة
واحدة ولولا رغبتك ما زوجت ابني بابنته "
نظرت له بضيق قائلة
" وقلت من البداية أنك لا تريدها زوجة له ؟ كنت سأبحث لها
عن غيره وإن كان عمي صقر "
لم يستطع امساك ضحكته واقترب منها وأمسك وجهها وقال
ناظرا لعينيها
" أي ستزوجينها لا محالة ؟ "
لم تعلق تنطر له بأسى حزين فقبل جبينها ثم أنفها وقال
" حسنا فقط لا تغضبي مني سأتحدث معه لكن ابنك من سيأخذك
ويرجع بك اتفقنا ؟ "
أومأت برأسها موافقة دون أن تتحدث فابتعد عنها ورفع هاتفه
وتوجه جهة الشرفة ونظراتها تتبعه وهو يعيد الاتصال مرارا
ويبدوا بأنه لا يجيب عليه وهذا حال زوجته تتصل بها من أكثر
من عشر دقائق ولم تجب ! كانت تخشى أن يمل ويقلع عن الفكرة
ولم تشعر بالارتياح إلا عندما أجاب عليه وتحدث معه ومن حديثه
فهمت ما دار بينهما وفقدت الأمل تماما .
ما أن أنهى الاتصال معه عاد جهتها قائلا
" قال بأنهم في خماصة ولن يرجعوا قبل أيام "
حركت يدها وهاتفها لازال فيها قائلة بضيق
" يكذب أيضا "
فرد كفيه قائلا
" اتصال واتصلت به ماذا سنفعل غير ذلك ؟ نذهب لمنزلهم
دون علمهم ! "
تحركت جهة باب الغرفة قائلة
" بل على أبان أن يتأكد من صديقه "
*
*
*
شعرت بالاختلاف الواضح في العالم الذي دخلته للتو عن كل
ما عرفته سابقا وحتى عن جامعتها في كمبردج ، وبقدر فخامة
قصر تلك العائلة كانت غرفة الاحتفالات تلك التي يجدر تسميتها
بقاعة أجمل من كل ما رأته في الخارج .
كان عدد الحظور أكبر مما تخيلت وحد علمها أن المقربين فقط
من العائلة سيكونون هنا ويبدوا أن تلك الدائرة أوسع من حدود
مخيلتها رغم أن اتساع ذاك المكان لم يظهرهم بعددهم الحقيقي
حقا ، وما كان مطمئنا بالنسبة لها أن إحدى سيدات المنزل كانت
في استقبالهم عند الباب وما فهمته سابقا أنه ثمة علاقة قوية
تربط العائلتين فزوجها أيضا انضم لها للترحيب بهم ومن
نزلت طائرته اليوم فقط لينضم للاحتفال بنجاح ابنه الأول والمميز ،
لم تفهم رابط القرابة بين العائلتين إلا بطريقتها هي وهو أن
هذه السيدة الأنيقة تكون عمة تيم وحيث أن والد ساندرين
هو عم والدته أصبحوا أقارب بشكل غير مباشر أي كما سبق
وقالت ساندرين بأن تيم هو الرابط بين العائلتين .
لا تعلم هل الناس هنا مختلفون عن بلادها أم أن السبب يكمن فيها
هي فلم تلحظ في أعينهم تلك النظرات الفضولية التي تلحق الشخص
ما أن يدخل مكان ما وحيث الموجودين هناك في تجمعات
لا يلهيهم شيء عن أحاديثهم وضحكاتهم كان الباب الذي
دخلوا منه جزء غير مهم من ليلتهم تلك وتقريبا لا يلتفتون
له أبدا ولا تفهم أيضا هل الانجليز المختلفون في طباعهم
أم أن السبب كان دائما فيها هي حيث كان ينظر الجميع للمشوهة
ما أن تدخل لأي مكان حتى كرهت حضور أي مناسبة تكثر فيها
الأعين والأحاديث ، أما هنا فحتى العرب لا يخصونها بتلك السمة
المميزة والنظرات والأسئلة القاتلة .
شعرت بأحدهم يمسك يدها ويسحبها للأمام فانتبهت حينها للتي
أصبحت تدفعها للسير خلفها قائلة
" تعالي ننظر لتلك الفاتنة عن قرب "
واكتشفت حينها فقط بأن حديثهم كان عن الواقفة قرب المدعو
وقاص واللذان التقيا بهما نهارا في اكسفورد ، وصلتا عندهما
على صوت تأوه ساندرين وقد ضمت أطراف أصابعها وحركتهم
فوق رأس الواقفة أمامها بشكل دائري تتمتم بكلمات ضاحكة
لتحصنها من الأعين وما أن ابتسمت لها تلك الجميلة الصامتة
حضنتها وقبلت خدها ، شخصية ساندرين تراها رائعة جدا يمكنها
الانسجام مع أي شخص وكيفما كانت شخصيته بل وتنشر المرح
اينما كانت بضحكاتها وممازحتها ، حتى أنها لا ترى أحدا يغضب
من صراحتها في انتقادها لأشخاص مقربين منهم ويعتبرونها
جزء من شخصيتها المرحة الجميلة فقط ، وهي نفسها لا تنكر
ذلك فلم تغضب يوما من انتقادها لتيم أمامها لأنها بعض الأحيان
تراها متحمسة معهما بل وتثني على هداياه وشخصيته وتناديه
بالوسيم رغم سيل عباراتها الشاتمة له ، وحتى تلك السيدة التي
استقبلتهم عند الباب قالت لها ومن دون تردد ( أنا هنا من أجلك
فقط أما ابنك فكنت أود جلب المكنسة اللكهربائية لأرميه بها بعيدا )
وهي استقبلت الأمر بكل رحابة ضاحكة .
قالت غامزة للواقفة أمامها
" أجمل امرأة هنا وبلا منازع والواقف بجانبك يريد فقط أن يلفت
انتباه الفتيات له بوجودك بقربه "
ضحك وقاص وقال
" تساءلت أنا اليوم لما جميع الرجال ينظرون لي "
ضحكت ساندرين صارخة وقالت تمسك خديها
" أين زوجته يا بشر لتسمعه ؟ "
فضحك من فوره ولم يعلق فأشارت له بإبهامها وغمزت قائلة
" وأنت الرجل الأكثر وسامة هنا فقط لا تخبرها "
قال مبتسما
" ها هي خلفك "
تصلبت مكانها حينها مقلتاها الزرقاء فقط تتحركان جانبا ولم
يفضح اللعبة سوى ضحكة ماريه التي لم تستطع إمساكها أكثر
وابتسامة الواقفة بجانبه فنظرت له بضيق وقالت
" أتعلم بأني كنت أكذب وأنك لست الشاب الأجمل هنا "
قال مبتسما
" أجل معك حق فثمة واحد آخر "
قالت بصدمة
" ابن كنعان هنا ؟ "
ضحك وقاص بينما أنزلت الواقفة بجانبها رأسها للأسفل تشد
قبضتيها بقوة ولم تتنفس بارتياح إلا حين قال مبتسما
" لا بل شخص آخر خلف ظهرك هناك سرق اهتمام جميع
الفتيات الليلة "
نظرت خلفها فورا وبحثت بنظرها حتى وقع على الواقف
مع أربع انجليزيات منشغلات بالضحك والأحاديث والذي كان
ينظر لها بدوره وقد رفع الكأس في يده مبتسما فكشرت في وجهه
باشمئزاز وعادت بنظرها للواقف أمامها وقالت بملامح مشمئزة
" ذاك أكثر وسامة منك ! أشك حقا في أن يكون شقيقك "
ضحك وقال
" عليك الاعتراف بذلك "
لوحت بيدها مكشرة وشعرت حينها بيد أحدهم على كتفيها وما أن
نظرت له قبل خدها قائلا بابتسامة
" مرحبا بشقيقتي الوحيدة "
نظرت له باستغراب وقالت
" كين ! ماذا تفعل هنا ؟ "
اتكأ بساعده على كتفها وقال مبتسما
" الذي تفعلينه أنتي بالطبع إلا أني هنئت صاحب هذا الاحتفال
على نجاحه عكسك تماما توجهت رأسا لشقيقه "
أبعدت يده عنها وقالت ببرود
" أنا لم آتي لأهنئه وليس يعنيني نجح أم فشل ولولا زوج
والدتك ما أتيت "
ضحك وقال
" وحده من يتغلب عليك دائما ... مرحبا ماريه كيف أنتي ؟ "
مدت التي نظر لها يدها ليده مصافحة وقالت مبتسمة
" بخير ما أخبارك أنت ؟ "
صافحها فورا ولم يترك له الذي لف ذراعه حول عنقه مستندا
به في وقوفه مجالا ليتحدث وقد قال مبتسما
" مرحبا بالجميلتان "
كان رد فعل إحداهما ابتسامة خفيفة بينما الأخرى أدارت مقلتيها
للأعلى بضجر وقالت ماريه بحياء
" مبارك نجاح شركتك ، آسفة كان عليا المباركة لك أولا لكن
ساندي أرادت أن نلقي التحية على زيزفون "
قال مبتسما يرمق الواقفة بجانبها بطرف عينه
" لا بأس المهم حظورك فهو أكبر دليل على اهتمامك بي "
نظرت له تلك بغضب فغمز لها بعينه مبتسما فنظرت للواقف
أمامها وقالت بضيق
" وقاص أخبر شقيقك يتركني وشأني "
قال مبتسما
" رواح اتركها وشأنها "
مرر أصابعه في شعره وضحك وقال
" حسنا فقط لأني خفت منك "
ورن حينها هاتفه فأخرجه ونظر للاسم فيه ثم التفت فورا
جهة الباب ونظر للواقفة هناك في الخارج وقد أشارت له بيدها
فغادر من عندهم بعدما انضم هازار لهم أيضا وهو الشخص الآخر
الذي تكرهه تلك العربية الشقراء كما يعلم وفقط لأنه صديقه ،
توجه نحو الباب فورا وخرج حيث الواقفة على بعد خطوات
منه ترتدي فستانا طويلا باللون القرمزي قائلا
" مرحبا كنانة .. هيا ادخلي "
قالت مبتسمة
" شكرا لك رواح أنا آسفة فوالدتي متعبة ولا يمكنني البقاء "
قال وهو يدس الهاتف في جيب سترته
" اتصل خالي وقال أنها ليست بخير هل هي متعبة كثيرا ؟ "
قالت من فورها " مجرد نزلة برد لكنها تمرض بسببها كثيرا
وستحتاجني فوالدي لن يستطيع العناية بها مثلي ، هي تحتاج
لشخص صبور أكثر من اللازم "
أشار بيده قائلا " حسنا ادخلي ولو قليلا "
قالت بتوتر خالطه الحياء رغم علمه كما الجميع بما كان مخططا
له من أجلها في هذا الحفل " أنا فقط ... أردت أن .... حسنا هل
هو هنا ؟ "
نظر خلفه حيث الموجودين في الداخل ثم لها وقال
" لا لم يأتي "
نظرت له بصدمة لم تستطع أن تخفيها ولا أن تجتازها بسهولة
فهي أرادت التحدث مع رواح أولا هنا وإخباره بما حدث صباحا
في المطار ليساعدها في مهمة لقائه وإخباره بهويتها وما لم
تتخيله أبدا أن لا يكون هنا ، همست بصوت بالكاد يسمع
" لم يأتي ! "
مرر أصابعه في شعره وتنهد قائلا
" أرسلت له سائق الشركة وقال بأنه متعب ولم ينزل له أساسا
فقد اتصلوا به من الاستعلامات وهو اعتذر ، اتصلت به كثيرا
ولم يجب "
نظرت للأسفل قبل أن تبعد حدقتيها عن عينيه جانبا فلم يعد يمكنها
النظر لعينيه خاصة أن تلك الأحداق السوداء امتلأت بالدموع تشعر
بإهانة لا حجم لها أبدا فهل تفعل كل هذا لكي تأتي بينما يتهرب
هو وبكل دم بارد ؟ أي موقف هذا الذي وضعها فيه أمام الجميع
وأولهم والداها ! ألم يستطع القدوم ثم ليتحجج بأي حجة ويتخلص
منها وإن بمصارحتها وستضع هي اللوم على نفسها حينها وتعفيه
من كل هذا .
" كنانة هو الخاسر .. لو أنه جاء ورآك لما كان هذا موقفه فلا
تحزني على شخص لا يستحق "
مسحت عيناها بظهر كفها بقوة وهمست ببحة تتجنب النظر لعينيه
" لا تخبر أحدا بأنه رفض المجيء ، قل فقط أننا التقينا في وجودك
في الحديقة "
تنهد قائلا
" حسنا كوني مطمئنة فأنا كنت أيضا سأقترح أمرا مشابها "
كانت ستغادر لكنها عادت ونظرت له قائلة
" هل تعطيني رقم هاتفه ؟ "
نظر لها باستغراب فقالت قبل أن يعلق
" لن أتحدث معه أنا فقط أريده أن يفهم بأن ما فعله مناف
لأخلاق الرجال "
تنهد بقلة حيلة فهو فهم تقريبا ما تنوي فعله ، قال وهو يخرج هاتفه
" كنانة لن أتدخل في أمورك الخاصة لكني أنصحك بنسيان الأمر
وعدم الاهتمام به فأنتي لا تعرفينه على أي حال "
امتلأت عيناها الواسعة بالدموع مجددا وهمست بحزن
" الأمر مختلف تماما يا رواح ولا يمكنني شرحه لك "
نظر لها بشك وعلمت سريعا بأنه لم يصعب عليه أن يرتب الأحداث
في دماغه وأن يفهم بسهولة سبب حالتها تلك وكأنها تلقت صدمة
من شخص أحبته كل حياتها ، وما توقعته حدث فعلا وقد قال
باستغراب " هل التقيتما في المطار ؟ "
نظرت لحقيبة الفستان في يديها وقالت بصوت منخفض
" أجل ولا يعلم بأنها أنا "
وصلها صوته الجاد فورا " كان عليك إخباره يا كنانة ، بل عليك
فعلها الآن بما أنه لا يعلم "
رفعت نظراتها له وقالت بضيق
" المشكلة ليست في معرفته من عدمها بل في تصرفه فهو لم يهتم
ولا بموقفه ووالدته بل وبموقفي أيضا أمام عائلتي ومعه حق لما
سيهتم بمشاعر أو كرامة أناس بسطاء مثلنا وأقل من أن يعيرهم
اهتماما "
وغادرت ما أن أنهت كلامها ذاك وسارت في الممر الرخامي الواسع
بخطوات شبه راكضة تراقبها نظرات الذي تركته خلفها قبل أن يتنهد
بضيق هازا رأسه وقد عاد للداخل بعد أن أرسل لها رقم هاتفه كما
طلبت .
*
*
*
بالكاد استطاع الوقف مستندا بالمغسلة الرخامية الواسعة
ولم يعد في معدته شيء يخرجه حتى بات يشعر بأحشائه
ستخرج جميعها ويتخلص جسده منها ، فتح صنبور المياه
على قواه وأنزل رأسه تحته يشعر بالمياه الباردة تجمد
أوردته وبدأت تدريجيا تحجب أنفاسه فرفع رأسه يسحب الهواء
من فمه بقوة عدة مرات والمياه تنزل من وجهه وشعره وبالكاد
يصل لرئتيه القليل من كل ذاك الهواء المندفع مع أنفاسه القوية
ليستطيع العيش به مزيدا من الوقت .
خرج من الحمام بالكاد يستطيع السير وارتمى على السرير يدفن
وجهه في الوسائد الكثيرة الناعمة وهذا حاله منذ ساعات بل يراها
تزداد سوءا بمرور الوقت ولم يعرف هذه الحالة في حياته سابقا
فبعد ساعتين من نومه بعدما استحم وتناول الطعام استفاق على
ألآم حادة كالسكاكين في معدته ورغم استفراغه المتكرر حتى
خرج ما فيها بالكامل إلا أن تلك الحالة لم تزول كما أن جسده
بأكمله بات يؤلمه ولا يفهم ما سبب كل هذا ففندق كهذا لن
يقدموا طعاما فاسدا بالتأكيد لتكون حالة تسمم وليست هذه بحالة
تسمم مطلقا فقد سبق وجرب ذلك في كلية الطيران ذات مرة
وهذا أسوء وأشد منه أضعاف المرات بل ويشعر بأنه بدأ يفقد
قدرته على الشعور بجسده شيئا فشيئا وإن استمر هكذا فسيموت
لا محالة .
رفع يده بقوة خائرة وأسقطتها على الهاتف فوق الطاولة بجانب
سريره وضغط أحد الأزرار فيه ولم ينتبه حتى بمن في ذاك الفندق
سيوصله تحديدا المهم أن يأتي أحدهم ليجدوا له حلا قبل أن يلفظ
نفسه الأخير
*
*
*
وقفت سيارة الأجرى أمام المنزل مباشرة فنزلت منها وأعطت
سائقها ثمن إيصاله لها وما أن غادر نظرت لها مكشرة فهذه
الطريق البعيدة كلفتها الكثير وهي من باتت بنصف راتب فقط ،
نظرت حولها ولم يكن يوجد أي سيارة في الخارج وذاك متوقع
فمع حديقة واسعة كالموجودة خلف أسوار ذاك المنزل لن يركن
ضيوفهم سياراتهم في الخارج بالتأكيد ، نظرت لساعتها ثم رتبت
شعرها وفستانها النيلي الطويل والذي كان بدون أكمام وبفتحة
طويلة لنصف الفخذ فقد لبسته عمدا وهو أحد فساتينها القديمة
ولم تلبس ما جلبه لها مؤخرا بدلا عنهم فالليلة ليلتها هي
وستسجل فيها انتصارها التاريخي عليه خاصة بعد المكالمة
الأخرى التي تلقاها في مكتبه صباحا فهي بعدما سمعت مكالمته
الأولى تلك جعلت من أولوياتها مراقبته والاهتمام بأي مكالمة
يجريها عكس السابق ، لم تكن تعلم عن هوية المتصل لأنه
لم يذكر اسمه أبدا لكنها استطاعت ربطها باتصال تلك المرأة
حيث كان الحديث عن نفس الشخص وهو المدعو تيم لكن
هذه المرة انكشف لها أمر جديد ومهم حين سمعته يقول لمن
في الطرف الآخر ( لو كنت قتلت والدته فعلا ما كان ليكرهني
بهذا الشكل ، وإن كان حجرا للان قلبه بمرور كل هذه الأعوام )
( تيم لن يفهم أبدا أسبابي وحتى زوجته أراها في صفه وقالتها
وإن بطريقة مهذبة عكسه موتك أرحم من تركها تموت هكذا ،
أنا أتفهم موقفه لكن عليه هو أيضا أن يحاول فهم ظروفي وقتها ،
هي أرادت أن يعيش له أحدنا لكني أراه قتلني معها وأنا أكره
فعلا كل هذا الجفاء بيننا )
( تيم ابني وقد جعل من نفسه حسرة في قلبي حتى أموت )
ابتسمت بانتصار متوجهة لبوابة ذاك المنزل وكل ما فعله بها
سابقا يمر أمام عينيها كالشريط المسجل فلحظة الانتصار ها قد
حانت ومثلما حرمها من كل ما كان لديها ستحرمه ابنه وللأبد ،
فإن كان مقصده من إبعادها عن هنا مراعاة لمشاعر ذاك الابن
فهي من ستدمر تلك التضحية وللأبد وإن كان أمر خطبته لها
سرا يخفيه عنه فها قد حان وقت معرفته له .
ما أن وصلت البوابة كان الحرس في استقبالها وياله من استقبال
مميز فهي لم تتوقع هذا البتة وظنت أنه بما أن الحفل في المنزل
فالأمر أقل تعقيدا من النظام الأمني في الفنادق لكن ما ظهر لها
العكس وقد قال لها ذاك الضخم المخيف فورا
" أرني هويتك أولا لأعلم إن كان اسمك ضمن المسموح لهم
بالدخول هنا "
قالت من فورها وبضيق
" لست إرهابية ولا أملك سلاحا ولست أعتقد بأن رئيس وزراء
البلاد في الداخل لأقتله "
لم يغير الواقف أمامها وقفته ولا نظرته لعينيها ولم يكلف نفسه
ولا بالرد عليها فقالت بضيق أكبر
" اتصل فورا بسيدة هذا المنزل وسأخبرها من أكون وتدخلني "
والنتيجة ذاتها فشتمته وتحركت مبتعدة عن هناك ، ستدخل
ومهما كلفها الأمر فهي لم تصل إلى هنا لتغادر ، حتى أنها
صرفت صاحب التكسي فمن سيرجعها لمنزلها ؟
سارت بمحاذاة السياج الحديدي تنظر له عاليا حتى ابتعدت
عن بوابة المنزل قليلا ثم وضعت حقيبة فستانها فإن نجحت
خطتها وكانت في الداخل فستدخلها عبر فتحة السياج ، نظرت
حولها وللسيارة السوداء التي وصلت ويبدوا بأنهم سمحوا لها
بالدخول فورا وكشرت هامسة
" أثرياء حمقى مغرورين "
نزعت حذائها أيضا ثم ربطت منديلها حول كف يدها الأيمن
ورفعت فستانها وربطته بما أن فتحته طويلة ثم تمسكت بحديد
السياج البارد وبدأت بتسلقه فهم لا يعرفون ما كانت تفعله
وقت طفولتها ومراهقتها وكم مرة خرجت متسللة من سجن
شقيقها لها وأنها قادرة على فعل المستحيل .
ضحكت بانتصار ما أن أصبحت في الداخل تنفض يديها من التراب
العالق بهما ثم أنزلت فستانها ومررت يدها من فتحات السياج
وأدخلت حقيبتها وحذائها فها هي لا تحتاج لبوابتهم التعيسة تلك
*
*
*
ابتسمت له تستمع بانتباه لما كان يقوله فكين شخصية لا تراها
مختلفة كثيرا عن شقيقته .. شاب مرح مبتسم دائما وشخصية
ليست معقدة أبدا فهو لم يتوقف عن التحدث معها عن نشاطهم
الطلابي الجديد ولازال يحاول اقناعها دون يأس بأن تشارك فيه
والمدعو هازار انسجم معهما سريعا كما رواح بينما اكتفت الواقفة
ملاصقة لها بالصمت والتأفف كل حين بسبب مناوشات ذاك الشاب
الغير مباشرة لها فيبدوا أنها وعلى غير العادة قررت الصمت بدلا
من مجاراته في حربه وهذا لا يعد أمرا طبيعيا فيها أبدا وكانت لتشك
بسلامة لسانها أو عقلها لولا أنها رأت ذاك الميكرفون الذي وضعته
في حقيبتها بل وجلبت حقيبة مع الفستان من أجله فقط وهذا
ما هي متأكدة من أنه سبب صمتها عنه فهي تخطط لشيء بالتأكيد !
أما ذاك الطويل الوسيم المدعو وقاص فكانت تلحظ اهتمامه الواضح
بأن تفهم الواقفة قربه شديدة الصمت كما الحسن عن كل ما يتحدثون
عنه حتى أنه كان يشرح لها بعض الأمور في غمرة أحاديثهم تلك
وتراه لا يهتم أبدا بأن ينظر له أحدهم باستهجان أو أن يفهم تصرفه
بشكل خاطئ بسبب كل ما يوليه لها من اهتمام واضح فهو متزوج
وهي كذلك ومن يراهما يضن بأنهما الزوجان بينما الشخصان
الحقيقيان لا وجود لأي منهما في الصورة ! .
شعرت بضغط قبضة أصابع الواقفة بجانبها على رسغها وقد همست
لها بخفوت وصدمة " يا الهي ماريه إنه تيم "
تصلب جسدها وبدأ قلبها يخفق بقوة درجة أن أشعرتها بالمرض
وتحركت حدقتاها لا شعوريا جهة الباب فلم تجد هناك أحد فتنفست
بصعوبة هامسة بضيق " مزحة سخيفة ساندي "
فالتفتت خلفها مجددا تنظر لصاحب تلك البذلة السوداء الأنيقة يده
في جيب بنطلونه ينظر للمكان باحثا عن شخص ما وقالت بذات
همسها
" ها هو هناك جهة الشرفة لقد دخل من هناك "
كانت ساندرين ما تزال محدقة به وما أن وقع نظره عليها توجه
نحوهم مباشرة فالتفتت سريعا هامسة
" لا تنظري خلفك ها هو قادم ، الأحمق لقد كان يبحث عنك "
وشدت على يدها أكثر متابعة بانبهار شديد
" لا أنصحك بالنظر له أبدا ماريه كي لا تخونك قوتك ، يا الهي
ما أشد وسامته بهذه الملابس "
فسحبت نفسها بصعوبة وشعرت بقلبها توقف تماما عن الخفقان
وكأنه ينقصها أن تخيفها من مقابلته هكذا ؟ لا هي ليست على استعداد
أبدا لمواجهته ولا لرؤيته الآن فلازالت جراحها طرية كما لازال شوقها
قويا ولم تشفى بعد لا من حبه ولا من جراحه فلازال صوت تلك الفتاة
يمزق بذكراه قلبها قبل مشاعرها كما ذكرى لقائهما الأخير في جامعتها
، إنها أضعف من أن يستحمل قلبها مزيدا من الضغوط ومن أن تستطيع
نسيان ما حدث .
نظرت للأسفل وأغمضت عينيها بقوة ما أن شعرت بوقوفه بجانبها
وذاك القلب المتوقف تماما عاد للخفقان بسرعة لدرجة شعرت
معها أنه يسحق في داخلها ولم تعد تعي أو تفهم شيئا مما يقال
حولها وهي تشعر بتلك الأصابع الباردة تلامس باطن كفها متسللة
داخله ببطء عبث بحواسها كما أنفاسها حتى كادت تفقدها وللأبد
وهبت عاصفة من المشاعر المتناقضة في داخلها مزقتها إربا
وبدأتا رئتيها تبحثان عن الهواء تسحبه بنهم وأضلع صدرها تتحرك
بقوة صعودا ونزولا وتلك الأصابع الطويلة الباردة تجد لها طريقا
بين أصابعها مررا إياها بينها وشد على كفها بقوة وقد استدار
ساعده حول ساعدها ودمر ما تبقى من دفاعاتها فرفعت يدها
الأخرى لوجهها ومررت أطراف أصابعها على حاجبيها تحاول
إخفاء ملامحها وغرسها القوي لأسنانها في طرف شفتها ، ولم
يخرجها من كل تلك الحالة سوى مرفق الواقفة بحانبها حين
وكزتها به بقوة فرفعت رأسها ونظرت لها فلم تستطع تلك ولا
الإيماء لها بشيء وقد نظرت للملاصق لها وابتسمت ببرود قبل
أن تبعد نظرها عنه ففهمت فورا أنه كان ينظر لها لذلك لم تستطع
فعل أكثر مما فعلته .
" اوه جيد أنه ثمة من جعلك تتحفنا بزيارتك الفريدة من نوعها "
قال رواح عبارته تلك مبتسما بمكر ونظره على الواقفة بحانبه
والتي ارتجف جسدها بضعف ما أن وصلها الصوت البارد للذي
اشتدت أصابعه على كفها أكثر وقد قال موجها حديثه له
" لما لا تنظر لما يخصك فقط قبل أن افقدك البصر "
فضحك رواح وأدار مقلتيه جهة التي صرخت لحظتها بضيق
" لا تنظر لي "
فضحك مجددا ولم يبعد نظره عنها بل و غمز لها مبتسما فتأففت
مشيحة بوجهها بعيدا بينما قال وقاص مبتسما
" ها قد جائت من ستقتص لك منه "
وقفت والدته حينها معهم وقالت بضيق ناظرة له
" أنا أيضا أحتاج لمن يقتص لي منه "
تأوه رواح وكأنه صدم لرأيها فقالت بضيق مجددا
" ألم تكن ملتصقا بصديقاتك هناك ؟ ما الذي جعلك تبتعد عنهن ؟
اترك الفتاة وشأنها يكفي أنها قاطعت منزلنا بسببك "
وضع يده على قلبه وقال
" إن حظر الماء بطل هنا التيمم طبعا ثم والدتي أنتي أم والدتها ؟ "
تجاهلته ناظرة لمن اقتربت منهم من أجله فقط ومن لم تصدق
عيناها حين رأته وقالت ناظرة لنصف وجهه المقابل لها مبتسمة
بسعادة وحنان
" مرحبا بك تيم بني كم أسعدني تلبيتك لدعوتنا "
لكن الذي كان ينظر للفراغ بملامح جامدة كالصخر لم يعر ما قالت
بالا ولم يعلق عليه وكأنها لا تتحدث معه أو عنه فنقلت نظراتها
الحزينة المحبطة منه للواقف بجانبه تنظر له وقد نقلت نظرها لها
قبل أن تنزل به للأرض تشد قبضة يدها الحرة بقوة هربا من نظراتها
لها ، لا تفهم لما يعلقون آمالهم عليها هي ؟ من أخبرهم أنها تملك
عصا سحرية تحركه بها كيف تشاء ! فمهما كان موقعها في حياته
وبعيدا عن كل ما يحدث بينهما الآن لا يمكنها الاقتراب من جدار
ماضيه بسهولة .. إنه الحيز الذي سيرفض بالتأكيد أن يقترب منه
أي شخص وحتى هي ، بل وبأي حق يريدون أن يغفر لهم أو أن تفكر
هي في إقناعه بذلك ؟ أيريدون أن ينسى طفولته القاسية وعيشه
منبوذا من الجميع ؟ أم عمله صغيرا ليوفر الدواء لوالدته التي
سرقها منه المرض والإهمال لا أحد غيره يعتني بها رغم صغر سنه ؟
ما هذا الذي ستفكر أساسا في قوله له لتقنعه وهي ليست مقتنعة أيضا
به ؟
شعرت به يشدها من يدها لتدرك حينها بأنه تحرك من هناك مغادرا
وآخذا لها معه
بالكاد تستطيع مجاراة خطواته الواسعة لم يفكر حتى في معرفة
رأيها وإن كانت تريد المغادرة أم لا ، بل وكادت تصطدم به ما أن
توقف فجأة فنظرت بصدمة لسبب وقوفه المفاجئ ذاك والذي وقف
أمامه ينظر لعينيه مباشرة ومن استطاعت التعرف عليه بسهولة
فهو زارها من وقت قريب جدا .
كانت نظرته له لا تشبه نظرة شقيقته الحنونة الراجية تلك بل
كانت نظرة هادئة مركزة على عينيه فقط وكأنه ينتظر رد فعله
أولا بل وكأنهم لا يعلمون بأن ما دفنته فيه قسوة حياته الماضية
أعمق من أن يستطيعوا محوه بسهولة فإن نسي كل ما قاساه هو كيف
سينسى موت والدته أمامه وبالبطيء ؟ كيف سينسى سهره بجانبها
ليال طويلة يبكي بصمت عاجز عن فعل أي شيء من أجلها وهي
لا تستطيع سحب أنفاسها لصدرها غائبة عما حولها تماما ؟ .
رفعت نظرها له وكما توقعت كانت نظرته له قاسية عدائية وملامحه
متصلبة تماما فيبدوا بأنهما لم يجتمعا منذ وقت طويل وأن والده يفكر
في انتهاز الفرصة ليوضح له الكثير .. رغم ألمها بسبب ما قاساه
تتمنى فعلا أن تتغير نظرته لأفراد عائلته وأن يساعدوه على التخلص
من عوالق ماضيه ، ارتجف قلبها لا شعوريا ما أن انحرف نظره
عنه قليلا لشيء ما خلفه وأرعبتها تلك النظرة الغاضبة في عينيه
فنظرت حيث نظر وعقدت حاجبيها باستغراب تنظر للمرأة التي اقتربت
من الواقف أمامهما بخطوات متشابكة تشبه سير عارضة أزياء على
المسرح ساقها وفخذها ناصعان البياض ينكشفان من فتحة فستانها
كلما تقدمت قدمها اليمنى وشعرها المموج الطويل قد غطى كتفيها
العاريان ولم تتوقف حتى كانت بجانب الذي تمسكت بذراعه ومن لم
ينتبه أي منهما لنظراته المصدومة لها والتي لم تعرها بالا متجاهلة
لها وهي تجد فريستها أمامها مباشرة ومن استطاعت التعرف عليه
فورا ليس لشبه بينهما فهذا الوسيم الطويل أجمل من والده بسنوات
ضوئية بعيدة رغم جاذبية ووسامة ذاك بل بسبب النظرة التي
كان يوجهها لعينيه وتقديرها لسنه وإمساكه بيد تلك الفتاة بنية
الشعر ذات الملامح الجميلة الهادئة والعينان الذهبية الواسعة فستكون
زوجته بالتأكيد أي أن ضحيتها وهدفها اجتمعا معا وساعة حظها
قد توافقت تماما في سابقة لم تعرفها في حياتها .
رفعت رأسها بكبرياء تنظر لعينيه متجاهلة تلك النظرة القاتلة التي
كان يرمقها بها وقالت بابتسامة ساخرة
" هذا إذا ابنك الذي أخبرتني عنه ؟ لا أراه يناسب المرأة القروية
البدائية الجاهلة التي تحدثت عنها "
نفض الواقف بجانبها يدها عنه بقوة ينظر لها بصدمة لكن ذلك لم
ينقده من المصيدة التي أوقعته فيها فالواقف أمامه لم يكن يرى
سواها في ذاك المكان بأكمله وقد تابعت بذات ابتسامتها تلك
" يبدوا لي بأنك بالغت في وصفك لها عزيزي "
ولم تكن تعلم بأنها حاكت شباكها حول نفسها قبله حتى تركت يد
الواقف أمامهما تلك اليد التي كان يمسكها بقوة وتملك لتمتد تلك
الأصابع الطويلة القوية مع خطوته الواسعة لعنقها النحيل فورا
وغرسهم فيها بقوة جعلتها تصرخ بهلع قبل أن تفقد قدرتها على نطق
أي شيء ولا حتى الصراخ لانقطاع أنفاسها بسبب خنقه القوي لها
أسنانه تكاد تتحطم من شده لها مكشرا عنها ينظر لها بحقد لم يعرف
في عيني إنسان سابقا حتى أن جفناه شابهما احمرار واضح وقد
جمعت صرختها تلك الجميع حولهم بالتتابع ، وما أن امتدت له
يده عمته التي ركضت جزعة ناحيته صرخ فيها بعنف محركا رأسه
" ابتعدييييييي "
فارتدت يدها لا شعوريا تمسك بها فمها وقد رفع بيده الأخرى طرف
سترته السوداء وأخرج مسدسه المرخص الذي لا يتحرك من دونه
ورفعه في مستوى كتفه ليفهم الجميع ما ستكون نتيجة اقترابهم منه أو
محاولة إنقاذ التي بدأت حركتها في مقاومته تتراخى تدريجيا وصوت
شخير أنفاسها يسمع بوضوح فوق كل تلك الهمسات المصدومة تحاول
بيدها بوهن أن تمسك الواقف قربها مستنجدة والذي كان متصنما مكانه
ينظر لابنه .. للوحش الذي نبشت عنه بنفسها وحررته وكأنه قرر
تركها تتحمل عواقب ما أوقعت فيه نفسها بل ومن هذا الذي قد يفكر
في إيقافه وهم يرون نظرته السوداء الغاضبة المشتعلة كالجحيم
وينظرون لجسده الذي لم تستطع تلك الملابس إخفاء عضلاته
القوية تبرزها أنفاسه الغاضبة بوضوح فقد شلت الصدمة مع غضبه
الجميع عن محاولة فعل أي شيء لأجلها أو الاقتراب منه من علم
السبب منهم ومن جهله وحتى الواقفة قربه والتي شهدت كل ما حدث
منذ قليل وكأنها رميت مع ثلاثتهم في تلك الدوامة السحيقة والتي لم
يخرجها منها سوى صوت ساندرين الجزع المستجدي من بعيد
" ماريه افعلي شيئا سيقتلها لا محالة "
مسحت حينها بقوة الدموع التي لم تنتبه ولا لنزولها المتتابع فمعها
حق ستموت إن استمر في شده لعنقها هكذا لدقائق أخرى ولن ينجوا
من عقاب القانون حينها وسيدمر مستقبله نهائيا وتعرفه لن يهتم
أبدا لكن ماذا عنها هي ؟ ليكن بخير وإن كان بعيدا عنها فلا يمكنها
احتمال فكرة انتظاره لأعوام أخرى .. لن تستطيع فعلها مجددا .
مسحت دموعها التي عادت للنزول وامتدت أصابعها ببطئ لكتفه
وما أن لامست أطرافها سترته أغلقت أذنيها صارخة وذاك كان
حال جميع النساء في ذاك المكان ما أن انطلقت تلك الرصاصة
من مسدسه عاليا وتساقطت القطع الكريستالية من الثريا الضخمة
المعلقة في الأعلى مصدرة رنينا متناغما على الأرضية الرخامية
تحتها وقد وجه فوهة المسدس هذه المرة لذاك الوجه المحمر بسبب
اختناق صاحبته متجاهلا الصراخ الجزع من الجميع فتحركت الواقفة
بقربه مبعدة يد عمته التي أمسكتها باكية لتمنعها فهو لم يهتم
لاقترابها السابق وقد يؤذيها أيضا لكنها وحدها من تعرف تيم
أكثر من الجميع وترى ما لا يراه أي أحد منهم في داخله كما تعلم
عن ماضيه الكثير بل وهي الرابط الوحيد الذي يجمعه به .
وقفت أمامه وأمسكت بيده أولا ليكون مسدسه بعيدا عنها وما
أن نقل نظراته الغاضبة لها رفعت يديها المرتجفتان لوجهه
وأمسكته بهما وقالت برجاء ناظرة لعينيه ودموعها قد عادت
للتكدس في مقلتيها
" تيم والدتك في قلبك لا أحد يمكنه تشويه صورتها هناك إنك تحتفظ
بها رائعة فيه وللأبد ، تيم أرجوك لا تخسر مستقبلك وتجعلني أخسرك
مجددا بسبب هذه المرأة .. أرجوك "
لم تلحظ أي لين في ملامحه ولم تترك أصابعه عنق تلك المرأة التي
بدأت تحتضر بالفعل لكنه على الأقل لم يطلق رصاصة أخرى من
مسدسه فقالت مجددا ودون يئس يداها تتحركان ببطء على فكيه
ودموعها عادت لمفارقة رموشها مجددا
" لا تجعلها هي أيضا تخسرك .. لقد أرادت دائما أن تصبح رجلا
وأن تفخر بك ... تيم أرجوك فكر بي أنا على الأقل "
وتقطعت عبراتها في حلقها ما أن بدأت أصابعه ترتخي تدريجيا
عن ذاك العنق تاركا ذاك الجسد خلفها يتهاوى للأرض وقد فقدت
صاحبته وعيها تماما فدست وجهها وبكائها في صدره مطوقة
لجسده بذراعيها بقوة وشد هو رأسها له يغرس أصابعه في
شعرها البني الناعم ورفع مسدسه هذه المرة في وجه الواقف أمامه
لم يتحرك من مكانه ولا لمساعدة المرتمية تحت قدميه واسعافها مع
شقيقته وضرتها وقال هامسا بحقد
" علم حثالة نسائك احترام ذكرى والدتي أو أن العقاب سيكون
من نصيبك أنت في المرة القادمة "
وما أن أنهى عبارته تلك غادر من فوره ساحبا التي كانت في
حضنه من يدها مجددا ووجهته باب الشرفة الذي دخل منه قبل قليل .
*
*
*
ضم رأسه بين يديه وقد انغرست أصابعه في ذاك الشعر الكثيف
الناعم جالسا على طرف السرير ينظر للأرض بضياع وحزن ،
لا يفهم لما عليه الجلوس هكذا عاجزا عن فعل أي شيء ينتظر أن
يجدها غيره له ؟ لما ليس هو من يلبس درع المحارب ويقتحم تلك
الأراضي والغابات ويخرج حبيبته بنفسه حتى لو كان الثمن موته
فهو أشرف له من فقدانها وعيش باقي حياته وحيدا بعدها .
( قد تراني صغيرة وغبية ومتهورة لكني قسما أحبك يا رعد )
( متأكدة من أنك سترجع يا رعد وسأنتظرك طوال عمري )
( إذا رعد لأستريا يوما ما )
مسح وجهه بكفيه مستغفرا الله ومبعدا تلك الأفكار من دماغه
قبل أن تنهيه ومسحت أنامله الدموع التي بللت رموشه لحظة
أن طرق أحدهم باب غرفته طرقات خفيفة منخفضة فاستوى
في جلوسه قائلا
" ادخلي يا غسق "
انفتح الباب حينها وظهرت التي نظرت له بصمت فعاد للاتكاء
على مرفقيه ناظرا للأرض وقال بهدوء
" إن كنت لازلت غاضبة فعليك أن تقتنعي بأنه لا حيلة لي في
شيء ويكفيك لوما لي يا غسق فما في القلب لا يعلمه إلا الله "
دخلت مغلقة الباب خلفها وتوجهت نحوه وجلست بجانبه ووضعت
يدها على يديه اللتان يشبكهما ببعضهما وقالت ناظرة لنصف
وجهه المقابل لها
" أنا لست ألقي باللوم عليك فيما حدث الآن يا رعد بل في تركك
لها معلقة تنتظرك كل تلك الأعوام ، في أن تربطها بك وأنت
لست تضمن عودتك لها "
رفع يديه واتكئ بجبينه على قبضتيه وقال بحزن
" هل قلب العاشق يستمع لعقله يا عسق ؟ هل كنت أستطيع
وأد مشاعرنا معا والمغادرة دون أن أرحم قلبها الصغير المعلق بي ؟
هل كان حالنا سيكون أفضل حينها ! "
قالت بلوم
" لكن ذلك قاس جدا يا رعد ويحطم قلب المرأة بل ويقتلها
وبالبطيء ... أنتم الرجال لا تعرفون معنى هذا الشعور أبدا "
نظر لها ولعينيها الممتلئة بالدموع وقال بهدوء
" كل له أسابه يا غسق وهو له أسبابه بالتأكيد "
ضربت بقبضتها على فخذه قائلة بضيق
" أنا لا أتحدث عن نفسي بل عن تلك الفتاة ولا عن ذاك الرجل
فوضعكما مختلف تماما وليس ثمة أسباب تشفع له "
وتابعت بحدة وقد قررت أن تشمله بغضبه
ا" بل ولا أسباب تشفع لك أيضا وكان عليها أن تتزوج منذ أعوام
بدلا من انتظارك "
قال بذات هدوئه ولازال ناظرا لها
" أكنت لتفعليها أنتي ؟ "
قالت من فورها
" أجل "
ابتسم بسخرية قائلا
" وستعيشين سعيدة حينها يا غسق ؟ "
وقفت على طولها وقالت بضيق
" أنا هنا لأواسيك لا لتعكر لي مزاجي يا رعد لكنك لا تستحق "
خرجت منه ضحكة صغيرة تغلبت على حزنه وتجهم ملامحه
وقال ناظرا لعينيها
" لما تتهربين من الإجابة بالهجوم عليا يا ابنة دجى الحالك "
كانت ستتحدث وغضبها لا يزداد إلا اشتعالا لولا قاطعها
باب الغرفة الذي انفتح بقوة وصوت الكاسر قائلا بلهاث
" مطر شا......... "
وبلع باقي كلماته مع ريقه بصعوبة حين استوعب وجود
شخص آخر معه وليس أي شخص فأزاح نظره عنها له
وتابع بصوت منخفض
" إنه هنا ومعه امرأة وطلب رؤيتك أنت تحديدا "
فقفز رعد حينها وركض من فوره جهة الباب وكلاهما خلفه
حتى كانوا في بهو المنزل ووقف مكانه ينظر للتي كانت مع ذاك
الرجل بالفعل تمسك يده برسغها لازالت بفستان زواج الثنانين
الممزق والملطخ بالدماء كحال ذراعيها ووجها تنظر له تلك
العنان الواسعة الدامعة بشوق .. بحزن .. بأسى وبالكثير الكثير
من الألم ، نظرة حطمت قلبه فوق تحطمه وأفقدته حتى القدرة
على الحركة من مكانه ، فقط حدقتاه تحركتا جهة الذي رفع
رسغها ناظرا لهم حيث كان رماح وعمتهم هناك أيضا وقال
بجدية وحزم
" أول ما عليا قوله بأن تنسوا من الآن وصاعدا بأنه لشراع
صنوان ابنا اسمه جبران "
ضربتهم كلماته كالرصاص مخرسة الجميع من صدمتهم وتابع
بذات جديته وقد انتقل نظره للواقف هناك تحديدا
" هذه هي آستريا رعد ... زوجتك وبموافقة أشقائها ، أنا كنت
وكيلك والشهود من رجالي أحضرتها هنا من اليرموك مباشرة
ولم أسألها ولا ما حدث معها هناك وأنت تفهمني جيدا فإما أن تقبل
بها ومهما كان ما حدث لها أو أن تطلقها الآن وستغادر معي ..
منزلي منزلها وعائلتي عائلتها والقرار لك "
المخرج ~
بقلم امومه الحلو
من تيم لأبيه
نَسَجَ الخيال لفقدكَ قصةً ، قد فاقت الأدراك والأبصارَ ،،،
كم ندبةٍ كم صفعةٍ كم حرقةٍ ، تلك التي قد ذقتها لِلمرّ جفاكَ ..
هي وحدها.. هي وحدها من عانت مرّ الحياة لفقدكَ باكراً ، لا بل هي وحدها
من حملت ثِقلَ الحياة جُزَافَ ..
ويوم اعترفت بنبض قلبك حيّاً يُرزقا ، كان لي الموت المرير بعد حياةَ.
يا أبتِ ويا لها من حُرقةٍ ،، قول الأبِ على لسانِ من عاناها ..
قلبي الصغير ما زال نبضه في داخلي.. قلبٌ جريحٌ لصفعةِ الآفاكَ ..
لا تلتمس من حنايا خافقي عذراً لكَ ،، هي وحدها من يُنشدُ عندها الأعذارَ..
فإن استطعت لقاء من تركت روحاً لها ،، في خافقي ألماً عميقاً قد أثخنته جراحا
أخبرني حينها أنك لي أباً ، وأن بفقدها فقدت روحا حنت دائمآ للقاكَ..
من شاهر لتيم
يا نسمةً يا زهرةً يا نبض قلبي الذي يهواكَ .. طفلي لا بل شبلي؛ قل أسدِ الجسور
بِتُ أراكَ ..
رحلتُ عنك وأنت قطعةً من روحي التي قد وادعتُاهَ ، مُرًّ مريراً ذاك يوم وداعَ ..
رحلتُ تاركً خلفي الحياة بأمها ، فهل لميتٍ الحياة بعد مماتَ ؟!
عذرا ومالي عذراً سوى قلباً غلوبٌ قد حدَّ عنائهُ ، ترك الحياة كي تعيش حياةَ..
بنيّ ؛ لم أنشُدَ العيش الرغيد لفقدكم ،، لا بل حملتُ ثقلَ موطنٍ يُنشدُ عندهُ الآمالَ..
حبُ الوطن يا طفلي الصغير من فضلتهُ ،، وهل لي حياةً إن كان مثخن بجراحَ ..
أنت شبلهُ بل أنت حاملَ ثقله ،، هل ترضَ يوماً
أن يُستباح ويُداسَ ؟؟!
عذراً بني فلا عذر لي ،إن كنت إبناً تنشد الأمان تحت أباكَ ..
لكن بُنيّ إني ابن موطنٍ ، ضحى بروحه لتعش ذاك الأمان زمانا...
نهاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل السادس عشر 16 - بقلم BlackButterfly002
الفصل السادس عشر
المدخل ~~
بقلم / رنين شوق
من آستريا إلى رعد
لي قلب ملئ حبا وودا
أنى له أن يعرف كرها وحقدا
فرحة وابتسامة كانتا دوما
على شفتي رسما خطا
والآن قد صرت للأحباب ندا
أواجههم وعيوني ترجو البعدا
في الماضي قد أحببت رعدا
والآن بات قلبي يتوقف نبضا
هلموا يا قوما كانوا ضدا
لعاشقة هربت لتسترجع حبا
*******
بقلم / sandra1sandros
من استي لرعد😍
في كل ليلة
اجلس امام مرآتي
امشط شعري الطويل لاجلك
اتعلم لم اقصه منذ رحيلك
واغدق العطر اللذيذ فوق نحري
خلف اذني
على معصمي
ثم استنشقه بعمق لاتلذذ به
واسال نفسي كل ليلة
ترى هل سيحب عطري هذا ام هذاك
اتعرف انها قارورة العطر العاشرة التي غيرتها
ام ربما العشرون لم اعد اذكر
فقد اغتسلت بعشرات العطور لاجلك
فانا يا حبيبي على الوعد كل ليلة
اقوم بكل طقوس العاشقين
اختار احلى الثياب
وادلل انوثتي كعروس
ثم اجلس في سريري المفرد
اتذكر تفاصيلك بشغف عاشقة
لم تعرف الحب الا معك وبين يديك
عاشقة تؤمن ان الحب مرة واحدة
لكنها تستمر الى الابد
ويظل بعدها القلب يواصل عيش تلك اللحظة
مرارا وتكرارا بلا ملل ولا امل
لكنه يبقى يواصل
انتظرك رغم كل شيء
لانني لازلت اوؤمن بك
واعلم يقينا
انه ان كان لنا لقاء اخر خط في لوح القدر
فهي مجرد مسألة وقت
اتعلم لماذا يافارسي الاثير
لانني ببساطة لازلت أؤمن بعصر الفرسان
ولازلت اصدق ان الرجل كلمة ووعد
وان فارسي الذي عشقته لن يخذلني
فقلبي لايزال يؤمن بوعود قطعتها شفتاك
على هذا الوعد ياحبيبي
بعثرت عمري في محراب عشقك
وعلى هذا الوعد يافارسي
قلبي سيمضي ويواصل
**************
ساد الصمت المميت المكان والنظرات الحائرة تنتقل بين الواقفة
عند الباب والخدوش في وجهها والدماء الجافة غطت أغلب تلك
البشرة العاجية ودموعها قد بدأت بالنزول من عيناها المتورمتان
من كثرة البكاء ... انتقالا للواقف متسمرا مكانه ينظر لها نظرة
من عاد ميته للحياة مجددا ولم يستوعب بعد بأن ذاك الميت يقف
حقا أمامه درجة أن عجز حتى عن الحركة فقام بأبسط ما استطاع
فعله أن رفع ذراعيه لها هامسا بصوته الرجولي العميق
وعيناه تمتلئان ببطء بدموع الحسرة والندم والشوق رغم تلك
الابتسامة الطفيفة التي زينت شفتيه المتصلبتان
" آستريا لرعد يوما ما "
فانطلقت الواقفة هناك راكضة نحوه ... من عاشت تلك العبارة
في قلبها لأعوام طويلة بل لما يقارب العقد والنصف تحلم في كل
ليلة بأن تسمعها منه مجددا بأن تراه وإن من بعيد وبأن تشبع
عيناها المشتاقة له .. ارتمت في ذاك الحضن الذي عاشت على
ذكراه تمني نفسها به في نومها وصحوتها تعد قلبها المشتاق
بأنها لن تعرف سواه بأن لا تنام على غير تلك الأضلع فيه ،
كانت أصابعها تقبض على قميصه بقوة تدفن تلك لدموع والعبرات
وسط صدره حيث دفن ذاك العهد بينهما وللأبد وحيث أقسم لها ذات
مرة أن لا تعرفه امرأة غيرها .. لن تختبر دفئه وحنانه أي النساء
عداها ولن تلتف تلك الذراعان القويتان حول جسد أنثى قبلها ولا
بعدها يشدها له بقوة عبر فيها عن كل ذاك الشوق .. عن سنوات
الفقد والحرمان من كل شيء فيها .. عيناها ابتسامتها صوتها
ضحكاتها الرقيقة وحتى أحرف اسمه التي خرجت يوما من شفتيها
ولم يشعر بعدها بأن لاسمه معنا وقد بات مجرد كلمة خاوية جوفاء
فقدت معنى ارتباطها بحياته ، ضمها بقوة يدفن وجهه في شعرها
المموج بنعومة وكثافة فريدة من نوعها .. دفن فيه دموعه الصامتة
التي لم يفكر في احتجازها أبدا بل ترك لها العنان تعبر عن احتراق
كل تلك السنين في جوفه .. عن الحب والفقد والفراق الطويل وألم
الاشتياق الذي لا نهاية له وأصابعه تخترق تلك الخصلات يضم
رأسها لعنقه أكثر وأغمض عينيه بقوة متنهدا بعمق فها قد خرجت
تلك النيران المشتعلة في قلبه من أعوام .. خرجت من صدره أخيرا
ورحمته ، خرجت في دفعات الواحدة تلحقها الأخرى هامسا
" آآآه يا قلب رعد ... ليتك تعلمي فقط كم يحترق في جوفه "
تمسكت ذراعاها بعنقه أكثر وهمست بعبرة تقطعت لها القلوب
" تأخرت عني يا رعد ... تأخرت كثيرا "
مشهدا أبكى ثلاثة أشخاص حولهما وعبث بمشاعر الاثنان الآخران
رغم أنهما لم ينشغلا بمشاهدته مثلهم وأحدهما والجالس مقيدا بذاك
الكرسي ينظر للآخر والواقف عند الباب الذي دخل وتلك الفتاة منه
والذي كان نظره على الواقفة قربهما هناك تمسح دموعها التي
ترفض التوقف ... نظرة لا يستطيع فهمها سوى رجل مثله عرف
معنى أن يحب وأن يجرح التي وحده من يشعر بجراحها قبلها ..
من قد دمره فراقه لها قبل أن يدمرها هي ، فها هو يجمع شتات
من حولها بالتعاقب .. هو وجهينة ثم رعد وحبيبته بينما يقف
هو وحيدا مكتفيا بالنظر للتي تبكي اجتماع الأحبة في كل مرة .
تنهد بأسى على حالهما الأكثر تعقيدا من مشاكل البلاد بأكمله
ونقل نظره لها حين تحركت خطواتها ببطء ناحية الذي تمسكت
أصابعها بكتف قميصه ودفنت وجهها في ذراعه تبكي معهما فهي
من يعلم معنى الفراق .. معنى الألم ومعنى أن تموت وحيدا بين
جدران ماضيك الباردة لا أحد يمسح دموع الشوق عن وجنتيك ...
يخبئك في حضنه الدافئ ويعدك بأنه لك وللأبد وبأن الموت وحده
ما قد يأخذه منك ليرحل به مجرد جسد فقط لأنه سيترك قلبه وروحه
معك مثلما سيأخذ شبيهاتها معه تحت التراب ويسرق كل واحد منهما
روح الآخر وللأبد ، بكت فراقهما وبكت اجتماعهما معا بل وحتى
لبكائهما فلن يفهم أحد مثلها شدة ما يمران به غير أنها طرف
وحيد في الحكاية كما ترى وليس مثلهما .
وما أن ابتعدت عنه مسحت على ظهره هامسة ببحة
" رعد اتركها ألا ترى جسدها والجروح فيه؟يكفي أنت تؤذيها هكذا "
ارتخت ذراعاه عنها حينها وأبعدها عنه وأمسك وجهها بيديه وقبل
جبينها بعمق مغمضا عينيه قبل أن ينظر لعينيها يحاول بأطراف
أصابعه مسح الدموع من وجنتيها المليئة بالخدوش هامسا
بابتسامة محب
" لن أسمح برؤية هذه الدموع مجددا آستريا "
ونزل بأصابعه لشفتيها ممررا ظهر سبابته والوسطى عليهما برفق
قبل أن يرفعهما لشفتيه وقبلهما فأنزلت نظرها حياء من الموجودين
هناك قبل أن ترفعه له مجددا قائلة بحزن وعبرة بكاء
" لم يمسسني أي رجل يا رعد ، شقيقك لم يترك أحدا يقترب مني
وكان من يحرسني بنفسه وقبله صديق شقيقك الكاسر والذي لولاه
بعد الله ما كنت أعلم ما سيحدث لي "
قبل جبينها مجددا وقال ناظرا لعينيها
" ما كان ذلك ليعنيني يا آستريا ، المهم أنك هنا وأراك أمامي
فلا يد لك في أي من ذلك "
لامس كفها يده التي لازالت تحتضن وجهها وقالت ونظرها معلق
في عينيه
" شقيقك أوصاني أن أخبرك أمرا "
مسح بكفه على شعرها قائلا
" اتركي الحديث عن كل شيء الآن فأنتي تحتاجين للراحة
ولمن يعالج جراحك أولا "
حركت رأسها برفض قائلة
" هو أوصاني بأن أقول ذلك ما أن أصل إليك وأمام الجميع "
نظر لها باستغراب فتابعت قائلة ونظراتها الدامعة معلقة بعينيه
" قال أمانتك وصلتك فأحفظ أمانتي حتى تصلني "
نظر لها بصدمة انتقلت منها سريعا للواقف عند الباب ومن
تحولت نظراته لغضب أسود يشد قبضتيه بقوة فركز نظره على
عينيه يحاول إخبار بأمر واحد فقط
( لا تكن فريسة سهلة له مجددا يا مطر )
وعلم فورا بأنه فهم الرسالة وقد استدار فورا وخرج ضاربا ذاك
الباب خلفه ونزل عتباته بخطوات كانت كفيلة بتحطيمها بل
وبإشعال الأرض تحتها وبالكامل .
" مطر "
توقف مكانه والتفت للواقفة في الأعلى ما أن وصله ذاك
الصوت الرقيق والذي كان ما يزال متأثرا ببكائها السابق ..
الصوت الذي كان كفيلا بإيقافه دون أن يقف مع عقله لحظة
تفكير واحدة وقد نظر لعينيها بصمت لازال يقاوم نفسه عن
فعلها وسحبها لحضنه لا بل حملها على كتفه والفرار بها من
عالم عائلة شراع صنوان بأكملها قبل هذا المنزل والمدينة .
" ما سبب ما قلت وقت دخولك ؟ ما الذي يحدث بينك وبين جبران ؟ "
نظر لها بصمت ولم يعلق فقالت بجدية تشد قبضتيها بقوة
بجانب جسدها
" لن أسمح لك بأذية شخص آخر من عائلتي وأعتقد بأنه
هذه المرة أيضا ليس غسق ولا ابنتها من تستثنيهما من
عدلك وانصافك "
لوح بيده بقوة وقد طفت نيران غضبه للسطح
" سأكون معك ومع ابنتك أكثر عدلا منه ولن يمسكني عنه شيء
إن فعل ما أتوقعه يا غسق ... لا شيء إلا موتي "
صرخت فيه من فورها
" يكفيك يا مطر ، بل يكفيني أنا من تشييع جثامين عائلتي ، قسما
إن مات بسببك أن ... "
قاطعها صارخا بحدة أكبر
" توقفي عن الدفاع عنه وعن رؤيته كفرد من هذه العائلة لأنه
لا يستحق دماء شراع صنوان التي تجري في عروقه وأمامك تري
ما فعل بشقيقه وحبيبته "
نفضت يدها قائلة بحدة والدموع تتصارع بين حدقتيها ورموشها
" ثمة حلول كثيرة غير الموت والقتل يا مطر ، لما وحده من
قررت تغيير سياستك ناحيته ؟ "
مد يده لباب السيارة المجاور لكرسي السائق وفتحه ونظر لها
وكأنه يخيرها بين أن ترحل معه الآن أو أن ينفذ ما قال فنقلت
نظرها بينهما قبل أن تنظر لعينيه قائلة بصدمة
" ما معنى هذا يا مطر ؟ تساوم بالأرواح ! "
ضرب الباب بقوة مغلقا له وقال بغضب مشتعل
" هذا لتفهمي من أي نوع هو ذاك الرجل الذي تدافعين عنه
ولازلت تنظرين له كشقيق لك ، لقد ساوم بك مقابل الفتاة
الثنانية وحرب الثنانيين إن كان يعنيك هذا ، ولن تفهمي قط
معنى ما قام به أيضا "
نظرت له بصدمة فتابع رافعا سبابته أمام وجهه قائلا بحزم
" قسما إن فعلها وخرجت قطعة سلاح واحدة من اليرموك لأيدي
المدنيين هناك لن يمسكني عنه سوى أن يكون أجله لم يحن بعد "
قبضت يديها لا شعوريا حين دار حول السيارة ووقف مقابلا لها
بعدما فتح بابها وقال بحزم ناظرا لعينيها الدامعة
" وقسما يا ابنة دجى الحالك أن يكون مصير أي رجل يفكر فقط
في أن يقترب منك الموت وعلى يداي "
ركب بعدها سيارته وغادر تراقبه نظراتها وعيناها السوداء
التي تسربت منها الدموع سريعا هامسة بأسى
" تأخرت يا مطر .... ليتك فقط لم تقتلني يوما ليموت تباعا
كل هذا لدي "
ثم نظرت حولها وتلك الدموع تسقي رموشها الكثيفة فهنا دفنت
كل شيء حتى غسق .. هنا دفنت مشاعرها وسنوات عمرها
وحيدة من دونه وقد علمها الفراغ أن تعتاد على أن تعيش من
دون سماع صوته .. أن تنسى ذكرى حضن الرجل الوحيد الذي
عرفته والأضلع التي تمنت أن قتلت وما حرمت يوما من النوم
والهذيان بينها ، التفتت للباب الذي خرجت منه تمسح عيناها
بقوة تحاول ترك كل ذلك خلفها وعدم الالتفات له وإن قتلها
ودخلت ونظرت للذي كان يجلس على الأريكة يداه تحضن
يدي الجالسة بجواره لا يتوقف عن تقبيل باطنهما وهي تراقبه
بعينين دامعة وقد دفن وجهه فيهما ولم يستطع إمساك نشيجه
الباكي حينها فسحبتهما منه وضمت رأسه لصدرها بقوة تشاركه
البكاء ، تكره مقاطعتهما وأن يحرما من أي لحظة يختاران مشاركتها
معا وكان عليها أن تفهم وأن تعلم ما الذي يجري وما معنى كل ما
قاله من غادر من هنا قبل قليل !
رفعت نظرها للأعلى فجأة ليقع على الواقف هناك منحن بجسده
على سياج السلالم يراقب ما يجري في الأسفل مبتسما قبل أن ينتبه
لها وفر حينها ضاحكا بصمت فحركت رأسها بيأس منه وكانت
تود اللحاق به وتوبيخه بما يستحق لكن ثمة من عليها زيارته
أولا فغيرت وجهتها لممر غرفة رماح والتي دخلتها دون أن
تطرق بابها ليقينها أولا من أنه لا يغير ملابسه وحيدا ولن يكون
نائما بالطبع وثانيا لأنها تريد التأكد مما تتوقعه وما وجدته عليه
بالفعل حينها وهي تقترب منه موليا الباب ظهره فالتفت لها سريعا
ما أن شعر بوجودها وقد قلب الصورة التي كانت في يده قبل أن
يدسها في الدرج مجددا وأغلقه فابتسمت بحزن ودارت حول
كرسيه حتى أصبحت واقفة مقابلة له وقالت بجدية
" لما تلاحق أطياف حبيبتك في صورة قديمة وليس يفصلها عنك
سوى أمتار قليلة يا رماح ؟ "
أشاح بوجهه عنها ولم يعلق فقالت بأسى
" لما لا تقدر معنى أن يكون أحدهم وفيا لك حتى الموت ؟
أن يحترم ذكراك وأنت بعيدا عنه وأن يخسر كل شيء من أجلك
وحتى سنوات عمره ؟ "
نظر لها ولعينيها الممتلئة بالدموع ... مشهد طمر خلف السنين
كمشاهد بكائها التي لم يروها مجددا إلا من وقت قريب فلم يتخيل
أن يراها تعانق وجنتيها وقت رجوعه من لندن وهو من لم يراها
ولا وقت وفاة والده رغم معرفته بأي ليال تكون تلك التي مرت
عليها وحيدة في غرفتها ... أمر جعل مطر شاهين يغادر منفاه
ولأول مرة ويدخل البلاد لليلة واحدة فقط ولساعتين زار فيهما
هذا المنزل فقط وتحديدا تلك الغرفة في الأعلى والجميع يقدر له
ذلك فهم كانوا سيخسرونها وللأبد بسبب هذيانها الباكي ليلا
تنادي والدها الذي رباها كالمجنونة ، قال بهدوء محدقا في
عينيها السوداء الواسعة
" توقفي عن تعذيب نفسك بسببنا يا غسق .. يكفيك قتلا
لروحك الجميلة شقيقتي "
حركت قبضتها نحو الأسفل قائلة بضيق
" افعل الصواب إذا يا رماح وأنصف تلك الفتاة وإن من أجلك
أنت وليس هي "
تنهد بعمق وقال
" لا أريد أن أظلمها يا غسق ، لما ترفضين فهم.... "
قاطعته بغضب
" لما لا تفهم أنت معنى ظلمك الحالي لها ؟ أي ظلم هذا الذي
ستعيشه أسوء مما تراه الآن وها أنت بعدما لحقت بك إلى هنا
ستغادر لحوران وتتركها "
قال ببرود
" وانقلي عملها ووالدتها وشقيقها لحوران فلن يصعب ذلك
عليك وأنتي زوجة رئيس البلاد "
صرخت فيه فورا
" رماح أنا لا أمزح "
قال بضيق
" ولا أنا أمزح أيضا حين أقول أنه على جهينة أن تحكم عقلها
وأن لا تضيع عمرها خادمة لي "
قالت بضيق مماثل
" أنت يمكنك السير يارماح لو أردت ذلك "
قال بجمود محدقا في عينيها
" وإن لم يحدث ذلك يا غسق ؟ ماذا إن حدث العكس وفقدت
حتى القدرة على الوصول للحمام قبل أن أتبول على نفسي كالأطفال ؟
ماذا إن فقدت القدرة على ممارسة حياتي معها كزوجين طبيعيين ؟
ما الذي ستتحول له حياتنا حينها وأي ثمن ستدفعه تلك الفتاة ؟ "
أبعدت نظرها عنه مغمضة عينيها لبرهة وتنفست بعمق وكأنها تحاول
طرد التفكير في ذلك من عقلها قبل أن تنظر له مجددا قائلة
" حررها منك حينها ولا تكتب التعاسة لكليكما بسبب فرضيات
الله وحده يعلم صحتها من عدمها "
علق من فوره وبسخرية
" احررها كيف بالله عليك يا غسق وبعد ماذا ؟ اتعطي أحدهم
الماء على الظمأ وتحرمه منه من قبل أن يرتوي ؟ لا وتريد منه
أن يرميه بنفسه لأنه لم يعد يمكنه الشرب منه ؟ لعبة هي يا غسق
أتزوجها ثم أرميها "
قالت بإصرار
" لكنها تحبك يا رماح "
شد قبضته فوق ذراع كرسيه وقال بحزم
"وأنا أحبها لكن الذي يحب يضحي من أجل حبيبه إن كان
يحبه فعلا "
لوحت بيدها صارخة برفض
" أنت لا تضحي من أجلها أنت تضحي بها ، أنت تتركها تموت
بالبطيء ... لست أعلم شخصا يضحي بمن يحبه من أجله !
هذا لا يستوعبه عقل "
قال بجدية محدقا في عينيها
" إن كنت تحبين رجلا وعلمت بأن بقائه معك معناه أن يموت
وتفقديه للأبد أكنت تضحين به من أجله أم تخسريه وللأبد وليس
أنتي فقط بل وجميع من يحبونه ويحتاجون له "
قالت بضيق
" لا تخلط الأمور يا رماح فجهينة لن تموت وهي معك بل من دونك ،
لما تنظرون للأمور بطريقة غريبة أنتم الرجال ؟ لو كنت كما تقول
أحب رجلا وكان مثلك الآن سيتركني كي يحميني منه أو من نفسي
أو مستقبلي معه أو حتى الموت كنت سأرضى بالموت دفعة واحدة
على تركي أموت بالبطيء ودون رحمة "
تنهد بعمق وقال
" في هذا تناقضين نفسك يا غسق ! كنت لترضي أن تموتي ولا
أن يضحي الرجل الذي تحبين بك ولن ترضي بالتأكيد أن يموت
لأنه رفض تضحيتك ! "
كانت ستتحدث والضيق في ملامحها الجميلة يزداد حدة فسبقها
قائلا بأسى
" غسق يكفيك عتابا لي اقسم أنك تؤذينني بغضبك مني يا شقيقتي
ومعاملتك لي كنكرة "
قالت من فورها وبحزم
" بل ولن تراني أبدا إن بقيت على عنادك هذا "
قال بصدمة
" غسق أن...... "
قاطعته من فورها وبحزم
" اقسم بالله يا رماح أن أفعلها ولن يقابل وجهي وجهك حتى أموت "
صرخ مستنكرا
" غسق !!! "
فنظرت له بعناد وإصرار ولم تتحدث فقال بضيق
" تجبريني على ما لا أريد مثلا يا غسق ؟ أترضين بهذا لنفسك
أم ترضي بأن تفرضي على رجل بالإكراه "
قالت بضيق مماثل
" توقفوا عن التمثيل بي وعن محاصرتي بهذه الحجج الواهية
يا رماح "
تأفف وقال بحدة
" لن تلومي إلا نفسك إن لم تنجح حياتنا يا غسق بل وأنا أيضا
سألقي باللوم عليك فتذكري هذا جيدا "
قالت ببرود
" موافقة "
حرك رأسه بيأس منها فمدت يدها له بصمت ونظر لها هو باستغراب
فقالت بجمود
" أعطني هاتفك "
تمتم ببرود رافض
" وأين هاتفك أنتي ؟ "
قالت من فورها
" ليس معي ولن أترك هذا المكان حتى أتصل بها ونحدد معهم
موعدا فأنا لا أثق بك "
تنهد بضيق وأخرجه لها من جيب بنطلونه فأخذته منه فورا وكتبت
رقمها فيه وما أن اتصلت ظهر أنه مسجل لديه وباسم (حبيبتي دائما)
فنظرت له تزم شفتيها بحنق وأبعد هو نظره عنها بضيق فتجاهلته
ووضعت الهاتف على أذنها وقد أجابت من في الطرف الآخر
فورا قائلة بهمس ولهفة
" رماح !!! "
نظرت بضيق للذي كان ينظر لها وقالت
" بل أنا غسق يا جهينة وأردت أن تحددوا لنا موعدا لنزوركم "
لم تخفى عليها السعادة في صوتها وهي تهمس مجددا
" الأفضل أن تحدثي والدتي يا غسق فقد لا يعجبها أن يكون
ذلك من خلالي "
قالت من فورها
" أجل معك حق سأتحدث معها بهاتفي وسيتحدث رماح مع شقيقك
فيما بعد فعلينا أن نتم الأمر قبل انتقالنا من هنا "
وصلها ذاك الهمس المصدوم سريعا
" تنتقلون من هنا ؟ "
أبعدت نظرها عن الجالس أمامها وقالت
" أجل لحوران وفي أقرب وقت وسنتحدث أكثر فيما بعد فالأمر
يطول شرحه "
همست تلك بتردد
" وكيف هو رماح ؟ "
نظرت له مجددا وقالت
" تتصلي بي يوميا لتسأليني فقط هذا السؤال وفي كل مرة أقول
لك أنه بخير وها هو جالس أمامي بكامل قواه العقلية حتى الآن "
أشاح بوجهه عنها متنهدا بضيق على ذاك الصوت الهامس بحياء
" وداعا الآن إذا .... "
فقالت وهي تبعد الهاتف عن أذنها
" وداعا ... أراك قريبا "
مدته له بعدها فقال ببرود وهو يأخذه منها
" أنتي راضية الآن ؟ "
قالت مغادرة جهة الباب
" بالتأكيد وستشكرني يوما ما "
خرجت من عنده مغلقة الباب خلفها وعبرت الممر عائدة من
حيث جاءت حتى كانت في بهو المنزل ووقع نظرها فورا على
الجالس هناك وحيدا هذه المرة يتكئ بمرفقيه على ركبتيه وينظر
للأرض فقالت تنظر حولها
" أين هي آستريا ؟ "
قال ولايزال ينظر للأسفل
" أوصلتها الخادمة لغرفتي لتستحم "
قالت باستغراب
" غرفتك !! "
رفع نظره لها وقال
" أجل غرفتي "
قالت من فورها
" ولما غرفتك ؟ "
استوى في جلوسه وقال هو باستغراب هذه المرة
" أين إذا لغرفة رماح ! أم عمتي ؟ هي زوجتي يا غسق "
قالت بجدية
" أعلم أنها زوجتك لكن غرف المنزل كثيرة وما بينكما سنعده
عقد قران فقط ولن تتزوجا هكذا "
كان سيتحدث فسبقته قائلة بحزم
" هي تتزوج للمرة الأولى ومن حقها أن تحتفل وتحضى بزواج
كغيرها ، ثم أنت أول عربي يتزوج من ثنانية أتريد أن تتزوجها هكذا ؟
ولا تنسى مكانتك أيضا كعضو في البرلمان الحاكم للبلاد "
قال بجدية
" وبسبب الأشياء الذي ذكرتها جميعها علينا أن لا نحيط أنفسنا
بكل تلك الشوشرة خاصة بعدما علمته منها "
نظرت له باستغراب قبل أن تتذكر ما كانت تريد سؤاله عنه
أساسا فقالت
"ما هذاالذي بين جبران ومطروتحدث عنه ويبدوا بأنك تعرفه جيدا؟ "
نظر لها بصدمة تتنقل نظراته بين حدقتيها السوداء الواسعة قبل يقول
بصوت منخفض
" الحكاية قديمة يا غسق ولا جدوى من نبشها الآن "
نظرت له باستغراب لم تفق منه قبل وقت هامسة
" عن أي حكاية قديمة بينهما تتحدث !! "
تلكك بصدمة قبل ان يقول
" عما تتحدثين أنتي وما أخبرك ؟ "
قالت من فورها وبريبة
" عن اليرموك أتحدث فعما كنت تتحدث أنت ؟ "
قال بعد برهة تفكير للفكاك من ذاك المأزق
" عنها كنت أتحدث أيضا فقد طلبها شقيقك مقابلا لآستريا ، هكذا
قا..... "
قاطعته قائلة بحزم
" رعد حكاية اليرموك سيكون عمرها يومان فقط فعن أي حكاية
قديمة بينهما ما تتحدث "
أبعد نظره عنها وقال
" لا شيء "
قالت بضيق ودون أن تعطي عقلها أي مجال للتفكير في أمور
تكره مجرد الخوض فيها
" ر عد لا أعرفك تكذب أبدا فتفعلها الآن من أجل أي منهما ؟ "
نظر لها وقال ملوحا بيده بضيق
" يمكنك أن تسأليه واعفني من كل هذا يا غسق "
نظرت له بصدمة هامسة
" لم تنكر ذلك يا رعد !! "
أشاح بوجهه جانبا يقبض أصابعه بقوة وكأنه يكتم غضبا
مدفونا لم يشعرها سوى بالنيران المدفونة أيضا في جوفها
تستعر مجددا فتركته راكضة جهة السلالم وصعدت فورا ولم
تشعر بنفسها إلا وهي في غرفتها تتكئ بظهرها على الباب الذي
أغلقته للتو خلفها تنظر للفراغ بتشتت تتنفس بقوة وصعوبة
عيناها قد لمعتا بغضب مكتوم وضياع أوصل قلبها لأقسى درجات
العذاب وجفناها بدأ يشوبهما ذاك الاحمرار الخفيف من حبس كل
ذلك فيهما ووحش الماضي يهاجمها وبشراسة
) لمن هذا المنديل يا غسق تكلمي (
) " تريدين معرفة السبب يا غسق ؟ معرفة ما بي وما ذنبك أنتي ؟
تريدين فتح الجراح وكشف الحقيقة المرة ؟ "
رمى يده بعنف وصرخ أكثر لا يفصله عنها سوى جسد جوزاء
التي تمسك به بقوة ليبتعد
" ما رأيك برجل طعن في كبريائه وكرامته ؟ ماذا تتوقعين من
رجل انتظر امرأة لأعوام وعاش لها فقط لا ينظر ولا بطرف عينه
لامرأة أخرى ليأخذها منه غيره وليكتشف أنها فضلت غيره عليه ,
امرأة داس على كرامته من أجلها تنازل من أجلها ... عشقها
سمعتي عشقها هي وحدها ليكتشف أنها لغيره أنها باعته بأرخص
منه أنها تلاعبت به أنها تخطط للزواج من غيره وأنها لم تستحق
عمره الذي أضاعه ينتظرها )
أمسكت رأسها بقوة وذكرى صوت جبران تحديدا تهاجمها تباعا
( بل لي .. أنتي لي يا غسق ومرجعك عندي أنا , أنا وحدي من يحبك
وستري ذلك بأم عينك وسيتخلى عنك ذاك المغرور وبدون سبب لأنه لا
يفكر إلا في نفسه لا يحب إلا نفسه ولا يعطي شيئا ولا حتى مشاعره ,
هو كالموت يأخذ فقط )
(جبانة أنتي تخافين منه ... تحميني وتحمي والدي فقط أنا متأكد من
ذلك فلا تخشي شيئا وقولي فقط أنك تريدين ترك ذاك المكان وأنا
مستعد لإخراجك من هناك مهما كلفني الأمر وسندبر ذلك سويا ,
قوليها هيا ولا تخشي شيئا يا غسق)
( " أحبه يا جبران وإن قتلني لا يمكنني إلا أن أحبه يا شقيقي "
" كذب هي لم تقل ذلك وسيطلقها وسترجع لي , لي أنا وحدي
وإن قتلته أو أموت من أجل ذلك " )
توجهت للطاولة وضربت كل ما عليها صارخة برفض ولم يتوقف
الأمر عند ذلك فقط بل كل ما طالته يداها مثلما عادت تلك الذكرى
لتحطيمها من الداخل
( هو أوصاني بأن أقول ذلك ما أن أصل إليك وأمام الجميع ...
قال أمانتك وصلتك فاحفظ أمانتي حتى تصلني )
( لقد ساوم بك مقابل الفتاة الثنانية وحرب الثنانيين إن كان يعنيك
هذا ولن تفهمي قط معنى ما قام به )
( هي لم تخني يوما .... بل هي لا تعرف الخيانة ووحدي من
كنت أجرحها بذلك )
( ومطر شاهين يحبك .... يحبك يا ابنة دجى الحالك)
ضربت التحفة الخزفية في صورتها في مرآة الخزانة بقوة حولتها
لأشلاء صارخة بقوة ونزلت على الأرض تتكئ بظهرها على
خشب مقدمة سريرها وحضنت ركبتيها بقوة تدفن وجهها فيهما
حين وصلها صوت الذي كان يطرق الباب بقوة صارخا
" غسق توقفي عن إيذاء نفسك ولا تنسي حديث والدي الأخير ....
غسق لا تنسي الوعد الذي قطعته له "
فضمت ساقيها أكثر وأغمضت عيناها بقوة هامسة بصوت
مرتجف يائس
" أبي ... ليتك فقط أخذتني معك "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 84 others like this.
رد مع اقتباس
#6757
قديم 29-01-18, 09:11 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
نظر حوله ولحركة الضيوف الفوضوية وكلماتهم المتداخلة
والبعض يبدوا فكر جديا في مغادرة الحفل ، لم يكن يهتم بكل ذلك
ولا بأن يحاول تهدئة الوضع كما يفعل باقي أفراد عائلته بل كانت
نظراته تبحث عن التي كانت واقفة بجانبه واختفت فجأة دون أن
ينتبه لها في غمرة انشغاله بما كان يجري ، تحرك في المكان
بعشوائية هامسا
" زيزفون "
وكأن ندائه الهامس ذاك كان سيصلها أينما كانت وهو لا يراها
بين كل أولئك الحضور أينما تحرك ! نظر جهة التي يبدوا بأنها
وجدت فكرة ما للملمة تلك الفوضى حين صعدت على أحد الكراسي
ومنه للطاولة الملاصقة له وأخرجت من حقيبة فستانها مايكرفون
يدوي يعمل بالبطاريات على ما يبدوا وذهبي اللون وكأنه قطعة من
شعرها المجموع في لفافات جميلة وأنيقة حول وجهها الصغير وظهر
فستانها الانيق للعيان بوضوح حينها وكان من قماش الدانتيل
الأبيض مبطن بقماش أسود ويلتف حول خصرها حزام من القماش
الحريري الأسود أيضا لينزل بهيئة عقدة كبيرة خلف ظهرها وله
ياقة مربعة الشكل وأكمام من الدانتيل وصل طولها لمرفقيها وقد
زين عنقها عقد من الكريستال الأسود كما القرطين الطويلين في
أذنيها لتصبح كدمية عرض صغيرة وجميلة ، شغلته أولا بكبسة
زر صغيرة ليلفت صوت طنينه الموجودين جميعهم وقد قالت
مبتسمة ما أن قربته لشفتيها
" حسنا سيداتي سادتي لما تجعلون ما حدث يفسد حفلتنا ؟
كل ما في الأمر أنه شاب أخذ حبيبته من بين الرافضين لهما ...
أليس الأمر رائعا ؟ "
وقد نجحت فعلا في سرقة انتباه الجميع وهي تتابع ونظرها ينتقل
بينهم ببطء وبذات ابتسامتها المشاكسة الجميلة
" ثمة أخبار أخرى رائعة ومميزة فهل أنتم مستعدون لها ؟ "
حرك رأسه متنهدا بعجز من أفكار تلك المجنونة وها هي يبدوا
أنها ستكشف عن مفاجأة تخبأها لشخص ما هنا يعرفه جيدا وكما
توقع كل واحد منهما يدبر أمرا ما وهذا سبب وجود تلك الفتيات
حوله بالتأكيد ، في ظروف أخرى كان ليهتم بمعرفة ما يخبأه كل
واحد منهما للآخر لكن الآن عليه أن يجد ضالته أولا والتي ما
كان عليه أن يغفل عنها ويتركها تختفي هكذا فجأة ! تحرك من
مكانه مجتازا بعض الضيوف ليلفت انتباهه التي وقع نظره
عليها خارجة من جهة باب الشرفة ولم تكن سوى .... جيهان ،
فنظر حوله للمرة الأخيرة قبل أن يلحق بها مسرعا فها قد علم
إلى أين ستكون توجهت زيزفون .
*
*
*
بالكاد كانت تستطيع مجاراة خطواته وهو يخرج بها من تلك
الشرفة حتى أنها كادت تقع في عتباتها الجانبية المرتفعة ولم يهتم
ولا بالالتفات لخطواتها المتعثرة سائرا بها جهة الحديقة المحيطة
بذاك القصر حتى اختفت أبوابه ونوافذه خلفهما وأدارها حينها
موقفا لها على جذع الشجرة أمامه ونظر لعينيها تتلقف أنفاسها
بلهاث نظرها على عينيه الغاضبة وقد أسند يده على الجذع خلفها
وقال بحدة مشيرا بسبابة يده الأخرى لما تركاه خلفهما
" أيعجبك ما أوصلتنا له مارياا ؟ أهذا ما تريدينه لي ؟ "
" أ...... "
أغمضت عينيها مجفلة حين صرخ مقاطعا لها
" لماذا تغلقين هاتفك الأحمق ؟ لما لا تجيبين على اتصالاتي ؟
ما حركات الأطفال تلك مارياا ؟ "
صرخت فيه فورا وبالمثل
" لا تنفث غضبك منهم بي "
ضرب كفه على الجذع الخشن متجاهلا الألم الذي خلفه فيه صارخا
" وغاضب منك أكثر منهم "
نظرت له بصدمة وما أن حاولت التحدث صرخ مسكتا لها
" لا تدافعي عن أي منهم أمامي مجددا مارياا ، لا تعطيهم فرصة
استغلالك ضدي لأني سأنفيك من وجودي معهم حينها "
وتابع مشيرا بإصبعيه السبابة والوسطى أمام وجهها
" طريقان هما فقط ماريا .. أحدهما فيه أنا ولوحدي والآخر لهم
ولا نجتمع أبدا أتفهمين هذا ؟ "
همست بحزن ناظرة لعينيه الغاضبة
" وحين كنت أنا في أحد طريقين اخترت أنت الآخر "
حرك رأسه برفض قائلا بحدة
" لا تقارني مارياا "
قالت من فورها وبضيق
" بلى فأنت ترفضهم بينما تركتني عندهم وأقحمتني في عالمهم
ولم تمانع ! "
صرخ بحرقة
" هم لم يقتلوا والدتك ماريا "
صرخت بالمثل والدموع تملأ عينيها
" بل قتلوني أنا ... جميعكم قتلتموني وحتى أنت أيضا ... تركتموني
للأسوأ من المرض لأعوام طويلة ، ذبحتم روحي وماذا أيضا ؟
عليا أن أرضى وأتأقلم وأعيش كما تريد أنت وحيث تأمر .. حتى
أنك لا تجد لي مكانا في حياتك "
مرر أصابعه في شعره بقوة متأففا وقال بضيق ناظرا لحدقتيها
اللامعة بقوة
"سبق وتحدثنا عن هذا إن نسيت ماريا وأنتي وافقت على انتظاري "
همست بأسى محدقة في عينيه
" ذاك كان قبل أن اكتشف بأنه لك حبيبة "
رمى يده جانبا قائلا بحدة
" ليست حبيبتي ... توقفي عن التفوه بالحماقات ماريا "
صرخت من فورها والدموع المتحجرة في مقلتيها تزيد تلك
الأحداق الذهبية لمعانا
" وماذا تكون إذا التي تجيب على هاتفك منتصف الليل وأنا لم
أراه يوما ؟ من تكون التي تدخل منزلك وتراها كل ليلة بينما
ترمي بزوجتك في منزل من تكره حتى رؤيتهم ؟ من تكون يا تيم
التي تجد لها وقتا في ظروفك وحياتك وعملك بينما أنا لا .... من ؟ "
لوح بيده أمام وجهها قائلا بضيق
" سبق وشرحت مارياا فهل سأعيد وأكرر كالببغاء لأن سيادتك
ترفضين الفهم ؟ "
مسحت عينيها بقوة رافضة أن تنزل تلك الدموع وقالت بضيق مماثل
" لماذا أتيت إذا ؟ ألم تختار مهمتك المنافية للأخلاق وما ربتك
والدتك عليه وتركتني ؟ فما جاء بك هنا وتلقي باللوم علي ! "
تحول مزاجه للبرود فجأة وقال بابتسامة ساخرة
" جئت لأرى اختيارك الأقسى ماريا ... أعلمت لما أتيت ؟ "
قالت من فورها محتجة
" أنا لست في صفهم فتوقف عن اتهامي بهذا فأنا أكثر من
عايش معاناتكما ورفضت أن أساعد والدك حين طلب مني ذلك
وعمتك اليوم أيضا وقبلهما عم والدتي وسأرفض ذلك دائما "
وتابعت بأسى وقد عادت تلك الدموع للتمرد على مقلتيها مجددا
محدقة بعينيه السوداء الحادة
" لأني لن أنسى أبدا موت والدتك أمام عيناي تمسك بيدي تذكر
اسمك حتى لفظت أنفاسها الأخيرة توصي عليك طفلة أصغر وأقل
حيلة منك ، وما منعتك الآن عن قتل تلك المرأة إلا من أجلك ومن
أجل مستقبلك وآمال والدتك فيك ووصيتها لي قبل موتها "
زمت شفتيها تمنع شهقتها الباكية من الخروج تقاوم دموعها كي
لا تنزل وهي تراقب ملامحه التي أشاح بها عنها وهاهو يحاول مجددا
إخفاء ألمه ... إخفاء ما وحدها يمكنها رؤيته من خلف جمود ملامحه
وقسوتها .. من خلف قناع بروده الدائم ولامبالاته فخلف كل هذا
يوجد فتى عمره ثلاثة عشر عاما لازال ضائعا في شوارع قرية
حجور فارقته والدته وتخلى عنه الجميع واتهم في شرفه وأخلاقه
واضطر للاعتراف بذنب لم يكن يعرف ولا طرق اقترافه .. لازال لم
يجد وطنه ومأواه والدواء لجراحه المدفونة خلف الماضي يرفض
أن يكون من تخلو عنه هم السبيل لذلك وها قد أغلق الطريق
أمامها أيضا .
تابعت ببحة تنظر لملامحه التي يشيح بأغلبها عنها
" هذا لا يعني أني أقف في صفهم فأنت من فرض عليا هذا حين
اخترت لي عالمهم عنك "
" هشششش اسكتي ماريا "
نظر لها وقد أسكتها ممررا سبابته على شفتيها قبل أن ينزل بها
لذقنها وأدارها حوله ورفعه بإبهامه ليرتفع وجهها له ينظر لها
بعينان غزى جمودهما لمعانا غريبا بل كان مؤلما لها أكثر من
دفنه هو له فتصاعدت ضربات قلبها حد الصخب وحد أن فقدت
السيطرة على أنفاسها فها هو المشهد ذاته في غرفتها سابقا يتكرر
الآن وها هو يختارها مجددا للهرب من عواصف تلك الذكريات ومن
غضبه وألمه وجراح كبريائه العنيد ، أغمضت عينيها دون شعور
منها حين شعرت بملمس تلك الشفتين ... الشعور الذي أرجف
جسدها بقوة واندفع الهواء لصدرها في شهقة خفيفة أرجفت
شفتيها قبل أن تنقض عليها تلك الشفتين وقد اختفى أسلوب الرقة
من قبلاته هذه المرة وهو ينتقل بها من الخشونة للعنف وقد بدأت
تشعر بحواف خشب الجذع الضخم خلفها وكأنها تخترق لحم ظهرها
حين ألصق جسده بها فشدت أناملها لا شعوريا على كتف سترته
لا يمكنها مجاراة تلك القبلات ولا إن فكرت في فعلها بسبب تتاليها
وخشونتها يردد من بينها تلك الكلمات اليونانية ذاتها وبأحرف
متقطعة وبحة رجولية عميقة موصلا بهمساته الدافئة تلك
مشاعرها للجنون وإن لم تفهمها وكأنه يختبر قوة صمودها أمامه
حتى في أوج شغفه العنيف ودون رحمة .
وما أن ابتعدت شفتيه قليلا سامحا لأنفاسها بالتعاقب لرئتيها دون
أن يقطعها بقبلة مجنونة جديدة ككل مرة همست بصعوبة مغمضة
عينيها برفق وأصابعها تترك سترته ببطء وبشفاه مرتجفة ما أن
عاد لتحريك شفتيه عليها مداعبا برقة هذه المرة
" تيم أنت تؤلمني "
ارتخى جسدها المتصلب حين أبعد جسده عنها ببطء وفتحت عينيها
ونظرت له ما أن شعرت بملمس يديه وأصابعه على جانبي وجهها
وقد رفعه له أكثر مواجها له وأنفاسه تخرج متعاقبة قوية بالكاد
تستطيع أضلع صدره العريض احتوائها لتفلتها من جديد بزفير
قوي ، نزل بيديه لعنقها الناعم وكأنه لم يكتفي بعد من العبث
بمشاعرهما معا ومن هتك أسوارها الهشة أساسا وقرب وجهه
منها أكثر حتى تلامست شفتيهما مجددا وهمس بأنفاس متقطعة
" لنغادر من هنا ماريا "
أغمضت عينيها برفق تخفي الدموع فيهما تتنفس أنفاسه الدافئة
بنهم وكأنها تودعها للأبد وتخزنها في ذاكرتها وللأبد قبل أن يكشفا
جفناها الواسعان ببطء عن تلك الأحداق الذهبية الدامعة وقد غرست
أسنانها في طرف شفتها بقوة وقبلاته الصغيرة المتتالية تنتقل من
طرف شفتيها لذقنها الصغير فعنقها الناعم وهمست بخفوت وأحرف
بالكاد استطاعت اخراجها وأصابعها تلامس لا شعوريا فكه ونزولا لعنقه
" إلى أين يا تيم وحتى متى ؟ "
تكدست الدموع في مقلتيها أكثر حين توقف عما كان يفعل ورفع
نظره لها وحدقت فيها تلك الأحداق السوداء بصمت فهي تعلم بأنه
لن يجيب عن سؤالها ذاك ، وإن أجاب عن شطره الأول فلن يجيب
عن الآخر فكلاهما يعلم بأن الأمر لن يتعدى الساعات أو الليلة
ثم سيطردها من عالمه مجددا .
أغمضت عينيها بألم حين علا صوت رنين هاتفه في جيب سترته
وفتحتهما ما أن أدخل يده له وأسكت ذاك الرنين دون أن يخرجه
فرفعت نظراتها له وتلك الدمعة تتدلى من رموشها لوجنتها
المحتقنة بشدة وهمست بعبرة مكتومة محدقة بعينيه
" لما لا تجب على اتصالها ؟ أليست مجرد مهمة يفترض أن
نمزح ونضحك عليها ! "
رمى يده جانبا صارخا
" لا تتفوهي بالحماقات .... سحقا "
وتابع بحزم وقد أمسك وجهها بيديه ناظرا بقوة لعينيها الدامعة
" أنا من سيطلب منك الاختيار الآن ، إما أنا وظروفي أو لا شيء
ماريا .... لا شيء "
انسابت الدمعة الأخرى دون استئذان ولا أن تفكر في منعها ولازالت
محدقة بعينيه الغاضبة التي يفترض بأنها الملجأ لهمومها المتراكمة
عبر الأعوام .. من يفترض أن تفهمها دون أن تتحدث ومن سترفض
النظر لسواها وتحت أي ظرف أو سبب كان ... أن تنسى هموم
ماضيها بأكملها ما أن تنظر لها لا أن تكون عذابا جديدا لحاضرها
ومستقبلها ، همست بعبرة مكتومة لم تعد تستطيع ولا رؤية تلك
العينين من بين تلك الدموع وكأنها تقرر موتها
" بل .... أنا وحدي أو لا شيء "
تركت حينها يداه وجهها بحركة بطيئة وقال بتأن محدقا في عينيها
" تذكري إذا بأنك من قطع الجسر الوحيد بيننا ماريا "
وما أن أنهى عبارته تلك غادر من هناك وسار جانبا بخطوات
واسعة غاضبة يسكت مجددا هاتفه الذي عاد للرنين تتبعه
نظراتها الباكية تتنفس بصعوبة وشعرت حينها فقط بمعنى
اللقاء الأخير والوداع الأخير والقبلة الأخيرة بل وبفقدان آخر
آمالها في الحياة وها هي تسلمه لإمرأة غيرها في وقت هو أحوج
فيه لوجود واحدة بقربه ... تقول له أجل ارحل وابتعد لا أريدك
بعدما انتظرتك كل تلك الأعوام ودون يئس ، بعد أن اختبرت قربك
وهمساتك وقبلاتك ودفء حضنك .
انطلقت خطواتها لا شعوريا حيث اختفى تمسح دموعها بقوة
وكأن السنن تبعده عنها مجددا لتتركها راكضة خلف أطيافه من
جديد والماضي يعيد نفسه لكن بطريقة أقسى وأكثر وجعا هذه المرة .
وصلت للمكان الذي يركنون فيه سياراتهم أمام الباب الداخلي للمنزل
ووقفت مكانها تتلقف أنفاسها حين وقع نظرها على الذي فتح باب
سيارته للتو وقد التفت لها ما أن شعر بوجودها رغم انها كانت تقف
على مبعدة منه وكأنه توقع ذلك أو انتظره منها ينظر بهدوء لعينيها
الباكية والنسائم تتلاعب بخصلات غرتها البنية الناعمة أمامها وذاك
القماش الحريري الأحمر المتدلي من كتفها للخلف حتى الأرض يتحرك
مع الهواء جانبا مع حركة خصلات شعرها حول كتفيها تنظر له تلك
العينان الباكية بأمل كسير وحلم ميت ... بغربة وضياع تبحث
عنده عن كل ما يبحث هو عنه لديها بل وأكثر من ذلك بكثير .
طال الصمت بينهما كما طالت تلك النظرات الصامتة وتلك الدموع
المتعاقبة حتى تحول الأمر لشهقات مكتومة متتالية تعبث بحركة
صدرها بعشوائية واضحة فرفع يده ومدها لها بطول ذراعه
( أن تعالي ... )
وكأنه يخبرها بأن ذاك الجسر لم ينقطع بالفعل ولم يختفي للأبد
وها هو نصفه موصول والآخر لديك يضع الاختيار مجددا في
يدها فكيف ستختار بين الموت والموت ! كيف تختار بين أن
تموت بعيدا عنه أو أن يقتلها باقترابه المزيف ؟ تراه مع امرأة
غيرها وفي وجودها ولا تطالب بحقها فيه ! كيف هذا وبأي حق ؟
إن كانت نظرة لغيرها لن تقبل بها فكيف بعلاقة كاملة معها وأمام
ناظريها ! نقلت نظراتها الباكية من يده الممدودة لها لعينيه
المحدقة بها وزمت شفتيها تمسك عبرتها التي لم يعد لها سلطة
عليها تنظر لشفتيه الهامسة بخفوت
" تعالي ماريا "
فحركت رأسها ببطء ورفض ترفع نظرها لعينيه ببطء هامسة
أيضا وبعبرة
" ليس هكذا "
فقبض أصابعه حينها قبل أن ينزل يده يشد قبضته بقوة وقد
تغيرت نظرته لغضب خالطه شيء لم تفهمه وكأنه خذلان
وخيبة أمل .. بل وكأنه يقول لها
( أنا لا أعطي فرصتين متتاليتن لأحد وقد فعلتها معك الآن لكنك
لم تستحقي ذلك )
وظهر ذلك واضحا حين ركب سيارته ضاربا بابها بقوة وأدار
المفتاح فيها وهاتفه الذي عاد للرنين مجددا قد وضعه على
أذنه وقال وهو يتراجع بها للخلف
" أجل يا لوسي أنا قادم .... أعطني ساعة واحدة فقط "
وغادر من هناك صرير عجلات سيارته يسحق الأرض تحتها
بقوة لم ينظر مطلقا ناحية التي تركها خلفه باكية وقد قادتها
خطواتها حيث كان واقفا قبل قليل تنظر لسيارته المغادرة
بسرعة جنونية وصرخت خلفه باكية تشد قبضتيها بقوة
" لن تفهم مطلقا معنى هذا الذي أشعر به أبدا أيه القاسي ، لن
تحبك مثلي أبدا لكنها ستعلقك بها ثم سترميك خلفها "
وتابعت صارخة من بين عبراتها ولم تعد ترى شيئا بسبب
كل تلك الدموع
" أنا فقط .... فقط من تحبك ..... تحبك يا أحمق "
واستندت بإحدى السيارات خلفها تنزل للأرض ببطء صوت
بكائها وعبراتها ملأ صمت المكان حولها حتى كانت جالسة
على الأرض تتكئ على إطارها خلف ظهرها وضمت ركبتيها
بقوة تدفن وجهها وعبراتها فيهما .
*
*
*
ابتسمت بمكر حين وقع نظرها على الواقف بعيدا مع فتياته
الشقراوات وقد رفع لها إبهامه مبتسما لها ابتسامة تشبه
ابتسامتها فزمت شفتيها بعناد ورفعت ذقنها فلن يتوقع أبدا
ما تفكر في فعله مستحيل ... لَما كان ليسمح لها به فها هي
ستحاربه بذات السلاح الذي استخدمه ضدها سابقا وليري
الآن الجميع صدق كلامه ذاك وكيف سيحرر نفسه من حياة
العبث السابقة أو كيف سيجد لنفسه مخرجا ، نقلت نظرها بين
الذين كانوا ينظرون لها بترقب والجميع بات يتوقع العجائب
في هذا الحفل ... من شاب يشهر سلاحه ويطلق النار لفتاة
تصعد فوق الطاولة بيمكرفون يدوي يبدوا بأنها تخبئ لهم
مفاجأة من نوع مماثل ، قالت بابتسامة لعوب تقرب الميكرفون
لشفتيها أكثر
" ثمة هدية مميزة لصاحب الحفل تضاهي نجاحه الأول والفريد
من نوعه بالفعل "
فعم الصمت التام المكان والتفتت الأنظار لها أكثر فقالت بصوت
مرتفع وابتسامة أوسع
" سبق وعرض عليا مدير شركة الأجواء للطيران الجديدة
الزواج ولم يسمع رأيي وأنا الآن ابلغه موافقتي وأمامكم جميعا "
علت الشهقات المستغربة وعبارات التساؤل والدهشة والأنظار
جميعها تبحث عن الطرف الآخر في ذاك الخبر لتستقر عنده
وأولها نظرات الواقفة فوق تلك الطاولة مبتسمة بانتصار على
نظراته المصدومة فليريها الآن كيف سيخلص نفسه من ذلك
أو ينكرما تفوه به سابقا ، ولم تكن تعلم بأن ذاك الانتصار لن
يدوم طويلا وتلك الابتسامة تختفي بالتدريج ما أن ابتسم وتحرك
من مكانه راكضا جهتها والأنظار تتبعه ونظراتها المصدومة أولها
حتى وصل للكرسي وقفز فوقه وبقفزة أخرى كان معها فوق تلك
الطاولة ودون أن يترك لها مجالا ولا لتقفز هاربة منه وإن تكسرت
عظامها جذبها لحضنه وطوقها بذراعيه فورا محاصرا لها بينهما
وأخذ منها الميكفرون وتحدث هو هذه المرة ولازال يمنعها من
الحركة بذراعه الأخرى رغم لكماتها لظهره وقال بضحكة متألمة
ناظرا لأحدهم تحديدا
" ما رأيك عمي موافق ؟ "
ابتسم له ذاك من فوره مومئا بالإيجاب فنقل نظره جهة واحد آخر
في طرف أبعد قائلا بصوت مرتفع
" أبي ما قولك أنت ؟ "
فرفع له إبهامه مبتسما فعلا التصفيق الحار حينها وأفلتها من
قبضته لكنه لم يترك يدها التي أمسكها بقوة واقتربت منهما والدته
بعد إشارة منه ومدت له صندوق مخملي صغير فأخذه منها فورا
وفتحه بيد واحدة كاشفا عن الخاتم الماسي المكون من قطعتين
داخله ولف ذراعه حول رسغها كي لا تفلت منه وتنزل وأخرج
الخاتم ودسه في إصبعها سريعا واختلطت الصرخات بالتصفيق
وعبارات التهنئة فسحبت يدها منه بعنف حتى كادت تقع فأمسكها
من خصرها مثبتا لها واختطف قبلة سريعة من خدها هامسا بابتسامة
" مبارك لنا حبيبتي "
فمسحت خدها بعنف هامسة باشمئزاز
" وقح ولن تحلم بأن يكون هذا حقيقيا "
ضحك وما أن حاول إمساكها مجددا نزلت قافزة للأرض فورا
وتحركت من هناك تبعد بعنف الخصلة المتموجة التي نزلت على
وجهها وغادرت ووجهتها الباب فورا تجتاز كل ذاك الحضور
متجاهلة جميع أنواع تلك النظرات.
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 86 others like this.
رد مع اقتباس
#6758
قديم 29-01-18, 09:14 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
شد أصابعه في قبضة واحدة على الباب الذي كان يطرقه من
وقت ودون فائدة ، لم يعد يسمع صوت تحطيمها للمكان ولا
صراخها الغاضب أي أنها هدئت على كل حال لكن هواجسه لن
تتركه أبدا حتى يتأكد من أنها بخير ، طرق الباب مجددا لكن برفق
هذه المرة وقال بصوت مرتفع لتسمعه
" غسق تحدثي على الأقل أريد أن أعلم فقط بأنك بخير "
وشد أصابعه يضغط أسنانه بقوة حين لم تجب وقال بحدة هذه المرة
" غسق قسما أتصل به الآن فهو لم يبتعد بعد وسيعرف كيف
يخرجك "
" أنا بخير اتركوني وحدي "
تنفس بقوة وضيق ناظرا للأعلى ما أن وصله صوتها الحانق
وغادر حينها فعلى الأقل هي بخير جسديا أما عقليا فبات يستبعد
ذلك وستفقد ذاك العقل قريبا دون شك ، نزل السلالم وهاتفه في
يده فسيخبره بما حدث في رسالة ولن يتحدث معه وهو لا يعلم
أين يكون الآن فقد يفقد ذاك الرجل صوابه ويبدأ في الصراخ
متجاهلا من حوله ، ثم هو ليس في مزاج لسماع توبيخه ويعلم
من أي نوع سيكون ذاك ، دس الهاتف في جيب بنطلونه وما أن
وصل للأسفل حتى علا صوت رنينه فتنهد متشهدا على نفسه
ودس يده في جيبه وتمتم ببرود وهو يخرجه
" جيد ... تعرف كيف تتصل فورا يا رئيس البلاد "
وما أن فتح الخط ووضع الهاتف على أذنه حتى سمع ما كان يتوقعه
" كيف علمت ؟ "
وكما توقع هو كان يتوقع ذلك خاصة بعد حديث جبران الذي نقلته
آستريا وفي وجوده تحديدا لكن ذلك لن يكون سببا كافيا وكلاهما
يعلم ، تنفس بعمق وقال
" لم أكن أعلم ما تحدثما عنه حين لحقت بك للخارج وما أن سألتني
ما الذي بينك وبين جبران أخبرتها فقط بأن الحكاية قديمة ولا جدوى
من فتح دفاترها الآن ولم أكن أعلم بأنها كانت تعني اليرموك ،
ورغم رفضي الإجابة عن أسئلتها فيما بعد إلا أنها فهمت الأمر
من نفسها وأنت تعرف عقلها جيدا لم يصعب عليها ربط الأمور
وفهم ماحدث "
وصله صوته الحانق فورا
" أخطأت يا رعد ، أماكنت تستطيع تمويه الأمر بأي طريقة كانت ؟
جراحها مني لم تشفى بعد ولازالت تتراكم ولا ينقص هذا أيضا بل
وأراه أسوء من كل شيء "
سند يده بسياج السلالم الذي يقف أسفله وتمتم ببرود
" لا أراه أسوأ من اعترافك بخيانتك لها مع غيرها وعلى الملأ "
صرخ فيه من فوره
" رعد لا ترمي بأخطائك على أفعالي "
لوح بيده قائلا بضيق
" أنا لم اخطئ يا مطر ولولا ما حدث قبلها ما كانت لتربط
الامور ببعضها مهما وصل مستوى ذكائها فجبران لعبها بطريقة
ناجحة وظهر غرضه الحقيقي وهو أن تعلم هي بما حدث في
الماضي دون أن يكون هو من أخبرها "
وصلته تلك النبرة الجادة فورا وأكثر ما يخشاه ويرهبه في ذاك
الصوت الجهوري المبحوح قائلا بحزم
" قسما يا رعد وها قد أقسمت ... شعرة منها فقط تلمسها أصابعه
أو غيره بسببه أن أنهيه من الوجود في لحظة فليس صعبا أبدا أن
أصل له وأقتله وهو في معقله هناك وجواسيسي وسط رجاله ،
وما تركتها عندكم هناك حتى الآن إلا لأن وجودها في منزلي فيه
خطر عليها حاليا لما تركتها بعيدة عن ناظري لحظة "
قال بضيق
" وما في يدنا ونتكاسل عن فعله يا مطر ؟ أنت تعلم بأن الاتصالات
بيننا مقطوعة وباختياره هو ، ولا تنسى بأنك سبق ووعدتني
بأن لا تقتله يا مطر ولا تنسى وعدك لوالدي أيضا فالجميع بات
ينسى ذلك كما أراكم أمامي "
قال بغضب محارب عنيد ممسكا سلاحه وواقفا في جبهة القتال
شعاره الانتصار أو الموت
" غسق خط أحمر يا رعد وشقيقك يعلم ذلك جيدا وإن فكر فقط
في استغلالها كما فعل مع آستريا وأخذها كرهينة ليساوم بها
قسما أن أقتله بيداي لا أن يفعلها أحدهم بأوامر مني "
نظر للهاتف بصدمة حين أغلق الخط في وجهه وشد أصابعه عليه
هامسا من بين أسنانه
" جبران يا كسرة أشقائك ويا حسرتنا حتى الموت "
ولم يستطع إخفاء تلك الحسرة في عينيه ولا المرارة في صوته
فهو شقيقهم رغم كل شيء بل وشقيقهم الأكبر ومن كان ذراع
والده اليمنى في صنوان قبل تلك الليلة التي دخلت فيها غسق
للحالك وأصبحوا يرون بعدها جبران آخر لم يعرفوه يوما حتى
أن والدهم طرده من منزله وتبرأ منه قبل موته وهو من لم يفعلها
سابقا وجميعهم كانوا يرون نظرة الحسرة والانكسار في عينيه
حين قال جبران عبارته الأخيرة تلك قبل أن يغادر بعدما طرده
( مثلما بعتني وأنا ابنك بمطر شاهين ستفعلها مدللتك بك أيضا
وتبيعك من أجله يوما ما لكني قاتله أو قاتلي قبل أن تفعلها حيا
كنت يا شراع صنوان أو ميتا )
فمن يمكنه لوم ابن شاهين فيما يقول ويهدد به وهو يحوم حول
زوجته وابنة عمه ويهدده علانية بل ويملك سر نسبها مثلهم
أيضا وإن فكر في إشهار تلك الورقة يوما ما سيضعف مطر
شاهين وبقوة وهذا ما يجهله جبران وهو أن قضية الثأر لم
تندثر بعد وأن مطر سيحميها منهم وإن دفع كل شيء ثمنا
لذلك وإن طلقها وسلمها له هو .
تحرك من هناك مستغفرا الله بهمس وضيق وتوجه لغرفته
فورا والتي ما أن فتح بابها انفتح باب الحمام فيها وخرجت
منه التي كانت تلف جسدها بروب الحمام الرمادي الغامق الخاص
به تمسك حزامه المشدود حول خصرها المستدير بيدها بقوة
وكأنها تخشى أن ينفك وهو محكم الربط حوله تنظر له مبتسمة
بحياء بينما كان ينظر لها هو مبتسما بحنان وشوق .. لوجهها
الذي تخلص من كل تلك الدماء الجافة عليه ولم تبقى سوى آثار
تلك الخدوش في بشرتها العاجية التي زادتها المياه الفاترة
بياضا ونقاء وشعرها المبلل والمتناثر حول كتفيها قد وصل
طوله لخصرها ينظر لكل ما عشقه فيها وعاش على ذكراه
لأعوام يصبر نفسه باللقاء البعيد مجهول المكان والزمان
وحتى المصير .
فتح ذراعيه واستقبلها فورا ما أن ركضت ناحيته وارتمت
في حضنه وأحاطها بذراعيه بقوة لازال لم يستوعب بعد بأنها
حقيقة يراها أمامه ويلمسها ، بأن تلك الفتاة التي تعلق قلبه بها
وفارقها على الوعد بينهما لأعوام وأعوام طويلة حتى يئس تماما
من أن تراها عينيه وإن من بعيد ها هي في حضنه الآن ..
زوجته وملكه لوحده لا أحد سيأخذها منه ولا قبائل ثنان بأكملها ،
شدها لحضنه أكثر يدفن وجهه في خصلات شعرها البني المبلل
ولو كان الأمر بيده لدفنها هناك وللأبد وخبأها عن الجميع حتى
عن نفسه كي لا يؤذيها يوما وإن بالخطأ ، همس عند أذنها بحزن
ما أن سمع صوت نشيجها الباكي
" يكفي بكاء آستريا توقفي عن تعذيبي معك "
همست بعبرة تدفن وجهها في أضلعه أكثر
" لا تعلم ما حدث معي يا رعد ... تعبت كثيرا وتعذبت كثيرا
وواجهت وحدي الكثير ... اشتقت لك واحتجتك أكثر من
أي شيء "
ضمها لحضنه أكثر واتكأ بدقنه على رأسها مغمضا عينيه بقوة
وترك لها حرية البكاء هناك يستمع لكل ما تحكية من بين عبراتها
وبكائها .. موت والديها ضغط أخوتها عليها لتتزوج .. أحاديث
الثنانيين عنها ثم كشف انجوانة لما كان بينهما وأمام الجميع
لتبدأ المرحلة الأقسى من عذابها والتي انتهت بمحاولة تزويجها
من غيره مرغمة ثم فرارها منهم للمجهول وهو هنا كالمغفل
الجبان لم يفكر ولا في تحريرها وبأي طريقة كانت وإن برمي
نفسه عند أسوار مدنهم فإما أن يقتلوه أو أن يدخلوه لها أو
يخرجوها له لكنها كانت أشجع منه وقد أثبتت ذلك له وللجميع
قبله وكانت ستضحي بنفسها فقط كي تصل له بينما هو
ما الذي فعله ؟
انتظرها ! عاش وفيا لها ! أيكفي كل هذا ؟ لا ليس يكفي قطعا
فما عانته هي لم يعرفه هو أبدا وكل ما عاناه هو الشوق والحنين
والفقد وهذا أبسط ما واجهها هي فليته سمع كلامها فقط حين
طلبت منه قبل أربعة عشر عاما أن يهربا معا وهو اعتبره
حينها خيارا طائشا وقد فكر في قبائلها وفي صنوان والنتيحة
كانت أن انتظرا كل هذه الأعوام وفي النهاية هي هربت بالفعل
ثم وجد ابن شاهين حلا لذلك ، كان تهور وفعلها وقتها وترك
له حلها بمعرفته وفر بها لخارج البلاد ولتحترق الأرض ومن
فيها فهي كانت محترقة من دون أسباب .. لكن القدر لا يغيره
أحد ولا يتحكم فيه أحد هو ملك لله وحده يتصرف فيه كيف يشاء .
أبعدها عنه وأمسك وجهها بيديه وقبل جبينها وعينيها ودموعها
ووجنتيها ووقف عند شفتيها وهمس مبتسما
" أخشى من هاتان فعلا وأن لا أسيطر بعدهما على نفسي وغسق
سبق وهددتني وقررت بأن نؤجل كل هذا "
أنزلت رأسها خجلا منه فضمها لحضنه مجددا وقال بأسى
" سامحيني آستي حبيبتي ... ليتني أنا من تعرضت لكل هذا ..
ليتني مت وما تضررت يوما "
ابتعدت عن حضنه ولامست شفتيه بأصابعها هامسة بحزن
" لا تذكر الموت رعد أرجوك "
وامتلات عيناها الواسعة بالدموع مجددا وهمست بعبرة
" أنت لن تتركني رعد أليس كذلك ؟ لن تفعلها بي مجددا فسأموت
هذه المرة لا محالة "
أمسك وجهها وضمها لحضنه وقال بحزن
" لن أفعلها آستريا قسما لن أفعلها ولن تعنيني بعد اليوم البلاد
بأكملها ومن فيها "
تمسكت بقميصه بقوة وقالت بضحكة مكتومة تغلبت على
حزنها وبكائها
" لا يسمعك مطر شاهين تقول هذا "
ضحك وضمها له بقوة قائلا
" بل لم تري مطر شاهين اليوم إنه أكثر تهورا مني "
ابتعدت عنه ونظرت له وحركت رأسها برفض قائلة
بابتسامة صغيرة
" لا أصدق ذلك .. قد يتغير الليل والنهار وهو لا يتغير إنه
يتنفس وطنه ويعيش له ومن أجله .. لست أتخيل إن فعلها
هو ما قد يصل له حالنا جميعا "
أمسك طرف وجهها بيده وقال مبتسما وممررا ابهامه برفق
على الخدش الواضح في وجنتها
" لو سمعت مكالمته لي قبل قليل لتغير كل حديثك هذا "
وتنفس بعمق متابعا بذات ابتسامته
" لما لا نترك الحديث عن مطر الآن قبل أن أتضايق من
هذا فعلا وليس أنا فقط بل وواحدة من ساكني هذا المنزل "
ضحكت بخفوت تسحب الهواء لصدرها بقوة وهمست تحرك رأسها
" يا إلهي لم أرى شخصان يلائمان بعضهما مثلهما ولم أنسى
أبدا يوم زفاف شقيقي اوسو وكيف ظهرت بفستان العروس
الثنانية وكيف كانت ردة فعله حين رآها به ... حتى السنين لم
تغيرهما أبدا "
قبل جبينها ونظر لعينيها وقال
" ألم نقل اتركينا من الجميع وأخبريني الآن ما سبب كل هذه
الخدوش والكدمات هل ثمة من تعرض لك آستريا ؟
هل تعرضت للضرب ؟ "
حركت رأسها بالنفي وقالت بحزن
" بل تدحرجت من فوق المنحدر بين أراضينا وصنوان "
ولم تستطع امساك ضحكتها ولا دموعها أيضا لا تعرف أتضحك
على الموقف أم تبكي فحضنها بقوة يقبل خصلات شعرها
ولم يتوقف عن الهمس بحزن
( ساحميني حبيبتي ... سامحيني )
حتى انفتح باب الغرفة فجأة ومن دون طرق ووقف أمامه
الذي قال متلعثما " أأ ... أنا .... آسف "
وتابع راكضا من هناك
" عمي رماح يريدك في أمر ضروري "
واختفى كما ظهر فجأة دون أن يترك لأي منهما المجال
لاجتياز صدمته ليتحرك مبتعدا عن الآخر إلا بعد مغادرته
فنظر رعد للباب بصدمة قبل أن ينظر للتي كانت تنظر للأرض
تمسك بحزام منشفة الحمام وقد همست بحياء
" أنا آسفة كان موقعي هنا خاطئا "
ابتسم وقال ممررا أصابع يده خلال خصلات شعرها المبلل
" بل كان خطئي فأنا من أرسلك لغرفتي "
وتابع بضحكة
" بل الخطأ على ذاك الفوضوي الذي لم يطرق باب الغرفة حتى
إن كنت فيها لوحدي فكيف بعد وجود زوجة لي هنا ؟ "
لم تعلق ولم ترفع رأسها له لازالت تلف الحزام حول أصابعها
بقوة فمد يده لهم ومرر أصابعه الطويلة عليها ببطء وأمسكها
بقوة قائلا بابتسامة
" الغرفة بجانب غرفتي مجهزة فيمكنك استخدامها حتى ننتقل
جميعا لمنزلي في حوران .... أقصد منزلنا "
رفعت حينها نظرها له وقالت باستغراب
" تنتقلون جميعا !! "
قال مبتسما وهو يمررا طرف سبابته على وجنتها برفق
" أجل وسنتحدث في وقت لاحق فثمة الكثير سأقوله لك
وسأسمعه منك "
وتابع بذات ابتسامته ونظره ينتقل من جسدها لوجهها
" وطبعا لأن السيدة غسق غاضبة حاليا ومعتصمة في غرفتها
حتى اشعار آخر فلن أستطيع جلب ملابس لك منها مؤقتا
لذلك سيكون عليك انتظاري حتى أخرج وأجلب لك ما تحتاجينه
بعد أن أرى ما يريد رماح ... اتفقنا ؟ "
أومأت له بحسنا مبتسمة فأمسك وجهها وقبل جبينها وهمس
ناظرا لعينيها
" أحبك "
وغادر فورا نظراتها المحبة الدامعة تتبعه حتى اختفى عنها
خلف الباب الذي أغلقة بعده فتنفست بقوة مغمضة عينيها
وهمست ودموعها تنساب من رموشها الكثيفة ببطء
" حمدا لك يا إلهي "
وحضنت نفسها بذراعيها بقوة تريد الشعور به أكثر حتى بمنشفته
الخاصة التي تحتضن جسدها لتستوعب وإن جزئا بسيطا مما
هي فيه وبأنها فعلا أصبحت معه .. زوجته ولا شيء أو أحد
سيفرقهما مجددا .
*
*
*
بكت لوقت طويل لم تعد تعي شيئا ولا تهتم بما يحدث حولها
ولا بالتي جلست بجانبها على الأرض ... التي خرجت من ذاك
الحفل خلفهما واجتازت الحديقة وسارت في ذات طريقهما
ولم تكن تتوقع أن يكونا هناك بل ظنت بأنهما غادرا فورا
حتى وجدت نفسها أمام ذاك المشهد والشاب الذي كان منذ
لحظات في الداخل يفجر غضبه بمسببه دون أن يكترث لأحد
أو شيء يتحول لعاشق يفرغ جل ما يكبته في تلك الحبيبة
وحتى غضبه واستيائه منها .. يقبلها بعنف وغضب واحتياج
كمن لم يعرف النساء من قبل ولن يعرفنه مجددا .
حسدته للحظات لأنه استطاع أن يعبر عن غضبه في مفتعله
وكان سيقتلها دون أن يهتم لأحد بينما تعجز هي عن فعل ذلك
دائما رغم أن ألم ماضيها فاق ما عاشه هو بكثير وقد خسرت
ما لم يخسره ، ورغم قوة شخصيته وصلابته الواضحة إلا
أنه كان أضعف من أن يسيطر على هذه الفتاة الرقيقة الهادئة
وهو يمر بأضعف حالاته أمامها حتى أنه كان يعاتبها ويقبلها
ذات الوقت ، ابتعدت عنهما تلك اللحظة حين أدركت بأنهما
هناك لكنها استطاعت سماع ما دار بينهما ولن تنكر بأن الفضول
كان ما دفعها لذلك فهي لم تنسى لقائها السابق بذاك الشاب
حين كانت شبه فاقدة للوعي لا تشعر سوى بآلام قاتلة في
جسدها بأكمله وقد استفاقت فجأة لم تنظر للمكان الجديد الذي
أصبحت فيه بل للواقف فوقها يمرر يده ببطء فوق رحمها
فأمسكت رسغ يده رغم قواها الخائرة حينها ونظرت له بصدمة
وذعر ولازالت تذكر جيدا ما قاله ذاك الوسيم حاد الملامح
ناظرا لعينيها
" لا تخافي فأنا طبيب يا زيزفون "
وحين لم يلاحظ أنها اقتنعت بما يقول تابع وبجدية
" كما أني متزوج وسبق وعاهدت نفسي أن لا أفعل ما تفكرين
فيه مع امرأة غيرها "
فارتخت أصابعها تدريجيا وقد تابع وبذات جديته
" أنا أحد رجال مطر شاهين يا زيزفون فلا تخافي مني "
حينها فقط تركت يده وقد سقطت يدها بجانب جسدها مع انسدال
جفنيها على تلك الأحداق الزرقاء مجددا وسرقها الظلام لعالمه
القاتم من جديد ، وها قد جمعتها الصدف ليس به فقط بل وبمن
سبق وذكرها أمامها .. من لو استطاعت أن تثق به ما كانت
لتتعقد أمورهما هكذا لكنها ليست تلومها أيضا فصحيح أنها
بقرارها هذا اختارت الألم لنفسها لكنها دفنته في داخله أيضا
قبل أن يغادر بينما إن غادرت معه كانت ستعيش الألم ذاته
مستقبلا بينما ستخلصه هو منه وفي كل مره كانت ستتألم
هي بينما سيتخلص هو من ألآمه .
نظرت ناحيتها حين قالت باكية ولازالت على وضعها السابق
وقد بدأت بضرب ركبتيها بيدها
" لمن يتركني في كل مرة ويغادر لمن ... ؟ ألا يدرك بأني
من دونه وحيدة وبأنهم تخلوا عني يوما مثله تماما وتركوني
لقسوة الحياة ؟ لماذا يختار قتلي بتلك الطريقة لما ! "
قبضت على أصابع يدها لا شعوريا ونظراتها الحزينة لم تفارقها
تشعر بمعنى كل ما تقوله وتتفهمه فما أقسى أن يتركك من يفترض
بأنهم عائلتك وبأنك جزء منهم لتواجه قدرك القاسي وحيدا في حين
أنهم يعيشون في رغد الحياة بل وتجد نفسك فيما بعد مجبرا على
العيش معهم وعلى تقبلهم كجزء من عالمك وستكون في نظرهم
مخطئا إن أنت رفضت ذلك أو عبرت عن رفضك له ، فهذه الفتاة
وذاك الشاب مرا بذات المعاناة ورغم ذلك يرفض كل واحد منهما
أن يمنح الآخر ما فقده وتراهما سيستمران في هذا ولوقت طويل
وكل واحد يرى أن الآخر من عليه أن يتنازل ولن يتوقفا عن
جرح الواحد منهما الآخر أبدا .
رفعت يدها ببطء في سابقة لم تعرفها هي عن نفسها أو تشعر
بالرغبة في فعلها يوما وليست تفهم لما حينها فعلت ذلك ويدها
تلامس برفق ذاك الشعر البني الحريري ماسحة عليه ببطء !
قد يكون لأنها ترى زيزفون الطفلة الوحيدة فيها وقسوة أقرب
المحيطين بها .. ترى تلاشيها مع حزنها أمرأة وضياعها بين
العدو والصديق فيهم فجرحها منهم واحد .
أبتعدت يدها عنها لا شعوريا حين ارتمت في حضنها باكية فنظرت
لها باستغراب ولازالت ترفع يدها بعيدا عنها وأول ما أخبرها به
عقلها بأنها ظنتها تلك المدعوة ساندرين حتى قالت باكية تتمسك
بحضنها بقوة
" لما لا يشعرون كما نشعر نحن يا زيزوفون ؟
لما لا يفهم بأني أحببته دائما ؟
لما لا يشعر بهذا ؟ "
قبضت على أصابعها وحررتها ببطء قبل أن تمسح على
شعرها مجددا وقالت بجمود تنظر للفراغ أمامها
" لأنه رجل يا ماريه والرجل لا يهب كل شيء ... هم يعولون
دائما على ذاك الجزء العاطفي الضعيف في المرأة "
وتابعت ولازالت تمسح بيدها على شعرها برفق
" وهذا ما فعله هو تحديدا حين وضع نفسه ضمن خيارين
أمامك وأنت كنت قوية وتصرفت بشجاعة حين رفضت
اختياره على كل شيء حتى ألآمك وإن رأى هو ذلك إهانة له
فأنت كسبت نفسك على الأقل وإن كان يحبك سيعذرك ويتفهمك
ويسامحك يوما ما ومهما كان بعيدا صدقيني فالمرأة إن بدأت
بالتنازلات ستخسر كل شيء وأولهم نفسها أما الرجل فالعكس
تماما كلما تنازل من أجل امرأة تحبه كان كاسبا "
لاحظت أن بكائها خف تدريجيا عما كان وكأن كلماتها تلك كانت
السبب والتي لا تعلم حتى كيف استرسلت فيها بذاك الشكل
وهي من لم تحبذ كثرة الحديث طوال حياتها ! ولن تستغرب
ذلك فهذه الفتاة تملك طاقة إيجابية عظيمة تبثها في من ينظر
لها تشعرك بجمال الحياة من نظرتها وابتسامتها الرقيقة الهادئة
وتجعلك تفتح قلبك لها دون شعور ولن تستغرب أبدا أن سيطرت
على غضب ذاك الشاب بل وجعلته بعدها يتحول وفي لحظات
من وضع الهجوم والاستياء منها للشغف المتطلب ...
لرجل يطلب حضنها واقترابها في أوج غضبه العميق منها .
أبعدتها عنها فبدأت بمسح دموعها ولازالت شهقاتها تخرج
متتالية بسبب كل ذاك البكاء فقالت بابتسامة مائلة ناظرة لعينيها
" ثم آثمة من توقع قلبها في حب رجل مثله ؟ أراه لا يعرف
ألوانا أخرى للأسود "
أبعدت نظرها عنها وضمت ركبتيها ونظرت للأسفل هامسة
بحزن ودموعها عادت لمعانقة رموشها
" لو أنك أحببت أحدهم يوما ما كان حديثك هكذا "
وتابعت بأسى وقد نظرت لها مجددا
" لابد وأنك لم تجربي الحب يوما لذلك لن تفهمي ما قد أقوله "
أسدلت جفنيها للأسفل وقالت بابتسامة ساخرة
" إن كانت نتائجه هكذا فلن أخوض المغامرة أبدا "
نظرت أمامها مجددا وقالت بحزن ومرارة
" الحب لا يسأل أبدا يا زيزفون وهذا أقسى ما فيه والمحظوظين
فقط من توقعهم قلوبهم على الأشخاص المناسبين ومن يبادلونهم
ذات المشاعر ، تيم علاقتي به ليست وليدة اليوم ولا الأمس بل
عشت أراه أمامي وكبرت بقربه وعلى يديه تقريبا ، كان هو
ووالدته الأشياء الوحيدة الجميلة في حياتي فاختفت والدته
فجأة وتبعها هو سريعا وتركاني وحيدة "
وتابعت ببحة وقد نظرت لها تلك الأحداق الذهبية الدامعة تنساب
قطراتها المالحة على وجنتيها
" تصوري أننا زوجين منذ كنت في الخامسة من عمري ولم
أراه من حينها حتى هذا العام وكان عليا أن أختار بين قربه
الموجع أو فراقه مجددا وللأبد ؟! "
نظرت لها بصمت قبل أن تتنهد قائلة
" لا يمكن لأحد الحكم على ما بينكما ويجهله ماريه لكني سبق
وأخبرتك أنتي من اختار رفض ما يريد فكوني على قرارك دائما
ولا تندمي عليه كي لا تخسري كل شيء وحتى احترامك لنفسك
ونظرتك لشخصيتك وليس هو فقط "
حركت رأسها برفض هامسة بعبرة
" لا يمكنني تحمل ذلك فكيف أوافق عليه ؟ كيف أرضى بأن
تشاركني أخرى فيه تأخذ كل حقوقي وأصمت ؟ أفضل الموت
وحيدة بعيدا عنه على رؤيتهما أمامي لأموت كل حين "
ظهرت ابتسامة مائلة على طرف شفتيها وقالت
" اذا ابقي على قرارك واتركيه هو من يقرر مكان وجودك في
حياته وسيغير كل هذا إن أراد ذلك وحين فقط يعلم بأن الحل ليس
في طاعتك له ورضوخك لشروطه ، كوني على موقفك ماريه
وإما أن تكسبيه أو أن تكسبي نفسك وكرامتك وهذا هو الأهم "
" بدلا من أن تقدمي نصائحك للفاشلات عاطفيا لما لا تبتعدي
عن حياة غيرك قبل أن تدمريها "
رفعت نظرها فورا للواقفة مقابلة لها والتى ظهرت من خلف
السيارة لحظتها وصاحبة تلك العبارة والأسلوب الفض فوقفت
فورا ونظرت لها نظرة تشبه نظرتها النارية تلك فهذه يبدوا
أنها لم تتعلم الدرس مما قاله لها زوج شقيقتها أو أنها
استهانت بها حين لم تعلق سابقا على ما قالت فهي سئمت
فعلا من كل هذا ....
تلك الانجليزية الحمقاء ثم نظرات ذاك العجوز وزوجة ابنه
المقززان والآن هذه الحشرة التافهة وكأنهم يرونها لقمة
سائغة كل من تعكر مزاجه من أحدهم بحث عنها ليفرغ
استيائه فيها !
لكنها تعرف جيدا كيف تجعل كل واحد يتعرض لها لا يكررها
مجددا .
تنقلت نظرات تلك على جسدها باشمئزاز وقالت
" لا يخبرك عقلك المريض بأن وقاص قد يترك زوجته من
أجلك فجده لن يسمح له بترك زوجته ولا هو سيرضى بأن
يغضب جده منه وبالتالي صديقه والذي يكون والدي "
ابتسمت بسخرية فورا متمتمة
" حقا !! أرى شقيقتك لا تعرف زوجها جيدا "
تلك الكلمات والثقة الواضحة أصابت الواقفة أمامها في مقتل
وهذا ما لاحظته تماما وما رفضت تلك اظهاره حين قالت بسخرية
" نزوة عابرة وسيتخلص منك سريعا كغيرك فلا تفرحي
بهذا كثيرا فالنساء بالنسبة للرجال ورق لعب "
نزلت بنظراتها الساخرة ليدها ولخاتم الزواج فيها قبل أن تعود
للنظر لعينيها قائلة
" إن كان زوجك هكذا فلا تسلي نفسك بهذه النظريات السخيفة "
نظرت لها بصدمة وغضب لكنها لم تترك لها المجال لتعلق
وقد تابعت بذات سخريتها
" كان يفترض بك أن تتبجحي بحبه لها أو احترامه لما
يربطهما لا بخوفه من جده ووالدك ، ثم كيف لعاقلة راشدة
أن تقول عن زوج شقيقتها بأنه يلهو مع النساء وهو أبعد ما
يكون عن ذلك أم أنكم تربيتم على هذا ؟ "
صرخت فيها بغضب من فورها
" ليس لمجنونة نزيلة المصحات النفسية والعقلية مثلك أن
تتحدث عن تربيتنا ، ووقاص لن ينظر لعليلة مثلك يا ابنت
اللقيطة و .... "
لم تتركها تنهي كلامها وهي تنقض على شعرها الأسود
الطويل وقد لفته حول يدها تشد على أسنانها بقوة تجرها منه
ناحية الأرض متجاهلة صراخها ومحاولات ضربها لها بيديها
وقد قالت من بين أسنانها
" والدتي أشرف من أمثالك يا حثالة "
ها قد أخرجت تيم الموجود داخلها أيضا فقد أخطأت حين ظنت
بأنها لا تستطيع القصاص لنفسها ممن يؤذونها وبيديها فعند
ماضيها هي أيضا يتوقف كل شيء وذاك ما حدث حين تحدثت
تلك المرأة عن جدتها سابقا ، كانت ستطرحها أرضا لشدها لها
ناحيتها بقوة لولا اليدان اللتان التفتا حول خصرها للذي وصل
ناحيتهما راكضا ومن ذات الجهة التي جاءت منها سابقته
والتي مثلها تماما بحث كثيرا ليصل لهذا المكان ويجدها ، أبعدها
عنها بالقوة صارخا
" زيزفون توقفي "
لكنها استمرت في حركتها العنيفة رغم تثبيته لها وذراعاه تلتفان
حول خصرها يشدها لجسده بقوة ويداها تحاولان الوصول للتي
كانت ترتب شعرها وكحل عينيها قد سال على وجنتيها صارخة
" اتركني اعلمها من تكون ابنة اللقيطة ...
أتركني وشأني يا وقاص "
لكنه لم يفعل ما طلبت بل قال للتي كانت تنظر لها بكره
لازالت تتفقد شعرها
" غادري من هنا يا جيهان "
فنظرت له فورا صارخة
" أنا من تغادر أم هذه المتوحشة يا وقاص ؟ ألازلت تراها الملاك
الرقيق الغير مؤذي وتنكر أنها مجنونة ؟ "
جاء الرد سريعا من التي صرخت ولازالت تحاول الفكاك من قبضتيه
" أجل مجنونة واذهبي وأخبري شقيقتك بأن زوجها والمجنونة
حبيبان وسيتزوجها عليها واحتفلا بذلك معا ولا تنسيا دعوة
جده ووالدك أيضا "
شد ذراعيه حولها أكثر حين كانت ستفلت منه وصرخ في
الواقفة هناك
" جيهان غادري الآن وفورا "
فنظرت له بغضب قبل أن تقول مغادرة
" لا تنكر لاحقا ما اعترفت به هذه المتوحشة ويبدوا أنه حقيقي "
وغادرت من هناك بخطوات غاضبة فتركها حينها محررا
خصرها من قبضة ذراعيه فابتعدت عنه بحركة عنيفة تحاول
جمع شعرها وقد قال بضيق
" لما هكذا يا زيزفون ؟ "
صرخت فيه فورا
" لأثبت لهم فشل نظريتك طبعا .. أليس هذا ما تود قوله ؟ "
صرخ فيها بالمثل
" لا تتهميني بأفكارك "
لوحت بيدها حولها قائلة بغضب
" هذه ليست أفكاري بل أفكاركم جميعا "
ونفضت يدها منه ما أن حاول إمساكها منها وقالت بحدة
" لن أعود لذاك الحفل ولا لذاك المكان مجددا فاتركني وشأني "
وتابعت ملوحة بيدها بغضب
" أهذا ما كنت تريده يا وقاص ؟
أن أواجه الوحوش المحيطين بك ؟ "
شدها من يدها دون أن يهتم لاعتراضها ومحاولة الفكاك منه
وسحبها جهة سيارته وفتح بابها وأجلسها فيها مرغمة وأغلق
الباب قبل أن يركبها أيضا ويغادر بها من هناك على النظرات
المستغربة للتي تركاها خلفهما والتي أجفلت مفزوعة ما أن
مر ذاك الجسد مسرعا بجانبها قبل أن تقابلها صاحبته قائلة بضيق
" أنتي هنا ؟ "
نظرت لها باستغراب وقالت
" ساندي ما بك ؟! "
قالت بذات ضيقها
" لا شيء ... أين ذهب ذاك الأحمق الآخر الذي خرج بك من هناك ؟ "
أبعدت نظرها عنها متمتمة ببرود
" غادر "
نظرت لها باستغراب وقالت
" لم يأخذك معه ! "
نظرت لها بعينان دامعة قبل أن تشيح بوجهها عنها هامسة ببحة
" أنا من رفض ذلك "
قالت بحدة
" أفضل شيء فعلته في حياتك فهؤلاء الرجال لا ...... "
وشهقت بصدمة وفرت راكضة من هناك ما أن وقع نظرها
على الذي خرج من باب المنزل وتوجه نحوهما فورا والذي
ركض لحظتها أيضا ولحق بها بسرعة وسهولة ورفعها عن
الأرض مطوقا خصرها النحيل بذراعيه وسار بها عائدا جهة
التي كانت تنظر لهما مصدومة وما أن وصل بها عندها أنزلها
للأرض ولازال يمسكها بإحدى ذراعيه وقد رفع بيده الأخرى
يدها لها يريها الخاتم فيها قائلا بابتسامة
" ألن تباركي لنا ماريه "
نقلت نظراتها المصدومة منه للتي كانت تحاول الفكاك منه
تشتمه بهمس من بين أسنانها وقالت مبتسمة بحزن ما أن
عادت بنظرها له
" مبارك لكما أنتما تناسبان بعضكما بالفعل "
وما أن أنهت عبارتها تلك غادرت جهة سيارتها الذهبية المركونة
قربها وحيت كانت تقف سابقا تلك اللمبرغيني السوداء والتي
من بين ذاك المكان الواسع بأكمله اختار أن يوقفها قرب سيارتها
لتناقض أفعاله بعضها ككل مرة ، ركبتها وغادرت من هناك فلم
يعد يمكنها البقاء هناك أكثر من ذلك تاركة خلفها التي
كانت تناديها
" ماريه يا حمقاء انتظري ... خذيني معك "
وتلك اليد تسحبها نحو باب المنزل مجددا وقد قال صاحبها مبتسما
" لا تجعلي والدك يغضب منك حبيبتي وتخجليه أمام الجميع "
فلكمته في كتفه بقوة صارخة
" لا تقل حبيبتي مجددا "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 82 others like this.
رد مع اقتباس
#6759
قديم 29-01-18, 09:17 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
مسح على الجرح في فخذها برفق يشعر بأنينها المتألم يمزق
قلبه ولم يعد يمكنه التحكم في الدموع التي سالت على وجنتيه
تباعا تسقي شعر لحيته الخفيف جدا يعجز عن فعل أي شيء
من أجلها وكما كان دائما حتى كره ترديد ذات تلك العبارة وسماعها
من نفسه .... ( فاشل ) هذا ما يجب أن يطلق على نفسه فقط
وإلاكان أخرجها من هنا .. من كل هذا الظلم والجبروت وإن لآخر
الأرض ولن يجدها والده حينها لا بالقانون ولا بغيره لكنه عاش
يمني نفسه دائما بالغد الأفضل ثم علق آماله في صديق ليس
يعلم حتى كيف اختارها زوجة هكذا فجأة وهي في هذا السن
وهم في ذاك المستوى المادي وهو ابن عائلة شهرتها في البلاد
لا حصر لها واسم متاجر وأسواق وفنادق ومنتجعات الشعاب
يعرفها القاصي قبل الداني ولم يفكر حتى إن كان حقيقة ذاك
أم وهم وها هو يتحجج بوالدته طوال الوقت بل ولم يتحدث
عن الزواج أمامه يوما ولم يكن من ضمن خططه المستقبلية ! .
غطى فخذيها برفق فحتى هذا لا أحد غيره الرجل يفعله لها فلم
يسلم من جسدها شيء إلا وعلم عليه ذاك السوط بوحشية ،
ما كان عليه تركها هنا أبدا ولا أسباب تشفع له فإن تدمر
مستقبله المهني فقط فهي دمروها بالكامل فلم تحضى ولا
بالتعليم المتدني الذي حصل هو عليه وصنعا منها فتاة جاهلة
عديمة إرادة لا تستطيع دفع الأذى عن نفسها ولا بلسانها
وكلماتها وإن بقيت هنا أكثر فسيصنعون منها امرأة فاشلة
في كل شيء ذات شخصية مهزوزة منطوية وسيدمرونها
نهائيا وستفشل في حياتها حتى إن تزوجت يوما ما وخرجت
من هنا وأيا كان ذاك الزوج لذلك هو لن يسكت عن هذا أكثر
من ذلك ولن ينتظر أبان ولا غيره وسيأخذها معه للجنوب ولن
يجدهما والده وستدرس وتتعلم هناك وتكون أمام ناظريه لن
يؤذيها أحد ولن تحيا إلا الحياة الكريمة التي لطالما تمناها لها
ولن يتركها هنا ليوم آخر .
غطى جسدها باللحاف برفق وقبل جبينها وقال بحزن ماسحا
على شعرها
" تحملي حتى الليلة يا يمامة وسآخذك من هنا ونغادر نهائيا
ولن نرجع هنا مجددا "
أغمضت عينيها برفق ودمعتها تتدلى منهما ببطء وهمست
مبتسمة بصعوبة
" أجل نغادر يا يمان "
فقبل رأسها ودفن وجهه فيه يخفي دموعه المتقاطرة من عينيه
فهذه المرة الأولى التي توافقه فيها على ذلك رغم الذي رأته منهما
طوال حياتها فهي كانت تخاف عليه وليس على نفسها حال وجدهما
والدهما أما الآن فوجعها كان أقسى من أن يكون ثمة شيء آخر أعظم
منه فذاك القاسي المتجبر أفرغ غضبه من ضياع محصوله فيها ولم
يراعي لا صغر سنها ولا ضآلة حجمها ونحول جسدها ولا كونها
ابنته قطعة منه سيحاسب على ما يفعله بها أمام خالقه .
أطفأ نور الغرفة وخرج وأغلق الباب خلفه وغادر من هناك فعليه
أن يرتب كل شيء ليأخذها من هنا ليلا دون أن يشعر أحد وأول
ما سيفعله الآن هو العودة للجنوب مجددا فبالكاد سيصل هنا مقربة
الفجر وحينها لن يشعر بخروجهما أحد .
غادر وليس يعلم بأنه ترك خلفه أذنا كانت تسمع كل ما قال في
الداخل وخطط له والتي خرجت من مخبأها خلف جدار الغرفة
المجاورة وابتسمت بمكر متمتمة
" على جثماني تأخذها من هنا يا يمان وقل زبيدة قالت ذلك "
*
*
*
طرق باب الغرفة طرقتين متتاليتين ثم فتحه ودخل ووقع نظره
فورا على الجالس على كرسيه المتحرك مواجها للتلفاز المعلق
على جدار الغرفة يضغط أزرار جهاز التحكم بقوة مفرغا غضبه
فيه ومن ملامحه علم كيف يكون ذاك المزاج ولم يعد يستبعد
شيئا من ساكني هذا المنزل ! .
اقترب منه وجلس أمامه وقال ناظرا لملامحه المتجهمة
" رأيت غسق تخرج من ممر غرفتك قبل قليل ولا أستبعد أن
تكون سبب هذا المزاج المشتعل "
رمى جهاز التحكم من يده وقال بضيق
" لقد حددت موعدا مع عائلة جهينة لنزورهم الليلة ولم تهتم
ولا برفضي للأمر واحتالت علي بعاطفتي الأخوية نحوها كما
كانت تفعل منذ صغرها "
لم يستطع الجالس أمامه إمساك ابتسامته وقال
" وأنت لن تستطيع الخروج من ذاك المأزق طبعا وتخجلها
ونفسك قبلها أمامهم إن رفضت الذهاب ؟ "
نظر له وقال بضيق
" رعد لا تستفزني بابتسامتك هذه .. أنا لم أطلب رؤيتك لأرى
أسنانك أو لتسخر مني "
تنهد بعمق وقال
" وما الذي سأفعله إذا ! أعتذر أنا منهم أو أرفض ؟
لا تفكر في ذلك أبدا يا رماح ولن أتحمل مسئولية قراراتك "
قال بضيق
" ولما لا ترفض فأنت فقط من سيتقبلون الأمر منه "
عقد حاجبيه وقال بجدية
" رماح أنت تحب الفتاة أم تضحك على نفسك طيلة تلك الأعوام
ولم تكتشف ذلك إلا الآن ؟ "
قال بذات ضيقه
" بل أحبها .. هل المشاعر لعبة يا رعد تأخذها وترميها وقتما
تشاء وأنت من جربت ذلك مثلي ؟ "
قال بجدية مماثلة
" إذا ما المانع في أن تجتمع بمن تحب يا رماح ؟ هل ثمة من
يختار فراق حبيبته بنفسه ! "
أشاح بوجهه جانبا وهمس بمرارة
" لو كان وضعك مثلي ما قلت هذا "
أمسك ذقنه وأدار وجهه ناحيته وقال بجدية ناظرا لعينيه
" وإن كان أسوأ منك بل وإن فقدت ساقي وبترا بشكل نهائي
ما دفنت نفسي وأحلامي متحججا بعجزي ذاك ، أكنت لتتخلى
أنت عنها إن كانت هي في حالتك الآن ؟ "
قال من فوره
" لا قطعا لكنها لن ترضى بذلك لي أبدا وستفكر كما أفكر
أنا الآن ، ومهما عتبت عليها حينها سأدرك فيما بعد أنها
اختارت ما فيه مصلحتي "
حرك رعد رأسه برفض قائلا بحزم
" مخطئ يا رماح فأنت لن تعيش سعيدا مع أخرى سليمة إن
كنت تحبها فعلا وأنت تدرك ذلك جيدا لكنك تعاند وتكابر
وحجتك مصلحتها "
ضرب بقبضته على مسند الكرسي وقال بضيق
" لست أفهم ما الخطأ فيما افكر فيه !
لأني أحبها ولا أريد لها التعاسة معي أكون مذنبا في حقها ؟
على جهينة أن تدرك ذلك وتعلم بأن مستقبلها ليس معي وأن
لا تنساق خلف عاطفتها وترمي بنفسها للضياع "
وقف على طوله وقال
" جد لنفسك حلا إذا فأنا لن أفعل ذلك نيابة عنك وعليك تفهم
موقفي أيضا "
رفع نظره له ولوح بيده قائلا بضيق
" عليك اقناع شقيقتك العنيدة تلك إذا "
رفع يديه وحرك رأسه قائلا باستياء
" اقنعها بماذا وأنا عاجز حتى عن إقناعها بالخروج من غرفتها
التي تسجن نفسها فيها ؟ "
نظر له باستغراب وقال
" ولما تسجن نفسها ؟ هل تشاجرت معه مجددا ؟ "
أشاح بوجهه جانبا ومرر أصابعه في شعره متنهدا بضيق قبل أن
ينظر له مجددا وقال
" أمورهما تتعقد يا رماح وتصل لطرق مسدودة وإن لم يتصرف
ذاك الرجل سريعا فلن يخسرها وحده بل وجميعنا معه فلاحظ أنها
بعد موت والدي رحمه الله باتت أضعف ... هشة سهلة العطب
والكسر مهما ادعت القوة وكأنها فقدت مصدر قوتها الوحيد ،
حتى عودة ابنتها كان مصدر ضعف لا قوة لها .. إننا نخسرها
يا رماح وأنا أكثر من يستطيع رؤية ما يجلبه المستقبل لها إن
استمرت في تلقي الصدمات الموجعة دون أن تشعر من جديد
أنها ليست وحيدة وأنه ثمة من تستطيع أن تثق في حبه وحمايته
لها من كل شيء وحتى ابن شاهين نفسه وهذا ما كانت تراه
في والدي فقط ورغم عجزه عن فعل أي شيء لها بعد هجران
ذاك الرجل للبلاد آخذا ابنتها معه ولا بضرب شروطه التي
طوقها بها عرض الحائط ، فهي كانت تراه كما كانت طفلة
الجدار الحامي لها والذي لن تصدعه السنين أبدا وبفقدانها له
تحطمت من الداخل ولا أحد يعلم عنها يا رماح "
نظر له بصدمة وقال
" ما تقوله الآن خطير جدا يا رعد فأنت ترى أن غسق مجرد
امرأة ضعيفة تحتاج لحماية أحدهم دائما وهذا مناف للواقع "
حرك رأسه بالنفي وقال بجدية
" أنا لم أقل ما فهمته أنا عنيت أنها تحتاج لأن تشعر بالأمان
دائما فشخصية غسق بنتها محبتنا لها طفلة وتعلقها بنا
وخصوصا والدي وأنت تعلم جيدا كيف كان يعاملها .. قسما لم
أرى ولا امرأة في الوجود تعامل ابنتها مثلما كان يعاملها هو
وفقدانها للكاسر الذي أنا اجزم بأنها كانت تشعر بأنه أخذ مكاننا
جميعا لأنها أحبته اهتزت غسق من الداخل وفقدها لوالدي كان
الضربة الأقسى لها لأنها تبعت صدمتان قويتان لم تمحوهما
السنين من داخلها "
حرك رأسه بعجز عن فهم كل ذلك واستيعابه وتمتم ببرود
" لا حل إذا سوى أن نجعلها تقتل ابن شاهين وتتخلص حينها
من عقدها جميعها "
نظر له متمتما بضيق
" ما أسخفك يا رجل "
لوح بيده وقال
" أريد حلا لمشكلتي الآن ثم نجد لشقيقتك مئة حل فيما بعد "
قال الواقف أمامه وبجدية
" لا حل سوى أن تضع عقلك في رأسك وتتوقف عن إضاعة
العمر منكما أكثر مما ضاع ، أعطي الفرصة لكليكما يا رماح
ليثبت أحدكما للآخر صدق أفكاره فإما أن تعيشا معا وسعيدين
وإما أن تحررها منك حين تقتنع هي بأنك كنت على حق سابقا
ولا تترك أي شيء للتكهنات يا شقيقي "
رفع جهاز التحكم مجددا وبعنف متمتما
" كلامك ككلام شقيقتك تماما ... بائسان "
وتابع بضيق وقد عاد لتقليب المحطات " جهز نفسك للذهاب
وحدك معها إذا لأنكم لن تسحبوني في الكرسي إلى هناك لتقدموا
لهم نموذجا حيا عن زوج شقيقتهم المستقبلي "
تنهد بضيق وحرك رأسه بيأس منه وغادر من عنده بل ومن
المنزل بأكمله فعليه أن يجلب ثيابا لآستريا كما سيكون عليه
شراء ما سيأخذونه معهم الليلة رغم أنه يجهل تماما في هذه
الأمور ، لو كانت آستريا بكامل عافيتها لأخذها معه لتساعده في
ذلك بل وما كان ليرجع بها هنا قبل المساء بل ويشك أن يرجعا
الليلة ، ركب سيارته وغادر من هناك هامسا بابتسامة دافئة
" قسما أن آخذك لحيث تتمنين يا آستريا وأن أجلب لك كل ما
تشتهيه نفسك وأن لا تشعري معي بالتعاسة يوما "
*
*
*
دخلت المنزل مغلقة بابه خلفها بهدوء واغتصبت ابتسامة صغيرة
ما أن وقع نظرها على الخارج من جهة باب المطبخ يمسك في يده
كوب قهوة تخرج منه الأبخرة وقد قال مبتسما ما أن رآها
" عدت مبكرا يا كنانة ! هل كان الحفل مملا لهذه الدرجة
وساندرين فيه ؟ "
نظرت لحقيبتها في يديها وقالت
" بل كنت منشغلة على والدتي ولم أستطع البقاء أكثر "
وتابعت وقد رفعت نظرها له
" كيف أصبحت الآن ؟ "
أومأ برأسه قائلا
" أفضل بعض الشيء ونامت قبل قليل "
فتحركت من مكانها مجتازة له وما أن ابتعدت عنه قليلا أوقفها
صوته مناديا فوقفت مكانها وتنفست بعمق مغمضة عينيها فقد
تمنت حقا أن لا يسألها بل وأن لا تجد أحدا فتدخل غرفتها ولا
تخرج منها حتى الصباح لكن حظها التعيس يبدوا لن يفارقها
الليلة أبدا ، التفتت له وقالت
" أجل أبي "
اقترب منها حتى أصبح واقفا أمامها وقال مبتسما
" أعلم بأن الأمر مخجل لك لكني لن أستطيع الانتظار حتى
تشفى والدتك لتسألك "
نظرت للأسفل وابتسمت بحزن فليت ذاك الرجل يفهم أي موقف
هذا الذي وضعها فيه بل وأي آمال واهية تعلقها هذه العائلة
على ارتباطهما ، لكنها السبب الأساسي في كل هذا ... أكان عليها
أن تقبل بزواج تقليدي كهذا لم تعرف ولا رأي الطرف الآخر فيه ؟
لكنه لا يعرف من تكون وقد يكون سبب رفضه المجيء اعجابه بها ؟
ابتسمت بسخف على أفكارها تلك فهل سيعجب بها من لقاء واحد
بينهما وستبني أحلاما وهمية على شخص لم يستطع أن يكون لبقا
مع من هم أقل منه كما يراهم ليفكر في الاعتذار منهم على الأقل
قبل أن يفعل فعلته المخزية تلك .
" كنانة !! "
رفعت نظرها سريعا للذي قال مبتسما
" أتحتاج الإجابة كل هذا الوقت ؟ "
تنهدت بعمق قائلة
" لا يبدوا لي أن اللقاء كان موفقا "
شعرت بغضبها من ذاك الشاب يتعاظم أكثر وهي ترى خيبة الأمل
في وجه والدها الذي كان متحمسا للأمر أكثر من والدتها على
ما يبدوا فاغتصبت ابتسامة مازحة وقالت
" لم أكن أعلم بأنكم متضايقون من وجودي هكذا ؟ "
ابتسم على ما قالت وأمسك وجهها بيده قائلا بحنان أبوي
" كنانة كيف تقولين هذا ؟ أنا فقط أردت لك ما كنت تريدينه
أنتي لنفسك بنيتي ، ولست أفهم كيف لرجل بكامل قواه العقلية
أن لا يعجبه هذا الوجه ! "
أرخت جفنيها وقالت تنقذ باقي كرامتها المهدورة بسببه
" الأمر ليس كذلك أبي فأنا لا أعلم رأيه لكنه لم يرق لي "
وحاولت أن لا تكذب فتصرفه بالفعل أغنى عن أي عيوب أخرى به
ونسف مميزاته جميعها لكنها لن تستطيع قول الحقيقة كاملة أيضا .
" أتعني أنكما تحدثتما ولم يعجبك أم مظهره هو الذ.... "
رفعت نظرها له مجددا وقاطعته فورا
" أبي ما كنت لالتفت لشكله فالرجال لا يقاسون بجمالهم وهذا
ما علمته لي دائما لكننا لم نتوافق في أفكارنا ، ألست تتمنى لي
الأفضل ؟ وهذا ليس بالأفضل أبي "
مسح بكفه على شعرها وقال
" بلى بنيتي ولهذا أصررت على أن تذهبي وتلتقيه رغم رفضك
الذهاب وقبولك به كيفما كان فهل أتاك الصواب في كلامي الآن ؟ "
أرخت جفنيها بحزن وهمست بسخرية
" أجل أبي معك حق ما كان عليا أن أحكم على أحدهم من دون
أن أعرفه جيدا "
ثم غادرت جهة غرفتها وتركته خلفها ينظر لها باستغراب حتى
دخلت وأغلقت الباب خلفها واتكأت عليه بظهرها ترفع رأسها
للأعلى تسنده به أيضا وأغمضت عينيها التي إنسابت منها تلك
الدمعة اليتيمة الحارقة وقد ظهرت صورته أمام عينيها ببدلة
الطيران الزرقاء المميزة تلك وجاذبيته الفريدة من نوعها ونظرته
وابتسامته لها ... تشعر بالضياع من أفكارها لا تستطيع مسامحته
ولا نسيانه فإن كانت واحدة أخرى تلك التي كان سيذهب لمقابلتها
ويخططون لتزويجه بها أما كانت لتسعد إن رفض الذهاب !
لكن ما يدريها بأنه رفض الآن من أجلها ؟ حسنا لو اتبع أسلوبا
أقل تجريحا على الأقل ؟ كم حمدت الله أن والداها لم يحضرا الحفل
وأنها تلقت الصفعة الموجعة لوحدها هناك فيكفيها نظرة الشفقة
التي رأتها في عيني رواح وموقفها المخزي وهو يحاول الرفع
من معنوياتها بتذكيرها بأنه الخاسر لأنه لم يراها .
ابتعدت عن الباب تمسح عينيها بظهر كفها مستغفرة الله فقد يكون
في الأمر خيرا لها وقد يرفضها بعد قدومه للحفل ورؤيته لها
وهنا سيوجه لها الضربة الموجعة حقا فلتبقي له تلك الصورة
الجميلة في ذاكرتها لأول لقاء لهما وتكتفي بذلك فقط وتغلق
عليها صندوق أمانيها للأبد وتتوقف عن الأحلام المستحيلة ،
أخرجت هاتفها وفتحت الرسالة التي أرسلتها له ونظرت لأحرفها ...
جل ما تخشاه أن تكون تسرعت وتندم على هذا فيما بعد ..
لكنها لحظتها تمنت أن تقول أكثر من هذا بل وأن تتصل به
وتسمعه ما لم يسمعه من أحدهم يوما وقد تركت نفسها لتهدأ
أولا ولو قليلا وأرسلتها له حين دخلت سيارة شقيقها شوارع
لندن أي بعد ساعة ونصف في الطريق ونصف ساعة تقريبا
انتظرته فيها عند البوابة الخارجة لمنزل عائلة عمتها ليأتي
بعد اتصالها به مما زاد اشتعالها وغضبها من ذاك المدعو غيهم ،
رمت الهاتف والحقيبة معه على السرير وتوجهت للخزانة أخرجت
بجامة النوم وتوجهت للحمام فعليها أن تستحم وتصلي العشاء
لتنام فهي لا تريد شيئا الآن سوى النوم والهرب من كل تلك
الأفكار البائسة .
*
*
*
اتكأ مستندا براحتي يديه للخلف جالسا على الصخرة المواجهة
لبحر خليج بيدفورد ... الامتداد الساحلي لقناة بريستول ونظره
على الجالسة أمامه على رمال الشاطئ في صمتها المعتاد تراقب
عرض البحر الذي لازال يحاول الظلام تغطية أغلبه متحديا القمر
المكتمل في السماء عدا أمواجه المترامية على رمال الشاطئ
والذي وزعت الإنارة القوية على امتداده وقد اختار هذا المكان
تحديدا ليجلبها له وليس يفهم ولا يعلم لما لكنه فقط أرادها أن
تكون في مكان يستطيع أن يمتص الغضب المدفون داخلها
والذي لم تنفس عنه بعد رغم كل ما قالت وفعلت وهذا ما تأكد
له بعد وصولهما هنا وجلوسها هناك وحيدة حتى أنها أمضت
وقتا طويلا ترمي الرمال المبللة في البحر بغضب تغرفها
بقبضتها بقوة وتارميها دون أن تهتم إن سقطت في الأمواج
أم في الرمال التي تركتها بعدها حتى تعبت على ما يبدوا
فضمت ركبتيها تحضن ساقيها بقوة ودفنت وجهها فيهما
لوقت طويل وكأنها تهرب من كل شيء سوى من صوت تلك
الأمواج الذي هو موقن من أنه له مفعول السحر في تهدئتها
وهذا ما يفعله ذاك الإعجاز الإلهي مع الجميع وما هو موقن
من أنه فعلها معها الآن أيضا قبل أن ترفع رأسها مجددا وتنظر
للمحيط وللبعيد بصمت وسكون وهذا حالها منذ وقت حتى أنه
لم يعد يهتم بما يجهله من أنواع أفكارها تلك بل بما يعلمه
منها وإن كانت تفكر فيها الآن أم لا ؟ لقد كان اليوم الخروج
الأول لها من غرفتها وعزلتها في ذاك المنزل هذا إن لم يكن
في حياتها بأكملها وكان أسوأ مما أراد وخطط له ورغم محاولاته
جميعها لجعل الأمور تسير بأفضل حال إلا أنه حدث العكس تماما
ابتداءا من معارضة جدهما ثم وجود إيلينا في ذاك المطعم
ووصولا لتعامل جيهان الوقح معها والنتيجة كانت غداء سيئا
وحفلا يشبهه تماما رغم كل ما حاول فعله وهو يحاول دمجها
مع البعض من ضيوفهم ، بل وحتى موقف تيم وما فعله يراه
أثر سلبا على نفسيتها لذلك خرجت من هناك فحتى إن كان
السلاح المستخدم في تلك الجريمة في طفولتها كان مختلفا
إلا أن المشهد كان عنيفا بالمثل بالتأكيد مهما اختلف ..
ثم طريقته في التعبير عن غضبه يجزم بأنها أكثر ما سيكون
أثر فيها فهي تشبهه نوعا ما تحمل غضبا عظيما في داخلها
موجها لجميع المرتبطين بماضيها من كان سببا فيما مرت به
أو لم يكن السبب ، رفع رأسه للسماء الصافية المليئة بالنجوم
وتنفس بعمق حامدا الله في سره أن ماريه كانت هناك وأنها
نجحت في السيطرة على غضب ذاك الكنعاني لكان جر نفسه
لقضية ما كان ليستطيع أن يخرجه منها ولا أكبر المحامين
فهو قتل متعمد وبشهادة العشرات وبدون دافع كما سيحكم
القانون الذي لا يعترف بجرائم دوافعها نفسية .
" وقاص "
أنزل رأسه سريعا ونظر لصاحبة ذاك الصوت الأجوف لازالت
على وضعها السابق تحضن ركبتيها تنظر لعرض البحر ونسائمه
القوية تتلاعب بخصلات شعرها الطويلة أو ما لم يسجن منه في
حضنها وقال بهدوء
" نعم يا زيزفون "
طال صمتها حتى ضن أنها لم تسمعه أو أنها تراجعت عما كانت
تريد قوله لكنها خانت توقعاته تلك حين قالت بعد قليل
" هل عشت مع والدتك ؟ "
لم يستطع إخفاء الدهشة في ملامحه ولا في نظرته لها وقال من
دون أن يقف مع نفسه أكثر ليفكر في تلك المعجزة التي لا سابقة لها
" لا هي توفيت وأنا في الثالثة من عمري فأنا لا أذكرها أبدا "
ساد الصمت من طرفها لبرهة قبل أن تقول بذات تلك النبرة
الجوفاء وكأنها تخرج من عمق تمثال طيني أجوف
" أتعلم بأني رأيت والدتي تحترق أمامي ؟ "
أغمض عينيه بقوة ومرارة يشعر بقلبه تحول لكتلة من الألم
زاده متابعتها قائلة بصوت غلفه الأسى هذه المرة
" حتى أني لم أستطع الوصول لها لأموت معها ، ذاك ما أراده
لي أن تحترق أمام عيناي وحسب ... أن تدفن تلك الصورة في
مخيلتي وللأبد "
فتح عينيه المليئة بالضياع والحزن ونظر لها متمنيا فقط أن
تصمت .. أن تعود لسكوتها الدائم ، ولأول مرة يتمنى ذلك
بالفعل لكنها لم ترحمه أبدا وكأنها وجدت الطريقة المناسبة
لتعذيبه وبدأت بتطبيقها عليه وهي تتابع بحزن لم يعرفه في
صوتها إلا مرة واحدة حين تحدثت عن ذاك الأرنب
" جدتي ماتت أمام نظري يا وقاص ، قتلوها بدم بارد ..
ماتت بعدما أنقذتني من الموت ... ليتها فقط تركتهم
يقتلوني معها "
وارتجف صوتها بوضوح وقد تابعت تقتله ودون رحمة
" حتى عمي عكرمة مات أمامي ... أخذه المرض ولم يرحم
دموعي ودموع زوجته ونحن نحضنه باكيتان ولا بأن يأخذنا معه ،
لما رفض جميع من خسرتهم أن يأخذوني معهم ؟ لما كان علي
أنا أن أعيش لأرى جميع من تخلوا عنهم وعني يعيشون دون
اهتمام لما حدث معي ومعهم .... ؟ لماذا لست أفهم ؟ "
وقف حينها واقترب منها تسحبه قدماه نحوها دون حتى أن
تسأله وجلس أمامها على ركبتيه على الرمال وأمسك يدها
وضمها بين كفيه الدافئان بقوة فكانت باردة كالجليد وكم تمنى
حينها أن ضمها لحضنه وأدفأها بل أن سحبها هي لحضنه
ودفنها في صدره وللأبد لكن ذلك أبعد من أن يستطيع فعله
ولا تحت مسمى قرابة الدم بينهما وكره نفسه حينها أضعاف
ما كان ليس بسبب تخليهم عنها وتركها تواجه كل ذلك وحدها
ولا بسبب تخاذله وغبائه ليترك شقيقه يفكر في الزواج منها قبله
بل لاكتشافه المضني والممرض والكارثي وقتها بل ومنذ جلوسه
على تلك الصخرة يراقبها بصمت حين اكتشف بأن ما تعنيه له أكبر
من أن يكون كونها ابنة عمه ولا حالة انسانية حركت حميته كرجل
قبل ان يكون محامٍ بل هي تعني له أكثر من ذلك بكثير ...
إنها مصيبة وفاجعة ما توقع أن يوقعه قلبه فيها يوما وجل ما
حاول فعله طوال جلوسه هناك هو تكذيب تلك الأفكار التي تيقن
الآن من أنها واقع ... واقع عليه أن يتوقف وأن لا يتمادى فيه أكثر
فهذه الفتاة متزوجة .... ومن شقيقه !!
نظر للرمال بينهما في الأسفل وأغمض عينيه بقوة لازال يمسك
يدها ولسان حاله يقول
( موتك أرحم لك مما تشعر به وتفكر فيه يا وقاص )
لكنها تحتاجه الآن تحديدا والآن فقط ، رفع رأسه ونظر لعينيها
المحدقة في الفراغ وقال بجدية
" زيزفون أخبريني أمرا واحدا أفعله لمساعدتك ، اطلبي أي شيء
يا زيزفون وإن كان سنينا من عمري فنحن لن نستطيع توفية
ديوننا ناحيتك مهما فعلنا "
رفعت نظرها لعينيه ببطء حتى تلاقت نظراتهما وهمست بخفوت
" أي شيء يا وقاص ؟ "
أومأ إيجابا على الفور ودون تراجع ولا تردد أو تفكير فليس
ثمة أمر أهم من عمر الانسان يقدمه لك وهي لن تطلب اثمن
من ذلك بالتأكيد ومهما كان حتى إن طلبت أن يطلقها من نجيب
ليكون الثمن أن تبقى جمانة زوجته للأبد ووحدها سيفعلها بل
وحتى أن ينكر عائلته واسمه المرتبط بهم فذاك لن يساوي شيئا
مما خسرته .. وهذا ما علمه فقط ولازال ما يخفيه ماضيها ولا
يعلمه حتى الآن .
نظر لعينيها بتصميم وكأنه يخبرها بأنه على استعداد لفعل أي
شيء ومهما كان .. ليطول الصمت بينهما ونظراتهما وحدها
تحكي عما في داخل كل واحد منهما وإن جهله الآخر خصلات
شعرها الطويلة المتطايرة مع نسائم البحر تلامس وجهه وكتفه
يتمنى فقط أن يصل لعقلها الباطن عبر تلك الأحداق الزرقاء
الواسعة وأن تثق به ولو لمرة واحدة ، أن لا تنظر له كفرد
من عائلة ضرار السلطان وإن لهذه المرة فقط .
همست بخفوت
" حتى إن طلبت أن تخرجني من منزل جدك ؟ "
نظر لها بصدمة فلم يتوقع أن يكون هذا طلبها ! وقال من فوره
" أجل "
همست فورا
" وليس لمنزل تلك الإنجليزية الريفي ؟ "
أومأ برأسه إيجابا وقال
" أشتري لك منزلا وحيث تريدين يا زيزفون "
قالت محدقة في عينيه
" ولن تتركني وحدي فيه ؟ "
هنا كان الاختبار الأقسى له وللقوة الحقيقية لسيطرته على
مشاعره ولصدق عهده لها ... لكنه عاهد نفسه قبلها وسيفعل
كل ما ستطلبه ثم سيجد حلا لكل المشاكل الأخرى وإن وأد
مشاعره تلك وللأبد ، قال بجدية
" ولن أتركك وحدك زيزفون أقسم لك "
قالت مباشرة
" ولا إن غضب والدك و... جدك ؟ "
أبعد خصلة من شعرها عن وجهها ببطء وقال يدسها بين الخصلات
خلف أذنها
" ولا إن نبذني الجميع "
وقفت حينها وترك هو يدها ببطء ووقف لوقوفها ما أن قالت ناظرة للفراغ
" لنعد للمنزل إذا "
فنظر لها بصدمة حمد الله أنها لم تراها في ملامحه فلما أخذت
منه كل تلك العهود الغريبة إن كانت ستطلب منه أن يعيدها للمنزل
مجددا ! أكانت تختبره فقط ؟ لا مستحيل لكانت اختارت أمرا أكثر
تعجيزا من ذلك ! هل غرضها منه المستقبل ؟ هل أرادت أن
تحتفض بذلك العهد حتى وقت تحتاج لتطالبه به ؟
تبعتها نظراته وهي تغادر من هناك جهة سيارته المتوقفة عند
الرصيف فتنفس بعمق وبطء مغمضا عينيه قبل أن يفتحهما وينظر
لها مجددا تسير فوق الرمال تمسك حذائها في يدها وقد تركت
شعرها جميعه للريح هذه المرة تتلاعب بخصلاته كيف تشاء
فهمس بحزن وقد رفع نظره للسماء
" يا رب أخجل أن أقول لك انصرني على قلبي لكنك وحدك من
تستطيع فعل ذلك "
*
*
*
لامارا, بسابيس, عراقيــه and 80 others like this.
رد مع اقتباس
#6760
قديم 29-01-18, 09:19 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
فتحت باب المنزل ودخلت منه قائلة بضيق
" أبي أنت تر.... "
قاطعها الذي دخل خلفها قائلا بحدة
" ساندرين لن نكرر ما كنا نقوله طوال الطريق وأعتقد بأنك
فعلت ما فعلته وقلت ما قلته وأنتي بكامل وعيك وقواك العقلية "
وتابع بذات حدته وقد وقف أمامها ورفع أصبعه
" ولا تنسي بأنك لم ترجعي ولا لوالدك وتأخذي رأيه يا سندرين
بل تصرفت كفتيات الشوارع ومن لا عائلة لها "
نظرت له بصدمة بينما أغلقت التي دخلت بعدهما فمها بيدها
مصدومة مما قال وهمست الواقفة أمامه
" لماذا وافقت إذا أبي ! "
لوح بيده جانبا قائلا بضيق
" وما كنت تتوقعين مني فعله وأنتي تضعينني أمام الأمر
الواقع وأمام الجميع وكأنني أحد الغرباء عنك في ذاك الحفل "
قالت محتجة
" كانت لعبة فقط وما ظننته سيوافق ، كنت أريد أن ألقنه درسا
لكي يتوقف عن استفزازي ولم أتخيل أن الأمر سيصل لأن يلبسني
خاتم الخطوبة وأمام الجميع وكأنه داخل رأسي ويعلم ما كنت
أفكر فيه ! "
اجتازها وقال ببرود مغادرا
" تحملي نتائج ما فعلته وقررته لوحدك ساندي "
فضربت الأرض بحذائها قائلة بضيق ونظرها يتبعه مغادرا
" أنت تقول هذا فقط لأنك لا تمانع ما حدث ، أنت تقف في صفه
دائما وكنت ولازلت تفضله على ابنتك ومهما فعل "
وقف مكانه والتفت لها وقال بضيق
" توقفي عن القاء اللوم على الأخرين ساندرين ، ألست عاقلة
وواعية تعرفين ما تريدينه كما تقولين دائما ؟ اصمتي إذا ولن
أسمع كلمة من هذا مجددا ولن ينهي تلك الخطوبة ( الحقيقية )
طبعا غير رواح سلطان ضرار السلطان أتفهمين هذا ؟ "
وغادر من فوره متجاهلا نظراتها الحانقة فالتفتت للتي لازالت
واقفة خلفها وقالت بضيق
" لما تتمسكين بالصمت أمي ؟ قولي شيئا "
تنهدت تلك بضيق وقالت ببرود مجتازة لها
" لم تتركي لنا ما نقوله كما قال والدك قبل قليل "
وغادرت حيث غادر زوجها نظراتها العابسة تتبعهما تكاد تبكي
من غيظها فلم تتوقع أن تصل الأمور لما وصلت له الآن وأنه
سيرحب بالفكرة ! لا وقد جهز خاتم الخطوبة سلفا ! لولا أنها لم
تخبر أحدا بما كانت تخطط له لظنت أنه ثمة من وشى بها !
لكن لا أحد يعلم ... لا أحد أبدا ! وهذا ما يكاد يوصل عقلها للجنون
فلم تكن تتخيل ولا في أحلامها أنه قد يتنازل عن عزوبيته والحرية
واللهو والشقراوات ويقيد نفسه بكل حبور هكذا ! لقد أوقعت نفسها
في مأزق ووالدها لن يقف في صفها ولن يمانع أبدا تعرفه جيدا
وليس لأنها من قال وفعل واختار كما يقول بل لأنه يتنفس عشقا
لتلك العائلة وذاك الدبور زير النساء تحديدا فهو يحبه منذ كان
طفلا ولا تفهم لما ! بلى هي تعلم بسبب حظها التعيس الذي كبر
معها طبعا ، لن تصدق أبدا أن يوافق على الزواج منها مؤكد
يفعل ذلك ليغيظها فقط ولن يتحول الأمر لزواج فعلي أبدا لذلك
عليها أن لا تخاف من الفكرة لأنها لن تحدث .
توجهت لغرفتها أيضا ودخلتها ضاربة الباب خلفها بقوة ورمت
الحقيبة على السرير ثم نزعت ذاك الخاتم الماسي من أصبعها
ورمته في درج طاولة السرير وأغلقته بقوة وتوجهت للخزانة
أخرجت قميصا قطنيا قصيرا ودخلت الحمام واستحمت تفرغ
كل ذاك الغضب والشحنات السلبية بالمياة الباردة وخرجت من
الحمام بعدها وجففت شعرها جيدا تنظر لنفسها في المرآة
تغني أغنيتها الفرنسية المفضلة مغمضة عينيها ومبتسمة
وكأنها ليست تلك الغاضبة من ساعات
" داكوه غ إيل إيجزيس تيه دوه تغ فاسوه دو سو كي تيه ..... "
وكالعادة تنسى بذلك كل ما يتعسها .. حمام منعش وأغنية جميلة
ثم نوم مريح واتركي الغد للغد ساندي .
أوقفت مجفف الشعر ورمت المشط من يدها ووقفت ما أن سمعت
صوت رنين رسالة وصلت لهاتفها فقفزت جالسة على السرير
ورفعته فلابد وأنها كنانة فهي لم تجب على اتصالاتها ولم تراها
في الحفل رغم أنه قيل بأنها أتت قليلا وغادرت ولم ترى ولا
عريسها المجهول المعلوم ذاك وكانت متشوقة لرؤيته ولاستفزازها
قليلا لكن حظها أنقذها منها فكل ما قيل أنهما وصلا للحفل ولم ترى
أيا منهما ، فتحت الرسالة ولم تنتبه بأن الوقت كان متأخرا وقد لا
تكون منها حتى عبست ملامحها باشمئزاز ما أن قرأت تلك الأحرف
( لم أستطع النوم الليلة بسببك متحولتي )
شدت أسنانها بقوة وغضب ولم تستطع منع أصابعها من أن تتحرك
على الأحرف وأرسلت له
( بل بسبب التفكير في شقراواتك يا زير النساء )
أتاها رده سريعا وكأنه كتبه قبل أن ترسل
( تغارين يا شقراء ...؟ )
كادت تضرب الهاتف على الجدار غضبا لكنها فضلت أن ترسل له أولا
( خسئت أغار على أمثالك)
شعرت بنشوة الانتصار حين لم يصلها أي رد منه وظنت بأنها
أخرسته وانتصرت عليه لكن سعادتها تلك لم تدم طويلا حين رن
هاتفها معلنا وصول رسالة جديدة ومختلفة هذه المرة
( موعدنا ثوب الزفاف يا شقرائي الكاذبة )
فشعرت بالأبخرة تتصاعد من رأسها فها هو يكرر جمله السخيفة
تلك مجددا ، أرسلت له فورا
( إلا إن كان كفنك )
وأغلقت بعدها هاتفها نهائيا ورمته على السرير وغادرت الغرفة
بأكملها فها قد عكر لها مزاجها مجددا ذاك الدبور وضاع مفعول
الاستحمام واغنيتها المفضلة ، عبرت بهو المنزل متوجهة رأسا
جهة ممر غرفة ماريه ، الوقت متأخر الآن فقد تجاوزت الساعة
منتصف الليل لكنها لن تكون نائمة بالتأكيد .. تعرفها جيدا لن
يغمض لها جفن بعد ما حدث مساءً ولازالت تجهل أغلبه .
ما أن وصلت نهاية بهو المنزل أوقفها صوت والدتها الخارجة
من المطبخ تحمل قارورة ماء في يدها
" ساندي "
فوقفت مكانها وما أن التفتت لها قالت تلك
" طرقت باب غرفتها بعد وصولنا بقليل ولم تجب لابد وأنها نائمة
فلا تزعجيها "
لوحت لها بكفها وتابعت طريقها قائلة
" سأتأكد أولا وإن كانت نائمة لن أزعجها أمي "
وابتعدت على صوت التي سارت في اتجاه آخر قائلة بضيق
" ما أعندك من فتاة "
فابتسمت وتابعت سيرها حتى كانت أمام باب غرفتها وفتحته ببطء
دون أن تطرقه ومدت رأسها منه وكما توقعت وقع نظرها فورا
على الجالسة على سريرها تحضن ساقيها المغطاة بلحاف السرير
تنظر للفراغ بشرود ووجوم حزين ترتدي بجامة قطنية زهرية
اللون كخداها المتوردان بشدة لا تعلم من الحزن أم القهر أو من
حبس الدموع لأنها وكالعادة تجتاز مرحلة البكاء بسهولة لتتقوقع
في حزنها وحيدة وبعيدة عن الجميع ، دخلت بهدوء واقتربت منها
وجلست أمامها على السرير ناظرة لعينيها وجفنيها المسدلان للأسفل
رموشها الطويلة مبللة بالدموع وجفناها السفليان محمران بشدة كما
أنفها الأبيض الصغير ، تنهدت بحزن وقالت بهدوء
" ماريه أتودين التحدث وإفراغ ما في قلبك ؟ أنا أكاد أنفجر
غيظا وأحتاج لذلك ... بل ولأن أقتل أحدهم لأرتاح "
وحين لم يبدر منها أي رد فعل ولا حتى برفع نظرها لها قالت بأسى "
ماريه اعتقدت بأنك اعتدت على الطعنات والخذلان من ذاك الكنعاني !
لا تسمحي لحبه أن ينهيك صديقتي "
وتنهدت بعجز حين لم يتغير حالها عما كان وكأنها في عالم لا
أحد فيه سواها هي وحزنها وذكرياتها فوقفت ومسحت بيدها
على غرتها البنية الحريرية للأعلى لتنساب تباعا كريش النعام
وقبلت جبينها هامسة
" كوني كما أعرفك سابقا ماريه أقوى منه "
وغادرت مغلقة الباب خلفها لتنساب تلك الدمعة الحارة من
الرموش التي انطبقت على بعضها وانزلقت على وجنتها ببطء ...
هي تريد أمرا واحدا فقط وتتمناه أن يموت قلبها ويتوقف
عقلها عن التفكير في أنه مع تلك المرأة الآن بينما هي المذنبة
في ذلك .. هي من اختارت وهي من عليها تحمل نتائج اختيارها ذاك .
وليست تعلم بأن قلبها المحترق عليه وبسببه أخبرها الحقيقة فعلا
وبأبسط طرقها وأيسرها على ذاك القلب العاشق كي لا يفقد حياته
وللأبد فعلى بعد أميال قليلة فقط من هناك كان الواقع يروي القصة
بأبشع طرقها وذات ذاك الجمال الانجليزي المميز والفستان الليلكي
اللون الطويل تأخذ بالفعل مكانها .. حاضرها .. مستقبلها .. وحبيبها ،
حيث يجتمع كبار رجال الدولة وحيث العظماء فقط في تلك البلاد
يُسرق حلمها الوحيد ويُنسف أملها الأخير في الحياة والقطعة من
قلبها يمارس هناك الدور الذي اختير له واتهمت هي باختياره ..
حيث ترقص أحلامها رقصة اليوم الأخير والموت الأبدي وذاك
الطبق المصنوع من الفضة والوسادة المخملية الأنيقة تنام فوقه
بنعومة يتوسطها خاتما زواج يشيعان كجثمان يقدم أمام المذبح
كقربان وليس ذاك سوى مشاعرها اليتيمة وأمانيها الصغيرة
التي تراكضت أشرطتها الذهبية معها عبر الزمن لتوأد هناك
حيث الرجل الذي أقسمت دون أن تهتم يوما إن علم أم لم يعلم
بأنها لن تحب غيره ولن تكون لسواه يقف أمام ذاك الخاتم
قانعا بما بات عليه وما لا مفر له منه تحضن احداهن خصره
بقوة ليست هي وليسا ذراعاها اللتان تطوقانه وعليه فقط أن
يفعل ما أراد الجميع عداها هي .. أن يضحي بكل شيء من
أجل الملايين من شعب بلاده وإن كان لا يعرفهم والمقابل هي ...
هي فقط ... والتي لم يبقى منها سوى كلماتها الغاضبة
المعاتبة الباكية ذات الوقت تلاحقه حتى ذاك المكان .
( جميعكم قتلتموني وحتى أنت أيضا ... تركتموني للأسوأ من
المرض لأعوام طويلة ، ذبحتم روحي وماذا أيضا ؟ عليا أن
أرضى وأتأقلم وأعيش كما تريد أنت وحيث تأمر ..
حتى أنك لا تجد لي مكانا في حياتك )
انسدلت تلك الأجفان على حدقتاه السوداء الحادة متنهدا بعمق
وذاك الصوت الجهوري ببحته المميزة يتردد في رأسه وبقوة
( تيم اليرموك أول الضحايا اليوم وسيستخدمونها كغطاء لإدخال
السلاح للبلاد والحجة أنها أسلحة مخازن اليرموك وصلت للمدنيين ...
نحن نفقد الوطن يا تيم فعلينا أن نتحرك سريعا )
لينتصر العقل في النهاية ككل مرة وككل قصة مشابهة وحكاية
قاسية مماثلة وتلك اليد ذات الأصابع الطويلة القوية تمتد ببطء
لذاك الخاتم المرصع بالزمرد والألماس وقد ارتفعت له تلك
الأصابع شديدة البياض والرقة والاهتمام فورا ومرره ببطء
في خنصرها حتى استقر في نهايته بنعومة وقد سارعت تلك
اليدين الأنثوية لرفع الخاتم الآخر فورا ليضع هو حينها خاتما لم
تعرفه أصابعه سابقا يسلبان حقا آخر من حقوق التي تدفن وجهها
في ركبتيها هناك تبكي الصمت بصمت والموت بوجع تودع
حلمها الأخير وتلك الشفاه الكرزية المغرية تسرق آخر ممتلكاتها
وصاحبتها ترفع جسدها النحيل على رؤوس أصابعها تفرض
اقترابها ممن حاصره كل شيء وحتى الموجودين حوله وتلك
الشفاه تقترب من شفتيه ببطء وإن لم يشاركها الأمر إلا أنها
كانت قبلة رغم قصرها سرقت نظرات الجميع وعلت لها
التأوهات والتهاني والتصفيق وذاك الجسد الأنثوي الرشيق يستمر
في اكتساح حصون غيره وتدمير مملكته الوحيدة وهي تلتصق بذاك
الجسد الصلب القوي الممتلئ رجولة ذراعاها النحيلتان تلتفان حوله
بتملك بينما ذاك الجسد المنكمش على نفسه هناك لم تعد صاحبته تملك
أي سلطة على العبرات التي بدأت بدفنها في أغطية سريرها تبكي ما
تجهله رغم أن قلبها كان يخبرها به ... بأن ما يموت هنا بين شهقاتك
الموجعة يولد هناك عند امرأة أخرى وإن اختلفت المسميات فالنتيجة
واحدة ... الموت موت والفقد فقد والشعار واحد ....
( نموت فداء لك يا وطن ) .
*
*
*
تأففت بحنق منها فقد سئمت من انتظارها لتجتاز نوبة بكاء حاد
جديدة في كل وقت والآخر مقاطعة حديثها وتعلم بأن شقيقتها تلك
لن تتخلص من ضعفها طالما هي كثيرة بكاء ونحيب هكذا لا تفعل
شيئا غيره بل ولا تملك سوى تلك المياه المالحة الزائدة حلا
لمشاكلها ، مدت لها كومة مناديل جديدة فأخذتها منها فورا
وقالت هي بضيق
" جمانة أنا لم أحكي لك كل ذلك لأرى شلالات دموعك "
ضربت بقبضتها على فخذها والمناديل المبللة بالدموع ما تزال
فيها وقالت ببكاء
" اتركيني افرغ ما في داخلي ولا شيء أملكه غيره بعدما
سرقت مني تلك كل شيء "
أمسكت الجالسة أمامها بكتفها وقالت بجدية
" لم تسرق كل شيء وأنتي بنفسك تعرفين وقاص جيدا وبأنه رجل
لا يعرف العبث أبدا ولن يلتفت لامرأة وأنتي ما تزالين زوجته ومهما
كان ما يوجد في داخله ... وقاص ليس من ذاك النوع يا جمانة فهو
رجل تحكمه مبادئه "
غطت فمها وأنفها بالمناديل في يدها قائلة بذات بكائها
" لكنه لا يريدني وسيطلقني ولست أعلم لما لم يفعلها حتى الآن ؟ "
أبعدت الجالسة أمامها يديها عنها وقالت بجدية
" ليس علينا البحث عن سبب ذلك الآن يا جمانة بل النظر له كورقة
رابحة في أيدينا ولن تكسب تلك المرأة شيئا طالما هو زوجك وهي
متزوجة وسيرفضها حتى إن عرضت هي نفسها عليه "
نظرت لها بيأس متمتمة
" وماذا إن طلقها شقيقه ؟ "
قالت تلك من فورها وبذات جديتها
" تبقين أنتي مفتاح ضمير المحامي لديه يا غبية وستكونين الكاسبة
نهاية الأمر فلا جده ولا والدي سيسمحون بأن يطلقك ولا أن
يتزوجها عليك ولا أخلاقه هو ستسمح له بأن يقيم معها علاقة
أساسها ليس شرعيا مهما كانت حدودها "
قالت ناظرة لها بانكسار
" تعتقدين هذا ؟ "
قالت ناظرة لعينيها
" بل أنتي من كان عليها أن تؤكده وأنتي من عاش معه وعرفه
لثلاثة أعوام يا جمانة ، هل رأيته يوما التفت لأي من تلك النساء
المحيطات به في كل مكان ؟ "
حركت رأسها بالنفي وقالت بحزن
" لا لكن هذه مختلفة يا جيهان وأنتي رأيت الأمر بأم عينك
وهذا ما رأيته أنا سابقا حين دخل بها المنزل يحملها بين
ذراعيه متشبثة بعنقه بقوة ، كنت أعلم أن الأمر لن يقتصر على
مشاعر انسانية تربطه بابنة عمه المظلومة كما يرى ، إنه يهتم
حتى بطعامها مصرا على أن تشارك الجميع فيه ، وهذا ما شهدته
وما أجهله سيكون أكبر بالتأكيد "
قالت الجالسة أمامها من بين أسنانها
" وجده كان موقفه سلبيا ولم أتوقعه وهو يبرر لوالدي المتضايق
مما يجري وأراه بات في صف حفيدته تدريجيا "
انسابت دمعة جديدة على ذاك الخد الممتلئ وقالت بعبرة
" بالطبع سيكون كذلك فهي حفيدته نهاية الأمر "
وقفت جيهان وتوجهت للنافذة ووقفت أمامها وقالت تنظر للخارج "
متى تقررت عمليتك التجميلية ؟ "
قالت تلك من خلفها باستغراب تمسح دموعها
" في الغد لكني خائفة من ردة فعل والدي وأخشى أن أغير رأيي
في الأمر "
قالت من فورها
" بل عليك إجرائها واتركي لي مهمة اقناعه بتقبل الأمر "
قالت مندهشة
" حقا يا جيهان ؟ "
التفتت لها وقالت
" بل والكثير علينا فعله وعليك تعلمه قبل أن تعودي هناك
وعلينا أن لا نتأخر أيضا ونضيع مزيدا من الوقت لنعطي الفرصة
لتلك المجنونة أو غيرها ولن تناله وإن بحثت عن واحدة
تسرقه منها "
نظرت لها الجالسة هناك بصدمة صارخة
" واحدة أخرى ! "
تصاعد الحقد والغضب الأسود في عيناها الجميلتان وقالت بتصميم
" بلى إن لم تحكمي أنت عقلك المغفل فلن تحضى به تلك المتوحشة
أبدا وإن جعلته يخوض غمار المحرمات مكرها وقولي جيهان
قالت ذلك فإما أنت أو لن يكون لأي امرأة ... بل سيكون
لكل النساء إلا تلك "
*
*
*
خرجت من الحمام والمنشفة ملتفة حول جسدها تحضن نفسها
بقوة جسدها يرتجف بأكمله وكأنها مصابة بالحمى ولا أعراض
لها فلم تكن تتوقع أن تصل الأمور لما وصلت له وأن كل ما سيحدث
أن تشعل نارا صامتة بينهما وانتهى الأمر وليس أن تتحول هي
لضحية وبذاك الشكل البشع ، وقفت أمام المرآة ونظرت لنفسها
بذعر ولوجهها الشاحب وكأنها شبح ميت !! لا بل هي ميتة الآن
بالفعل وما هذه سوى بقايا لتلك المرأة .. شفتاها جافتان مزرقتان
ومرتجفتان وجفناها حفهما سواد لم تعرفه من قبل وليست تفهم
كيف ظهر هكذا فجأة ! عيناها حمراوتان شاخصتان وكأنهما لازالتا
تعيشان ذاك الموقف والشعور حتى الآن ، مررت أصابعها المرتجفة
على عنقها ببطء وعلى ذاك الأثر اللذي لازال واضحا وتلك الأصابع
التي تركت علامتها على بشرتها البيضاء ... لم تتخيل يوما أن تعيش
ذاك الشعور ( الموت ) ظنت أنه يحدث للشخص مرة واحدة ويأتي
في لحظة واحدة ولم تكن تتخيل أنه يمكنها عيشه ثم العودة للحياة
مجددا لتعيش ذكرى ذاك الشعور مرارا وتكرارا !
أليس الموت في معتقداتهم مرحلة الزهو والراحة من العذاب الدنيوي
والانتقال تدريجيا للفردوس ؟ لكن ما عشته لم يشبه ذلك أبدا ...
هذا ولم تمت بالفعل !!
ضغطت على عنقها ببطء وتألمت ملامحها فورا بسبب الألم الذي
لازال ينبض فيه بقوة كلما لمسه أي شيء ، كان يفترض بذاك
الرجل المدعو شاهر أن يعيش هذا لا هي ؟ كيف انقلب مخططها
عليها هكذا ؟ ذاك وحش وليس ابن ! هي لم تتخيل للحظة بأن ذكرى
والدته المتوفاة مقدسة في قلبه درجة أن يقتل من أجلها !
أغمصت عينيها برفق ومر أمامها فورا حديث تلك المرأة التي
وجدتها فوقها ما أن استفاقت من ذاك السواد جسدها ينتفض
كالطير المذبوح ونظرت لها تلك السيدة نظرة عتاب وبدلا من أن
تقدم لها جرعة ماء أو تحاول سؤالها إن كانت بخير أو تحتاج
لطبيب قالت بلوم
" كنت متشوقة لرؤيتك ومعرفة المرأة الوحيدة التي جعلت شقيقي
يخرج من سجنه لنفسه في ماضيه لكني ندمت على تلك المشاعر
حقا وتمنيت أني لم أراك حياتي "
وتابعت وهي تقف غير مكترثة بتلك النظرات المصدومة
" إن كان غرضك قتل شقيقي شاهر وحرمانه من ابنه متحسرا عليه
ما عاش فقد فعلتها وبجدارة وعليك أن تهنئي نفسك بهذا ، وإن كانت
مجرد غيرة من امرأة ميتة فها أنا اخبرك الآن بأنك لن تأخذي مكانها
في قلب شقيقي مهما كان ما يحمله من مشاعر ناحيتك فهي بقعة النور
الوحيدة في ماضيه الأسود ولن تفعلي من أجله ما فعلته هي مهما
طال بك العمر "
وخرجت بعدها وتركتها آمرة الخادمة عند الباب أن تهتم هي بها .
رمت علب كريمات الترطيب من فوق الطاولة أمامها وانهارت جالسة
على الكرسي تضع يدها على صدرها وأنفاسها تخرج بصعوبة
ونظراتها شاخصة في الفراغ تتذكر مواجهتها الغير متوقعة بعدها
مع الرجل الذي ظهرت هناك لتنتقم منه تحديدا وظنت بأنه قاتلها
لا محالة بعدما حدث وصدمها بأن كل ما فعله أن نظر لها بصمت
قبل أن يدير لها ظهره وقال بجمود متوجها جهة باب تلك الغرفة
" قفي لنغادر "
فوقفت بساقين مرتجفتان وتبعته عبر أروقة ذاك القصر الفخم الذي
لو تركت فيه لوحدها لضاعت ، ظنت أن عقابها مؤجل فقط وأن
بدايته ستكون بأن يجردها من كل شيء وحتى كرامتها بلسانه
السليط ذاك وهما يغادران من هناك لكن رحلتهما تلك كان الصمت
المميت سيدها ورغم تجهم ملامحه وصلابتها وقسوة خطوط
وجهه إلا أنه لم ينطق بأي كلمة حتى وصلا ودخل شقته مغلقا
بابها خلفه بقوة ... لم يخنقها كإبنه ! لم يصرخ بها مزمجرا
بغضب كالعادة ! بل ولم يضرب رأسها بالجدار كما فعل سابقا
بأسنانها حين تحدثت عن تلك المرأة !! ولن تستبعد عقابا من نوع
آخر يخبئه لها خلف صمته ذاك وستكون تستحقه بالتأكيد فرغبتها
بالانتقام أعمتها تماما عن التفكير في النتائج وغيسي المراهقة
المتمردة التي لازالت تعيش كوحش داخلها بسبب كبت الماضي
نالت منها اليوم وبجدارة .
وقفت وتحركت من هناك بخطوات متعثرة وارتمت على ذاك السرير
الضيق تلف جسدها باللحاف الناعم منكمشة على نفسها ترتجف
تحته وشعرها المبلل أغرق الوسادة تحت رأسها بالمياه .
*
*
*
*
*
*
تبعته حتى الباب وأمسكت بكم قميصه وأدارته ناحيتها وقالت بحدة
" أبان أنا لم أنهي كلامي بعد .. متى ستتعلم أن تحترمني ؟ "
التفت لها وقال بضيق
" أمي ما الذي قلته أو فعلته قللت به من احترامك ؟ أخبرتك
بأنه يترك هاتفه في المنزل وأمامك اتصلت به ولم يجب ،
ولن نزورهم من دون موعد مسبق ذلك لا يجوز أمي ولم تربينا
عليه أبدا "
قالت من فورها
" اذهب لمنزلهم إذا وتأكد من أنهم ليسوا هناك فعلا فهو منزل
صديقك وكنت تزوره سابقا لا جديد في الأمر "
تنفس بعمق محاولا تهدئة نفسه كي لا يغضبها منه فإن كانت
في حالات هدوئها لا يستطيع مجاراتها في العناد والحدة فكيف
وهي غاضبة هكذا ؟ مرر أصابعه في شعره الفاحم وقال بصبر
" أمي قلت لك ما أن يرجع يمان للمنزل ويجيب على هاتفه
سأتأكد منه بنفسي أقسم لك "
قالت مباشرة
" ومتى سيرجع مثلا ؟ "
قال بنفاذ صبر
" يفترض اليوم أمي فارحميني أرجوك "
قالت من فورها وبضيق
" ها أنت قلتها بنفسك يفترض بأنه في منزلهم اليوم فلما لا يجيب ؟ "
همس من بين أسنانه
" يا صبر أيوب الشعاب عليها زرني ولو لمرة واحدة "
قالت بضيق
" ماذا تقول فلست أسمعك ؟ "
قال بضيق مماثل
" قلت ارحميني يا أمي فلن أفعلها وأذهب هكذا دون علمهم كاللصوص "
قالت بحدة وعناد
" بل ستفعلها يا أبان أو قسما أركب سيارة أجرى وأذهب لها بنفسي "
نظر لها بصدمة وقال
" أمي تركبين سيارة أجرى من الحميراء لغرير ! ألا تعلمي بأنها
ساعة كاملة تلك التي تفصلنا عن هناك ! "
قالت من فورها
" أعلم لكنكم لم تتركوا لي خيارا غيره ولن أتوانى عن تنفيذه
فلا والدك يريد أخذي هناك ولا أنت وافقت ولا على الذهاب لهم
وحدك وغيهم ليس هنا لما كان ردني خائبة أبدا "
رفع حاجبه وقال ببرود
" إن كان غرضك من هذا الإنتقام مني فمخططك فاشل فأنا أحب
شقيقي ولن أتحسس منه أبدا "
صرخت فيه بحدة
" أبناااان "
نفض يديه قائلا بضيق
" أمي بالله عليك ارحميني بأي عبارات أشرحها لك ؟
سأتحدث معه ما أن يرجع من الجنوب ألا تستطيعين
الإنتظار قليلا ؟ "
قالت من فورها
" لا فلست مطمئنة عليها بسبب تهربهم الواضح منا وقلبي يقول
لي أن مكروها حدث لها "
تأفف وقال
" أمي هي بخير وتحدثت معها بالأمس وسمعت صوتها بأذني ..
يكفيك هذا ؟ "
شهقت بصدمة وقالت" تحدثت معهااا !! "
قال من فوره وبضيق
" بل أجابت هي على هاتف شقيقها فلا يتوقف قلبك أمي فأبان
المتوحش لم يقترب من طفلتك الجديدة "
قالت متاجهلة ما قال
" لما لم تجب هذه المرة إذا ؟ أرأيت أني على حق ؟ "
تأفف مجددا ممررا أصابعه في شعره وقال بنفاذ صبر
" أمي اخرجي من رأسي رحم الله والديك ووالداي واتركيني
أذهب في حال سبيلي فلن أرجع من بينبان إلا منتصف الليل
على هذا الحال وأبي سيغضب إن أنا تأخرت على ذاك الرجل "
قالت مباشرة
" تذهب لهم إذا فغرير في طريقك "
تنهد باستسلام من عنادها الذي كان يعرفه مسبقا ويتعب نفسه
ليس إلا وقال
" حاضر أمي ... أوامرك مولاتي فهل يمكنني الذهاب الآن ؟ "
قالت بجدية
" عدني أولا "
أمسك رأسها وقبله وقال
" أعدك أمي قسما سأمر بمنزلهم في طريق عودتي فقط حرريني
لألحق موعدي مع ذاك الرجل "
تنهدت بضيق قائلة
" ليحفضك الله بني ورافقتك السلامة "
فخرج من فوره مغلقا الباب خلفه وضمت هي يديها عند صدرها
متمتمة
" في رعاية الله بني وليحفظك الله ويطمئنني عليها "
*
*
*
بعد مسافة قصيرة من انطلاق السيارة بهما تبتلع ذاك الطريق
الساحلي بنهم اختارت الجالسة بجانبه أن تكسر صمت رحلتهما
هذه المرة قائلة ونظرها على يديها في حجرها
" أنت لست غاضب بسبب ما قلته أمام شقيقة زوجتك ؟ "
سرق نظره ناحيتها قبل أن يعود به للطريق مجددا وقال باختصار
" لا "
نظرت له هذه المرة وقالت بجمود
" لكني أخبرتها أمورا ليست حقيقية ستوصلها لها بالتأكيد "
قال ببرد ونظره لم يبعده عن الطريق أمامه
" لا شيء بيني وبين جمانة تدمريه يا زيزفون "
نظرت له بصمت لوقت قبل أن تنظر جهة نافذتها متمتمة
" كنت أود الاعتذار منك لكنك أفقدت نفسك شرف ذلك "
فارتسمت ابتسامة على شفتيه وأغمض عينيه لبرهة متنهدا
بعمق قلبه يردد دون توقف
( سحقا ... سحقا ... سحقا لوقاص الغبي )
وجل ما كان يحاول مقاومته حينها هو النظر ناحيتها كي
لا يقول لسانه ما يرفضه عقله فما أقسى أن تكون مجبرا على
بناء حاجر مرتفع متين بينك وبين شخص أنت أحوج له منه لك .
وعلى ذاك الصمت استمرت طريقهما حتى توقفت تلك البنتلي
السوداء اللامعة بالقرب من الباب الداخلي للمنزل ونزل منها
الذي ارتفعت نظراته فورا للواقفة في الجانب الآخر حيث
بابها المفتوح حين قالت
" أريد البقاء في الحديقة قليلا "
وتابعت تنظر ليدها اللتي أغلقت بها باب السيارة متجاهلة
نظرته المصدومة لها
" ووحدي "
فنظر للساعة في معصمه ما أن اجتاز صدمته مما قالت
ثم لها وقال باستغراب
" في هذا الوقت يا زيزفون !! "
نظرت جانبا حيث الحديقة المضاءة في كل زاوية فيها وقالت
" أجل ولن أبتعد "
نقل نظره منها للمكان حوله ولم يعرف ما يقوله تحديدا !
لا يمكنه منعها من ذلك فهي رغبتها لكن .... نظر لها وقال بجدية
" وستكونين بخير يا زيزفون ؟ "
نظرت له من فورها وقالت بضيق
" لا تقلق فلن أؤذي أحدا ولن أقتل نفسي "
ضرب بابه مغلقا إياه وقال بضيق أكبر
" زيزفون لما لا تتوقفي عن اتهامي بأفكارك ؟ "
أبعدت نظرها ووجهها عنه مجددا وقالت ببرود
" مؤكد منزل عائلة ضرار السلطان محاط بحراسة مكثفة
وأنا أريد أن أكون خارجه وحدي لبعض الوقت ...
اتركوني أمارس حقوقي فيه ولو لمرة واحدة "
رمته بسيل عباراتها تلك قبل أن تبتعد عنه مغادرة حيث أرادت
فرفع نظره للسماء وتنفس بعمق ، كان يعلم بأنها على حق
وبأنه لا يحق له التدخل فيما تريد وهو حق لها هناك مثلهم
تماما وعليه تركها والابتعاد لكن قلبه ما كان ليطاوعه لفعلها
فمثلما قضت هي باقي ليلتها تلك تجلس وحيدة على حافة
النافورة الحجرية تسافر مع أفكارها وصمتها للبعيد قضى
هو ليلته تلك أيضا في شرفة جناحه المظلمة يراقبها بصمت
يرفض تركها هناك وحدها ولا لثانية واحدة يخشى عليها
حتى من نفسها ... من حرسهم .. من نجيب ..
من زوجة والده .. من جده ... وحتى من نفسه .
ورافق القمر ليلتهما تلك عينان بزرقة السماء التي غابت مع الشمس
من ساعات انسدلت فوقها تلك الأجفان الواسعة تراقب بحزن أناملها
البيضاء التي كانت تحرك بها المياه النقية تحتها تعبث بصورة ذاك
القمر فيها وكأنها تخبر الموجود هناك في الأعلى بأنه لا قمران في
ليلة واحدة ولا في مكان واحد وأن تلك الأحداق السوداء هناك لا
يمكنها جمعهما في صورة واحدة وعالم واحد ...
المرأة الرقيقة كنسائم ذاك الليل رغم سواد ماضيها وكآبة داواخلها
لازال ذاك الفستان الربيعي والتحفة الفنية الفريدة من نوعها يحتضن
ذاك الجسد النحيل المتناسق وذاك الشعر اللامع بشقرة خفيفة تحت
تلك الأضواء يتحرك حول كتفيها برفق بسبب ثقله وكثافته كستائر
ثقيلة تلتف حول نفسها فوق نافذة مفتوحة ، لوحة متكاملة وكأنها
وجدت هناك لتدمر ما تبقى من تلك المشاعر المسجونة خلف أسلاك
شائكة وقطبان حديدية وأسوار عالية واقف هناك يبنيها حول
قلبه من بين عذابه وضياعه بينها وبين نفسه لا يملك خيارا
غير ذلك فشقيقة القمر تلك هي الفاكهة المحرمة في عالمه ....
محرمة وقد يكون .... للأبد .... للأبد يا وقاص لا تنسى ذلك .
مرر أصابعه في شعره وأغمض عينيه يتنفس بعمق وكأنه يحاول
إخراج حتى الأنفاس العالقة في صدره تحمل عطرها تحتفض به هناك
في خلاياه ... يزفر ... ويزفر ... ويزفر .. وكأنه قرر إخراج روحه
مع كل شيء ليحرر نفسه من الحياة بأكملها فلا طريقة أمامه غيرها .
تراجع للوراء ببطء وجلس على أرض الشرفة مستندا بظهره على
جدار غرفته ناصبا إحدى ركبتيه وقد أراح ساعده عليها تراقب
نظراته ذات ذاك المشهد من بين أعمدة الشرفة الحجرية لتنحصر
الصورة أمامه في الجالسة هناك ومياه النافورة المتوقفة والقمر
المنعكس فيها وقد توقفت يدها عن محاربة صورته ورفعت قدميها
أيضا لحافة النافورة حيث تجلس نظرها على يديها في حجرها تحضن
كف إحداهما بالأخرى وشيء ما لامع في ذاك الكف تنظر له لا يعرف
ما يكون سوى بأنه من النقاء بحيث انعكست الأضواء عليه وقد
حدقت فيه لوقت طويل وكأنها تحفظ تفاصيله .. تتحدث معه ..
يسمعها وتفهمه .. بل وتثق به أكثر من البشر حولها .
نظرت له لوقت قبل تقبض أصابعها عليه ببطء وتباعا وقبل
أن ترفع يدها وترميه في مياه تلك النافورة الضخمة لحظة ارتفاع
صوت الأذان في صمت ذاك الليل ... فكرته التي اقترحها من أعوام
ووافقه جده عليها فورا وهي عبارة عن مايكرفونات متبثة حول
جدران قصرهم ذاك ليعلوا صوت الأذان حوله وداخله في كل
وقت صلاة .
ومع ختم ذاك الصوت الجهوري المرتفع الأذان بلا إله إلا الله
وقفت الجالسة هناك وغادرت .. نظرها على خطواتها البطيئة تلك
وكأنها قررت أخيرا أن ترحم غيرها قبل نفسها من العذاب المغلف
بالصامت المميت ودخلت لم يبقى من ليلتهما تلك سوى ذاك قمر
يغني مبتسما بحزن ( وداعا يا أميرتي الجميلة ) وظلام بدأ
بمغادرة ذاك الأفق بطيئا حاملا جميع تلك الأسرار معه .
دخلت غرفتها وكانت في استقبالها التي هرعت نحوها فورا
وأمسكت بيدها قائلة بقلق
" زيزفون أين كنت بنيتي لقد أقلقتني عليك ولم أجد ولا السيد
وقاص لأسأله أو ليبحث عنك ؟ "
انسحبت من أمامها مجتازة لها وتلك تترك يدها ببطء تراقبها
نظراتها الحزينة المحبة وهي تتوجه لسريرها الواسع وقد تكورت
نائمة فوقه وبالعرض وبفستانها فتوجهت نحوها ومسحت على
شعرها قائلة
" زيزفون هل ستنامي بفستانك هكذا ومن دون أدويتك ؟ "
خرج لها صوت همسها الضعيف من تحت ذاك الشعر الطويل
الذي غطى ملامحها
" سأنام قليلا فقط خالتي ، لا أريد تلك الادوية .. لا أريد ذاك
الظلام الذي ترميني فيه وكل تلك الألآم التي تسببها "
شهقت الوقفة فوقها بصمت وصدمة من طلبها الغريب ذاك وقالت
" لكنك تحتاجينه لتنامي من دون كوابيس وكي لا تأتيك تلك
الحالة مجددا فتلك وصايا الطبيب يا زيزفون ! "
وحين لم تسمع منها أي جواب أو تعليق مسحت على شعرها
مجددا تحاول ابعاده عن ملامحها قائلة
" زيزفون لم يبقى على وقت الصلاة سوى أقل من ساعة وعليك
تناول الدواء فأنتي لم تاخذيه بالأمس ولا البارحة ... زيزفون
لا تنامي بنيتي أرجوك "
وما أن تمكنت من إبعاد ذاك الشلال البني الفاتح عن ملامحها
وظهر لها ذاك الوجه الجميل والوجنتان المتوردتان بشدة والشفتان
الزهريتان المنفرجتان قليلا ليعبر منهما وحدهما الهواء لذاك الصدر
الذي كان يتحرك مع انفاسها بانتظام أدركت بأنها سافرت لعالم
النوم الذي طلبته فقبلت جبينها بحنان وجلست بقربها فلا يمكنها
تركها ولا للحظة واحدة حتى تستفيق .
*
*
*
دخل من باب المنزل مغلقا له بهدوء خلفه وما أن سار وسط
بهوه الواسع ناحية ممر غرفته وقف وقد شدته تلك الأصوات ناحية
المطبخ وميز ذاك الصوت سريعا بل وشده كالمغناطيس ليغير مسار
خطواته طوعا ، وما أن اقترب من ذاك المكان أكثر أصبح ذاك
الصوت الأنثوي الرقيق يصله بوضوح أكبر قائلة صاحبته بانجليزية
طلقة وصوت مبتسم
" the birds will leave the place before the evening"
ثم صوت خاله صقر قائلا بضحكة
" لا أنت تغلبت على والدك وجدك ... أنت متأكدة من أنك تحفظين
المصحف كاملا ! "
قالت مبتسمة تقطع اللحم برفق ونظرها على ما تفعل
" اختبرني بآية أو سورة لتتأكد "
دفع الخيار الذي قام بتقطيعه بواسطة السكين جانبا وقال مبتسما
" الأمر لا يحتاج لاختبار فوالدك يحفظه منذ كان فتيا ومؤكد لن
يفوته غرس هذا في أبنائه ، ورغم ذلك انجليزيتك متقنة بشكل فاق
معلميك رغم سنوات حياتهما هناك حتى أن والدك حين يتحدث أمامي
بالانجليزية مع أحدهم في الهاتف لا أستطيع فهم نصف ما يقوله
بسبب سرعته لكن اتقانك لمخارج الأحرف والاصوات فاقهما
وبوضوح "
قالت وهي ترتب قطع اللحم في الصينية الزجاجية
" هذا لأني عشت هناك منذ مولدي ومربيتي كانت انجليزية واحتكاكي
بها كان كبيرا رغم أن والدي حرص كثيرا على تعليمي العربية
ولهجة بلادي تحديدا لكن وقت وجودي معها كان أكبر "
وتابعت بحزن تضع قطع البطاطا حولها
" وبعد وفاتها أصبح جدي دجى هو من يهتم بتعليمي الكلمات التي
كنت أنطقها بطريقة خاطئة رغم قلة زياراته لي فقد تحول عالمي
للوحدة التامة بعد موتها فهي من كانت تسليني وإن لم تكن فردا
من عائلتي ، وضننت أن كل ذلك سيتغير حين نصبح هنا لكن .... "
وغاصت كلماتها في حلقها فقال الذي رفع نظره لها وبابتسامة جانبية
" في وجهي تقولينها يا ابنة مطر ! "
نظرت له بصدمة وما أن كانت ستتحدث موضحة له ضاعت
الأحرف منها وهي تنظر للواقف عند باب المطبخ ينظر لها
تحديدا يتكئ بكتفه على إطاره ويدس يديه في جيبي بنطلونه
فأسدلت جفناها الواسعان تنظر للصينية أمامها مجددا وقالت
" بل وجدت الكثير هنا عمي ... الفرح كما الحزن والسعادة كما
الجراح "
وتابعت بابتسامة ساخرة تزين ما فعلته سابقا بحبات الطماطم
الصغيرة كما تغرس الأشواك ببطء في جوف أحدهم
" قال لي خالي رعد مرة أن الرجال يعبرون عن مشاعرهم بطرق
غريبة ... وقاسية ، مشاعرهم جميعها و ..... حتى الكره "
ساد صمت مميت بعدها المكان لم يكسره سوى صوت السكين
الذي وضعه الواقف قربها والذي ما أن كان سيتحدث لفت
انتباهه الذي استقام في وقوفه هناك ولم ينتبه لوجوده سابقا
لانشغاله فقال مبتسما
" آها قاسم هذا أنت هنا ! مؤكد لم تتناول عشائك بعد "
وتابع ينظر بطرف عينيه للتي كانت تشغل نفسها بلف ورق القصدير
فوق الصينية
" ابنة مطر شاهين قررت اليوم أن تطهو هي الطعام بما أنه
لا خادمات هنا حتى الغد "
وتابع أيضا حين لم يعلق أي منهما ونظره هذه المرة على الخضار
التي بدأ بجمعها في طبق مسطح قائلا بابتسامة
" تيما أتعلمي أن ابن عمة والديك هذا عدو لطعام المطاعم
والخادمات وهو يعيش في لندن ومن دون زوجة ولا شقيقة ؟
لست أعلم حقا كيف ستجد له جوزاء زوجة يتأقلم معها بطباعه
الغريبة هذه حتى أنه فوضوي ويحب كل شيء مرتبا ! "
اشتدت أصابعها على القصدير حتى كادت تمزقه تحتها ويتلف
نهائيا ورفعت نظرها ببطء جهة الباب ووقع فورا على عينيه
المحدقة فيها بصمت قد وترها حتى في هدوئهما الغريب هذا !
عادت بنظرها للأسفل واستمرت في اتباع نصائح معلمها الواقف
خلف الصورة والمدعو رعد طبعا قائلة بلامبالاة وإن كان قلبها
يحترق ألما
" مؤكد ستجد له واحدة مناسبة كما فعلت مع ابنيها "
وسحبت نفسا عميقا قبل أن تحرره ببطء ما أن سمعت خطواته
مغادرا والغريب أنه لم يتحدث ولم يعلق ولم يستغل الفرص لجرحها
كما فعل سابقا ، إن كان غضبه واستيائه لا تفهمهما ولا يمكنها
احتوائهما فكيف بهدوئه المريب هكذا ! هي حقا رمت نفسها
للهلاك بيديها .
وضعت الصينية في الفرن وجلست أمامه تنظر للفراغ بشرود
حزين ، إن كان هذا هو الحب فقد أوقعت نفسها في حفرة عميقة
سوداء مظلمة ومخيفة ... ألم تجد رجلا غيره في الوجود !
لما كان اختيارا قاسيا وقرارا مجحفا هكذا ؟
" هيييه تيما !! "
أجفلت فجأة ورفعت نظرها للذي قال مشيرا بيده لأعلى الفرن
" ستحترق شرائح اللحم في الأعلى فأنتي لم تقلبيها مطلقا "
قفزت حينها واقفة وقلبتهم بيدها مسرعة متجاهلة ألمها وكادت
تحرقهم فعلا بغبائها فهي انشغلت مع صينية لحم الدجاج مطمئنة
بأن النار كانت منخفضة تحتهم حتى نسيتهم تماما والسبب
ذاك الزائر الغريب طبعا ... لا بل غبائها هي وقلبها الأحمق .
قبضت أصابعها بقوة ودست يدها في خصرها بملامح متألمة
فهي لم تشعر بالألم فيهم هكذا إلا الآن ، توجه صقر نحوها قائلا
" ما بها يدك أرني إياها "
قالت متوجهة جهة البراد
" لا شيء عمي مجرد لسعة خفيفة وستذهب بالثلج "
وفتحت أحد بابيها ورفعت جسدها على رؤوس أصابعها وأنزلت
الآنية الزجاجية المليئة بالثلج ووضعت أطراف أصابعها فيه
تغمض عينيها بقوة وتنفست بارتياح ما أن شعرت بالألم قد زال
تماما وكررت ذلك عدة مرات تدخلهم وتخرجهم حتى شعرت
بها ستتجمد تراقب مبتسمة الذي بدأ بتوزيع السلطة في الصحن
وأخرج صحنا واسعا للأرز فأعادت الإناء مكانه وأغلقت باب
الثلاجة وتوجهت ناحية الفرن وتفقدت صينية الدجاج الزجاجية
من الخارج ثم أغلقته مجددا ووقفت على طولها وبدأت بوضع
شرائح اللحم الناضجة من المقلاة في طبق آخر وزينت حوافه
بشرائح الطماطم تستمع مبتسمة لحديث معاونها المسلي والذي
لم تحتج إلا أن تشاركه بالقليل من الكلمات حتى انتهيا تماما من
اعداد الأطباق وأخرجت صينية لحم الدجاج وتركتها له ليسكبه
في طبقه الخاص وخرجت متوجهة لغرفة الطعام وبدأت بترتيب
الأطباق على الطاولة فيها حسب عددهم ووزعت الملاعق والشوك
وكوؤس العصير فسمعت حركة ما خلفها قبل أن يمر جدها بقربها
وسحب كرسيا وجلس عليه قائلا
" ماذا أعددتما لنا ؟ أشك أننا سننام جياعا الليلة "
نظرت له مبتسمة بحنان فهو رغم تجهمه والضيق الذي لازال
واضحا على ملامحه لم يفقد روحه المرحة وتشتاق فعلا لجدها
الذي عرفته كل حياتها ولا يشبه هذا بتاتا بل نسخة عن الذي تركته
خلفها في المطبخ ، قالت مبتسمة وهي تضع له منديلا وكأسا أمامه
" أعددنا سلطة الأفوكادو وقطع السمك كاجون المقلي من أجلك
لأنك تحبها وشرائح اللحم الضأن المشوية من أجل والدي
وصينية الدجاج في الفرن وهو طبق عمي صقر المفضل
والارز بالبازلاء وكبد الدجاج من أجلي .. وبذلك نرضي
جميع الأذواق "
قال بابتسامة مائلة ينظر خلفها
" إذا لا شيء من أجل قاسم ...؟ أغاضبة منه أم ماذا ! "
تصلب جسدها تماما وقد شعرت حينها بحركة من كان يقف خلفها
ولم تشعر به ويبدوا بأنه دخل خلف جدها ولكنه فضل الوقوف
بعيدا ، ضمت يديها وقالت بصوت منخفض تنظر للأسفل
" لم أكن أعلم ما طبقه المفضل وهو لم يكن موجودا هنا "
وأغمضت عينيها متنهدة بقوة ما أن شعرت به يسحب الكرسي
قربها وجلس دون أن يقول شيئا ولا أن يعلق فغادرت من هناك
فورا قبل أن تحاصرها رائحته أكثر فهي باتت تخشى صمته
الغامض ذاك أكثر من كلماته الجارحة ، دخلت المطبخ وساعدت
صقر في أخذ أطباق الطعام وقد رفع هو صينية الدجاج بيد والأرز
بالإخرى لأنهما الأكبر والأثقل بينما حملت هي صينية السلطة
فهي خفيفة مهما كان حجمها وصينية شرائح اللحم في اليد الآخرى
وخرجا متوجهان هناك والتحقا بالبقية ، وضع صقر طبق لحم
الدجاج جهة كرسيه وجلس قائلا بابتسامة " طبعا كل واحد يأكل
من طبقه "
شخر دجى بسخرية بينما جاء التعليق من الذي خرج عن صمته
ولأول مرة قائلا ببرود
" وقل قاسم ينام من دون عشاء .. لما تتعب نفسك بكل ذلك ؟ "
فضحك من فوره قائلا
" ها هو خالك بجانبك كل السلطة معه "
قالت التي وضعت صينية الأرز وسط الطاولة
" الأرز للجميع إذا "
لحظة دخول الذي ألقى السلام هامسا بجمود فنظرت له مبتسمة
بحزن قبل أن تتوجه نحوه وقبلت كتفه قائلة
" مرحبا أبي "
فهي لم تراه اليوم لأنها غادرت لغرفتها وقت دخوله صباحا
ثم خرج ولم يرجع إلا الآن وها هو يبدوا مستاءً وأكثر من
جدها أيضا ، مسحت يده على رأسها وقال بشبه ابتسامة صغيرة
ناظرا لعينيها
" كيف أنتي يا تيما ؟ "
قالت مبتسمة بحنان
" بخير مادمت أنت بخير "
قبل جبينها وسار بها ذراعه على كتفيها حتى جلس وجلست
بقربه ونظرت فورا للذي ازدادت ملامحه عبوسا وتجهما وتنهدت
بأسى قبل أن تقول له مبتسمة
" جدي هل أسكب لك من الأرز ؟ "
رفع نظره لها قبل أن يرمق بطرف عينيه الجالس على يمينه
قائلا ببرود " ولحم الدجاج أيضا "
خرجت منها ضحكة صغيرة ووقفت ودارت ناحيته ورفعت طبقه
وغرفت له من الأرز ووضعته فيه وأضافت له قطعة لحم دجاج
كبيرة متجاهلة نظرات صقر التهديدية تمسك ضحكتها وقد وضعت
له الطبق أمامه فقال صقر متنهدا بضيق
" من أين لي بحفيدة تدللني "
فضحكت من فورها وتوجهت نحوه وحضنته من ظهره قائلة بابتسامة
" وأين ذهبت تيما ؟ "
قال ضاحكا يبعدها عنه
" أجل احتالي علي بألاعيبكن أنتن النساء "
قالت مبتسمة
" الحق علي "
ومدت يدها بعد تردد لطبق الجالس بجانبه لازال فارغا ورفعته
دون أن تسأله كي لا يرفض ويخجلها وسكبت له من الأرز أيضا
وقالت تشغل نفسها عن النظر له بما تفعل وهي تسأله
" أي أنواع اللحم تريد ؟ "
وبالكاد وصلها همسه حين قال
" بل وحده "
وضعت له طبقه أمامه وابتعدت فورا حامدة الله أن انتهت مهمتها
أخيرا ولم يبقى سوى والدها الذي قال قبل أن تسأله
" سأكتفي باللحم شكرا لك يا تيما "
فجلست مكانها على صوت صقر قائلا بابتسامة
" بعد عشاء الليلة إما أن يستغنوا عن الخادمات نهائيا يا تيما
وستكونين أوقعت نفسك في مشكلة حينها أو لن يسمح لك أحد
بدخول المطبخ مجددا "
ضحكت وقالت ترفع الملعقة لفمها
" من يسمعك يظن بأنني طهوت كل شيء وليس الارز فقط تقريبا "
ضحك وقال
" كنت أود اظهارك سيدة منزل ممتازة لكنك لا تستحقين "
وتابع ناظرا لها بمكر بينما وجه حديثه للجالس عند رأس الطاولة
" مطر بالله عليك زوجها لرجل لا يعترف بوجود الخادمات ليؤدبها "
نظرت له بصدمة وانطلقت ضحكته هو مرتفعة بينما كان التعليق
من دجى الذي قال ببرود
" أمامها من العمر الكثير لتتعلم قبل أن يزوجها "
فعم الصمت المكان فورا يعلم كل واحد منهم لما قال ذلك ومن المعني
بكلامه والذي لم يتأخر تعليقه أكثر من ذلك أيضا حين قال بجمود
ونظره على طبقه
" عليه أن يرضى بها كيفما هي وفي أي سن كانت "
لتصفع كلماته الجميع وأولهم التي وقع نظرها على جدها
والذي نظر لها فورا وبضيق فهمست له بشفتيها فقط وبرجاء حزين
" جدي أرجوك "
فتأفف وعاد لطعامه ولم يعلق ونظرت هي أيضا لطبقها بحزن وتجنبت
النظر ناحية الذي تعلم جيدا كيف قد يستغل الموقف ويذكرها مجددا
بأنها سبب شجارهما وكل هذا الجو المشحون ، قال صقر مبتسما
ومحاولا التغيير من ذاك الجو المضطرب ونظره على طبق الجالس
على يمينه
" قاسم ما علمته عنك سابقا أنك لا تفضل الأرز وأراك تجتهد في
تغيير عاداتك الآن ! "
فرفعت الجالسة أمامهم نظرها له فورا وغرست أسنانها في طرف
شفتها لا شعوريا تراقبه ونظره على طبقه والملعقة فيه وقد
تمتم ببرود
" قررت تغيير نمط حياتي ... أثمة مانع لديك ؟ "
ضحك صقر وقال
" لا بالطبع أنا فقط ظننتك تجنبت احراجها حين سكبته لك ،
الله أكبر عائلة لا يستطيع أحد قول شيء لأحدكم ... حمدا لله
أنه ثمة فتاة رقيقة جميلة ضمن أفرادها "
أنزلت نظرها حينها لطبقها وضربات قلبها ترتفع بشكل مخيف حتى
شعرت بأنهم يسمعونها جميعهم فها هو وللمرة الثانية يأكل شيئا
لا يحبه من أجلها ! لو أنها تفهم هذا الشاب وكيف يفكر ولو لمرة
واحدة ؟!
رفعت نظرها بالذي وقف مجيبا على هاتفه ومغادرا من هناك قائلا
" أجل يا رعد ماذا حدث معك ؟ "
وتبعته نظراتها المتوجسة وهو يبتعد قائلا بضيق
" ألمهم أنها فتحت الباب وخرحت إن كان السبب موعد رماح أم غيره
ولا تتركوها تسجن نفسها مجددا ، حذرتك سابقا من أن ..... "
واختفت كلماته مع اختفائه خلف الباب الذي أغلقه ورائه فنقلت
حينها نظراتها المتوجسة للذي وقف ورمى ملعقته بقوة وغادر
أيضا مستغفرا الله بصوت مسموع غاضب ولم يكن سوى جدها
وقد غادر ضاربا الباب وهو يفتحه وتركه بعده مفتوحا وما أن
همت بالوقوف خلفهما أوقفها صوت صقر الذي قال وهو يرفع
قطعة فخذ دجاج أخرى
" اجلسي وأنهي طعامك يا تيما فلن ينفعك أيا منهما حين ستنامين
جائعة ، ولا تقحمي نفسك في مشاكل ستجعلي من نفسك الطرف
الخاسر فيها لأن حلها ليس لديك "
نظرت له بعبوس هامسة
" كنت أود الاطمئنان إن كانت والدتي بخير فقط "
نظر لها من فوره وقال
" والنتيجة يا تيما ؟ عليك أن تتعلمي أن لا تتحدثي معها حين تكون
غاضبة من والدك ، اتركي مشاكلهما لهما ولا تقفي في صف أحدهما
ضد الآخر ولا بين جدك ووالدك حتى إن كان الموضوع يخصك "
نظرت لطبقها بحزن ولم تعلق فهي تراه على حق لأنها تصبح دائما
الطرف الثالث والمتضرر في أي مشكلة تحاول وإن إبداء الرأي فيها
ولم تقم يوما بحل إحداها أو المساعدة فيه ، حركت الملعقة في طبقها
ببطء وقد فقدت الشهية في أكل أي ملعقة أخرى منه رغم حبها الشديد
لهذا الطبق والوحيد الذي تتقنه تقريبا وهي لم تأكله منذ عودتهم هنا
وكانت تتوقع أن تأكل كل ذاك الطبق الكبير الممتلئ ، تود بالفعل أن
تذهب لجدها وتخفف قليلا من ضيقه لكنها تعلم جيدا بأن الأمر لن ينجح
وسيلقي باللوم عليها فيما يخص زواجها الذي كرهته من قبل أن يحدث
بسبب رفض الجميع له وتحميلها مسؤلية الصمت عن قراره نيابة عنها
، وتود أن تتصل بوالدتها لتطمئن إن كانت بخير وتخشى بل وتعلم بأن
النتيجة ستكون كسابقاتها ، كما أنها إن فكرت في الذهاب لوالدها وفهم
ما يجري منه فلن تخرج بشيء سوى عبارته الدائمة تلك
( لا تقحمي نفسك في مشاكلنا يا تيما )
والنتيجة سيتهمها الطرف الأخير في الحكاية بأنها شخصية
مهزوزة وأنها سبب مشاكل جميع المحيطين بها .
وضع صقر العظم من يده وقال رافعا يديه
" كنت أود أن نجد من نرمي عليه مهمة تنظيف المطبخ "
وتابع يرمق الجالس بجانبه بطرف عينه
" لكن يبدوا لي أن الأغلبية فروا من هنا أم أن كل واحد يغسل
أطباقه بنفسه يا ترى ؟ "
قال الذي وضع ملعقته في طبقه
" سأقوم أنا بذلك شرط أن تبتعد بإزعاجاتك عني "
وقف صقر من فوره قائلا بابتسامة
" وأنا موافق "
ونظر للتي كانت تنقل نظرها بينهما بصدمة ثم غمز لها وقال
" أخبرتك أن شجرة الزيتون يمكن الاعتماد عليها فهيا غادري قبل
أن يغير رأيه "
وغادر من هناك من فوره ونقلت هي نظراتها منه للذي وقف وقد بدأ
بجمع الاطباق قربه فوقفت أيضا وما أن رفعت طبقها قال وهو يغادر
بما جمعه منهم
" يمكنني القيام بذلك وحدي شكرا لك "
فنظرت له بعبوس حتى خرج ، الحق عليها كانت تريد مساعدته لكنه
ناكر للجميل ، ورغم أنه قال ذلك بنبرة عادية ليست تلك النبرة الباردة
ولا القاسية المعتادة منه إلا أنها شعرت بكلماته جرحتها فهو بشكل أو
بآخر رفض أن يكونا معا ، وما ستتوقع منه مثلا وهي من أعلنت
الحرب عليه اليوم مرارا .
حركت كتفيها بلامبالاة وغادرت من هناك وتوجهت لغرفتها فعليها
أن تستحم وتصلي العشاء .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 67 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 29-01-18 الساعة 10:51 PM
رد مع اقتباس
#6762
قديم 29-01-18, 09:24 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفع نظره أعلى السلالم وللتي نزلت منه ترتدي فستان أسود طويل من
قماش الكريب الياباني بحزام كريستالي ملتف حول خصرها النحيل ...
كان مميزا وأنيقا كباقي ملابسها فهي تعلم جيدا ماذا تنتقي وتختار ،
وقد لفت على شعرها حجاب حريري أسود ملفوف بأناقة وعناية
كعادتها كلما خرجت وكأنها تعطي لذاك اللون معنا جديدا ومختلفا
تماما . وقفت أمامه في الأسفل ونظرت جهة الممر الغربي وكتفت
ذراعيها لصدرها قائلة بضيق
" ألن يغير شقيقك رأيه ؟ "
نظر لوجهها وملامحها المتعبة الشاحبة وإن لم يكن فيها أثر
للبكاء وقال
" يبدوا علينا جميعا أن نغير رأينا "
نظرت له باستهجان فقال " غسق تبدين لي متعبة فلنعتذر منهم
ونؤجلها للغد "
قالت من فورها
" أنا بخير ولن نؤجل الأمر ولا لساعة أخرى فيجد شقيقك لنفسه
مخرجا جديدا "
قال بجدية
" غسق انظري لوجهك في المرآة ، أنتي ..... "
قاطعته بضيق
" رعد قلت أني بخير وأنا أدرى البشر بنفسي "
نظر لها بصمت ولم يعلق ففركت جبينها بأصابعها تنظر للأرض قبل أن
تنظر ليديها وتنهدت بعمق قائلة
" آسفة يا رعد لم أقصد أن أكون فضة معك هكذا فلا تخض معي في
الحديث عن ذلك أكثر أرجوك "
تنهد بضيق وقال مبتعدا عن الموضوع كما طلبت
" لا جدوى من المحاولة معه مجددا يا غسق لذلك علينا أن
نغادر الآن "
رفعت نظرها له وقالت بضيق
" وما حجتنا أمامهم يا رعد ؟ أيتعمد إحراجنا أم ماذا ؟ "
حرك كتفيه وقال
" سيقدرون وضعه بالتأكيد وسنخبرهم بوصايا الطبيب عن العناية
بصحته هذه الفترة تحديدا ، ثم ما تريدينه سيحدث فلما تهتمي بوجوده
من عدمه "
أبعدت نظرها عنه وقالت بجمود
" ليس ذاك ما أريده أنا يا رعد بل ما يريده شقيقك ويكابر وفيه
مصلحته قبل الجميع "
قال مدققا النظر على ملامحها
" أخشى أن نندم على هذا يوما يا غسق "
نقلت نظرها له مجددا وقالت بتصميم
" لن يحدث ذلك فجهينة تحبه وهو كذلك والجراح سيداويها القرب
يا رعد "
قال بجدية ناظرا لعينيها السوداء الواسعة
" أترضين أنتي أن نجبرك على العودة لزوجك لأنكما تحبان
بعضكما ولأن القرب سيداوي الجراح يا غسق ؟ "
نظرت له باستهجان قبل أن تلوح بيدها قائلة بضيق
" كم مرة سأقول توقفوا عن التمثيل بي فوضعي لا يشبه أيا منكم ،
ثم جهينة تسعى فعلا ليكونا معا وهي على استعداد لفعل أي شيء
من أجل أن يجتمعا مجددا "
تركها حتى أنهت كلامها وقال بهدوء
" ومطر شاهين أيضا على استعدا...... "
" رعععععد "
قاطعته بضيق فتأفف وقال
" حسنا وعمتي ألن تذهب معنا أيضا ؟ "
حركت رأسها بالنفي وقالت والضيق لم يغادر ملامحها بعد
" قالت بأنها متعبة قليلا ولست مطمئنة أبدا على صحتها فألم رأسها
بات ملازما لها تقريبا وأصبحت نائمة أغلب الوقت "
أوما موافقا وقال
" ظننت ارتفاع ضغط الدم والأدوية السبب لكن يبدوا معك حق
فما أن ننتقل لحوران سأعرضها على أخصائيين هناك لنطمئن
عليها "
أومأت بحسنا متنهدة بعمق وقالت
" لنغادر إذا فقد تأخرنا بما يكفي "
نظر لساعته ثم لها وقال
" ظننت أنه ثمة شخص آخر علينا أخذ رأيه إن أراد مرافقتنا
يا غسق ؟ "
نظرت له باستغراب وقالت
" شخص آخر ! "
قال من فوره
" أجل وعن آستريا أتحدث فهي فرد من عائلتنا الآن "
قالت باستغراب
" وهي بوضعها هذا يا رعد ! لن ترضى بالتأكيد "
دس يده في جيب بنطلون بذلته وقال
" أنا لم أقل تذهب معنا بل قلت نأخذ رأيها وثمة فرق كبير بينهما ،
وأرى أن يكون ذلك منك وليس مني "
نظرت له بصدمة لبرهة قبل أن تخرج منها ضحكة صغيرة تبعتها
أخرى وأخرى وقد امتزجت بسعال خفيف جعله يبتسم بداية الأمر
لرؤيته ضحكتها في هذا اليوم تحديدا قبل أن يمسك خصره بيديه
قائلا بضيق
" وما قلت يضحك سيدة غسق ؟ "
قالت مبتسمة ما أن هدأت نوبة سعالها تلك
" أخشى فقط أن نصبح جميعنا نعمل على راحة ثنانيتك تلك
عما قريب "
قال ببرود
" لا أستبعد ذلك أبدا "
لامست يدها ذراعه مبتسمة بسعادة من بين حزنها وتجهم ملامحها
على سعادته التي وجدها أخيرا وقالت
" معك حق وسأذهب لها فورا "
ثم غادرت من عنده وقد تبعها صوته قائلا
" غسق هي في الغرفة المجاورة لغرفتي "
فأومأت له بحسنا متابعة سيرها حتى وصلت باب الغرفة وطرقته
وسمعت فورا ذاك الصوت الأنثوي سامحا لها بالدخول ففتحت الباب
برفق ودخلت وقابلتها صاحبة تلك الابتسامة الجميلة التي استقبلتها بها
ورغم كل تلك الخدوش والكدمات في ذاك الوجه الدائري الممتلئ بشكل
أنثوي جميل ومميز وقد زادته تلك النقرة في ذقنها روعة فلم يؤثر
ذلك في جمالها الثناني المميز عن قبائل العرب بتاتا بل وتراها أجمل
مما تذكرها في الماضي فقد كانت وقتها أنحف وجسدها أقل إمتلاءا
من الآن وبهذا الشكل المتناسق المميز ، وحتى ملامحها تغيرت
بشكل جذري رغم أنها كانت تتمتع بجمال الثنانيات الرائع وقتها إلا
أنها الآن تبدوا مختلفة بشكل ملفت للنظر ! فصدقا هذا ما يقال عنه
تغيرات ما بعد سن المراهقة ، فإن كانت تلك المدعوة أنجوانة لازالت
كما تذكرها أجمل نساء ثنان فهذه قد أصبحت في المرتبة الثانية
بعدها بكل تأكيد .
نظرت للبجامة قرمزية اللون التي كانت ترتديها وقالت مبتسمة
" آستريا ما هذه ...؟ إنها واسعة عليك كثيرا ! "
نظرت تلك لنفسها ثم لها وقالت بعبوس
" رعد جلب لي اثنتان واحدة لم تغلق أزرارها على جسدي
وهذه كما تريها الآن ويبدوا أنه أراد أن يجلب الخياران المتوقعان
فأضاع مقاسي تماما ، فقط الملابس الداخلية أصاب فيها وكم حمدت
الله أنه أرسلهم مع الخادمة "
لم تستطع الواقفة أمامها امساك الضحكة الخفيفة التي تغلبت على
تجهم ملامحها المسيطر عليها من ساعات وقالت
" سأعطيك من ثيابي فيبدوا لي لا نختلف في الوزن كثيرا "
لوحت بيدها قائلة بابتسامة
" لا بالله عليك أريد المتسعة على جسدك قدر الامكان "
ابتسمت وقالت
" ملابسي جميعها تحت أمرك آستريا وثمة متاجر كثيرة هنا
في العمران يمكننا زيارتها قبل أن ننتقل للعاصمة وتشتري
ما تريدين "
أومأت لها مبتسمة وتابعت هي من فورها
" سنزور الليلة منزل عائلة شاكر عمران لخطبة ابنتهم لرماح
وجئت أسألك إن كنت تودين الذهاب معنا فأنت فرد من عائلتنا
الآن آستي "
نظرت لها بصدمة قائلة
" رماح شراع سيتزوج !! "
أومأت لها بنعم مبتسمة فقالت بلمحة حزن
" لا تصلنا جميع تفاصيل ما يحدث هناك في قرى ثنان لكن الجميع
يعلم ما حدث معه وحالته التي أصبح عليها وسعيدة حقا بأنه سيتزوج
ويجتاز عقبة كبيرة تدمر حياة الكثيرين في مثل حالته "
تنهدت الواقفة أمامها بأسى متمتمة
" أتمنى بالفعل أن يجتاز تلك العقبة وأن لا يدفن نفسه حيا بسببها "
نظرت لها باستغراب وقالت بحيرة
" لا أفهمك يا غسق ! هل الأمور تسير على ما يرام بالفعل ؟ "
تنهدت بعمق وقالت
" ما يطمئنني آستي أنه يحبها ومن أعوام طويلة وهي مثله وأكثر
منه وأتمنى أن يسعدا معا بالفعل "
ابتسمت وقالت
" إذا ثمة قصة حب قديمة بينهما ؟ "
ابتسمت أيضا قائلة
" أجل وأكثر تعقيدا وإثارة من قصتكما وسأحكيها لك في وقت لاحق ،
هذا إن لم يسبقني رعد بسردها لك طبعا "
نظرت للأسفل مبتسمة بحياء فقالت المقابلة لها
" ألن ترافقينا آستريا ؟ "
نظرت لها وقالت
" معذرة منك غسق ... اقدر فعلا هذه المكانة التي وضعتني فيها
سريعا هكذا وأتمنى بالفعل أن أكون معكم لكن مع حالتي هذه لا
أستطيع فما سيفكرون فيه ويقولونه عني وعنكم ؟ "
قالت من فورها
" هم أناس طيبون آستي ومتواضعون جدا ولن يحدث ما تفكرين
فيه أبدا وسأكون سعيدة إن لم أكن هناك وحدي "
ابتسمت لها وقالت
" أتمنى ذاك بالفعل يا غسق لكني لا أستطيع حقا بمظهري
المشوه هذا فأقل ما سيفكرون فيه أن شقيقك ضربني "
وتابعت بضحكة خفيفة
" وضاعت سمعة رعد شراع العطرة حينها "
لم تستطع امساك ضحكتها الخفيفة أيضا وقالت مغادرة
" إذا ليلة سعيدة آستي نامي باكرا فجسدك بحاجة للراحة ولفترة
طويلة وسأخبر الخادمة تحلب لك من ملابسي "
" غسق "
وصلها صوت ندائها باسمها قبل أن تخرج فوقفت والتفتت لها
تاركة مقبض الباب الذي كانت تمسكه لتغلق الباب خلفها وقالت
التي حدقت في عينيها السوداء الجميلة وبتوجس
" آخر ما توقعته أن أجدك هنا ... ظننت أنك في منزل الزعيم
ابن شاهين ؟ "
نظرت لها باستغراب فتابعت من فورها مبررة
" لا تعتبريه تطفلا مني يا غسق أو وقاحة فأنا منذ التقيتك في الماضي
وعرفت بعدها شقيقك رعد تعلقت بكم جميعكم وإن كنت لا أعرفكم
جيدا ، ومعرفتي وحبي العظيم لمطر شاهين ما جعلني أقول ما قلت
وسأقول "
ثم رطبت شفتيها بلسانها وتابعت تنظر لصاحبة تلك الملامح الفاتنة
والحسن العربي المتكامل والذي لم يشوهه ذاك الحزن العميق
" حين كنا في طريقنا إلى هنا هو لم يسألني بالفعل عما حدث معي
منذ وقعت رهينة في أيدي المتمردين وكانت عبارة واحدة تلك التي
قالها لي
( من يحب بالفعل يا آستريا عليه تقبل حبيبه كيفما كان وتفهم
أسبابه وإن لم يفصح عنها لأنه يثق به لهذا لن أسلمك لرعد
شراع إلا إن كان كذلك ولن آخذ رأيك في هذا )
وأنا اقتنعت فعلا بما قال وقتها ووافقته فيه وإن كان على حساب
مشاعري ، لست أعلم ما بينكما مفصلا ويحول بين رجوعكما كما
كنتما في السابق لكني موقنة تماما من أنه لن يقول لي كلاما لا يطبقه
على نفسه وأتمنى أن تكوني مثله يا غسق لأنه يستحق ، هو رجل
تفخر أي أنثى بأن.... "
" أنتي لا تعلمي عن الحقائق كاملة آستريا فلا يحق لك إذا الوقوف
في صفه ضدي فهو لم يطبق شعاراته أبدا "
ألجمتها عبارتها تلك وملامحها المشدودة بضيق وإن لم يظهر في
صوتها ويبدوا احتراما لها فقط فقالت مبررة من جديد
" أنا لم أقصد ذلك لكني فعلا أر..... "
فقاطعتها مجددا وبأدب كالمرة السابقة
" شكرا لك آستريا أنا أفهم ما تريدين قوله وإيصاله لي لكن الحقائق
القاسية لا يفهمها سوى من قاساها .. ومن يده في النار ليس كمن
يتألم معه فقط لأنه يراه يحترق ، ولمطر الرجل العظيم في أعين الجميع
هفوات وأخطاء أيضا قد لا يغفرها له أي شيء عندي "
وما أن أنهت عبارتها تلك خرجت مغلقة الباب خلفها ووقفت خارجه
وتنفست بعمق مغمضة عينيها قبل أن تتحرك من هناك متمتمة بضيق
" أقتلك يا غسق إن استسلمت لتلك الأفكار مجددا "
*
*
*
خرج من الحمام يجفف شعره بالمنشفة قبل أن يرميها على الكرسي
وجلس على حافة السرير ممررا أصابعه في شعره الرطب فلازال
يشعر بالإعياء في جسده بأكمله وتعبه البارحة لازال يؤثر عليه ومن
حسن حظه أنه ضغط زر قسم الاستقبال في هاتف الفندق وبذلك حين
لم يجب عليهم أرسلوا من صعد له فورا وفتحوا الباب ودخلوا له
وقاموا بالاجراءات اللازمة سريعا وتم جلب طبيب له في أسرع
وقت ممكن ففي مثل هذه الفنادق يتعاقدون مع أطباء خاصين
ومعروفين كما أنه وفي مثل وضعه وما حدث البارحة كان عليهم
التصرف سريعا من أجل أنفسهم قبله خاصة وأن ما أصابه كان سببه
حالة تسمم بسبب طعام معد بالكحول وخطأ في رقم الغرفة التي تم
إيصاله لها بل واستخدام كميات فوق المصرح بها صحيا لديهم
وتجاوز للقوانين نزولا عند رغبة نزيل تلك الغرفة طبعا لأنه ممن لا
يرد طلباتهم كي لا يخسروه كزبون دائم ومهم والنتيجة كانت أن دفع
هو ثمن تلك الخروقات والتدليل المفرط لبعض نزلائهم ، ولأن جسده
غير معتاد على تلك المشروبات الكحولية فكيف بتلك الكمية التي كادت
أن تفقده حياته إن زادت بنسبة قليلة في دمه وزاد عليها أنه تناول قبل
أن ينام نوعا من المضادات الحيوية له تفاعل عكسي معه مما زاد من
وضعه سوءا فيما بعد وها هو لازال يعاني تبعات أعراض ذاك السم ولم
يتخلص من الدوار والغثيان جيدا بعد ، وعليه طبعا أن يتكتم عن الأمر
لأن هذا الفندق من ضمن الفنادق المهمة والفاخرة التي تتعاقد معها
بلاده ولأن لهم سمعة يرفضون تشويهها أو سيحاربوه بكل تأكيد .
مسح وجهه بكفيه مستغفرا الله ونظر جانبا ورفع هاتفه وفتش فيه ...
مكالمتان من أبان وواحدة من والدته وأربع مكالمات من ابن عائلة
ضرار سلطان الذي اتصل به وقت وصوله صباح أمس و ..... غضن
جبينه ينظر باستغراب للرسالة التي وصلته البارحة أيضا ومن رقم لا
يعرفه وليس خارجيا بل من هذه البلاد ، فتح تلك الرسالة وقرأ أسطرها
باستغراب
( يقول أحد الحكماء : إن لم يكن بإمكانك أن تكون مهذبا مع الآخرين
فكن لبقا مع نفسك على الأقل . فافعل ذلك مع نفسك رجاءً وقل بأنك
ذهبت للحفل وأننا لم نتفق واحفظ كرامتي وعائلتي كما عائلتك
كنانة ) ........
نظر للإسم لوقت عاقدا حاجبيه قبل أن يعود لكلمات الرسالة ويقرأها
مجددا حين علم هوية مرسلها وتأفف نفسا طويلا ... ما هذه الوقحة
بحق الله ! كان يعلم بأنه وضع نفسه وغيره في موقف سيء لكن الأمر
كان خارجا عن ارادته وكان قد قرر فعلا اصلاح ذلك بل وزيارة منزل
تلك العائلة والاعتذار منهم لكن بعد رسالة ابنتهم هذه فلا يبدوا بأنه
سيبرر لأحد بل ها قد أعطتها له على طبق من فضة فهو بعد صباح
أمس بات مترددا بالفعل بخصوص زواجه من مجهولة الهوية تلك ولم
يكن أمامه من مناص أمامهم وأمام والدته والآن ها قد أعطته تلك
الوقحة مراده ، بل وقد فعل أكثر من ذلك وهو يرد عليها بمثيلتها
( أجل فأنت أعطيتني تبريرا جيدا لأقول بأني أرفض الزواج
من طويلة لسان .... ثم أنا أريد الارتباط بفتاة أخرى )
وأرسلها دون تردد أو تفكير ثم وقف ولبس قميصه بحركة عنيفة
غاضبة وسحب سترته وغادر الغرفة بل والفندق بأكمله ليتنفس
هواء منعشا مع هذا الصباح الباكر لعله يتخلص من هذا الشعور
الكريه بالغثيان .
*
*
*
فتحفت باب المنزل الخلفي وخرجت منه وسارت بخطوات بطيئة
جهة المقعد الحجري الطويل وجلست فوقه ورفعت قدميها أيضا
تنظر لهاتفها في حجرها وجربت الاتصال برعد مجددا وأجاب هذه
المرة برسالة وكان فيها فقط
( لست في المنزل يا تيما وسنتحدث فيما بعد .... إن اعتذر فلا
تقبلي اعتذاره اتفقنا ؟ )
عبست ملامحها الجميلة ووضعت الهاتف جانبا ونظرت جهة
أشجار الحديقة العالية وأوراقها المتراقصة بتناغم بطيء تحت
ضوء القمر وتنهدت بعمق فليس هذا ما تريد التحدث معه فيه بل
سؤاله عن والدتها فالكاسر لم يكن يعلم شيئا ولم يرى سوى ما
يريد هو أن يراه ، وكل ما علمته عنها منه أنها لحقت بوالدها
وتحدثا وقت ذهابه لهم ثم لا يعرف شيئا سوى أنها لم تخرج من
غرفتها إلا من وقت قريب وغادرت المنزل هي ورعد وليس يعلم
أين أيضا لأنه كان مختبئا عنها في غرفته ، ولم تستطع التحدث
معها حتى الآن تمنع نفسها بالقوة عن فعلها حتى الصباح على
الأقل ، حتى جدها وجدت غرفته مظلمة ويبدوا أنه نام منذ وقت
وحين مرت بقرب مكتب والدها كان يتحدث في الهاتف فهو منذ
غادر غرفة الطعام توجه هناك ولم يخرج حتى الآن وحين أخذت
له كوب الشاي كان على حالته تلك هاتفه على أذنه وحاسوبه
مفتوح أمامه والطاولة تحته مليئة بالأوراق وليست تعلم متى
سترحمه مسؤلياته تلك ليمارس حياته كأي رجل آخر ولا ينام
ويستيقظ همه وشغله الشاغل هو البلاد وما حدث وسيحدث
فيها !
ضمت ركبتيها وأرخت ذقنها عليهما وهامت بنظرها للفراغ ...
ليتها فقط تتوقف عن الحلم بعائلة مجتمعة كاملة وسعيدة
( والداها .. جدها .. عمها صقر ) جميعهم معا لا أحد منهم
غاضب من الآخر ولا مقاطعا له ففوق شبه انفصال والديها
وغضب والدتها من عمها صقر وعمتها جوزاء ها هما جدها
ووالدها علاقتهما تمر بمنحدر خطر جدا وإن استمر على ذاك
الحال والوضع ستنهار علاقتهما القديمة القوية بكل تأكيد ويخرج
جدها من هنا ويطالبها ووالدتها بالاختيار بينه وبين ابن شقيقه
وتعلم حينها ما سيكون اختيار والدتها ولن يكون جدها عاملا
مساعدا لجمعهما مجددا كما كانت تأمل بل ستتسع حينها تلك
الفجوة بينهما وللأبد وسيناصرها عليه ، هي لا تريد لوالدها
أن يبقى وحيدا وهذا ما ترى الجميع يسعى إليه وحتى هو نفسه
خصوصا حين سيقرر ابعادها عن هنا بتزويجها وسيبقى لوحده
في هذا المنزل الواسع لا رفيق له سوى الجدران الباردة والصمت
المميت وأصوات ذكرى من كانوا هنا ورحلوا عنه من دون
عودة .
مسحت بسرعة الدمعة التي عانقت رموشها وتصلب جسدها
تستمع للخطوات التي كانت تقترب من مكانها ببطء وتعالت
أنفاسها مع ضربات قلبها ولم تستطع ولا الإلتفات لتعلم من
يكون هذا الذي يعلم بأنها هنا ولم يخرج من باب المنزل
الخلفي الذي خرجت منه !
" لما تجلسين هنا وحدك يا تيما ؟ "
رفعت نظرها لصاحب ذاك الصوت الرجولي الوجس وتنفست
بارتياح وإن لم تظهره بشكل واضح أمام الواقف قربها يديه في
جيب بنطلونه الرياضي قبل أن تنزل به لهاتفها ورفعته ولوحت
به جهته فوق كتفها دون أن تنظر له متمتمة ببرود
" لما لا تلبسني تهمة جديدة ومختلفة هذه المرة ؟ "
وحين لم يصلها أي تعليق منه دست هاتفها في حجرها وضمت
ركبتيها مجددا ونظرت جانبا ولاذت بالصمت أيضا لعله يفهم بأن
وجوده هنا غير مرحب به ، أغمضت عينيها برفق حين وصلها
ذاك الصوت الرجولي المتزن
" أنا لم أتهمك بما تظنين يا تيما بل خشيت عليك من العمال
وحتى الحرس وأنتي هنا وفي هذا الوقت لوحدك ، والدك لديه
أعداء كما مناصرين يا ابنة مطر وقد يكونوا حولك ولا تعلمين "
نظرت لركبتيها وقالت بصوت منخفض
" أخبرني عمي صقر سابقا بأن والدتي كانت تحب الجلوس
هنا ليلا وأردت فقط أن أكون فيه لأني مشتاقة لها وقلقة بشأنها
ولا أستطيع الإطمئنان عليها ولا سماع صوتها "
لاذ بالصمت لوقت حتى ظنت بأنه لن يتحدث أبدا وسيكون ذلك
أفضل لكليهما فيبدوا أنهما لا يفلحان سوى في تجريح الواحد
منهما الآخر وسينتهي الأمر بشجار سخيف ككل مرة .
ارتجف جسدها لا إراديا حين شعرت بملمس أصابعه على
أصابعها وقد انحنى جهتها قليلا وامتدت يده ليدها وتحركت تلك
الأصابع الرجولية الطويلة فوق أصابعها قبل أن يمسكها مبعدا
لها عن ركبتيها ونظرها قد علق في وجهه بل على عينيه التي
كانت تحدق بعينيها قبل أن ينزل بنظره ليدها التي رفعها جهته
وقال ينظر لأصابعها الرقيقة في كفه
" أحرقت أصابعك ؟ "
فنظرت لها حينها وللّون الأحمر الواضح الذي كان يغطي
أطرافها البيضاء ولن يكون انتبه له الآن بالتأكيد ، مستحيل ...!!
سحبتها من يده في حركة سريعة وقبضت تلك الأنامل وخبأتها
في حضنها ونظرت للأسفل هامسة
" كان حرقا بسيطا ولم يعد يؤلمني "
وانكمشت على نفسها حين تحرك من مكانه خطوتين وجلس
على حافة الكرسي أمامها واتكأ بمرفقيه على ركبتيه ناظرا
للأرض فشعرت بضربات قلبها ترتفع بشكل جنوني وهي تنظر
لنصف وجهه المقابل لها .. لأنفه المستقيم ولحيته الخفيفة ..
لعينه ورموشه السوداء الكثيفة بلون حاجباه المستقيمان وشعره
الأسود الناعم وكان يلبس قميصا قطنيا بالكاد تغطي أكمامه
القصيرة نصف عضلات ذراعيه القوية ، أبعدت نظرها عنه
للأسفل تشتم نفسها فماذا إن كان منتبها لنظراتها المتفحصة له ؟ .
" أكان الأمر يستحق فعلا أن تحرقي يديك من أجله ؟
كان بإمكانكم طلب الطعام جاهزا "
رفعت نظرها له مجددا حين وصلتها تلك الكلمات وقالت بعبوس
" بلى يستحق حين يكون من أجل من أحب "
نظر لها هذه المرة ولازال على وضع جلوسه السابق وقال بضيق
محدقا في عينيها
" وأنتي دائما هكذا تؤذين نفسك من أجل الآخرين ولا مشكلة
لديك ؟ بل ومقتنعة تماما بما تفعلين ؟ "
لم تستطع التحكم في الدموع التي ملأت حدقتيها ولا الغصة التي
كانت ستفتت أضلعها لكتمها لها وتحركت لتغادر من هناك لولا يده
التي منعتها وقد وقف لوقوفها فورا وقال ناظرا لنصف وجهها
الذي تشيحه عنه
" متى ستتوقفين عن المغادرة غاضبة قبل أن ننهي حديثنا ككل
مرة ؟ "
سحبت يدها منه ونظرت له قائلة بضيق
" ولما سأبقى ؟ لأسمع سيلا آخر من عباراتك الموبخة لي ومن
أرائك السلبية في شخصيتي "
نظر لعينيها بصمت وتركيز قبل أن يتنفس بعمق مغمضا
عينيه لبرهة ثم قال بهدوء ناظرا لحدقتيها الزرقاء الواسعة
" أنا لم أقصد ما تظنينه بي يا تيما ولست هنا لأوبخك أو اعطي
أراءا في شخصيتك كما تعتقدين "
وتابع وقد أبعد نظره عنها للأرض
" أنا جئت لأعتذر عما قلت لا أن تكثر خلافاتنا أكثر "
زمت شفتيها تمسك ضحكتها وحمدت الله أنه لا ينظر لها وبأنه
أجبن من أن يواجهها وهو يقول ذلك بل ولم يكلف نفسه الاعتذار
بطريقة واضحة ومباشرة هذا المتلاعب ، وها قد حدث ما توقعه
رعد تماما لذلك سيكون عليها اتباع مخططه للنهاية ، حررت
شفتيها وقالت بجمود
" تعتذر عن ماذا مثلا فلم أفهم ؟ "
رفع نظره لها مجددا وتابعت هي دون أن تترك له مجالا ليعلق
أو يجيب
" تعتذر عما قلت في العمران أم صباحا وقت لقائي بجدي أم في
غرفته بعدها أم ما قلت الآن ؟ هل أنت حقا ستستطيع إلزام نفسك
بشروط الاعتذار التي من أهمها أن لا يتكرر ما حدث ؟
لا بالطبع لأن نظرتك لي لن تتغير ورأيك بي سيبقى سيئا دائما
وستخرق بنفسك الهدنة التي تقترحها في كل مرة لأنك لا تستطيع
نسيان ما حدث ولا أن تثق بصدق يميني وأنا أكرر في كل مرة
بأني كنت مجبرة وأنها كانت المرة الأولى وستكون الأخيرة لذلك
لن يجدي اعتذارك في شيء وسيكون أفضل لكلينا أن لا نتحدث
عنه مجددا أيضا وسنكتفي بأن نكون عدوين فقط "
وما أن أنهت عبارتها تلك غادرت من هناك بخطوات سريعة
ودخلت مغلقة الباب خلفها بقوة وركضت حينها مسرعة ولم
تتوقف إلا وهي في غرفتها تقف على بابها ويدها على قلبها
الذي كان ينبض بجنون وجل ما تخشاه أن توقع نفسها في
مشكلة جديدة وأكبر من سابقاتها وهي ترفض اعتذاره هكذا .
انتفض جسدها قافزة بعيدا عن الباب ما أن طرقه أحدهم من
الخارج فابتعدت عنه متراجعة للخلف تنظر له بتوجس ولم تجب
تدعوا في سرها بأن يكون والدها أو عمها صقر أو حتى جدها ولا
يكون ذاك الذي تركته خلفها بعدما أعلنتها حربا صريحة معه ،
تكرر الطرق مجددا فرفعت يدها لشفتيها وقضمت أظافرها بتوتر
وقلبها تشعر به سيخرج من مكانه فهذا هو بكل تأكيد لحق بها
وها قد حانت نهايتك المحتمة يا تيما ... فكرت حتى في أن تدخل
الحمام وتغلقه على نفسها إلى أن يغادر أو أن تتجاهله فهو لن
يستطيع الدخول دون إذنها في جميع الأحوال لكنها بذلك ستظهر
بمظهر الجبانة والمنافي تماما للدور الذي تقمصته منذ قليل
وهو يعلم جيدا بأنها تسمع طرق الباب وتعلم بأنه هو .
شدت أكمام بيجامتها الطويلة بتوتر واقتربت من الباب ببطء
متمتمة بعبوس
" كله بسببك يا رعد ... لو ترتكتني قبلت اعتذاره لكان
أفضل لكلينا ؟ "
مدت أصابعها لمقبضه بتردد حتى أمسكته وأدارته بحركه بطيئة
وما أن فتحت الباب قليلا شهقت بصدمة لاندفاعه ناحيتها وتلك
اليد التي امتدت ليدها وقد سحبها منها للخارج الذي همس من
بين أسنانه
" كم مرة قلت لا تهربي قبل أن ينتهي حديثنا "
ووجدت نفسها خلال جزء من الثانية ملتصقة بجدار الغرفة
بجانب الباب وذاك الوجه أمامها مباشرة فهمست تنظر لعينيه
الغاضبتان بتوجس
" لا حديث بيننا فاتركني وشأني وابتعد قبل أن يرانا والدي "
سند يده بجانب رأسها على الجدار والأخرى لازال يمسك بها
رسغها وقال بقسوة محدقا في عينيها
" أريد أن أفهم من منا المخطئ الآن يا ابنة مطر ومن عليه
الاعتذار ؟ "
تنفست بعمق مغمضة عينيها تردد في داخلها دون توقف
( ساعدني يا رعد .. ساعدني يا رعد ... لا .. لا .. ساعدني يا
رب .. ساعدني أرجوك )
فعليها أن تواصل الدور دون تراجع فهي تريد رؤية النتائج
التي تحدث عنها رعد ولا يمكنها العودة لنقطة البداية الآن ،
فتحت عينيها ونظرت لعينيه وقالت متشهدة على نفسها
" لا أحد منا يلزمه الاعتذار من الآخر ولا الغضب أيضا فأنت
ستتزوج ممن تليق بك وبدون ماض متسخ طبعا وأنا ممن
لا يعلم عن ماضيا السيء ذاك شيئا ولا يحق لأحد... "
قاطعها نافضا رأسه بحدة
" توقفي عن ذكر ذاك البائس أمامي "
نظرت له بصدمة اجتازتها سريعا وبأعجوبة وقالت بضيق
متجاهلة ضربات قلبها الصاخبة
" لا تقل عنه بائس فهو سيصبح زو.... "
" تيماااااا "
صرخته الغاضبة الآمرة تلك أخرستها تماما تنظر له بخوف
فتأفف وأنزل رأسه للأسفل ممررا أصابعه في شعره ونظر لها
وقال وأنفاسة القوية تخرج بالتعاقب
" هل تحدث معك والدك عنه ؟ هل قال اسما معينا ؟ "
قالت من فورها
" ولما تريد معر.... "
قاطعها بحدة وأمر مجددا
" تيما أجيبي "
زمت شفتيها بحنق قبل أن تقول بضيق
" لا .. لكنه سيفعل بالتأكيد "
أبعد حينها يده وابتعد عنها وغادر من هناك بخطوات واسعة
غاضبة ولم يزد على ما قال حرفا آخر فدخلت غرفتها وأغلقت
الباب خلفها تهف بيدها على وجهها وتنفخ الهواء من بين
شفتيها فقد شعرت بمساماته تحترق جميعها ، توجهت ناحية
سريرها ورفعت هاتفها فعليها الاتصال بمخططها الحربي مجددا
فعليه أن يخبرها ما ستكون الخطوة القادمة قبل أن تلتقيه مجددا
وتنهار جميع مخططاته هذه المرة لأنها لن تصمد طويلا على
هذا الحال .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 73 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 29-01-18 الساعة 10:46 PM
رد مع اقتباس
#6763
قديم 29-01-18, 09:26 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
وقفت ملتصقة بباب المنزل الخلفي تراقب حدقتاها الخضراء
الدامعة الذي كان يربط الحبال حول الأغراض المكومة في
الشاحنة المرتفعة بعدما أصبح المنزل خاليا تماما من كل ما فيه
ليغادروه خلسة وفي الليل كما اللصوص بل وكمن يريد ارتكاب
جريمة لا يشهد عليها أحد رغم أن ضوء النهار سيعري ما فعل
وبالدليل القاطع ، لكن من سيهتم في الغد ؟ لا أحد طبعا وذاك ما
يعلماه جيدا وموقنان منه .
انسابت تلك الدموع الحارة على وجنتيها الواحدة تتبعها الأخرى
وهي تراه يضع ابنيه في الشاحنة أيضا ثم ساعد زوجته لتركبها
وبعدها التفت ناحيتها ونظر لها بملامح جامدة كالصخر قبل أن
يسير باتجاهها وأمسك برسغ يدها وسحبها منه فابتسمت من بين
دموعها ضنا منها أنه أشفق على حالها أخيرا وسيأخذها معهم
وإن بوضعها فوق أغراضهم المكومة في الخلف لكنه أدارها بقوة
لتصبح مقابلة له ودفع جسدها بقوة أكبر حتى أصبح حديد تلك
الشاحنة منغرسا في ظهرها وقال من بين أسنانه متجاهلا
ملامحها المتألمة
" أمامك خيارين فقط تختارين واحد منهما ... إما أن نخرج بك
معنا من هنا وتنتهي رحلتك عند طرق حفار وتنزلي هناك ..
تأكلك السباع تأكلك الوحوش تموتي جوعا وعطشا يجدك أحدهم
ويفعل بك ما يشاء وإن قتلك لا يهم عندي ، أو أن تبقي هنا في
هذه المدينة لكن خارح هذا المنزل طبعا فمالكه الجديد سيكون
هنا صباحا .... اختاري هيا ؟ "
فتحت عيناها المغرورقة بالدموع ونظرت له برجاء قائلة بعبرة
" أنت تتركني للشارع وللوحوش في كلا الحالتي يا جسار ،
لا تفعل هذا بي يا شقيقي أرجوك "
دفعها على ذاك الحديد القاسي المؤلم مجددا وقال بغضب
" لست شقيقك ولا تقولي هذه الكلمة مجددا ، أنتي لست شقيقتي
بل ابنة الإرلندية وذاك الخائن ... أنتي ابنة زنا لا أتشرف بأن
تنسب لي "
قالت بذات بكائها
" لكن والدتي أرضعتك وأنا .... "
صرخ رافعا يده أمام وجهها يهددها بضربها
" أصمتي ... قلت بأنك لست شقيقتي وذاك الحليب لا أعترف به
أتفهمين هذا ؟ واختاري الآن أي المصيرين تريدين بسرعة "
قالت بصوت مرتجف باكي
" لكنك قلت ثلاث أشهر وهي لم تنقضي بعد ... أمهلني حتى
أبحث عن شقيقي هازار وأجده أو يرجع مجددا أرجوك ...
أرجوك يا جسار لا تتركني لظلم البشر فلا أحد سيرحمني "
أبعدها عن الشاحنة ودفعها على الأرض بقوة صارخا
" وما سبب ما نحن فيه سوى شقيقك هازار ذاك ؟
هو سبب نبذ عائلتنا وقبيلتنا والجميع لنا ، ثم والدتك وما فعلته
مع زوج عمتي وابن عم والدي ليتركاك وصمة عار ملتصقة بي
وحدي عليا تحمل رؤيتها كل يوم ولعنتها لآخر العمر ، أريد أن
أهرب من التصاق سمعتك بي فكيف آخذك معي حيث سأكون ؟
أنت وشقيقك سبب تركنا لهذا المكان فتحملي لوحدك نتائج
ما فعلاه والدتك وشقيقك يكفيني كل هذا "
وتوجه نحو الشاحنة بعدها وركبها مغلقا الباب خلفه وخرج
بها من المنزل متجاهلا التي تسقي تراب الأرض بدموعها
وبكائها ، ولم تنتهي مهمته هناك فقد عاد نحوها مجددا
وأمسكها من ثيابها يجرها على الأرض باكية حتى أخرجها
خارج سور المنزل أيضا ورماها خارجه فهرعت زاحفة نحوه
وتمسكت بساقيه قائلة بنحيب
" لا تتركني للشارع يا جسار أرجوك لا تتركني لعائلة غيلوان
وحيدة فهم لن يرحموني ولن يتركوا أحدا يرحمني ، سأعيش
خادمة لكم ما حييت فقط لا تتركوني هنا أرجوك "
نفضها مبعدا لها يرفسها بقدمه بقسوة وتوجه نحو باب المنزل
الكبير وأغلقه وصعد تلك الشاحنة مجددا وغادروا من هناك
متجاهلين التي كانت تتبع شاحنتهم تضرب بقبضتها على بابها
تترجاهم باكية أن لا يتركوها حيث تعلم كيف سيكون مصيرها فلا
عائلة غيلوان سيقبلوا بها وينتشلوها من الشارع ولا أحد غيرهم
في تلك القرى سيفعلها فالجميع يخشاهم ويعلمون أي انتقام ينتظر
من يخالف أوامرهم أو يتحداهم .
ولأنهم خرجوا من الباب الذي كان يتوسط سور المنزل الخلفي
حيث الأراضي الزراعية الممتدة بطول النظر لم يشعر أحد
بجرمهم ذاك ولم يصل صوت بكائها ونحيبها وندائها الكسير
لأحد .. وحتى إن حدث ذلك فما من مجيب لها وهي لعنة عائلة
غيلوان كما يسميها الجميع هناك .. ومن هذا الذي يقترب من
لعنة ما ؟ خاصة إن كان حارسها الشر المدفون في قلوب
الغيلوان وللأبد .
*
*
*
نصب ركبته وأراح ساعده عليها ضاحكا يجلس فوق سريره
وقال وهاتفه على أذنه
" قولي قسما حدث ذلك ؟ "
وصله ذاك الصوت الرقيق الحانق فورا
" قسما حدث وقسما أني أوديت بنفسي للهلاك بسبك هذه
المرة يا رعد "
ضحك مجددا ونظره على باب غرفته الذي فتح ببطء وللتي
وقفت أمامه تنظر له بابتسامة سرعان ما ماتت وتحولت
نظرتها للاستغراب ما أن قال
" لا تكوني جبانة هكذا يا جميلة فمن يحب عليه أن يغامر
دائما "
وابتسم يمسك ضحكته بأسنانه ونظره على ذاك الجسد الملتف
في بيجامة حريرية سوداء يستمع لمن في الطرف الآخر والتي
قالت بضيق
" توقف عن قول هذه الكلمة وجد لي حلا الآن كما عقدتها "
فضحك هذه المرة وليس على ما قالت بل على ملامح الواقفة
هناك تنظر له بخيبة أمل وحزن وقال لمن في الطرف الآخر
متعمدا
" لما تنكرين بأنك واقعة في حبي حتى أذنيك ؟ "
وقفز من السرير مبتسما ليلحق التي كانت ستركض مغادرة على
ذاك الصوت الأنثوي الرقيق الحانق عند أذنه
" رعد هذا ليس وقت مزاحك السخيف "
أمسك برسغ التي أدركها على الوقت تماما وقد سحبها لداخل
الغرفة مرغمة قائلا
" ما رأيك في التحدث مع آستريا الآن يا دمية آل الشاهين
الجميلة "
وصله صوتها المتحمس فورا
" حقا أتحدث معها !! "
قال مبتسما ونظره على التي اختلطت نظراتها الحانقة بالاستغراب
" أجل فها هي بقربي الآن وسأضع الهاتف على أذنها "
وفعل ذلك فورا وأدخله من تحت شعرها البني الكثيف المموج
ليضعه على أذنها وقد أدار يده الأخرى حول خصرها لافا ذراعه
حوله متجاهلا نظراتها الحانقة وقد وصلها ذاك الصوت الأنثوي
بالغ الرقة سريعا
" مرحبا آستريا أنا سعيدة حقا بالتحدث إليك ومتشوقة جدا
لرؤيتك "
نظرت حدقتاها العسليتان للواقف قربها باستغراب ودفعت وجهه
بيدها ما أن حاول تقبيل خدها ضاحكا وقالت
" من أنتي ؟ "
فوصلها ذات ذاك الصوت ومستغربا هذه المرة
" ألم يخبرك ذاك الأحمق ؟ أنا تيما ابنة شقيقته غسق "
ارتفع حاجباها المحددان بإتقان وقالت بدهشة
" أنتي ابنة مطر شاهين !! "
ونقلت نظراتها الحانقة المتوعدة بالذي كان يضحك بصمت على
ذاك الصوت الأنثوي الباسم قائلا
" أجل أنا هي ابنة مطر وغسق "
فغرست أسنانها في شفتها تحول منع شهقتها من الخروج بسبب
الذي لف ذراعيه حولها وانهالت قبلاته المتتالية على شعرها
وعنقها وخدها وحاولت دفعه عنها هامسة بصعوبة تمسك
ضحكتها
" رعد ابتعد .... ابتعد قلت لك "
ليصلها ذاك الصوت الباسم فورا
" آمممم نتحدث غدا آستريا وداعا الآن "
وانقطع الاتصال معها فأبعدت الهاتف عن أذنها محاولة الفكاك
من الذي أدارها جهته لكنها خلصت نفسها منه بسهولة وتراجعت
جهة الباب قائلة بضيق
" لا تقترب مني لأني غاضبة منك "
اقترب منها فتراجعت للخلف أكثر فقال مبتسما
" ولما أتيت إذا لغرفتي في هذا الوقت يا غاضبة مني ؟ "
أدارت حدقتيها في المكان وقالت بعد تفكير
" جئت أريد سؤالك عن أمر ما "
اقترب منها بخطوة واسعة مادا يده ليمسكها قائلا بابتسامة
" تعالي لأجيبك عنه إذا "
ففرت هاربة منه ضاحكة ودخلت الغرفة المجاورة لغرفته مجددا
وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح ووقفت عليه واتكأت عليه برأسها
للأعلى تمسك ضحكتها بأسنانها ما أن طرق الباب ووصلها صوته
" آستريا افتحي الباب "
قالت من فورها
" لن أفتحه وأنا مع الاتفاق بينك وبين شقيقتك "
وصلها صوته الباسم
" افتحي الباب هيا ولنرى إن كنت على الاتفاق أم لا "
قالت ضاحكة
" لاااااا "
وأغمضت عينيها مبتسمة ما أن شعرت بذاك الشيء الصلب الذي
يتحرك على الباب خلف ظهرها ويبدوا مفتاحا أو قطعة نقدية يخط
بها عليه من الخارج وفهمت ذاك الرسم فورا والذي كان لقلب
يخط تفاصيله ببطء قائلا بصوت منخفض
" أحبك آستريا ... وانتظرتك أربعة عشر عاما بأيامها ولياليها
ولن يضرني القليل بعد "
وما أن سمعت خطواته مغادرا فتحت الباب ببطء وخرجت من
الغرفة ونظرت لباب غرفته المفتوح مبتسمة تغرس أسنانها في
طرف شفتها واقتربت منه بخطوات بطيئة ووقفت أمامه تنظر
للذي عاد للجلوس فوق السرير ويبدوا بأنه ينتظرها ويعلم بأنها
ستفعلها وتأتي فابتسم فورا ومد يده لها هامسا
" تعالي يا ثنانية رعد "
فركضت نحوه فورا وارتمت في حضنه واستقبلها هو قائلا
بضحكة
" لا تقفزي عليا هكذا مجددا فوزنك لم يعد كالماضي إن لم
تلاحضي "
ضحكت وحضنته بقوة قائلة
" كاذب فهو لم يزد عن السابق بالقدر الذي تصوره "
قلبها لتصبح تحته وقال مبتسما وناظرا لعينيها
" تغيرت كثيرا آستي عن الصورة التي احتفظت بها لك
في قلبي "
مررت أصابعها خلال شعره وقالت مبتسمة تنظر لعينيه
" إنها أربعة عشر عاما يا رعد إن كنت لا تعلم "
وتابعت متمتمة بعبوس
" وأنت السبب طبعا انتظرتك حتى أصبحت عجوزا "
ضحك ودفن وجهه في عنقها وقبله هامسا
" عجوز !! كل هذه عجوز ! أقسم أنك أجمل من السابق بكثير
ولست أتصور كيف ستكونين حين تختفي كل هذه الخدوش "
وابتعد عنها ونظر لعينيها مجددا قائلا بابتسامة
" أنا من انتظرك حتى شاب شعر رأسه وستناديه بالعجوز
قريبا "
ابتسمت ومررت أصابعها خلال شعر صدغه الذي تخللته شعرات
بيضاء خفيفة متفرقة وتحركت أصابعها وصولا لقفى عنقه وشدته
ناحيتها وقبلت مكان تلك الشعرات البيضاء وحضنته هامسة
بحزن
" كنت ستكون في نظري رعد الذي عرفته سابقا وإن كان لون
هذا الشعر أبيضا بأكمله "
قبل خصلات شعرها وخدها هامسا بحنان
" اشتقت لك آستريا ولم يدمرني شيء كاشتياقي لك "
تمسكت به بقوة هامسة بعينان دامعة تنظر لسقف الغرق
المزخرف
" لن يفرقنا شيء يا رعد .. لن أبتعد عنك مجددا ولا وعود
بالانتظار ولا ليوم واحد "
ابتعد عنها ونظر لعينيها قائلا بابتسامة مشاكسة
" وهل أنتي على استعداد لمواجهة غضب غسق منا صباحا ؟ "
ابتسمت بحياء قائلة
" أغلق باب الغرفة أولا كي لا ترانا من الآن "
ضحك وقال
" ولن تهربي مني وستستمرين شجاعة هكذا ؟ "
عضت طرف شفتها وتعلقت بعنقه مجددا ودفنت وجهها
فيه هامسة
" مما سأخاف مثلا فأنا لم أفقد ذاكرتي بعد "
ضحك ودفن وجهه في شعرها هامسا
" أجل كيف نسيت بأنه كان على زوجتي أن تستاء لأنها ليست
أول امرأة تراني عاريا "
*
*
*
تسلل من خلف جدار غرفته للأرض الفسيحة أمامه ضربات
قلبه تتعالى مع صوت الأغصان المتكسرة تحت حذائه الجلدي
يشعر بأن الجميع يسمعونها وفي كل مكان .. لا يعلم بسبب
وضوح صوتها في سكون الليل أم أن حاسة السمع لديه فاقت
حدود المعقول أو أن خوفه السبب ! وكيف لا يخاف وهو وسط
سادة عائلة وقبيلة غيلوان من لا يأمن حتى للجدران في غرفهم ؟
بل وحتى سكون الليل يشعر بأنه أحد معاونيهم فهو منذ عرف
هذه العائلة عرف العجب العجاب مما سمع ورأى ، هذا كله ولم
يكتشف بعد أسرارهم المدفونة التي لا يتحدثون عنها ولا أمامه
ولا أمام أنفسهم حتى ، يراها في أعينهم فقط لا يستأمنون أحدا
عليها ... أي أحد ، فقط أسماء أماكن مبهمة ورموز يفهمونها
وحدهم يتبادلونها بينهم ثم يخرجون تباعا ويختفون ثم ماذا ...؟
لا يعلم ولم يفهم يوما ولم يستطع المجازفة أبدا خوفا على حياته
وهذا ما هو مأمور به ( سلامتك أولا وقبل كل شيء يا إسحاق )
لكن الأمر طال .. طال كثيرا وطال فوق احتماله فقد تعب ... تعب
ومن أمر واحد فقط وهو فراق شقيقته فقد اعتاد كل شيء في
حاضره إلا عدم وجودها فيه ، اعتاد العيش هنا خادما لهؤلاء
الناس الذين عرفهم منذ ولد .. اعتاد أن يسمع ولا يتحدث قبل
حتى أن يفقد صوته .. اعتاد أن يتأقلم مع ذكريات ماضيه التى
تستنزف منه كل شيء .. اعتاد أن ينام ليلا ويحلم بكل تلك
الكوابيس حتى باتت جزءا منه وباتت صورة ذاك الرجل وجها
آخر من وجوهه وهو يراه كل ليلة يتهاوى أمامه وحربة الصيد
منغرسة في صدره جهة قلبه يمد يده لوجهه المذعور قبل أن
يسقط أمامه جثة هامدة .. كل ذاك الجبروت والقسوة والقوة
يتهاوى أمام فتى في العاشرة فقط من عمره لم يعرفه سوى
من أقل من عامين .
أغمض عينيه بقوة وتقاطرت دموعه منها دون شعور يتذكر
تلك القطعة من قلبه مرمية في زاوية الغرفة لا حول لها ولا قوة
بسببه ... بسبب ذاك الرجل وبعد ليلة قاسية شاهدا فيها حتى
والدتهما تحترق أمامهما ومنعها بالقوة عن الذهاب لها والاحتراق
معها لأن الأوان قد فات .. فات على كل شيء .. حتى على أن
ينقذهما كليهما ، لم يندم يوما على قتله لذاك الرجل وإن عاد به
الزمن للوراء لفعلها مجددا بل وبطريقة أبشع هذه المرة لعله
ينسى كل ما حدث ورأته عيناه .. بل لعله ينسي شقيقته ما يجزم
بأنه ليس لأي شخص في الوجود أن ينسيها إياه .. ولا أيا كان .
شد قبضتيه بقوة وعزمه على ما يريد فعله يزداد فبما أن شعيب
ونوح تبادلا بعضا من تلك الرموز المبهمة اليوم فثمة ما سيحدث
هنا الليلة وهذا ما هو موقن منه وعليه معرفته ، عليه فك لغز
من ألغازهم تلك فحتى متى سيصبر وينتظر ويكون حذرا ؟ حتى
ينتهي عمره وتنتهي شقيقته حية ؟
تسلل ببطء من بين الأشجار حيث أضواء السيارات الذي زاد
من شكوكه فهو سمع هذا الصوت سابقا .. ليس كثيرا وليس
دائما لكنه استفاق من نومه عليه سابقا ولكن خوفه منعه من أن
يخرج ويرى ما يحدث ، اقترب حتى بات يرى السيارتان بوضوح
لكن من الثلاثة الواقفين بينهما ؟ شعيب ...! ذاك هو بالتأكيد
شعره يتحرك مع الريح متأكد منه وجسد الآخر وكأنه نوح حتى
المعطف الربيعي الخفيف يشبه معطفه وإن لم يتأكد منه ... أما
الثالث !! فهذا هو ما عليه معرفته ومن هذا الذي يزورهم
ليلا ويرمزون له بدون اسم وما الأمكنة التي يربطونها به ؟
نظر عاليا للقمر المكتمل بأسى فلم يتمنى اختفائه كما الليلة
لأنه لن يكون ساترا له أبدا ، أغمض عينيه برفق وهمس في
قلبه برجاء حزين ( يا رب ساعدني ... يا رب حررني من
سواد الماضي ليتوقف عن قتلي )
أنزل رأسه ومسح عيناه بقوة وتحرك نحوهم ببطء وعزيمة
فإما أن يقتلهم بكشفه لهم وإما أن يقتلوه ويلحقوه بضحاياهم
ويرتاح ، وصل لأقرب شجرة لهم وأختبأ خلفها موليا ظهره لهم
يتلقف أنفاسه ليس بسبب شيء سوى الخوف المتفجر في قلبه
فأن يتجرأ على فعلها ليس بالأمر الهين وأن يمسكوا به معناه
الموت ولا شيء غير الموت ولايعلم عنه أحد ولا دليل خلفهم
ككل مرة بالطبع .
أدار وجهه فقط وببطء ليرى الشخص المقابل له فقط ولا يروه
ثلاثتهم لأن شعيب ونوح كانا يوليان ظهورهم له أما .....
غضن جبينه ينظر باستغراب للواقف مقابلا لهما لأنه كان متلثما
بعمامة سوداء لايظهر منها شيء سوى عيناه ! ركز النظر
عليه فيجب أن لا يضيع الفرصة ، شتم حضه والواقفين هناك
وكل شيء حوله لأنه لم يستفد شيئا فذاك الملثم لا يظهر منه
شيء فحتى عيناه ضللت عليهما العمامة وأصواتهم لا يمكنه
سماعها مع أصوات هدير السيارات ، ورغم ذلك لم يغادر
وبقي واقفا مكانه يسرق النظر لهم كل حين حتى حدث ما كان
يأمله ويراه حلما بعيد المنال وأصواتهم ترتفع ويبدوا أن الحلفاء
تشاجروا فاستدار من شدة حماسه حين أمسكت يد شعيب بياقة
ذاك الملثم وبدأ نوح في محولة فكه منه وتعالى الصراخ
الرجولي الغاضب وتداخل ولم يفهم سوى عبارة واحدة جعلته
يتجمد مكانه ( توقف يا شعيب هل ستفعل ما لم يفعله دجى
الحالك في الماضي ؟ )
التصق بجذع الشجرة بجانب كتفه ونظره لازال هناك وأنفاسه
تسابق ضربات قلبه المندفعه بجنون ينتظر تلك اللحظة ...
اللحظة التي يكشف فيها ذاك الملثم عن وجهه فإن لم يفعلها
الآن فلن يفعلها أبدا بعد كل هذا الشجار .. وليعرف ما صلته
بدجى الحالك ولما ذكروه هو تحديدا ، انفتحت عيناه على اتساعها
وتوقف قلبه عن العمل تماما وهو ينظر للذي رفع يده أخيرا لتلك
العمامة وأنزلها عن فمه وذقنه بحركة عنيفة كاشفا وجهه وهو
يصرخ بالواقف أمامه مشيرا له بسبابته بصوت ارتفع فوق
صوت سيارتيهما " أنت يا شعيب من يفعل ذلك في كل مرة
وعليا تحمل النتائج لأني الشخص ال..... "
توقفت كلماته كما تيبس أصبعه مكانه وهو ينظر عاقدا
حاجبيه جهة الذي كان يقف خلف ذاك الجذع ينتفض جزعا
يهمس بعينان شاخصتان ذعرا
" أأأ ...... أأنت مممم.... "
قبل أن يطلق ساقيه للريح ما أن قفز ذاك ناحيته صارخا
" الجاسووووس "
ليدرك الذي هرب من هناك راكضا وقد علم أنها نهايته وأن
ركضه ذاك لن ينتهي به سوى بالدوران كالنمر المسجون وسط
أملاك غيلوان وكأنه يركض في دائرة مغلقة لا مخرج منها
ليهرب من المجهول للمجهول ومن الموت للموت ودموعه تنزل
من عينيه دون توقف وهو يعلم جيدا بأنه لا مفر له منهم مهما
ابتعد فاختار طريقا منحرفا وتوجه للمكان الوحيد الذي أمل أن
يحتمي فيه وإن بأمل كسير ميت وهي أرض ( أويس جليل
غيلوان ) المشتركة مع أراضيهم رغم أنها لن تحميه منهم لكن
غريزته أخذته هناك ودون تفكير وهو يجتاز الأشجار المتفرقة
راكضا بينها كالريح فخوفه كان كفيلا بجعله يطير للسماء وليس
يركض فقط .. وصورة واحدة قد ظهرت أمام عينيه الباكية وهي
... شقيقته ... من لو خسر حياته الآن فلن يراها مجددا .. لن
يراها وللأبد فما سيقول لوالدتهما حينها .. لوالدهما ولجدتهما
... ماذا سيقول لهم إن سألوه عنها ؟ دار حول صهريج المياه
ملتفتا خلفه ولم يشعر بنفسه إلا وقد اصطدم بشيء حديدي بقوة
قبل أن يسقط جالسا على الأرض يشعر بنصفه السفلي بأكمله
تخدر من الألم ونظر بذعر للواقف فوقه حيث السيارة المتوقفة
هناك والتي اصطدم بها وللشخص الواقف فوقه والذي انحنى
نحوه ومد يده لكتفه قائلا
" هل أنت ... "
فدفع يده عنه وتراجع زاحفا للخلف ينظر له بخوف وذعر كفيلان
بقتل أعتى الرجال ، وما أن اقترب منه ذاك الخيال ونظر لعينيه
وللونهما الذي لمع في ضوء المكان المكشوف كالفضة علم بأنه
ليس أحد مطارديه بل وليس من الجنوب بأكمله فتلعق بيده فجأة
وذاك ينظر له باستغراب وهو يشد يده ويحاول إفهامه أمرا لم
يستطع فهمه فنزل أمامه ناظرا لحدقتيه الزرقاء باستغراب لأنه
يشبهه طفرة في ذاك المكان الموحش وقال بهدوء
" من أنت يا هذا وما بك تركض هكذا ؟ ولما لا تتحدث ؟ "
تمسك بكم قميصه ونظر للخلف بذعر حين اقترب صوت هدير
سياراتهم فلابد وأنهم يبحثون عنه بطريقة أيسر ليجدوه ، نظر
للجالس أمامه وبدأ بهزه من قميص بقوة تخرج من حنجرته
أصوات من دون حديث فنظر حوله للمكان يسمع أصوات تلك
السيارات ثم وقف موقفا له معه وقال باستعجال
" بسرعة لنغادر من هنا فيبدوا بأنك مطارد "
وككل مرة دفعته حميته لمساعدة من ليس يعلم حتى ما قصته
وأين قد توصله تلك الحمية وغريزة مساعدة من يحتاجه خاصة
إن كانت أقداره قد حملته ليعيش وسط أراضي الغيلوان تحديدا
ومن دون علمهم ، وها هو يعلن العصيان عليهم من جديد
ووسط أراضيهم وعلى مقربة من قبضتهم .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 73 others like this.
رد مع اقتباس
#6764
قديم 29-01-18, 09:32 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
وقف أمام باب المكتب ورفع قبضته وشدها أمامه جامدة
مكانها وتنفس بعمق مغمضا عينيه ثم طرقه دون تراجع
هذه المرة ولا تردد فالموجود خلف هذا الباب وحده من
سيملك الأجوبة بل وبيده زمام الأمور جميعها ليريحه
فتلك الدمية العنيدة كما يسميها جدها ستوصله للجنون
إن استمرت في اللعب بأعصابه هكذا .
فتح الباب ودخل ما أن أذن له الموجود في الداخل ووقع
نظره عليه فورا يضم قبضتيه مسندا مرفقيه بالطاولة
ويتكئ بجبينه عليهما ليس يعلم أينظر للأوراق على
الطاولة تحته أم أنه شارد في مكان بعيد عن كل شيء
حوله ويبدوا أن همومه قد فاقت كل شيء ولن يستغرب
ذلك فهو يحمل مسؤلية بلاد بأكملها على عاتقه وليس
اليوم ولا الأمس بل من أكثر من عشرين عام يسرق كل
فرد في هذه البلاد من صحته ووقته وعمره وحياته ، يراه
أكثر رجل في الوجود يحتاج لوجود امرأة قربه وليس أي
امرأة بل أنثى تناسبه في كل شيء .. امرأة يبث لها هو
همومه وليس تبحث هي عن طريقة لتخرجها منه لأنها
لن تنجح في ذلك أبدا .
" إن لم تدخل تيما بعد أخبرها بأن تفعل ذلك أولا ثم عد
هنا يا قاسم "
ابتسم وأغلق الباب خلفه ودخل فمن قال أن هذا الرجل غافل
عن ابنته وعن سلامتها ؟ وليس يعلم كيف غابت عن عينه
التي لا تغفل تلك الليلة في لندن ! هل مهمتهم والانشغال بها
ذاك الوقت السبب ؟ يستبعد مطلقا أن يكون كان يعلم لما كانت
ردة فعله لامبالية هكذا وليس يتخيل كيف سيكون عقابه لها
حينها ؟ ولا يستبعد أن لا يخاطب لسانه لسانها لعام كامل إلا
إن كان حبه لها فوق كل ذلك أو لا يصدق أن تكون فعلت
ذلك من دون سبب وهذا ما هو واثق منه أيضا لكنها كوالديها
أعند من الصخر .. وقد يقر الصخر بأسراره وهي لا بل وجعلته
يرى نفسه هو المذنب في حقها بسبب أفعالها التي فاقت سنها
بكثير .
اقترب منه وجلس على الكرسي أمام طاولة مكتبه وقال بهدوء
" لما لا تأخذ قسطا من النوم والراحة حتى وقت الفجر ؟
العمر ينتهي وهموم البلاد لا تنتهي يا مطر "
رفع رأسه وقال يدفع الأوراق تحته جانبا من دون حتى أن
يرتبها
" سأغادر قبل الفجر جهة تيمور لألحق باجتماع الوزراء
هناك ولا وقت لدي للنوم فأخبرني ما هذا الذي جئت من أجله
في هذا الوقت ؟ "
اتكأ بمرفقيه على ركبتيه مشبكا أصابعه وقال ونظره عليهم
" لا يعجبني الفتور الحالي في علاقتك بخالي دجى يا مطر
وأخشى أن يتحول الأمر لقطيعة بينكما والسبب أراه تافها جدا "
قال الذي نظر له عاقدا حاجبيه
" تافها جدا رأي من منا يا قاسم تعني ؟ "
نظر له ولازال على حاله السابق وقال فورا
" أنا لم أعني رأيكما في الأمر بل عنيت الأمر ذاته "
قال مباشرة ناظرا لعينيه
" وأنت معه في أن زواج تيما في هذا السن أمر خاطئ ؟ "
اشتدت أصابعه على بعضها لا إراديا وقال
" تلك وجهات نظر يا مطر وهو له وجهة نظره المقتنع بها "
قال بذات جديته متجاهلا ما قال
" أنا أسألك عن وجهة نظرك أنت بما أنك من فتح الموضوع
وأردت أن تكون حكما فيه "
استقام في جلسته وقال ناظرا له
" مطر لا تفهمني كما تخبرك أفكارك فأنا لم أقصد التدخل
ولنغلق الموضوع إذا وننساه تماما "
قال مباشرة
" ما رأيك أنت يا قاسم ؟ "
أبعد نظره عنه وتنفس بعمق قبل أن يقول ولازال يتجنب
النظر له
" هي ابنتك يا مطر لا أحد له كلمة عليها فوق كلمتك ، ورأيي
أنه لا بأس إن كانت هي موافقة وراضية عن اختيارك أيضا "
قال بابتسامة جانبية
" الخلاف بيني وبين جدها ليست هي السبب الوحيد فيه
ولا تقلق فذالك لن يدوم وأنا لست طفلا لأجعل من أمور هامشية
سببا للفرقة بيننا وسيغير رأيه هذا حين سيصبح الموضوع
جديا "
نظر له ولم يعلق بادئ الأمر محدقا بعينيه قبل أن يبعد نظره
عنه وقال بعد تردد لحظة
" وهل أصبح ثمة شخص معين أم ليس بعد ؟ "
ابتسم الذي لم تفارقه نظراته وقال
" ليس بعد "
فوقف حينها واستدار مغادرا لكنه وقف بعد خطوتين وشد
قبضتيه بجانب جسده قبل أن يرخيهما واستدار ونظر له
مجددا وقال محدقا بعينيه
" هل تزوجني إياها يا مطر ؟ "
*
*
*
مسحت بكفها على طرف ذاك الوجه المتعرق الذي كان يتحرك
ببطء وعشوائية وعيناها لا تزالان مغمضتان قبل أن تبدأ
شفتاها بالارتجاف والهذيان دون توقف فضربت خدها قائلة
بقلق
" زيزفون .... زيزفون استفيقي ... زيزفون اسمعيني أرجوك "
وما أن خرجت منها تلك الصرخة الجزعة المرتفعه أجلستها
ممسكة بذراعيها وبدأت بهزها بقوة تنادي باسمها وعيناها لا
تتوقف عن ذرف الدموع خوفا عليها من أن تدخل لتلك الحالة
مجددا وتخشى أن لا يخرجها منها شيء هذه المرة ، ابتسمت
من بين تلك الدموع والحزن حين انفرجت تلك الأجفان الواسعة
ببطء كاشفة عن تلك الأحداق الزرقاء شيئا فشيئا وتسربت
الدمعة اليتيمة منهما حين همست تلك الشفاه المرتجفة
" اسسسحا.... "
قبل أن تقفز واقفة وغادرت السرير والغرفة راكضة متجاهلة
التي كانت تناديها قلقة وصعدت السلالم بخطوات راكضة حتى
كانت أمام باب ميعن وطرقته دون انتظار ولا تردد تضربه براحة
يدها بقوة ولم تتوقف عن الطرق حتى انفتح الباب على اتساعه
أمامها ونظر لها الواقف أمامه باستغراب .. من لم ينم ولم يغمض
له جفن حتى الآن عكسها تماما وقد تنقلت نظراته المستغربة بين
عيناها الدامعة في مشهد لم يراه سابقا لشفتاها المنفرجة
وأنفاسها التي كانت تخرج منها بقوة تباعا وكأنها تحتضر ،
عاد بنظراته لعينيها وقال باسغراب
" زيزفون !! "
قبل أن ينظر خلفه ثم حوله كالتائه وقال
" ادخلي هيا "
لتطير الوعود والضمانات التي سهر يقيد نفسه بها أدراج
الرياح أمام منظرها ذاك ولجوئها إليه ولأول مرة ، لكنها لم
تتحرك من مكانها ولم تبعد نظرها عنه فنظر لعينيها مجددا
وقلقه يزداد بشكل مخيف وقد همست بصعوبة من بين أنفاسها
القوية المتعاقبة
" وقاص هل تعطيني هاتفك قليلا ؟ "
نظر لها بصدمة لم تدم طويلا وهو يستدير بسرعة واختفى
في الداخل قبل أن يعود مجددا وهاتفه في يده ومده لها فورا
فرفعت أصابعها المرتجفة وأخذته منه ناظرة لعينيه وهمست
بخفوت
" شكرا "
وتحركت من هناك فخرج لخارج الغرفة نظراته تتبعها
وهي تعبر الرواق راكضة يدها تمسح عيناها حتى اختفت
عنه آخذة كل شيء فيه معها إلا جسده رغم أن قلبه لم
يطاوعه على فعلها لكن عليه أن لا يتدخل وليترك كل شيء
لوقته بل وليبتعد عنها قدر الامكان من أجل نفسه قبلها .
بينما نزلت تلك القدمان الحافية عتبات السلالم مسرعة
حتى كانت في غرفتها مجددا بل ودخلت الحمام من فورها
مغلقة بابه خلفها على النظرات المصدومة للواقفة هناك
مكانها السابق فعليها أن تكون وحدها ولن ترسل لذاك
الشخص الموجود هنا وحلقة الوصل بينهما ككل مرة بل
عليها محادثتهم مباشرة والآن فورا فالأمر لا يحتمل مراسلات
ورسائل تحملها مربيتها .
كتبت الرقم الذي تحفضه عن ظهر قلب بأصابع مرتجفة ووضعت
الهاتف على أذنها وانقطع الاتصال دون أن يجب فكررت الاتصال
مجددا فالوقت هناك ليلا الآن وسيكون نائما بالتأكيد لذلك عليها
أن تحاول دون يئس وعليه أن يجيب ، انسابت دمعة جديدة من
عينها ما أن وصلها الصوت الرجولي المرتخي بسبب النوم
" نعم ... من أ.. "
فقاطعته بصوت مرتجف هامس
" خالي دجى هذه أنا زيزفون ... أريد التحدث مع مطر
الآن أرجوك "
*
*
*
وضعت كوب القهوة من يدها على الطاولة تنظر لآخر بهو
المنزل مستغربة وتوجهت فورا نحو الذي كان يحرك جريدة
في يده قائلا للواقفة أمامه بضيق
" مصيبة وتحتاج لحل ، لا بل لشيء مشابه لها لكن ليس
في الصحف بل المحاكم "
قالت الواقفة أمامه بتوجس وقد لامست أصابعها ذراعه
" اهدأ يا حارثة سيرتفع السكر لديك هكذا "
رمى الجريدة من يده صارخا
" ليرتفع لعلي أموت وأرتاح "
وصلت ساندرين عندهما ورفعت الجريدة الملقاة أرضا قائلة
" ما بكما ما يوجد في هذ.... "
وقطعت كلماتها شهقتها المصدومة ممسكة فمها بيدها ما أن
وقع نظرها على تلك الصورة وذاك المشهد والخبر فوقها
وارتجفت يدها تنظر لوالدها بعينان دامعة وهمست بصوت
مرتجف
" ستموت ماريه إن رأت هذا أبي ... اقسم أن تموت "
ونفضتها في يدها متابعة بغضب باكي فلم تستطع التحكم
في دموعها التي نزلت تباعا
" ما الذي يريد فعله بها تحديدا أبي ؟ ما الذي يريد أن
يوصلها له بكل هذا ؟ "
أشاح بوجهه المسود من الغضب وارتفاع السكر لديه دون
مزاح هذه المرة ولم يتحدث فنفضتها مجددا بقوة صارخة
" هي تحبه أبي لما لا يشعر بها أحد ؟ سنفقدها تدريجيا إن
رأت هذا وما سيحدث تباعا له .. تحدث أبي قل شيئا ..
افعل أي شيء "
لكن حاله لم يتغير ولم يتحدث لحظة أن علا الطرق المتتابع
على باب المنزل وتوجهت إيميليا نحوه فورا وفتحته فدخل
منه الذي نظر لهم بضياع يسحب أنفاسه المتلاحقة ليستطيع
التحدث قبل أن يقول بقلق وتوجس
" ماذا يجري ؟ "
وتابع وقد نظر للواقف هناك تحديدا
" لما طلبت أن أكون هنا الآن وسريعا وفي هذا الوقت
المبكر يا حارثة ... !! ما بكم تكلم ؟ "
أشار للجريدة في يد ابنته محركا اصبعه نحوه وهمس بنبرة
جوفاء " أعطها له ليرى ابنه وأفعاله الجديدة "
نقلت نظراتها الباكية بينهما ولم تستطع ولا التحرك من
مكانها فتوجه ذاك نحوها دون أن ينتظرها أكثر من ذلك
وأخذ الجريدة من يدها ونظر لها لتتجمد حدقتاه وملامحه
وأطرافه جميعها وهو ينظر لصور المقال بالتتابع وكأنها
تمر أمامه بالعرض البطيء ، مرر أصابع يده الحرة في شعره
ولازالت نظراته المصدومة تتنقل بين أعلى الصفحة التي احتلها
الخبر بأكملها لأسفلها وهمس بصعوبة
" ليفهمني أحدكم ما هذا بحق الله ! "
ولم تتح الفرصة لأي منهم ليجيب أو ليعلق بأي شيء والأنظار
جميعها تنتقل جهة التي وقفت عند بداية الممر تحمل كتبها
ومذكراتها في يديها وكما هو حالها المعتاد تستفيق صباحا
تعاند كل ما عانته طوال ليلتها القاسية تلك لتقف على قدميها
مجددا ولترجع ماريه الأمس رغم التعب في ملامحها الجميلة
الهادئة ... رغم آثار السهر والبكاء في تلك العينان والأحداق
الذهبية الواسعة منبع الرقة والحنان .
نقلت نظراتها المتوجسة بين من تمنى كل واحد منهم
أن اختفى من الوجود قبل أن يراها في ذاك المكان
والوقت تحديدا ونظراتها المتوجسة تنتقل من عيني ساندرين
الباكية لوجه والدها الذي لا يمكن وصفه بأي شيء لزوجته
التي لم تجف الدموع من رموشها بعد وقد عادت للتسرب من
عينيها مجددا حينها وصولا للذي ما كانت لتتوقع رؤيته هنا
مجددا فكيف في هذا الوقت ومع تلك الملامح التي لا تشبه
سوى الموت .. ! علا صدرها وهبط بقوة وتسارع بسبب
أنفاسها المتعاقبة وامتلأت حدقتاها الواسعة بالدموع وهي تنتقل
بينهم تباعا وهمست تلك الشفاه مرتجفة
" ما به تيم ؟ ماذا حدث له ؟ "
*
*
*
فتحت النافذة ووقفت تنظر للبعيد حيث تلك الأبنية البيضاء
المرتفعة والمضاءة تعكس بريقها تلك الأحداق السوداء الواسعة
بما يشبه حزنها وضياعها .. يشبه جراحها العميقة وألمها الدفين
فأن تفارق هذا المكان معناه أن تفارق روحها من جديد ومرارا
وتكرارا .. تخسر وتخسر وتدفع ثمن جرائم لم تعرف يوما ما
تكون فلو يخبرها أحدهم لعلها ترتاح ! فقط ما يهون الأمر عليها
أنهم سيخرجون من هنا ورعد وآستريا معا ورماح مرتبط
بجهينة وإن كان رافضا للفكرة بل وترى رد فعل والدتها
مشابها له تماما ولم تبدوا لها مقتنعة لكن ما يشجعها كانت
السعادة في عيني ابنتها كما أن رعد قال بأن شقيقها كان
مرحبا بالأمر خاصة أن رماح كان صديقا قديما له وليس أي
صديق .
أسدلت جفناها الواسعان على تلك المساحة السوداء العميقة
من الحزن والألم لينحسر انتباهها مع الصوت في التلفاز خلفها
ومذيعة أخبار الثانية ليلا تسترجع اتصالهم السابق برئيس
المخابرات والحدث الذي فجر الأخبار اليوم .. اليرموك
بمعسكراتها ومخازن السلاح والمطار العسكري وتسليم ابن
شاهين لها طوعا لمتمردي مدن صنوان دون حتى أن يقدم أو
يشرح أي أسباب والداخل يغلي كما الخارج والانتقادات توجه
له من كل جانب حتى من رؤساء وقادة جيش البلاد رغم أنه
لا أحد يستطيع مناقشته فيما يقرر ويفعل ورجاله ملتفون حوله
ينفذون ما يقرر وإن كان إحراق البلاد والخروج منها .
علا ذاك الصوت الرجولي الجهوري الحازم الواثق والمشابه
لقائده وكأنهم جميعهم نسخا عنه ( على الجميع أن يثق في مطر
شاهين كما وثقوا فيه قبل أربعة عشر عاما وكما وثقوا فيه بعد
عودته فهو لم يفعل يوما أمرا إلا لصالح البلاد ولصالح شعبه
صرح بأسبابه وأوضحها أم لا ، وإن ظن المتخاذلون بأنه بهذا
سلمهم عنقه فهم مخطئون كل الخطأ وإن ذهبت بالمتمردين
عقولهم لكسر ابن شاهين فقد سخرت منهم أفكارهم الساذجة تلك
فبأمر واحد .. واحد فقط منه ستُنسف اليرومك وما فيها نسفا )
أغمضت عينيها بقوة تقاوم الدمعة التي تغلبت على تلك الأحداق
فالأجفان فالرموش السوداء الكثيفة لتنحدر متدحرجة على ذاك
الخد الثلجي ببطء وأصوات الماضي البعيد .. البعيد جدا تعود
( أحترم قرارك يا غسق فقط عديني أن هذا قد يتغير يوما وأن
ثمة فرصة أخرى لي , عديني وأعيدي حب الحياة لي يا غسق )
(كلمة واحدة منك تفصلني عن منزل والدي يا غسق وسأصبر
لآخر العمر مادمتِ وافقتِ أخيرا .... أحبك)
) لست مقتنعا يا قلب جبران لكن لا يمكنني رفض رغباتك
ورؤية الحزن في عينيك الجميلتين وأنا أعيدك معي للمنزل
لما نمتِ الليلة إلا في سريرك هناك )
) ما أن نرجع للمنزل سنتزوج في الأسبوع الذي يليه (
) ليته يوجد حل لكل هذا يا كاسر وليته بيدي لفعلت أي شيء
وما تركته يقتلكم يوما وتموتون أمام ناظري بسببه لأنه لا
يوجد أي دعاء سيبرد نار قلبي حينها ويشفي غليلي منه )
فتحت عيناها ونظرت عاليا للسماء وللقمر المكتمل فيها
ليعكس نوره هو هذه المرة في تلك الأحداق السابحة في
الدموع وتزاحمت ذكريات الطفولة تريد لها أيضا مكانا
في روحها الممزقة
( " انظري لذاك الذي في السماء يا غسق أتعلمي ما يكون ؟ "
رفعت عيناها السوداء وقالت بعفوية طفلة
" الكاسر "
ضحك وقال
" ومن قال هذا ؟ "
" هو قال لي "
رفع رأسه عاليا له وهمس مبتسما بألم
" بل أنتي يا غسق وفي كل شيء حتى في أملي العقيم
بالوصول إليك "
ثم أمسك كفها الصغير ناظرا لعينيها الجميلتان وقال مبتسما
بحسرة
" أثمة أمل بأن ينزل القمر للأرض ويصبح بين يداي يوما ؟ "
نظرت له تلك العينان بعدم فهم فقبل باطن ذاك الكف الصغير
الناعم وقال ممررا طرف سبابته فيه ونظره على تلك العينين
النجلاوتين في ذاك الوجه الدائري الصغير
" هيا قوةلي معي .... غسق)
قالت مبتسمة " غسق "
قال بابتسامة أوسع
" لي ... "
" لي "
ضم شفتيه بسعادة متابعا
" جبرا... "
" مطر "
نظر لها بصدمة وهي تقفز من أمامه مختارة له وراكضة لشيء
ما خلفه فالتفت مع اتجاه ركضها ووقع نظره على مرشة المياه
الفاسدة التي فتحت من تلقاء نفسها مجددا وتناثر منها رداد المياه
في كل مكان وأصبحت في لمح البصر تلك الطفلة تقفز تحته صارخة
بسعاة
" مطر ... مطر .... غسق لمطر " (
أنزلت رأسها وغطت عيناها بكف يدها أنفاسها تتقطع في صدرها
ووحش ذات ذاك الماضي البعيد يهاجمها مجدد
( " جبران أتعصي والدتك من أجل تلك الفتاة مجهولة النسب ؟
أتكون سببا في طلاقي من والدك من أجلها ؟ "
" إن لم تتوقفي عن أذيتها يا أمي فبلى سأخبره وكانت النتائج
ما ستكون " )
مسحت عيناها بظهر كفها بقوة وتوجهت لهاتفها فورا ورفعته
وجلست على الأريكة وبدأت بالاتصال برقمه تكرر وتعيد دون
يأس فهو لم يغيره ولم يغلقه وإن كان لا يجيب أي أنه لم يقطع
الطريق بينهم بشكل نهائي وإن كان رفض الرد على رعد الذي
حاول مرارا وتكرارا اليوم وأرسل له الكثير من الرسائل إلا أنه
لم يجب ، وأمامها في السيارة وهما ذاهبان لمنزل جهينة كان
يحاول التحدث مع أشخاص هناك حوله كان يعرفهم على أمل أن
يصل له من خلالهم لكن جبران الذي يعرفونه يبدوا أنه مات ...
مات من أعوام طويلة حين قتلته هي وقتلت حلمه معه لأنها
وبكل بساطة كانت السبب فهي من وعدته وخذلته نهاية
الأمر وها هو سيفقد حياته بسببها .
كررت الاتصال وحاولت وحاولت حتى تعبت أصابعها فأرسلت له
هذه المرة رسالة كتبت فيها ( جبران هذه أنا غسق أجب علي
أرجوك ... جبران حلفتك بالله أن تجيب على اتصالي وإن
لمرة واحدة )
ودهشت حين رن هاتفها معلنا وصول رسالة ففتحتها سريعا
وبلهفة فكان فيها ( قابليني عند حدود اليرموك الآن وسيحدث
كل ما تريدين ... قسما )
نظرت لأحرف الرسالة ضربات قلبها تتصاعد مع أنفاسها
المضطربة وأغمضت عينيها تسحب أنفاسها بقوة الواحد بعد
الآخر تتذكر ذاك الصوت الجهوري المبحوح الحازم
( قسما إن فعلها وخرجت قطعة سلاح واحدة من اليرموك لأيدي
المدنيين هناك لن يمسكني عنه سوى أن يكون أجله لم يحن بعد )
( سأكون معك ومع ابنتك أكثر عدلا منه ولن يمسكني عنه
شيء إن فعل ما أتوقعه يا غسق ... لا شيء إلا موتي )
( بأمر واحد .. واحد فقط منه ستُنسف اليرموك وما فيها نسفا )
رمت الهاتف من يدها ووقفت وتوجهت للخزانة فورا ..
فتحتها على اتساعها وأخرجت على عجل بنطلونا وقميص
سترتة طويلة .
*
*
*
فتحت عيناها بإرهاق وكانت تسمع الحركة الغريبة في المنزل
لكنها أضعف من أن تقف لترى ما يجري هناك فنظرت لباب
الغرفة متأملة أن يكون يمان قد عاد لأخذها من هنا وللأبد كما
وعدها فهي فوق تعبها وهوان جسدها قد أغلقت عليها تلك
المرأة باب الغرفة من الخارج مانعة حتى الخادمة من الدخول
لها وحرمتها من الطعام والشراب لباقي اليوم ويبدوا أن يمان
لن يعود فها قد تناصف الليل منذ وقت ولم يأتي ، أغمضت
عيناها ببطء وانسابت منهما الدمعة التي انزلقت ببطء تسقي
الوسادة البالية تحت رأسها لا تتخيل أن يتخلى عنها يمان
أيضا فمن لها هنا بعده ؟
استغفرت الله بشفاه مرتجفة هامسة وفتحت عينيها ببطء
لتتسعا بذعر حين رأت ذاك الدخان الذي بدأ بالتسرب من تحت الباب
ووصلت لأنفها رائحته الخانقة سريعا فحاولت الجلوس بصعوبة ولم
تستطع سوى الانحناء على الأرض وبدأت بالسعال مختنقة وارتجف
جسدها لصوت الضرب على النافذة المؤمنة بالحديد فوقها وصوت
الخادمة صارخة
" يمامة النار تشتعل في المنزل ، لقد أشعلتها زوجة والدك هناك
وخرجت ... بسرعة أخرجي يمامة أرجوك "
*
*
*
لم ينتهي ليلها الطويل كما لم ينتهي بكائها ونحيبها ولا نداءاتها
للبعيد وللفراغ جالسة على التراب بركبتيها تنادي باكية وصارخة
دون توقف " هازااااااار ... هازااااااار تعالى لشقيقتك أخي أرجوك
فلن تجدها بعد الليلة كما تركتها ... لن تجدها أبدا يا شقيقي ....
هازاااار تعالى أرجوك "
فلا الليل رحم بكائها ولا البعيد سمع ندائها مهما تعالى ذاك النداء
فإن قست قلوب المقربين لك من سيرحمك غيرهم ؟ من وأنت مهدد
بتلك اللعنة التي لا يقترب منها أحد ... ! فقط شخص واحد كان ينام
الليل قلبه معها وكان ليسمعها دون أن يصله صوتها ويصله
ندائها دون الجميع ينتظر ويتوقع في كل ليلة أن تصل لما هي
فيه الآن ولم تكن سوى التي خرجت من بين منزليهما راكضة
حتى جثت على ركبتيها أمامها وضمتها لحضنها تبكي معها وإن
لم تكن تعلم ما حدث إلا أنها توقعته .. وتوقعته من وقت وتعلم
بأنه سيحدث ، ضمتها لحضنها بقوة وتلك تصرخ باكية
" تركوني يا فجر .. رماني شقيقي لظلم البشر وغادر .. من لي
هنا وفي أي مكان يا فجر ؟ ليته قتلني قبلها .. ليته دفنني هنا
حية قبل أن يغادر بهم ويتركني "
أبعدتها عن حضنها وأمسكت وجهها وقالت ببكاء فاق بكائها
" الله لا ينساك يا مايرين لا ينساك "
وعادت لاحتضانها مجددا تبكي معها الآه بآه والعبرة بعبرة ..
تبكي عجزها قبل كل شيء عن فعل أي شيء قد يساعدها ..
عاجزة حتى عن رفع الأذى عنها مستقبلا وكلاهما تعلم ذلك كما
تعلمان أن ليلة أخرى لها في الشارع ستتحول بعدها لملهى للرجال ..
للقمة سهلة لكل من رغبت نفسه من الجنوب كان أو من خارجه
وحتى العمال المتوافدون من دول الحدود خاصة وأن تلك
النظرات كانت تلحقها دائما والجميع ينتظر هذا من وقت كنسور
تحوم حول فريستها تنتظر موتها .
حلقت بنظراتها الدامعة في السماء رافعة رأسها للأعلى ترهف
سمعها لما حولها بل وللبعيد وهمست لها بأمر
" هششششش اسكتي يا مايرين قليلا أرجوك "
لكن تلك لم تستطع سوى أن تمسك فمها فعبراتها خرجت عن
سيطرتها تماما ، وقفت فجر وأوقفتها معها قائلة ببحة
" قفي يا مايرين صوت سيارة مسرعة متوجة هنا ومخططي
سأنفذه الآن وكان من يكون ذاك فهو أرحم لك مما سيحدث
لك لاحقا "
وقفت معها تسحبها راكضة بها جهة سور منزلهم من الطرف
الآخر فكان من سيكون هذا سيكون طوق نجاتها ومهما حدث
لها معه فستكون لرجل واحد على الأقل وتعرف شعيب غيلوان
وأشقائه جيدا هوايتهم رمي أحمالهم على غيرهم وهذا
ما سيحدث هذه المرة .
وقفتا خلف سور المنزل ترفض الاجابة عن جميع تلك الأسئلة
التي كانت توجهها لها الواقفة بحانبها باكية وما أن اقترب ذاك
الصوت الذي بات يعلوا شيئا فشيئا منبئا باقتراب تلك السيارة
المسرعة حتى أصبحت أنوارها ممتدة أمامهما أمسكت بيدها
ودفعتها بكل قوتها خارج جدار السور أمام تلك السيارة هامسة
ببكاء
" سامحيني يا مايرين فحتى إن كانت النتيجة موتك سيكون
أرحم لك مما ستريه "
وراقبت باكية ذاك الجسد الذي ارتفع عاليا مع علو صرخة صاحبته
قبل أن يهبط على الأرض الترابية اللينة والسيارة التي توقفت
بقوة وقد ارتفع الغبار حولها في سحابة كثيفة ثم صوت بابها
يفتح فركضت مبتعدة عن هناك بما أن من صدمها لم يهرب
فعليها الاسراع لتكون في مستشفى القرية وتتابع باقي
مخططها .
المخرج~~
بقلم / ذات خمسة عشر
رعد وأستريا
إليـكِ
يا ذاتَ العنق الطويـل
يا صاحبة الضحكةِ الخلّابة
يا من ظفرتْ بعد جهدٍ جهيد
فأخرجت من ثغري إبتسامة
إليكِ
يا لذةً أغرقتني في السعادة
يا نورًا أضاء قلبـي باستماتة
يا حبًّا كان عنوانًا لروحي
كأسًا سقـى لُبي حد الثمالة
إليكِ
أنا أتوجع كل لحظةٍ اشتياقًا
أهيم ساهيًا في لحظةِ الفراق
تلك التي آلمتني و أبعدتني
أواه ، متى يُكتب لنا اللقاء ؟
إليكِ
يا فتاةً من سكرٍ عيناها
يا روحًا من الزهرِ شفتاها
يا قلبًا كان البستان في يديها
أمازال الوعد في قلبِ حبيبتي
أم الوقت و الدهر قد غيراها ؟
إليكِ
يا نسماتٍ تعبثُ بذاكرتي
تجيء و تذهب بمرآها في مخيلتي
قد أرهقني البعد و كفاني شوقي
متى أظفر بها يا بشر خليلتي ؟
إليكِ
أعُطِّر الهواء بلفظِ اسمك
أُضحك الفراشات حين أبوح بحبكِ
أنتظر و أعتصم بوعدي فأصبر
و لأجلكِ أحارب و سأكسب
إليكِ
يا قمر ليلي حين أسهر في سهاد
يا نور عيني حين تحلُّ الظلمات
يا حبًّا لا نهاية لَهُ و لا تُفنيه الأيام
قد سقانـي البعد عَذَابًا
فهلَّا جئت لتداوي لوعةَ الغياب ؟
إليكِ
يا أسطرًا تحكـي عن قلبِ رعد
عن معنى الوفاء .. عن معنى الوعد
و عن المستحيل الذي لم يزل بعد
ممكنًا مادام عزمي لم يستسلم قط
إليكِ
يا طفلةً اشتهتها أحضاني
تناديها جوارحي بشوقٍ أناني
يطالب المجئ الفوري لحبيبتي
كي أعلمها معنى الانتظار
معنى حبٍ لا يُنقصه بعد الديار
-
إلى حبيبتي الفاتنة آستريا ، إليك من مُحبِّك رعد ، سلامًا عَلَيْكِ و طبتِ حلوةً كما عهدتك ، كيف حالك ؟ أم كيف حال قلبي ؟ هما سيان يا حبيبتي
إني أشتاق إليكِ في كل جزء من اللحظة و ليس في اللحظة و حسب ، لكن الصبر كان من شأنهِ أن يُهدئ لوعةَ شوقـي و ناره المستعرة ، و لولاه لكنتُ طِرت إليكِ مهما كلفني ذلك !
عاهدتكِ يومًا على أن أظل لكِ لأكون نصيفكِ ، و قد اكتشتفت أن ذلك لم يحتج منـي وعدًا أصلا .. و لكن بأيِ حال ، بخصوص هذه القضية أُبشّركِ بأنكِ ستكونين لي قريبًا فمطر شاهين عاهدني على ذلك ، و اسم هذا الرجـل يكفي ، و لن أتوغل في التفاصيل المهم أن تثقي بي ، و أتمنى من فيكِ الجميل أن يستقبل تلك الابتسامة البريئة التي عهدتها فيك منذ عرفتك إثر هذا الخبر ، كما أعدكِ بلقاءٍ قريب فأبشري
..
كامـل حبي و وفائي / رعد شراع
-
ألا يا حمامًا كان واصلًا بين قلبين
أوصل الرسالة و حقق الأمنية
فقد تعاهد بوفاءٍ هذين الإثنين
و تَبَقى وفاؤك لتُرسم النهاية
*******
نهاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل السابع عشر 17 - بقلم BlackButterfly002
الفصل السابع عشر
المدخل ~~
بقلم نجمة المساء
( قاسم & تيما )
§ مـَدْخـل •°°•
أبجـدية عاشـقيْن . .
ودُميـةٌ جَميلة . .
هي زهرة عائلة الشاهينْ
🍃• 🍃• 🍃• 🍃• 🍃
شـابٌ صنعتهُ الغربة . .
ولسـعهُ الحنين !
•°°°• •°°°• •°°°•
وطِـفلةٌ في ثِياب امْرأة
بأجملِ عينين زرقاويْن !
🍃• 🍃• 🍃• 🍃• 🍃
- وماذا بعد ؟
لمسـةُ جبيـنْ
وسُـلمٌ طويل . . وطويل من السنين
يفصلنا . .
عن نـوّارِ الرياحين
وإليكم . .
مفتاح صندوق الحكايا . .
🍃• 🍃• 🍃• 🍃• 🍃
§ باسمهـ ورسمهـ . .
" قـ ، ـا ، سـ ، ـم "
"قافٌ" قلـبُكـِ مَمـلكـتي
مـا عادتْ تعنيني الأشياءْ
مَن يَمـلكـُ فردوسَ الدنيا
يحِـقّ لهـُ ثـوبُ الخُيـلاءْ
.•°°°•.•°°°•.•°°°•.•°°°•.
"ألفٌ" أنـتِ مُـلـهـمتي
يا ذاتَ العينينِ الزرقاءْ
أنـتِ لُـؤلُـؤةُ عَقـيــقٍ
تـلمعُ حتىٰ في الظلماءْ
.•°°°•.•°°°•.•°°°•.•°°°•.
"سينٌ" سِـحْركـِ يُثملني
يُثملنـي حَـدّ الإِعيـاءْ !
وتبعثِرُ رُوحـي أجْـراماً
مَحـاجِرُ عينيكـِ الكحلاءْ
.•°°°•.•°°°•.•°°°•.•°°°•.
"ميمٌ" محـرابُ فُـؤادي
اسـمٌ مبـدوءٌ ب "التاءْ"
وصَـلاةُ الـرّوحِ مُعـطّرةٌ
بميسمِ زهرتكـِ الحمراءْ !
.•°°°•.•°°°•.•°°°•.•°°°•.
🍃• 🍃• 🍃• 🍃• 🍃
§وقـفة •°°•
أمنية مدفونة . .
تستخرجها الأقـدار
. . . . . .
تختلف البلدان . .
والأزمنـة . . والأعمار
. . . . . .
نَـشـاءْ . .
ويشـاءُ الواحد القهار !
🍃• 🍃• 🍃• 🍃• 🍃
§بليـللكـِ عطرهـا . .
بليلهـا وسحـرها . .
" تـ ، يـ ، ـمـ ، ـا "
"تـاءٌ" تِـرياقٌ عَـذبٌ
أتَـذوقهُ باسـتحيـاءْ
كَيانكـَ يوقِظُ أشـْجاني
ويُحرّكُ نبضاتي الحمقاء
.•°°°•.•°°°•.•°°°•.•°°°•.
"يـاءٌ" يا أجْـملَ صُدفي
مَـوعدُ روحيْـنا بِلِـقـاءْ
أمْنِيـةُ الخافقِ أنْ يحظىٰ
بقربِكـ . . في كُـلّ مَسـاءْ
.•°°°•.•°°°•.•°°°•.•°°°•.
"ميمٌ" ما اسمكـَ؟أخبرني
فوحـدَكـَ تختصرُ الأسماءْ
يا طيـفاً يسْـكُنُ أحلامي
ويؤرقني . . كيف يشـاءْ
.•°°°•.•°°°•.•°°°•.•°°°•.
"ألـِفٌ" أخبَـرَني قَـلبي
أنًــا نتشـاركـُ بٰـ"ـدماءْ"
ويَظـَلُ يَضُـجُ لمرئـآكا
عطشـانٌ . . ويريدُ الماءْ!!
.•°°°•.•°°°•.•°°°•.•°°°•.
🍃• 🍃• 🍃• 🍃• 🍃
§مَخـرج•°°•
يجمعُـهما الشعـورْ . .
وتفرّقُهـُما كثيرٌ من الأمورْ
. . . . . .
وتَـعويذةُ الحكـاية . .
يملكُـها "ابن شاهين"!
🍃• 🍃• 🍃• 🍃• 🍃
***************
طال صمته وتحديقه في عيني الذي لم يزده سوى توترا وليس
يفهم ما الذي ينويان هذا الرجل وابنته أن يوصلاه له ، تنفس
بعمق وقال
" مطر قل ما لديك "
فأبعد نظره عنه ليديه على الطاولة قبل أن ينظر له مجددا قائلا
بجدية
" أتعلم ما تبعات زواجك بها ؟
أتعلم ما تكون التي تطلب يدها الآن ؟ "
قال بابتسامة مائلة
" أجل ... عمرها أربعة عشر عاما ولا تعرف ولا الطبخ "
ابتسم مطر قبل أن يقول بجديته السابقة
" وستدخل الثانوية العام المقبل يا قاسم ومهما كبر عقلها لازالت
أحلامها أحلام طفلة لم تعرف حنان أبويها في طفولتها أي أنك
خارج السرير ستعاملها طفلة وتتقبلها طفلة حتى إن طلبت منك
يوما أن تحملها على ظهرك وتلف بها منزلك "
ابتسم الذي هز رأسه ناظرا للأسفل قبل أن ينظر له مجددا وقال
بذات ابتسامته
" أعلم يا مطر فإن كان قصدك تعجيزي بكل تلك العيوب في
زواجي منها فأنا لن يثنيني سوى أن تقولها وبالحرف اللواحد
( أنت مرفوض يا قاسم ) "
أشار له على الكرسي أمامه وقال
" اجلس يا قاسم "
كاد يقفز ناحيته حينها ويقبل رأسه فقط لأنه لم يرفضه مباشرة
بل ولم يرفضه حتى الآن وهذا يعد مؤشرا جيدا فلم يكن يتصور
أن يحمل صفات الرجل المثالي الذي يرى مطر أنه يستطيع
تسليمه ابنته ووحيدته وأن يثق فيه درجة أن يزوحها له وهي
في هذا العمر بل وجدها معارض وأشد اعتراض ! لم يتوقع
كل هذا وهو يهيء نفسه للرفض المحتم والقاسي حين غامر
بقول ما قال وما كان يجزم بأنه لن يستطيع قوله له أبدا مهما
حاول .
جلس حيث كان سابقا ونظره على الذي قال ناظرا لعينيه
" أنا لا مانع لديا مطلقا يا قاسم "
لم يستطع الجالس أمامه اخفاء دهشته التي اختلطت بابتسامته
وتمتم بعد قليل
" ظننت ثمة من تريدها له ؟ "
أومأ برأسه بنعم وقال
" بلى وهو أنت "
وهنا كانت الصدمة الأقسى على الذي حرك رأسه كالتائه هامسا
" أنا !! "
استوى مطر في جلسته قائلا
" أجل يا قاسم وكانت ستبقى لك حتى تطلبها أو تتزوج من
غيرها وحينها ستحررها منك "
مرر أصابعه في شعر قفا عنقه قائلا بعدم استيعاب
" مطر بالرفق علي رجاءا لأستوعب كل هذا "
فقال الجالس أمامه وبذات جديته
" ما قلته لا يحتاج لأن أشرح ولا أن تفهم بل أن تستمع إلي
الآن فموافقتي مبنية على أسس يا قاسم عليك معرفتها جيدا
وموافقتها أيضا وبشروط "
نظر له نظرة فهمها الجالس أمامه فورا والذي قال بابتسامة
جانبية
" لن أمنعك عنها يا قاسم لا تفكر في هذه المسألة لما كنت
تحدثت عن ذلك قبل قليل ولتعلم فقط بأنك إن وافقت الشروط
وأردتها الليلة لن تنام إلا معها "
أخفض رأسه للأسفل لا يعلم ليخفي ابتسامته تلك أم بسبب ذاك
الشعور بأحشائه التي تقلصت جميعها من الفكرة فإن كانت تلك
الفتاة جعلته يدور حول نفسه فوالدها سيفقده باقي ذاك العقل
بالتأكيد ، رفع رأسه ونظر لعينيه وقال
" كلي آذان صاغية يا مطر "
قال مباشرة
" قبل كل شيء وكما سبق وقلت بنفسك يا قاسم سيكون على
تيما أن توافق عليك ولست أعني الزواج بل أنت وليس من
أجلي أنا "
نظر له باستغراب وعدم استيعاب أو فهم فتابع
" ذاك له وقته المهم الآن أخبرني أكنت حقا لا تعلم بأنها
ابنتي حين أنقذتها في لندن ؟ "
هنا لم يستطع الجالس أمامه إلا الوقوف بسبب صدمته ينظر
له فاغرا فاه قبل أن يضرب بكفه على جبينه هامسا بابتسامة
دهشة
" ما أغبى من يفكر بأنك تغفل عن شيء يا رجل "
قال الذي كان ينظر له مبتسما
" لم تجب سؤالي يا قاسم ؟ "
رفع يديه جانبا وقال
" ومن أين كنت سأعلم يا مطر وأنا لم أراها يوما وأنت
كنت تحفظها حتى عن الهواء كي لا يصل لها "
عاد للجلوس مجددا حين لم يعلق وقال
" لم أعرف أنها ابنتك إلا حين دخلت علينا مكتبك يوم عودتي
أقسم لك "
وتابع فورا وبجدية
" لكن .... مطر لم أتوقع أن يكون رد فعلك هكذا أنت حتى ....
حتى لم .... !! "
" لم أخبرها ولم أعاقبها أليس كذلك ؟ "
قال هو ما عجز ذاك عن التعبير عنه وتابع بعدها مباشرة
" أنت لا تعرفني يا قاسم ولست تعرف تيما أيضا ، ابنتي لا
تخطئ يا ابن عمتي وعيني كانت تراقبها منذ خرجت من المنزل ،
كان مسعاها القرص الذي كنا نحن نسعى له وبتحريض من
شخص يعلم بأن وصول ذاك القرص ليداي معناه أن أكتشف
سرا يخفيه ووسيلته كانت تيما وذاك الشخص امرأة يا قاسم
وأنت تعرفها جيدا وهي غيسانة شقيقتي ، ضغطت عليها بأن
الضرر سيطالني أيضا بسبب ذاك القرص وأغرتها بالتحدث مع
والدتها إن هي وافقت ولعبت عليها بنقطتي ضعف ابنتي وهما
سلامتي وسماع صوت والدتها "
حرك الجالس أمامه رأسه بعدم استيعاب قائلا
" لا أصدق أن كل هذا كان السبب بل وأنك تعلم !
كنت تعلم بكل شيء ومن أوله ولم تمنعها يا مطر !
ماذا إن حدث لها شيء ؟
ماذا إن سبقك لها أولئك الرجال ؟
كيف تركت سلامتها للتكهنات ؟ "
قال ناظرا لعينيه
" بل كنت هناك يا قاسم وأقرب لها منك تراقبها عيناي كما
تراقب نظراتك التي كانت تحميها من قبل أن تتحرك من مكانك "
أخفض رأسه وغطى وجهه بكفيه يمسحه بهما هامسا بخفوت
" يا إلهي .... "
قبل أن يرفع رأسه له مجددا وقال
" كنت سأموت تلك الليلة يا مطر ... أكنت تحرسها وتنساني
أنا ؟ "
قال بابتسامة جانبية
" البطل لا يموت قبل أوانه يا قاسم وأنت كنت بطلا تلك الليلة
ورجل حافظ عليها من دون أن يعرف من تكون فما سيفعله وهو
يعلم بأنها ابنتي ... ابنة أبناء أخواله ، رجل بات يخشى عليها
حتى من البقاء وحدها خارج المنزل وحتى من أعين الحرس
والعمال "
صرخ الجالس أمامه صرخة رجولية ضاحكة وهو يقف ساحبا
معه قلما من علبة الأقلام الأنيقة المذهبة وتوجه نحوه وأشهره
في وجهه كسلاح قاتل وقال مبتسما والمفاجأة لم تفارق ملامحه
بعد ينظر للذي لازال جالسا مكانه ينظر له مبتسما
" لا تقل بأنك كنت تسمع ما قلنا هناك ؟ "
أمسك رسغه ووقف قائلا بابتسامة
" هل نسيت بأن المكان مراقب ؟ "
وشده لحضنه قبل أن يعلق وقال مربتا على ظهره
" لن أنسى لك ما فعلت من أجل ابنتي ... لن أنساه لك يا قاسم
وإن كنت قربها ذاك الحين "
ثم أبعده عنه ونظر لعينيه قائلا
" مستعد لسماع شرطي قبل أن نسمع رأيها هي ؟ "
أومأ برأسه موافقا فأشار له قائلا
" عد للجلوس إذا فالعقبات أمامك لم تنتهي بعد وابنة مطر
شاهين لا تكون لرجل بسهولة هكذا "
*
*
*
انتقلت نظراتها بينهم تشعر بقلبها توقف تماما عن الصراخ
في أذنيها كما كان قبل قليل وتمنت وقتها أن تسمع أي خبر
إلا موته .. إلا أنه لم يعد له وجود وأن لقائهما البارحة وبكل
الوجع الذي رافق اقترابه وابتعاده هو اللقاء الأخير ..
أنها لن تراه مجددا ولا مع امرأة أخرى ... إنها التعويذة
التي يلقيها الموت يجعلنا ننسى نسامح وبكل بساطة ...
تلك التعويذة التي غالبا ما نشعر بها بعد فوات الأوان وبعد
أن نفقد ذاك الشخص وللأبد لكن ... هل ستتمنى فعلا أي
خبر وأي فاجعة تخصه إلا موته !
توقفت نظراتها السابحة في الدموع المتحجرة بين جفنيها
على عيني عم والدتها والشخص الوحيد الذي يستطيع شرح
الحقائق بطرق تجعلها خيالية تماما ويقول دائما ما تريد أنت
سماعه وذاك ما حدث فعلا حين قال بهدوء لا يشبه ملامحه البتة
" هو بخير ماريه من قال أن الموضوع يخصه أ.... "
" بلى يخصه يا ماريه "
خرجت تلك الكلمات من آخر شخص تمنى قلبها أن يتحدث ولم
تكن تفهم لما لكنها استطاعت معرفة السبب سريعا ليس بفطنتها
بل بسبب كلماته القاسية وهو يقول وقد أشار بالجريدة في يده
" يمكنك أن تحكمي بنفسك إن كان قد مات أم لا "
" شاهر توقف "
كلمات الحارثة الآمرة جعلت نظرات المعني بها فقط تنتقل من
الواقفة هناك له وقد قال بحزم
" لن أتوقف وعليها أن تعلم منا ومن هنا أفضل من أن يكون
ذلك بطريقة أبشع "
ولم ينتظر دقيقة أخرى ولا بأن تقرر الواقفة هناك مغادرة مكانها
لاكتشاف تلك الحقيقة التي لم يزدها تمويهه القاسي لها سوى
تعلقا بعدم معرفتها وهو يتوجه نحوها ووقف أمامها ورفع
الجريدة أمام وجهها قائلا بحدة
" انظري ماريه ها هو من تخشين سماع الأخبار السيئة عنه ،
ها هو كل ما فكرت البارحة فيه هو انقاذ مستقبله ، ها قد كافأك
ماريه وفي ذات الليلة ، هل ستتمني الآن أن دخل السجن ومات
فيه ؟ "
لا تفهم أكانت كلماته تلك أم الصور التي انتقلت نظراتها فيها
تباعا ما قتلها في صمت وتلك الانجليزية الرائعة الجمال شديدة
الأناقة والرقة تحضن بقوة خصر الذي رفض عقلها النظر لوجهه
ولنظرته لها كي لا تتمنى بالفعل الموت وليس له بل لها هي وهي
تراه يتوج انتصاره عليها وتلك المرأة تأخذ مكانها الصحيح تباعا
ليجد ذاك الرأس وتلك الوجنة الجميلة الضاحكة مكانا لهما حيث
ذاك الصدر والأضلع ولم تتمنى الموت فعلا كما تمنته بعدها
وهي تنزل بنظراتها لآخر صورة لهما وكأنهم اختاروها بعناية
ليشيعوها بها تباعا حيث أن الصورة الأخيرة كان يجب أن تكون
في أعلى الصفحة لكن ليس في مثل حالتها هي .. ليس حين
يكون الخبر من أجل تحطيم قلب امرأة ما فستكون تلك الحميمية
وتلك القبلة الضربة الموجعة الأخيرة ... لا ليس هكذا يا تيم ليس
بتلك الطريقة القاتلة أرجوك .
رفعت نظراتها الدامعة المرتجفة ببطء لعيني الواقف أمامها ومن
كان يجهز نفسه لجميع الاحتمالات وأولها استقبال جسدها قبل
أن يعانق الأرض ما أن تسقط أو أن تتلقى أضلعه ضربات
قبضتيها ويستقبل حضنه الأبوي صراخها وبكائها لكن شيئا من
ذلك لم يحدث وعيناه تراقب بتوجس التي أسدلت جفناها فوق
تلك الأحداق الذهبية الدامعة وهي تجتازه بكل هدوء لازالت
تتشبث بكتبها ومذكراتها في حضنها وكأنها تستجدي الصمود
منها تسير مجتازة لهم تباعا خطواتها الثابتة لا تصف أبدا
نظرة الضياع في عينيها المتحجرتين جهة باب المنزل وهي
تختار الموت وحيدة ... أجل هي كانت وحيدة دائما لم تجدهم
جميعهم حين احتاجتهم فما سيفعلونه لها الآن ؟ يشفقون عليها ؟
يشتموه أمامها ويدعموها بعبارات لن تجدي سوى في قتلها
أكثر ! أجل هذا ما سيفعلوه وبكل بساطة .
نزلت عتبات الباب الخشبية تشعر بكل خطوة منهم تضرب
جسدها كلسعات الكهرباء صعودا من ساقيها ووصولا لقلبها
النازف لازالت تهنئ نفسها المشفقة عليها لأنها أثبتت لها بأنها
أقوى مما تتوقع حتى الآن وأنها أجادت الدور الذي عاشت طوال
حياتها تتقمصه ولم تكن تتوقع أن تجيده هنا أيضا وأمام هؤلاء
الأشخاص تحديدا وبسبب الشخص الذي لم تتخيل يوما أن تحيا
من دونه بعدما التقته مجددا ووجدته أخيرا ... من علمها أن
الألم وجد ليكون ملازما لمن ولد معه وللأبد فها هو يعاقبها على
اختيارها وبأسرع مما كانت تتخيل بل وبأقسى مما كانت تستحق
... بل كان عليه أخذها معه هناك لترى ذاك بعينيها وليشهد على
انهيارها أمام الجميع وجسدها يعانق الأرض الباردة لأن ذاك
ما كان سيحصل عليه بالفعل .
ركبت سيارتها في جمود يشبه جميع حركاتها ... قناع هي نفسها
لم تعرفه يوما ولم تجيد وضعه أبدا من ضمن أقنعتها تلك جميعها
.. قناع خيالي في كل شيء سرعان ما سقط للأسف وبقسوة ما
أن انطلقت بها تلك السيارة الذهبية تسابق الريح لتترك العنان
لدموعها في انفجار يشبه ما تركته هناك خلفها وبركان لم يطفئه
ولا تصرفها الامبالي أمامهم وأحدهم جعل من الباب فريسته أيضا
لكن بخطوات غاضبة واسعة لم تشبه خطواتها تلك بتاتا قبل أن
توقفه اليد التي أمسكت بذراعه فنظر لصاحبها أنفاسه الغاضبة
تكاد تدمر أضلعه وقد شد أصابعه على ذراعه قائلا
" إلى أين يا شاهر ؟ ولست أتوقع بأنك تنوي اللحاق بماريه "
كان يعلم بأنه يقرأ أفكاره وأكثر منه هو نفسه ورغم ذلك قال
وبغضب لم يخمد منه شيء
" بعد البارحة لم يتبقى مما يربطني بتيم شيء لذلك لن أسكت
له عن هذه يا حارثة وإن كان أحدنا قاتل الآخر "
وسحب ذراعه منه بقوة وغادر من فوره متجاهلا تلك العبارة
الغاضلة التي لحقت به
" لا تعقد الأمور أكثر يا شاهر ... لا تضع عقلك بعقله يا رجل "
وحين لم يجد إلا الباب الذي صفقه خلفه جوابا على ما قال تحرك
من مكانه شاتما ولم تتوقف تلك الشتائم الغاضبة المتعاقبة حتى
وجد المفاتيح التي أسقط كل ما كان على الطاولة وحتى صينية
القهوة ليجدهم رغم أنها كانت أمامه وغادر أيضا تاركا اللتان
تبادلتا نظرات صامتة تائهة قبل أن تركض إحداهما جهة الباب
لتوقفها اليد التي أمسكت بطرف سترتها قائلة
" ساندي هل جننت أين تنوين الذهاب وما سيكون موقعك بين
ثلاث ثيران غاضبة ؟ "
لكن التي سحبت يداها من السترة تاركة إياها في يدي التي
تركتها خلفها لم يكن هدفها سوى ذاك الباب أيضا قائلة وهي
تضربه بعدما تركته مفتوحا خلفها
" قد لا تكون ماريه هناك أمي وذهبت لجامعتها بالفعل فمن
سيوقف ذاك الوحش عن قتل أحدهما "
وخرجت مسرعة متجاهلة التي قالت من خلفها تناديها من عند
الباب حانقة
" وهل ستفعلينها أنتي مثلا ؟ أجل فهو يحبك أكثر منها .... !
عودي فورا ساندي ولا تغضبي والدك منك "
وحين لم تجد لندائها أي رد أغلقت الباب ضاربة له بقوة
وتوجهت لتلك الفوضى عند الطاولة تجمع قطع الزجاج
المكسور متمتمة بضيق
" أنزِل اللهم السكينة على ذاك الشاب فلا يرملني أو ييتم نفسه "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 78 others like this.
رد مع اقتباس
#7427
قديم 14-02-18, 10:24 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
نزل من السيارة وركض فورا جهة الجسد المرمي على مقربة
منها ، الصرخة كانت لامرأة لكن عقله لم يستوعب بعد أن يكون
صدم امرأة حقا ! في هذا الوقت وهذا المكان والقرية المحافظة
بشدة فهو يستبعد حتى أن يكون رجلا ! جثى على ركبتيه حيث
الحقيقة التي لم يخفيها نور سيارته والقمر المستدير في السماء
وهو ينظر بصدمة للشعر الغجري الأشقر الطويل الذي غطى
نصف ذاك الجسد النحيل متناثرا حوله ونزلت نظراته المصدومة
لليدين شديدتا البياض والواضح بشكل ملفت للنظر وكأنه يريد
التأكد أكثر من أنها فتاة ... لكن أين ذهب سواد الجنوبيين
الحالك! هذه حتى بياض بشرتها فاقهم إنها بيضاء بشكل
ممرض! نظر خلفه ثم للفتاة الملقاة أمامه مجددا وأمسك رأسه
بيديه ففوق ذاك الفتى أزرق العينين الأخرس على ما يبدوا
والذي فر به من عقر ومعقل آل غيلوان ها هو يقف أمام مصيبة
أخرى وهو من عليه أن يكون في غرير قبل الفجر ليخرج
شقيقته من هناك كما وعدها .
عاد جهة سيارته الحوض وتوجه لصندوقها الخلفي فورا وصعد
له بقفزة سريعة وفتح الحبال عن الفراش الذي كان يضعه هناك
وبداخله بطانية خفيفة ووسادة يتركهما فيه احتياطا دائما لأنه
أحيانا يغادر بها من هنا حتى نجيران ويتركها هناك بعدما
يركب الحافلة من هناك ، فتح باب صندوق السيارة الجانبي كما
تم تصميمها وعاد جهة المرمية مكانها غائبة عما حولها تماما
ومرر يديه من تحت ذاك الجسد برفق تخترق أصابعه تراب
الأرض اللين كي لايؤذيها وليس يعلم ما الضرر الذي وصل
له جسدها ، رفعها عن الأرض برفق وتوجه بها ناحية السيارة
بخطوات سريعة نظره على طريقه كي لا يتعثر ويقع بها أو
يوقعها فيزيد حالها سوءا على السوء الذي ليس يعلمه حتى
الآن ، وضعها برفق في صندوق السيارة وتوجه من فوره
للجالس في الأمام وقال ناظرا لحدقتيه الزرقاء المحدقة به
وكأنه يعلم أساسا إن كان سيسمعه أم لا
"هل تبقى معها في الخلف أو تعرف القيادة فتقود أنت ؟ "
وحمد الله حين فتح ذاك الشاب بابه ونزل من السيارة فعلى
الأقل هو أخرس وليس أبكم فلعل ليلته العجيبة هذه تنتهي
بسلام ... ليلة الشواذ الغريبين هذه حتى أنه انتابه الشك أنه
في جنوب الحالك فعلا ! صعد خلف المقود وتحرك من هناك
يحاول السير بطريقة مستقيمة تابثة من أجل الموجودة في
الخلف والإسراع قدر الامكان ذات الوقت كي لا يندم على تأخره
إن كان سيكون السبب في موتها أو تضررها بشكل مستديم ،
ما يطمئه أنه لم يرى دماءً حتى الآن رغم أن حوادث الاصطدام
يموت صاحبها أغلب الأحيان دون أن تنزل منه قطرة دم بسبب
النزيف الداخلي وأقل ما قد يتعرض له هو الكسور لكن ما
يطمئنه أيضا أن الأرض ترابية زراعية ورخوة فسرعة
السيارة عليها مهما كانت لن تكون كسرعتها على الطرق
المعبدة واصطدام جسدها بالأرض سيكون أقل ضرار ، لكن
هذا أيضا لا يستدعي الطمأنينة التامة فسيارته كانت مسرعة
وهي خرجت أمامه فجأة .
شد قبضتيه على المقود واستغفر الله متنهدا بعمق مغمضا
عينيه قبل أن ينظر لطريقه مجددا وجل ما يخشاه أن يقحم نفسه
في مشكلة لا نهاية لها خاصة أنها فتاة من صدمها وفي هذا
الوقت ، لكنه لم يكن ليتركها ويفر هاربا لن يستطيع فعلها أبدا
وقد تموت ولن يعلم عنها أحد ويحمل هو ذنبها ليوم القيامة ،
كان أهون عليه أن يسجن أو يلبس تهمة ولا أن يتركها
بعدما صدمها وإن كانت هي من ظهرت أمامه فجأة .
نظر للخلف وللجالس قرب تلك الجثة التي لم تفارق الحياة
بعد فكان جالسا عند رأسها ينظر للفراغ شعره الأسود الناعم
متدلي على جبينه تتلاعب به النسائم وعاد بنظره للأمام وتنفس
بعمق ، نحول جسد ذاك الشاب رغم طوله لا يستطيع معه تقدير
عمره الحقيقي لكنه موقن من أنه لم يبلغ العشرون عاما بعد هذا
إن اجتاز الخامسة عشر أساسا ، يحار في قصته ومتشوق فعلا
لمعرفتها فمن يكون وما كان يفعله هناك في أراضي وحوش
الجنوب كما نعتهم بعض العمال أمامه فأفراد تلك القبيلة وتلك
العائلة وأبناء عمومتهم تحديدا يخشى حتى الطير من التحليق
فوق أملاكهم فهل هذا الشاب يعيش هناك ؟ لما كان مطاردا إذا
ومن هذا الذي كان يلحقه وهو على قدميه ومطارده يقود السيارة
كما فهم ولاحظ ! جل ما يخشاه أن يمسكوهما معا وحانت حينها
نهايتك يا يمان .
نظر له مجددا وليس يعلم ما الذي يشده له يشعر بأنه يعرفه وبأنه
يفهم ما يدور في داخله وإن لم يعرفه ! عاد بنظره للأمام قبل أن
يرجع به سريعا للخلف ينظر بصدمة للذي بدأ بمسح دموعه قبل
أن يدفن عيناه في كفه ومن حركة كتفيه علم بأنه كان يبكي !!
هل الفتاة تقرب له وعرف من تكون ؟ لكنه لم يراه ينظر لها
مطلقا فهل بسبب من كان يهرب منه أو ما حدث له وقت
هروبه !
عاد بنظره للأمام وتمتم متنهدا بأسى
" يا رب لتمضي هذه الليلة على خير فقط هذا ما أريده "
*
*
*
نقل نظراته بين عينيه ولم يعلق وكأنه تاه تماما في ليلهما الأسود
العميق الغامض فقال مطر بجدية
" ماذا قلت يا قاسم موافق على شرطي الوحيد أو ينسى كلانا
الأمر تماما ؟ "
أبعد نظره عنه حدقتاه تتحرك بضياع للأسفل وكأنه دخل متاهة
مع نفسه فاستحثه الجالس أمامه قائلا
" لا يطول صمتك يا قاسم فالاختيار بيدك وبكلمة نعم
أو لا فقط "
رفع نظره له مجددا وقال
" لا تصعب الأمر عليا يا مطر بما تقوله "
قال بجدية محدقا في عينيه
" أنا لم اصعب عليك شيئا ... تيما ابنتي ولن أريد لها إلا ما
سيكون في صالحها إن اليوم أو بعد أعوام ونحن نتحدث عن
أمر قد لا يحدث أبدا لكن إن حدث ستكون ملزما بتنفيذ شرطي
يا قاسم أو سآخذ ابنتي منك حينها ورغما عن كليكما "
قبض الجالس أمامه على أصابعه بقوة وقال
" مطر أنا أريد ابنتك زوجة لي وأنت تعلم أن ما ..... "
قاطعه قائلا
" أعلم يا قاسم ولا تحاول أن تغير رأيي ولا شرطي لأني لن أفعل
وتحت أي ضغط كان وأعتقد أن ذلك من حقي يا ابن عمتي "
تنفس بعمق مفمضا عينيه فهذا الرجل لا يعطيك فرصة ولا
لتتشاتجر مع عقلك وتتعاقد مع قلبك وتلقي بنفسك للهاوية فهو
يرى الجميع مثله القرار لا يأخذ لديه ثوان معدودة ولا يتراجع أو
يندم عليه فيما بعد ومهما حدث ، نظر له وقال دون تردد
" موافق "
ابتسم وقال
" إذا بقي أن نأخذ رأيها وهذا ستتركه لي ولن تتحدث عنه معها
يا قاسم ولا بتلميبح حتى اخبرك أنا بقرارها "
نظر له بصدمة تبدلت للاستغراب تدريجيا يتنقل بنظره بين عينيه
يحاول ترجمة ما يعني بكل ذلك وما فهمه سريعا أنه عليه أن
يبتعد عنها حتى تقرر لكن لما ؟ هو كان يريد التحدث معها عن
سوء التفاهم بينهما أولا بل وكل تلك العقبات التي وضعها بنفسه
بينهما والآن .... قاطع الجالس أمامه أفكاره كما نظراته تلك قائلا
" أريد وعدا يا قاسم "
فنظر للسقف ونفخ الهواء المسجون في رئتيه من شفتيه بقوة
قبل أن ينظر للأسفل ممررا أصابعه في شعره يتكئ بمرفقه على
الطاولة أمامه فقال الجالس أمامه مجددا يقطع عليه من جديد
فرص الحوار مع نفسه
" لست أطلب أمرا صعبا يا قاسم وأريدها أن تقرر من نفسها
بعيدا عني وعنك وموافقتك على هذا شرط إلزامي "
رفع نظره له وقال فاردا كفه
" لم تترك لي خيارات أخرى .... أعدك لن أتحدث معها في الأمر
فلا تماطل أنت يا مطر في أخذ رأيها "
ابتسم ابتسامة جانبية وما أن كان سيتحدث رن أحد هواتفه
مقاطعا له فنظر له عاقدا حاجبيه ونظرات الجالس أمامه تتبعه
باستغراب وهو يقف مجيبا
" أجل ما بكم ؟ "
كانت نظراته تراقب التبدل الواضح في ملامحه فعلم أنه ثمة
مصيبة ما حدثت أو ستحدث عما قريب ! بل هذه ليست من أي
نوع على ما يبدوا فلم يرى هذا التجهم في ملامحه سابقا وفي كل
ما مر بهم وهم في بلاد المهجر هناك ! راقبته نظراته المتوجسة
وهو يتحرك نحو النافذة بخطوات بطيئة وقد تخللت أصابع يده
الحرة شعره الأسود الكثيف وقال بجمود لم يغطي أبدا القلق في
نبرته المبحوحة المميزة
" ابقوا خلفها ولا تغب سيارتها عن ناظركم مفهوم "
فصل بعدها الخط معهم وأجرى اتصالا آخر والجالس خلفه وقف
هذه المرة ولازال ينظر لقفاه بقلق وقد بدأ بضرب قبضته على
إطار النافذة أمامه وكأنه بركان على وشك الانفجار وقال بعد
برهة لمن يبدوا بأنه أجاب عليه سريعا
" أبلغوا الوحدة الرابعة والسادسة في القوات الجوية الحربية
بالاستعداد فورا وخلال ساعة والفرقة مئتين مشاة بتطويق
اليرموك خلال ساعتين أيضا وانتظروا أي أوامر أخرى مني ..
سأكون عندكم خلال وقت قصير "
وما أن التفت للخلف نظر للذي وجده في وجهه وقد أمسكت يده
بذراعه قائلا بجدية
" مطر تعقل ولا تتهور في فعل أي شيء دون تفكير فتلك ليست
عادتك ، ضرب اليرموك بدون أسباب منطقية ولا تنسيق وبدون
انذار مسبق لمن فيها معناه حرب وشيكة قد لا تنتهي أبدا "
سحب ذراعه منه قائلا بحدة
" لا أحد أعقل مني الآن ولم ترى جنون مطر شاهين بعد فليحدث
ما أتوقعه فقط وسأحرق اليرموك حرقا بالمدافع "
وتحرك مجتازا له وقد استدار معه ولم يترك لهم الذي فتح الباب
ودخل أي مجال لا لمغادرة الذي وجده أمامه ولا ليتحدث الواقف
خلفه هناك وهو يمسك بذراع مطر وفي يده هاتفه وقد مده له
قائلا ببطء مريب
" زيزفون اتصلت تريد التحدث معك يا مطر وتبدوا لي ليست
بخير "
نظر له بصدمة وهو من يعلم بأن حلقة الوصل بينهما شخص
ثالث ولا هاتف لديها ولم تفعلها سابقا ! سحب الهاتف من يده
دون أن يسأل أو يعلق بشيء ووضعه على اذنه قائلا
" زيزفون ماذا حدث ؟ "
ليصله ذاك الصوت الهامس المرتجف بسبب البكاء فورا
" مطر .... شقيقي ...أأين إسحاق ؟ أنقذه يا مطر أرجوك
إنه في خطر "
عقد حاجبيه ناظرا للفراغ وقال
" حسنا اهدئي يا زيزفون سيكون كل شيء على ما يرام هو
على اتصال دائم بنا و..... "
قاطعته ببكاء لم يسمعه يوما في صوتها ولم يراه في عينيها
طوال معرفته بها ورغم كل ما مرت به
" وأنا أشعر به يا مطر ... شقيقي ليس بخير إنه خائف .. خائف
وبشدة ووحيد ، مطر أرجوك لا تتخلى عنه لا تجعلني أفقده
أيضا "
رفع نظره بالواقف أمامه ينظر له بتوجس وقال
" حسنا سأتكفل بالأمر أقسم لك يا زيزفون وسيكون بخير
لا تقلقي أنتي اهتمي فقط بما هو موكل إليك "
وصله صوتها مباشرة
" لا تحاول التحايل عليا يا مطر أنا أشعر به كما أثق بك أيضا "
وأنتهت المكالمة عند ذلك فأبعد الهاتف عن أذنه ينظر له
بوجوم وقال الواقف أمامه ينظر له بفضول
" ما بها ! لما تتصل على غير العادة ؟ "
مد له هاتفه قائلا
" قم بكل ما يلزم بخصوص الرقم فهو لوقاص وسنغير رقمك
قبل الصباح "
وابتعد متوجها لطاولة مكتبه وأخرح هاتفا آخر منها على
اقتراب دجى نحوه قائلا
" مطر أنا سألتك ما بها ؟ "
رفع نظره من الهاتف في يده له وقال
" قالت بأن إسحاق ليس بخير وأنت تعلم أنهما توأمان مرتبطان
ببعضهما بشدة خاصة زيزفون ناحية شقيقها وعلينا أن نأخذ
حديثها بعين الاعتبار فلن يكون مبنيا على الأوهام أبدا "
تجدمت نظرات دجى المصدومة عليه بينما بدأ هو بالاتصال برقم
هاتفه ويكرر ويعيد وعلى غير العادة هو لم يراسله فهذه طريقة
تواصلهم وهو لا يتصل به إلا نادرا وكان يرسل بإشارته فورا
فيتبادلا الرسائل ..... قبض أصابعه على الهاتف الذي كان ينظر
لشاشته وصوت طنين الاتصال فيه لا يزيد أجواء ذاك المكان إلا
توترا وقد شغل مكبر الصوت لأنه لن يحتاج لوضعه على أذنه ،
تكرر الرنين مرة اثنتين ثلاثة وعلت الوجوه الصدمة حين انفتح
الخط وخرج من ذاك الجهاز الأسود المسطح صوت رجولي خشن
غاضب
" من أنت ؟ "
تبادلت تلك الأحداق نظرات صامتة مصدومة قبل أن يرتفع ذاك
الصوت مجددا بحدة " تكلم من أنت ؟ أنت سيد هذا الجاساوس
أليس كذلك ؟ جهز كفنه إذا فهو ميت "
وانقطع الاتصال فارتفعت نظراته المصدومة للذي اقترب منه
وأمسك بياقة قميصه قائلا بحدة
" مطر ماذا حدث لابن شقيقتي ؟ أجب الآن "
أبعد يده عنه قائلا بضيق
" أنا هنا معك ما يدريني ما يحدث هناك "
مرر دجى أصابع يديه في شعره وقال ناظرا له بضياع
" قال جاسوس أي أنهم اكتشفوا أمره أي أنه ... "
لكمه في صدره بقبضته صارخا بغضب
" أنت السبب يا مطر تحمل النتائج إذا وأولها ما سيحدث
لزيزفون إن فقدت شقيقها "
سند يده على الطاولة ونظر للأرض أنفاسه تخرج كالإعصار
قبل ان يرفع الهاتف مجددا واتصل بمن أجاب فورا فقال مباشرة
" حددوا موقع الرقم الذي اتصلت به الآن وسريعا فهو متحرك
ويبدوا في سيارة "
وما أن سمع كلمة حاضر سيدي رمى الهاتف من يده على
الطاولة وخرج من هناك بخطوات سريعة متجاهلا الذي سار خلفه
مناديا له حتى كان في الخارج وأمام سيارته فوقف أعلى عتبات
الباب وأشار له بسبابته قائلا بحدة
" مطر لا تنسى بأنك حين اخترت تكبيلي عن فعل أي شيء بأنك
المسؤل عن أبناء شقيقتاي وأولهم زيزفون التي رميتها هناك في
حالتها تلك ثم شقيقها الذي سلمت عنقه لعائلة غيلوان بيديك
وستتحمل النتائج "
نظر له وقال بضيق
" عمي لما لا تتوقف عن رمي الكوارث على عنقي فكل واحد
منهما اختار ذلك لنفسه بنفسه وأصر عليه وما أردت إلا ما في
صالحهما فأنت تعلم أي حالة فيها كل واحد منهما "
صرخ فيه بغضب من فوره ملوحا بيده
" أخبرني الآن إذا أين هو إسحاق وما الذي سيستفيده مما
حدث ؟ "
وجاءه الرد الغاضب بالمثل فورا
" الآن علي فعل أمر واحد فقط وهو أن أوقف جنون ابنتك قبل
أن تضيع نفسها وغيرها والمتهم أنا حينها بالطبع "
وركب سيارته ضاربا بابها خلفه وانطلق من هناك هاتفه على
أذنه تاركا الذي يشتعل هناك واقفا مكانه قبل أن يستدير عائدا
من حيث خرج ووجد أمامه الواقفة عند الباب تمسك يدها بإطاره
تراقبه بعينين باكية فتوجه نحوها فورا وشدها لحضنه يخفي فيه
بكائها وعبراتها هامسة
" ما بها والدتي ؟ متى ستنتهي همومهما جدي ؟
متى سيشعران بي ؟ "
قبل رأسها وقال ماسحا على شعرها
" حين يقرر والدك أن يتوقف عن إيذاء نفسه قبلها بالطبع
يا تيما "
ثم أبعدها عن حضنه وأمسك وجهها وقال ناظرا لعينبها
" تيما توقفي عن إيذاء نفسك أنتي أيضا فحربهما هذه لن تنتهي
حتى يقررا كليهما ولن يهتم أيا منهما بدموعك هذه "
حركت رأسها برفض هامسة بعبرة
" لا أستطيع جدي لما تطلبون ما هو فوق استطاعتي ؟
ألست تشعر بها وتغضب من أجلها لأنها ابنتك ؟
فكيف بي أنا ابنتها وابنته أيضا ؟ "
لم يعلق على ما قالت وقد حضنها من كتفيها بذراعه وسار بها
جهة ممر غرفتها يضم رأسها ويدفن وجهها ودموعها في صدره
مجتازان الواقف هناك تراقب عيناه التي وحده في ذاك المكان
محروم من الاقتراب منها ... من وحده المحرمة عليه وحضنه
يرتجف شوقا لدفن دموعها فيه .
*
*
*
وصل مستشفى البلدة وأوقف السيارة أمام بابه المفتوح ودخل
راكضا يبحث بنظره في الممرات الفارغة قبل أن يصرخ مناديا
" هل من أحد هنا ؟ ثمة حالة طارئة "
فانفتح أحد الأبواب نهاية الممر وخرج منه رجل بمعطف طبي
تتبعه فتاتان وركضوا نحوه فأشار لهم وهو يسير أمامهم
" إنها فتاة صدمتها في بداية الأرض الزراعية وهي في سيارتي
في الخارج "
فركضوا جميعهم هناك ونظر باستغراب ما أن وصلوا فلم يجد
الفتى الذي تركه هناك ولم يهتم أيضا بالبحث عنه فمؤكد
سيواصل هروبه من مطارديه أو أنه يخشى أن يعرفه أحد هنا
وهذا جل ما يخشاه أن يكون ساعد مجرما على الفرار رغم أنه
موقن من أنه ليس ثمة من أكثر إجراما من تلك العائلة
ليطاردوا مجرما أكبر منهم .
وصلوا السيارة وفتح لهم صندوقها من الجانب فمد ذاك يده جهة
شعرها المغطي لوجهها فورا فأوقفته تلك اليد التي أمسكت
برسغه ودفعها له قائلا بحزم
" لما تكشف عن وجهها ؟ "
نظر له بضيق وقال
" لأشبع عيناي بجمالها فما رأيك ؟ أريد أن أتأكد من أنها
لازالت حية "
أشار لها برأسه قائلا بضيق
" ها هي أمامك تتنفس بوضوح ، أنت تريد رؤيتها ومن
تكون ليس إلا أفلا تستطيع الانتظار قليلا حتى تدخلوها ؟ "
نظر له مستوي في وقوفه وقال بضيق أكبر
" ولما سأتعب نفسي وأنا أعرف من تكون ؟ أنا أعرفها من
دون أن أراها فأسعفها أنت لأرى ؟ "
وغادر المكان غاضبا وتلك النظرات الحانقة من ورائه تتبعه ...
نظر للواقفتان قربه وقال
" انقلوها هيا ماذا تنتظران "
نظرتا لبعضهما قبل أن تنظرا له مجددا وقالت إحداهما
" ذاك الذي غادر هو الطبيب فمن سيعاينها ؟ "
لوح بيده قائلا بضيق
" أي طبيب هذا الذي لا يفكر سوى في الكشف عن وجه امرأة
قد تكون بين الحياة والموت ؟ "
لم تعلق أي منهما تتبادلان النظرات الصامتة فنظر حوله قبل أن
ينظر لهما قائلا بذات ضيقه
" أين أقرب مستشفى كبير من هنا ؟ "
قالت إحداهما رافعة كتفيها
" في إحليل إنها تبعد عن هنا مئة وعشرون ميلا تقريبا "
نظر لها بصدمة قبل أن يبعد نظره عنها متنهدا بضيق ... مئة
وعشرون ميل أي أكثر من ثلاث ساعات قيادة وفي طرقات
أغلبها وعرة وهذه السيارة لن تسلك نصف الطريق قبل أن
تتوقف متعطلة ، نظر لهما مجددا وقال
" لابد وأنه ثمة سيارة إسعاف هنا ، حتى متى سنقف نتفرج
وهي شبه ميتة هكذا ؟ "
قالت الأخرى وكأنهما متفقتان عليه
" سيارة الاسعاف الوحيدة هنا نقلت حالة ولادة متعسرة من
ساعة تقريبا ولن تصل هنا قبل خمس ساعات "
أشار لها بيده وقال بنفاذ صبر
" لنبحث عن أحد ينقلها إذا ؟ أي المنازل أقرب إلى هنا يملك
صاحبه سيارة جيدة ؟ "
نظرتا لبعضهما ولم تعلقا فقال ينقل نظره بينهما
" ما بكما ؟ هل سألت سؤالا لا جواب له ؟ "
قالت التي وجدت الشجاعة لتنطق وتقولها
" لا أحد سيأخذها ... لا تتعب نفسك "
نظر لها بصدمة وقال باستهجان
" ماذا ...؟ ولما أهي من عمال غيلوان أيضا ؟ "
حركت شفتيها بامتعاض قائلة
" بل هي ابنتهم "
نظر لها بصدمة لم يجتازها بسهولة ... ابنة عائلة غيلوان !
مرر أصابعه في شعره ونظراته لازالت شاخصة في الفراغ فما
سر هذه العائلة تخرج له من كل مكان ! لا يستبعد أن تكون
نهايته أيضا على يديهم ختام الأمر وكأنه وجد هنا فقط ليواجه
مشاكلهم ، نظر لذاك الجسد والشعر الأشقر في سيارته ... عائلة
غيلوان !! من أين لعائلة من عمق الجنوب بشعر أشقر كهذا !
بل كيف سيتصرف الآن وما معنى ما قالته بأنه لا يستطيع أحد
أن .... !! التفت للخلف فجأة حين صاحت إحدى الممرضات
بمفاجأة
" فجر !! "
فنظر عاقدا حاجبيه للتي اقتربت من مجال الإنارة أكثر والتي لم
تخفى نظرات الدهشة في عينيها كما الاستغراب في عينيه ففي
أبعد أحلامها لم تتخيل أن يصطاد مخططها هذا الشاب تحديدا
ومن تمنته سابقا لا سواه ! أن يخرج لهم من العدم فقط لينقذها .
اقتربت مسرعة ناحية الذي التفت جهة الواقفتان خلفه قائلا
" أهي طبيبة ؟ "
قالت التي ركضت نحوها
" لا لكنها بخبرة الأطباء "
وتبعت نظراته المستغربة التي لحقت بهما أيضا جهة الموضوعة
في السيارة بلا حراك وقد بدأت تلك فورا بقياس نبضها فقال ناقلا
نظره بينهن
" نريد سريرا لا يمكن نقلها للداخل بطريقة قد تؤذيها "
نظرت له التي وضعت لها يدها بجانب جسدها قائلة
" يوجد سرير لكن كيف سنصعد به من عتبات الباب ؟ "
اقترب ناحيتهم قائلا
" أنتم فقط أحضروه وسنرفعه رفعا للداخل "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 76 others like this.
رد مع اقتباس
#7428
قديم 14-02-18, 10:27 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
مرر أصابعه في شعره مشبكا يديه عند نهاية عنقه يستند بمرفقيه
على ركبتيه ونظره على الهاتف الموضوع على الطاولة أمامه
فوق تلك الجريدة لا يفهم من منهما سيتحدث أولا الصورة أم
الشاشة الالكترونية المسطحة أم الطاولة ذاتها وليس يفهم أيضا
ما هذا الذي يفعله ويحدث له ! لم ينم البارحة ولم يغادر شقته
حتى الآن ولم يعد يعلم أهذا هو أم شخص آخر ليس اليوناني
تيموثي فالكون ولا العربي تيم كنعان ! ليس يذكر متى آخر مرة
تلك التي شعر فيها بأنه شخصيتان مختلفتان فلطالما أجاد الدورين
.. أجاد الازدواج في شخصيته وبحرفية فإن أراد أن يكون الفتى
المحارب كان وإن إراد أن يكون الطبيب الذي يتعامل مع
مخلوقات بحجم كفيه كان كذلك ولم يعد يذكر متى بات يتعثر ما
بين شخصيتيه هاتان ؟ منذ عرف تلك الفتاة الانجليزية أم منذ
دخلت العربية حياته مجددا وأصبح أداء الدورين أشد صعوبة
مما تخيل .
أغمض عينيه وتنفس بعمق وهذه عادة جديدة اكتسبها أيضا
ضمن لائحة طويلة ولازال هناك المزيد فهو لم يجرح امرأة
واحدة البارحة بل اثنتان وكأنه وجد هكذا ليفعل ذلك فقط فما
ذنب تلك الانجليزية إن كانت عاشت في بيئة وعالم لا حدود فيه
لما تريد فعله ولا شيء أسمه ممنوعات ولا محرمات لتواجه
قسوته بل ووقاحته وهو يخبرها أولا بأنه لا يحتفل بالمشروبات
مثلهم وكان رد فعلها متفهما جدا
( أفهم هذا تيموثي فعملك لا يسمح بذلك ولا في أيام العطل لأن
أدمغتكم عبارة عن صناديق أسرار مرفوض فتحها أبدا )
فكان عليها تقبل الأولى لكن الأخرى كانت أقسى من أن يتفهمها
ذاك العقل الانجليزي محدود التفكير وباتت تلك العبارة الحانقة
تتكرر ( لما عليك أن تكون يونانيا ونصفك الآخر انجليزي ولما
عليك أنت وحدك أن تتمسك بمعتقدات اليونان بل والقدامى من
اليونان وترفضني بكل قسوة تيموثي فمن حقنا أن نحتفل
بخطوبتنا لوحدنا بعيدا عن كل تلك الأعين )
وليست تعلم بأنه ليس كلاهما بل عربي شرقي يرفض أن يلمس
غيره امرأته لا قبله ولا بعده وأنه مسلم تربى على شعار واحد
حتى أصبح شابا
( ما ليس لدينك ليس لك يا تيم وليس ثمة مسميات أخرى
للحرام )
عبارة اشترك فيها أكثر شخصان صنعا تيم كنعان .. والدته ومطر
شاهين .. وكأن أحدهما لقنها للآخر فأي طريقة تلك التي لن
تكون قاسية كما تريد تلك الفتاة ولا يجرحها برفضه لما أرادته
هي منه ورفضته الأخرى وهو يكاد يتسوله منها في أقسى
لحظات ضعفه كتيم كنعان وكتيموثي فالكون .. لحظات استطاع
أن يكرهها فقط بعد أن ابتعد عنها ولم ينتابه ذاك الشعور الكريه
الحارق وقت وجودها بين ذراعيه .
ضرب بيده مجسم قطعة الشطرنج أمامه ليتدحرج على الأرض
مصدرا ضجيجا من ذاك النوع الصلب في صمت المكان الذي
رفض ولا فتح نوافذه فلا ضجيج بعد يكفيه ما يضج به دماغه
فهو يغلي دون توقف ومنذ متى في ليلة البارحة لا يذكر.
ارتفعت نظراته الحادة جهة باب الشقة وصوت رنين الجرس
المثبت بجانبه يجتاح المكان وبقوة ودون توقف فنقل نظره منه
لهاتفه وكأنه يبحث عن جواب لدى أحدهما لما يخرج الرنين من
الشيء الخطأ ؟ هذا الجهاز هو ما يفترض به أن يحدث هذا
الضجيج لا ذاك ولم يكن يعلم أن ما كان ينتظره من ذاك الجهاز
الرقمي قادم له من الباب أيضا فماذا توقع مثلا اتصال من شبكة
المباحث في المطار ليخبروه بأنها حجزت رحلة ما للوطن ؟
اخطار من جامعتها بأنها لم تصل لمدرجات قاعة محاضرتها حتى
الآن ؟ أو أنه ينتظر أمرا آخر يحاول فقط تجاهل تفسيره !
لكن أن يصل أحدهم لباب شقته ذاك ما لا يجد له تفسيرا ولن
يصدق أن تكون هي من فعلتها وجاءت لتنفث نيران غضبها به
فتلك ليست شخصية ماريه هي رقيقة في كل شيء حتى في طرق
تعذيبها تستخدم الرقة فقط وتترك فريستها تتلوى في ألم عذاب
الضمير أو ألم طعنة خفية لا يشعر بها خصمها حتى توقعه تماما
وذاك ما حدث معه طوال ليلة البارحة وهو يتذكر كل كلماتها تلك
ليقع عليه عقابها الأول ثم مشهد عيناها الباكية تتراقص تلك
الخصلات البنية أمام عينيها ووجهها وتلك النظرة التي قرأ فيها
أمرا واحدا واضحا وجليا ( أنت لست لامرأة غيري ) قالتها
عيناها وإن رفض لسانها قولها لتودعه فقط بتلك العبارة
المدمرة ( ليس هكذا )
أجل ليس هكذا ماريه أنا أعلم وما كنت لأقتلك بتلك الطريقة لكنك
لم تتركي لنا خيارا سوى أن يقسوا أحدنا على الآخر لتحتفضي
أنتي بكبريائك وأنا بسطوة قراراتي فتحول كل واحد منا لمتهم
في نظر الآخر .
وقف متأففا من ذاك الأسلوب الفض في اجتياح عزلة الآخرين
فلم يعرف أحدا طوال مكوثه هنا يضغط زر الجرس لأكثر من
مرتين ويغادر إن لم يفتح له الباب وكأن الشيطان حين يسرق
تعاليم ديننا من عقولنا تباعا يأتي بها هنا لأناس لن تستفاد
منها في شيء وتلك هي لعبته للأسف والمؤسف أكثر في الأمر
أننا نعلم ، ما أن وصل الباب توقف الجرس عن الرنين فجأة فعلم
أنه ثمة أمر ايجابي حدث اليوم أخيرا فتجاهل فتحه والتحقق ممن
كان خلفه وعاد جهة الأريكة التي كان يجلس عليها ورفع سترته
وهاتفه فعليه المغادرة الآن فبإمكانه أن يصل للمنظمة متأخرا
لكن لا يمكنه أن لا يذهب مطلقا .
*
*
*
نظر لساعته ثم للغرفة المغلقة أمامه ووقف مجددا وبدأ بالتحرك
في ذاك الممر الطويل بتوتر فمنذ علم بأن تلك المرأة من عائلة
غيلوان وهو يستشعر وجود مصيبة في الطريق ونصف عقله
يقول له غادر هذه البلدة ولا ترجع لها مجددا فمن يعلم بأنه أنت
من كان هنا والنصف الآخر يرفض ذلك وبقوة فهل سيتخلى عنها
وهو من صدمها ؟ عليه أن يطمئن على حالتها أولا وأنها بخير
وأن يساعد في نقلها من هنا إن دعت الحاجة ثم يقرر فهذا
المستشفى وإن كان صغيرا فتجهيزاته حديثة نوعا ما ويمكنهم
تقدير خطورة حالتها على الأقل .
عاد بخطوات شبه راكضة نحو باب الغرفة الذي انفتح فجأة
ونظره على التي خرجت من هناك وقال بتوجس
" كيف هي حالتها ؟ علينا التصرف إن كانت تحتاح لأن ننقلها
من هنا "
نظرت له الواقفة أمامه ومن حاولت جهدها أن تخفي حماسها
وسعادتها بأن كان هو تحديدا من صدمها وجلبها إلى هنا ولم يفر
تاركا إياها خلفه فنظرتها له لم تخب أبدا ومتأكدة من أنه
الشخص الأنسب لابتلاع الطعم فما أن سمعت من تلك الممرضة
ما حدث في الخارج وكيف تشاجر مع الطبيب تأكدت من أنه
الرجل المناسب لها ومن سينتشلها من الشارع ومن مصيرها
المجهول بل ومن همومها ومن عائلة غيلوان بأكملها فذاك
الطبيب بالفعل تعمد أن يراها أولا ويتأكد من أنها هي ولازالت
تذكر المرة الوحيدة التي زارتها فيها هنا خلسة وقد رآها وقتها
ومنذ ذاك اليوم لا يتوقف عن سؤالها عنها بطرق ملتوية غالبا
وما أن سئمت منه وأخبرته بأنها من تلك العائلة ليرحمها لأنهم
ذوي سيط مرتفع حتى مع من يعملون هنا وليسوا من الجنوب
فتنحى جانبا ذاك الجبان رغم معرفته بقصتها والتي تعمدت ذكرها
أمامه لعله يفكر فعلا في الارتباط بها لكنه جبان كغيره وكسابقيه
أما هذا رمادي العينين فمتأكدة من أنه لن يتهرب بل ولن يهرب
من باقي مخططها وشهامته لن تسمح له بالتخلي عنها وإن كانت
ابنة شعيب غيلوان نفسه وليست حكاية معقدة وفتاة لم يستطع
أحد نسبها لأحد سوى عبد الجليل غيلوان ابن عمومتهم وشقيقة
ابن شقيقهم فبعد انضمام هازار شقيقها لجيش ابن شاهين ثارت
ثائرة أبناء غيلوان على تلك العائلة الصغيرة وبعد رحيله معه
وقت اختفائه ازداد الحقد ناحيتهم حدة وأصبحوا جزء منبوذ من
القرية من خالف الأوامر أو تلك العقوبة المفروضة عليهم عوقب
وبأبشع الطرق أما هذا فقد جلب أحد عمالهم دون أن يهتم أو
يخاف والآن تشاجر مع الطبيب فقط لأنه كان يريد الكشف عن
وجهها بل ولم يفر هاربا كغيره حين علم أنها ابنة تلك العائلة أي
أنه لن يتخلى عنها بل وضميره الذي لم يشيع بعد سيجعله يسير
على خطتها حرفيا .
قال بريبة ما أن طال صمتها وتحديقها الغريب به
" لما لا تتكلمين يا آنسة هل وضعها سيء ؟ هل ماتت ؟ "
أشارت برأسها نفيا بسرعة وقالت
" لا لكن ثمة .... "
ونظرت خلفها للممرضة التي خرجت ثم عادت بنظرها له
وقالت مشيرة بيدها للباب خلفه
" هل نتحدث في مكتب الطبيب "
نظر ورائه بديهيا ثم لها وقال
" حسنا "
فتحركت من فورها مجتازة له وفتحت الباب ودخلت وانتظرته
حتى دخل وأغلقت الباب خلفهما ، مخالفة لكنها تحتاجها فلا
تريد لأحد أن يسمع ما ستقوله وقد تكون ردة فعله عنيفة أو غير
متوقعة ويخرج صوته وتسمع احداهما ما سيقولان وينتشر من
قبل أن تظهر شمس الصباح في تلك البلدة الصغيرة التي يعرف
فيها الجار متى عطس سابع جار له ، ومن نعم الله عليها أن ذاك
الطبيب اختفى من هنا فهو من كانت تخشى أن يفسد الأمر فهي
كان بإمكانها الكشف عنها بدلا عنه وهذا ما يحدث مع حالات
النساء دائما إلا إن استدعى الأمر تدخله لكنها خشيت أيضا من
أن يغالط ما ستقول أو أن يصر على التدخل فهي تعلم بأنه سيفقد
عقله الصغير حين سيراها كما حدث تلك المرة وهذا الشهم
الجالس أمامها الآن خلصها من جميع المعوقات وكأنه يحيك
الخيوط حول نفسه وليس على العنكبوت سوى التهامه فقط .
تنفست بعمق وقالت ناظرة لعينيه المحدقتان بها بقلق
" الحوادث المشابهة هنا لا يتضرر فيها المصاب بشكل بليغ
جدا بسبب طبيعة المكان فلا طرقات داخلية معبدة تسرع عليها
السيارات ولا أرصفة تحطم عظام من يصطدم بها بقوة لكن
الأمر لا يخلوا دائما من الكسور والرضوض والخدوش "
قال بشيء من الأمل
" تعني أنها بخير وكل ما في الإمر رضوض وكسور ؟ "
نظرت للأسفل قبل أن تنظر له مجددا قائلة
" حسنا هذا بعض من كل ... ثمة كسر في عضمة الحوض
وهو كسر مزدوج ولا يعد أمرا خطرا لكنه يحتاج لعناية قبل
أن يشفى ، هذا غير الرضوض والجروح البسيطة طبعا "
قال مبتسما
" حمدا لله ... أنا على استعداد للتكفل بمصاريف علاجها وسأجلب
سيارة لنقلها للمستشفى هناك إن كان الأمر ضروريا وسأتحدث
مع عائلتها أيضا وتنتهي المشكلة "
قالت من كان عليها تحطيم ذاك التفاؤل فلا حل غير ذلك وليغفر
الله لها
" لكن المشكلة لن تنتهي هناك يا سيد "
نظر لها باستغراب فتابعت من فورها
" المشكلة تكمن في التمزق العرضي الذي سببه ذاك الكسر "
قال بحيرة
" تمزق .... !! تمزق في ماذا ؟ "
نظرت لأسفل ولحركة سبابتها على ورقة الكشف تحتها وقالت
بتردد
" اممم ... حقيقة الأمر كنت أتمنى أن يكون الطبيب هنا ليشرح
لك هذا لكني مضطرة لإبلاغك به بنفسي "
ورفعت نظرها له وتابعت فورا
" كما تعلم الكسر كان في عضام الحوض و.... "
عادت الكلمات تخونها مجددا وذاك الاحمرار الطفيف يزحف
لخديها فقال يستحدثها
" وماذا ؟ ما بها ! "
تنفست بعمق قبل أن تقولها ودفعة واحدة
" الفتاة فقدت عذريتها "
وقف على طوله وصرخ ناظرا لها بصدمة
" فقدت ماذا ؟ "
نظرت له للأعلى وقالت بضيق
" أخفض صوتك قليلا يا هذا وكن شهما في التكتم على الأقل
حتى تجد الفتاة لنفسها حلا "
رفع يديه جانبا وقال بضيق
" حل ماذا هذا الذي تتحدثين عنه ؟ ما الحل الذي ستجده لنفسها
برأيك ! بل وكيف يحدث هذا في كسر عضام الحوض ؟ لا أرى
هذا يحدث في الحوادث المشابهة ! "
قالت بضيق مصطنع
" يمكنك أخذ الصور والفتاة حيث تريد والنتيجة ستكون واحدة
فلا شيء يضطرني للكذب عليك ويمكنك الاستعانة بطبيب عظام
ليشرح لك كيف حدث ذلك في هذه الحالة وطبيب نساء أيضا
ليشرح لك كيف تسببت بفقدانها لما لا يمكن إصلاحه بل وأنهيت
صلاحيتها تماما "
أشار بيده خلفه وقال بحدة
" هي من خرجت أمام سيارتي ... أنا لم أكن المخطئ "
قالت بضيق ناظرة لعينيه المحدقتان بها بضياع
" أجل ها قد تغير حديثك وأنت من كنت مستعدا لتحمل كل شيء
قبل قليل "
انهار جالسا على الكرسي وحضن رأسه بيديه ينظر للأرض قبل
أن يمسح وجهه بكفيه مستغفرا الله ، لا يريد أن يتلاعب الشيطان
بأفكاره عن سبب تواجدها في ذاك المكان ليلا لوحدها وأن تكون
متعاونة مع هذه الطبيبة للهرب من مصيبة ما بتوريطه بها فهي
خيرته بعرضها على أطباء آخرين وما كانت هنا إلا لأن الطبيب
غادر وبسببه وليس بسببها .
وصله صوتها الجاد منتشلا له من دوامة أفكاره
" يمكننا الانتظار حتى الصباح وعودة الطبيب وهو سيفحصها
مجددا رغم أني أنصحك بأخذها لطبيب خارج هذا المكان كي لا
تصبح ملهى لحديث الناس هنا "
وكانت قد بددت شكوكه حول أن تكون كاذبة بما قالت فرفع رأسه
ونظر لها وقال
" يمكنك كتابة تقرير طبي بالحادث وبأنه السبب وانتهى الأمر
أليس كذلك ؟ "
قالت ساخرة
" تقرير طبي هنا وفي الجنوب ! تلك وحدها تعد فضيحة فكيف
مع فتاة بقصتها التي لو تعلمها لتمنيت أن قتلتها وأنت تدهسها
بسيارتك "
عقد حاجبيه قائلا
" قصة ... !! أي قصة تلك ؟ "
قالت من فورها " لست أعرف الفتاة كثيرا لكن قصتها يعلمها
الجميع وأي ظلم ذاك الذي تعرضت له فهل أنت على استعداد
لسماعها وإيجاد حل لها أم لا أتعب نفسي بحديث ستجده فقط
حجة لتهرب "
استوى جالسا وقال بضيق
" ماذا تضنين بي مجرم درجة أن لا أتحمل مسؤلية ما كنت سببا
فيه وبأي شكل كان ؟ "
أخفت ابتسامتها المتحمسة بشق الأنفس فلم يخب ظنها بهذا
الشاب أبدا ولن يرعى تلك المسكينة أحد مثله حتى يعود شقيقها
على الأقل ، ضمت يديها فوق الطاولة تحتها وبدأت بسرد قصتها
عليه من قبل أن تولد وتجنبت ذكر ما حدث البارحة لأنه يفترض
بأنها لا تعلمه ، كان أملها يتصاعد تدريجيا كلما رأت نظرات
الشفقة في عينيه فهو حتى الآن لا يفكر بالفرار على الأقل ، وما
أن أنهت حديثها تنفست الصعداء فهي أمسكت نفسها بصعوبة
عن البكاء أمامه كي لا يشك بها ، وكادت أن تقفز جهته وتقبل
رأسه حين همس بضياع
" يا إلهي كيف تعامل هكذا بحق الله ! ما ذنبها هي فيما حدث ؟ "
ولم تستطع أن تمسك ابتسامة الامتنان التي خصته بها فهو على
الأقل لم يقل تلك الجملة المعهودة التي يذكرها كل من يسمع
قصتها لأول مرة
( أعوذ بالله هذا نتائج الزنا والحرام لقيطة لا يحتمل المرء ولا
النظر لها )
رغم أنها مسجلة وقانونيا ابنة ليحي غيلوان المتوفى قبل ولادتها
بأعوام طويلة وذاك كان أقسى فصل كتبه أبناء صفية غيلوان
في تاريخها أن نسبوها لابن عمهم وزوج عمتهم وسجلوها بسم
شقيقهم زوج والدتها وضاع نسبها مع دمائها وتحولت لفتاة
مشوهة يرفض الجميع الاقتراب منها كي لا تلوثهم وزاد على كل
ذلك نبذ عائلتها لها ولشقيقيها ثم نبذ الجميع لهم تباعا ، لكن
هذا والجالس أمامها الآن كان أول من رأت تلك النظرة في
عينيه ... نظرة من يعرف معنى الظلم ومعنى أن تحمل ذنب أمر
لا يد لك فيه ولم تختره لنفسك ، شخص آخر غيره ما كان ليكون
موقفه هكذا وكانت ستورطه مع شعيب وأشقائه ليجبروه عليها
لكن هذا لا تراه يحتاج لذلك وإن احتاج الأمر فستفعلها دون تردد
فمهما كانت ردة فعله حينها وكانت حياتها قاسية معه لن تكون
أقسى عليها من الشارع ومن الوحوش البشرية .
ارتفع نظرها معه وهو يقف وقد نظر حوله قبل أن ينظر لها
ويبدوا ضائعا ولا يعرف ما يقول ولا يقرر وليست تلومه أبدا
ومستعدة لانتظاره حتى الصباح ليرتب أفكاره فهي متأكدة من
أنها ستصب نهاية الأمر لمصلحة تلك المسكينة اليتيمة ، راقبت
عيناها بلهفة الذي مرر أصابعه على لحيته الخفيفة وصولا لشعر
قفى عنقه قبل أن ينظر لها وقال
" عليا المغادرة الآن فأنا من غرير غرب الهازان وشقيقتي
تنتظرني هناك وكان يفترض أني أكاد أصل لها ، سأرجع في الغد
وسأتحدث مع عائلة الفتاة ونرى الحل لكل هذا وسأمر للاطمئنان
عليها فهي ستحتاج للبقاء هنا لفترة بكل تأكيد ؟ "
وقفت وقالت بملامح غطاها الوجوم كما خيبة الأمل تظنه يبحث
عن الحجج ليرحل ثم لن يعود
" ما ستفعله خيار لك وحدك فلا أحد يمكنه التحكم في ضمائر
الناس وأنا لن أتكلم عن الأمر وجل ما أخشاه أن يعلم أبناء
عمومتها وحينها لن تخفيك عنهم أي أرض في العالم "
حرك رأسه برفض وقال ببعض الضيق
" أنا أعلم ما عليا فعله وليس خوفا منهم وقسما أني سأرجع
فقط عليا حل مشاكل أخرى تنتظرني فلا تتهوري بقول شيء قبل
أوانه ولا للفتاة نفسها "
وغادر من هناك نظراتها تتبعه كما ابتسامتها الواسعة وما أن
خرج مغلقا الباب خلفه حتى قفزت في مكانها صارخة ترفع
قبضتها قائلة بضحكة
" ما أروع حظك يا مايرين "
وغادرت الغرفة أيضا مسرعة فما فهمته من حديثه وكان واضحا
جدا بأنه يسير معها على المخطط تماما بل وأكثر من ذلك بكثير
حتى أنه لا يريدها أن تعلم بأنها لم تعد فتاة ، خرجت من الغرفة
ودخلت للغرفة المقابلة لها فورا وتوجهت للنائمة على السرير
وحضنتها بقوة قائلة بسعادة
" ها قد وجدنا منقذك يا مايرين ولن تصدقي أ.... "
قاطعتها التي صرخت متألمة مما جعلها تقفز مبتعدة عنها وخرج
همسها متألما تمسك ذراعها بقوة
" فجر لقد آلمتني "
مسحت على شعرها وعلى طرف وجهها بيديها ونظرت لعينيها
المجهدة وقالت بسعادة وعيناها قد اغرورقتا بالدموع
" وأخيرا يا مايرين ثمة من سينقذك من الشارع "
نزلت تلك الدمعة اليتيمة من طرف عينها وهمست بحزن ومرارة
" وأي عجوز أو مجنون هذا الذي وجدته لي ؟ "
ضحكت من فورها قائلة
" عجوز !! قولي سيد شباب الجنوب ... بل والبلاد بأكملها ولن
أصف لك ملامحها ولا جسده فستريه بنفسك قريبا وكل ما
سأخبرك عنه بأنه أكثر الرجال شهامة قابلتهم في حياتي وأنبلهم
أخلاقا وليس من الجنوب أيضا "
وجلست أمامها تسرد عليها ما حدث متحمسة ولا أحد يعلم بأن
من خرج من هناك كانت ثمة مصيبة أخرى في انتظاره وهو يقف
في سور المستشفى الصغير ينظر حوله لمكان سيارته الخالي
تماما منها يمسك رأسه بيديه ففي تلك السيارة وضع كل ما بقي
له من مال فمن أين سيجد من يوصله لنجران الآن وفي هذا
الوقت المتأخر ليصل لغرير ولمنزلهم هناك ولشقيقته التي
تنتظره وكأن المصائب قررت الاجتماع عليه دفعة واحدة .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 73 others like this.
رد مع اقتباس
#7429
قديم 14-02-18, 10:29 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
انفتح باب الحمام وخرجت منه التي وقفت مستندة بيدها على
إطاره وبجانب وجهها على تلك اليد تنظر بصمت للذي تغلب
جنونه على قلبه وعقله وكل شيء ولحق بها بعد معركة كبيرة
معهما ولم يجد هناك سوى مربيتها التي لا تعلم أكثر مما يعلمه
غير أنه ثمة شخص توصل له رسائل منها ليست تعلم من يكون
ولا إن كانت تلك الرسائل له أم لغيره ولا تستطيع ذكر ذاك السر
له أبدا فاكتفت بالوقوف بقربه ينتظران من طال بقائها في الداخل
ولم تزده فوق عذابه سوى عذاب .
وقف مكانه ولم يستطع أن يبعد عيناه عن تلك العينان المجهدة
من البكاء في مشهد لم يراه سابقا وكان يجزم بأنه لن يراه يوما
فكانت تلك النظرة ملؤها تساؤل ودعم في صمت بل ورجاءات
صامتة بأن ترحمه قبل نفسها وكأنه يبوح لها بما في داخله دون
أن ينطق به لسانه مما جعلها هي من تعلن الهزيمة وترخي
جفناها مبعدة تلك الأحداق الزرقاء عن عينيه ومدت له هاتفه وفي
صمت وما أن تقدم نحوها وأخذه منها تحركت من هناك مجتازة
له وتوجهت لسريرها جلست على حافته وفتحت درج الطاولة
بجانبه وأخرجت علبة من أدويتها وفتحتها وسكبت في يدها ما
يزيد عن عشرة أقراص ورفعت كأس الماء بيد مرتجفة لتوقفها
تلك الأصابع الرجولية التي التفت حول معصمها وأخذ الكوب
منها ووضعه مكانه فقبضت أصابعها على الأقراص في راحة
يدها حين أراد أخذها منها أيضا وقالت بضيق تحاول سحب
يدها من قبضته
" اتركني وشأني ماذا تريد أيضا ؟ "
فتح أصابعها بالقوة لتتناثر تلك الأقراص على الأرض تحتهما
وقال بحدة ناظرا لعينيها
" توقفي عن إيذاء نفسك والانتقام منها يا زيزفون "
نفضت يده عنها صارخة في وجهه
" أريد أن أموت هل يريحك هذا ؟ لما ستهتم إن عشت أم مت ؟
اتركني وشأني يا وقاص ... أنا أكرهك وأكرهكم جميعا لما
لا تفهم هذا ؟ "
نظر لعينيها بصمت أنفاسها تخرج بقوة وكأنها بذلت آخر ذرة
مجهود لديها وهي تصفع إنسانيته قبل مشاعره بقسوتها تلك
وكالعادة تعامل مع الأمر بصبر لم يعد هو يعرفه في نفسه
وانحنى للأرض وبدأ بجمع الأقراص فتأففت التي رفعت قدميها
عن الأرض واندست تحت لحافها وغطت حتى رأسها وقالت
بجمود من تحته
" أريد أن أنام .... اتركوني وحدي "
فوقف على طوله لم تترك نظراته جسدها المختفي عنه بكامله
والتفت برأسه للتي لامست كتفه بيدها وهمست له
" لنخرج "
فنظر للمنكمشة في سريرها مجددا وتنهد بعمق مغمضا عينيه ثم
أعاد الأقراص لعلبتها ووضعها في الدرج حيث كانت وخرج خلف
التي ما أن كانا في الخارج أغلقت الباب ورائهما وهمست
ناظرة لعينيه
" لقد نامت فجرا بدون مهدئات ولا أدوية "
نظر لها باستغراب فتابعت بأمل كسير ونظرة حزينة
" لم تفعلها سابقا وكانت أحرص مني على أن لا تنام من
دونها وإن بقيت من دون نوم "
أبعد نظره عنها ونظر للفراغ بشرود يحاول ترجمة وفهم ما حدث
فهل حديثها ومهما قل عند البحر السبب أم جلوسها هناك ؟ لابد
وأن يكون الخيار الأول لا محالة ! نظر لها حين قالت مجددا
" صحيح أنها أفاقت مفزوعة وصارخة لكن يبدوا بسبب كابوس
أو شيء لم يكن كسابقيه أبدا حتى أنها أفاقت ما أن أجلستها "
مرر أصابعه في شعره ونظر جانبا قبل أن ينظر لها وقال
" كوني بجانبها ولا تتركيها وأنا لن أغادر المنزل حتى تستفيق
حسنا ؟ "
أومأت إيجابا وغادرت من عنده عائدة للغرفة مجددا نظره يتبعها
وقد بقي معلقا بالباب المغلق لوقت قبل أن يتنهد بعمق ويغادر من
هناك ووجهته باب المنزل الذي وقف خارجه وفتش هاتفه أولا
وكما توقع لا أثر للرقم الذي اتصلت به ، اتصل بمن سيساعده في
هذا فورا وقال ما أن أجاب عليه وهو ينزل عتبات الباب
" مايسون أريد مساعدتك في معرفة رقم مسح من هاتفي "
قال من في الطرف الآخر فورا
" أنا في الخدمة سيادة وكيل النيابة أحتاج فقط جهازك لأطبق
عليه البرنامج وسأخرج لك بمكالماتك جميعها "
وتابع بضحكة خفيفة
" فقط لا تكن زوجتك موجودة وتكتشف تلاعبك من ورائها "
وختم جملته بضحكة عالية فابتسم الذي سار وسط الحديقة قائلا
" لما على الجميع أن يكونوا منحرفين مثلك ؟ ما أن أخرج من
المنزل سآخذ الهاتف لك اتفقنا ؟ "
" بالتأكيد وأنا لن أغادر حتى تأتي فلا تتأخر .... وداعا "
نظر للهاتف في يده سائرا جهة نافورة الحديقة حتى وقف أمامها
يشعر بأنه يحمل لغزا سيكشف أخيرا ليعلم ما سر دموعها تلك
وحزنها العميق والنظرة التي أهدتها له وقت خروجها من الحمام
ولم يعرفها في عينيها سابقا أتبعتها فورا بعبارتها الغاضبة تلك
مصرحة بكرهها له بطريقة لم يشعر بأنها قاسية كما الآن !
دس هاتفه في جيبه متنهدا بحيرة من كل شيء وأولهم نفسه
ونقل نظره فورا لمياه النافورة المتموجة والمياه المتناثرة حولها
وظهرت فورا صورتها أمام عينيه حيث المكان نفسه الذي جلست
فيه البارحة وذاك الشيء الذي كان في راحة يدها تنظر له وكأنه
جزء من روحها تنتزعه من أعماق ألمها ثم تخلصت منه في مياه
النافورة !! وما كان ليتوقع أن ترميه هكذا بعد كل ذاك الاهتمام
الذي خصته به فما سيكون ذاك !
نظر للذي سار من خلفه وقال
" ردولفوا أطفئ المضخات وأفرغ النافورة "
نظر له الذي وقف مكانه باستغراب قائلا
" لكنها نظيفة وتم تغيير مياهها بالأمس سيدي "
قال من فوره
" أعلم وأريد إفراغها الآن وتأكد من المصافي أولا ثم توجه
لغرفة التحكم ، أريدها فارغة في أقصر وقت "
أشار له بحسنا وتحرك من فوره ودار حولها دورة كاملة قبل أن
يختفي من المكان تاركا الواقف هناك مكتفا يديه لصدره يراقب
بصمت انحسار المياه بطريقة شعر بها بطيئة مملة رغم سرعة
سحب المضخات لما فيها حتى أصبح يرى أرضيها الرخامية
الملونة بوضوح وما أن فرغت تماما دار حولها تراقب نظراته كل
قطر وزاوية فيها حتى كان عند المصفاة الثالثة ووقف عاقدا
حاجبيه باستغراب ينظر لخاتم الزواج الفضي الرجالي الذي يكاد
ينزلق من بين فتحات المصفاة فرفع قدمه لداخل النافورة ومد
يده له وأمسك طرفه بطرفي سبابته وإبهامه وأخرجه برفق حتى
أنفاسه توقفت مع ما يفعل يخشى أن يقع منه وحينها لن يجده
أبدا ، سحبه برفق حتى أخرجه وأداره ليكون في راحة يده وقبض
عليه أصابعه فورا وهو يخرج قدمه من النافورة وكأنه يخشى أن
يقع منه في أي مكان ولا يعرف سره وما يكون هذا فهل لزوج ما
لها ! لكن مستحيل لكان ثمة أوراق ثبوتية وخاصة في محاكمتها
فلمن سيكون ! فتح راحته ورفع الخاتم بأصابع يده الأخرى
ونظر له من الداخل فورا وكما توقع كان ثمة كتابة حفرت داخله
كان اسم ( إسحاق ) بالعربية وتاريخ يعود لتسعة عشر عاما
أي قبل ولادتها بعام ... أي أنه سيكون تاريخ زواج والدها .
شد قبضته عليه مجددا ونظر جهة نافذة غرفتها من قصرهم وإن
كانت لا تظهر له من هناك لأنها في الطابق السفلي وجل تفكيره
في السبب الذي جعلها تتخلص منه إن كان يخص والدها
والبارحة تحديدا ! نظر له وشد قبضته عليه أكثر وقد عاد بنظره
هناك .... أتعلم بأنه كان يراقبها من شرفة غرفته ؟ أفعلت هذا
عمدا ليجده ! لكن لما ! أثمة رسالة تريد إيصالها له ؟ دسه في
جيب بنطلونه الجينز وأخذته خطواته السريعة فورا عائدا من
حيث جاء ودخل ووجهته هذه المرة جناح جده وطرق بابه حتى
سمع صوته آذنا له بالدخول ففتحه ودخل ووقع نظره فورا على
الذي كان يلبس ربطة عنقه واقفا أمام المرآة فهو يخرج لشركته
هذا الوقت ، أغلق الباب واتكأ عليه بظهره وكتف ذراعيه لصدره
قائلا
" جدي هل يمكن أن أطلب أمرا لا تردني فيه ومن دون شروط
هذه المرة ؟ "
نظر له الواقف هناك نظرة شاملة قبل أن يعود لفعل ما كان يفعله
قائلا
" ألا تفكر في الخروج لعملك أم ماذا ؟ "
تنفس الواقف هناك بضيق وقال بهدوء
" جدي أنا لا أطلب منك أمرا إلا وتلبيه لي ومنذ صغري "
قال الذي رفع رأسه يعدل ياقته وببرود
" لأنك لا تطلب دائما ولا تطلب أمرا تافها أبدا "
قال من فوره
" إذا قل كما كنت تقول : أرد ضرارا السلطان خائبا ولا أردك "
نظر له حينها وقال بجمود
" ذاك حين كنت وقاص الذي أعرفه "
فك ذراعيه وشد قبضتيه بجانب جسده وقال بجدية
" وأنا هو جدي .. أنت من لم تعد ضرار السلطان الذي أعرفه
منذ دخلت زيزفون بيننا "
دار له بكامل جسده وقال بضيق
" ماذا تريد يا وقاص ؟ "
قال مباشرة
" خاتم زواج جدتها الموجود لديك منذ وفاتها "
نظر له نظرة فهم منها الرفض قبل الصدمة فقال بهدوء محدقا
في عينيه
" أنا أعلم بوجوده لديك منذ كنت في الخامسة عشرة فافعلها من
أجل زيزفون مرة واحدة جدي فوحدها التي لا تفعل شيئا من
أجلها أبدا بل و..... "
قاطعه بحدة
" هل ستعلمني كيف أكون عادلا مع حفيدتي يا وقاص ؟ "
فقال مباشرة ودون تردد
" أنت لست عادلا معها أبدا "
" وقاص لا تغضبني منك "
كان يفترض بتلك الصرخة الغاضبة أن تجعله يصمت تماما لكن
ذلك لم يحدث وهو يواجهه بقوة
" بل سأفعل كلما كنت ظالما معها فأنا أصبحت لا أعرفك جدي
وكأنه ليس أنت "
كان سيتحدث والغضب يرسم خطوطا واضحة في ملامحه لولا
أوقفه ليس نظرة الصدمة في عيني الواقف أمامه فقط بل
والصوت الأنثوي الصارخ ببكاء الذي وصله مثله بوضوح
فلحق فورا الذي قفز فاتحا الباب وراكضا بصرخة عالية
" زيزفووووون "
*
*
*
مد رأسه بين الجالسان أمامه في السيارة وصرخ ينظر للطريق
ولأضواء السيارة الخلفية المسرعة على مبعدة منهم
" أسرع يا شعيب إنه يهرب منا ؟ فتى وبتلك الخردة ولا تستطيع
أن تدركه ! "
صرخ فيه الجالس أمام المقود بالمثل
" ألا ترى كيف كان بعيدا ؟ لو تصمت قليلا يا زكريا فستجد عنقه
بين يديك "
ضرب براحة يده على مسند رأس الكرسي أمامه وقال بحدة
" سحقا للطفل إن أفلت منا فسيفتضح أمرنا "
قال نوح
" لست أفهم ما الذي أنت خائف منه هكذا فكل ما يعلمه بأن اسمك
بشير وبأنك شقيق والدته ؟ هو لن يعلم شيئا عنك بل وما يعلمه
حقيقي فعلا "
لوح بيده بينهما قائلا بضيق
" وما يدريك بأنه لم يسمع شيئا مما قيل ؟ ثم أنت لم ترى ما
رأيته ونظرة الرعب تلك في عينيه ما أن علم من أكون ، لما لم
يركض لي وارتمى في حضني لأني خاله ؟ حتى أنه نطق .. اجزم
بأنه تحدث أي أن خرسه ذاك تمثلية فقط وما أكده الهاتف الذي
وجدناه مرميا أرضا حيث وجدنا آثار السيارة خلف الصهريج ثم
الشخص الذي اتصل به ولا أرقام مسجلة في ذاك الهاتف وكأنه
جديد "
قال شعيب بحدة ينقل نظره منهم للطريق
" ما أريد معرفته الآن لمن تلك السيارة وما كانت تفعل هناك ؟
لابد وأنه أويس فعلها مجددا واستأجر ملحق منزلهم لأحدهم
ودون علمنا "
قال الجالس في الخلف وهو يرجع لما يعنيه من الأمر فقط
" ما أريد أنا معرفته من وراء ذاك الفتى إسحاق ؟ إن كان مطر
شاهين ووصل له قبلنا فاستعدوا للأسوء القادم لكم "
قال نوح من بين أسنانه
" ذاك المتسلط منذ عاد للبلاد وأعمالنا جميعها شبه متوقفة ،
حتى الأوراق والجوازات المزورة التي كنا نبيع منها المئات
أصبح يسرب منها العشرات فقط وبالخفية والخوف والترقب
وحتى أذرعنا في البلاد فقدنا أغلبهم بسبب جهاز مكافحة الفساد
الذي أنشأه ذاك الفاشل مؤخرا ، إنه كابوس بات يجثم على
صدور الكثيرين وإن لم يتخلصوا منه سريعا فسيتخلص من
الجميع ... إنها حرب بقاء "
قال شعيب من فوره وملوحا بيده
" متمردي صنوان لو يحكموا عقولهم فقط ويوزعوا أسلحة
اليرموك على الناس هناك وتبدأ الحرب بينهم وبينه سنتحرك نحن
أيضا حينها ونتعاون معهم وسيصبح السلاح في أيدي أبناء
الجنوب جميعهم ونثبت أن زوجته تلك وابنته منها والتي يخفيها
عن الاعلام حتى الآن من سلالة المدعو دجى الحالك وتصبحا في
أسرنا حتى يخسر كل شيء كأسلافه وأرقص رقصة النصر حينها
يا ابن شاهين "
وأتبع كلماته بضحكة عالية توجتها ابتسامات الإنتصار من
مرافقيه وأخرج هاتفه حين علا رنينه في جيبه وقال ما أن
فتح الخط
" أتصل بك من ساعة يا امعة ما كل هذا النوم ؟ "
" اتصل بي ر.... "
قاطعه من قبل أن ينهي حديثه وهو يدوس على الفرامل أكثر
" أجل أجل أعلم فماذا حدث معكم هناك "
" أمسكنا الخط الشمالي كما طلبت لكن الشباب انسحبوا فثمة
سيارات للقوات الخاصة والصاعقة دخلت المكان قبل دقائق "
شتم بحقد قبل أن يرمي الهاتف من يده على مقدمة السيارة قائلا
بضيق
" كما توقعت يا زكريا ها هو ابن شاهين في الموضوع "
نظر له نوح بصدمة قبل أن يقول بغضب
" سحقا له يزرعه بيننا من أعوام ولا نعلم ؟ وها قد اكتشف
هوية زكريا وأن له صلة بنا وأنه نفسه خاله بشير وإن وصل له
أضاع علينا كل شيء "
صرخ الجالس في الخلف مشيرا بسبابته للطريق
" أجل ... أجل ... ها هو زد السرعة يا شعيب سيارته تفقد
توازنها وقد تقع من المنحدر وهذا ما يجب أن يحدث فعرقل
مسارها وأوقعها به "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 68 others like this.
رد مع اقتباس
#7430
قديم 14-02-18, 10:31 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
نزل السلالم راكضا حتى كاد يقفز جميع عتباته في خطوة واحدة
أو يقفز من أعلاه فإما أن يصل هناك أو يموت فصوت ذاك
الصراخ الذي ضرب قلبه قبل أذناه أفقده ما تبقى من صوابه ،
وما أن وصل لآخره دار حوله في الهواء ممسكا نهاية سياجه
وركض جهة ممر غرفتها بالكاد يستطيع رؤية أي شيء أمامه
حتى وصل الباب ودفعه بقوة ودخل يتبعه الذي بالكاد استطاع
اللحاق به وأنفاس كل واحد منهما تسابق الآخر ليتسمرا مكانيهما
ينظران بصدمة للتي كانت تمسكها مربيتها بذراعيها بقوة من
خصرها وهي تصرخ باكية تحاول الفكاك منها وما أن وقع نظرها
على اللذان اجتاحا المكان مدت يدها جهة الواقف مواجها لها
تماما صارخة ببكاء
" وقاص أرجوك إنه يموت .... وقاص افعل شيئا "
لكن الصدمة شلته عن فعل أي شيء وهي تناديه باسمه أي ليس
نومها السبب وتراه فعلا وليس شخص آخر ! تراه وترى شيئا
آخر يجهل ما يكون وهي في وعيها التام !
وفي تلك اللحظة انفكت يدا التي تركتها ودموعها تنزل مع بكائها
بعدما اطمأنت بأنه ثمة من سيحميها من كل شيء حتى نفسها
لكنها لم تتحرك من مكانها كما كانت تريد قبل قدومهما بل نزلت
على الأرض على ركبتيها تشد رأسها بيديها صارخة فركض
ناحيتها الذي فقد تعقله حينها كما فقد قدرته على الحركة قبل قليل
وجثى أمامها على ركبتيه أيضا قبل أن يجلس أمامها وأمسك
ذراعيها وقال صارخا يحاول رفع جسدها ورأسها له
" من هذا الذي يموت يا زيزفون ...! ماذا تقصدين بهذا ؟ "
فرفعت نظرها له وأمسكت قميصه بقبضتها وبدأت بضرب صدره
بقبضتها الأخرى وصرخت ببكاء ناظرة لعينينه
" وقاص قسما أنه يموت أرجوكم الرحمة ... أرجوك "
فلم تفعل شيئا حينها سوى أنها دمرت وقاص فوق ما هو مدمر
أساسا وأسقطت آخر حصونه بمنظرها ذاك الذي كان كفيلا بجعل
الجدران تنطق لكنه ليس جدار ولا حتى أي بشر أمام هذه المرأة
تحديدا .. وكل ما فعله ذاك البشري حينها أن شدها لحضنه
وطوقها بذراعيه يدفن بكائها في صدره يشعر بعبراتها تدمر
أضلعه وبلا رحمة وقال بوجع يتكئ بخده على رأسها يغمض
عينيه بقوة
" زيزفون ارحمي نفسك وارحميني قبلك .... زيزفون توقفي
عن فعل كل هذا بي "
وما كان أمامه من شيء آخر يفعله من أجلها وهو يجهل حتى
عما تتحدث ومن هذا الذي هي عاجزة حتى عن الوصول له وكأن
كل ما كانت تريد فعله أن تصل له هو وتستنجد به لكن ما في يده
يفعله ؟ ماذا غير دفنها وسط أضلعه يستمع لكلماتها من بين
عبراتها سكاكين تخترق قلبه
" يموت يا وقاص ... إنه يموت ... سأخسره أيضا ... قسما
سأخسىر كل شيء إن خسرته يا وقاص "
فكانت فقط تبكي وتبكي وتستمر في الهذيان يشدها لحضنه ضاربا
عرض الحائط بكل شيء وحتى الواقف خلفه ينظر لما يحدث
أمامه بصدمة وعدم استيعاب ولا أحد منهم يعلم بأن ثمة ما يقطع
الأميال والقارات لا يحتاج لتقنيات حديثة ولا اتصالات أو أقمار
اصطناعية ... أمور تتعلق بالقلوب .. بالأرواح المترابطة في كل
شيء فحتى الأقرب منهم هناك لم يكونوا ليروا أو يشعروا بتلك
السيارة التي كانت تتهاوى من أعلى المنحدر تنقلب حول نفسها
قبل أن تصل القاع تدمر معها قلبها ومشاعرها .. ماضيها بقايا
عائلتها وأجمل ما في عالمها الكئيب ، ولا أحد يرى أو يفهم ولا
يملك شيئا ولا الذي يدفنها في حضنه يشدها لصدره بقوة ومن
وحده طلبته واحتاجت مساعدته حتى فيما تعلم بأنه عاجز عن
فعله وذاك أكثر ما بات يقتله .
*
*
*
بدأت سرعة سيارتها بالتباطئ تدريجيا وكأن أفكارها هي من
تتحكم بمقودها أيضا حتى وجدت نفسها تقف بها على جانب
الطريق واتكأت بجبينها على ساعديها الملتفتان حول المقود
تحاول أن تتنفس بهدوء .. أن تفكر بهدوء وأن تحسب كل شيء
بروية وهدوء والسؤال الذي جعلها تتردد في كل ذلك
( ماذا إن حدث ما لم تكن تتوقعه ؟ )
ماذا إن كانت ورقة المساومة الجديدة ؟ هل سيهتم فعلا بأن يقدم
التنازلات من أجلها ؟ آستريا كانت مقابل حرب الثنانيين والعرب
فماذا سيحدث مثلا إن تحولت هي لرهينة لديهم ؟ لا شيء طبعا
فلا أحد يعلم بأنها من الحالك وبأنها ابنة عم مطر شاهين وأنه قد
يتنازل عن أي شيء من أجلها .. ليس الوطن ليس الحرب
والدماء والدمار هي تعرفه جيدا وقالها لها في الماضي
وبوضوح : الوطن قبل كل شيء حتى عائلته ، فلما تتردد إذا
وهي من تعلم بأن جبران لا يخلف وعوده ... لكن جبران
الماضي تغير لم يعد كما كان حتى أنه قرر تدمير حياتها في
الماضي دون أن يهتم رغم أنها اعترفت له حينها بأنها تحب
زوجها وراضية تماما عن حياتها معه لكنه لم يهتم بتحطيمها من
أجل ماذا ؟ من أجلها وهو يعلم بأنه لن يحصل عليها ؟ لكن أتتركه
للموت .. للضياع أكثر بسببها ؟
رفعت رأسها ونظرت لهاتفها المرمي على الكرسي بجانبها حين
علا رنينه مالئا صمت تلك السيارة المغلقة وللاسم الذي يضيء
شاشته باستغراب ... هذه تيما لما تتصل بها الآن وفي هذا الوقت
! لن يكون ثمة مكروه أصابها لما كانت اتصلت بها فهل سيكون
شخص آخر ؟ كرهت ذاك الشعور الكريه الذي جعل ضربات قلبها
تنفعل بشكل مرير ففيما سيعنيها إن كان ثمة مكروه أصاب ذاك
الرجل ولما ستتصل بها هي ؟ جزء من عقلها كان يرفض أن
تجيب عليها لكن النصف الآخر كان يؤيد ذلك وبشدة فهي لم
تكلمها اليوم لم تسمع صوتها ولم تبدأ يومها وتنهيه به كالعادة
وكانت ممتنة لها بالفعل لأنها لم تفعلها فمزاجها كان أسوأ من أن
تتحمل سماع اسمه منها أو أن تدافع عنه أمامها فستنفجر بكل
ما يشتعل بداخلها حينها بالتأكيد ، هي لا تنكر بأنها لم تجتز تلك
المسألة حتى الآن وأنها أكبر عقبة في علاقتهما ويبدوا عليها أن
تتأقلم مع ذلك فهي كما قال عنها والدها لن تقتنع بغير أفكارها
تلك أبدا ومهما حدث .
حسمت أمرها ورفعت الهاتف وأجابت عليها فوصلها ذاك الصوت
الرقيق الحزين فورا
" أمي هل كنت نائمة ؟ آسفة إن أزعجتك لكني مشتاقة لك ولم
أستطع النوم من دون سماع صوتك "
ابتسمت بحزن هامسة
" وأنا كذلك بنيتي وأردت الاتصال بك اليوم لكني لم أجد وقتا "
وصلها ذات ذاك الصوت الحزين فورا
" المهم أنك بخير أمي وأني أسمع صوتك ... كوني بخير من
أجلي أمي أرجوك فيكفيني أن أعلم أنك بخير وإن لن أراك
مجددا "
شعرت بتلك الغصة في صدرها من مجرد فكرة أن لا تراها
مجددا وأن تفترقا ولأي سبب كان وذاك كان الخيط الذي
انقطع في قرارها المتردد ذاك فقالت مباشرة
" تيما لما هذا الكلام الآن بنيتي أنا بخير ما الذي يجعلك
تفكرين هكذا ؟ "
همست ببحة بكاء
" لست أعلم ما بي أمي سوى أني أحبك أكثر من كل شيء فأنت
ووالدي أغلى ما أملك في الوجود وأخشى أن أخسر أيا منكما
وسيكفيني من الحياة أن أعلم أنكما فيها فقط "
تنفست بعمق مغمضة عينيها وهمست بخفوت " ليحفظه الله لك
تيما وهيا نامي لا تسهري هكذا مجددا "
" حسنا أمي وداعا الآن .... أحبك "
قبضت أناملها على الهاتف فيها وأنزلته لحضنها تكابد الدمعة
السجينة في تلك الأحداق السوداء تشعر بالضياع في أفكارها
يتعاظم ويتعاظم .. وطال الصمت وتحديقها في الفراغ قبل أن
تتخذ قرارها النهائي وشغلت سيارتها وتحركت من هناك ، لم
تختر طريق العودة ولا طريقا تعود بها جهة العمران بل طريقا
فرعيا دخل بها لمدينة لم تزرها منذ متى لا تذكر ؟ منذ وفاة
والدها شراع ؟ بل قبل ذلك بكثير ... بكثير جدا ، أجل منذ استلم
هو رئاسة البلاد وانتقلوا جميعهم لحوران ولم تجد الجرأة لزيارة
هذا المكان مجددا فكيف بعد وفاة والدها الذي رباها أيضا وليست
تفهم حقا ما دفعها لفعلها الآن وفي هذا الوقت تحديدا ؟
أوقفت سيارتها أمام سور المنزل الواسع المرتفع ونزلت ودفعت
البوابة الحديدة بيدها ودخلت مجتازة له لتتسابق الدموع لملئ
مقلتيها سريعا تتذكر أول مرة دخلت هذا المكان بعد عودتها من
الحالك بل بعدما طردها ذاك الرجل من حياته وأرسلها مع عمه
وكأنها خرقة بالية لم يكلف نفسه ولا عناء أن يرميها بنفسه أو
يعتذر منها قبل ذلك ... دخلت هنا ذاك اليوم تجر أمنياتها الميتة
مع حركة قدميها الكسيرة تحمل قلبها المحطم في صمت الأموات
لتتلقفها تلك الذكريات وتدمر ما تبقى منها وهي ترى كل مكان
جمعها وشقيقها الوحيد ومن رحل وترك لها كل تلك الأماكن
والذكريات .. هنا لعبا .. هنا ركضا وهناك سقطت ورفعها على
ظهره بل وفي ذاك المكان تحديدا كانا يختبئان حتى يغلبهما
النعاس لأنهما كسرا أحد مجسمات رماح الخشبية فيفران من
العقاب رغم يقين كل واحد منهما بأن تلك المدللة الصغيرة
سيأخذ الكاسر العقاب عنها فلا يد تمتد عليها مهما فعلت .
مسحت دموعها بظهر كفها واستندت بيدها على جذع إحدى
الأشحار وفكت حجابها فلم يعد يمكنها التنفس هكذا فستختنق
وتختنق حتى يموت جزء آخر من داخلها ، هذا ما كانت تشعر به
كلما فقدت شيئا وذاك ما شعرت به حين مات الكاسر ثم حين
رماها ذاك الرجل للأقاويل ولقلبها الخاوي المحطم ورحل ثم حين
أخذ ابنتها منها ولتختم مأساتها بموت من كانت تجزم بأنها
ستفقد حياتها إن فقدته وستموت إن تلقت يوما خبر موته فلما لم
يحدث ذلك ؟
لما هي على قيد الحياة حتى الآن !
أيكون توالي الصدمات قبلها السبب ؟
هل عليها أن تشكر ذاك الرجل على هذا ؟
على تحطيمها حتى لم يعد يمكن لشيء آخر ومهما عظم أن
يجعلها تنهار أو تفقد حياتها .
شدت أناملها في قبضة واحدة على الجذع وأنزلت رأسها للأرض
وأغمضت عينيها بقوة وتقاطرت تلك الدموع ... دموع الألم
والخذلان دموع الطعنات المتتالية وبلا رحمة وعقلها يعود لسرد
كل ما حدث اليوم بل وسافر بها لأبعد من ذلك بكثير وهي تتذكر
كل ما حدث قبل أربعة عشر عاما وتحديدا بعد عودته من سفره
ذاك فما أقسى انكشاف الحقائق الموجعة حين يكون وجع
انجلائها أشد من أوجاع إخفائها عنك .. أبعد ما كان قد يتوقعه
عقلها أن يتهمها بخيانته أن شكه فيها وصل لذلك ومع من مع
شقيقها ! مع من تربت معه منذ طفولتها فأي صور تلك التي
سيكون صورها له عقله عن الحبيبان اللذان كانا يعيشان معا
وعن خيانتها المستمرة له معه ..... لكن لماذا ؟ لما لم يرى
مشاعرها اتجاهه وحبها لهم كأشقاء وهي من لم تتهمه بالمثل
رغم سماعها لصوت تلك المرأة بأذنيها وعملت بنصيحته التي
لم يعمل بها هو
( تريثي واسألي أولا وتأكدي قبل أن تحكمي عليه )
لا تصدق أن جبران فعل كل ذلك وهي من أخبرته بنفسها بأنها
تحبه وقانعة تماما بحياتها معه ! لماذا يدمر حياتها معه هكذا ؟
هل يعاقبها معه أم يعاقب نفسه معهما ! ثم ماذا ...؟
يرمي بنفسه للهلاك وللموت بسببها زاعما أنه من أجلها !
يحارب رجلا يعلم بأنه أقوى منه وسيهزم على يديه لا محالة
ليحملها هي ذنب كل ذلك لباقي عمرها ؟ .
تحركت من هناك تدوس تلك الأفكار بخطواتها لتطردها كما فعلت
وكانت تفعل طوال تلك الساعات القاسية التي مرت عليها سجينة
غرفتها تحاول أن تجد مسوغات للواقع أن تستنتج أمورا أخرى
تغير كل تلك الأفكار بل وتمحوها تماما لكن ذلك لم ينجح ..
لم ينجح أبدا فالواقع أقسى من أن تغيره الأوهام والأمنيات .
سارت بخطوات بطيئة تاركة كل ذلك خلفها كذاك القماش الأسود
الذي حملته الريح من كتفيها ورائها وانتهى به الأمر عالقا
بأغصان الأشجار اليابسة حتى وصلت باب المنزل ، وقفت أمامه
ومسحت بكفها على خشبه القديم المقسم لمضلعات بارزة تراقب
نظراتها الدامعة بحزن جميع تفاصيله وكأن طفولتها لازالت
محفورة فيه فبواسطته تعلمت والكاسر الأعداد وكان جبران من
اخترع لهما تلك اللعبة وكان كل واحد منهما يسابق الآخر في
حفظ أعداد أكثر منه ليرتفع بالباب أكثر وكانت هي من وصلت
لرقم عشرة قبله واحتج هو لأنه أكبر منها بعام ولأن جبران طبعا
ساعدها كي لا تخسر وتبكي بينما تلقت هي الحلوى والهدايا من
الجميع ، وصلت أناملها لقطعة معينة فيه ومررت أظافرها
المقصوصة في حافتها وسحبتها بقوة فسقطت فورا وتبعها صوت
رنين ذاك المفتاح الذي كانا يخفيانه تحته وكان سرهما الصغير
فقد سرقه الكاسر وخبأه تحته بمساعدتها طبعا ليستطيعا الدخول
حين يقررا العودة من المدرسة من قبل الذهاب لها فكان كما
يسميه والدهما : فاشل وتعلم شقيقتك كيف تكون فاشلة مثلك .
رفعت المفتاح من الأرض وغرسته في فتحة الباب بالكاد تستطيع
رؤية مكانه فيه من بين كل تلك الدموع وما أن انفتح بدفعة من
يدها وتسلل النور داخله ممتدا حتى ذاك الكرسي الهزاز الذي
تحرك بتلقائة مصدرا ذات ذاك الصوت الذي دفن في ذاكرتها
لأعوام ركضت نحوه فورا وجثت على ركبتيها أمامه ورمت
نفسها عليه تدفن دموعها وعبراتها الموجعة فيه لتملأ صمت ذاك
المكان الخالي المظلم معبرا عن الفقد عن الضياع عن الوحدة
وعن الشوق لمن لن نراه ونجده أبدا ما حيينا .. عن أقسى أنواع
الفراق ... فراق الموت والأموات ، لكم تحتاجه الآن في كل وقت
وفي كل شيء .. لأن تسمع صوته المليء بالعاطفة وهو يقول
لها مبتسما بدفئ
( أنت أقوى من عقبات الزمن يا غسق ، أنت قوية وشجاعة لا
تحتاجين لشيء ولا لأحد لتكوني امرأة كذلك )
ولازالت تذكر حتى الآن كيف حكى لها عن والدتها وذاك كان بعد
فراقها عن ابنتها وقد أخبرها ولأول مرة عن علاقته بها وعن أنه
أحبها رغم انعزالها عنه ورغم انغماسها في حزنها على زوجها
وعلى مصير ابنتها وأن طوال فترة زواجه بها لم يناما معا
كزوجين حقيقيين سوى مرة واحدة وبطلب منه هو احترمت هي
فيه رغبته كزوج وقد أقسم بعدها أن لا يقربها إلا إن أرادت هي
ذلك وبعد وفاتها تركت له حزنا عميقا وجهه لها هي لابنتها التي
تركتها له بعدها وكيف استطاع أن يدفن كل ذلك في حبه لها
واهتمامه بها فلم يعد يشعر بذاك الفراغ والحزن ففهمت رسالته
فورا وأصبح بالفعل ابن شقيقها وأحب فقيد لديها هو المتنفس
لكل ما فقدته لكن ذلك لم يعوضها فقدها له .. لا شيء أبدا ولا
رؤية ابنتها من جديد فكيف للحي أن يأخذ مكان ميت كيف ؟ لما
تركها وحيدة هكذا من دونه وحتى والدها الحقيقي لا تستطيع
الوصول له إلا إن رضخت وتنازلت وداست على قلبها وجرحها
وألمها فبقي هكذا حسرة في قلبها .. حسرة جديدة قد تنتهي
بفقدانها له أيضا ومن دون أن تراه فالموت لا يسأل ولا يستأذن
ولا يراعي الاشتياق واللقاء .
امتدت بها الدقائق وهي مكانها هناك تبكي على ذاك الكرسي كما
لم تبكي أبدا حياتها فذاك القناع المزيف سقط بفقدانها له وما عاد
قلبها الكسير يحتمل المزيد من الألم من الفقد ومن الفراق لذلك
لم تستطع أن ترى أحد أشقائها وأحد أبناء شراع يموت أيضا
وأن تكون هي السبب وبأي شكل كان وأن يكون الحل بيدها
ولا تحاول فعل أي شيء لكنها فشلت في هذا أيضا .
هذه هي غسق شراع ... أجل هذه هي حقيقتها التي لا يعلمها
أحد .. المرأة القوية المناضلة التي تحصل على كل ما تريد ..
ابنة شراع صنوان والتي ولدت ابنة زعماء أجمل نساء صنوان
والأنثى التي ذكر اسمها في كل مكان في البلاد المقسمة
آن ذاك ...
تزوجت زعيم الحالك وحملت في أحشائها طفله وحتى حين تركها
تحولت لابنة رئيس البلاد مالكة مملكة كاملة بما فيها إن تمنت
شيئا حصلت عليه .. تلك هي غسق التي حسدها الكثيرين وعلى
مر أعوام لكن الحقيقة عكس ذلك تماما فهذه هي غسق
الحقيقية.. الموجودة في هذا المكان المظلم الكئيب تطارد
ذكرى ما ضاع منها ولن يعود أبدا ... مجهولة النسب رغم
معرفتها من تكون ... من تركها الرجل الذي أحبته بكل ما عرفته
الأنثى من مشاعر فنبذها بتهمة خيانة ثم اعترف بها على نفسه
وأمام الجميع بل وبعدما أعادها زوجة له وكأنه يتفنن في قتله لها
ليظهر الآن أن كل ذلك مجرد كذبة كبيرة صدقتها هي قبل الآخرين
ومن قبل أربعة عشر عاما ... فقدت والدها المزيف ولم تستطع
الوصول لوالدها الحقيقي ... خسرت ابنتها وحين وجدتها لم
تجدها ... هذه هي غسق دجى الحالك للأسف ... هذه هي غسق
الحقيقية لم تحصل يوما على ما تمنته وعاشت تفقد فقط ...
تفقد وتفقد وتفقد حتى استنزف الفقد روحها ومشاعرها وأحلامها
وتركها جوفاء لا تصلح سوى لتكون تمثال زينة يمتع الناظر له
ولا يستفاذ منه في شيء .
وقفت تمسح دموعها بباطن كفها كطفلة لم تجد من يمسح تلك
الدموع ولا من يهتم لبكائها فاختارت ترميم نفسها بنفسها
وتوجهت للسلم المظلم المغطى بالأتربة وصعدت درجاته بالكاد
تستطيع ساقيها أن تحملانها حتى وصلت لغرفة معينة ما كانت
لتختار غيرها في ذاك المكان وذاك الوقت تحديدا .
*
*
*
تبعتهم منذ وقت بسيارتها ولا أحد منهم يفهم كيف تحول
مسارهم من شقة ذاك الكنعاني للمستشفى ؟
كان اتصالا من كين وبكلمات مختصرة
( ماريه تعرضت لحادث واصطدمت سيارتها بإحدى
الأشجار وهي في المستشفى الآن )
جعلهم يغادرون المبنى الذي اجتاحوه لهدف كل واحد يراه في
الآخر وذاك الأصبع لم يبتعد عن الجرس حتى يئس صاحبه من
أن يكون مبتغاه هناك فاكتفى بضرب الباب بقدمه بغضب قبل أن
يشتعل أكثر مما كان بعدما علموا عنه وزميل لمارية يبلغ كين
بأنه وجد سيارتها مصطدمة بشجرة في طريق كامبيردج ولأنه
كان أمام قاعة المحاضرات لم يستطع فعل شيء سوى الاتصال
بوالدها ليصبح كل واحد منهم لقمة سائغة لتأنيب الضمير فما
كان عليهم تركها تغادر ولا أن ينخدعوا بقوتها اللحظية تلك
وصمودها ولامبالاتها رغم يقينها من أنه ليس ثمة قوى مزيفة
لدى تلك الفتاة فهي إن بكت لا تهتم لوجود أحد ولا السبب في
بكائها وإن تمسكت بقوتها العجيبة تلك لا تتخذ ذلك كقناع أبدا
ومتأكدة من أنها كانت تتوقع ما حدث وإن بشكل مختلف وسيكونا
تحدثا عنه البارحة .
نقلت نظراتها بين الواقفان قربها وتلك الملامح المتجهمة وكأن
كل واحد منهما يحمل نفسه ذنب ما حدث لكن المذنب ليسا هما
فقط وليس وحدهما بل جميع من عرف ماريا هارون ... جميعهم
أذنبوا في حقها وختامهم ذاك الهازاني الذي لو كان أمامها الآن
لقتلته لا محالة فمتى سيلتفت لها من حولها ؟ متى سيشعرون
بها ويفهموا بأنها ترى في ذاك الشاب ذاتها .. ماضيها ..
حاضرها ومستقبلها البعيد وأن محاربته لن تخدم ماريه في شيء
فهي تحتاج فقط أن تتعلم أن تعيش من دونه أن ترى سعادتها في
أشياء كثيرة بعيدة عنه أن تتخلص من كل شيء داخلها متعلق به
حتى طفولتها ، وذاك الشيء لن يستطيع تحقيقه سوى رجل آخر
وهذا ما هي موقنه من أن ماريه لن ترضاه أبدا وإن مات ذاك
الشاب وفقدته للأبد وليس موجودا في الحياة تراه وتسمع اسمه .
انتقلوا ثلاثتهم جهة الذي فتح باب الغرفة وخرج منها نظراتهم
المتوجسة تكاد تلتهمه لتتعاقب تنهدات الارتياح المتفاوتة حين
قال مبتسما
" الحادث لم يكن قويا وهي بخير ... بعض الرضوض فقط
وستشفى سريعا ، هي فقط لم تستعد وعيها بشكل جيد ولا تعي
فعليا لما حولها بشكل كامل وتحتاج لأن تبقى هنا ليومين
لتتحسن ونعيد الكشوفات والصور مجددا لنطمئن أكثر "
وغادر بعدما قال
" حمدا لله على سلامتها "
وابتعد مغادرا وما أن كانت ستتكلم لتطلب منهما أن يغادرا وتبقى
هي معها شهقت لا إراديا وهي ترى الذي خرج من آخر الممر
لتجعل شهقتها تلك الواقفان أمامها يلتفتان فورا قبل أن يتبادلان
تلك النظرات التي يتهم بها كل واحد الآخر بفعلها ويبدوا أن كل
واحد منهما مثلها تماما لم يتوقع وجوده هنا ويبحث عمن أخبره
فلم تستطع إزاحة نظراتها عنه وجميع تلك التعهدات بالنيل منه
ما أن تراه طارت أدراج الرياح وهي تراه يتوجه نحوهم بخطوات
واسعة واثقة متفجرة رجولة في أدق تفاصيله زادته تلك الملابس
التابعة للمنظمة التي يعمل ضمن حقولها هيبة كما زادتها رهبة
منه كالعادة وليست تفهم بسببه أم بسبب تلك الملابس السوداء
والحذاء الجلدي الطويل الثقيل وحتى الحزام المشدود حول خصره
النحيل يروي حكاية معقدة من العنف الذكوري المسيطر فبلعت
ريقها لا تحسد المدعوة ماريا أبدا سوى على هذه الوسامة
والرجولة أما باقي ما يتعلق به فلا تتمناه لأي أنثى ولا عدوتها
الغبية المدعوة ( إيلا ) .
كانت تنظر له وتعلم أنه ثمة أمر واحد فقط قد يختفي بعد قليل
وهو السلام الرائع المحيط بالمكان خاصة مع تلك النظرة في
عينيه وقد وقف أمامهم ونظر لوالدها تحديدا وكأنه لوحده في
المكان وحرك رأسه بتلك الطريقة التي لا يتقنها سواه وهو
يقول بحدة
" من هذا الغبي الذي تركها تخرج لوحدها وتقود سيارتها ؟ "
كم شعرت حينها برغبة متوحشة في لكمه على وقاحته تلك ففوق
ما فعله يأتي ليتهمهم بالتخاذل ناحيتها وهو على ما يبدوا يعلم
جيدا سبب ما هي فيه وبأنها ستكون علمت بأفعاله ؟ .
شهقت تمسك فمها بيدها حين تحقق ما حلمت به واقعا لكن
ليس بقبضتها هي بل الواقف على يمينها ومن تعامل معه قبل
قليل وكأنه شيء لا وجود له ولم يكن سوى من يفترض بأنه
والده الرافض تماما للاعتراف به ومن استطاعت قبضته
أن تجتاح تلك الهالة الرجولية المسيطرة لتصل لذاك الفك
الصلب ، وقبل أن يفيق الجميع من صدمتهم بما حدث وأن يفكر
ذاك في رد الدين كما ظهر جليا في نظراته السوداء كان جسد
والدها الأسبق وهو يقف حاجزا بينهما يحاول فقط إبعاده وهو
يتوقع رد فعل معادي منه لن يأمن عواقبه خاصة وأن من لازال
يشد قبضته بقوة صرخ فيه دون اكتراث لما فعل وما تقوله عينا
المواجه له
" هل أرضيت غرورك الذكوري هكذا ؟ أهذا ما كان ينقصك كرجل
أن تجرح امرأة تحبك ؟ "
ورغم محاولات والدها المضنية لمنع أي اشتباك بالأيدي بينهنا إلا
أن تلك اليد القوية امتدت لياقة الواقف أمامه والتفت أصابعه
حولها بقوة رغم أنه لم يحرك ساكنا ينظر له بغضب يشبه غضبه
ودوى ذاك الصوت الرجولي الصارخ
" أنت آخر رجل يتحدث عن جرح امرأة يا شاهر كنعان ..
آخر من يتجرأ على الدفاع عن النساء وآخر من يتهم غيره
بقتل إحداهن "
ليصرخ ذاك بالمثل لا يهتم مطلقا ولا بقبضته الملتفة حول ياقة
سترته وكأنه هو ابنه وليس العكس
" والدتك كانت تعلم ، كانت من رفض ووافق واختار .. تلك هي
الحقيقة واقتنعت بها أم لا يا تيم فتلك مشكلتك لكن ماريه لا
ومادمت اخترت غيرها فستطلقها وإن مرغما "
فأمسكت حينها الواقفة بينهم فمها بيدها تعلم جيدا ما عاقبة من
يتجرأ على ذكر كلمة طلاق أمام هذا النمر البري فهو لم يتقبلها
ولا من ماريه نفسها وجن جنونه ودخل منزلهم لأول مرة بسبب
ذلك ، وذاك ما حدث فعلا وما خشيته كان واقعا وهو يدفع والدها
بجسده بقوة وكأنه لا يساوي شيئا حين دفع قبضته للأمام بقوة
ليصدم ظهر والده بالجدار وقرب وجهه منه ومن ملامحه
الجامدة وصرخ فيه بغضب أسود
" إن كنت تريد أنت أن تتحول حياتك لجحيم فاسعى لذلك وفكر
أن تنفذه ... ماريه زوجتي حتى تموت أتفهمون هذا ؟ زوجتي
رغما عن الجميع وحتى عنها هي نفسها "
تحركت حينها يده لتصل لياقة سترته أيضا وشده منها قائلا بحدة
يحاول دفعه عنه بقوة
" زوجتك وتخطب غيرها ؟ تدمرها وبلا رحمة ثم تناديها
بزوجتك ؟ حرر الفتاة منك يا ابن شاهر كنعان ثم اعبث مع
الانجليزيات كما تريد يا عديم المسؤلية "
ولم تزد عبارته تلك سوى ذاك السواد في عينيه اشتعالا وبات
ما يخشاه الواقفان قربهما واقعا ويده الأخرى ترتفع في قبضة
مشدوة بقوة جعلت عم والدته يتدخل مجددا محاولا إمساكه عن
فعلها وضرب والده وهو من يعلم كغيره بأنها لن تكون الأخيرة ،
وما أن أمسك برسغه نفضه عنه بقوة كادت توقعه وهو يصرخ به
يحاول أن يتوازن دون أن يفلته
" توقف يا تيم فهو والدك فوق كل شيء "
فاستل يده منه بعنف صارخا
" ليس والدي ولا أنتم عائلتي ولن أعترف يوما بأشخاص تركوا
والدتي تموت متخلين عنها وبكل دم بارد "
فك شاهر نفسه وياقته من قبضة أصابعه صارخا
" وما الذي تفعله أنت الآن ؟ تتخلى عن زوجتك ... تقتلها
وتتركها يا ابن والدتك ؟ "
فأبعد هو أيضا حينها يده عنه بحركة عنيفة وقال متوجها لباب
الغرفة المغلق
" هل ما تريده أن أثبت لك العكس ؟ ولهذا أنا هنا "
ليقف أمامه هذه المرة العنصر الصامت في المجموعة والتي
وقفت بينه وبين ذاك الباب ترفع ذراعيها صارخة بغضب "
الطبيب قال بأنها متعبة ولم تتعافى بعد فاتركها للألم الجسدي فقط
وابتعد عنها هذه الفترة فهي تلقت خبرك الرائع بصمود ورمتك
خلف جرحك لها فاتركها وشأنها لبعض الوقت على الأقل حتى
تتخلص من بقاياك "
كانت تعلم بأنها تلعب لعبة أخطر منها لكنها ترفض وبشدة أن
يأخذها من هناك عنادا في والده وما قال فقط .. أن يرميها في
النار التي اختار أن يعيش فيها هناك فينهيها وللأبد بقتلها شيئا
فشيئا .. ذاك ما لم تختاره ماريه لنفسها وعليهم منعه من فعله
الآن وبعدما فقد كل هذا معناه لديها ، لكن مصيرها وكما توقعت
لم يكن أفضل من سابقيها وهو يمسك ذراعها قائلا من بين أسنانه
" ابتعدي عن طريقي فأنا لا أريد أن تمتد يدي على امرأة
أخرى "
ورماها جانبا وكأنها شيء لا يساوي وزنا لتجد في الكرسي
المثبت بالأرضية الرخامية منقذا لها من السقوط أرضا تراقب
نظراتها الحانقة الذي فتح باب الغرفة بقوة ودخل وصرخت به
دون اهتمام لما سيفعله بها أيضا
" ماريه لم تعد تريدك لما تريد أن ترى ذاك واقعا أمامك يا
متعجرف فكما تركتها من أجل أخرى ستفعل هي ذلك يوما تأكد
من ذلك يا كتلة الغرور "
وتنفست بقوة تستوي واقفة تنظر بغضب للذي خرج من الغرفة
يحمل بين ذراعيه من لا تعي مما يجري حولها شيئا يدفن وجهها
في صدره فوقفت أمامه مجددا مستمرة في الصراخ في وجهه
" لما لا تفكر لمرة واحدة بعقلك وليس بالشر المستوطن
داخلك ؟ "
وتلقفت أنفاسها الغاضبة غير مبالية بنظراته السوداء القاتلة
تلك كما لم يكن ثمة ردود أفعال ممن تركهما خلف ظهره ولا
بمنعه أو منعها فإن جهل أحدهما فالآخر يعلم جيدا ما تكون ابنته
ومن تكون تلك الشقراء نصف العربية التي رباها ويعلم جيدا
عنادها وجنونها ولم يرفض ذلك يوما في شخصيتها لتستطيع
الأخذ بحقها حيث عاشت وستعيش مستقبلا وواثق بأنها من
ستفعل ما عجزا هما على فعله بيديهما وذاك ما حدث فعلا ولم
تقصر هي فيه أبدا وقد عادت للصراخ في وجهه مشيرة له
بسبابتها
" ليكن معلوما لديك فقط بأن هذه التي تمارس سيطرتك وغرورك
عليها ليست كما تراها ويصورها لك عقلك وبأنك خسرت ثقتها
وستستمر في خسارتها فتخسرها وتخسرها حتى تنتهي من
داخلها أو تنهيها من الوجود ولن يبكي فقدها غيرك حينها ...
لا أحد عداك لأنك أكثر منها تحتاجها "
تلت كلماتها تلك لحظة صمت عميقة مخيفة قبل أن يضرب الواقف
أمامها بقدمه وحذائه الثقيل الأرض تحته صارخا فيها بالمثل
" ابتعدي عن طريقي وتوقفي عن قول الترهات قبل أن أضربك
بهذا وافقدك قدرتك على الانجاب ما حييتِ "
لتلجمها كلماته تكلك من جرأتها وقد حولتها لتمثال جامد وهو
يجتازها بخطواته الواسعة الغاضبة وكالمتوقع تماما حدث ما يريد
وما أراد ورغما عن الجميع فالتفتت مع حركته تنظر لقفاه تزم
شفتيها بغضب وهو يغادر بها ضاربا حتى قوانين ذاك المستشفى
عرض الحائط ، وما أن اختفى عند نهاية ذاك الرواق التفتت
خلفها مجددا ونظرت للواقفان يراقبان مكان اختفائه أيضا
بنظرات تفاوتت بين الاستياء والتجهم وقالت بضيق
" لما لم تمنعاه ؟ أيرضيكما ما يفعله بها ؟ "
لكن كلامها ذاك لم يجد ردا من كليهما وأحدهما يشيح بوجهه
جانبا في صمت والآخر يغادر المكان أيضا بصمت يشبهه
فضربت بقدمها الأرض متأففة باحتجاج وتوجهت جهة إحدى
النوافذ الممتدة على طول ذاك الممر ووقفت تراقب الذي خرج
من باب المستشفى وتوجه لمواقف السيارات وغادر من هناك
بما أتى من أجله بل وترك عمله ولثاني مرة في تاريخه بسببه
وبسبب رسالة وصلت هاتفه تخصها مجددا وإن كانت هذه
المرة ليست منها كسابقتها .
وضعها في السيارة وغادر من هناك يثبتها حاضنا لها بذراعه
ونظراته الجامدة الجوفاء والخالية من أي تعبير لم تفارق الطريق
أمامه .. يكره أن يقارن بما فعل ذاك الرجل بوالدته ..
يكره أن يُنظر له كما نظر هو لذاك الرجل حين التقاه أول مرة
اكتشف فيها أنه على قيد الحياة ليشعر حينها بوالدته تموت من
جديد وأن مأساة طفولته تعرض أمامه بجميع تفاصيلها
وبأقسى مما كانت وعاش ، أخفى ذقنه وشفتيه في ذاك الشعر
البني الحريري يقبل بصمت رأس النائمة في حضنه ونظره
لازال على الطريق أمامه يتحكم في حركة المقود بيد واحدة
وتلك العبارة تتكرر أمامه رغم محاربته المستميتة لها
( خسرت ثقتها وستستمر في خسارتها فتخسرها وتخسرها
حتى تنتهي من داخلها أو تنهيها من الوجود ولن يبكي
فقدها غيرك حينها ... لا أحد عداك لأنك أكثر منها تحتاجها )
ركن سيارته في المواقف الخاصة تحت البناية ونزل وأنزلها
يحملها بين ذراعيه وصعد بها السلالم ودخل شقته ضاربا
بابها خلفه بقدمه وأخذها لغرفته فورا ، يتصرف بجنون
أجل يعلم .. لا يفكر في العواقب والنتائج .. أجل ولن يهتم أيضا
ولن يبالي ، وضعها برفق على السرير وجلس ثانيا ساقه تحته
وأبعد خصلات شعرها عن وجهها ومرر ظهر سبابته برفق على
الكدمة الحمراء الخفيفة تحت جفنها قبل أن يقبض أصابعه بقوة
مشيحا بوجهه عنها وتنفس بعمق مغمضا عينيه ووقف وتوجه
للنافذة ووقف أمامها تراقب عيناه السماء الصافية من خلف
زجاجها المعتم وأحداث البارحة تتقاسمه كالفريسة وهو يتذكر
الرفض القاسي لكليهما وذبح كلاهما للآخر ودون رحمة ...
ألم يترك الخيار لها وهي اختارت ؟
ألم ترفضه وبكل بساطة فماهذا الذي يحدث الآن وما سبب ما
فعل !
لما ترك كل شيء خلفه وسارع لها ما أن علم بما حدث ؟
لما هي هنا لماذا .... ؟
مرر أصابعه في شعره بعنف واستدار من فوره وتوجه لباب
الغرفة وأغلقه بالمفتاح وسحب الأريكة الثقيلة بقوة حتى ألصقها
به وعاد جهة ذاك السرير الواسع والنائمة فوقه لازالت لا تعلم
شيئا عما يحدث حولها ، استلقى بجانبها مستندا بمرفقه وأمسك
ذراعها بيده الأخرى وسحبها لحضنه وطوقها بذراعه ودس
وجهها في عنقه وأصابعه في شعرها الناعم ووجهه في خصلات
ذاك الشعر هامسا من بين أسنانه
" غاضب منك ماريا .. لو تعلمين كم غاضب منك ومن
نفسي قبلك "
*
*
*
وقف أمام باب الغرفة ينظر للسرير الذي يتوسطها تحت تلك
النافذة الزجاحية بل تحت ضوء القمر المتسلل لا بل للنائمة فوقه
تحضن تلك الوسادة البيضاء بقوة تخفي وجهها فيها ..
الكفيلة وحدها بجعل قلبه يمر بجميع انفعالاته في ذات الوقت ..
تراقب عيناه ونظراته التي لجأت لسرير والدها الذي رباها
ولوسادته الباردة لتهرب لهما من كل شيء حتى ممن كان سيفقد
عقله لا محالة إن وصلت لذاك المكان الذي كانت تنوي الذهاب له
، كان يعلم بأن منعها بالقوة أمر لن يصعب عليه ولكان الحرس
الذين وكلهم بمراقبتها ما تركوها تجتاز أول مدينة بعد العمران
لكنه يعلم أيضا بأن ذلك سيزيد الوضع سوءا وستراه مذنبا أكثر
من السابق فتركها رغما عنه تواجه حقيقة من كانت على استعداد
للمغامرة بحياتها كي لا يفقد هو حياته ثم يخرجها من هناك ومن
بين عيني ذاك القذر ، كما أمل أيضا بأنها أذكى من أن تنطلي
عليها حيله وأن تحسب الأمور بشكل آخر لذلك اتصل بابنتها
وطلب منها أن تتحدث معها فتيما ستكون آخر ما قد يدفعها
للتعلق بالحياة وبعالمه وإن من أجلها .
أخذته خطواته للداخل نظره لا يفارق ذاك الجسد ولا حين انحنى
ورفع سترتها السوداء الطويلة المرمية أرضا قرب السرير
ووضعها على طرفه برفق لازالت تقوده خطواته نحو نظراته
نحو ضربات قلبه الذي كان يصرخ شوقا واحتياجا نحو التي
اختارت كل شيء حتى الجماد وذكرى الراحلين عليه بينما لا
يستطيع هو اللجوء لغيرها وحتى من قسوة الجماد وذكرى
الراحلين عنه .
جلس برفق قرب رأسها مولية ظهرها له كل ما يظهر منها طرف
وجنتها التي لم يخفيها شعرها الحريري الطويل ولا تلك الوسادة
التي تخفي ملامحها عنه ويدها وأناملها الرقيقة تحضن ذراعها
العاري تلفهما بقوة حول تلك الوسادة نائمة بسكينة تتنفس
بهدوء وكأنها لم تنم يوما ، رفع يده ولامست أصابعه شعرها
ببطء ونعومة حتى غاصت في سواده الكثيف ورفع تلك
الخصلات لوجهها يستنشقه مغمضا عينيه وكأنه لم يعرف رائحة
الأشياء يوما تستشعر شفتيه نعومته التي عذبه الاحتياج لها كلما
حاصرته همومه طيلة الأعوام الماضية وكلما اشتاق لأن يشعر
بالراحة .. بالطمأنينة وبأن كل شيء في العالم يسير على ما
يرام .
ترك تلك الخصلات لتنزلق من أصابعه بنعومة واقترب منها ببطء
سامحا لقبلاته بالاكتفاء وإن جزئيا منها وبأن تنال كل ما ستحصل
عليه وهو ينتقل بها من وجنتها لكتفها فذراعها العاري نزولا
لأناملها الرقيقة يقبلها واحدة واحدة يحاول فقط إبعاد يديه عنها
وبشق الأنفس قبل أن يتصلب جسده فجأة وقد لفت انتباهه الخاتم
في يدها الأخري ..
خاتم الزواج الذي ألبسها إياه سابقا ولم يراه في أصبعها بعد ذاك
الحفل مطلقا ! هل اختارت ارتدائه الآن تحديدا لتصل به هناك
لذاك الرجل لتخبره بأنها متزوجة وبأنها ملك له ..؟
للرجل الذي يقاتل باستماتة ليسلبها منه ؟
أهذا ما كانت تنوي فعله !
دفن وجهه في خصلات شعرها المتناثرة خلف عنقها واستلقى
ببطء خلفها وطوق جسدها وتلك الوسادة وكل شيء مرتبط بها
بذراعه يدفن وجهه في ذاك الليل الحالك أكثر يقبله بشغف
باحتياج بشوق فها هنا يجد مطر شاهين نفسه يجد ملاذه من كل
همومه ويجد المتنفس لكل ما يؤرقه ... يجد مطر الذي تركه هنا
قبل أن يغادر مبتورا من كل شيء حتى مشاعره لتبتلعه تلك
الدوامة وكل تلك الأعوام ولتعلمه معنى الفقد والاحتياج ...
لم يتخيل يوما أن قربها سيكون عذابا أقسى حين سيحرم منه
مجددا حتى دخل البلاد تلك الليلة بعد وفاة شراع صنوان بأيام
ونام هذا الجسد في حضنه مجددا واختبرت شفتاه ملمس تلك
الشفتين الناعمة من جديد وشعرت يداه بملمس التي علمته نعومة
جسدها أنه ثمة مسميات أخرى للحرير الطبيعي الذي يتحول
لإدمان لا يشبه غيره أبدا ، ظن أن الشوق قد ينطفئ حينها لكن
الابتعاد مجددا بعدها لم يزده إلا عذابا فكان رجوعه للوطن من
جديد خياره الذي ما كان لعقله أن يتغلب على قلبه ومشاعره
فيه .
دفن وجهه في شعرها أكثر يحاول فقط تمالك نفسه كي لا يتهور
أكثر وتشعر بوجوده من بين نومها العميق الذي يتمسك به
جسدها باستماتة بعدما افتقده لأيام فهو مثلها تماما يحتاج لأن
ينام .. أن ينام نوما حقيقيا لا تحسده همومه عليه فهو لم يعرفه
منذ حرم من تطفلها ليلا عليه تجتاح حتى نومه لتجد مكانا لها فيه
فكانت توقظه وتحرمه النوم لتنام هي ، تتالت قبلاته لشعرها
وعنقها يتذكر تلك اللحظات التي لم ينساها يوما وهي تتعمد
إيقاظه ليلا ورغما عنه أحب ذلك أم كره لأنها استفاقت ولم
تستطع النوم ولا تريد البقاء مستيقظة وحدها وعليه أن يسمعها
وهي تتحدث حتى تنام ، عشق مشاغبتها له وعشق تمنعه عن
الاستيقاظ متعمدا لتستخدم أساليبها الأنثوية في إجباره على فعل
ما تريد ، بل يذكر تحديدا تلك المرة التي انقلب فيها على بطنه
وأخفى وجهه في الوسائد تحته رافضا الانصياع لجميع
محاولاتها لإجباره على ما تريده فلم يشعر سوى بجسدها الذي
احتضن ظهره ويداها تتسللان تحت خصره وتلك القبلات الناعمة
تعبث بعنقه مدمرة حصونه بلا رحمة قبل أن تهمس قرب أذنه
بذاك الصوت الرقيق الناعم
( أرني كيف ستنام وتتركني الآن )
وكان عليه فقط أن يقاوم بما تبقى لديه قبل أن يسقط صريعا وتلك
القبلات تبحث عن مكانها في عنقه وصولا لنحره وتلك الأنامل
الرقيقة الناعمة تجد مسارا لها تحت قميصه القطني الضيق
لعضلات معدته المسطحة المشدودة فينتهي الأمر بأن تصبح هي
تحته وهو من يتوعدها لا هي فتبتسم له تلك الابتسامة الكفيلة
بإشعال أعتى الرجال ودك حصونه وتهمس بجملتها المعتادة تلك
( المهم أن تستيقظ حتى أنام أنا )
فيحصل كل منهما على ما يريد بل وليحصلا على أمر واحد
أراده كليهما ... حيلة ماكرة كان عليه أن يفهمها من أول مرة لا
من الثانية فليس ثمة من توقظ رجلا ليتحدث معها لأنها لم تستطع
النوم بل ولمرتين في ليلة واحدة ...
بل هي أساليب النساء في نيل ما لا يقلنه مباشرة لكن هذا لم
يسمع عنه سابقا فثمة نساء يجدن أفكارا لجذب الرجل للسرير
لكن أن يجذبنه من نومه فهذا ما كانت تنفرد به تلك المشاغبة
عن غيرها كما كل شيء فيها .
رفع رأسه وجسده وسبقته قبلاته الخفيفة لوجنتها يتمنى فقط أن
يدفن وجهه في تلك الوسادة ويجد مبتغاه ويصل لتلك الشفتين
يفكر بأسى ما كان سيكون رد فعلها إن لعب ألاعيبها في الماضي
وسرقها من نومها ؟ يعلم بأنه سيكون الرفض وسيكون ذات رد
فعله هو حين حاولت فعلها بعد عودته من سفره المشؤم ذاك
حين رفضها وبكل قسوة بعدما بادلها قبلاتها المشتاقة المتلهفة
تلك ليجعل عقابه لها أقسى مما كان عليه ... كان كل ذلك له
ملكه يكاد يحسد نفسه عليه فلا رجل غيره امتلكه قبل أن يفقد كل
ذلك وكل شيء فما الذي أفقده إياه ... ؟ المدعوا جبران أم أبناء
غيلوان أم الوطن وخشيته من أن يحارب صنوان ويفقد مشاعرها
نحوه بل ويفقدها بجميع تفاصيلها وللأبد ؟ وفي النهاية
.... فقدها ... فقدها ومهما اختلفت الأسباب والمسميات فقد
أفقد نفسه إياها لكي تكون موجودة في الحياة وإن لم تكن
له ... فقط ليعلم بأنها في مكان ما لازالت له ولازالت بخير.
تراجع عن كل تلك الأفكار المجنونة وعاد للاكتفاء بأن يشعر
بوجودها في حضنه وأن يستشعر قربها فقط وليحضى هو
أيضا بنوم يشبه نومها فهذا ما يحتاجه بالفعل وأكثر من أي
شيء .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 70 others like this.
رد مع اقتباس
#7432
قديم 14-02-18, 10:36 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
أوصلته تلك السيارة لبداية مزرعة جارهم الأقرب لهم رغم بعده
عنهم بسبب طبيعة تلك المناطق الزراعية وكان ممتنا له وإن كان
أوصله لبداية المدينة وليس حتى هذه المسافة فقد اضطر
للوقوف في الطريق وانتظار سيارة تقله ومر به هذا الرجل بعد
أن سار على قدميه لمسافة طويلة حتى تفطرتا من الألم ليرسل له
الله تلك السيارة كرحمة من السماء ولم يمانع صاحبها أبدا في أن
يقله في طريقه بل وأصر أن يوصله لغرير رغم أن طريقه كانت
ستنتهي قبلها بكثير ففاعل الخير لا يحار في نفسه أبدا لأن
حسناته تتبعه حتى يأخذ جزاءه عليها في الدنيا قبل الآخرة .
سار بخطوات مسرعة فحتى إن كان فقد سيارته ونقوده جميعها
وقد لا يستطيع أخذها من هنا فعلى الأقل تراه وتعلم بأنه لم يخلف
وعده لها بل وسيخرجها من هذا المكان وإن شحذ في الشوارع
ليطعمها ويؤويها ولن يتركها لهم ليوم آخر بما أنها وافقته على
فعلها أخيرا .
دخل المزرعة وغضن جبينه ينظر لبهرة الضوء الحمراء الخفيفة
بعيدا وبدأت تلك الرائحة التي اسغربها قبل دخوله بالتسلل لرئتيه
بشكل أكبر وأوضح فتحركت خطواته مسرعة بل وراكضا يتخطى
كل تلك الأشجار المثمرة المزروعة في صفوف متساوية قلبه
سيخرج من مكانه من شدة ما كان ينبض ومخاوفه تزداد عظما
كلما اقترب من هناك أكثر يريد فقط أن لا يفكر في أن منزلهم ما
يحترق هناك بما أنها ليست أشجار المزرعة ولا المحصول وحتى
أن يكون ذاك الحريق أبعد من مجال رؤيته ويكون بعيدا عن
مزرعتهم ، ورغم أن الوقت قارب الفجر بقليل إلا أن تلك النيران
المتأججة احتاجت وقتا لتأكل كل شيء يتبع لذاك المنزل أيضا بل
وحتى الاسمنت الذي يغطي جدرانه وقررت أن لا تنطفئ قبل أن
تأكل كل شيء وحتى نفسها .
وصل حيث بعض الرجال من الجيران مجتمعين وكل واحد منهم
يصفق يديه أو يحرك رأسه متمتما بأسى
( لا حول ولا قوة إلا بالله )
والأنظار تراقب بقلة حيلة تلك النيران التي لازالت تأكل ما أبقته
في الداخل ولم يجتمعوا حول ذاك الحريق إلا وقتها بسبب
المسافات التي تفصلهم عن بعضهم ، ركض نحوهم وصرخ يشد
كل واحد فيهم من كتفه لينظر له
" ماذا حدث ؟ من أشعل النار ... ؟ أين هم عائلتي ؟ "
كانوا يتحدثون جميعهم ولم يكن يفهم من حديثهم شيئا لا يعلم
بسببهم أم بسبب الطنين المرتفع في أذنيه بل وفي رأسه بأكمله
وكل ما فهمه هو إشارة أحدهم لمكان ما فنظر لتلك الجهة بضياع
تبحث عيناه بأمل كسير وتحرك هناك مسرعا حتى وقع نظره على
الواقفة تحت إحدى الأشجار تمسك بيديها ابنيها التأمان فركض
ناحيتها صارخا من قبل أن يصل لهم
" أين هي يمامة ؟ "
فابتسمت بشر قبل أن يصل لها وتصبح في مجال رؤيته فها هو
طعمها الآخر وصل في الوقت المناسب وقبل والده الذي
استطاعت إبعاده الليلة ، قالت حين وصلها وببكاء تمثيلي
" لازالت في الداخل لقد أغلقت الباب على نفسها ورفضت
الخروج ، كنت أعلم بأنها ستفعل شيئا بنفسها وبنا "
حرك رأسها نفيا صارخا
" لا لن تفعلها وتقتل نفسها فهي كانت تنتظرني "
وركض كالمجنون جهة المنزل الذي بدأ سقفه الطيني المشتعل
يتهاوى تدريجيا تراقبه تلك النظرات بمكر قبل تتحول لغضب
مكبوت تشتم بهمس الذي شعر به من الواقفين هناك وركض
ناحيته وأمسك بذراعيه بقوة مانعا إياه من الاقتراب قبل أن يلحق
به البقية يصرخ مبعدا له
" لا أحد في الداخل ماذا تريد أن تفعل يا مجنون سيقع السقف
عليك "
صرخ ببكاء يحاول الفكاك منه
" شقيقتي في الداخل اتركوني اخرجها أو أموت معها "
قال الذي بدأ يسحبه معه مبتعدين به
" شقيقتك ليست هناك لقد خرجت لا أحد في المنزل يا يمان "
نظر له بضياع من بين دموعه هامسا " ليست هناك ! لكن
هي قا..... "
قاطعه قائلا بانفعال
" عمران كان من وصل أولا قبل أن يبلغنا وذهب منذ وقت لطلب
النجدة وقال أنه ثمة شاب أخذها من هنا وقال بأنه خطيبها ، لقد
أخذها هي وخادمتكم "
نقل نظره بينهم بضياع هامسا
" أبان !! لكن هو ! و.... ووالدي أين هو ؟ "
قال أحدهم
" ليس هنا وسيارته ليست موجودة ، زوجته قالت بأنه لم يرجع
منذ خرج مساءً "
تهاوى حينها على الأرض جالسا على ركبتيه وهمس حامدا
الله ودموعه لم تتوقف عن النزول ونظره على بقايا ذاك المنزل
المتهاوي ببطء ولن يتخيل ردة فعل والده كيف ستكون إن علم
وهو من كاد يقتلها بسبب احتراق المخزن فقط فكيف بالمنزل
كاملا وتلك المرأة ستتهمها كسابقتها بالتأكيد ، حمد الله هامسا
بوجع أن كان أبان الأسبق لها منه هذه المرة وسيعرف كيف
يحميها جيدا منهما ومن كل شيء بما أنه أخرجها وفعل ما عجز
هو عن فعله ... شقيقها الذي علقت آمالها عليه ومن تحملت كل
ذاك الأذى من أجله بل ووصية والدتهما له ليثبت للجميع الآن
وأولهم نفسه بأنه فاشل .. فاشل وبجدارة فماذا إن لم يأتي أبان
ويخرجها ؟ ماذا كان سيحدث لها ؟ ستحترق وتموت .. هذا إن
لم تعش مشوهة تعذبه برؤيتها أمامه ما عاش .
أطرق برأسه ودفن وجهه في كفيه وبكي ... بكى بنحيب بوجع
وما أشده بكاء الرجال وما أقساه فلا تخرج تلك العبرة من
أضلعهم إلا والوجع فيها فاق كل شيء خلق الرجل لتحمله ...
بكى وبكى كل شيء ... نفسه والدته ماضيه حاضره وحتى
مستقبله وهو يشعر بعجزه عن فعل كل ما كان عليه فعله ...
كل من يعتمد عليه خذله ، بنى نفسه من داخله ليكون كما أرادت
من أنجبته وحرمت من رؤيته يكبر أمامها ويصبح رجلا ورغم كل
ذلك فشل ... فشل حتى في أن يكون نفسه وها هو خسر كل شيء
حتى عمله الذي لن يستطيع الوصول له مجددا وهو بلا مال
ولا سيارة ... خسر منزله ثيابه أغراضه وشقيقته التي لن
يستطيع أن ينظر لعينيها مجددا بعدما خذلها ووعدها وأخلف .
*
*
*
جلست بشهقة مفزوعة تبعد شعرها المتناثر عن وجهها
تنظر بذعر للذي جلس وأمسك ذراعيها هامسا
" غسق هذا أنا لا تخافي "
وقد بدأ أيضا بإبعاد خصلات غرتها عن وجهها والتي أصبح
طولها مؤخرا يوازي ذقنها فأنزلت رأسها وغرست أصابعها
فيها لتنساب بنعومة من بينهم وهمست بصوت مرتجف
" يا إلهي مطر أفزعتني .... لقد أفزعتني "
فأمسك رأسها وقبله واتكأ عليه بجبينه وشد على أسنانه كي
لا يتفوه بأي كلمة وهو يدرك جيدا سبب هذا الفزع
والخوف فهي توقعت أن يكون ذاك المدعو جبران فهل كان
ليتجرأ لفعلها ومشاركتها السرير أم أنه خوف في داخلها
فقط ... ؟
توقف يا مطر لا تترك لجنون مشاعرك نحوها الفرصة
للتحكم بك مجددا ، طوق جسدها المرتجف بذراعيه يشعر
بضربات قلبها المرتفعة ما أن لامست يداه ظهرها فلازال
جسدها يعيش ذعر ما حدث وارتختا عنها طوعا حين استلت
نفسها منه وما أن فكرت في مغادرة السرير أمسكها من
ذراعيها مثبتا إياها ونظر لعينيها رغم تجنبها النظر له وقال
بهدوء
" أرى أننا في المكان المناسب يا غسق فلنتحدث قليلا أو
استمعي لي فقط على الأقل "
حركت ذراعيها محاولة التخلص من قبضته هامسة برفض
" لا أريد اتركني أذهب يا مطر فلا حديث بيننا عما أصبح
عمره بعمر ابنتك الشابة "
شد أصابعه على ذراعيها أكثر مقربا لها منه ليترفع رأسها
ويقترب وجهه من وجهها وقال ناظرا لتلك الأحداق التي
توارت عنه ببطء تحت جفناها الواسعان
" بلى ستسمعين لي يا غسق فكل ما كنت تجهلينه بات
واضحا لديك وعلينا أن نتحدث ... علينا أن نتحدث عن
كل شيء "
حركت رأسها برفض مميلة له للأمام حتى التصق جبينها
بذقنه فقبله بعمق مغمضا عينيه على همسها الخافت
" لا تقتلني أكثر يا مطر "
أمسك وجهها ورفعه له ونظره على جفناها اللذان كشفا عن
تلك الأحداق السوداء الواسع وضاعت نظراته بحيرة في
ذاك الاحمرار الذي اكتحل به طرفا جفنيها السفليان وقد
التمعت حدقتاها بألم مدفون جعل قلبه ينقبض بقوة من ذاك
المعنى فيهما وانفرجت شفتاها ببطء هامسة بتلك الكلمات
المتأنية
" لا تجعلني أكرهك ما حييت يا مطر .. لا تفعلها فقسما ذاك
ما سيحدث "
شد أصابعه يغرسها في ذاك السواد الحالك أكثر وشدها
لحضنه يدفن تلك الملامح والعينان والنظرة الكسيرة في دفئ
حضنه يشدها له بذراعه بقوة وأصابع يده الأخرى تتغلغل
في ذاك الشعر الحريري يدفن تلك الملامح أكثر حيث القلب
الذي لازال ينبض من أجلها ومن أجل رؤيتها في الحياة
وإن كانت بعيدة عنه يطفئ الشوق بالألم والحنين بالندم
يخمد النيران بإشعالها أكثر وأكثر يستمر في شدها لحضنه
وقبلاته ترسم حدودها حيث لم تكتفي بعد تختبر شفتاه
نعومة ذاك الشعر مجددا ودون رحمة ولا اكتفاء نزولا حيث
ماذا لا يعلم ولا يهم فها هي تفرد خيوط اللعبة في يده
مجددا ... لم تقل بأنها كرهته وانتهى ... بأنها سترفض
سماعه للأبد وبأنه مات في داخلها بل طلبت أن لا يفعل ذلك
... أن لا يُفقد نفسه حبها المدفون تحت جراحها وألمها منه
لكن كيف وكل شيء ضدهما ؟ كيف وهو من عليه أن
يجرحها ويقتلها في كل مرة ليحتفظ بها ؟ .
دفن وجهه في شعرها وتأوه بهمس رجولي عميق حين
خرج صوت نشيج بكائها الخافت تدفنه في أضلعه وأصابعها
تشتد على قميصه جهة صدره بقوة يشعر أنها تقتلع
أوردته بها مع كل عبرة مكتومة ترفض تحريرها فهو يفهم
ما مرت به هنا البارحة وما أحدثه فيها ما علمته بالأمس
وهي تواجه حقيقة بكل تلك البشاعة وها هي تبكيها في
حضن السبب فيها تحديدا ، مسح على شعرها يشدها له
أكثر وهمس عند أذنها
" كنت مرغما يا غسق اقسم أنه كان رغما عني ...
أخطأت في جزء وكنت مرغما في الآخر قسما بمن خلق الذي
ينبض بك ولك "
وارتخت ذراعاه ينظر لها بصمت وهي تسحب نفسها من
حضنه وغادرت السرير من دون أن تنظر له ورفعت سترتها
قبل أن تغادر الغرفة بخطوات سريعة فقفز خارجه أيضا ولحق
بها ونزل السلالم مسرعا وأدركها قرب الباب وأمسك بذراعها
موقفا لها وأدارها جهة الجدار المجاور له ملصقا ظهرها به
فرفعت نظرها له محدقة في عينيه وقالت بضيق ينافي تلك
الدمعة التي انزلقت من رموشها الكثيفة ببطء
" مطر لا تتحدث عن شيء ... أي شيء واتركني أرحل لما
لا تفهم ؟ "
لن يتحدث حسنا وأجل لن يفعل ذلك لكن أن يتركها ترحل فذاك ما
لم يوافقه عليه لا قلبه ولا عقله وهو يرفع يديه لوجهها يسجنه
بين تلك الأصابع الرجوليه الطويلة ودون أن يترك لها وقتا ولا
لتفكر فيما ستكون خطوته القادمة أمال رأسه نحوها بحركة
سريعة وانقض على تلك الشفاه الناعمة المغرية القاتلة المذنبة
في حقه والتي حرم منها حتى شاخ قلبه قبل كل شيء فيه فلا
رحمة الآن يا مطر لا ترحمهما أبدا ... أجل خذ ما كان لك وسلب
منك جورا وظلما اقتص من كل شيء فيهما .. من الفراق من
التضحيات ومن السنين التي سرقت منك كل هذا .
كان يرفض الابتعاد بل ويخشاه .. يخشى أن يبعد شفتيه
ويحررها لبرهة فيفقد كل هذا فكيف وجسدها المتصلب قد بدأ
يرتخي ومقاومتها بدأت بالتراجع ببطء فلم يزده ذلك إلا دكا
لذاك الحصن العالي الذي بدأ بالانهيار ويده تلتف حول خصرها
يشد جسدها لصلابة جسده وأدار رأسها بحركة عنيفة ينتزع حقه
من تلك الشفتين أكثر وبجرأة واندفاع أكبر لم يعرفه كليهما في
مطر شاهين .. يطالب بكل شيء في مرة واحدة وفي قبلة واحدة
حتى شعر هو نفسه بأنه بدأ يؤذيها وأن جسدها لن يتحمل جنون
واندفاع عاطفته أكثر فحررها منه رغم أنها لازالت سجينة
ذراعيه وقد سند يديه بالجدار على جانبي رأسها ينظر لها منحن
الرأس أنفاسه القوية تكاد تمزق ودون رحمة أزرار ذاك
القميص الناصع البياض تراقب نظراته التي كانت تحني رأسها
أيضا تغرس أناملها البيضاء وسط تلك الغرة الحريرية وتغطي
بظهر أصابع يدها الأخرى شفتيها وأنفاسها فاقته صعوبة في
اجتيازها لحلقها قبل أن تنزل بهما للقميص الضيق تعيده مكانه
فانحنى برأسه هامسا من بين أنفاسه عند أذنها
" لم يكن حديثا هذا يا غسق بل ولم ينتهي بعد "
وما أن حدث ما كان يتوقعه وحاولت التحرك من مكانها منعها
منزلا يده لتصبح ذراعه حاجزا بينها وبين الباب بجانبهما
واقترب منها بغتة ودفن وجهه في عنقها وقبله بسرعة وهمس
" لنمضي هذا اليوم هنا ولن نتحدث عما ترفضين التحدث
عنه "
دفعته عنها وقالت بضيق تدفع ذراعه تحاول الفكاك من
سجنه لها
" هل جننت ؟ من هم في سنك أحفادهم يركضون حولهم "
لف ذراعه حول خصرها يمنعها من الوصول للباب الذي كادت
تخرج منه وقال بضحكة خفيفة من خلف أذنها
" ومن هم في مثل سنك لازالوا ينجبون الأبناء .. ثم ألا
يمكنك أن تحسني الظن بي مرة واحدة "
ضربت بقبضتها على رسغه المطوق لخصرها وقالت تقاوم
بضعف لمساته وقبلاته لعنقها
" مطر ابتعد .. قلت ابتعد "
لكن ذلك لم ينتهي هناك وقد انحنى للأسفل ممررا يده تحت
ركبتيها ورفعها بين ذراعيه بخفة وسهولة وتوجه بها للسلالم
وصد بها يقاوم ضرباتها واحتجاجها العنيف يصعد العتبات
بخطوات واسعة وقال وهو يدفع أحد الأبواب بقدمه
" هذه غرفتك هنا سابقا أليس كذلك ؟ "
ورماها على السرير فيها فورا فقالت بضيق تبعد شعرها تحاول
النهوض منه
" لن تنجح في هذا يا مطر ، لن تغرس ذكراك في هذا المنزل
أيضا .. لن أسمح بذلك "
ثبتها منحن فوقها يشبك أصابعها بأصابعه يثبت كفاها بجانب
رأسها بقوة وهمس ناظرا لعينيها الغاضبة
" بل فعلت وانتهى ولن تقاومي يا غسق تعرفين نفسك جيدا "
ما كان ليجبرها على ما لا تريده وكان فقط وكما قالت يريد
لذكريات أخرى أن تحتفظ بها في داخلها لهذا المكان ولن
يسمح لها بقتل نفسها بكل هذا .. بتعلقها بذكرى الراحلين
حتى ترحل روحها معهم ليتركوا له جسدها الخاوي الميت فقط ..
لن يسمح لهم بفعلها فهي له .. له هو ليست لهم جميعهم ،
انحنى لعنقها يقبله بشغف رغم تمنعها وكان ذاك غرضه فقط
لكن ما حدث وقتها جعل كل شيء يتغير والهاتف في جيب
بنطلونه الخلفي يرتفع برنينه الخفيف وتوقع فورا من سيكون
فهو كان هاتفها والذي أخرجه من سيارتها قبل دخوله هنا ورأى
تلك الرسالة التي أرسلتها له قبل وصولها تخبره بأنها اقتربت
من اليرموك لكنها لم تصل حتى الآن لأنها تراجعت عما تعلم جيدا
بأن فعله لن يكون في صالح الجميع وأولهم هي نفسها ، لن
يهزمه هذه المرة لن يسمح له بفعلها وها قد حانت الفرصة ليري
ذاك الجبان مكانه الحقيقي بينهما وهو المشاهدة فقط والموت في
صمت ، أدار يده وأخرج الهاتف من جيبه ونظر لاسمه أولا
وتأكد من أن شكوكه في محلها فلا أحد غيره سيتصل بها الآن ،
بينما توقفت النائمة تحته عن محاولاتها المستميتة للخلاص منه
رغم إفلاته لإحدى يديها تنظر بتوجس لملامحه وعيناه الغاضبة
وقد فتح الخط بحركة عنيفة من إبهامه ورماه على السرير بجانب
رأسها وكتم أي كلمة قد تخرج وقتها من شفتيها بشفتيه وأصابعه
تفتح أزرار قميصها بحركة سريعة عنيفة فثوان فقط ....
هي ثوان معدودة وستستسلم له وإن مكرهة فهو من سبق ونام
معها ويعرف جيدا ما يضعفها حد الاستسلام وتسامحه بعدها أم لا
لا يهم المهم أن يعلم ذاك الجبان أين هي الآن ومع من وفي أي
وضع هما ، وليسمع مما سيحدث ما يريد وإن استمع لكل شيء
لنهايته .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 74 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 15-02-18 الساعة 07:33 PM
رد مع اقتباس
#7433
قديم 14-02-18, 10:37 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
تركها تبكي في حضنه دون قيود ... بلا حدود ودون أن يبعدها
ولا أن يفكر في فعل ذلك تمسح أصابعه على شعرها الحريري
برفق بل وكان يريد فعل المزيد والكثير الكثير أكثر من ذلك وكل
شيء حوله يقيده .. سئم من شتم نفسه وحظه ومن ترديد ذات
تلك العبارات الجوفاء وأن كل ما عليه فعله حينها أن يطمر تلك
المشاعر ولا يسمح سوى لمشاعره كقريب لها أن تتحكم فيه وما
أقسى فعل ذلك .. هو أشبه بأن يكذب أحدهم كذبة ويقنع نفسه
بأنها حقيقة درجة أن يصدقها ... ! إنه جنون وكذب يحاك من
الكذب وأضحوكة لن تعذب غيره .
ارتخت ذراعاه وأنزل نظره للتي غلبها النعاس ودموعها لازالت
تعانق وجنتيها تنام على صدره فمرر أصابعه ببطء على وجنتها
المحتقنة بالدماء قبل أن يقبضهم مبعدا إياهم ووقف وحملها بين
ذراعيه ووضعها على سريرها برفق وسحب اللحاف على
جسدها وأبعد الخصلات التي تمردت على وجهها ووقف على
طوله والتفت للواقفة خلفه تنظر للنائمة على السرير بحزن وقال
" كوني بقربها ولا تتركيها أبدا "
أومأت برأسها بحسنا دون أن تبعد نظرها عنها واجتازها هو
مغادرا الغرفة فتلك المهمة لا يستطيع القيام بها وإلا لما
تركها لحظة حتى تستيقظ فيكفيه حتى هنا فقد تلقى من
العذاب ما يكفي ، غادر الغرفة مغلقا بابها بهدوء وما أن
اجتاز ذاك الممر وأصبح في البهو الواسع وقف مكانه ينظر
للواقف أمام باب مكتبه ومؤكد ينتظره وليس يعلم منذ متى
ومتى أساسا غادر تلك الغرفة فهو لم يكن يعي شيئا مما
يحدث حوله ولا يسمع سوى صوت ذاك الأنين الباكي
المتكسر وسط أضلعه ، وقد حدث ما توقعه تماما وهو
يستدير ويدخل مكتبه قائلا بجمود
" تعالى يا وقاص "
فتنفس بعمق وتوجه نحو ذاك الباب المفتوح فتلك المواجهة
واقع لا مفر له منه إن كان الآن أو في وقت آخر ، دخل مغلقا
الباب خلفه ونظره على الجالس على كرسي مكتبه تمسك يداه
بطرف الطاولة ... طريقة جلوس يعرف جيدا مايتبعها ولم
يتأخر ذلك عنه كثيرا وقد قال صاحبها بجمود
" ستشرح الآن ما حدث هناك ؟ "
قال ببرود
" لست أعلم أكثر مما تعلمه أنت "
قال فورا وبضيق
" وقاص لا تتغابى فأنت تعلم جيدا عما كنت أتحدث فاشرح
لي فورا ما فعلت وقلت وما طبيعة العلاقة بينكما ؟ "
لوح بيده قائلا بضيق
" جدي أنت تتهمني في أخلاقي أو تتهمها وهي أنزه من
أن تفكر في ذلك مجرد تفكير "
ضرب الطاولة براحة يده صارخا
" ما حدث أمامي ينافي ما تقوله يا ابن ضرار وهي تناديك
وتستنجد بك تحديدا وأنت لم تقصر أبدا في تقديم ذاك
العرض العاطفي "
أمسك جبينه بأصابعه قبل أن يبعدها مبعثرا ذاك الشعر المرتب
قائلا بحدة
" جدي بالله عليك هل كان خطأ أن استنجدت بمن فكر فيها
كإنسانة وكشخص من العائلة التي نبذها فيها الجميع ؟
أم أخطأت أنا حين فكرت في منحها الأمان الذي تبحث عنه
ولا تطلبه دوما بل ولا تجده أيضا ؟
بأي قلب كنت تريدني أن أعاملها وكأني جدار لا يشعر بما..... "
صرخ مسكتا له
" يكفي ... أنت لم تجب على السؤال الذي تعرفه جيدا وتدور
حوله بخبث محامٍ نسي بأني من رباه وها أنا للمرة الثانية
والأخيرة أسألك يا وقاص ما هي طبيعة العلاقة بينكما ؟ "
شد قبضتيه بقوة و...... كذب .. ولأول مرة وعلى هذا الرجل
تحديدا وهو يقول بجمود
" ابنة عمي ولست راض عما يحدث لها "
" فقط ؟ "
رماه بها مباشرة وبحدة ودون رحمة فأغمض عينيه متنهدا
بعمق فلو لم تكن زوجة شقيقه ما كان ليكون جوابه كذلك وإن
كان متزوجا .. لكان قالها وبلا تردد : أحبها ولم أشعر نحو أي
امرأة رأيتها حياتي كالذي شعرت به نحوها ، لكن الواقع أقسى
من أن يسمح له بفعلها خاصة مع تحديق الجالس أمامه ينتظر
جوابه فقال بجمود يستل أوردة قلبه مع كل حرف
" فقط "
نظر له بصمت لبرهة ويعلم بأنه لا يستطيع تصديقه لكنه لم
يكذب عليه يوما وهو يعلم ذلك جيدا ولن يكون أمامه خيار
سوى أن يصدقه وإن بالصمت فقال بجمود
" وزوجتك يا وقاص أما كانت تستحق جزءا من هذه الإنسانية
التي توزعها على الجميع ؟ "
تبدلت ملامحه للضيق فورا فقال بحزم قبل أن يتحدث
" لا تكرر لي اسطوانتك المعتادة فجميع النساء يخطئن ويلجأن
لأهلهن ويكون على الرجل أن يسعى لإنقاذ حياته من الدمار "
أشاح بوجهه عنه متمتما ببرود
" ذاك حين يكون ثمة حياة بينهما "
" وقااااص "
صرخ فيه آمرا أكثر من كونه محذرا فنظر له وضرب بكفه
على صدره قائلا بضيق
" ولما لا أحد يشعر بوقاص ؟ لما هو من عليه أن يكون
المثالي دائما ؟ إن لم تسأموا أنتم من مشاهدة هذا الدور
فقد سئمت أنا من أدائه "
وتابع بحدة راميا يده جانبا
" ألا يحق لي كبشر أن أخطئ ؟ أن أتخذ قرارات عاطفية
مجنونة تريح قلبي وليس عقلي ؟ لما أنا من عليه أن يتغاضى
عن أخطاء غيري ولا أكون المخطئ وليراعيني الجميع ؟
لقد عشت معها لثلاث أعوام أعطي وأعطي وأعطي دون أن
آخذ .. أتغاضى وأتجاهل ما يقتل أي رجل ويدمر رجولته
وكان علي أن أراعيها وآخذ دور المذنب في حقها والنتيجة
ماذا كانت ... ؟ تمردت عليا لأن وقاص المثالي لم يستطع يوما
أن يجعل زوجته تخاف من مخالفة أوامره وأن تحسب لرأيه
وغضبه أي حساب لأنه وبكل بساطة سيصمت ويتغاضى
ويسامح كالمعتاد بل ويعتذر ويحمل نفسه الذنب "
وقف الجالس هناك وقال بضيق
" أنت من لم تساعدها يا وقاص .. هي كانت تحتاج للمساندة
لتثق في نفسها لا أن تعاملها كطفلة وكأب يراعي أخطاء
وعيوب ابنته لتكبر أولا "
لوح بيده قائلا بضيق
" هذا كان على عائلتها أن يغرسوه فيها لا أنا فأنا لم أتزوجها
ابنة العامين بل شابة عمرها اثنان وعشرون عاما فما هذا الذي
سأغيره وأغرسه فيها ؟
حين وافقت اختيارك ولم أعارض ظننتك ستبحث لي عن
الأفضل كما كنت دائما .. أردت زوجة تكملني تفهمني ترضي
رغباتي كرجل ولم أكن أعلم بأنك تبحث عن نسب عائلة لم
تهتم ولا بالجلوس مع ابنتهم وتفقد اختيارك وإن لخمس
دقائق لكنت علمت بأنها لا تليق بي البتة لكنك لم تهتم ..
ولما ستهتم فوقاص لن يعارض ولن يمانع وسيعيش معها
ويتأقلم ، وإن لم يجعلها مثله فسيصبح هو مثلها
وانتهى الأمر "
لوح بسبابته جهته قائلا بحدة
" لا تتحجج بي يا وقاص ولا تنسى بأنه لا ذنب لزوجتك في كل
هذا .. هي إنسانة كابنة عمك تماما تحتاج لفرصة للمساندة
وللصبر فهل ستعاملهما بالمثل إن كانتا كلتيهما زوجتاك ؟ "
تنفس بعمق محاولا تهدئة نفسه وإن كان موقنا من أنه لا جدوى
من ذلك وقال بملامح مشدودة
" جدي هل أفهم ما مناسبة الحديث في أمر ناقشناه كثيرا حتى
بات موضوعا متلفا للأعصاب ولعلاقتي بك فأنا ظننتك ستتحدث
عن حالة زيزفون وما قد نفعله من أجلها لا لتتحدث
عن جمانة ؟ "
عاد للجلوس قائلا بضيق
" لا شيء في حالة زيزفون نتحدث عنه سوى بأنها تحتاج لأن
تعود للمصح مجددا "
قال بصدمة
" ماذا ..؟ للمصح النفسي مجددا ! "
قال بذات ضيقه مشيرا برأسه جهة الباب خلفه
" أجل أم لم ترى حالتها أمامك وهي تهذي وتتحدث عن أمور
ليست موجودة ؟ "
شد قبضتيه بقوة وقال بحدة
" ليس صحيحا هي لا تهذي وليست مريضة ولن ترجع للمصح
النفسي أبدا لأني قسما من سيخرجها منه في اليوم التالي "
أدار كفه في وجهه قائلا بضيق
" قل .. قل مجددا بأنها لا تعني لك سوى أنها ابنة عمك "
لوح بقبضته قائلا بذات نبرته الحادة تلك
" هل عليا أن أكون عاشقا لها لأدافع عنها وأشعر بها ؟
أي اضطهاد هذا ؟ "
صرخ فيه من فوره
" ليس ثمة رجل يقول لامرأة ما قلت ولا يكون مت..... "
قاطعه صارخا بالمثل
" توقف يا جدي رجاء ولا تنسى بأنها زوجة شقيقي ..
لا تجعلني أكره نفسي وأنفيها من هذا المكان وللأبد "
ضرب على الطاولة تحته بقوة صارخا
" ومنذ متى كنت تواجه مشاكلك بالهرب منها يا وقاص ؟
بل ومن المنزل بأكمله ! هل سنصبح في نجيب آخر ؟ "
تنفس بعمق مستغفرا الله في داخله وقال بجمود
" جدي هل أفهم ما المطلوب مني الآن ؟ "
قال من فوره وبضيق
" تحدث مع زوجتك ، عاملها كإنسانة واسألها متي سترجع ،
أشعرها بأنه لها مكانة لديك ولو جزء من المئة وأعطي الفرصة
لكليكما لتجدا حلا لمشاكلكما في غرفتكما وليس في منزل عائلتها
أو مكتبي "
قال بذات جموده
" وتعطيني خاتم جدة زيزفون ؟ "
صرخ فيه من فوره
" تساوم بزوجتك يا وقاص "
لوح بيده قائلا بضيق
" أنت من فعلها سابقا فلا تنسى ذلك أو أنك ستعترف بأن تلك
المرأة لم تفقد مكانتها لديك كل هذه الأعوام ؟ "
نظر له نظرة شاركه مثيلتها وكأنه يتحداه ليثبت العكس حتى
قال بجمود
" أخرج هاتفك واتصل بها "
فتنفس بحدة مبعدا نظره عنه .. فجده هو جده لن يتغير أبدا بل
ويحسده أحيانا على براعته في طمر مشاعره والتحكم فيها درجة
أن لا يُظهر في أي لحظة ضعف مشاعره وندمه المدفون على
خسارته للمرأة التي أحب وخسرها بسببه حتى أن كبريائه منعه
من الاعتذار منها بعد أن علم ببراءتها قبل أن تموت وبأبشع
طريقة كانت تلك ، قال بجمود
" لن أفعل ولن أهدر كرامتي أكثر مما فعلت من أجل وهم وقسما
لا يمسكني عن تطليقها سوى تقييدك بشرط أن لا يطلق نجيب
زيزفون "
صرخ فيه من فوره
" وقاص توقف عن الجنون وعن الرضوخ لتلك المرأة لتنهيك
نهاية الأمر وتذكر فقط حديثي هذا يوما ما فزيزفون لن تحبك ولا
كقريب لها .. لا يمكنها أن تحب أيا منا .. هي مريضة بالشر
والانتقام وتستغلك ليس إلا وحين سيحين الوقت المناسب ستوجه
ضربتها لك وتقضي عليك تماما وعلى الجميع حينها تباعا ، هي
لم ترسم تلك المرأة في لوحة جوش الناقصة بل رسمت نفسها
وستقضي عليكما كلاكما وتخرج من كل ذلك وبسهولة "
قال بذات جموده
" لا يهم إن كان هذا ما سيجعلها تشعر بأنها أنصفت نفسها
وسيسدد ديوننا ناحيتها "
وما أن أنهى عبارته تلك فتح الباب وخرج ضاربا له خلفه وترك
الذي رافقته نظراته كما أنفاسه الغاضبة قبل أن يدفن وجهه في
يديه مستغفرا الله بهمس ثم رفعه ونظر للهاتف بجانبه ورفع
سماعته وأجرى اتصالا أجاب صاحبه سريعا قائلا
" مرحبا سيدي "
قال من فوره وبملامح متجهمة
" ماذا حدث معكم ؟ "
قال ذاك من فوره
" نحن نراقبه ولم يغادر مكانه حتى الآن "
قال بضيق
" تحدث معه وأخبره أن يرجع فورا ، قل له جدك يأمرك بالعودة
للمنزل أو سأرسل من يحضره رغما عنه "
وضرب بعدها سماعة الهاتف بقوة ووقف وغادر المكان
الذي بات يخنقه وبشدة .
*
*
*
غضنت جبينها تحاول فتح عينيها تستغرب كل ذاك الألم الذي
تشعر به في كامل جسدها قبل أن تفتحهما ببطء وحدقت في
السقف والثريا المعلقة والديكور الخشبي والأضواء المخفية فيه
وعلمت فورا أنها في مكان لم تراه سابقا ! حاولت رفع جسدها
بأحد مرفقيها وأدارت يدها مميلة جسدها لتنهض بمساعدتها وما
أن وقع نظرها على الجالس عند نافذة الغرفة المفتوحة انقبض
جسدها لا شعوريا في محاولة أكبر للنهوض فصرخت متألمة
وانحنت برأسها على الوسادة تحته ووصلها ذاك الصوت البارد
مغلفا بجمود قاتل
" إن كنت تفكرين في القفز خارجه فتراجعي عن الفكرة ، أم
انسيت بأنك احتضنت شجرة ما في طريقك لجامعتك ؟ "
خبأت عيناها في كفها ولازالت على انحنائها المائل ذاته وغرتها
الناعمة القصيرة نزلت بانسياب تبعتها خصلات من شعرها
تناثرت على الوسادة تحتها ففوق ألم جسدها وقلبها ها هو يزيدها
ألما بكلماته .. لا وغاضب أيضا السيد تيم بل ويمزح مزاحا
سخيفا متعمدا ... من هذا الذي يحق له الاستياء من الآخر
والغضب منه ! قبضت أناملها على قماش الوسادة الناعم ما أن
وصلها ذاك الصوت البارد مجددا
" استلقي جيدا فجسدك لازال متضررا "
" خذني للمنزل "
كانت تلك الكلمات المختصرة الجوفاء الشبيهة بكلماته فقط ما
صدر عنها وما خرج له من بين ذاك الشعر البني الحريري
المتناثر على وسادته فأطفأ سيجارته يسحقها في المطفأة
الكريستالية قبل أن يعود لجلوسه السابق ناصبا قدمه وحذاءه
الثقيل على حافة النافذة الجالس عليها وأراح ساعده على ركبته
يدير بيده الأخرى مسدسه الشخصي ونظره لم يفارقها ولم يعلق
بشيء فخرج صوتها البارد مجددا
" لماذا أنا هنا ؟ "
أبعد نظره عنها هذه المرة بل ورفع رأسه وأتكأ به على اطار
النافذة وقال ببرود
" لأنك تريدين هذا بالطبع "
عم الصمت من طرفها للحظات فأمال رأسه ونظر لها لحظة أن
قالت ولازالت على وضعها ذاته
" أنا لا أريد هذا ولم أطلبه منك فأعدني لحضن شجرتي تلك "
رفع رأسه مجددا ممررا فوهة مسدسه تحت ذقنه وقال بسخرية
" ومن هذه التي كانت تصر على أن نكون معا وعلى أن يكون
لها مكانا في حياتي وواقعي وأن ذاك ما كان يؤرقها
في علاقتنا "
اشتدت كلتا قبضتاها على تلك الوسادة هذه المرة فها هو حديثه
ارتقى لأسلوب التجريح وهي من يستحق كل هذا لأنها من أراد
ذلك فعلا وطالب به ، تجاوزت ألمها وإهانته وقالت بثبات
" كنت ... وكان ولم يعد ذلك موجودا "
" كاذبة ... توقفي عن قول الاكاذيب ماريا "
وانقلب ذاك المزاج مجددا ولكن للغضب هذه المرة وهو يصرخ
بها ولم يتأخر تعليقها أيضا وهو يخرج من أعماق جرحها وقد
ارتفعت يدها لشعرها وتغلغلت أصابعها فيه
" وإن قلت قسما بأنه أصدق من مشاعرك نحو والدتك "
كانت تعلم بأنه لن يستطيع تكذيبها بعد ما قالت وذاك ما حدث
فعلا وقد وقف على طوله وقال بحدة ناظرا لها
" تعترفين بأنك كنت تكذبين في كل ما قلته عند ذاك النهر
ماريا ؟ "
خرج صوتها باردا بقسوة مجددا
" قلت ذاك كان .. وكان أصدق ما قلته حياتي لكنه بات من
الماضي يا تيم "
اشتدت أصابعه على مقبض حديد مسدسه البارد كالجو الجليدي
الذي بات مسيطرا بينهما وحرك رأسه تلك الحركة الخفيفة
الرافصة وقال بحزم
" ارفعي رأسك وانظري لي وأنا أتحدث معك ماريا "
لم تتحرك ولم يصدر عنها إي تعليق فقال بأمر
" مارياااا "
فهمست بما وصله جيدا تدفن جبينها وملامحها في الوسادة أكثر
" لا أريد فمت من غيظك "
لترتسم تلك الابتسامة الطفيفة على طرف شفتيه القاسية فهذه
الفتاة تتمسك بعبارات طفولتها أكثر من تمسكها بالحياة وما
يبعده عنها الآن جسدها المليء بالرضوض ولأنه يعلم بأن نتائج
اقترابه منها ستكون سلبية إن هي أفقدته أعصابه ببراعتها
المعهودة في فعل ذلك ، رفع يده والمسدس فيها ووجهه نحوها
وقال وتلك الابتسامة لم تغادر شفتيه بعد
" ارفعي رأسك ماريا أو أفرغت ما في هذا المسدس فيه "
قالت مباشرة
" افعلها لترتاح من وجودي نهائيا "
شد على أسنانه هامسا باليونانية " Τρελός " ( غبية )
وغير اتجاه فوهته لصدره هذه المرة قائلا بجدية
" سترفعين رأسك أو أفرغته في صدري ... وها أنا اقسم
بأني صادق صدق مشاعري اتجاهها هنا "
فجلست حينها ورفعت الوسادة ورمتها جهته بقوى واهنة
بالكاد أوصلتها لنصف المسافة بينهما قبل أن تضم يدها لها
متألمة وقالت بضيق محدقة في عينيه
" لا أريد البقاء هنا ولا أن أكون معك "
نظر لعينيها بصمت ولتلك النظرة التي لم يعرفها فيهما سابقا
وهذا ما كان يريد معرفته ما في عيناها لا ما يقول لسانها وها هو
بالفعل خسر تلك الثقة داخلها ويبدوا أنها حقيقة لن تكون أول
خساراته ، تحرك حينها جهة الباب ورفع قدمه للأريكة المسندة
عليه ودفعها دفعة واحدة قوية ثم فتحه بقوة على اتساعه قائلا
بضيق
" تذكري فقط هذا ماريا وبأنك من رفص فلا أحد يلقي عليا
باللوم مستقبلا وأخبري بذلك عم والدك وزوج ابنة شقيقه
ليتوقفا عن التبجح واتهامي "
أخفت الألم في عينيها متجنبة النظر له وغادرت السرير دون أن
تعلق تجاهد نفسها وألمها لتغادر بأكثر سرعة تستطيع الحراك
بها رغم تعثر خطواتها والألم المريع في ساقها اليمنى وغادرت
الغرفة وتوجهت لباب الشقة دون أن تلتفت لأي من تفاصيلها
فلا تريد أن يحفر شيء في ذاكرتها من هذا فقط كي لا تسمح
لعقلها مستقبلا بتخيلهما معا هنا ، نزلت عتبات السلالم الأولى
بصعوبة وبات الأمر أشد ألما ما أن بلغت منتصفه فجلست واتكأت
على الجدار الملاصق له ونزلت دموعها رغما عنها الواحدة
تتبعها الأخرى فضمت ركبتيها ودفنت وجهها ودموعها فيهما
ولم يعد يمكنها السيطرة على أي شيء وألم قلبها أشد من ذاك
الذي يفتك بجسدها لم تعد تهتم بأحد ولا شيء ولا حتى بتلك
الخطوات بكعب حذاء امرأة وهي تجتازها صعودا دون أن تهتم
صاحبتها لما مرت به ، وما هي إلا لحظات وتوقفت تلك
الخطوات ويبدوا عند باب الشقة الذي تركته خلفها مفتوحا
وكأنها التقت بأحدهم عند بابها ووصلها ذاك الصوت الأنثوي
الرقيق
" أوه تيموثي حبيبي أنت هنا ؟ تعجبت من باب الشقة
المفتوح ! "
وقفت حينها ولم تعد تشعر بأي من ذاك الألم في جسدها
المرتجف تحاول فقط نزول باقي العتبات لتتوارى عن المكان
قبل أن ينزل برفقتها أمامها فغادرت تاركة خلفها من نظر
حوله ثم للواقفة أمامه والتي قالت عاقدة حاجبيها الرقيقان
" هل الفتاة الجالسة في السلالم كانت هنا تيموثي ؟ "
عاد للنظر حوله بضياع ومرر أصابعه في شعره متأففا ، يريد
اللحاق بها فحالتها لا تسمح بتركها تغادر وحدها وما كان
عليه أن يفقد أعصابه ويفعلها من البداية ولا يمكنه فعل ذلك
في وجود هذه المرأة وكان على العقل أن ينتصر على القلب
هذه المرة لكن ذلك لم يحدث وهو يجتازها قائلا باستعجال
" انتظريني في الداخل لوسي وسأكون هنا بعد قليل "
ونزل عتبات السلالم مسرعا حتى كان في الأسفل ووقف في
الشارع ينظر حوله ولا أثر لها فيبدوا أن الحظ قد أسعف
أحدهما ووجدت سيارة أجرى بسرعة نادرة ، تصلب جسده
ما أن شعر بتلك الذراعان تلتفان حول خصره والشفاه الناعمة
تداعب عنقه قبل أن تهمس صاحبتها
" تيموثي لا تقل بأنها صاحبة تلك الحقيبة ؟ لا تغضبني منك
أيها اليوناني النزيه "
ابتعد عنها يشغل نفسه بالهاتف الذي أخرجه من جيبه وهمس
بجمود
" تلك قريبتي لوسي وهي تعرضت لحادث بسيارتها
وليست بخير "
قبل أن يتحرك من هناك وتبعته التي تمسكت بذراعه تحدثه
مبتسمة ترفع نظرها له والريح تلاعب خصلات شعرها وغرتها
أمام وجهها يجيبها باختصار مبتسما بخفوت تاركان خلفهما قلب
يتحطم هناك عند جدار البناء الضخم تبكي جدرانه الصماء
الباردة مع تلك العينان وصاحبتها تحضن برودها تخبئ دموعا
بها أكثر مما تخفي نفسها تراقب من بين تلك الدموع الحارقة
الذي فتح باب سيارته للتي ارتفعت على رؤوس أصابعها وقبلت
خده سريعا قبل أن تترك ذراعه وتركب ويغادرا من هناك لم يبقيا
لها سوى تلك الصور التي لم تنزل مع باقي دموعها ولا مع
جسدها المتعب وهو ينزل للأرض ببطء عبراتها ليس لها ولا
الصدى في تلك الأحياء الراقية المترفة وإن سمعوها ، لهذا ما
كان عليها أن تكون هنا ... لأجل كل هذا عليك أن تموتي ماريه
ولا تكوني معه ... هذا ما كنت تخشينه أرأيت ما أقساه .... ؟
أجل موتي هكذا تحطمي وأخرجيه من قلبك نهاية الأمر
وموتي وحيدة .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 64 others like this.
رد مع اقتباس
#7434
قديم 14-02-18, 10:40 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
خرج من حمام الغرفة ولازال يجفف شعره بالمنشفة في يده
ونظر مبتسما للنائمة نصف جسدها في جهته من السرير
ورأسها مدفون في وسادته وذاك الشعر البني الطويل المموج
متناثرا حولها فرمى المنشفة واقترب منها وجلس على طرف
السرير وانحنى جهتها وحرك أصبعيه السبابة والوسطى على
ذراعها العاري في خطوات بطيئة وصولا لظهرها يمسك ضحكته
بسبب تمتمتها قبل أن ترمي يده عنها وخرج صوتها مستاءا
تدفن وجهها في الوسادة أكثر
" رعد ابتعد عني واتركني أنام قليلا "
فضحك وقبل كتفها العاري ووقف وتوجه للخزانة أخرج قميصا
وقال وهو يلبسه
" إنها العاشرة يا كسولة وأستغرب أين غسق عنا حتى الآن
فهي دجاجة بلا ديك تستيقظ باكرا ولا تترك أحدا ينام "
وتابع بضحكة يغلق أزرار قميصه الأبيض
" تذكرني بممرضة ما فاشلة عرفتها في الماضي توقض
مريضها من قبل الفجر ليتناول فطوره "
وراقب مبتسما التي تحرك كتفاها ضاحكة فرمى ربطة العنق
من يده وتوجه نحوها وجلس على طرف السرير وانحنى
جهتها وأحاط جسدها بذراعه ودفن وجهه في شعرها وقبل
خدها من فوقه هامسا
" هيا صباح الخير ثنانيتي عليك توديع زوجك يكفيه
الاستيقاظ متأخرا "
رفعت رأسها وجسها بمرفقيها ورمت شعرها جانبا
ونظرت له قائلة باستغراب
" أين ستذهب ؟ "
وقف وقال يدس قميصه في بنطلونه الكحلي الفاخر
" لحوران عليا أن أكون في القصر الرآسي قبل الواحدة "
عبست ملامحها متمتمة
" ومتى ستكون هنا ؟ "
ضحك ضحكة صغيرة وجلس مجددا ثانيا ركبته وقبلها بعمق
قبل أن يقف قائلا
" في الغد ... لن أستطيع أن أكون هنا قبل ذلك حبيبتي "
فعادت لدفن وجهها في وسادته مجددا متمتمة بضيق
" غادر هيا "
خرجت ضحكته دون شعور منه وقال متوجها للخزانة مجددا
" اتركيني أرتب أموري أولا آستريا وأعدك برحلة لن تنسيها
حياتك ، أنتي تعلمي أن الأمر حدث دون ترتيب "
" غااادر ... "
ضحك مجددا وحمل سترته السوداء وربطة العنق وما أن كان
سيتحرك نحوها أوقفه صوت رنين هاتفه فتوجه نحوه مبتسما
على تلك العبارة الأنثوية الحانقة
" ألا يكفي إزعاجه طوال الصباح ؟ "
نظر لإسم المتصل وأجاب وهو يرفع مفاتيحه
" أجل يا مطر "
وصله صوته الجاد فورا
" هل شقيقتك في المنزل ؟ لقد دخلت العمران منذ قليل فتأكد
من أنها وصلت "
توجه جهة باب الغرفة مسرعا وقائلا باستغراب
" وأين كانت لتصل الآن ؟ "
نظر للهاتف شاتما بهمس حين اكتشف بأنه يتحدث مع نفسه وأن
من في الطرف الآخر قال ما لديه وأغلق الخط ، فتح باب الغرفة
وخرج فورا وما أن خطى خارجها عدة خطوات وقف مكانه ينظر
للتي وقفت أمامه لخروجها من بداية الممر تمسك سترة سوداء
في يدها تلبس قميصا بدون أكمام وبنطلون أسود ! يستغرب أن
فعلتها أمامه فهي حريصة في لباسها أمامهم منذ صغرها بل
وحجابها أيضا لا وجود له في الصورة ولا يراها تعي لذلك وقد
تحرك نظرها فورا جهة الغرفة المجاورة لغرفته والمفتوحة ثم له
فقال باستغراب محدقا بعيناها المجهدة من البكاء وبشكل واضح
ورموشها التي لم تجف الدموع منها بعد
" غسق أين كنت ؟ "
اشتدت أناملها على ذاك القماش الأسود وأبعدت نظرها عنه تنظر
حولها بضياع قبل أن تمرر أصابعها في غرتها هامسة
" أين الكاسر ؟ "
نظر لها مستغربا واقترب منها حتى وقف أمامها وقال
" غسق ما بك ؟ "
فاستدارت هامسة
" لا شيء "
وغادرت وخطواته تتبعها ينظر لها بحيرة وهي تصعد السلالم
مسرعة حتى اختفت عن نظره فرفع هاتفه لأذنه بعد اتصال لم
يتأخر صاحبه في الإجابة كما كلمات رعد المستعجلة
" ما بها ؟ "
" أين هي أعطها الهاتف "
حدق عاليا وقال باستياء
" صعدت لغرفتها ... مطر ماذا حدث ؟ حتى متى سترجعها لنا
نصف حية نصف ميتة ؟ "
ساد الصمت للحظات قبل أن يصله ذاك الصوت الرجولي المبحوح
هادئا
" كونوا بقربها يا رعد ولا تتركوها تسجن نفسها في غرفتها ...
ثمة رحلة مستعجلة أمامي لإحليل "
وانقطع الاتصال معه مجددا وباختياره بالطبع فشد أصابعه على
الهاتف وصعد السلالم مسرعا حتى وصل باب غرفتها وطرقه
مناديا
" غسق هل يمكنني الدخول ؟ "
ولا مجيب وليس بإمكانه فتح الباب والدخول لها رغم أنه سحب
المفتاح منه سابقا وجميع نسخه لكنها تبقى ليست شقيقته ولا
يمكنه الدخول لها واحتواء حزنها واحتضانها كما يريد وكما
يحتاج وتحتاج ، اتكأ بجبينه على الباب ولا شيء بيده غير ذلك
فلا يمكنه فعل أي شيء لمن كانت تقف في الجانب الآخر لذاك
الباب أيضا تمسك بكائها وشهقاتها بيدها تنزل عليه ببطء
للأرض حيث الحضن الوحيد لها بعد رحيل والدها فلم يبقى لها
شيء .. أي شيء ، حضنت ركبتيها ودفنت وجهها فيهما وخرج
كل ذاك البكاء عن سيطرتها تضرب بقبضتها على رأسها المدفون
فيهما تتمنى لو تقتل نفسها .. لو أنها ماتت وما استسلمت له بكل
ذاك الضعف لتكتشف فيما بعد بأنها مجرد لعبة جديدة من ألاعيبه
فقط ليثبت لغيره تملكه وسطوته الرجولية عليها .. ليضعها في
ذاك الموقف المخزي ومع من ..؟ مع من تربت معه كشقيق لها
ومن رأى فيها المرأة التي خسر من أجلها حتى والده ونفسه وكل
شيء ... مكالمة مدتها ثلاثون دقيقة كاملة تمتع فيها بتعذيب
غيره ليثبت فقط نفسه وغروره وتملكه الذكوري المقيت ثم
ماذا ... ؟ كل ما فعله أن اعتذر ! همسات اعتذار لجثة تفنن في
تعذيبها قبل قتلها وهل سيعنيه ذلك ؟ لا بالطبع فما أراده حصل
عليه وها قد أغلق جبران هاتفه نهائيا ولأول مرة بل ويبدوا أنه
تخلص من تلك الشريحة وللأبد وانتهت لعبتهما والطرف المحطم
الوحيد فيها كان هي .
دفنت وجهها ودموعها وبكائها في ركبتيها أكثر وصوت الطرق
على الباب خلفها يزداد ارتفاعا مختلطا بتلك الكلمات من خلفه
" غسق توقفي عن البكاء ... غسق يكفيك تعذيبا لنفسك شقيقتي
أرجوك "
لكن تلك العبارات الراجية والصوت الرجولي الحزين لم يزدها إلا
ألما فوق ألمها فماذا ستخبره وبما ستجيبه إن هي فتحت له
الباب ؟ بأنها كانت نائمة في حضن الرجل الذي فعل كل ما فعله
بها سابقا مستسلمة له يقدمان عرضا سخيا للمتابعة ؟
ما الذي ستخبره به وبأي عبارات ستصوغه له ؟
وقفت وتوجهت لحمام الغرفة راكضة وأغلقته على نفسها
وحملتها قدماها فورا لحوض الاستحمام ، فتحت المياه على
أقواها ووقفت تحتها بملابسها ترفع بأصابعها المرتجفة شعرها
الذي انزلق على وجهها مع تدفق المياه وقد ارتفع صوت ضجيج
اندفاعه على صوت تلك العبرات تغسل به دموعها قبل جسدها .
*
*
*
ما أن أغلق باب شقته بعد دخوله أخرج هاتفه واتصل بمن
احتاج وقتا قبل أن يسمع صوته قائلا
" مرحبا يا شاهر "
قال من فوره وبضيق
" تيم ارتبط بفتاة انجليزية يا مطر "
" أعلم "
بقدر ما كان جوابه مختصرا كان سريعا بل ومتلفا لأعصاب الذي
قال بضيق أشد
" تعلم !! ولا تقل بأنك موافق على هذا أيضا ؟ "
وصله صوته مباشرة
" أجل "
انفجر حينها ما تبقى من ذاك البركان المشتعل قائلا بغضب
" ما هذا الجنون يا مطر ؟ الفتى متزوج وزوجته علمت بالأمر
الذي انتشر بسرعة البرق وتعرضت لحادث وهو أخذها من
المستشفى دون أن يهتم لأحد ولا لرأيها "
وصله صوته الجاد الحازم فورا
" أنت بنفسك قلت زوجته ولا أحد له الحق في مناقشته في أي
أمر يخصها غيرها هي "
رمى يده قائلا بعنف
" يطلقها هذا ما عليه فعله أو بنفسي سأرفع قضية ضده
هناك وأطلقها منه "
" شاهر لا تتدخل بينهما فلا أحد سيقرر طلاقها غير تيم نفسه
فلا تتعب نفسك وتقحمها في مشاكل أكثر معه "
ضرب ساق الطاولة أمامه بقدمه صارخا بغضب
" وما الذي أبقته شقيقتك لغيرها لقد دمرت ما تبقى دون
عناء مني "
وفصل الخط ما أن أنهى عبارته تلك ولم يجب ولا على اتصاله
بعدها ورمى الهاتف على طاولة المرآة بجانب الباب وفتح باب
الشقة وخرج منها ووجهته الباب المجاور لها .. فتحه على
اتساعه واقفا مكانه ونظر بجمود للجالسة على السرير تحضن
ركبتيها تنظر له بتوجس لا بل بخوف لم يراه في عينيها سابقا ..
تلك العنيدة الشرسة المتوحشة التي لم تخف يوما ولا شقيقها
الذي يهابه الرجال ! راقب حدقتاها الخضراء المستديرة وجفناها
يسدلان فوقهما مبعدة نظرها عنه قبل أن تهمس بشفاه مرتجة
" أأأنا ... آسفة "
وحين طال صمته ولم يعلق ولا يتحرك من مكانه رفعت نظراتها
المغرورقة بالدموع ونظرت لعينيه هامسة
" أنا دائما هكذا سيئة لكني أندم على أفعالي ... الذنب ليس
ذنبي أقسم لك "
لم يعلق أيضا ولم يزح نظره عنها وتلك الاحداق تعانق الفراغ
بشرود والدموع الدافئة بدأت بالانزلاق من رموشها ببطء
وقالت ببحة بكاء
" حين كنت طفلة كانت والدتي تخيفني منكم بل بكم وبأنها
سترسلني لبلادي وبأنكم متوحشين تضربون الأطفال وأخبرتني
قصصا كثيرة عن أن والدي كان يضربها بوحشية وكانت علامات
الضرب على جسدها ، كانت تريني إياها دائما ... كنت أرى في
منامي أن شقيقي جاء لأخذي ويضربني حتى علمني خوفي منه
ومن قبل أن أراه أو أعرفه أن أتمرد على واقعي فهربت لمرتين
لكني عدت لأني لم أستطع أن أكفل نفسي وكعقاب لي تم إرسالي
لخالة والدتي .. كانت امرأة بشعة عاملتني بقسوة وبدونية وكلما
أخطأت في أمر قالت : دمائك النجسة السبب فستكوني كذلك ما
حييتِ ، كانت تسجنني في منزلها وتخرج للسهر مع صدقاتها في
الحي وتتركني وحدي فكنت أهرب كل ليلة .. أهرب من هناك
وليس يعنيني أين وإن لأهيم في الشوارع لا رفيق لي سوى
أصوات نباح الكلاب "
مسحت دموعها بطرف كم بيجامتها ونظرت ليديها في حجرها
وتابعت بعبرة مكتومة
" وحين علم شقيقي بوجودي بدأ بالفعل يطبق حصاره علي حد
الاختناق ، لم يكن يضربني ولا يشتمني حتى لكنه كان جافا
عاملني كرجل لم يستمع يوما ولا لما أريده ، لم نتناقش مرة
واحدة كان يأمر ويأمر فقط وعلي أن انفذ ودون نقاش ، كان
سخيا معي لم يحرمني أي شيء تمنيته لكنه أيضا كان متسلطا
وأفكاره بالنسبة لي متحجرة ولم يفكر يوما بأن يقنعني بها كان
يجبرني فقط وذلك لم يقتل الفتاة المتمردة تلك داخلي فهربت منه
أيضا ذات مرة لأن المال لم يعد ينقصني حينها وكانت النتيجة أن
أمسك بي رجاله هنا خلال ساعات فقط وانتهى الأمر بي مسجونة
في منزل ريفي لوحدي حتى أني كدت أفقد عقلي من الوحدة
والفراغ لأعلم فقط بأن هذا سيكون مصيري كلما فكرت في فعلها
مجددا ، كان عليا أن أكون عربية مسلمة أتزوج مسلما لا أخرج
لا أسافر لا سهر .. كل شيء بالإجبار وكله بالإكراه لم يحبني أحدا
منهم من أجلي أنا غيسانة كما يريدون أو غيسي كما أرادت
والدتي فجميعهم كانوا يرون عيوبي فقط حتى والدتي بل وحتى
صديقتاي اللتان سمح لي بمصادقتهما كانتا مثاليتان درجة أن
انتقادهم لي كان شبه دائم "
دخل وأغلق الباب في صمت وجلس في الكرسي المقابل لها
يراقبها تمسح وجنتيها بقوة بباطن كفها وقال بهدوء
" هل كنت تستخدمين هذا الأسلوب للإفلات من العقاب
غيسانة ؟ "
نظرت له بإستهجان فسبقها قائلا ببرود
" أنا آسف "
وتابع بسخرية من قبل أن تعلق
" أرأيت شعورك الآن بعد اعتذاري هذا ؟ هو يشبه شعوري
تماما "
زمت شفتيها تقاوم دموعا تكره أن تنزل مجددا وراقبته وهو
ينظر للأرض يشبك أصابع يديه متكئا بمرفقيه على ركبتيه وقال
بعد برهة
" لا أحد منا لا يملك عيوبا لكن من زادت عيوبه تلك عن مميزاته
وإن بواحدة فقط فعليه أن يعلم بأنه بؤرة شر في هذه الحياة ، هل
حاولت تقدير ذلك في شخصيتك غيسانة ؟ "
ارتجفت شفتاها قبل أن تقول بخفوت
" أنا كغيري لي عيو.... "
رفع رأسه ونظره لعينيها وقال مقاطعا لها
" قولي أنتي مميزاتك وسأقول أنا عيوبك ونرى "
تغيرت نبرتها للضيق وقالت
" أنت تراني بأكملي عيوب "
قال بابتسامة جانبية باردة
" لا أحد يمكنه ذكر عيوبه ولا الاعتراف بها جميعها أما
المميزات فبلى "
نظرت له بعبوس فاستقام في جلوسه ونصب ساق على الأخرى
وقال
" حسنا الدور عليا بعدك وسأذكر أنا عيوبك والاحتجاج ممنوع
حتى أنهي حديثي "
حدقت في عينيه ولم تتحدث فتابع وقد كتف ذراعيه
" كاذبة ... مراوغة ... ممثلة إن تطلب الأمر وبارعة أيضا ، لا
تفين بالوعود وتحركك مصالحك فقط ... أنانية لا تفكرين سوى
في نفسك ، ساذجة غبية توقعين نفسك في المشاكل دون تفكير
أ.... "
" يكفيييي "
صرخت فيه باحتجاج قبل أن تقول بضيق
" أنت تقول أمورا ليست بي "
أمال شفتيه مجددا بابتسامة باردة أخرى وقال
" قولي أيها ليست بك وأنا سأعطيك الدليل القاطع ومن الفترة
التي قضيتها هنا فقط وما تخفيه السنين الماضية أكثر بكثير
بالتأكيد "
أشارت له برأسها قائلة بحدة
" وأنت أيضا .. أنت أناني تحب نفسك فقط "
فك ذراعيه وأتكأ بمرفقيه على ركبتيه ونظر لها قائلا
" حسنا وماذا أيضا ؟ "
تلكأت كثيرا وحاولت التحدث ولم تجد أي كلمات تخرج بها فهو لم
يكذب منذ عرفته .. لم يعد ويخلف وعده ولم تراه يخادع ويراوغ
في عمله وعقود شركته أبدا لا يسرق لا يغش ولم تراه ولا يخدع
امرأة بمشاعر زائفة بل ولم ترى احداهن تزور مكتبه يوما غير
عملائه وفي وجودها هي أو سكرتيرته حتى أنه لا يشرب ولا
يدخن فماذا ستقول عنه أيضا ؟ لا يمكن أن يكون بلا عيوب هكذا
فثمة الكثير بالتأكيد .
وقف على طوله وغادر مغلقا الباب خلفه ولم يعلق بأي كلمة
تراقب نظراتها مكان خروجه بعبوس ... كيف تركته ينتصر
عليها ؟ أهي حقا بتلك البشاعة في نظر من هم حولها ! بل وكان
ثمة المزيد يريد قوله لولا أوقفته فما هي تلك المميزات التي
كانت ستقولها عن نفسها إن سألها ؟
اندست تحت اللحاف وغطت جسدها بالكامل وحتى رأسها متمتمة
بأسى
" توقفي عن التفكير هكذا جيسي فأنتي لست سيئة ... لست سيئة
بذاك الشكل هم من يرونك كذلك لأنه لا أحد منهم يحبك "
*
*
*
غادر المصعد مسرعا ما أن انفتحت أبوابه أمامه وتحرك فورا
جهة الممر المليئ برجال الأمن والقوات الخاصة والحرس
الخاص بالواقف بين اثنين من رجاله فاجتاز كل ذاك التجمع دون
أن يوقفه أحد منهم حتى وصل عنده ووقف مقابلا له وسحب
أنفاسه قائلا
" ماذا يحدث يا مطر ؟ من الموجود هنا ؟ "
وراقبت نظراته بتوجس الذي نظر جهة باب غرفة العمليات
المغلق وهمس بتجهم
" إسحاق حفيد ضرار السلطان "
فزفر الهواء من رأتيه بقوة ممررا أصابعه في شعر قفا عنقه
وقال
" ماذا حدث ؟ وكيف هي حالته ؟ "
قال تميم بصوت منخفض
" سقط بالسيارة من منحدر طريق جيلوان ولا تبدوا حالته جيدة
مطلقا وقد نضطر لنقله للخارج إن خرج من هذه الغرفة حيا "
نقل نظره بينهم بضياع قبل أن ينظر لعيني الواقف أمامه
وقال بروية " هل اكتشفوا أمره ؟ "
أومأ برأسه بنعم قبل أن يشيح بوجهه جانبا ومرر أصابع يمناه
في شعره وتركهم فيه وتحرك تميم وبشر من هناك بعد جملة
مختصرة له
" أريد تحقيقا كاملا ومع كل من ستدور حوله الشبهة وإن كان
من عائلة غيلوان ذاتهم "
وما أن ابتعدت خطواتهم الواسعة عنهما نظر له عمير وقال
" كيف علمتم بالأمر ؟ هل اتصل بكم وحددتم موقعه ؟ "
أخرج يده من شعره ممررا لها ببطء على عنقه ونظر للأسفل
قائلا بجمود
" شقيقته ولولاها لما علمنا عنه حتى مات هناك في قعر الجرف
فكل ما استطعنا فعله تحديد مكانه بمكالمة لهاتفه الذي وجدناه
محطما في الطريق قرب المكان "
قال بهدوء حذر
" هل علم عمك ؟ لست اجزم بأن رد فعله سيكون إيجابيا أبدا "
نظر جانبا وقال باستياء
" ما افكر فيه هو رد فعل شقيقته إن مات لا عمي ولا غيره ..
تلك الفتاة فقدت ما يكفي وتعاني ما لا ينقصه فقدها له "
قال الواقف أمامه مباشرة وبجدية
" الموت لا يمسكه أحد ولا شيء يا مطر ثم كل ذاك كان باختياره
لا اختيارك أنت وهو من أصر على دخول عالمهم ومعرفة الصلة
بينهم وبين ماضيه ، وكل ما فعلته أنت أنك عملت بنصائح طبيبه
وطبيبها "
حرك رأسه بالنفي متمتما
" ليس في حالتها يا عمير ليس ونفسيتها لم تشفى بعد "
حرك رأسه بحيرة ونظره على الذي أولاه ظهره وقد وقف مقابلا
للنافذة ومد ذراعه وأراح كفه على زجاجها البارد يمسك خصره
بيده الأخرى من تحت سترته السوداء ينظر للأرض فلامست تلك
اليد كتفه ووصله صوت صاحبها هادئا عميقا من خلفه
" مطر ما يزعجك ليس ما حدث مع ذاك الفتى إسحاق فقط
فماذا حدث أيضا ؟ "
" لا شيء "
تلك التمتمة الخافتة كل ما صدر عنه محركا رأسه بالنفي فأبعد
يده عن كتفه وقال بهدوء ناظرا لقفاه
" المكلفون بمراقبتها أبلغوني مثلك بما حدث وحتى بخروجها
من هناك عائدة لمنزلها أم نسيت ذلك ؟ "
تمتم ذاك الصوت المبحوح مجددا وبضيق هذه المرة
" عمير اتركني وشأني "
قال من فوره وبإصرار
" لن أفعل وها قد حدث ما أخشاه لا ما تمنيته ، كانت فرصتك
يا رجل لما تتعمد افساد ذلك دائما ؟ "
ضرب براحة يده على إطار النافذة قائلا بضيق
" كان عليه أن يبتعد عنها وكان على ذلك أن يحدث فهو لم
يكن سيتوقف وسيحاول الوصول لها بجميع الطرق "
نظر له الواقف خلفه باستغراب وسرعان ما اكتشف بأنه كان
يحدث نفسه وليس هو فقال بهدوء حذر
" مطر على كل ذلك أن يتوقف فلا تستمر في تدمير ما بينكما
أكثر من أجل حمايتها فأنت تحميها من الجميع عداك ؟ "
حرك رأسه بالنفي دون أن يرفعه ولا أن يعلق بشيء فقال
الواقف خلفه وببعض الضيق
" قم بإلغاء فكرة ذاك اللقاء الصحفي على الأقل "
وصله ذاك الصوت الأجوف فورا
" المقال أصبح لدى الجريدة ولن ألغي منه شيئا "
شد قبضتيه بقوة وقال بضيق ونظره لازال على قفاه
" لم أعرف حياتي رجلا يتحكم فيه عقله العنيد مثلك ! "
وما أن أنهى عبارته الحانقة تلك انفتح الباب خلفه فالتفتا
كليهما للذي تقدم منهما وقد نزع قبعته الطبية متنهدا بتعب
وعمق وقال
" فعلنا ما في وسعنا سيدي والباقي سيكون لعمره وقوة إرادته
بمشيئة الله "
قال بتوجس ناظرا لعينيه
" هل حالته سيئة ؟ "
سؤال كان يعلم جوابه من قبل أن يسأله ومن الثماني ساعات التي
قضوها معه في الداخل لكن ثمة أمل دائما وعليه يعيش البشر ،
قال الواقف أمامهما وبحركة خفيفة من رأسه
" الحادث كان مروعا على ما يبدوا وجسده محطم بالكامل
تقريبا ولازال أمامه عمليات كثيرة لترميم عظامه المحطمة
فالضرر وصل حتى لأضلع قفصه الصدري ولتشفى أيضا جروحه
البليغة وهذا إن اجتاز مرحلة الخطر طبعا وسيتم نقله لغرفة
العناية وسيحتاج لثمان وأربعين ساعة يمكننا أن نحدد بعدها
إن كان يمكنه الحياة أساسا أم لا "
قال عمير بملامح متجهمة
" يعني أنه سيحتاج لأعوام ليسترد عافيته ؟ هذا إن كُتب له
أن يعيش "
قال الذي حرك رأسه بأسى
" بل لطاقة وقدرة كبيرة على تحمل ما ينتظره ، والخطر الأكبر
هو الإصابة في رأسه والتي لن نستطيع تحديد ضررها حتى
يفيق "
شد الواقف أمامه قبضتيه بقوة وقال بشبه همس
" متى يمكننا نقله لخارج البلاد ؟ "
نقل نظره له وقال
" ليس قبل الثماني وأربعون ساعة بل أرى أن تنتظروا حتى
يجتاز مرحلة الخطر بوقت سيدي "
وغادر من عندهما ما أن تمتم الواقف أمامه شاكرا له وانتقل
نظرهما للسرير الذي أخرجوه يجرونه وللجسد المغطى فوقه
بالكاد يظهر وجهه من بين ذاك الشاش الملفوف حول رأسه
بالكامل ، وما أن تحركت خطواته ليلحقه أمسك الواقف بجانبه
بذراعه قائلا
" لن يفيد هذا في شيء يا مطر فسيدخلوه غرفة أخرى ويغلقوها
عليه ... عليك أن تعود لمنزلك وترتاح قليلا وإن لساعات
معدودة "
نظر له وقال بجمود
" عليا أن ألحق باجتماع بينبان يا عمير فقد تم تأجيله لساعات
من أجلي هل سنلغيه الآن ؟ ثم ومقر توز واجتماع وزارة الدفاع
فيه ؟ "
قال بجدية
" يلغى يا مطر لا شيء سيحدث إن تأجل للغد وبالنسبة لمقر توز
سأتكفل أنا بالأمر "
وتابع بابتسامة مائلة
" فأنت لا تترك لي وقتا أزور فيه منزل الفتاة التي يبدوا بأني
لن أخطبها أبدا "
نظر له باستغراب وقال مبتسما بما يشبه ابتسامته
" تخطب !! "
قال بابتسامة واسعة " أجل وحمدا لله أني لم أعطيهم موعدا
لكنت سأتعرض للإحراج معم كل يوم بسببك أنت وبلادك "
ربت على ذراعه قائلا بابتسامة خفيفة
" هذا خبر رائع يا عمير ويستحق أن تعفى اليوم من كل شيء
من أجله ورغما عنك ولا تقلق بشأني سأتوجه لحوران الآن
اتفقنا ؟ "
أومأ موافقا وقال مبتسما
" لما لا تكن معي لأضمن موافقتهم الفورية "
خرجت ضحكة خفيفة تغلبت على أضلعه قبل تجهم ملامحه وقال
" ومن سيرفضك وأنت رئيس جهاز مخابرات البلاد يا متواضع ؟
أنت فقط تقدم لها وإن بالهاتف وسيوافقون عليك فورا "
مرر أصابعه في شعره وأمال شفتيه قائلا
" إن علمت من تكون العروس سيتغير رأيك هذا بالتأكد "
نظر له باستغراب قبل أن يقول ببرود
" إن كانت ابنتي فانسى الفكرة لأنها مخطوبة تقريبا "
ضحك وقال
" لا بالله عليك يا رجل سأتزوجها أم سأربيها ؟ "
قال بابتسامة مائلة
" والذي خطبها يصغرك بعام أو عامان فقط "
رفع حاجبيه بدهشة قائلا
" مطر من عقلك تقول هذا ؟ وهذا سينتظرها كم عام مثلا
حتى تكبر قليلا ليشيخ هو ! "
أومأ له برأسه وقال
" اتركنا من هذا وأخبرني من تكون عروسك تلك "
لوى شفتيه بابتسامة هامسا
" ابنة خالة زوجتك "
نظر له بدهشة متمتما
" جليلة !! "
وتابع وقد امتزجت دهشته بضحكة خفيفة
" ويحك يا رجل ألا تعلم بأنها باتت تكره جنسنا وما مرت به
ليس باليسير أبدا "
رفع كتفيه العريضان قائلا بابتسامة
" هذا كان اختيار قلبي منذ رأيتها أول مرة فما سأفعل له ؟ ثم أنا
مررت بما يشبه تجربتها ومتفهم للأمر وأفهم مشاعرها جيدا ،
المهم الآن أن توافق تلك العنيدة وقد نستعين بزوجتك فلا تنسى
ذلك "
ابتسم بسخرية قائلا
" زوجتي !! لو تعلم رأيها فيكم أنتم رجالي لعذلت عن الفكرة
لذلك عليك أن تخوض حربك وحدك "
تحرك مغادرا من هناك متمتما بضيق
" يالك من رجل تريدنا فاشلين عاطفيا جميعا مثلك "
حرك رأسه مبتسما بسخرية وتبعه ليتحرك كل من كان هناك
خلفهما تاركين ذاك الممر الواسع فارغا بعد أن عج بهم لساعات .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 65 others like this.
رد مع اقتباس
#7435
قديم 14-02-18, 10:42 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
طرق باب غرفتها طرقتين خفيفتين قبل أن يفتحه ليقع نظره فورا
على الواقفة أمام النافذة وقد التفتت له فور فتحه للباب والتي ما
أن علمت من يكون ركضت نحوه وارتمت في حضنه فضمها له
ومسح على شعرها قائلا
" تيما ألم أقل أنها بخير ؟ لما كل هذا البكاء ؟ "
دفنت وجهها في صدره العريض وتداخلت كلماتها مع عبراتها
" كيف ستكون بخير وأنت بنفسك قلت البارحة أن أتحدث معها
كي لا أفقدها ؟ لم يغب عن خيالي أبدا أنها ستموت ولن أراها
مجددا "
أبعدها عنه وأمسك وجهها وقال بحزم ناظرا لعينيها الدامعة
" تيما ألم أتصل بك صباحا وقلت أنها بخير ؟
هل كذبت عليك يوما ؟ "
حركت رأسها بالنفي فورا قائلة
" أبدا أبي حاشا لله ومن علمني أن أكون صادقة
دائما غيرك ؟ "
مسح بإبهاميه دموعها قائلا بجدية
" إذا هي بخير وفي منزلها الآن فيكفي بكاء يا تيما لا تصبحي
طفلة هكذا والرجال يخطبونك مني يوميا تقريبا "
أنزلت رأسها حياء منه وقالت بصوت منخفض تمسح عيناها
بظهر كفها
" هل أستطيع التحدث معها الآن ؟ "
وارتفعت نظراتها له حين طال صمته وحدقت في عينيه ونظرته
التي لم تفهم سر ذاك الألم فيهما قبل أن يهرب بنظره منها وقال
" ليس اليوم يا تيما .. الأفضل أن لا تتصلي بها إلا إن فعلت
هي ذلك "
امتلأت عيناها بالدموع وقالت بحزن
" حسنا أذهب لها في الغد إذا ، أريد أن أراها بنفسي
أبي أرجوك "
رفع نظره لها مجددا وقال
" سينتقلون هنا قريبا وسينشغلون بذلك خلال الأيام القادمة
وستكوني معها فيما بعد كيف ومتى تشائين "
وأحاط كتفيها بذراعه وسار بها جهة سريرها قائلا
" تعالي اجلسي فثمة ما علينا التحدث فيه "
جلست على طرفه تنظر مستغربة للذي سحب كرسي طاولة
التزيين وجلس عليه أمامها تشعر بالحيرة والتوجس أكثر من
أن يكون شعورها حينها الفضول ولا الترقب فهو من النادر أن
يجلس ويطلب منها سماعه وأن يتحدثا ولم يكن هذا شعورها في
الماضي ويبدوا أنه لأنها بات ثمة ذنب في عنقها ستبقى تخافه
دائما كلما تحدثا فما أروع عالمها الصغير ذاك حين كانت نقية لم
تكن تخشى شيئا وجل توقعاتها كان أن يكونوا سينتقلون لمنزل
جديد كالعادة أو أي أمر يخص دراستها ولم يكن ثمة ما تخاف
منه وكل ذلك تغير بعد تلك الليلة المرعبة وبعد أن حمل أحدهم
سرها معها وبات يذكرها ببشاعته كل حين فهل فعلها الآن
وأخبره ؟ هل قرر الانتقام منها بعد كل ما حدث وقالت ؟
نظرت لأصابعها المتشابكة ببعضها وتنفست بعمق مغمضة
عينيها فعليها أن لا تفكر في الأمر بتلك الطريقة وتتلف
أعصابها فكل ما عليها فعله حينها أن تعترف له بكل شيء
وتتحمل عقابه وكيفما كان لأنها ستكون تستحقه .
رفعت نظرها له بما يشبه الصدمة حتى خشيت أن يقرأ ما في
داخلها في عينيها حين قال
" تيما ما سيكون رأيك لو أخبرتك بأنه ثمة رجل أرغب
بأن تكوني زوجة له "
حاولت تجاوز صدمتها سريعا فيفترض بأنها كانت تتوقع هذا
وتعلم عنه ، وفكرت لوهلة وبطريقة مضحكة بأن يكون والدها
يمزح معها لكن لا كلماته الجادة ولا نظرته تقولان ذلك بل ولا
طباعه أيضا ، أبعدت شفتيها ببطء فسبقها قائلا وبذات جديته
" تيما عليك أن تعلمي أولا بأني لا أفكر في التخلص من
مسؤليتك أو أخشى أن تضيع الفرص منك فلن أجلس أعدد لك
كم من شخص تحدث معي بشأن زواجك وأغلبهم لم يروك يوما
وكان كل واحد منهم يقول ومن قبل أن أعلق على الأمر بأنه
على استعداد لانتظارك لعلمه بسنك لكن هذا الشاب مختلف
عنهم جميعا وإن كان ليا ابنتان لتمنيته لكل واحدة منهما "
نظرت ليديها في حجرها قبل ترفع نظرها له وقالت بصوت
منخفض
" تعني بأنك من طلب منه هذا أبي ؟ "
عقد حاجبيه قائلا
" لا يا تيما هل تري نفسك رخيصة لدى والدك هكذا ؟ "
عادت للنظر لأصابعها التي احمرت مفصلها من شدها لها
وتنفست بارتياح فهو على الأقل لم يفعل ما كانت تخشاه
وما كان يتبجح به ذاك المدعو قاسم سابقا بأن والدها يبحث
لها عن زوج ، لم تستطع رفع نظرها له ولا أن تجد أي كلمات
لتقولها فما أشده من موقف ما هي فيه الآن وتشعر بأنها تكاد
تنفجر باكية من الإحراج وكم تمنت وجود والدتها بينهم الآن
وأكثر من أي وقت مضى لكانت هي من استلم هذه المهمة
عنه وما كان كلاهما مضطرا لقول ما لديه للآخر ، وصلها
صوته مجددا حين طال صمتها
" تيما أنا لست مقتنعا بأنه ثمة سن محدد على المرأة أن تجتازه
لتتزوج فكم من راشدات بعقول أطفال دمرن منازلهن وعائلاتهن
وكم من فتيات صغيرات استطعن تكوين عائلة وحياة ناجحة
سعيدة وأنا لن اجبرك على شخص لا تريدينه أما إن كان الخيار
لي فلا أريدك لغيره "
استطاعت أخيرا وبشق الأنفس أن ترفع نظرها به وهمست
بصوت بالكاد هي سمعته
" هل هو من هنا ؟ "
نظر لها بصمت فظنت بأنه يحاول ترجمة سؤالها فقالت موضحة
" أعني من الحالك ؟ "
تنفس بعمق وقال
" تلك المسميات لا تعنيني يا تيما وعلى كل حال هو من الجنوب
وباقي التفاصيل ليست مهمة الآن فما أريده هو رأيك ثم ستعرفين
كل شيء عنه وعن عائلته وتتعرفي بهم أيضا "
أرخت نظرها للأرض ولا تعلم لما شعرت حينها برغبة في
البكاء ... البكاء ودون توقف فما أسخفها من فتاة حين فكرت
بأنه قد يكون هو من عناه بحديثه وأن يكون فكر في خطبتها ...
ساذجة كيف فكرت في أن يفعلها وهو يراها بكل تلك السلبية
بل ومشوهة من الداخل ، ما كان عليها أن تفكر في تلك الأفكار
السخيفة فهو لن يفكر في الارتباط بها وسيرفضها وإن عرضها
عليه والده عرضا ، شدت قبضتيها أكثر وقالت ولازالت تنظر
للأرض
" ما تريده أنا موافقة عليه
"" حتى إن مانع الجميع ذلك يا تيما ؟ "
رفعت نظرها له ولم تستطع مقاومة تلك الدموع التي سبحت في
مقلتيها الواسعة وقالت برجاء حزين
" أتمنى حقا أن لا يسبب ذلك مشاكل بينك وبين جدي ووالدتي
ولا أريد مخالفتك أبي فأنا متأكدة من أنك لن تختار لي إلا ما فيه
مصلحتي "
مد يده بطول ذراعه ومسح بأطراف أصابعه الدمعة التي فكرت
في التمرد على رموشها السوداء الكثيفة وقال
" جدك سيغير رأيه بالأمر فلا تقلقي بشأنه فأنا من سيقنعه "
وتابع وهو يبعد يده عن وجهها
" أما والدتك فهي من سترفض وبشدة ولست اجزم بأنه ثمة
ما قد يجعلها تغير رأيها لكن لومها لن يقع عليك يا تيما "
همست تجاهد العبرة المسجونة وسط أضلعها
" ستلومك أنت أبي وذاك لديا أسوأ من لومها لي "
اتكأ بمرفقيه على ركبتيه وأشاح بوجهه جانبا وقال
" لن يغير ذلك في وضعنا شيئا يا تيما فهي غاضبة مني
في جميع الأحوال ونظرتها لي سوداوية دون عناء فلا مشكلة
إن أضفنا سطرا أسود جديد في ملفي لديها "
تقدمت في جلستها حتى نزلت من السرير للأرض أمامه على
ركبتيها وأمسكت يديه وقالت برجاء حزين تنظر له بعينان
دامعة
" أبي أنت وعدتني بأن كل شيء سيتغير وستكون هنا معنا وأنا
أثق في وعودك ؟ "
سحب يديه منها وأمسك وجهها وقال بجدية ناظرا لعينيها
" وأنا عند وعدي يا تيما ولن يمنعني عن ذلك إلا موتي "
تنهدت بعمق وما أن كانت ستتحدث سبقها قائلا ومبعدا يديه
عن وجهها
" لن أعتبر جوابك الموافقة يا تيما ففكري في الأمر بروية
وقرري ما تريدين أنتي لا أنا ولا جدك ولا والدتك ولا أي أحد
ورفضك لن يغير في علاقتنا شيئا صغيرتي تأكدي من ذلك ،
لكن أمر واحد عليك معرفته بأن حجة أنك لست مستعدة
للزواج وبأنه ليس بعد لن أقبلها ، يمكنك رفض ذاك الشاب
وأن لا يكون الاختيار لي لا مشكلة لكن غير ذلك فلا "
بلعت ريقها وكلماتها معه وهربت بنظرها من عينيه فها
هو يحاصرها لتفهم بأن رأي جدها أو والدتها لن يؤثر في
قراره أبدا ، أم أنه ثمة ما يجعله مصرا على تزويجها وتجهله ؟
رفعت نظرها له وقالت
" وماذا إن لم تنجح حياتي معه أو مع غيره ؟ ماذا إن لم أستطع
المضي في الأمر فيما بعد أبي ؟ "
ابتسم وكما توقع فعقلها الناضج سيفكر في الأمور المهمة فقط
لا في التوافه كمن في مثل سنها ، قال بهدوء ناظرا لحدقتيها
الزرقاء الجميلة
" سيكون ما تريدين حينها ولن تضامي مع رجل وأنا على قيد
الحياة يا تيما "
وقف بعدها وقال ناظرا لعينيها التي ارتفعت معه
" فكري في الأمر وبلغيني قرارك ولن أحدد وقتا لذلك لكن
لا تدعي الرجل ينتظر كثيرا "
أخفضت رأسها مومئة بالإيجاب فتحرك من هناك وما أن فتح
الباب أدر نصف وجهه ناحيتها وقال
" ولا أريد لأحد ... أي أحد أن يعلم عن هذا حتى تبلغيني رأيك
يا تيما فعديني بذلك "
غرست أسنانها في طرف شفتها ولم تستطع منع الدمعة التي
انزلقت من عينها فهي إن وعدته لن تستطيع أن تخلف لكن ثمة
من عليه أن يعلم لا يمكنها أن لا تخبره بالأمر ، همست ببحة
ورجاء
" ثمة شخص واحد أبي أقسم لن أخبر غيره ولن يخبر أحدا "
لم يخفى عنها انعقاد حاجبيه المستقيمان باستغراب وإن كان
ما يقابلها نصف وجهه فقط وقال من فوره
" ومن يكون هذا الشخص ؟ "
همست بخفوت
" ليس جدي ولا أمي وليس من عائلتنا مطلقا أقسم لك وأنا
أثق به كثيرا أبي "
اشتدت أصابعه على مقبض الباب وقال
" هل الكاسر تعنين ؟ "
رطبت شفتيها بطرف لسانها وهمست
" بل خالي رعد "
قال مغادرا
" لا بأس على أن لا يخبر زوجته فالنساء لا سر لديهن أبدا "
وغادر مغلقا الباب خلفه تاركا إياها في تلك الدوامة العميقة التي
رماها فيها ورحل ، نظرت ليديها اللتان تقبض أصابعهما بقوة
على قماش بنطلون بيجامتها الربيعية الخفيفة وتساقطت الدموع
من عينيها تباعا وليست تفهم لما تحديدا ؟ بلى من ألم قلبها
وشعور الخذلان فيه فهو يعلم بذلك بالتأكيد ووالدها أخبره فقد
كان معه البارحة بعدما غادر من هنا ولهذا قال عمها صقر
اليوم بأنه سينتقل لمنزله الجديد قبل المساء بل وخرج منذ
الصباح الباكر ولم يرجع ... أجل عليها أن تخبر رعد بذلك لا
سواه ليعلم بأن مخططه فشل في النهاية وللأسف وستدفع
وحدها ثمن ذلك إن وافقت على الزواج من ذاك الرجل أم لا .
ولم تكن تعلم بأن الحقائق الخفية غير ذلك وأن غرض من غادر
من عندها قبل لحظات أن يتأكد من أن مشاعرها نحو ذاك الرجل
تساوي ما يشعر به هو ناحيتها وبأنها ستختاره على كل شيء
.. على جرحها منه على تلك العقبة في ماضيهما القريب والأهم
على طاعتها لوالدها في اختياره وإن كان وضع ذاك الاختيار في
يدها ، فسيصبح الآن رفضها موافقة كما ستكون موافقتها
رفضا لذاك الرجل .
*
*
*
فتح باب الغرفة ودخل مغلقا إياه خلفه وأخرج هاتفه ومفاتيحه
ورماهم على طاولة التزيين وتوجه للسرير الواسع قربه وانهار
جالسا على طرفه قبل أن يرمي بظهره عليه للخلف ونظر للسقف
متنهدا بتعب يشعر به خرج من كل عصب في جسده ، رفع يده
وأمسك عينيه بأصابعه يغمضهما بقوة يشعر بتعب وإرهاف لن
يخرجه من جسده شيء وهمومه تتكالب عليه من كل جانب ...
البلاد .. تسلل بعض المتطرفين جهة حدود صنوان .. اليرموك
وما قد يقرره بشأنها وردع كل من قد يستغلها لتدمير الوطن
بأكمله ... إسحاق ومصيره .. زيزفون .. عائلة غيلوان والثأر
والحقد الذي لم يجد له تفسيرا حتى الآن ... حماية عمه وابنته
...... غسق .... غسق وغسق وغسق ألمه الذي فاق كل شيء
وجميع همومه مجتمعة .
ضغط على عينيه أكثر يتذكر تلك الدموع التي ختمت بها كل ما
حدث بينهما جالسة وسط ذاك السرير الواسع البارد .. دموع
صامتة ميتة قاتلة .. لا بكاء لا عبرات ولا عبارات غاضبة ولا
حتى حطمت له هذه الأضلع وأفرغت ما في داخلها فيهم
بقبضتيها ... كانت فقط دموعها ما اختارتها لقتله بها ومعاقبته
قبل نفسها جالسة على ذاك السرير وكأنها منفصلة عنه وعن كل
شيء حولها نظرها هائم في الفراغ لم تستجب لجميع محاولاته
للتحدث معها .. للمساته لوجهها وشعرها لقبلاته وهمساته
معتذرا ... حتى ثيابها هو من ألبسها إياها يغلق أزرار ذاك
القميص على جسدها ترجفت أصابعه رغما عنه وتلك الدموع
تتساقط فوقهم ليقرر لحظتها دفنها في حضنه لعلها تفعل أي
شيء وإن الصراخ وكيل الشتائم والسباب له كالعادة إلا أنها لم
تفعل ذلك ولم ترحمه ولا بها .. فقط انسحبت من بين ذراعيه
ببطء آخذة كل شيء معها .. عيناه قلبه مشاعر وكل ما ربطه
بذاك المكان ، وما أن وقف وحاول إيقافها رمت يده عن ذراعها
العاري صارخة في أول خروج من صمتها والأخير ناظرة لعينيه
بعينان دامعة حاقدة
" ابتعد يا مطر ... انتهى ... يكفي لقد علمتني أن أكرهك وبجميع
الطرق الممكنة "
وغادرت .. فقط غادرت منتصرة في أوج ما يُعرف بالهزيمة
لتعلمه أن الابتعاد أصعب والاقترب أصعب وأن اجتماعهما بات
الأصعب والأصعب .
قفز جالسا حين علا هاتفه بنغمة رنين يعلم جيدا لمن تكون ومد
يده وسحب الهاتف بسرعة وفتح الخط ووضعه على أذنه فورا
قائلا
" غسق "
ليصله ذاك الصوت الهامس الذي دمر لهفته
" كن عادلا معي يا ابن شاهين لمرة واحدة في حياتك وطلقني "
مرر أصابعه في شعره وقال بضيق
" غسق توقفي عن قول الحماقات "
وصله صوتها سريعا وبضيق مماثل
" حررني منك يا مطر أنا لا أريدك "
حرك رأسه برفض قائلا بحدة
" كاذبة وما حدث صباحا أكبر دليل "
صرخت فيه من فورها
" توقف عن تذكيري بذاك الخزي والمهانة يا مطر فها قد أشبعت
رغاباتك وأرضيت غرورك الذكوري المقيت وانتقمت لنفسك مني
ومنه وانتهت اللعبة فحررني منك "
أشار لأضلعه بأصابعه قائلا بحزم
" غسق أنتي لي ولن أفرط فيك ولا من أجل أي شيء أتفهين
هذا ؟ "
ولم يتأخر صوتها الصارخ بوجع يصيب قلبه مباشرة
" لا أفهم هذا ولا أي شيء سوى بأنك بلا قلب وبلا مشاعر ...
انعدمت منك الانسانية فلم يعد يكفيك أن تقتل غيرك من الداخل
بل تحرق وتدمر كل شيء "
واختلط صوتها بعبرتها وهي تتابع جلده ودون رحمة
" مجرم ولست سوى قشور للرجل العادل الشريف النزيه ...
أنت أكثر رجل مخادع عرفته في حياتي ولن أعرف مثلك أ ... "
دفن عينيبه في كفه متكئ بمرفقيه على ركبتيه والأخرى لازال
يتبث بها الهاتف على أذنه يستمع في صمت لشتائمها المتتالية
تقول وتكرر وتعيد وكل عبارة تنطقها بوجع وبكاء مرير وكأنها
لم تقلها سابقا وليست تعلم بأنها لا تفعل شيئا أكثر من تدميره
من الداخل ... من مضاعفة عذابه ليس بسبب ما كانت تقوله
من بين عبراتها الباكية تلك بل بسبب ما فعله هو بها ومنذ
أعوام وها هو يرى نتائجه الآن ويخسرها تدريجيا وهي من
حذرته البارحة من فعلها ومن قتل ما بقي له في داخلها تحت
كل ذاك الركام فهو وكما قال عمير تماما يحميها من الجميع
عداه .. يمنعهم جميعهم من أذيتها بأن يؤذيها هو وبقسوة ..
يبكيها وبوجع ومرارة لكي لا تبكي أمامه بسبب غيره ..
يقتلها كي لا تموت أمام عينيه بسببهم ويفقدها للأبد ، بل
ويخسرها كي لا يخسرها رغم أنه الخاسر الوحيد في النهاية .
شعر بأضلعه انقبضت على قلبه وبقوة حين همست باكية
" أتعلم ما الذي لم تفعله بغسق بعد ؟ أن تجعلها ترى إحداهن
في حضنك ووسط سريرك وهذا ما لن تتأخر في فعله بالتأكيد
وسأخبرك من الآن بأني لن أهتم "
مرر أصابع يده خلال لحيته وصولا لقفا عنقه وهمس بخفوت
حزين
" أحبك يا غسق "
لتزيد تلك العبرات في ذاك الصوت الصارخ فيه فورا
" كاذب .... توقف عن الكذب وعن قول تلك الكلمة فأنت لا
تعرفها ولا تفهمها ... لا تعرف معنى أن تتمسك بها وتعيش مقيدا
بها رغم جراحك ... توقف عن قولها ولا تدنسها بأكاذيبك واتركها
لمن يقدرون نطقها والشعور بها "
ولم يكن ذاك آخر ما قتلته به بل واصلت ذبحه ودون رحمة
" أكرهك يا مطر ... أكرهك ولن أغفر لك ما فعلت بي ما حييت
وآخرهم تدنيسك للمكان الذي يحضن ذكرى عائلتي بأفعالك
القاتلة "
نظر للهاتف في يده بعدما فصلت الخط قبل أن يرميه على الجدار
المقابل له بقوة محولا إياه لأشلاء ووقف ضاربا كل ما كان على
تلك الطاولة واستند بيديه عليها يتنفس بقوة قبل أن يرفع رأسه
ونظره للمرآة ولصورته فيها .. لذاك الاحمرار الذي شاب جفنيه
قبل أن يسدلهما على عينيه ببطء وصورة واحدة مرت أمامهما
لعيناها الدامعة وهي في حضنه وفي أوج ما كانا فيه من عاطفة
وحميمية وقد همست ببحة وحزن ناظرة لعينيه
" لن تقتلني مجددا يا مطر ... أقسم لي بأن عذابي انتهى "
بل كانت هي من تقتله ... تذبحه .. تنهيه وليست تعلم ما فعلت به
وقتها فبما سيخبرها ؟ كيف يقسم لها بما هو متأكد من أنه يخبئ
لها منه المزيد ، فلم يستطع حينها سوى إخفاء ذاك الألم في
عينيه بدفن وجهه في شعرها وفي نعومة بشرة عنقها مكتف
فقط بتلك اللحظات التي هو موقن من أنه سيدمرها فيما بعد .
فتح عينيه ونظر لصورة تلك الأحداق السوداء السابحة في الألم
وبريق دمعة لم يعرفها فيها سابقا وهمس من بين أسنانه
" لن تفعليها وتكرهيني يا غسق لن يحدث ذلك .. لن يحدث
أبدا "
*
*
*
فتح باب الغرفة بعد طرقتين متتاليتين ووقع نظره فورا على
الجالسة فوق سريرها تحضن ركبتيها ونظرها على النافذة
المظلمة ، ما طمأنه أن مربيتها أخبرته حين اتصل بالمنزل
وطلبها خصيصا بأنها نامت لأكثر من ساعتين ثم استفاقت بسبب
كابوس كالمرتين الماضيتين لكنها سرعان ما هدأت وقد رفضت
أدويتها مجددا وكأن عقلها وجسدها قررا أخيرا التمرد على كل
تلك الأقراص والأدوية التي تأكل صحتها أكثر مما تفيدها ، لكنها
لازالت تهمل نفسها وجسدها وطعامها وتقتل نفسها بالبطيء
ودون رحمة ، أغمض عينيه وتنهد بعمق فهو كان أضعف وأسوأ
ثلاثتهم فبينما اجتازت هي حالتها تلك ومارس جده يومه المعتاد
في أعماله وشركته هام هو في الشوارع بسيارته كالتائه ومن لا
مكان له يلجئ إليه وانتهى به الأمر واقفا بها عند ذاك الشاطئ
الذي زاراه البارحة بل ولم يشعر بنفسه إلا نائما على ساعديه
الملتفان حول المقود ليس يعلم كيف ولا متى نام .. نام نوما لم
يفصله عن الواقع أبدا ولم يتوقف عن الهذيان بها فيه يراها
تبكي وتركض وتقع وتصرخ مستنجدة به فلم يزده ذلك سوى
عذاب وضياع وألم ، حتى ذاك الرقم الذي اتصلت به وحصل
عليه لم يستفد منه في شيء لأنه وجد بأنه تم إلغائه نهائيا وكل
ما علمه بأنه لشخص في بلادهم هناك والمكالمة كانت خارجية
ومدتها خمس دقائق فقط ولن يستطيع سؤالها ولا المحاولة أبدا
.. عليه فقط أن يموت ويحترق في صمت حتى بات يتعايش مع
ذاك الشعور الكريه المفروض عليه لوحده .
اقترب منها بخطوات بطيئة حتى جلس على طرف نهاية السرير
واتكأ على ركبتيه بمرفقيه ينظر للأرض في صمت طال بينهما
وطال وطال ولم يستطع ولا فهم ما يجري وما يفعل ! هل ثمة ما
يريد قوله وعاجز عن فعل ذلك ؟ هل يريد أن يكون بقربها فقط
ويكفي ؟ أم ينتظر أن تحدث معجزة وتتحدث من نفسها دون أن
يسألها ؟ وذاك ما عليه أن ييأس من أن يكون حقيقيا .
" أنا لست مجنونة يا وقاص ؟ "
رفع رأسه ونظر لها ما أن وصلته كلماتها الهادئة تلك لازالت
تنظر للظلام الساكن في الخارج وأوراق شجرة الكاسيا تداعب
نافذتها وكأنها تسترق السمع خلسة بل هو من لو لم يكن متأكدا
من أنها كانت هنا في غرفتها لشك بأنها استمعت لحديثه وجده
في المكتب نهارا فهل يمكنها قراءة أفكارهم وردود أفعالهم بكل
ذكاء هكذا ! أجل كان عليه أن يتوقع ذلك فهي تنتظر منهم الأسوء
دائما وتترجم جميع أفكارهم وتصرفاتهم بسلبية ، هي تعلم مثله
أن ذاك حقيقي وما لايعلمه جده هو اتصالها بأحدهم أي ثمة واقع
في الحكاية رغم تعقدها ، قال بهدوء ولازال محدقا بوجهها الشبه
المقابل له
" أعلم يا زيزفون وسأشك بقدراتي العقلية قبل أن أشك بك "
نقلت حدقاتها لعينيه تنحره بتلك النظرة المحطمة فيهما قبل أن
تهمس بحزن
" هو فعلا يموت وقاص ... إنه يتألم "
وأشارت لنفسها متابعة بأسى حزين
" يمكنني أن أشعر به وأتألم وأتألم وكل ما سيقولونه بأنه بخير ..
هم يكذبون ، هكذا سيكذبون عليا دائما لكني أعلم بأنه يتألم وبأني
سأخسره "
شد قبضتيه بقوة حتى شعر بالألم في أصابعه وهمس بضياع
حدقتاه تنتقل بين تلك الاحداق الزرقاء الدامعة
" من هو يا زيزفون ؟ قسما أن أساعدك وأساعده فقط أخبريني "
نظرت للنافذة مجددا وقالت بسخرية ومرارة
" لن تستطيع فهم لم يستطيعوا فعل ذلك ، جميعهم وبكل سلطتهم
تلك لم يستطيعوا ، عليا أن أشيع شخصا آخر أتعذب معه حتى
يلفض أنفاسه الأخيرة وببطء أنا أعلم أن ذاك هو قدري حتى
أموت ... أموت بعد أن أراهم جميعا يموتون "
حاول أن يرخي قبضتيه ويكتفي بألم قلبه الذي لن يخففه أي شيء
وهمس بصعوبة
" تحبينه يا زيزفون ؟ "
رفعت نظراتها للسماء المظلمة وقالت ودموعها تملأ عينيها ببطء
" أحبه ...!! فقط أحبه ؟ أرواحنا مشتركة يا وقاص "
ونقلت نظرها له وحركت رأسها نفيا متابعة
" أحبه فقط ... ؟ كيف وأنا لم أراه من ثمانية أعوام وتركته
يتعذب أكثر مني ... تعذبت من اشتياقي له حتى أني حرمت من
رؤيته في النوم الذي حولته تلك الأدوية لصفحة سوداء قاتلة "
نظر لعينيها بانكسار وتمنى فقط أن يعلم من يكون هذا فلعل قلبه
يتوقف عن الاحتراق هكذا وهي تتحدث عنه أمامه بتلك الطريقة
بل وحررت حزنها المدفون ودموعها من أجله ! كانت في
العاشرة فلن يكون رجلا تحبه يا وقاص لن يكون لكن ....
من سيكون إذا من هو ولا أحد لها غيرهم هم عائلة والدها !
ومن هؤلاء الذين يملكون السلطة ولا يساعدونه ؟ إن لم يكن
مطر شاهين فمن سيكون ولما سينكر إن كان هو !
عاند الأحرف والكلمات لتجتاز حنجرته وخرج صوته من بين
شفتيه بخفوت
" أخبريني من يكون وسأساعده من أجلك زيزفون أقسم لك "
حركت رأسها نفيا ونظرت جهة النافذة المغلقة مجددا وهمست
بجمود سرعان ما عادت ملامحها للتمسك به
" لا فائدة من هذا يا وقاص ... لم يستطع أحد حمايته ولا أنا رغم
كل ما فعلته من أجله .. هو قدره ... قدره وقدري وانتهى "
وقف وجلس قريبا منها وأمسك يدها بقوة يحضن أصابعها
الرقيقة الباردة بين أصابعه وكفيه وقال ناظرا لعينيها التي لازالت
تهيم في الفراغ بشرود
" أليس يتألم ولم يمت بعد ؟ حاولي التحدث معه إذا وسأساعدك
في ذلك فعلى تعذيبك لنفسك أن يتوقف يا زيزفون ... ساعديني
لأساعدك "
أرخت جفنيها الواسعان للأسفل قبل أن تقول بذات جمودها
" لن يسمح بذلك .. هو يتحكم بك ومهما فعلت ... هو يتحكم بك
ويمكنه تسييرك كيف يشاء "
علم فورا عمن تتحدث ومن قصدت لذلك قال مباشرة وبإصرار
" مخطئة يا زيزفون فوقاص لا يمنعه جده ولا أيا كان عن فعل
ما يريد ومتقنع به "
رفعت نظرها له وقالت بذات جمودها
" ليس فيما يخصني .. ليس فيما يجعل ابنة إسحاق ترتاح ، هو
لا يحبني لا أنا ولا والدي ولا جدتي وسيبعدني عن طريقك
وسترى ذلك بعينيك "
شد على يدها أكثر وقال بإصرار محدقا في عينيها
" زيزفون حاولي أن تنظري له بشكل مختلف وإن لمرة واحدة
فهو كان متأكدا من أنه لن يولد له غير ضرار والدي ، كان رد
فعله متوقعا حينها "
سحبت يدها منه قائلة بحدة
" وفيما بعد يا وقاص ؟ ماذا عن السنين التي مضت بعدها ألم
يستطع أن يهدأ ويفكر بروية ؟ وماذا عن معرفته بأن ذاك جائز
بعد ولادة شقيقك من والدك مع اختلاف الأم ؟ لما لم يحاول
إصلاح أخطائه ؟ "
قال بهدوء يعاكس انفعالها " فعل يا زيزفون حاول أخذ..... "
صرخت مقاطعة له وراميه بيدها جانبا وقد تحركت معها خصلات
ذاك الشعر الطويل
" اصمت يا وقاص ... توقف عن الدفاع عنه بهذه الطريقة
المضحكة يا نائب المدعي العام والمحامي الناجح فما حاول جدك
فعله لم يتعدى أن يقتل به جدتي أكثر وهو يحاول أخذ حفيدتها
منها ... فقط هذا ما استطاع فعله للمرأة التي أحبته وتزوجته
رغم كل الظروف ورغم الصعاب وكل ما فعله أنه تركها وتخلى
عنها وترك ابنها للمجهول بلا نسب وبلا هوية وترك لها قلبا
ينزف ألما حتى ماتت ، ماذا فعل لها غير أنه قتلها من جديد وهو
من لم يكلف نفسه ولا عناء أن يعتذر منها .. أن يظهر لها ندمه
على كل ما قاسته بسببه ، من يعلم عما عانته بسبب جرحه لها
وبسبب طعنته لقلبها قبل كل ما فعله عداه ، بل وكل ما قاسته
ذريتها منه كان بسببه .. غادر البلاد وترك كل شيء لا يعنيه
وراء ظهره .. تركنا نموت تباعا وبأبشع الطرق وسيفعل ذلك
معي حتى أنتهي أيضا مثلما فعل بهم جميعهم ... ثلاثتهم تركهم
للموت ولن يسمح لك بمساعدتي فسيبعدك وسترى "
قال بجدبة ناظرا لعينيها الغاضبة المليئة بالألم
" وإن أقسمت لك لن يحدث يا زيزفون ؟ "
قالت بسخرية
" عليه هو من يقسم وليس أنت "
وتابعت وتلك اللهجة الساخرة تنزف حقدا
" أتعلم ما عليك أن تخبره ؟ بل لا ... لا تخبره أنا من
سيفعلها وقريبا جدا وسأدمره كما فعل بنا "
تركت أصابعه يدها ببطء نظراته لم تفارق عيناها ونظرة الكره
المخيفة فيهما وهمس
" إن اخترت تدميره بي فافعليها يا زيزفون أنا لن أمانع
ولن أمنعك فهدفك قارب على أن يكون بين يديك "
حدقت في عينيه بصمت نظرة صعب عليه تفسيرها ... لا بل
استطاع قراءة كل شيء لم يفهمه فيها إلا أن تكون تفكر في فعل
ذلك به وليس يفهم حقيقة هي أم قلبه فقط من تمنى ذلك ؟ بادلها
نظرة صامته كان يعلم بأنها تقرأ ما فيها وتفهمه جيدا مثلما
فهمت كلماته الأخيرة فهي أذكى من أن لا تفهم ما بين الأسطر
فكيف بالكلمات الواضحة المباشرة ، راقب بسكون تبدل تلك
النظرة في عينيها قبل أن تبعدها عنه ونظرت للفراغ وتعالت
أنفاسها تدريجيا وكأنها بدأت تفقدها ببطء وقالت بخفوت
" أنا ميتة يا وقاص ... مت منذ رأيت جدتي تموت أمامي ..
بل وبعدها بزمن بعيد فابتعد عن طريقي "
شعر بقلبه يسحق داخله ودون رأفة ولا رحمة وتمنى لحظتها أنه
لم يعرفها .. لم تخرج لهم من الماضي ومن كل ذاك السواد لتلون
به عالمه وقبل الجميع ، بلع غصته مع ريقه بصعوبة ورفع
أصابعه لا شعوريا لوجهها وما أن لامست طرف وجنتها
وخصلات شعرها الناعم قبضهم بقوة ووقف وغادر في صمت ...
ليس الغرفة بل وذاك القصر بأكمله ووقف خارجه مستندا على
أحد جدرانه بظهره بقوة محدقا في الفراغ بضياع ... ماذا يحدث
له ...! ما هذا الذي تفعله يا وقاص ؟ أنت تخطئ باستمرار ودون
روادع ... أنت تفقد عقلك ما أن تكون بقربها بل وتفقد السيطرة
على كل شيء وليس مشاعرك فقط حتى أنك اعترفت لها بكل ما
في داخلك نحوها .
ضرب بيده بقوة أوراق الغصن المتراقصة أمامه وهمس بوجع
" أريدك وإن كنت ميتة يا زيزفون .. فقط ليتوقفوا عن الوقوف
بيننا وضدنا " .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 67 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 23-02-18 الساعة 07:16 AM
رد مع اقتباس
#7436
قديم 14-02-18, 10:44 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
" أجل ... أجل قاااااادمة "
ركضت الصارخة بتلك العبارة جهة الباب الذي لم يتوقف رنينه
ولا لأخذ فترة راحة مالئا المنزل بضجيجه المرتفع وما أن فتحت
الباب تلقت يداها شاهقة الجسد الذي تهاوى ناحية الأرض
لتَمسك صاحبته بالباب الذي فتحته باندفاع ، حاولت أن تسندها
لجسدها قائلة بفزع
" ماريه ما ...... ؟ ماذا أ .... ؟ "
وصرخت منادية حين خانتها الكلمات لتصوغ أي جملة
" أميييي تعالي بسرعة أرجوووك "
وحضنت التي كانت ستنزلق من بين ذراعيها لحظة أن اقتربت
منهما راكضة من لم تجد وقتا ولا لمسح يديها من الماء تمسحهما
في مريلة المطبخ التي تضعها فوق ثيابهت ووصلت عندهما
وساعدتها في إسنادها وساعداها لتسير جهة ممر غرفتها
متمتمة بحزن
" يا إلهي ماذا حدث أيضا لهذه الفتاة ؟ "
أوصلتاها الغرفة فارتمت فورا على السرير وتناثر ذاك الشعر
البني حول وجهها بسبب ارتدادها القوي وأغمضت عينيها برفق
وسرعان ما عادت وفتحتهما جزئيا والدمعة الحارة تنزلق منهما
ببطء وانحنت على نفسها جانبا فتحركت التي عادت لمسح يديها
قائلة وهي تغادر من هناك
" سأجلب لها شيئا تشربه فساعديها لتستلقي جيدا ساندي "
وخرجت مسرعة فجلست ساندرين على الأرض أمام النائمة على
السرير بجانبها ووجهها مقابل لها ومسحت على شعرها تنظر
لملامحها المتعبة فوق الكدمتان فيه والخدش في جبينها قائلة
بحزن
" ماريه ماذا حدث ؟ هل أحضرك هنا بعد كل ما فعله ليأخذك
من هناك ؟ "
تحركت تلك الشفاه الجافة ببطء وخرج منهما ذاك الهمس الخافت
الكسير والدمعة الجديدة تنساب على ذاك الاحمرار الطفيف ببطء
" بل جئت وحدي وعلى قدماي "
شهقت ممسكة فمها قبل أن تمسح على وجهها وشعرها قائلة
بصدمة
" من هناك إلى هنا وعلى قدميك وأنتي في هذه الحالة ماريه !
هل جننتِ ؟ "
غطت وجهها بساعديها تضم يديها فوق رأسها وهمست ببكاء
موجع
" أردت أن أشعر بألم أقسى من ذاك ... أن يفوق أي ألم آخر
على ما كنت أشعر به في صدري "
ملأت دمعة الجالسة أمامها عينيها رغما عنها ومسحت على
ذراعها هامسة بأسى
" ليته يحترق فقط ... كم أتمنى من الله أن يحرق قلبه "
وقفت بعدها ومسحت عيناها بظهر كفها وتوجهت لقدماها اللتان
ما تزالان على الأرض نزعت حذائها ورفعتهما على السرير
ليخرج ذاك الأنين المتألم من النائمة فوقه فأبعدت يديها قائلة
" آسفة ماريه هل آلمتك ؟ "
ليخرج لها ذاك الصوت الخافت المؤلم الباكي
" يؤلمني .. يؤلمني كثيرا "
توجهت نحوها ومسحت على شعرها هامسة بحزن
" هل نتصل بالطبيب ؟ ما الذي يؤلمك ماريه ؟ "
تكسر صوتها بسبب بكائها الخافت تشد أصابعها على شعرها
هامسة
" قلبي يؤلمني .... إنه يموت ساندي يموت "
عادت دموعها للتمرد على مقلتيها الزرقاء الغامقة وشدت اللحاف
بقبضتيها بقوة حتى كادت تمزقه بينها تخفي انفعالها فيه
وسحبته على جسدها برفق ولم تستطع قول شيء كي لا يظهر
ذلك في صوتها لأنها تريدها قوية رغم كل شيء وأن تشعر بأن
من حولها أقوياء فتستمد ذلك منهم لا أن يشفقوا عليها ، ولم
تكن تعلم بأن ما مرت به فاق حدود الشفقة حتى على الذات
فلم تتخيل يوما أن تتمنى أنها لم تراه مجددا وهي من انتظرته
بالساعات والدقائق لسنين طوال ... أن تحن لحياتها البائسة مع
عمها قيس ونظرات الاتهام ممن حولها والعيش وحيدة ومنبوذة
ومشوهة هناك على العيش بقربه هنا فعلى الأقل كانت تعيش على
أمل رؤيته وعودته وأن ينتشلها من كل ذلك وينسيها كل ما
قاسته وعانته وحيدة ولم تكن لتقاسي منه أيضا لتكتشف بأنه
الدرب الأخير الذي سيغلق أمامها ، شدت يداها على رأسها أكثر
تدفن وجهه في ساعديها وذراعيها تكتم وجعها من ماذا تحديدا
لا تعلم ؟ من أين تبدأ مع نفسها وكيف تنتهي ؟ حتى قسوة
الشوارع والطرقات التي سلكتها متعثرة بالكاد تري طريقها
بسبب كل تلك الدموع لم ترحم جسدها الضعيف وترميه لدوامة
الموت ... لا شيء رأف بقلبها لا شيء رحمها أبدا .. بل وحتي
جفناها اللذان أرختهما حينها ببطء مغمضة عينيها المرهقتان
أظهرتا صورتهما أمامها فورا وذاك المشهد الحي يتحرك أمام
عينيها وكأنها تراه الآن ... لا صور لا صحافة ولا جرائد بل
واقع ينبض بالحياة يقتلها أكثر وينهيها أكثر وأكثر ويحذرها من
الكذب على نفسها موهمة إياها بأنها مجرد تمثيلية قصيرة الأمد
وخدعة وفصل قد يطوى من حياتها يوما ما وللأبد لأنها ستكون
هي تلك الصفحة البالية التي ستمزق وتحرق وتتحول لهباء .
فتحت جفنيها ببطء تهرب من كل ذلك .. تهرب من الألم للألم
ومن الخيالات والذكرى المؤلمة للواقع للوحدة وللمرارة فلا شيء
في واقعها يشعر بها أكثر من تلك اليد التي مسحت على شعرها
ببطء ووصلها صوت صاحبتها الحزين هامسا قرب أذنها
لتقبيلها لصدغها برفق
" حاولي أن تنامي ماريه وستكونين أفضل "
لتنزلق الدمعة الجديدة من عينيها ودون رحمة ولا رأفة بعذابها
المضاعف بسببها وهمست بوجع عبرتها السجينة تكاد تحطم
أضلعها
" كيف ولا أرهما أمامي ؟ هل لي أن أنام وعيناي مفتوحتان
ساندي فقد تعبت حقا "
زمت الواقفة فوقها شفتيها تمسك نفسها عن كل شيء وأولهم
الصراخ والدعاء على ذاك الكنعاني بأن يلحق بوالدته حبيبته
ويرتاح ويريح غيره منه فأبعد ما كانت تتوقعه بأن يكون أخذها
معه هناك لتراهما معا وليقتلها بأكثر ما كانت تخشاه وما
اعترفت أمامها سابقا بأنه الأمر الوحيد الذي سيدمرها نهائيا
ولن تستطيع ولا ادعاء الصمود إن حدث أمامها ، سحبت
هاتفها من فوق طاولة السرير بحركة عنيفة غاضبة لأنه تم
تسليمه لهم بعد الحادث وخرجت من الغرفة تخرج هاتفها هي
من جيب قميص بيجامتها وفتحت الرسائل فورا وأرسلت لرقمه
ودون تردد ولا تراجع ولا خوف
( إن كنت بلا قلب وجعلتها ترى عرضكما المسرحي السخيف
أمامها فكنت تمسكت بإنسانيتك قليلا وأوصلت جثتها هنا بدلا من
أن تتركها ترجع للمنزل سيرا على قدميها لساعات يا متعجرف يا
عديم الرحمة وأنت تعلم بأنه لا نقود لديها ولا هاتف ... لكن لا
بأس شكرا لك لأنك تشفيها منك )
وما أن تيقنت من أن الرسالة وصلته أغلقت هاتفها وهي تدخل
المطبخ وتوجهت للخزانة المعلقة في الجدار ووقفت على رؤوس
أصابعها ورمت الهاتف الآخر هناك فوقها وكما توقعت علا رنينه
فورا صداه يتردد في ذاك المكان الواسع فتجاهلته ملتفتة للتي
كانت تنظر لها باستغرب تمسك كوب حليب دافئ في يدها وقالت
بجمود
" لا داعي لهذا أمي فهي لا تحتاجه سأحقنها بمهدئ لتنام "
نظرت لها باستغراب قائلة
" تحقنيها بالمهدئ ؟ ألن يضرها "
زمت شفتيها وقالت بحنق
" لا ولن يكون أقسى عليها من تحمل وجع جسدها وقلبها "
نظرت للأعلى خلفها حين عاد الهاتف الموضوع فوق الخزانة
للرنين فور توقفه فتجاهلته مجددا ونظرت للتي قالت ونظرها
معلق به في الأعلى
" أليس هذا هاتف ماريه الجديد ؟ لما تضعينه في الأعلى ومن
هذا الذي يتصل ؟ "
توجهت جهة الصيدلية المنزلية المعلقة هناك وقالت وهي تفتحها
" لأنه عليه أن يبقى هكذا يرن ويرن وذاك يتصل ويتصل حتى
يحترق من غيظه ولن يهتم له أحد ولن يستطيع المجيء هنا طبعا
لينزل من قيمة نفسه المتعجرفة ويدخل منزل أعدائه مجددا "
أخرجت ما تحتاجه منها وضربت بابها الصغير بقوة متابعة بضيق
تنظر للواقفة مكانها هناك والكوب لازال في يدها
" وما ستفعله بسماع صوته مثلا ؟ ليسمعها سيلا من توبيخه
القاسي كقلبه لأنها لم تعتمد عليه حتى في دفنه مع جراحها "
وتابعت بغضب مغادرة من هناك
" أفضل ما فعلته ماريه ... قسما أنها تعجبني تلك الفتاة فلتتخلص
منه بوجع وببطء حتى يخرج من دمائها "
وخرجت من هناك بخطوات غاضبة وما أن اجتازت باب
المطبخ وقفت مكانها تنظر جهة الباب الذي دار قفله قبل أن
يفتح ودخل منه الذي نظر لها قائلا وهو يدس مفاتيحه في جيب
بنطلونه الخلفي
" مرحبا ساندي كيف هي ماريه الآن ؟ لم أستطع المجيء قبل
هذا الوقت فمحاضراتي انتهت قبل قليل وجئت من هناك إلى هنا
فورا "
تنهدت بضيق وقالت ببرود مغادرة من هناك
" والدتك في المطبخ سلم عليها ورافقتك السلامة فماريا نائمة
وليست بخير أبدا "
نظر لها باستغراب وهي تتوجه جهة ممر غرفته سابقا حتى
اختفت عن نظره وتوجه بعدها جهة المطبخ ودخل مبتسما للتي
ابتسمت ما أن رأته ، اقترب منها وقبل خدها ممسكا ذراعيها
وقال
" مرحبا أمي كيف أنتي ؟ "
تبدلت ابتسامتها للعبوس متمتمة
" لست بخير فثمة ابن لا يزوروني إلا نادرا وكأني لست
والدته "
قبل جبينها ورأسها وقال مبتسما
" مشغول مع دراستي فقط أمي أقسم لك وسأتخلص من همومها
قريبا وتشبعي من وجودي ، ثم نحن تقابلنا البارحة "
وتابع وقد سرق نظره لباب المطبخ قبل أن ينظر لها مجددا "
قابلت ساندرين وتبدوا نفسيتها سيئة جدا ؟ كما أنها لم تجبني
بشيء عن حا... "
وقطع كلامه ناظرا يمينا ولأعلى الخزانة ولصوت رنين الهاتف
الذي علا في صمت المكان وقال مستغربا
" من هذا الذي تشاجر مع هاتفه ! "
رفعت نظرها حيث ينظر وقالت بعبوس
" هذه شقيقتك قررت رمي هاتف ماريه في الأعلى ولمسه ممنوع
طبعا "
نقل نظره لها وقال مستغربا
" ولما ؟ ماذا حدث ويبدوا أني أجهله ؟ "
تنهدت بأسى تحرك رأسها متمتمة
" ماذا سأقول لك وماذا يا كين ؟ "
سحب لها كرسيا من الطاولة قربهما وأجلسها عليه وأدار كرسيا
آخر وجلس مقابلا لها وقال
" أخبريني بكل شيء فابنتك أدخلت لي دماغي في علبة كبريت "
*
*
*
فتحت باب المنزل ودخلت مغلقك إياه خلفها بهدوء وتوجهت فورا
جهة غرفة الطعام رامية بحقيبتها ومذكراتها على أقرب كرسي
ودخلت على حديث والدتها وزوجها وهو يقول
" ومن قال بأننا لن نأخذ رأيها ؟ أنا فقط قلت بأنه شاب لا
يعوض ولا يقارن بغيره وعلينا أن نجتهد في إقناعها "
قالت الجالسة بجانبه فورا
" وأنا كنت سأقول بأنها أعند من الصخر وستتحجج بدراستها
التي لن تنتهي بالتأكيد حسب طموحاتها "
اقتربت منهما وقبلت خد كل واحد منهما ودارت حول الطاولة
وجلست قائلة تنظر لأطباق الطعام
" يبدوا أنه ثمة رجل تذكر أخيرا بأنه يوجد واحدة أسمها
زهور ؟ "
تبادلا الجالسان أمامها نظرة صامتة قبل أن ينظرا لها وأن تقول
والدتها ببرود
" من يسمعك يصدق بأنك تفكرين في الأمر فعلا ولست لا تعلمين
أين يكون الرجال فى هذا الكوكب ! "
رفعت أكمام سترتها قائلة
" حسنا قد أكون غيرت رأيي فمن يكون هذا العريس الذي
ستكثفان الجهود لأوافق عليه ؟ "
قال المقابل لها مبتسما وكأنه ينتظر فقط أن تسأل
" شاب جيد بجميع المقاييس عمل كمحام لمجموعة شركات
النهضة الاستثمارية مؤخرا وأذهل الجميع "
رفعت المعكرونة بالشوكة وقالت قبل أن تأكلها
" لا تقل بأنه الجنوبي الذي لا تخلوا مكالماتك مع شركائك
من التحدث عنه ؟ "
قال بابتسامه واسعة
" بلى هو ... إنه أذكى وأفطن وأفضل محام مر علينا ولم أصدق
أذناي حين قال بأنه يريد خطبتك "
نظرت له الجالسة بجانبه وقالت
" أجل لم تخبرني من أين يعرفها ويعرف أنه لك ابنة ؟ "
حرك كتفيه قائلا
" لست أعلم ولم أستطع سؤاله عن أمر سخيف كهذا فقد يكون
رآها معى مرة مصادفة أو أنه سمع عنها فقط فسيكون جوابه
أحد الخيارين بالتأكيد خاصة وأنه يزور العاصمة لأيام محددة
فى الأسبوع فقط "
" حسنا أنا موافقة "
نظرا كليهما بدهشة وعدم تصديق للتي ضحكت على شكليهما
قائلة
" لما تنظران لي هكذا ؟ أليس هذا ما تريدانه ؟ "
قالت والدتها بعدم استيعاب
" موافقة هكذا دون حتى أن تريه ! "
حركت كتفها قائلة بلا مبالاة وهي تغرس شوكتها في صحن
السلطة قربها
" ولما سأراه ؟ أليس والدي يمدح خلقه وذكائه وووو ...
إذا لا مانع لدي "
قال بحماس الذي وضع الملعقة من يده وكأنها ستشوش عليه
ما سيقوله
" أجل وليس ثمة رجل لن يتمناه لابنته فلو أنك تري حديث
وأراء رؤساء المجموعة التجارية فيه لما استغربت هذا فلقد
أبهر الجميع بذكائه حين خلصهم من ورطة محتمة مع لجنة
مكافحة الفساد الجديدة التي زارتنا مؤخرا وكدنا ندخل السجن
دفعة واحدة بسبب خطأ قانوني صغير في معاملات شركة التأمين
العام الماضي "
نظرت له وقالت مبتسمة
" حسنا هذا يكفي إذا لأوافق بما أن رأيك فيه هكذا أما بالنسبة
لشكله فلن أحتاج أن أفكر فيه بما أنه من الجنوب فجميع من في
الكلية من هناك وسماء وكل واحد منهم ينافس الآخر تعرفهم ما
أن تراهم من بعيد ... أولئك الحوالك يسببون للبقية أزمة "
وختمت جملتها بضحكة صغيرة قبل أن تدير حدقتاها السوداء
للأعلى قائلة بحالمية
" وعلى رأسهم ذاك الأسطورة مطر شاهين .. يا قلبي لو فقط
يشبهه في كل شيء حتى في شخصيته "
ضحك المقابل لها بينما قالت الجالسة بجواره بضيق
" جُنت هذه الفتاة بالتأكيد ! لاحياء من والدك يا وقحة "
ضحك المعني بالنصف الأخر من العبارة وقال
" أنا لا بأس المهم أن لا تقول هذا أمامه مستقبلا فيدفنها
زوجها وسط مزارع الجنوب "
أبعدت خصلات شعرها القصير الناعم خلف أذنها قائلة بابتسامة
مائلة
" وهل سينكر هو أو غيره ما أقول؟ ثم ذاك الرجل لا يعرف في
أي أرض أكون وإن دعستني عجلات سيارته فلن يكلف نفسه
عناء الوقوف والنظر لي خلفه "
وتابعت بابتسامة لعوب
" ولا تخف على رجال الجنوب فألسنتهم أحد من السيوف على ما
يبدوا ويصيبونك في مقتل بكلمة واحدة ، وأقل ما سيقوله ذاك
الرجل ضعي نفسك بجانب زوجته وقارني لتخرسي وللأبد "
ضحك زوج والدتها مجددا ووقفت هي فقالت التي تبعتها بنظرها
" أنتي لم تأكلي شيئا "
قالت مغادرة
" أشعر بنعاس لم أعرفه حياتي وسأستحم وأنام قليلا لأستيقظ
وأصلي المغرب "
وتابعت مغادرة وعائدة لذات موضوعها السابق
" أخ لو أرى فقط تلك المرأة التي ترك حسناء صنوان من أجلها
وجل ما أخشاه ومتأكدة منه أنها بشعة لا تساوي نصفها "
واجتازت بهو المنزل وصعدت السلالم تغني تاركة كل ما تحدثوا
عنه ويعد مستقبلها خلف ظهرها فلما تهتم فالرجال سواء وهي
ستتزوج أحدهم يوما ما إن كان هو أو غيره لا يهم بما أنه يعجب
والدها الذي رباها فالأمر لا يحتاج للتفكير ولا داعي للتردد
فوالدتها لن ترحمها أبدا إن هي رفضت ولا سبب ترفض به أيضا .
رمت مذكراتها على سريرها ودخلت الحمام لازالت تغني بانبساط
فلن تترك أي شيء يعكر اليوم مزاجها وسعادتها بتنفيذ مخططها
أخيرا وقصة ذاك الغيلواني المتعجرف على كل لسان في الجامعة
بل ووضعت ملصقات لها على الأعمدة والجدران ليقرأها الجميع
وليجرب ما فعله بها فسيلتهي الجميع عنها به بعد الآن وليريها
كيف سيدخل ذاك المكان بعد المرة القادمة وكيف سيرفع عينيه
في عيني أصغر طالب فيها بل وكيف سيعرف من السبب وراء
ذلك ذاك المغرور الذكي شديد الغباء .
وضعت قدمها ببطء في الحوض المليء بالمياه وشعرت بذاك
الشعور الرائع بالاسترجاء ما أن غمر الماء جسدها بأكمله
وأغمضت عينيها مبتسمة فستتخلص أخيرا من رؤية كابوسها
الأسود الوحيد في الجامعة بعد الأسبوع القادم .
*
*
*
غرست أصابعها في غرتها ويدها الأخرى تمسك قلم حبر أسود
اللون تملأ دون توقف تلك الجداول المصفوفة حتى أنها إن
أغمضت عينيها لا ترى سوى تلك المربعات ... مربعات وخطوط
وأرقام ورأسها يكاد ينفجر فلم تتخيل يوما أن تعود للتدريس في
الجامعة بعدما غيرت جمعية الغسق حياتها بالكامل ووجدت فيها
المتنفس لهمومها وروحها التائهة وشغلت وقتها بها وبات
طموحها ككل من يعملن فيها مساعدة من يحتجن لعونهم بل ورأت
من هن أسوأ منها وتعلمت أن تنظر لنفسها بأنها أفضل حالا من
الكثيرات وأن نعم الله عليها لا تحصي ولا تعد وأن عليها أن تصبر
وتتعايش وتتعلم ممن كن أمامها نماذج حيه علمتها الكثير
والكثير ... وها هي فقدت أيضا ذاك المكان الذي عرفت فيه أفضل
صديقات لها وكان على ذلك أن يحدث ليس ضعفا منها ولا هروبا
بل من أجل غسق ... أجل من أجلها فقط فلن تستلم رآستها بعدها
مهما ألحت عليها في ذلك ، ثم تضامنا معها وكما اعتادت كل
حياتها في السراء والضراء معا وبعد خروجها من الجمعية لم يعد
يمكنها الاستمرار فيها رغم إصرارها عليها في أن تستلم رآستها
لكنهم لن يحتاجوها أيضا وسيتابعون من دونها ، لم تخبرها
السبب الحقيقي وراء خروجها منها بل أخبرتها فقط عن إصرار
والدتها وإلحاحها على أن تقبل ذاك المنصب وغضبها كلما فتح
الموضوع أمامها فجنبتها ونفسها كل تلك المشاكل وغادرت ذاك
المكان وللأبد ، فكان كل ما قالته لها حينها
( آخ جليلة لو أعلم فقط ما بنا تعيستان معا في كل شيء ولم
يختلفا قدرينا يوما )
فكان تعليقها الضاحك والفوري
( لا لسنا متشابهتان تماما فأنت زوجك رئيس البلاد الحالي وأنا
لم أحضى ولا بأقل منه ولو بقليل ولن نحسب رماح زوجا طبعا ) .
حركت رأسها مبتسمة تتذكر حديثهما الأخير ذاك وعادت لما كانت
تفعله فلم تجد وقتا له إلا الآن ومنزلهم اليوم انقلب رأسا على
عقب بسبب خبر الزائر الذي تناول العشاء مع والدها وكل ما قيل
أمامها بأنه مسؤول ورجل مهم في البلاد لم تهتم للسؤال عن
التفاصيل عنه وكانت متأكدة من أنها مجرد مزحة سخيفة أو
مقلب تلفزيوني سيوقعون والدها فيه ليضحك الناس عليه
رمضان القادم في التلفاز فمن هذا المسؤول الذي قد يزورهم
ولما ؟ إلا إن كان من المباحث أو الجنايات ولتتمنى وقتها فقط أن
يخطئها ولا تكون هي ضحيته ككل مصيبة تقع على هذا المنزل
وكما بات يراها الجميع بل وباتت هي تلك المصيبة التي يجزم
الجميع بأنهم لن يتخلصوا منها ، استغفرت الله بهمس وأبعدت
تلك الأفكار عن رأسها مجددا كي لا يتلاعب بها الشيطان أكثر
فعليها أن تنظر له كإهتمام من عائلة يفكرون فيها ويحبونها
ويتمنون لها الخير فهذه الأفكار والعقليات متجذرة لا أحد يمكنه
تغييرها ولا جعلهم يفكرون مثله ، ووالداها قبل الجميع يتأثران
بما يقال أمامهما فلن تلقي باللوم عليهما ، أما وثاب فذاك طبعه
منذ كان شابا سليط لسان حاد طباع ولن يتغير أما شقيقاها التوأم
من والدتها فمنذ أن كبرا واستقلا بحياتهما وابتعدا بسبب
أعمالهما أصبحا الحاضر الغائب عنهم وحتى عن مشاكلهم فعقدة
أن الشقيق من الأم أو الأب لا قرارات له يبدوا لن تغادر عقول
البشر أيضا ، أما شقيقاتها فلكل واحدة عائلة وأبناء وحياة بل
وحتى أحفاد لاثنين منهما ، وإن اجتمعوا لديهم كرهت الجلوس
معهن ليس لسبب سوي تلك المراعاة التي تحولت لشفقة مقيتة
في نظرها حتى أنهن يتجنبن الحديث أمامها عمن خُطبت أو
ستتزوج من معارفهم أو الأقارب ويُسكتن كل من تتطرق
للموضوع بالخطأ وكأن عمرها تجاوز الأربعين أو أنها تهتم
أساسا بتلك الأمور والمواضيع فلو أن الله كتب لها أن تتزوج
صغيرة لتزوجت منذ أن خطبها أكثر من شخص وهي ابنة
العشرين عاما لكن حكمته فوق كل شيء فهل سيكتب لنا السوء
مثلا ؟ هل يختار الحزن والقهر لعباده وهو أحن عليهم من
أمهاتهم اللاتي ولدنهم ؟ كانت مقتنعة كل حياتها بذلك وبأن ما
كتبه الله لها فيه الخير ومهما كرهت نفسها فلما لا يتركونها
وشأنها ..؟ ثم هي راضية ومقنعة بل قانعة بوضعها فلما يشغلون
أنفسم بها !
أغلقت المذكرة بعدما فقدت الأمل في أن تنجز باقي عملها فهي
متعبة فعلا بسبب كل الأعمال التي قامت بها هي ووالدتها
والخادمة الوحيدة تطهوان كل تلك الأطعمة وحمدت الله أن تعبها
لم يضع هباءً وضيفهم المنتظر وصل فعلا بل وليس وحده
فوالدها طلب من أشقائه وأزواج شقيقاته الحضور جميعهم
وليست تفهم لما وما يريده ذاك الرجل قادم لزيارتهم وتشعر بأنه
ثمة أمر مريب في الموضوع وأن والدتها تعمدت أن لا تقول كل
شيء أمامها أو أن والدها لم يخبرها هي أيضا أو هكذا هيء لها
فها قد غادر ضيفهم دون كوارث أو هكذا هيء لها فعلا فما أن
وقفت لتجمع أوراقها انفتخ باب غرفتها على اتساعه فنظرت
مصدومة لوالدتها التي توجهت نحوها مسرعة ابتسامتها تصل
لجانبي وجهها وعلى ملامحها فرحة لم تراها فيه منذ متى
لا تذكر وللأسف ! احتضنتها بقوة فور أن وصلت عندها وهي
لازالت على حالتها تلك جامدة مكانها من الصدمة وكل هذه
العاطفة المفاجئة التي نسيتها من وقت طويل ! وليتحول ذاك
التمثال الجامد لكتلة من الغضب حين قالت التي زادت من
احتضانها لها " مبارك لك يا جليلة لم أصدق أذناي حين أخبرني
والدك بأنه جاء لخطبتك .. تقبل الله دعائي أخيرا "
فما كان منها إلا أن أبعدتها عنها صارخة بصدمة
" يخطبني !! "
ضمت الواقفة أمامها يديها أمام شفتيها قائلة بسعادة
" أجل فطوال حياتك سعيدة حظ بل حظك أفضل من شقيقاتك فقد
تزوجك ابن شراع وهو ابن رئيس البلاد وحين تدنى حظك
وتطلقت منه ها قد ارتفع مجددا وأتاك من هو أفضل منه وما
توقعت أن يطرق بابك أحد ليطرقه هذا تحديدا "
زمت شفيها تمنع نفسها من كل شيء وأولهم التفوه بما قد يجرح
الواقفة أمامها ومن لم تعد تجد لها مبررات جديدة لتجريحها
المستمر لها وقالت بضيق
" أمي لست أفهم أي مسؤول في الدولة هذا الذي يعرفني وجاء
لخطبتي ! وأي عجوز أو متزوج من ثلاث نساء الذي كنتِ يئست
من أن يتقدم لي وخالف توقعاتك ؟ "
أمسكت بذراعيها وقالت بضحكة خفيفة
" عجوز !! بل هو لم يسبق له الزواج أبدا "
ظهر الانزعاج سريعا على ملامحها وما أن كانت ستتحدث
سبقتها قائلة بحماس
" ولن تصدقي من يكون إنه ر... "
تراجعت للخلف خطوة لتبتعد يديها عنها بأدب وقاطعتها بذات
ضيقها
" لا أريد أن أعلم ولا أن أصدق وأنا لست موافقة "
فصرخت فيها من فورها وبصدمة
" ماذا... ! ما هذا الجنون الذي أسمعه ؟ أثمة عاقلة ترفض
رجلا مثله ! فكيف إن كانت مط.... "
قاطعتها بأسى تغلق أذنيها بكفيها
" رجاءً يا أمي لا تذكريني بما أعلمه وحفظته جيدا ويجرحني
منك أكثر من غيرك .. مطلقة وكبيرة في السن والناس لا تتوقف
عن إلقاء اللوم عليا فيما حدث وأني بلا رحمة ولا ضمير وتخليت
عن زوجي لأنه أصبح مقعدا وعانس مع مرتبة الشرف ...
سعيدة بهذه الألقاب ولا أريد زوجا ولا أي رجل يدخل حياتي
وأيا كان "
صرخت فيها بحدة ملوحة بيدها في وجهها
" ولما لا تريدين أن يدخل رجل لحياتك ؟ لا تكوني رجلا
ولا نعلم ! "
أبعدت يديها بحركة عنيفة وقالت بذات ضيقها
" أكون ما سأكونه يا أمي فأنا لست موافقة إن كان الرأي لي
حقا وليس الأمر بالإكراه "
صرخت فيها بحدة
" أين عقلك لتقولين هذا يا جليلة ؟ قسما أني لن أستطيع
قولها لوالدك فمن هذه التي ترفض رئيس مخابرات البلاد
بل وأحد رجال مطر شاهين المقربين ! "
فغرت فاها المتناسق الجميل قبل أن تقول بصدمة
" من ...! رئيس ماذا ! "
عادت الابتسامة سريعا لشفتي التي قالت بحماس
" أجل رئيس جهاز مخابرات الدولة عمير مصطفى الخالدي ،
لا أحد في البلاد لا يعرفه ولا يعرف مركزه ومكانته ..
جاء بنفسه ولخطبتك تحديدا بل ومصر عليك وقال بأنه
على استعداد ل.... "
قاطعتها التي أفاقت من صدمتها أخيرا وقالت بضيق
" ويخطبني أنا ما يريده مني ؟ "
ضربت كفيها عند وسطها قائلة بسخرية
" يضعك تحفة ويتفرج عليك ، لأنه يريدك زوجته وأم أبنائه
طبعا يا ابنة والدتك "
مررت أصابعها في غرتها متأففة وقالت بحنق
" أمي أنا لست أفهم ما يريده بي ذاك الرجل مع كل تلك الألقاب
التي لم تتركيني أنساها يوما ؟ هل تنقصه شهرة وأضواء
ليبحث عن واحدة يتحدث عنه الناس في كل مكان ما أن يرتبط
بها ؟ قولي أمرا يصدقه العقل ! "
قالت الواقفة أمامها بضيق
" أنا التي لست أعرف واحدة يقولون لها بأنه رجل مثله خطبها
تقول هذا ! فهل والدك كان يتوهم أمورا ليست موجودة مثلا وهو
كان جالس بجانبه ويسمعه جيدا أم أن من كانوا معهم يتوهمون
أيضا ! "
أشاحت بوجهها عنها وأغمضت عينيها تخفي ماذا ليست تعلم
هل الألم أم الدمعة التي ترفض ولا أن تفكر في ذرفها أم الذكريات
المريرة لكل ما حدث معها لأعوام أم تلك الصور التي تتابعت
أمامها وكأن الماضي قرر هزيمتها نهاية الأمر وبكل بشاعة ؟
( جليلة أنا لست اطالبك بما ترفضينه .. أنا أحبك وكل ما
أراه في عينيك يشجعني على قول هذا )
( أتري هذا يا جليلة إنه ينبض لك ويعيش من أجلك ... أنت
مستقبلي )
( جليلة ... نصار سافر ... أنت وصيته لي حتى غادر مع
المسافرين يلتفت لي وعلى شفتيه اسمك فقط فانتظريه هذا
فقط ما يريده وأنا سأساعدكما من أجلك ومن أجل صديقي
قبلك فلن أسمح بأن تكوني لغيره )
غطت عيناها بكفها وانهارت باكية .. الأمر الذي أقسمت أن
لا تفعله من أجل ذاك ولا بسببه أبدا ما عاشت ... لكنها لا
تبكيه قسما ليست تبكي عليه بل على نفسها .. على سنوات
عمرها التي ضاعت في أوهام بل وحياة غيرها قبلها فما
ذنب رماح وحبيبته يدفعا ثمن فشلها هي وكذب ذاك الرجل ؟
انهارت جالسه على الكرسي ودفنت وجهها في كفيها ولم
تعد تسمع شيئا سوى عبراتها المتقطعة لا حديث والدتها
ولا ما تقوله وتعلمه جيدا وإن كانت لا تسمعه فأبعدت يديها
وقالت بانفعال باكي
" لا أريده ... لا أريد أمي لا هو ولا أي رجل .. لا أريد
أن أتزوج أساسا "
فصرخت فيها التي استوت واقفة من فورها
" أقنعي والدك وشقيقك بهذا بل والناس جميعهم وأنت
ترفضين رجلا مثله "
وتابعت مغادرة من هناك
" لم أعرف حياتي من ترفس النعيم مثلك ، سأتركك لوالدك
يتفاهم معك فأنت لا تنفع معك الطرق المتحضرة في إخبار
الفتيات وأخذ رأيهن "
وغادرت تاركة خلفها التي سقت دموعها وجنتيها صارخة
في الباب الذي صفقته بعدها
" أنتم لا تأخذون رأيي أمي بل تأمرونني ... لا بل تقتلوني
وكأني لست ابنتكم "
وتتالت شهقاتها وعبراتها هامسة لذاك الباب الأصم وكأنه لم
يعد غيره يشعر بها أو يفهمها
" لا أريد رجلا آخر .. لا أريد وعودا وتعلق وخيانة وخذلان ...
أقسم أني متعبة وأحتاج لقرون ليشفى قلبي وجراحي فلما لا
ترحموني لماذا ؟ "
وعادت للبكاء بحرقة ووجع تفرغ كل ذاك الكبت ولتنهار نهاية
الأمر وينهار صمودها وكل تلك القوة التي تمسكت بها لأعوام فما
يريده ذاك الرجل بحطام امرأة وبجسد من دون روح ... لماذا ؟
لما هي تحديدا ويمكنه أن يتزوج من أفضل منها بل ولن ترفضه
أي واحدة في البلاد ! أيتحدا بها نفسه وقدراته ؟
مسحت عيناها بقوة ونظرت حولها حتى وجدت هاتفها ورفعته
واتصلت فورا بمن سيفهمها وإن لن يجد لها حلا وهذا طبعها
إن تضايقت تتحدث ولأي شيء وإن كان للجماد أو الفراغ
المهم أن تفرغ كل ما في داخلها وتكبته وبعدها ترتاح وإن لم
تجد لمشاكلها حلا بذلك ، ولأن غسق لا ينقصها هموم فكان
خيارها الثاني والفوري هو شقيقها من والدتها والمقرب لها
من بين الجميع في عائلتها بل وبئر أسرارها الوحيد فعلاقتهما
كانت رائعة ومنذ طفولتهما ومختلفة عن الجميع حتى شقيقاتها
وحتى توأمه ، اتصلت به فورا ولم يتأخر في الرد عليها كعادته
ووصلها ذاك الصوت الباسم المتزن
" مرحبا بالجميلة التي تذكرتنا لمرتين اليوم "
همست ببحة حزن
" مرحبا وسام "
وصلها صوته مستغربا
" الله أكبر ما بها الجليلة تبكي على غير العادة ! من هذا
هذا الذي أحزنها ؟ "
مسحت دمعة جديدة تمردت على مقلتيها البنيتان وقالت مباشرة
" يريدون إجباري على الزواج يا وسام .. أنت تعلم بأن
هذه الفكرة تجلب ليا المرض "
قال من فوره
" أرفضي يا جليلة وانتهى الأمر "
ضربت بقبضتها على فخذها قائلة بأسى
" كيف سأرفض وقد لعبوها بحرفية فسيقتلني والدي ووثاب
قبله بعد أن حضر أعمامي وأزواج خالاتي "
قال من في الطرف الآخر باستغراب
" ولما يحضرون معهم ؟ جليلة ماذا حدث تحديداً "
تنهدت بعمق تبلع غصتها وعبرتها وسردت عليه ما حدث فهذا
ما تريده أن يستمع لها أحدهم دون أن ينتقدها ولا أن يصرخ
بها ويأمرها فهي متأكدة من أنه لن يمنحها غير ذلك لأنهما
يعزلان نفسيهما عن أي قرار يخص شقيقاتهم والسبب كان
وثاب طبعا ولن يستطيع أحد لوم غيره فبعد شجاره في الماضي
مع شقيقه قائد وأمامه بل وأمامهم جميعا وقد صرخ به يومها
قائلا
( أنت لست سوى شقيقها من والدتها ولا شأن لكما بما يحدث
هنا .. والدتكم أمامكم من أرادها يأخذها معه )
ولن تنسى يومها النظرة التي رأتها في عيني قائد بل ووسام
قبله وهو أكثر رجل حساس عرفته حياتها ومنذ ذاك اليوم تحولا
لغريبان عنهم لا يبديان ولا رأيهما فيما يقال أمامهما رغم كل
ما فعلوه ليغيروا نظرتهما تلك بل وإجبار والدتهم لوثاب
للاعتذار عما قال وتهديد والده له إن لم يفعلها لكن الشرخ
كان أوسع من أن يجدي معه إصلاح فكل ما بقي لهم منهما
محبتهما الأخوية وزياراتهما القصيرة المتباعدة .
مسحت دموعها ما أن أنهت حديثها ووصلها ذاك الصوت الهادئ
مرافقا تنهيدة رجولية عميقة
" جليلة أتفكرين فعلا في رفض ذاك الرجل ! "
قالت من فورها وبضيق
" وسام حلفتك بالله لا تكرر لي اسطوانة والدتك "
تنهد بعمق مجددا وقال
" أكره أن أقول ما يزعجك يا جليلة لكنها الحقيقة "
قالت بأسى
" لا تزد من همومي يا وسام وأنت أكثر من يعرف
ما مررت به "
وصلها صوته الجاد فورا
" جليلة لا تنسي ما سيقال حال رفضك خصوصا أن جميع أقاربك
باتوا يعلمون حاليا عن تلك الخطبة فما سيفكرون فيه وأنت كنت
زوجة صوريا لرجل آخر ؟ أقل ما سيقال عنك أنك أخطأت معه
وإن كان زوجك فلا سبب آخر سترجحه الناس لرفضك لرجل
كهذا .. لا سبب ولا ليجدوه عذرا لك "
اتكأت بجبينها على راحة يدها تغرس أصابعها في غرتها
القصيرة متمتمة بحنق
" لو أفهم فيما يفكر ذاك الرجل ! في كسري أكثر أم تدمير حياته
معي لأصبح مطلقة مرتين ؟ لو أنه فكر بعقل وأبلغني بأي
طريقة كانت لرفضته ووفرت على نفسي كارثة هو
السبب فيها "
قال من في الطرف الآخر مباشرة
" جئنا للنقطة الأهم في الموضوع وما كنت فعلا أريد السؤال
عنه .. من أين يعرفك ذاك الرجل يا ابنة والدتي وكيف رآك ؟ "
تبدلت ملامحها للضيق قائلة
" لا تبدأ أنت قبل الجميع يا وسام فأنا لم ألتقيه سوى لثلاث
مرات .. اثنتان كانتا بالمصادفة حيث كان برفقة مطر شاهين
فلا تنسى بأنه زوج ابنة خالتك وكنا نعمل سويا في الجمعية ،
ومرة حين سلمني ورقة الطلاق لأنه من كلفه رماح بفعل ذلك
في المحكمة فقط لا غير ولم نتحدث فيما سيجعله يفكر في
خطبتي بل ولم أنتبه لهذا .. لا بل لم أنتبه له تقريبا ولست أفهم
أي أفكار هذه الفاشلة التي جعلته يتقدم لي وجل ما اخشاه أن
يكون ابن شاهين من اقترح عليه ذلك ، لو كان على وفاق هو
وغسق لاتهمتها هي دون تردد "
وصلها صوته الجاد فورا
" لست أعتقد أنه ممن يقترح عليه الغير قراراته أو حتى يؤثر
فيه يا جليلة فرجال ابن شاهين أراهم يشبهونه في الكثير "
قالت بحنق
" وهذا ما لا أريده وأخشاه نسخة أخرى عن غسق تضاف
لمعاناة جليلة السابقة أم لم تسمعه بنفسك وهو يهدد ويتوعد
بضرب اليرموك وأنهم ينتطرون الإشارة فقط من زعيمهم ؟
أخشى أن أكون أنا يرموك أخرى في حياته "
تلقت أذنها ضحكته الخفيفة فورا قبل أن يقول مبتسما
" أراك بت تتحدثين عن مستقبلك معه كأمر واقع ! هل
وافقت سريعا هكذا ؟ "
لوحت بيدها قائلة بضيق
" وسام أنا لا أمزح ولا مزاج لي للمزاح أيضا "
تنهد قائلا بهدوء
" حسنا فقط لا تغضبي مني ، وللأمانة يا جليلة هو رجل سمعته
نطيفة كالثوب الأبيض الجديد وكثير يمدحونه بل وثمة توقعات
بأن يستلم وزارة الداخلية والعامة متقبلين لذلك وبرحابة فرفضك
له معناه عاصفة هوجاء لن تستطيعي الصمود أمامها هذه المرة
شقيقتي "
همست بأسى
" وداعا يا وسام وآسفة لإزعاجي لك يا شقيقي "
رمت بعدها الهاتف بعيدا عنها ومررت أصابعها في شعرها
وأغمضت عينيها بقوة فعليها أن تفكر في حل وعلى ذاك الرجل
أن يبتعد عن طريقها فهي لا تصلح له ولا لغيره فليتركوها تعيش
وحيدة في سلام بعدما تأقلمت مع همومها الماضية وتعايشت
معها ... لما يصرون على مضاعفتها ! .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 67 others like this.
رد مع اقتباس
#7437
قديم 14-02-18, 10:46 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
" أنا حقا أتمنى أن تفكري جيدا في قرارك هذا فنحن نحتاج
للموظفين الأكفاء مثلك وفي قسم الملاحة الجوية تحديدا "
نظرت ليديها وقالت بحزن
" ولا أنا أريد ذلك لكنها ظروفي سيدي "
وضع ذاك المغلف الأبيض من يده وقال
" الخيار لك وأمامك أسبوعين يمكنك تغيير رأيك فيها وسحب ا
ستقالتك آنسة كنعان وأنا آمل ذلك حقا "
أومأت برأسها بحسنا تغتصب ابتسامة صغيرة واعتذرت هامسة
وغادرت مكتب المدير سريعا فلن تتراجع عن قرارها ذاك ولن
تعود لهذا المكان مجددا فهو سيجدها فيه ما أن تبدأ رحلتهم بل
والرحلات الأخرى التي ستنزل هنا وهو فيها وستضعف ما أن
تراه تعرف نفسها جيدا فهي لم تستطع حتى الآن نسيانه ومحو
صورته من ذاكرتها ولا نسيان إهاناته المتلاحقة لها ففوق ما
فعله أرسل لها يشتمها بل ويخبرها بأنه يريد فتاة أخرى وبكل
وقاحة فماذا كان سيفعل بحق الله وهو يربط فتاة بحياة معه وهو
لا يريدها ؟ وهذا بدلا من أن يعتذر عن موقفه المخزي في الحفل
يعيرها بطول لسانها ولسانه هو ضعف طوله ! تأففت محركة
رأسها بقوة ومررت أصابعها في غرتها تبعدها عن وجهها
وأدارت مقبض الباب الذي وقفت أمامه تفكر من الآن في مشقة
البحث عن وظيفة جديدة ستحتاج لأيام لتجدها وشهادتها مضيفة
طيران فأين ستعمل إن لم يكن في المطارات والطائرات ؟
تنفست بعمق وابتسمت للتي قابلتها خلف المكتب الجالسة عليه
والتي وقفت فورا وتوجهت نحوها قائلة بعتاب محب
" يا إلهي كوينوا ستتركيننا حقا كما سمعت ؟ "
وأمسكت يديها فشدت عليهما بقوة وقالت مبتسمة بحزن دمعتها
تسبح في مقلتيها الواسعة
" أجل .. أنا آسفة حقا ربيكا "
وتشاركتا حضنا طويلا عميقا صادقا فطالما أحبت هذه المرأة
واحترمتها وكأنها والدتها ، أبعدتها عنها ممسكة بذراعيها
ونظرت لها بصدمة قبل أن تحضنها مجددا قائلة
" أوه لا ما يبكي كوينوا الجميلة ؟ من هذا الذي كسر قلبك
يا فتاة ؟ "
ابتعدت عنها تمسح عيناها بظهر كفها تنظر للأسفل هامسة ببحة
" من قال أن أحدهم كسر قلبي ؟ أنا فقط سأشتاق لكم "
قالت التي قرصت لها خدها ضاحكة
" آوه لا ... أنا أعرف جيدا أنواع الدموع وكيف تكون تلك التي
يكون سببها رجل ، فمن هذا الأحمق الذي يفرط في فتاة رائعة
جميلة ورقيقة مثلك ! لا يكون هو سبب تركك لنا كوينوا ؟ "
هربت بنظرها منها تدس خصلات شعرها خلف أذنيها فعليها
الهرب من هنا قبل أن تحقق معها أكثر من هذا وستكتشف كل
شيء حينها تعرفها جيدا فهي بسنين عمرها وخبرتها الجميع
هناك كتب مفتوحة أمامها ولا كذب أو مراوغة معها أبدا .
ودعتها مجددا بعدما وعدتها أن تزورها في منزلها مستقبلا
وغادرت مكتبها فهذا التحقيق الأول نجت منه وما يزال أمامها
شيرل ومن لن تنجوا منه بالتأكيد .
ما أن وصلت الباب الذي سيخرجها لصالة المسافرين وقفت فجأة
وارتدت للخلف سريعا تراقب نظراتها المصدومة من خلف الزجاج
في الباب الخشبي الواقف هناك يتحدث مع أحد موظفي المطار
وقد أشار له ذاك حيث الباب الذي تقف خلفه فعادت أدراجها
راكضة ودخلت أول مكتب وصلته وأغلقت بابه خلفها ووقفت
عليه يدها على قلبها تتلقف أنفاسها بصعوبة فلم تتخيل أن يزور
المطار سريعا هكذا ورحلته بعد أكثر من أسبوع حتى تنتهي
التحقيقات الروتينية في حادثة الطائرة ولأنه تم منحهم فترة
استراحة هنا بعدما فعلوه لإنقاذ كل تلك الأرواح.
دست خصلات شعرها خلف أذنيها بتوتر وغرست أسنانها في
طرف شفتها لا تتوقف عن شتم نفسها وتوبيخ قلبها الغبي
الأحمق الذي كان ينبض بجنون وذاك حاله منذ وقع نظرها عليه
وكم بدا رائعا ووسيما بالثياب العملية .. بنطلون جينز داكن
وقميص رمادي مغلق ويضع نظارات سوداء فوق شعره البني
الكثيف الناعم ، وهي من كانت تتوقع أنه لن يكون أروع مما كان
في بدلة الطيران الزرقاء الغامقة الرائعة تلك ! عضت سبابتها
بقوة تمنع نفسها من التفكير فيه بإيلامها ولم تبعد أسنانها حتى
فاق ألمها التحمل ونجح الأمر أخيرا فابتعدت عن الباب وفتحته
ببطء شديد وأخرجت رأسها ونظرت للممر وتراجعت بسرعة
حين وجدته هناك واقفا أمام مكتب المهندس الجوي ينظر للافتة
المتبثة بجانبه وكأنه يتأكد من وجهته وعضت مفصل سبابتها
مجددا وبتوتر .. لا تريد أن تفكر في أنه يبحث عنها فلن يفعلها
أبدا وعلى عقلها الغبي أن يستفيق لنفسه فمؤكد هو هنا من أجل
أمر يخص رحلته تلك ولن تكون هي التي تحدث عنها سابقا ولم
يلتقيها سوى لمرة واحدة ، ما أن سمعت صوت صرير الباب فتح
في الممر خرجت وغادرت من هناك مسرعة فعليها أن تدرك
سائق التاكسي الذي ينتظرها قبل أن يغادر بوجبة دسمة أخرى
من المطار ويتركها كما يفعلون جميعهم .
*
*
*
فتح الباب ببطء وأدب بعدما طرقه طرقتان خفيفتان ووقع نظره
فورا على المرأة التي تجاوزت الخامسة والأربعين من عمرها كما
يبدوا عليها والجالسة خلف مكتب السكرتيرة هناك فإن لم يراها
بنفسه سابقا مع من استقبلوا طاقم رحلتهم لما صدق بأن تكون
تعمل هنا وهي بهذا السن ! تحمحم قليلا وقال ناظرا لبطاقتها
" مرحبا سيدة مارشنت "
رفعت نظرها له وقالت مبتسمة ببشاشة
" مرحبا ... أنت مساعد الطيار في تلك الرحلة أليس كذلك ؟ "
قال مبتسما
" أجل أنا هو وجئت أبحث عن .... "
وتردد قليلا قبل أن يقول
" أقصد ثمة موظفة هنا ضمن من كانوا في استقبالنا ذاك اليوم
وكانت من تحدثت معنا عبر جهاز الاتصال وهي صغيرة في
ال.... "
قاطعته قائلة بابتسامة
" آه أجل كوينوا تعني ؟ "
نظر لها باستغراب قائلا
" إسمها كوينوا !! "
ضحكت قائلة
" أوه لا لكني لا أعرف نطقه الصحيح فأنتم العرب لديكم أحرف
لا ننطقها نحن ، وعلى كل حال هي كانت هنا وغادرت أمامك الآن
بعدما قدمت استقالتها ورحلت للأبد "
نظر لها بصدمة هامسا
" استقالت !! "
رفعت كتفيها قائلة بحزن
" أجل ولا أحد يعلم أو يفهم سبب قرارها المفاجئ ذاك ولا مدير
المطار نفسه وكم حزنت على فراقها فهي أول عربية أحبها أكثر
من الانجليزيات "
وتابعت بضيق وقد عادت لأوراقها مجددا
" وسيكون عليا ولأسبوعين أن أقوم بمهامها أيضا حتى يتم
تعيين مساعدة جديدة للسيد فيثال و.... "
تركها وحديثها المسترسل ذاك وغادر المكتب بل والممر بأكمله
بخطوات مسرعة تبحث عيناه عنها في كل مكان في طريقه لعله
يلمحها فيه وخطواته الواسعة الشبه راكضة تأخذه ناحية باب
المطار فهي قالت بأنها غادرت مكتبها للتو أي أنها ستكون في
مواقف السيارات أو ستخرج عما قريب وفي كلا الحالتين عليه أن
يدركها فإن غادرت من هنا لن يجدها أبدا كما أنه يعلم جيدا عن
قوانين هذه الأماكن فلن يعطوه أي معلومات عنها مهما حاول
فكيف وهي مغتربة .
وصل موقف السيارات وتباطأت خطواته الراكضة ما أن وقع
نظره على سيارة الأجرى المغادرة من هناك والجالسة في مقعدها
الخلفي منشغلة بحقيبتها ولم تنتبه له فركض فورا جهة السيارة
التي قام باستئجارها فترة بقائه هنا وركبها سريعا وشغلها وما أن
نظر للخلف ليتراجع ثم يلف مغادرا خلفها اعترضت طريقه
سيارة أجرى أخرى وقفت لينزل منها من كانوا فيها وبدؤا بإنزال
حقائبهم ورغم ضغطه المتواصل على منبه السيارة إلا أن صاحب
التاكسي تبلد عمدا فضرب على المقود شاتما بحنق فهو لن يدرك
تلك السيارة الآن ومهما فعل وحاول لأنها ستضيع في الشوارع
المزدحمة وعليه أن يفقد الأمل في إيجاد تلك الفتاة وللأبد .
*
*
*
اتكأت بطرف وجهها على راحة يدها تسند مرفقها بمسند الاريكة
متنهدة في داخلها بضيق فرماح إن أمسك بجهاز التلفاز يشعرك
بالمرض من كثرة ما ستشاهده من أخبار بل ويجعلك تندم على أن
اخترت وبإرادتك وضع واحدا من أجله في كل مكان في المنزل ،
والكارثة أنه منسجم تماما مع تكرار ذات الأخبار وسماع ذات
الأراء العقيمة حتى أنه يشاهد من وقت حوارا عن القوانين
الجديدة ودمج الثنانيين في البلاد وما قد يترتب عليها بل ورأى
البعض بأنها ذريعة لمطر شاهين يخفي بها إخفاقه في مسألة
اليرموك وعدم تبريره لتسليمها للخارجين عن القانون كما
يسمونهم وغطاء لصمته عنهم حتى الآن ولم يهتم ولا بجلوس
آستريا معهم والبعض ينتقد قبائلهم وعلانية وكأنه يعاقب الجميع
معه .
ضمت قبضتها وأتكأت عليها بجبينها وأغمضت عينيها ببطء فهي
ليست أفضل حالا منه فبالرغم من مرور عشرة أيام كاملة على
ذاك اليوم الكارثي لازال مزاجها مشتعلا كالبارود ينتظر فقط أن
يقترب أحد منه فينفجر ومن دون كبريت ، فها هي مثله تماما
تعاقب غيرها بما تشعر به حتى بات الجميع يتجنبها وبشكل
ملحوظ عدا تيما التي لم تتوقف محاولاتها المضنية لجعلها تبتسم
وتشاركهم أي موضوع وتندمج معهم في أحاديثهم ، وماذا كانت
ستتوقع من نفسها بعدما حدث ذاك اليوم وأتلف البقية المتبقية
من غسق وعانت لأيام من محاربة حتى تذكر تفاصيله وكتمانها
له داخلها ... وماذا ستقول مثلا ولمن ؟ فهي لم تنسى حتى الآن
تلك النظرة التي رأتها في عيني عمتها حين دخلت عليها الغرفة
فجأة وكانت أسبق لها من يدها لحجابها الذي تمسكت به وقتها
تخفي ما رأته تلك حينها وبسهولة ونظرت لها بطريقة لن تنساها
حياتها بل والمصائب لم تنتهي هناك فما أن جذبت شعرها على
عنقها ونظرت للأسفل قائلة بامتعاض
" عمتي لا تنظري لي هكذا فهو زوجي إن نسيت "
فما كان من تلك إلا أن تنهدت بضيق قائلة
" كنت رحلت معه لما تدخليه متسللا بيننا كاللصوص "
فرفعت وجهها لها قائلة بضيق
" لم ادخله ولم يدخل عمتي فتوقفي عن النظر لي كطعم
سيلتقط جبران ويعيده إلى هنا وافقدي الأمل بي ففصلي
انتهى من حياته "
قالت بسخرية ومن فورها
" ومن سيعنيه جبران أو سيفكر فيه مثلا ؟ "
وتابعت بضيق مغادرة
" هنيئا فقط لكل ميت بموته .. ولعله سيسمي شاهين هذه
المرة وليس أميمة "
وغادرت وتركتها عيناها ستخرجان من مكانهما من الصدمة
ليس بسبب قولها لذلك بل مما قالته تحديدا فهي لم تفكر في
ذلك أبدا بل لن تفكر فيه ولن يحدث مطلقا وتحمل طفله مجددا
وفي أي وضع هما فيه ؟ لا تلك كارثة وليست تتوقعها فلما
سيحدث ذلك من ليلة واحدة ! رغم يقينها من أن تلك الليلة
الجنونية كفيلة بجعل العاقر تحمل .
أغمضت عينيها بقوة أكبر وحركت رأسها برفض فما سيكون
وضعها أمامهم جميعا حينها ؟ أخوتها والكاسر وأقاربهم بل
والناس أجمعهم فلن يرحمها أحد وهي لم تتخلص بعد من آثار
الفواجع السابقة والتي جعلت منها العنوان الرئيسي للصحف
والمجلات لأسابيع ، تيما وحدها من ستتوقع رد فعل مختلف
منها فهي مجنونة بوالدها ولن تتغير أبدا ومهما فعل .
رفعت رأسها ونظرت جانبا لها وللكاسر الجالسان على السجادة
الفاخره على الأرض يلعبان لعبتهما الطفولية السخيفة تلك وهو
يمسك أذنيه بينما تمد هي له يديها ويحاول ضربهما ولا يسمع
مع صوت ذاك التلفاز المرتفع سوى أصوات ضحكاتهما
وصرخاتها المتألمة فهما ما أن يجتمعا معا يتحولان لطفلين
وكأنهما يعوضان ما فاتهما ودون اهتمام برأي أحد ، وهذا
حالهما منذ أن انتقلوا إلى هنا وهي تزورهم بشكل شبه يومي
بل ونامت عندهم هنا البارحة ولم يناما إلا في وقت متأخر
وبعد توبيخ منها .
نظرت للجانب الآخر ولرعد وآستريا هذه المرة وكالعادة
يتهامسان ولا تسمع من حديثهما شيئا ولولا ضحكة رعد
التي تُسمع بعض الأحيان لظن من يراهما أنهما نائمان وهما
جالسان يكاد رأسه يتكئ على كتفها لولا ذرة الحياء التي يبدوا
أنه يحتفظ بها في مكان ما .
نظرت جهة الفرد المتبقي وهي عمتها الجالسة بحانب رماح
والوحيدة التي استطاعت الانسجام مع ذاك البرنامج على
ما يبدو قبل أن تستدير حدقتاها السوداء للجالس بجوارها
وقالت بجمود
" متى ستقرر أن نزور العمران ومنزل عائلة خطيبتك ؟ "
نظر لها المعني بالأمر بطرف عينيه قبل أن يعود بنظره للتلفاز
قائلا ببرود
" قمتِ أنتي بالواجب وألبستها حتى الخاتم فما يفعلونه بي
تسحبوني معكم لهم ؟ "
قالت بضيق
" وإن يكن فزيارتك لهم أمر ضروري فكونهم أقل منا ليس
معناه أن نعاملهم بدونية ولا نكترث بما هو واجب ناحيتهم "
رمقها بنظرة حادة تجاهلتها فورا ، ولم يكن ذاك حاله لوحده
بل والجميع انتقلت نظراتهم لهما وتحديدا للذي عاد لمشاهدة
التلفاز دون أن يعلق بشيء فقالت بضيق أكبر
" رماح أنا أتحدث معك "
قال بذات بروده ونظره لم يفارق التلفاز
" وأنا سمعت وما لدي قلته "
قالت بضيق أشد
" وما تقوله لا يعجب أحدا يا ابن شراع "
رمى جهاز التحكم من يده ونظر لها قائلا بحدة
" هذا هو عريس ابنتهم أعجبهم كان بها لم يعحبهم ليغيروا
رأيهم ويفعلوا معروفا في حياتهم ويرفضوه "
وتابع بذات حدته ينقل سبابته بينها وبين الجالس قريبا منها
" وكنت تزوجتها أنت يا سيدة الأصول أو زوجتها لشقيقك
الذي يتبعك كابنك وأرحتماني ونفسيكما "
نظر له رعد بصدمة بينما ردة الفعل كانت من الجالسة ملاصقة
له والتي شهقت دون شعور قبل أن تنظر للأسفل خجلا من خروج
شهقتها المصدومة تلك وتابع الذي أشار بسبابته هذه المرة
للجالسة على الأرض
" وأنتي أخبري والدك حين يغضبها مجددا يأخذها معه
لتنفث غضبها به وليس بي "
فنقلت نظراتها المصدومة منه للتي وقفت من فورها مغادرة وقد
تحرك ذاك الكرسي بعدها مباشرة وغادر صاحبه أيضا فكان رد
الفعل الوحيد من عمتهم التي حركت رأسها متنهدة بأسى ومتمتمة
" رحمك الله يا شراع "
فوقف حينها رعد في صمت وغادر في الجهة التي سلكتها تلك
ويعرف أين سيكون مقصدها وهو مكتبه والمكتب الوحيد هناك فلا
أحد غيره بات يحتاج مكانا مماثلا ، فتح الباب بهدوء ووقع نظره
فورا على الواقفة عند إحدى النوافذ الزجاجية الطويلة مولية
ظهرها له وقد مسحت عيناها فورا فتقدم ناحيتها قائلا بهدوء
" غسق لا تنزعجي مما قاله رماح فمؤكد لا يقصده ومن غضبه
لم يكن يعي ما يقول "
نظرت ليديها تشد بأصابعهما طرف قميصها وقالت ببحة وحزن
" لست غاضبة يا رعد ولا منزعجة منه بل عليه وما يفعله
بنفسه "
تنهد بعمق قائلا
" أخشى أننا تسرعنا يا غسق وما كان علينا إجباره على
ما لا يريد ، هذا وليست هنا فما سيفعله بها حينها ؟ "
رفعت نظرها للحديقة المنسقة في الخارج وقالت بجمود
" لا لم نتسرع ولم نخطئ أيضا ، رماح يحبها ومن يؤذي
من يحب يؤذي نفسه معه أيضا يا رعد ولن يرتاح إلا إن
سعى لراحته ، جهينة أعقل وأنضج مما تتصور ومتأكدة من
أنها ستغير نظرته للأمر كليا ، ثم هي مفتاحنا الوحيد لجعله
يقرر العملية يا رعد وهي تعرف ذلك جيدا "
تنهد بعمق وقال
" سنترك الحديث عنه الآن ونتحدث عنك أنت "
دارت له بكامل جسدها وما أن كانت ستتحدث سبقها قائلا بجدية
" وضعك لا يعجبني يا غسق ولا نفسيتك المشتعلة مؤخرا وأريد
أن أفهم ما حدث يومها وأين كنتما ؟ "
أشاحت بوجهها عنه جانبا وهمست بجمود
" لا شيء في الأمر مهم تعرفه "
تنهد بضيق وما أن كان سيتحدث سبقته قائلة وقد عادت
بنظرها له
" كل ما عليك فعله هو التحدث معه فأنا لا أريد سماع صوته
مجددا وليطلقني "
نظر لها بصدمة قبل أن يقول باستهحان
" لن أغامر بحياتي وأقولها له يا غسق ، ولعلمك فقط هو لن
يوافق ولا بعد ألف عام "
لوحت بقبضتها صارخة بغضب
" لا أريده .. أخبره بأني لا أريده فليحررني منه أو المحكمة
الفاصل بيننا "
قال بضيق
" غسق بالله عليك كيف ستجبرين رئيس البلاد بالقانون ؟
لن تجني شيئا من ذلك فالمحكمة لن تقبل قضيتك ولا بألف
حجة قوية لأن القضاء سيرجع له قبل كل شيء "
قالت بذات غضبها
" سيطلقني ورغما عنه فأنا من يقرر عن نفسي لا هو "
وما أن أنهت عبارتها الغاضبة تلك تحركت من هناك مجتازة له
وغادرت بخطوات غاضبة نظره يتبعها حتى خرجت من الباب
المفتوح وتنهد بعمق مغمضا عينيه وما أن فتحهما ظهر أمامه
خيال امرأة فاتنة أخرى ولم تكن هي نفسها هذه المرة بل واحدة
تصغرها بكثير تزم شفتيها الرقيقتان تمنع نفسها من الانفجار
باكية وتلك الدموع في عينيها من التقاطر منها تباعا فتنهد بقلة
حيلة وتوجه نحوها وسحبها من يدها لداخل المكتب وأغلق الباب
ونظر لها وأمسك وجهها قائلا
" تيما لا تتدخلي ولا تتحدثي معها مفهوم ؟ والدك لن يطلقها
والأمر بيده فقط "
انسابت أول دمعة من رموشها الكثيفة هامسة ببحة
" وماذا إن فعلها في حالة غضب ؟ ثم ووضعهما هكذا ألا
يعد طلاقا مع وقف التنفيذ "
أحاط كتفيها بذراعه وسار بها جهة أريكة صالون المكتب قائلا
" أتري عنادك وعنادها ؟ والدك ضعفه بملايين المرات فإن كان
في أوج غضبه يهدد ويتوعد من يقترب منها فكيف سيطلقها
وهو غاضب ! "
وتابع وهو يجلسها ويجلس بقربها
" ما أريد معرفته الآن ما بك أنت ولا تكذبي عليا أبدا فلن تنطلي
علي حيلك بالتهرب مني أكثر "
نظرت ليديها في حجرها قبل أن ترفع يمناها وتمسح عينيها بظهر
كفها هامسة
" لا شيء مهم "
كتف ذراعيه لصدره وقال
" كيف لا شيء مهم يا ابنة مطر ! وما سر النظرة الحزينة في
عينيك إذا ؟ ولا تحاولي أن تكذبي علي فأنا من يعرفك جيدا "
رفعت نظرها له وقالت بامتعاض
" لأنه لم يحدث شيء "
قال ببرود
" كيف لم يحدث شيء بعد كل ما حدث تلك الليلة ؟ لن يكون
رجلا طبيعيا حينها بالتأكيد "
أبعدت نظرها عنه وقالت بحنق
" بلى ظهر أنه كذلك وهو لم يدخل منزلنا ولم أراه من حينها
ويبدوا استقر في منزله الجديد كما علمت "
قال بعد صمت لحظة
" ثمة ما حدث يا تيما أليس كذلك ؟ "
نظرت ليديها مجددا ولم يعد هناك من مفر من التهرب منه فهي
خشيت أن تعلم آستريا كما قال والدها وقد تعلم والدتها حينها ولن
تغضب منها هي فقط وقتها بل كليهما لكن مع إصراره فلا مفر لها
من المجازفة والثقة به ، شدت على أناملها الرقيقة وقالت بحزن
ونظرها لازال عليهم
" والدي أخبرني أنه ثمة من خطبني وهو يريده زوجا لي ويبدوا
مقتنعا به بشدة وقال بأنه لن يجبرني عليه لكنه لن يتمنى لي
غيره ومهما كان وينتظر ردي "
نظر لها باستغراب لوقت قبل أن يقول
" لكنك صغيرة على الزواج يا تيما وهو يعلم ذلك جيدا ... يمكنك
تأجيل الأمر أو رفضه "
حركت رأسها نفيا هامسة بحزن أعمق
" قال أن زواجي أمر مسلم به فقط الشخص من لن يمانع إن
رفضته وتغير "
تنهد بضيق متمتما
" لو أفهم عقل والدك فقط كيف يفكر ويزن الأمور ؟! "
رفعت نظراتها الدامعة له وقالت
" أنا متأكدة من أنه لن يفكر إلا فيما له مصلحة لي وإن جهلته
وكرهته نفسي وهو من يرفع هموم البلاد ومن فيها أجمعهم فكيف
بابنته ؟ لكني خائفة حقا من ردة فعل والدتي إن علمت "
حرك رأسه قائلا
" اتركينا من والدتك الآن فهو من قرر هذا وليتحمل نتائجه
وأخبريني هل علم ذاك المدعو قاسم بالأمر لذلك فر من المنزل
أم ماذا ؟ "
أسدلت جفنيها الواسعان هامسة
" لا أعلم ولست أستبعد ذلك أيضا فهل رأيت خططك ما كانت
نتائحها ؟ "
دفعها من جبينها الصغير بسبابته قائلا
" خططي كانت ناجحة ... العيب إما بك أو به "
نظرت له وأمسكت خصرها قائلة بضيق
" وأنا فعلت كل ما اقترحته أنت وبالحرف الواحد "
لوح بسبابته أمام وجهها قائلا
" هيه تيما لا تلقي باللوم علي فأنا لم أطلب من والدك أن
يزوجك ولا من ذاك الغبي الأحمق أن يفر هاربا كالجبناء "
أبعدت يديها قائلة بضيق
" لكني لو قبلت اعتذاره تلك الليلة لكان اختلف الأمر "
قال من فوره وبامتعاض
" لا تكوني حمقاء يا تيما فالرجل كلما ابتعدت عنه ركض ناحيتك
إن الأمر لديهم يشبه لعب كرة القدم والمرأة هي الكرة يركض
خلفها وهي بعيدة عنه وما أن تصبح عند قدميه يرميها بعيدا
ثم يعود للركض خلفها "
لوت شفتيها وقالت بضيق
" وها قد رماني خارج الملعب بأكمله بل وخارج المجرة على ما
يبدو ، ثم لا تنسى بأنك رجل أيضا فلما لا أراك تركل زوجتك ثم
تركض خلفها ؟ بل أنت كحارس المرمى تماما تتمسك بها بكلتا
يديك "
انفجر ضاحكا بل وضحك كثيرا حتى ظن بأنه لن يستطيع التوقف
عن الضحك وقال من بين ضحكاته يراقب نظراتها الحانقة
" وما الذي تعرفينه أنتي عما حدث بيننا في الماضي وإن كنت
أركلها بعيدا أم لا ؟ ثم يا فهيمة أنا لا أتحدث عن المتزوجين
بل المغرمين كحالتك مثلا "
لكمته في كتفه قائلة بضيق
" توقف عن قول هذا فأنا لست مغرمة به "
قال مبتسما
" لا تكذبي يا فاتنة ، وسأخبرك أمرا مهما ...إن كان ذاك الشاب
يحمل لك مشاعرا كالتي في قلبك له فسيجد حلا للأمر ، أما إن
رضخ واستسلم وابتعد فستكوني تخلصت منه لأنه لا يستحقك "
ضربت بقبضتها على فخذها قائلة باستياء
" ومن قال أني أريد التخلص منه "
ضحك كثيرا وقرص خدها قائلا
" انظروا لهذه التي كانت تقول قبل قليل بأنها ليست مغرمة به ؟
إن سمعتك والدتك لقطعت لك لسانك "
أبعدت يده عنها قائلة بضيق
" رعد توقف عن المزاح السخيف "
ضحك وقال
" حسنا يا سخيفة ما الذي تريدينه إذا ؟ "
قالت من فورها
" أن أعلم إن كان يعلم أم لا ولما غادر فجأة ؟ هل لأنه كما
تقول أم ترك لي حرية الاختيار وأن أقرر "
وتابعت بأسى من قبل أن يعلق
" لكنه لكان أخبرني أو لمح للأمر على الأقل ! ياله من متحجر
وقاسي "
سند مرفقه بظهر الأريكة واتكأ بجانب رأسه على قبضته قائلا
بابتسامة
" من المؤسف أن أفكاري فاشلة لكنت أسعفتك بإحداها "
تمتمت ببرود
" قلها والقرار لي "
ضحك وحرك كتفه قائلا
" لا شيء سوى أن تتصلي به وتسأليه وتضعي إصبعيك في
عينيه ... وهي فكرة مجنونة طبعا لن تنفذيها لذلك فلا حل
لوضعك أبدا فكل ما عليك فعله أن تقرري بشأن ذاك العريس إما
أن توافقي عليه أو أن ترفضي أملا في أن يستحي ذاك المتحجر
على نفسه ويخطبك بعده "
وقفت متمتمة بضيق
" فكرتان سيئتان كلتيهما "
ضحك وما أن كان سيعلق انفتح باب المكتب وقالت التي وقفت
مستندة بإطاره مبتسمة
" لو أعلم فقط ما هذه الأسرار التي بينكما ؟ "
وقف الذي قال ضاحكا
" الله أكبر على الفضولية "
عبست ملامحها الجميلة فضحك ومد يده لها وأشار بأصابعه
تعالي فتوجهت نحوه فورا وطوقها هو بذراعه وقبل رأسها قائلا
" إنها أسرار أنثوية ذكورية بين ابنة وخالها ما شأنك
أنتي بها ؟ "
رفعت نظرها له متمتمة بعبوس
" وأنا أنثى أيضا أم ماذا ؟ "
ابتسم وقبل شفتيها بخفة فقالت الواقفة قربهما مبتسمة
" هيه لا تنسى أني هنا "
وأشارت له بسبابتها في وجهه وهي تتراجع للخلف جهة
الباب قائلة
" لا تخبرها يا رعد فالسلطات العليا حذرت من أن تعلم هي
تحديدا والمسموح به أنت فقط "
قال مبتسما
" لا تقلقي سأتصرف بمعرفتي مع خلايا الفضول في دماغها "
وتابع ضاحكا وقد أنزل نظره للتي كانت تنظر له حانقة
" أنا لم اخبرها سابقا فلن أفعلها الآن بالتأكيد "
وقبل أنفها مبتسما ما أن أنهى عبارته تلك فقالت التي غادرت
جهة الباب مبتسمة
" حسنا إذا ولا تنسى إغلاق الباب ورائي بالمفتاح فستكونان
المسؤلان عن انحرافي مستقبلا إن دخلت مصادفة مجددا "
وخرجت علی صوت ضحكة رعد مغلقة الباب خلفها مبتسمة
بسعادة من أجلهما فهما وحدهما من يشعرانها بأنه ثمة أمل في
أن يسعد الجميع مثلهما وأن لعنة أبناء شراع ليست موجودة أو
أنه ثمة أمل في أن تختفي مع الزمن ، وكم تتمنى أن كانا والداها
هكذا بل وجميع من تعرف وتحب .
تنهدت بأسى وتحركت من هناك تخرج هاتفها من جيب بيجامتها
حين علا رنينه ونظرت للاسم في شاشته قبل أن تجيب قائلة
بابتسامة
" مرحبا عمي صقر "
وصلها صوته البشوش فورا
" مرحبا بدميتنا الجميلة ، أنتي مع والدتك كما علمت ؟ "
قالت وهي تعبر الممر
" بلى أنا هنا منذ ليلة أمس لقد طلبت من والدي أن يسمح لي
بالمبيت هنا ووافق ، هل عدت أنت من الشمال ؟ "
قال من فوره
" أجل وأنا في حوران منذ ساعات الفجر الأولى وثمة مشوار
مهم عليك أن ترافقيني فيه الآن "
غضنت جبينها الصغير قائلة باستغراب
" مشوار أرافقك فيه ! "
" أجل فأنتي الأنثى الوحيدة في المنزل حاليا ، سأمرك بعد وقت
قصير اتفقنا ؟ "
قالت من فورها
" حسنا وأنا سأجهز نفسي وأنتظرك "
وأبعدت الهاتف عن أذنها تنظر له باستغرب قبل أن تدسه في
جيبها مجددا رافعة كتفيها وتوجهت جهة السلالم نظرها على
الذي كان ينزل منه مسرعا وما أن وصل لها أمسك بذراعها
وقال باستعجال
" تيما أين الجريدة التي كانت معك ؟ هل أخرجتها وقت خروجنا
من غرفة والدتك ؟ "
أدارت مقلتيها الزرقاء بتفكير قبل أن تنظر له قائلة
" لا تركتها على الطاولة هناك ... لما تسأل وماذا يوجد فيها ؟ "
اجتازها مسرعا جهة ممر مكتب رعد فنادته قائلة
" هيه كاسر ماذا هناك ؟ "
قال مبتعدا
" لا شيء والدك بخير أقسم لك ... لا شيء مهم "
نظرت له باستغراب ولحقته لعدة خطوات قائلة بصوت مرتفع "
اطرق الباب أولا فزوجته معه هناك "
وصعدت بعدها السلالم فلا وقت لديها لتتحقق من سبب
خوفه من أن ترى والدتها تلك الجريدة بل وباتت تتوقع
السيء دوما فيما يخصهما ، وما يطمئنها أنه بخير الباقي كله
سيتغير مع الوقت إلا فقدانه .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 66 others like this.
رد مع اقتباس
#7438
قديم 14-02-18, 10:49 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
فتح الباب ودخل ورمى الجريدة من يده على الطاولة قائلا بحدة
ونظره على الواقف مقابلا للنافذة وموليا ظهره له
" هل أفهم سبب هذا أيضا يا مطر ؟ "
قال الذي لم يتحرك من مكانه وببرود
" من أجل ابنتك وابنتها بالتأكيد لما كنت اخترت ما يبعدها
عني أكثر في كل مرة "
لوح بيده قائلا بضيق
" وابتعد عنها نهائيا يا رجل وارحمها من تعذيبك لها "
دار له بكامل جسده وقال بحزم
" إما لي أنا أو لن تكون لأحد "
صرخ فيه من فوره
" مطر ما حب التملك المرضي هذا ؟ "
رمى يده جانبا صارخا بالمثل
" اعتبره ما يكون فلن أتركها تؤذي نفسها من أجل أي كان
مجددا فأنت لا تعرفها مثلي إنها تدخل للنار بقدميها من أجل
من تحبهم فكيف إن كان أنت خاصة وأنهم يبحثون عن نسلك
وبشراسة "
كتف الواقف مقابلا له ذراعيه لصدره وقال بتملق
" لنرى أين ستصل بها وبنا نهاية الأمر "
تجاهله ونظر جانبا حيث طاولة مكتبه فقال الذي أنزل يديه
يشد قبضتيه بقوة متمتما ببرود
" ما هي حالة إسحاق ؟ "
رفع قلما من فوق مكتبه وقال ونظره عليه يقلبه بين أصابعه
" لم يفق بعد ولا أحد يستطيع تكهن متى سيحدث ذلك كما
أن عملياته لم تنتهي بعد "
قال من فوره
" هل ستنقله للخارج ؟ علينا التحرك سريعا يا مطر فكلما طالت
غيبوبته تلك كلما قارب دماغه للهلاك "
رمى القلم من يده ونظر له وقال
" بل سأحضر الطاقم الطبي هنا للبلاد فنقله وهو بهذه الحالة
ليس في صالحه كما أكدوا لنا بعدما أرسلنا تقاريره الطبية ،
سيكون لديهم هناك أفضل لكننا لن نغامر وسنخرجه في الوقت
المناسب وبما يساعد حالته "
قال بهدوء محدقا في عينيه
" وزيزفون يا مطر ؟ "
حرك رأسه نفيا ونظر للأرض داسا يديه في جيوب بنطاله وقال
" لا أحد يمكنه الكذب عليها بشأنه وأنت تعلم ذلك جيدا ، لقد
أخبرناها بأنه تعرض لحادث قوي وبأنه سيتحسن تدريجيا "
تنهد بأسى وقال
" وماذا بشأن التحقيقات ؟ "
رفع نظره له وقال بجمود
" السيارة باعها صاحبها لكنهم لم يسجلوها باسمه بعد وقد
باعها له عن طريق شخص آخر أيضا وبيعت مجددا ...
المستهترون يتجاهلون القوانين فقط لأن شرطة المرور في مدن
الجنوب لا تكثف حملاتها ضدهم بسبب أن المناطق زراعية هناك
وهذا ما علينا معالجته سريعا ، كما أننا نكاد نصل لمالكها الأخير
وهو من سيشرح لنا ما كانت تفعل عند إسحاق وكيف
وصلت له "
قال دجى من فوره
" وماذا بشأن أبناء غيلوان ؟ "
زم شفتيه بحنق قبل أن يقول
" أخرجوا نفسهم منها بالطبع ككل مرة وكل شيء ولا شاهد
لدى النيابة والتحقيقات ما تزال سارية "
قال دجى بجدية
" سنكتشف الفاعل بل نحن نعرفه وستثبت التهمة عليهم ، هذا
أفضل من فكرتك في إعلان موته يا مطر "
حرك رأسه برفض قائلا
" كنت أريد حمايته فلن يضمن أحد أن لا يحاولوا الوصول له
خاصة إن كان اكتشف شيئا عنهم ويخشون من وصوله لنا
وهذا ما أنا واثق منه "
قال دجى من فوره
" وإعلان موته ليس حلا أيضا وسيشكون بالأمر ويبحثون
عنه في المستشفيات ، ثم الحراسة حوله مشددة كما أخبرني
صقر سابقا فكيف سيصلون له ؟ "
همس الذي أخرج هاتفه من جيبه بعد رنينه
" أتمنى ذلك "
وأجاب فورا ما أن نظر للإسم قائلا
" أجل يا تيم "
واشتدت أصابعه على الهاتف دون شعور منه ينتظر ما يتوقع
أن لا يكون تافها بالتأكيد فهو لن يتصل عبثا أبدا ، وما توقعه
حدث فعلا وقد وصله ذاك الصوت الرجولي العميق الجاد
" مطر باخرة المحيط التي سترسوا في ميناء صيباء بعد ثمان
وأربعين ساعة على متنها ثلاث حاويات تحمل رقم ثلاثة ألاف
وإحدى عشر مليئة بالأسلحة الخفيفة والمتسوطة وسيتم إدخلها
كبضائع وثمة من سيساعد في عبورها الميناء أسمه رجب عمر
الصاوي شرطي في الجمارك البحرية ... لقد حدث ما توقعتَ
تماما يا مطر هم يريدون إدخال أسلحة أخرى ويعلمون بأن
اليرموك مراقبة وسيسربونها والغطاء لهم أنها أسلحة منها "
تنفس بعمق مغمضا عينيه قبل أن يفتحهما قائلا
" جيد كن حذرا يا تيم وابقى قريبا منهم دائما فهم بدؤا يثقون
بك بالفعل ، سنموه بأن من كشفهم هنا في الداخل ... تابع
مهمتك يا بطل "
وما أن أنهى المكالمة معه توجه جهة الباب على صوت من
تركه خلفه قائلا بريبة
" مطر ماذا يجري وماذا قال لك تيم ؟ "
قال بضيق وهو يخرج بخطوات واسعة غاضبة
" قال ما جنت به نصف صنوان على نفسها وقدموا لي غطاءً
كالذي كانوا يحلمون هم به "
*
*
*
نزلت بضع عتبات من ذاك السلالم الخشبي العريض ثم جلست
تمسك يدها بسياجه واتكأت بجبينها عليه تنظر بحزن وعينان
دامعة للعائلة الجالسة في الأسفل .. للأبوان بل وتحديدا للأب
المبتسم لابنته والتي في نفس عمرها تتكئ على فخذه تلعب يده
بخصلات شعرها يحدثها ضاحكا كما تلعب يدها بسلسلة مفاتيحه
الكثيرة ، والطفلة ذات الثلاث أعوام تتأرجح في الهواء ضاحكة
متمسكة بساعدي الجالس على الأريكة ، أرخت نظرها ما أن وقع
على ملامحه واشتدت أصابعها على الخشب المصقول وانسابت
الدمعة اليتيمة من عينها تتذكر ما حدث من أكثر من أسبوع وكأنه
اليوم ولا يمكنها تخيل ما كان سيحدث لها إن لم يظهر لهم هناك
من العدم وكيف تمكن من إخراجها من منزل يحترق لا سبيل
للدخول له ونافذة مؤمنة بالحديد وظنت أنه لا أحد يمكنه إخراجها
من هناك وأن نهايتها حانت لا محالة خاصة وأنها لم تكن تستطيع
الوقوف بسبب ألم جسدها حينها واختناقها برائحة الدخان ،
فغاب ذاك الشاب للحظات قبل أن يرجع راكضا وصرخ من الخارج
" يمامة ابتعدي عن مسار النافذة بأكمله ، تنحي جانبا
يا يمامة "
فزحفت لا ترى شيئا حولها تقريبا وأغلقت أذنيها صارخة بذعر
ما أن تتالى صوت تلك الرصاصات المرتفع المخيف وقد وجد حلا
لتلك النافذة المحمية بأن صهر حديد بعض أقطابها برصاص
مسدسه المرخص وكلما فرغ مخزنه ملئه مجددا حتى تخلص
من أغلبها فتمسك به وقفز واقفا على حافة النافذة وبدأ بضربه
بقدمه بقوة حتى انثنى للداخل يضربه ويركل ويركل يسابق
الوقت بل والنيران التي بدأت بأكل باب الغرفة من الأسفل
والتسرب تدريجيا للداخل ، وما أن اتسع الحديد بشكل أوسع
قفز للأسفل ولأنه لا يمكنه الدخول منها ولا أن تقف هي ليخرجها
رفع تلك الخادمة القصيرة النحيلة بخفة وسهولة وأنزلها في
الداخل فساعدتها لتقف ورفعتها جزئيا وأخرجها هو بسهولة
حينها .
كانت ليلة لا يمكنها نسيانها أبدا بل وعانت بعدها من الكوابيس
لأيام وكانت والدته تنام معها بعض الليالي أو ابنتها بثينة ، ومنذ
ذاك اليوم وهي هنا تنعم بالراحة التامة .. السرير الواسع الرائع
والأغطية الحريرية الناعمة والغرفة الفاخرة التي لم تتخيل أن
ترى مثيلة لها في حياتها بل والأطعمة التي لم تتذوق مثيلا لها
سابقا تصل لها وتختفي الأطباق ما أن تشبع دون أن تأخذها هي
ولا أن تغسلها وحتى الثياب الرائعة التي بات لديها منها الكثير
حتى أنها تنسى أغلبه من كثرته لا تغسلها بيديها ولا تنشرها
ولا تراها إلا نظيفة مكوية ولم تتخيل يوما أن قصة ساندريلا
التي كانت تراها في التلفاز خلسة وشقيقاها يتابعانه أنها حقيقة
قد تحدث معها وأن الخادمة قد تعيش في قصر الأحلام يوما حتى
باتت تخشى أن يكون حلما وتفيق منه على واقع مرير مخيف
ووالدها يضربها مجددا لأنه ليس ثمة مذنبة غيرها قد تفعلها
وتحرق المنزل ، حضنت نفسها وجسدها المرتجف بقوة وتقاطرت
الدموع من عينيها تباعا ... لكن عمتها جوزاء أخبرتها بأنها لن
تغادر من هنا وأنها أصبحت زوجة لابنها فعلا وأنها ستكون حيث
هو يعني معهم دائما ووعدتها أن لا يعاقبها والدها بل ولن يراها
، لكنها لا تستطيع أن تشعر بالسعادة هنا وهي لم ترى شقيقها
يمان ... لم تراه مطلقا بعد ذاك اليوم الذي وعدها فيه أن يرجع
ويأخذها معه وها قد مرت أيام على وجودها هنا ولم يأتي وكلما
سألتها عنه قالت بأنه سيزورها قريبا ولم ترى ذاك اليوم أبدا
وتخشى أن مكروها قد أصابه ويخفون عنها ، مسحت عيناها
ودموعها بباطن كفها ونظرت مجددا للجالسين هناك في الأسفل
بحزن فكم تمنت أن تكون لها عائلة مثلهم وأبا كهذا وأم وأشقاء
جميعهم معا سعداء هكذا .
أجفلت مبتعدة عن السياج ما أن رفع الجالس هناك نظره ناحيتها
وهو ينزل شقيقته للأرض ونظر لعينيها مباشرة فوقفت وغادرت
من هناك راكضة وعادت لغرفتها ودخلتها وأغلقت بابها خلفها
تحاول تثبيت قوس الشعر على رأسها المجعد فهو لا يثبت عليه
بسهولة أبدا لكنه ساعدها أيضا في التخلص منه ومن مضايقته
لوجهها .
طرقات قصيرة ومتقطعة على الباب جعلتها تتراجع مجفلة عنه
تنظر له بخوف وتردد فمن سيكون هذا ؟ يستحيل أن يكون هو
فهو لم يزر غرفتها سابقا ولم تراه منذ ذاك اليوم إلا الآن بل
ومن لحظة أخرجها من النافذة لأنها فقدت الوعي بعدها ولم
تستفيق إلا وهي في هذه الغرفة وعلى ذاك السرير فلن يكون
هو بالتأكيد وقد تكون والدته أو شقيقته .
اقتربت من الباب بخطوات بطيئة وأدارت مقبضه ببطء وشهقت
مفزوعة وتراجعت للخلف ما أن انفتح الباب على اتساعه وظهر
من خلفه الذي كان يقف متكئا بإطاره يديه في جيبي بنطلونه
الجينز وقال بابتسامة جانبية منتقلا بنظره من جسدها الصغير
النحيل الملتف في بيجامة زهرية قصيرة وصولا لعينيها الرمادية
الواسعة
" من هذا الذي وضعك جاسوسة علينا هنا ؟ "
أجفلت قائلة باستنكار
" لا أحد اقسم لك "
ضحك وقال وقد تقدم للداخل خطوتين ويداه لازالتا سجينتا جيبيه
" كنت أمزح معك يا صغيرة فلا تبكي "
وتحرك مجددا وما أن وصل عندها سحب قوس الشعر من شعرها
وقال
" هذا لا يضعونه هكذا فسيتعبك "
مسحت بأصابعها على خصلات شعرها التي تحررت بشكل
فوضوي تتجنب النظر له فغرسه فيه مجددا يرفعه به ولم يثبته
خلف أذنيها كما فعلت هي بغرس حوافه في شعرها وثبتها به
فأبعدت نظرها مغمضة عينيها وهي ترى صدره وقميصه المغلق
عليه مقابلا لها تماما ورائحة عطره القوية التي لم تعرف شيئا
جميلا مثلها إلا في شقيقته ووالدته تسربت مع أنفاسها وأشبعت
رئتيها حد الخدر ، وما أن أبعد يديه ابتعدت عنه بخطوتين تلمس
القوس الفضي بأطراف أناملها فمد يده لوجهها ومسح بإبهامه
تحت جحفنها قائلا ونظره عليه
" لما كنت تبكي يا يمامة ؟ "
أنزلت رأسها ولم تعرف ماستقول ومن أين تبدأ فوصلها صوته
الهادئ حين طال صمتها" أمازلت تري كوابيسا بما حدث ؟
أم أنك خائفة ؟ لن يمسك أحد بسوء وأنتي هنا يا يمامة فلا
تخافي "
قالت بحزن تنظر لأصابعها تلف حولهم شعره علقت بيدها
" أريد أن أرى يمان فلست أعلم حتى أين يكون الآن ..
أليس صديقك ؟ أنت تعلم أين هو بالتأكيد فأخبره أني أريد
رؤيته وأني مشتاقة له كثيرا "
تنهد بعمق وحرك رأسه بأسى فبماذا سيخبرها ؟ بأنه لم يراه
وليس يعلم أين يكون ؟ حتى أويس قال بأنه لم يذهب لهم هناك
ولا للشركة الزراعية التي يعمل فيها الأسبوع الماضي وحين
سأل والده عنه قال بأنه رآه بعد حادثة احتراق المنزل في اليوم
التالي ثم لم يراه بعدها وحتى هاتفه فقده بسبب الحريق ، وكان
غاضبا منه على ما يبدوا ويمان المسالم طوال حياته يبدوا أنه
تمرد على واقعه وانفجر في ذاك الوالد المهمل نهاية الأمر
واختفى ولا يمكنه لومه ويعلم جيدا فيما يفكر فهو سيلوم نفسه
بالتأكيد على كل ما حدث مع شقيقته لكنه مخطئ فيما يفعل وعليه
أن لا يجعلها تخسره أيضا فهو لا يراها تلومه مطلقا بل ومتلهفة
لتعلم أين يكون وموقن من أنها كانت تبكي لأنها لم تراه .
مد يده لذقنها ورفع وجهها له وقال ناظرا لعينيها الدامعة
" يمامة شقيقك يحبك أكثر من كل شيء لذلك هو بعيد الآن فعلينا
أن نترك له حرية اختيار الوقت الذي سيزورك فيه من نفسه
وتأكدي من أنه سيفعل ذلك قريبا "
أومأت بحسنا تنظر لعينيه بحزن زاد تلك العينان الواسعة الناعسة
جمالا فابتسم ومال جهتها هامسا
" طفلة جميلة ... لما لا تكبرين سريعا ؟ "
" أباااان "
رفع رأسه وأدار مقلتيه السوداء عاليا وأبعد يده عنها قائلا ببرود
للتي يعرف صوتها جيدا وإن لم يراها
" أمي لو أعلم ما في رأسك أخبرك بأني لم أصعد لغرفتي "
قالت بضيق من خلفه
" أخبرني ما في رأسك أنت فانزل حالا والدك يريدك "
أدار رأسه ناحيتها وقال بشك
" متأكدة أم سأنزل ولن أجده هناك ولا في المنزل بأكمله ؟ "
قالت بنبرة تهديد
" بل ستنزل في جميع الأحوال وتحرك هيا لدي أنا ويمامة
ما نفعله "
استدار بنصف جسده ونظر لها ببرود قبل أن ينظر للتي كانت
تنقل نظرها بينهما باستغراب ومد يده لخدها وقرصه برقة قائلا
" سأحاول أن أجده من أجلك ... حسنا يا جميلتي ؟ "
ثم أبعد يده وقبل أصبعيه وغادر وتركها خلفه مصدومة ينظر
بمكر للتي كانت تلحقه نظراتها الغاضبة والتي تمتمت ما أن مر
بجوارها
" سنتحاسب على هذا لاحقا يا أبان "
فغادر يغني ضاحكا
" زوجتي ملكي أنا ... مرجعها عندي أنا "
وغادر تاركا الأبخرة تخرج من ذاك الرأس الغاضب والذي نظرت
صاحبته للواقفة أمامها تنظر لها وقالت بضيق
" ماذا فعل ؟ "
نظرت لها بعدم استيعاب فقالت
" أعني ماذا أخبرك ؟ "
لاذت بالصمت للحظة قبل أن تقول بصوت منخفض وعيناها
الرمادية الواسعة تمتلئ بالدموع
" سألته عن يمان فأنا لم أراه من أيام ومشتاقة له كثيرا "
اقتربت منها وحضنتها رأسها يتكئ على صدرها تمسح على
شعرها بحزن فكم عانت هذه المسكينة فوق صغر سنها وفقدها
لوالدتها فلن تنسى ما عاشت تلك الليلة التي أحضرها فيها أبان
شبه ميتة وجسدها من علامات الضرب لا تكاد ترى فيه شبرا
سليما وكيف حكت لها الخادمة تبكي بهستيرية عن كمل ما حدث
ورأته هناك ... تذكر أنها بكت تلك الليلة لساعات ولم تنم ولا
تاركت النائم بجانبها ينام درجة أن مرضت ليوم كامل بعده فلم
ترى حياتها وحشية كتلك ولم تكن تتخيل أن ما يرونه في التلفاز
ستراه واقعا أمامها يوما ما بل وبشعا بتلك الصورة ، وفوق كل
ما حدث معها كانت ترفض أن تقدم شكوى ضد والدها ولا حتى
زوجته وكل ما فكرت فيه شقيقاها التوأمان اللذان لا تريد أن
يتربيا من دون أب أو أم ، وقبلها يمان الذي كاد يجن جنونه
ويطير للسماء من حالتها مصرا على ألا يصمتوا عما حدث
وليست تلومه فحالها كان يبكي الحجر .. وقبل كل ذلك هي شقيقة
صديقه المقرب والمفضل لديه بل ومحام لن يرضى بالتأكيد
بالصمت عما يراه خاصة بعد التعديلات الاخيرة في القوانين
الوضعية والعقوبات التي تخص حقوق المرأة وعلى رأسها العنف
الجسدي فكان أقل ما قد يناله ذاك الرجل ست سنوات في السجن
لكنها رفضت وعاندته وأيوب ساندها في ذلك لأن في الأمر
محاكم وشوشرة وسيصبح اسم هذه المسكينة وما حدث معها على
كل لسان وستجرحها الناس به خاصة عائلة زوجها الذين لم
يحبوها يوما فكيف إن علموا أنها اختارتها زوجة لابن ابنهم
كما يرون ؟ وما زادها إصرارا أيضا هو تمسك يمامة برفضها
لأن يسجن والدها أو أن يكشفوا له عما ما فعلت زوجته واعترفت
به خادمتهم كي لا يطلقها ويتيتم شقيقاها الصغيران ، وهي
احترمت صمتها من أجلهم وشعورها الأخوي والإنساني نحوهما
فلا أنقى من قلب هذه الفتاة أبدا ولم ترى مثيلا له في الوجود .
ضمتها لها أكثر وقبلت رأسها حامدة الله في سرها أنها ألحت
على أبان أن يذهب لهم تلك الليلة فمنامها ذاك كان السبب
والمرأة التي كانت فيه تراها ولا تعرفها وكانت تحضن طفلة بقوة
وما أن تقترب منها ترفع عينيها لها والدموع تنزل منهما بغزارة
وفي صمت وقد تكرر معها ذاك الحلم لثلاث ليال متتابعة حتى
لعبت بها الظنون وكانت تشعر بأن الحلم يخصها .. لا تعلم كيف
ولا لما لكنها هكذا شعرت وكانت ظنونها في محلها تماما وقد
أدركوا الكارثة قبل وقوعها لكانت احترقت في ذاك المنزل ولا يعلم
عنها أحد أو عاشت مشوهة طوال حياتها وفقدت كل هذا الوجه
الجميل الذي يفترض أن يصبح لامرأة شابة فاتنة رائعة الجمال .
نزلت بنظرها لها حين رفعت وجهها ونظرت لها بعينان دامعة
وهمست ببحة بكاء
" هل سيجده فعلا عمتي ؟ هو سيحضره أليس كذلك ؟ "
مسحت على وجهها قائلة بابتسامة
" سيفعل ما في وسعه يا يمامة وستريه وهو بخير تأكدي من
ذلك فالجيران ووالدك رأوه بعد الحريق "
وتابعت مبتسمة بحنان تمسح الدموع من وجنتيها
" حتى متى ستناديني بعمتي هكذا ؟ قولي أمي كبثينة أم لا تريدين
أن آخذ مكان والدتك ؟ "
نزلت دموعها فورا ودفنت وجهها في صدرها وطوقت خصرها
بيديها قائلة ببكاء
" بلى تمنيت كل حياتي أن كانت لي أم بل ومنذ رأيتك أول مرة
تمنيتك والدتي التي فقدتها من قبل أن أراها "
حضنتها بقوة بذراعها تمسح بيدها الأخرى الدمعة التي تمردت
على عينيها وقالت بحزن
" إذا ستناديني أمي من الآن وصاعدا وأنتي ابنتي الثالثة لانقاش
لأحد في هذا "
ثم أبعدتها عنها وأمسكت ذراعيها ونظرت لعينيها الدامعة وقالت
بجدية
" يمامة هذه غرفتك حدودك لا يقربها ذاك المحتال المدعو أبان
وإن دخلها تخرجي أنتي اتفقنا ؟ "
نظرت لها باستغراب وعدم استيعاب فقالت
" هو زوجك أجل لكن غرفتك لك وحدك فقط وإن دخلها تخرجي
اتفقنا ؟ "
أومأت لها برأسها بحسنا رغم أن نظرتها الحائرة تلك توحي بعدم
فهمها لشيء مما تقول لكن لا بأس هي بالمرصاد لذاك المنحرف
وستعلمه معنى أن يقول لا أريد الشيء ويتركه لها هي ، مسحت
على طرفي وجهها بيديها وقالت مبتسمة
" هيا انزلي معي لتجلسي معنا بما أن القطب السالب سيتصرف
معه والده وينقشع من هنا "
نظرت لها باستغراب فضحكت قائلة
" انزلي هيا وشاركينا يومنت يا يمامة ولتتعرفي أكثر بوالدك
الآخر "
كانت تتمنى أن تقول والدك الجديد والوحيد لكنه يبقى والدها وقد
يغير الله ما في النفوس يوما ما وهو القادر على كل شيء يجعل
الكافر يسلم في لحظة ، شدتها من يدها وقالت
" هيا انزلي معي واستمتعي بوقتك وسنخرج للحديقة ونتناول
الغداء فيما بعد هناك ... يكفيك سجنا لنفسك هنا "
وقفت مكانها وقالت بحياء
" أريد أن أغير ثيابي أولا أخجل من عمي أيوب ثم .... "
تلكأت قبل أن تهمس بحزن ناظرة للأسفل
" ساقاي ويداي بشعتان قد لا يتناول طعامه فوالدي كان يقرف
كثيرا من هذا "
أمسكت دموعها بصعوبة وحضنتها مجددا هامسة بعبرة تكاد
تقتلها من كتمها لها
" من هذا الذي يتناول طعامه في وجود هذا الوجه الجميل ويقرف
! أنتي لم تعرفي والدك أيوب بعد "
*
*
*
جلست بقربها على السرير ومسحت على شعرها الغجري الأشقر
قبل أن تحضنها تدفن بكائها في صدرها وقالت بأسى
" يكفيك بكاء يا مايرين فلن يفيدك هذا في شيء "
قالت بنحيب تسحب معه أنفاسها بصعوبة
" أعرفهم يا فجر لن يكون حلهم لي منصفا أبدا ، إنهم وحوش
وليسوا بشرا ، ليتك لم تخبريهم بذاك الحادث وتلك الكذبة "
مسحت على شعرها وقالت ببكاء
" كان لديا أمل أن يجلبوه رغما عنه حين سأخبرهم لا أن يختفي
من الوجود نهائيا ... كان قصدي مساعدتك فقط يا صديقتي "
استمرت في البكاء في حضنها تودع حتى هذا الحضن والوحيد
الذي يشعر بها وتشعر بالأمان فيه فذاك الشهم الذي كانت تجزم
بأنه لن يتخلى عنها فعلها فعلا وخذلهما معا وهو يختفي وللأبد
فاضطرت لقول تلك الكذبة لشعيب غيلوان أيضا حين جاء وشقيقه
نوح للمستشفى بعد أن شاع خبر رحيل جسار المفاجئ وتركه لها
في الشارع وقد خانوا جميع توقعاتهما وجاءوا من أجلها فعلا
لكنها لم تكن لتستأمنهم عليها وهم قساة متحجرين متجبرين لم
يشعروا بها يوما ليفعلوها الآن بل وخشيت أن يسبقوا غيرهم لما
تخشاه هي عليها فمن لا يخاف الله يفعل أي شيء ومهما كان
فأخبرته بتلك الكذبة التي صدمتها أن استقبلها وكأن شيء لم
يكن وكأنها تقول له أن ما بها خدش بسيط لا يحتاج ولا لضمادة !
وهذا ما زاد ذعرها وخوفها عليها فقالت له بأنها تحتاج لأسبوع
حتى تستطيع أن تغادر المشفى تأمل في أن يأتي ذاك الشاب وفي
أن يظهر من العدم كالمرة السابقة وينقذها لكن الأيام كانت تمضي
ولا أثر له وها قد حان اليوم الذي عليها أن تغادر فيه لمصيرها
المجهول .
أوقفتها خارج السرير وساعدتها لتلبس حجابها وما أن خرجتا
من هناك ووقع نظرها على الواقف في الخارج ونظرته السوداء
الكارهة لها بدأت بالبكاء وبهستيرية متمسكة بصديقتها التي لا
حيلة لها مثلها تماما وهو يسحبها بالقوة لتتركها .. لم يهتم لا
لبكائها ولا نحيبها ولا رجاءاتها الباكية ولا حتى لحجابها الذي
نزل عن رأسها تودعها تلك العينان الباكية والتي لن تتوقع لها إلا
الأسوء من كل هذا فهذا نوح أيسرهم كان هكذا فكيف بالبقية ! .
*
*
*
نزلت السلالم مسرعة تغلق زر سترتها البنية الأنيقة والقصيرة
وقد لبست معها تنورة من ذات اللون طولها يصل لنصف ساقيها
وحذاء طويل لركبتيها تقريبا وقميص أبيض حريري تحت تلك
السترة وحجاب أبيض أيضا حوافه مزينة بنقوش وفصوص بنية
، خرجت من باب المنزل وعبرت الحديقة تجيب على هاتفها قائلة
" أجل عمي أنا خارجة حالا "
وما أن كانت خارج بوابة المنزل ابتسمت للذي قال ضاحكا وفاردا
ذراعيه لها
" ما كل هذه الأناقة والحسن ! من أخبرك أني سأذهب لخطبة
إحداهن ؟ "
ضحكت وحضنته قائلة
" هل تصدق أني فكرت في ذلك فعلا ؟ "
قال بضحكة " وآخذك أنتي معي يا ابنة الأربعة عشرة عاما ؟
سيطردوننا حينها من عند الباب "
ضحكت وابتعدت عنه وقالت مبتسمة
" لا تستهن بقدراتي في فن الإقناع "
فتح لها باب السيارة قائلا بابتسامة
" ومشوارنا يحتاج لفن الاقناع وفي الموضوع خطبة وزواج
أيضا فهيا اصعدي لأن زيارتنا مفاجأة وأخشى أن يهرب منا
الشخص المقصود "
جلست في الكرسي الأمامي وأغلق الباب خلفها تنظر له
باستغراب ولم تفهم شيئا مما قال ، حركت كتفيها بلا مبالاة فقد
يكونوا عائلة أصدقاء له أو أقارب لهم لم تعرفهم بعد ولا بأس إن
كان في الأمر تشويق وإثارة وخطبة وزواج .
نظرت له ما أن انطلق بالسيارة وقالت
" هل مشوارنا خارج حوران أو في ضواحيها ؟ "
نظر لها ثم للطريق وقال مبتسما
" بل ليس بعيدا عن هنا فقط بضعة أميال ولن نخرج من
حوران "
نظرت للطريق أيضا وتوقفت عن سرد الأسئلة كي لا تصبح
مزعحة ومملة فستعرف كل شيء ما أن يصلا ، وكان المكان كما
قال ليس بعيدا كثيرا وهما يدخلان لأحد الأحياء الراقية مبانيها
عبارة عن فيلات كبيرة جميعها وجميلة .. الأشجار والأزهار
تظهر من أسوارها العالية وبعضها تتدلى منها في جمال مميز
وما كانت تتوقع وجود هذه الأحياء هنا ! بل هي لم تتحرك في
العاصمة بعد فكيف ستعرف ما يكون فيها ومشاويرها المعدودة
كانت لمنزل رعد فقط ولم يخرجوا للتنزه ولا هي والكاسر أبدا
فهو أيضا المكان مجهول بالنسبة له وسيحتاج لوقت ليعرفه جيدا
ويسهل عليه التنقل فيه .
توقفت السيارة بهما عند إحدى الفلل وكان بابها مفتوحا وتبدوا
حديقتها الصغيرة في طور التنسيق والفيلا كذلك وكأنه أعيد
طلائها مجددا من الخارج ومن وقت قريب جدا ! نظرت للذي فتح
بابه وقالت باستغراب
" هنا يكون من سنزورهم ؟ "
نزل قائلا
" أجل هيا انزلي "
نزلت وأغلقت بابها تنظر للمكان باستغراب وتبعته ما أن توجه
نحو البوابة الحديدية المفتوحة تتبعه ناظرة لما حولها باستغراب
حتى أن أحواض الأشجار يبدوا تم نزع الغراس منها لغرسها من
جديد بشتلات مختلفة بل وثمة نافورة حجرية وضع لها حجر
الأساس في منتصفها وأعمدة أضواء جديدة تتدلى منها مصابيح
فمن سيكون هؤلاء الذين يسكنون منزلا لم يجهز بعد وكيف
يأتيان لزيارتهما ! أسرعت في خطواتها لتلحق به وصعدت خلفه
عتبات الباب الرخامية وقد قال ناظرا تحت قدميها
" ضعي قدميك بالرفق فهذا الرخام تم إضافته مجددا وقد لا يكون
جاهزا بعد ولم يجف الاسمنت تحته بشكل جيد "
نظرت لقدميها وهي تصعد باقي العتبات برفق وقالت ما أن وصلا
للباب الخشبي المقوس والذي تم طلائه باللون الأسود حديثا على
ما يبدوا وقالت باستغراب
" عمي من هؤلاء الذين سنزورهم ومنزلهم يبدوا ليس جاهزا
وما.... "
قاطعها وهو يقرع الجرس بجانب الباب قائلا بابتسامة
" ليسوا عائلة إنه شاب أعزب "
نظرت له بصدمة وقد تابع من قبل أن تسأل ولا أن تفسر وتفكر
وتحلل " فها قد قرر الزواج أخيرا وخطب إحداهن وعلينا أن
نساعده فيما لا يفهمه هنا فيبدوا أن عمتك جوزاء حصلت له
على عروس سريعا "
لم تستطع منع انفراج فمها الصغير من صدمتها بما قال وما
فهمت لحظة أن انفتح الباب ودون أن تحضى ولا بفرصة لأن
تجتازها ولتلملم شتات نفسها المحطمة أو تدرك ما قال ويستوعبه
عقلها وهي ترى الذي وقف أمام الباب ببنطلون قصير لنصف
ساقيه وقميص قطني أبيض بأكمام قصيرة وكتابة سوداء جهة
صدره العريض وقد ابتسم لخاله بدهشة ويبدوا لم يتوقع زيارته
تلك قبل أن تموت تلك الابتسامة من شفتيه وتتحول نظرته
للصدمة أيضا ما أن وقع نظره عليها .
*
*
*
وقف أمام باب المنزل الخشبي المدعم بالحديد بشكل متناسق
ونظر لساعته وتنهد بضيق فوالدته تصر على وضعه في مواقف
سيئة دائما وليس يفهم لما تصر على سليطة اللسان تلك ! ورغم
أنه اضطر لأن يخبرها بكل ما حدث لأنه لا يمكنه أن يكون كاذبا
مثلها فقد أصرت على زيارته لهم بل وقالت وبكل اقتناع
( لا اصدق أن تلك الفتاة الرقيقة الجميلة المهذبة والخلوقة بل
والرائعة أن تكون كما تقول ! ثم إن كان الموقف كما قلت فمعها
حق تتضايق وأنت من عليه أن يبرر ويوضح لهم وأن يعتذر
أيضا )
لا يفهم كيف سيبرر لهم بعد كذبة ابنتهم تلك بأنهما لم يتفقا فهل
سيظهرها أم نفسه كاذبا ! مرر أصابع في شعره البني الكثيف
المصفف بعناية وتأفف نفسا طويلا فوالدته وكعادتها لم تتركه
وشأنه حتى أخذت منه وعدا بأن يفعل ما طلبت منه وهو اضطر
لتأجيل ذلك حتى نهاية رحلتهم ليسافر بعدها فورا فلعلها تحدث
مصيبة تلغي كل هذا ، تأفف مجددا مستغفرا الله على تمنيه
لحظتها أن والدته لم تربيهم على الصدق والوفاء بالوعود لما
كان زار هذا المنزل أبدا ولكان صاغ أكذوبة لينجى كما فعلت تلك
الوقحة ، حتى أنه حاول البحث مجددا عن كوينوا تلك ولم يجدها
أبدا حتى أنه حاول استجواب تلك المرأة مجددا وبجميع الطرق
وبلا نتيجة فهي لا تعرف لا مكان سكنها ولا رقم هاتفها ولا أي
شيء عنها أو أنهم يتعمدون التكتم كعادتهم في كل شيء وكأنها
أسرار دولة وليس مجرد مطار ! لو أنه وجدها فقط لكان أخبر
والدته بأنها من يريد الزواج بها وانتهى الأمر فهي كانت تصر
على زواجهم أكثر من إصرارها على هوية العروس ، لكن لا مفر
له من سليطة اللسان تلك على ما يبدوا وأمله في أن ترفض هي
وتخلصه منها فلن يتوقع العكس بعد موقفها منه
.
حسم أمره المحسوم سلفا وضغط بإصبعه على جرس الباب فهو
حتى لم يبلغهم بحظوره والعنوان أرسلته له والدته قرابة الثلاث
مرات ولم يتصل برواح ليخبرهم أو يأخذ رقم والدها فلعله لا
يجدها في المنزل ويتخلص من رؤيتها ، نظر بترقب للباب الذي
فتح ببطء يخشى أن تظهر تلك المتوحشة في وجهه من الآن
وتنهد بارتياح حين اكتشف العكس ووجد أمامه رجل فيما يقارب
الستين من عمره وقد ابتسم له فورا قائلا برحابة
" مرحبا "
مد يده له وقال مبتسما " مرحبا سيد قصي أنا غيهم أيوب
الشعاب وآسف لزيارتي دون موعد مسبق "
نظر له الواقف أمامه بطريقة غريبة وكأنه طفيلي تحت مجهر أو
حشرة في أنبوب اختبار وقد فهم الأمر سريعا وكله بسبب ابنته
المصون طبعا والتي لا يعلم بأي طريقة شوهت صورته أماهم
لتقنعهم بأنهما لم يتفقا ؟ قال الذي استفاق لنفسه مبتسما وهو
يترك يده
" لما تعتذر بني المنزل منزلك "
وتابع وهو يفتح له الباب
" تفضل ادخل ولا تتردد فلا أحد هنا عداي وزوجتي المدفونة
في المطبخ "
دخل مبتسما له فها هو تخلص من أول همومه وهي ابنتهم التي
لا يريد أن يعرف أين تكون ، ثم هذا الرجل يبدوا بشوشا بسيطا
سينسجم معه سريعا ولن يشعر بالملل في الدقائق القليلة التي
سيكون عليه قضائها عندهم ، دخل يتبعه وقد أوصله للصالون
المقابل بقرب المدفئة الحجرية المطفئة وجلس هناك وغاب
مضيفه معتذرا وتركه لوحده فتنقلت نظراته في المكان ببطء ..
كان منزلا متواضعا وجميلا أيضا بأثاث كلاسيكي تميزه الألوان
الزاهية كالأصفر والبرتقالي والأبيض في تناغم ما كان ليتصور
أن يكون هكذا وإن اقترحه عليه أحدهم لكان رفضه فورا أما الآن
فقد غير رأيه بكل أفكاره السابقة تلك فقد طغى ذاك التناغم على
بساطة الأثاث والستائر ، وما لفت انتباهه أكثر هو النظافة
منقطعة النظير في المكان وكأنه لا أحد يعيش فيه بل وكأن كل
شيء وضع فيه جديدا ! إنها نظافة فاقت منزلهم الذي يحوي أربع
خادمات اثنتان منهن مخصصتان للتنظيف فقط ! نظر للأرضية
الخشبية اللامعة بشكل مدهش حتى الباب البعيد يكاد يرى صورته
في كل قطعة فيها فإن وضع لك عليها الطعام ستأكله دون أن تفكر
أبدا في نظافته !
نظر جهة المتقدمان نحوه ووقف مبتسما للتي اقتربت منه برفقة
من غاب قبل قليل وقد عاد معها يحمل صينية فيها كوب ماء
ومدت تلك المرأة التي تجاوزت منتصف الأربعين يدها له قائلة
بابتسامة
" مرحبا بابن جوزاء الحالك ... نحن سعداء فعلا بزيارتك "
صافحها شاكرا لها بابتسامة فعلى ما يبدوا أن ابنتهم تلك لم تشوه
صورته بالشكل الكافي لينفروا من مقابلته ؟ جلس وما أن وضع
له الذي جلس بقربه كأس الماء على الطاولة أمامه توجهت
زوجته نحوه فورا قائلة
" انتظر يا قصي "
وسحبت منديلا ورقيا من العلبة النحاسية وسط الطاولة ومسحت
المكان الذي وضعه فيه والكوب أيضا وكأنها تزيل بصماته من
عليه وقالت للذي كان ينظر لها بصدمة ونظرها على الكوب وكأنه
سيتدحرج من أمامه
" يمكنك شربه الآن فلابد وأنك تحتاج لبعض الماء "
وغادرت معتذرة بأنها ستعود قريبا وحملت المنديل معها نظراته
المستغربة لازالت تتبعها قبل أن ينظر للذي قال مبتسما وهو
يقرب الكوب منه " آسف على ما حدث أمامك ولن ألومك فيما
ستفكر فيه لكنه طبع ملتصق بزوجتي ، إنها مهووسة بنظافة كل
شيء وحتى أظافر من يعيشون معها وتصرفاتها هذه خارجة
عن إرادتها وسترى بنفسك بأنها ستعتذر منك مرارا على أفعال
مماثلة فهي بنفسها ستعترف بعيبها ذاك "
ابتسيم له من فوره ... يا سلام أول البشائر ولابد وأن ابنتها
مثلها ، رفع الكوب وشرب القليل منه ووضعه مكانه قائلا
" لا بأس في ذلك فكثير يعانون من هذا النوع من الوساوس وأنا
معجب فعلا بتقبلك لها فأنا أرى أن ذلك صعبا بل ومستحيلا "
ورمى له بأول قذيفة رفض علني لابنته متأملا أن تكون كوالدتها
لكنه رماها عليه من قبل أن تنفجر وفجرها فيه هو قائلا بابتسامة
" أجل معك حق فمن يحب شخصا يمكنه التعايش مع عيوبه كما
مميزاته وحمدا لله أن رزقنا بابنة متفهمة لوضعها كثيرا بل وأكثر
منا جميعا ولم تتذمر منها يوما وهي أكثر من يحتك بها لأنها
امرأة مثلها ، أما شقيقها فقد وجد في سكن الطلبة ملاذا آمنا
لميكروباته حتى الآن "
لم يستطع امسياك ضحكته التي شاركه فيها ذاك الرجل من فوره
وقد انضمت لهما التي جلبت القهوة ووضعتها على الطاولة قائلة
بابتسامة
" لما لا تشاركاني الضحك معكما ؟ "
قال زوجها مبتسما
" أخشى أن تغضبي إن علمت أنه عنك ؟ "
فنظر له الجالس بقربه بصدمة بينما قالت المقابلة لهما ضاحكة
" كنت أعلم أنه عني فأنت لا تقصر في التعريف عني بطريقتك
أبدا "
وتابعت مبتسمة تنظر للذي نقل نظره لها
" أنا آسفة حقا بني عليك أن تتحمل طباعي السيئة فأنا لا أشعر
بالراحة إلا هكذا "
قال مبتسما بدعابة
" لا بأس ولا تقلقي أبدا بهذا الشأن المهم أن لا تكوني ممن
يغسلون الصابون "
ضحكت كثيرا وقالت
" لا تلك مبالغة سينمائية فقط "
نقل نظره منها للجالس بجواره حين قال
" ظننت أنك ستكون سافرت ولست هنا حتى الآن ؟ "
قال مبتسما
" لا فرحلتنا ستكون فجر بعد الغد "
وانسجما في الحديث سريعا وكل واحد منهما شعر بأن الآخر من
سنه لتقارب الأفكار بينهما حتى أنه لم يشعر بمضي الوقت وهما
ينتقلان من موضوع لآخر وقد شرب ثلاث فناحين قهوة كل واحد
منها أكثر نظافة من سابقه وكما قال زوجها إن استطعت فهمها
فسيكون باستطاعتك تفهمها بل وتقبل طبعها أيضا وهذا ما حدث
معه هو وبسرعة لم يتوقعها بل وحتى انسجامه معهما فاق
توقعاته ومخيلته ويستغرب كيف تكون تلك ابنتهما ؟ هل سيربيان
واحدة لا تشبهما !
نظر لساعته واكتشف بأن الوقت قد سرقه ولم يتحدث فيما جاء
من أجله ولا هما فعل ذلك كما كان يأمل ويتوقع وها هو في ورطة
حقيقية فهل سيخبرهم حقيقة ما حدث معه ويظهر أن ابنتهما
كاذبة أم يموه الأمر ليفهموا بأنه سوء فهم بينهما أم ماذا يفعل ؟
والدته وتلك المدعوة كنانة يستحقان ضرب رأسيهما في بعضهما
على ما وضعاه فيه ، تحمحم قليلا وقال ونظره على كل شيء
حوله عدا الجالس معهما
" حقيقة الأمر أنا جئت لأعتذ..... "
ليقطع كلامه قفل الباب الذي تحرك ببطء وتبعه ذاك الباب الخشبي
الذي فُتح وكأن نسيما خفيفا يدفعه وقالت الجالسة أمامهما وقد
التفتت للخلف حيث ذاك الباب وبابتسامة
" ها هي كنانة وصلت أخيرا فلن تيأس أبدا من البحث عن وظيفة
بعيدا عن المطار على ما يبدوا "
فوقف حينها الذي وقع نظره قبل كلمات تلك في أذنيه على التي
دخلت من الباب تضع مفتاحها في حقيبتها ينظر لها بصدمة شلت
أطرافه قبل أن تنتبه هي لوجوده وتتحول لتمثال حجري مماثل
وقد همس من فوره ناظرا لها باندهاش " أنتي !!! "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 60 others like this.
رد مع اقتباس
#7439
قديم 14-02-18, 10:53 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
جلست حاضنة حقيبتها ومذكراتها على أحد مقاعد مدرج ملعب
كرة السلة الواسع بإضاءته القوية ونوافذه العالية حيث تلك
الأرضية الخشبية المصقولة وأصوات الكرة المصطدمة بأرضيتها
وخطوات وصراخ الراكضين فوقها وبعض الهتافات المتفرقة من
مشجعيهم وهم يتدربون فلا يخلوا مدرج الملعب من وجود الطلبة
فيه أبدا .. منهم من يحب هذه الرياضة ويشاهد تدريباتهم دون
كلل ولا ملل والبعض الآخر أصدقاء وصديقات لهم أو حتى
حبيبات فلا تجده خاليا أبدا وقت التدريب والداخلين له أكثر من
الخارجين منه ، نظرت مبتسمة للذي ركض بالكرة بين لاعبين
ورماها عاليا لتسقط في حلقة السلة فورا فانتبه لها حينها وأشار
لها بإبهامه فلوحت له بيدها بشكل خفيف فزيارة هذا المكان
أصبح أحد طقوسها اليومية أيضا بل وتستمتع بوجودها هنا متعة
لم تكن تتخيلها حياتها وبات هذا أحد الأمور التي تشغل بها نفسها
عن كل شيء وأوله التفكير فيما يؤلمها ويؤرقها ولم يعد لها
فماريه القديمة تغيرت كثيرا وتغيرت في وقت لم تتوقعه هي ...
لم تنساه ولم تتوقف عن حبه وكاذبة إن قالت ذلك لكنها تعايشت
وليس مع وضعهما بل مع وضعها وحدها .. لم تعد مقيدة بكل تلك
التعليمات وأن كل ما يربطها بهذا المكان محاضراتها فقط بل
زارت جميع أنشطته الطلابية وكونت صداقات وإن كانت قليلة
وأحبت فعلا ترحيب الجميع بوجودها بينهم ، حتى أنها أصبحت
تزور النادي الرياضي مع ساندرين ... طرق غبية للنسيان تعلم
لكنها تجدي فعلا في التناسي وفي أن تمر الأيام دون أن تشعر
بها على الأقل وأن تنهار نائما في الليل دون أن تفكر كثيرا ولا
أن تبكي كثيرا .. هي دقائق فقط ثم تصبح في عالم الأحلام التي
ليته يمكن التحكم بها أيضا ففي بعض الليالي تجلب تلك الأطياف
بل تذكرك بواقعك المرير لتستيقظ صباحا منهكا عاطفيا وجسديا
وستحتاج لساعات لتتأقلم مع الواقع وتنسى كل تلك الكوابيس
المؤلمة ... لكننا نعتاد أليس كذلك ؟ فها هي لم تراه ولم تسمع
صوته منذ ذاك اليوم وباتت على الأقل مقتنعة بأن عالمها أصبح
خاليا منه وإن لم يخرج من دمائها بعد .. من أنفاسها .. من
ذكرياتها .. ولا حتى تيم الطفل لكن ذلك سيتغير .. مؤكد سيتغير
ومهما طال الوقت ، إنها دورة النسيان ... تبكي تتألم تعيش مع
الذكريات تموت وتموت وببطء ثم تتعايش وتتناسى ثم ... تنسى ،
فبالتأكيد ستنسى يوما وأحدهما سيسبق لك ذات يوم النسيان
أو الموت .
ضمت جاجياتها تتكئ بذقنها على حافة مذكراتها الكبيرة
وابتسمت تراقب نظراتها الذي توجه نحوها وجلس بجانبها قائلا
بنفس متقطع
" ما رأيك بي اليوم ؟ "
خرجت منها ضحكة صغيرة وقالت
" بك أم بكم جميعكم فأنتم فريق ؟ "
ضحك واستند للخلف على يديه وقال " بل بي ألسنا حبيبان ؟
عليك أن تمدحيني وحدي "
عادت للضحك ولم تعلق فكين كان الشخص الذي استطاع أكثر من
غيره أن يسعادها على تجاوز صدمتها العنيفة تلك .. لم يسألها
ولم يتحدث عن الموضوع أمامها رغم علمه التام به بل حاول
فقط مساعدتها ومساندتها بدون شفقة ولا عبارات دعم ولا حتى
أن سبه وشتمه كحال شقيقته التي أمضت أيام تستخدمه كوجبة
دسمة صباحا ومساء حتى أنها تشك أحيانا أنها تفرغ غضبها من
موضوع خطبتها تلك به خاصة أن والدها أجبرها على أن تلبس
خاتمه رغما عنها ولا تنزعه أبدا ، وما رحمها ورحم ذاك الشاب
وجميعهم معه أنه مسافر من أسبوع ولا وجود له في انجلترا
بأكملها ومع عودته ستكون المواجهة العنيفة بالتأكيد خاصة
أن عائلته يريدون إقامة حفل خطوبة لهما وهي يجن جنونها
إن فتح الموضوع أمامها وترحم تيم من شتائمها لساعات
لأنه ثمة من شغلها عنه حتى بات ذكرهما كليهما في ذاك المنزل
شبه معدوم كما تحول كل غضب والده وعم والدته الذي تحدثت
عنه ساندرين لصمت تام أيضا وهذا ما كانت تعلمه وموقنة منه
فلن يفرض عليه أحد شيئا ولن يتحكم فيه أيا كان لا والده لا عمه
لا عم والدته ولا رئيس البلاد بأكمله .
نظرت للجالس بجانبها حين سحب مذكراتها منها وفتش فيها قائلا
بابتسامة
" دعيني أرى ما فعلته اليوم يا مجتهدة "
فضحكت تراقبه قبل أن يلفت انتباهها الجالسة في المدرج المقابل
.. الفتاة الانجليزية ذات الوجه الدائري الصغير والجميل والعينان
الخضراء الواسعة مع انحناءتهما المميزة ... ملامح في غاية
الرقة والهدوء يحيط بها شعر أسود لامع وقد أسدلت جفنيها
وأبعدت نظرها عنهما وملامحها تنطق حزنا ، لقد انتبهت
لوجودها هنا أكثر من مرة وكلما جلس كين بجانبها وتحدثا
وضحكا تتبدل ملامحها وتقف مغادرة الملعب بأكمله ! تبعتها
نظراتها وهي تخرج ناظرة للأسفل تتجنب رفع نظرها في كل من
تمر بينهم ونقلت نظرها للجالس بجانبها والذي كان يشيح بوجهه
جانبا قبل أن ينظر لقدمه التي ركل بها علبة عصير فارغة شوهت
جمال ذاك المكان النظيف فقالت باستغراب
" كين من تكون تلك الفتاة ؟ "
قال وقد رفع نظره لأعضاء فريقه في الملعب
" أي فتاة ؟ "
قالت ونظرها لم يفارق ملامحه
" الفتاة التي غادرت المدرج الآن طبعا "
حرك كتفيه قائلا ببرود
" وما يدريني أي فتاة غادرت المدرج ومن دخل وخرج ؟ أنا لا
أجلس بحانب الباب "
زمت شفتيها وقالت بضيق
" كين لا تتغابى فأنا أراها هنا كثيرا وتغادر في كل مرة تجلس
فيها بجانبي فثمة قصة بينكما بالتأكيد "
نظر لها وقال مبتسما
" تغارين يا حلوتي ؟ "
عبست ملامحها وقالت
" كين أنا لا أمزح "
شبك أصابع يديه خلف عنقه متكئا عليهم للخلف وقال
" فتاة ... فتاة كأي فتاة وفقط "
نظرت له بصمت لبرهة قبل أن تقول بضيق
" لا ليست أي فتاة أو أنك أنت من لست بأي رجل بالنسبة لها ...
هل تتعمد إغاضتها بي يا متوحش "
استوى في جلوسه مبعدا يديه ونظر لها وقال
" ماريه لا تكوني غبية هكذا فأنا لست من ذاك النوع "
قالت تستفزه عمدا
" حسنا أنت منه فعلا على ما يبدوا "
ونجح مخططها بأسرع مما كانت تتوقع حين قال بضيق
" لا لست كذلك وعلى تلك الفتاة أن تبتعد عني وتبعدني عن
تفكيرها نهائيا "
تقوستا شفتيها بحزن وهمست
" لما أنتم قساة هكذا ؟ ألا تشعرون "
تنهد بضيق وأبعد نظره للملعب مجددا وقال بجمود
" لا تقارني ماريه فالوضع مختلف "
قالت من فورها ناظرة لنصف وجهه
" وأنت معجب بها أيضا لا تنكر ذلك فعيناك وأنت تتحدث عنها
الآن تقولان كل شيء "
نظر لها وقال بذات ضيقه
" ذلك لا يكفي ولست معجبا بها فتلك الفتاة انجليزية "
قالت باستغراب ناظرة لعينيه
" وأنت انجليزي أيضا ! "
نظر جهة الملعب مجددا وقال بصوت منخفض
" لكني مسلم ماريه لا تنسي ذلك "
عبست ملامحها بحزن وألم فهو سبق وأخبرها بسره ذاك سابقا
وبأنه لا يشهر إسلامه لأنه ثمة علاقة زمالة وصداقة قوية كانت
تربطه مع أحد رجال مطر شاهين بل وقريبه وبعد أن عادوا
للوطن وخشية عليه وعلى نفسه كان عليه أن لا يظهر شيئا ولا
حتى إسلامه لكن قراراتهم قاسية ! الرجال جميعهم متشابهون لا
يكترثون بجرح امرأة تحبهم فقط لأن العقل يقول ذلك ، ولن
تصدق أن يكون الأمر مجرد صديق له بل لا تستبعد أن يكون هو
أيضا أحد رجاله أو معاونيه وإن لم يكن من المقربين منه ، تعلق
نظرها بنصف وجهه وتمتمت بحزن
" لكن المسلم يمكنه الزواج من كتابية ؟ "
نظر لها وقال بجمود
" وكيف ولن تعلم بإسلامي ؟ ثم أنت تعلمين جيدا ما يعني
الإسلام ماريه وما الذي نتعلمه منه "
نظرت له باستغراب فعاد بنظره هناك وقال بشرود بل بوجوم
" إننا نتعلم معه أن المرأة لرجل واحد ماريه لم يسبقه لها أحد
وتلك الفتاة ليست كذلك قطعا "
قالت محتجة
" لا ذاك ليس عذرا كين إلا إن كان ثمة ما تخفيه وتخشى أن
تكشف تلك الفتاة ؟ ثم المسلم يتزوج الأرملة والمطلقة وليس
عليه أن يكون الرجل الأول في حياتها "
ابعد نظره عنها وقال
" الأمر بالنسبة لي مختلف ماريه مختلف كثيرا "
وتابع بابتسامة مائلة ناظرا لها
" ما رأيك أن أتزوجك أنت فكلانا أجنبي مسلم بالخفية وأكون
أسبق لك من أصدقائي الذين باتت أسئلتهم عنك لا تتوقف "
نظرت له بحنق وكانت ستتحدث لولا كانت تلك اليد أسبق لها وقد
سحبها صاحبها منها قائلا بابتسامة
" تعالي ماري إنه دورك "
فتحركت خلفه بصعوبة تجتاز المقاعد قائلة
" ريك انتظر أنا لا أعرف كيف ألعبها ولست بطول أجسادكم "
قال وهو يدخل بها للملعب
" لا تقلقي الأمر سهل جدا وممتع فلا تكوني جبانة "
وفي لحظات وجدت نفسها بين أولئك اللاعبين المخيفين فأغلبهم
طوال قامة بشكل مخيف رغم أن منهم من طولهم معتدل ككين
والذي رغم ذلك فهو كابتن الفريق فيبدوا أن المهارة لا علاقة لها
بطولهم فهو يصوب رميات لا يستطيع فعلها أطولهم ! مد لها
أحدهم سلك مطاطي نزعه من يده وأشار لها على شعرها وركض
مبتعدا فرفعته عاليا وأمسكته به في جذيلة وما كان من مفر
أمامها منهم ، بل وكان الأمر كما قال ممتعا جدا .. لا بل هم من
جعلوه كذلك وهم يجعلون منها هدافتهم ودون منازع والكرة تمرر
لها في كل مرة درجة أنها انسجمت في اللعب والركض باستمتاع
لم تتخيله أبدا تصرخ منادية لكل واحد منهم ليعطيها الكرة حتى
أنها كانت تحضنها أحيانا وتركض بها من بينهم ضاحكة دون أن
تضربها على الأرض وكانت الفتاة الوحيدة بينهم لكنهم استطاعوا
دمجها في لعبهم بسهولة حتى أن سترتها الجينز نزلت على
ذراعيها بسبب ركضها وكل ما كانت تلبسه تحتها قميص من دون
أكمام وكلما رفعتها تدلت من جديد حتى نسيتها مع ركضها
وحماسها .
وصلت تحت السلة في أول مرة لها ورغم ابتعادها عنها عاليا
وصعوبة الأمر إلا أنها قفزت منتهزة الفرصة وصرخت بحماس
ضاحكة حين شعرت بتلك اليدين تمسكان خصرها وترفعانها عاليا
... عاليا جدا درجة أن استطاعت وضعها في السلة وبكل سهولة
تستمع للتصفيق والضحكات من الجالسين عند المقاعد المصفوفة
بعناية ، وما أن وصلت للأرض مجددا بدأت تستقبل تلك الأيادي
الرجولية وكل واحد منهم يضرب كفه بكفها ضاحكين وآخرهم
الذي قرص خدها قائلا بضحكة
" كنت رائعة أيتها الإيطالية الجميلة "
فابتسمت له قبل أن تموت تلك الابتسامة بل وتتحول لصورة
جامدة كل شيء حولها يتحرك إلا هي وحتى الجماد وهي تنظر
بأنفاس متقطعة بسبب ركضها للواقف أعلى المدرجات يديه في
جيبي بنطلونه الجينز ينظر لها بل لعينيها تحديدا نظرة عرفتها
واعتادتها بل وألفتها تماما في عينيه ... النظرة الجامدة التي لا
يمكنك قراءة ما خلفها ولا التكهن بما يفكر أن يفعل صاحبها
ومهما حاولت ، تمنت حينها لو نزعت قلبها من بين أضلعها
ورمته في ذاك الملعب وداسته بقدميها بقوة بل وجميع تلك الاقدام
الرجولية الكبيرة وأحذيتها الثقيلة وكرتهم أيضا لشعورها المقيت
بضرباته المرتفعة تصاعدا كلما أطالت النظر لتلك العينين وكلما
طالت نظرته تلك لها تذكرها بحلمها الميت وأملها المحتضر
ومشاعرها التي مزقها ودون رحمة فكانت هي من كسر ذاك
الجسر المتين وأبعدت نظرها بل ووجهها عنه لأنه يؤلمها هي
وتغرس حوافه في قلبها هي لا هو ولن تسمح بأن يقتلها أكثر
بعينيه قبل كلماته ككل مرة .
لو تفهم فقط ما أحضره إلى هنا ؟ ألم يطردها من منزله دون حتى
أن يكلف نفسيه عناء أن يقنعها أكثر بالبقاء ؟ ما كانت لتبقى أبدا
لكنه لم يحاول أيضا وكل ما فعله أن قتلها وبقسوة أكبر وذبح
روحها الجميلة وهو يخبرها وبكل بساطة بأنه ما فعل ذلك إلا
ليسكت والده وعم والدته عنه بل وهي أولهم لأنها من طالبه بذلك
قبلهم ، ولم يكفيه كل ذلك ليمتعها بذاك العرض السخيف في
الشارع وكأنه أخذها هناك فقط ليقتلها وليريها الواقع الذي قد
يرفض عقلها تصديقه يوما ، والكارثة أنه يعلم ... فبعد رسالة
ساندرين له سيكون علم بالتأكيد أين كانت حينها وبأنها لم تغادر
لكان وجدها في طريقه قرب المبنى السكني .
رفعت يدها لشعرها وأزالت ذاك المشبك المطاطي منه بحركة
واحدة وتدلى ذاك الشعر الحريري على كتفيها وظهرها وتحركت
من هناك ليوقفها الصدر الذي اصطدمت به وظهر في طريقها
فجأة وكأنه يتعمد فعل ذلك فتراجعت للخلف خطوة ورفعت غرتها
عن عينيها وانحرفت في سيرها لتجتازه ودون أن تنظر له ولا
للمحة صغيرة لكن تلك الأصابع القوية كانت الأسبق لها وهي
تلتف على معصمها وأدارها نحوه ، لم يتحدث ولم يحاول جعلها
تنظر له .. كل ما فعله أن أدخل يده في جيب بنطلونه الضيق
وأخرج ما جعلها تنظر له بين أصابعه بصدمة وكان ما أرسلته له
سابقا مع رواح وقبل أن يسافر بيوم واحد وهو مغلف بني يحوي
وثيقة زواجهما القديمة والعملات النقدية التي أرسلها لها سابقا
وهذا .... خاتم الزواج الذي أحضره سابقا وألبسها إياه أمام باب
منزل عمها في تلك الليلة التي لم تتخيل لحظتها أن تتحول لمأساة
رافقتها لأيام وأيام فكان عليه أن يعلم حينها بأن ما يربطهما قد
انتهى .. الماضي الذكريات وتلك الوثيقة القديمة والتي رغم
اختلاف قوانين البلاد وتجديدها لعدة مرات في المحكمة إلا أنها
احتفظت بتلك النسخة التي كتبها شيخ قريتهم بيده تحوي اسمها
واسمه وعمريهما الحقيقيان حينها ... خمس سنوات للزوجة
وثلاثة عشر عاما للزوج وظنت بسذاجة أن ذاك يعنيه كما عناها
هي وعاشت عليه ولأجله لأعوام .
أمسك بيدها متجاهلا محاولتها لسحبها منه وأدخل الخاتم في
أصبعها ولم يكتفي بذلك فقط بل والتفت أصابعه حول ذقنها ورفع
وجهها له ... ودون أن ينظر لعينيها انحنى لشفتيها وقبلها أمام
الجميع .. أمام تلك الصرخات والتصفيق والتصفير ممن حولهم
وخاصة الفتيات ، كانت قبلة قصيرة لكنها كافية ليراها الجميع
هناك ولتدمر دفاعاتها التي حاربت بشراسة لتتمسك بما تبقى
منها ، وما أن ابتعد عنها ببطء نظر بصمت لعينيها ولحدقتيها
الذهبيتان الغاضبتان كقطة ذهب نقية تعكس ضوء النهار القوي
والتوى طرف شفتيه بابتسامة ساخرة وانحنى لاذنها هامسا
قربها وبابتسامة ساخرة
" ستكونين مطيعة الآن ماريا أو فعلت المزيد "
وما أن أنهى عبارته تلك سحبها من يدها خارجا بها من هناك
تتبعه أحبت ذلك أم كرهته .
*
*
*
دخل من الباب بخطوات واسعة ينظر لساعته فهو لم يزر قصرهم
نهارا منذ أكثر من أسبوع لا بل منذ ذاك اليوم والليلة وهو يمضي
يومه في خارجه ولا يرجع إلا ليلا يصعد لجناحه وينام فورا
ليغادر فجرا من جديد ، هربا من نفسه أولا وليقنعها بالعذل عن
كل ذاك الجنون ثانيا وليجهز نفسه ويدربها على طمر تلك
المشاعر ثالثا وأخيرا والأهم بل وأكثر ما يجزم بأنه مستحيل لذلك
كان عليه أن يبتعد فهو أضعف ما يكون أمامها وفي وجودها ، أما
اليوم وبما أن ما سعى من أجله أصبح جاهزا فعليه أن يراها ولن
يقول ليطفئ شوقه فعلى كل ذلك أن يموت في داخله أو قتل نفسه
.
كان قد مر بعامل الحديقة أولا ولفت انتباهه حينها الجالسة عند
تلك الشرفة بل وفوق حافتها الحجرية العريضة ترفع ركبتيها
وتضع دفتر رسمها عليهما وترسم وليست منتبهة ولا مهتمة بأي
شيء يحدث حولها ، لقد خصص لمربيتها هاتفا محمولا بسيطا
وطلب منها أن لا تخبرها عنه وأن تتصل به كلما استدعت الحاجة
لوجوده ولم تفعل طيلة الأسبوع أي أن أمورها تسير بشكل جيد ،
لكنه لم يستطع فعلها قبل قليل ومنع نفسه من سؤال ذاك العمال
ما أن لمحها هناك إن كانت تجلس دائما في ذاك المكان فقال له
وفورا
( بلى سيدي تجلس هكذا وترسم لوقت طويل )
وصل لغرفة الشاي ولباب الشرفة الزجاجي تحديدا ودفعه وخرج
فقد كان مغلقا على غير عاداتها السابقة حين كانت تتركه مفتوحا
! وظن أنها فعلتها لتشعر بأي شخص سيدخل فتخفي رسوماتها
تلك لكن ذلك لم يحدث ! لم تغلق دفترها ولم تخفيه بل ولم تهتم
ولا برفع رأسها ونظرها عنه رغم يقينها من أنه سيكون هو ..
عكس الشوق الذي ينهشه هو ويطمره كالنار تحت الرماد .
وصل عندها ووقف قربها ونظر لما ترسمه وشعر بذاك الانقباض
المرير في قلبه فالذئب هذه المرة يمسك الأرنب بأنيابه واختفى
الأسد وكل شيء معه لكن هذا الأرنب ليس ذاك ! هذا ثمة لون
رمادي خفيف في فرائه جهة الرأس فأي لغز جديد هذا وهو لم
يقم ولا بحل القديم ؟ نقل نظره لملامحها وعيناها المركزتان على
ما تفعل وقال بهدوء
" زيزفون انزلي قليلا أريدك في أمر "
" ألا ينفع وأنا هكذا ؟ "
تنهد بأسى بسبب صوتها البارد أكثر من تأثير كلماتها تلك وحمد
الله أنها تساعده على الابتعاد عنها بمعاملتها السيئة هذه الأغلب
الأحيان ، رفع يده ومرر أصابعه على الأرنب في الرسمة وقال
ونظره عليه
" لما ترفضي أن أساعده يا زيزفون ؟ لما لا يكون ثمة أسد هنا
أيضا ؟ "
أغلقت دفترها بعدما سحبته من تحت يده ونزلت ونظرت له في
صمت كم خشي مما سيكون بعده لكنه طال حتى تيقن من أنه ليس
ثمة حديث سيليه فنقل نظراته بين عينيها قائلا
" لو أعلم فقط يا زيزفون ما مواصفات الصديق في قاموسك من
العدو ؟ "
حركت كتفها وقالت مبتسمة ببرود
" أن لا يتدخل في حياتي .. في صمتي .. في حديثي وفي كل
شيء يخصني طبعا "
رفع نظره عنها للأعلى وتنفس بعمق وقال يراقب السماء الصافية
" إذا أنا أشد عدو لك وزوجة والدي والدة ضرار هي صديقتك "
" أجل "
قالتها مباشرة وقتلته دون رحمة .... لا هي لم تقتله ولم يؤذيه
تجريحها له يوما ولن يحدث ذلك ، أنزل نظره لها ونظر لحدقتيها
الزرقاء الناظرة لعينيه بسكينة تعاكس كلماتها المدمرة كالموج
المدفون تحت الصخور يدمر كل شيء في صمت وسكينة وقال
بذات هدوئه
" أخبريني سببا واحدا لكرهك لي ولن تريني مجددا
يا زيزفون "
انتظر جوابها بترقب فهو يعرفها جيدا لا تجيب إلا بما في نفسها
وصدقا بل ولا يعنيها ما تفعله كلماتها فيمن توجهها له لذلك
انتظر وبفضول لكنها لم تتحدث بل أبعدت نظرها عنه متمتمة
ببرود
" ألأجل هذا أنت هنا وتركت أعمالك يا وقاص ؟ "
تنهد بعمق وقال
" لا "
وتابع وهو يخرج العلبة المخملية الزرقاء الغامقة من جيب سترته
" بل من أجل هذا "
وفتحها على نظراتها المستغربة لها وأخرح منها سلسال من
الذهب الأبيض وما أن رفعه تدلى منه ما كان مصمما خصيصا
ليوضع فيه وما كلفه الكثير ليحصل عليه هكذا ويجمعهم جميعهم
... ثلاث خواتم زواج الفضي الرجالي الذي وجده في النافورة
واثنان ذهبيان نسائيان وتقليديان لا شيء بهما سوى نقوش
بسيطة وفصوص صغيرة جدا في أحدهما وقد تم دمجهم ثلاثتهم
بقصهم وإدخالهم بين بعض قبل لحمهم مجددا ليصبحوا كحلقات
السلسلة كل واحد مرتبط بالآخر وقد مرر سلسلة رقيقة جدا
بينهم تحوي ثلاث ماسات تمر كل واحدة من الثلاثة عبر خاتم ،
وضع العلبة على حافة الشرفة وقال
" ارفعي شعرك وسأخبرك عنه ما أن تلبسيه "
نظرت له بين أصابعه قبل أن ترفع شعرها كما طلب ويعلم جيدا
أنها تعرفت على اثنان منهما أما الثالث فمستحيل ، وقف ورائها
وأداره حول عنقها وأغلقه يحاول التركيز فقط على أصابعه ..
فقط لا غير حتى انتهت مهمته وتركه ينزل على عنقها فرقت تلك
الخواتم بأصابعها تنظر لها فأشار لها بسبابته وقال ونظره عليهم
" هذا خاتم جدتك .. يليه خاتم والدك .. أما هذا فخاتم والدتك "
اشتدت أطراف أصابعها عليه لا إراديا وأدارت وجهها ونظرت له
خلفها وقالت ناظرة لعينيه
" خاتم والدتي ! "
نظر لعينيها وقال
" بلى ولم يكن إخراجه من هناك سهلا لحجر المحكمة عليه كل
تلك الأعوام لكني استطعت فعلها "
ثم عاد بنظره للسلسال وللخواتم بين أصابعها وتابع ونظراتها لم
تترك وجهه وعيناه
" الماسة الأولى هي والدك أنجبته جدتك فهي معلقة بخاتمها ثم
أنتي وماستك معلقة بخاتمه "
نظرت لهم بين أصابعها وقالت
" والثالثة ؟ "
قال مبتسما " لم أطلبها من ذاك الصائغ لكنه أصر على وجودها
وقال بأنه سيكون ناقصا من دونها ولست أعلم لماذا سترمز ! "
نظرت لها بحزن فهي تعلم .. تعلم جيدا إنه شقيقها الذي ليست
تعلم ستراه يوما أم ستفقده للأبد .
" هل لنا أن نعلم ما سر هذه الهدايا في الشرفات ؟ "
ارتفع نظرهما كليهما للتي كانت تقف عند باب الشرفة تكتف
ذراعيها لصدرها وتنظر لهما نظرة يفهمها كل واحد منهما فتمنى
فقط في قرارة نفسه أن لا تحاول الواقفة أمامه إجابة سؤالها لكن
أمنيته تلك ماتت في مهدها حين خرج صوتها باردا مستفزوا
" يأخذ مكان ابنك هل لديك مانع ؟ "
ابتسمت تلك بسخرية قائلة
" فليرحمنا الله من عقوباته على هذا المنزل بسبب الرذيلة
التي تحدث فيه "
نظر لها وقاص بصدمة بينما أنزلت الواقفة أمامه يدها وأدارت
جسدها قليلا وأمسكت بيده ممررة أصابعها بين أصابعه وسارت
به من أمامها مجتازة لها وكأنها لا تقف هناك حتى وصلت
غرفتها ودخلت وهو يتبعها ولم تترك يده حتى كانا في الداخل
فقال بضيق ناظرا لها
" زيزفون محاربتهم بتلك الطريقة لن تجدي في شيء بل
ستضرك أنتي "
فتحت باب خزانتها وقالت ببرود
" لست أهتم إلا كنت أنت تخاف على حياتك الضرر "
تنهد بعمق وقال
" أنتي تعلمين جيدا أ..... "
قاطعته بحزم ناظرة لعينيه
" لن نتحدث فيما قلت هنا سابقا يا وقاص "
زفر بقوة وأومأ برأسه موافقا وقال متجنبا النظر لها
" أعلم ولم أكن لأتحدث عنه بل ما كان عليا أن أقول ما قلت "
أخرجت ورقة ما من خزانتها وأغلقتها قائلة
" لا بأس فأنا أعلم أنك قلت ذلك فقط لتتخلص من عقدة الذنب
اتجاهي "
تنهد بعمق مغمضا عينيه وقلبه يردد وبألم
( بل حقيقة هي يا زيزفون وكان كلاما صادقا ومن أعماقي لكنك
لن تصدقي أبدا ومهما قلت )
مدت له بالورقتان المطويتان اللتان أخرجتهما قبل قليل وقالت
" أعطي هذه لجدك وليفتحهما ويقرأهما أمامك لتعلم صدق ما
قلت لك يومها ولتراه على حقيقته ... بل وليعرف هو نفسه "
*
*
*
رمى الجريدة من يده وقال بضيق
" سحقا ... هي ليست ابنة ذاك الرجل إذا ؟ "
نظرله الواقف أمامه وقال مبتسما بسخرية
" كنت تكاد تكون واثقا يا شعيب ؟ "
نظر جهة النافذة المفتوحة وهمس من بين أسنانه
" كانت الخيط الوحيد وانقطع وعلينا أن نصرف النظر عنها
ونلتفت لما هو أهم الآن "
حرك يوسف رأسه إيجابا وقال
" معك حق ثمة ما هو أهم قبل أن يضيع كل ما فعلناه لأعوام
سدى "
وتابع ناظرا له ونظره لازال على تلك الأشجار في الخارج
" ماذا حدث بشأن ذاك الجاسوس إسحاق ؟ "
تحولت ملامحه للشر وكشر عن أنيابه البارزة وقال بغضب
مدفون
" لم نستطع الوصول له حتى الآن ... الحراسة حوله مشددة
لكن ثمة من سيساعدنا وسنتخلص منه سريعا قبل أن يخرجوه
من البلاد "
قال الواقف قربه بغيظ
" ذاك الإمعة مطر شاهين لقد كان ورائه فعلا وها هو يحميه
وبشراسة وإن استفاق ذاك الطفل وتحدث فسيخبره بما علم ولن
نستبعد الأسوأ بعدها لذلك عليه أن يموت وسريعا جدا "
نظر له شعيب وقال
" لو أعلم فقط من أخبرهم عن مكانه ولم يكن هناك أحد قرب
الجرف ولا أحد سيلحظ سيارته في الأسفل ؟ كله من زكريا وذاك
الاتصال مؤكد تتبعوه وعلموا عن المكان "
انفتح الباب فجأة سارقا نظرهما واهتمامهما للذي دخل منه ونظر
لهما بما لم تخفيه عيناه ولم يحاول هو فعلها وقال بجمود يخفي
كل ذاك الحقد الأسود
" هل سأنتظر في الخارج حتى المساء مثلا لتأذنوا لي بالدخول
وأنتم من طلب رؤيتي ؟ ورائي رحلة لحوران ولجامعتي هناك فما
هذا الذي جعلكم تتنازلون وتقابلوا وجهي "
صرخ فيه الواقف هناك من فوره
" أويس احترم من هم أكبر منك فطول اللسان لن يفيدك في
شيء "
قال شعيب مسكتا له
" انتهى يا يوسف نحن لسنا هنا لنتشاجر كالصبية بل لنقول
ويسمع "
قال الواقف قربه بضيق
" بل وينفذ "
نظر لهما بكره ولم يعلق فلولا والدته ما بقي في هذا المكان
والبلدة يوما واحدا ليقابل هذه الوجوه وإن مصادفة رغم أنه لم
يراهم منذ وقت طويل ولا يراهم إلا نادرا بالرغم من أن أراضيهم
متجاورة ، قال شعيب ناظرا لعينيه ودون أن يهتم لتك النظرات
الحاقدة
" من هذا الذي اسأجرت له ملحق منزلك مجددا ونحن من سبق
وحذرناك من فعلها دون علمنا ولا أن نوافق على هوية المستأجر
أيضا ؟ "
لاذ بالصمت لبرهة قبل أن يقول بجمود
" وفيما سيضركم مستأجر في أرضي ومنزلي ؟ هل تأخذون أنتم
رأيي فيما تفعلونه في أراضيكم ؟ "
قال شعيب من فوره وبحدة
" أراضيك جزء من أراضينا يا أويس وما يمسها يمسنا ولا شيء
يحدث فيها دون إذننا ولا علمنا مفهوم ؟ "
شد على أسنانه بغيظ قبل أن يقول
" أنا استأجرت للرجل ولن اخرجه منه ما لم يفعل بنفسه ، ثم هو
ليس من الجنوب ولا علاقة له بأحد هنا فما من داع لأن تخشوا
على أسراركم المدفونة "
رماهم بها عمدا في حرب باردة مستفزة وإن كان لا يعلم ما
يخفونه إلا أنه متأكد من أنه ثمة أسرار كثيرة يحمونها بقوة ومن
كل شيء حتى من أنفسم مثلما هو متأكد من أنه ليس ثمة سر
يدفن للأبد ولابد وأن يكشف يوما ما ويدمر صاحبه مكافئا له على
حفاظه المستميت عليه .
" من يكون ؟ "
خرج شعيب من صمته أولا ينظر له عاقدا حاجباه الكثيفان فقال
ببرود
" مهندس عمل مؤخرا هنا واسمه يمان إبراهيم حجاح "
تبادلا نظرة صامتة جعلت الواقف أماهما ينقل نظره بينهما
مستغربا قبل أن ينظر له شعيب وقال
" من معه ؟ "
قال من فوره
" وحده لكنه مختف منذ أسبوع تقريبا ولا أحد يعلم أين "
راقبهما بدقة وهما يتبادلان نظرات صامتة جديدة قبل أن يتحدث
شعيب مجددا
" لا بأس لكن إن تركه فلا تستأجره لأحد حتى تخبرنا أولا "
شد على أسنانه بقوة وتمنى أن قال الكثير .. لا بل أن قطع لحمه
بهما لكن لا بأس لابد وأن يأخذ القانون مجراه يوما ما ويأخذ كل
ذي حق حقه ، التفتت الأنظار جميعها للباب مجددا وللذي دخل
منه وقد دفع ذاك الجسد الذي كان يمسك بذراع صاحبته حتى
ارتمت أرضا وقال
" ها هي فتفاهموا في مصيرها "
فوقف ذاك الجسد المنهك ببطء يخفي ذاك الشعر الغجري الأشقر
الطويل ملامح صاحبته قبل أن ترفع رأسها ونظرها ببطء ليس
لهما بل للواقف يمينا ومن هرب من نظراتها وعينيها الباكية فورا
مشيحا بوجهه عنها قبل أن يدفعها نوح من ظهرها للداخل أكثر
حتى اصطدمت بالجدار بقوة وابتعدت عنه تمسح أنفها المتألم
بظهر كفها ببكاء صامت ترفض أن يخرج أمامهم ولا أن
تستجديهم فقد فعلتها حتى مع جسار الذي لم ترى منه رأفة ولا
رحمة يوما لكن هم لا .. لن تفعلها وإن ساوموها بذلك على
حياتها فستختار الموت ودون تردد .
التفتت ناظرة لهم بصدمة حين قال شعيب بأمر مشيرا بسبابته لها
ونظره على أويس
" هذه هي ستأخذها معك أم نحدد نحن مصيرها وندفنها حية "
ارتجف قلبها بل وجسدها بأكمله تنظر بذعر للذي لا مزاح في
كلامه أبدا .. ومنذ متى يعرف هذا الرجل المزاح ولن يليق بوجهه
المخيف قطعا ، نقلت نظراتها الجزعة منه للذي كان ينظر
لثلاثتهم والواقفين قرب بعضهم بكره قبل أن يقول بجمود
" آخذها لأين مثلا ؟ "
فتسربت تلك الدموع من عينيها فورا الواحدة تلحق بالأخرى وقال
نوح بسخرية
" شقيقتك إن كنت تريدها حية "
فصرخ من فوره وبعنف مفجرا كل ذاك الحقد والغضب
" ليست شقيقتي ووالدي لم يقرب والدتها يوما .. هو أنزه
وأشرف من أن تنسب له هذه الفتاة ولا أن يقرب تلك ال.... "
" تتزوجها إذا "
لم تكن الصدمة من نصيبها وحدها هذه المرة بل والذي قطع
كلامه وهمس بصدمة واستنكار ناظرا تحديدا لصاحب تلك العبارة
والذي لم يكن ولن يكون سوى شعيب
" أتزوجها !! "
قال بحزم
" أجل ... ألم تقل بأنها ليست شقيقتك ؟ ستتزوجها إذا ورغما
عنك "
انهارت حينها الواقفة بينهم جالسة على الأرض وخبأت رأسها
بين يديها ولم تستطع ولا الصراخ وكأن صوتها مات ...! اختفى
وانعدم وللأبد فكيف يتزوجها ! ماذا إن كانت شقيقته فعلا وليس
كما يقول ؟ ثم والناس ماذا سيقولون عنهما ووالده اعترف قبل
موته وأمام الجميع بأنها ابنته رغم نكرانه العنيد لذلك قبلها ؟
نزلت دموعها تتقاطر في حجرها ولم تتمنى الموت حياتها كما
تمنته لحظتها رغم أنها ترجته واستنجدت به لليالي وأيام لعله
يرحمها .
" أتزوجها كيف هل جننت ؟ "
نطق أويس أخيرا بما استطاع إخراجه من حنجرته المتصلبة فكان
رد شعيب سريعا وجاهزا
" ألم تقل بأنها ليست شقيقتك ؟ إذا تفضل تزوجها أو ستختفي
من الوجود وأنت المتهم بها "
رفعت رأسها ونظرت لهم وقالت صارخة ببكاء
" اقتلوني أرحم لي واتهموني أنا في نفسي لا مانع عندي ،
أجلبوا لي حبلا وسأشنق نفسي "
ضحك نوح وقال بسخرية وبلا رحمة
" حل رائع ما رايكم ؟ "
نظر له شعيب بتهديد نظرة أسكتته فورا كما اختفت معها
ابتسامته تلك وأطبق الصمت على المكان ليس بسبب ما قاله لأنه
لا يستدعي الصمت بل بسبب تلك الخطوات التي اقتربت من الباب
جعلت الجميع ينظر له ... البعض بفضول والبعض بترقب
واستنكار قبل أن يظهر ذاك الجسد الذي ملأه وحدقت الأعين بتلك
الأحداق الرمادية التي استقرت من فورها على صاحب تلك
العمامة والشعر الذي لامس كتفيه والنظرة السوداء الغاضبة ،
ورغم تلك الملامح الشاحبة المتعبة وبشكل واضح فقد قال
صاحبها بجدية
" عذرا لدخولي دون استئذان لأني لم أجد أحدا وقد دلني أحد
العمال على مجلسكم هذا "
وتابع ونظره لازال على تلك العينان السوداء الجامدة قائلا
" أنا من صدم ابنتكم بسيارتي وعلمت عن قصتها مع شقيقها
وأنا وحيد ولا أحد لي فهل تزوجوني إياها ؟ "
المخرج ~~
بقلم / جزيل العطاء
( رماح & جهينه )
سألت فصيح عربي بجهينة ماقيل؟
فقال:تصغير لجهنة وهو ذاك السواد منتصف الليل.
قلت: جاهل انت و عين رأتها تداعب زبد البحر مثل شمس الاصيل.
قال: و ترخيم لجهانة وهي من ودعت الصبا لتعانق الشباب خليل.
قلت: ويحي أنا وعشقي لصباها قبل شبابها بالقلب سليل.
قال: أعالم أنت عن صفات حامل الإسم ماقيل؟
قلت: بلى بقدرثقتي التي اوليتها كانت ولن أجد دونها بديل.
فقال باسم ثغره: وزد .. حبها لزهو الحياة دليل.
قلت بغصة زاحمت مخارج الحروف بحلقي: أي حب ذاك وهو بخيل؟
فقال مزمجرا: ويحك ياهذا تحديها لواقعها لتكون لك سندا لأمر جليل.
قلت أضرب على خافقي: شفقة منها تلك يرفضها هذا العليل.
قال يضرب كف بكف مسمى شفقة عن حبها كيف تطلقه بديل؟
قلت: أي حب وقد كنت السبب بقطع سبل الوصل منذ وقت طويل.
قال: حبها لك باق وقد زاد مع السنين فهل لها بالمثل عنك قليل؟
قلت ناظرا له: أتسأل حقا عن قليل وقد احتل حبها قلبي سيدا نبيل؟
وكيف بحب يزيد بقلب انثاي مع سنين إتخذت فيها من غيرها حليل؟
ترضونني لها كسيحا لكني لا أرضى يكفيني ذكراها كل مليل.
قال: كفاكم الم قم دق الطبول فقد دنى وقت الوصال فلا تعدو كليل.
أخبرتني هي بأنك الرماح الذي أطاح قلبها بالحب قتيل.
رماحة انتم أشعل لهيب الشوق بالقلب فتيل .
قلت: تتكلم واثقا وانت عما جرى بيني وبينها دخيل.
فقال:"عند جهينة الخبر اليقين" مثل عند عربان قضاعة قيل.
قلت: ماذا تعني فعقلي لم يجد لكلامك معنى وتحليل؟
قال: ويحكم أيها الرجال ألا تدرون ان عذاب النساء هو البعد والرحيل؟
أسرع تحرك لتلحق شمسك قبل المغيب فهي أهم من القال والقيل.
*******
نهـــــــــــــــــــــــــــاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الثامن عشر 18 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الثامن عشر
المدخل ~~
بقلم /غربة وطن 123
مارِيا ≈
أُرِيدُ أَنْ أَعُود صَغِيرَة ☆
أَسِير بِجَانِبِك ڪ الأَمِيرَة ☆
أَلْزَمَك أَيْن ماذهبت ڪ الْأَسِيرَة ☆
أتعثر وَاقِعٌ لِتَكُون لِي أَبَا
يكفكف دُمُوع ابْنَتَهُ الصَّغِيرَة ☆
أَرْقَص وأغني ڪ الفراشة
لتصفق لِي كَأَنِّي فَتَاة مَشْهُورَةٌ ☆
لَكِنِّي كَبِرَت وَلَمْ أَعَدّ صَغِيرَة ☆
عُدْ إلَيّ حَبِيبِي الذي
عَشِقْت لِأَنِّي بدونك فَتَاة فَقِيرَة ☆
اِشْتَاق لبسمتك
اِشْتَاق لهمسك وكلماتك الْقَصِيرَة ☆
أبْحَث عَنْك وأنادي طيفك
فِي الظَّلَام كَأَنِّي فَتَاة مسحورة ☆
أتبخر وأتلاشى بَيْنَ يديك
وَعِنْدَمَا تقبلني قبلاتك الصَّغِيرَة ☆
عُدْ إلَيّ حَبِيبِي الَّذِي سكن
الْفُؤَاد هَذِهِ هِي آمنيتي الْأَخِيرَة ☆
تيم ≈
كَفِي عَن تَعْذِيبِي يافاتني
فَمَا أَنَا إلَّا رَجُلٌ لوعته الْأَيَّام ☆
أَنْت الْأَمَل وَالنُّورِ فِي ظلمتي
وَأَنَا بَيْن حُبُّك وَحُبّ وَطَنِي آصارع الْآلَام ☆
أَعْطِنِي يَدَك وَقْفَي إلَى جَانبي
ولاتكوني انتِ وَالزَّمِن عَلِيّ مَعَ الْأَيَّام ☆
حُبُّك يَسْرِي فِي دمائي مُنْذ صِغَرِي
وماآنا إلَّا مُجْبَرًا لاآخرج بِلَادِي مِن الظَّلَام ☆
ثقي أنَّك وَحْدَك مِن مَلَكَت قلبي
فتعالي أضمك لِصَدْرِي لاآشعر بِالسَّلَام ☆
أَنْت عِشْقِي أَنْت زَوْجَتِي أَنْت ماريتي
وَأَنَا بَيْنَ يَدَيْك طِفْلًا يَبْحَثُ عَنْ رَائِحَة أُمِّه لِيَنَام ☆
*********
لم يكن اجتيازه لتلك الصدمة بالأمر الهين وكم حمد الله أن
الجالسان معه كانا ينظران للواقفة عند الباب وليس هو فإن
كان موقفها وتفاجأها أمر طبيعي لأنها وجدته هنا من دون علم
مسبق فهو صدمته ستكون أمر مستهجن وهو من يفترض بأنه
يعرفها وسبق والتقاها في الحفل فأي حفل هذا وأي تخاريف
أيبحث عن فتاة لأسبوع كامل حتى يئس من إيجادها ثم يذهب لفك
رباط وهمي مع أخرى تهرب منها من أجلها فيجدها هي نفسها
!! كان ليتوقع أن يجدها في المريخ ولا أن يجدها هنا في هذا
المنزل وهذه العائلة !!
لم يعد يعلم أيضحك أم يصرخ أو ليحطم لها عظامها ورأسها على
ما فعلته به ومتأكد أنها تعرفه جيدا وعلمت من يكون منذ نزلت
طائرته ولعبت به تلك اللعبة لا بل هو من وضعهما كليهما فيها
... لا بل هي السبب فلما لم تخبره ؟
أكان كله غضبا واحتجاجا لأنه لم يحضر ذاك الحفل الذي كانت
بالتأكيد ستكشف نفسها له فيه وبدلا من ذلك كشفت به عيوبها .
ورغم أن نظراتها انحرفت عنه سريعا إلا أنه لم يستطع فعلها
يراقب أدق تفاصيلها .. العيان السوداء الواسعة بشكل طولي
مميز أنف يوناني مستقيم يبدأ من الجبهة الواسعة قليلا وبشكل
ميزها لتعرف ذكاءها فور أن تراها وشفاه ممتلئة بشكل متناسق
وجميل ..
ملابسها العملية البسيطة رفعها لشعرها الناعم في جديلة
وإمساكها لغرتها بمشبك صغير وصولا لخطواتها نحوهم فكلاهما
سيكون موقفه لا يحسد عليه ، وقف الجالسان معه وقال والدها
مبتسما ما أن وصلت
" لن يحتاج الأمر أن نعرفكما ببعضكما بالتأكيد فقد سبق والتقيتما
في الحفل ؟ "
نقلت نظرها منه للذي ابتسم لها بسخرية فها هو يذكرها بأنها
كذبت على الجميع وكم تمنت لحظتها أن كانت صادقة لما كان
استقبال والديها له بحفاوة هكذا ولكان ظهر أمامهما على حقيقته
وما كان والدها ليتركه في منزلهم أكثر من دقائق لكنها أنقذته
بينما ورطت نفسها الآن فلم تكن تتخيل ولا في منامها أن يفكر
في زيارتهم بعدما انتهى الأمر بما يرضيه ويخدم مصالحه .
وقفت أمامهم مباشرة ومدت يدها هامسة ونظرها بعيد عنه
" مرحبا "
نظر ليدها لبرهة لأناملها الناعمة الرقيقة والخاتم الفيروزي
البسيط فيها والأظافر المقصوصة بعناية قبل أن يرفع يده
ويتلامسا كفيهما وتلتف تلك الأصابع الرجولية الطويلة على كفها
الصغير فرفعت حينها نظراتها لعينيه المحدقة بوجهها وتلك
الابتسامة الساخرة لازالت تزين شفتيه وكم كرهته حينها ليس
بسبب كل ما حدث بل بسبب ذاك الشعور الذي يولده داخلها ما
أن تراه فكيف الآن ؟ استطاعت أن تقول أخيرا وبابتسامة تشبه
ابتسامته
" أجل نعرف بعضنا وجيدا أيضا "
وسحبت يدها من يده وأبعدت نظرها عن نظراته التي باتت
توصلها للجنون .. نظرة تعاكس الغضب الذي هي متأكدة من أنه
يشتعل داخله منها فإن كان قصده إحراجها أمامهما فقد نجح
وبحدارة .
" معذرة منكم "
تمتمت بتلك الكلمات قبل أن تغادر من هناك ووجهتها ممر الغرف
ودخلت غرفتها فورا وأغلقت بابها خلفها واتكأت عليه ترفع
رأسها للأعلى وأغمضت عينيها بقوة فلما تراه في كل مرة
يلتقيان فيها أجمل وأوسم من سابقاتها ؟ يا إلهي إنها تغرق
ورغما عنها وفي المياه الضحلة التي لن تعيش فيها طويلا
وليست تفهم لما تتشابك أقدارهما هكذا ! جل ما تتمناه أن يكون
قادما ليعتذر عن تلك الخطبة وبشكل نهائي وأن يكون تحدث في
الأمر قبل أن يراها رغم أن ملامح والديها وابتسامتهما لم تكن
تحكي ذلك أبدا ، كانت ترى الحماس في نظراتهما وكأنهما
يتمنيان بالفعل أن تسير الأمور عكس ما كانت عليه فهي المخطئة
زينت صورته بكل غباء وها هو وقت دفع ثمن أخطائها .
ابتعدت عن الباب ورفعت يدها لشعرها ونزعت الرباط المطاطي
منه بقوة وتناثر شعرها على ظهرها وصولا لأسفله ورمت ما في
يدها على طاولة التزيين وأتبعته بحقيبتها فاليوم كان سيئا من
أوله فقد خسرت الوظيفة التي كادت أن تحصل عليها وها قد ختم
يومها بهذه الزيارة المفاجئة لمن لم تتوقع أن تراه بعد تلك المرة
، ولم تكن تعلم بأن فصول تلك الحكاية لم تنتهي بعد حتى انفتح
باب غرفتها بعد طرقة خفيفة ودخل منه الذي قال بملامح متصلبة
" كنانة ما هذه الحركة الحمقاء وقلة التهذيب الذي
تصرفت به ؟ "
التفتت له وكانت ستتحدث فسبقها قائلا بضيق
" هل ربيتك على هكذا تصرفات يا كنانة ؟ "
أرخت نظرها للأسفل وهمست
" لا أبي وأنا كنت متعبة و.... "
قال من فوره وبضيق
" وإن يكن فليس من اللباقة أن تغادري بتلك الطريقة وما هو
قادم من أجله سيكون موضوعا يخصكما كليكما يا كنانة "
تنهدت بضيق مبعدة نظرها عنه فها قد قال سيكون يخصكما ولم
يقل يخصكما فقط أي أنه لم يتحدث عن الأمر بعد وهنا تكمن
الكارثة ، أخفضت رأسها قبل أن تنظر جانبا ووصلها صوته قائلا
باستغراب
" أنا حقا لم أفهم لما لم يعجبلك يا كنانة ؟ فترة جلوسي معه لم
أعرف سوى شابا مهذبا خلوقا تفكيره متحضر وراقي إن تحدث
مع والدتك فهم كيف تفكر وما أن تحدث معي أنا شعرت بأنه من
سني ويفهم طريقة تفكيري ولن أفكر ولا واحد بالمئة بأن مظهره
وشخصيته لم تعجبانك فحتى الأعمى لن يصدق ذلك فلست أفهم ما
هذا الذي لم تتوافقا فيه يا كنانة ؟ "
ولا هي تستطيع نكران ذلك وقد رأته وعرفته قبله بل وأفقدها
عقلها في دقائق معدودة ولازالت حالتها سيئة حتى الآن لكن
كرامتها فوق كل شيء ولن تنزلها ولا من أجل قلبها ، تنهدت
بعمق قبل أن تنظر للأسفل قائلة
" سأغير ملابسي وأخرج "
قالتها فقط على أمل أن لا تجده بعد أن تستحم على مهل وتغير
ثيابها على أقل من مهل لكن ذلك لم ينجح أيضا والواقف أمامها
يقول بحزم
" لا أرى من مشكلة في ملابسك وهو رآك بها فتغييرها لن
يجدي في شيء "
زمت شفتيها بحنق تمسك نفسها عن قول أي كلمة فما الذي
سيعنيها هي في الأمر لتتزين وتتأنق له ويوم كانت مستعدة لفعل
ذلك لم يهتم ولا لرؤيتها ، تنهدت باستسلام متمتمة
" حسنا قادمة "
قال من فوره وبأمر
" بل أنتي من ستذهبين قبلي لا أريده أن يلحظ شيئا يكفي ما حدث
حتى الآن "
تنهدت باستسلام وتحركت مجتازه له وغادرت الغرفة تسير
بخطوات بطيئة فهذا ما تستحقه وسعت له بنفسها مكانة لا
يستحقها وسط عائلتها ، سارت بذات البطء حتى كانت في بهو
المنزل ووصل لمسمعها حديثهما أو صوت والدتها وهي تجيب
سؤاله على ما يبدوا قائلة بابتسامة
" أجل لقد درست في أكادمية الطيران وعملت كمضيفة ثم انتقلت
للعمل في المطار كموضفة لأن عمل المظيفات لم يرق لها بسبب
ما فيه من مخالفات رغم حبها الشديد له فوجدت أن مهنتها
كموظفة في قسم الملاحة الجوية بدوام جزئي أفضل ولسنا نفهم
ما غير رأيها بشأنه فجأة ؟ "
شدت على أسنانها بغيظ وتحركت نحوهما فيبدوا أن تحقيقا
بشأنها قد بدأ للتو هنا ، أبعدت نظرها عن الذي شعر بها أولا
فنظراته تبعتها بشكل مزعج مستفز وكأنه يتعمد فعل ذلك وأن
يوصل وجنتيها المرتفعتان للإحتراق ، وما أن شعرت بها التي
التفتت لها وأدارت نظرها معها قالت بابتسامة
" كنا نتحدث عنك للتو "
وكم كرهت حينها إعجاب والديها به حتى أنها ترى وبوضوح
أنهما يأملان في أن تتغير مجريات الأمور وهي السبب طبعا ..
سحقا لها ، جلست بجانب والدتها وقالت ببرود
" يبدوا أن الحديث تغير ناحيتي فجأة ؟ "
وتعمدت أن لا تنظر ناحيته بينما كان التعليق ممن لم تترك مجالا
لأحد للتحدث وهي تنظر لقدمي الجالسة بجانبها عاقدة حاجبيها
قائلة
" أوه كنانة أنتي لم تغيري حذائك وقت دخولك ؟ انظري لقد تركت
أثرا بشعا على الأرضية "
نظرت لقدميها ثم للجالسة بجانبها وقالت مبتسمة
" نسيت أمي أنا آسفة "
ابتسمت لها وقالت
" حسنا لا بأس حبيبتي هي تحتاج فقط للتنظيف مجددا ، من
الجيد أنك لم تتحركي كثيرا في المنزل "
قالت تغتصب ابتسامة مصطنعة واضحة
" أنا من سيقوم بذلك فيما بعد أمي لا تقلقي "
" ناااادية "
التفتت المقصودة تلقائيا لسماعها اسمها من بعيد بينما مطت
الجالسة بجانبها شفتيها بامتعاض ما أن سمعت صوت والدها
يحاول ابعادها عنهما .. حركة جعلت الجالس على يسارهما يخفي
شفتيه وابتسامته في قبضة يده التي يريح مرفقها على مسند
كرسيه الجانبي فوقفت تلك من فورها واعتذرت بهمس مبتسمة
وغادرت من هناك ونظراته تتبعها حتى اختفت لتنتقل حينها
للجالسة على يمينه والتي رمته بنظرة حانقة لا تشبه بتاتا نظرته
تلك التي تكاد تجعلها تدخل اصبعيها في عينيه بسببها وهمست
ببرود
" لماذا أتيت ؟ "
رفع ذقنه بإبهامه لازال يسنده بقبضته وقال بابتسامة جانبية
" لما لم تقولي هذا أمام والدك ومالك المنزل الأساسي ؟ "
زمت شفتيها بحنق ورفعت ذقنها قبل أن تقول
" لو كان يعلم بفعلتك تلك ما كان ليستقبلك أساسا فما الذي
أحضرك الآن ؟ "
اتسعت ابتسامته أكثر وأرخى ظهره على الكرسي قائلا
" أرى أن يأتي ونخبره بفعلتي الآن "
قالت من فورها وبضيق
" وتظهرني كاذبة أمامهما ؟ "
حرك كتفه قائلا بسخرية
" حسنا لا مانع لدي فهذه بتلك "
نظرت له بغضب لم يعره أي اهتمام مما جعلها تشتعل أكثر ،
سحقا له لقد رمت بيديها الكرة في ملعبه وسيعاقبها الآن كما
يشاء ، قالت بحنق لم يعد يمكنها إخفائه
" وما الذي جعلني أفعلها برأيك ؟ ألا ترى بأني من حفظ ماء
وجهك من الإحراج ؟ لو لم تكن والدتي مريضة حينها وذهبا
للحفل لما حضيت بكل هذه الحفاوة فهما منخدعان بك وللأسف "
مرر أصابعه في شعر صدغه وكأنه يخطط لقتلها لا محالة وقال
بتأني
" أنا لم أطلب منك أن تزيني صورتي أمامهما .. أنا قادر على
فعل ذلك بنفسي "
ياله من مغرور .. كان هذا أول ما قاله عقلها وهي ترى ثقته
وكأنه لم يفعل شيئا لكنها لن تسكت له أبدا فهو المذنب لا هي ،
قالت مبتسمة بسخرية
" بالكذب طبعا ؟ "
انحنى للأمام قليلا وقرب وجهه منها قائلا بابتسامة
" بل بالحقيقية "
وما أن عاد لجلوسه السابق دس يده في جيب بنطلونه وأخرج
ورقة ومدها لها فورا فنظرت لها لبرهة بين أصبعيه السبابة
والوسطى قبل أن تمد يدها وتأخذها منه وما كانت لتهتم لولا ثقته
الزائدة التي حركت فضولها لتعرف ما تحويه هذه الورقة ليكون
دليلا لصالحه ! فتحتها ونظرت لها باستغراب لأن ما تراه أمامها
كانت وصفة علاج طبية ! رفعت نظرها له حين قال مبتسما
بسخرية
" انظري للتاريخ والوقت لتتأكدي أكثر أو استفسري من الفندق
فقد أكون كاذبا أيضا "
جعدت الورقة بين أناملها منزلة ليدها لحجرها حين سمعت
الخطوات التي اقتربت من مكانهما وتصلب جسدها بأكمله حين
وقف الجالس بقربها وانحنى ناحيتها وهمس في أذنها ببعض
الكلمات وعاد للجلوس سريعا في اللحظة التي كانت موقنة من
اقتراب والديها منهما فيها ورؤيتهما لذاك المشهد فتمنت أن
غرست أسنانها في ذاك العنق ومصدر تلك الرائحة الرجولية
المميزة والمتلفة للأعصاب ليس بسببها فقط بل وبسبب كلماته
وحركته المتعمدة تلك ولم تنتهي فصول لعبته كما توهمت وهو
ينظر لها مبتسما بمكر بل بتسلية لما يفعله بها في استقبال
والديها وقد نظر لهما مبتسما وقال
" كان عليا أن أعتذر عن سوء الفهم الذي حدث سابقا "
تشنجت عضلاتها وكادت تفقد سيطرتها على كل شيء فها هو
يلعب بمكر لكنه فاجأها حين قال
" لقد التقيت وكنانة في المطار وقت نزول رحلتي وأحدنا يجهل
من يكون الآخر وهنا كانت المشكلة وحدث سوء الفهم بداية
الأمر "
قال والدها الذي جلس يسارا
" آوه الآن أصبح بإمكاني فهم الأمر ولما حدث ما حدث في
الحفل ويبدوا أن كل ما في الأمر سوء فهم صغير ؟ "
قال الذي نقل نظره لها مبتسما
" أجل هو كذلك "
لم تشعر بالرغبة في ضربه كما حدث حينها وما زاد الأمر سوءً
حين قالت والدتها بحماس
" جيد فنحن نكره فعلا أن يكون ذلك بينكما ... وحتى إن لم
ترتبطا "
تنهدت براحة حاولت إخفائها بشق الأنفس فعلى الأقل أنقذت
والدتها ما تبقى من كرامتها نهاية حديثها يكفيها ما حدث حتى
الآن ، وقف حينها ووقفوا جميهم لوقوفه وكم كانت ممتنة لذلك
فكل ما تريده أن يغادر فقط وأن تجد أنها أصبحت لوحدها ولا أحد
معها تلملم شتات نفسها وما تبقى من كرامتها ومشاعرها
المعبثرة ، وظنت أن مراحل اللعب بالأعصاب انتهت عند ذاك الحد
لكن ذاك الثري الوسيم يبدوا كان يخفي لها المزيد وهو ينظر
للواقفة بجانبها وقال مبتسما
" آسف على هذه الزيارة الطويلة المعقدة وستتكفل والدتي بما
لا نفهمه نحن الرجال ولا نعتبره للأسف مهما "
كانت نظرات الصدمة الموجهة له حينها من شخص واحد فقط
والوحيد الذي استطاع هو التقاط نظرته تلك مبتسما وغمز لها
بعينه مما جعل الشخصان الواقفان معهما ينسجما في ضحكة
طويلة صادقة بينما كان ثمة من تقف بينهما تكاد تشتعل وتحرق
كل شيء أما هو فكان يعلم جيدا أن هذه العائلة عاشت وتربت في
مجتمع وبيئة منفتحة وكان موقنا من أن بعض الأمور يعدونها
عادية جدا بين من يكونا على ارتباط وإن كان ليس رسميا
والدليل كان السماح لها بالتعرف عليه سابقا وتركها معه
لوحدهما قبل قليل بينما التي كانت ما تزال ترمقه بتلك النظرات
الحانقة ما كانت لتتوقع أن الأمور قد تتطور لهذا الحد وفهمت
حينها معنى الكلمات التي همس لها بها قبل قليل ، صافح والديها
بينما كانت تحيته لها مختلفة تماما وهو يمد يده لوجهها ملامسا
طرف أنفها المستقيم المدبب بسبابته وقال مبتسما
" عودي للمطار يا كنانة لا تخسري عملك المفضل بسببي "
وغادر بعدها من فوره وتبعه والدها للخارج وما أن تواريا خلف
باب المنزل المفتوح نظراتها الحانقة تتبعه قالت التي ضمت يدها
بحماس
" رباه كم هو رائع يا كنانة كيف لم تتفقا قبل الآن ؟ يا له من
شاب راق حقا جاء ليعتذر وهو لم يرتكب أي خطأ "
نظرت لها بحنق وكانت ستتحدث ستقول أي شيء وإن الحقيقة
وأن تسبه أن تشتمه لكن الكلمات علقت في حلقها وكانت شفتاها
تتحرك من دون صوت وكأنها فقدت الكلمة التي تريد قولها
فضربت بقدمها الأرض بغيظ وغادرت من هناك ودخلت غرفتها
ضاربة بابها خلفها بقوة ورمت الورقة من يدها فهي تتوقع جيدا
ما يحدث الآن في الخارج ووالداها يخططان لكل ما سيحدث
مستقبلا ، توجهت لحقيبتها وأخرجت هاتفها وقبل أن تفكر في
فعل أي شيء سبقتها الرسالة التي وصلته وهو بين يديها وكانت
من رقمه فهي تحفظه جيدا ، فتحتها فكان فيها
( عودي للمطار يا كنانة فسيتم نقلك منه لبلادك وستعملي مظيفة
مجددا لكن في رحلاتي فقط )
رمت الهاتف على السرير بغضب قائلة
" ومن قال أني أريدك أن تحقق لي حلمي الضائع مني ؟ ومن
قال بأني سأذهب للوطن أساسا "
جلست على السرير ورمت الحذاء من قدميها بحركة غاضبة دون
أن تلمسه بيديها قبل أن تجعلها والدتها تغسل ارضية المنزل
بأكمله بالماء والصابون وأمسكت هاتفها مجددا وأرسلت له
( ومن قال بأنه ثمة ارتباط سيكون بيننا أساسا ؟ تزوج من الفتاة
التي تريدها وابتعد عني )
وكما توقعت وصلها الرد سريعا
( قولي هذا لوالديك وليس لي ... وبالنسبة للأخرى فلابأس
أتزوجها عليك )
نظرت لأحرف رسالته بصدمة أصابت قلبها قبل كل شيء وأرسلت
له سريعا
( بل ستتزوجها هي وتتركني وشأني ورغما عنك )
ولم يتأخر رده كالعادة
( بلى سأتزوجها وأنت لي يا كنانة ورغما عنك )
رمت الهاتف من يدها وعبست ملامحها متمتمة بقهر
" ليس هكذا ... وأين كرامتي ؟ "
*
*
*
شعرت بأن قدماها عالقتان في الأرض ولم تستطع ولا التقدم
خطوة للأمام وكم تمنت لحظتها أن عادت أدراجها راكضة
وغادرت من هناك واختفت وللأبد لكنها لن تفعلها أبدا ولن تظهر
له ضعفها وبأنها تتألم لاختياره لغيرها ، كان جرحا وضربة قوية
لقلبها المعلق به أن يعاملها بتلك الطريقة القاسية ويخطب أخرى
.. كيف يسمح لنفسه بفعلها ؟ كيف ستراهما معا بل وتدخل
منزلهما وترى أطفالهما قسما أن تموت ... لم تكن تتخيل الأمر
قاسيا ومؤلما هكذا ! يا الله ما أشده على قلبها فكيف ونظراتها لم
تستطع أن تبعدها عن ملامحه التي اشتاقت لها بجنون وذقنه
الخفيف قد نمى بشكل مرتب ومميز وذاك القميص القطني يبرز
جسده الرائع وبنطلون قصير ... إنه نموذج حي لرجل الأحلام
وللزوج والحياة المنزلية الدافئة والحميمية وكل هذا ستحظى به
امرأة أخرى بينما هي تقف تتفرج وليس وحدها في صورة بل
ورجل آخر يقف بجانبها ليست تعلم حتى كيف يكون وإن كانت
ستنظر له كهذا يوما أم لا ! أنزلت حدقتاها المليئتان بالألم بعيدا
عن عينيه تدفن كل ذلك فيهما ليوقظها مما هي فيه صوت الواقف
بجانبها مستغربا
" تيما يد قاسم ممدودة لك من وقت ! "
رفعت حينها نظرها لتلك اليد وشعرت بكل عصب في جسدها
يرتجف شوقا ويدها تلامسها فكيف وهي من اختبرت سابقا هذا
الملمس وليس على يدها فقط بل وجسدها بأكمله وهي تجد الأمان
في حضن صاحبها واختبرت وجنتاها الناعمة ملمسها ، ولم يكن
حال الواقف أمامها بمختلف عنها ونظراته المستغربة تنتقل بين
ملامحها لاختفاء تلك النظرة المتلهفة التي لمحها في عينيها
ليزحف لها الموت البطيء فجأة ! ولم يترك يدها حتى سحبتها
هي من يده فلم يشعر إلا وقتها بعذاب فقدان ذاك الملمس سابقا
ولم يفهم غرابة تصرفاتها أكل هذا بسبب حديثهما الأخير ؟
لكنه اعتذر وكرر اعتذاره ! شعر حينها بأمله في نيلها يضمحل
ويتناقص خاصة مع العهد الذي قطعه لوالدها أن لا يتحدثا في
الأمر لكان حملها على كتفه الآن وأخذها حيث يمكنهما التفاهم
وبالطريقة التي تعجبه ، فتح لهما الباب أكثر وقال
" تفضلا لقد كانت مفاجأة مميزة "
قال صقر وهو يدخل مبتسما
" سنساعدك فيما قلت بأنك لم تقتنع برأي مهندس الديكور فيه
لذلك جلبت معي العنصر النسائي الوحيد في المنزل فذوق النساء
في هذه الأمور متشابه "
ودخل ينظر حوله ونظرات من اجتازه للتو لازالت معلقة بالتي
دخلت خلفه تتجنب النظر ناحيته وغابت حدقتاها الزرقاء في
تفاصيل المكان ، كانت فيلا جميلة تراها منزلا عائليا صغيرا
ومميزا بل ودافئا وحميميا للغاية مع ذاك اللون القرنفلي المميز
للجدران مع نقوش ذهبية لزهرة القرنفل .. السلم اللولبي
والفواصل الزجاجية المفضلة لديها في ديكور المنازل ، كانت قطع
الأثاث المغطاة منتشرة بعشوائية كما التحف والمناظر وبعض
علب الصمغ والطلاء ولفافات من ورق الجدران وشعرت بالمرض
لتفكيرها بأنه ثمة من ستعيش معه هنا ويجهزه من أجلهما ...
لما لا يشعر كما تشعر ؟ لماذا لا تستطيع أن تكون مثله !
يا إلهي إنها تموت وكم تخشى أن تفضحها دموعها سريعا .
قال صقر باشمئزاز مكشرا ملامحه
" بالله عليك يا رجل لما تستحمل الحياة هنا مع هذه الروائح
الخانقة ؟ كنت بقيت معنا هناك حتى اكتمل منزلك أو حتى
تتزوج ؟ "
انقبضت تلك الأنامل البيضاء الرقيقة مع بعضها تخفي انفعالها
فيهم حتى كانت مفاصلها تبيض وبشدة بينما حاولت أن تحافظ
على نظرتها الجامدة وهي تنظر للمكان بنظرة شاملة وقال الذي
لم يتوقف عن تأملها ولا تأمل تلك الملابس التي يراها بها أجمل
من كل مرة رغم أنها رائعة كيفما كانت
" أحيانا ثمة خيارات أقل ضررا من غيرها مهما كانت صعبة "
فأشاحت بوجهها عنه .. تلك التي لازالت تفسر الأمور بشكل
مغاير للواقع ولا أحد منهما قادر على إيصال ما يشعر به للآخر
وأحدهما قيدته الوعود والآخر وصل به الألم درجة أن عجز عن
التعبير عما في داخله ورغم كل ذلك قرر أن يتحدث منتظرا أن
يأخذ برأيها في كل ما سيفعله هنا وما كان يتمنى أن يختاراه
ويقرراه سويا بالفعل وإن بحضور والدها فقال ونظره لم يفارق
ملامحها الجميلة سجينة ذاك القماش الأبيض الذي لم يزدها سوى
رقة وجمالا
" مهندس الديكور اعتذر بسبب وفاة قريب له بالأمس ونحن لم
نتفق بعد بشأن أمور كثيرة وقد تساعداني في هذا "
قال الذي أحاطت ذراعه بكتفي الواقفة بجانبه
" ولهذا نحن هنا بل وأحضرتها معي تحديدا أما أنا فلست أفهم
في هذه الأمور أبدا "
تحرك من فوره قائلا
" حسنا يمكنني إحضار ورقة وقلم "
وراقبته نظراتها العابسة وخطواته الواثقة الواسعة تجتاز الأريكة
في منتصف المكان قبل أن يدور حولها فها هو سعيد جدا
بتحطيمها وكأن شيئا لم يكن .. حمقاء وما هذا الشيء الذي
سيكون مثلا ؟ لم يكن ثمة شيء بينكما لا شيء ولا وعد صغير
ولا كلمة واحدة عبر فيها وإن بتمويه عما في داخله أي لا وجود
لك ولا مكان وها هو أكبر دليل أمامك خطب ويجهز نفسه للزواج
وليس يعلم في أي أرض تكونين ، شعرت بنيران غيرتها تشتعل
كالسعير وهي تفكر في التي اختارها وستعيش هنا .. لا ويريدان
أن تختار هي تفاصيل منزل أحلامهما ! قسما لن تتركها تهنئ
بهذا وستجعلها تشمئز ما أن تدخله ، ما أن عاد نحوهما مجددا
ونظره على الورقة المطوية في يده نظرت حولها وقالت بجمود
" أرى الستائر تكون زرقاء "
نظرا لها كليهما باستغراب وقال صقر
" زرقاء مع جدران قرنفلية يا تيما ! "
قالت بامتعاض
" ألم تسألوا عن رأيي ؟ وهذا هو رأيي في الأفضل له "
قال الذي بدأ بتدوين ذلك في ورقته
" حسنا لا بأس ... أنا لا مانع لدي "
وما أن سمعت تلك العبارة وكأنه قام بتشغيل زر الفوضى في
دماغها قبل منزله الجميل وهي تتحرك من مكانها بحطوات بطيئة
تنظر لما حولها قائلة
" هنا تكون أريكة زهرية ... هنا سجادة خضراء مع نقوش نارية
... التحف بيضاء و.... "
وبدأت غيرتها الأنثوية المشتعلة في العبث في تفاصيل كل شيء
منتقمة من الذي كان يتبعها ويكتب كل ما تقوله نظراته المندهشة
من اختياراتها فقط ما يعبر عن دواخله والتي لم تكن تراها أساسا
ولم تهتم لرؤيتها ، بينما لم يفكر هو في مناقشتها فيما تقوله
لأنه أراد بالفعل أن تختار هي منزلها كيف تريد أن يكون وإن لم
توافق عليه ولم تكن زوجته فيكفيه أن يعيش فيما اختارته ووحيدا
أيضا ... وها قد أتته الفرصة لمنزله فكيف يرفضها ؟
دخل ذاك الصوت الرجولي مع صوتها الأنثوي الذي ملأ المكان
الشبه فارغ وكان للذي تركاه خلفهما والذي قال بصوت مرتفع
ليسمعاه
" لكنك اشتريت أغلب ما تحدثت عنه يا قاسم فلما تكتبه ؟ "
قال الذي لازال يدون بعثرات أحرفها المستاءة
" لا بأس سأغيره "
ولم يزد ذاك الواقفة أمامه إلا اشتعالا وهي تراه لا يهتم ولا بردائة
ذوقها بل ويوافق عليه ! هل بهذا ينتقم منها ؟ قسما أنه نجح في
ذلك وبجدارة ، طوى الورقة مرتين ثم دسها في جيب بنطلونه
ونظر لها هذه المرة لتتبع نظراته فورا مسار نظراتها المتجهمة
والتي لازال لا يفهمها مع مزاجها السيء الذي لم يفارقها !
وحين اكتشف ما كانت تنظر له تحرك نحوه مسرعا ورفع
اللوحة المغطاة بشكل شبه كامل سوى جزء بسيط منها في
الأعلى وأبعدها كي لا تراها ووضعها مقلوبة على الجدار خلف
الكرسي الذي كانت عليها وعاد جهة الأريكة القريبة منهما
وقال وهو يزيل الأوراق عنها
" تفضلا بالجلوس .. آسف الفوضى هنا في كل مكان عدا هذا "
تحرك صقر من فوره وجلس عليها متنهدا بارتياح وقال
" تعالي يا دمية آل الشاهين لنرى شجرة الزيتون ماذا ستضيفنا
ونحن نزورها فجأة ؟ "
تنهدت بأسى بينما ضحك الواقف على بعد خطوات منها وتحرك
من هناك قائلا
" صحن زيتون بالطبع ماذا ستتوقع من شجرة زيتون ؟ "
وغاب عنهما بسرعة في جهة خمنت أنها ستكون للمطبخ بالتأكيد
فتحركت بخطوات حانقة وجلست بجواره تضرب قدمها الأرض
بتوتر بل بانزعاج من كل شيء حتى من نفسها فلو كانت تعلم
أنهما قادمان هنا وأن الأمر هكذا ما أتت معه ولكانت رفضت ولن
تراعي مشاعر عمها في الرفض أبدا ، نظرت حيث ظهر القادم
من هناك يحمل صينية تقديم في يديه قبل أن يظهر لهما من
خلف الفاصل الزجاجي وعبست ملامحها الجميلة وأبعدت نظرها
عنه فها هي تلك الحمقاء حضت بكل هذا ... رجل متكامل حتى
أنه يعرف الطبخ ويقوم بأعمال المنزل دون تذمر ولا رفض ، كم
تكرهها وتتمنى أن يحترق هذا المنزل بها ما أن تدخله شرط أن
ينجوا هو طبعا فلن تحتمل فكرة فقدانه وإن اختار غيرها وكانت
غاضبة منه فتريده فقط أن يُعاقب ليشعر بها لكن ليس أن يموت .
وصل عندهما ووضع أمام كل واحد منهما صحن كعك شيكولا
وكوب عصير لوز وقال مبتسما وهو يرفع نظره للتي وضع
الكوب أمامها
" اخترت عصير اللوز خصيصا من أجل شجرة اللوز فلن نشرب
زيت الزيتون طبعا "
ضحك صقر ورفع كوبه بينما ذبلت تلك الابتسامة حتى اختفت من
شفتيه وهو يرى تلك النظرة العابسة المستاءة تتحدث ولا يفهم
حقا ما تقوله فمؤكد والدها أخبرها فلما هي مستاءة منه ؟
هل لأنها ترفضه لكنها تقع تحت تأثير ضغط كبير منه !
لكنه قال هي من ستختار فما سر هذا الموقف العدائي منه !
ألازالت على موقفها رغم اعتذاره وخطبته لها ؟
جلس أمامهما وذاك الجو المتوتر بدأ ينتشر وصولا له أيضا
لازال يراقب تلك الملامح الفاتنة الحزينة تارة والمستاءة تارة
أخرى وتلك الشفاه الرقيقة المزمومة أغلب الأوقات وتنهد
باستياء من ذاك المدعو مطر شاهين فهو السبب لكان سحبها
للخارج الآن وعلم كيف يتفاهم معها لكنه أغلق جميع السبل
أمامه وتركه هكذا يشتعل في صمت ، مرر أصابعه في شعره
ونظر جانبا بل وقرر أن يرحمها من نظراته أخيرا لعلها تستطيع
أن تبتلع لقمة أو اثنتين فلم تفهم حتى الآن لما لا يتوقف عن
مراقبتها ! أيحتفل بانتصاره عليها أم يراقب نتائج تحطيمه
لقلبها الغبي ؟
سحقا للرجال ... هذا ما رددته في داخلها وبكل ألم فلم تتوقع
أن يكون قاسيا معها هكذا ومجحفا في حقها ! وضعت صحنها
حين لم يعد يمكنها أكل المزيد منه ونظرت للجالس بجانبها
والذي يبدو انسجم في الأكل ويكاد ينهي طبقه وقال مبتسما
وهو يأكل آخر لقمة ويخرج الشوكة من فمه شبه نظيفة
" من هذا الذي وثقت به لتشتري منه يا عدو المأكولات
الجاهزة "
قال الذي نظر له مبتسما
" بل جهزتها بنفسي وهذا اعتراف منك بأني أتقنتها أخيرا
ولو كان كين هنا لسخر منك ومني "
ضحك صقر وقال
" لو كنت امرأة لتزوجتك رغما عنك "
ضحك ونظر للتي رفعت طبقها مجددا وعادت للأكل منه وابتسم
بارتياح فها هي على الأقل ستأكل حين علمت بأنه من أعده حتى
إن كانت لا تفضله على ما يبدوا أو لم يعجبها ! وقف بعدها
وغادر جهة المطبخ مجددا ونظراتها تتبعه قبل أن يرجفها ذاك
الصوت بجانبها
" دعيه يرى أنك ربة منزل جيدة أيضا وخذي الأطباق قبل أن
يأتي لأخذها "
نظرت له بعبوس فضحك ورفع هاتفه فتمتمت بضيق تجمع
الأطباق في الصينية
" تعرف كيف تهرب من مهام التنظيف دائما "
ووقفت تجر خطواتها مرغمة ودخلت المكان الذي لم تكن تريد
زيارته ولا أي مكان آخر في ذاك المنزل فيكفيها احتراقا أكثر من
ذلك لكن هذا يبدوا لن ينتهي أبدا حتى تحترق وبشكل كلي ، وها
هي تواصل مسيرة عذابها الطويل تنظر لتفاصيل ذاك المطبخ
الذي دمج اللونين الأسود والبني المحروق والأرضية السوداء
من الرخام الصناعي أو البورسلين وقد تم تغطية سطح منضدة
المطبخ أيضا بالبورسلين لكن باللون الأبيض مع إضاءة واضحة
من خلال الواجهة الزجاجية لتضفي نورا طبيعيا متناغما مع
ألوانه الغامقة ومع بار خشبي جانبي قريبا من تلك الإطلالة
المميزة للفناء الخلفي للفيلا بينما تم اختيار قطع وتحف
وإلكترونيات المطبخ باللون الأبيض وعلمت حينها بأنها ألقت
بنفسها لمسببات المرض المميت وها هو كل شيء فيها يؤلمها
خاصة وهي ترى الواقف هناك مواجها لذاك الباب الزجاجي
مكتفا ذراعيه لصدره ولا يفعل شيئا وكأنه ينتظر شيئا ما أو
أحدهم فهل يكون ينتظرها هي ؟ حركت رأسها نفيا فلتتوقف عن
التفكير بحمق ، دخلت ووضعت الصينية مصدرة صوتا ما كان
لها أن تمنعه رغم أنها وضعتها برفق مما جعل الواقف هناك
يلتفت لها فورا ووجدت أنه من السخف أن تضع ما في يديها
وتغادر ولا مناص لها من البقاء حتى تغسل الأطباق والكؤوس
على الأقل فتوجهت جهة المغسلة من فورها ووضعت الصينية
التي رفعتها مجددا هناك وبدأت ضربات ذاك الغبي الموجود وسط
أضلعها بالارتفاع ما أن شعرت بتلك الخطوات تقترب منها وكادت
تفقد أنفاسها تماما حين شعرت به يقف خلفها مباشرة وتصلب
جسدها بأكمله ما أن امتدت تلك الأصابع ليدها والتفت حول
كفها الصغير وهمس قرب أذنها
" ما بك يا تيما ؟ "
أدارت رأسها جانبا ورفعت نظراتها به والتقت عيناهما عن قرب
وأعادت له تلك التساؤلات التي تكاد توصله للجنون فلم يعد يفهم
أرسالة رفض هذه أم عتاب ومن نوع صامت وقاسٍ جدا ؟
لكن لما ! ... ماذا عليه فعله أيضا !
بل ذاك السؤال كان ما دمر الواقفة ملاصقة له تقريبا فما الذي
تفعله وبماذا تجيب على سؤاله ؟
ما بي مثلا ... ؟
إنني أحترق غيرة وأموت مئة مرة لأنك ستتزوج ولم تهتم لأمري
يوما ، فبما سيخبرها مثلا ؟ أنت كشقيقتي أم كابنتي أو أنه لا يريد
امرأة بماض سيء وهذا ما قاله أمامها وبوضوح سابقا ، شعرت
بيده تعتصر قلبها وهو يشد أصابعه الطويلة على أناملها وقال
ولازال ناظرا لعينيها
" حتى أني اعتذرت ولمرتين ولم تقبلي اعتذاري ! "
سحبت حينها يدها منه قبل أن تضعف أكثر وتتصرف بحمق
ويقسوا عليها بردة فعله الأخوية نحوها وقالت ببرود
" آسفة فلا شيء بيننا نعتذر عنه ... سبق وقلت ذلك مرارا "
وغادرت من هناك قبل أن تضعف بالفعل وماذا ستفعل مثلا تترجاه
أن لا يتزوج ؟
أن يفكر فيها بطريقة تعاكس معتقداته بها وما رآه بنفسه !
وصلت بهو المنزل تشعر بتلك الخطوات تتبعها فوقفت ونظرت
للجالس مكانه يضع هاتفه في جيبه ناظرا لها وقالت سريعا
" عمي لنغادر "
نظر لها باستغراب ثم للواقف خلفها يمسك خصره بيديه وينظر
جانبا قبل أن يعود بنظره لها قائلا
" لكننا لم نرى باقي الفيلا يا تيما ! "
سحبت انفاسها التي ستخونها لا محالة بفضحها بعبراتها
المجنونة إن بقيت هناك أكثر من ذلك وقالت بصوت مخنوق
" لقد أخبرت الخادمة لتخبر والدتي عن خروجي وأخشى أن
لا تكون قالت لها "
قال مباشرة
" اتصلي بها إذا "
كان التعليق من الواقف خلفها والذي قال
" لا تضغط عليها يا خالي ، إن كانت تريد أن تغادر فخذها
وعد بعدها إلى هنا "
اقشعر جسدها لا شعوريا من نبرة صوته الباردة تلك وها قد
غضب أيضا العريس ! فلينتظر مهندسه لما عليها هي من تنسق
له منزل الزوجية ، تحركت دون أن تنتظر تعليقا من الذي لا زال
جالسا مكانه وخرجت من الباب الذي تركته بعدها مفتوحا فوقف
الذي كانت تتبعها نظراته المستغربة قبل أن ينظر للواقف مقابلا
له ومن كان لازال ينظر لمكان خروجها وقال
" ما بها ؟ "
أشاح بوجهه وقال ببرود
" لا أعلم مزاجها هكذا سيء منذ دخلتما "
وتابع وقد عاد بنظره له
" أكانت تعلم بأنكما قادمان إلى هنا ؟ "
نظر له باستغراب وقال
" لا .. أخبرتها فقط أنه ثمة من سنزوره ولم أتوقع أنه ثمة
فرق في الأمر فما بينكما لتكون غاضبة هكذا ؟ "
كتف ذراعيه لصدره وتمتم بضيق
" اعتقدت بأنه لا شيء ولست أفهم حقا ؟ "
حيّاه صقر بيده من بعيد وقال مغادرا
" لابد وأن والداها السبب ككل مرة رغم أنها كانت بمزاج
جيد حين غادرنا ... وداعا "
وغادر مغلقا الباب خلفه تاركا الذي بدأ بركل كل ما أمامه قبل أن
يغادر جهة المطبخ مجددا متمتما بحنق
" ستوافق ورغما عنها فلن أتركها لغيري أبدا .. لن يحلم أي
رجل بها "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 106 others like this.
رد مع اقتباس
#8127
قديم 28-02-18, 11:10 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
نظر للورقتين المطويتين في يده قبل أن ينظر لعينيها وقال بهدوء
وهو ينزل يده
" زيزفون لما لا تنسي جدي ؟ أبعدي الماضي عن حاضرك
فمحاربة أشباحه لن تفيدك في شيء ولا بموته معذبا إن لم
تخرجي كل ذلك من قلبك وعقلك فكم من أناس انتقموا لماضيهم
لكنهم لم يستطيعوا العيش بسلام روحي أبدا "
لاحظ بوضوح تبدل نظرتها لشيء يفهمه جيدا وتعالت أنفاسها
الغاضبة وهي تهمس
" غادر يا وقاص "
اشتدت أنامله على الورقة فيهم ينظر لعينيها بعمق .. إنها تدمر
نفسها وهو لن يصمت أكثر من ذلك .. هي تؤذي نفسها قسما
أنها تنتقم منها قبل الجميع ولن يتوف عن لوم نفسه إن وصلت
حالتها لما يخشى ولا التفكير فيه ، قال بذات هدوئه ناظرا لعينيها
الغاضبة
" خالك بشير مختف من أيام يا زيزفون "
لاحظ الصدمة بوضوح في نظراتها فتابع دون أن ينتظر ولا
تعليقها
" كانت علاقتة بك جيدة أليس كذلك وشهد معك في المحكمة ؟
الوحيد الذي كانت له شهادة قوية وفي صفك .. لا أعداء له ولا
أصدقاء مقربين رجل لم يُكتب له سطر مخالف في القانون لكني لا
أثق به وحدس المحامي يقول لي بأن ثمة أمر ما ورائه .. سر
يتعلق بماضيك وبتلك الجرائم فيه "
" من أين تعرفه ؟ "
جاء سؤالها سريعا ومباشرا وكان يعلم بأن أحرفه كانت على
أعتاب شفتيها منذ ذكر اسمه فقال مباشرة أيضا
" أعلم عن كل شيء يا زيزفون ، عن الجريمتان .. عن احتراق
والدتك .. عن مقتل زوجها وعن اتهامك بهما وصمتك عن كل
ذلك رغم براءتك "
لاحظ جيدا تبدل ملامحها والتشوش الواضح في نظراتها ويعلم
بأنه يلعب بالنار وخالف جميع وصايا طبيبها لكنها تضيع ...
تضيع في كل الأحوال وسيخسرها وهو واقف يتفرج عليها
وينتظر ماذا ؟
أن تفقد عقلها نهائيا ؟
أن تقتل نفسها .. أن تموت ؟
أم أن تتحدث من تلقاء نفسها وتحكي له وتطلب مساعدته ؟
أينتظر السلبي والإيجابي معا ! فماذا إن سبق واحد من كل تلك
الكوارث الكثيرة وهو ينتظر ذاك الإيجابي الوحيد ؟
لذلك عليها أن تواجه ماضيها وتواجه به قبل أن يفقدها واقفا
مكانه يراقبها تنصهر ببطء كالشمعة حتى تنتهي ولن يفيد حينها
ترميمها ولا إعادتها كما كانت ، توقع أن تثور كما حدث سابقا
وأن تطرده من غرفتها وهي تدفعه بغضب لكن شيئا من ذلك لم
يحدث وهي تتراجع للوراء نظرتها تلك لم تتغير .. بلى هو بدأ
يشعر بها تبتعد وقد قالت بخفوت تنظر لعينيه
" بل أنا من قتله ... هو قتلها وأنا قتلته "
قال من فوره وبجدية
" ليس صحيحا يا زيزفون أنت لم تقتليه فعمن تتسترين ؟
عن خالك أم عن شخص آخر ؟ من تحاولي أن تحمي ؟ "
انفجر الغضب الذي توقعه منذ البداية وصرخت تشد قبضتيها
بجانب جسدها
" بل أنا قتلته ... لقد قتلها .. قتل كل شيء ودمر كل شيء
وكان عليه أن يموت "
اقترب منها وأمسك بذراعيها ونظر لعينيها وقال بتصميم
" صحيح أن الأدلة جميعها ضدك بل وفي الجريمتين واعترفت
بذلك لكني لا اصدق بأنك الفاعل فثمة شيء ما ناقص في القضية
فمن يكون الفاعل الحقيقي يا زيزفون من ؟ "
أبعدت يديه عنها بحركة عنيفة وقالت بضيق
" لو أنك تعلم عن كل شيء كما تقول وتبدوا اطلعت على ملف
القضية لعلمت بأنه لم يكن هناك أحد غيري في المنزل والمزرعة
معهما وهو يستحق الموت وإن عاد بي الزمن للوراء لقتلته من
قبل ذاك اليوم بأعوام ، إن كنت تريد تسليمي للقضاء لأني غادرت
المصح النفسي ولأني توقفت منذ أيام عن تناول أغلب أدويتي
فافعل ذلك أنا لا يعنيني الموت في السجن "
لوح بيده قائلا بضيق مماثل
" وأنا لا أريدك أن تموتي في السجن وفي سجن نفسك قبل
القضبان الحقيقية يا زيزفون لذلك عليك أن تساعديني "
صرخت فيه من فورها
" محام أنت أم طبيب نفسي ؟ أخبرتك مرارا أني أريد الموت لما
لا تتركني وشأني ؟
أخبرتك بأني من قتله فتوقف عن البحث عن مذنب غيري يا
وقاص كي لا تكون ضحيتي القادمة "
نظر لعينيها بصمت بل بصدمة ولم تبعد هي نظرها عن عينيه
أنفاسها تخرج قوية متعاقبة تصعد معها تفاصيل ذاك الصدر
الأنثوي وتنزل بقوة وقال بهدوء يعاكس ثورانها ذاك
" تعترفي إذا يا زيزفون بأنه ثمة قاتل غيرك ؟ "
أشارت بسبابتها خلف رأسه وصرخت بغضب
" غادر من هنا ... اخرج من غرفتي ومن حياتي يا وقاص ...
اخرج "
وقف مكانه ولم يعلق بشيء ولم يتحرك خطوة لا للأمام ولا
للوراء لازال ناظرا لعينيها الغاضبة لذاك البحر الهائج فيهما تلتهم
أمواجه كل شيء ودون رحمة .. يتمنى فقط أن يخلصها من ذاك
الوحش الذي يلتهمها من الداخل حتى ينهيها واسمه ( الماضي )
لو فقط تتركه يساعدها ويعلم من هذا الذي ترفض أن تسلمه
للعدالة وهي على استعداد لأن تسجن مدى الحياة من أجله ومن
أجل حمايته ! هل يكون هو ذاته ذاك الشخص الذي تحدثت عنه
يومها ! ماذا حدث معه فهي لم تتحدث عنه مجددا ؟ أيكون خالها
ذاك الذي فقده الرجل الذي كان يراقبه بعد أن دخل جنوب البلاد ؟
يشعر بأنه ثمة من يوصل لها أخباره هنا فهل تملك هاتفا سريا ؟
لكنها ما كانت لتطلب هاتفه حينها ! ... مربيتها !! أجل هي
الشخص الوحيد الذي لا يفهم غموضه حتى الآن وعدم معرفتها
بشيء عنها مهما سأل وكأنها لم تعش معها لأعوام ! تلك هي
مفتاح السر وعليه أن يضع من يراقبها .
" قالت لك اخرج ألم تسمع ؟ "
التفت من فوره لصاحب تلك العبارة الساخرة ونظر باستغراب
للواقف مستندا بكتفه على إطار الباب يديه في جيبي بنطلونه
يقف بشكل مائل عليه ثانيا ساق حول الأخرى من لم يراه منذ
ذاك اليوم قرب مكتب جده ولم يعد يذكر متى ؟ تنقلت نظراته في
ملامحه فيبدوا فقد الكثير من وزنه وعيناه غائرتان يحيطهما
سواد واضح والأسوء ليس هناك بل في تلك النظرة التي يراها
ازدادت حقدا وسوادا عن السابق وكأنه كان يغذي نفسه بالشر
كما يغذي دمه بتلك السموم ! ولأنه لا سلطة له هنا أكثر من التي
لدى الواقف هناك فلن يستطيع أن يعترض فهو مكبل بكل شيء
وعاجز يقاتل في أرض معركة من دون سلاح ولا جواد ليصبح
ضعيفا أمام أضعف المقاتلين رغم قوته ، ولأنه لن يكون إلا كذلك
تحرك من مكانه حتى وصل عنده ووقف أمامه مباشرة بل
وملتصقا به ونظر لعينيه نظرة قوية لم يكسرها شيء مهما فقد
من أسلحته تلك وهمس من بين أسنانه
" تضربها مجددا يا نجيب قسما لن ترى الشمس بعدها ولن
يمسكني عنك شيء ولا جدي "
بينما بادله ذاك نظرة جامدة ولم يعلق بشيء فاجتازه وخرج
نظراته تتبعه ملتفتا برأسه حتى ابتعد قبل أن ينظر للواقفة مكانها
لازالت عيناها تحتفظان بتلك النظرة المقيتة التي يكرهها والتي
تشعره بأنه شخص لا يساوي وزنا كلما رآها في عينيها الجميلتان
، تحرك من مكانه ضاربا الباب بقدمه مغلقا له واقترب منها
لازالت يداه سجينتا جيبيه حتى وقف أمامها مباشرة ابتسامته
الساخرة لم تفارق شفتيه وانزلقت نظراته على جسدها نزولا قبل
أن يعود بنظره لعينيها وتمتم بسخرية
" متعته بما يكفي وحان دوري يا جميلة "
ارتد رأسه للوراء فور انتهاء كلماته يشعر بتلك البرودة اللاذعة
التي تسللت لخده قبل أن ينبهه عقله بأنه تلقى صفعة من الواقفة
أمامه فأخرج يده من جيبه وهوى كفه على خدها بقوة وسرعة لم
يترك لها مجالا ولا لتفاديها جعلت ذاك الشعر الناعم الطويل
يرسم خيوطا ذهبية مع استدارة وجهها القوية قبل أن تعود
للوقوف على استقامتها مجددا مبعدة شعرها عن وجهها وهمست
بحقد ناظرة لعينيه
" مريض "
رفع رأسه عاليا مقهقها بضحكة عالية خبيثة مثله قبل أن ينزل
بنظره لها مجددا ودفع جسدها بجسده ملصقا لها على الخزانة
خلفها والتفت أصابع يده حول فكها الصغير الناعم بقوة وقال
بسخرية
" أجل فملفي في المصح النفسي يثبت ذلك يا مجنونة "
وضغط جسدها بجسده على الخزانة بقوة أكبر حتى شعرت
بنقوش بابها البارزة تخترق ظهرها لكن ذلك لم يغير في نظرتها
القوية شيئا فتابع هامسا من بين أسنانه وبكره
" لا تغتري بوقوف ذاك المحامي الفاشل في صفك فلن يخيفني
بتهديداته السخيفة تلك وما أريده سيحدث ورغما عنك وإن كان
بإمكانك التحدث يا خرساء "
حاولت تحريك رأسها والافلات من قبضته ولم تنجح فهمست
بحقد
" أنت تعلم جيدا بأنه يهدد وينفذ وتخاف منه رغما عنك اعترفت
بذلك أم لا وأنا لن أخرج معك من هنا ولأي مكان "
شد أصابعه على فكها أكثر حتى كان يشعر به سيتحطم بين قبضته
لا يزيده صمودها سوى احتراقا وقال بجمود
" سنرى من سينتصر في النهاية أنا أم حبيبك الأحمق ذاك "
ظهر شبح ابتسامة ساخرة على طرف شفتيها وهمست بصعوبة
بسبب الألم في فكها وشده القوي له
" لما ترفض الاعتراف بأنه أفضل منك ... وفي كل شيء "
دفعها من ذقنها للخلف بقوة ضاربا رأسها بالخزانة بكامل قوته
حتى صدر عن اصطدامه به صوتا قويا لازال ممسكا لفكها بيده
وخرج أنينها المتألم هذه المرة ورغما عنها فأغمضت عينيها
ترفض أن يرى نظرة الألم فيهما وشعرت بتلك الأنفاس الكريهة
على وجهها ووصلها ذاك الصوت الساخر
" لا يخبرك عقلك محدود التفكير بأنك قد تدمريني به وأن
تضربي عصفورين بحجر واحد فأنا من سيدمره وينهيه من
الوجود وعن طريقك أنت يا عصفورته الجميلة ، وخط النهاية
موعدنا يا حفيدة الخماصية "
وما أن أنهى عبارته تلك ترك فكها ضاربا رأسها بالخزانة مجددا
وإن لم تكن تلك الضربة بقوة سابقتها وغادر الغرفة ضاربا بابها
وهو يفتحه على اتساعه وخرج بخطوات كسولة يديه في جيبيه
ونظراتها الحاقدة تتبعه قبل أن تمسح شفتيها وذقنها بظهر كفها
هامسة بكره
" موعدنا خط النهاية إذا يا نصف الرجل "
*
*
*
وقفت عند الواجهة الأمامية للكوخ الخشبي الأنيق والتي تتكون
من مضلعات خشبية يتخللها زجاج متين وشفاف ونظرها على
الجالس أمام النار يكسر أعواد الخشب ويرميها فيها بغضب
فمسحت الدموع من وجنتيها وشعرت بحرارة تلك العلامات على
خدها ... بصمة أصابعه التي لازالت تحرقها حتى الآن بل وتحرق
قلبها أكثر من وجهها ولا تعلم أتلومه أم تلوم نفسها على تلك
الصفعة التي قرر إسكاتها بها لكنه المخطئ أيضا وهو من أهانها
أولا واتهمها ... اتكأت بطرف جبينها على الزجاج أمامها تراقب
نظراتها الدامعة بحزن الذي لازال جالسا مكانه هناك تعبث النسائم
الليلية الباردة والقوية بشعره الكثيف يكسر الأغصان ويرميها
في النار ملامحه لازالت غاضبة رغم أنه لا يظهر لها سوى
جانب وجهه وكأنهما وصلا هنا للتو وليس من ساعات وهو على
حاله ذاك حتى أنه صلى العصر والمغرب في الخارج وكان الوقت
الوحيد الذي ترك فيه ذاك المكان ومتأكدة من أنه يتمنى أن
يرميها هي هناك أيضا بعدما يكسرها لقطع كتلك الأغصان
الصغيرة .
أغمضت عينيها برفق وانزلقت تلك الدمعة الحارة من عينيها
تتذكر كلماته الغاضبة تلك بل والقاتلة ما أن وصلت سيارته
لطرف الطريق المؤدي إلى هذا المكان ومن قبل أن يصلاه بل
ما أن أوقف السيارة أمام ذاك السياج الحديدي المنخفض ونزل
وأنزلها منها مرغمة ونفث ذاك البركان الخامد نيرانه في وجهها
وكأنه ينتظر تلك اللحظة التي يكونا فيها بعيدين لوحدهما بل
وخارج حتى سيارته ، مسحت تلك الدمعة من وجنتيها برفق
تشعر بكلماته تلك تضرب قلبها مجددا
( ليتك فقط انتقمت مني بطريقة غيرها مارياا ، لو أنك أوشيت بي
وأرسلتني لمنفى خلف الشمس لكان أهون علي ألف مرة مما
رأيت ، أعلى هذا ربتك والدتي ؟ أين نصائحها لك دائما ماريا ؟
ظننتها زرعت فيك ما لن تغيره السنين ولا الظروف لكني أخطأت
... قسما لو كنا في بلادنا هناك لضربتك أمامهم جميعا )
وفهمت حينها لما فعل عكس ذلك في الملعب .. هو يعرف جيدا
كيف يفكر ذاك المجتمع وما فعله سيكون حدثا عاطفيا يتناقله
الجميع هناك لأيام وليعلم كل من يدرس هناك بأنها الفتاة التي
ألبسها الشاب الغريب عن المكان خاتم زواج وأمام الجميع بينما
صفعه لها أمامهم سيكون له تأثير سلبي تماما فترك عقوبتها
حتى انفرد بها رغم أنها تراه لم يكن يخطط لذلك لولا استفزته
بتلك العبارة الغاضبة
( لما ترى الجميع منحرفين مثلك ؟ أنا على الأقل لم اقِم علاقة
مع أحدهم تحت مسمى المهام ولم أنشر صورا لقبلاتنا أو قدمت
عروضا عاطفة مقززة في الشارع يا ابن الوطن )
فأفرغ ذاك الغضب المكبوت في تلك الصفعة التي كانت كفيلة
ليس فقط بجعلها تنتبه لما كانت تقول بل لأن تحول وجهها
لكومة عظام درجة أن أدمت شفتها من قوتها وسحبها عبر ذاك
الممشى الحجري المؤدي لهذا الكوخ لم يزد حرفا على ما قال
كما لم تتحدث هي بشيء ولا شيء سوى تلك الدموع الصامتة
والألم الذي لا تعلم أين كانت تشعر به أكثر في قلبها أم وجهها .
نزلت بجسدها وجلست على لأرض تحضن ركبتيها ودفنت
وجهها فيهما وعادت للبكاء مجددا لكن خارج ذاك الحمام الصغير
هذه المرة فها هو يختار ذات المكان مجددا وكأنه يتعمد إيلامها
فيه وبه في كل مرة وكأنه لم يكتفي بكل ما فعله ، اعتصمت في
مكانها وعلى بكائها ذاته حتى شعرت بتلك الخطوات التي اجتازت
الباب الخشبي المفتوح ولأول مرة منذ وصولهما هنا فلا هو دخل
ولا هي خرجت له ولا تنكر بأنها لم تستطع وليس لم تريد وهي
تراه غاضب هكذا واللوم عليها مهما ستقول وتفعل وتعترف بذلك
لكنه يتعامل معها بالطريقة الخاطئة في كل مرة متناسيا بأنها
امرأة وتحبه وبأنه ثمة ألف طريقة لينال منها ما يريد ويحركها
كيف يشاء لكنه تربية قسوة ومحاربين ورجال مهمات صعبة
لا يعرفون ولا الطريق الصحيح لقلب أي امرأة سوى بالأوامر
والقسوة والحدة ورغم كل ذلك يصلون لقلوب النساء وبكل يسر
... معادلة صعبة وقاسية لكنها للأسف صحيحة .
شعرت بملمس أصابعه الباردة على يدها فشدت يديها على
ركبتيها أكثر لكن ما يريده يحدث دائما وهي تعلم ذلك جيدا
وذاك ما حدث حينها وأصابعه تلتف حول أناملها وسحبها من
يدها موقفا إياها ولا خيار أمامها سوى الانصياع وهو يسير بها
جهة السرير الواسع بأغطيته البيضاء المطرزة بالذهبي والذي
يتوسط ذاك المكان وكان عليها بالطبع أن تجلس أيضا حيث أراد
فجلس وأجلسها بقربه لازالت تتجنب النظر له تنظر ليديها في
حجرها يخفي شعرها وغرتها ملامحها عنه كما دموعها الصامتة
التي كانت ترفع يدها وتمسحها كل حين فمرر أصابعه خلال ذاك
الحرير البني حتى وصلت يده لبشرتها ورفع رأسها وظهر له
حينها وجهها وآثار أصابعه على بشرة خدها البيضاء يميزهم
بالإصبع والدم الجاف على طرف شفتها يثبت ذاك العنف الذي
عاملها به وتذكر تلك العبارة التي قالتها له حينها تمسك خدها
بيدها تنظر له بعينين ليس ما يملأهما الدموع فقط بل والخذلان
وخيبة الأمل ( حمدا لله أن والدتك أوصتك بي يا تيم )
رفع نظره منه لعينيها الباكية قبل أن يشدها لحضنه ودفن وجهها
في صدره وطوقها بذراعيه بقوة يدفن تلك الدموع وسط أضلعه
وهمس
" آسف ماريا ... انظري لما توصلينا في كل مرة ؟
متى ستتوقفي عن إغضابي وتفهمي ما يكون تيم متى ؟ "
لم تعلق على ما قال ولا على لومه لها فور اعتذاره واكتفت فقط
بالبكاء في حضنه فذاك فقط ما كانت تحتاجه .. ذاك الشعور هو
ما كان ينقصها منذ افترقا قبل أعوام وتريد أن تشعر به دائما
وفي كل يوم .. تريد أن تختبر دفئ هذا الحضن كلما احتاجته ..
كلما اشتاقت له وكلما شعرت بالغربة بعيدا عنه فمتى سيفهم هذا
وكيف ؟ لما لم يسأل نفسه من وجدت حين تخلى عنها وتركها
مع جرحها النازف غير كين وأصدقائه حتى أنه لم يكن لديه
صديقات فتيات ولاحظت تجنبه لهن دائما ... من وجدت فهو
تركها تواجه جرحها منه وصدمتها فيه وحيدة فحتى ساندرين
كانت تختلف عنها في كل شيء حتى في نظرتها لجرحها منه
ولافتقادها له فهي لم تعرف شخصا فهم ماريه كما تشعر هي منذ
فقدت والدته طفلة ، كانت بعيدة عن الجميع بقدر ابتعادهم عنها
فحتى زهور كانت نسخة أخرى عن ساندرين تكرهه فقط
وتشجعها على نسيانه بل وأن تطلق منه وتتزوج من غيره ،
لا أحد منهم كان يفهم ما يعنيه هذا الرجل لها .. بأنه الابتسامة
التي فقدتها من أعوام طويلة وكانت تنتظر بجوع أن تعود لشفتيها
من جديد ما أن تجده .. أنه الأمان من جميع مخاوفها وأولها أن
تموت وحيدة وبعيدة عنه وبأن أنفاسها تعيش لأجله وتموت من
أجله وأنها تريد الحياة فقط لأنه فيها .. وكما فقدانه كان صعبا
بالنسبة لها فتركه لغيرها كان أقسى وأقسى فأن تموت كان أهون
عليها من كل ذلك ومن أن تسكن هذا الحضن امرأة غيرها وهي
امتلكته منذ كانت طفلة وأول من عرفته ومن لا حق لأحد أن
يمنعها عنه لا قانون ولا شرع ولا حتى هو نفسه فهو من حكم أن
يبقى ملكا لها وحارب من أجل ذلك لأعوام فبأي حق يكون لغيرها
الآن ؟ ولما لا تغضب لا تحتج لا تدافع عنه وبشراسة ؟ من هذا
الذي يكره أن تحارب زوجته وباستماتة كي لا يكون لغيرها ! .
اكتفت بالبكاء الصامت في حضنه لا يقطعه سوى بعض الشهقات
المتفرقة كطفلة شعرت بالأذى ولجأت لأكثر من كان سيشعر
بألمها ودموعها لا تريد أكثر من الشعور بتلك الأصابع التي
كانت تمسح على شعرها والذقن والشفاه المدفونة في رأسها
وبهذا الصدر الذي يحتويها دون شروط ولا قيود تشعر بتفاصيله
من تحت ذاك القميص كما تستشعره أصابعها التي تقبض على
ذاك القماش وتتركه كل حين تستمع لضربات ذاك القلب الذي
وجوده لا زال يشعرها بأنها بخير .. تعلم بأنها مريضة بحبه كما
تقول ساندرين وتعلم أيضا بأن مرضها لا شفاء منه وبأنه سبب
كل ما هي فيه من عذاب لكن الأمر ليس بيدها فما أن تراه وتسمع
صوته حتى تتحول لرماد بل وإن سمعت حروف اسمه من أحدهم
تتفتت من الداخل شوقا له فكيف برؤيته أمامها وبالنوم في
حضنه ؟
تعشق حتى صمته وقسوته ولامبالاته وتعشقه بكل تفاصيله
وانتهى .. تعشقه ولا أحد له الحق أن يلوم قلبها فيه فأن تعرف
المشاعر اتجاه شخص من قبل أن تتعرف عليها لهو العشق
الأبدي بالتأكيد فهو أمانها طمأنينتها عالمها الصغير بأكمله
وابتسامتها منذ أن عرفت الحياة ومن قبل أن تعرف معنى رجل
وامرأة وعاطفة ومشاعر فقد اكتشفت بأنها كانت تحمل له الكثير
منها من قبل أن تفهمها .
مرر أصابعه في شعرها وصولا لبشرة وجهها ووصلها صوته
الجاد
" ماريا يكفي بكاء وابتعدي ودعينا نتحدث قليلا "
لكمت عضلة صدره بقبضتها ومررت يدها صعودا لعنقه
هامسة ببحة
" أنت من رفض انتزاع ملكيته مني ولأعوام فلن تتحكم في
هذا يا تيم "
فابتسم وضمها له وقبل خصلات شعرها نزولا حتى أذنها
وهمس
" لا أراك تهتمي بما تمتلكينه أبدا ماريا "
فابتعدت عنه حينها وأشارت لصدره هامسة ببحة بكاء ونظرها
عليه تنتقل سبابتها بين طرفيه
" أريده لي لوحدي وليس هنا أنا وهنا واحدة أخرى "
أمسك وجهها بيديه ومسح دموعها بإبهاميه وانحنى جهتها
واتكأ بجبينه على جبينها ونظر لعينيها ورموشها المسدلة عليهما
والمبللة بالدموع لازالت تتجنب النظر له وقال بتأني
" وإن أقسمت لك بأنها لم تنم فيه طوعا ماريا ولا مرة بإرادتي
وكانت مرات معدودة تلك ، كما لم اقبلها مرة ولا على وجنتها ..
لم تعرف سريري ولا حضني ولا شيء مما رفضته أنت مرارا
وأردته أنا يا غيورة يا متملكة يا أنانية "
رفعت يديها لوجهه قبل أن ترفع عينيها وأحاطت أصابعها بفكيه
وكأنها تريد أن تشعر فقط بوجوده وبأن تلك كانت كلماته يقسم
فقط ليثبت لها صدق حديثه ورفعت تلك الأهداب الطويلة ببطئ مع
ارتفاع وجهها ونظرت لعينيه واتكأت بجبينها على جبينه مجددا
وبأنفها على أنفه تتحرك تلك الأنامل على وجهه بتملك قبل أن
تنحني بوجهها جهته ببطئ وفاجأته بتلك القبلة التي لم يكن
يتوقعها ولا فكر أن تفعلها وباختيارها وإرادتها خاصة مع
غضبها منه ! قبلة رقيقة تشبهها في كل شيء ولم تبعد شفتيها
حتى أوقعت بفريستها صريعا لتعلمه بأنه لم يختبر تقبيلها من قبل
ولم يعرف طعم شفتيها بل ولم يشعر بهما هكذا ..!
كان قاسيا خشنا في كل مرة يشبه نفسه وها هي تهديه ما لن
يعرفه مطلقا ما لم تقدمه هي هكذا فحتى إبعادها لشفتيها كان
بطيئا رقيقا متمهلا وقاتلا فابتعدت ولم تبتعد ولم يبتعد فيها
شيء عنه فعلا ونظرت لعينيه مجددا هامسة وتلك الدمعة تعانق
رموشها من جديد تغطي تلك الأحداق الذهبية بكل وجع واحتياج
" ترفض أن تفهمني يا تيم وكم تقسوا عليا كلما فعلت ذلك "
وراقبت بشغف تلك الأحداق السوداء تختفي خلف جفنيه يغمض
عينيه ببطء وارتفع صدره العريض متنفسا بعمق قبل أن يهمس
" وما الذي تفعليه أنتي ماريا حين ترفضين فهمي .... ماذا ؟
إنك سبب غضبي منك في كل مرة "
فتركت حينها تلك الأنامل وجهه ببطء وابتعدت عنه فأمسك
ذراعيها قبل أن تفكر في الوقوف وقال
" انتظري ماريا ... لن تتركي كل هذا معلقا وأسمع أنا
ما لديك فقط "
أدخل بعدها يده في جيب بنطلونه الخلفي ووقف وهو يخرج
منه مفتاحا صغيرا وتوجه لمكان ما في جدار ذاك الكوخ ونزل
مستندا على قدميه تراقبه عينيها التي لم تتخلص بعد من بقايا
الدموع التي لازالت تحاول مسحها ويبدوا أنه يفتح مكانا سريا
هناك فعادت بنظرها للأمام مولية ظهرها له تغرس أسنانها في
طرف شفتها بقوة ولم تصدق حتى الآن أنها فعلتها وقبلته كما
كانت تتمنى هي وتريد لا كما يفعل هو .. وكأنها ليست تلك
الغاضبة منه واللذان كانا يتشاجران بعنف قبل ساعات !
مجنونة ... أجل مجنونة ورغم أنه استسلم لها طوعا وتركها
تختار ما ستكون عليه تلك القبلة ولم يعامل شفتيها سوى
بالرقة التي اختارتها هي لشفتيه إلا أنها فقدت عقلها بالتأكيد
حين فعلتها ... لكنه ليس ذنبها فهي تفقد ذاك العقل الصغير
بالفعل ما أن يقترب منها .. ما أن يهمس لها .. ما أن يتوقف
عن معاملتها بقسوة وحدة ، غرست أناملها في غرتها تتكئ
بجبينها على راحة يدها تغمض عينيها بقوة تشد على شفتها
بأسنانها أكثر حتى آلمها الجرح في طرفها وشعرت حينها بتلك
الأصابع التي حركت شعرها بعشوائية وقال صاحبها وهو يجلس
مجددا
" توقفي عن لوم نفسك ماريا فهذا من ممتلكاتك أيضا يا مشاغبة
أم نسيتي ؟ "
فشعرت بإحراجها يتضاعف حينها وتمنت أن تختفي من الوجود
فشغلت نظرها بالجهاز اللوحي الذي كان في يده ووضعه على
السرير بعدما شغله وقال وهو يديره ناحيتها
" اجلسي فوق السرير جيدا ماريا "
فرفعت رأسها مبعدة غرتها عن وجهها واستدارت في جلستها
ناحيته بحيث أصبحت تجلس مقابلة له في جلسة تشبه طريقة
جلوسه تماما يثني ساقه وقدمه تحته ويترك الأخرى في الأسفل
ورفعت نظرها له فكان منتبها لما يفعل ونظره على تلك الشاشة
الواسعة فنظرت للأسفل أيضا وللأيقونات التي فتح إحداها فكانت
تحوي عددا من التسجيلات بالصوت والصورة أغلبها كانت
لصورته بملابس المنظمة واختارت سبابته فورا واحدة كانت
لبحر أو ما شابه ذلك وشغله فورا ونظراتها تراقب بفضول
السفينة التي كانت تشق المياه ترتفع وتنزل فيها بقوة وتتناثر
الأموراج حولها وكأن البحر سيبتلعها في كل مرة وأشار بسبابته
للصورة قائلا " انظري ماريا للاسم هنا على هيكلها إنه
( المحيط ) وهي إحدى سفن الوطن "
عاد بالشريط لبدايته لأنه فتح على منتصفه وظهرت هذه المرة
ذات السفينة مجددا لكنها كانت راسية قرب ميناء لم تتعرف عليه
ووصلها صوته الجاد ونظراتها تراقب بفضول ما يحدث في
التسجيل أمامها
" أرايت هذا ماريا إنها أسلحة تعبئ ليلا في حاويات ستحملها تلك
السفينة لبلادنا "
رفعت عينها ونظرها له وهمست بخفوت وكأنه ثمة من سيسمعها
" سيدخلونها للوطن ! "
أومأ برأسه بنعم وقال
" أجل وخلال يومين ستصل ميناء صيباء شمال البلاد وثمة من
سيوصلونها مباشرة لمتمردي صنوان ومن هناك ستوزع على
المدنيين ليقاتلوا ابن شاهين وجيشه والحالك وحتى الهازان
فاليرموك كانت أملهم لكن لإدراكهم بأنها مراقبة من جواسيسه
جيدا وهو سبق وهددهم إن خرجت منها قطعة سلاح واحدة
سيحرقها بمن فيها فلجئوا لإدخالها بحرا من خارج البلاد وبذلك
إن اتهم مطر شاهين الدول الداعمة لهم سينكرون ذلك
ويتحججون بأنها أسلحة اليرموك وبأنه من سلمهم إياها حين
أعطاهم اليرموك طوعا "
نظرت لعينيه وهمست وعيناها تدمعان مجددا
" كل هذا يحدث في الخفاء ولا نعلم عنه ؟ من هذا الغبي الذي
يرمي بوطنه للهلاك وبيديه ؟ "
نظر لتلك الشاشة مجددا وقال مشيرا بسبابته
" انظري هنا هذا ميناء بريستول ماريا "
نظرت للافتة التي أشار لها وظهرت بوضوح وشهقت من فورها
هامسة
" خرجت من لندن ! "
رفع نظراته لها وقال بجدية
" أجل والجينرال غامسون وراء ذلك يدعم أيدي خفية هنا ماريا
وإن تسربت هذه الشحنة فكانت لن تكون الأخيرة وسنفقد الوطن
وللأبد "
أخفضت رأسها ودفنت عينيها في راحة يدها وعادت للبكاء مجددا
.. لم تسألها تلك الدموع ولم تأخذ إذنها ولم تمنعها هي فلما عليها
أن تضحي وتدفع وتدفع من أجل كل هذا ؟ من سيشعر بها هي
وكل رصاصة ينقذون الوطن منها تغرس في قلبها وهي تدفع ثمن
حماقات غيرهم ومن كان عليهم دفع الثمن ليقاسوا ويندموا على
كل هذا حين يروا البلاد تنهار وتهوي للهاوية ... من سيشعر
بماريه التي سلمت زوجها ليس للخطر فقط بل ولامرأة أخرى كي
لا يحدث كل هذا ؟ تراهما معا وتتألم وتتألم وقد يكون ذلك للأبد
بينما لا يستطيع هو الاقتراب منها إلا هكذا في الخفاء ...
من يشعر بتيم شاهر كنعان الذي يدوس في أرض ملغمة قد لا
يخرج منها حيا أبدا وحتى هويته ليست ملكا له كما هو الحال
معها تماما مزيفان قد لا يذكرهما التاريخ أبدا وإن فعلها وذكره
فلن يذكرها هي بالتأكيد .. فمن هذا الذي فكر في أن غسق شراع
قد تكون عانت كل ما عانته من أجل الوطن والكثيرات غيرها لن
يشعر بهن أحد مثلها الآن ؟
ملمس تلك الأصابع على شعرها لم يزدها سوى بكاء فأبعد بيده
ذاك الجهاز اللوحي بينهما جانبا وشدها لحضنه متمتما
" يكفي بكاء ماريا أنا لم اخبرك بهذا لتبكي ... ما الذي يبكيك
في الأمر يا حمقاء ؟ "
ابتعدت عنه دافعه إياه من صدره عنها وقالت بضيق
" أتعلم بأنك رجل سخيف للغاية ؟ لم أبكي مرة إلا وسمعت
هذه العبارة الجافة الحمقاء منك أو .... "
وتابعت بتملق تقلده وهي تلوي شفتيها
" يكفي بكاء مارياا أو ضربتك ... لست أفهم ما فيك يعجب
النسا.... "
أسكتها شادا لها نحوه مبتسما وقبلاته المتتالية لم تترك لها
مجالا ولا لتقاوم وهي تكاد تقع للخلف فأبعدته عنها وتحررت منه
بصعوبة وغادرت السرير وقالت ناظرة له جالسا مكانه ينظر لها
بتوعد تفهم ما ورائه
" لن يحدث هذا تيم "
وتابعت بذات أسلوبها ذاك تقلد شخصا آخر هذه المرة
" لا تحلم بها تيموثي حبيبي ليس بعد "
فرفع رأسه مغمضا عينيه قبل أن يرتمي للخلف على السرير
ومرر أصابعه في شعره ناظرا للسقف وقال بنفاذ صبر
" متى إذا ماريا حددي ؟ "
نظرت له بحب لو وزع على قلوب جميع النساء لوسعها بأكملها
تراقب ملامحه التي لم ترى أكثر منها وسامة .. لعيناه التي
عشقتها منذ صغرها ولجسده الكفيل بجعل أي امرأة تتحول لكتلة
من الرغبة والجنون وهمست بحزن
" حتى تنتهي مهمتك تلك أولاً يا تيم فلن أسمح لك بقتلي بقسوة
أكبر إن أنا فقدتك بسبب تلك المرأة أو الموت "
شعرت بتلك الكلمات تخرج من أوردة قلبها وهي من كانت
ترفض حتى التفكير فيها فكيف بقولها وله تحديداً ؟
لكنها واقع هو يعرفه مثلها تماما ولا نفع من نكرانه ،
أشار لها بأصابعه دون أن يغير وضعه ولا أن يرفع رأسه
ونظره لازال على السقف هامسا
" تعالي إذا أريدك في أمر آخر "
فابتسمت فورا والدموع تملأ عينيها وركضت نحوه وارتمت
في حضنه واستقبلها هو ضاحكا يقلبها لتكون تحته ..
ضحكة لم تسمعها منه سابقا ولن تتخيل أن تسمعها مجددا
ورغم قصرها وانخفاضها وشحه في إفلاتها من أضلعه إلا أنها
كانت كفيلة بأن تكون وشما جديدا في قلبها المعذب بحبه وقد
تصبح ذكراها ألما سيصعب عليها نسيانه ولا إيجادها في رجل
آخر لينسيها إياها ، نظرت لعينيه مبتسمة وهو يلصق جبينه
وأنفه بجبينها وأنفها كما فعلت هي سابقا قبل أن يهمس
بابتسامة جانبية
" بشرط قبلة كتلك "
أغمضت عينيها لا شعوريا تغرس أسنانها في طرف شفتها
قبل أن تهمس تكاد تحترق خجلا
" مستحيل ستنسى ذلك وللأبد "
وشعرت بقلبها سيخرج من بين أضلعها وهي تشعر بملمس
شفتيه على طرف شفتها صعودا لوجنتها ونزولا حتى ذقنها دون
أن يقبلها فقط يقتلها بملمسهما وكأنه يختبر بهما نعومة بشرتها
النقية وما أن وصل بهما لعنقها مدمرا دفاعاتها تباعا وبعنف
همست بصعوبة تمسك ضحكتها
" تيم توقف عن هذا فلن أفعلها مجددا ومطلقا أتفهم ؟ "
فرفع رأسه وجسده يحاصرها بيديه المستندتان على جانبيها
ونظر لها وحرك رأسه بتلك الطريقة التي تعشق وكأنه يتحدث
عن مجهول في مكان ما مشيرا له به وقال
" تمزحي بالتأكيد "
غاصت في الأغطية تحتها وهمست بمشاكسة تنظر لعينيه
" ولا على قطع عنقي "
فانحنى بجبينه ملامسا جبينها مجددا وقال ناظرا لعينيها
" أتعلمي بأنك ستتحولي لثرية فوق ما تملكينه إن قمت بابتزازي
بها في كل مرة "
فأغمطت عينيها مجددا وبقوة تمسك ابتسامتها وهمست
" ممنوع تيم انتهى "
وكما توقعت قدم تنازلا آخر وقال مبتسما
" حددي ما تريدين مقابلا هيا يا جشعة فأنتي لم تتغيري عن
طفولتك أبدا "
فضحكت برقة وطوقت عنقه بذراعيها وارتفعت له تحضنه بقوة
ناظر للسقف وأصابعها تداعب شعره تشعر بيديه تطوقان خصرها
برفق وهمست مبتسمة
" أجل فأنت كنت تهديني وردة من فناء المنزل يوميا وتستقبلني
مبتسما ما أن أطرق باب غرفتكما صباحا وتأخذني للمدرسة
نتسلى بالأحاديث الجميلة حتى نصل ولا تتذمر مني حين أقع على
وجهي وأبكي فلا تتوقف عن مواساتي .. مؤكد تعلم بأنك أنت
من علمني الجشع بكرمه منقطع النظير "
أغمضت عينيها مبتسمة تشد ذراعيها حول عنقه أكثر تشعر
بقبلاته تداعب عنقها قبل يقول مبتسما
" جاحدة ولست جشعة فقط فمن هذا الذي كان يمسح الدماء
عن جرحك بقميصه ويحضنك حتى تتوقفي عن البكاء ويضرب
أطفال البلدة لأنهم يضايقونك ويأخذك للمدرسة ويرجعك يوميا
رغم أنه لم يعد يدرس فيها ؟ بل ويتحمل ثرثرتك وقصصك
الخيالية ورقصك الممل "
ضربته بين كتفيه بقبضتها وقالت بضحكة صغيرة
" رقصي كان مملا يا أحمق وكنت تقول في كل مرة بأنه رائع "
دفن وجهه في عنقها يشدها له بقوة وهمس مبتسما
" كنت أحمقا بالفعل فأنا على استعداد لأن أشتري تلك الطفلة
بالمال لترقص لي مجددا بدلا عن هذه الجشعة "
ضحكت وابتعدت عنه ورمت جسدها ورأسها على السرير تحتها
مجددا وأبعدت خصلة من غرتها عن وجهها ووضعت سبابتها
على شفتيه وهمست بحياء تنظر له متجنبة النظر لعينيه
" هذه المرة فقط ؟ "
ورفعت نظرها لعينيه ما أن حرك رأسه برفض مميلا شفتيه
بتمتمة خفيفة
" أوخي ماريا "
فتمتمت بعبوس تضربه بقبضتها على كتفه
" توقف عن التحدث باليونانية "
وما أن أعادت يدها لمكانها بجانب رأسها لامست دون قصد ذاك
الجهاز اللوحي الذي لازال مرميا مكانه على السرير وانفتحت
إحدى التسجيلات مما جعل رأسها يتحرك جانبا ونظرت له
وللفيديوا المعروض فيه والشخص الذي قفز عاليا ممسكا بحديد
مروحية ترتفع في الجو قبل أن ينفجر المكان تحت قدميه وشعرت
بقلبها يهوي فرفعته فورا أمام وجهها وقالت تنظر لصاحب
الملابس السوداء الذي تعلق بالمروحية وصعد لها
" هذا أنت تيم ؟ "
فاتكئ بمرفقه جانب رأسها ونظر معها قائلا
" أجل "
حركت أصبعها على الشاشة وفتحت تسجيلا آخر وكان له أيضا
وبملابس المنظمة ذاتها وقد قفز من الأرض في الهواء بدورة
كاملة حول نفسه ليصبح فوق جدار البناية القريب منه وخمس
رصاصات متتابعة أصابت مكان وقوفه السابق تاركة حفرا
واضحة في الجدار بعد ذاك الغبار الذي انتشر في الجو بسببها
فشعرت بجسدها ارتجف بأكمله وقلبها قبله ونظرت لعينيه قائلة
" وحقيقة هذا أم تدريب ؟ "
سحب الجهاز منها وقال
" بل حقيقة "
فجلست ضاربة لصدره بقبضتها وقالت بضيق والدموع تملأ
عينيها
" أرأيت لما لا أريد لشيء أن يحدث بيننا "
وتابعت بأسى والدمعة الأولى تنزلق من رموشها
" إذا أنت ميت لا محالة وفي جميع الأحوال "
ابتسم ومد يده لدمعتها ومسحها بطرف سبابته قائلا
" وأنت أيضا ميتة لا محالة ماريا لا أحد منا يعيش للأبد "
ضربت يده مبعدة لها عنها وقالت تمسك عبرتها
" حتى متى كل هذا يا تيم ؟ "
أشار لها على صدره وقال
" تعالي واتركينا من كل هذا "
رفعت الوسادة ورمته بها قائلة ببكاء
" لن أفعل وأجب عن سؤالي فورا "
أمسك الوسادة وثناها تحت مرفقه وقال ناظرا لها
" توقفي عن البكاء أو لن أقول شيئا "
مسحت عينيها بظهر كفها بقوة قائلة ببحة
" ها قد توقفت فتحدث "
اتكئ على ظهره ناظرا للأعلى وأشار لصدره مجددا وهمس
" تعالي "
فاقتربت منه ببطء ونامت على صدره تدفن وجهها ودموعها
فيه وأصابعه تغوص وسط خصلات شعرها ووصلها صوته
تشعر بذبذبات تلك الكلمات في أضلعه
" كان يمكنني أن أجيب سؤالك إن كنت أملك تلك الإجابة ماريا
فجوابي الوحيد هو حين لن يحتاجني الوطن ... وقتها فقط تنتهي
مهمتي ويصبح بإمكاني أن أراه مجددا ، أن أستنشق رائحة ترابه
وأن أعيش في مكان أنتمي له وأن أزور قبر والدتي وإن لمرة
واحدة "
شدت ذراعها حول جسده وقالت بحزن
" كنت أزوره باستمرار قبل مجيئي إلى هنا وكنت أحدثها عنك ...
دائما أتحدث لها عنك وعن أنك أصبحت رجلا كما كانت تتمنى
وإن كنت لا أراك لكني كنت واثقة من أنك كذلك ...
كنت أحكي لها عن كل ما يحزنني فوحدها من كانت تستمع لي
دون أن تنتقدني كما كانت في الماضي تماما ... ليتها بقيت لي
فقط فالجميع استطاعوا العيش بعدها عداي وأن يكونوا كما
أرادوا من دونها حتى أنت يا تيم "
ساد الصمت بينهما لبرهة قبل أن يجلس مبعدا لها عنه وراقبته
نظراتها الدامعة وهو يقف ويتوجه نحو واجهة الكوخ ووقف
مسندا يده على زجاجه بينما مرر أصابع الأخرى في شعره حتى
قفى عنقه وتركهم هناك فوقفت وتوجهت نحوه وحضنت خصره
بقوة تدفن وجهها بين كتفيه واكتفت بالصمت فهي تعلم بأنه لا
يريد غير الصمت حينها لكنها لم تستطع تركه وحده أيضا ويداها
تشدان قميصه بقوة وزادت من احتضانه أكثر وهمست بحزن
" آسفة تيم لم أقصد ما قلت أقسم لك "
قال بهدوء ونظره لازال على الظلام في الخارج
" أفهمك ماريا فأنا إن كنت عرفت والدتي وعشت معها
لأعوام فأنتي لم تري والديك مطلقا "
كانت ستتحدث لولا تصلب جسدها بأكمله قبل لسانها وهي
تسمع صوت رنين هاتفه فشدت قبضتيها على قميصه بقوة
وهمست تمسك نفسها بصعوبة عن البكاء
" لا تجب تيم ... أنت لن تفعلها "
مرر أصابع يده على يدها فرسغها وصولا لذراعها العاري وقال
" حسنا ماريا فقط دعيني أتأكد من هوية المتصل "
شدت ذراعيها حول جسده بقوة أكبر هامسة ببحة بكاء
" أعلم أنها هي ... قلبي يخبرني بذلك ككل مرة "
أمسكها من يدها وأبعدها عنه وأدارها لتصبح واقفة أمامه
وقال بحزم
" ماريا ألم نتحدث عن كل هذا قبل قليل وأقسمت لك وأريتك
الدليل القاطع ؟
هل سنرجع لنقطة البداية مجددا ؟ "
أنزلت رأسها ونظرها للأسفل تحاول إخفاء الدموع التي كانت
تعلم جيدا بأنه يعرف بوجودها فأمسك وجهها بيديه ورفعه له
ونظر لعينيها الدامعة وقال بجدية
" ماريا لقد وافقت حتى على حكمك الجائر بأن لا أقربك
فما المطلوب مني أكثر من ذلك ؟ "
همست تسحب الهواء في شهقة صغيرة
" لا شيء "
تنهد بعمق وشدها لحضنه قائلا
" عجزت عن إيجاد حل لهذا ماريا وأنت لا تساعديني أبدا "
ابتعدت عنه في صمت وتوجهت لسترتها ورفعتها تلبسها في
صمت بينما توجه هو للجهاز الذي تركاه على السرير ورفعه
وأعاده مكانه السابق والتفت للتي همست تقف مستندة بظهرها
على واجهة الكوخ
" هل تأتي هنا لوحدك ؟ "
عاد لإغلاق باب الخزنة الصغيرة المخفية ورغم أنه يعلم بأنها
تعرف الجواب جيدا قال
" أجل لا أحد غيرك يعلم عن هذا المكان "
قالت بهدوء حزين تراقبه وهو يقف
" إذا لما قلت سابقا بأنه ثمة من اقترح عليك هذا ؟ "
نظر لها وقال وهو يدس المفتاح في جيبه مجددا
" قلت الحقيقة حينها ماريا لكنها لم تكن كاملة فهذا الكوخ بات
مكاني المفضل مؤخرا لأني أنعم فيه بالخصوصية على الأقل دون
تطفل ، بل وأقضي ليال كثيرة هنا ولا أرجع لشقتي "
قالت من فورها تنظر لعينيه تحديدا
" هربا منها أم من نفسك ؟ "
أومأ برأسه نفيا وقال بجدية
" بل من تطفلها ماريا فنفسي استطعت كبح جماحها لأعوام
قبل أن أعرفها "
وما أن أنهى عبارته تلك أولاها ظهره وهو يخرج هاتفه ، تعلم
جيدا بأنه على كلماته الأخيرة أن تبقي نتائج إيجابية في نفسها أو
ستكون أمام خياران لا ثالث لهما لكي تتجنب أن يحدث ما لم
يلمح له فإما أن تسلمه نفسها طوعا كي لا يبحث عن ذلك لدى
غيرها وخصوصا تلك المرأة وأن لا يضعف بسببها نهاية الأمر
أو أن تختار الخيار الآخر وترفض تسليمه لأخرى وأن لا تعتمد
على التكهنات وعلى أخلاقه الماضية فقد تنجح تلك فيما لم تفعله
غيرها ولا حتى هي فيسلمها مشاعره وليس فقط جسده .
راقبته بأسى وهو يخرج هاتفه ويجيب عليها يده تمسك الهاتف
على أذنه والأخرى يمررها في شعره ببطء يقف تلك الوقفة التي
تميزه كرجل حروب عن غيره فارجا بين ساقيه قليلا مستقيما في
وقوفه شادا ظهره .. تلك الوقفة التي تدعوها له في كل مرة
ومتأكدة من أنه ليس ثمة امرأة تستطيع مقاومته بينما الواقف
هناك فثمة سبب واحد جعله يفعلها ويجيب وهو تجنب أن تحدد
مكانه عن طريق هاتفه فهو نسي ولم يغلقه ، قال بصوت عملي
" أجل لوسي "
" لا أنا خارج لندن وسأحتاج لوقت لأصل "
" لا داعي لانتظاري لوسي سأصل متأخرا ومتعب وسأنام "
كانت كل كلمة من ذلك سكين يقتل الواقفة خلفه ومن نسيت
في غمرة سعادتها بتلك اللحظات اليتيمة كل ذاك الواقع المرير
وأنه ثمة امرأة أخرى أقرب لواقعه منها يمكنها الاقتراب منه كيف
تشاء وليس بالخفية مثلها بل وحتى أمامها بينما هي عليها أن
تكون امرأة غريبة عنه وأن تحميه من نفسها فمن يحميها هي
منها ومن هذا الألم الذي تشعر به في داخلها ؟
ما أن أنهى مكالمته تلك بدأ بجمع أغراضه .. سترته محفظته
مفاتيحه ، لملم شتات كل شيء سوى قلبها المكسور وخشيت
للحظة أن لا يفكر فيه أبدا وتمنت فعلا أن لا يخذلها تراقبه بعينان
كسيرة تدس يديها خلف جسدها لازالت تقف مكانها مستندة على
واجهة الكوخ بظهرها تتبعه تلك الأحداق الذهبية الدامعة وهو
يتحرك في المكان بآلية كمن يحفظ بالفعل تفاصيله ويمكنه التحرك
فيه مغمض العينين .. أغلق النافذة الوحيدة في المكان وأسدل
الستائر عليها تأكد من المطبخ والحمام الصغيران ورمى حتى
الوسائد مكانها السابق على السرير وكأنه يخفي آثاره فيه تحسبا
لأن يدخله أحدهم خلفه ، ونهاية الأمر لبس سترته وتوجه للجزء
الحي الوحيد في المكان وخان ظنونها السيئة ناحيته فلم يخرج
ويأمرها أن تتبعه كما توقعت بل وقف أمامها وأمسك وجهها
ونظر لعينيها الدامعة وقال بروية
" ماريا أخبريني أمرا واحدا فقط ينهي هذا الخلاف بيننا وأن لا
يبتعد واجبي ناحية الوطن جانبا ؟ "
سحبت نفسا قويا لصدرها صحبته تلك العبرة السجينة التي كادت
تفتت قلبها قبل أضلعها وهمست بصعوبة نظراتها الدامعة معلقة
بعينيه
" أعلم بأنك لن تفعلها لكنت طلبت منك أن تقسم مجددا "
قبل جبينها قبلة طويلة ونظر لعينيها مجددا وقال
" اقسم بماذا ؟ "
غرقت مقلتيها في بحر الدموع أكثر وقالت ببحة
" بأنك لن تحبها يوما .. لن تسلمها قلبك ومشاعرك وأن لا
يتعلق قسمك هذه المرة بخصوص الماضي بل بالمستقبل "
شدها لحضنه وطوقها بذراعيه بقوة وقوة وقوة وكأنه سيحطم
بتلك الأضلع جسدها الصغير الضعيف أمام قوته وحضوره
المسيطر وترك لها حرية فعل ما تشاء حتى ضربات قبضتها
لظهره باكية قبل أن يهمس عند أذنها
" ليست من النوع الذي يعجبني ماريا اقسم لك .. لا يروق لي
ذاك الصنف المنحرف والمختل عقليا وأنت كدت تتحولين لنسخة
عنها تدريجيا فلا تفعلي ذلك مجددا ماريا أو قسوت عليك أكثر
من ذلك فلن أسمح لك بأن تكوني ماري الفتاة الإيطالية أبدا "
وأبعدها عنه حين لم تعلق على حرف مما قال وهو موقن من أنها
فهمته جيدا ، أغلق لها أزار سترتها قبل أن ترتفع يديه لوجهها
وأبعد خصلات غرتها الحريرية خلف أذنيها وقال يمسح الدموع
من وجنتيها بظهر أصابعه
" حتى هذا الشعر ما كنت لأرضى أن يراه غيري لولا الضرورة
ماريا ، أنتي من أنظر لها كزوجة لي وكشريكة ليس تلك التي لا
يعنيني حتى أين قضت ليلة البارحة ومع من "
أمسكت يده من وجهها وقبلت باطنها قبل أن تنزل بها لحضنها
وهمست بعينان دامعة معلقة في تلك الأحداق السوداء
" أنت لي وحدي تيم "
ابتسم وانحنى جهتها مقبلا أثر أصابعه على خدها نزولا للجرح
في طرف شفتها وهمس بخفوت
" لك وحدك يا أنانية "
لم تستطع إخفاء الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها رغم ذاك
الحزن الذي غطى ملامحها الجميلة الرقيقة وشدت يده لحضنها
أكثر وارتفعت أنامل يدها الأخرى ملامسة طرف وجهه وخصلات
شعره الكثيف وأمالت وجهها جانبا تشعر بضربات قلبها تسير مع
مسار قبلاته لعنقها ، شعرت بأحشائها تتقلص جميعها وجسدها
ارتجف بقوة فرمت يده عن صدرها حيث كانت تحضنها مبعدة له
عنها حين شعرت بحركة إبهامه العابثة من تحت ياقتها وقالت
بضيق
" ماذا تفعل يا منحرف ؟ "
فضحك بخفوت وشدها من يدها وتمتم خارجا بها من الباب
" أريد أن أقول بأنه خطأ لن يتكرر لكني لا أستطيع "
راقبته مبتسمة والدموع لازالت تلمع في حدقتيها الحزينة وهو
يغلق باب الكوخ الخشبي بالمفتاح وبيد واحدة فشبكت أصابعها
بين أصابعه وتمسكت يدها بكفه بتملك وشد هو على يدها بدوره
دون أن يعلق بشيء وما أن ابتعدا عن المكان وعبرا الجسر
الصغير فوق النهر تركت يدها يده وطوقت خصره بذراعيها
وضمها هو لكتفه بذراعه متابعان سيرهما تريد فقط أن تنعم بهذه
اللحظات التي سيحسدها عليها واقعها سريعا حين ستغادر الحدود
المسموح لها بالاقتراب منه فيها وهي من اختارت بمحض
إرادتها أن لا يكونا فيه سويا مجددا وهو احترم قرارها ذاك دون
نقاش ولا أن يغضب منها فليس ينقصها أن تربطها به علاقة
جسدية أيضا فتفقد عقلها لا محالة إن هي فقدته يوما بسبب
مهامه المجنونة تلك فتركت فقط الحرية لمشاعرها رغم يقينها
من أنها قد تندم فيما بعد وكما حدث في المرة السابقة وفي ذات
هذا المكان لكنها متعبة .. تعبت حقا وتحتاجه فقط .. تحتاج أن
تشعر بقربه أن يتوقفا عن الشجار عن الابتعاد وعن جرح أحدهما
للآخر ... تعلم بأنها غبية لا أحد يذكرها بذلك فهي غبية بحبه قبل
كل شيء والغبي في واحدة أحمق في كل شيء .
وصلا سيارته المركونة خارج سياج المكان ووصل بها جهة باب
المقعد بجانب السائق دون أن تتركها ذراعه فرفعت نظرها له
وكان ينظر لها وقال فورا بابتسامة جانبية
" ألا قبلة مطلقا يا بخيلة ؟ "
دفنت وجهها في صدره وهمست ضاحكة
" أوخي تيم "
فابتسم وشدها لحضنه ومرر أصابعه في شعرها حتى وصلت
لخدها وقرصه قائلا
" ما رأيك بألف يورو ؟ "
ضحكت تدفن ملامحها في صدره أكثر وقالت مبتسمة
" ولا بمئة ألف إنسى ذلك تيم "
فتح لها باب السيارة وقال مبتسما
" ما أفهمه بأنه عليا أن أفعل ما سأكسبها به كجائزة يا
إستغلالية ؟ "
ضحكت بخفوت وجلست في كرسيها قائلة
" لا تستبعد ذلك "
فابتسم وهو يغلق بابها ودار حول السيارة وركب وغادرا من
هناك ولم تتحدث تراقب الطريق أمامها ولم يتحدث الجالس
بجانبها أيضا ولم تستغرب ذلك فذاك طبعه لكنه ليس طبعها ،
هي فقط أرادت تلك اللحظة لتختلي بنفسها وأفكارها تستقر بها
حيث تكره مجبرة وعليها فعل ذلك والآن فهي أمام خياران
وحيدان إما أن تنفصل عن عالمه تماما حتى تنتهي مهمته تلك
فإما أن يرجع لها بعدها أو أن يكون لغيرها وللأبد هذا إن لم تمتد
تلك المهمة لأعوام طويلة كما طالت حياة مطر شاهين ورجاله هنا
من أجل ذاك الوطن أو أن تقاتل من أجل ما تملكه وأن لا تسمح
لأحد وتلك المرأة قبل الجميع بسرقته منها وإن بتوريطه في
علاقة معها ، وفي كلى الحالتين ستتعذب وستحترق لكنها ليست
بخير بعيدا عنه أيضا وقد سبق وجربت ذلك وقاست منه .
نظرت جهة النافذة واتكأت بطرف جبينها عليها وغابت مع
أفكارها تتمنى فقط أن تقرر قرارا مجنونا وتحارب من أجله وإن
بصفتها ماري الإيطالية وأن تحميه على الأقل من تلك المرأة
بوجودها قربه لكنه لم يطلب ذلك ولم يختره ومتأكد جدا من
قدراته على حل مشاكله وحده فمن يقنع قلبها الغبي بذلك ؟
شعرت بملمس أصابعه على خدها فابتعدت عن النافذة ونظرت له
وهو يعيد يده ناحيته ونظره لازال على الطريق واكتفى بتقبيل
ظهر أصابعه التي لامست خدها قبل أن يمسك بها المقود مجددا
وكأنه يريد فقط أن يوصل لها رسالته في صمت وهو يقرأ أفكارها
وبوضوح ويعلم بأن اجتياز تلك العقبة المسماة لوسيندا غامسون
ليس بالأمر السهل مطلقا عليها وأنها ستبقى الحاجز الذي ترفعه
بينهما وأن مشاكلهما بخصوصها لن تنتهي أبدا ، نظرت ليديها
في حجرها وقالت بصوت منخفض
" أنا أثق في وعودك وقسمك تيم لكن الأمر صعب ...
صعب جدا صدقني "
امتدت يده لرأسها وشدها لكتفه وحضنها في صمت ..
فقط في صمت ولا كلمة مما يتمناها قلبها المسكين بأن للجحيم
كل المهام ماريه ولا أي شيء يبعدنا ولا لدقائق ، لكنه لا يشعر
كما تشعر هي لا يحبها بجنون مثلها لكان فهم معنى كل هذا وكم
يؤلمها التفكير في أنها مجرد مسؤلية ووصية لوالدته قبل موتها
وأمر مسلم به فقط في حياته ، ابتعدت عنه حين دخلت سيارته
شوارع لندن فهنا عليها أن تكون ماري وأن تترك ماريا هناك
حيث دفن كل شيء في ذاك الكوخ الخشبي الجميل والطبيعة
المحيطة به كأحلامها تماما لا تصلح سوى أن تبقى في الذاكرة
وفي صندوق أمانيها الصغير المخبأ في تلك الزاوية المظلمة من
حياتها .
وقفت سيارته أمام سياج منزل عم والدتها بالقرب من السيارة
المركونة أمامه والتي تعلم جيدا لمن تكون وهو ( كين ) فنظرت
له فورا وكما توقعت كان ينظر لتلك السيارة بنظرة تعرفها جيدا
وسبق واختبرتها في غيرها وفي نفسها ورأت نتائجها ، فتحت
باب السيارة ونزلت ونظرت له بتوجس وهو يفتح بابه وينزل
وظنت فقط ليوصلها لباب المنزل لكنه قال وهو يضرب بابه
بقوة
" تحركي ماريه سأدخل معك "
قالت بتوجس تنظر لنصف وجهه وملامحه القاسية المتجهمة
" تيم لا حاجة لذلك أنا فهمت ما أردت قوله لي وعلمت
خطئي "
دار حول السيارة وشدها من يدها بعدما أغلق بابها ضاربا له
بقوة وسار بها داخلان من باب الفناء فقالت تتبع خطواته
السريعة
" تيم لا تتشاجر معه بسببي فكين لا يعتبرني أكثر من صديقة "
قال متابعا سيره يسحبها خلفه
" أعلم ذلك لكنت ملأت ذاك الملعب السخيف بدمه "
وتابع سيره دون أن يهتم لرفضها ولا احتجاجها ولم تفهم لما
سيدخل معها إن كان يفهم الأمر بل وما هذا الذي يجعله يدخل هنا
مجددا ! ولم يتأخر عنها الجواب كثيرا ما أن فتحت الباب وكانا
في الداخل مواجهان للثلاث أشخاص الجالسين في بهو المنزل
وقد وقفوا فور دخولهما وكانوا كين وساندرين ووالدتهما
والأنظار موجهة جميعها لها وليس لمن لازال يمسك بيدها
والغريب عن المكان بل وعلى وجهها تحديدا وتلك الآثار
الواضحة في خدها والجرح في شفتها فهربت بنظرها منهم
للأسفل بل من نظراتهم المتفاوتة بين الغضب والحنق وفهمت
حينها لما أصر على الدخول معها وما توقعته حدث حين اشتدت
أصابعه على يدها وقال بجمود
" من لديه كلمة فليقلها لي والآن لا أحد يتحدث معها عن
الأمر ومطلقا "
وكان التعليق ممن توقعته تماما والتي لن يرتاح لسانها إن لم
يحرك البركان الخامد وقالت بسخرية بعد ضحكة قاتلة قصيرة
" هه زوجتك من يحق له الاعتراض فهي تأخذ حقوق الزوجة
كاملة "
علمت من شده القوي أكثر على يدها درجة أن آلمتها أصابعها
بأنها نجحت في إشعاله فهمست ولازالت تنظر للأرض كي لا
يسمعها أحد غيره
" تيم أرجوك "
فارتخت أصابعه عن يدها وقال بذات جموده ونظره لازال على
الواقفين هناك
" اجمعي أغراضك ماريا ستغادرين معي "
فرفعت نظرها له بصدمة كما كان حال الجميع هناك وتكلمت
ساندرين مجددا قائلة بضيق
" زوجتك فهمناها لكنها ليست لعبة كلما غضبت قررت أخذها ..
تثبت لنا أم لنفسك بأنك زوج فاشل ؟ "
تجاهلها وكأنها لا تتحدث أمامه ونظر للواقفة بجانبه لازالت تنظر
له باستغراب وقال
" تحركي ماريا "
لم تتحرك من مكانها كما لم تعلق بشيء نظراتها لازالت تبحث في
عينيه عن أجوبة لكل هذا فهل سيفعلها مجددا كتحد لهم فقط أم
أنه في كلى الموقفين كان قراره ولا سبب لأحد فيه ؟ لكنه لم
يخبرها بذلك !
" اترك عمها يكون هنا يا تيم وتفاهموا بروية "
جملة الامرأة الأربعينية تلك كانت ما كسر ذاك الصمت المشحون
وتلك النظرات الصامتة وهي تسرق نظر تلك العينان السوداء
الحادة وقد قال صاحبها ولم يتخلى عن جموده الصخري وهو
يترك يدها ونظره يتجنب الجميع بلامبالاة
" ماريا تحركي "
فنقلت نظرها من ملامحه الجامدة للواقفين هناك ينظرون لها
بصمت استشفت فيه الغضب والرفض من عيني كين وشقيقته
والهدوء الغريب من والدتهم فأخفضت نظرها قبل أن تغادر من
هناك جهة ممر غرفتها في صمت تتبع قرار قلبها الذي تردد في
ذلك طوال الطريق وكأنها كانت تنتظر فقط أن يقرر هو عنها ،
لتتبعها تلك الخطوات الغاضبة التي صرحت صاحبتها بغضب وهي
تلحق بها
" تلك الحمقاء ستبقى ساذجة دائما "
وتبعتها تلك النظرات السوداء الغاضبة قبل أن ينحرف مسارها
جهة الذي قال بحنق
" ليس لأنه لا أحد لها تضربها يا رجل ابن شاهين ، ولست أراها
فعلت شيئا يستحق ... لا وتتحكم في مصيرها وقراراتها أيضا
ودون حتى أن ترجع لعمها الذي رميتها لديه "
أدار مقلتيه مجددا جهة الممر الذي غادرت منه من كانت تقف
بجانبه قبل قليل وتجاهله وكأنه لا يتحدث معه فشد كين قبضتيه
بقوة قبل أن يقول بحدة
" مؤكد سيكون ثمة من يكسر لك غرورك هذا يا ابن كنعان
وبماريه تحديدا "
تحركت مقلتاه ناحيته مجددا ونظر له تلك النظرة الحادة القوية
قبل أن يقول بجمود
" من مثلا أحد أصدقائك أولئك ؟ "
وتابع من فوره وملامحه تتحول للحدة
" قسما إن اقترب منها أحدهم مجددا أن لا يمارس رياضتكم
السخيفة تلك مجددا فابتعد عنها يا كين أو سيكون ضحيتي أنت "
صرخ فيه من فوره
" ليس أنت من يقرر ما تريده ماريه .. يكفيك تحكما في مصيرها
بما أنك من اختار غيرها واتركها لغيرك "
تحولت نظرته لما لا ينبئ سوى بالسوء وتلك الأحداق تتحول
لحجرين أسودين مشتعلين قبل أن يرفع طرف سترته بحركة
عنيفة غاضبة يديرها خلف خصره فقفزت الواقفة هناك لتصبح
بينهما وأشارت له بيدها قائلة بوجل
" لا ... لا تفقدني ابني وأمام عيناي "
قبل أن تنظر للواقف بجانبها قائلة بضيق
" كين اصمت لا علاقة لك بما بينه وبين زوجته ، لو كانت
رافضة للأمر لتحدثت من نفسها "
نظر لها وقال بضيق
" أمي انظري له إ....... "
قاطعته بحزم
" كين قلت بأنه لا علاقة لك بالأمر وعمها من سيتفاهم معه
إن أراد "
لاذ بالصمت مرغما وراقبت نظراته الحانقة الذي تحرك من هناك
ووجهته ذات ذاك الممر بخطوات واسعة غاضبة فنظر لوالدته
قائلا بضيق
" لا أفهم لما تعطوه وزنا أكبر من حجمه ؟ "
قالت بحدة
" لأنه كذلك ولا يتحكم في غصبه فكيف إن تعلق الأمر
بتلك الفتاة؟
ولم يمنعه عن شقيقتك طويلة اللسان تلك سوى همسها ذاك له
لكان دق عنقها فهي ووالدته الاقتراب منهما معناه الموت لدى
ذاك الشاب فابتعد عن كليهما وعنه قبلهما يا كين "
تأففا غاضبا وغادر من هناك ضاربا باب المنزل خلفه تاركا خلفه
التي حركت رأسها متنهدة بضيق وتحركت من مكانها متمتمة
" ليبعد الله الحارثة عن المنزل حتى يغادر ذاك الشرس "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 76 others like this.
رد مع اقتباس
#8128
قديم 28-02-18, 11:13 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
اشتدت أناملها على قماش فستانها الطويل المطرز تراقب نظراتها
وعيناها التي لم تجف الدموع من رموشها بعد صاحب ذاك الجسد
الطويل الواقف أمامها موليا ظهره لها يفتح باب ما يفترض بأنه
منزلهما ...
منزل !! هل بات لديها فعلا منزلا ورجل سيحميها من الشارع ؟
من الموت على أيدي أولئك الوحوش بنفيها في الصحراء حتى
تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حدث مع زوج عمتهم ومن اعترف بأنه
والدها قبل موته ؟
لا تصدق بأن ما خططت له فجر وأرادته أن يحدث ولم تكن تتخيل
ما كان سيحدث لها إن لم يظهر هذا الشاب الليلة وما الذي كانوا
سيقررونه أولئك القساة بشأنها وهم يروا بأنه عليهم التخلص
منها سريعا ، وضعت يدها على صدرها وتنهدت حامدة الله في
سرها دموعها تملأ تلك الأحداق الخضراء تراقب نظراتها الذي
لازال يحاول فتح قفل الباب مستغفرا الله بهمس متعب لأنه يرفض
أن يفتح له كما يبدوا ، لن تخشى مما قد يحدث لها مع هذا
المجهول عنها ومن لم تعرف اسمه سوى اليوم ومهما كرهها
ونفر منها فما حكته فجر عنه مطمئن ابتداءً من انقاذه للعامل في
أراضي وحوش غيلوان لأخذه لها للمستشفى دون أن يهرب
ويتركها مرمية في الشارع ثم رفضه لأن يكشف ذاك الطبيب
على وجهها .. وأهمه قدومه الآن فقط كي لا يتخلى عنها رغم
أنه يبدوا كان يمر بظروف سيئة ، لا تذكر شكله جيدا حين دخل
عليهم بسبب بكائها ودموعها والحالة التي كانت فيها وصدماتها
المتعاقبة بسبب أولئك المتحجرين لكنها علمت أمرا واحدا فقط
بأنه منقذها الذي لم تتخيل يوما أن يكون له وجود وبأنه بات
لديها شخص اسمها مرتبط باسمه حقيقة وليست أوهام ككل من
عرفتهم ويفترض بأنهم عائلتها وكل واحد منهم ينكرها ويرميها
على الآخر ، وما زادها ثقة به أنه ما أن دخل عليهم هناك طلب
ومن شعيب تحديدا أن يتحدثا على انفراد وكانت تعلم ما سيكون
ذاك الحديث فهو سبق وحذر فجر من أن تخبرها بما حدث معها
وتلك الكذبة التي اخترعتها كطعم له وهو أراد بالتأكيد أن يتحدث
في الأمر معه بعيدا عنها كي لا يجرحها بمعرفتها لوضعها الجديد
فلازال يتصرف معها بنبل لن تتخيل أن تكافئه عليه يوما وإن
عاشت تحت قدميه خادمة فهو راعى حتى مشاعرها وكان يكفيها
فقط أن شعر بمعاناتها ما أن حكت له فجر قصتها فكان الشخص
الوحيد الذي لم ينظر لها كوباء وكإثم ولعنة عليه فقط الابتعاد
والهروب منها .
مسحت دموعها بظهر كفها لا تريد أن يشعر بها فيكفيه تعقيدات
هذه الليلة الطويلة فهي لم تراه منذ خرج وشعيب من هناك فقد
تم إرسالها لشقيقتيه وكم كانتا مختلفتان عن أولئك الوحوش
البشرية وأصرتا على تجهيزها وألبسوها هذا الفستان لا تناديانها
سوى بالعروس واستطاعت فيحاء أن ترسم الابتسامة على
شفتيها وهي تداعبها بأنه ثمة أمل أن تتزوجا أيضا بما أن لعنة
عائلة غيلوان تزوجت ، لكن كيف مع أشقاء كأشقائهم ومع
حدادهم الكريه ذاك ؟ قد تحتاجا لفجر أيضا لتظهر لهما بفكرة
كفكرتها المجنونة تلك والتي آتت بثمارها نهاية الأمر ونجحت
رغم كل التعقيدات فيها .
انفتح القفل أخيرا وسحب السلسلة من الباب الحديدي بقوة ودفعه
ودخل مسميا بالله بهمس ما أن خطت قدمه عتبة الباب ففعلت
كما فعل تماما فعلى الأقل يعرف ذكر الله ولن تخاف ممن يخاف
الله بل لن تخافه أبدا فهو أرحم لها من كل ما كانت ستراه
وسيحدث معها ، دفعت الباب مغلقة له فهو على ما يبدوا يغلق
من الداخل عكس خارجه لا يمكن إغلاقه سوى بالسلسلة الحديدة
والقفل وهو يبدوا لم يهتم بذلك لأنه كان يعيش فيه وحيدا إن دخل
أو خرج لا يترك فيه أحد بعده ، ما أن انتهت من إغلاقه والتفتت
ناحيته أدار ظهره فورا حيث كان يقف بجانب جسده وكأنه يتأكد
من أنها أغلقته جيدا وتحرك من هناك وتبعته فورا تنظر للمكان
المفتوح على السماء المليئة بالنجوم فقد كان منزلا طينيا بسيطا
كأغلب المنازل هناك سوى ما تم تجديده منها وتغييرها بشكل
جذري ، ويبدوا أنه يحوي غرفة واحدة وحمام ومطبخ من عدد
الأبواب فيه .. أي أربعة جدران ستجمعكما يا مايرين !
شعرت بتوترها يتصاعد من الفكرة وبلعت ريقها بخوف تتمنى
فقط أن يؤجل التفكير في الأمر لبعض الوقت كي لا يكشف
خطتهما سريعا هكذا ، وقفت مكانها ما أن فتح باب الغرفة ودخل
ولم تستطع التحرك خطوة واحدة للأمام وتمنت فقط أن كان ثمة
غرفة أخرى أو حتى مخزن سترضى بالعيش فيه وحدها فهي
ما كانت لتحلم بمكان غير الشارع أو الموت .
" مايرن تعالي "
شعرت بجسدها ارتجف بأكمله ما أن وصلها ذاك الصوت
الرجولي العميق المرتخي الذي لم تخلوا نبرته من التعب
الواضح وكأنه لم ينم لأيام أو سار على قدميه لأميال طويلة ،
تشهدت على نفسها ووكلت أمرها لله وتقدمت من باب الغرفة
الخشبي ببطء فيبدوا بأن ساعة عقابها منه قد حانت وبداية
مأساة حياتها معه ستنطلق الآن وسينفجر البركان الخامد
ليحملها نتائج كل ما حدث ولازالت تجهل أغلبه بعد انفراده
بشعيب فذاك الرجل لن يتركه بسلام بالتأكيد وليس من أجلها
طبعا وعليها تحمل كل ذلك رغم أنها لم تسمع الغضب في نبرته
ولا حتى حين رفض قفل الباب أن يفتح له إلا إن كانت رؤيته
لها وجها لوجه ستجعل تلك الحمم تخرج دفعة واحدة ، تمسكت
يدها بإطار الباب وهي تجتاز عتبته المرتفعة وتنهدت بارتياح
حين وقع نظرها على الواقف موليا ظهره لها قبل أن تنقل
نظرها في زوايا الغرفة الواسعة نسبيا رغم أنها كانت شبه
فارغة سوى من بساط غطى أرضيتها بالكامل باللون النيلي
ورسوم لخطوط ومربعات متداخلة باللون الأزرق الغامق ،
فراشان يبدوان جديدان كل واحد منهما محاذ لجدار ووسائد ،
خزانة حديدية صغيرة وفقط انتهى ..
تلك هي غرفة الشاب العازب الذي تزوج فجأة ، جالت بنظرها
في جدران الغرفة فكانت مطلية حديثا على ما يبدوا وبيضاء
ناصعة وهذا أول مؤشر جيد فلا منزل فئران على الأقل .
" هل أنت جائعة ؟ "
شعرت بأدق عرق في جسدها ارتجف ليس من عبارته ولا
تحدثه معها فقط بل ولأن كلماته تلك رافقت فتحه لأزرار
قميصه لازال موليا ظهره لها فبلعت ريقها بصعوبة ولم تستطع
قول شيء وكأن الأحرف الأبجدية ضاعت منها تماما ولا حتى
بأنها ليست جائعة .. بل جائعة ولن تشبع قبل طلوع الشمس
وستلتهم حتى الجدران هربا منه ، أغمصت عينيها بقوة حين
خلع قميصه وبقي بالقميص الداخلي فقط ولم تستطع التنفس
إلا حين سمعت كلماته التالية
" إن كنت جائعة فانظري في المطبخ قد تجدي بيضة أو اثنتين
فالوقت متأخر الآن "
وما أن أنهى عبارته تلك ساد الصمت المميت المكان حتى ظنت
أنه اختفى من الوجود وأصبحت لوحدها هناك ففتحت عينيها بطء
ونظرت للجسد المرتمي على الفراش يدفن صاحبه وجهه في
الوسادة نائما على بطنه يدس يديه تحت وسادته تلك أنفاسه
تخرج قوية رغم انتظامها ورحمت حاله لحظتها فيبدوا متعبا
منهكا بل ومغموما وينتظر فقط أن يصل لهذا المكان لينام ويرتاح
وتذكرت حين أخبرهم بأنه لا عائلة لديه حين دخل المجلس عليهم
وتساءلت عن قصته أيعقل بأنه لا عائلة له ! لا أقارب أبدا ؟
قد يكون مثلها له عائلة وليس له في ذات الوقت ، تحركت
بخطوات خافتة ناحية قميصه الذي رماه بإهمال على ما يبدو
ورفعته وطوته جيدا وتوجهت للخزانة فتحت أحد بابيها
واستغربت من أنها فارغة ! وضعت القميص فيها وأغلقتها فهذا
الرجل يبدوا أنه لا يملك ولا ثيابا وليس عائلة فقط ! نظرت له
وكان لازال على وضعه السابق لكن أنفاسه بدت لها أقل حدة
ويبدوا أنه سافر لعالم النوم سريعا ، فتحت باب الخزانة الآخر
وكما توقعت كان ثمة لحاف هناك أخرجته وأغلقت الباب برفق
واقتربت من ذاك الجسد الطويل بخطوات بطيئة وفتحت اللحاف
المطوي وغطت به جسده برفق شديد تشعر بقلبها سيخرج من
مكانه مع كل حركة لها وينقص فقط أن يتحرك قليلا فستقفز
صارخة لا محالة ، غطته جيدا حتى كتفيه وابتعدت عنه لتسمح
لأنفاسها بالتسرب لرئتيها مجددا واستلقت فوق الفراش الآخر
ونامت على جانبها مولية ظهرها للجهة التي هو فيها ومقابلة
للجدار تضم يديها تحت خدها ونزلت دموعها دون استئذان
ولا تعلم على ماذا تحديدا ؟
على ماضيها أم حاضرها أو مستقبلها المجهول فهل كتب لها
أن تعيش في ذعر من نفسها وظروفها طوال حياتها ؟
وحتى الآن وهي في عهدة رجل ليس شقيقها جسار ولا شعيب
وأشقائه تخشى من مستقبلها معه ، أخرجت إحدى يديها وأغلقت
بها فمها تمنع شهقتها من الخروج لتعيش بكائها وحزنها وحيدة
ولا تزعج النائم هناك فيكفيه من مصائب هي السبب فيها .
" مايرين لماذا تبكي ؟ "
أغمضت عينيها بقوة تمسك فمها أكثر حين وصلها ذاك الصوت
الرجولي المرتخي الذي يبدوا أن صاحبه لا زال يدفن وجهه في
وسادته ولم تستطع الكلام مجددا وماذا ستقول مثلا ؟ أبكي لأني
أخشى أن أفقد هذا الأمان المزيف الذي قد تسرقه مني حقيقة ما
كذبت عليك فيه ؟ وصلها صوته العميق الهادئ مجددا حين طال
صمتها
" ماريرين أنا لن أظلمك فوق ما رأيته في حياتك فلا يرسم لك
عقلك حياة البؤس معي ، قد لا أملك شيئا يجعلك سعيدة يوما لكني
لم أفقد إنسانتي بعد ... قد تفرقنا الأقدار التي جمعتنا يوما ما وإن
بموتي لذلك لا أريد أن أكون سطرا جديدا في مأساتك صدقيني "
كلماته تلك لم تزد حالها سوى سوءا بدلا من أن تخفف عنها فلم
تستطع سوى أن تهمس من بين عبراتها
" شكرا لك "
هذا فقط ما جادت به حنجرتها المتصلبة وما وجدت من كلمات
في عقلها الباطن وكم هي ممتنة له ولن توفيه هذا مهما صاغت
من جمل وعبارات فما ستقوله غير أنها لم تكافئه بالمثل أبدا
وهي تقع على عاتقه بهمومها وتعقيدات حياتها فالسر لن يبقى
سرا للأبد ولابد أن ينكشف وحينها ستفرقهما الأقدار التي قال
عنها ... لم تتمنى يوما أن لا تتخلص من وجود أحدهم في حياتها
كما تمنت اليوم والآن تحديدا ولأول مرة ستترجى الموت أن
يبتعد عن أحدهم ولا يحرمها منه كما قال فلتمت هي سيرتاح
الجميع منها وأولهم نفسها لكن هو لا من لها بعده وما الذي
قد يحدث لها !
لم تستطع التوقف عن التفكير كما حدث مع دموعها التي لم
يعد لعينيها مقدرة على ذرف المزيد منها فقد كتب عليها أن
تعيش هكذا تخشى من الغد وما يحمل لها .
*
*
*
فتحت الحقيبة التي سحبتها من أعلى الخزانة ورمتها على
الأرض مفتوحة وبدأت بسحب ثيابها وترتيبها فيها كالمنومة
مغناطيسيا لم تفكر في أي شيء وقد توقف عقلها عن التفكير
وبأوامر منها وإن خانها للحظة أسقطته مرغما في ذكرى
الساعات الماضية فقط وكأنها تعاقبه
" فعلتها إذا ماري ؟ "
سحبت الفستان من علاقته وطوته قائلة ببرود
" ماريه "
شخرت الواقفة عند الباب بسخرية قبل أن تقول
" بل ماري ... حمقاء مثلها تماما كانت غبية ساذجة قتلت
نفسها بسبب عشق رجل لأنه لم يحبها يوما وستنتهين
كنهايتها بالتأكيد "
استمرت في ترتيب ثيابها داخل الحقيبة منحنية ولم تعلق فاقتربت
منها وقالت بضيق تمسك خصرها بيديها
" حدث ما كنت ترفضينه ماريه لا تنسي ذلك وها أنت ترضخي
لشروطه فهلا أخبرتني هل وافق على شرطك واختارك أم حدث
العكس ؟
هو يعلم ذلك وبأنك مريضة بحبه ويستغلك وسترجعي هنا
تبكي قسوته ماريه اقسم لك "
وقفت على طولها ونظرت لها قبل أن يلفت انتباهها الواقف عند
الباب ينظر لها بصمت ولم تشعر به التي استمرت قائلة بذات
ضيقها الذي بدأ يتحول للغضب
" لو أعلم ما فعله غيّر رأيك هكذا غير أنه صفعك يا حمقاء ؟
مؤكد خدعك بأحضانه وقبلاته ككل مرة .. هو يستغل مشاعرك
نحوه لأنه يعلم بأنه نقطة ضعفك "
كانت الواقفة أمامها تصرخ وتتحدث بغضب تنظر لكل شيء
حولها وتنفض يديها بينما نظرها هي لم يفارق عيني الواقف
مكانه عند الباب ينظر لها بصمت ولعينيها تحديدا ... عينان
سرعان ما امتلأت بالدموع حين قالت الواقفة أمامها باحتجاج
" أين ستذهبي ماريه هل فكرت في هذا ؟
لمنزله لعالمه لتلك الثرية المتملكة التي سيقتلك بها في كل مرة ؟
هل سيتحمل قلبك المزيد مما رأيته سابقا ومما سيفخر به وهو
يقتلك رويدا يا حمقاء ؟
أي غبية هذه التي تسلم زوجها لغيرها وتقف تتفرج عليهما بل
وتسانده في ذلك بكل غباء !
أين مكانتك لديه ؟
يضربك يضطهدك يكسر قلبك يعاملك كجارية كعبدة لا يقدم من
أجلك ولا تنازلا واحدا تافها لأنك بالنسبة له أقل من كل ذلك "
كانت كلماتها تصيبها كالسهام ولم تبعد نظرها عن تلك العينين
وعن النظر لعمقهما نظرة تشبه نظرته تماما تبحث عما في
الداخل فقط وكأنه يذكرها بكل ما قالاه .. بكل ما تحدث هو عنه
وبثقتها فيما قال فانحرفت نظراتها الدامعة عنه وسحبت جزءً من
ملابسها ورمتهم في الحقيبة بعشوائية هذه المرة فأمسكت تلك
اليد بيدها وقالت صاحبتها بضيق
" ماريه لا تسمحي له بأن يؤثر عليك لأنه سيقتلك ودون رحمة ..
صدقيني بأن ألمك لن ينتهي بل سيبدأ الآن ، أنتي قادرة على
نسيانه وعلى إخراجه من قلبك وبكل سهولة إن توقفت عن النظر
له كمستقبلك الوحيد وكمصدر لسعادتك التي لن تجديها
معه أبدا "
نفضت يدها عنها وصرخت ببكاء ناظرة للأرض تمسك رأسها
بيديها
" يكفييي ... اقسم أني تعبت وأني أموت ، أريد أن أرتاح أن أرى
الحياة جميلة كما يراها غيري وأن أنسى كل ما قاسيته ..
أن أشعر أني أنا "
وتابعت بذات بكائها الموجع تضرب بقبضتها على قلبها لازالت
تنظر للثياب التي تتقاطر دموعها عليها
" أتعذب بسبب هذا ... أتعذب معه ومن دونه لكنه مصيري ومن
يهرب من مصيره ؟
لا يحبني أجل أعلم .. هو ليس لي هو لكل شيء عداي لكني
تعبت .. حتى الموت يرفض أن يحبني أكثر منكم جميعا ويأخذني
معه "
تحرك حينها الواقف عند الباب حتى كان عند التي أبعدها دافعا
لها من ذراعها بقوة جهة الخزانة فاصطدمت بها صارخة بألم
وصدمة وقد اجتازها بلامبالاة وتوجه نحو التي سحبها لحضنه
فورا وطوقها بذراعيه واتكأ بذقنه على رأسها هامسها
" اششش يكفي ماريا "
تنظر له التي استوت واقفة تزم شفتيها بغضب تمسد كتفها الذي
اصطدم بالخزانة بقوة كادت تحطمه وانحبست الكلمات الغاضبة
في حنجرتها وهي تراه يبعدها عن حضنه وينظر لوجهها
وعيناها الدامعة ومرر كفه وأصابعه على جانب وجهها نزولا قبل
أن يثني أصابعه ممررا لها على وجنتها ثم مسح بإبهامه تحت
جفنها وغرس أصابعه في شعرها قبل أن ينحني ناحيتها برفق
ولامس أنفها بأنفه برقة يحركه عليه ثم أماله لتتلامس شفتيهما
وقبل الجرح في طرف شفتها برقة في مشهد جمد الدم في عروق
الواقفة قربهما وشفتيه تنتقل لذقنها وقبّله قبلة صغيرة أخرى
وكأن الموجودة معهما خزانة أخرى في الغرفة وهو يتابع طريقه
لوجنتها وهمس لها بكلمات قرب أذنها لم تتمكن التي شدت
قبضتيها بقوة من سماعها وتراجعت خطوتين للوراء لتقترب من
الباب كي لا يركلها فسيفعلها لا محالة هذا المتوحش تراقب
نظراتها الغاضبة تعمده أن يحدثها همسا وجهه لازال ملاصقا
لوجهها وإبهامه يلامس نحرها نزولا وببطء ونظرها معلق فقط
في عينيه لازالت دموعها تسقي رموشها الطويلة تكاد تشعر معها
بأنفاسه الدافئة المرافقة لهمسه الرجولي المتأني فقالت بضيق
ضاربة الأرض بقدمها
" لا تسمحي له بأن يؤثر فيك بألاعيبه ماريه فهو يستغلك ..
يتلاعب بك فقط فلا تكوني حمقاء "
وما أن نظر لها صاحب تلك النظرة التي رغم برودها لا تنذر
سوى بالشر تراجعت للخلف حتى كانت خارج باب الغرفة
وهمست له من بين أسنانها
" ستدمرها وتخسرها أقسم لك يا متعجرف "
واختفت من هناك فورا نظره لازال عالقا في مكانها الخالي منها
قبل أن ينظر للتي كانت تمسح دموعها تنظر للأرض فمرر
أصابعه في شعرها وكأنه يمشط خصلاته الناعمة وهمس بجمود
" أنتظرك في الخارج ماريا "
وغادر من هناك بخطوات واسعة ثابتة فأنهارت التي تركها خلفه
جالسة على السرير تقبض أصابعها بقوة على قماش بنطلونها
الفاخر دموعها تنزلق على قبضتيها ببطء وكل ما رفضت تذكره
والتفكير فيه أصبح يتزاحم على عقلها الآن حتى شعرت بأن
رأسها سينفجر ترى صوره مع تلك الفتاة الفاتنة وكيف كانت
ملتصقة به تقبل عنقه بشغف .. تذكرت ما حكاه لها وما أقسم به
وكل ما حدث في ذاك الكوخ الخشبي وشعرت بمشاعرها تتمزق
وبقلبها ينزف ألما عليه ومنه .. شوقا له كلما ابتعد وعذابا كلما
اقترب منها فأمسكت سترتها جهته بقوة وتمنت أن تنتزعه من
مكانه لعلها ترتاح وهي تتذكر كلماته الأخيرة هامسا لها
( ماريا أنا لم أقرر ذلك بسبب ما حدث وقيل وهو ليس قرارا
وليد اللحظة أقسم لك ، كنت فقط أنتظر أن أرتب أموري جيدا لكن
بقائك هنا لم يعد قرارا سليما ولا لساعة أخرى ولعدة أسباب أولها
أني لا أريدك أن تصبحي نسخة عن هذه الفتاة .. لا أريد لماريا أن
تكون إلا هذه التي عرفتها منذ كانت طفلة )
دفنت شفتيها في كفها تمسك عبراتها الباكية .. تريده .. تريده
فقط هو وحده ولها وحدها ووحدهما كما كانا في ذاك المكان ولن
تستطيع التخلص من وجوده في قلبها تعرف نفسها جيدا لكنه لا
يرحمها أبدا لا يستطيع أن يفكر مثلها ويشعر كما تشعر ، يريدها
فقط أن تكون مثله قاسية ولا تبالي .. أن تتحكم في مشاعرها ..
أن تقرر عن قلبها وأن تصمد وهي تحترق لكنها لا تستطيع فعل
ذلك هي أضعف من أن تستحمل ولا صراخه الغاضب بها ولا أن
يجرحها ويهينها من دون أن تبكي وأن تتعامل معه وكأنه لا
وجود له من دون أن يكون ذاك قناعا سرعان ما يتحطم كاشفا
عن حقيقتها فكيف ستتحمل ما هو أقسى من ذلك وامرأة أخرى
تشاركها فيه ! أمسكت هاتفها الذي سبقها إلى هنا لأنه بقي مع
اغراضها في الكرسي بجانب كين في الملعب وكتبت له رسالة
بالكاد كانت ترى أحرفها وبأصابع مرتجفة
( تيم لا يمكنني الذهاب معك ... غادر )
وأرسلتها له ترافقها دموعها التي سرعان ما بدأت بمسحها بقوة
حتى كانتا وجنتاها ستتشققان من الألم تحاول فقط أن تتمسك
بقرارها تنتظر أن تسمع صرير عجلات سيارته المغادرة معبرا
عن غضبه لكن ذلك لم يحدث ولم تسمع سوى تلك الخطوات
الغاضبة ولم ترى سوى ذاك الجسد الطويل يجتاز الباب مجددا
ووجهته لم تكن هي هذه المرة بل خزانتها التي فتح بابها ضاربا
إياه بقوة وبدأ بإخراج باقي ثيابها بحركة غاضبة يرميها في
الحقيبة المفتوحة على الأرض وشعرت بأنها تتحول لرماد وهي
تراه يسحب ملابسها الداخلية ويرميها فيها وما أن بدأ برمي
أغراضها الباقية داخلها بحركة عنيفة وقفت وتوجهت نحوه
وأمسكت ذراعه وقالت تبعده عن الخزانة
" توقف يا تيم أنا لن أغادر معك ، أليس القرار لي ؟ "
رمى العلبة من يده وصرخ ناظرا لها
" ولما لم يكن هذا قرارك في البداية ؟ لماذا تستسلمي للجميع
عداي لما ؟ "
امتلأت عيناها بالدموع وصرخت فيه بالمثل
" لأني لا أستطيع .. لا يمكنني رؤيتكما معا ، ابتعد عن حياتي يا
تيم واتركني ذاك الحل الأنسب لكلينا فأنت لا تحتاجني وأنا
سأعيش وأتأقلم فأنا ومهامك لا نجتمع أبدا لأننا سنفترق في
جميع الأحوال ومهما طال الوقت وباختيارنا "
أمسكها من ذراعها وشد أصابعه عليها حتى آلمتها وقال من بين
أسنانه ناظرا لعينيها
" ستغادرين معي ماريا لا نفاش في هذا مفهوم ؟ "
حاولت إبعاد يده عنها صارخة
" لا ليس مفهوما ولن تقرر عني "
شدها ناحيته بقوة حتى اصطدمت بصدره وغرس أصابعه في
شعرها بعنف وشده بقوة جعلتها ترفع رأسها طوعا وقبلها بعنف
وبقسوة يده الأخرى تشدها لجسده من خصرها يفرغ غضبه
بالطريقة التي لم تفهمها حتى الآن وكأنه يجنب نفسه بذلك أن
يحطم عظامها أو يفرغ رصاص مسدسه في رأسها يقسوا في
قبلته تلك ويقسو ويقسو حتى أنهك قواها وارتخى جسدها
المشدود لتبدأ تلك الشفتين بالانتقال للرقة تدريجيا ولم يتركها
حتى علم بأنها ضعفت تماما فما أن تركها حتى انهارت جالسة
حيث كانت وحينها ضرب بقدمه غطاء الحقيبة وانحنى لها يثني
ركبته فوقها وأغلقها بحركة سريعة غاضبة ورفعها قبل أن تمتد
يده ليدها وسحبها منها بقوة تسير خلفه تقاومه بضعف وتعلم
بأنه سيفعل ما أراد ككل مرة وكالمعتاد وذاك ما حدث فعلا وهو
يخرج بها من باب المنزل حتى كانت جالسة في سيارته أحبت
ذلك أم كرهته وانطلق بها مغادرا من هناك حتى حركته في إدارة
المقود تعبر عن غضبه الذي لم ينفس عنه بأكمله بعد فتجنبت
النظر له تنظر لنافذتها تشعر بقلبها يؤلمها ومن ماذا لم تعد تفهم
كما تعجز عن فهم هذا الرجل وبجميع تفاصيله وحالاته كحال
قلبها الذي يرتفع ويحلق عاليا ثم سرعان ما يهوي للأرض
محطما وبسبب ذات الشخص الذي لم تعد تفهم ولا رقته وقسوته
اللتان لا تفترقان ولا تتفاهمان أيضا تسابق إحداهما الأخرى
على نيل المركز الأول في تحطيمها .
لا تعلم أكان الطريق قصيرا عكس الذي سلكته سابقا أم أنها هي
التي لم تشعر بشيء حتى وقفت سيارته قرب المبنى السكني
ونزل وأنزل حقيبتها وأنزلها معها أيضا وكأنهما حقيبتان لا قرار
لهما في شيء وإن تركهما في الشارع ، صعد السلالم يسحبها
معه دون أن يعلق أيا منهما بكلمة خطواتها تسير بعده ويده معها
في الخلف حتى وصل شقته التي وكما توقع وجد بابها مفتوحا
وكانت في استقبالهما التي وقفت مبتسمة قبل أن تموت تلك
الابتسامة من شفتيها الجميلتان وهي تنقل نظرها من تلك
الملامح الغاصبة للوجه الرقيق الملامح الذي لازالت آثار البكاء
واضحة في معالمه خاصة تلك العينان الواسعة الجميلة والحزينة
قبل أن ينتقل نظرها للحقيبة في يده وصولا ليده الأخرى
والممسكة بيدها ثم رفعت نظرها لعينيه ورسمت بحرفية ابتسامة
جديدة واثقة وقالت برقة متوجهة نحوه
" تيموثي حبيبي لم أستطع المغادرة قبل أن أراك فنحن لم نرى
بعصنا اليوم "
وما أن وصلت عنده رفعت جسدها وحضنته أصابع يدها تتخلل
شعره الكثيف نظرها على عيني الواقفة خلفه بنظرة تفهمها أي
امرأة ولم تهتم ولا بانشغال كلتى يديه عنها وبأنه لم يهتم ولا
بترك تلك اليد وقالت ما أن ابتعدت عنه ناظرة لعينيه وأصابع يدها
لازالت تعانق عنقه بتملك
" لم أتناول طعامي بعد لنخرج تيموثي "
لكن الواقف أمامها كان له رأي آخر وهو ينزل الحقيبة من يده
وتترك أصابع يده الأخرى تلك اليد الناعمة المرتخية وتحرك
جهة باب غرفته قائلا ببرود
" لا رغبة لي في الطعام ولا الخروج "
ودخل الغرفة ضاربا بابها خلفه فانتقلت تلك النظرات والأحداق
عشبية اللون من ذاك الباب للواقفة أمامها تنظر لها بجمود
استغربته هي في نفسها قبل أن تقول تلك بسخرية ممررة
أصابعها في خصلات شعرها الأحمر المرتب بقصة قصيرة وأنيقة
" أنتي إذا قريبته المسئول عنها ؟ "
وتابعت ونظرها ينزلق على جسدها باستنقاص
" لا أراك في سن يحتاج لعناية ورعاية من أحدهم ؟ "
وما أن صعدت لوجهها مجددا ابتسمت بسخرية قائلة
" أوه هل ضربك ؟ لا عليك هو لا يحب الخطأ والاستهتار وسبق
وأخبرني أنك تعرضت لحادث ومشاكلك لا تنتهي وها قد أغضبته
الآن أيضا "
واتسعت تلك الابتسامة الساخرة متجاهلة النظرة الجامدة في تلك
العينان الذهبية الواسعة وما أن تحركت لتجتازها تراجعت
ونظرت لها مجددا وقالت بذات سخريتها اللآذعة تلعب بخصلة
من شعرها بين أصابعها
" آه تذكرت أنتي التي كنت تبكي في السلالم قبل أيام ؟
يالا المسكينة أنا أعلم أن طرق تيموثي في الرفض قاسية جدا
فكيف إن كانت امرأة ؟ "
واجتازتها مبتسمة بانتصار بعدما رأت نظرة الصدمة في عينيها
لتوقفها تلك الكلمات الباردة المتأنية
" جربت ذلك إذا حتى أصبحت خبيرة في وصفه ؟ "
لم تكن تنوي محاربتها ولا الرد عليها ليس بسببها ولا من أجل
نفسها بل من أجل الذي لن يتوقف قلبها الغبي عن حبه أبدا
فرغم كل شيء هي لن تسامح نفسها إن تضرر بسببها لكن
هذا فوق طاقتها واحتمالها ، وعلى الرغم من يقينها بأن الواقع
معاكس تماما لما قالته وبأنه لم يرفضها أبدا بل وأنها زوجته
والأحق بها منه في كل شيء وهو يعلم ويعترف بذلك لكن
رؤيتها لها أمامها وفي هذا اليوم والوقت تحديدا جعلتها تفقد
كل تعقلها فقد استحملت من سمومها ما يكفي ، وصلها ذاك
الصوت الأنثوي الرقيق بلكنته الانجليزية الواضحة هامسا
قرب أذنها ومتوعدا
" لا تحاولي يا فتاة فأنا قادرة على إزاحتك من طريقي وحياته
بإشارة من أصبعي "
وغادرت بعدها يرافقها صوت ضربات كعب حذائها على الأرضية
الرخامية .. خطوات واثقة متناغمة لا تشبه أبدا هذا القلب المحطم
ونظراتها الدامعة تنتقل لباب غرفته المغلق فهو على الأقل رفض
أن يغادر معها فلن يجدها بعدها هنا ولا في أي مكان ، ليتها فقط
تتوقف عن حبه .. ليت قلبها الغبي ينساه بسبب أفعاله لكانت
بخير ولكانت استطاعت المضي وحدها لكنها فاشلة ..
أجل فاشلة ومجرد التفكير في أن تكون حياتها خالية منه
يوصلها للانتحار .
أجفلت تنظر بصدمة لذاك الباب وهو يفتح بقوة دفعة واحدة
وخرج منه الذي ليست تعلم كيف ومتى استحم ! بل عليها أن
لا تستغرب ذلك وهي من شهدت سرعته الفوضوية في فعل ذلك
سابقا ، أبعدت نظراتها عنه تشعر بأن جلدها ينسلخ عنها تتجنب
النظر له وهو يتوجه نحوها لا شيء يغطي جسده سوى منشفة
بيضاء ملفوفة حول خصره واجتازها تتبع ضربات قلبها رائحة
جسده والصابون بعبق المحيط الذي اختاره ليكمل تلك الشخصية
المغايرة للمعهود وارتجف جسدها بقوة لضربه القوي لباب
الشقة الخشبي الثقيل وكأنه ينتظر فقط أن تغادر تلك ثم أمسكها
من يدها وسحبها مجددا لكن جهة باب آخر هذه المرة وفتحه
وأدخلها غرفة مجهزة وأدارها حتى أصبحت أمامه وأشار بسبابته
للمكان قائلا بحزم ونظره على عينيها
" هذه غرفتك ماريا ومنزلك ولن تخرجي من هنا سوى
لجامعتك أو برفقتي مفهوم ؟ "
أرخت نظرها عن عينيه ولم تعلق بشيء لازالت ملامحها تحتفظ
بذاك الحزن والهدوء قبل أن تهمس بمرارة
" ليتك فقط ترحمني يا تيم وتحررني منك بدلا من وجودي
ألا منطقي هكذا "
كانت تعلم بأن كلماتها قاسية وعلى نفسها أكثر منه وبأنها
لا تفعل شيئا أكثر من إغضابه منها وهذا ما لاحظته جيدا في
قبضه لأصابعه بقوة لكنها لم تعد تحتمل ومواجهتها لتك المرأة
لم تزد حالتها إلا سوءا ، تراجعت خطوة للخلف حين اقترب
منها بواحدة مماثلة وقالت ببرود لازالت تهرب بنظرها منه
للأرض
" تيم لا تفعلها مجددا .. لا تجعلني أكره قبلاتك "
وقاومت باستماتة تلك الدمعة كي لا تنزلق على وجنتها وتنفست
بعمق مغمضة عينيها ما أن غادر في صمت حتى سمعت باب
غرفته الذي ضربه خلفه وانهارت حينها جالسة على الأرض
وحضنت نفسها بقوة تشعر بكل شيء فيها يؤلمها فهذا اليوم
وبجميع تفاصيله كان أشد من قوة ماريه وقدرتها على التحمل
وأقسى من أن يستوعبه قلبها الصغير الرقيق .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 73 others like this.
رد مع اقتباس
#8129
قديم 28-02-18, 11:15 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفعت نظرها عن هاتفها ما أن فتح لها سكرتيره الباب قائلا
" يمكنك الدخول سيدتي "
وقفت حينها ورفعت حقيبتها وتوجهت نحو الباب المفتوح
بخطوات ثابتة أنيقة كما كانت دائما وما أن دخلت المكتب الواسع
الفخم اغلق الباب خلفها دون عناء لأن تلتفت وتغلقه ووقع نظرها
فورا على الذي وقف من خلف مكتبه الوثير مبتسما بحبور يشبه
سنوات عمره السبعين وخبرته كرئيس قضاة لأعوام ثم كوزير
للعدل لازال مركزه يتمسك به تحيطه دعوات كل من علم عن
عدله في تلك البلاد بأن يمتد عمره لأضعاف ما كان وزاد عليه
علاقته القوية بالرجل الذي رباها مما جعلها تثق أكثر به وبعدله
معها في بلاد لن ينصفها فيها ولا القانون لأنها كمن يحارب ثنين
بعصى من خشب وعبارة واحدة تسمعها من الجميع
( غسق من عقلك تفكرين في محاربة رئيس البلاد بالقانون !! )
أجل بالقانون أليست مواطنة كالجميع ؟
وأليس هو الرجل العادل المنصف للمرأة ومن اتبع شرع الله
في صياغة قوانينه الجديدة ؟
إذا هي أحق من غيرها وقبل الجميع بأن ينصفها القانون
وأن تدافع عن نفسها وتسلب حقها من مغتصبه وتقتص
لسنوات عذابها وحرمانها وأن يتحول جلادها للضحية كما
تحكم عدالته .
استقبلها الذي خرج من خلف مكتبه مصافحا إياها بكلتا يديه
يشد على يدها قائلا بابتسامة
" غسق شراع في مكتبي ! لا أريد أن أقول زارتنا البركة فقد
لا تتكرر مجددا كما حدث مع سابقتها "
اغتصبت ابتسامة شعرت بها تعذب روحها وقالت بحزن
" بل جئتك اليوم بصفتي غسق دجى الحالك لعلها تجد من
ينصفها في كل ما قاسته حتى اليوم "
تبدلت نظرته للتوجس وأشار بيده جهة الصالون الجلدي الانيق
عند زاوية مكتبه وقال
" تعالي اجلسي فلا يبدوا أن في حديثك ما يسر يا ابنة العظماء
الشرفاء كان من يكون من انتسبت له "
تبعته ونظرتها الحزينة ملئها امتنان فهي كانت واثقة بأنه
ثمة أشخاص لن يخذلوها وهي تعلق كل آمالها بعد الله على
هذا الرجل فإن رفض إنصافها فستدخل حربها وحيدة فهي
ستفعل ذلك في جميع الأحوال فبعدما حدث تلك الليلة لن
تسامح هي نفسها إن استمرت في الصمت على أفعاله
معها والتي ختمها بجوابه عن ذاك السؤال في جريدة
العوسج وكأنه يقاتلها من ذات مضمارها السابق وهو يقول
وبكل برود أعصاب بأن سبب زواجه منها وصية من شراع
صنوان قبل موته أن لا يترك ابنته ليصفعها صفعة جديدة
وهو يقدمها للجميع كمسؤلية وقعت على عاتقه وأن العقد
الذي يربطهما ليس سوى عهد قطعه للرجل الذي وصفه بأنه
الشخص الوحيد الذي حمل له دينا في عنقه وها قد وفاه له
لكنها لن تكون السداد لذاك الدين .. لن تسمح له بتحطيمها
أكثر من ذلك ولن تستمر كضحيته الدائمة وأمام الجميع .
جلست على أريكة الصالون الجلدي الأسود نظرها على يديها
في حجرها تكاد تمزق أصابعها من شدها عليهما وتعلم جيدا
أن الجالس أمامها يتوقع وإن جزءا مما ستقوله وذاك ما حدث
فعلا حين وصلها صوته العميق المتزن
" هل لجوء ابنتي غسق لي معناه أنها باتت تشعر بأنها
وحيدة "
رفعت نظراتها الكسيرة له وقالت بحزن
" بلى وكان عليها بالفعل أن تلجأ لوالدها الثالث من وقت طويل
وكل ما أتمناه أن لا تردني خائبة "
تنهد بعمق وقال
" ما أفهمه يا غسق أن مطر شاهين في الأمر وعليا
أن أتدخل ؟ "
قالت بجدية
" بل محاكمة عادلة وتطلقني منه .. هو حق لي كأي شخص
في هذه البلاد ، وقبل كل ذلك ثمة أوراق أريدها من المحكمة "
*
*
*
تململت في نومها مستشعرة خشونة ما كان يغطي جسدها وهي
التي نامت من دون غطاء ! وما أن فتحت عينيها اكتشفت بأن
ذاك اللحاف الذي غطته به البارحة أصبح ملتفا حول جسدها
فجلست بحركة واحدة مبعدة له عنها ونظرت حولها فكان
فراشه فارغا ! مررت أصابعها في شعرها تنظر للمكان حولها
فليست تذكر متى نامت تحديدا لكنها بكت طويلا وفارق النوم
بعدها عينيها لساعات ثم ... ! يبدوا أنها نامت بالفعل وأنه
الصباح ...
وقفت قافزة وفتحت باب الغرفة ونظرت للشمس في كبد السماء
بصدمة فسيكون هذا وقت الظهيرة بالتأكيد وهي لم تصلي !
كيف نامت كل هذا الوقت ولم تشعر بنفسها !
توجهت راكضة جهة الباب المقابل لها مستغفرة الله بهمس
وما أن وصلت له تأكدت من أنه باب حمام من قبل أن تفتحه
بسبب الحذاء البلاستيكي الرجالي أسود اللون أمامه فلبسته
فورا وابتسمت على شكل قدميها البيضاء الصغيرة في حجمه
الكبير فها هي تخترق تفاصيل حياة ذاك الرجل لتشاركه كل ما
يخصه ، فتحت باب الحمام ودخلت تشعر بالأسى على نفسها ..
هل هي متعطشة للعطف وللاحتواء وللشعور بالأمان لهذا الحد !
إنها لمدعاة للشفقة بالفعل !! لكن اللوم ليس عليها بل على
ظروفها وحياتها التي عاشتها تفتقد حتى للكلمة الطيبة وإن
مجاملة ولأن تشعر بأنه ثمة من يشعر بها .. يحميها يسعى
لسعادتها ولراحتها فلم تعرف ذاك الشعور حياتها ولم تسمع
الكلمات التي سمعتها منه البارحة من شخص من قبل ...
بل ومن رجل وعدها هكذا أن لا يكون سطرا جديدا في مأساتها
وكم تتمنى أن لا يخلف وعده ذاك حين يعلم بتلك الحقيقة التي
تخفيها عنه وعن أنه مجرد ضحية للعبة اشتركتا فيها مستغلتان
شهامته وطيبته لتستخدمه جسرا للعبور فوق ظروفها وحاضرها
، خرجت من الحمام تنزل أكمام فستانها الطويل تستغفر الله
تشعر بذاك الفرق الشاسع في مشاعرها بين وقت دخولها
وخروجها منه وهذا سيكون حالها الدائم بالتأكيد ستنسف
مخاوفها أي سعادة قد تشعر بها هنا .
وصلت الغرفة ودخلتها مجددا ولفت الحجاب الذي أعطتاها إياه
مع الفستان وغطت به شعرها جيدا ووقفت تلتفت حولها فهي
لا تعرف مكان القبلة هنا ؟ لفت انتباهها السجادة المطوية في
طرف الغرفة فتوجهت نحوها وفتحتها وكما توقعت من صلى
عليها ثناها لمرتين وهي في مكانها وليس ثمة أحد غيره هنا
وكم حمدت الله حينها فظنونها فيه لم تخب أبدا وهو يخاف الله
فعلا وفي كل شيء وستكون فاتته صلاة الفجر مثلها تماما
لكان أيقظها لتصلي ، صلت الفجر والظهر أيضا
ونزعت حجابها وعلقته في العلاقة الحديدية المستطيلة خلف
الباب ثم غادرت الغرفة ومقصدها المطبخ هذه المرة لترى إن كان
ثمة ما يمكن طهوه ليوقفها مكانها صوت باب المنزل والسلسة
الحديدية تسحب منه فيبدوا أن من غادر وليست تعلم متى ها قد
عاد ، شعرت بضربات قلبها ترتفع بشكل أخافها من أن يخرج
من مكانه أو أن يسمعه الذي فتح الباب ومن قبل أن يصل لها ، لم
تستطع التحرك من مكانها وكأنه ثمة من تبث قدميها في الأرض
بمسامير وعبثا ستحاول تحريكهما وكان الأوان قد فات بالفع
ل فالذي كان يغلق الباب من الداخل استدار وتحرك جهتها وإن
كان مشغولا بنقل بعض الأكياس بين يديه ولم يرفع رأسه ولم
يراها إلا أن الفرصة لتهرب منه جهة المطبخ ضاعت منها
وانتهى الأمر فراقبته نظراتها بفضول تنتظر بالفعل أن ترى
وجهه فهي لم تراه حتى الآن وبشكل واضح ولا تعرف منه
سوى هذا الجسد الطويل العريض فقط والذي انتبهت له منذ
دخوله عليهم في مجلس شعيب وأشقائه بالأمس وكم حمدت
الله أن تزوجت برجل أطول منها وخشيت أن لا يحدث ذلك بسبب
طولها فهي ورثت ذلك من والدتها أيضا والتي عملت كعارضة
أزياء قبل أن تتجه للصحافة وتدخل هذه البلاد وتتزوج وتعتنق
الإسلام .
شعرت بجسدها تيبس وفقدت أنفاسها تماما ما أن انتبه الذي
اقترب أكثر لوجودها ورفع رأسه ووقف مكانه لحظة أن وقع
نظره عليها فبلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر لعينيه ... فقط لتلك
الأحداق الفضية الغريبة في حجمها وانسحاب تلك الاجفان حولها
بميلان خفيف في طرفهما وعلقت أنفاسها في حلقها تنزل ببطء
للأنف المستقيم والشفاه المتساوية مع بروز في انحنائة شفته
العلوية من المنتصف يحيطها شارب ولحية خفيفان بلون شعره
البني الغامق وشعرت بأن صديقتها فجر لم توفه حقه في الوصف
أبدا ! ولا تلك النبرة الهادئة المتزنة في صوته يمكن دمجها مع
هذه الملامح الرجولية المتفجرة ! بل كان يليق به أن يكون صوتا
خشنا عميقا قاسيا ، ولم يكن حال الواقف مقابلا لها بمختلف عنها
فهو أيضا يرى وجهها للمرة الأولى وإن كان سبق ورأى جسدها
وبياض بشرتها الحليبي الذي بدى أوضح له الآن ..
إنها من أكثر البشر بياضا رأتها عيناه ! كما أن ملامحها غربية
بالفعل وإن لم يكن متأكدا من قصتها لشك في أن تكون عربية ..!
حدقتان خضراء واضحة اللون وبياض العين يظهر من تحتها
لاتساع حجمهما وطرفا جفنيها مسحوبان بشكل مميز وملفت
للنظر .. أنف صغير وشفاه رقيقة بشكل متساوي تتناسب مع
ذقنها الصغير وشعر أشقر متموج بترتيب قد وصل طوله لنهاية
خصرها النحيل البارز من ذاك الفستان الأحمر الطويل المطرز
والذي كشفت ياقته المربعة مع لونه عن بياض ذاك النحر
والصدر وكأنهما لوحة وليس حقيقة أمامه ! وما أن عاد بنظره
من جسدها لوجهها أرخت نظرها وشبكت يديها وأنزلت رأسها
ببطء فعلم بأنه تمادى في التحديق بها فتحركت خطواتها نحو
باب المطبخ لولا أوقفها صوته وهي تكاد تصله
" مايرين ... تعالي "
هل شعرت حقا في المرة الماضية بقلبها يتراكض وسط أضلعها ؟
ها هو يتوقف عن العمل تماما الآن !
هل خيل إليها سابقا أن ما يليق به الصوت الخشن القاسي !
لا هو يليق به هكذا عميقا متزنا هادئا مكملا لشخصيته بل لداخله
للرجل الشهم النبيل ، التفتت له فمد لها بأحد الأكياس قائلا
" هذه أغراضك كانت في سيارة عمك وأرسلوها مع
أحد العمال "
توجهت نحوه دون أن ترفع نظرها له وأخذت منه الكيس
متمتمة بحزن
" لكنه ليس عمي ولن يعجبه سماع هذا منك "
قال بجدية وما لم تتوقع كسابقته
" بل أعمامك جميعهم ، أليس اسمك مايرين يحي غيلوان ؟
أليسوا من اختار هذا لك ؟
إذا هم أعمامك ورغما عنهم لأنه اختيارهم "
اشتدت أناملها على الكيس فيهما تنظر لهما وشعرت برغبة
مؤلمة في البكاء فلم ينسبها أحد سابقا لهم ولا لعبد الجليل
غيلوان الذي اعترف بأنها ابنته قبل موته بل تركوها معلقة
بين التكهنات حتى أن البعض نسبها لأشخاص غيره حتى باتت
منسوبة لنصف رجال القرية تقريبا .
كاد يغمى عليها حين التفت أصابعه على ساعدها وسحبها جهة
الكرسي الخشبي البسيط قرب الجدار فقد كان المكان يحوي ثلاث
كراسي من ذات النوع والشكل المربع ومن دون مسند للظهر ،
وصل بها هناك وقال وهو يترك ساعدها
" اجلسي يا مايرين ثمة ما أريد قوله لك "
جلست كما طلب تنظر له باستغراب وهو يسحب كرسي آخر
وجلس أمامها ووضع باقي الأكياس من يده على الأرض ونظر
ليديه التي شبك أصابعها ببعضها يتكئ بمرفقيه على ركبتيه
وقال بهدوء
" ليلة صدمتك بسيارتي ... "
وتوقف عن الحديث فجأة فشعرت بقلبها سيتوقف حقيقة هذه
المرة لا مزاح فيها ولا حياة بعدها فها هو سيتحدث عن تلك
الكذبة والحادثة وحان وقت المواجهة يا مايرين ، أغمضت عينيها
وتنفست بارتياح ما أن تابع قائلا بذات هدوئه الذي تخلله شيء
غريب يشبه الحزن
" لقد فقدت سيارتي تلك الليلة وسرقت مني وهي في سور
المستشفى وفي داخلها كل ما أملك من مال ففقدته معها ووصلت
لغرير بصعوبة تلك الليلة لأكتشف بأن منزلي احترق بالكامل
هناك وفقدت حتى ثيابي وهاتفي وأغراضي ولم أستطع العودة
هنا بسهولة لذلك تأخرت وقد استلفت بعض المال لأكون هنا
ولأحضر بعضا مما قد يلزمنا وهو نفذ اليوم ، سأستلم راتبي
من الشركة الزراعية خلال أيام وسأسدد الدين لصاحبه وسنحاول
تمضية الشهر بباقيه وقررت البحث عن عمل في المزارع فترة
ما بعد الظهيرة فسيكون عليك تحمل ظروفي لبعض الوقت حتى
تتحسن "
قبضت أصابعها تمسك يدها بصعوبة عن الوصول له وملامسة
شعره لتعبر له بامتنان بأنه هو من تحتاجه لا المال ولا أي شيء
وبأن الأمان والمعاملة الحسنة ما ينقصها فقط ووجدتها لديه فما
الذي تريده بعد ذلك ؟
ضمت يديها في بعضهما كي لا تتهور وتفعلها بالفعل وقالت تنظر
لما يظهر لها من ملامحه لأنه كان منحنٍ قليلا في جلسته
" لا يحتاج الأمر أن ترهق نفسك بأعمال العمال وسيكفينا باقي
راتبك مادمنا قانعين بالقليل "
حرك رأسه نفيا وقال من دون أن يرفعه
" أنا معتاد على ذاك العمل ثم يلزمنا الكثير هنا فثمة أمور
ضرورية عليا شرائها وأولها براد صغير للمطبخ فنحن مقبلون
على فصل الصيف كما سنحتاج لجهاز تكييف وسخانة مياه من
أجل الشتاء والمطبخ ينقصه الكثير من الأدوات الضرورية وباب
المنزل يحتاج لتركيب قفل فلن أغلقه عليك بالسلسة في كل مرة
فقد يحدث أي أمر طارئ وأنا لست هنا ولن تستطيعي الخروج
حينها ولا لطلب المساعدة فلا هاتف لدى كلينا وهذا ما عليا
توفيره أيضا ، كما أني لن أحرمك الثلاث وجبات الأساسية
التي يتناولها الجميع "
يا إلهي كيف تمسك نفسها عن احتضان هذا الرجل امتنانا له بل
والبكاء في حضنه حتى ينتهي عمرها وتفرغ كل تلك الهموم فيه ،
كيف تبتسم لها الحياة هكذا ودفعة واحدة وهي من لم ترى فيها
يوما سعيدا ؟ كيف يهديها قدرها هدية رائعة كهذه وهي من
حرمت حتى الأبسط منها ؟
لا تعلم كيف وجدت صوتها وهي تهمس بصوت مرتجف حزين
" يكفيني أن تحميني من الجميع يا يمان وإن متنا جوعا "
ولم يعد يمكنها التحكم في الدمعة التي انزلقت على وجنتها
فمسحتها سريعا قبل أن يرتفع رأس الذي قال وهو يقف
ويرفع الأكياس من الأرض
" حاولت جلب ما قد نحتاجه فهل تعرفين الطبخ ؟ "
وقفت أيضا وقالت مبتسمة بحزن ونظرها على ما في يده أيضا
" بل وأعرف كيف أطهو أطباقا مميزة من مكونات ليست حقيقية
ولن تكتشف الفرق أبدا "
رفع نظره لعينيها وقال مبتسما
" سنبدأ حياتنا بالغش يا مايرين ؟ "
لم تستطع إمساك ضحكة رقيقة قصيرة خرجت منها وقالت
" لا بالطبع "
وتابعت وقد أرخت جفنيها عن النظر لعينيه
" زوجة شقيقي كانت تبيع الطعام الجاهز وتغشه بحرفية وتعلمت
ذلك منها مجبرة لأني من كان يساعدها فلا تفكر في مشكلة الطبخ
أبدا "
مد لها بالأكياس قائلا بابتسامة
" جيد فأنا لا أعرف أكثر من طهو البيض المقلي وإن رأيت شكل
المقلاة ستعلمي كم مرة حرقته "
رفعت عينيها له وهي تأخذ منه الأكياس وقالت ضاحكة
" لا بيض مقلي أبدا إذا "
وغادرت من فورها جهة المطبخ قائلة
" سأحتاج لأقل من ساعة وسيكون الطعام جاهزا "
راقبها حتى اختفت خلف الباب تتبعها خصلات شعرها الغجري
الأشقر الطويل وتنهد بعمق متمتما
" أتمنى أن لا أخذلك أيضا يا مايرين ويشملك فشل يمان في
كل شيء "
استغفر الله بهمس وتوجه جهة الحمام فعليه أن يتوطأ ويصلي
الظهر فالمسافة من الشركة الزراعية إلى هنا سيرا على قدميه
أضاعت منه الكثير من الوقت حتى فاته وقت الصلاة ،خلع حذائه
ولبس ذاك الخاص بالحمام هامسا بضيق
" سامح الله ذاك الفتى الأخرس لو فقط ترك لي سيارتي "
*
*
*
ما أن سمعت صوت سيارته تدخل كراج المنزل رمت الكتاب من
يدها وركضت خارجة من الغرفة فها قد وصل أخيرا وقد تأخر
فوق المتوقع والمعتاد وستكون سيارته تعطلت في الطريق
كعادتها مؤخرا بالتأكيد ، عبرت الممر وما أن كانت في بهو
المنزل انفتح الباب ودخل منه الذي كان يحمل أحد قطع السيارة
الداخلية في يده وكما توقعت هي سبب تأخره بل ويبدوا أنه وصل
بها هنا يسحبونها سحبا ، وقفت ونظرت له وهو يغلق الباب وما
أن التفت وانتبه لوجودها قالت ومن دون مقدمات
" تيم أخذ ماريه من هنا "
نظر لها بصمت لبرهة قبل أن يقول ببرود وهو ينزع حذائه
" مساء النور وحمدا لله على سلامتي "
ضربت الأرض بقدمها وقالت بضيق
" أبي لم أتوقع أن يكون موقفك لا مباليا هكذا ! لقد أخذها من
جامعتها وصفعها لو ترى خدها وشفتيها لبكيت على حالها
وأحضرها هنا وما أن احتججنا على معاملته لها بتلك الطريقة
أخذها معه دون أن يهتم لرأي أحد بل وكان سيشهر سلاحه في
وجه كين ولم يحترم ولا وجود والدتي وحديثها معه وعاملنا
جميعا كأ... "
قاطعها مغادرا من مكانه وبذات بروده
" قسما أنكن النساء سبب حروب العالم بأكمله "
نظرت له بصدمة ولحقته وهو يتوجه جهة المطبخ قائلة بحنق
" وما الذي قلته غير حقيقي ! بل ولم اضف شيئا من عندي
ويمكنك أن تسأل والدتي وكين أيضا ، لما تسكتون عن أفعاله
حتى أصبح يتمادى في كل مرة ؟ حتى والده لا أراه فعل شيئا
مما هدد وتوعد به واليوم صفعها غدا ماذا سيفعل لها وهو يرى
أنه لا أحد ورائها ؟ "
فتح باب المطبخ الخارجي وخرج للفناء الخلفي وهي تتبعه
متوجها جهة المخزن الخشبي الصغير وقال وهو يفتح بابه
" وما كان رأي ماريه ؟ "
قالت بضيق من خلفه
" ماريه حمقاء مغفلة كعادتها يمكنه خداعها بكلمتين لأنه يعلم
بمدى تأثيره عليها لكنه الجنون بعينه أبي أن تكون معه هناك
حيث خطيبته تلك "
التفت لها وقال وهو يضرب الباب الخشبي مغلقا له بقوة
" أظنك أكثر من يعرف بأن ماريه ليست ضعيفة ولا جبانة وبأنها
تعلم جيدا ما تريد وتفعل بل وهي من يتحكم في ذاك الشاب كيف
تشاء اعترف بذلك أم فعل كل ما ينكره وهي قادرة على جعله
يفعل ما تريد إن هي أرادت ذلك ، وحين تلجأ إلي لن أخذلها أبدا
وقد سبق واتصلت بي والدتك وأخبرتني بما حدث وأنا أرسلت
لماريه رسالة أخبرتها أن تتصل بي إن هي احتاجتني فاتركوا
لها حرية أن تقرر فيما يخصها فلن يتحكم فيها هو ونحن ووالده
جميعنا ونهاية الأمر لن تعرف حتى من هذا الذي ستلقي باللوم
عليه فيما ستخسره مستقبلا ، اتركوا الفتاة وشأنها تتعلم أن تكون
نفسها واجزم بأنها وحدها القادرة على حل مشاكلها معه أما نحن
فلن نزيد الأمر إلا سوءا ، ثم أنا تحدثت مع كين أيضا وهو
أخبرني بما حدث في الجامعة وقت أخذه لها من هناك فنظرة
تيم لما حدث لن تكون مشابهة لنظرة كين ولا لنظرتك أنت ولا
غيركما أنا عربي وعشت وكبرت هناك وأعلم جيدا كيف يفكر
الرجل الشرقي الغيور المتملك فكان موقفه متوقعا أو لن يكون
تيم الذي أعرفه أبدا ولن يكون مهتما بها مطلقا إن لم يكن له
موقفا مشابها "
ضربت الأرض بقدمها مجددا وقالت باستياء
" أنتم تتخلون عنها أبي .. يتخلى عنها الجميع وتتركونها
وحيدة وقت تحتاجكم "
تحرك مجتازا لها وقال بضيق وهو يدخل من الباب مجددا
" لا حول ولا قوة إلا بالله ... بأي لغة تفهم هذه الفتاة ؟ "
ودخل وتركها هناك تتآكل غيظا فضربت بقدمها دلو الماء
الحديدي الصغير بغضب ودخلت أيضا لا تتوقف عن ترديد ذات
عباراتها الغاضبة حتى وصلت غرفتها وضربت بابها خلفها
قائلة بغضب
" معه حق وما علاقتي أنا إن كانت حمقاء وغبية ؟ سترجع هنا
إن اليوم أو في الغد وسيعلمها ذاك المتحجر المتعجرف درسا
لن تنساه ما عاشت "
وما أن أنهت عبارتها تلك ركلت كرسي طاولة التزيين بقدمها
قبل أن تتوجه ناحية هاتفها الذي بدأ بالرنين ورفعته وما أن
نظرت للرقم فيه غضنت حبينها باستغراب ثم فتحت الخط وما
أن وضعت الهاتف على أذنها وصلها ذاك الصوت الرجولي
الباسم متحدثا بالفرنسية
" Bonsoir ma chérie "
أبعدت الهاتف عن أذنها ونظرت لشاشته قبل أن تعيده لها
وقالت بملامح مشمئزة
" هذا أنت ؟ أتعلم بأنك فاشل في الفرنسية يا متحول "
ولم تزدها تلك الضحكة الرجولية العالية سوى اشتعالا وغضبا
فقالت صارخة
" توقف عن الضحك .. كنت أعلم بأن نهاية حياتي ستكون على
يد هازاني مجرم ولن أسمح بأن يكون أنت ، سأترك شرف ذلك
لابن خالك فهو أشرف لي "
وصلها صوته المرح وكأنها لا تحترق غضبا
" هيا ما بك يا جميلة غاضبة هكذا ؟ أثمة من تتحدث مع خطيبها
هكذا وهي لم تراه لأسبوعين كاملين ! "
صرخت فيه من فورها
" أنت لست خطيبي وأنا لا أعترف بك "
قال وصوته لم يتخلى عن مرحه المعتاد
" يبدوا لي أن ما حدث العكس وثمة من أعلنت خبر خطبتنا على
الملأ أم المتحولات كاذبات أيضا ولا كلمة لديهن "
شدت على أسنانها بغيظ وقالت
" بلى كاذبة وتراجعت في كلامي فتزوج لك فرنسية قبل رجوعك
إلى هنا فأنا لن أنام في حضن رجل نامت فيه جميع النساء "
وصلها صوت ضحكته الذي لا يزيدها إلا اشتعالا وقال
" محتالة أخبرتك سابقا أني لم أُقبّل غيرك "
صرخت تشد قبضتها بقوة
" توقف عن قول ذلك أو أخبرت والدي عن فعلتك تلك "
ضحك من فوره وقال
" أخبريه أيضا بأنك لم تمانعي وقتها "
ضربت الأرض بقدمعا قائلة بضيق
" كنت طفلة "
ضحك وقال
" وكنتي جميلة ومطيعة وأنت الآن أجمل لكن تلك الطاعة تبدوا
طارت مع القُبلة ويبدو أنك تحتاجين لأخرى لتعودي مطيعة
مجددا "
انفتحت عيناها بصدمة وما أن كانت ستتحدث سبقها قائلا "
اتركينا من القُبل الآن فلكل شيء أوانه وأخبريني كيف تريدين
أن يكون فستان حفل الخطوبة وما لونه ؟ "
قالت بضيق
" اختره على ذوقك لأنك أنت من سيلبسه "
وتصاعدت تلك الأبخرة من رأسها لصوت ضحكته قائلا
" ساندي الحفل قائم قائم رضيت بذلك أم لا فلا تضيعي على نفسك
فرصة شراء فستانك من هنا "
تأففت قائلة بغضب
" قلت لا حفل ولا خطوبة لما لا تفهم ؟ "
" حسنا أخبري والدك بهذا وليس أنا يا جميلة ، وبالمناسبة
سنغير خاتم الخطوبة أيضا في الحفل وسأرسل لك صورا لفساتين
تختارين منها أو اخترت أنا واحدا فأنصحك باختيار ما يعجبك
أفضل لك "
وختم عبارته ومن قبل أن تتحدث
" Adieu mon amour "
وأتبعها بقبلة وأغلق الخط فرمت الهاتف بطول يدها هامسة من
بين أسنانها
" على جثماني يحدث ما تريد يا زير النساء "
ورمت اللحاف عن سريرها بغضب واندسيت تحته وغطت جسدها
ورأسها متمتمة بحنق
" غدا أجمل ساندي ولا هازاني فيه ... غدا أجمل "
ونجح الأمر كالعادة ونامت بسلام نهاية الأمر وسريعا أيضا ،
وتلك هي طباعها التي تنسيها همومها ما أن تستفيق صباحا
وكأنها شخص آخر .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 61 others like this.
رد مع اقتباس
#8130
قديم 28-02-18, 11:17 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
ما أن سمعت باب الشقة فتح قفزت من سريرها وتوجهت نحو
الباب وفتحته وقالت للذي كان سيدخل
" هيه أنت انتظر "
وقف مكانه وتراجع خطوة للوراء ونظر لها ببرود وقال
" ماذا تريدين يا هيه ؟ "
نظرت له بحنق وقالت بضيق
" حتى متى ستسجنني هنا في هذه العلبة ؟ أريد العودة
للشركة مجددا "
نظر لها نظرة شاملة وقال بسخرية
" جديدة هذه ! الفكرة المحمسة بالفعل ! منذ متى تحبين العمل
هناك وتطلبينه آنسة غيسانة ؟ "
زمت شفتيها بحنق وقالت
" لا احبه ولن احبه أبدا لكني مللت من السجن هنا ويوم آخر
وسأفقد عقلي من مقابلة الجدران ، وأعتقد بأنه سجن لقرابة
الثلاثة أسابيع هنا عقاب كاف لي "
عقد حاجبيه وقال بحزم
" لن تعملي معي مجددا ولن تدخلي شركتي ولا شقتي وأعتقد
بأن طعامك يصلك بما يكفيك وزيادة وهذا هو واجبي نحوك "
لوحت بقبضتها صارخة بغضب
" لا ليس هذا واجبك نحوي وأنا لن أسكت عن كل هذا أكثر
من ذلك ولن تلوم سوى نفسك حين لن تجدني هنا "
صرخ فيها بالمثل ملوحا بسبابته ناحيتها
" جربي فعلها واهربي من هنا يا غيسانة وستري شاهر لم
تعرفيه حياتك ولا أحد غيرك ، من هن في سنك بأحفادهن وأنت
بعقل طفلة ؟ لا بارك الله في اليوم الذي عرفتك فيه "
وما أن ختم عبارته تلك دخل شقته ضاربا بابها خلفه تاركا التي
تشتعل مكانها هناك والتي صرخت ناظرة لباب الشقة ولم تهتم
وإن كان لن يسمعها
" أنا من عليا قول ذلك لا أنت يا بربري يا همجي يا متخلف "
ودخلت ملحقها ضاربة الباب خلفها أيضا وتوجهت رأسا لهاتفها
ورفعته متمتمة بحنق
" على تلك الطفلة أن تعطيني رقم والدها فمطر وحده من سيجد
حلا لكل هذا ، هو عقدها وهو يحلها "
*
*
*
ركن سيارته في مواقف السيارات المخصصة داخل نطاق
الجامعة ونزل منزلا حقيبته معه ودخل مجتازا بوابة سور
الجامعة يسير بخطوات ثابتة نظره على هدفه وهو الباب
الرئيسي للمبنى قبل أن ينحرف نظره غاضنا جبينه باستغراب
ما أن بدأ يلاحظ تلك النظرات التي تلاحقه من قِبل جميع من مر
بهم بعيدين كانوا أو قريبا منه حتى ضن بأنه يمشي بقميص
وسترة دون بنطال أو أنه يسير على يديه تتبعه تلك النظرات
والهمسات التي لم يحضى بها من كل هذا الجمهور في مثل هذا
اليوم من الأسبوع الماضي ! دخل مبنى الجامعة وتوجه فورا
لمكاتب المدرسين ودخل حيث الذي وقف له وصافحه
مبتسما وقال
" هل نقول مبارك يا عريس ؟ "
ضحك وجلس على الكرسي المقابل له وقال
" أجل وبالرفاه والبنين أيضا "
نظر له بدهشسة وقال
" لا تقلها يا رجل ... وافقت عليك حقا ! لا أصدق ذلك وأنت
جعلتها تفر من الجامعة أيام محاضراتك "
قالت مبتسما
" بل لا تعلم عن العريس الذي وافقت عليه دون تفكير سوى
ما أخبرها زوج والدتها عنه ولم تفكر ولا في السؤال
عن اسمي "
قال الجالس أمامه بصدمة
" هكذا وافقت فقط ! "
نصب ساق على الأخرى وقال
" أجل فقد كنت لديه قبل قدومي إلى هنا وألححت عليه أن
يخبرني بكل شيء وهو من قال لي ذلك فطلبت منه أن لا يخبرها
من أكون حتى أفعل ذلك بنفسي ، ولك أن تتخيل كيف كانت ردة
فعله حين علم بأني أستاذها الذي يبدوا بأنها شوهت سمعته
في كل مكان "
ضحك كثيرا وقال
" أتمنى فقط أن تسوي الأمور بينكما قبل أن ترتبطا بشكل
فعلي يا أويس "
أومأ موافقا وقال
" لا تقلق فلن اجبرها عليا إن هي رفضتني ، أنا فقط أحتاج
لخطوة جادة معها تغير مجرى الأمور بيننا وبشكل جدي وهذا
ما أنا عازم عليه "
نظر له الجالس أمامه بريبة جعلته يتوجس منها وكأنه يستغرب
مزاجه الحسن ذاك ففهم نظرته فورا وقال
" أويس ألم ترى شيئا غريبا وقت وجودك في الجامعة ؟ "
نظر له باستغراب قبل أن يقول مبتسما
" لقد وصلت للتو ولم أرى أو ألحظ سوى بأن عدد المعجبات
بي تخطى حدود المعقول بل وبات لديا معجبون أيضا "
تغيرت ملامح الجالس أمامه جعله يعقد حاجبيه ناظرا له بريبة
وقال بعد برهة
" ما المشكلة يا أسامة ؟ "
وقف ذاك من فوره ودار حول كرسيه وفتح درج مكتبه وأخرج
منه ورقة ومدها له قائلا
" هذا المنشور انتشر في الجامعة الأسبوع الماضي بسرعة
البرق حتى أن الإدارة لم تستطع إدراك لملمة الكارثة ولا معرفة
المتسبب فيها ولا منع أن يصل لكل شخص في الكلية وكما تعلم
الألسن توصل ما تعجز الأعين عن رؤيته ومع الإضافات طبعا "
أخذ الورقة منه ودماغه يركض في دوائر مغلقة لم يستطع تكهن
ولا توقع شيء مما يقول وذاك شعور كل من تقدم له فاجعة على
جناح حمامة بيضاء الترويح عنها لا يزيدها إلا سوء ، تنقلت
حدقتاه السوداء في تلك الأسطر المطبوعة والمرتبة بعناية
والمعلومات المجموعة بدقة .. أسماء أمامكن تواريخ وقصة
عمرها عشرون عاما اسم والده على رأسها .. خيانة زنا طفلة
مشبوهة واعتراف والده بها ونكرانه هو لها ورميها في الشارع
، النقطة السوداء العالقة في نفسه حتى اليوم وكأنه يرى عيني
والده الدامعة أمامه مجددا وانكساره وهو يعترف بما لم تقترفه
يداه وموته مقتولا دون وجه حق ودموع والدته التي سكبتها
عليه لأيام وأشهر حتى فقدت نور عينيها ، اشتدت أصابعه على
الورقة حتى كادت تخترقها ووقف في صمت وغادر من هناك ..
فقط غادر كما دخل لكن كشخص آخر وتلك النظرات تخترقه
كالأسهم هذه المرة فما أقسى انكسار الرجال وما أشد تقمصهم
لدور الصمود في النكبات .
وما أن وصل باب سيارته وأمسك مقبضه بيده عاد وتركه
وعادت به خطواته من حيث خرج فليس هو من تكسره تلك
الأحاديث وانكشاف ماضي والده أمام مجموعة من طلبة
الجامعات .. ليس هو من ربته والدته ومن قبلها والده على
أن ينحني ويكسره أي شيء فدخل مرفوع الرأس كما خرج
وكما دخل أول مرة وعود نفسه من الآن أن لا ينظر لتلك
النظرات على أنها عدو له بل صديق سيساعده حتى يجد عدوه
الحقيقي ولن يغفر لمن فعل ذلك أبدا فعند مسألة والده ينتهي كل
شيء دائما ولن يرتاح ويطمئن حتى يعلم من هو الفاعل والذي
لابد وأن يكون من الجنوب فلا أحد يعرفه هنا .
*
*
*
لم تنم البارحة ولا لدقيقة واحدة وجهزت نفسها منذ وقت لعل
خروجها لجامعتها ينسيها ما هي فيه وإن لساعات وتبتعد عن هذا
المكان لكنها لم تتحرك ولم تغادر غرفتها تنتظر الذي في الخارج
أن يغادر ولا يبدوا بأنه يفكر في فعل ذلك فقد سمعت صوت
حركته الخفيفة لبعض الوقت لكنه لم يفتح باب الشقة ولم يغلقه
أي أنه لازال موجودا هنا وهي لن تخرج ما لم يغادر ، لا تريد أن
تراه فهو مستاء منها وهي مثله تماما ولا ينقصها المزيد من الألم
بسببه .
نظرت لساعتها وتأففت بضيق فالوقت يسرقها ولن تصل قبل
المحاضرة على هذا الحال ...
أليس يعمل في تلك المسماة منظمة ؟ لما لا يغادر إذا !
جلست على طرف الكرسي وبدأت بضرب مقدمة حذائها الجلدي
الأنيق بالأرض بتوتر وضيق تفكر في مخرج من كل هذا فهل
تخرج قاصدة باب الشقة فورا وتغادر وحينها فرص لقائهما
ستكون شبه معدومة ؟ لكنها تحتاج لكوب قهوة فرأسها يكاد
ينفجر بسبب بكائها بالأمس ولأنها لم تنم ليومين كاملين ولن
تجد وقتا لأخذ فنجان قهوة من مقهى الجامعة ما أن تصل .
قفزت واقفة ما أن سمعت باب الشقة انفتح واغلق سريعا فها
قد غادر أخيرا وحررها قبل أن تفقد محاضرتها الأولى ، وضعت
حقيبتها على كتفها ورفعت مذكراتها وفتحت باب الغرفة وخرجت
منها مسرعة ووجهتها المكان الذي عرفت من بعيد أنه مطبخ
ودخلت بخطوات شبه راكضة لتقف مكانها وشهقت بصدمة ..
شهقة لم تستطع إدراك نفسها وسجنها في صدرها رغم خروجها
من خلف أضلعها خفيفة خافتة إلا أنها كانت واضحة للذي كان
يقف مستندا بباب الخزانة الطويل مكتفا ذراعيه لصدره العريض
يلبس بدلة عمله السوداء الخاصة ويقف هكذا لا يفعل شيئا وكأنه
ينتظر دخولها أو يتوقعه ! هربت بنظراتها من عينيه سريعا بعدما
رمقته بتلك النظرة الباردة وتوجهت جهة الموقد تحضن مذكراتها
بقوة وكأنها ستقع منها أو ستحميها حتى وصلت عند إبريق
القهوة النحاسي الصغير الذي لازالت تصعد بعض الأبخرة
الخفيفة منه وكما تمنت وليس توقعت كان لم يشربه بأكمله
وترك لها القليل ، بدأت بفتح أبواب الخزانة المعلقة تبحث عن
فنجان قهوة متجاهلة الواقف هناك وكأنه ليس موجودا بل
وفنجانه المتسخ أيضا فلن تشرب منه ولا بعد غسله وستشربها
في كأس ماء إن لم تجد واحدا آخر بل ومن الابريق مباشرة
إن استلزم الأمر .
أليس ثمة عبارة تقولها المرأة لزوجها صباحا وإن كان والجدار
بالنسبة لها سواء يا عديمة الذوق ؟ "
شدت على أسنانها بقوة غيظا من بروده وتملقه ولتمسك نفسها
عن قول أي شيء فلن تتحدث معه أبدا .. قرار قررته ولن تتراجع
عنه وهي من سيكون الجدار لا هو ، هه لا ويريدها أن تقول له
صباح الخير ! أي خير هذا الذي هما فيه ؟ ولما ذاك فقط فلتهديه
حضنا كالذي حضا به البارحة بل وتقبله وتتمنى له يوما سعيدا
في مهامه المتعددة ، أليس هو من أصر على وجودها هنا رغم
رفضها ؟ فليتحملها ويتقبلها كيفما ستكون إذا ولكل منهما حرية
أن يعيش حياته هنا كما يريد .
وجدت مبتغاها أخيرا فأخرجت منهم واحدا وكان فنجانا خزفيا
أبيضا بنقوش سوداء لا تتمنى أن تشرب فيه أبدا ولا أي شخص
آخر من جماله ، أغلقت باب الخزانة وعادت جهة الموقد وسكبت
ما في الإبريق فيه ورفعته لشفتيها وما أن شفطت منه شفطة ..
بل كانت نصف الفنجان تقريبا شعرت بأنها ستخرج كل ما في
معدتها الخاوية أساسا من مرارتها فلم تكن تحوي ولا ملعقة سكر
على ما يبدوا وقهوتها هي شكولاته كما تسميها ساندرين من
كثرة ما تضيف السكر لها ، وضعت الفنجان على الطاولة بملامح
متجعدة من المرارة القاسية التي لم تكن تشعر بها في فمها
وحلقها فقط بل ووصولا لمعدتها فكيف نسيت بأن هذا الجدار
كما يسمي نفسه سيكون سوداويا في كل شيء حتى في لون
قهوته وطعمها .
تركت ذاك الفنجان والقهوة وكل شيء خلفا وقررت مغادرة
المكان من دون ولا شرب بعض الماء لتزيل تلك المرارة من
أحشائها لكنها لم تفلت بالفعل وكما تريد من الذي كان يراقبها
مبتسما وقد أصبح خصرها سجينا لذراعه القوية قبل أن تخرج
من الباب ولم تستطع التخلص منه رغم محاولاتها الحثيثة لازالت
تتمسك بصمتها المميت حتى فقدت الأمل وتوقفت عن محاولاتها
العقيمة تلك فوصلها همسه عند أذنها
" محاضرتك الثانية ستنتهي عند الثالثة ... الرابعة أجدك هنا
ماريا أو سحبتك بنفسي من هناك "
عادت لمحاولة دفع ساعده لتتحرر منه ولم تعلق بكلمة لكن
ذاك الساعد أصبح اثنين وهو يسجنها بين ذراعيه ملصقا
ظهرها بجسده بقوة وقبّل عنقها قبلة صغيرة رقيقة لأنها كانت
ترفع شعرها في جديلة وما أن حاولت الانحناء للأمام والابتعاد
عنه رفع يده لذقنها والتفت أصابعه الطويلة حوله ورفع وجهها
له حتى اتكأ رأسها على كتفه وانحنى لشفتيها وقبلهما قبلة واحدة
قوية متعمدة وتركها حينها فنظرت له بغضب ما أن ابتعدت عنه
ولم تزدها ابتسامته الساخرة تلك ونظرة التسلية في عينيه سوى
اشتعالا فرفعت يدها لشفتيها ومسحتهما بظهر كفها وغادرت من
فورها فهي تعلم بأن تلك الحركة أبلغ من الكلام وستصيبه حيث
تريد فسارت وسط الشقة دون أن تقف ولا أن تلتفت خلفها ولا
حين وصلها ذاك الصوت المتوعد من عند باب المطبخ
" حسابك فيما بعد على هذه ماريا وعسيرا جدا يا متقلبة
المزاج "
تجاهلته وتابعت سيرها جهة الباب فهي من تستحق كل ذلك لما
فعلته وهما في ذاك الكوخ لكنه يحلم بالتأكيد إن أخبره عقله بأن
ماريه تلك جلبها معه هنا ... لا هذه ماري وهو من اختار أيضا
وعليه تحمل نتائج اختياره فلن تسليه وقت غياب تلك المنحلة
عنه لن يحلم بها ، خرجت من الباب الذي ضربته خلفها بقوة
بينما تحرك من تركته هناك وقد أولى المكان ظهره وسار جهة
الطاولة وأدار بسبابته مقبض فنجانها حتى كانت الجهة التي
شربت منها مقابلة له ورفعه وشرب ما فيه بشفطة واحدة ثم
رماه رمية بعيدة موفقة أسقطته في سلة المهملات بسلام وخرج
من المطبخ مبتسما بتسلية فها هو صباحه اليوم ليس سيئا
كثيرا كالمعتاد .
*
*
*
مزقت طرف المغلف البني الكبير برفق كي لا تتلف أيا من
الأوراق الموجودة بداخله فها قد وصل طرد المحكمة أخيرا
وحصلت على أهم ما سعت إليه الأيام الماضية ولازال أمامها
المزيد بل ولازال أمامها الكثير قبل أن تبدأ بجولتها الأولى ،
تعلم جيدا بأن تحركاتها ستكون مراقبة من قبل جواسيسه
كما حدث حين علم عن خروجها قاصدة اليرموك ولحق بها
حيث منزل عائلتها القديم فمن أين سيعلم إن لم يكن يراقبها ؟
لكنها لن تغفل عن ذلك هذه المرة ولن يكتشف سبب زيارتها
لمبنى وزارة العدل ولا المحكمة وإن علم بذهابها إلى هناك فهي
بدأت بإجراءات معاملات ملكية أحد المباني التجارية الضخمة
والمعروفة في العاصمة واشترته مع ثلاث شركاء وبات تنقلها في
تلك الأماكن أمر طبيعي خاصة أن وزير العدل وعدها بالتكتم كما
ساعدها في كل ما تريد فعله ولم يبقى أمامها الكثير وستجعله
طبقا على موائد الجميع كما فعل بها وستتحرر منه أحب ذلك أم
كره وليكن ضحية لسكاكين الصحافة لبعض الوقت كما فعل معها
وطبعا قبل أن يستلموا خبر محاكمة الطلاق التي سيدخلها مرغما
وليري الناس عدله حينها وكيف سيوقفها على مرأى من الجميع
رجل العدالة ذاك .
قلّبت الأوراق وقرأت كل ما فيها بتأني وتمعن ، لقد شرح لها
السيد عقبة الكثير لكنها تبقى عاجزة أمام فهم مسائل كثيرة وهو
نصحها أن لا تستعن بمحام لا يكون ثقة بل وثقة عمياء حتى
تحين تلك المحاكمة كي لا ينهار كل ما تسعى له ، تستغرب فعلا
أن أطاعها بكل تلك السهولة وفي كل ما تريد رغم أنه لم يقصر
في نصحها عن العذول عما تنوي فعله وبأنها قد تضر نفسها
معه وقد لا يغفر لها ذلك بسهولة لكنها لن تهتم فهو لم يترك
شيئا آخر يؤذيها به فما سيفعل مثلا ؟ ... يقتلها ؟
له ذلك لكنها لن تموت إلا وقد استوفت حقوقها منه وبأكملها .
اشتدت أناملها على الأوراق فيها وشعرت بتلك الدمعة الحارقة
التي تأبى أن تخرجها تحرق جفنيها بشدة فكم هي ممتنة لجراحه
أن اسطاعت التسلق فوق مشاعرها نحوه وكلما حاول عقلها فقط
استجلاب تلك الذكريات الجميلة نسفتها فعلته تلك لتشعر بقلبها
يحترق ألما وحقدا كلما تذكرت تلك اللحظة التي اكتشفت فيها لعبه
بها وبمشاعرها وبما جمعهما معا بعد أعوام طويلة من الفقد
والشوق والاحتياج المدفون درجة أن نسي كل واحد منهما كل ما
حوله وحتى المكان الذي هما فيه وقد تفجرت كل تلك المشاعر
المكبوتة كل الاحتياج والشوق والصبر وكأنهما يقتصان من
السنين ومن الفراق حتى خرج كل شيء عن حدود السيطرة
وعن حدود المعقول لتكتشف فيما بعد أن كل ذلك كان على مسمع
شخص ثالث وأي شخص ... ؟
لقد قتلها محاها أنهاها وجه لها الضربة القاصمة التي لن تقف
بعدها مجددا ومهما عاشت ؟
دفنت وجهها في كفيها وانسابت تلك الغرة الحريرية على أصابعها
بالتتابع وبدأت أنفاسها تتقاطع وكأنها تموت وتفقدها تدريجيا ..
لو تفهم فقط كيف سولت له نفسه وفعلها وهو حامل لكتاب الله
ومن لم يترك صلاة الجماعة إلا مضطرا فكيف يفعل ما يخجل
منه الفساق ! كيف استطاع أن يكون بكل تلك اللهفة وبكل ذاك
الاندفاع والجرأة وهو يعلم بأنه ثمة من يسمعه ! كلما تذكرت تلك
اللحظات تمنت الموت مضاعفا وسريعا فحتى نزعه لثيابها
رافقته رجاءاتها الممتزجة بالرغبة بأن لا يفعلها بتلك الطريقة
التي نزعها بها .. همساته المتأنية وكلماته المعبرة عن رغباته ،
لمساته وقبلاته لكل جزء في جسدها ..! ليلة مجنونة بكل ما
للكلمة من معنى فكيف سمح لطرف ثالث أن يشاركهما كل ذلك
وهو يعلم ! الكارثة أنه يعلم بل وكل ذلك كان من تدبيره ، قسما
أنه لم يفعل شيئا بها طوال تلك السنين كما فعله تلك المرة
وستتمنى أن تموت ولا أن تنظر لعيني جبران مجددا وقسما
لولا الحياء والدين لكانت تطلقت منه وتزوجته هو تحديدا
وأسمعته ما أسمعه إياه لعل النار المشتعلة في صدرها حتى
الآن تنطفئ وإن قليلا .
مسحت عيناها بقوة ووقفت وبدأت بجمع الأوراق وإعادتها
للمغلف مجددا ، تعلم بأن السيد عقبة لن يخذلها .. صحيح أنه
من المقربين للمدعو مطر شاهين لكنه رجل عدل وعدالة كان
مقربا لوالدها شراع أكثر حتى من شقيقاه وأبنائه الملتفين حوله
وتعلم بأنه سيكون عادلا معها وإن كان الثمن أن يفقد مركزه ،
ثم هو لن يتولى سوى القضية كقاض فيها الباقي لا علاقة لأحد
غيرها فيه ، نظرت جانبا ولهاتفها الذي علا رنينه فجأة قبل أن
ترفعه وتجيب قائلة
" مرحبا جليلة "
وصلها ذاك الصوت الحانق فورا
" بالله عليك تخبري زوجك ليخبر رئيس مخابراته يبتعد عن
طريقي وعن حياتي "
عقدت حاجباها الرقيقان باستغراب وقالت
" وما علاقتك أنت بهما وما الذي فعلاه لك ؟ "
وصلها ذات ذاك الصوت الحانق
" لا أعلم من أين خطر لذاك الرجل أن يطبق جنونه على عائلتي
وجاء منذ أسبوعين تقريبا وخطبني من والدي وفي حضور
أعمامي وأزواج خالاتي ووثاب طبعا واجلبي الآن من يقنعهم بأني
لا أريد أن أتزوج لا منه ولا من سواه ، وها هم ينتظرون رأيي
الذي قرروه سلفا والسيد رئيس جهاز المخابرات يصدق بالفعل
أن الموضوع انتهى يرسل اليوم جبلا من الهدايا "
عادت للجلوس مجددا وقالت
" جليلة مهلك قليلا لأفهم واحدة واحدة ... أتعني بأن رئيس
جهاز المخابرات الجديد خطبك من والدك ؟ "
وصلها صوتها فورا وضيقها لا يزداد إلا حدة
" بلى وهو أحد رجال زوجك المقربين ومن قبل أن يهاجروا من
هنا ويختفوا وعاد الآن معه ، فليجد حلا مع صاحبه قبل أن أرتكب
في نفسي جرما "
قالت هي بضيق هذه المرة
" جليلة ذاك اسمه مطر شاهين فلا تناديه بزوجي مجددا ثم
ما علاقتي أنا اخبره ليخبره فلا حديث بيننا فأخبريه بنفسك
ما لديك "
شخرت تلك ساخرة قبل أن تقول
" وهل سيمرروا اتصالي له لأخبره ويخبرني ! بينما أنتي العكس
تماما يصل اتصالك له دون تحقيق مطول نهايته أن يغلقوا الخط
في وجهك "
تنفست بقوة وقالت
" آسفة يا جليلة لا مكالمات بيننا ولن أخدمك في هذا ، أمامك تيما
اتصلي بها وإن كان لديك رسالة ستوصلها له ، ثم ما المانع في
أن تتزوجي ويرتاح رأسك من والدتك وشقيقاتك ومن الألسن
جميعها بما أنه لا مجال ليرفضوا ذاك الرجل ؟ "
وصلها صوتها الحانق فورا
" غسق بربك أنا أتزوج !! وممن من أحد رجال مطر شاهين ؟
لا بالله عليك لا أريد أن ينتهي مصيري لمصيرك يكفيني ما رأيت
حتى الآن من اللعنة المسماة رجل "
غطى الحزن على ملامحها الجميلة وهمست بمرارة
" معك حق من ستتمنى أن تنتهي لما انتهت له غسق شراع "
وصلها صوتها فورا مبررة بأسف
" غسق أنا آسفة لم أقصد أن أجرحك بكلامي لكني أشعر حقا
بما عانيته وبعيدا عن كل مزايا ذاك الرجل التي تمحي الزلات
في نظر الجميع "
ابتسمت بسخرية امتزجت بالألم قائلة
" لست غاضبة منك يا جليلة فأنت لم تتحدثي سوى عن الواقع
بل وما خفي كان أعظم من ذلك بكثير ومعك حق في رفضه بل
وجميع رجاله أولئك يجب أن لا تكون أي امرأة تحت جناحهم ولا
أن يزوجوهم النساء ولا أكثرهن شراً وسواداً "
تنهدت من في الطرف الآخر قائلة
" آه غسق لا أتمنى فعلا لأحد أن يقاسي ما قسيته أنت لكني
أتمنى أيضا أن تعودا معا كما في الماضي ، لا أستطيع الكذب
عليك في هذا فأنتما تكملان بعضكما ولم أرى حياتي
شخصا.... "
قاطعتها بضيق وقبضتها تكاد تتمزق من شدها لأصابعها
" جليلة يكفي ولا تقارنيني بذاك الرجل مجددا فلن يرى أحداً
مثلي ما يوجد تحت التمثال الذهبي المدعو مطر شاهين "
" حسنا حسنا هدئي من روعك ... أنتي أفضل من مطر
شاهين وهو لا يستحقك "
زمت شفتيها قبل أن تتمتم ببرود
" أتعلمي بأنك أسخف امرأة في الوجود ؟ "
قالت من في الطرف الآخر بضيق
" أجل أعلم وعلى السخيفة أن تجد حلا للتخلص من ذاك الرجل
سريعا وبأي طريقة غير التحدث معه فحتى وسام كعادته
لا حلول لديه سوى الاستماع لي "
جالت حدقتاها السوداء بتفكير لبرهة وكأن ذاك الإسم ذكرها
بشيء غفلت عنه تماما فقالت باندفاع
" جليلة هل قائد هنا في العاصمة ؟ "
ساد الصمت في الطرف الآخر لوقت قبل أن يصلها صوتها
مستغربة
" وما ذكرك في قائد الآن ؟ لا تكوني تنوين استرجاع ذكرى
الحروب القديمة فهو ووثاب لا يخاطب أحدهما الآخر منذ تلك
القصة وذاك الزمن البعيد "
تنهدت بضيق وقالت
" لم تجيبي عن سؤالي يا جليلة ؟ "
سمعت تلك التنهيدة العميقة التي تفهم سببها جيدا قبل أن تقول
صاحبتها
" مكتبه هنا في العاصمة لكنه لا يكون موجودا هنا إلا لأيام معينة
في الشهر من أجل قضاياه "
قالت من فورها
" متى أقرب وقت سيكون فيه هنا ؟ اسأليه يا جليلة "
وصلها صوتها الجاد فورا
" غسق ما هذا الذي تفكرين في فعله وما تريديه بقائد ؟
أنتي تعلمي جيدا بما في نفسه لك وها قد تجاوز الأربعين عاما
ولم يتزوج بعد عكس وثاب الذي طرق زواجتين وطلاقين فلا
تنشبي الحرب القديمة بينهما وابتعدي عن قائد فجراحه لم
تشفى بعد "
شدت قبضتها أكثر وقالت بضيق
" جليلة لما تحمليني ذنب ما حدث فلا علاقة لي بجنون شقيقيك
القديم يكفيني جبران وتبعات مع حدث في الماضي ، قائد يختلف
عن كليهما وما كان ماضٍ وانتهى وعمره الآن أعوام طويلة وأنا
أريده بخصوص أمر قانوني ويخص عمله كمحام فاسأليه اليوم
أو أعطني رقم هاتفه وسأتحدث معه بنفسي فهو ابن خالتي
وليس غريبا عني "
وصلها صوتها الحانق فورا
" أجل أنتي ابنة خالته وكم لعلبنا سويا وركضنها وووو ...
لكنك كارثة بشرية متحركة يا غسق فابتعدي عن شقيقي
وها هم المحامون كثر في البلاد "
زمت شفتيها وقالت ببرود
" شكرا على هذا وعلى ثقتك بي يا ابنة خالتي ورقمه سأجلبه
بمعرفتي فمكتبه هنا ولن يصعب عليا زيارته والوصول له
من خلاله "
وما أن أنهت عبارتها تلك أغلقت الخط ونظرت لساعتها قبل
أن تقف وتتوجه للخزانة فتحتها وأخرجت ثيابا لتخرج بها فها
قد وجدت أخيرا من سيحارب في صفها ورجل قانون أيضا .
*
*
*
*
*
*
برم خصلة الشعر الأسود الطويل على سبابته قبل أن يخرجه منها
لتسقط بنعومة في حجره ونظره على اللعبة الألكترونية بين يدي
النائمة على فخذه وما أن رفع تلك الخصلة الطويلة مجددا شدها
بقوة حتى صرخت التي جلست متألمة
" آي يا أحمق "
وفركت مكانها بألم فسحب اللعبة من يدها وقال
" أنتي ألا غرفة لديك ؟ أم لا خصوصية لديا مطلقا ملتصقة
بغرفتي طوال النهار "
وقفت ورفعت وسادة الأريكة وضربته بها قائلة بضيق
" حمدا لله أنه منزل خالي رعد وليس منزلك "
رماها بالوسادة التي أمسكها وقال بتملق
" عمي وليس خالك يا حفيدة دجى الحالك "
أمسكت خصرها بيديها وقالت بتملق يشبهه
" المحاكم أمامك واسمها فيها غسق شراع صنوان وارفع قضية
لنرى من الكاسب فيها "
لوح بيده جهتها قائلا
" غادري غرفتي بسرعة وكان من تكونين ، أمامك غرفة
والدتك ألست هنا من أجلها أم حجة فقط لتزعجيني ؟ "
زحف الحزن سريعا لملامحها الجميلة فها هو يعطب أحد جراحها
المفتوحة فعن أي والدة يتحدث ؟ من باتت جثة تسير على قدمين
وقد فقدت كل شيء حتى تلك الابتسامة التي كانت تهديها إياها
كلما رأتها ؟ لقد فقدت بالفعل كل شيء ... لا بل هم الذين فقدوا
كل شيء فيها ، يتحججون بعملها الجديد بطموحها ببنائها لنفسها
مجددا لكنها لا تصدق ذلك فليست هذه تلك التي عرفتها بعد
قدومها للوطن رغم كل ما كانت تحمله من جراح ومن ألم ورغم
كل ما مرت به من تعثرات وعقبات في علاقتها مع الرجل الذي
عاد مجتاحا لحياتها وبقوة إلا أنها لم تكن هذه مطلقا ..
هي لا تعرفها بل ولا تريدها تريد والدتها التي التقتها أول مرة ..
تريدها وإن كانت من دون والدها وكل منهما في مكان .. تريد
أن تسمع ذاك الحنان في صوتها مجددا رغم نبرة الحزن فيه
لكنه فقدهما كلاهما وتحول لشيء خاوي ميت ، لم تعد تعرفها
منذ انتقالهم هنا بل منذ تلك الليلة التي طلب فيها والدها
التحدث معها وكأنها ماتت تلك الليلة وفقدتها ... فقدتها هكذا
وللأبد .
مسحت دمعتها بباطن كفها ونظرت للذي أمسك اللعبة وانشغل
بها وكأنها ليست مرمية في أغراضه القديمة من خمس سنين
فما أن أخرجتها الآن أصبحا يتشاجران عليها بشكل شبه دائم ،
مسحت عيناها مجددا وقالت بعبوس طفولي
" سأخبر خالي رعد وسيحضر لي واحدة أفضل منها "
ضحكة ساخرة كانت رد الفعل الأول من الذي تربع فوق الأريكة
نظره لازال منشغلا مع لعبته بحماس وقال مبتسما بسخرية "
خالك رعد ! هذا إن رأيته أساسا "
وتابع وقد رفع نظره لها يلوح باللعبة في يده
" فلن تريه سوى داخلا من باب المنزل رأأأأسا لغرفته ثم خارجا
منها لباب المنزل وإن لم يكن لوحده فزوجته معه .. حتى الطعام
يتناولانه في الخارج "
رمى بعدها اللعبة من يده ورفع يديه ناظرا للسقف وقال بحسرة
" متى دوري يا رب تعبت من النظر فقط ومن هذه الطفلة
الملتصقة بي طوال الوقت لتثبت للجميع بأني طفل "
لم تستطع امساك تلك الابتسامة التي زرعها في ملامحها الحزينة
كعادته وقالت تمسك ضحكتها
" يا لك من منحرف ووقح ! لو سمعك رعد لقطع لسانك "
نظر لها ورمى يديه قائلا بضيق
" وما ذنبي أنا في كل هذا ؟ أشقاء والدتك هم السبب لا يتوقفون
عن تقديم العروض العاطفية المميزة ولرداءة حظي أكون موجودا
في كل مرة حتى أصاباني بالعطش العاطفي وإن انحرفت
فبسببهما "
ضحكت ضحكة مكتومة ورفعت يديها للسماء أيضا وقالت مبتسمة
" اللهم أرني فيه يوما سعيدا يناطح الأربعين عاما تديره طفلة
حول نفسه ولا ينالها "
قفز واقفا وتحرك جهتها قائلا بضيق
" استغفري الله يا مجرمة "
فضحكت وركضت هاربة منه وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب
خلفها وماتت ابتسامتها ما أن وقع نظرها على التي تغلق باب
غرفتها ويبدوا أنها ستغادر المنزل والتي سارت مجتازة لها
تدس هاتفها في حقيبتها وتمتمت وهي تمر أمامها
" حجابك تيما "
فركضت خلفها وأمسكتها من يدها وقالت موقفة لها
" أمي انتظريني قليلا أغير ثيابي وخذيني في طريقك
لمنزل والدي "
نظرت لها نظرة كالصخر حتى تمنت أنها لم تذكره أمامها قبل
أن تتحرك مجددا قائلة ببرود
" لا وقت لدي رعد سيارته وقفت في الخارج الآن وسيأخذك "
لحقت بها وقالت تنزل السلالم خلفها
" أمي أنتي ستتوقفي بسيارتك خارج المنزل فقط فأوصليني
أرجوك "
لكنها لم تتوقف للحظة بل تابعت نزولها قائلة بضيق
" تيما اخرجي من رأسي فلن أسلك ذاك الشارع مطلقا واصعدي
والبسي حجابك فورا "
وقفت مكانها وضربت بقدمها الأرض تراقبها بأسى وهي تنزل
باقي عتبات السلالم مسرعة وقد توجهت لباب المنزل فورا فعادت
أدراجها خائبة .. كانت تريد أن تصل بها هناك ثم ستجد طريقة
لتجعلها تدخل وستدعي الاغماء فتضطر للدخول بها فتلتقي
بجدها حينها ، تريدها أن تدخل ذاك المنزل لتراه لعل ما فقدته
روحها يرجع لها مجددا لكنها أعند من الصخر ولن تستبعد أبدا
بأنها كانت صادقة حين قالت لن تسلك شارع منزلهم مطلقا ،
سلكت الممر باتجاه غرفتها وما أن كانت عند باب غرفة الكاسر
انفتح الباب وخرج منه وهاتفها في يده وفي رنين مستمر فأمسك
يدها ووضعه لها فيها بقوة قائلا بضيق
" خذي هذا المزعج معك ورافقتكما السلامة أريد أن أنام "
نظرت له بضيق فدفع وجهها بكفه ودخل وأغلق الباب فنظرت
لشاشة الهاتف واسم رعد وأجابت متوجهة جهة غرفتها فوصلها
صوته فورا
" تيما أنا في الخارج والدتك قالت بأنك تودين الذهاب لمنزل
والدك فبسرعة لا تتأخري "
همست بحزن وهي تفتح الباب
" حسنا "
ودخلت ورمته على الكرسي وتوجهت للخزانة فورا أخرجت
ملابسها وغيرت ثيابها بسرعة ولفت حجابها بحركة سريعة
وعشوائية وحملت هاتفها وغادرت الغرفة بل والمنزل مسرعة
وكانت سيارة رعد تنتظرها أمام الباب فركبت فورا وانطلق هو
من فوره وما أن اجتازت سيارته بوابة المنزل الخارجية نظر لها
ثم للطريق وقال
" منذ ثلاث أيام وأنتي هنا ما الذي جعلك تتذكري
والدك فجأة ؟ "
رمقته بطرف عينيها وقالت بضيق
" إن كان يزعجك إيصالي فأنزلني أتابع طريقي سيرا
على الأقدام "
ضحك وقال
" مهلك عليا يا ابنة مطر فلم أفقد عقلي بعد ولا أريد أن أفقد
حياتي بسبب والديك إن اختطفك أحدهم "
نظرت لنافذتها وتمتمت ببرود
" يفعل بي معروفا حينها فلعلهما يشعرا بوجودي "
نظر لها مبتسما قبل أن يعود بنظره للطريق وقال بهدوء
" ألم تعتادي وضعك بعد يا تيما ؟ "
قالت بأسى تمسك دموعها بصعوبة
" فليطلقها لا مانع لدي إن كانت سترجع والدتي التي أعرفها
فحالها لا يعجبني يا رعد لقد تحولت لدمية خشبية متحركة جوفاء
باردة ميتة تحركها أقدارها فقط "
وقف عند الاشارة ونظر لها وقال
" وحالك ليس بأفضل منها يا تيما ، فهل سينال والدك وسام
محطم قلوب نسائه أم ماذا ؟ "
مسحت الدمعة التي لم تفارق مقلتيها بعد ونظرت ليديها في
حجرها والهاتف فيهما وهمست ببحة حزن
" لا تعنيني نفسي أكثر منها .. بل ومنهما "
مال للأمام قليلا تراقب عيناه أرقام الإشارة الضوئية وقال
بابتسامة مائلة
" كاذبة ونصف حزنك سببه القرار الذي لم تقرريه بعد فأنصحك
برفضه بسرعة ولا تتركيه ينتظر أكثر من هذا فالنتيجة واحدة "
نظرت جهة النافذة تراقب الشوارع بحزن ما أن تحركت السيارة
مجددا ولم تستطع نكران ذلك ولا الاحتجاج عليه فلم تنسى لحظة
ذاك اليوم الذي زارت فيه منزله وعودتها لمنزل والدها بعدها فقد
بكت في غرفتها لساعات وساعات حتى ظنت بأنها لن تتوقف عن
البكاء أبدا وإن كان والدها في المنزل ذاك اليوم لبلغته موافقتها
فورا لكنها حمقاء وستبقى كذلك دائما فما أن مرت تلك الساعات
حتى اشتاقت له مجددا وتذكرت لمسة يده وهمسه يسألها عن
سبب غضبها منه وما هروبها لمنزل رعد بعدها وفي ذات اليوم
إلا كي لا تقابل والدها ويسألها عن قرارها الذي تأخر كثيرا .
أوقف سيارته أمام بوابة منزلهم ونظر لها وقال
" تيما اتبعي قرار قلبك ففي الحب من يتبع عقله يكون خاسرا
وليس العكس ... الحب مجازفة وتهور وجنون أو لن يكون حبا
صدقيني "
تنهدت بضيق ونظرت له قائلة بأسى
" ماذا إذا أقول له بأني أحبه ولا أستطيع الزواج من غيره
وأهين نفسي حين يواجه اعترافي بالرفض ويسخر من مشاعري
وينعتني بالطفلة الحمقاء المنحلة ؟ "
حرك رأسه برفض وقال
" ها هي آستريا كانت من اعترف لي بمشاعرها اتجاهي أولا
وكانت أكبر منك بعام واحد فقط حينها ولم تكن تعلم عن مشاعري
نحوها ولم أسخر من مشاعرها مطلقا وكانت من شجعني على
فعلها فيما بعد ولم تفقد احترامي لها يوما ولا حبي ، وإن لم
تفعلها هي حينها ما فعلتها ما حييت وسأستمر في بناء الحواجز
بيننا وأخترع أسبابا لها وجود وليس لها وننتهي بأن نفترق
كل واحد منا يدفن مشاعره في داخله ويقتلها وللأبد "
امتلأت مقلتاها الزرقاء بالدموع سريعا وقالت بعبرة مكتومة
" لكنه ليس أنت وهو لا يحبني وخطب وسيتزوج من أخرى "
نظر لها بصدمة قبل أن يهمس
" سحقا للرجل ... كنت أجزم بمشاعره نحوك قسما وأنا
رجل مثله فما جعله يجن فجأة ! "
تدحرجت أول دمعة من رموشها الطويلة وقالت بعبرة
" جعله يفعلها أنه لا يحبني ولن يثق بي أبدا ولن يرى سوى
ماضيا وعيوبي لكني لم أستطع تجاوز كل ذلك حتى الآن
ولا أن أقتل مشاعري نحوه "
وما أن أنهت عبارتها تلك فتحت باب السيارة ونزلت مغلقة له
خلفها واجتازت بوابة المنزل والحرس حولها تمسح دموعها التي
ترفض التوقف تريد فقط أن تكون في غرفتها وحيدة كما كانت
وعاشت طوال حياتها لا تحتويها سوى الجدران الباردة ، وما أن
مرت بأشجار الحديقة المثمرة لم تستطع مقاومة تلك الشجرة
تحديدا فركضت نحوها واحتضنت جذعها وبكت وكأنها تبكي في
حضنه تضربه بقبضتها وتحدثه وكأنه هو تلومه فقط على أنها
قابلته يوما واستطاع أن يمتزج مع أنفاسها ودمائها بينما لم
تستطع هي فعل ذلك به .
*
*
*
اجتازت مدرجات القاعة نزولا تحاول أن لا تفقد شيئا مما تمسكه
في يديها قبل المحافظة على توازنها وهي تجتاز جموع الطلبة
فالمحاضرات المشتركة تكون هكذا دائما مزدحمة وخانقة بالنسبة
لها ، غادرت القاعة أخيرا واجتازت الرواق الطويل تنظر لساعتها
وتأففت بحنق فلا وقت أمامها لزيارة المكتبة لأنه عليها أن تكون
في شقته عند الساعة الرابعة ولن تشرف نفسها برؤيته هنا
يكفيها ما سمعته من تعليقات من زملائها وممن وصلته منهم
الأخبار عما حدث بالأمس وبات السؤال يتكرر عن الخاتم الذي
اختفى اليوم من أصبعها حتى كرهته بالفعل .
" ماري "
وقفت مكانها والتفتت للصوت الأنثوي الرقيق خلفها وابتسمت ما
أن عرفت هوية صاحبته تراقب تلك العينان الجميلتان اللتان هربتا
من النظر لها وقد مدت يدها لها هامسة بحياء
" مرحبا أنا أدعى جيني "
صافحتها قائلة بابتسامة
" مرحبا جيني أراك دائما في مدرجات ملعب السلة يبدوا بأنك من
محبي تلك الرياضة "
ضمت يديها لبعضهما وقالت بارتباك
" أجل أو يمكنك القول مؤخرا فقط "
ابتسمت تراقب تهربها من النظر لها والخجل في ملامحها الجميلة
ولم تعلق كي لا تحرجها أكثر ، وكما توقعت قالت الواقفة أمامها
ما أن رفعت نظرها لها مجددا
" هل صحيح ما سمعته عما حدث في الملعب بالأمس بعد
مغادرتي وأنك مخطوبة لشاب من خارج الكلية ؟ "
لم تحب هذا السؤال اليوم من شخص كما أحبته من هذه الفتاة
ولم تجب عليه بابتسامة صادقة كما حدث معها وهي تقول
" بلى جيني وأنا أحبه كثيرا "
وأبهجتها تلك الفرحة التي رأتها في عينيها فهذه حسنة السيد تيم
الوحيدة فيما فعل هنا فعلى الأقل لن ترى تلك النظرة الحزينة
المكسورة في عيني هذه الفتاة مجددا ، كانت تعلم بأن موقفها
كان سيئا جدا وما توقعته حدث فعلا حين قالت التي هربت بنظرها
منها مجددا
" ظننك وكين .... أعني الكثيرين كانوا يروا أنه ثمة ... "
وضاعت الكلمات منها فبادرتها الإجابة قائلة بابتسامة
" لا يا جيني لا علاقة تجمعني بكين أكثر من أنه ابن خالتي
وهذا ما لا يعرفه الكثيرين وهو لا يعاملني سوى كشقيقة له
وأنا أحترمه كشقيق لي "
رفعت نظرها لها وقالت بإحراج
" آسفة إن كان سؤالي متطفلا وغبيا "
قالت مبتسمة
" أنتي تحبينه أليس كذلك ؟ "
نظرت لها بصدمة سرعان ما زحف معها ذاك اللون الزهري في
بشرة وجهها البيضاء الجميلة ورفعت خصلات غرتها خلف أذنها
قائلة بارتباك
" أجل لكنه ... لكن ... أعني أنتي لن تخبريه بكل هذا أليس
كذلك ؟ "
حركت رأسها نفيا قاءلة
" لا لن أخبره لكنه يعلم يا جيني "
انسدلت تلك الأجفان الواسعة على حدقتيها الخضراء تخفي تلك
النظرة الحزينة فيهما فمدت يدها ولامست يديها المقبوضتان معا
بقوه وقالت مبتسمة
" عليك أن لا تيأسي يا صديقتي فكين لا حبيبة له مطلقا ، قد
يكون مكبلا بظروفه وغبيا وأحمقا كباقي الرجال لكنك لست
كأي فتاة بالنسبة له أنا متأكدة من ذلك "
وكم شعرت بالبهجة حين رأت تلك النظرة والفرحة في ملامحها ..
فسترى يا سيد كين ما يكون كيد النساء وأرني كيف ستهرب منها
مستقبلا لنرى ، ما كانت لتساعد واحدا من رجال المهمات أولئك
مجددا لكنها فعلتها من أجل هذه الفتاة لا من أجله فهي تشعر بما
تعانيه وكم تخشى أن يضعوا فتاة ما في طريقه أيضا تحت مسمى
المهام التي لا تراجع عنها ويكسروا قلبها وحلمها بل وتتمنى أن
يشعر بها الكين بالفعل وأن يفصل بين عمله وعواطفه ولا يخسر
فتاة يحبها وتحبه من أجل أمور ستتخلى عنه يوما ما فيجد نفسه
وحيدا أو يعيش مع امرأة لا تربطه بها أي عاطفة رغم أنها تجزم
بأن الرجال لا يهتمون لهذه الأمور وقساة أكثر مما تتوقع جميع
النساء .
حيتها مغادرة وبادلتها تلك التحية مبتسمة وما أن اجتازت باب
الكلية لمحت كين من بعيد مع إثنين من زملائه وأحد أساتذتهم
فلوح لها بيده من بعيد مبتسما قبل أن يعود بنظره لمن كان يقف
معهم وينسجم في أحاديثهم مجددا فابتسمت وتابعت سيرها فهو
كما عرفته وتوقعت تماما لن يتأثر بما حدث بالأمس كما لن
يسألها عن شيء أبدا ، كما سيجعل بينها وبينه مسافة بعيدة
وهذا ما لاحظته اليوم فلم تجده ينتظرها بين المحاضرات عند
قاعتها كالعادة ولا وقت مغادرتها ، وصلت موقف السيارات
وركبت سيارتها ولاحظت حينها الورقة على مقدمة السيارة
ونظرت لها باستغراب ! وحين سحبتها من هناك اكتشفت بأنها
ظرف ورقي أبيض فقلبته أمام نظرها باستغراب قبل أن تفتحه
فكان يحوي مفتاحين وورقة مطوية فتحتها فورا وكما توقعت
كانت من الشخص الذي سيكون يملك مفتاحا للسيارة بالتأكيد
وغفلت هي سابقا عن هذا الأمر .
*
*
*
كتف ذراعيه لصدره وقال بضيق
" لما لا تتوقف عن الدفاع عنه يا صقر ؟ "
قال صقر بضيق
" أنا لا أدافع عنه بل أنت من أراك سلبيا جدا ناحيته يا دجى
وعليك أن تكون حياديا فإن كان مطر يخطئ فابنتك تفعل ذلك
أيضا ، حتى متى سيكون الجميع ضده أم لا ترون بأعينكم الحال
الذي هو فيه ؟ إنه بشر مثلي ومثلك تماما وليس لأنه لا والدين
له لا أحد يشعر بما في داخله ولا يفصح عنه ؟ بل أرى حاله
لا يحتاج لأن يشرحه أحد "
لوح الواقف أمامه وسط بهو المنزل بيده وقال بحدة
" عن أي حال تتحدث فهل نراه نحن لنرى حاله ! هو لم يدخل
المنزل من يومين ولم يتحدث ولا عن الذي أخبره به تيم جعله
في حالة استنفار هكذا ؟ هو من يقصي نفسه عن الجميع ويخسر
التي وحدها قد تفهمه وتريحه وها هو يلحق ابنتها بها وباتت تفر
من المنزل أيضا فعلى من سيقع اللوم ؟ علينا نحن أم على تيما
ووالدتها أم على مشاكل البلاد ؟! ألا تخبرني لما يمنع ابنتي عني
ويشترط أن تكون هنا من دون أن تعلم بوجودي لتراني وأراها ؟
ولما يمنعني ونفسه عن الاقتراب من أبناء شقيقاتي وشقيقي
أيضا ؟ ألم يكفه ما فعله بابنتي وحفيدتي وقرر عقوباته عليا
أيضا ؟ "
تنهد الواقف أمامه وكأنه يستجدي الصبر من نفسه وقال بحزم
" دجى أنت تعلم جيدا أسباب مطر بالنسبة لأشقائك من والدتك
وأن اقتراب أيا منا منهم معناه مشاكل للجميع وأولهم أنت
وعائلتك فيفترض بأننا لا نعلم عنهم وبأن سرهم دفن معك ، ثم
مطر لا لوم عليه في كل ما قد يحدث لهم وهو مكبل حاله حال
الجميع ولسنا نعلم حتى الآن ما يفكر فيه أولئك الغيلوانيين بعد
اكتشافهم لسر إسحاق فإن ربطوا الأمور ببعضها واكتشفوا بأن
مطر يعلم بأنه ابن شقيقتك فسيعلمون بأنك على قيد الحياة إلا إن
نام دماغ ذاك الداهية شعيب فجأة ، ولا تنسى بأنهم يملكون حجة
أقوى منه هو رئيس البلاد وهي الثأر وأنه يمكنهم قتلك وابنتك
وحفيدتك بتلك الحجة والورقة الموثقة عن اعتراف آل الشاهين
بثأرهم ومنحهم ما يطلبون حال تحقق شروطه وسيخرجون منها
بكل سهولة لأنك قتلت ثلاثة منهم وأعراف القبائل تصعد فوق أي
قانون دائما "
قال العنصر الثالث في المجموعة في أول خروج من صمته
" وأنا من رأي خالي صقر ثم مطر بالتأكيد ما يشغله أمر هام
يخص البلاد ولن يستأمن أحد عليه ولا حتى نحن واجزم بأن
الموضوع يخص اليرموك ومتمردي صنوان ، تلك المسألة شغله
الشاغل مؤخرا ولن يرتاح حتى يجد لها حلا ، وأنا معه أيضا في
أن مطر يحتاج لتفهم من الجميع وأن لا ننظر له كآلة حرب هو
بشر قبل كل شيء وابنتك لا تساعده إنها تضاعف من همومه "
كتف دجى ذراعيه لصدره وقال ببرود
" وماذا لم تقولاه أيضا ؟ وتيما سبب هموم والدها بالطبع وأنا
وأنت وماذا بعد ؟ ألأجل هذا أنت هنا يا قاسم ؟ لتقف معه فيما
يقول ! "
نظر له بصدمة درجة أنه لم يعرف بما يعلق وما يقول ... لأجل
هذا هو هنا ! لو علم لما هو هنا لما كان هذا كلامه بل لضحك
على حاله حتى تعب وتغير مزاجه العكر هذا بأكمله ، نظر حوله
ليستقر نظره على ذاك الممر مجددا ورغم حديث جدها عن أنها
هجرت المنزل لازال لا يمكنه التحكم في نظراته المسافرة هناك
وكأنه لازال ثمة أمل لديه في أن تخرج له من خلف ذاك الجدار
فهي السبب الحقيقي لوجوده هنا ، من لعبت بعقله واختفت من
منزله وتركته معلقا بين السماء الأرض قرابة الثلاثة أيام وها هي
تستمتع بوقتها عند والدتها وهو يحترق كمراهق غبي وكأنهما
يتبادلان الأدوار وبقي فقط أن يتسلل لها من نافذة غرفتها
وتطرده .
التفت حيث تحركت الأعين وساد المكان صمت مريب فغضن
جبينه وانتقلت نظرات الإستغراب له أيضا محدقا باللتي دخلت من
باب المنزل وثبت نظره على عينيها المجهدتان تحديدا من بين
تلك الملامح الفاتنة الحزينة وعلقت نظراتهما لبرهة قبل أن
تسدل جفنيها على تلك الأحداق الزرقاء وهمست ببحة وهي
تغادر يمينا
" مرحبا "
كان هذا فقط ما جادت به على ثلاثتهم وتركتهم يتبادلون نظرات
الاستغراب قبل أن يتحرك دجى خلفها وتبعه صقر من فوره وبقي
الذي لم يستطع منع قدميه من اللحاق بهم لأكثر من تلك الثواني
المعدودة التي شعر فيها بالأرض تحترق تحته وستصهره إن لم
يتحرك من مكانه فهل ترميه بنظرة محيرة جديدة كتلك وترحل
هكذا بكل بساطة لتتركه يتآكل من الداخل لأيام أخرى ؟
وصل باب غرفتها ووقف مكانه ينظر للجالسة على سريرها تنظر
ليديها في حجرها تشد قبضتيها بقوة وشعرها وغرتها ويخفون
ملامحها وجدها جالس على يمينها يحضن كتفيها بذراعه وصقر
على يسارها والأسئلة تنهال عليها ولا يخرج سوى ذاك الهمس
الأنثوي الرقيق من خلف تلك الغرة الحريرية مجيبا بالنفي على
جميع أسئلتهم حتى قالت نهاية الأمر لتضع حدا لجميع تلك
التساؤلات
" لا شيء جدي متضايقة قليلا فقط ومتعبة .. سأنام وأكون بخير
اقسم لك "
فتبادل نظرة صامتة مع الواقف أمامه ثم وقف ومسح على
شعرها قائلا بهدوء
" حسنا نامي وارتاحي ثم سنتحدث ولن تذهبي وتتركي جدك
وحيدا هكذا مجددا يا دميته اتفقنا ؟ "
أومأت برأسها إيجابا من دون أن ترفعه هامسة
" معك حق جدي فلن أفعلها مجددا "
نظر لصقر نظرة من يقول : هل رأيت هذا ما أخبرتك عنه فحرك
رأسه بالنفي دون أن يعلق أيضا فخرج دجى متنهدا بضيق وتبعه
هو وقد بدأ نقاشهما ما أن تخطيا باب الغرفة بينما بقي من تركاه
خلفهما واقفا مكانه ولازال نظره على التي رفعت خصلات غرتها
خلف أذنيها ورفعت رأسها ووجهها وعيناها الدامعة حتى التقت
بعيناه مجددا فسارعت للنظر للأسفل ما أن اكتشفت وجوده
وشغلت نفسها بخلع حذائها ثم اندست تحت لحاف السرير
وغطت حتى رأسها فتحركت شفتاه ومنعهما بالقوة عن التحدث
لكن ذلك لم ينجح طويلا فقال ببرود
" لو كنت أخبرت والدك بما لديك يا تيما كان أفضل من
معاملتي كنكرة هكذا ، أما إن كان قصدك إيذائي فقد نجحت
في ذلك بالفعل "
وما أن أنهى عبارته تلك غادر ولم يبقى لها سوى صوت
خطواته المبتعدة فأبعدت اللحاف عنها بحركة واحدة سريعة
تنظر لمكانه الخالي منه باستغراب فهل هو من تأذى أم هي ؟
وبما ستخبر والدها مثلا بأنها السبب في كرهه لها !
أخفت وجهها ودموعها الصامتة في لحاف سريرها مجددا
تحاول منع عبرتها من الخروج فلا شيء لها ولديها
سوى هذا .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 60 others like this.
رد مع اقتباس
#8132
قديم 28-02-18, 11:24 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
نامت في مكانها المعتاد على الفراش الأرضي ونظرها على
الجدار الملاصق لها وهذا ما بات عليه روتينها المعتاد النوم بعد
صلاة العشاء مباشرة لأن شريكها في الغرفة ينام في هذا الوقت
فثلاث أيام مرت لا تراه سوى وقت إفطاره بعد الفجر ويغادر
بعدها ولا يرجع إلا عند الثانية ونصف يتناول غذائه ويخرج ولا
يرجع إلا بعد المغرب يستحم يتناول عشائه يصلي وينام كالميت
من شدة التعب ولا يتحدث بشيء فبالكاد يلقي السلام وهو داخل
وهو خارج وما أن تغسل الأواني وتخرج من المطبخ إما لا تجده
لأنه غادر أو نام إن كان ليلا وكم رحمت حاله فهي السبب في كل
هذا فهوا ما كان ليهتم بإحضار كل ما لم يهتم به سابقا إلا لأنها
أصبحت معه الآن وأصبحت عبئا عليه وإن لم يتذمر ويشتكي
حتى أنه لم يشتري ولا ثيابا لنفسه لازال لا يملك سوى قميصين
وبنطلونين تغسلهم له ليلا ويلبسهما نهارا بالتبادل وعليه أن
ينتظر الراتب أيضا على ما يبدوا والذي ليست تعلم ماذا سيكفي
وماذا وهو سيسدد منه الدين الذي لا تعلم كم يكون فهو يحتفظ
حتى بأفكاره لنفسه وهذا ما يحيرها فيه أكثر وهو صمته الدائم
فبالكاد يقول الكلمة أو الاثنتين ومنذ حديثهما الأول ذاك لم يتبادلا
حديثا مطولا .. ومتى تراه هي ليتحدثا فهما لا يجتمعان سوى
وقت تناول الطعام ولاحظت بأنه لا يحب التحدث وهو يأكل فلا
تسمعه سوى مسميا بالله بهمس قبل أن يبدأ وحامدا له حين
ينتهي ولا تعلم أهكذا طبعه أم لا يريد التحدث معها هي ؟ أو أنه
اعتاد التعايش مع همومه ومشاكله وحده ! .
سحبت اللحاف على كتفيها وانكمشت تحته وابتسمت تتذكر ليلة
البارحة حين أصر أن تتغطى هي به مجددا ورفضت وأصرت بأنه
دوره ، وانتهى الأمر بأن خرج من الغرفة وأحضر السكين من
المطبخ وقسمه لنصفين فأصبح لكل واحد منهما نصفه إن غطى
قدميه بقي كتفاه وإن غطى كتفيه بقيت قدماه وسمعت ضحكته
لأول مرة حينها عندما رفعت نصفها منه وتمتمت بعبوس
( من هذا الذي أخبرك أني قصيرة أو أنك أقصر مني ؟ )
لكن الأوان كان قد فات على إعادته كما كان فأعطاها نصيبها منه
قائلا بابتسامة
( إلتفي فيه كالمومياء سينجح الأمر )
ومن سعادتها الحمقاء بضحكته ومشاركتها الحديث أفسدت كل
شيء حين قالت
( موعودة بلحاف جديد إذا )
فماتت ابتسامته حينها كذبول ابتسامتها الآن لتتحول لتمثال جامد
يشبه الجدار الأملس أمامها فكل ما قاله حينها وهو يرمي جزئه
من اللحاف على فراشه
( لا تأملي بي كثيرا فقد لا أتمكن من تحقيق أبسط أمانيك يا
مايرين )
ولم تفهم ما أزعجه فيما قالت أم أن الأمر متعلق بشيء ما يخص
ماضيه ؟ وهذا هو الذي لازال يحيرها فيه !
" يمان "
عضت لسانها وكأنها تعاقبه على ما سمحت له به قبل قليل لكن
الأوان كان قد فات فقد وصلها صوته المرتخي المتعب
" نعم يا مايرين "
فابتسمت بحزن فهكذا هو لا تناديه ويجيبها إلا ويلحق اسمها
بكلمة نعم وكأنه يخشى أن تفهم أنه يجيبها مجبرا بسبب صوته
الكسول المتعب ، مررت طرف سبابتها على الجدار أمامها وقالت
بهدوء حذر
" قلت سابقا بأنه ليس لك عائلة هل ماتوا جميعهم ؟ "
ساد الصمت من طرفه حتى ظنت بأنه لن يجيب على سؤالها
وعلمت بأنها تمادت كثيرا وتدخلت فيما لا يخصها وبدأت تندم
على فعلتها تلك لولا وصلها صوته هادئا عميقا هذه المرة
" والدتي توفيت منذ كنت في الثالثة عشرة أما والدي فمات
من قبل أن أولد ، لديا شقيقة منهما تصغرني بإثنى عشر
عاما تزوجت وبات لديها حياة مستقلة وزوج وعائلة فلا أحد
لي هنا .. هذا ما عنيته "
أغمضت عينيها وتنهدت بحزن فقد ظنت بأن والده توفي بالفعل
قبل أن يولد لكن ما قاله بعدها يؤكد العكس ولم يعني بما قال
سوى بأنه ميت وهو حي وهذا أقسى من موته حقيقة وكم آلمها
حاله وشقيقته فإن كانت تصغره بثلاثة عشر عاما وهو يبدوا في
منتصف العشرين من عمره أو يزيد على ذلك بقليل فستكون
صغيرة جدا على الزواج ويبدوا هذا سبب نصف همومه وصمته
الدائم ، أرادت أن تسأل عن الكثير لكنها لم تستطع وخافت أن
يضايقه ذلك لكن ما لم تستطع منع نفسها عن قوله خرج ورغما
عنها حين قالت بحزن
" وإن تزوجت فهي تحتاج لوجودك قربها يا يمان فالشقيق لا
يملأ مكانه زوج ولا أحد أبدا "
لاذ بالصمت ولم يعلق بينما عادت هي لعض لسانها مجددا فها
هي تخطئ من جديد ونسيت بأنه زوجها وليس شقيقها ، لم تكن
تتوقع تعليقا منه هذه المرة أو أنها فقط تمنت أن لا يكون تعليقا
قاسيا تستحقه لكن ما حدث كان عكس كل ذلك حين وصلها صوته
الهادئ العميق مجددا
" هي تسكن في الحميراء وبعيدة جدا عن هنا تحتاج لسيارة
ونقود لأصل لها ولست أملك كليهما ولا مال أهدره على سيارات
الأجرة ثم هي بخير بالفعل هناك فأنا لن أمنحها ما سيمنحه لها
زوجها وعائلته "
كم آلمتها نبرة المرارة التي جاهد ليخفيها في صوته والتي
استطاعت أن تلحظها بوضوح فهي عانت وتألمت حياتها بأكملها
وتشعر بكل هذا مهما أخفاه المتحدث معها ، دست يدها تحت
خدها وحاولت أن تنام ما أن تغمض عينيها رغم يقينها بأن ذلك
لن ينجح وككل ليلة وعادت وفتحتهما سريعا ما أن وصلها صوت
من ظنت بأنه نام أو لن يتحدث معها أكثر من ذلك
" وماذا عن شقيقك يا مايرين ؟ "
لون الحزن صوتها كما ملامحها وقالت بأسى
" بعدما رماني في الشارع لم أسمع عنه شيئا ولم أهتم بذلك "
وصلها صوته مجددا
" ليس ذاك أعني بل الآخر "
هنا لم تستطع التحكم في الدمعة التي ملأت عينيها الواسعة وتلك
الأحداق الخضراء الواضحة وهمست بعبرة
" هازار !! "
مررت ظهر كفها تحت جفنيها تمنع دموعها من الانزلاق جانبا
من عينيها وتابعت بعبرة مكتومة
" هازار كان الشخص الوحيد بعد والدتي الذي يحبني بل وعاملني
وكأنه لا شقيقة لأحد غيره في الوجود وحين غادر مع رجال ابن
شاهين كنت في السادسة من عمري ولم أراه بعدها مطلقا ولم
يرجع مع من عادوا الآن ووالدتي توفيت بعد مغادرته بوقت
قصير لتبدأ مأساتي التي لم تنتهي ... "
مسحت عيناها مجددا وتابعت تحاول محو ما قالته سابقا
" المأساة التي لم تنتهي إلا الآن فكم دعوت الله ورجوته أن
يرجعه لي ويبدوا استجاب لدعائي بما يساوي ذلك بل وأفضل
مما تمنيت "
وما أن أنهت عبارتها تلك عضت على شفتها فليس بالهين أن
تقول ذلك له خاصة أنهما لازالا يعيشان معا كغريبين تقريبا
لكنها الحقيقة والواقع الذي لا يمكنها نكرانه وعليه أن يعلمه
ولتتغير نظرته لنفسه فثمة من يحتاجه بالفعل ولن يغطي غيره
مكانه لديه .
قفزت جالسة ويدها على قلبها حين علا صوت الباب الحديدي في
الخارج وكأن من يطرقه لا ينوي سوى خلعه من مكانه بل وكأنه
زلزال تشعر بالجدران تهتز معه ونظرت بفزع للذي وقف على
طوله وتوجه جهة باب الغرفة من فوره فوقفت أيضا وقالت
راكضة جهة الخزانة
" يمان قميصك "
وفتحتها سريعا وأخرجته وركضت به جهته فأخذه منها وهمس
خارجا من الباب وهو يلبسه
" ابقي هنا "
فوقفت تحضن إطار الباب تراقبه بعينان دامعة تدعو الله دون
توقف أن يحفظه لها وأن لا يكون ثمة من جاء ليسرق سعادتها
سريعا ، انزلقت أول دمعة من عينيها حين اكتشفت بأن مخاوفها
حقيقية وهي تسمع ذاك الصوت الرجولي ما أن فتح لهم الباب
" أنت يمان إبراهيم حجاج ؟ "
وما أن أجابه بنعم قال ذات ذاك الصوت الغليظ المخيف مجددا
" أنا المقدم عثمان أحمد العامري من مكتب الجنائية بحوران
وعليك أن تذهب معنا الآن "
فشهقت بصدمة وبكاء واتكأت على جار الغرفة من الداخل تمسك
فمها وعبرتها بيدها وهذا ما توقعته حدث وها هم وحوش غيلوان
سيسرقوه منها سريعا وأسرع مما توقعت فهم هكذا دائما وجدوا
فقط ليسرقوا سعادتها منها .
تحركت من مكانها ما أن اجتاز ذاك الجسد باب الغرفة مجددا
ونظر ناحيتها من فوره وكأنه دخل من أجلها فقط فأمسكت يده
ونظرت لعينيه وقالت ببكاء
" يمان أنت لن تذهب وتتركني .. خذني معك "
أمسك ذراعيها وقال بجدية
" إلى أين سآخذك يا مايرين ؟ لن تدخلي ذاك المكان ولا لأي
سبب كان وأنا سأكون بخير لا تقلقي فأنا لم أفعل شيئا أخاف
منه "
حركت رأسها نفيا وقالت بذات بكائها
" لكنهم لا يحتاجون لأن تفعل شيئا ليرموك في السجن .. أنا
أعرفهم جيدا فهم يقتلون بدم بارد وكل ما يريدونه الآن أن
يتركوك حسرة في قلبي وأن يرموني للشارع مجددا "
اشتدت أصابعه على ذراعيها أكثر وقال بذات جديته
" مايرين هم لن يتخلصوا مني وأنا من خلصتهم منك كما
يرون ، ثم من يخاف الله في كل شيء عليه أن لا يخاف أحدا
وأنا لم أفعل شيئا كما سبق وأخبرتك وسأذهب معهم وأرجع
لا تخافي "
حركت رأسها نفيا ودموعها تنزل دون توقف ولم تستطع منع
نفسها من الارتماء في حضنه وطوقت جسده بذراعيها وقالت
باكية
" لا تتركني يا يمان لا أحد لي غيرك .. لا والد ولا شقيق ولا
أي أحد "
لم يستطع منع تلك الابتسامة التي زينت شفتيه ومسح على
شعرها وقال ناظرا لرأسها ووجهها المدفون في صدره
" ألم يكن الشقيق من لا يملأ مكانه الزوج قبل قليل ؟ "
حركت رأسها بالنفي ولازالت تدفن ملامحها في ذاك الصدر
العريض وقالت ببكاء
" كان كلاما تقوله الناس فقط أنا لا أحد لي غيرك "
أبعدها عنه وأمسك وجهها بيديه ونظر لعينيها الدامعة وقال
" الله لا ينساك يا مايرين وسأكون بخير وسأعود فتوقفي
عن البكاء ونامي الآن وستجديني هنا صباحا "
نزلت دموعها مجددا وهمست بعبرة
" عدني بذلك ، أقسم لي الآن بأنك ستعود ولن تتركني "
مسح بأبهاميه الدموع من تحت جفنيها وقال بجدية
" أعدك أن أعود سريعا يا مايرين ولا تقلقي فإن حدث لي أي
مكروه فسأوصي من سيجد لك شقيقك "
سحبت شهقتها مع الهواء لصدرها وقالت بعبرة مكتومة
" إن كان شقيقي موجودا لعاد من وقت وإن من أجلي فإما أنه
ميت أو مات كوالدك "
تنهد بعمق ليقطع حديثهما صوت الطرق على باب المنزل مجددا
فتركها وغادر جهة الباب قائلا
" أغلقي الباب من الداخل ولا تفتحيه لأحد غيري ولا تخرجي
حتى أرجع يا مايرين "
وغادر تتبعه خطواتها كما دموعها ودعواتها الباكية بأن يرجع
لها فعلا كما وعدها وأن لا يخذلها حظها ككل مرة ليسرق منها
أهم ما بات لديها وتملكه .
*
*
*
دست وجهها في وسادتها وتنهدت بأسى مغمضة عينيها ولا
تشعر بأي رغبة في مغادرة السرير فهي لم تنم باكرا البارحة
وهذا كان حالها في الليلة التي سبقتها فبعد تلك الرسالة التي
وجدتها في سيارتها وأخبرها فيها بأنه سيغادر في مهمة لشمال
انجلترا ليومين وبأن المهمة سرية للغاية ولا يمكنه ولا ذكر اسم
المدينة التي سيكون فيها وطلب منها أن تغلق باب غرفتها
بالمفتاح على نفسها ولا تفتحها لأحد مطلقا فسكنها الذعر طوال
الليل خاصة مع صوت كعب حذاء للتي تزور الشقة لقرابة الأربع
مرات يوميا وتحاول حتى فتح باب غرفتها ولا تنجح لأنها مغلقة
ويبدوا بأنها لا تملك مفتاحا لها عكس باب المنزل الخارجي
ويبدوا أيضا بأنها لا تعلم حتى الآن أين يكون فقد كتب لها أيضا
بأنه سيغلق هاتفه حتى يرجع وبأنه قانون في عمله رغم أن
الظنون باتت تتآكلها وكم تخشى بأن يكون مع امرأة ثالثة ، تأففت
مستغفرة الله بهمس وبدأت بالعد التصاعدي هامسة كالعادة كي
تقف بعد العدد عشرة فوق السرير قبل أن تقفز خارجه ، وما أن
وصلت لذاك الرقم قفزت جالسة ليس بسبب وصولها لذاك الرقم
بل بسبب الطرق السريع والمتتالي على باب الغرفة قبل أن يصلها
ذاك الصوت الرجولي الانجليزي الخشن
" افتح الباب بسرعة ... تحرك يا من في الداخل "
فانكمشت على نفسها وبدأت ضربات قلبها بالارتفاع بصخب
مخيف وتلك الأقدام تركل الباب بقوة كادت تخلعه من مكانه
فأمسكت فمها بيدها تمنع نفسها من الصراخ ذعرا وزحفت
للجانب الآخر من السرير وانزلقت منه وصولا للأرض واختبأت
خلفه تضم رأسها بيديها ولازال ذاك الطرق يتكرر ويشتد تتمتم
بالدعاء دون توقف ودموعها قد عانقت وجنتيها وهمست بصوت
ضعيف مرتجف
" تيم أين أنت ؟ ما هذا الذي تركتني فيه لوحدي ! "
وصرخت بذعر تدفن رأسها في ركبتيها بقوة حين علا صوت تلك
الرصاصة التي اخترقت قفل الباب واندفع للداخل بقوة و بدفعة
واحدة قوية .
*
*
*
مرر طرف سبابته تحت شاربه السفلي يرخي مرفقه على الطاولة
تحته ونظره على الخارطة المفرودة فوقها وسمعه مع الذي
يتحدث والمناقشات المتداخلة بين المحلقين حولها يرسمون
مخططا موسعا لخطواتهم القادمة لاجتياح مدن ومناطق صنوان
تباعا ما أن تصلهم تلك الأسلحة التي ستنزل ميناء صيباء خلال
لحظات ولتخرج أسلحة اليرموك بعدها تباعا ويحرقوا الأرض
بعدها تحت قدمي المدعو مطر شاهين وجميع أتباعه بينما فكره
كان يسافر ويرجع كل حين كمزاجه الذي تحول لبارود مشتعل منذ
تلك الليلة التي كان موقنا من أنه سيصل فيها لكل ما يريده وكل
شيء يقترب من الوصول ليديه ورجاله يترصدون لسيارتها ما أن
تكون في حدود مدنهم لتكون لديه وإن مرغمة لكن كل ذلك تغير
فجأة وكما توقع بسبب ذاك الرجل الذي ما كان ليغفل عنها لحظة
ويتركها لغيره وتحت أي مسمى كان ، كان سيرسل حتى من
يجلبها من منزلهم القديم حيث وصلت وحيث كانت مراقبة تماما
قبل أن ينتشر رجال ذاك المدعو مطر شاهين وحرسه في المدينة
بأكملها وتعسر عليهم الوصول لها وحتى مراقبتها بل وحتى
هاتفها وحلقة الوصل الأخيرة بينهما فقدها وهو يتصل دون توقف
ولم تجيب وحين انفتح الخط أخيرا لم يسمع سوى صوت بكائها
الموجع وحديثها مع طيف وذكرى والدهم ... ثلاثون دقيقة كاملة
تعذب فيها يسمع نحيبها ومناجاتها لمن تراه آخر شخص يربطها
بالحياة وغاب عنها وتركها وحيدة حتى كاد يجن ويفقد عقله
ويفعلها ويذهب لها بنفسه ، وما أن كان سيأمرهم بإحضارها
والمجازفة حتى بحياتهم وحياتها انفتح له الخط مجددا وظن بأنه
سيتمكن من التحدث معها أخيرا ليكتشف أن المفاجأة كانت أكبر
من ذلك بكثير وهو يسمع أنينها المحتج والذي لم يفهمه وكأنه
ثمة من يمنعها عن التحدث ثم همس المكتوم ذاك الرجل والذي
يعرفه من بين آلاف الأصوات لتميزه عنها
( أنتي لي يا غسق لست لأي رجل في الوجود .. لي والليلة
تحديدا )
اشتدت قبضته تحت ذقنه لا شعوريا يشعر بغضبه يشتعل من جديد
فقد فصل عليه الخط بعدها وتركه يصرخ مناديا لها فرمى ذاك
الهاتف من يده لتدعسه عجلات سيارته وتمنى أن دعس ذاك
الرجل بعده فكيف وما علمه بعدها بأنهما غادرا من هناك صباحا
أي أنه قضى الليل معها كما قال وهي الجبانة استسلمت له
فلازالت حمقاء كما كانت وهو من ظن بأن ما فعله بها طيلة تلك
الأعوام كان كافيا لتكرهه لكنها لم تتغير غبية ومغفلة لم تستطع
السنين أن تنسيها تلك الأشهر التي عاشت فيها معه سجينة
كالجارية كالمملوكة وأنساها إياهم جميعا ومعاملة الملوك
والأميرات تلك التي كانت تحضى بها ومنه على رأسهم فيبدوا
بأنها لا تجدي معها سوى تلك المعاملة وكان عليه تطبيقها عليها
من البداية لتنظر له كبطل كذاك الرجل المتعطش للدماء والحروب
رفع نظره بالذي أخرج هاتفه من حزام بنطلونه العسكري وأجاب
من فوره قائلا
" نعم يا جعفر ماذا حدث معكم ؟
وتعلقت الأعين به بفضول وحماس فما يفصلهم عن نيل هدفهم
ومرادهم ليس سوى دقائق سيقطعها هذا الاتصال لكن تلك
النظرات بدأت تتبدل للتوجس ما أن وقف ذاك على طوله وصرخ
بمن في الطرف الآخر
" كيف حدث ذلك ؟ مستحيل الأمر لا يعلم عنه أحد ! "
" أخلوا المكان سريعا وليرجع الجميع إلى هنا "
رمى بعدها الهاتف بطول يديه قائلا بغضب
" هاجمت دورية من القوات الخاصة ميناء صيباء وأمسكوا
بالجميع هناك وبحاويات الأسلحة أيضا "
نظر له بصدمة وصرخ وقد وقف من فوره
" كيف ...! مخططنا كان سريا وناجحا فمن الذي أوشا بهم ؟ "
وتداخلت عبارات السخط ليسكنها مكانها في صمت أموات ذاك
الصوت الذي علا فوقها ولم يكن سوى لصافرات إنذار حروب
علت في الأجواء مخترقة تلك النوافذ والأبواب جعلتهم يتبادلون
نظرة سريعة صامتة وعلم كل واحد في ذاك المكان بل وتلك
المدينة ما سيكون ذلك وما سببه خاصة وقد تبعه صوت تحليق
الطائرات الحربية في سماء تلك المدينة الشبه عسكرية المضيئة
وكانت ثوان معدودة فقط قبل أن يتسلل ذاك الضوء الأحمر من
النوافذ وتهتز الأرض تحتهم وكأن بركانا زفر في أعماقها بل
وكأن ما انفجر تحتهم تماما ليتسرب ذاك الاهتزاز للأجساد
فالمباني فالجدران تباعا وانتقلت الأنظار فورا جهة تلك النوافذ
الطويلة المرتفعة للسقف تراقب بذهول ذاك الوهج الأحمر
المرتفع والشرارات الحمراء المتقاذفة بالتتابع في السماء وكأنه
جبل ألعاب نارية ضخمة انفجر في الأرض تلاه عواء تلك
الشظايا ورؤوس الصواريخ المندفعة جهة السماء وعلم كل
واحد منهم ما يكون ذلك وبأن غضب ابن شاهين بدأ يجتاح كل
شيء ويدمر ثروثهم المنتظرة وبأن هذا نتاج أول ضربة لطائراته
الحربية لإحدى مخازن الذخيرة الممتدة تحت الأرض والبقية في
الطريق بالتأكيد فركض الجميع مغادرين ذاك المبنى كحال كل من
في تلك المدينة فهذا ليس سوى إنذار ليغادروها في أسرع وقت
ممكن فالأسوء لم يأتي بعد ومن كان مستغن عن حياته سيفكر
في البقاء لدقيقة أخرى .
*
*
*
" رععععععد "
صرخ الذي ركض حتى منتصف الممر وتأكد من أن ذاك الباب في
آخره فتح أولا ثم عاد أدراجه راكضا حتى وصل بهو المنزل
وتوجه رأسا للتلفاز فيه نظرات رماح وعمته المستغربة تتبعه
وغير القنوات فيه حتى وصل لمراده لحظة أن ظهر رعد عند
بداية الممر وصرخ بأنفاس متعاقبة
" ماذا يجري هنا ! ما بكم ؟ "
قال الكاسر مبتعدا عن التلفاز الذي علا صوت الصراخ
والانفجارات المندفعة من مكبراته
" مطر شاهين يضرب اليرموك ... إنها تشتعل ، إنها تحترق
يا رعد "
فعلت الصدمة تلك الوجوه قبل أن تصرخ عمتهم ضاربة بكفها
على صدرها ببكاء
" يا فجعة قلبي فيك يا جبران "
وانتبه الكاسر حينها للواقفة منتصف السلالم تنظر لشاشة ذاك
التلفاز بصدمة قبل أن تركض نحو الأعلى فتوجه هناك من فوره
هامسا
" أمي .. "
وما أن وصل السلالم كانت التي صعدت منه منذ قليل تنزل عتباته
مسرعة تلف حجابها على شعرها واجتازته دون أن تجيب على
ندائه ولا نداء رعد الذي لحقها للباب صارخا
" غسق لا تذهبي له ولا تقتربي من اليرموك ، لا تؤذي نفسك
يا غسق "
لكنه لم يلحق بها ولا بسيارتها التي غادرت مسرعة من هناك
ووجهتها كانت عكس ما كان يضن بل ولمكان أقرب من هناك
بكثير وهي تعبر تلك البوابة التي فتحت أمامها سريعا واجتازت
تلك الحديقة الواسعة في لحظات حتى كانت متوقفة أمام باب ذاك
المنزل المرتفع الواسع ونزلت منها ضاربة بابها خلفها وما أن
كانت في الداخل وقع نظرها أولا على التي خرجت من الجهة
اليمنى من بهو المنزل راكضة وقد وقفت مكانها تنظر لها
بصدمة هامسة
" أمي !! "
" أين والدك يا تيما ؟ "
ولم يكن تعليقها ذاك سوى همسا مماثلا خرج من بين تلك
الأنفاس القوية تنظر لها تلك الأحداق السوداء بضياع فقالت
بتوجس ونظراتها لم تترك تلك العينان
" في الأعلى ... جاء للتو ويبدوا أنه سيغادر "
فتركتها وركضت تصعد السلالم قائلة
" لا تتبعيني يا تيما "
وصعدت تاركة تلك العينان الدامعة تراقبها بأسى قبل أن تتجه
لمكان وشخص آخر في ذاك المنزل بينما انفتح باب تلك الغرفة
على اتساعه لحظة أن انفتح باب الحمام فيها وخرج منه الذي
نظر لها بصمت عاري الصدر لازال الماء يقطر من شعره الأسود
الذي ازداد طوله عن المعتاد بقليل لا يلبس سوى بنطلون أسود
فرمى المنشفة من يده وتوجه نحوها من فوره وسحبها من يدها
وأغلق الباب خلفها فحاولت سحبت يدها منه قائلة بحدة
" أهذا آخر عروضك يا ابن شاهين ؟ أهذا ما تنتقم به أيضا من
غسق ؟ "
أدارها حتى أوقفها على الباب وأمسك بذراعيها ونظر لعينيها
المجهدة وقد أحاطهما احمرار أكتحل به جفنيها الواسعان وقال
بجدية
" غسق سنتوقف الآن عن جميع تلك الحماقات وسنتحدث وعن
كل شيء "
حركت يديها بقوة مبعدة يديه عنها وصرخت فيه بعنف
" لن نتحدث عن أي شيء حتى تتوقف عن تدمير اليرموك "
وامتلأت عينيها بالدموع سريعا وصرخت فيه أكثر وقد ضربت
قبضتها صدره العاري بقوة
" توقف عن قتلهم يا دموي يا متوحش قسما لن أسامحك ما
حييت إن مات ، قسما أن تلحق به وعلى يداي "
أسكتتها تلك الصفعة التي علا صوتها في صمت المكان وقد
شوهت تلك البشرة الثلجيبة في ثوان معدودة وتحولت نظرتها
للصدمة ولم ترفع ولا يدها لذاك الخد المحتقن بالدماء وتركت فقط
تلك الدمعة تنساب فوقها ببطء تنظر له بكره نظرة جعلته يمد يده
لذراعها فورا وسحبها لحضنه ودفن وجهها في صدره العاري
هامسا بحزم
" لا خروج لك من هنا وسنتحدث وستستمعي لي حتى النهاية "
دفعت جسده عنها بقوة وابتعدت عنه صارخة بغضب
" لن نتحدث انتهى الحديث بيننا تلك الليلة يا مطر وقد قلت
ما لديك "
وهمست من بين أسنانها ناظرة لعينيه والحقد يغذي تلك النظرات
كالسم "
أنت ميت يا مطر ... مت في داخلي حين جعلته يشهد على ما
حدث بيننا تلك الليلة وستتجرع من ذات الكأس قريبا "
حرك رأسه بقوة ورفض وأمسك وجهها بيديه ونظر لعينيها قائلا
بحدة
" ليس صحيحا يا غسق "
أبعدت يديه عنها مجددا صارخة
" توقف عن الكذب .. لن اسامحك ما حييت يا مطر وستدفع ثمن
كل ما فعلته بي غاليا وغاليا جدا "
لم يهتم بكل ما قالت وقد أمسك وجهها مجددا ونظر لعينيها
الدامعة وقرب وجهه من وجهها حتى تلامست أنوفهما وأغمض
عينيه هامسا بوجع
" لنختصر المسافات يا غسق ... اتركينا نعطي لأنفسنا فرصة
أخيرة واستمعي لي وقسما سيتغير كل شيء "
أغمضت عينيها ببطء ورفعت يدها اليمنى حتى لامس كفها ذاك
الصدر العاري وهمست بوجع خرج من عمق جراحها
" لم أكن هنا يا مطر "
فتحت عينيها ونظرت ليدها وضربت بها على صدره جهة قلبه
وقالت بألم وحدة وقد تسربت الدمعة الثانية من رموشها الكثيفة "
لم أكن هنا يوما ولن أكون وأنت أخرجت نفسك من الموجود مثله
وسط أضلعي "
أمسك يدها وضغطها هناك جهة قلبه تتسرب نبضاته من خلالها
وكأنه يدمج روحيهما وهمس بتأني ناظرا لعينيها ولرموشها
الطويلة المسدلة عليهما
" أنتي هنا يا غسق قسما بمن خلقك وخلقه "
سحبت يدها بقوة ورفعت نظرها لعينيه وارتسمت ابتسامة ساخرة
متألمة على شفتيها وهمست بحرقة
" أجل وقد رأيت الدليل بنفسي ومرارا "
حرك رأسه برفض ورفعه للأعلى ممررا أصابعه في شعره الرطب
قبل أن ينظر لها وقال بضيق
" لن تري شيئا لأنك ترفضين ذلك يا غسق "
وتابع بوجع يضرب بأطراف أصابع يده على صدره ناظرا لعينيها
المحدقة به بجمود
" هذا استنكرني بعدك يا غسق .. رفضني لأعوام لأنك لم تعودي
فيه .. سرق النوم من عيناي لليال يطلبك فما حجم غرورك الذي
لم يشبعه كل هذا يا ابنة دجى الحالك ؟ "
أرخت رأسها على الباب خلفها وأغمضت عينيها ببطء هامسة
بجمود
" كاذب "
فضرب بيده على الباب بجانب رأسها قائلا بحدة
" وكيف أكون صادقا في نظرك يا غسق بالأكاذيب مثلا ؟ اتركينا
نتحدث بروية وليحدث ما يحدث بعدها "
" مطر افتح الباب ... مطر ابتعد عن ابنتي واتركها وشأنها "
ارتفعت نظراتها المصدومة حتى التقت بعينيه ما أن سمعت ذاك
الصوت الرجولي الصارخ بغضب من خلفها قبل أن تنحرفا جانبا
ببطء فهذا الصوت تعرفه ..! أجل تعرفه جيدا ..! إنه ... صوت
والدها شراع !!
*
*
*
المخرج ~~
بقلم / Shahd Shahd
غسق ............
لتنصفني ياصاحب العداله
فما بعد فراقك الا الحطامه
اعيش على أمل اللقاء
xوأداري دمعتي تحت الجفون
تركتني ارض عطشاء
xبعد ماارتويت من حبك سيولا
أردد في داخلي ألقاه
وفي خارجي ملامح العذاب
أيا معذبي أيهون عليك عذابي
وسنين عجافي
أيا معذبي اتركني لعلي القى بعدك ظمأ مشاعري
<br>
مطر ......
لتنصفيني ياصاحبة العداله
فما بعد فراقي إلا وصالا
اعيش على أمل اللقاء
وأخبئ دمعي داخل مقلي
ليس من طبعي الهوانا
ولكن معك تعلمت كل شيء
أربع عشر سنين من عمري
وأنا أقول لأجلك يهون كل شيء
كيف تقولي اتركك ياحبيبتي
فبعدك يجعلني ميت وأنا حي
لتنصفيني ياصاحبة العداله
فلعل ألقى حياتي بين يديك
********
بقلم / أمومه الحلو
مطر~
خاطبتُها بطريقتي وكأن شيئاً لم يكُن
ما بحتُ عما راعني وبدا بهمسَاتي شّجن
ظنّيت بأن الصَفح يغفرُ ما مضّى !
هل كان عفوي صادقاً حين ارتضَى
بالصمت صوتاً للألم ؟
هل كان بوحُي في عيوني كاذباً
ما بانَ في نَظري كم أعاني من سّقم ؟ .
تربّي ضمن عينيها حريقاً
وتزعم أنه نورٌ تواريه بالعلن
وتضحكُ ..إن ضحكتها بكاءٌ
ولكن دونَ دمعٍ أو أي أنّ ..
وتسرفُ في الغرور لعلّ هذا ،
يداري عن عيونِ الناس كل ذُلٍّ وهم..
أعرف يقينا أنها مني متعبة تأن ،،
ويشكو إحمرار خدها كل الألم ..
لكن؛ أما لحبي لها من شافعٍ
أو أن بوح الحب بين يديها يعني الألم..
فلا أنا ممن يعلن عجزه
ولا أنا ممن يبرز كل ضعف ووهن،،
ولكن بحر شوقي لها أضعف جلمود صخري
وبت مجنون غسقِ على علن ..
سأوراي عشقي لها كي أحميها دوماً
وأدوس كل طارق يقرب حبي للعن ..
غسق ~
أوكُلما أنوي التجلدَ جئتنـي؟
في الصمت في الإلهـام في الخلواتِ ..
مازلتُ أعرِفُ أنَّ الشوقَ معصيتي
و العشقُ و الله ذنبٌ لست أهواه ..
لا ترجع بعد مآ جمد الشعور بيني
لا تناديني و قد كنت يومآ بين يمناك ؛
قد عرفت مؤخرًا ماذا يعني
أن تترك الأشخاص طوعًا،،
فقط لتحفظ آخر ما تبقى لك في هذي الحياة ..
أكتفيتك حلماً عن جور أيامي
أنتهيتك جرح لايخفى لعيناك..
يوم كان الحلم تلمسني يديك
كان واقعي منفى بت أرعاه ،،
يا نسْمة البرد مري قلبّه الجافي
لعله يذكر دفئ قلبي قبل أن ينساه ..
أخبريه ذا السر عني
أخبريه كم بت أرقب يوم ألقاه ،،
أبوح له في سر صدري
أبوح له قبل أن أنساه ..
ليس ذنبي ذاك نتاج هجرك ،،
ليس ذنبي يوم أن أنساك..
هذه آخر أحلامي ،
وليت ما مر بي من هجرهِ حلماً أصحو منه بين يداه ..
***********
نهـــــــــــــــــاية الفصـــــــــــل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل التاسع عشر 19 - بقلم BlackButterfly002
الفصل التاسع عشر
المدخل ~~
بقلم/ Zeinab Mohammed
🌼من غسق الى دجى🌼
متى يا ترى موعد اللقاء؟
يكاد الحنين يمزقني
الى اشــلاء
اين انت يا ابي؟
لترى ما فعله ابن اخيك
بأبنتك الحسناء..
ولترى خطوط ملامحي
الذابلة من
البــكاء..
اين انت يا ابي؟
تعالى لترى ماذا فعل
الزمن وهو يعود بي
الى الــوراء
ولترى ماذا فعلت بي
الايام من الم
ومأســاة
اين انت يا ابي؟
تعالى وانظر لأنكسار
عيناي الفاتنة
الســوداء
وانظر لجثة ابنتك
تذهب الى
الفنــاء..
اين انت يا ابي؟
تعالى الي لتشعرني
بالانتمــاء
يكفيني فراق ويكفيكم
حروب هوجــاء
ودمــاء..
احتاجك يا ابي!
تعالى الي لأجد
الراحة والصــفاء
ولتكن نبراسُ ينير دربي
احيان بشدة واحيان
برخاء..
ولتمسح كل ذكرى
فيها خيبة وشقــاء
لتسندني وتحميني
من عثرات الحيــاة
ولأنعم بطمأنينة
تسكنُ ايسري
و اعيش
بكل راحة و
هنـــاء...
🌼من دجى الى غسق🌼
اشتاقك يا قطعة من قلبي
حتى عنان الســماء..
ولتفاصيلك الصغيرة
دون اســتثناء..
اعذري غيابي يا صغيرتي
والاختــفاء..
لأجلك ولأجل رؤيتك وان
بالخــفاء..
متى يا ترى موعد اللــقاء؟
اشتاق ان ادفنك وسط
اضلعي ونبكي
ســواء..
اشتاق ان اٌقبّل جبينك
وعينيك النجــلاء
اشتاق ان ارى ضحكتك
التى حرمت منها من بعد
عنــاء..
اشتاق للحظات طفولتك
والاحتــواء
متى يا ترى موعد اللقاء؟
اشتاق لكلمة"ابي"
التي تجعلني اٌحلّق عاليًا
في الفضاء..
احنٌ لسماعها دومًا
منتظرًا موعد للقاء
متى يا ترى موعد اللقاء؟
لأجلك انا اعيش
ولأجلك انا اتنفس
يا نور دنيتي
فأنت البهجة والســناء
********
تعالت أنفاسها تدريجيا وانتقلت نظراتها الدامعة للواقف أمامها
وكأنها تبحث عن الإجابة في عينيه تحديدا ليؤكد لها أن ما سمعته
حقيقة فعلا وليست تتوهم ولم يرسم لها عقلها الباطن ووحدتها
واحتياجها أمورا لا وجود لها ... امتلأت تلك الأحداق الواسعة
بالدموع لازالت تحدق في عيني الذي ارتفعت يده لوجهها
ولامست أصابعه طرفه وهمس ناظرا لعينيها
" غسق لا تكوني والجميع وكل شيء على مطر "
أغمضت عينيها ببطء تحجب تلك الدمعة بين رموشها وكأنها
قررت دفن كل ذلك معها تشعر بتلك الأصابع تنزل لذقنها برفق
وانزلقت الدمعة اليتيمة محطمة كل تلك الأسوار العتيدة ما أن
شعرت بتلك الأنفاس الدافئة تتسرب عبر مساماتها قبل الهواء
المندفع لصدرها بارتجاف وتلك البحة الرجولية لا يحجبها سوى
ذاك القماش الأسود الناعم عن أذنها
" مطر يحتاجك يا غسق ... قسما "
فشدت على عينيها أكثر وكأنهما من تتحكمان في عقلها الباطن
لعله يرفض كل ذلك ولا يسمح لأي شيء بأن يصعد فوق جراحها
.. عليه أن يرفض .. فقط يرفضه .. عليه فعلها أجل ومقاومة
ذاك الشعور بشفتيه على طرف وجنتها تمنع أصابعها بالقوة
من الارتفاع لوجهه .. ليكسر ذاك الصوت الرجولي الغاضب من
خلفها كل ما حملته تلك اللحظة من مشاعر متنازعة ليضرب
مشاعرهما معا قبل ضرب قبضته لذاك الباب صارخا
" غسق اخرجي ... مطر أترك ابنتي وشأنها "
فرفعت حينها يدها رامية يده عنها ودفعت بيدها صدره بقوة
جعلته يرتد خطوة للخلف وشعر بتلك الدفعة التي وجهت لذاك
الصدر وذاك القلب تضرب سنين حياته الماضية .. تضحياته ..
حرمانه وجميع تنازلاته .. ليس من أجلها فقط بل ومن أجل
الواقف خلف الباب أيضا ليكونا على قيد الحياة وليجتمعا معا وهنا
، تراجع للخلف خطوة أخرى يراقب بصمت التي التفتت من فورها
وفتحت باب الغرفة على اتساعه قبل أن تخون دموعها عيناها
واحتياجها فأمسكت فمها بيدها هامسة بعبرة والدموع تملأ تلك
الأحداق الواسعة
" لا ليس هو ...! هذا ليس وا... "
وانقطعت كلماتها تنظر للواقف أمامها من تراه شخصا آخر ليس
من سمعت صوته !
هذا ليس والدها شراع !
لا ليس هو لكن .... ؟ لكنها تعرفه تشعر بأنها رأته ومرارا ؟
أجل فهو يشبه الواقف خلفها كثيرا .. وناداها بابنتي ... !!
من ينادي اليتيمة بذلك من غير ....؟ حركت رأسها بعدم
تصديق هامسة
" أبي!! "
قبل أن تركض جهة الذراعان اللتان فردتا لها والصدر العريض
الذي كان في استقبالها لترتمي ليس بجسدها فقط عليه بل
وبهمومها بأوجاعها بفقدها واحتياجها وبالوحدة التي باتت
تنهش روحها تبكي الفقد والشوق في ذاك الحضن تشد على
قميصه بقوة تدفن وجهها ودموعها ونحيبها وعبراتها الموجعة
في ذاك الصدر وفقدت ارتباطها بكل ما هو حولها سوى الشعور
به بتلك اليد التي تمسح على شعرها ولم تعد تعي حتى متى
اختفى حجابها عنه تسكب فقط بكائها هناك هامسة بعبرة
" أبي ... أنت أبي ؟ "
فدفن وجهه ودموعه الصامتة في ذاك الشعر الحريري الحالك
يضمها له أكثر هامسا بوجع
" أجل أنا هو يا غسق ... أنا والدك يا حسرته حتى يموت "
فلم يزدها اعترافه ذاك سوى بكاء ونحيب وكأنها لم تكن تعلم
بذلك ما أن رأته .. فكم ستحتاج من تأكيدات ليصدق قلبها ذلك
وكم ستلزمها من قوة لتستوعبه ؟ حتى أنها نزلت بجسدها
لساقيه وحضنتهما بقوة قرب قدميه وقالت ببكاء
" لمن تركتني ...؟ لماذا ..؟ انظر ما فعله بي أبي انظر "
نزلت دموعه أكثر تسقي لحيته ينظر بألم لجسدها أسفله ونزل
لها وأبعدها عن قدميه وضمها لحضنه بقوة وقال بعبرة مسجونة
خلف تلك الأضلع وبصوت رجولي متكسر
" لا شيء سينزل رأسك يا ابنة دجى .. لا شيء ولا أحد
وأنا حي "
وأغمض عينيه بألم يشعر بقبضتها التي ضربت على صدره
وكأنها سكين انغرس في قلبه لا شيء أقسى وجعا منه سوى
كلماتها الباكية
" لماذا تركتنا ؟ لما لم تأخذني ووالدتي معك ؟ لقد ماتت حزنا
عليك ومت وأنا أنتظرك "
ضمها لصدره أكثر وقبل رأسها وهمس بأسى
" ليته كان باستطاعتي يا غسق ، وضعي كان أسوأ منكما
بنيتي وحسرتي عليكما لم يمحوها أي شيء ولولا وجود ابنتك
في حياتي السنوات الماضية ما كنت لأستطيع المضي
فيها أكثر "
اقتربت حينها التي كانت تشاركهم البكاء الصامت من بعيد
فلم يعد يمكنها تحمل أكثر من ذلك ، لكنها وقفت مكانها ما أن
وقع نظرها على الواقف خلف باب الغرفة المفتوح مكانه السابق
وعلى وضعه ذاته ينظر تحديدا للنائمة في ذاك الحضن نظرة
شعرت بها مزقت قلبها بوجع وجعلت يدها ترتفع لصدرها لا
شعوريا وكأن كل ذاك الحديث عن الوحدة والإحتياج كان فيهما
هما ..! بلى رأته فيهما بالفعل رأت الخذلان الانكسار والفقد
وراقبت بعينين دامعة تلك الأجفان تخفيهما عنها ببطء قبل أن
يستدير ذاك الجسد الطويل مبتعدا ورفع قميصه وسترته ينزعهما
من علاقتهما وخرج مجتازا لهم جميعهم يلبس قميصه نظراته
الجامدة لم تلتفت لأي منهم ولا للتي ركضت خلفه تمسح دموعها
وأدركته عند السلالم مناديه
" أبي "
فوقف مكانه والتفت لها فنزلت العتبات القليلة بينهما حتى كانت
واقفة أمامه ورفعت يديها لأزرار قميصه وأغلقت ما تبقى منها
قبل أن تطوق جسده بذراعيها ودفنت وجهها في صدره العريض
هامسة بحزن
" أبي كن بخير من أجلي أرجوك ... لا يمكنني العيش من
دونك أبدا "
مسحت يده على شعرها وقبّل رأسها ببطء فأغمضت عينيها بقوة
وألم حين وصلها ذاك الصوت العميق المبحوح
" لما القلق يا تيما فأنا لن أقاتل ولن أدخل حربا ولن تراق قطرة
دماء واحدة "
ابتعدت عنه وأمسكت يده وقبلتها ونظرت لعينيه هامسة
بابتسامة حزينة
" ليحفظك الله لي أبي "
حضنها برفق وقبل رأسها مجددا وهمس
" ولأجلك سأكون بخير صغيرتي .. لأجلك فقط "
وما أن أنهى عبارته تلك نزل السلالم مسرعا تتبعه نظراتها
الدامعة الحزينة فهذا ما كانت تخشاه بدأ يحدث وكل واحد منهما
يعزل الآخر عن عالمه وبشكل نهائي وخاصة والدها فهو من
علقت الآمال على وعوده لها وتصميمه وعناده على استعادتها
وها هو ذاك الإصرار يبدوا بأنه بدأ يضمحل أمام رفضها القاسي
له .. ليته كان بيدها شيء تفعله أي شيء لكنها عاجزة ومكبلة
اليدين وجميع محاولاتها تواجه بالرفض من بدايتها دائما بل
والغضب من قِبل تلك الحسناء التي تراها الشيء الوحيد القادر
على كسر ذاك الجبل القوي الصامد المدعو مطر شاهين .
ودعته عيناها الدامعة حتى اختفى خلف الباب الذي أغلقه بعده ثم
ركضت عائدة نحو الأعلى وانضمت لمن تركتهما هناك .. لنصف
قلبها الآخر تبكي حاضنة لهما معا جالسين على الأرض قبل أن
تصبح هي أيضا في حضن ذاك الرجل الذي عانا الفقد أكثر منهما
كليهما يدفنهما وسط أضلعه فهما الشيء الوحيد الذي بقي له من
رائحة تلك المرأة التي انكسر قبلها برحيله عنها .. هما عائلته
التي حرم منها وتألم عليها في كل يوم وساعة مضت منذ ترك
هذه البلاد .
*
*
*
قطع الممر الطويل بخطوات واسعة ثقيلة بل وغاضبة تكاد تتشقق
الأرضية المتينة تحتها ولم ينجح أي شيء من حوله في جعل
نظره ينحرف عن مساره ولا تلك اليد التي ضربت كتفه للذي
اجتازه قائلا بابتسامة
" مرحبا يا بطل "
فهدفه كان ذاك الباب تحديدا من بين جميع الأبواب المفتوحة التي
مر بها والتي لم ينظر ولا بفضول ناحيتها حتى وصل لذاك الباب
المغلق وفتحه ودخل ضاربا له خلفه بقوة دون أن يلتفت له لينتبه
له الجميع هناك وأحدهم صاحبة الجسد الذي ارتجف بقوة بسبب
ذاك الصوت المرتفع ومن وقع نظره عليها فورا ورغم فزعها من
ذاك الصوت إلا أنها لم ترفع رأسها ولم يكشف ذاك الشعر البني
الحريري له عن وجهها وما كان ليحتاج أن يراه ليعرف من
تكون فهو يميز هذا الجسد من بين آلاف النساء وعلى بعد أميال ،
نظر بغضب للتي كانت تشد يديها في حجرها بقوة ليس منها بل
من هذا الوضع ومن وجودها هنا ومنهم جميعهم ومن نفسه قبلهم
.. حتى أنها لازالت ببجامة النوم .
قال الذي اجتاز الصمت المبهم أخيرا قائلا بجمود
" وصلت أخيرا يا تيم "
ذاك الاسم هو ما جعل الرأس المنتكس أرضا يرتفع ويبتعد ذاك
الشعر الحريري عن وجهها تباعا ونظرت له ليتحول الغضب في
صدره لنيران مشتعلة وهو يرى ذاك اللون البنفسجي أعلى
وجنتها والدم المتجمد في الجرح عند طرف شفتها والذي كان هو
السبب فيه سابقا تحول لبقعة أكبر منها ، وما زاده اشتعالا أن
الجالسة مكانها هناك لم تقف وتركض نحوه ولم تحاول البحث
عن الأمان في حضنه كما عرفها منذ صغرها بل لم يرى سوى
نظرة خاوية ميتة لم يستطع ولا قراءتها فتوجه فورا نحو الذي
تلقى فكه ضربة من قبضته القوية جعلته يرتد للخلف محاولا
تثبيت نفسه قبل أن يباغته بلكمة أخرى ورفع قدمه وركل ساقه
بقوة بحذائه الأسود الثقيل ورغم تدخل البقية إلا أن أي واحد
منهم لم يستطع منعه من توجيه ركلة أخرى له جعلته يركع على
الأرض ولم يمسكه عنه سوى اللذان أمسكاه من ذراعيه بقوة
مبعدان له عنه فصرخ فيه بعنف كأسد غاضب
" تضربها يا صعلوك ؟ من سمح لكم بالدخول لشقتي وبإخراجها
من هناك ؟ سحقا لكم يا حثالة "
وتتالت الشتائم اليونانية من بين شفتيه وهو ينفضهم عن ذراعيه
وأمسك بالواقف على يساره شادا على عنقه وقال من بين أسنانه
" من صاحب هذه الفكرة من أساسها ؟ من أمركم باقتحام
الشقة ؟ "
ولم يستطع صاحب ذاك الوجه المحتقن بالدماء قول أي شيء
فتدخل الذي شد يده مبعدا لها عن عنقه قائلا بحدة
" ستقتله يا تيم وأنت من يعلم جيدا بأن الشجار بين أفراد
المنظمة ممنوع فاتركه لتفهم ما حدث "
نفضه نفضا ونظر للذي كان يساعده أحد الموجودين في تلك
الغرفة ليقف وقد مسح الدم من شفته ناظرا له بغضب فبصق
عليه من مكانه وصرخ غاضبا
" تمد يدك عليها ؟ ... قسما لن أنساها لك يا ادموند"
صرخ فيه من فوره
" وما يدرينا بأنها عشيقتك ؟ هي رفضت التحدث وقول
من تكو... "
هجم عليه مجددا صارخا بغضب
" تجرأ على نعتها بذلك مجددا يا سوقي يا سافل "
أمسكه عنه مجددا الذي قال صارخا
" تيم توقف فالفتاة رفضت أن تقول اسمها ومن تكون وما تفعل
في شقتك والبلاغ وصلنا بأنها تتردد عليها في غيابك وأنت تعلم
قوانين المنظمة جيدا وأنه أي شخص يشاركك السكن يضاف له
ورقة موثقة في ملفك وبعلم مسبق هنا فلا تقحم نفسك في مشاكل
مع القوانين يا رجل "
حاول إبعاده من أمامه صارخا بغضب
" لا يعنيني كل ذلك .. اتركني ألقن هذا السافل درسا "
وما أن حاول ذاك التحرك نحوه أيضا أمسك به الذي همس
له بحزم
" توقف يا ادموند أنت تعلم جيدا بأنه ابن الكولونيل المدلل ولن
يحاسبه على ما يفعل بينما أنت العكس تماما "
فنفض يده عنه وتحرك من مكانه جهة الباب الذي ضربه خلفه
وتركه مفتوحا تتبعه تلك النظرات الغاضبة قبل أن ينظر للجالسة
مكانها تنظر لكل ما يجري أمامها بصدمة وتوجه نحوها وأمسك
بذراعها موقفا لها وغادر بها من هناك متجاهلا الذي تبعه قائلا
بصوت مرتفع
" تيم لا تغادر بها من هنا هكذا فثمة قوانين يا رجل "
لكنه لم يتوقف حتى كان عند تلك الجاغوار البيضاء المتوقفة أمام
باب مبنى المنظمة تماما لم يبالي لتلك المخالفة أيضا وأركبها
بجانب كرسي السائق وغادر بها من هناك .
*
*
*
نزل السلالم بخطوات سريعة يديه في جيبي بنطلونه وما أن وصل
للأسفل توجه يسارا ووقف عند أول الممر الذي لم يكن فارغا هذه
المرة ونظر ببرود للذي تحرك نحوه بخطوات بطيئة كسولة
كعادته يشعرك بأن أقصى اهتماماته في الحياة أن يعيش هذه
اللحظة ، وصل عنده ووقف أمامه مباشرة وقال مبتسما بسخرية
" ظننت بأن جناحك في الأعلى وبأن الطريق لباب المنزل ليس
من هنا أم قررت الانتقال للأسفل أيضا ؟ "
نظر له ببرود وقال
" حين أكون في منزلك تحكم في تحركاتي أما هنا فأذهب حيث
أشاء ومتى أشاء "
قال بذات ابتسامته الساخرة المستفزة
" سيكون ذلك قريبا يا ابن ضرار وقريبا جدا وأنت فقط ليس
مرحبا به هناك "
قست ملامحه وامتدت يده لياقته وشده منها وقال بأحرف مشدودة
" انتقل له لوحدك وافعل ما شئت زيزفون لن تخرج من هنا
أتفهم ؟ "
أبعد يده عنه بقوة قائلا بضيق
" التي تتحدث عنها زوجتي وليست زوجتك فاهتم بشؤنك
وحدك ... أتفهم ؟ "
قال آخر كلمة بتملق يقلده فاشتدت أصابعه على ياقة قميصه
مجددا ودفعه جهة الجدار بقوة لم يستطع مقاومتها وقرب وجهه
من وجهه وقال من بين أسنانه
" لن تخرج بها من هنا إلا إن كنت ميتا ، وإن سمعت فقط صوت
صراخها مجددا بسبب ضربك لها قسما أن لا تخرج من السجن يا
نجيب ... قسما برب كل شيء "
رسم ابتسامة ساخرة على شفتيه رغم الغضب المشتعل داخله فما
خطط له سيحدث ورغما عن الجميع وإن كانت قدرتها على
التحدث ستعرقل ذلك لكنه لن يتراجع ولن يصدقها أحد وهي مجرد
مريضة ومجنونة ، تمتم بذات سخريته الباردة المستفزة متعمدا
ينظر لعينيه
" وضعك مؤسف حقا يا شقيقي لا زوجتك ولا عشيقتك تقبلانك
في حياتهما "
اشتعلت عيناه كجمرتين متقدتين وشد أصابعه في قبضة واحدة
ولكمه بقوة صارخا
" اصمت يا نجس يا قذر فتلك التي تتحدث عنها أشرف من أمثالك
... إنها زوجتك وابنة عمك يا وقح "
ولم يتوقف عند ذاك الحد فالنار المشتعلة داخله ما كانت لتخمدها
لكمة واحدة فقط فقد انهالت عليه اللكمات متتالية من تلك القبضة
القوية لكن الطرف الآخر لم يستسلم هذه المرة ولأنه لم يستطع
مجاراة لكماته أمسك بياقته بكلتا يديه ودفعه بالاتجاه الآخر وثنى
ركبته دافعا لها بقوة جهة معدته لكن تلك الضربة الغير
مدروسة لم تفقده توازنه كما خطط فدفعه بقوة جهة الجدار مجددا
ورفع قبضته المشدودة في مستوى وجهه يشعر بأن ما فعله لا
يكفي ولن يكفيه طرحه أرضا ولا أن يخر ميتا بسبب كل ذاك
الغضب الذي اعتمر نفسه .
" وقااااااص "
لتوقفه تلك الصرخة الرجولية الغاضبة من خلفه فنظر ناحية ذاك
الصوت من فوره يده لازالت معلقة في الهواء ينظر للواقف على
مبعدة منهما والذي صرخ من فوره ضاربا الأرض بعصاه
المذهبة
" ما هذا الذي يحدث هنا ؟ هل ستتشاجران من أجل امرأة
يا أحفاد ضرار السلطان "
نفضه حينها تاركا ياقته وقال بغضب
" نحن لا نتشاجر من أجلها بل بسبب ما يفعله حفيدك بها وأنا لن
أصمت عن هذا ولأي سبب كان وقسما إن أخرجها من هنا كما
يخطط أن أختطفها ولن تجدوها وإن بحثتم عنها خلف الشمس "
وما أن أنهى عبارته الغاضبة تلك غادر ينفض سترته ليعيدها كما
كانت واجتاز الذي لحقته نظراته الغاضبة حتى ابتعد وتوجه لباب
المنزل من فوره وخرج منه وركب سيارته ضاربا بابها خلفه
وغادر من هناك تكاد تحترق الطريق المعبدة تحت صرير عجلات
سيارته مفرغا غضبه في القيادة وأخرج هاتفه ما أن اجتاز ذاك
الشارع الطويل الفارغ واتصل بالتي أجابت سريعا قائلة بهمس
" أجل سيدي "
قال من فوره ونظره على الطريق الفرعي الذي استدار له
" ما الأخبار لديك ؟ "
وصله ذات ذاك الصوت الهامس
" عادت لسجن نفسها ولم تغادر غرفتها مطلقا حتى أنها عادت
لصمتها التام واعتصامها في سريرها أغلب الوقت وتناول
الأدوية لتنام "
اشتدت قبضته على المقود وقال بفكين متصلبين
" هل يضربها ؟ "
قالت من فورها
" ذاك اليوم ووقت عودته كان خدها متورما واشتكت كثيرا من
الألم في رأسها لكنها لم تخبرني بشيء كالعادة وهو يدخل
غرفتها كثيرا فلم يعد يمكنني البقاء بقربها لوقت طويل كالسابق
لأنه يطردني ما أن يراني ، ومنذ قليل سمعت صوت شجارهما
أو يبدوا بأنه غاضب وينفس غضبه بها "
شد على أسنانه كاتما لغيضه الذي لا مجال لينفس عنه فها هو
يكرر ذات فعلته السابقة ويبدوا بأنه يفرغ عقده فيها وكلما تشاجر
معه ستدفع هي الثمن لأنه يراها العنصر الأضعف بعده ، اشتدت
أصابعه على الهاتف فيها وقال بجمود
" لا تتركي غرفتك إذا وأبقي الباب والنافذة مفتوحان وإن عاد
لضربها اتصلي بي فقط وعلى الفور وفي أي وقت كان "
وصله صوتها الحزين اليائس مباشرة
" حاضر سيدي وليحفظك الله ويرعاك فوحدك من يشعر
بها هنا "
قال من فوره
" ليس صحيحا فلا رواح ولا والدته ولا حتى جدي سيتوانون
عن رده عنها إن عاد لضربها كالسابق فإن لم اجب عليك لأي
سبب قد يمنعني فلا تترددي في طلب مساعدتهم وعلى الفور "
همست مباشرة
" حاضر سيدي "
أنهى بعدها الاتصال معها واتصل بشخص آخر يفصله عن صاحب
الاتصال السابق آلاف الأميال والذي أجاب سريعا أيضا قائلا
" مرحبا وقاص "
قال من فوره
" مرحبا يا أويس ماذا حدث معك بشأن الرجل ؟ "
قال من في الطرف مباشرة
" قل ما حدث بشأن من وضعناه لمراقبته فهو اختفى أيضا "
غضن جبينه باستغراب هامساً
" ماذا ....؟ كيف يختفي ولما وهدفه زال تماما ! "
" لا أعلم يا وقاص فيبدوا بأن المدعو بشير اكتشف أمره وهو
سبب اختفائهما كليهما ، منذ أكثر من يومين نبحث عنه ولم نجده
لقد انقطعت أخباره تماما وهاتفه مقفل "
ضرب براحة يده على المقود قائلا من بين أسنانه
" سحقا كل هذا بسببنا فماذا إن تعرض للتعذيب أو حتى
القتل ؟ "
وصله صوته فورا
" لن يخرجوا منه بشيء فهو لا يعرفني ولا يعرفك "
حرك رأسه بشكل طفيف قائلا بضيق
" أنا أخشى على حياته ليس على ما يعلمه ، يبدوا بأن ذاك
الرجل المدع بشير ورآئه أيدي قوية وخفية وظنوني ناحيته
تبدوا صحيحة "
قال ذاك من فوره
" ثمة محام اسمه قائد نصران رشح ليكون وكيلا للنيابة العامة
مرتين سابقا ورفض سيخرج لنا به أو بمعلومات عنه "
قال برفض حانق
" وما سيفعله لنا محامٍ يا أويس ؟ نحن نحتاج لضابط تحقيقات
على هذا الحال "
وصله صوته الجاد مباشرة
" بل يمكنه فعل ما يفعله ضباط التحقيقات الجنائية يا وقاص فهو
يقود شبكة محامين يعملون كالتحري الخاص وكم من مخطوفين
تمكنوا من تحريرهم وجرائم عدة ومعروفة فكوا خباياها ، لقد
سعيت كثيرا في السابق للانضمام لهم لكن الجواب كان الرفض
بسبب هذا اللقب الملتصق بي "
تنفس بعمق قائلا
" إذا وكّل الأمر لهم وسأدفع كل ما يطلبونه وليتكفلوا بأمر
اختفاء المدعو بشير أيضا وقدم لهم ما يطلبون من مال المهم أن
نحصل على معلومات عنه وأيا كانت "
" حسنا سأزور مكتبه في حوران بنفسي رغم أنه وكما أعلم عنه
لا يستقر في مدينة محددة ويتنقل بين مكاتب شبكتهم الخاصة
طوال الشهر لكني سأصل له وبأي طريقة كانت وواثق من أنه
سيساعدنا في الكثير ، ثم أيضا لدي من عليهم البحث معي عنه
في الجنوب لأدك عنقه على ما فعله في جامعتي "
قال من فوره
" جيد يا أويس أنا أعتمد عليك فاعتني بنفسك جيدا كي لا
يكتشفوا أمرك أيضا فلا يبدوا لي أن المدعو بشير رجلا نزيهاً
وشريفاً كما قيل عنه ولا أنه لوحده بل اجزم بأنها شبكة أوسع
مما نتوقع "
وصله صوته مباشرة
" لا تقلق بشأني سأكون محتاطا بما أننا نعرف عدونا وإن جهلنا
من ورائه ... وداعا الآن يا صديقي "
أنهى المكالمة معه مودعا له ورمى الهاتف على الكرسي بجانبه
قبل أن يبدأ بالرنين المزعج فنظر له دون أن يرفعه وتجاهله ما
أن نظر للاسم على شاشته فلا مزاج لديه ليسمع توبيخ جده
وعباراته المعتادة والتي ستنتهي بتذكيره بوضعه وزوجته ، ثم
هو غاضب منه في جميع الأحوال فلن يضره إن غضب أيضاً
بسبب تجاهله لمكالماته .
*
*
*
أغلق الباب ثم فتحه وأغلقه مجددا يختبر القفل الجديد الذي قام
بتركيبه ورفع بعدها المفك والصندوق وتوجه لباب الغرفة أو
القفل الآخر المتضرر في تلك الشقة وكان شبه مغلق فدفعه نحو
الداخل ببطء وهو ينظر للقفل قبل أن ترتفع نظراته للجالسة على
السرير تحضن ركبتيها تنظر جهة النافذة في الجانب الآخر ورغم
حركته الواضحة في فتح الباب وتحريكه لبقايا القفل المحطم الذي
لازالت تتمسك بالبراغي المتينة لم تفكر ولا في الالتفات جهته
فتحولت حركته للعنف في اقتلاع تلك القطع المنصهرة الحواف
دون مساعدة من ذاك المفك الذي أحضره خصيصا لهذا الغرض ،
يكره تلك الأفكار التي يعتقد بأنها تتزاحم في رأسها الآن عن أنه
عاجز عن حمايتها وبأنه ندم على إحضارها هنا .. ولم يكن يعلم
بأن حركته الغاضبة تلك هي التي كانت ستغرس تلك الأفكار في
قلبها قبل رأسها وهي ترى بأن قرار نقلها لمعسكرها الجديد قد
شارف على التنفيذ وهذه المرة سيكون منفاها الأخير الذي لن
تخرج منه مجددا ولا معه .. ذاك ما أقسمت به بينها وبين نفسها
تحاول أن لا تتحرك حدقتاها لتلك الجهة بتاتا لا تريد رؤية ما
حرمت منه للأبد وهي الحياة المنزلية بجميع تفاصيلها حتى في
عدم استعانته بشخص آخر ليفعل ما يقوم به هو بنفسه الآن ،
راقبت حواسها جميع تحركاته وإن لم تراه عيناها حتى انتهى
وسمعت ذاك الرنين المعدني على الطاولة قربها تلاه صوته الذي
يبدوا أنه جاهد نفسه ليكون هادئا وإن جزئيا لكن الأمر لم ينجح
" لا أريد لهذه المفاتيح أن تصل لأحد وأنت من سيفتح لمدبرة
المنزل وتغلقي الباب خلفها "
وما أن أنهى عبارته تلك غادر مغلقا الباب خلفه كما تغلق فصول
حكايتها في كل مرة فدفنت وجهها في ركبتيها محررة عينيها من
النظر لذاك النور القوي الذي لم تكن ترى معه شيئا سوى سماء
صافية شاحبة لازالت تطاردها صورتها رغم دفنها لملامحها في
ظلام قماش بيجامتها الغامقة تحاول لملمة مشاعرها كما أفكارها
وكما أنفاسها الساخنة التي تشعر بها تخترق ذاك القماش الناعم
فعلى الأقل هو لم يفكر في رميها مجددا وبعيدا عن عالمه لأنه ل
ا يناسبها ولن يحتويها كما سبق وصرح بذلك ولن يكون لأحدهما
الوجود فيه كلما تواجد الآخر وتُدهس أحلامها البريئة بقسوة
تباعا حتى تدرك بأن هذا الوضع أشد وجعا من متابعتها الطريق
وحيدة من دونه وللأبد .. وهذا جل ما باتت تخشاه أن تصل لتلك
المرحلة الفاصلة بين الحياة والموت وأن يكون ذلك قريبا
وقريبا جدا .
لا تجزم بأنه للفرص أن تمنحه شرف فعل ذلك فعلى من سيرميها
هذه المرة ؟ عمها الحارثة لتسمع تلك العبارات المستنقصه لها
من ابنته تذكرها بواقعها الذي تعرفه جيدا ونظرات الشفقة الخفية
في عيني زوجته وتلك العبارات المتفهمة التي سيغدقها هو بها
كدفعة صغيرة من عاطفة أبوية مشيعة فيذبحها بها بدلا من أن
يداويها .
تكورت وسط سريرها وسحبت اللحاف على جسدها المرهق حد
الإنهيار ودفت ملامحها المجهدة في نعومة تلك الوسادة الطرية
الناعمة تحاول فقط طرد صور كل ما مرت به خلال الساعات
الماضية فهو كان أقسى من أن تتحمله حتى أصابها بما يشبه
مرحلة تخطي الصدمة العنيفة والتي يصعب اجتيازها بسهولة .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 93 others like this.
رد مع اقتباس
#8604
قديم 21-03-18, 10:08 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
نظر من نافذة السيارة لضوء الفجر الذي بدأ يتسلل للسماء لونا
أبيضا خفيفا وتنهد بأسى فلم يتحدث أي منهم عما يريدونه منه
ولما هو هنا في حوران مسافة ثماني ساعات سيرا بسيارة
مسرعة ؟ هل جريمته عظيمة بهذا الشكل درجة أن يتكفل هؤلاء
الرجال وبرتبهم العالية نقله شخصيا ! حتى أصحاب جرائم القتل
لا يحظون بهذا القدر من الاهتمام ! إلا إن كانت تهمته سياسية
وهنا المنفى الذي لا خروج له منه وحانت نهايتك يا يمان ، اتكأ
برأسه لمسند الكرسي الخلفي حيث يجلس وأغمض عينيه لتظهر
صورة تلك العينان الخضراء الباكية أمامه فورا فيبدوا بأنه كتب
عليه أن تتعلق إحداهن بعنقه دائما ليبقى منشغلا بمصيرها بعده
بل وهذه المرة وضعه أسوأ من السابق فما سيحل بتلك الفتاة إن
حدث له شيء وهي التي لم تخفي لحظة احتياجها لحمايته
فهي تراه الجدار الذي يفصل بينها وبين كل ذاك السواد في
عالمها وإن سقط تكالبت الوحوش البشرية عليها وهذا ما لا
يريده لها وما لم يرده من قبل أن يعلم بقصتها ومنذ أخبرته تلك
الطبيبة بحالتها فجل ما كان يخشاه وقتها حال تخليه عن
مسئولية ما حدث لها أن يكون سببا في ضياعها فترك من في
مثل حالتها ولأي سبب كان معناه أن تسلك طرق الانحراف حالها
حال ضحايا الاغتصاب .
لن ترى أي واحدة منهن إلا أنها لم تعد تجدي سوى لتلك الأمور
وبأنه لن تكون لها حياة طبيعية كغيرها من الفتيات .
فكيف كان سيهرب من عقدة الذنب حينها بل ومن عقاب الله لأنه
قد يكون سببا في ضياعها ؟ حتى أنه لم يستطع ترك الباب لتغلقه
هي من الداخل كما طلب منها بل أغلقه بالسلسلة والقفل وتراجع
عن قراره السابق ولم يفهم حتى الآن لما فعل ذلك ! وكأنه يريد
أن يضمن بأنها لن تفتحه وتخرج فمن هذا الذي سيفتحه وهي
في الداخل وتغلقه على نفسها ؟
مسح على وجهه بكفيه مستغفرا الله وهو يعتدل في جلوسه
وانحرف بأفكاره للطريقة التي سيصل بها لشقيقها إن حدث وكان
متورطا في أمر معقد لازال يجهله ولم يجد حلا أمامه سوى أبان
فخاله يكون الرجل الذي اختفى شقيقها باختفائه فإن لم يكن ميتا
سيوصل له خبر ما آل له حال شقيقته أو يجد لها حلا غير رميها
على أولئك المتحجرين ميتي القلوب .
انتقلت نظراته لشوارع العاصمة حوران وعلم فورا بأنهم وصلوا
لوجهتهم أخيرا ولمصيره المجهول الذي عليه أن يكون معلوما
بالنسبة له فما يفعلونه به الجنائية إن لم تكن جريمة وليس أي
نوع من الجرائم تلك ! تنهد بعمق متمتما
" توكلت على الله فهو حسبي نعم المولى ونعم النصير "
فعليه أن لا ينسى ما تسلح به طوال حياته وهو اليقين بالله فلن
يغفل عنه أبدا كما لم يغفل عن شقيقته حين عجز هو عن
مساعدتها وسيفعل ذلك مع التي تركها خلفه في الجنوب ولن
ينساها وإن نسيها الجميع .
توقفت سيارتهم أمام بوابة بناية رفع لها رأسه فورا باستغراب
ينظر لتلك الأعمدة الحجرية المرتفعة والنوافذ الطويلة .. هذا ليس
قسم شرطة ولا مركز الإدارة الجنائية ولا يفترض به أن يكون هنا
فإلى أين ينوون أخذه تحديدا !!
عبرت سيارتهم البوابة الواسعة والحرس المسلحين المنتشرين
حولها دون عناء انتظار وكيف لأحدهم أن يتصور بأن يوقفوا من
يحملون تلك القطع الذهبية على أكتافهم ؟ يعرف هذا المكان جيدا
لكن لم يتوقع يوما أن يدخله ولا لأي سببٍ كان فما الذي سيجعل
قدماه تعتبان بوابة القصر الرآسي ! مكان ليس للمجرمين بالتأكيد
كما كان يتوقع ويجزم بأنه سيكون مصيره وهو يبات أول ليلة له
في حياته خلف قطبان الزنزانة لكنه ليس مكانا يتواجد فيه أمثاله
أيضا وليس سوى مجرد مهندس زراعي فاشل لم يسبق وأن
دخل ولا مبنى البرلمان أو حتى أحد الوزارات ليكون هنا في
المكان الذي لا يعرفه هو وأمثاله الملايين سوى في التلفاز رغم
أنه في بلادهم ويعرفون مكانه لكن حتى الشارع المقابل له ليس
لأي سيارة أن تسلكه ! .
انفتحت أبواب السيارة ونزل منها مرافقيه الثلاثة ونظره يتبعهم
لازال لم يستوعب بعد ما هو فيه وخيل له حتى أن هذا المكان
مجرد محطة سينزلون فيها وحدهم قبل أن ينقلوه لمكانه الأساسي
لكن تلك الطَرقات بمفصل سبابة الواقف في الطرف الآخر على
زجاج النافذة جعلته يفتح بابه وينزل أيضا موقفا كل تلك الأفكار
والتحليلات فمحطته يبدوا بأنها انتهت هنا صدق ذلك أم لم
يصدقه فلا خيارات أخرى أمامه سوى الإنصياع فلعل ساعات
التوتر واستنزاف القدرات الذهنية انتهت وسيعلم على الأقل لما تم
جلبه من أقصى الجنوب الغربي للبلاد لشماله الشرقي !
تبعهم يجتازون الرواق تلو الآخر وصالات الاستقبال الأفخم
فالأكثر فخامة واتساعا ولم يستطع أن يسير مثلهم بخطوات ثابتة
نظراتهم لا تفارق هدفهم الأساسي فهو لم يعتد دخول هذه الأمكنة
وليس مثلهم يراها كل يوم فلم يستطع منع عيناه من التجول ليس
في تفاصيل المكان الفخم بل في الأشخاص من حوله ..
شخصيات أغلبها لم يكن يراها سوى في التلفاز ويسمع عنها
بعضهم باللباس الرسمي والبذل الفاخرة رائحة المكان عجت
بعطورهم القوية والبعض الآخر بالزي العسكري ومن كانوا لا
يدخلونه سابقا بثيابهم هذه مهما علت مراكزهم ورتبهم أما الآن
وبعد عودة ابن شاهين ومحاولة عسكرته للدولة كما يتهمه
البعض فبات هذا المشهد مألوفا في جميع الاجتماعات الرآسية
والسياسية فلطالما ارتبط ذاك الزعيم باللباس العسكري وكيف
سينسلخ عنه الآن ورجاله أولئك لازالوا ملتفين حوله ومتقيدين
به ، مكان أشعره بغرابة وجوده بينهم بثيابه البسيطة تلك
ونظراته الفضولية الممزوجة بالدهشة فهو لم يجتز بعد صدمة
وجوده هنا ! .
وما أن كثر انتشار رجال الأمن والحرس الشخصي علم بأنهم
وصلوا مكانا يحوي شخصا مهما وأهم من سابقيه وأخذته
توقعاته للكثيرين وحتى لوزير الداخلية لكنه لم يتخيل ولا في أبعد
أحلامه أن يكون هدفهم ووجهتهم الموجود خلف الباب الذي
فتحه لهم الواقف أمامه دون أن يكلفوا أنفسهم عناء ولا الوقوف
لطرقه ... أن يجد نفسه أمام من كانت رؤيته حتى في التلفاز
تشعره بالهيبة بالتوتر وبالانبهار فكيف أن يجده أمامه مباشرة !
ذاك الذي التقطته نظراته فورا من بين جميع الموجودين في ذلك
المكتب الواسع الذي حوى حتى طاولة اجتماعات بيضاوية طويلة
وصالونان كبيران أحدهما محاذ للنوافذ الزجاجية الطويلة التي
شكلت واجهة واسعة مطلة على أهم معالم عاصمة البلاد ، شعر
بتوتره يزداد بل ويتعاظم وهو ينظر للذي كان منشغلا مع
الموجودين معه والذين رغم كثرة عددهم بدوا قلة مع اتساع
المكان وفخامته ، والذي ما أن انتبه لوجودهم حتى ضرب له
الواقفان أمامه التحية فاجتاز المتحلقين حوله ناحية ذاك المكتب
الخشبي الفخم الواسع مقتربا منهم فاستدارا حينها الواقفان
أمامه مجتازان له خارجان من المكان بعد كلمات قليلة منه لا يعلم
لم يفهمها أم لم يسمعها بل لم يستطع لا فهمها ولا سماعها من
شدة ما كان مصدوما من وجوده هناك وكأنه في حلم ينتظر أن
يفيق منه في أي لحظك ! فتبعت نظراته المستغربة اللذان غادرا
مجتازان له في صمت وقد بدأ عدد الموجودين هناك أيضا
بالتقلص وهم يخرجون تباعا حتى لم يبقى غير صاحب تلك
الشخصية والحضور كما الهيبة الفريدة من نوعها حتى أنه تميز
عن الجميع بذاك اللباس الرسمي رغم كل ما وصلوا له من قوة
حضور وثقة وجاذبية ، أغلقوا الباب خلفهم ولم يبقى هناك منهم
غير اثنان منهم فقط يقفان على جانبيه وكأنهما نسران يقفان على
كتفي تنين أسطوري عظيم فكم كان معجبا بهذا الرجل من قبل أن
يراه بل ومنذ صغره حين اجتاح أراضيهم ليس ليحتلها بل ليعيدها
لهم بالشكل الصحيح ، لن ينسى ذاك العام ما عاش وكيف تعالى
ذكر اسمه في كل منزل في الهازان وكل ذي حق مهضوم بات
ينتظر وصوله بشوق والفزاعة التي أخافهم بها ابن راكان لسنين
طويلة باتت الأمل الذي أصبح ينتظره كل واحد منهم ليشرق على
بلداتهم ومدنهم البسيطة الفقيرة التي عانت من الظلم والاضطهاد
ما عانته ، ومنذ ذاك الوقت أصبح مطر شاهين رمزا للقوة للعدالة
وللإيمان بأنه ثمة صباح مشرق دائما بل وثمة رجال ولدوا من
رحم الحياة ليعيدوها لمن فقدها ، يذكر جيداً حتى لعبهم في
الشارع حينها وكل فتى يمسك عصى في يده كسلاح يريد أن
يكون ابن شاهين ودور البطل يتشاجر عليه الجميع ، وبعد كل
هذه الأعوام وما أن عاد بعد اختفائه الطويل ذاك وأصبحت صوره
تملأ الصحف وشاشات التلفاز علم أي بطل يكون هذا الرجل
وليس لأي شخص أن يتقمص دوره مهما فعل وحاول فهذا
الرجل لا يمكن إلا أن يكون نفسه .
لم يعرف معنى الشعور بالإغماء من شدة التوتر في حياته إلا
لحظتها وهو ينظر للذي اقترب منه حتى وقف على بعد خطوتين
أول أقل فقط بدلا من أن يجلس على مكتبه ويأمره بالاقتراب كما
يفعل من هم أدنى منه بكثير ولا يملكون سوى مكتبا ومركزا
متواضعا وإن كان إدارة مدرسة ابتدائية لينظر للناس من علو !
ولم تنتهي المفاجآت هناك فقد أكرمه أيضا بسماع صوته
الجهوري المتزن الذي ميزته تلك البحة التي علقت في ذاكرته من
أعوام حين سمع خطابه في المذياع وهو ابن العشرة أعوام
" يمان أتعلم لما أنت هنا ؟ "
بحث عن الكلمات في قواميس عقله بصراع مستميت قبل أن
يقول باحترام بالغ
" لست أعلم أني ارتكبت ذنبا قد يوصلني إلى هنا سيدي سوى
أني عشت وسط عائلة غيلوان "
فاجأته ابتسامته التي ظهرت معها أسنانه البيضاء المصفوفة
والتي لم تزد تلك الملامح الرجولية سوى وسامة قبل أن يقول
صاحبها
" وما أخذك لأراضيهم وأنت تعلم بطشهم جيدا يا ابن الهازان ؟ "
تردد قليلا ليس لشيء سوى رهبة منه قبل أن يقول
" قد يكون قدري أو أجلي لكني حقا لست ممن يخشى مما قدّره
الله عليه ولا مفر منه "
ربت على كتفه بتلك الطريقة التي لا يفهمها ولا يتقنها سوى
الرجال والعظماء منهم فقط وقال
" لن أستغرب هذا منك فجيناتكم واحدة "
نظر له باستغراب زاده رفعه ليده بمحاذاة كتفه فسلمه أحد
الرجلين الصامتين ورقة مدها له فورا وقال
" يمان إبراهيم حجاج هذه السيارة اشتريتها أنت من صاحبها
وليس مدوناً اسمه في هذا العقد أليس كذلك ؟ "
أخذ الورقة منه ونظر فورا لرقم ونوع السيارة المدون المعلومات
عنها فيها والتي لم تكن تحوي لا اسمه ولا اسم الذي اشتراها منه
والتي اختفت تلك الليلة مع ذاك الأخرس الغامض الهارب والذي
توقع بأن حكايته انتهت من حياته بانقضاء تلك الليلة الغريبة !
قال ما أن رفع نظره منها له
" أجل سيدي "
قال بجدية
" أنت تعلم يا يمان بالتأكيد بأن عدم تسجيلها باسمك لكل هذا
الوقت مخالفة ؟ "
سحب نفسا طويلا لصدره قبل أن يقول بلمحة توتر
" أجل سيدي لكني قسما ألححت على الرجل الذي اشتريتها منه
كثيرا أن ننهي أوراق ملكيتها لكنه كان يماطل حتى ظننت بأنه
سرقها من أحدهم لكني كنت أحوج لها من أن أعيدها له أو ابلغ
عنها وأنا غريب عن تلك القرى "
مد له يده فأعاد له الورقة وقال وهو يأخذها منه
" أجل وهذا كان كلام ذاك الرجل أيضا لكن ما أنت هنا من أجله
ليس هذا "
قال من فوره
" هي سرقت مني سيدي ولا أعلم أين هي وإن تم استخدامها في
جريمة ما فلست مسئولا عنها اقسم لك "
أعاد الواقف أمام الورقة للذي أخذها منه قائلا
" متى سرقت منك يا يمان ؟ أعطني التاريخ بالتحديد "
لم يحتج الأمر أن يفكر كثيرا فهو لم ولن ينسى تلك الليلة بكل ما
حدث فيها حتى وصوله لغرير ومنزلهم المحترق فقال سريعا
" قبل أسبوعين إنه السادس من هذا الشهر تحديدا وكان الوقت
ليلا بل وتلك الليلة كانت الأغرب في حياتي "
نظر لعينيه لبرهك قبل أن يقول
" أخبرنا بكل شيء .. أريد أن أعلم كيف وصلت سيارتك لإسحاق
تلك الليلة ومن الذي طارده منهم تحديدا "
نظر له بصدمة قائلا
" هل ثمة جريمة أنا متهم بها سيدي ؟ كل ما فعلته تلك الليلة أني
أنقذت فتى مطارد في أراضي غيلوان لا أعرفه ولم أراه سابقا ثم
فتاة صدمتها بسيارتي ليظهر بأنها ابنة لتلك العائلة أيضا لكني لم
أقتل أحدا ولم أشاركهم في شيء قد يكونوا فعلوه فلست سوى
مستأجر في أرض ابن عمهم "
ولم يتأخر عليه أبدا بما أراحه به
" لا يا يمان أنت لست متهما بشيء كل ما أريده أن تحكي لي ما
حدث تلك الليلة ومفصلا "
أومأ برأسه موافقا قبل أن يبدأ في سرد كل ما حدث معه ليلتها
من وقت خروجه من منزله في الجنوب حتى اختفاء سيارته وما
حدث بعد عودته للجنوب ولقائه بشعيب غيلوان فهو طلب منه
إخباره بأي حديث دار بينه وبين ذاك الرجل فأخبره بكل شيء
محتفظا بسر تلك الفتاة في نفسه فهو ليس مجبرا على قول سبب
زواجه منها وهي زوجته الآن ولن يذكر حكايتها أمام رجل وإن
كان رئيس البلاد بنفسه ثم هو لم يسأله عن تفاصيل ذلك واكتفى
فقط بأن همس ما أن علم بمسألة زواجه منها وهويتها
( رائع ... هذا جيد ) واستغرب فعلا ما الرائع والجيد في الأمر
بالنسبة له ! هل يكون صحيحا أن شقيقها غادر البلاد معه وليس
كما شكك البعض في أنه قتل على أيدي أعمامه وليس خبر رحيله
سوى تمويها عن فعلتهم تلك ! حتى أن البعض شكك في موته
خلال الحروب مع الهازان بل وحتى هي يرى من حديثها الوحيد
بينهما عنه بأنها ترجح موته لغيابه كل تلك الأعوام الطويلة !
ما أن أنهى حديثه وأجابه عن كل سؤال سأله إياه قال
" إذا أنت لا تعرف هوية مطارديه ولم ترى أيا منهم ؟ "
حرك رأسه بالنفي قائلا
" لا سيدي وإن كنت أعلم لأخبرتك فورا "
أومأ إيجابا وفي صمت قبل أن يقول
" لقد تعرض ذاك لشاب لحادث بالسيارة وتحطمت بشكل كلي لأنه
كان مطاردا وهي يبدوا لم تستحمل كل تلك السرعة ، لذاك الشاب
مكانة خاصة عندي وهو في غيبوبة منذ ذاك الوقت فما الذي
فقدته أيضا غير السيارة لأنه دين في عنقي "
نظر له بعدم استيعاب من كم تلك الحقائق التي صدمه بها دفعة
واحدة وقال ما أن اكتشف بأنه أطال الصمت وتحديقه المصدوم به
" السيارة قديمة سيدي ولم يكن فيها سوى القليل من المال فما
من داعي لأن تعوضوني عنها ، كل ما أتمناه أن يشفى ذاك
المدعو إسحاق فهو كان بالفعل خائفا ومذعورا "
قال الواقف أمامه من فوره
" وهذا جل ما أتمناه أيضا لذلك عليك أن تأخذ حقك يا يمان
وسنعوضك بسيارة جديدة ومبلغ مالي أيضا "
نظر له لبرهة مترددا قبل أن يقول
" إن لم تكن كسيارتي وبذات عمرها ومال بالمبلغ الذي فقدته فلن
تكون تعويضا لي واعذرني سيدي لن أستطيع أخذ ما هو أكثر من
حقي فأنا لم أفعل من أجل ذاك الشاب شيئاً "
حرك رأسه بالنفي قائلا بجدية
" بلى فعلت يا يمان فلولا الله ثم إخراجك له من هناك لكان
ميتاً الآن
ولسنا نعيش على أمل أن يشفى ، بل وليس أي شخص يساعد
أحداً في أراضي تلك العائلة إلا إن كان شجاعاً على الحق فأنت
تستحق أن تعوض "
وكما توقع حرك رأسه بالنفي أيضاً قائلا باحترام بالغ
" آسف سيدي لا أستطيع فاعذرني لأني لن أركبها حتى لو
أخذتها منك "
وهذا ما توقعه جيدا منه وما أخبره عنه أبان وصدق حقا فيما قال
عنه فعلا ولولا خشيته عليه ومن أن يكون مصيره كإسحاق لجعل
منه عينه الجديدة هناك لكنه لن يجازف بشخص آخر من عائلة
عمه وزوجته بل وحتى ابنته فمن حقهم أن يجتمعوا معا نهاية
الأمر كعائلة واحدة ، قال بذات نبرته الجادة المبحوحة التي تميزه
وبغرابة عن البقية
" يمان أنا لست كأي شخص ولن تكون منة هذه التي أعطيها لك
فهل تردني ؟ "
صدمته كلماته كما أشعرته بالإحراج فقال موضحاً
" أبدا سيدي ليس ذاك ما أقصده فأنت أعظم من أن ترد حتى في
عطاياك لكني فعلا لا أستطيع أخذ ما هو ليس من جهدي وتعبي ..
الله خلقني هكذا ولن أقبلها منك ثم لا أركبها ، ولا تنسى سيدي
بأني أسكن الجنوب وأراضي غيلوان خصيصا فما سيفكرون
فيه وأنا أمتلك فجأة سيارة جديدة وهم يعلمون بأني لا أملك
شيئا ؟ "
تنهد الواقف أمامه بعحز من محاصرته بالحقيقة التي يعلمها
جيدا وقال
" إذا واحدة تشبهها لكن في حالة أفضل توصلك لشقيقتك على
الأقل اتفقنا ؟ "
أنزل كتفيه متنهداً تنهيده مشابهة لتنهيدته وقال
" حسنا سيدي من أجلك فقط وغيره لن آخذ إلا المبلغ الذي
فقدته في سيارتي "
ربت على كتفه وقال
" لن أتوقع غير هذا منك وكنت أود بالفعل دعمك بالكثير وبما
أنك سترفض فلن أضغط عليك أكثر "
ثم دار مولياً ظهره له وسار جهة مكتبه ورفع شيئا من هناك
وعاد ناحيته ومد له ببطاقة صغيرة مذهبة قائلا
" الرقم المدون أسفلها سيوصلك لهاتفي الشخصي مباشرة فلا
تحتفظ بها بل احفظه عن ظهر قلب ثم تخلص منها وسريعا وإن
احتجت لأي شيء وفي أي يوم لا تتردد في الاتصال بي وكن
حذرا يا يمان ولا تأمن شر أولئك الغيلوانيين أبداً "
أخذها منه ونظرته المستغربة تنتقل للرقم المميز المحفور فيها
وقد نظر له نظر سريعة ثم مدها له قائلا
" هذا يكفي فأنا أخشى من إخراجها معي لأي مكان وسأستعين
بكم سيدي بالتأكيد إن شعرت بالخطر وعلى زوجتي قبلي "
أخذها منه وقال محدثا الواقف على يمينه
" تكفل بكل شيء يا عمير وتأكدوا من وصوله إلى منزله
سالماً "
وتابع ما أن عاد بنظره له
" أقرب مهبط طائرات قد تنزل فيه طيارة خاصة في الجنوب هو
مطار جينوة ولا نستطيع إيصالك له بها لنختصر عليك الطريق
خشية عليك من شكوك من حولك هناك فأنا أقترح بأن تزور
شقيقتك وترتاح هناك ثم تغادر بسيارتك الجديدة "
شرد بنظره بحزن قبل أن يقول
" كنت أتمنى فعل ذلك لكن الذهاب للحميراء الآن معناه أن أقضي
يوما آخر هنا ثم نصف يوم لأصل لمنزلي هناك ولا يمكنني ترك
زوجتي لوحدها كل ذلك الوقت "
وتابع وقد رفع نظره له
" خاصة أنها لا تعلم لما تم أخذي ليلا ومن قِبل ضباط الجنائية
ولا أحد لها بعد الله غيري وأخشى أن يصيبها مكروه ما "
أومأ له بالموافقة مبتسما ومد يده له قائلا
" حظاً موفقا إذا يا بطل ولا تنسى ما اتفقنا عليه "
نظر ليده لبرهة وصافحه فورا يشعر بالنشوة وبسعادة لا يمكنه
وصفها فقط لأنه تحدث مع هذا الرجل ورآه وجها لوجه بل
وصافحه فطالما كان رمزا بطوليا بالنسبة له وقدوة يقتدي بها
وكم تمنى أن كان شقيقه ووالده وعمه وخاله وجميع من يقربون
له فحلم طفولته كان أن يصبح مثله تماما لكن شتان بينهما فمن
بإمكانه أن يخدم الوطن ويقدم له ما قدم هو واهبا حتى سنوات
عمره لأجله ودون تفكير ، ما أن تحرك الواقف على يساره قائلا
" اتبعني يا يمان "
حتى استدار ولحق به قبل أن يقف مكانه فجأة واستدار مجددا
ونظر للذي لازال واقفا مكانه يراقبهما وقال بتردد فلم يستطع
منع نفسه من الحديث عن الأمر ففرصة رؤيته له قد لا تتكرر أبدا
" أيمكنني معرفة معلومات عن شخص ما ومنك تحديداً
سيدي ؟ "
قال الواقف أمامه من فوره
" هازار يحي غيلوان تقصد ؟ "
نظر له بصدمة وكان عليه أن يتوقع ذلك وأن رجلاً مثله سيعلم
حتى فيما يفكر ! تنفس بعمق وقال
" أجل هو أعني وأريد جوابا بكلمة واحدة فقط سيدي أهو على
قيد الحياة ؟ "
وراقب بفضول الذي أومأ برأسه إيجاباً قبل أن يقول
" أجل لكن لا يمكنه دخول البلاد حالياً ولفترة لا يمكن
تحديدها "
لم يستطع منع تلك القسوة التي زحفت لملامحه وحدقتاه
الرماديتان قبل أن يقول
" ليس وقت عودته ما أسأل عنه بل أريدك أن تبلغه رسالة "
أومأ له بالموافقة دون أن يتحدث فتابع من فوره وبنبرة جادة لم
تخفى لمحة الضيق فيها
" قل له زوج شقيقتك يقول لك لو كنت مكانها ما غفرت لك ما
حييت وإن كنت مكانك لكنت فضلت الموت على أيدي أعمامي
وقبيلتهم وما كنت تخليت عن امرأة من دمي وتحتاجني لينتهي
بها الأمر مرمية في الشارع "
وما أن أنهى عبارته تلك استدار وغادر ناحية الواقف عند الباب
ينتظره وخرج خلفه لازالت تراقبه تلك النظرات التي همس
صاحبها مبتسما
" رجل أنت فعلاً يا يمان "
*
*
*
فتح الباب مبتسما على حديث الداخل خلفه يتحدث بحماس عن
القوانين المصاغة حديثا من قِبل المدعي العام لتموت تلك
الابتسامة ما أن وقع نطره على الجالس في مكتبه هناك ينتظره
والذي وقف على طوله ما أن وقع نطره عليه وقد استقبله بنظرة
يفهمها جيدا فوقف مكانه ينظر لعينيه بصمت وجمود فنقل الواقف
بجانبه نظره بينهما وقال مبتسما باعتذار
" سأراك فيما بعد يا وقاص "
وغادر مغلقا الباب خلفه تاركا ذاك الجو المشحون يدور في حلقة
مغلقة يلتف كالإعصار حول الواقفان متقابلان يتبادلان نظرة
قوية ورثتها جيناتهم عبر الأجيال محدودة النسل ومعقدة التركيب
في صمت مخيف لم يقطعه سوى ذاك الصوت القاسي للذي
تحدث عاقدا حاجبيه
" لما لا تجب على اتصالاتي يا وقاص ؟ "
أشاح بنظره عنه ودس يديه في جيبي بنطلونه وقال بجمود
" لأن كلانا كان في مزاج سيئ وأعتقد بأنه يكفي علاقتنا
نفوراً "
لون الغضب سواد عيني الذي شد قبضته على رأس العصى في
يده وقال بحدة
" انظر إلي وأنت تتحدث معي يا وقاص ولا تقلل من احترامي "
نظر له من فوره وقال بذات جموده
" أنا لا اقلل من احترامي لك وأنت تعلم ذلك جيدا "
قال مباشرة وبضيق
" ذاك في مخيلتك فقط يا ابن ضرار "
فلوح بيده وقال بضيق مماثل
" وأنا لا أراك جدي الذي عرفته فهل سيكون اللوم عليك ؟ "
أشار له بالعصى في يده وقال بضيق أكبر
" بل عليك في كلا الحالتين "
وتابع بغضب ضاربا بها على الأرض تحته
" إن كان ثمة من سيجعلني أندم على إخراج زيزفون من المصح
وجلبها للمنزل سيكون أنت يا وقاص "
أشار بإصبعه للبعيد جهة الباب وقال بضيق
" وإن كان ثمة من سيعيدها له كنزيلة فعلية فيه فسيكون
حفيدك ذاك "
وتابع وقد أشار له
" وصمتك سيكون السبب جدي "
فضرب بعصاه الأرض مجددا وقال بذات غضبه
" لا تبارزني في الحديث يا وقاص "
لوح بيده وقال بحدة
" أنا لا أبارزك جدي نحن نتناقش في مصير من يفترض بأنها
حفيدتك مثلنا تماماً بل وأكثر منا وهي الأنثى الوحيدة بين أحفادك
والتي عانت وقاست ما تستحق أن تعوض بما ينسيها ذلك "
اشتدت ملامحه قسوة أكثر وهو يصرخ به
" كم مرة سأذكرك بأنك لن تشعر بحفيدتي أكثر مني وأنّ تدخلك
في شؤنها لن يزيد وضعها إلا تعقيدا فلعلمك فقط يا نائب المدعي
العام فمحكمة العاصمة حوران فتحوا ملف قضيتها مجددا
ويطالبون بالتحقيق معها وراسلوا المصح الذي كانت فيه "
نظر له بصدمة لم يستطع اجتيازها بسهولة وقد همس ما أن
وجد صوته
" وكيف علموا ! "
أشار له بعصاه وقال بضيق
" اسأل نفسك هذا السؤال وأنت من لم يتوقف عن محاولاته
العقيمة في دمجها مع من هم حولها متناسيا أنه ثمة تقرير
بخصوص مرضها تحتمي خلفه وثمة قضايا قتل متهمة بها
لم تغلق بعد "
رفع يده وقبض أصابعه بقوة وكأن الصدمة أعجزته تماماً عن
التحكم في جميع انفعالاته فأنزلها مرتجفة وقال بضياع
" هذا ليس كافيا ليصلهم خبر مغادرتها المصح ، أنا محامٍ ولست
غبياً لأصدق هذا فثمة من سيكون أوشى بها عمداً "
قال المقابل له من فوره
" إن كنت تقصد نجيب وهذا ما أنا واثق منه فهو لا يعلم عن
ماضيها شيئاً فابحث عن عدو لك غيره "
أشاح بوجهه جانباً ولم يعلق على الرغم من أنه لم يقتنع يسحب
أنفاسه بقوة بل ويشعر بأنه سيفقدها نهائيا من صدره ، ولم يكن
يتوقع بأن الصدمات لم تنتهي بعد حتى وصله ذاك الصوت الجاد
" لذلك علينا إرجاعها للمصح النفسي "
نطر له بسرعة وقال برفض غاضب
" لا ذلك ليس حلا وأنا لن أسمح به "
فصرخ فيه مباشرة
" ما هذا التملك المرضي ناحيتها يا وقاص؟ "
لوح بيده قائلا باحتجاج
" هذا ليس تملكا بل شعور وإنسانية ورابطة دم ، أتعلم ما الذي
سيحدث لها إن هي عادت هناك ؟ "
قال من فوره وبذات غضبه
" لا حل غيره أو ستسلمها للسلطات بنفسك يا حفيد السلطان ،
وجريمتان تنتظرانها أي سجن مضاعف وسينتهي عمرها قبل أن
تنهي محكوميتها "
مرر أصابعه في شعره ينظر للأرض بتشتت وضياع قبل أن يرفع
رأسه ونظر له مجددا وأصابعه لازالت تتخلل شعر قفا عنقه وقال
بنبرة جوفاء
" ثمة من سيساعدني هناك وسنغلق ملف القضية مجددا لبعض
الوقت ، أنا أحتاج لبعض الوقت فقط "
واجهته تلك الملامح القاسية بالواقع المرير فورا
" فات الأوان على ذلك فقد بدأوا بإجراءات نقل القضية للمحاكم
البريطانية هنا وأنت تعلم جيدا معنى ذلك "
أخرج يديه من شعره بقوة صارخا
" لا هكذا سيحكمون بضياعها ، من هذا الذي له السلطة ليفعل
هذا ؟ من وراء عائلة المقتول يدعمهم بقوة هكذا لتدميرها ! "
حرك ذاك رأسه بالنفي قائلا بحدة
" لا أعلم ولا يعنينا التفكير في ذلك والتفتيش عنه "
مسح وجهه بكفيه وجمعهما عند شفتيه ينظر للفراغ بضياع قبل
أن ينزل بهما لجيبي بنطلونه ودسهما فيه وقال بجمود يعاكس
النيران المشتعلة في داخله
" فلينقلوا القضية وليفعلوا ما استطاعوا أنا من سيتولى الدفاع
عنها وسأخرجها منها لأنها بريئة وإن اعترفت بذلك "
حرك الواقف هناك يده والعصى فيها قائلا بضيق
" مغفل .. كيف ستثبت براءتها وهي تصر على أنها من فعل ذلك
؟ كيف تتحول لمحامٍ غبي هكذا فجأة ؟ "
لوح بقبته قائلا بحدة
" هي لم تفعلها .. إنها تحمي أحدهم وسأعلم بكل شيء ، أنا
أحتاج لبعض الوقت فقط "
واجهه بغضب حازم من فوره
" لازلت تصر على تدميرها بتدخلك يا وقاص ؟ "
أشار بيده جانبا قائلا بضيق
" وهل إرجاعها للمصح الحل المناسب ؟ "
" هو الأنسب "
قالها له مباشرة ولم يراعي ولا قسوتها عليه فأغمض عينيه بقوة
وتنفس بعمق قبل أن ينظر له مجدداً وقال بحزم
" مستحيل وعليا أن أعلم من هذا الذي أوصل لهم هناك خبر
مغادرتها المصح "
رأى الغضب الواضح في عينيه والذي يعلم سببه جيداً وكما توقع
لم يتأخر تعليقه الغاضب القاسي
" أبعد نجيب عن دائرة متهميك وابتعد عنه وعن التدخل في
حياته يا وقاص فمن حقه أيضا أن لا يتدخل أحد فيما يخصه أم
الأمر حكر لك وحدك ؟ "
شد قبضته بقوة حتى آلمته أصابعه وقال بأمل كسير
" جدي أنت يمكنك التعاون مع المصح مجددا وإخراج تقرير
من عندهم كما في المرة السابقة ؟ "
قال من فوره وبجمود
" سيُكشف الأمر مجددا مهما طال الوقت "
قال مباشرة
" وهذا ما أنا أحتاجه الوقت فقط "
اشتدت نبرته حدة وهو يقول
" وقاص كم مرة سأعيد بأنه عليك أن تبتعد عن حياة شقيقك
وعن زوجته "
" لكن أ..... "
قاطعه بذات نبرته الحادة
" إن أردت ذاك التقرير فابتعد عن نجيب وزيزفون وعن كل تلك
القضية يا وقاص "
قال بغضب محتج
" جدي حتى متى ستستخدم معي أسلوب المساومة ؟ "
قال من فوره وبحزم
" ما لديا قلته والخيار لك فإن كان نجيب وراء ما حدث كما تقول
فتدخلك في شؤونه لن يزيده إلا إصراراً على تدميرها بسببك
وليدمرك بها وأنت تعلم ما أعني جيدا "
قال بغضب رافض
" لو أفهم فقط لما تصرون على تركيب مشهد العاشقيْن لنا ؟ "
واجهه بغضب مماثل
" توقف إذا عن إظهار هذا وإيصاله لنا واحمي ابنة عمك منك
يا وقاص "
لوح بيده قائلاً بذات غضبه
" مستحيل ... أنت تطلب المستحيل جدي "
صرخ فيه بغضب مماثل
" لا تلقي باللوم على أحد إذا حين توصلها بنفسك للسجن "
وما أن أنهى عبارته تلك تحرك من مكانه ليغادر فأوقفه قائلا
" جدي انتظر "
فوقف ونطر له وقال بجمود
" أعلم بأن عقل حفيدي المفضل وذكائه لن يخوناه أبدا "
أشاح بوجهه عنه وتنفس بعمق مغمضاً عينيه يتخيل فقط أن
تصل للسجن بالفعل ويقف هو مكتوف اليدين لا شيء بيده سوى
أن يبكي فقدها وحيداً ويخذلها كما فعل الجميع ، ما سيكون عليه
عالمه حينها وأي سواد ذاك الذي سيغلفه ؟ .
" ماذا قلت ؟ "
رفع نظره للذي يبدوا أنه يصر على استعجاله حتى في موته وقال
بقلة حيلة مجبراً نفسه على كل ذلك
" سأبتعد عنها لكنها لن ترجع للمصح النفسي وسيقدم التقرير
بخصوصها والأهم لن يخرجها نجيب من المنزل "
لاذ ذاك بالصمت للحطة قبل أن يقول بحزم
" أقسم لي بالتزامك بذلك يا وقاص "
شد قبضتيه بقوة يشعر باحتراق في داخله يكفي لإشعال مدينة
بأكملها وقال بجمود يعاكس دواخله تماماً
" أعدك أن أفعل "
قال الذي لم تترك نظراته القوية عيناه ومباشرة
" بل أقسم لي فقد تفعلها ولأول مرة في حياتك وتخلف وعدك
لكن قسمك لا وأنا أعرفك جيدا "
فمرر أصابعه في شعره ينظر للأعلى مستغفرا الله بهمس ولم يعد
يريد شيئا سوى إنهاء هذه المشادة الكلامية المنهكة لروحه وقلبه
وحواسه أجمعها والانفراد بنفسه وأفكاره ليجد حلا لكل هذه
الكوارث المتعاقبة ، أنزل رأسه ونظر للأسفل وقال بأسى مجبر
" اقسم أن أبتعد عنها وعنه فالتزم أنت بباقي الاتفاق ولا تجعلني
أفقدها "
عقد حاجبيه وقال بقسوة
" ما هذا الذي أسمعه يا وقاص ؟ "
رفع نظره وعينيه التي سيطر ذاك الألم عليهما رغما عنه وضرب
بقبضته على صدره قائلا بأسى
" يكفيكم قتلا لهذا ، لقد وعدتُ وأقسمت وسأبتعد عنها بل وعنكم
جميعكم فارحموني "
قست ملامحه وصرخ فيه فورا
" وقاص لا تتصرف كطفل "
نظر للأرض وسحب نفسا طويلا لصدره وأخرجه ببطء قائلا
بانكسار
" جدي حلفتك بالله ننهي الحديث عن الأمر فقد حصلت على
ما تريد "
فلم يسمع بعدها سوى خطواته وصوت ضرب طرف عصاه
للأرض وهو يجتازه حتى خرج ضارباً الباب خلفه فأغمض عينيه
بقوة يشعر بأنه ضرب به قلبه بل وأغلق باب حياته الوحيد بما
فعل ويفعل ، فتح تلك العينين المليئتين بالألم والغضب وتوجه
جهة مكتبه ورمى كل ما كان على طاولته صارخا بغضب ما كان
ليطفئه ولا تدمير المكان بأكمله .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 82 others like this.
رد مع اقتباس
#8605
قديم 21-03-18, 10:11 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
لا تصدق أن عمرها تجاوز الثلاثين عاما وأن لها ابنة بطولها
وكأنما عادت بها السنين لمرحلة مراهقتها تنام في حضن الرجل
الذي لم تراه إلا من ساعات لكنها عرفته وبحثت عنه من أعوام
طويلة ورمت بنفسها في الخطر فقط لتعرف من يكون ، وهذا
حالهما منذ وقت جالسان على الأرض يسند ظهره بسريره
وتجلس هي ملاصقة له نائمة على كتفه تطوقها ذراعيه تدفن
الفقد والاحتياج في ذاك الحضن تستنشق حتى تلك الرائحة التي
عشقتها من قبل أن تعرفها .. رائحة الانتماء .. أجل إنها رائحة
الدماء التي تنشقها وهي تجري في العروق ، لقد عرفت حضن
والدها الذي رباها لأعوام واختبرت حنانه ودفئه الذي لم يحرمها
منه يوماً لكنها لم تتوقع أن تشعر بهذا الشعور في حضن الرجل
الذي تراه لأول مرة ! إنها الفطرة والغريزة أو أنه الاحتياج
والشعور بالغربة والضياع بعد وفاة الرجل الذي كان أعظم ما
يربطها بالحياة ... الأسباب عديدة والنتيجة ذاتها ( والدها )
وهي قطعة منه ودمه يجري في عروقها .. والدها فقط لا حدود
بينهما لا أسماء متغايرة ولا زيف وإن كان سراً مدفوناً وحسرة
أخرى في قلبها إلا أنها وهما وحدهما هكذا يمكنها النوم في
حضنه وبث همومها واحتياجها له .
ابتعدت عنه ونظرت لعينيه وقالت بحزن
" حتى متى سنبقى هكذا غرباء عن بعضنا أبي ؟ "
مسحت كفه وأصابعه على شعرها بحنان ونظر لها بحزن أعمق
فماذا سيقول لها وبما سيخبرها وبلسانها قالت قبل قليل وهي
تترجاه أن يمنع ابن شقيقه من تدمير اليرموك بأنها على استعداد
لأن تفقد حياتها ولا تفقد شخصاً آخر من عائلتها التي تربت معها
وها هي كما قال عنها مطر تفكر بجنون وتهور حين يتعلق الأمر
بمن تحبهم فكيف سيخبرها عن أسبابه الحقيقية ؟ نظر لملامحها
بصمت للفاتنة التي فاقت ما وصله من وصف لها ومما تخيل ..!
تشبهها فعلا !! هي تشبه تلك المرأة التي رآها لمرة واحدة في
حياته قبل أن يحرم ليس من رؤيتها فقط بل ومن عائلته وحياته
وبلاده ، مسح بيده على طرف وجهها وقال مبتسما بحنين
" تشبهين جدتك يا غسق وفي كل شيء سوى أنها منحت عيناها
لإبنتك أما إن نظرت لعينيك شعرت بأني أنظر لعيني والدتك وكم
أتألم وتألمت لفراقها "
أمسكت يده وقبلت باطنها بعمق مغمضة عينيها ثم دفنتها في
نعومة عنقها ونظرت له بعينين دامعة وقالت بحزن وعبرة
مكتومة
" لقد بكتك حتى ماتت .. لم تنساك يوماً وعاشت مع ذكراك
وحزنها عليك ، والدي شراع أخبرني بذلك وقال بأنه عجز عن
أن ينسيها حتى حزنها من أجل المستقبل "
نظر للأسفل وقال بحزن
" ولا أنا استطعت اجتياز ذكراها وحسرتي عليها وطفلي في
أحشائها أتركهما لغيري مكرها وأسلمها وطفلي لرجل آخر أصبح
زوجها ووالد ابنتي منها وكل ذلك لأحميكما مني ، حتى أني لم
أستطع النظر لابنتك لأعوام لأنها تشبهها .. تشبهها كثيرا حتى
في طريقة حديثها .. صوتها ضحكتها رقتها وتأثرها بجميع من
هم حولها وبحثها عن سعادتهم ، كانت ألما لي بقدر ما كانت ما
يواسي غربتي هناك ، كنت أحن وأشتاق لرؤيتها دائما وأبتعد
مجبرا بسبب الألم الذي تخلفه أطياف الذكرى ليلا حين أكون
والصمت والظلام وحدنا "
امتلأت عيناها بالدموع تراقبه وقد التفت ناحية السرير خلفه
وللنائمة عليه كطفلة صغيرة تجمع كفيها تحت وجنتها المتوردة
وقال مبتسما بحزن
" غير أنها أخذت أيضا من جمالك ووسامة والدها فكانت هكذا
منذ صغرها كالدمية الجميلة تكبر وتزداد حسناً حتى أن والدها
كان يخشى عليها من كل شيء وحتى من رجاله الذين يثق بهم
ثقة عمياء فلم يراها منهم أحد حتى كانت هنا ، بل وحتى قاسم
ابن عمته لم يكن يعرفها "
نقلت نظرها لها أيضا بحزن تراقب رموشها المبللة بالدموع حتى
الآن فقد بكت معها حتى ترجاها والدها أن تتوقف عن البكاء
لتسكت هي ، ومن هذا الذي كان يستطيع أن يمسك دموعه عن
البكاء معها وهي تشتكي له باكية بوجع من كل شيء حتى منه
هو نفسه ومن ابتعاده عنها واحتياجها له ومساومتها
لتكون معه .
مرر إبهامه على خدها وعلى الدمعة التي انزلقت عليه ببطء
تعانق تلك الآثار الحمراء الواضحة على بشرتها البيضاء وشعر
بذاك الغضب المستعر ذاته كلما رأى آثار أصابعه تلك ، يعرف
مطر جيدا ليس من النوع الذي تمتد يده على امرأة ولأي سببٍ
كان وأكبر دليل كان شقيقته المختلة عقلياً تلك ولن يكون فعلها
من فراغ فما يوصل الرجال للغياب عن رشدهم سوى ألسنة
النساء ، لكنه ما من شيء يستحق أن يرفع يده عليها لا شيء ،
أبعد يده عن وجهها وقال بجدية
" لن أسكت له عن هذه يا غسق ولن تتكرر وأنا حي أتنفس
وسأكسرها له قبل أن يمدها عليك هو أو غيره فليس سجني
هنا معناه أني عاجز عن حمايتك "
تبدلت نظراتها للألم وأشارت لقلبها هامسة بوجع
" ألمي ليس هناك بل في هذا أبي وما رآه منه لن أشعر بعده
بأي ألم وإن جلدني حتى الموت "
تنهد بعمق وما أن كان سيتحدث سبقته قائلة بجمود
" وأنا من سيأخذ بحقي منه بنفسي ، أليس ذاك أحد حقوقي ؟
سنتصافى إذا في كل ما جرعني إياه "
نظر لعينيها بصمت لبرهة لذاك الغضب الأسود المسجون في
سواد حدقتيها الكبيرتان قبل أن يقول بجدية
" غسق لا أحد يناقشك في ذلك لكن عليكما حل ذلك بينكما
بالجلوس معا والتفاهم دون صراخ وأن يهين أحدكما الآخر كما
كان الأمر قبل ساعات "
أشاحت بوجهها جانبا وقالت بذات جمودها
" لا حديث بيننا عن شيء وهو من أغلق سبل الحوار بيننا منذ
أربعة عشر عاما حين تركني أنتظر تبريرا تأخر حتى بات مؤلما
أكثر من الصمت عنه ، أنا وابن شقيقك لا شيء يجمعنا سوى
ابنة تحمل اسمينا كانت خطأ من أساسه "
نظر لها بصدمة قبل أن تتبدل نظرته للضيق قائلا
" غسق أهذه نظرتك لتيما ؟ لابنتك التي عاشت حياتها في الغربة
تبكي فراقك وشوقا لرؤيتك ! أترينها مجرد خطأ ما كان عليه
أن يوجد ! "
نظرت له وقالت مندفعة
" أبي أنا كنت أقصد أ.... "
قاطعها قائلا بذات ضيقه
" قصدك واحد يا غسق فما ذنب تيما إن لم تكونا على وفاق ؟
هل أجبرك ابن شقيقي على أن تشاركيه سريره ؟ هل أخذ حقه
منك مكرهة ؟ اجزم على أن الجواب لا وليس مطر من ذاك النوع
ومهما كان رجلا قاسيا ويأخذ جميع الأمور بشكل جدي فلا ذنب
لابنتك فيما وافقت أنت عليه ولا في أخذ والدها لها ولا كل ما
تمران به الآن فاسألي نفسك أين هي ابنتك من حياتك ؟
ماذا تعلمين عن مشاكلها ؟ عما يحزنها ويبكيها ولما عادت من
منزلك باكية ؟ حتى أنني كلما دخلت غرفتها كانت تتحدث في
هاتفها إما مع ابن الكاسر ابن شراع أو مع رعد فأين أنت من
حياتها ومن همومها ؟ والدها منشغل طوال الوقت بمشاكل البلاد
ومسئولياته التي لا تنتهي وهكذا هم الرجال يشغلون أنفسهم وإن
بلا شيء فأين أنت عنها والدتها والتي تحبك أكثر من نفسها ؟
عليك أن تفصلي ابنتك عن مشاكلكما يا غسق لا تعقدوها من
الزواج والاستقرار بسبب حروبكم التي لا تنتهي ، عليك أن
تكوني أقرب لها من سواك "
شعرت بكلماته كضربات متتالية لقلبها فحتى متى سيتهمونها
بالتقصير في واجبها ناحية ابنتها ؟ فها هم جميعهم يفكرون بذات
المنطق وبأنها أم فاشلة ... يقولونها لها بصيغ متعددة والمقصد
واحد فلم يتجرأ على قولها لها جهارا وبلا مراوغة سوى ذاك
الأب الناجح فوحده من لا يراعي ولا مشاعرها ليهينها بعبارات
مغلفة برقة مزيفة تحت مسمى النصيحة مثلهم ، تلاحقت أنفاسها
الغاضبة قبل أن تقول بضيق محتجة
" هو من لم يترك لي ولا الفرصة لذلك أبي ، لقد حرمني كل
شيء فما سأجده وستجده هي لدي بعد كل هذه الأعوام وهو
يرجعها لي شبه امرأة وبعدما غذى روحها وأفكارها وأشبعها به
بمطر شاهين الذي باتت لا ترى السعادة في أي شيء من دون
وجوده بل والعالم بأسره إن لم يكن هو موجودا فيه فلن يستمر ،
تيما ترى فيا سعادة والدها الوهمية التي يصورها لها عقلها فقط
ولن تحبني قط كما أحبته لأنها لم تعرفني بل عرفته هو "
قال محتجا من فوره وملامحه لا تزداد إلا حدة
" مخطئة يا غسق فتيما لم تعرف والدها أيضا فهو كان بعيدا
عنها بعده الآن .. عاشت تحلم بالعائلة بالاستقرار وبالأشقاء فهي
تبحث عن سعادتكما أنتما وليس هي وإن بقيتِ تنظرين لها بهذا
الشكل ستخسرينها وسريعا جدا "
حركت رأسها قائلة برفض
" تيما ابنتي وأنا أحبها ولن يحبها أحد مثلي ولا والدها ولا
أي كان "
قال بضيق متجاهلا انفعالها الرافض ذاك
" غسق أنا أتحدث معك الآن كامرأة راشدة ليس كطفلة أو
مراهقة وأنت تفهمين ما أقوله جيدا فلا تجعلي من ابنتك ثمنا
للحرب بينكما "
لوحت بيدها قائلة بضيق مماثل
" وما هذا الذي عليا فعله لترضى ؟ أرجع لوالدها فقط لتشعر
بالسعادة ؟ من هذا الذي يدمر نفسه وينسف كرامته بيديه "
قال بجدية
" كم من امرأة تحملت ما لا يستحمله الرجال من أجل أبنائها
ولولا تلك التضحيات ما بقت امرأة مع زوجها ، وهذا ليس حديثنا
الآن فلا أحد ينتظر منك تضحية كتلك ما أقوله بأنه عليك أن
تتفهميها فابنتك لازالت تهذي بك وتناديك وهي نائمة .. لازال
احتياجها لك في داخلها لم يمتلئ يا غسق رغم وجودك بقربها
فلا تعطي ابنتك عمراً أكبر من سنها فكلاكما يعاملها على أنه
ابنها وليس العكس بل وإبن عاق أيضا "
قالت بضيق محتجة
" أبي أنا لست أ... "
فقاطعها قبل أن تفكر في قول أي حجة جديدة
" أنت تخطئي يا غسق حين تحملين ابنتك ذنب حبها له ، لا
تنظري لها بعين حقدك على مطر فمن حقها أن تحب والدها فهل
إن كنت أنت المخطئة سيرضيك أن تقف معه ضدك ؟ "
مررت أصابعها في غرتها وصولا لعقدة شعرها وفكته ولفته
مجددا وكأنها تهرب بكل ذلك من توبيخه الأبوي الحازم لها فهذا
من سيملك مطلق السيطرة عليها بل ومن قد يغير ويتحكم في
قراراتها وذاك ما حدث فعلا ما أن وقفت ورفعت حجابها فوقف
أيضا وقال عاقدا حاجبيه
" إلى أين يا غسق ؟ "
قالت وهي تلفه حول شعرها جيدا
" لقد أشرقت شمس الصباح أبي سيقلق أشقائي وإبني
لتأخري "
قال من فوره
" هم يعلموا بأنك هنا ثم هذا منزلك يا غسق وأنت ابنتي "
نظرت حولها وكأنها تتأكد من أنها لم تنسى شيئا وهي التي لم
تُحضر معها أي شيء أساسا وقالت ما أن عادت بنظرها له
" منزلي هناك وسأزورك دائما ولابد وأن هذا الوضع لن يستمر
للأبد أو أشتري منزلا تكونان أنت وابنتي معي فيه "
نظر لها بحزم قائلا
" بل هذا منزلك يا غسق "
قالت من فورها وبضيق
" بل منزله وليس منزلي ولا أريد لأي مكان أن يجمعني به "
قال بحدة
" ليس منزله ولا منزل أي أحد هذا منزل عائلة الشاهين بأكملها
ولا أحد يحق له إخراج أحد منه .. وحتى قاسم وأبناء جوزاء "
قالت بذات ضيقها
" جميعهم ليسوا مثلي أبي ... ثم نحن من حقنا أن نستقل كعائلة
بعيدا عنهم "
اشتدت ملامحه وقال بأحرف مشدودة
" إذا استقلي من دوني فيبدوا بأنك في غنى عني يا ابنة شراع "
نظرت له بصدمة وقالت
" أبي ما هذا الذي تقوله ! "
أشار بسبابته للأسفل وقال بحزم
" هذا منزلك مثل الجميع وستكونين فيه معي ، لن يعارض أحد
أن تزوري أشقائك وأن يأتوا لزيارتك وأن تخرجي متى ما أردت
ذلك وحيث تشائين لن يمنعك أحد من ذلك فما حجتك إذا ؟ "
كانت ستتحدث والاعتراض بادٍ بوضوح على ملامحها الجميلة
فسبقها قائلا بضيق
" غسق أريد أن أفهم الآن أتريني والدك أم شخص زائد
وغريب عنك ؟ "
قالت محتجة
" أبي أ.... "
قاطعها مجددا وبذات ضيقه
" لو كان شراع صنوان مكاني الآن أكنت سترفضين طلبه أو
تعصين أوامره ؟ "
قالت بذهول
" أبي لما تقول هذا ! "
قال من فوره وبحزم
" لأنها الحقيقة والواقع وما كانت قدمك لتعتب باب المنزل
وهو غير راض عن ذلك "
لوحت بقبضتها قائلة باحتجاج
" لا ليس صحيحا فهو لم يفرض قراراته عليا يوما ولم يهمل
حقي في اختيار ما أريده "
تنفس بعمق قبل أن يقول ببرود
" معك حق فأنا لم أعرف معنى أن أكون أباً لأحدهم يوما وجاهلا
بأساليب التربية والتعامل الصحيح "
حركت رأسها برفض وملامحها تعلوها الصدمة قبل أن تقترب منه
وأمسكت وجهه ورفعت جسدها على رؤوس أصابعها وقبلت
رأسه ثم نظرت لعينيه الغاضبة قائلة
" آسفة أبي اقسم أني لم أقصد ما فهمته وسيحدث ما تريد
ويرضيك فقط لا تغضب مني "
أغمض عينيه متنهدا بعمق ثم نظر لها ومرر يده ماسحا على
رأسها وقال
" وأنا آسف إن قسوت عليك في حديثي لكني أرفض الخطأ يا
غسق ومن أي كان فكيف بابنتي ؟ ولا يعاتبك سوى من يحبك "
أمسكت يده وقبلت باطنها بعمق ثم نامت في حضنه مطوقة
خصره بذراعيها هامسة بحزن
" لا حرمني الله منك أبي ولا أبكى عينيا فقدك يوما ..
يكفي ما قاسيناه كلينا "
*
*
*
نظرت لها وابتسمت بحزن وهي تراقب أناملها البيضاء الرقيقة
والزهرة الصغيرة بينهم وهذا حالها أغلب الأحيان شاردة حزينة
ورغم محاولاتهم الدائمة لدمجها معهم إلا أنها لازالت تنعزل في
عالمها الخاص بها وكم يؤلمها صمتها الذي تراه في كل مرة
يسرقها بعيدا عنهم ، ابتسمت بحب قائلة
" يمامة كيف وجدت مدرسك الجديد ؟ والدك أيوب يرى بأنه
علينا تغييره بمدرسة والمحاولة مجددا "
رفعت نظرها لها وأهدتها تلك الابتسامة التي تعشق وتذكرها
بشروق الشمس وقت الفجر .. تلك الابتسامة التي تجعل ملامحها
الجميلة تزداد وضوحا لتتحول لزهرة رقيقة فاتنة لا تشبع أبدا من
النظر لها وزادها ذاك الصوت الرقيق المنخفض
" حسنا لا مانع لدي أمي "
ابتسمت لها بحنان فورا .. آه ليت كل الفتيات مطيعات مثلك يا
يمامة ، هذه الفتاة لا تعرف كلمة رفض ولا اعتراض أبدا هي
تشبه النسيم الصيفي البارد لا تشعر سوى برقتها وعذوبتها لا
تضر بقدر ما هي المتضرر في هذه الحياة ورغم تصميمها على
أن تلحقها بمن هم في سنها في المدرسة وضغط الدروس عليها
لا تراها تحتج ولا تمانع ، ولأن شقيقها سبق وعلمها الأحرف
والأرقام وجميع العمليات الحسابية والكتابة والقراءة لا ترى أن
التكاسل في تعليمها أمراً مستحسنا خاصة أنها ذكية وسريعة في
الفهم والحفظ كما لاحظت فهي مصممة على أن تلتحق بمن هم
في سنها خلال امتحانات نهاية المرحلة الإعدادية لتجلس معهن
في صفوف المدرسة الثانوية فأمامهما عام كامل وستجلب لها بدل
المدرس عشرة وستلحقها بدورات تعليمية وستكون معها فيها
ولن يرتاح لها بال إن لم تكن مع بثينة في العام بعد القادم .
جذبتها رائحة ذاك العطر الرجالي القوي وجعلتها تلتفت غاضنه
جبينها باستغراب من قبل أن يظهر لهم صاحبه من خلف أشجار
حديقة المنزل حيث يفضلون الجلوس في الصباح الباكر وتعلم
جيدا بأن صاحب ذاك العطر لا يحب الجلوس معهم ولم يفعلها
سابقا فما سيأتي به وهي لم تراه تقريبا الأيام الماضية فيومه
مليء تقريبا بين أعماله مع والده وجامعته ورسالة الماجستير ؟
ويبدوا بأن عاداته تغيرت فجأة ! وما أن ظهر لهم بوضوح أكبر
من خلف جذع الشجرة .. صاحب ذاك الجسد الشبابي الرشيق
يسير بخطوات بطيئة أنيقة يديه سجينتا جيبي بنطلونه الجينز
وارتفعت أطراف قميصه الأبيض المقسوم لنصفين بخط أزرق
واضح يشبه لون بنطلونه الذي اختلط باللون الأبيض في مسحتين
واضحتين عند فخذيه وساقيه فضيقت عينيها تنظر لعينيه
وابتسامته الماكرة تلك والتفتت جميع الرؤوس فور اقتراب
خطواته وكما توقعت حول نظره حينها للجالسة على يسار
الجالسة بجانبها وابتسم لها ولم يزدها ذلك إلا اشتعالا فقالت من
قبل أن يصل ناظرة للجالسة بجانبها
" بثينة اجلسي مكان يمامة ولتجلس هي هنا "
نظرت لها الجالسة بجانبها باستغراب قبل أن تقف وقالت
بابتسامة مازحة للتي دارت حولها
" التصقي بوالدتك يا يمامة .. ضاع مستقبلي "
فابتسمت لها تلك العينان الرمادية الواسعة قبل أن تزحف
صاحبتها نحو التي نامت في حضنها فورا وطوقتها جوزاء
بذراعيها وقبلت رأسها قائلة بابتسامة
" ليت كل ابنة في الوجود مثلها "
وتابعت بمكر ويدها تمسح على شعرها تنظر للذي وصل عندهم
وجلس متربعا بجوار شقيقته
" رحم الله من أنجبتها لن تغفلها عيني ما دمت حية "
رمقتها تلك العينان السوداء التي تشبهها في كل شيء بنظرة
باردة وقال صاحبها
" يمامة اسكبي لي كوب شاي من أمامك "
وما أن كانت المعنية بالأمر ستتحرك مبتعدة عن حضنها أمسكتها
وقالت ترمقه بتوعد
" ليخدم نفسه بنفسه ، يده طويلة وتصل حيث يريد "
ابتسم لها وكأنه لا يرى نظراتها الغاضبة تلك ثم نظر للجالسة
بجانبه وقال
" تحركي هيا اجلسي يسارا "
نظرت له المعنية بالأمر بحنق قبل أن تقف متأففة وتمتمت وهي
تجلس في الجانب الآخر
" وأخرجوني خارج سور المنزل أفضل "
تجاهلها وتحرك في جلوسه بمساعدة يديه ليبقى متربعا كما هو
واقترب من التي كانت تنظر له مستغربة وهو يمد يده ليدها
وأمسكها وسحبها ناحيته متجاهلا تلك النظرات النارية للنائمة
على كتفها وقال ممررا أصابعه بين أناملها البيضاء الصغيرة
الرقيقة ونظره على تلك الأحداق الرمادية المحدقة به
" لدي خبر سيعجبك يمامتي "
ابتعدت حينها عن التي كانت تنوي سحب يدها منه وفشل
مخططها وقالت من فورها وعيناها تمتلئ بالدموع
" يمان ..!! هل وجدته ؟ "
قبض على أصابعها بيده الأخرى أيضا وقال مبتسما
" أجل وهو في الجنوب الآن "
وضحك متفاجئا حين ارتمت في حضنه وطوقت عنقه بذراعيها
قائلة ببكاء
" شكرا لك أبان .. حمدا لله أنه بخير كدت أموت قلقا عليه "
ضحك ومسح بيده على ظهرها قائلا بمكر ونظره على تلك العينان
الغاضبة المتوعدة
" يبدوا كان عليا نقل الخبر لك في غرفتك "
ابتعدت عنه حينها ونظرت له بصدمة وكأنها تترجم ما قال قبل أن
يتلونا خديها إحراجا وهربت بنظرها منه فلامس أنفها بطرف
إصبعه وحركه قائلا بابتسامة
" لا تملأ لك إحداهن رأسك بالأفكار السوداء يا جميلة "
" بثينة خدي يمامة وراجعا ما درسته في غرفتها "
كانت تلك العبارة الآمرة من التي لا يعصى لها أمر ولا يناقش
فوقفت التي قالت متمتمه بحنق
" كنت أعلم منذ ولدت في هذه العائلة بأني سأبقى مهمشة للأبد "
وما أن رمقتها تلك العينان بتوعد توجهت نحو التي سحبتها من
يدها قائلة
" تعالي هيا قبل أن أتحول أنا لدرس للجميع "
فقاومت سحبها لها وقالت ناظرة للذي كان ينظر لها مستندا بيديه
على الأرض خلفه رافعا رأسه نحوها .. تلك الملامح الطفولية
الفاتنة والصوت الرقيق الحزين الراجي
" ومتى سأراه ؟ خذني له أبان أرجوك "
رمق الجالسة بجانبه بطرف عينيه مبتسما قبل أن يرجع بنظره
لها ورفع يده ورسم بسبابته أمام وجهه قلباً صغيراً في الهواء
وقال مبتسما
" كان سيكون من هذا لكني لا أستطيع يمامتي فدخول أراضي
غيلوان فيه موتي وموت صديقي الذي يستأجر شقيقك ملحق
منزله "
نظرت له بحزن وعبست ملامحها الجميلة فقالت جوزاء قبل أن
يتحدث " سأخبر والدك أيوب ويرسل من يجلبه يا يمامة لا
تحزني بنيتي"
فابتسمت لها من بين حزنها ومسحت بظهر يدها الدمعة التي لم
تفارق رموشها بعد على صوتها قائلة مجددا
" غادرا هيا وسألحق بكما حالا "
فغادرتا معا من فورهما ولحقت بهما التي صرخت بطفولية
" انتظرا سأرسم معكما "
وغادرن لا يسمع سوى ضحكاتهن ونظرات التي ودعتهم مبتسمة
تتبعهن ليعيدها ذاك الصوت الرجولي الحانق
" أي غضب من الله هذا الذي تجلبيه لنفسك وأنت تحرضي امرأة
على زوجها يا جوزاء ؟ "
نظرت له نظرة تشبه نظرته وقالت بضيق
" أنت قلتها بنفسك زوجة وليست خادمة لديك تسكب لك الشاي
... اخدم نفسك بنفسك ، ثم هي ليست زوجتك سوى قانونيا وأنت
مجرد بطاقة دخول لها لتكون هنا ، هذه ابنة جوزاء الحالك
وأيوب الشعاب وبموافقتك إن نسيت ؟ "
نظر لها بصدمة قائلا
" أمييي "
فقالت من فورها وبحدة
" لست أمك ولن أكون أماً لرجل لا كلمة له وهو من قال بلسانه
سابقا بأنه لا يريدها "
نظر لها بحنق نظرة أهدته أقوى منها فانقلب مزاجه فجأة وكعادته
وقال مبتسما بمكر
" لم اخبرك جدتي تسلم عليك "
انقلبت قسمات ملامحها هي أيضا لكن للاستغراب قائلة
" جدتك من ! "
ضحك رافعا رأسه للأعلى قبل أن ينطر لها مجددا وقال بابتسامة
مائلة
" أعتقد بأنه لدي جدة واحدة فوالدتك متوفية إلا إن لم أكن
ابنك ! "
تجعدت ملامحها وقالت بضيق
" وما الذي أخذك لجدتك تلك ؟ "
نظر لها بصدمة مصطنعة وقال
" أمي لا تنسي بأنها والدة والدي وصلة رحم يا فاضلة !! "
انفجرت فيه غاضبة من فورها
" صلة رحم وهي تكره والدتك وتسعى لطلاقها من والدك ومنذ
أعوام ؟ بل وتكرهكم جميعكم لأنكم لا توافقون رأيها ! وأي سلام
هذا الذي ترسله لي معك وهي لا تطيقني في بلاد "
وقف على طوله ونفض يديه قائلا ببرود
" المهم أنها تسلم عليك وأنا ألححت عليها أن تأتي لزيارتنا
وهي وافقت "
وغادر من هناك يصفر مبتسما باستمتاع لاشتعالها وكل تلك
النيران التي تركها تشتعل خلفه في جوف التي وقفت قائلة بضيق
وصوت مرتفع ليسمعه
" اشتري منزلا واستقبلها فيه يا ابن جدتك مفهوم ؟ "
التفت لها من بعيد ورفع إبهامه قائلا بضحكة
" لا مانع لدي لكن ستكون زوجتي معي فيه يا جوزاء
اتفقنا ؟ "
وغادر متجاهلا تلك العبارة الغاضبة التي لحقت به
" في منامك يا ابن جوزاء ... نم واحلم بها "
فابتعد ملوحا لها بيده دون أن يلتفت لها ولا أن يعلق تاركا إياها
تشتعل خلفه تتوعده في سرها بالويلات وتحركت مغادرة المكان
أيضا لكن في اتجاه مغاير جهة المنزل ليوقفها ذاك الصوت
المنادي من مكان قريب
" أمي "
فابتسمت بحنان وسعادة وعيناها السوداء الواسعة تمتلآن
بالدموع ووقفت تنظر حولها جهة ذاك الصوت المنادي قبل أن
يظهر لها صاحب البذلة الزقاء المذهبة الخاصة بالطيران والذي
انحنى قليلا ليعبر من تحت أوراق الشجرة التي اعترضت طريقه
فهمست بسعادة وحنان تنظر لعينيه المبتسمتان لها
" غيهم !! "
وصل عندها وحضنها فورا ذراعاه تحوطان كتفيها بقوك وقبل
رأسها قائلا بابتسامة
" أمي أكره رؤية دموعك متى ستفهمين هذا "
ابتعدت عنه وأمسكت يده وقبلت باطنها ثم أمسكت وجهه ناظرة
لعينيه بعينين دامعة وقالت مبتسمة بحنان
" حمدا لله على سلامتك بني ولا أبكى الله عينيا فقدا لك "
أمسك يدها وقبل ظهر كفها بعمق فمسحت بيدها الأخرى على
شعره هامسة بحزن
" هكذا تفعلونها بي يا مجرمين ؟ لا أحد أخبرني بأنك
قادم اليوم "
وضع يدها على خده تحضنه أصابعها الناعمة وقال مبتسما
" كنت أعلم بأنك ستقلقين حتى تنزل طائرتي بعدما حدث المرة
الماضية لذلك طلبت من والدي وأبان أن لا يخبراك حتى
أكون هنا "
عادت لاحتضان وجهه بيديها قبل أن تشده لحضنها مطوقة عنقه
بذراعيها وقالت مبتسمة بحنان
" لا حرمني الله رؤية هذا الوجه والابتسامة ولا حرمك رضاي
عنك يا قلب والدتك "
وما أن ابتعدت عنه نظرت لعينيه وقالت بترقب خالطه الكثير
من الفضول
" ماذا حدث بشأن كنانة هل ذهبت لزيارتهم ؟ "
ابتسم ومد يده لوجهها ومسح بإبهامه الدمعة المعلقة في رموشها
السوداء الطويلة وقال
" أجل ذهبت لزيارتهم أمي والأمور تسير على ما يرام "
قالت من فورها مبتسمة بسعادة
" إذا زال الخلاف بينكما يا غيهم ؟ "
ضحك بخفوت وقال
" تقريبا "
قالت باستغراب
" ولما تقريبا ألم تشرح لها السبب الحقيقي لتغيبك
عن الحفل ! "
قال بابتسامة جانبيه
" بلى لكن يبدوا أن الحقيقة لم ترق لها وصدقت كذبتها تلك "
تنهدت بعمق وقالت
" لكنك السبب يا غيهم لأنك تأخرت في التبرير لها ؟ لقد أهنتها
ووضعتها في موقف محرج مع عائلتها فما كنت ستتوقع
منها ؟ "
ابتسم بضحكة خفيفة وضمها لحضنه مجددا قائلا
" كم تعجبينني وأنتي تدافعين عنها هكذا يا عنصرية "
شاركته ضحكة قصيرة تشبه ضحكته وابتعدت عنه قائلة
" لن أحبها أكثر منك ولأني أحبك أريد لك الأفضل بني وتلك
الفتاة منذ رأيتها وتحدثت معها شعرت بأنها تناسبك تماما ،
إنكما ككفاي على بعضهما تماما وفي كل شيء "
وتابعت ناظرة له بنصف عين وابتسامة ماكرة تزين شفتيها
" أم لديك رأي آخر فيها وبأنها فعلا رائعة ومميزة في
كل شيء ؟ "
ضحك ورفع كتفيه قائلا
" لا تسأليني فهي لعبت بعقلي بمكر وتركتني أبحث عنها
لأيام وهي أمامي "
ابتسمت بسعادة ومسحت على طرف وجهه قائلة
" ليوفقك الله بني لما يحبه ويرضاه ويحقق لك كل ما تتمناه "
أمسك وجهها وقبل جبينها قائلا
" لا حرمني الله من دعواتك أمي ومن وجودك بيننا دائما "
ونظر لعينيها وقال مبتسما
" الباقي سأتركه لك ولوالدتها ولا تهتما لرفضها لأي شيء ولا
لحركاتها المجنونة فأنا واثق من أنها ستحاول إفساد الأمر بكل ما
تستطيع فعله "
ضحكت وضربت بيدها كتفه بخفة قائلة
" واثقة من أنك السبب فما فعلت لها يغضبها هكذا ؟ "
ضحك ولم يعلق وحضن كتفيها بذراعه وسار بها جهة المنزل
قائلا
" أحتاج لأن أستحم ولأكلتي المفضلة من يديك الجميلتين وأن أنام
ليوم كامل "
لامست يدها يده الحاضنة لذراعها وقالت ناظرة له بحنان
" من عيناي بني وما أن تستحم ستجد الطعام جاهزاً "
*
*
*
أشار بالقلم في يده دون أن يرفع نظره لها قائلا
" حسنا يا كوينوا الجميلة ضعيه هنا وشكرا لك "
وضعت الملف على الطاولة وقالت مبتسمة
" كنت مثالا لكل من لا ينطق اسمي صحيحا وها قد أصبحت
مثلهم "
ضحك وقال منشغلا بما يفعل
" أراه مناسبا وخفيفا وجميلا "
وتابع وقد رفع نظره لها
" صحيح لديا فضول في أن أعرف معناه ! "
ابتسمت له قائلة
" الكنانة هي جعبة السهام "
ضحك من فوره وقال
" إذا أنتي تحتاجين لقناص ماهر ليستحق أن يحملك على
عاتقه "
لم تستطع إمساك ضحكتها ورفعت خصلات شعرها خلف أذنها
قائلة
" حتى الصيادين الفاشلين يضعون الجعب على أكتافهم "
غمز لها وقال مبتسما
" مخطئة فذاك ييأس سريعا ويرميها عنه وأنتي تشبهين اسمك
تماما وسأناديك كنانة مجددا "
تشاركا ضحكة صادقة فهذا الرجل رغم أنه يكاد يكون في عمر
والدها إلا أنه بروح شاب صغير ورغم وظيفته كمهندس جوي إلا
أنه متواضع يعامل أقل موظف في قسم الملاحة الجوية على أنه
أعلى مكانة منه ، قالت مبتسمة
" وماذا إن أخبرتك أن مصر يطلقون عليها أرض الكنانة أيضا
فأين هي مني ؟ "
وضع القلم من يده وقال مبتسما بحماس
" لا هكذا سيحتاج الأمر لشرح أكثر فأخبريني أولا لما سميت
بذاك الإسم ؟ "
جمعت يديها خلف ظهرها وقالت مبتسمة
" إنها أرض النيل فتعني أرض الماء "
ضحك وقال مبتسما
" إذا أنتي هكذا عذبة ورقيقة كالماء .. أي فتاة الماء "
قالت بضحكة صغيرة وقد لوحت بكفها
" لا تسمعك زوجتك فأنا لا علاقة لي "
ضحك وعاد لأوراقه قائلا
" هذا سرنا لوحدنا يا جميلة فلا تخرجيه من هنا كي لا تسمع به
ابنتي فهي تغار نيابة عنها "
ابتسمت وخرجت من المكتب مغلقة الباب خلفها فها قد عادت
الآنسة كنانة لعملها السابق فكما قال ذاك المغرور المعتز بنفسه لا
حاجة لها لأن تترك عملها هنا وتبحث عن فرص متدنية بمميزات
أقل وراتباً أدنى بل وأقل متعة فهي تحب هذه الأمكنة بل وتعشقها
وأي أمر يمت للطائرات والطيران بصلة فإن كانت الطائرة عشقها
الأول فكل ما يخصها يأتي في المرتبة الثانية في كل جزء يخص
هذا المكان وإن عملت في سحب حقائب المسافرين من الطائرات
المهم أن تراها أمامها .
وصلت لصالة استقبال المسافرين تبحث بنظراتها في أرجاء
المكان عن هدفها وابتسمت ما أن وقع نظرها على الواقفة بعيدا
ملامحها الغاضبة المستاءة تراها بوضوح على بعد أميال
وتحركت مقتربة منها حتى وصلت عندها وقالت مبتسمة
" لعلمك فقط أنت سبب كل التحقيق الذي أتحفني به والدي
لأبقى في المطار حتى هذا الوقت "
نظرت لها وقالت بضيق
" ولما رفضت تغطية غيابي ؟ تحملي النتائج إذا وأنا لن أكون
في استقبال زير النساء ذاك وحدي أبدا "
وتابعت بذات ضيقها ملوحة بيدها في الهواء
" لا أفهم لما عليا استقبال ذاك المغرور ؟ أين عائلته عنه لا
يكونوا هم هنا ؟ ثم هو لا يسافر لأول مرة فلما يصر والدي على
أن نكون في استقباله ؟ ثم وبكل بساطة يتحجج بأنه مشغول
وعليا أنا وحدي أن أكون هنا "
قالت مبتسمة وكأنها لا تشتعل أمامها
" لا تنسي بأن خطبتكما اعلنت حديثا ووالدك سيرى أنه من
واجبه استقباله وإن هذه المرة فقط ولأنه مشغول كما قال
فسينوب عنه من سيتعذر عن غيابه ... هذا أمر طبيعي "
تأففت قائلة
" لكني لا أريد .. لما لم يجد بديلا عني أو تخبريه أنت أو ليتصل
به بعد وصوله "
رفعت كفها قائلة بابتسامة
" وها أنت هنا وانتهى الأمر فعليك أن تتحملي لد.... "
قاطعتها قائلة بضيق
" لا تقوليها أنت أيضا يا كنانة أو غضبت منك للأبد ، لقد سئمت
من سماع هذا الموشح وبأني السبب ... أعلم لا حاجة لتذكيري
بذلك "
نظرت لها بصدمة وقالت
" لكني لم أكن أريد قول ذلك بل قصدت تحملي لدقائق قليلة هنا
وينتهي الأمر "
تأففت مجددا وقالت
" ومتى ستصل طائرته الموقرة ؟ لقد تعبت من الوقوف فلنغادر
يبدوا بأنها ستتأخر كثيرا "
ضحكت وقالت تشير بإصبعها لإحدى اللوحات في الأعلى
" لو أنك تراقبين خط سير الرحلة لعلمت بأن طائرته نزلت قبل
دقائق وسيدخل المسافرون في أي لحظة ما أن تنتهي
إجراءاتهم "
نظرت جهة بوابة الاستقبال وقالت باستياء
" لا أفهم يملكون شركة طيران ويصنعون الطائرات أيضا فلما لا
يركب طائرة خاصة تهبط به فوق سقف منزلهم فإما أن يصل
أو يموت "
نظرت لها بصدمة وقالت
" ساندي ما بك تتمنين الموت لابن عمتي ؟ ثم الطائرة الخاصة
أيضا ستنزل به هنا في المطار "
نظرت لها وقالت متشدقه
" بل أنا من يعرف السبب .. هذا من بخله فقط لا يريد أن ينقص
عدد الطائرات التي يستأجرها أو يبيعها إن خصص لنفسه
واحدة "
حركت رأسها ضاحكة ولم تعلق فلا فائدة ترجى منها أبدا ولن
تتغير نظرتها له مهما حدث وكم تمنت أن كان والدها معها كما
كان يخطط لكان أخرسها على الأقل فتشتعل في داخلها بصمت ،
نظرت جهة البوابة الخاصة برجال الأعمال وللداخل منها ببذلة
سوداء فاخرة وأنيقة يحمل حقيبة في يده يتبعه شخصان ببذل
تشبهها في اللون لكن ليس في جودة القماش ولا فخامة التصميم
شعره مصفف للأعلى بعناية فائقة كعادته ليلفت أنظار أغلب
الموجودين في ذاك المكان الواسع المزدحم ولطالما كان ذاك
الباب الخشبي الأنيق المميز والمزين بأشرطة ذهبية عند ممشاه
عكس ذاك الأحمر للمسافرين العاديين مصدرا لجذب الأنظار فلا
يدخل منه إلا من يسحر القلوب بثرائه الواضح ، شدتها من يدها
وسارت بها نحو تلك البوابة قائلة
" ها قد وصل ورحمني قبلك "
قالت تتبعها بخطوات مسرعة فلازالت تمسك بيدها
" وأين المسافرون الآخرون ؟ كيف يصل لوحده ! "
قالت تعبر بها بين جموع المسافرين
" لأنها طائرة خاصة يا ذكية ولو أنك انتبهت للبوابة التي دخل
منها لعلمت بذلك أو نظرت للوحة الرحلة التي تنتظرينها فهي
وصلت من قبل قدومك "
نظرت لقفاها بصدمة قبل أن تلكمها على كتفها قائلة بضيق
" سحقا لك يا حمقاء تشبهين ابن عمتك فعلا ، لما لم تخبريني
بالأمر لكنت غادرت من هنا بحجة أن الطائرة نزلت قبل وصولي
وبأني لا أعلم عن أنها طائرة خاصة "
قالت وهي تقترب بها من الذي تحرك نحوهما مبتسما
" نسيت ذلك ولم أتذكر حتى رأيته "
لكمت كتفها مجددا قائلة بحنق
" لن أنساها لك أبدا يا كاذبة "
فتجاهلتها ووصلتا للذي مد حقيبته لأحد مرافقيه قائلا " استلم
حقيبة الثياب والفساتين ولا تتلفوها أريدها في حقائبها الخاصة
كما تم تسليمها وأنهي إجراءات السيارة وانتظراني في الخارج "
فغادرا من فورهما بعد انحناءة طفيفة منه وانتقل نظره هو للتين
وقفتا أمامه وقالت مبتسمة التي لازالت تمسك تلك اليد بقوة كي لا
تفر صاحبتها هاربة
" حمدا لله على سلامتك يا رواح ، يبدوا أن فرنسا
أعجبتك حقا ؟ "
قال مبتسما ونظره يبحث عن التي لازالت تختفي خلفها
" ما هذا الاستقبال المميز ؟ أي نيزك حظ هذا الذي أسقط
الجميلتين في استقبالي ؟ "
قالت التي غمزت له ضاحكة
" عليك أن تشكر والد خطيبتك إذاً فهو السبب في وجودنا كلينا
رغم أن الحديث عني ليس سوى مجاملة "
ضحك ومد يده ممسكا بيد التي بدأت تحاول الإفلات من قبضتها
والهرب وجذبها منها نحوه حتى ظهرت له من خلفها وشدها
لحضنه مرغمة وقال بضحكة
" سلمك الله حبيبتي عدت لك أخيرا "
ضربت صدره وقد تركها تبتعد طوعا قائلة باشمئزاز
" ابتعد عني لقد خنقتني برائحة العطور الفرنسية النسائية "
نظر لها بصدمة على ضحكة الواقفة بجانبها قبل أن ينقل نظره
لها قائلا بدهشة مصطنعة
" أسمعت يا كنانة ما تتهمني به وأنا من أقسمت لها مراراً بأني
لم اقبل غيرها أبدا ! "
ففغرت فاها بشهقة مصدومة ونقلت نظرها منه للتي كانت تنظر
له بصدمة أعجزتها عن التحدث قبل أن تصرخ فيه غاضبة "
اصمت يا وقح كم مرة قلت لك لا تتحدث عن أمر حدث منذ
طفولتي وكنت أنت السبب فيه "
شدها من يدها مجددا وقال سائرا بها
" أنا فقط أردت تبرئة نفسي أمام ابنة خالي وأنت السبب فلا
تنسي ، تعالي يا كنانة اتبعينا "
فتحركت خلفهما التي حركت رأسها مبتسمة فلابد وأنه سيحدث
شيء ما في العالم إن التقى هذان الأحمقان مرة دون أن يتشاجرا
ويغضبها طبعا بينما لا يتغير مزاحه هو أبدا وكأنهما طفلين لم
تغيرهما السنين أبدا ! تبعتهما وهو يدخل بها لأحد المقاهي في
صالة رحلات الوصول وانضمت لهما حيث الجالسة تكتف يديها
لصدرها ترمقه بضيق وهو يجلس فجلست معهما أيضا على
صوت التي قالت حانقة
" هل أفهم لما نجلس هنا ؟ ألم تصل يا رجل الأعمال الجديد فلما
لا تذهب لمنزلك ؟ "
تجاهلها ونظر للجالسة مقابلة له وقال مبتسما
" ما أخبارك يا كنانة وهل وصل لمنزلكم من طلب عنوانه
أخيرا ؟ "
نظرت له بصدمة وعضت طرف شفتها محذرة له فنقل نظره
منها للتي نقلت نظرها بينهما باستغراب فعاد بنظره لها وغمز
لها مبتسما قبل أن ينظر حوله وما أن لمح الفتاة الشقراء النحيلة
التي لم يتجاوز عمرها الخامسة عشرة وقد اجتازت طاولتهم من
خلفه فتبعها بنظره ينظر لساقيها وفستانها الذي لم يتحاوز نصف
فخذيها وصفر بإعجاب فالتفتت له التي تباطأت خطواتها وهي
تبتعد مبتسمة له ليتبعها صرير الكرسي حول طاولته ووقفت التي
قالت بضيق
" يا لك من مقزز لا تترك ولا المراهقات ! بل ولم تستحي من
وجودنا معك يا منحل "
وغادرت من هناك غاضبة تتبعها ضحكته قبل ان ينقل نظره
للجالسة أمامه تنظر له بصدمة وقال مبتسما
" ها قد خلصتك منها فاحكي لي ما حدث "
نظرت جهة باب المقهى قبل أن تعود بنطرها له وقالت باستياء
" لما تفعل ذلك بها ؟ أنتما مرتبطيْن في جميع الأحوال وإن كانت
رافضة لك وما فعلته يجرح شعور أي امرأة "
أشار للنادل الذي وقف عند طاولتهما وقال ما أن غادر
" حسنا لا مشكلة فأنا في نظرها زير النساء في جميع
الأحوال "
تنهدت بضيق قائلة
" لكنك لست كذلك ولست أفهم لما تصر على غرس هذه الصورة
عنك في دماغها ! "
رفع كتفيه قائلا
" لأنه لا فائدة من محاولة تغيير نظرتها لي وصورة رواح الطفل
المعجب بالشقراوات عالقة في دماغها ولن تقتنع أبدا بأنه سيتغير
ما أن يكبر "
ضيقت عينيها تنطر له بشك متمتم
" تحبها ؟ "
ضحك وقال
" ما كنت لأخطبها من نفسها وأتحمل كل ما تقوله لي إن لم أكن
أحبها .. لكن لا تخبريها بذلك كي لا تنتحر وأفقدها للأبد فذنبها
سيكون في عنقك وعقابك مني سيكون بأن تلحقي بها "
خرجت منها ضحكة صغيرة خالطت كلماتها الهامسة
" سحقا للحب بطريقتكم أنتم يا الرجال "
اتكأ على الطاولة تحته بمرفقيه يضم ساعديه لبعضهما وقال
" اتركينا منها الآن فبعد أن ربطتها بي لن تتحرر مني أبدا
وأخبريني ما حدث معك وما قال ابن شقيقة مطر شاهين
حين زاركم ؟ "
نظرت ليديها على الطاولة وشدت على أصابعها قائلة ببرود
" كان مريضا تلك الليلة وقت الحفل وأراني وصفة العلاج لكنه
لم يخبر أحدا غيري بذلك وتركني هكذا محاصرة بكذبتي التي
كذبتها وانقلبت لصالحه نهاية الأمر "
نظر لها باستغراب وقال
" أخشى أني لم أفهم الكثير مما قلته يا كنانة فأخبريني عما حدث
مفصلا "
رفعت نظرها له وتنهدت بضيق قبل أن تسرد عليه ما حدث
واستمع لها هو حتى أنهت كلامها وقال حينها بضحكة صغيرة
" فعلها بك الرجل ! سحقا لعقله ولن أستغرب هذا من الطيار
الذي أنقذ تلك الطائرة بمعجزة بل ومن شاب خاله يكون مطر
شاهين "
رمقته بضيق قائلة
" أراك مستمتعا جدا بما يحدث لي ؟ "
ابتسم وقال
" كنانة لن أكون إلا صريحا معك وأنا سبق والتقيته وإن كان
لوقت قصير جدا إلا أن نظرتي للرجال لا تخيب وهو بالفعل
يستحق أن تعطيه ونفسك فرصة أخرى "
نظرت ليديها مجددا ما أن تلونت حدقتيها بألم خفي وقالت بحزن
" لكنه يريد فتاة أخرى وقد قالها لي بنفسه بل وبأنه ستزوجها
بعدي أي أن والدته من تجبره على هذا كما توقعت سابقا "
نظر لها بصمت لبرهة قبل أن يقول بجدية
" أنا لا أصدق هذا ولا يبدوا لي أبدا بأنه من النوع الذي قد
يفرض عليه أي أحد ما لا يريد "
أسدلت جفنيها مخفية تلك الأحداق السوداء الحزينة عنه قائلة
" لكنها أخبرت والدتي سابقا بأنه أكثر أبنائها طاعة لها وبأنه لا
يرفض ما تريده وإن كان على حساب نفسه فهو سيرضيها بي ثم
يكافئ نفسه بالتي يريدها بالتأكيد وأتحول أنا للوحة معلقة في
جدار منزله "
تنفس بعمق وقال
" وما الذي قررته أنت إذا ؟ "
حركت رأسها نفيا وقالت بأسى
" لا شيء حتى الآن لكن ثمة طريقة بالتأكيد لتلغى تلك الخطبة
نهائيا وأحتفظ بالمتبقي من كرامتي وانقذ نفسي من ضياع
مستقبلي مع رجل لا يحبني "
سند ظهره لظهر الكرسي معتدلا في جلسته وقال يقلدها حين
ضيقت عينيها بشك
" لا يبدوا لي أن أمره لا يعنيك حقا يا كنانة ؟ "
هربت بنظراتها منه ووقفت وقالت تنظر للأسفل
" لا شيء بيننا يجعلني أتعلق به لكن جرح الكرامة مؤلم وممن
كان يا رواح "
وتابعت ناظرة جهة باب المقهى ومن قبل أن يعلق
" لقد تأخر الوقت وعليا المغادرة "
ثم عادت بنظرها له واغتصبت ابتسامة صغيرة قائلة " وطبعا أنت
من سيوصلني بعدما غادرت التي اشترط عليا والدي أن أغادر
معها "
وقف وقال
" حسنا لا مانع لدي "
تحركت أمامه قائلة
" انتظرني لدقائق فقط إذاً حتى أغير ثيابي "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 88 others like this.
رد مع اقتباس
#8606
قديم 21-03-18, 10:14 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
أغلقت باب سيارتها وتحركت بخطوات أنيقة رغم سرعتها جهة
الباب الخشبي الضخم المفتوح كقرش متوحش يلتهم ضحاياه
بأناقة تشبه تفاصيله فقط أما ما يوجد داخله لا أحد يعشق المكوث
فيه بسببه ، أبعدت النظارات الشمسية عن عينيها وثبتتها فوق
حجابها واجتازت الباب نظراتها تبحث بين الأشخاص الموجودين
في المكان حركة حدقتيها السوداء الواسعة الفاتنة تشبه بطء
خطواتها وهي تجتاز الأجساد المتحركة بعشوائية في المكان
الواسع حتى وقع نظرها أخيرا على هدفها الذي دخلت مبنى
المحكمة من أجله فقد علمت من المحامي الذي وجدته في مكتبه
أنه يقضي اليوم هنا في محكمة العاصمة ويومين في مكتبه يستلم
قضايا موكليه ومن بعدها لا يرجع للعاصمة حتى التاريخ المماثل
له من الشهر القادم ، نظرت له من مكانها وهو منشغل مع
الواقف أمامه ويبدوا أنهما يتحدثان في موضوع مهم منسجمان
فيه درجة أنهما لا يشعران بشيء مما يحدث حولهما ... لازال
كما تذكره رغم مرور كل تلك الأعوام فله ولشقيقه وسام وسامة
قبائل غزير المنحدرة أساسا من الحالك فوالدهما من غزير أيضا
وها هو لازال يحتفظ بذاك الشعر الأسود والملامح الحادة الجذابة
رغم مرور أعوام على آخر مرة التقيا فيها فهي لم تراه منذ سبع
سنوات تقريبا ومنذ ذاك الحفل الرآسي الذي لم يتبادلا فيه أكثر
من عبارات الترحيب الرسمية وفي وجود شقيقته جليلة قبل أن
يغادر وكأنه قرر ترك المكان فقط لأنها أصبحت فيه رغم تعامله
اللبق معها حينها فهو انعزل عنها كما عن عائلته منذ ذاك
الشجار العنيف بينه وبين شقيقه من والدته وثاب بعد رحيل
المدعو مطر شاهين وإعلان خبر طلاقها منه حتى أنه لم يحاول
التحدث معها قط عكس شقيقه الذي وضع نفسه في مواجهة
حامية الوطيس حتى مع جبران ولولا تدخل والدها شراع حينها
والذي أعلمهم كما الجميع بأنه لن يزوجها لأحد لما انتهت تلك
الحرب أبدا ، تنهدت بعمق ولا حل أمامها غيره فقائد لا يشبه
وثاب ولا حتى جبران وانسحابه الصامت كان أكبر دليل بل
ومعاملتها باحترام عكس عدويه اللذان لم يبخلا في تجريحها حين
فقدا الأمل فيها واتهماها حتى بأنها أجبن من أن تنسى رجلا نبذها
وهجرها تاركا إياها خلفه .
تنفست بعمق مستغفره الله وتحركت نحو تلك الجهة بخطوات
حذرة حتى كانت خلفه تماما وأغلقت هاتفها قبل أن تضعه على
أذنها وقالت بصوت منخفض
" قائد أنا غسق فاستمع لي دون أن تلتفت "
وأخفضت نظرها حين لاحظت تصلب جسده فجأة وكأنها مررت
كفها على ظهره وليس تحدثت له فقط ولن تستغرب صدمته بهذا
لكنه حلها الوحيد فهو من يمكنها الوثوق به وهو أيضا من
سيقاتل باستماته معها وهذا ما هي متأكدة منه وإن رفض ستجد
حلولا أخرى ولن تستسلم بسهولة أبدا ، نظرت للأسفل ولازالت
تثبت الهاتف على أذنها وقالت بصوتها المنخفض
" حاولت أن أحصل على رقم هاتفك لكن نائبك في المكتب رفض
متحججا بالخصوصية وبأنك ترفض أن يكون لدى أي أحد غير
موكليك وأنا لم أستطع إخباره عن هويتي الحقيقية وجليلة
تعرفها جيدا غريزتهاالحمائية ناحيتك تجعلني في نظرها وحش
عليه أن لا يقترب منك "
انخفض رأسه قليلا قبل أن تسمع صوته الرجولي العميق
المتزن قائلا
" بما يمكنني أن أخدمك يا غسق فيبدوا أنك مراقبة ! هل ثمة
مشكلة ما ؟ "
سحبت أنفاسها ببطء قائلة
" هل تمسك قضية موكلتك فيها غسق شراع أم نظرتك لي لا
تختلف عن جبران ووثاب ؟ "
نظر للواقف أمامه والذي ابتسم له بمكر مدركا أنه يتحدث مع
الواقفة خلفه وإن لم تظهر له وقال يرمقه بتوعد
" غسق أنت تخطئي في حقي بهذا "
ابتسمت من فورها فهو لن يخذلها كما توقعت ، رفعت نظرها
وجالت به حولها قائلة
" ماذا قلت إذا ؟ "
قال من فوره وقد دس يديه في جيبي بنطلون بذلته السوداء
الأنيقة
" سأتصل بك فيما بعد فأنا أملك رقم هاتفك "
ابتسمت بحزن وهمست بخفوت وقد نظرت لقفاه القريب منها
مبعدة الهاتف عن أذنها ببطء
" تعدني بأن تعاملنا سيكون كمحام وموكلته ؟ أنا أثق بك يا قائد
وبأنك لا تشبه وثاب في شيء "
حرك رأسه جانبا وكأنه شعر بنظرتها من خلفه وقال وقد بات
يقابلها بنصف وجهه وإن لم يكن ينظر لها
" أعدك يا ابنة خالتي فنحن الآن تجاوزنا مراحل المراهقة بأعوام
، أنت فقط لا تُحملي القلب فوق طاقته "
نظرت لملامحه الرجولية الساكنة ونظره الشارد للبعيد وتمنت لو
لم يقل ما قاله ختام جملته تلك لكان أزاح حملا ثقيلا عن كاهلها
لكنها تحتاجه وواثقة من أخلاقه ثقتها في نفسها ولن يعنيها شيء
أكثر من نيلها لما تصبوا له ثم حتى إن طلب الارتباط بها ستوافق
فالحياة بدون مشاعر مع رجل يحبك أفضل من العيش ذليلاً مع
شخص لا يبادلك تلك المشاعر .
غادرت مبنى المحكمة بعد أن زارت وجهتها التمويهية وركبت
سيارتها وانطلقت عائدة لمبنى شركتها الجديدة فكل شيء خططت
له يسير على ما يرام حتى الآن وانشغال ذاك الرجل عنها في
مشاكل البلاد الأخيرة كان ضربة حظ موفقة لصالحها لكان كعادته
قادر حتى على قراءة أفكارها عن بعد أميال .
*
*
*
وضعت الكوب من يدها بعنف على الطاولة وغرست أناملها في
شعرها القصير وأبعدته عن وجهها مسندة مرفقها على طرف
الطاولة وراقبت نظراتها بضجر حركة الطلاب في مقهى الجامعة
وكم كرهتهم جميعهم واحدا واحدا فلما حين كان الأمر يخصها
صدّق الجميع تلك الحكاية وأصبحت حبيبة الأستاذ الجديد القادم
من الجنوب بينما حين كانت الفضيحة معتبرة والقصة العملاقة حد
التشويق تخص السيد أويس عبد الجليل كانت جمرة رميت في
البحر بمجرد أن تحدث أحد أبناء الجنوب عن أن اسم الفتاة يكون
مايرين يحي غيلوان فتركوا ضحيتها الأساسية وأصبحوا يتناقلون
قصة الفتاة وينهشون لحمها بين متعاطف مع قصتها وبين مشكك
حتى في شرف والدتها بل وتعاطفوا حتى مع ذاك الرجل الذي
اعترف بأنها ابنته بعد نكرانه الطويل للأمر واختفى في ظروف
غامضة ثم اكتشفوا بأنه ميت في الصحراء ولم تجني شيئا فذاك
الطاووس لازال يمشي بكل ثقة في أروقة الجامعة كما وصلها
وقيل عنه فهي ألغت اليومان اللذان يكون فيهما هنا من جدول
أسبوعها وأولهم حضور مادته وإن كانت معرضة للرسوب فيها
" هل يمكنني مشاركتك الطاولة آنستي ؟ "
تصلب جسدها وانتصبت في جلستها لا شيء فيها يتحرك سوى
رموشها السوداء الكثيفة وكأنها لوحة قديمة مسكونة فهذا
الصوت لا يمكنها أن تخطئه أبدا فقد سكن حتى كوابيسها ! لم
تستطع الإجابة كما الالتفات لصاحب ذاك الصوت والذي دار حول
الطاولة وسحب الكرسي المقابل لها يمسك في يده كوب قهوة
ورقي حدقتاها الذاهلتان لازالتا تتبعانه وهو يجلس دون أن ينظر
ناحيتها حتى استقر جالسا ورفع حينها نظره لها وقال مبتسما
" أعلم بأنه تطفل لكن خلوتك اجتذبتني "
تصلبت ملامحها وتمتمت بصوت بالكاد استطاعت إخراجه
" متى تغير جدول محاضراتك ! "
وضع الكوب من يده قائلا بابتسامة جانبية
" يفترض بالعدو دراسة تحركات عدوه جيدا إذا يا زهرة "
نظرت له بضيق وقالت
" إسمي زهور وعذرا فأنت لم تسمع موافقتي على الجلوس معي
فأنا لا ينقصني شائعات "
قال متجاهلا كل ما قالت
" لكن جدول محاضراتي لم يتغير وأنا هنا من أجلك فقط "
تراجعت للخلف تنطر له بصدمة وعدم تصديق فابتسم تلك
الابتسامة الرجولية التي لا يتقنها سوى رجال الجنوب كما كانت
تصفها صديقتها الخائنة المنسية ماريه وقال
" أنا حقا لا أمزح يا زهرتي "
ضربت بيدها على الطاولة قائلة بضيق
" لست زهرتك .. بل وسأغير إسمي أيضا فاتركني وشأني "
ثم نظرت حولها وزمت شفتيها بحنق ما أن لاحظت كل تلك
الأنظار التي تركزت عليهما بسبب صرختها الغاضبة تلك وتمنت
لحظتها أن دُفنت مكانها فنظرت مجددا للجالس بكل هدوء
وأريحية وكأن شيئا لا يحدث حوله ! ولما سيتأثر فلن يطاله شيء
وهي المتضرر الوحيد ككل مرة وسيتحول الحديث في هذا المكان
مستقبلاً عن شجار الحبيبان في مقهى الجامعة وستكون هي
بالطبع الحبيبة التي تخلت عن حبيبها بسبب ما قيل عن والده ،
وقفت ورفعت مذكراتها فوقف من فوره ومد يده عبر الطاولة
وأمسك برسغها قائلا
" لم أترك والدتي لوحدها في الجنوب لليلة أخرى فقط لأراك ثم
أدعك تقفي هكذا وتغادري بكل بساطة "
سحبت يدها منه وقالت بضيق
" إن كنت هنا لتعتذر عما فعلته سابقا فاعتذارك ليس مقبولا ولن
تتخلص من فضائحك بالتكفير عن جرمك بي "
أشار للكرسي بقربها وقال بتهديد
" زهور اجلسي لنتحدث أو حملتك على كتفي وخرجت بك من
هنا لحيث يمكنك الصراخ كما تشائين "
تحركت من مكانها متجاهلة له وسارت بقربه لأنه في الجهة
المقابلة للباب فوقف في طريقها وقال بتصميم يدس يديه في
جيبيه
" قسما أفعلها يا زهور وأنت تعرفينني جيدا "
رمت مذكراتها على الطاولة بقوة وغضب وجلست قائلة بضيق
" لا يحتاج الأمر أن تقسم فأنت لا تدخر جهدا في إيذائي فأنا
بالطبع عدوتك التي لم تفهم يوما سبب هذا العداء "
وتابعت بذات ضيقها تنطر له وهو يعود للجلوس أيضا
" لا بل أعرف السبب إنها ماريه هارون الناكرة للجميل تلك
لكن ما الخطأ الذي ارتكبته تعاقبني عليه هكذا ؟ لو كنتَ زوجها
لتفهمت الأمر بل كان عليكما شكري للفت نظركما للجرائم التي
كانت تتعرض لها ويصمت الجميع عنها "
قال بهدوء ما أن أنهت سيل عباراتها الحانقة تلك
" هل انتهى لومك زهور ؟ "
ضربت بقبضتها على الطاولة وقالت بحنق
" لا ليس بعد ولن ينتهي أبدا حتى ينسى الجميع هذا المشهد
أيضا وانظر كم نحتاج لعام إلى تنتهي دراستي وأنا مصدر
للشائعات ، لقد جعلتني أكره حتى التخصص الذي كنت أحبه
وتحديت والداي لأدخله "
قال بذات هدوئه وكأنها لا تشتعل أمامه
" زهور إهدئي وسنعالج كل هذا "
قالت بذات حنقها
" ستعالجه بماذا مثلا ؟ لقد شوهت سمعتي وانتهى الأمر
وسأموت إن علم والدي بكل هذا فلم أخذله بي يوما "
وقف ودار حول الطاولة حتى كان عندها تنظر له بصدمة وهو
يمسك بيدها وأوقفها منها فشهقت بصدمة أشد ما أن أمسك
خصرها بيديه ورفعها بخفة وبخطوة واحدة سريعة رفع قدمه
على الكرسي الذي كانت تجلس عليه وارتفع بها في الهواء
ووجدت نفسها في لحظة واقفة فوق الطاولة وجميع تلك النظرات
الفضولية لازالت تحدق بهما وقد انتقلت للذهول وبعضهم وقف
لينظر لما يجري بشكل أوضح وليروا الذي رفع قدمه فوق
الكرسي تحتها ووضع سبابته على شفتيه وقبله قائلا بصوت
سمعه الجميع لسكونهم الفضولي
" وهذه توبة حبيبتي "
استوى بعدها واقفا ينظر لعينيها المحدقتان فيه بصدمة قبل أن
يرفع يديه فاردا ذراعيه جانبا وقال بصوت مرتفع أكثر لازال ينظر
لها مبتسما
" خطيبتي غاضبة مني توسطوا معي هيا لترضى "
واختلطت الضحكات بالعبارات المشجعة ونظراتها المصدومة
انتقلت منه لهم قبل أن تنزل قافزة من فوق الطاولة وحملت
مذكراتها وضربت كتفه بإحداها بقوة ولم تزدها ضحكته وهو
يمسك كتفه سوى اشتعالا فغادرت من هناك بخطوات غاضبة
وتركته خلفها فعلت الصرخات الأنثوية يسار المقهى الواسع
" إلحق بها أستاذ بسرعة "
فنظر ناحية مجموعة من طالباته هناك وأشار لهن بإبهامه
مبتسما ثم غادر جهة الباب وعلم فورا أين ستكون حينها فخرج
لمواقف السيارات مباشرة فتلك عادتها إن غضبت غادرت المكان
برمته ، وكان توقعه صحيحا فقد كانت هناك فعلا فلحق بها
بخطوات راكضة وأمسك بيدها قبل أن تركب سيارتها وأدارها
ناحيته قائلا
" انتظري يا حمقاء فورائك محاضرتين ستضيعان عليك "
وتابع مبتسما ينظر لعينيها الغاضبة
" يكفيك أن ترسبي في مادتي "
سحبت يدها منه وقالت بضيق
" بل لن أكون هنا مجددا وها أنا سأترك لك هذا المكان
بمحاضراته فشكرا على العام الذي أضعته مني "
وما أن أنهت عبارتها تلك مدت يدها لمقبض باب سيارتها فوضع
يده على زجاج نافذته مانعاً إياها من فتحه وقال ناظرا لها
" لا سبب لتتركي الجامعة يا جبانة فلن يتحدث عنا أحد
بعد الآن "
حركت رأسها قائلة بسخرية
" بلى يا ذكي فمن هذا الذي لن يعرف من سنك بأنك لست طالبا
هنا وتصرح بأننا مخطوبان ؟ سيدفع الفضول الجميع لمعرفة من
يكون هذا المراهق الكبير بالطبع ... وضاع مستقبلك يا زهور "
قال مبتسما وكعادته متجاهلا غضبها المشتعل
" لما لا تنتبهي لكلماتك يا طويلة اللسان فأستاذك هذا الذي
تتحدثين معه "
قالت بضيق متجاهلة أيضا ما يقول
" ثم أنا مخطوبة ما سيكون موقفي حين يعلم بكل هذا ؟ "
أبعد يده عن زجاج النافذة وقال بذات ابتسامته
" لا بأس سأشرح له الأمر ولن يغضب "
شدت على أسنانها بغيض أعجزها حتى عن التعبير فرفع يده
وأبعد بطرف سبابته خصلة الشعر التي طارت أمام وجهها راميا
لها بعيدا وقال بذات ابتسامته
" حسنا لدي اقتراح آخر ... سأكون أنا البديل عنه وانتهى كل
شيء "
نظرت له بصدمة قبل أن تصرخ محتجة
" بل لن أتزوج من جنوبي أبدا .. أو لن أتزوج مطلقا "
وركبت سيارتها ضاربة بابها بقوة وغادرت من هناك مجتازة
بوابة الجامعة والشتائم لا تتوقف عن الاندفاع من بين شفتيها قبل
أن تصرخ غاضبة تضرب المقود براحة يدها
" مجنون ألم يفكر كيف سيكون موقفه أمام طلبته والأساتذة في
الجامعة على الأقل إن لم يكن يفكر بي أنا ! "
*
*
*
فتح باب الحمام ورمى المنشفة التي كان يجفف بها شعره وحرك
رأسه للأعلى بشكل دائري محركا كتفيه فهذا اليوم كان مرهقاً بل
ومتلفا للأعصاب بطريقة لم يعهدها سابقا فلم يستطع مغادرة
المنظمة حتى وقت متأخر فوق إرهاق سفرهم فكان يوماً سيئاً
بجميع المقاييس ولا ينقصه الآن سوى أن يرى المدعوة لوسيانا
فيحطم عظام عنقها بين أصابعه لا محالة ، التفت نصف التفاتة
ونظر للهاتف الذي كانت تضيء شاشته وقد عاد رنينه لملأ صمت
الغرفة المميت والذي وصله سابقا داخل الحمام فتوجه لقميصه
القطني أولاً ولبسه بحركة سريعة متقنة وجلس على طرف
السرير ورفع الهاتف ممررا أصابع يده الأخرى في شعره الرطب
رافعا له للأعلى وأجاب بحاجبان معقودان
" مرحبا يا زعيم "
وصله ذاك الصوت الحازم فورا
" تيم صحيح أن زوجتك تسكن معك ؟ "
نزل بأصابعه لقفا عنقه متأففا بصمت وهذا ما توقعه سيصل الأمر
لشاهر كنعان وهو سيتكفل بالباقي وكأنه طفل يشتكون لوالده
ليفرض أوامرهم عليه ، قال بجمود
" لم يكذب عليك بالطبع "
" متهور !! "
تلك الصرخة الغاضبة الحازمة هو ما كان يتوقعه بل وتابع
صاحب ذاك الصوت القوي الحازم قائلا
" أتدرك معنى هذا يا تيم ؟ أنت تعرض نفسك والفتاة للخطر
يا رجل "
قال بحزم مشابه
" أمر ماريا يخصني وحدي "
ليصله ذاك الصوت الغاضب مباشرة
" تيم احترمني يا ولد "
شد على أسنانه بقوة وغضب قبل أن يقول بجمود
" أنا لا أقلل من احترامك لكنها زوجتي ومكانها الطبيعي هنا
معي ، وأعتقد بأني أقوم بمهمتي على أكمل وجه ولا علاقة لهذا
بذاك "
صرخ فيه فورا
" بل كل العلاقة يا ابن كنعان فكيف سيكون وضعك مع ابنة
الجنرال ؟ أنت تقود مهمتك للفشل يا تيم بل ونفسك للهلاك
وزوجتك قبلك "
مرر أصابعه في شعره الكثيف الرطب مجددا ونظر للأرض تحته
متمتما ببرود
" لا تقلق من ناحية هذا الأمر "
وصله صوته مستغرباً هذه المرة
" ما تعني بهذا يا تيم ؟ "
نظر جانبا مخرجا أصابعه من نهاية شعره وقال ببرود
" ذكائك لن يصعب عليه فهم ما قلت "
فصرخ فيه ذاك الصوت الأبح فورا وصاحبه لا يزداد إلا غضبا
منه
" جننت يا تيم ! كيف تخبرها بالأمر ؟ ألم أحذرك سابقاً ... ؟
سحقا لعقلك كيف تفعل أمراً كهذا "
لوح بيده قائلا بغضب
" لن أكون شاهر كنعان آخر ولا مطر شاهين أيضا ... عليكم أن
تقتنعوا بهذا رضيتم بذلك أم لا "
وصله ذاك الصوت الغاضب أيضاً
" وما الذي فعلته الآن يا متهور ماذا ؟ ألست تعلم بأن هذا لن
يكون حلاً مطلقا ولن توافق هي عليه وتقف تصفق لك ... النساء
لا يفكرن مثلنا نحن الرجال يا تيم وستتحكم بها عاطفتها وقد
تتحول يوماً حتى لوحش يؤذيك أنت قبل الجميع إن تراكمت
جراحها منك يا رجل مطر شاهين الأول "
نظر للأسفل وقال بجمود
" ليست ماريا من تفعل ذلك "
" لا تكن واثقا "
كان تعليقه سريعاً وواثقا بطريقة جعلته يقبض على أصابع يده
بقوة وقال بجدية
" بلى أثق بها كما أثق بتيم كنعان وأعلم بأنها لن تؤذيني وإن
تأذت مني وأنا لن أسمح لذلك أن يحدث في جميع الأحوال "
قال من في الطرف الآخر بجدية وحزم
" سأذكرك بحديثنا هذا يوما يا تيم وها أنا الآن أؤكد لك فشلاً
قريبا لكل ما تفعله إن بقيت تلك الفتاة بقربك وستخسرها قبل
نفسك فعالمك لا يمكنه أن يحتوي امرأة مثلها فيه لأنها إن لم
تفقدك ستفقد نفسها فعليك أن تحميها منك يا تيم وأنقذ نفسك
من الهلاك وأبعدها عنك ولأبعد مكان فوراً "
" لا "
قالها مباشرة وبحزم وتابع من فوره وبحزم أشد
" ولا تسعوا لفعل ذلك رغما عني لأني قسما سأضرب الأرض
واخرجها من تحتها وأعيدها هنا أو تركت لكم مهمتكم وما فيها "
وصله ذاك الصوت الغاضب فوراً
" تيم للمرة الأخيرة أقول لك ما تفعله ليس في صالح كليكما
وستُكشف سريعا هكذا "
تنفس بعمق وقوة وقال مبتعداً عن الموضوع بأكمله
" ثمة معلومات مهمة حصلت عليها خارج قصر الجنيرال
غامسون هذه المرة "
فسمع تلك التنهيدة الواضحة الصادرة ممن في الطرف الآخر قبل
أن يقول صاحبها بجمود
" هات ما لديك وفكر في كلامي يا تيم ولا تؤذي الفتاة وتظلمها
معك فهي زوجتك لن يأخذها أحد منك ونهايتها لك "
تجاهل كل ما قال مجددا وانتقل للمعلومات التي حصل عليها
مؤخرا ولأن هاتفه يخصع لبرنامج حماية من التجسس كان
وسيلتهم الأسرع لنقل المعلوات ، وما أن انتهى حديثهما عن
الأمر أنهى الاتصال معه قبل أن يسمع سيلا آخر من ذات العبارات
الموبخة تلك وعن ذات الموضوع ، رمى الهاتف على السرير
ووقف وبدأ يحاول ترتيب الفوضى التي سببها في الغرفة بحركة
لا تقل ضيقا وعنفا عن تلك التي ترك بها بصمته فيها وقت
وصوله وغادر بعدها الغرفة مغلقا بابها خلفه ونظر لسكون
المكان المميت وكأنه لا أحد يشاركه فيه ويبدوا بأن شريكته في
السكن لازالت تعتصم في غرفتها فلم يسمع ولا حركتها في المكان
، قادته خطواته جهة ذاك الباب المغلق فورا ودون تردد وكما في
جميع قراراته منذ عرف نفسه طفلا أمسك مقبض الباب وأداره
ببطئ وفتحه ليقع نظره فورا على النائمة فوق السرير بالعرض
دون غطاء شعرها البني الناعم متناثر على ملائته البيضاء تنام
على جانبها الأيمن تخبئ وجهها في ذراعها ويدها الأخرى مرمية
جانبا لازال قلم الحبر في كفها المرتخي فتوجه نحوها ورفعه من
بين أناملها ووضعه على الطاولة قرب السرير والتي كانت تضع
عليها كتبها وأوراقا كثيرة مبعثرة حتى أن بعضها كان مرميا على
الأرض تحتها فيبدوا بأنها أنهكت نفسها في هذا حتى غلبها
النعاس أو حاولت ذلك فقد لفت نظره سريعا ما أكد له العكس
فانحنى لتلك الطاولة مجددا ورفع الورقة الشبه فارغة ونظر
للأحرف التي كتبتها في منتصفها
( آسفة استاذ هامبسون لخذلاني لك في البحث هذا الأسبوع ...
لم أستطع اعذرني فأنا حقا لست بخير)
اشتدت أنامله على طرف الورقة ونقل نظره لها قبل أن يرميها
تحته بإهمال وتوجه نحوها مجددا ورفع اللحاف وغطى به جسدها
وانحنى جهة رأسها وقبل طرف ذراعها العاري برفق وغادر من
هناك مغلقا الباب خلفه وتوجه للمطبخ من فوره وقام بتشغيل
آلة تحضير القهوة فهو ليس من عادته استخدامها لكن شكلها
الممتلئ أغراه فها هو الدليل الوحيد على مغادرتها لسجنها
الاختياري ، ملأ الكوب الخزفي الكبير لأكثر من نصفه بذاك
السائل الأسود الساخن وسار بخطوات واسعة ثابتة ناحية باب
الشرفة المفتوح على ذاك المطبخ المجهز بفخامة لا تختلف عن
باقي الشقة الواسعة ودفعه نحو الداخل وخرج ورغم أن
استخدامه لذاك الباب انتهى منذ وقت طويل إلا أن خطواته قادته
له وكأن التعلق في الهواء هو ما كان يحتاجه وقتها وما سيشعره
بأنه شخص آخر جديد لن يتشاجر مع عقله ولا إنسانيته أو
شخص ليس ملزما بأي شيء أكثر من نفسه ومتحرراً من القيود
الملتفة حول أطرافه كالأغلال ، اتكأ بساعديه على سياج الشرفة
الضيقة نسبيا نظره للأسفل يرتشف من كوبه في فترات متباعدة
وكلمات من تحدث معه منذ لحظات ترفض تركه لخلوته الهادئة
تلك وكأنه ينقصه أوامر وتدخل فيما يخصه وفيما وحده له القرار
فيه ، أغمض عينيه لبرهة وتنفس بعمق يستجلب عقله تلك
الصورة العالقة فيه منذ ساعات وقت دخوله لذاك المكتب في
المنظمة ورؤيته لذاك الوجه الذي ما آلمه ليس تعرضه للضرب
ممن يفترض بأنه يخدمهم ومن كان عليهم حمايتها لا تعريضها
للخطر بل تلك النظرة الميتة البعيدة عنه في تلك الأحداق الذهبية
فلم تكسره بحديثها الغاضب الذي لم يسمعه ولا بدموع الخذلان
والمهانة التي لم يراها فيهما بل بإشعاره بأنها وحيدة رغم وجوده
وما أكده أكثر صمتها وانعزالها عنه منذ الصباح ثم العبارة التي
كتبتها لأستاذها في ورقة البحث ، ذكرت ذلك أمامه بغضب باكي
مرارا في شجاراتهما السابقة وبأن الجميع تخلى عنها وحتى هو
لكن الأمر لم يكن بالقسوة التي وصله بها تلك اللحظة ولم يكن
يستبعد حينها أن يسقط عليهم ذاك المبنى بطوابقه من شدة
غضبه .
رفع الكوب لشفتيه ورشف منه مجددا وبارتفاع رأسه ووجهه
حينها وقع نظره على الشرفة المقابلة له تماما من المبنى
السكني المجاور ... تلك الشرفات والنوافذ التي كانت السبب
الفعلي لتوقفه عن استخدام شرفات شقته وخاصة هذه ، شرب من
كوبه ببطء ينظر لذاك العرض الذي يبدوا بأنه لم يتغير رغم مرور
الأشهر لساكني تلك الشقة ... ذات المشهد الهزلي وذات
الجسدين معقدا التركيب وتلك الأيدي المتحركة بعشوائية في
الهواء كدمى الخيوط يكاد يترجم حوارا كاملا لشجارهما اليومي
ذاك وإن لم يكن يسمعه فياله من نموذج سيء للحياة الزوجية
بل ونموذج ممتاز لصمود تلك العلاقة الهشة حتى الآن ! .
أنزل الكوب ونظره معه ببطء ليقع هذه المرة على النافذة أسفلها
والتي انفتحت فجأة والجالسة أمامها تماما تكاد تكون لوحة
يحيطها إطاره الرخامي وها هو المشهد الثابت الآخر لذات تلك
الشقراء الشابة .. الخصلات الذهبية الحريرية الملتفة فوق الثوب
الحريري المربوط حول الخصر النحيل الذي لا يتوقف عن
الشجار معه على ما يبدوا فهو بالكاد يسيطر عليه يكاد ينزلق عنه
للأرض .. والأكمام الواسعة الفتحات تنزلق بانسياب ونعومة حتى
نهاية الساعدان الثلجيان لأبسط حركة ليديها في محاولة للسيطرة
على تلك الخصلات التي تتقن صاحبتها فن جعلها في تنافر دائم
مع قسمات وجهها لتحكم سيطرتها عليها نهاية الأمر وتنجح في
إعادتها لمكانها بحركات مدروسة ... يا لها من امرأة روتينية
مملة ألم تسأم من تكرار مسرحياتها الفاشلة ! هل ترى الرجال
أغبياء هكذا أم أنهم كذلك بالفعل ! والدليل الواضح صوت النوافذ
المتحركة من حوله تسترق النظر لتلك الصورة التافهة في نظره
وحده على ما يبدو وبعضهم يدعي حتى أنه يرمي منديله الورقي
المتسخ فقط كي لا تنتبه النصف المرأة الحمقاء التي تعيش معه
بأنه يبحث عن نصفها المفقود لدى غيرها ، نظر للسائل الأسود
في كوبه قبل أن يرتفع نظره للتي يبدوا بأنها فكرت أخيراً في أن
تلقي نظرة عابرة على أصحاب تلك القلوب التائقة ... نظرة بقدر
قصرها لم تعطي أيا منهم مبتغاه على ما يبدوا وتلك الأصابع
الثلجية تعانق الخصلات الذهبية الطويلة مجددا فابتسم بسخرية
قبل أن يعود بنظره لكوبه مجددا يتقاسم أفكاره مع ذاك السائل
الأسود الشاحب العنيد ليقطعها هذه المرة رنين الهاتف في جيبه
فأدار يده لجيب بنطلونه الخلفي وارتفع نظره مع حركته تلك للذان
يبدوا بأنهما قررا إنهاء ذاك الشجار العقيم أخيرا والذي كالعادة
ينتهي بمغادرة العنصر الأقوى والمنتصر ككل مرة وبكاء الأضعف
عند زاوية السرير البارد ، رفع الهاتف أمام نظره وغضن جبينه
ينظر باستغراب للرقم على شاشته والذي اختفى فور أن نظر له
! وقبل أن يفكر في التفتيش عن هوية صاحبه عن طريق أحد
البرامج الخاصة الموجودة فيه أضاءت تلك الشاشة مجددا معلنة
عن وصول رسالة نصية ومن ذات ذاك الرقم المجهول ففتحها
فورا وقرأ أحرفها بنظرة جامدة
( يمكننا أن نتشارك كوب قهوة ساخنة ؟ )
نظرة سريعة لتلك الأحرف لم يحتج معها لإعادتها مجدداً ليدرك
هوية مرسلها المجهول فانتقلت نظراته فورا ناحية التي امتدت
يدها للنصف الأيمن من زجاج نافذتها وأغلقته ببطء قبل أن ترفع
نظرها ناحيته ويبدوا أنها قررت أخيراً رمي سنارتها على الهدف
وأنها سئمت بالفعل من أداء دور العنقاء المنيعة لتوقع فريستها
دون عناء إهدار أي جزء من كبريائها العتيد والمتسترة خلفه
بغباء ، لم يكن هاتفها في يدها لحظتها وتبدوا واثقة فعلا من
نتائج حربها الصامتة الطويلة لتهديه تلك الابتسامة التي تشبه
ملامحها الانجليزية الفاتنة فاستوى في وقوفه ناظرا لكوبه قبل أن
يعود بنظره للتي بدأت بتمرير يدها ببطء على إطار نافذتها فرفع
يده والكوب فيها لمستوى وجهه يراقب تلك الابتسامة التي
ازدادت اتساعا بالتدريج قبل أن يحرقها بذاك السائل الساخن وهو
يقلب كوبه بحركة واحدة وانسكب ما تبقى فيه متناثرا مع قوة
جذب الأرض له لازال يراقب تلك النظرات التي تحولت لجدار
صلب قبل أن تزينهما ابتسامة أخرى وكأنها تقول له :
أنا أفهم تمنعك وهو يجذبني ، ولم تكتفي بذاك القدر فقط بل
أتبعت ابتسامتها تلك بحركة لم يصعب عليه كرجل فهمها وفهم ما
تعني بها ولِما اختارتها ذاك الوقت تحديدا فالتفت أصابعه على
الكوب بقوة وغضب يشبه ذاك الاشتعال في حدقتيه السوداء
ورفع يده خلف رأسه قبل أن يدفعها باتجاه تلك النافذة بقوة
واندفعت تلك القطعة الخزفية بقوة واستقامة نحو ذاك الزجاج
الذي أصابه في منتصفه بحرفية قناص محترف وقد فاق صوت
ضجيج تحطمه قوة تناثره لقطع لحظة أن ارتد ذاك الجسد للخلف
تنظر صاحبته بذهول لآثار ذاك الإعصار الذي اجتاح غرفتها قبل
أن تنقل نظراتها المصدومة تلك له فاستدار بلامبالاة ودخل ضاربا
الباب خلفه شتائمه الهامسة لو كانت تصلها لقتلتها في مكانها
وترك باب المطبخ ورائه أيضا وتوجه من فوره للباب الذي أغلقه
منذ قليل وفتحه مجدداً وأغلقه هذه المرة خلفه بهدوء لا يشبه
فتحه له وهو يدير يده دون أن يلتفت له وسار جهة الورقة التي
أعادها أولاً لمكانها السابق تم توجه ناحية التي لازالت تعانق
ذراعها ملامحها عناقها القوي لعالم النوم الذي يبدوا بأنها ترفض
التخلي عنه وارتمى على السرير بجانبها وأراح ساعده على
عينيه وقرر تقليدها في هذا فسيتقاسم النوم معها لن يتركه لها
وحدها تنعم به وبعيدا عنه كما تريد ، لكن وضعه ذاك لم يدم
طويلا وقد استدار على جانبه ليصبح جسده ملاصقا لظهرها
ودفن وجهه في ذاك الشعر الحريري وأراح يده برفق على
خصرها ، حركة كان يعلم بأنها ستفقدها النوم الذي حسدها عليه
وقرر مشاركتها فيه وسيحرم نفسه منه أيضا لكن الأمر حدث
وانتهى ، وما توقعه حدث فعلا حين أجفل ذاك الجسد النحيل
جالسا فرفع جسده بيده وجلس أيضا ينظر للتي مررت أناملها في
غرتها ببطء تنظر له بصدمة بالكاد استطاعت سحب أنفاسها
معها فمد يده لوجهها ومرر طرف إبهامه على وجنتها هامسا
بجدية
" لا تخافي ماريا فأنت في المنزل الآن وذاك الكابوس انتهى
ولن يتكرر "
أخفضت رأسها ودفنت وجهها في كفها متمتة بخفوت وصوت
مرتحف
" أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق "
غادر حينها السرير وانحنى جهتها وأمسك خصرها ورفعها
متجاهلا شهقتها المصدومة وأدارها راميا لها على السرير بشكل
صحيح قائلا ببرود
" لا أكون أنا أحد شرار خلقه أولئك ماريا ؟ "
ووقف على طوله ممسكا خصره بيديه ينظر للتي سحبت اللحاف
على جسدها بأكمله وغطت به حتى رأسها ولم تعلق على ما قال
فابتسم بسبب حركتها تلك وانحنى للأرض ورفع إحدى الأوراق
البيضاء الفارغة المرمية هناك وجعدها بين يديه حتى تحولت
لكرة صغيرة ورماها عليها قائلا بابتسامة مائلة
" طالبة فاشلة "
وكما توقع لم يبدر منها أي رد فعل أو تعليق فانحنى لأوراقها
مجددا وجمعها ووضعها على الطاولة ثم غادر الغرفة مغلقا الباب
خلفه بهدوء .
*
*
*
اجتاز بوابة المنزل بسيارته والتي فتحت أمامه فور اقتراب
سيارات حرسه السوداء المطوقة لسيارته منها ، وكحاله في كل
مرة دخل فيها منزلا لتلك العائلة لم تجتز سوى سيارته لوحدها
أسوار المكان العالية فهو المكان الثاني الآمن له والذي يرفض
دخولهم له معه ، وقفت سيارته أمام باب المنزل ونزل منها من
فوره وانفتح بابه أمامه بذات الطريقة وكأن الجماد يتحرك بأوامر
صامتة منه ، سارت الخادمة التي فتحت له الباب يسارا ووقع
نظره فورا على النازل من السلالم راكضا والذي وقف في الأسفل
ناظرا له بصدمة قبل أن يحك شعره في حركة طفولية قائلا
بإحراج
" ظننتها سيارة والدتي فهي ليست هنا منذ البارحة "
قال ناظرا له وهو يقترب منه
" كيف أنت يا كاسر ؟ "
وصل عنده وصافحه قائلا بضحكة
" بخير ... فابنتك تشعرني بأني كذلك كلما عادت لمنزلك "
ابتسم له وسحب يده قائلا
" ألن تفكر أنت كذلك في زيارة منزلك الآخر والتعرف على باقي
أفراد عائلتك أم لا والد لديك ؟ "
اتسعت ابتسامته وقال بسعادة
" بالتأكيد سأفعل ذلك قريبا ، وطبعا حين تترك لي تلك المدللة
الفرصة لألحق بها هناك "
بادله الإبتسام قبل أن يقول بهدوء
" والدتك ستكون هناك يا كاسر وقد يكون للأبد وأريدك معها
ومع شقيقتك ولا مجال للتفكير في الأمر فها أنا أقرر عنك "
نظر له بصدمة لم يترك له الذي اقترب منهما الفرصة ليجتازها
وهو يقول مبتسما
" مرحبا يا مطر .. اعذرني فلم يتركني ذاك العنيد اغلق الخط
لأكون في استقبالك "
لم يعلق على ما قال وتحرك معه ليبدأ حديثهما من قبل أن يصلا
مكتبه الذي فتح له بابه على اتساعه ودخل خلفه قائلا
" ليس عليك أن تبرر في كل مرة يا مطر فجبران من يلقي بنفسه
للتهلكة بعناده الأحمق "
وقف والتفت له قائلا بجدية
" لكني لم ولن أنسى وعدي لوالدك قبل موته بأن لا قتال بيننا
وأن يكون قاتلي ولا أكون قاتله وأفهم جيدا لما طلب رحمه الله
ذلك مني والسبب هو غسق وعلاقتي بها فهو يعلم بأنها تفكر
وتتصرف بقلبها ومشاعرها "
تنهد الواقف أمامه بعمق وقال بهدوء
" لن اخفيك يا مطر بأني أتمنى أيضا أن تعطيه فرصة لحياة أطول
في كل مرة أملا في أن يستفيق لنفسه فيكفينا ما خسرنا حتى الآن
وجبران لم يكن يوما هكذا وهذا أكثر ما يؤلم قلبي "
قست ملامحه وقال بجمود
" الأمر تخطى لديه حدود المعقول يا رعد .. إنه يغذي قلبه بحقد
سيحرق كل شيء وإبعاده وإن بموته لن يكون حلا للمشكلة
الأساسية وهي استغلال تلك النفوس الضعيفة لإيصال البلاد
للضياع وها هم يحاولون فتح الحدود من تلك الجهة وحينها
سيدخل أي شيء للبلاد يا رعد وكل شيء كما تسلل المتطرفون
قبل أسابيع "
نظر لعمق عينيه وقال بحذر
" لكن البعض يتهمك بتلفيق تهمة صفقة السلاح تلك لتضرب
اليرموك يا مطر "
قال من فوره وبجدية " ليس يعنيني ما يقال وإن وقفت البلاد
بأكملها ضدي ، وإن حدث ونحج مخططهم في فتح الثغر عبر
الحدود فسأطوق الشمال الغربي لصنوان ونحاصر كل من فيها
ونمنع عنهم كل شيء "
نظر له بصدمة قبل أن يقول
" لكن ذلك تبعاته سيئة يا مطر وستقف المنظمات الدولية وحتى
الدول العظمى ضدك بتهمة الإضرار بالمدنيين "
شد قبضتيه وقال بضيق
" ذاك أسلم من أن آمر قوات الجيش باقتحامها يا رعد وإخراج
تلك الشرذمة من بينهم فعليهم التوقف عن حمايتهم ودسهم بينهم
فهم سيوصلونهم للهلاك قبل الجميع "
قال في محاولة جديدك لعذله عما يفكر فيه
" معك حق في كل ذلك لكن حصارهم ليس حلا وسيجلب لهم
تعاطفا أكبر ، نحن نسعى جهدنا للصلح معهم فلنعطي المجال
للطرق السليمة لحل الأمور يا مطر "
اشتدت ملامحه قسوة وقال بضيق
" حتى متى يا رعد ؟ إنهم يماطلون لكسب المزيد من الوقت
والمزيد من الفوضى ليس إلا ولن نترك مصير البلاد للتكهنات "
قال بجدية ودون يأس
" يمكنك إيجاد حلول أفضل من تلك يا مطر أنا أثق بك كما
الجميع في هذه البلاد فيكفي حكمتك في عدم محاربتهم حتى الآن
فمن الغباء أن تحارب متمردين من ذات البلاد وفي نظام قبلي
كوضعنا والقبيلة تحميهم فالحرب في هذه الحالة معناها شلال
دماء لن يتوقفا أبدا فتمسك بحكمتك التي عرفت عنك منذ وحدت
البلاد .. ومن كان قادرا على توحيد دولة كاملة مفككة تغلي تحت
وطأة الحرب الأهلية قادر على فعل ما هو أيسر من ذلك "
وتابع بابتسامة مازحة من قبل أن يعلق
" أم اللوم على شقيقتي في هذا وهي من بات يتحكم في مزاج
ابن شاهين حتى في الحرب ! "
تنفس بحدة متمتما
" شقيقتك تلك إن انضمت لؤلئك المتمردين فسترسم لهم خططا
ناجحة لا محالة في تدمير أنفسهم في أسرع وقت ودون
عناء منا "
ضحك وقال ممسكا كتفه بيده
" وضعكما متأزم لهذا الحد ؟ مزاجها من أكثر من أسبوعين
لم يعد يَحتمل ولا إبنيها يا رجل فارحمها قليلا "
أبعد نظره عنه وتنفس بضيق لم يبخل بتوزيع لمساته على
ملامحه وانفتح الباب حينها ودون طرق ودخلت منه التي وقفت
مكانها وألقت نظرة جامدة على الواقف قرب شقيقها أخفت بها
صدمتها بوجوده هنا قبل أن تنقل نظرها للذي وجهت كلماتها
الباردة له قائلة
" رعد أريد التحدث معك بمفردنا "
تعلقت الأحرف عند طرف شفتيه ونقل نظره منها للذي تحرك
جهة الباب قائلا ببرود مماثل
" سننهي حديثنا في مكتبي يا رعد ، ولا أحد يعارض الكاسر
فيما طلبت منه فأخبر شقيقتك بذلك "
وغادر كما دخل وكما كان طوال حياته انتقاء منفرد في الرجولة
التي تقف إجلالا عند أدق تفاصيله مدمرا قلب أي أنثى فكيف إن
كان مُدَمرا بسببه سلفا ؟ وما أن اجتازها ودون أن حتى يكلف
نفسه عناء النظر ناحيتها كرهت تلك المشاعر المتأذية من
صدوده المتعمد والذي لم يعاملها به بعد عودته مطلقا بل وكرهت
أكثر ذكرى كلماته تلك قبل ساعات فقط فصلت الليل عن النهار
وهو يضرب بأطراف أصابع يده على صدره ناظرا لعينيها
المحدقة به بجمود
( هذا استنكرني بعدك يا غسق .. رفضني لأعوام لأنك لم تعودي
فيه .. سرق النوم من عيناي لليالٍ يطلبك فما حجم غرورك الذي
لم يشبعه كل هذا يا ابنة دجى الحالك ؟ )
أسدلت جفنيها على تلك الأحداق الواسعة وارتسمت ابتسامة
ساخرة متألمة على طرف شفتيها فهذا هو مطر شاهين الحقيقي
الذي لم ينجح في خداعها بذاك المزيف الذي سرعان ما سقط
القناع عنه فهذا هو القاسي الحقيقي من أعجزها فعلا عن توقع
نهاية ألمها منه فكلما قالت هذه هي الضربة الموجعة الأقسى
والأخيرة أتحفها بأكبر منها وكأن عباراته الزائفة تلك ليست
سوى ستار لأفعاله المستقبلية فينحر روحها بهمسات العاشق
الذي لم تعرفه يوما ليصفعها بعدها ودون رحمة وآخرها وجود
والدها الذي اجتهد لإخفائه عنها ليقهرها ويكسرها ويرجعها له
ذليلة أولا ، فهل لا مبالاته الآن معناها أن طعناته انتهت أخيرا ؟
هل سيرحمها من عذابها الذي لازال هو السبب الأساسي فيه !
لكن لا فاللعبة لم تنتهي بعد والدور بات لها الآن لتجرعه من
نفس الكأس التي أسقاها منه لأعوام ، أغمضت عينيها تخفي
ذاك الألم فيهما وسحبت نفسا قويا مشبعا بعطره القوي المميز
الذي رفض ترك المكان بعده .. نفسا جعلها تكره أنفاسها تلك
التي لم ترفض تذكرة عبوره لصدرها وتمنت أن عاقبتها وإن
بحجب الهواء عنها حتى الموت ... كانت نظرة لم تنجح جفناها
الواسعان في إخفائها عن الواقف هناك مِن أن يلمحها قبل أن
تخفيها بتلك النظرة الصخرية الميتة الجديدة فقال بهدوء حذر "
غسق حتى مشاكل الدول تنتهي عند طاولات الحوار فامنحا
لنفسيكما فرصة واتركا عنكما حركات الأطفال فأنا أراه بدأ يتحول
لنسخة عنك "
قالت بذات ابتسامتها الساخرة
" أعطني مثالا واحداً لمشكلة كان حلها فوق تلك الطاولات
السخيفة يا رعد ؟ إنها لا تستخدم سوى كمسكن آلام لمريض لا
أمل في شفائه ليعيش على الأمل الميت حتى يموت "
وتابعت وقد تبدلت ملامحها للجمود
" ثم لا مفاوضات بين دولتين منفصلتين ستنتهي حتى الحدود
الوهمية بينهما عما قريب وتتحول لجدار مرتفع "
نظر لها باستغراب وقال
" غسق هل أفهم ما تقصدين بهذا وما الذي تفكرين في فعله ؟ "
أشاحت بنظرها عنه جانبا وقالت ببرود
" لقد كنت في منزل عائلة شاهين "
تنهد بأسى قبل أن يقول بجدية
" غسق لا جبران ولا من معه تأذوا وكل ما فعله ابن شاهين أن
أنقذ البلاد من جنونهم ودمر مخازن ذخيرة ومعسكرات ومطاراً
حربياً مع طائراته وحوّل منطقة عسكرية لخراب من أجلك وأجلي
ومن أجل كل شخص في هذه البلاد و جبران أولهم "
نظرت له وقالت بضيق
" لا يعنيني ما فعل ويفعل ذاك الرجل وسبق وقلتها له وها أنا
أعيدها الآن إن مات جبران بسبه فلن أسكت له عنها أبدا ، ثم هذا
ليس ما أنا هنا للتحدث عنه "
كان من لم يجتز صدمته بما سمع منها سيتحدث فقاطعته قائلة
بجمود
" والدي هناك وأنا كنت معه الآن "
نظر لها بصدمة تجمدت معها ملامحه وقال ما أن اجتازها وإن
جزئياً
" والدك تعني ... أعني أنك .... بأنه والدك نفسه ! "
ابتسمت بمرارة امتلأت معها تلك الأحداق السوداء الواسعة بالألم
قائلة
" بلى دجى الحالك وإحدى مفاجآت بطلكم التي كان يخفيها عني
كورقة أخرى ليذلني بها "
وتابعت من قبل أن يعلق مبعدة نظرها عن عينيه ليديها قائلة
بجمود
" كنت معه منذ البارحة وهو يرفض أن أعيش معكم هنا وبعيدا
عنه فهو لا يمكنه مغادرة أسوار ذاك المنزل وغضب حين رفضت
وأنا مضطرة الآن للانتقال هناك حتى وقت لن يكون بعيدا أبدا "
نظر لها باستغراب منتقلا بحدقتيه البنيتان بين ملامحها قبل أن
يقول
" غسق أتعني بأنك ستنتقلين لمنزل ابن شاهين ؟ "
رفعت نظرها له وقالت بجدية
" بل لمنزل عائلتي .. منزل جدي وجد جده من قبله ووالدي
وجميع عائلته وهذا كان رأي والدي الذي أصر عليه ورفض
غيره وكما أخبرتك الأمر سيكون مؤقتا فقط قبل أن آخذ والدي
وابنتي من هناك فتيما قاصر والمحكمة ستحكم لي بها
وبسهولة "
رفع رأسه وحركه بعجز أمام الصدمات المتتالية بسببها قبل أن
ينظر لها مجددا قائلا بجدية
" غسق حمقاء أنت أم ماذا ! كم مرة سأذكرك بأنك تحاربين
رجل القانون نفسه وستكونين سخرية للعامة ليس إلا "
نظرت له بعناد لم يبعثره الحزن في تلك العينان الفاتنة ولم تعلق
ولن تتحدث أكثر عن أنها ستحاربه بالقانون نفسه وحين ستنال
حريتها منه سيكون المطالبة بحضانة ابنتها قضية لن تأخذ في
المحكمة أكثر من ساعات وستلزمه بعدم الاقتراب منها مطلقا فهو
أب فاسد وباعتراف منه والدليل على استمرار خيانته تلك
سيكون لديها قريبا وبأي ثمن كان وإن فتشت لندن عن تلك المرأة
شبراً شبراً
" غسق أنا أتحدث معك "
حركت حدقتيها الشاردتين نحوه وقالت ببرود
" ذاك الرجل لن يكون موجودا في المنزل فهو حين كان زعيما
للحالك فقط كان مجرد اسم يذكر في جدرانه أكثر من رؤيته فيه
فكيف به الآن وهو رئيسكم الحالي؟ ثم وأنا أيضا لدي ما يشغلني
أكثر من مقابلة الجدران هناك ولا أريد أن يغضب والدي مني
بسبب خلاف عن بقائنا معا "
حرك رأسه بعدم فهم وتنفس بعمق قائلا
" غسق هل تتوقعين مثلا أن يسمح لك ابن شقيقه بأن يكون
بعيدا عن نظره وأي خطأ بسيط قد يعرضه للخطر وتفقديه
وللأبد ؟ "
شدت قبضتيها بقوة وقالت بحزم
" لن يحب والدي أكثر مني وأنا أيضا قادرة على حمايته وإن
عشنا معا في الصحراء "
تمتم مستغفرا الله وقال بجدية
" والكاسر يا غسق ؟ قد لا تهتمي لنا جميعنا لكن هو
لا أصدق ! "
قالت من فورها
" ومن قال بأني سأتركه هنا "
فرد كفيه قائلا بعدم استيعاب
" غسق بربك أنت تقولين هذا حقيقة أم مزاحا سخيفا ؟ "
قالت بضيق
" لا أرى الموضوع يحتمل المزاح يا رعد والكاسر بنفسه سبق
وطلب مني هذا وهناك عائلته أيضا فتيما شقيقته ووالدها والده
ووالدي جده كما أن عمي صقر عمه وجوزاء عمته فهم عائلته
مثلكم ومتأكدة من أن ما تحدث عنه ذاك الرجل قبل خروجه
يخص الموضوع ذاته أما رماح فسيتزوج قريبا ولن يحتاج لأي
منا وعمتي في مكانها الصحيح من دوني فلم أعد بالنسبة لها
سوى العنصر المشتت للعائلة ومشاعرها السابقة نحوي لم تتغير
أبدا فدوري انتهى في حياة الجميع سوى والدي هو من يحتاج
الآن لوجودي بحجم احتياجي له "
تنهد بعمق وحرك رأسه بعجز متمتما
" حتى متى سنستمر في فقدانك يا غسق ؟ "
غلفت المرار صوتها وهي تهمس بألم
" حتى أجد نفسي التي فقدتها بسببه ومنذ عرفته "
أغمض عينيه متنهدا بعمق فلا وجع في حياته يشغله أكثر منها
هي . . مَن خسرت وخسرت وتوالت خساراتها حتى دمرها الفقد
وبشكل نهائي ، وحتى من ظن بأنه من سيلملم شتاتها ويداوي
جراحها برجوعه لا يراه سوى وجعاً جديداً يضاف لسلسلة
أوجاعها السابقة ، وما الذي في يده هو يفعله وليس شقيقها
سوى في أوراق زائفة وحكاية كاذبة لا يمكنه ولا ضمها لحضنه
والتخفيف عما تدفنه في داخلها وإن لم تصرح عنه وتخرجه أمام
أي منهم فذاك الرجل وحده من يملك ذاك الحق ويبدوا أنهما
وصلا لطريق مسدود بالفعل والأمل الباقي في والدها الذي لن
يقدم لها الله هدية أجمل منه خاصة في وضعها هذا وجرح فقدها
لوالدها الذي رباها لازال ينزف حتى الآن ، نظر لها وقال بهدوء
" لن أتدخل كي لا تلقي باللوم سوى على نفسك حين تدمري
بيديك ما يحمله لك في داخله يا غسق فالرجال أمثال مطر شاهين
لا يعشقون بسهولة وليس أي امرأة تلك التي تسكن الموجود
وسط أضلعهم فخياراتهم عظيمة مثلهم تماما كما قراراتهم بالوداع
والفراق إن جُرح كبريائهم يا شقيقتي لا تنسي هذا "
نظرت له بصمت لبرهة قبل أن تغادر من عنده قائلة ببرود
" لم أرى سوى الخسارات المتتالية منذ عرفته فليكن هو واحدة
منها كما اختار قبل أعوام "
واجتازت الباب والممر الذي يليه تاركة كل ما قالاه خلفها لا
تحاول سوى دفنه في أرضه هناك ككل شيء كان وسيكون ،
صعدت السلالم مسرعة ما أن وصلت لبهو المنزل ولم تتوقف إلا
وهي واقفة أمام باب الغرفة المجاورة لغرفتها وفتحته ببطء
وابتسمت بحزن تنظر للذي كان يقف أمام أبواب خزانته المفتوحة
جميعها يخرج ثيابه ويضعها في حقيبة حجمها أكبر منه ...
تفهمه وتشعر بما يشعر به فشعور اليتم سيء للغاية ومثلما
تحتاج الفتاة لوالدتها دائما يحتاج الفتى أن يكون له والد ولن
تعطيه هي ما سيمنحه من يناديه أبي مهما وهبته ، يؤسفها بأنه
سيفقد ذاك المكان سريعا لكن والدها سيعوضه هي أكيدة من ذلك
فهو يمكنه لعب ذاك الدور أكثر من المدعو مطر شاهين الذي لن
يكون موجودا ليجد فيه الوالد الذي يبحث عنه فوالدها بخلاف
جميع الرجال الذين عرفهم الكاسر في حياته منشغلين عنه طوال
الوقت سواء أعمامه أو جده شراع سابقا فسيكون ذاك الجد قريبا
منه كتيما تماما التي أشعرته بالفعل بمعنى أن يكون له شقيقة ،
وفترة بقائهما هناك قبل أن تنفصل عن ذاك الرجل ستكون كافية
ليكتشف بأن ذاك الوالد لا يصلح لشيء سوى لتحطيم الآمال .
انتبه لها فجأة فابتسم من فوره وركض نحوها وسحبها من يدها
جهة الخزانة قائلا بحماس
" أمي تعالي هل آخذ ثياب الشتاء أيضا "
قالت مبتسمة بسخرية وكأنها تجهزه لخيبات الأمل سلفا كما تراها
" لا يحتاج بني أنت ستنتقل لمنزل رئيس البلاد فهل سيتركك
تحتاج لهذه الأمور ؟ "
قال مبتسما
" أجل معك حق ... متى سننتقل هناك ؟ "
تنهدت بضيق متمتمه
" اليوم فلا أريده أن يغضب مني أكثر من ذلك "
ضحك وعض طرف لسانه قبل أن يقول
" لا تقلقي لن يغضب منك وهو يحبك "
نظرت له بصدمة قبل أن تقول بضيق
" كاسر اصمت فأنا لا أتحدث عمن تفكر فيه "
رمش بعينيه وقال
" عمن تتحدثين إذا ! "
نظرت حولها قبل أن تعود بنظرها له وقالت متجنبة الحديث عن
الأمر قبل أن يصل هناك
" أراك متحمسا لفراق عميك وعمة والدك ! "
قال وقد عاد لإخراج ثيابه ورميها في الحقيبة الواسعة كتمساح
ضخم يبتلع كل ما يسقط في فمه
" عمي رعد لديه زوجته وبرلمانه وبالكاد بتنا نراه ، عمي رماح
لا يعرف صديقين له سوى التلفاز والعبوس أما عمتي جويرية
فأراها تنسجم مع صمته وتجهمه أكثر من أحاديثي السخيفة كما
تسميها وهي لا تترك رماح أبدا حتى أنها تحولت لمحلل سياسي
من كثرة ما تشاهد الأخبار معه "
عانقت تلك الابتسامة ملامحها الحزينة وإن كانت أكثر بهوتا من
أن تتغلب عليه فتابع ولازال في عمله الدؤوب لإفراغ كل ما
تحويه تلك الخزانة الواسعة
" أما هناك فأنت موجودة وأنا لا أعيش من دونك أمي فأنت الماء
وأنا الأخطبوط ، وكما يوجد هناك تلك المزعجة ابنتك وعليا أن
أرد لها بعضا مما فعلته بي هنا ، ثم من الممتع أن نتشارك أنا
وهي في كل شيء حتى مغادرتنا للمدرسة معا وسيكون لدي
شخص أناديه أبي ... إنها العائلة أمي وأخيرا "
مسحت بيدها على كتفه لازال يوليها ظهره جهة الخزانة تكابد تلك
الدموع التي ملأت عينيها وغادرت بعدها فورا قبل أن ينتبه لها
من التفت ما أن شعر بملمس يدها فراقبها مبتسما بحب وهي
تجتاز باب غرفته وهمس بحزن ما أن اختفت عن نظره
" أدفع عمري بأكمله لأراك سعيدة أمي وواثق تماما من أن
سعادتك مع ذاك الرجل لذلك علينا أن نضحي جميعنا
من أجلك "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 77 others like this.
رد مع اقتباس
#8607
قديم 21-03-18, 10:16 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
دخل الغرفة مغلقا بابها خلفه ونظر مبتسما للتي لا يظهر من خلف
باب الخزانة سوى ساقيها البيضاء وقدماها الصغيرتان تقف على
رؤوس أصابعها فتوجه نحوها من فوره ووقف خلفها مباشرة ..
حضنها بقوة وقبل رأسها مغمضا عينيه يحمد الله في سره أن
وضعهما لا يشبه العاشقان الأحمقان اللذان كان معهما قبل قليل
ليضيع سنيناً أخرى من عمره وهي بعيدة عنه رغم أنه يعذر
شقيقته أحياناً فالطريقة التي تركها بها وأخذه لابنتها منها أمور
يصعب غفرانها بسهولة لكن الحب بالفعل يستحق التضحية
فسيصلان لمرحلة يندمان فيها بالتأكيد على ما أضاعاه الآن
من عمرهما كما ندم هو على كل تلك الأعوام التي ترك فيها
ظروفهما تحول بين اجتماعهما معا وتمنى أن كان مجنوناً
ومتهوراً واختطفها منهم جميعهم وخرجا من البلاد بأكملها لكان
ابنه أو ابنته فوق العاشرة الآن ولكان ارتوى من هذا الحضن
لأعوام وما عاش يتجرع الحرمان ينخره شوقه لها وبلا رحمة
لأربعة عشر عاما كاملة ... ياااااه ما أطولها وما أقساها كلما فكر
فقط في عددها وحسب شهورها وأيامها شعر بقلبه ينفطر وبشدة
ولا يريحه سوى النوم في حضنها واحتوائها في حضنه حتى بات
أكبر مصدر إزعاج لها وهي نائمة لأنه لن يتركها تنام ما لم ينم
ويتوقف عن التفكير في تلك الأمور التي لازالت تنحر روحه رغم
وجودها بقربه ، انحنى برأسه لطرف وجهها يستنشقه بخدر وقبل
خدها قائلا بابتسامة
" ما كل هذا النوم يا كسولة ؟ أخجل أن أقول أنك نائمة كلما
سألتني عمتي أو غسق عنك "
ضحكت وقبلت ساعده الملتف قرب عنقها وقالت مبتسمة
" اتركني أنام ليلا لساعتين متواصلتين إذاً "
قبل خدها مجددا وقال مبتسما
" ما ذنبي أنا إن كان نومك خيفاً هكذا وما أن أتحرك قليلا
تستيقظي ..؟ ولن أتركك تنامي بعيدا عن حضني طوال الليل لا
تحلمي بها ، ثم ما علاقة هذا بالنوم حتى وقت العصر ؟ "
أبعدت يديه ودارت ناحيته وطوقت عنقه بذراعيها وقالت مبتسمة
" لا تبالغ يا كاذب ثم ما ذنبي أنا أيضا كلما اتكأت على الوسادة
نمت وما أكثر ما أجد نفسي لا شيء لدي سوى الاستلقاء "
قرب وجهه من وجهها ولامس أنفها بأنفه محركا له به بخفة
وقال مبتسما
" سننتقل للطابق العلوي قريباً وسيكون منزلا أوسع لك ..
أعلم بأنك مقيدة هنا "
قالت من فورها تنظر لعينيه وهو يبتعد عنها قليلا
" لا يا رعد لا تقل ذلك فلن أتضايق من عائلتك أبدا لكن لكل
ما يشغله فغسق خارج المنزل أغلب الوقت وعمتك لا تفارق
شقيقك إلا إن كان نائما وهو يحتاجها أكثر مني بالتأكيد
وأنت برلمانك زوجتك الثانية التي لا طلاق منها أبدا "
ضحك وقبل أنفها وقال
" وأنت لا تريدين الدراسة ولا العمل ولا الخروج وحدك ...!
لا حل أمامك إذا سوى أن تعجلي بولي العهد ولن تجدي وقتا
حينها ولا لي "
نامت في حضنه وابتسمت بسعادة للفكرة لأنه سيكون ابنها منه
فقط ليس لأي سبب آخر ولن تخبره بأن دورتها متأخرة لأربعة
أيام حتى تتأكد أولا فلم يمضي على زواجهما سوى أسابيع قليلة
هو فقط موعدها يفترض أن يكون الآن فهو لا يخطئ حساباته
سابقا أبدا ، تذكرت فجأة ما قاله قبل لحظات فابتعدت عنه ونظرت
له وقالت عاقدة حاجبيها الرقيقان
" وما السر في أن يكون الطابق العلوي لنا ؟ لا تكن ستنزلهم
للأسفل يا رعد ! "
حرك رأسه بالنفي قائلا
" لا وكيف أفعلها ! غسق ستغادر لمنزل زوجها والكاسر في
إثرها طبعا لا تكون في مكان إلا وهو فيه معها لن يرضى بأن يمر
عليه يوم لا يراها فيه "
قالت مبتسمة بدهشة
" حقا غسق سترجع لمنزلها وزوجها ! "
تنهد بحزن ومرر ظهر سبابته على وجنتها قائلا
" سترجع للمنزل بلى أما زوجها فلنأمل أن يحدث ذلك تباعا له ،
أما عمتي فغرفتها أساسا في الأسفل وسأغير الغرف هنا لجناح
ليكون لرماح وزوجته مستقبلا فلن أرضى بفكرته في أن ينتقل
لمنزله والجناح حله الوحيد أو سأشتري منزلا بثلاث طوابق "
أمسكت يده عن وجهها وقبلت باطنها ونظرت لعينيه قائلة
بابتسامة
" سيكون لي الخيار إذا في تغيير الطابق كيف أريد "
ضحك واتكأ بجبينه على جبينها وقال مبتسما
" حياتي بأكملها تغيرت بوجودك ولن أتردد في تغيير كل
ما تريدينه وفي أي مكان "
ابتسمت بمكر تطوق عنقه بذراعيها وقالت
" اترك البرلمان الحاكم إذا وغير عملك لدوام صباحي فقط
وليومين في الأسبوع "
ضحك كثيرا وضمها لحضنه قائلا
" البلاد تحتاجنا جميعا في الوقت الحالي حبيبتي وما أن تستقر
أمورها مجدداً سأتركه بالتأكيد كما كنت سابقا فأنا والسياسة لا
نجتمع أبدا ولولا ظروف البلاد بعد وفاة والدي ما دخلته وسأعود
لتجارتي وأعمالي الشبه متوقفة منذ أشهر "
ابتعدت عنه مجدداً وقالت ناظرة لعينيه
" لم تخبرني ما سر عودة غسق لمنزل الزعيم مطر ؟ "
حضن خصرها ورفعها منه وسار بها قائلا
" أنت ألست تبحثين عن ثيابك لتستحمي ؟ ما رأيك ببعض
المساعدة ؟ "
قالت ضاحكة تحاول تخليص نفسها منه والنزول للأسفل
" رعد اتركني .. أي استحمام هذا وأنت معي ! ثم ألست ثقيلة
وأحتاج لأن أنحف كما تقول لما تحملني إذا يا عجوز ؟ "
دفع باب الحمام بقدمه وقال ضاحكا وهو يدخل بها
" أجل عجوز وستحطمين ظهره إن بقيت هكذا ، أما أن تنحفي
فلا أحبذ الفكرة أبدا بل وأمر مرفوض بتاتاً "
*
*
*
فتحت باب الغرفة بهدوء لم يشعر به الجالس على الأريكة يشاهد
التلفاز وسط الشقة الشبه مظلمة سوى من ذاك النور المنبعث
من شاشته ونور الأبجوره الخفيف نسبيا واتكأت على إطار الباب
نظرها ليس على ما يعرض في تلك الشاشة لمشاهد عمرها
ساعات لطائرات حربية ومباني اسمنتية تأخذ أشكالا منحنية تكاد
تعانق الأرض في انخفاضها قبل أن تتحول لنار مشتعلة وغبار
أسود متصاعد بسبب تلك الصواريخ الموجهة نحوها بدقة ،
ورغم انخفاض الصوت إلا أن ذاك الدوي وتبعاته تسللت مخترقة
صمت المكان بسهولة .. بل راقبت نظراتها الجالس هناك تراقب
عيناه كل ما يحدث على تلك الشاشة الكبيرة المسطحة وكأنه
عرض مباشر يخشى أن يفوته منه أي شيء .. أو هكذا خيل لها
حتى وصلها صوته الجاد ولم يزح نظره عن تلك المشاهد
المرجفة للقلوب
" ماريا تناولي الطعام الذي وضعته لك في الغرفة أو أجبرتك
على فعلها "
فابتسمت بحزن تمسح وجنتها بظهر كفها لازالت نظراتها الحزينة
تراقب تلك الملامح التي انعكس عليها ضوء التلفاز المتغير رغم
أنها لا تظهر لها بشكل كامل وتستغرب حتى أنه رآها ! راقبت
نظراتها بشغف الذي لم يزده صمتها ذاك سوى إصراراً يشبهها
فاتكئ برأسه للأعلى مغمضا عينيه وقال
" ما رأيك أيتها الصغيرة الصامتة بلعبة تعرفينها جيدا ومنذ
أعوام اسمها لديك فرصة حتى الرقم عشرة قبل أن يصبح جسدك
معلقا في السقف "
فامتلأت تلك الأحداق الذهبية الواسعة بالدموع لازالت تلك
الابتسامة الحزينة أبلغ تعبير يشرح ما يخالج ذاك القلب الرقيق
العاشق .. أليس يكفيها أن يكون بخير وتراه أمامها هكذا ؟
أليست أسعد نساء الأرض بهذا ؟ ليت قلبها المتعلق به فقط
يقتنع . تحركت نحوه بخطوات بطيئة خافتة تشبهها خصوصا
أنها كانت حافية القدمين حتى وصلت عنده لحظة أن فتح عينيه
ونظر لها وهي تأخذ جهاز التحكم الخاص بالتلفاز من يده
وجلست في حضنه واتكأت بوجنتها على صدره أناملها تتحرك
بنعومة على تلك العضلات البارزة فيه قبل أن تدفن وجهها في
ذاك الحضن ما أن طوقت ذراعاه ذاك الجسد النحيل البالغ الرقة
أمام تلك الرجولة المتفجرة تحضن أصابعها خصره بتملك
ودفنت وجهها وأنفاسها الدافئة في عنقه تشعر بأصابعه تغوص
في خصلات شعرها المتدرج بنعومة على عنقها يحتويها في
حضنه أكثر فها قد قررت أخيرا أن ترحمه وتخرج من قوقعتها
المخيفة التي سجنت نفسها فيها لساعات ، أبعد تلك الخصل
الحريرية عن وجنتها حين وصله ذاك الهمس الأنثوي الرقيق
الشبه باكي
" كنت خائفة تيم ... خفت حتى الموت "
فضمها لصدره أكثر وقبل جبينها بعمق وهمس وشفتيه لازالت
تلامسه " لما لم تخبريهم ما أرادوا معرفته ماريا ؟ لماذا سمحت
لهم بإيذائك في غيابي ؟ "
تحركت أناملها صعودا لعنقه وهمست بعبرة مكتومة
" لم أكن خائفة على نفسي بل عليك أنت فلم أكن أعلم من يكونوا
أولئك وما عليا قوله عني تحديدا ، وما كنت لأنطق بأي حرف
وإن قتلوني وأنا أجهل مصيرك وما يريدونه مني "
رفع رأسه عاليا يدسها في ذاك الحضن أكثر وضمها له أكثر
وأكثر قبل أن يُنزل رأسه ويدفن ملامحه في ذاك الحرير البني
رائحة التوت البري لازالت تفوح من خصلاته الناعمة .. رائحة
الحنين لتلك السنين البعيدة للوطن للانتماء .. لطفولته لوالدته
للاستقرار وللارتياح يشعر بحركة سبابتها جهة قلبه فابتسم لذاك
التقلص المريع في عضلاته بسببها ووصله ذاك الهمس الحزين
مجددا يغلفه الكثير من الوجع هذه المرة
" لا تسمح لها بأن تكون هنا تيم وإن لم أكن أنا فيه ...
أي امرأة إلا هي أرجوك "
تحركت أصابعه مبعدة خصلات غرتها عن طرف وجهها حتى
ظهرت له تلك الرموش المبللة بالدموع فنزل لها بهم ممررا ظهر
سبابته عليها ماسحا تلك الدمعة قبل أن تفارقها وقال
" ماريا أخرجي تلك المرأة من رأسك واعتبريها ليست موجودة
فهي كذلك "
قبضت أصابعها حيث كانت على قلبه وتكسر صوتها بسبب تلك
العبرة المسجونة وسط أضلعها وضربت بقبضتها على صدره
قائلة
" كيف وهي تنام هنا .. كيف وهي تقترب من هذا .. تلمسه
أصابعها وملامح وجهها تشاركني فيه متى أرادت ، ألا توجد
طريقة أخرى أموت فيها أنا وتنتهي تلك المهمة ؟ أنا راضية ولا
مانع لدي "
أبعد يدها وشد أصابعه على قبضتها تلك وقبلها ثم امتدت أصابعه
لذقنها ورفع وجهها له ونظر لعينيها الدامعة وقال بعتاب جاد
خافت
" ماريا أنت أكثر من يجعلني أشعر بأنني كاذب وخائن بل
وسافل أيضا وأنت من يفترض بأن يكون العكس "
نظرت لعينيه بصمت لبرهك ورفعت يدها لوجهه وما أن لامست
أصابعها فكه أغمضت عينيها ببطء يشبه حركة تلك الأصابع عليه
وقد التفت حول عنقه تداعب شعر مؤخرة رأسه وشدته لينحني
ناحيتها أكثر فأغمض عينيه يشعر بنعومة تلك الشفاه تختم
بقبلاتها الرقيقة على عنقه وأصابعها تتحرك على نحره نزولا
فتمتم بخفوت مبتسما وأصابعه تخترق لحم ذاك الخصر الغض "
ما هذا الذي تنوين فعله مارية توقفي ! "
فطوقت عنقه بذراعيها ودفنت وجهها في عنقه هامسة برقة "
عليك أن تذكر هذه وتنسى قبلاتها هنا ... أنت لي تيم ولست لها
أليس كذلك ؟ إذا تحمل "
فرفع رأسه وصعدت أصابعه لظهرها ماسحا عليه برفق يشعر
برقة تلك الشفاه على خشونة بشرة عنقه وقال مبتسما
" أتحمل ماذا يا مشاغبة ؟ توقفي عن هذا أو لا اتفاق بيننا
مطلقا ماريا "
رفعت رأسها وتركت ذراعيها عنقه وحضنت وجهه بيديها
أصابعها الناعمة الرقيقة تتغلغل في خصلات شعره الكثيف الناعم
واقتربت منه أكثر وقد ساعدها شده لها نحوه في ذلك وأغمضت
عينيها ببطء وقد اختبرت بدفء أنفاسها ونعومة شفتيها ملامحه
وكأنها تنسج نسخا لها في ذاكرتها حيث ما لا ينسى وللأبد لأنه
امتزج بتلك الأنفاس قبل أن تستسلم لاستسلامه لها وهي تستقر
بها نهاية الأمر عند شفتيه لتجبره على التراجع عن تلك القبلات
المتلاحقة بشغف التي استقبلهم بها لتتحول للرقة كقبلاتها الناعمة
المتأنية تلك واتكأت بظهرها على ركبته ما أن رفعها من تحتها
مسندا قدمه بطرف الأريكة ناصبا لها وانحنى فوقها فور أن
انزلقت ببطء في حضنه يرفض كل واحد منهما مفارقة شفتي
الآخر وأصابعه انتقلت لأزرار قميص بيجامتها يفتحها بالتتابع قبل
أن تتحرك بنعومة على كتفها مبعدا له عنه مرحبا باستسلامها
المفاجئ له ، شعرت بنشوة سعادة غامرة وهي تشعر بملمس
أصابعه التي أضاعت طريقها في حمالة الصدر جهة ظهرها
ويبدوا أنه لم يعرف كيف يفتحه مما يدل على جهله في تلك
الأشياء فنزلت بشفتيها ببطء من شفتيه لذقنه وأصابع يدها بدأت
بمحاولة فتح أزرار قميصه أيضا وتحركت أناملها على كتفه
العاري برفق يشبه قبلاتها التي عادت لسرقته بها مما حوله
وكلما أبعدت شفتيها تسترجع أنفاسها همس بخفوت من بين
أنفاسه المتلاحقة يشدها نحوه أكثر
" واحدة أخرى بعد ماريا "
ليعودا لسرقة القبلة تلو الأخرى لا حديث بينهما سوى من
همساته الرجولية المتطلبة تلك واشتدت أصابعه على ذراعها ما
أن تصلب جسدها بين ذراعيه وتوقف كل ذلك الشغف الذي عجز
عن إعادتها له بقبلاته التي لم تستسلم لنفورها المفاجئ وصوت
تحرك قفل الباب بات أكثر وضوحا في محاولة عقيمة لفتحه من
قِبل الواقف خلفه تلاه تحرك مقبضه بقوة وحركة غاضبة فقد
صاحبها السيطرة على أعصابه معها كما فقد الجالس قربه
سيطرته الكاملة على التي ابتعدت عن حضنه بالقوة ورغم قفزه
خلفها وإمساكه ليدها هامسا
" ماريا انتظري "
إلا أن أي شيء في ذاك الجسد لم يستجب له ولا لأي شيء ارتبط
بتلك اللحظات الحميمية الشغوفة وهي تركض جهة باب الغرفة
الذي تركته خلفها مفتوحا في السابق ودخلت مغلقة إياه خلفها
ووقفت عليه تمسح شفتيها بظهر كفها بقوة تمنع عبراتها من
اللحاق بدموعها الحارقة ورنين جرس الباب يرتفع فوق أي
شيء في أنحاء تلك الشقة الساكنة فأخفت شفتيها بظهر أناملها
تسجن حتى أنفاسها مع نحيبها الصامت تسمع صوت طرقه
الخافت للباب خلفها وهمسه الحازم الآمر
" ماريا افتحي الباب "
لكنها لم تجب كما لم تستجب لطلبه المتكرر لأن تفتح له وحين
يئس كما يبدوا منها أو من الذي لم يتراجع عن إصراره في
إحراق ذاك الجرس بالرنين المستمر تحركت خطواته مبتعدا
ووصلها صوت فتحه لذاك الباب الذي لم يستطع حجز الواقع
المرير عنها طويلا ليصفعها به مجددا وليذكرها بما تنساه في كل
مرة ، والأقسى من كل ذلك ذاك الصوت الأنثوي المغري المتقطع
الذي وصل لمسمعها يحمل عبارات شوق من جرأتها تعجز هي
زوجته عن قولها له وأنفاسها تقطع تلك الكلمات مما يعني أنها
...... تقبله !! .
أدارت أصابعها المرتجفة على شفتيها الباكية بصمت تسقي
أناملها تلك الدموع المنزلقة على وجنتيها دون توقف ، أجل تقبله
.... تكمل ما بدأته هي وسرقته منها لأنها الأحق به بلا قيود ولا
حواجز ولا أن تأخذه للموت مثلها في أي لحطة .
استدارت جهة الباب وحضنت برودة خشبه تبكي في حضنه
بصمت ولم يزدد قلبها إلا جنوناً ما أن عم صمت مبهم المكان في
الخارج وبدأ عقلها يرسم صورا لذاك الصمت المفاجئ الذي تلا
قبلاتها فامتدت يدها لمقبص الباب دون أدنى تفكير وفتحته ببطء
ونظرت من شقه بعين واحدة انكسارها أكثر وضوحا من الدموع
المتكدسة فيها تراقب بأمل كسير الذي خان توقعاتها ورحم قلبها
من الموت يرفع جهاز التحكم الخاص بالتلفاز الذي يبدوا بأنه غير
المحطة فيه قبل فتحه للباب وكان يعرض فيه فيلما ما وجلس
مكانه السابق ونظر جهة ذاك الباب ليقع نظره على التي بدأ ظهر
كفها بمسح الدموع من وجنتيها ينظر لها بصمت وكأنه يترجاها
أن تفهمه درجة أن انشغل تماما عن التي شاهدت ما شاهد بغضب
مكتوم أشعل غيرة التملك في داخلها وباغتته في غفلة منه حتى
شعر بذاك الجسد يرتمي في حضنه ولا مجال لشيء ولا لمنع تلك
القبلة من التي أصبح عنقه محاصرا بين ذراعيها بتحكم يرتفع
رأسها ويتحرك مع حركة رأسه المتملصة منها بعناد وما أن
اغلق ذاك الباب خلف القلب المحطم ورائه هناك ابتعدت عنه التي
وقفت قائلة بضيق وصوت منخفض
" تيموثي أنت ترفضني بشكل مهين ألا تعلم بهذا ! "
فوقف على طوله ومسح وجهه بكلتي كفيه مستغفرا الله في سره
ورفعهما لتتخلل أصابعه شعره قبل أن يحرره متكدسا على بعضه
بنعومة فقد اجتاحت دفاعاته في أضعف حالاته بسبب ما كان
يحدث قبل مجيئها وقد قاومها بشق الأنفس ، رفع نظره لها وقال
بحدة
" لوسي كم مرة سنكرر ما قيل ؟ "
لوحت بيدها قائلة بضيق
" لماذا تصرخ تيموثي ! هل تريدها أن تسمع ما تقول ؟ اشرح
لي هيا ما الذي بينكما لأفهم ؟ "
صرخ فيها من فوره
" توقفي عن التفوه بالحماقات لوسيندا "
ضربت الأرض بقدمها قائلة بحنق
" لوسيانا تيموثي لوسيانا ... حتى أنك تفقد اسمي بسهولة فهل
يحدث هذا مع تلك الإيطالية التي لم تخجل من التجسس على رجل
وخطيبته من خلف الباب "
حرك يده بجانب رأسه قائلا بغضب
" لوسي يكفي جنونا "
لوحت بيدها صارخة بغضب مماثل
" مجنونة أجل تيموثي ... مجنونة بك ولن أسمح لأي امرأة بأن
تقترب منك أو قتلتها "
نظر لها بصدمة ما كان ليستطيع إخفائها فتأففت ملوحة بقبضتها
وقالت بصوت باكي
" أنت تجرحني تيموثي .. أنا أرفض أن تعيش هذه الفتاة
معك "
تنفس بقوة وغضب وكلماتها المتوعدة بتهديد واضح فقط ما
علقت في رأسه المشحون بضجيج مزعج فأغمض عينيه لبرهة
يشعر بأنه يرى بوضوح الواقفة خلف ذاك الباب تبكي بصمت
ومن عجز فعلا عن إيجاد حل يرضيها قبل نفسه .. عجز وهي لا
تساعده أبدا ، ما أن فتح عينيه ونظر لها قال بملامح متصلبة "
توقفي عن الجنون لوسي فماريه مخطوبة "
نظرت له بصدمة وقالت
" مخطوبة !! "
أشاح بوجهه جانبا ومرر أصابعه في شعره وتنفس بعمق مغمضا
عينيه مجددا ، يعلم بأن هذا ليس سوى حاجز جديد سيرفعه
بينهما لكنه مجبور فهذه المدللة قد تؤذيها فعلا ، قال ببرود ما أن
أخرج تلك الأصابع من شعره ولازال يبعد نظره عنها
" أجل لشاب إيطالي مقيم في غرب انجلترا ولو أنك فتحت عينيك
جيدا لرأيت خاتم الزواج في أصبعها "
نظرت له بشك لبرهة قبل أن تقول
" وتحبه ؟ لا يبدوا لي ذلك تيموثي "
" بلى أحبه "
نظرا كليهما للتي فتحت الباب وخرجت منه ووقفت أمامه وقالت
بحزن رافقته دمعتها المنسابة على خدها تنظر لها تحديدا
" أجل أحبه كثيرا لكنه لا يفهم ... أحمق قاسٍ جدا وفاشل ... كما
أن تيم يرفض أيضا أن يفهم بأنه لا جدوى من محاولاته لإصلاح
الأمور بيننا وبأنه سيفشل ككل مرة فعليه أن يتوقف عن ذلك "
ونقلت نظراتها الدامعة له ما أن أنهت عبارتها تلك فهمس بشفتيه
فقط ويعلم بأنها تفهمه
" ماريا أصمتي "
لكنها لم تهتم لكل ذلك فجرحها أعمق من كل ذلك وقد قتلاها فعلا
وبعنف وهي تراها جالسة في حضنه وحيث كانت هي قبل لحظات
... لحظات قليلة فقط وسرقتها منها بكل سهولة ، همست بصوت
مرتجف ونظراتها الدامعة لازالت على عينيه
" عليك أن تكوني فخورة بخطيبك فذاك الشاب لم يكن وفيا معي
أبدا ويطلب مني ما يأخذه من غيري .. يشبع غروره الذكوري
على حساب مشاعري "
لتصدم كلماتها تلك الحاجز الزجاجي الهش بينهما بعنف حوله
لأشلاء .. الذي ظنه أحدهما بأنه ثقة صادقة فيما أقسم عليه مرارا
ورآه الآخر مجرد وهم تزيله الحقائق القاسية سريعا فقال بملامح
مشدودة
" أجل معك حق أحمق ماريا لأنه أراد وضعك في الصورة منذ
البداية .. أحمق ولم يعرف كيف يتصرف ، علي قول هذا له في
المرة القادمة وأن أتوقف عن الدفاع عنه أمامك "
" يكون ذلك أفضل "
قالتها بكل ما استطاعت استجلابه من صمود وبرود ودخلت
الغرفة مغلقة الباب خلفها وتركت تلك العينان معلقة بخشبه البني
المصقول وقد رفضت تلك لأحداق الغاضبة مفارقته ولا حين التفت
تلك الذراعان حول عنقه وتحركت الشفاه الناعمة على خده
بهمس أنثوي خافت
" آسفة حبيبي فهمت الآن الأمور بشكل أفضل "
*
*
*
اجتازت سيارتها بوابة المنزل نظرها على ساعتها فقد تأخرت
فوق المخطط له وعليها أن تراه فهي أخبرته حين غادرت صباحا
بأنها سترجع قبل المغيب وها هي الشمس شارفت على مفارقة
السماء وهي التي كانت من عادتها سابقا أن لا تكون خارج
المنزل لأكثر من هذا الوقت خاصة أن عملها كان في الماضي
ضمن الجمعية الملتصقة بمنزلها أما هنا فستحتاج للكثير من الحظ
لتتمكن من العيش دون أن تفقد المتبقي من عقلها وأعصابها
التالفة سلفا ، وتلك كانت أمانيها فقط فاقتراب سيارتها من المنزل
نبأها بأن الخطر أقرب لها مما كانت تتوقع وهي التي ظنت بأنها
في منطقة الأمان هنا وأنه لا وجود لرجل ثالث في ذاك المنزل
فرئيس البلاد الموقر لن يجد وقتا ليكون فيه أكثر من ساعات
نومه ليلا ولن يكون ذلك سوى لأيام تعد على الأصابع من الشهر
، لكن ما لم تفكر فيه بأنه ومن أجل جعلها تكره هذا المكان مجددا
سيفعل أي شيء وإن الانعزال عن منصبه ، استدارت سيارتها في
نصف دورة حتى كانت بالقرب من سيارة الذي كان يضرب بابها
الأمامي مغلقا له ويفتحه ويعود ويضربه مجددا يتكئ بساعد يده
الأخرى على سقفها ونظره للبعيد فهي أصبحت خلف ظهره تماما
وها هي المؤشرات السيئة تتعاقب فإفراغه لغضبه في ذاك الباب
ليس سوى البداية وهي من تعرفه جيدا وجل ما تخشاه أن تكون
سبب ذاك الغضب ... لا هي لن تخشاه ولن تهتم لغضبه
ولمسبباته ولا شيء يجمعهما سوى جدران منزل باردة لن تغير
في علاقتهما وواقعهما شيئاً ولولا والدها ما كانت لتبقى هنا
لدقائق لكن لا بأس فانفصالها عنه سيضع نقطة النهاية بينهما
فلن يكون ثمة حجة تعيش بها بينهم هنا بعدها فلم تعد زوجة
السيد المبجل مطر شاهين فكيف لامرأة لا تربطه بها أي صلة أن
تعيش في منزله ؟ .
نزلت من سيارتها ضاربة بابها مثله وسارت جهة عتبات باب
المنزل دون أن تنظر لتلك الجهة ولا من باب الفضول ولا لتعلم
بأن تلك الخطوات الواسعة المسرعة لحقت بها حتى كان معصمها
في قبضة يده وتلك الأصابع الطويلة تلتف حوله بقوة وشدها
سائرا بها في الاتجاه الآخر غير مبالٍ بمحاولاتها العقيمة للتخلص
منه أو إيقاف خطواته حتى كان ظهرها ملتصقا بباب سيارته
المغلق ويدها ملتصقة بزجاج نافذته البارد بجانب رأسها بسبب
ضغط يده مثبتا لها عليه ونظر لعينيها هامسا من بين أسنانه
" ما هذا النوع الجديد من العبث يا غسق ؟ "
نظرت لعينيه بصمت تحاول ترجمة ما عناه تحديدا فهي فعلت
وتفعل الكثير من الكوارث بالنسبة لهذا الرجل ولم تعد تفهم عن
أيها يتحدث تحديدا وهنا الكارثة ؟ أغمضت عينيها بقوة مجفلة
بأنين متألم حين ضرب معصمها على الزجاج قائلا بحدة "
أسمعيني صوتك "
فتحت عينيها ونظرت لعينيه الغاضبة بنظرة لا تقل عنها سوادا
وغضبا وصرخت فيه بعنف تحاول دفعه بيدها الأخرى
" لا علاقة لك بي ... وها هو صوتي سمعته "
أمسك بمعصم يدها الأخرى أيضا وأنزلها بقوة وصرخ في وجهها
القريب منه محركا لرأسه بقوة تحرك معها شعره الناعم المرتب
" مخطئة إن أخبرك عقلك الفارغ هذا بأن كسر الرجل يكون
برجل يا غسق "
نظرت له بصدمة فضرب معصمها بالنافذة خلفها مجددا وقال
بحدة
" ما الذي جعلك تتصلي بابن خالتك ذاك تحدثي يا غسق ؟ "
حدقت فيه بجمود للحظات تنظر لتلك العينان الواسعة الغاضبة
بشكل مخيف جعل حواف جفنيهما السفليان يكتحلان بلون أحمر
قاني وإن كان امرأة لراهنت بأنها تمسك دموع الغضب والانكسار
حتى احترقا جفنيها لكن ما تجهله بأن ذاك لدى الرجال له معان
أخرى تماما ولا تعني سوى الطعن في الكرامة والكبرياء.
نقلت نظراتها بين عينيه بصمت مبهم .. هذا سبب غضبه إذا
وهذا ما كانت متأكدة منه أن اتصالاتها مراقبة ومن الجيد أنها
حين اتصل بها كان الحديث بينهما على أنه عرض عمل روتيني
الغرض منه أن تحدد موعدا معه ثم حديثهما سيكون على انفراد
وقد فهم هو ما تصبوا له بذكاء محامٍ خبير ، وهذا ما كانت
محتاطة له سابقا فلا شيء يمكنها قوله له عن طريق الهاتف ،
لكن مكالمتها تلك مع قائد يبدوا أنها لم ترق له ولغروره الذكوري
المقيت ، حاولت تحريك معصمها في قبضته لتخليصه منها قائلة
بضيق
" هل أفهم أنا ما هذه الجريمة التي تخشون أن أسببها للبلاد
تراقبون اتصالاتي ؟ أم المسموح لغيري ممنوع عني وعفّوا تعف
نسائكم يا ابن شاهين "
اشتدت أصابعه على معصميها بقوة آلمتها وقال بغضب
" الكمال الذي لم يصل إليه ابن شاهين ستصعدين أنت له وإن
مرغمة يا زوجته افهمي هذا ؟ "
وتابع من قبل أن تتحدث رافعا رسغ يدها الأخرى أمام وجهها
هامسا من بين أسنانه
"يد رجل تمتد لك ياغسق مصيرها القطع فأخبري قريبك بهذا "
أنزلت يدها بقوة منزلة يده معها وقالت بحدة
" مطر ابتعد عن حياتي ولا علاقة لك بقائد يكفيك ما فعلته
بجبران وابن العقاد فلست غبية كي لا أفهم أنك السبب في إسقاط
رتبته ونقله للجنوب أم لا يمكن أن يكون ثمة قائد أعلى لجيش
البلاد غيرك ؟ "
أنزل يدها الأخرى أيضا وأدارهما خلف جسدها الذي دفعه نحو
جسده بقوة محاصرا له بين ذراعيه وجامعا ساعديها بتقاطع
خلف ظهرها ودفع جسدها بجسده ملصقا له على باب السيارة
خلفها وأعجزها تماما عن مقاومة تلك القبلة الخشنة العنيفة التي
عبر فيها عن كل ما يغضبه منها بل ومن الذي تركه خلفه في
المنزل ومن هدده حتى بتطليقها منه متهما إياه بالقسوة والعنف
معها وهو من بات يحارب فاعليها بالقانون .. فعن أي قسوة
وعنف يتحدث ؟ ألا يعلم ما فعلته هي به وهي تهدده بقتله من
أجل ذاك الخائن المندس وتركض خلف جنونها وعواطفها
الحمقاء ؟ أجل كان عليها أن تفيق قبل أن تفقد حياتها وتفقده
عقله معها .
كانت قبلة منهكة لكل شيء ولهما معا ورغم كل ذلك لم يقرر
إنهائها حتى ارتخى جسدها بين ذراعيه وأعلنت استسلامها وكأن
ذاك ما كان يصبوا إليه منذ أن قاومته بل وأراد أن تشعر بضعفها
أمامه .. أن تحذر نفسها من مغبة خسارته وعواقبها على قلبها ..
هذا ما فسره قلبها المجروح المتأذي منه ومهما فعل وهذا ما
ألمها أكثر وهو يحررها من عنفهما الذكوري اللذيذ وقد همس
يسحب نفسا قويا لصدره ويخرجه ببطء ملصقا أنفه بأنفها
ومحدقا في عينيها المشوشتان
" هذه الشفاه لن تعرف غير شفتاي يا غسق قسما بمن خلقك
فحذري الرجال من عقابي "
وترك بعدها يديها بل وجسدها المنهك حد الانهيار وابتعد تاركا
حتى سيارته خلفه وسار جهة الممشى الحجري الواسع نحو
الحديقة فمررت ظهر يدها وأصابعها المرتجفة على شفتيها
هامسة بحقد وغضب من ذاتها قبله
" سحقا لهذا الشعور ... سحقا "
ولم تزدها تلك الحقيقة سوى اشتعالا فبدأت بضرب باب السيارة
خلفها براحة يدها بقوة صارخة بغضب تنظر لمكانه الخالي منه
" لن يستمر عهد استبدادك وتحكمك طويلا يا متحجر وها أنا
أيضا اقسم بمن خلقك "
وركضت بعدها جهة عتبات الباب ودخلت المنزل ووقفت مكانها
تنظر للواقف أمامها مباشرة ينظر لها باستغراب ثم ارتمت في
حضنه ودس هو وجهها في صدره وضمها له بقوة وقبّل رأسها
قائلا
" ما بكما يا غسق ما الذي فعلته أغضبه هكذا يتوعدك حتى
في غيابك ؟ "
التفت أصابعها حول قميصه وقالت بأسى
" قسما بأن وجودك هنا وحده ما يجبرني على البقاء في مكان
يجمعني به "
ضمها له أكثر ولم يعلق فهو يعلم بأن نصف غضبه ذاك كان
بسبب شجارهما قبل لحظات من أجلها .. لم يفهم السبب الحقيقي
لغضبه منها لكنه يعلم جيدا بأن ذاك الغضب سببه اقتراب أحدهم
منها فذاك المتحكم في انفعالاته وأعصابه لا يخرج الوحش بداخله
سوى بسبب اقتراب أحدهم من أنثاه وإن بتذكيره بأن يتركها
لغيره .
*
*
*
نزل من سيارته مغلقا بابها ونظره على الأفق البعيد حيث الشمس
التي شارفت على المغيب قبل أن تأخذه خطواته حيث يسمع
صوت تلك الضحكات الطفولية الصغيرة التي اجتذبته كالمغناطيس
فيبدوا أنهم يتخذون من الحديقة متنفسا لهم حتى مغيب الشمس
والذنب ذنبه بالطبع فهو من لم يفكر في أنه بهذا يسجنهم هنا
ودون قصد منه فإن كانا الطفلين يذهبان لزيارة والدهما الذي
يبدوا بأنه لا يقصر أبدا في تدليلهما وأخذهما حيث يرغبان إلا أن
عمته وابنتها لا تخرجان أبدا وهو لم يفكر في هذا سابقا ، اقترب
من ذاك المكان مبتسما للطفلة التي ظهرت له من بين أشجار
الحديقة بفستانها البرتقالي بقماشه المدرج في طبقات متساوية
تنتهي بشريطة زرقاء غامقة زين لونه الزاهي ذراعيها البيضاء
العارية والشعر الأسود الفاحم الذي لامس عنقها حاضنا الوجه
الدائري الصغير والتي صرخت بسعادة ما أن رأته وركضت
جهته مناديه
" عمي عميير "
فاستقبلها من فوره ورفعها للأعلى وقدفها عاليا مبتسما على
صوت تلك الضحكة الطفولية الصارخة التي يعشق وسار بها
تعانق ذراعاها الصغيرتان عنقه جهة الذي خرج له من هناك
أيضا يراقبهما مبتسما ، وما أن وصل عنده لاعبت أصابعه شعره
الناعم قائلا بابتسامة
" كيف حالك يا بطل "
تعلقت نظراته به مبتسما وهو يقول
" بخير ... نحن لا نراك أبدا ! "
ضحك ولم يعلق وهو ينزل الطفلة حيث الجالستان وقد تعلقت
نظراتهما به أيضا بين ابتسامة محبة دافئة وأخرى مشتاقة
متعطشة وإن للنظر من البعيد للذي حرمت من رؤيته لأيام يغادر
من قبل بزوغ ضوء الفجر ولا يدخل منزله إلا منتصف الليل
الآخر حتى أن اتصالاته بعمته بدأت تقل تدريجيا حتى باتت مجرد
سؤال مختصر إن كانوا يحتاجون شيئا يحضره معه وقت رجوعه
للمنزل فلا يجدوا سوى تلك الأغراض فوق الطاولة في بهو
المنزل صباحا .
أما تلك النظرات المحبة فقد رافقته أيضا حتى جلس بجانبها
مبتسمة بسعادة فلطالما اعتبرته ابنها الذي لم تنجبه ولم يهبه الله
لها وتعلم كم قاسى من فراق والدته طفلا ومعاناته مع زوجة والد
قاسية فتياً وعائلة رأته هجينا وغريبا عنهم فقط لأن والدته من
صنوان ، أشقاء تغذوا على السخرية منه وإشعاره بأنه أقل منهم
جميعا ومنذ صغره وانتهى به الأمر أن هجر ذاك المنزل شابا
وعاش وحيدا حرم من أي معناً للحنان الذي يكذب الرجال إن
قالوا بأنهم لا يحتاجونه فعاش يدفن احتياجه خلف ابتسامته
الملازمة لشفتيه ومزاحه الدائم يخفي بهما الحزن الذي كانت
تشعر به وتراه في عينيه مهما أخفاه وأنكره هو نفسه في داخله
، وحين أحب ابنتها لا تراه إلا أحب الشخص الخطأ رغم سعادتها
حينها بأن يكون من نصيبها وبأن يكون زوجا لإبنتها لكنها لم
تكن النصف المتمم له كما تريد هي لابن شقيقها الوحيد فهي لم
تترك طريقة ضغط لم تمارسها عليه ليلبي احتياجاتها وطلباتها ألا
محدودة وما أن يدخل من باب المنزل في زياراته القليلة لهما لا
يسمع سوى تذمرها وتشكيها حتى يخرج وهو بطبعه الودود دللها
بما زاد من طباعها سوءاً فقط لأنه أحبها بصدق لكن ذلك لم يكن
يجدي مع من هم في مثل طباعها وكانت سعيدة فقط بأن يصبح
أقرب لها من السابق .. ذاك فقط ما أسعدها في كل تلك الخطبة ،
وها هي ترى اليوم ثمار تربية الشقاء تظهر عليه لتصنع منه
رجلا استطاع بناء نفسه بل و غيره أيضا بينما تربية الدلال لم
ينتج عنها سوى فتاة كابنتها وشبان كأشقائه من والده لا يحبون
في الوجود أكثر من أنفسهم ولا يمكن لأحد أن يعتمد عليهم في
أي شيء بل يعيشون هكذا عالة على غيرهم لآخر حياتهم ،
همست تدعوا له بعيني محبة دامعة بأن يحفظه الله لها ما أن
رفع يدها وقبلها وقال مبتسماً وهو يرفع نظره لعينيها
" كيف حال عمة عمير الوحيدة ؟ "
ضحكة ومسحت على طرف وجهه قائلة بحنان
" بخير مادمت بخير يا قلب عمتك فمتى سترحم أنت نفسك ؟ انظر
لوجهك كيف يبدوا مجهداً ويبدوا أنك لم تنم البارحة ولا الليلة
التي قبلها "
أمسك يدها وقبلها مجددا وقال
" لنأمل أن يكون قريبا عمتي فوضع البلاد لا يحتمل التكاسل عنه
كي لا نفقدها وتعلمين جيدا أهمية ما نقوم به "
قالت مبتسمة بحنان
" نصركم الله على كل من أرادكم وأرادها بسوء بني لكن لنفسك
عليك حق أيضاً فأن لا يكون لك زوجة لا يعني أن لا تزور غرفتك
وسريرك أبدا "
ضحك بخفوت وأرخى نظره للأسفل حيث يديه المحتضنة ليدها
تراقبه تلك النظرات الباسمة للجالسة مقابلة له من لم تترك للحياء
فرصة أن يجبرها تبعد نظرها مثله بسبب المقصد مما قالته
والدتها تنظر بسعادة لتلك الملامح الرجولية أو ما يظهر لها منها
بسبب إنزاله لرأسه .. للأنف المستقيم والحاجبان والرموش
السوداء والشعر الأسود المسرح للخلف تترك لنفسها حرية السفر
مع خيالها حتى كانت تشعر بملمسه الناعم بين أصابعها التي
تتوق لأن تتغلغل فيه قبل أن يحترق كل ذاك الوهم محرقا كل
شيء فيها وأولهم تلك الابتسامة التي اختفت مخلفة بعدها تجهما
مخيفا ما أن قال الذي لازال نظره على تلك اليد والأصابع بين
يديه تزين شفتيه المحفوفة بشارب ولحية خفيفان ابتسامة حياء
رجولي مميز
" إذاً قد يسعدك بأني قررت فعلا أن أجلب لك من تنغص حياتي
وراحتي وتسجنني هنا في المنزل نهاية الأمر "
وبينما تبدل ذاك التجهم لنظرة مصدومة حولت صاحبتها لتمثال
حجري صلب كانت نظرات الجالسة بجواره اجتازت تلك الصدمة
بسهولة للسعادة تبعتها كلماتها الفرحة
" لا تكن مزحة يا عمير ؟ "
رفع نظره لها وقال مبتسماً
" لا ليست مزحة وقد سبق وتحدثت مع والدها وعائلتها وأريدك
معي في المرة القادمة وحين سيكون كل شيء بشكل رسمي
فأنت في مقام والدتي ومكانتها لدي "
رفعت يدها لوجهه مجددا وقالت بسعادة شابها بريق تلك الدموع
الدافئة في عينيها
" ما أسعده من خبر يا عمير ... ليبارك لكما الله بني وعجل في
الأمر واترك عنكما الرسميات الطويلة المملة "
ابتسم وعاد بنظره للأسفل مجددا قائلا
" مهلك عمتي فلتوافق العروس أولا "
أنزلت يدها ليديه الحاضنتان ليدها الأخرى وقالت بسعادة
" ولما لا توافق ! من تكون هذه الحمقاء التي تضيع من يدها
رجلاً مثلك ؟ "
وقفت حينها التي استطاعت بعد عناء اجتياز تلك الصدمة العنيفة
، من لم تكن ترى من حمقاء مثلها في الوجود حين أضاعته من
يدها قبل أعوام وماذا استفادت وما الذي وصلت له ؟ ابتعدت
خطواتها تجر قدميها ولم تعد تسمع شيئا مما يقولانه خلفها تشعر
بروحها ستخرج مع أنفاسها .. لا تصدق ما سمعته وبأنه يفكر
فعلا في الارتباط بواحدة أخرى ! ولا تصدق بأن عقلها كان يرسم
لها كل تلك الأوهام والتهيآت بأنه لن يحب امرأة مثلها ولا بعدها
وبأنها سبب عزوفه عن الزواج لأنه لم ينساها ولم يستطع أن
يكون مع أخرى غيرها ..!
اتكأت بظهرها على جذع إحدى الأشجار وأمسكت فمها عيناها
المتسعتان شاخصتان في الفراغ لازالت تعيش الصدمة التي ظنت
بأنها ستجتازها ما أن تغادر من هناك لكنها لم تكن باليسر الذي
توقعته وكيف لها أن تتوقع ذلك وهي التي لم تتخيله مطلقا ،
انتقلت يداها لأذنيها واغلقتهما بكفيها بقوة وكأنها انفصلت تماما
عما حولها لا ترى أو تسمع شيئا سوى صوت عقلها المرتفع ...
بلى هو يحبك إنه يعاقبك فقط ويعاتبك بطريقته ، تعرف عمير جيدا
يمزح دائما وفي كل شيء حتى في غضبه وعتابه وهو لم يتغير
أبداً فليس عمير الذي عرفته من تغيره السنين ، تحركت خطواتها
مجددا تسير مبرمجة كرجل آلي ووقفت قرب باب المنزل بسبب
اليدان الصغيرتان اللتان أمسكتا بثوبها فنظرت خلفها بعينيها
المحمرتان بسبب حبس الدموع والغضب من كل شيء وأولهم
نفسها للواقفة تحتها تمسكها وقد قالت بتلك النبرة الطفولية
الرقيقة
" أمي تعالي نلعب "
سحبت منها فستانها الطويل متمتمة بنبرة جوفاء كروحها
المشتتة
" لا أريد غادري لجدتك وشقيقك بسرعة "
لكن إصرار تلك الطفلة كان يشبه سنها تماماً
" هيا أمي تعالي "
فسحبت ذاك القماش الملتف حول أصابعها الصغيرة بقوة جعلتها
تنتفض في مكانها موقعة إياها أرضا وقد صرخت فيها بحدة
" قلت ابتعدي عني واتركيني وشأني ... لما أنا التي تنتهي
حياتي معكما وتنهار بينما والدكم يستمتع بحياته "
وتابعت صراخها متجاهلة ذاك الجسد الباكي في الأرض
" خسرت كل شيء بينما كسب هو .. بل الجميع يكسبون
وأنا وحدي من يخسر "
وحين لم يزد صراخها ذاك الجالسة أرضا سوى بكاء أشارت
بإصبعها خلفها وقالت بغضب
" قلت غادري الآن حيث شقيقك وجدتك تحركي بسرعة "
فوقف ذاك الجسد الصغير النحيل فورا وركضت صاحبته مبتعدة
بكائها الرقيق يتبعها حتى اصطدمت بتلك الساقان الطويلتان
وحضنتهما فورا ومن دون أن تتأكد من هويته حتى ارتفعت في
الهواء ومسحت تلك اليد على شعرها القصير الناعم قبل أن تدفن
بكائها في عنقه يحضنها بقوة وقال مبتسما
" ما يبكي الطفلة الجميلة ؟ "
تعلقت بعنقه وقالت بعبرة طفولية متقطعة
" أمي لا تريد أن نلعب وطردتني "
توجه بها جهة باب المنزل قائلا
" ما رأيك أن نصعد معا لغرفتي أصلي المغرب ونلعب معا
هناك ؟ "
ابتعد ذاك الوجه المليء بالدموع عن عنقه ونظرت له تلك
العينان الواسعة الدامعة بفرحة تعاكس تلك الملامح الباكية وقالت
بابتسامة واسعة زحفت لملامحها ببطء قائلة
" و تأرجحني في الهواء "
ضحك وقال يصعد بها السلالم
" نفعل كل ما تريدين لو توقفت عن البكاء "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 78 others like this.
رد مع اقتباس
#8608
قديم 21-03-18, 10:20 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفعت قدميها أيضا على السرير وحضنت ساقيها تراقب نظراتها
بملل اللتان تفتشان الأكياس والصناديق التي لم تفتحها منذ
وصلت قبل يومين بل وبدأن يتقاسمن الهدايا من تصل أولا تأخذ
الأفضل فماذا إن علم ذاك العريس بأن هداياه توزع هكذا للسبيل !
سافرت بنظرها جهة النافذة المفتوحة وللشفق الأبيض الذي بدأ
يزحف للسماء وتنهدت بأسى فها قد وضعت في الأمر الواقع
نهاية الأمر وأصبحت محاصرة بين فكي كماشة أحدهما والدها
والآخر شقيقها وثاب بل وبين أن توافق على سيادة رئيس جهاز
المخابرات الجديد أو أن تعامل معاملة البهائم هنا حتى الخروج
من الحظيرة ممنوع أي ستكون معاملة أسوأ من الحيوانات بكثير
، وهذا ما هدد به شقيقها بما فهمته جيدا فهو قادر على قلب
حياتها لجحيم وذاك ما تعرفه جيدا فلم
يسكته عن طلاقها من رماح سابقا سوى مرض والدهم المفاجئ
وانشغالهم به ثم طلبه منه أن لا يتحدث معها في الأمر وتعلم بأنه
ليس إكراما لها بل لتدخل شقيقها قائد وحديثه معه بطلب من
وسام ، الأمر الذي يضنونها تجهله وقد علمت به مصادفة .
طرقات منخفضة ومتفرقة على باب الغرفة جعلتها تلملم شتات
تلك الأفكار وسرقت نظرها من السماء له وارتسمت تلك
الابتسامة على شفتيها ببطء ما أن انفتح الباب ودخل منه الذي
صرخت إحدى شقيقاتها فور رؤيته قائلة بضحكة
" ها هو شقيق العروس الغائب تذكرها أخيراً "
فغادرت السرير من فورها وركضت مبتسمة والدموع تملأ عينيها
جهة الذي رفع ذراعيه لها واستقبلها في حضنه وحضنته هي
بقوة وقبضتها تضرب على ظهره قائلة بعتاب باكي
" هكذا تنسى شقيقتك التي تحبك يا قاسي ؟ حسنا تذكر والدتك
على الأقل "
أبعدها عنه وأمسك وجهها وقال ماسحا دموعها بإبهاميه
" تعرفين جيدا طبيعة عملي يا جليلة وها أنا أزوركم كلما زرت
العاصمة وأمر بالعمران من أجلكم فقط يا مدينة حزب النساء "
راقبت بحب ملامحه التي تعشق وابتسامته التي اعتادوا هكذا
يرونها خاطفة بالكاد ترتسم على ملامحه لتعبر فقط عن حبه
للواقف أمامه وهمست مبتسمة بحزن وعيناها تمتلئان بالدموع
مجدداً
" لكني أشتاق لك يا شقيقي "
ابتسم وقبل جبينها بعمق قبل أن ينظر لعينيها وقال
" مبارك يا عروس لن تنظري لنا بعد اليوم حين ستصبحين
زوجة رئيس جهاز المخابرات ومن سيغضبك مصيره سيكون
السجن بالتأكيد "
حضنته مطوقة عنقه بذراعيها وقالت مبتسمة أصابعها تداعب
شعره الأسود الذي خالف فيه هو وشقيقه التوأم باقي أشقائهم من
والدتهم
" من هذا الرجل الذي أبيعكم به ؟ قسما ماكان ولن يكون هذا
الذي يتساوى في كفة مع شقيقاي المحببين "
ضحك بخفوت ومسح على شعرها هامسا كي لا تسمعه الواقفات
قربهما ينتظرن أن تتركه لهم ليسلمن عليه
" لا يسمعك وثاب لا تذكريه معنا ويقطع لسانك "
ابتسمت بحزن هامسة أيضا وهي تبتعد عنه
" كل رجل يضع لنفسه مكانه بأفعاله يا شقيقي لا بالدماء التي
تجري في عروقه "
وابتعدت عنه منصاعة لسحب يد التي قالت مبتسمة
" يكفيك يا مدللة شقيقاك اتركينا نسلم عليه على الأقل "
وتتالت عليه الأحضان الخمس تتركه واحدة لتستلمه الأخرى فهم
بالكاد يرونه في زيارته الوحيدة لمنزل والدته مرة في كل شهر
حين يسلك طريقه باتجاه مكتبه في العاصمة فمن كانت هنا فقط
حينها ستراه وذلك ما لا يتوفر لهن جميعهن لأنه ولا واحدة
منهن تسكن العمران ، وما أن انتهى من حفل الاستقبال الطويل
الذي حضي بمثله من جمهور الأطفال الذي اندفع نحوه ما أن
دخل حديقة المنزل نظر للأغراض الموزعة في الغرفة وقال
مبتسما
" لازالت تلك الطقوس الغريبة ملازمة لكن وتسلبن العروس كل
ما تحصل عليه من هدايا ؟ "
ضحكن وقالت الصغرى فيهن من بالكاد تخرج أنفاسها بسبب
حملها في الأشهر المتقدمة
" ومن منا حظيت بهذا النوع من الهدايا والفخامة والرقي ؟
حتى أن رجل ابن شاهين الخبيث ذاك أصاب في مقاسها وفي كل
شيء فلم نستطع أخذ كل ما أعجبنا لأنها أقصرنا وأنحفنا "
أمسك أنفها وقال مبتسماً
" لا أراكن إدخرتن جهدا في سلبها ما جلب لها ومن قبل أن
يتزوجا فما ستفعلن حينها ؟ "
واختلطت الأحاديث معه بضحكاتهن كل واحدة تحاول أن تجذب
انتباهه للتحدث معها عدا التي كانت تراقبه نظراتها المتوجسة
بصمت فهي ترى شقيقاً ليس ذاك الذي تعرفه منذ أعوام من
فقدوه بعد شجاراته المتكررة مع وثاب ومن ثم هجرانه للمنزل
وبشكل شبه نهائي وكم تخشى أن يكون ما تخطط له غسق السبب
فهي لن تصدق أبدا بأن ما تريده منه مجرد استشارة قانونية
فالمحامون في كل مكان في حوران حولها فلما قائد تحديداً !
كانت تعلم بأن نظراتها تلك له لم تفته كما نظراتها له تبحث عن
أجوبة في عينيه السوداء الواسعة وتعلم بأنه يحاول التمويه
عنها حتى نظر للأسفل وقال لمن لازلن متحلقات حوله
" هل أنفرد بالعروس قليلا يا جميلات "
وانطلقت منهن عبارات التذمر متباينة بين الرفض والضيق قبل
أن يغادرن بالتتابع فلا أحد في تلك العائلة يجهل بمكانة شقيقتهم
تلك لدى شقيقيهما من والدتهم وبأنها الأقرب لهما ومنذ صغرهم
فتحركت التي قالت ما أن أغلقت الباب خلف آخرهن وما أن
التفتت له
" قابلت غسق في حوران أليس كذلك ؟ "
نظر للأسفل ودس يديه في جيبي بنطلون بذلته وقال بهدوء
" ليس تماماً ؟ "
نظرت له باستغراب وقالت
" ما الذي تعنيه بليس تماماً يا قائد ؟ هي تبحث عن رقم هاتفك
فهل تحدثت معك أو زارتك في مكتبك ؟ "
نظر لها وقال بجدية
" وما في الأمر إن تحدثت معي أو زارت مكتبي ؟ هي ابنة خالتي
وإن زارت منزلي فالأمر عادي جدا "
لوحت بقبضتها قائلة بضيق
" ليس في وضعكما يا قائد .. فلن يكون عاديا أبدا فإن كانت
تجهل هي أنك لم تتخطى مشاعرك القديمة نحوها فأنا أعلم بها
جيدا وأكثر من كليكما يا قائد فعيناك تقولان وإن رفض لسانك "
قست ملامحه وقال بضيق
" جليلة لا تعامليني كطفل فأنا أكبر منك ومن أشقائك من والديك
جميعهم "
قالت بذات ضيقها
" أنا أعلم ذلك جيدا وأعلم أيضا بأن شقيقك التوأم لديه خمس
أبناء الآن وأنت لم تتزوج بعد رغم تجاوزك الأربعين لأنك لم
تستطع أن تظلم امرأة معك وقلبك مع أخرى عكس شقيقك الأصغر
منك والذي لم يتوانى عن جرح النساء الواحدة بعد الأخرى وهو
يدخل التجربة الفاشلة تلو الأخرى فلا تنسى أنت وابنة خالتك
وجود وثاب إن نسيتما أنه ثمة رجل اسمه ابن شاهين سيقتلك
'دون تردد إن اقتربت منها "
شد قبضته بقوة وقال بحدة
" جليلة لو أفهم لما تبالغين هكذا فما... "
قاطعته من فورها وبحزم
" أنا لا أبالغ لأني أعرفك كما أعرف غسق جيدا "
وتابعت بجدية من قبل أن يعلق
" أعرفها كما أعرف نفسي يا قائد .. إنها تحبه وبجنون ومهما
حدث بينهما وفعل بها هي تتنفسه وإن أنكرت ذلك فلا تقحم نفسك
في حرب خاسرة أنت الذي ستخرج منها متضرراً نهاية الأمر "
لوح بيده قائلا بضيق
" جليلة توقفي عن التفوه بالحماقات فحديثها معي كان عمليا وكل
ما بيننا معاملات قانونية وكل واحد منا يعلم حدوده جيدا "
اقتربت منه حتى وقفت أمامه وأشارت بسبابتها علي قلبه وقالت
بحزم ناظرة لعينيه
" وهذا يا قائد ما رأيه ؟ هل يوافق ما يقوله لسانك ؟ "
أمسك يدها وقال بجمود معيدا لها ببطء
" هذا لا أحد له سلطة عليه وأخبرتك لكل واحد منا حدوده التي
لن يتخطاها ولن أرد ابنة خالتي وهي تطلبني ولأول مرة في
حياتها أما انكسار القلب وعطش المشاعر فقد تعايشت معه
من أعوام "
امتلأت عيناها بالدموع تنظر لعينيه التي يتجنب النظر بهما
لعينيها وهو يقول ذلك وكم يكسرها ما حدث مع شقيقها وهو
يحرم نفسه جميع النساء فقط لأنه لم يحظى بحب التي عشقها
منذ صغره فها هي ابنتها بطولها وهم يتخبطون بين ماضيهم
وحاضرهم ليس لأي واحد منهم ولا ابن يكبر معه فيجده حين
تتخلى عنه قوته وصحته ، وقائد أكثر من تتألم لحاله بينهم فهو
وحده من لم تتحول مشاعره نحوها للغضب والكره وإن كان
تمثيلا مثلهما فوحده من أجاد دور الرجل النبيل وتقبيل يد المرأة
التي ترك قلبه عند قدميها وانسحب بهدوء معلنا هزيمته أمام كل
شيء وأولهم نفسه وإرادته كرجل وكمحام وكعاشق جرح في
مشاعره وكرامته فقائد الوحيد بين من تقدموا لخطبتها بعد رحيل
ابن شاهين وإعلان خبر طلاقها منه من أخبرته غسق وبنفسها
بأنها لا يمكنها تجاوز ذاك الرجل في داخلها بسهولة وليس ثمة
من تضمن أن تمنحه ما في قلبها له وهذا كان أكثر ما جعله
ينسحب في صمت حينها ولم تهتم بباقي منافسيه وكأنها كانت
ترفض أن يتحول لنسخة عنهم أو أن تكون السبب في أي أذى قد
يلحقه من جبران أو أي فجوة بينه وبين شقيقه ولا تراها إلا
تسعى لتدميره الآن وهي تدمر كل ما فعلته سابقا من أجله ، قالت
بجدية ولازالت تنظر لملامحه الرجولية والأجفان الواسعة
المنسدلة فوق تلك الأحداق السوداء
" الأحمق فقط من سيفكر في أن ينافس مطر شاهين في أي شيء
فكيف إن كان قلب امرأة وجميع النساء في البلاد يحلمن به أو
بشبيه له ، وها أنا أقولها لك مجددا يا قائد بأنه رجل متملك غيور
وأنا من رأيته بنفسي فهو قد يؤذيها حتى هي نفسها إن شعر
بأنه سيخسرها فكيف برجل لا يعنيه في شيء بل ويراه عدواً له
ليس إلا ؟ فلا تُفقد نفسك حتى وظيفتك التي تحب بسبب امرأة لن
تكون لك "
نظر لها ما أن أنهت حديثها وقال بضيق
" هل انتهت مواعظك يا كبيرة يا أعقل مني ؟ "
امتلأت عيناها بالدموع وقالت بحزن
" لأني أحبك أقول كل هذا يا قائد "
تنفس بعمق مغمضاً عينيه قبل أن ينظر لها مجددا وقال
" وأنا قلت لك مراراً بأنه لكل واحد منا حدوده يا جليلة وغسق
بنفسها قالت ذلك ووضحت لي بأن لجوئها لي لن يكون أملا
عقيما وأنا قلت بأني لن أردها ولن أخذلها بما أنها لجأت لي وإن
عادت له فيما بعد فذاك أمر يخصها وحدها وامرأة لا أنال قلبها
طوعا لن أجبرها على ما لا تريد وسبق وأخبرتك بأن ما طلبته
مني حتى الآن لم يتعدى المعاملات والنصائح القانونية ولن
أردها في كل ما ستطلبه ومهما كان "
حركت رأسها متنهدة بعجز ويأس منه فقال مغيرا مجرى الحديث
" أخبرني وسام بأنك كنت رافضة أمر الزواج "
أشاحت بوجهها عنه وقالت ببرود
" كنت ولازلت ولا أعتقد بأن الأمر سيعنيك أو أنك ستغير فيه
شيئا حالك حال شقيقك أحبكما من طرف واحد فقط "
ابتسم واقترب منها وحضن كتفيها بذراعه وقبل رأسها وقال
" تعلمين جيدا يا جليلة بأن وقوفنا معك لن يسبب إلا مشاكل
أنت نفسك سترفضينها "
ثم أدارها ناحيته وأمسك وجهها ونظر لعينيها وقال بجدية
" أما بعد زواجك ووصولك لديه هناك فلن يمسكني شيء عن
الوقوف في وجهه إن آذاك بأي شيء وكان من يكون وسأخرجك
بنفسي من منزله لمنزلي إن فقط أساء لك يوما وهو اتصال واحد
فقط بي لن يراك بعده وإن قتلني "
حضنته بقوة تدفن وجهها في صدره العريض هامسة بحنان
" لا حرمني الله منك يا شقيقي ، هذا هو الكلام الذي أريد
سماعه فعلا "
*
*
*
فتحت باب الغرفة وألقت عليها نظرة خاوية وحقائبها لازالت
مكانها على الأرض منذ قامت بإرسالها مع أحد حرس منزل رعد
صباحا ، لقد أصرت تيما عليها أن تأخذ غرفتها القديمة وأن
تتركها لها لكنها رفضت فما تريده بتلك الغرفة التي ستذكرها حتى
جدرانها بماضيها الزائف هنا فعند كل زاوية وجدار حملت ذكرى
لهما وهي ترفض النوم مع أشباح الماضي ... لذلك عليها أن
تخرج من هذا المنزل سريعا بل وفي أسرع وقت قبل أن تفقد كل
شيء وأولهم عقلها فكرهها لما فعله بها ذاك الرجل وقرارها
تركه وللأبد لا يعني بأنها شفيت تماما منه .. حقيقة قاسية
ومجحفة لكنها واقع لن تهرب منه بجبن بل عليها محاربته
ومقاتلته وبشراسة حتى تنتصر عليه وحينها فقط ستتخلص من
عوالق ذاك الرجل في روحها والذي تسلل مع الدماء في عروقها
وعانت من مرارة انسحابه منها لأعوام وسيأتي بالتأكيد اليوم
الذي ستمشي فيه من أمامه وكأنه أي رجل آخر لن يحرك فيها
وجوده وحضوره الطاغي ورائحته أي شيء وستسخر من
مشاعرها السابقة نحوه ومن سذاجتها القديمة فتلك هي أقوى
علامات التخلص من حب أحدهم ... إنها وبكل بساطة تعني
الإنتصار .
نظرت حولها مجددا قبل أن تنزع حجابها لينساب ذاك الشعر
الأسود الطويل على ظهرها وقد رفعت رأسها في حركة تلقائية
ما أن تحرر ذاك الحرير الأسود الكثيف مبعدة غرتها الطويلة عن
وجهها وتحركت نحو الداخل بخطوات بطيئة تفتح يدها زر
قميصها ونظرت لما تفعله ما أن فتحت الزر الآخر ومررت
أصابعها ببطء تحت حمالة الصدر ودستهم أكثر نحو الداخل
تغرس أسنانها في شفتها حتى أمسكت بمبتغاها وأخرجته برفق
فهذا ما رفضت أن يكون ضمن أغراضها التي سبقتها منذ
الصباح والتي تركت حتى مهمة ترتيبها في تلك الحقائب
للخادمات ، رفعت المفتاح الموجود بين أصابعها أمام وجهها وكم
تمنت في سرها أن تصدق ظنونها وأن لا يكون قد قام بتغيير
أقفال أبواب المنزل وأن يكون هذا المفتاح القديم لازال نسخة
أصلية لذاك الباب وأن يكون الوسيلة لدخول تلك الغرفة في
الأعلى فعليها أن تقوم بهذا قبل كل شيء هنا خصوصا أنها
علمت من والدها بأن حديقة المنزل والمطبخ وملحق الخدم
ومنزل العمال فقط الأماكن المراقبة هنا .
قبضت عليه في راحة يدها وتوجهت فورا نحو الباب وخرجت من
الغرفة وما أن وصلت بهو المنزل الفارغ حمدت الله في سرها
أنها قامت بتأجيل انتقال الكاسر إلى هذا المنزل حتى الغد فهو إن
كان هنا الآن ما كان هذا المكان فارغا وساكنا هكذا تعرفه جيدا
يعشق أن يجلس ويُجلس الجميع معه في هذه الأماكن الواسعة
المفتوحة ولا تراه أحيانا إلا فضول سيء يسيطر عليه وعليه
التخلص منه لكنه يرفض الإعتراف بذلك فلا وسيلة لعلاجه منه .
صعدت السلالم بخطوات سريعة حتى كانت في الأعلى تحاول فقط
التفكير في هدفها لا في توترها وخوفها من أن تجده خلفها في
أي لحظة ولا في كل ذكرى جمعتها مع هذا المكان إن كان في
الماضي البعيد أو القريب فلن تتذكر سوى نبذه لها هنا .. ظلمه
وتخوينه وختامها صفعه لها وهي التي لم تمتد عليها يد رجل من
قبل ولا حتى حين كانت طفلة ليفعلها الآن من لم تعرفه سوى
لأشهر في الماضي وفي هذا السن وابنتهما تكاد تبلغ نصف
عمرها ومن أجل ماذا ؟ فقط لأنها واجهته بحقيقته ودمويته
وثأره الوحشي لكبريائه الرجولي المقيت مخلفا فجوة واسعة بين
أبناء وطنه بسبب جنونه الغبي .
وصلت الباب المقصود وغرست المفتاح في فتحته فورا دون
تراجع ولا تردد وما أن أدارته فيه ابتسمت بانتصار وهي تسمع
ذاك الصوت الخفيف دليل استجابته لإدارتها فيه دورة .. اثنتان
وثلاثة وانفتح ما أن أدارت مقبضه فدفعته نحو الداخل ودخلت
الغرفة فورا وأغلقت بابها ووقفت مستندة به وأغمضت عينيها
فورا ودون شعور لا بل شعرت ... شعرت بتلك المشاعر القديمة
والذكرى تهاجمها في أكثر مكان كانت لتضعف فيه كلما دخلته ..
كيف لا ونظرها يقع على ذاك السرير فورا ما أن تدخل وترى ما
لم يكن ضمن الأشياء الكثيرة التي تغيرت في هذا المنزل .. أيختار
قتلها بهذا أم تعذيبها فقط فحتى أغلفة الوسائد هي ذاتها لازال
الحرف الذي خطته بقلمه على إحداها تكاد تراه من هنا موجودا
بعد كل هذه الأعوام ، سحبت نفسا عميقا لصدرها ثم فتحت
عينيها وتحركت من هناك فهي لم تدخل لهذا المكان لتتخاصم
وذكراه في داخلها فكل ما حدث هنا سيدفن للأبد ... أجل ستدفنه
مع جراحها مع حبها الغبي له مع الماضي ومع سنوات عمرها
التي أضاعها منها .
توجهت جهة الخزانة الواسعة أولا وبدأت بفتح أبوابها الواحد تلو
الآخر ولا شيء سوى ثيابه المرتبة التي رفضت لمسها ليس
خوفا من أن تبعثر ويكتشفها بل من أن تتبعثر هي فليست على
استعداد لأن تواجه صدمة عنيفة في ضعفها أمامه والذي ترى
بأنه بدأ يتلاشى ما أن أصبحت هنا فيكفيها غباء حتى هنا يكفي ،
فتحت أدراج طاولة التزيين ولا شيء سوى أغراضه أيضا
وأوراق كثيرة ما قرأته منها لا يعنيها في شيء ، توجهت جهة
خزانة الأسلحة ونزلت للدرج السفلي فيها والذي رأته سابقا يغلقه
بالمفتاح على الدوام وما أن دفعته نحوها انفتح فورا فتمتمت
بانتصار وهي تفتحه أكثر
" صدق من قال اجعل من الجميع عدوا لك ولا تثق بأحد "
فتشت فيه سريعا ثم ضربته بغضب ووقفت فما تبحث عنه ليس
هنا أيضا ومن الطبيعي أن يكون كذلك لكن كان ثمة أمل لديها بأن
تجد وإن وثيقة أو أي دليل مشابه .
توجهت جهة باب الغرفة لتغادر فأوقفها مكانها صوت رنين
هاتف ارتفع عاليا في صمت المكان فنظرت حولها باستغراب
فلما يترك هاتفه هنا ويغادر ! حمقاء هل سيملك مثلا هاتفا
واحدا ؟
فتشت بنظراتها قبل أذنيها عن مصدر ذاك الرنين واكتشفت
بأنه خارج من المكان الوحيد الذي لم تفتشه وهي إحدى طاولات
السرير فتوجهت نحوها فورا وفتحت الدرج الذي انصاع لها فورا
كباقي تلك الأدراج وأخرجت الهاتف الذي توقف رنينه حينها
ونظرت باستغراب لعدد تلك المكالمات التي لم يجب عليها وكانت
جميعها من ذات الرقم ! هو كان هنا قبل قدومها بوقت على ما
يبدوا أي سمع رنينه ويعلم بأن صاحبه يتصل ولا يجيب ! عادت
بنظرها للرمز الذي يسجله به واستوت واقفة تنظر له بصدمة
وهي تلحظ حينها فقط ما خصص له وكان ( g _ london )
فشعرت بما يشبه النيران تسري في عروقها في شرايينها بل وفي
مسامات جلدها وتفكيرها يأخذها لشخص واحد وكأنه لا أحد يحمل
حرفا يشابه هذا الحرف في العربية غيرها ! لكنه حدس الأنثى ..
أليس يقولون بأنها تتنبأ بذاك الخطر المتعلق بزوجها ؟ أجل هي
تشعر به الآن وقويا جداً .
قادتها جميع شياطين الأرض حينها لفكرة واحدة وهي أن تجيب
ما أن عاد الرقم لاتصال مجدداً ... لا يهم إن كان تخمينها صحيحا
أم لا المهم أن تعرف وأن تتأكد أكثر مما هي واثقة أساسا منه ،
أليست تبحث عن دليل ؟ ها قد جاءتها الفرصة فلتستغلها
لصالحها .
ضغطت على أيقونة الإجابة ولم يعد يمكنها السيطرة على ذاك
الإرتجاف الخفيف في أصابعها وهي تضع الهاتف على أذنها
وأغمضت عينيها بقوة ودون شعور منها ما أن أصاب ذاك
الصوت الأنثوي الإنجليزي المندفع قلبها قبل سمعها
" مطر لما لا تجب على اتصالاتي ؟ هذه أنا جيسي أو لنقل
غيسانة كما تصر ومؤكد تعلم بأنها أنا فهل هذا ما أنتظره منك
أن تتخلى عني ولا أحد لي غيرك وأنت تعلم ذلك جيدا ؟ "
لم تستطع التي تثبت نفسها بطاولة السرير تمسك أصابعها
بحافتها كي تتوازن أن تقول أي كلمة وما الذي ستقوله مثلا أمام
ذاك الطوفان القاسي من الحقائق الذي ضربها بعنف ودفعة واحدة
وذاك الصوت الذي تعرفه جيدا وانغرس في روحها لأعوام
وطاردها كالأشباح لازال يصلها بتلك النبرة الشبه باكية
" قسما أني أحبك يا مطر ولا أفهم ما هذا الدليل الذي تبحث عنه
لتقتنع بذلك ؟ لا يمكنني أن أكون كما تريد لكن بإمكانك تقبلي
كيفما أكون من دون أن تظلمني هكذا وكما كنت دائما ، لو أفهم
فقط ما جعلك تتغير ناحيتي قبل سفرك ؟ مطر تحدث بل تعالى
وجد لي حلا بسرعة قبل أن أقتل نفسي "
وحين لم يصلها أي رد ممن ظنته صاحب الهاتف انتابها الشك
فذاك العقل الأنثوي يعلم جيدا بأنها ليست عادة ذاك الرجل الذي
عرفته لأعوام مضت هناك فهو إما أن يتحدث أو لا يجيب أساسا
! فلم يتعسر عليها فهم أنه ليس هو من فتح الخط ولم يحتج الأمر
لأي ذكاء لتعلم من سيكون في الطرف الآخر فلا امرأة أخرى
لدى ذاك القديس ولن تنتابها الشكوك في أنهما لن يكونا معا الآن
، أجل فوحدها من يعاني لكن ذلك لن يستمر ، كيف وتلك
المراهقة المتمردة الرافضة لواقعها لازالت تسكن داخلها وتسيطر
عليها بل وتدفعها كالعادة للتهور دون تفكير في النتائج ولا
يحركها سوى شيء واحد اسمه الإنتقام متى ما سنحت لها
الفرصة والثأر لتلك النفس المذنبة فلم تترك يوما أي فرصة تصل
لعقر نفسها الحاقدة ولا تستغلها أفضل استغلال فهي ومن وجهة
نظرها المحدودة الطرف المظلوم في عالمها دائما فلتقتص لنفسها
لما وحدها من تعاني ؟ وبما أن من في الطرف الآخر لم تتحدث
فهذا يعني أمرا واحدا فقط بأنه وكما تعرفه لن يكون أخبرها عن
وجودها فتحرك ذاك الشر اللزج الموجود وسط فكيها فورا يدفع
بتلك الكلمات الغاضبة ودون رحمة أو تأني تصيب به هدفها
وببراعة
" مطر لا تتعامل معي بهذا الأسلوب الذي تستخدمه مع جميع
نسائك فأنت تعلم جيدا بأني لست كأي واحدة منهن ، لا يعنيني
قولك بأنها مجرد فترة وسترجع ونرجع كما كنا فهذا لا يكفي ،
أعلم بأنك لا تكذب لكني مللت وأنت تعلم جيدا بأن الملل يدمر
العلاقات وهذا كان سبب فشلها جميعها سابقا فأنت لا تتوقف عن
جعل النساء يصبن بالملل ليبتعدن عنك من تلقاء أنفسهن كلما
أردت التخلص من إحداهن لكني لست أي امرأة وأنت من اعترف
بذلك سابقا وبلسانه "
" مطر أجب لما لا تعترف بالحقيقة ؟ تحدث هيا "
كانت تعلم بأنه لن يجيب وبأن ابتسامة الانتصار تلك لم تستنزفها
شفتيها عبثا فقد أصابت هدفها وبأقوى مما قد تتوقع وتلك
العينان السوداء المغمضتان لم تستطع أسوار رموشها العالية أن
تمنع تلك القطرات المالحة من اجتياز حصونها العالية وذاك
الجسد يتلقى الصفعات المتتالية بدفاعات هشة حتى كان سيهوي
للأرض مرارا تحاول صاحبته التمسك بذاك الخشب المصقول
فرغم سماعها لصوتها سابقا واعترافه إلا أن معرفة تفاصيل
الأمر هكذا كان أشد وجعا وأقسى مما كانت تتصور فها هو الأمر
لم يقتصر على امرأة واحدة وخيانة واحدة والتي نفاها سابقا
وهو من اعترف بها أمام الجميع لكنها حمقاء ... أجل هي
الحمقاء فقد اعترف لها أيضا وفي ذات المكان الذي حاول تبرئة
نفسه فيه .. ألم يقول وبكل وقاحة
( هي لم تخني يوما بل أنا من كنت أجرحها بذلك )
وغفلت عن فهمها حين اكتشفت بأنه عناها هي بتلك المرأة فهو
عنى نفسه بالخائن أيضا .
أنزلت الهاتف من أذنها وأغلقت الخط ورغم ارتجاف أصابعها كما
قلبها وكامل جسدها كتبت رقمها في تلك الشاشة التي بالكاد
تراها من بين كل تلك الدموع واتصلت به ليظهر الرقم عندها ثم
أرسلت التسجيل ومسحت أثار كل ما فعلته وأعادت الهاتف مكانه
وغادرت الغرفة ، لا تريد أن تقول بأنها نادمة على دخولها هناك
فبعض الصدمات تفيدك بقدر ما تدمرك وها هي حصلت على
مبتغاها وطلب صغير من وزير العدل ستسحب المكالمة من ذاك
الرقم كتأكيد كما سحبت سابقا تلك المكالمة على خط منزلها
الثابث .
وما أن وصلت غرفتها وأغلقت بابها خلفها انهار كل ذلك وهي
تلقي بجسدها على خشبه البارد خلفها تمسك عبرتها الباكية
بيدها ونزل ذاك الجسد المنهار للأرض ببطء تكاد تفتت تلك
العبرات أضلعها الهشة وقبضتها تضربهم بقوة وكأنها تذكرهم ...
ها هو من تمنيتم حضنه ومن ارتجفتم لأعوام شوقا له ها هو
احتوى وعرف غيركم الكثيرات وكذب حين قال بأن أضلعه تلك
رفضته هو نفسه طلبا لكم ... كاذب أجل وكذب في كل شيء .
عادت لضرب تلك الأضلع بقبضتها صارخة ببكاء
" فعلها من عاش هنا يا رب ولم أستطع أنا ... قتلني مرارا ..
ذبح روحي المعلقة به "
انحنت نحو الأسفل قليلا وضربت بقبضتها على قلبها وصرخت
بنحيب موجوع
" لماذا لا يشعر بما يوجد له هنا لماذا ...؟ "
ودفنت وجهها ودموعها وعبراتها في كفيها قبل أن ترفع شعرها
بأصابعها تمسك رأسها بهم بقوة دموعها تتقاطر على الأرض
تحتها تشعر بأنها وهي سواء لا تجديان سوى لتحمل أرجل
البشر .
" أمي ما بك ؟ أمي افتحي لي الباب أرجوك .... "
سجنت عبرتها وبكائها بأناملها ما أن وصلها ذاك الصوت الباكي
من خلف الباب والذي تابعت صاحبته بذات بكائها ورجائها
الكسير
" أمي يكفيك بكاء لا تعذبيني معك أرجوك ... أمي .... أميييي "
ونزل ذاك الجسد الصغير من خلف ذاك الحاجز الخشبي الأصم
للأرض أيضا تبكي صاحبته معها وإن كانت تجهل السبب إلا أن
الشعور واحد والسبب واحد وهي تدركه جيداً فلا شيء يبكي أنثى
ابن شاهين غير الجراح التي تتخطى حدود الصبر والتحمل
والصمود .
*
*
*
شد أصابعه وقبضته المستند بها على النافذة أمامه تراقب عيناه
ونظراته انحسار الشفق في الأفق البعيد وقد رفع يده الأخرى
لياقة سترته السوداء المغلقة على جسده وصدره العريض ودس
أصابعه وكفه تحتها ببطء وصولا لذاك المسجون وسط أضلعه
وشدهم عليه بقوة واحترقت تلك الأحداق المعلقة في البعيد
ليشوب جفناها الاحمرار المشابه لذاك اللون المسافر في الأفق
ولمعت الأحداق السوداء الواسعة ببريق خفيف وأصابعه تشتد
أكثر على ذاك النابض هناك ... مختنق ومحتاج ولا أحد يشعر
بما يوجد هناك يعتصر وسط أضلعه يستنزف آخر ما تبقى منه
وهو من يدفع وحده ثمن التضحيات .. ثمن الحرمان الإجباري
والموت وحيداً وعدواً للجميع وحتى نفسه .
اشتدت أصابعه أكثر على ذاك الجزء النابض فيه وكأنه يقتلعه
من مكانه .. لا يمكنه توقع طعنة منها هنا .. لا لن تفعلها ليست
غسق هكذا أبداً ، مكالمتهما كانت رسمية وعادية هي لن تكافئك
بذلك لا يا مطر فلا تخطئ مجددا لتكون ضحية لجبران جديد ،
أنت تثق بها ولن تفعلها ابنة دجى تربية شراع مستحيل ..
هذا فقط لتشعر بما قاسته هي بسببك وهي تظنك تخونها ،
ضرب بقبضته على الزجاج هامسا بغضب من بين أسنانه
" لكني كنت مجبراً ... "
وضرب بقبضته الأخرى على صدره حيث يخفيها هناك تحت
سترته جهة الذي ارتفعت نبضاته مع كلماته الحانقة
" كله بسبب هذا ... ليته يموت "
وانحسر الألم والحرقة في تلك الأحداق التي لونها بريق انحباس
الدموع فأخفض رأسه ممررا أصابعه في شعره الذي انزلق من
بينها يرثي تبلل تلك الرموش المشابهة له في كل شيء فما
أقسى الطعنات في كبرياء الرجل .
مسح وجهه مستغفرا الله بخفوت والتفت للباب الذي انفتح بعد
طرقتين متتاليتين ودخل منه الذي أغلقه بعده قائلا
" جيد أني وجدتك هنا "
التفت له بكامل جسده وقال
" تأخرت كثيرا يا قاسم ...! "
رفع يديه قائلا
" شقيقتك لم تتركني أغادر بسهولة ولولا إصراري كنت
لن أرجع قبل الصباح بسبب عنادها "
ابتسم له ولم يعلق بل ويفهم جيدا عما يتحدث وكيف يكون عناد
ابنة شاهين تلك فقال بعدها وبجدية
" ماذا حدث معك ؟ هل قالت شيئا مفيدا ؟ "
أشار برأسه جهة الباب خلفه وقال
" لقد جلبتها معي "
نظر له باستغراب قائلا
" جلبتها هنا !! "
أومأ إيجاباً وقال بجدية
" أجل فتلك الخادمة لديها ما قد يهمك معرفته وأردتك أن
تتحدث معها بنفسك "
تحرك من فوره مجتازا له وتبعه هو مغادران من الباب الذي
فتحه على اتساعه وهو يخرج من هناك مسرعا وقال السائر
خلفه يجاري خطواته الواسعة
" إنها في مكتب تميم "
وسار خلفه مجتازان الرواق الطويل حتى كان عند باب المكتب
المقصود وأدار مقبضه على صوت الداخل خلفه
" إنها خائفة يا مطر فاستجوبها بالرفق "
وما أن دخل وجد أمامه المشهد الذي تحدث عنه تماما وتلك الفتاة
القصيرة النحيلة منكمشة على نفسها في الكرسي الجلدي تبكي
وجسدها بأكمله يرتجف والواقف أمامها يمسك كوب ماء ملامحه
الحانقة كانت أكبر دليل على ما سمع فاقترب منهما وسحب
الكرسي الآخر أمام المكتب وجلس عليه مقابلا للتي لم تزدها
رؤيته سوى بكاء وانكماش على نفسها فنظر جهة الواقف عند
الباب الذي أغلقه بعد دخوله خلفه وقال بضيق
" ما بها مرعوبة هكذا يا قاسم ! أي أسلوب هذا الذي
استخدمته معها ؟ "
فرد كفيه قائلا
" لم أفعل شيئا سوى أني سألتها "
وتابع وقد دس يديه في جيبيه
" كما أن شقيقتك كانت معنا لكنها في حال مزرية منذ ليلة
الحريق كما قالت جوزاء وكما هو حال زوجة أبان التي لم
تغادرها الكوابيس للآن كما قالت عنها وهذه الفتاة تظن
بأننا سنتهمها بما حدث وترفض الاقتناع "
التفت جهة الواقف خلفه وأخذ منه كوب الماء ونظر مجددا للتي
كانت تحضن نفسها باكية تنظر له بخوف وقال بهدوء
" ألا تثقين في مطر شاهين ؟ "
رفعت كفها المرتجف ومسحت بظهره وجنتيها المليئتان بالدموع
وحركت رأسها إيجابا فمد لها كوب الماء وقال
" أمسكي هذا إذا وأنا أضمن لك أن تخرجي من هنا ولن تنامي
الليلة إلا في منزل جوزاء اتفقنا ؟ "
مدت أصابعها المرتعشة وأمسكت الكوب الذي بالكاد استطاعت
إيصاله لشفتيها وشربت منه ببطء والمياه تنزلق منه لذقنها
بسبب ارتجاف يدها فوقف وانحنى جهة الطاولة يمينه وأخرج
مجموعة مناديل من العلبة المذهبة الأنيقة ومدهم لها وهو
يجلس مجددا فأخذتهم منه فورا وانتظرها هو حتى مسحت فمها
ودموعها بل وهدأت قليلا فنظر الواقف فوقه جهة الواقف عند
الباب والذي ابتسم له فورا محركا حاجبيه مع رأسه للأعلى بشكل
خفيف فضحك ذاك بصمت وأشار للجالس أمامه برأسه وكأنه
يقول له تعلم كيف تتعامل مع النساء يا جاهل والحديث كان عن
كليهما فابتسم له رافعا كتفيه وكأنه يقول له لن تستطيع فعلها
مثله فحتى الصخور في تلك البلاد تثق به وعاد بنطره للتي شربت
آخر ما في الكوب ووضعته على الطاولة بجانبها فقال الجالس
أمامها وقد اتكئ بمرفقيه على ركبتيه ناظرا لها
" أخبريني الآن بكل ما تعرفينه وما حدث وأنت في ذاك المنزل "
عادت الدموع للتكدس في مقلتيها المحتقنه من كثرة البكاء
وقالت بصوت مرتجف
" هي السبب في إحراق المنزل سيدي كما مخزن الأعلاف أيضا
وهي من اتهمت يمامة بفعلها فضربها والدها بسوط الأحصنة قبل
احتراق المنزل بيومين "
استوى جالسا ينظر لها بصدمة وقال
" لم تخبرني جوزاء بهذا !! "
ارتجف جسدها وشدت على قبضتيها في حجرها بقوة وقالت
بعبرة مكتومة
" لا تخبرها أني أخبرتك سيدي أرجوك فيمامة من رفضت
أن يبلغ سيدي أبان عنه كما أن السيدة جوزاء عارضته أيضا
من أجل سمعتها هي وشقيقها "
مرر أصابعه في شعره متنهداً بضيق وقال منزلا يده
" لما تفعل تلك المرأة ذلك ألا فكرة لديك ؟ لقد أرسلت لاستجوابك
من أجل ذلك فقط وجنبتك أقسام الشرطة وضباط التحقيقات
وأرسلت قريبي وقريب جوزاء من أجل ذلك فقط وبما أن قاسم
جلبك هنا فما لديك لا يستهان به بالتأكيد "
أخذت المناديل الجديدة التي مدها لها تميم ومسحت عيناها
ووجنتيها مجددا وأنزلت يدها ونظرها معها لهما في حجرها
وقالت من بين شهقاتها المتفرقة
" سمعتها مرة تتحدث مع أحدهم عبر هاتف المنزل وكان رجلا
أنا متأكدة من ذلك ، كانت خائفة منه ويبدوا بأنه يهددها وكانت
تتحدث عن يمامة ويمان .. كان صوتها منخفضاً ولم أسمعها
جيدا لكنها كانت غاضبة من تهديده لها "
نقل نظراته المصدومة منها للواقف عند الباب والذي حرك رأسه
إيجابا فعاد بنظره لها وقال
" متى كان ذلك أتذكرين تحديدا ؟ "
رفعت نظراتها الدامعة له وقالت
" قبل احتراق المنزل بيوم واحد فقط "
شرد بنظره للبعيد قليلا قبل أن ينظر لها مجددا وقال
" من يزورهم ؟ هل ثمة رجل يتردد على المنزل وإن كان
يقرب لها ؟ "
حركت رأسها بالنفي قائلة " لم يحدث ذلك أبدا فترة وجودي
هناك ، لا يزورهم أحد سيدي "
قال من فوره
" هل لاحظت عليها أمراً مريبا كخروجها من المنزل مثلا ؟ "
حركت رأسها بالنفي وهمست ببحة
" لا سيدي لم أراها غادرت لوحدها أبدا "
وقف على طوله ونظر للواقف خلفه وقال
" تميم أرسل معها من يعيدها للحميراء حالا "
فتحرك من خلفه فورا وتوجه نحوها وما أن وقفت سار جهة
الباب وهي تتبعه وخرجا فأغلق الواقف هناك الباب خلفهما
ونظر للذي كان ينظر للأرض بتفكير وأصابعه تتخلل لحيته
وصولا لقفا عنقه وقال
" ما رأيك فيما قالت ؟ "
نظر له وقال
" أتظن أنه ثمة صلة بينها وبينهم ؟ "
حرك رأسه بحيرة وقال
" لن نتكهن بأي شيء ولن نأخذ حديث تلك الخادمة على محمل
الجد أيضا كما لن نستبعد أن تكون أصابت السمع "
تحرك جهة النافذة ووقف أمامها ينظر للظلام الذي زحف للسماء
بصمت شاركه فيه من تركه خلفه فهو يعرفه جيدا حين يختلي
بنفسه هكذا سيكون يدرس أبعاد قرار ما كما يعلم جيدا بأن تبعات
ما يظن لن تكون سهلة أبداً إن صدق وكان ثمة صلة بين تلك
المرأة وعائلة غيلوان أي أن شقيق الفتاة أيضا سيكون في خطر
ولن يستطيع حمايته ولا الاقتراب منه وهو يعيش بينهم وزوجته
منهم أي أنه محاصر تماما وها هو عبء جديد يضاف على كاهله
وشخص آخر سيحاسب هو عليه إن أصابه أي مكروه وسيقف
أمام عمه ذات الموقف في حالة زيزفون وشقيقها ، وهذا وهو لم
يعلم بعد عن تعرض ابنة شقيقته للضرب ومحاولة القتل محترقة
لكان نفث نيران غضبه به بكل تأكيد فهو يراه السبب في
انعزالهم عنه ، قال حين طال صمته
" أرى أن استجوابها هو الحل الأنسب بما أن تلك الخادمة تتهمها
بإشعال الحريق بعيدا عن تلك المكالمة وبالقليل من الضغط ستقر
بكل شيء وأنت تعرف النساء جيداً أثناء التحقيق"
التفت له وقال
" سنراقبها أولا لا نريد أن نفقد خيطا مهما كهذا فيبدوا أن
المستهدف ليس عمي دجى وسلالته فقط كما كنا نظن إن صدقت
تلك الخادمة وكانت زوجة والدهم متفقة مع أحدهم لقتل الفتاة فلن
نستبعد أن تكون صلتها بشخص مجهول أو مجرد حلقة وصل
لشخص آخر فعلينا أن نعرفه قبل أن يعلم عنا "
أومأ إيجابا ولم يعلق فعليهم بالفعل محاولة الوصول لسيدها ذاك
قبل أن يشعروا بالخطر ناحيتها ، نظر للذي تحرك من هناك وقال
موقفا له قبل أن يخرج
" مطر ماذا فيما تحدثنا عنه سابقا ؟ "
وقف ونطر له عاقدا حاحبيه وقال
" عن ماذا تحديدا فنحن نتحدث كل يوم ؟ "
رفع نظره للأعلى قليلا متنهداً بضيق وقال ما أن عاد به له
" من الطبيعي أن لا تعلم عما تحديداً فأنا الذي يحترق بانتظاره
وليس أنت ولا ابنتك التي تمرجحني بصمتها حتى الآن "
خرجت منه ضحكة صغيرة وقال
" نفذ صبرك بسرعة هكذا يا ابن عمتي ! "
حرك رأسه بالنفي بضيق وقال
" هي ليست موافقة أو رفض يكون هذا ؟ لما لا تقلها لك مباشرة
وبأنها لا تريدني ؟ ما نفع المماطلة "
ابتسم ولم يعلق قبل أن يقول بجدية مبتعدا عن تلك النقطة
" علمت من عمي صقر أنها زارت منزلك معه فلما نقضت
الاتفاق يا قاسم ؟ "
نظر له بصدمة وقال
" وما الذي فعلته ينقض ذاك الاتفاق ! أنا لم أطلب منه جلبها
لمنزلي ولم أتحدث معها عن الأمر كما طلبت "
نظر له بشك وقال
" لم تتحدث معها مطلقا ؟ "
تنقل بنظره بين عينيه بتردد وقال بتوجس
" ما الذي تريد الوصول له تحديدا يا مطر ؟ "
حرك رأسه كأمر قاطع وقال
" أريدك أن تشرح لي لما عادت للمنزل باكية وما قلت لها في
مطبخ منزلك جعلها تغادر فورا ؟ "
نظر له بصدمة سرعان ما انقلبت للضيق وقال
" ولما لم تسأل من نقل لك كل تلك الأخبار ؟ "
وراقب بتوجس الذي دس يديه في جيبي بنطلونه قائلا بجدية
" أخبرني يومها بأنه سيأخذها معه من منزل والدتها لترافقه
لمكان ما مهم ولو كنت أعلم بأن مقصده منزلك ما وافقت "
زم شفتيه قبل أن يقول بحنق
" مطر أنت لا تثق بي أم لا تثق بوعودي ؟ "
اقترب منه ولكم كتفه بقبضته قائلا بحزم ونظره على عينيه
الغاضبة
" لا أثق بك واسلمك ابنتي يا أحمق ! لا أثق بك وأتركك في
منزلي الغير مراقب وأنا أعلم بما حدث بينكما في لندن ! كيف
سأكون أثق بك مثلا ؟ "
تنفس بقوة وقال
" ما سر كل هذا الاستجواب إذا ؟ "
استدار موليا ظهره له وقال ببرود
" أنا سألتك ولم أستجوبك "
قال الواقف خلفه بعد صمت لحظة
" سأعتبره سؤالا رغم أنه لا يشبه الأسئلة أبدا وجوابي عليه
أني لم أتحدث معها بخصوص الأمر كما وعدك .. قسما يا مطر "
استدار ناحيته مجدداً وقال بجدية
" ما الذي حدث إذاً ؟ "
رفع كفيه جانباً وقال بأسى
" بالله عليك يا رجل ما الذي سأقوله لك ؟ "
أهداه ابتسامة جانبية قبل أن يضرب كتفه بقبضته مجدداً وقال
" كنت تمارس إذاً أساليب الضغط عليها يا رجل مطر شاهين
يا منحرف ؟ "
أبعد يده عنه مبتسما وقال
" مطر توقف عن استفزازي وأخبرني الآن ما كان جوابها
يكفيني انتظار لقد أتلفت أعصابي بل وروحي أيضا "
ربت على كتفه مبتسما وقال مغادراً
" سأتحدث معها غدا وآخذ رأيها وتحمل وحدك نتائج
استعجالك "
نظر له باستغراب وهو يجتازه وخرج خلفه قائلا
" هل ستتركني أنتظر عاما كاملا مثلا ؟ اقسم أن أختطفها من
منزلك وأهرب بها حينها "
قال بضحكة خفيفة وهو يدخل مكتبه الواسع ناظراً للذين تجمعوا
فيه وقت غيابه هناك
" بل حتى أعلم أمرا مهما .... "
والتفت له وتابع ضاربا على صدره بسبابته والوسطى جهة قلبه
" وبأن ما هنا مماثلا لما هناك ولا أظلمها فهي وحيدتي "
وتركه وتوجه جهة الذين ينتظرونه جهة مكتبه ونظره يراقبه
وقد تمتم متنهدا بأسى
" ما أتعسه من حظ هذا الذي أوقعني على وحيدة مطر
شاهين تحديداً "
*
*
*
نزل من السيارة وأنزل الكيس الذي أحضره معه وأغلق الباب
وسار حيث باب المنزل الذي لا يمكنه أن يركن السيارة قريبا منه
بسبب صهريجا الماء الموضوعان هناك وما أن وصله فتح القفل
وسحب السلسال من الباب بحركة بطيئة تشبه إرهاقه والتعب
الذي يتسلل لجسده فهو قضى يوما كاملا تقريبا في السيارة
نصفه جالس في المقعد الخلفي يقودونها به والنصف الآخر هو
السائق ، فتح الباب ودخل وأغلقه خلفه وما أن خطى نحو الداخل
عدة خطوات حتى وقف مكانه ما أن وقع نظره على الجالسة
على عتبة باب الغرفة متكئة برأسها وكتفها على إطار الباب
ونائمة تجمع كفيها في حجرها والهواء يتلاعب بخصلات من
شعرها المتموج الطويل وجنتاها محمرتان بشدة ورموشها مبللة
بالدموع التي يبدوا أنها تسقيها بسخاء حتى وهي نائمة ، اقترب
منها إلى أن وصل عندها ونزل لمستواها ورفع يده لوجهها وما
أن لامست أطراف أصابعه وجنتها شعر بالبرودة تسري ليده
فجسده تباعا وكأنها لسعة كهرباء فقبض أصابعه مبعدا لها ونزل
بيده لكتفها وحركه بالرفق قائلا
" مايرين استيقظي"
فارتفعت تلك الأجفان الواسعة ببطء حتى كشفت عن الأحداق
الخضراء التي تخفيها خلفها قبل أن يصله دفء أنفاسها ما أن
أبعدت شفتيها وخرج همسها الخافت
" يمان أنت عدت ؟! "
ارتسمت ابتسامة لطيفة على شفتيه وقال
" بلى ولست تحلمين "
أجفلت حينها مبتعدة عن إطار الباب وأمسكت ذراعيه تنظر
لجسده وكأنها تبحث عن شيء ما فيه بل ذلك ما كان يحدث فعلا
فلم تستطع استيعاب أنه عاد لها فعلا وأنهم لم يسرقوه منها
كجميع أحلامها السابقة .. بأنها فعلا لم تخسره وللأبد ... لم
تخسر ما ظنت بأنها حسدت نفسها عليه ولن تجد نفسها في
الشارع بعد يوم أو يومين لأنها خسرت أمانها الوحيد وستخسر
بالتالي مستقبلها بأكمله معه ، ما أن عادت بنظرها صعودا
لوجهه ورأت تلك الابتسامة تزين شفتيه رفعت يدها لوجهها ببطء
وغطت شفتيها بأناملها البيضاء وأغمضت عينيها قبل أن تنهار
باكية بنحيب ونزلت برأسها للأسفل فنزل الجالس أمامها بركبتيه
على الأرض وأمسك رأسها وأنزل رأسه لمستواها يحاول فقط أن
يجعلها تنظر له قائلا
" مايرين لما البكاء الآن ؟ ثم وتنامين على عتبة الباب والجو
يبرد ليلا ! لما هكذا ؟ "
وحين لم تعلق بشيء ولم يتغير لا وضعها ولا حالتها تلك حضن
رأسها بيديه أكثر ورفعه ببطء وقبّل جبينها ورفع وجهها له أكثر
حتى ظهرت له عيناها الباكية وقال بعتاب
" ألم أعدك بأني سأعود أو سأرسل من يخرجك من هنا ؟
ها أنا بخير أمامك "
وبرزت أسنانه البيضاء المصفوفة وهو يبتسم قائلا
" أم تخططين لأن تمرضي لتجعليني أستلف مجددا من أجل
علاجك "
ارتمت حينها في حضنه ودفنت وجهها في صدره باكية فجلس
على الأرض بشكل كامل وضمها له وتركها تبكي في حضنه فهو
يعلم بأن هذا ما تحتاجه الآن والأمر الوحيد الذي يستطيع توفيره
لها لأنه لا يحتاج لمال ولا لنفوذ لا قوة ولا أي شيء مما لا يملكه
ولن تجده لديه .
تركها حتى هدأت قليلا ثم مسح على شعرها وقال بهدوء
" مايرين أنا لم أنم ليومين وجائع حتى الموت فهل سيطول
عقابك لي هكذا حتى يغمى علي ؟ "
وابتسم ما أن ابتعدت عنه ووقفت تمسح دموعها وتوجهت جهة
المطبخ بخطوات سريعة قائلة ببحة بكاء
" سيكون الطعام جاهزا ما أن تستحم "
راقبها حتى اختفت عنه خلف الباب ووقف حينها ودخل الغرفة
يحمل الكيس الذي أحضره معه حتى وصل الخزانة وفتحها ثم
فتحه أخرج القميص القطني والبنطلون المريح اللذان اشتراهما
لينام فيهما بدلا من النوم بالقميص الداخلي لأنه لا يستطيع النوم
بقميصه المزرر وليرحمها من مقابلة الجدار طوال الليل خجلا منه
، لف الكيس وما تبقى فيه وهو الغرض الذي أحضره لها ولن
يستطيع إعطائها إياه ويعلم بأنها ستحتاجه خلال أي فترة من
الشهر ولن تستطيع أن تطلبه منه وبهذا سيختصر الإحراج على
كليهما ، وضعه فوق ثيابها وأغلق الخزانة وخرج من الغرفة
متجها للحمام ، وقف مكانه منتصف المكان ونظر يمينا وحرك
رأسه مبتسما قبل أن يغير سير خطواته جهة ذاك الصوت الباكي
خلف الجدران الطينية وما أن وصل لباب المطبخ وقف ينظر للتي
كانت تقف جهة الموقد حيث الإناء الذي تصعد منه الأبخرة تمسك
فمها وعبراتها بيدها وارتفعت يداها لشعرها ورفعته عن وجهها
هامسة ببكاء ورجاء حزين
" يا رب احفظه من أجلي يا رب فلا أحد لي بعدك غيره "
فابتسم بحزن يراقبها تمسح الدموع التي ترفض التوقف شهقاتها
المتتالية تكاد تفقدها التنفس وكان سيتحدث ناهيا لها بمزاح
خفيف لتتوقف ولا تفاءل عليه بالموت لكنه تراجع في آخر لحظة
وابتعد تاركاً إياها مع دموعها وقرر أن لا يخبرها حتى بأن
شقيقها لازال على قيد الحياة وأنه قد يعود في أي لحظة فمن
وصلت للحال الذي وصلت له من هموم وحزن وخوف من فقدان
حتى من ارتبطت به من أيام فقط كي لا تضيع بعده لا يستحق أن
يكون شقيقا لها ولا أن تعلق آمالها عليه .. رجل كرس حياته
لأجل أبناء الوطن وترك من تحتاجه أكثر منهم فهناك ثمة
الكثيرين يغطون مكانه لكن هنا وفي حياة هذه الفتاة فلا يوجد
أحد يأخذ مكانه وهو يتركها للضياع وللعذاب من كل من عرفتهم
بعده لينتهي بها الأمر مرمية في الشارع .
دخل الحمام مغلقا بابه خلفه وفتح صنبور مياه على أقواه نزع
ثيابه ووقف تحته وأغمض عينيه منزلا رأسه للأسفل تنساب تلك
المياه من شعره لوجهه يتنفس معها بصعوبة يحاول فقط أن لا
يفكر مثلها ومثل ذاك العظيم الذي لن ينسى لقائه به ما عاش
بأن الخطر محدق به من كل اتجاه بسبب وجوده هنا بين هذه
القبيلة والعائلة تحديدا فما الذي لديه يحاربوه من أجله ولا
عداوة مطلقاً بينهم ! حتى أنهم لم يسألوه إن كان رأى ذاك
الشاب أو ساعده على الفرار رغم أنهم كانوا يطاردونه هنا
ولا سيارة لغيره خصوصاً أن أويس تلك الليلة لم يكن هنا .
مسح وجهه من المياه التي سلبته أنفاسه تماما ولازال تحتها
قبل أن يثبت يده على الجدار ناظرا للأرض ونزلت دموعه رغما
عنه مع تلك المياه المنسابة من ملاحه ما أن ظهرت صورة
شقيقته أمامه ... كم يشتاق لها لرؤيتها لسماع صوتها الرقيق
الهادئ ولسماع ضحكتها الرقيقة المنخفضة لكنه لم يملك الجرأة
بعد لفعلها فما أن يراها سيتذكر خذلانه لها وتخليه عنها يتخيلها
وسط تلك النيران تناديه والمؤسف أنه لم يكن هو من أنقذها
ولولا وصول ذاك الغريب عنها لماتت هناك محترقة تنتظر من
يفترض أنه من دمها ولحمها فما الذي قدمه هو لها غير
الخذلان وخيبات الأمل على امتداد الأعوام لم يفعل لها شيئا سوى
أنه شاهد عمرهما يضيع أمامه والنتيجة شاب فاشل مزارع وفتاة
جاهلة معذبة حتى ابتسامتها اليتيمة لا تشبه غيرها قد اعتصرها
الحزن والهموم وفي النهاية لم يكن من أنقذها ومن أخرجها من
ذاك المنزل والعائلة والوالد الذي عاملها والحيوانات في حظيرة
مزرعته سواء وكأنها ليست ابنته من دمه ومن صلبه دمرها أكثر
مما دمره هو الرجل ، بقي تحت الماء لوقت يشعر ببرودته
تتسلل لروحه يفكر في العبء الجديد الذي ألقي على عاتقه يتمنى
فقط أن لا يخذلها يوما وتجد هي أيضاً غيره بدلا من أن تجده .
" يمان الطعام جاهز اخرج قبل أن يبرد "
أغلق الصنبور ما أن وصله ذاك الصوت الأنثوي الذي يفصله عن
صاحبته باب حديدي أعلى وأمتن بكثير من الباب الموجود بينهما
وباختياره فأن يكون لهما حياة طبيعية كغيرهم وعائلة أمر
سيحتاج لقرار شجاع وخطوة واسعة نحو المجهول فمن الأفضل
أن يبقي تلك المسافة بينهما حتى تتضح خيوط مستقبلهما وواقع
كل واحد منهما على الأقل .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 66 others like this.
رد مع اقتباس
#8609
قديم 21-03-18, 10:26 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
صعد السلالم يخرج مفاتيحه من جيبه لا ينتظر سوى أن يكون في
سريره فلم يكن يتوقع بأن يتأخر هناك حتى هذا الوقت ومن الجيد
أنهم أدركوا الكارثة قبل أن تتفاقم ويحترق المصنع بأكمله .
تباطأت خطواته وهو يصعد آخر العتبات ينظر باستغراب للواقفة
عند باب ملحقها بفستان طويل أزرق بدون أكمام ترفع شعرها
الطويل المموج للأعلى لينساب في لفافات متموجة على ظهرها
وكتفيها تمسك حقيبة زرقاء في يدها وما أن وصل للأعلى حتى
قالت من قبل أن يتحدث وابتسامة واسعة تزين شفتيها
" أريد أن أخرج ونسهر معا حتى الصباح "
وقف أمامها عند باب شقته ونظر لها نظرة شاملة وقال ببرود ما
أن عاد بنظره لعينيها الخضراء الواسعة
" أي صباح هذا وسهر ونحن مقربة الفحر الآن ! ثم هل أفهم
ما سبب هذا الاحتفال آنسة غيسانة ؟ "
أبعدت شعرها خلف كتفها وقالت بسعادة
" أجل معك حقد هو احتفال واحتفال مميز أيضا يشبه الانتصار
الذي سبقه "
نظر لها بصمت للحظة قبل أن يقول عاقدا حاجبيه
" أي مصيبة جديدة هذه التي تسببت بها ولمن لتحتفلي ؟ "
تبدلت ملامحها للاستياء وقالت
" وما الذي يمكن لسجينة بين أربعة جدران أن تفعله ؟
هو انتصار على الذات فقط "
نظر لها باستغراب قبل أن ينفجر ضاحكا ينظر للأعلى فقالت
بحنق ناظرة له
" وما الذي قلته يضحك ؟ "
أشار لها بسبابته وقال مبتسما بسخرية
" أنت تنتصرين على ذاتك ؟! لن يحدث ذلك إلا إن كانت
تحرضك على فعل الخير وتغلبت أنت عليها نهاية الأمر "
لوحت بالحقيبة في يدها قائلة بضيق
" وما السوء الذي أفعله ؟ أنا لا أؤذي إلا من يؤذيني وذاك
من حقي طبعا "
حرك رأسه بيأس منها وقال بجدية
" غيسانة عليك أن تعلمي بأن الفرص التي تقدمها الحياة
للشخص ليتغير ليست كثيرة ولا تتكرر دائما وأن الندم على ما
فات وما ضاع منا لا شيء أسوأ منه فلا تضيعي المزيد من ذلك
حتى لا يكون لديك أي مدخرات أكثر "
شخرت ساخرة قبل أن تقول بتملق
" يالك من واعض فاشل ! لما لا تطبق هذا على نفسك أولاً
ثم تشدق به ؟ "
حرك رأسه مجددا ولم يعلق بل استدار جهة باب شقته وغرس
المفتاح فيه فقالت ناظرة له بحنق
" لنخرج وإن الليلة فقط ما هذا السجن الإجباري الذي أعيش
فيه ؟ لما أنت فقط من يحق لك أن تخرج وتسهر حتى الصباح
ولا تأخذني معك كما تنص بنود عقدك السخيف ذاك "
أدار مقبض الباب وفتح الباب قائلا بضيق
" ادخلي لغرفتك ونامي ونفسي عليك طيبة يا غيسانة "
ضربت الأرض بحذائها العالي قائلة بحدة
" لن أدخل وسأخرج وإن لوحدي "
نظر لها ومقبض الباب لازال في يده وقال بتهديد غاضب "
عاندي وافعليها يا غيسانة وقسما ستري شاهر آخر لم تعرفيه
سابقاً "
وما أن أنهى عبارته الغاصبة تلك دخل ضاربا الباب خلفه بقوة
لم ينتظر ولا لسماع تعليقها الذي لم تهتم هي أيضاً إن سمعه
أم لا وهي تصرخ ناظرة للباب الذي أغلقه بعده
" وما هذا الشاهر الذى لم أراه سابقا ؟ لم تترك شيئا تهدد به
يا همجي "
وما أن أنهت صراخها الغاضب ذاك توجهت جهة السلالم ونزلت
بخطوات غاضبة ضاربة جميع تهديداته تلك عرض الحائط .
*
*
*
قفزت واقفة وابتعدت عن السرير تنظر بتوجس لباب الغرفة الذي
انفتح على اتساعه وكما توقعت كان الزائر الذي لا يغيب طويلا
منذ أن أصبح هنا وتعلم بأنه لن يتوقف عن كل هذا حتى يحدث ما
يخطط له ، لا تخشاه كما أنها لا تخشى الموت لكنها ترى شرا ما
يضمره في داخله .. في عينيه في ابتسامته وحتى في نبرة صوته
الخبيثة تلك ... لقد اكتسبت خبرة في كل هذا وتشعر بالخطر ما أن
يقترب منها .. ذاك الخطر الذي يحمل معناه الحقيقي الذي اختير
له وقد استحق الشعار الذي التصق به ، تراجعت للخلف خطوتين
حتى التصق ظهرها بالخزانة تنظر بجمود للذي أغلق الباب
واقترب منها بخطوات بطيئة تشبه جميع حركاته وكأنه فيلم ممل
يعرض بالبطيء فتعالت أنفاسها مع ارتفاع يدها لصدرها حتى
لامست أصابعها برودة ذاك المعدن النفيس والتفت حول الخواتم
الثلاثة وكأنها تستمد الحماية منها .. والدها والدتها وجدتها بل
وحتى ما تبقى لها منهم فقط وهو شقيقها الذي باتت ترى فقدانها
له أقرب من أي شيء والذي تراه السبب الوحيد في شعورها
الجديد بالتمسك في الحياة وإن لأيام حتى تراه ولو لمرة واحدة
أخيرة قبل أن يموت هو أو تموت هي .. لمرة واحة فقط تحضنه
فيها وتبكي في حضنه وإن كان جثة ميتة لا يشعر ولا يسمع .
راقبت نظراتها الباردة عينا الذي وقف أمامها مباشرة يديه لازالتا
سجينتا جيبي بنطلونه وقد انتقلت نظراته الساخرة من ملامحها
ليدها الملتفة حول ذاك السلسال في عنقها وتمتم بسخرية ما أن
عاد بنظره لتلك الاحداق الزرقاء الباهتة
" لما لا تناديه شخصيا فقد يأتي لينقذك مني ؟ "
لم تتخلى نظراتها عن البرود رغم التوجس الذي يسري في
جسدها وقالت بجمود
" تعلم مثلي تماماً بأنه سيفعلها فورا "
ارتد رأسه للوراء وكأن كلماتها صفعته وتلك الابتسامة الساخرة
لا تزداد إلا اتساعا وهو يقول
" لا تخفي علاقتكما المقززة إذا عكسه تماما ! "
تصلبت ملامحها وزحفت القسوة لها تدريجيا وقالت بفكين
متصلبين
" لأنك لن تصدق إلا ما تريد تصديقه فلما اتعب نفسي بالشرح ؟
ثم أنا لا يعنيني ما تفكر فيه فالحقيقة تتحدث عن نفسها والأغبياء
فقط من يحاولون التبرير "
أخرج يديه من جيبيه وصفق بهما أمام وجهها وقال بسخرية
لاذعة
" معلمة أنت لا تحتاجين لأستاذك ليكون معك "
تركت أصابعها السلسال من عنقها ببطء وقالت بجمود
" ماذا تريد مني ؟ "
راقبت نظراته يدها وتلك الخواتم تتحرر منها وقال ونظره عليهم
لم تتخلى شفتيه عن تلك الابتسامة الملتصقة بهما
" سؤال سخيف تسأله امرأة لزوجها أليس كذلك ؟ "
انقبضت أصابع يديها الملتصقتان بالخزانة خلفها وهمست مجددا
وبذات جمودها
" ماذا تريد ؟ "
انتقلت نظراته من السلسال في عنقها الثلجي لجسدها ولحركتها
تلك قائلا
" تعلمين جيدا ما أريده وما عليك موافقته "
تغيرت نظراتها الباردة للتوجس الذي لم يعد يمكنها إخفائه أكثر
فهي تعلم جيداً بأن أبناء هذه العائلة ممنوعون من شراء المنازل
المستقلة ولا الشقق أيضاً وبأوامر من جدهم ولهذا طلبت ذلك
من وقاص والذي فاجأها بأن وافق عليه فورا ! سحبت نفسا
عميقا لصدرها وقالت تحرره ببطء
" ولما تطلب هذا مني ؟ ألست قادرا على فعلها بنفسك !
ما نفع رأيي وموافقتي ؟ "
رفع يده لوجهها وأمسك بذقنها بحركة سريعة وقال وقد انقلبت
نظرته للحقد هذه المرة
" لأن متيمك الأحمق ذاك يرفض ابتعادك عنه طبعا ولأنه لا
يمكنه أن لا يرى هذا الوجه الجميل كل يوم ولن يتوقف عن
التدخل فأبعديه عنك أو قمت أنا بها بطريقتي "
رفعت يدها أيضا ورمت يده عنها قائلة بضيق
" وما علاقتي أنا بك وبه ؟ لما يُخرج كل واحد منكما عقده بي ؟
اتركوني وشأني "
رفع ذقنه وقال بتلك الابتسامة الساخرة التي لم تفارق وجهه
طويلا
" تمثيليه ممتازة لأصدق بأنه لا شيء بينكما "
شدت قبضتيها بقوة وقالت بأحرف مشدودة
" إن كانت والدتك مقتنعة بكذبتها فتلك ليست مشكلتي "
ارتفعت يده وصفعها بسرعة خاطفة لم تتوقعها أو تلحظها حررت
شعرها المربوط للخلف وجعلت خصلة قصيرة منه تلتصق بطرف
شفتيها فلم تترك له ولجسدها المجال ليدرك ما ستفعله وهي ترد
له الصفعة بأخرى بل وأقوى منها تشد على أسنانها بقوة
وغضب .. صفعة جعلت وجهه يلتف جانبا فأمسك فكيه وهو يدير
وجهه ناحيتها ونظر لها نطرة جعلتها تلتصق بالخزانة أكثر في
رد فعل دفاعي وقد توقعت منه كل شيء إلا ما حدث حينها وهو
يرفع رأسه عاليا ويقهقه ضاحكا بطريقة جعلتها تنظر له
مصدومة قبل أن ينظر لها وأمسك فكها بقوة وألصق رأسها
بالخزانة خلفها رافعا له للأعلى وقد انقلب كل ذاك المزاج
والملامح للقسوة وقال من بين أسنانه
" هل تعلمي ما هي حقيقة بطلك ذاك ؟ هو ليس سوى مريض
بالسلطة والتسلط وأنت وسيلته الجديدة "
رفعت رأسها أكثر تحاول تخليص ذقنها من قبضته وهمست
بضيق
" أرى أن ذاك تفكيرك أنت "
ترك ذقنها راميا رأسها لكن هذه المرة ليس للخلف كالمرة
السابقة بل جانبا حتى غطى ذاك الشعر الحريري الطويل وجهها
وقال بسخرية
" أجل فأنا لم اخبرك بأنك تعيشين معه في كذبة كبيرة "
وما أن رفعت جسدها وأبعدت شعرها وعادت بوجهها ونطرها له
رفع سبابته والوسطى أمام وجهها وقال
" أنت سلاحين ... مجرد فرصتان ذهبيتان بالنسبة له "
نطرت له باستغراب فتابع مبتسما بسخرية
" أولاً امرأة ستنجب له أكثر من طفل واحد أي سيكون الحفيد
الوحيد الذي سيملأ هذا القصر الساكن بالأطفال المتتابعين ، ثانيا
والأهم طلاقك مني وزواجه منك معناه أسهمنا في شركة
تيكسترون للطيران بأكملها له "
نظرت له بصدمة وقد تابع من قبل أن تجتازها
" أتريدين معرفة السبب ؟ لأنها ستكون ملكا لك لوحدك حينها
وهو يعرف بهذا السر جيدا فجده لا يخفي عنه شيئا مدلله الذي
اكتشف حقيقته مؤخرا وأصبح في شجار دائم معه بسبب ذلك
وسيسحب ملكية أسهم شركة داسولت منه فلا يبقى له سوى تلك
البدينة التي لن ينال من والدها قرشا واحدا وتلك هي الحقيقة
التي لم يجد لها حلا آخر سوى التمسك بها فلم يستطع تطليقها
كي لا تخرج من هنا بنصف أملاكه حسب القوانين البريطانية
وهذا إن لم تنجب له ابنا وذاك هو سبب رفضه لأن تجري أي
عملية تجعل من حملها أمراً ممكنا فتسلب منه كل شيء يملكه
إن طلقها "
دس يديه في جيبيه مجددا يراقب نظراتها الشاردة بالرغم من أنها
لم تبعدها عن عينيه وقال بسخرية
" لا يعنيك كل هذا أليس كذلك ؟ قد يعنيك إذا أن تعلمي بأنه يعلم
بأنك وحدك طوق نجاته من كل ذلك وليصل لهدفه كان عليه أن
يكسب الغبي الموجود بين أضلعك كأي امرأة حمقاء سبق
وجمعته مصالحه بها "
ارتفع صدرها ونزل مع تنفسها القوي وهمست بجمود
" وما تريده أنت مني إذا لأفهم كيف يفكر أعدائي جميعهم ؟ "
أبتسم وحرك رأسه إيجابا في حركة من بات يتوقع جميع ردودها
بل وذكائها في انتقائها وفي طريقة تفكيرها ولهذا لا يريدها له لن
يحضى ذاك المغرور بكل مميز كالعادة فعليه أن لا يتخلص من
الأمر السلبي الوحيد في حياته وهي تلك المدعوة جمانة وأن تبقى
هذه الجوهرة كالنجم المعلق في السماء بالنسبة له لن يموت إلا
هكذا حسرة عليها ، تبدلت ابتسامته للمكر سريعا وقال
" ما أريده ليس منك "
كانت الابتسامة الساخرة من نصيبها هذه المرة حين قالت
ومباشرة
" آه أجل من خلالي كشقيقك تماما أليس كذلك ؟ "
أرسل لها قبلة بشفتيه عبر المسافة القصيرة بينهما وقال مبتسما
" يعجبني ذكائك الفطري المعقد يا جميلة فلا تجعليه يخونك
نهاية الأمر "
قالت فورا وبذات ابتسامتها الساخرة " معك أم معه ؟ "
رفع سبابته ولوح بها كمؤشر بجانب رأسه وقال بسخرية مماثلة
" معي لست الخاسرة في جميع الأحوال يا فاتنة لأني لست
فارسك الشهم ولكل منا غرض سيناله بواسطة الآخر
أما معه....."
وتابع وقد أشار بسبابته لقلبها هذه المرة
" سيصاب هذا برصاصة مؤلمة جدا بعد أن يأخذ كل ما يريده منك
ويرميك دون اهتمام ولن يكون حينها ثمة كاسبان في الحكاية
عكس ما تريدين وتخططين له يا ذراع مطر شاهين الأيمن "
وما أن أنهى حديثه ذاك تحرك مغادرا بتلك الخطوات الموسيقية
الكسولة التي لا يتقنها سواه تاركا خلفه تلك النظرات المصدومة
تتبعه حتى غادر من الغرفة وتابع طريقه إلى أن ظهرت له
الواقفة عند أول عتبات السلالم والتي ابتسمت له بمكر ما أن
أشار لها بإبهامه فلوحت له بهاتفها في يدها فاختطفه منها فورا
مبتسما بانتصار وتوجه جهة مكتب الكلمة العليا في تلك العائلة
لينهيا مخططهما الجديد قبل أن يغادر لشركته .
بينما التي تركها خلفه في تلك الغرفة لم تستطع اجتياز صدمتها
بآخر ما قاله بسهولة وتحركت بخطوات متصلبة للأمام تفكر في
كل ما قال .. إنها فواجع متتالية آخرها معرفته بصلتها بمطر
شاهين ! لا يمكنها أن تصدق أمثاله بسهولة وأن تثق به ليكون
حليفا لها كما قال ويريد فهي تشم رائحة خيانة في الأمر .. خيانة
كبيرة هي المتضررة فيها ، نظرت حولها ولأول مرة تحار في أن
تقرر أمرا كان يجب أن يكون مقررا سلفا لكنها لن تستعين
بمربيتها هذه المرة ولا بذاك المكان وأولئك الرجال ، تحركت
خطواتها مسرعة وغادرت الغرفة والممر الطويل حتى كانت في
بهو القصر الواسع وما أن استدارت نحو السلالم راكضة حتى
وقفت مكانها فجأة وبقوة بسبب التي وجدتها أمامها وارتدت
خطوة للوراء تبعد شعرها عن وجهها ووقع نظرها على تلك
العينان الناظرة لها باستهزاء وحقد وقد قالت صاحبتها مبتسمة
بسخرية تكتف يديها لصدرها
" إلى أين يا حفيدة الخماصية ؟ "
نظرت لها بكره لم تعره تلك أي اهتمام وتابعت وابتسامتها
المستفزة الماكرة لم تفارق شفتيها
" إن كنت تنوين الصعود له فيؤسفني أن أخبرك بأنه ليس في
الأعلى ولا في المنزل بأكمله ولا تنتظريه لأنه ذهب ولن
يرجع "
وختمت عبارتها تلك بضحكة عالية وهي تصعد السلالم ونظراتها
الغاضبة الحاقدة تتبعها ولن تستغرب هذا منهما فعادت أدراجها
من فورها راكضة ودخلت غرفتها مجدداً وتوجهت للخزانة من
فورها وفتحت بابها بحركة واحدة سريعة وأخرجت منها بنطلون
وقميص وتوجهت مباشرة لحمام الغرفة وأغلقته خلفها بالمفتاح .
*
*
*
تأففت وهي تخرج من غرفتها مغلقة بابها خلفها بعدما أخبرتها
الخادمة بأن والدها يريدها في الأسفل فبعد شجارها العنيف مع
والدتها صباحا حين عادت من الجامعة تاركة محاضراتها بل
وألقت عليها قنبلة أخرى أقوى منها وهي تخبرها بأنها لن تعود
هناك مجددا ولن تدرس فيها أي عام كامل سيضيع منها فما من
جامعة ستقبلها الآن ، لكنها مصرة ولن تغير رأيها أبدا وإن
ضاعت الأعوام جميعها عليها وحرماها من الدراسة نهائيا
عقاباً لها .
وصلت منتصف السلالم وانحت بجسدها على سياجه تنظر للأسفل
حتى ظهر لها الجالسان هناك وكما توقعت ها هي والدتها كانت
في استقباله ما أن دخل المنزل وقبل حتى أن يستحم ويتناول طعام
العشاء فعليه طبعا أن يأكلها معها بأسنانهما قبل أي وجبة أخرى
، بل وواثقة من أنها اتصلت به وأخبرته منذ الصباح فلن تصبر
حتى هذا الوقت تعرفها جيداً ، استوت في وقوفها ونظرت
للسقف متمتمه بحنق
" كله بسببه ... أراني الله فيه يوما كهذا الذي أنا فيه "
ونزلت بعدها السلالم بخطوات بطيئة وكأنها تؤجل قدر الإمكان
تلك المواجة التي لا مفر لها منها وعليها أن تصمد وتعاند حتى
يحدث ما تريد فلن ترجع لمكان فيه ذاك الجنوبي المغبر ولا على
قطع عنقها ، وصلت للأسفل واقتربت منهما تنظر باستغراب
للملامح المسترخية لوالدتها والابتسامة التي استقبلها بها زوجها
فليس هذا هو المزاج ولا الاستقبال الذي كانت تتوقعه منهما !!
رمشت بعينيها قليلا وقالت باستغراب
" عذرا من أنتما ؟ "
فانفجرا ضاحكين من فورهما ورفع الجالس بجانب والدتها ظرفا
ورقيا من على الطاولة أمامه وقال مبتسماً
" خطيبك أرسل لك هذا "
نقلت نظرها باستغراب بين الظرف في يده وعينيه الباسمة
وقالت ببلاهة
" خطيبي من منهما تعني ؟ "
انتقلت نظرات الاستغراب لهما هذه المرة فحركت رأسها بالنفي
متأففة فكله بسببه ذاك الوقح الكاذب فهي لم تجتز صدمة ما حدث
وفعل حتى الآن ، كتفت ذراعيها لصدرها وقالت برود
" لا خطيب لدي ولا أريد زوجا من الجنوب مطلقا "
وكما توقعت امتقع وجه والدتها غضبا وكانت ستتحدث بل
وستصرخ فيها كالعادة لولا أوقفها الجالس بجانبها وهو يمد
يده بالظرف فيها أكثر قائلا
" انظري لهذا أولا "
مطت شفتيها بضيق واقتربت منه وأخذته منه وفتحته وأخرجت
الأوراق الموجودة فيه وبدأت بتقليبها باستغراب قبل أن تنظر
لهما شاهقة بصدمة فقال الذي ضحك من فوره
" أجل إنها أوراق انتساب لجامعة عين حوران للإقتصاد فصديقه
المقرب يكون ابن شقيقة الزعيم مطر شاهين وقد حصل لك على
هذه المعجزة لأنه كان معي اليوم حين اتصلت بي والدتك غاضبة
وأخبرتني عن قرارك بترك الجامعة "
صرخت قافزة في مكانها بسعادة ولم يقتصر الأمر على قفزة ولا
صرخة واحدة تلوح بالأوراق في يدها فدخول تلك الجامعة كان
حلما تراه مستحيلا وكم بكت وحزنت لأن معدلها في الثانوية كان
أقل من شروطهم بدرجتين ونصف فقط .
توقفت عن القفز وبدأت بتقبيل تلك الأوراق وحضنتها بقوة على
ضحكات الجالسان أمامها قبل أن تركض جهة السلالم قائلة
بسعادة
" ما أروعه من خطيب يا عالم ... قسما أني أحبه من الآن "
وصعدت تقفز العتبات ضاحكة بسعادة ترقبها نظرات الضاحكان
اللذان تركتهما خلفها وقالت والدتها مبتسمة ما أن اختفت عنهما
في الأعلى
" لو تعلم من يكون ذاك الخطيب فستكرهك بالتأكيد "
وقف الذي قال مبتسما
" يبدوا لي بأنه يخطط لتغيير نظرتها له قبل أن يكشف عن
هويته وهو تصرف ذكي منه كعادته "
وقفت معه وسارا ذراعه تحضن كتفيها قائلة بابتسامة
" أراك متحمسا له كثيرا "
صعدا السلالم معا قائلا
" بلى ولن أتمنى لها شخصا أفضل منه فهو شاب رائع ومميز
في كل شيء "
*
*
*
رفعت شعرها في جديلة ثم سرعان ما عادت وفكته لينسدل
بنعومة على كتفيها وظهرها وسارت في الغرفة يمينا ثم يسارا
وشدت قميص بيجامتها على جسدها وكأنها تحضنه بها
وأغمضت عينيها بقوة تغرس أسنانها في شفتها السفلى مبتسمة
تتذكر ما حدث البارحة وكيف سلب منها إرادتها تماما وهو يفتح
أزرارها بل ورسمت لمساته مسارها برقة على جسدها وهي
مستسلمة له تماماً .. لازالت تشعر بتلك الرجفة اللذيذة كلما
تذكرت ذلك .. بل وكانت ستفعل أكثر مما فعل الوقحة وهي تنزع
عنه قميصه أيضا لولا وصول ذاك الزائر فجأة ، ماتت ابتسامتها
ببطء وتجهمت ملامحها الرقيقة وشاب الحزن عيناها الجميلتان
وهي تتذكر ما حدث بعدها وما أرق نومها وجعل وسادتها ترتوي
بدموعها طوال الليل ولم تراه بعدها أو تسمع صوته أبدا وكل ما
سمعته صوت باب الشقة وليست تعلم أغادرت تلك وحدها أم هو
معها ؟ مسحت بأناملها على وجنتها قبل أن ترتفع لغرتها
ورفعتها بها عاليا وحررتها لتعانق ذاك الجبين الصغير بنعومة
وهي تقترب من الباب المغلق فكم لامت نفسها فيما بعد لأنها
أغضبته وقالت ما قالته وجعلت قلبها يتحكم بها مجددا ما أن رأت
تلك المرأة بل وما أن سمعت صوت تحريكها لمقبض باب الشقة
وزاده المشهد الذي رأتهما فيه وكأنها تلعب دورها الذي لم تكمله
هي ، لكنها ما أن هدأت وفكرت قليلا شعرت بأنها تسرعت وهو
من برر لها وفسر كثيرا بل وأقسم لها مرارا ، لكن الأمر خارج
استطاعتها فهي تفقد عقلها وتعقلها وكل شيء ما أن تقترب منه
تلك المرأة بل وأي امرأة في الوجود ، تحبه بجنون .. أجل
تعترف بذلك ولن تتحمل اقتراب احداهن منه ولا ممازحة فكيف
بكل ما تفعله تلك الإنجليزية !.
اتكأت بظهرها على باب الغرفة ورفعت رأسها عليه خلفها وهذا
حالها منذ استيقظت فجرا تشعر بكل شيء تحتها يتحول لأشواك
فلم تستطع لا النوم ولا الجلوس ولا الوقوف في مكان محدد وكم
حمدت الله أن اليوم عطلة ولا جامعة لديها فعلى الأقل تراه قبل
أن يغادر ويتحدثا .. بل تتحدث هي وتجد لنفسها تفسيرا أمامه
لما فعلته البارحة غير أنها لا تصدقه وتتهمه كما يعتقد ويقول
دائما كلما واجهت مهمته تلك بالرفض .
أجفلت مبتعدة عن الباب ما أن سمعت صوت صفير آلة إعداد
القهوة في المطبخ مما يعني أنه هناك ويبدوا منذ وقت أو أنها لم
تنتبه لباب غرفته حين أغلقه خلفه أو أنه لم يغلقه أساساً ً !
رفعت غرتها مجددا ودست خصلاتها خلف أذنيها ما أن عادت
متدرجة على وجهها وتنفست بعمق مشجعة نفسها قبل أن تمتد
أصابعها لمقبض الباب وأدارته ببطء وفتحت الباب برفق كي لا
يصدر عنه أي صوت وكأنها ستهرب منه وليست ذاهبة له !
تحركت بخطوات بطيئة تمسك ابتسامتها بأسنانها تتمنى فقط أن
تجده موليا الباب ظهره ولا يشعر بها حتى تصل عنده أولا
فسيساعدها كثيرا أن تتحدث معه وهي تحضنه من ظهره تضم
خصره بذراعيها بقوة فيسمعها ويشعر بها دون أن ينظر لها
وترى النظرة الغاضبة في عينيه ، وصلت الباب وابتسامتها تزداد
اتساعا وهي ترى هدفها هناك وكما تمنت تماماً منشغل مع آلة
تحضير القهوة يلبس بنطلون جينز فقط كتفاه وظهره العاري
وخصره النحيل يجذبانها له كالمغناطيس فشعرت بأحشائها
جميعها تتقلص غريزيا مما جعلها تشد بأسنانها على شفتها أكثر
موبخه نفسها .
وما أن خطت خطوة واحدة نحو الداخل حتى ماتت تلك الابتسامة
فجأة كما تجمدت أطرافها جميعها وشعرت بصلابة الأرض تحتها
تزحف صعودا لجسدها صلبة باردة كالجليد ما أن التفتت لها التي
لم تكن تراها قبل دخولها وما صدمها لم يكن ذلك بل .... نزلت
بنظراتها المصدومة على جسدها ببطء يشبه ذاك الموت داخلها
.. يشبه انفجار ذاك الألم في قلبها المحتضر وهي تنتقل بنظراتها
المصدومة من شعرها المبلل والمياه لازالت تتقاطر من خصلاته
القصيرة لروب الحمام الأسود الملتف على جسدها ونقش المرساة
على ظهره وياقته مما يدل بأنه رجالي !! بل وتشرب من كوب
القهوة الوحيد الذي باتا يتشاركان الشرب فيه لاختفاء الآخر !.
تمسكت يدها بإطار الباب تمنع نفسها من السقوط وأنزلت نظرها
للأرض ما أن التفت الواقف هناك وشعر بوجودها تخفي الصدمة
والألم في تلك الأحداق الذهبية السابحة في حرارة دموع الصدمة
والألم والخذلان وتحركت بخطوات كابدت باستماته لتجعلها
طبيعية سائرة جهة المغسلة لا تعلم ما ستفعل هناك تحديداً سوى
بأنها أرادت أن تكون صامدة .... صامدة ...!! هل ثمة من يصمد
وهو يموت ! من هذا الذي يتقن دور البطل الذي يسقط في أرض
المعركة وسلاحه في يده يرفعه عاليا رغم كل تلك الجراح في
صدره مبتسما بانتصار حتى يخر ميتا ؟ لا ليست هي بالتأكيد
وليس فيما يخص هذا الرجل .
تمسكت أناملها بطرف حوض الغسيل ولم تعد تسمع ولا تعي شيئا
مما يحدث حولها ولا ذاك الصوت الرجولي الحازم الذي يصلها
من بعيد
" ماريا اسبقيني لغرفتك ثمة ما علينا التحدث عنه يخص
دراستك "
كان قريبا لكنها كانت تسمعه ولا تفهمه ..؟ تعلم بوجوده ولا
تشعر به ..! لا هو ولا أي شيء آخر حولها بسبب كل ذاك
الضجيج في رأسها والألم المميت في قلبها تشعر بالأرض تحتها
تتحول لسجادة سابحة في الريح فلم تجد حلا سوى أن تهرب من
هناك .. أن تعود أدراجها وأن تختفي قبل أن تنهار تماما فحتى
الرؤيا أصبحت ضبابية أمامها ، استدارت ببطء وحاولت أن
تتحرك لكن الأمر لم ينجح أبداً وهي تفقد ارتباطها التام بكل شيء
حولها تشعر بروحها تخرج من جسدها المرتجف مع أنفاسها
المتقطعة فلم تزدها تلك الخطوة التي ابتعدتها سوى ضياعاً
تراقبها تلك النظرات المتوجسة الضائعة ويدها تحاول التمسك
بأقرب شيء لها وإن كانت لا تراه ولم يكن سوى حاملة السكاكين
الخشبية التي لم تساعد ذاك الجسد الضعيف المنهار في شيء
وهو يهوي للأرض مرتطما بها بقوة وتساقط ذاك الشعر البني
الناعم بعده تباعا مخفيا ملامحها كتساقط تلك السكاكين الحادة
بأحجامها المختلفة عليه بسرعة قياسية لم يدركها الذي ركض
نحوها صارخا باسمها دافعا الواقفة أمامه بقوة اوقعتها على
الطاولة قربها .
*
*
*
اغتصبت ابتسامة جديدة تستمع للجالس أمامها قبل أن تسدل
جفنيها مخفية حدقتيها الزرقاء بعيدا عنه كي لا يقرأ ما فيهما
كعادته فلم يعد يمكنها تمثيل دور المرحة المبتسمة أكثر من ذلك
ففوق انفطار قلبها على التي لا تعلم حتى الآن ما الذي حدث
ويحدث معها زادها عمها صقر اليوم وهو يتحدث أمامها عن
زيارة ذاك الحسرة في قلبها لمنزل عمتها جوزاء صباحا قاطعا كل
تلك المسافة فقط ليكون هناك ومؤكد ليتم خطبته لتلك الفتاة التي
يبدوا أنها اختارتها له من هناك فلما لا تكون مثله؟ لما هي لا
تستطيع فعلها !
رفعت نظرها ببطء للذي قال مبتسما
" هل أجلس مع تمثالين لامرأتان جميلتان أم ماذا ؟ "
ابتسمت بحزن ونقلت نظرها جهة الجالسة قرب النافذة المفتوحة
تنظر للظلام في الخارج بصمت وشرود بل وحزن وضياع تشعر
به سابقا فكيف الآن بعدما سمعت بكائها المؤلم ذاك قبل ساعه ؟
عادت بنظرها للجالس أمامها والذي كان ينظر لها مثلها وما أن
عاد بنظره لها امتلأت عيناها بالدموع هامسة له
" جدي لما تسكت عن هذا ؟ إنها تموت ونفقدها تدريجيا "
تنهد بحزن وهمس مثلها
" تشاجرت معه وهددته بتطليقها منه وما أن خرج من عندي
وتقابلا أمام باب المنزل أفرغ غضبه بها على ما يبدوا فما الذي
سيجدي مع والدك لأفعله ؟ "
سجنت عبرتها بصعوبة وهمست
" هو يحبها جدي أليس كذلك ؟ وهي تحبه أيضاً فلما لا يتركان
الحب يتحكم بهما ؟ لما لا ينتصر على الجراح كما يحدث مع باقي
البشر ؟ "
وقف ومسحت يده على شعرها دون أن يعلق على ما قالت ولا أن
يجيب ونظر مجددا للجالسة هناك وقال مبتسما
" يبد ا أنه علينا أن نقول لوالدتك تصبحين على خير بدلا من
إزعاجنا لوحدتها "
نظرت له التي دارت بجسدها بأكمله جهتهما وقالت من فورها
"ما هذا الذي تقوله أبي ! أنا فقط شردت قليلا وها نحن كنا
نتحدث معا منذ وقت "
قال مبتسما
" ولأننا نتسامر هنا في غرفتك منذ وقت طويل يكفينا سهراً الليلة
وعليكما أن تناما "
وغادر الغرفة بعدها مغلقا الباب خلفه متمنياً لهما ليلة سعيدة
ووقفت التي لم تستطع أن تفعلها مثله وتوجهت جهة الجالسة
مكانها هناك وجلست بجانبها ونامت في حضنها وقد استقبلتها
تلك الذراعان فورا فنامت على كتفها تراقب أوراق الأشجار
المتراقصة تحت الأنوار الخفيفة في الخارج وشاركتها الصمت
الذي عادت للاعتصام به مجدداً واحترمت هي صمتها ذاك تحاول
أن تكتفي فقط بالشعور بقربها .. بحضنها بأنفاسها وبضربات
قلبها ، تشعر بأنها تتألم في داخلها كما تعلم بأن كبت ذاك الألم
لن يزيدها إلا دماراً لكنها لا تملك لها حلا سوى أن تحبها وتحبها
وللأبد ، حضنت خصرها النحيل بقوة وقالت بهدوء حزين
" أمي إن قال لك أحدهم أن تتمني أمنية واحدة تتحقق فما
ستكون ؟ "
طال صمتها حتى ظنت بأنها لن تجيب قبل أن يصلها ذاك الصوت
الأجوف الكئيب
" كنت لأتمنى أن قُطعت ساقاي وما اجتزت حدود الحالك تلك
الليلة "
رفعت رأسها ونظرت لها بعينين دامعة تراقب ملامحها الفاتنة
المتصلبة وقد تابعت بجمود ولازال نظرها معلقا في الخارج
" أحيانا أتخيل ما كان سيكون الأمر لو أن شيئا من ذلك لم يحدث
وأني لازلت في ذاك المنزل مع والدي وأشقائي .. جبران ، رعد ،
رماح والكاسر جميعنا كما كنا سابقا لا تسعدني في الحياة سوى
رؤيتهم أمامي ولا يحزنني إلا أن يمضي النهار ولا أتحدث معهم
جميعا وإن عبر الهاتف لكن كل ذلك تغير منذ علمت بأن ذاك
الوالد ليس أبي الحقيقي وتلك العائلة ليست عائلتي وليتني لم
أعلم أبداً لكن القدر لا يغيره شيء ولا أحد "
تعلقت نظراتها الدامعة بها وهمست بحزن
" أتعني أنك تكرهين أن كانت لك عائلة غيرهم ؟ "
ضمتها لحضنها أكثر تدفن وجهها في صدرها واتكأت بذقنها على
رأسها قبل أن تهمس بصوت آسي متألم تحضنها لها أكثر
" لا ابتلاك الله بعشق رجل لا يبادلك ذات المشاعر يا صغيرتي "
وخنقت العبرة صوتها وانزلقت دموعها من وجنتيها تسقي ذاك
الشعر الحريري للنائمة في حضنها تشاركها البكاء في صمت
متابعة بوجع
" لا ابتلاك الله بنيتي برجل نسيانه يشبه الموت البطيء وتختارين
الموت نهاية الأمر لأنه أرحم من ذكراه "
التفت أصابعها على قماش تلك البيجامة السوداء تدفن وجهها
ودموعها فيها تسمع العبرة التي تحررت من وسط تلك الأضلع
التي تحتويها بقوة للتي تدفن ملامحها في شعرها تطلق سراح
تلك الدموع والعبرات لتخرج متعاقبة موجعة مدمرة صمودها
مجدداً وكل واحدة منهما تتألم لدموع الأخرى ولا حل تملكه
لنفسها ولا لها تتشاركان البكاء كما الوجع والاحتراق إلى أن
أبعدتها عنها وأمسكت وجهها وهمست ببحة بكاء ناظرة لعينيها
الدامعة
" إياك يا تيما أن تسلمي قلبك يوما لرجل لا يستحقه ، لا تعشقي
البطل في أعين الناس بنيتي بل في عينيك وحدك .. أن يكون
بطلك أنت لوحدك ذاك يكفي فلا يستبدلك ببطولاته تلك أبداً ويقتلك
بالحياة "
تعلقت نظراتها وعينيها الباكية بعينيها ولم تستطع قول أي شيء
ليس لأنه والدها من تتحدث عنه كمثال ونموذج سيء بل لأنها
خشيت فعلا من أن يحدث ذلك معها أيضا وباتت تعلم الآن معنى
أن تحب رجلا لا يشعر بما في داخلها له .. لكن والدها يحبها
تعلم ذلك ومتأكدة منه فقط هي الجراح .. كم هي قاسية وكم
تكرهها حتى أنها تقتل الحب أحيانا وإن قتلت صاحبه معه .
قبلت باطن كفها ما أن بدأت بمسح دموعها وهمست بحزن تخبئ
شفتيها فيه
" أحبك أمي وكل ما أتمناه أن أراك سعيدة في أي مكان ومع أي
كان "
مسحت يدها على شعرها بحنان وحضنتها مجدداً وقبلت رأسها
بعمق قبل أن تقف موقفة لها معها وقالت ببحة هامسة " عليك أن
تنامي الآن بنيتي الوقت تأخر كثيرا "
نظرت لها وقالت مبتسمة بحزن
" ننام معا الليلة أمي ؟ إنها ليلتك الأولى هنا وأريد أن أكون
معك "
مسحت بكفها على طرف وجهها وقالت
" ليس الليلة يا تيما في الغد حسنا ؟ "
أومأت بحسنا مبتسمة بحزن وغادرت جهة باب الغرفة وما أن
فتحته التفتت لها فكانت واقفة مكانها تراقبها بحزن فهمست
بعينين دامعة وابتسامة حزينة
" أحبك أمي ... تصبحين على خير "
فودعتها بهمسها الدافئ وابتسامة تشبه ابتسامتها تلك
" وأنت بخير يا قلب والدتك "
وراقبتها بعينين دامعة حزينة حتى اختفت خلف الباب الذي أغلقته
خلفها بهدوء ورفعت حينها رأسها للأعلى وأغمضت عينيها ببطء
تاركة لتلك الدمعة حرية الانزلاق منهما ببطء .. ها قد دمرها
وبشكل نهائي وعليه أن يحتفل بانتصاره .... أجل فليحتفل لكن
على طريقتها هي .
التفتت جهة الخزانة تمسح عينيها بقوة وفتحت أحد أبوابها
وفتشت بين الثياب المعلقة فيه حتى وجدت مبتغاها وأخرجته
ونظرت له .. لقميص النوم الأسود القصير الشفاف الذي لا يجمع
قماشه سوى خيوط متداخلة على جانبيه ، نطرت جهة النافذة
المفتوحة وابتسمت بسخرية تسمع صوت تلك السيارة المقتربة
داخل أسوار المنزل فها هو رئيس البلاد يرجع مهما طال غيابه
عن سريره ، نزعت القميص من علاقته ونزعت ثيابها ولبسته
وبحركة مدروسة لبست القميص الحريري القصير فوقه وربطت
حزامه حول خصرها النحيل ونزعت المشبك من شعرها لينزل
منسابا بنعومة وكثافة على ظهرها وكتفيها وصولا لذاك الخصر
المستدير وتوجهت ناحية باب الغرفة وغادت مجتازة الرواق
الطويل بخطوات سريعة خصلات ذاك الشعر الطويل تطايرت مع
صعودها السلالم بخطوات سريعة كي لا يراها أحد حتى كانت عند
باب تلك الغرفة تتلقف أنفاسها المتعاقبة وفتحت الباب فورا
منتصرة على ترددها من قبل أن تخوض معه غمار أي معركة
وأغلقته ووقفت عليه تنظر للأسفل صدرها يعلو ويهبط بسبب تلك
الأنفاس القوية متجنبة النظر للذي التفت ناحيتها ينطر لها
باستغراب وهو يرمي ربطة العنق التي نزعها للتو ويده الأخرى
قد فتحت زرين فقط من أزرار قميصه قبل أن تتصلب مكانها .
*
*
*
رمى السكين في المغسلة ونفض يده شاتما بحنق قبل أن ينظر
لسبابته وللجرح الصغير بجانب ظفره والذي كان الألم فيه أكبر
من حجمه الصغير فحتى الدماء لم تنزل منه ! لعقه بطرف لسانه
مكشرا بضيق وغادر ذاك المطبخ بأكمله فليلة سيئة تلك التي
مرت عليه البارحة هنا لم ينم فيها أبداً بسبب أفكاره المشوشة
وطنين كل تلك الحشرات في الخارج فلن يكون وجوده في هذا
المنزل الريفي إلا مؤقتا قبل أن يشتري منزلا وينتقل له ولن يهتم
لرأي جده ولا رفضه هذه المرة فلن يرجع لذاك المنزل ليرى الظلم
والاضطهاد أمامه ويصمت فثمن صمته الذي أخذ القسم منه عليه
سيكون خروجه من هناك وبشكل نهائي ولن يرجع أبداً ويقف
يتفرج عليهم وهم يجرمون في حق تلك الفتاة كما لن يتوقف بحثه
عن الحقيقة أبدا وإن ابتعد عنها كما أجبروه وسيخرج ببراءتها
وإن من تحت الصخور فهو لم يقسم بأنه لن يفتش في ذاك
الماضي وتلك الجرائم وسيعلم من يكون هذا الذي يريد إعادتها
للمصح مجددا أو إرسالها للسجن ولن يكون إلا نجيب هو متأكد
من ذلك لكن من هذا الذي يكون حلقة الوصل بينه وبين عائلة
المقتول هناك !.
عبر بهو المنزل متوجها نحو السلالم القريب ووقف مكانه غاضنا
جبينه ينظر باستغراب جهة السياج الخشبي الملاصق للمطبخ
والمفتوح على الطبيعة في الخارج وركز سمعه على تلك
الخطوات التي كانت تقترب مسرعة ... لا بل صاحبها يركض على
ما يبدوا !! تحرك مسرعا لتلك الجهة ووقف ينظر بصدمة للتي
خرجت من بين الشجيرات الطويلة في الخارج وقد وقفت مكانها
ما أن ظهر لها الواقف خلف ذاك السياج المنخفض في الأعلى
تتلقف أنفاسها المتلاحقة بسبب كل ذاك الركض وهمس بصدمة
" زيزفون !! "
وراقبت نظراته المصدومة التي علا صدرها ونزل عدة مرات
تحاول التنفس جيداً قبل كل شيء .. من كانت ممتنة لإيجادها له
هنا وكما توقعت سيكون في منزل عائلة تلك الإنجليزية الذي
جلبها له سابقا ولن تحتاج لأن تبحث عنه كثيرا حتى يكتشفوا
أمر غيابها ووصولها له ، حدقت فيه تلك العينان الواسعة
والأحداق السمائية المستديرة من بين خصلات غرتها الشقراء
المتطايرة ورفعت يدها ومررت أناملها البيضاء الرقيقة التي
تخرج وحدها من كم قميصها الطويل على طرف غرتها تبعدها
جانبا وقالت بأنفاس لم تنتظم جيداً بعد
" وقاص ألم تخبرني سابقا بأنك ستساعدني إن احتجتك في
أي أمر ؟ أنا أحتاجك الآن وعلينا أن نتحدث عن الكثير "
*
*
*
المخرج ~
بقلم/ زينه 4
من وقاص لــــــــ زيزفون
..اعِيذكِ بِكلِمَاتِ اللهِ التامات مِن كل رجلٍ سِواي
لـ أنثى قادرة على إحزاني ..
حين لا تكوني معي ..!
لا تلمحك عيني
أفتقد ذاتي .
تأسرني الأحزان ..
عندما لاتكوني معي !
وتسقيني الوحدة كأس فقدك ....!
أعيش بمنفى .. وأتوه بلا مرسى ..
أتضوّر فقداً ..
أفيض وجداً .
ويسمع في ظلام الليل ندائي ..
يا امرأة إختصرت علي النساء .
فقد
أسقتني الحب بيد !..
وبالأخرى أسقتني شقاء ..!
من غيرك!!
قادر بعد الجفاف إروائي وبعد الشتات إيوائي ..()
عند غيابك أبحث عن السعادة تحت قبعة القدر ..
تحت نفايات الألم
..وسط قذارة الدنيا ومتاعبها ..
سئمت الأنتظار /
والأحتضار ..
ترفضتني الموانيء
.. وتنكرني الاماكن
.. ويجافاني الزمان ..
فـ كل الليالي وسط جويّ البارد جداً ..
حد / الصقيع /
إلا مشاعري ..!
ي صاحبة القدر الرائِع المسكوب مِن قدحِ السماءِ أُحِبك
فـأَنتِ الأنثى التِي اخترتها بِمَحضِ الحب؟!
آ آ هـ تَشقُّ خندقها دَاخل الصدرَ .
. رحماكِ يا أنتِ!!
يــــ امرأه عشقتها بملءِ الأرضِ والسماءِ
.
عودي وإن رحلتِ
عودي وأن كنتِ جثة بلا مشاعر
ورممي بأناملك الصغيرات أشلائي ..
واسكبي عودتك بـ شرياني كدواء ..
فـ انا اريدكِّّ بكل حالاتك!!
أُحبك
وإن لم يتبق منكِ إلا رفات الفتات
أُحبك
وإن أُزهقَ الحلم ورمي في صدعِ الفِراق
أحبك
وإن خبت شرفه الغيم
أُحبك
أُحبك
أُحبك
نهاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل العشرون 20 - بقلم BlackButterfly002
الفصل العشرون
المدخل ~~
بقلم / حياتي أمل
إنكِسارُ الحُبُّx
مَطَرُ....ويحدثُ أنْ تأْتيني سِرًا..
تكتب على جُدرآنِ ذآكرتي ٱسمكْ....
تُدس فِي مسَآمآتِ جِلدي عطركْ....
تعلّق عَلى رفُوفِ قلبي
نبتةً تُسقَى مِـنْ رحِيقِ سَمآءكْ......
فدَعْهُم يَعلَمُون...أنَّ الغَسَقَ...
ليسَتْ سِوى جَسَدٌ بِروحٍ جوفاءَ خلفَ أقنِعَةٍ كاذبهْ...
فمازلْتُ وحِيدةً في معركةِ الذكرياتْ....
أدُكُّ حُصونَ النسيانِ لعالمٍ مازالَ يحْمِلُ إليَّ طيفكَ...
لترحَلَ وتترُكني بقايَا أُنثى ...
حَطَّمها جُنونُ حُبِّكَ...
ودكَّ حُصونُها سوادُ عيْنَيكَ...
وبعثرتها عبثيّةُ قبلاتكَ ....
وأوجَعها سطْوةُ حضوركَ....
شُعوراً يَتسآقطُ مـنْ وريدِ نَـبضِيx
عآبراً كُلي....
سآكناً في غيآهبِ روحي....
أُمنِياتٌ رسمتُها بدفتَرَ أحلامي...
أسقيتُها من حُروفِ إسمُكَ أملاً...
تحلق في سماءِ عقلي..x
كنوارسٍ تُحلِّق عاليًا حُرةً تشدوا بلحنِ الاُغنيات...x
عبثا تلاشت قبل ان تنموا وتفصُلنا المسافاتْ
سأُودِّعُ أوراقِي فى عالمِ الذّكرى..
ليسكُنَ النِّسيانُ كل حرفٍ فيها...
هو الفراقُ لاحتْ شواطِئُه
والروحُ حائِرة !!....
أترفعُ المرساةُ أم تلقيها!!x
فأينَ سترسُو سفينةُ أحلامي؟!...
غَسَقي...
أنَا ذاكَ الذي يعْشَقُ تفاصيلَكِ...
عِطْرُكِ العالقُ على جُدرانِ الذاكرهْ...
يحكي لكِ عن حُبٍ عُذرِيٍ لذيذْ
فلآ زِلتُ على مركب ٱلـشوقِ أبحُرُ
نحو مرآسي قلبكِ ٱلـ دآفئ....
لعلي أطفئ حنينَ عنآقٍ تحبسه ٱلـمسآفآت....
وأشآطركِ نبضاً يكتمل على طآولة ٱلأمنيآت...
.................................
تنقلت نظراته المصدومة على جسدها ابتداء بساقيها البيضاء
العارية للقميص الحريري الأسود المحتضن لذاك الجسد الرشيق
المتناسق وصولا للشعر الأسود الطويل الذي غطى وجهها كما
كتفيها وذراعيها حاجبا ملامحها عنه لا شيء يظهر له منها مع
تلك الساقين سوى اليدين والأنامل البيضاء الرقيقة يحفها قماش
كم القميص الواسع الفتحات ممسكة بحزامه بقوة وكأنها تعصره
بينها تنفسها القوي أظهرته حركه كتفيها وارتفاع ذاك الصدر
يوضح .. لم يستوعب بعد وجودها هنا في غرفته وفي هذا
الوقت والوضع ! وكأنها توقعت منعه لنفسه مجبرا كي لا يذهب
لها في غرفتها .. يجمعهما منزل واحد وكل منهما في غرفة !
فكرة لم يستوعبها عقله ولم يوافقه قلبه عليها .
ما أن أبعد شفتيه ليتحدث تجمدت مكانها وهو يراها تترك ذاك
الباب الملتصقة به وتقترب ناحيته بخطوات بطيئة لازالت تنظر
للأسفل يغطي معظم جسدها ذاك الشلال الحريري الحالك ولم تكن
صدمته بهذا بل بيدها التي تحركت مع خطواتها تفتح عقدة ذاك
الحزام الملتف حول خصرها النحيل بإحكام فاستدار بشكل كامل
ناحيتها ينظر بصدمة للقميص الحريري الذي ابتعد طرفاه عن
جسدها كاشفا عن ذاك الجسد الشديد البياض المختبئ خلف
القماش الأسود الشفاف في مشهد لا يمكن لعقل رجل واعي أن
يقاومه أو حتى أن ينساه مهما امتد به العمر فهو زوجها ومن
جمعهما سرير واحد كجسد واحد لم يراه في هذا المشهد ولم
يتخيله هكذا بهذه الثياب ! ومن يستطيع أن يصف اندماج الأسود
بالأبيض النقي فكيف بذاك البياض الطبيعي لأجمل ما أبدع
الخالق في تصويره وهو الجسد البشري ! راقبتها نظراته التي لم
تجتاز الصدمة بعد وهي تقلص آخر خطوتين بينهما تنزل ذاك
القميص عن كتفيها لينزلق عن جسدها ببطء ونعومة للأرض
كاشفا عن باقي ما كان يخفيه تحته فلم يعد يغطي ذاك الجسد
المتناسق شديد البياض سوى تلك القطعة السوداء الشفافة التي
لم تزد تفاصيله إلا فتنة فارتفعت يده لذاك الستار الأسود الكثيف
ولامسته أصابعه برفق وما يخطط له هو إبعاده عن وجهها لعله
يفهم ما يجري ما أن يرى ملامحها ؟ هل دفعها حنين الذكرى له
في أول ليلة تقضيها في هذا المنزل بعد كل تلك الأعوام !
هل استطاعت أخيرا أن تتغلب على أفكارها السوداء ناحيته ؟
أيعقل أن تختصر الطريق عليهما هكذا وأنها شعرت فعلا باحتياجه
المتعطش لها ؟ لحضنها لأنفاسها لأن يرمي برأسه وهمومه على
صدرها .. هو مطر شاهين الذي لم يكسره شيء يوما كسره
غيابها .. ! من لم تهزمه الجيوش بمدافعها هزمه اشتياقه لتلك
الفتاة التي اجتاحت حياته كالإعصار الذي جلبها لحدوده ؟
هو رجل الحروب تربية شاهين الشاهين تفقده عقله وتوازنه
وصموده إن شعر فقط بفقدانها أو بأنه قد يخسرها ولأي سبب
كان !
ترفعه لعنان السماء بكلمة واحدة وتحوله لوحش من نار بكلمة
أخرى وتقلبه بين الثلج والنار ! .
غاصت أصابعه أكثر في ذاك الحرير الحالك وهمس باسمها
بابتسامة رقيقة يراقب أصابعها وهي ترتفع لصدره ببطء
وابتسامته تنتقل للدهشة يرقب تلك الأنامل تعبث بأزرار قميصه
تفتحها برجفة خفيفة وقبل أن تكمل فتحهم غيرت مسار لمساتها
الرقيقة تلك ونزلت بهما لحزام بنطلونه تبحث تلك الأنامل
المرتجفة عن الجانب الذي يفتح منه مما أرسله للجنون العابث
في لحظة فخرجت منه ضحكة صغيرة وهو يمسك يديها قائلا
" مهلك ... انتظري قليلا هاجمي بنزاهة "
وتصلب جسده كما ابتسامته تلك وملامحه بسبب الدمعة التي
اصطدمت بكفه قبل أن تنزلق عليه ببطء وانتهت عند كفها البارد
كالجليد بين يديه فرفع نظره المصدوم ببطء للوجه الذي لازال
مختف عنه بغرتها الطولية وشعرها الكثيف فكيف لم يلحظ
اخفائها له عنه !
أنفاسها القوية المتقطعة والبرود في كل حركة صدرت عنها !
رفع يده ببطء من يديها لذاك الشعر المتكدس أمام وجهه ومررها
بينه وبين غرتها حتى شعر بملمس بشرت وجهها فشد أصابعه
عليه ورفعه ببطء حتى ظهرت له تلك العينان السوداء الواسعة
من بين الغرة المنقسمة لنصفين تزين الوجه الدائري كستائر
حريرية سوداء وضاعت نظراته التائهة في ذاك الاحمرار الذي
شوه بياض جفنيها وأطراف بياض عينيها بل والنظرة التي كانت
تنطق حقداً كفيلاً بإحراق جيش معركة بأكمله ! رموشها الطويلة
مبللة بالدموع وأنفاسها تخرج من بين شفتيها ساخنة حارقة
وكانه يقف أمام امرأة عاش حياته يدمرها يقتل عائلتها أمام
عينيها فرداً فرداً ! امرأة تغذت على كرهه كما يتغذى جسدها
بالهواء ! رفع يده الأخرى وأمسك وجهها وارتجفتا وهو يمسح
بهما على جانبي شعرها الحاضن لملامحها هامسا بتشتت "
غسق ما بك !! "
وتعالت أنفاسه يراقب يداها اللتان ارتفعتا ليديه ورمتهما عنها قبل
أن تخرج تلك الكلمات الجوفاء الميتة من بين شفتيها وكأنها
هواء متجمد
" أنا من عليها أن تسألك ذلك ... ما بك؟ لماذا أوقفتني ؟ "
ورمت طرف شعرها بحركة غاضبة قبل أن تعود لفتح أزرار
قميصه المتبقية بحركة عنيفة هذه المرة فأمسك يديها مجدداً
وأبعدهما ولازالا في قبضتيه لازال ينظر لها بذهول ففكتهما منه
بالقوة ومدتهما لقميصه مجدداً وفتحت آخر زر فيه أنفاسها القوية
يشعر بها تحرق بشرة صدره وبدأت بدفع القميص عن كتفيه
فأبعد يديها عنه وقال بحزم
" غسق توقفي ما هذا ؟ "
أمسكت بكم قميصه تبحث بحركة عنيفة عن زره هامسة بجمود
" لماذا أتوقف ؟ "
وتابعت بغضب ما أن سحب يده منها تنظر له بعينين مشتعلة
كالحمم
" لما تبحث عن كل هذا عند غيري ؟
ما الذي تراه فيهن لم تجده بي ؟
أخبرني بماذا تجد الحجج لنفسك لفعلها ؟ "
وتابعت صارخة بغصب تشد كتف قميصه لتنزعه عنه
" هيا عف نفسك بي "
أبعد يدها وحاول إمساك كتفيها قائلا بأمر
" غسق يكفي "
لكنها دفعت يديه مجددا وقد عادت لمحاولة فك حزام بنطلونه
قائلة من بين أسنانها ونظرها على ما تفعل
" لا ليس يكفي أنت زوجي وأنا أريد حقي منك الآن "
فأمسك يديها ولفهما خلف ظهرها مثبتا لهما بقوة لتصبح بين
ذراعيه ملتصقة بجسده وقال بحدة ناظرا لوجهها الذي تخفضه
تحاول تخليص نفسها منه
" غسق توقفي عن هذا أنت لا تعطيني حقي بهذا ولا تأخذي
شيئا ، لن أسمح لك بقتلي داخلك لن يحدث أبدا توقفي "
قاومته بقوة لتفك يديها من قبضته وما أن انحنى رأسها ملامسا
لصدره انطلقت دموعها كما عبراتها وضربته بجبينها فأغمض
عينيه رافعا رأسه عاليا واستقبل جسدها الذي انهار على تلك
الأضلع وطوقه بذراعيه بقوة يسجن فيه تلك الأنفاس الباكية
تمسح أصابعه على شعرها مبعدا له عن طرف وجهها وهمس
عند أذنها بحزن
" أقسم أن ما حدث بيننا في منزل عائلتك تلك الليلة لازال يرتجف
جسدي شوقا كلما تذكرته لكن ليس هكذا يا غسق لن آخذ منك هذا
كارهة ومرغمة لن أدمر هذه المشاعر بيننا ولن أسمح لك
بتدميرها في داخلك ؟ "
لكمت قبضتها صدره حتى أفلتها وابتعدت عنه وصرخت فيه باكية
" بلى ستموت "
وتابعت ضاربة بقبضتها على قلبها
" ستموت هنا وللأبد ولن أسمح له .. اقسم أن أموت وأقتله "
شعر بكل شيء داخله ينهار مع كلمتها التي كانت تخرج من
صميم معاناتها ليس تمثيلا ولا ادعاء يراها تتحطم مع كل كلمة
وواثق من أنها هنا الآن لتقتل في داخلها آخر ما يربط مشاعرها
به ، إنها تعيد ما فعلته عند الشلالات تقتل الشيء بذكراه في
مكانه بل تجعل من المكان ما يقتله داخلها وإن حدث ما جاءت
الآن من أجله لن تنام في حضنه وتشاركه سريره إلا جثة ميتة
مستقبلا ومهما فعل .
اقترب منها مجددا ورفع يديه لوجهها هامسا باسمها فرمتهما
عنها وشدت على أسنانها وهي تمسك طرفا قميصه تحاول نزعه
عنه وما أن حاول منعها بحركة غاضبة نزلت يداها المرتجفتان
لبنطلونه مجددا فرماهما عنه هذه المرة صارخا
" توقفي يا غسق ما بك ؟ "
وحين لم تعلق كما لم تهتم وعادت لمحاولاتها بدفعه جهة السرير
هذه المرة أمسك ذراعيها وهزها منهما بقوة صارخا
" غسق ما بك ؟ ماذا حدث معك ماذا ؟ "
رفعت رأسها ونظرت له بجمود وقالت بأحرف مرتجفة
" ما حدث أني أموت وعليك أن تموت معي .. عليك أن تموت
بداخلي قبل أن أموت "
أمسك وجهها بيدين مرتجفة وهمس بصوت خافت
" غسق حلفتك بالله أن ترحميني قبل نفسك ، توقفي عن هذا لا
تقتليني أنا قبل قتلك لي في داخلك .. غسق ما يجمعنا أقوى
من أن نفكر في قتله إنه يكبر كلما حاولنا ذلك "
لكن كلماته تلك لم تجد إلا صدى اصطدامها بجدران الغرفة
الواسعة تراقب عيناه ونظراته الضائعة يديها التي انتقلت
لقميصها تحاول فك الأشرطة الحريرية التي تجمع قماشه فاستدار
للخلف وسحب لحاف السرير بقوة وما أن عاد لها لفه حول
جسدها متغلبا على مقاومتها له قبل أن يرفعها من الأرض بين
ذراعيه وخرج بها من الغرفة يقاوم ضرباتها لوجهه ومحاولاتها
الافلات منه ينزل بها السلالم بخطوات سريعة وعبر بهو المنزل
حتى كان أمام باب غرفتها الشبه مفتوح ضربه بقدمها ودخل بها
ضاربا له مغلقا إياه خلفه وتوجه بها فورا لحمام الغرفة وأنزلها
هناك ليسقط ذاك اللحاف عن جسدها فورا فأمسك بيديها ورفعها
لحوض الاستحمام ووقف بها فيه يحضنها بذراع واحدة بقوة
مثبتا جسدها لجسده معجزا مقاومتها الغاضبة له وفتح المياه
الباردة على أقواها لتندفع فوقهما بقوة فارتجف جسدها كالورقة
المتساقطة بين ذراعيه فدسها في حضنه أكثر وقواها تضعف
تدريجيا كما كلماتها المتقطعة أمام اندفاع تلك المياه الباردة حتى
شعر بأنها ستنزلق من بين ذراعيه فشدها بقوة يحاول إيقافها
ليكتشف بأنها غابت عن الوعي تماما .
*
*
*
تجمد مكانه لوقت ينظر لها وكأنه ينتظر أن تختفي في أي لحظة
ويكتشف بأنه يتوهم أو أنها قالت غير ما سمع لكن شيئا من ذلك
لم يحدث فتلك الصورة لم تتغير وصاحبة الخصلات الذهبية
المعانقة لذاك الجسد النحيل والوجه الجميل لم تختفي و.... حقيقة
كانت تلك !!
رفع رأسه للأعلى وتنهد بقهر مغمضا عينيه تنهيده شعر بأنها
خرجت من أعماقه بل من عمق انكساره وندم ... ندم في ثانية
واحدة ندما كان كفيلا بسرقة عمره بأكمله لأنه أقسم وقطع ذاك
الوعد .... لماذا الآن يا زيزفون لماذا ليس سابقا ؟ ليس بالأمس
ليس في أي يوم إلا اليوم ! لما تكرهه ظروفه هكذا ؟
ليته كان وعده فقط لكان أخلف ولكان ولأول مرة في حياته نقض
وعده لكن أن يقسم بالله فالأمر أقسى من أن يتراجع فيه .
عاد بنظره لها ما أن سمع حركة الأغصان تحت قدميها واستطاع
أن يرى بوضوح الحيرة في تلك الأحداق الزرقاء الواسعة
وخطواتها تقترب منه ببطء فلم يستطع إبعاد نظره عنهما ولا
التحدث ويعلم بأن هذه المرأة هي الوحيدة التي تجيد قراءة
الصمت وترجمته وواثق من أن ذكائها لم يخنها يوما وذاك ما
حدث فعلا حين وقفت على مبعدة من ذاك السياج بخطوتين فقط
نظرها معلق به في الأعلى وقالت بجمود
" قلها يا وقاص ... قل غادري الآن لأني لن أستمع لك ولن
أنفعك بأي شيء "
نظر لها بتشتت وضياع فتراجعت خطوة للوراء حين طال صمته
وصور ما حدث هناك تطاردها حتى أنها لم تجد مربيتها التي
اختفت كما ثيابها وأغراضها ! همست بخفوت ونظرها لازال
معلقا في عينيه
" أنا وحيدة يا وقاص ... وخائفة "
كان اعترافا أكبر من أن يستوعب .. من أن يصدر عنها هي
تحديداً ! أن تترك كل شيء وتلجأ له ! أن تُهزم حتى أمام مشاعر
كرهها لهم والذي لم تستطع ولا استثنائه منه يوما ومهما فعل !
شد قبضتيه بقوة وتمنى أن صرخ حتى دمر كل شيء بصرخته
تلك ، أن كان أي شيء وأي شخص آخر حينها إلا وقاص ، أن
قفز من هنا لها ودفنها في حضنه لتجد الأمان الذي لم تطلبه
يوما .. أن يخفيها فيه عن الجميع وعن كل شيء لكن ما يمنعه
الكثير والكثير ليس أنها متزوجة ومن شقيقه فقط بل لأن اقترابه
منها بات مؤذيا لها ولا يمكنه ولا اختطافها منهم جميعا والهرب
بها فسيأخذونها منه وبسهولة باسم القانون وسيورطها أكثر .
ما أن تراجعت خطواتها للخلف وتبدلت نظرتها للبرود شعر
بروحه تنفصل عن جسده ... برود مخيف لم يراه فيهما أبدا ولا
في جميع حالاتها الماضية ! فأي شيء هذا الذي قتله بداخلها
ناحيته ؟
ما أن استدارت متابعة سيرها أمسكت يده بخشب السياج ودون
أدنى تراجع أو تفكير قفز منه للخارج بقفزة واحدة ولحق بالتي
كادت أن تختفي عنه خلف الشجيرات المتعانقة مع الهواء وأمسك
بذراعها ما أن أدركها وأدارها ناحيته بلطف هامسا بحزن
" زيزفون سامحيني "
نظرت لعمق عينيه بصمت لبرهة نظرة قرأ فيها الكثير مما
توقعه ... الخذلان خيبة الأمل والاتهام فنزلت أصابعه من ذراعها
ليدها والتفت بقوة على أناملها الرقيقة الباردة وهمس مجددا
ناظرا لعينيها
" عليا أن أحميك مني "
وشاركها مجددا الصمت حدقتاه تتنقلان بين عينيها وكأنه يبحث
عن نفسه فيها قبل حديثها فسحبت يدها من يده وقالت بجمود
" ألم أخبرك بأنه سيبعدك عني ؟ ألم أقل ذلك وأنت أنكرت ؟ "
امرأة أخرى كانت ستفاجئه بتحليلها ذاك للأمر أما هذه الفاتنة
الواقفة أمامه سيستغرب فقط إن لم تستطع فهمه وإن لم يشرح ،
سيستغرب إن لم تفسر ما حدث وبدقة وكأنها كانت معهما فهذا
ما يميزها عن جميع النساء التفكير والتحليل في أجزاء من الثانية
وبذكاء ، مرر أصابع كلتا يديه في شعره ليشبكهما عند نهاية
عنقه وتنهد بعمق ينزعهما عنه ببطء وقال
" ثمة من بلغ عن خروجك من المصح يا زيزفون وسيرجعونك
له ، عليا معرفة من وراء ذلك .. عليا فك رموز ما ترفضين
أنت قوله ولن تبوحي به أبدا لكن بعيدا عنك "
نظرت له بصمت واستدارت مجدداً دون أن تعلق على ما قال
فلحق بها وأمسك يدها مجددا موقفاً لها وقال ينظر لقفاها
ولشعرها الأشقر الطويل الذي تركته وحده لمواجهته
" ثقي بي يا زيزفون لن أتخلى عنك وإن عجزت عن حمايتك
هناك فكوني قوية مثلما عرفتك دائما وإن كنت وحيدة "
شد على أصابعها ما أن شعر بها تقبض على أصابعه وقد زرعت
في داخله أملاً يتيماً سرعان ما حطمته وهي تسحب يدها منه
مجددا واستدارت نحوه وتراجعت للخلف ولازالت تنظر لعينيه
وقالت ببرود
" خذلتني يا وقاص ، أنت وعدت وأقسمت مرارا وأخلفت ، أنا
لا أريد مساعدتك .. لا أحتاجها "
وما أن أنهت عبارتها تلك غادرت بخطوات سريعة تاركة خلفها
الذي أخذت كل شيء فيه مع نظراته التي تبعتها يراقبها تبتعد
شيئا فشيئا بنظرات ملئها أسى وانكسار وحزن وقلة حيلة ، شد
قبضتيه بقوة وصرخ من بين أسنانه راكضا خلفها
" سحقا لك يا وقاص ولكل هذا "
وما أن وصل عندها مقربة السياج الحديدي المرتفع والذي
يستخدم كسور للأرض حول ذاك المنزل مع بوابة حديدية مشابهة
له يتركها أصحاب المنزل مفتوحة دائما أمسك ذراعها وقال وهو
يسير معها
" سأوصلك فلن تجدي سيارة أجرى هنا بسهولة "
حاولت سحب ذراعها منه ولم ينجح الأمر لأنه كان يمسكها بقوة
ويسير بها في الإتجاه المعاكس فقالت بضيق تحاول إيقافه
أو الإفلات منه
" أتركني ... لما تشغل نفسك إن كنت سأصل أو سأضيع ؟
ما الذي يعنيك في الأمر ؟ "
تابع سيره يسحبها معه جهة سيارته التي ظهرت لهما قرب
المنزل الريفي الأنيق وقال بحزم
" تعلمين جيدا ما الذي يعنيني في الأمر يا زيزفون ..
لن يتوقف ذكائك الآن فقط "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 102 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 07-04-18 الساعة 06:56 AM
رد مع اقتباس
#9213
قديم 04-04-18, 11:01 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
ملمس ذاك الشيء الناعم على شفتيها كان ما أعادها للواقع
بشكل كلي فانفتحت عيناها ببطء وغاص رأسها في الوسادة
تحته لا إراديا تنظر للذي استوى جالسا فوقها يجلس على طرف
السرير بقربها فسالت الدمعة اليتيمة من طرف عينها مع
استدارة مقلتيها للبعيد بأسى حزين متجنبة النظر للذي وقف
ورفع جهاز قياس ضغط الدم ووضعه على الطاولة بجانب
السرير فانحنت مستندة بمرفقها وحاولت الجلوس لتغادر
لحمام الغرفة بعيدا عنه فخرجت منها تلك الأنه القوية
المتألمة بسبب ذاك الألم الذي مزق كف يدها لحظة أن
جلس الواقف فوقها ممسكا بذراعها ليساعدها على الجلوس
قائلا بضيق
" متى ستتعلمين أن لا تجلسي بسرعة هكذا بعد فقدانك للوعي ؟
يدك مجروحة وجسدك لا زال متأثرا بانخفاض ضغط دمك "
استلت ذراعها منه وتراجعت لظهر السرير ومسحت بظهر
كفها وجنتها فتجعدت ملامحها بتألم بسبب الألم الذي شعرت
به فيها ومن الشريط اللاصق الذي استشعرته تحت أصابعها
علمت سبب ذاك الشعور بل ومن انشداد بشرة وجنتها اليمنى
علمت بأنه ثمة أكثر من شريط طبي لاصق فيها أحدها تشعر
به جهة ذقنها فرفعت أصابعها ولمسته بها فأمسكها الجالس
أمامها وأبعدها قائلا بجدية
" إنها جروح بسيطة وسننزعه في الغد ، لو أفهم كيف تنقذي
نفسك من السقوط بحاملة السكاكين يا مجنونة ! ماذا إن اخترق
إحداها عنقك ؟ "
أشاحت بوجهها عنه جانباً ولم تستطع السيطرة على الدموع
التي ملأت عينيها فرفعت أناملها لشفتيها تغطيها بظهرها تمسك
العبرة المكتومة بداخلها فلم تستطع تخطي تلك الصدمة العنيفة
بسهولة خصوصا وهي تراه أمامها الآن وكان موتها سيكون
أول خياراتها الأكيدة إن كان القرار لها ولا أن يخذلها هذا
الرجل تحديداً والذي أمسك يدها حينها ليبعدها فدفعته
عنها وهمست بعبرة مكتومة لازالت تنظر جانباً
" وما العقل الذي تركتماه بي اتصرف به بحكمة ؟ "
ولم تترك له مجالا ليتحدث وهي تنظر له قائلة ببكاء تعالت
معه أنفاسها بقوة تنظر له بعتاب باكي
" كنت عاقبتني بأي شيء إلا هذا تيم ، كنت تركتني أموت
لما أسعفتني ؟ "
وتابعت من فورها ضاربة بيدها المجروحة على فخذها قائلة
ببكاء موجع
" كنت سأعتذر عما قلت البارحة .. أقسم أني كنت سأعتذر ، أنت
لم تترك لنا ولا فرصة لنناقش ما حدث .. نتشاجر نتفاهم ثم نجد
حلا يرضي كلينا "
أمسك يدها كي لا تؤذيها مجددا قائلا بحزم
"ماريا يكفي "
لكنها لم تكن مستعدة لذلك مطلقا فسحبتها منه صارخة
" لا ليس يكفي لا أريد سماعك ولا رؤيتك ابتعد عني أ..... "
فصرخ فيها من فوره
" أصمتي ماريا أو قسما ضربتك "
مسحت وجنتها بقوة صارخة بحرقة
" أنت فعلتها فعلا حين ضربت إ.... "
فقاطعها مجددا مشيرا بيده يميناً
" ماريااا أغلقي فمك واستمعي لي ثم النافذة هناك أمامك
إن أردت القفز منها "
وما أن كانت ستغادر السرير زاحفة فوقه أمسك ذراعيها
وأعادها مكانها بالقوة وصرخ في وجهها أصابعه تشتد على
لحم ذراعيها تدريجياً
" ماريا عليك أن تتعلمي أن تستمعي لي حين يكون لدي ما
سأقوله مفهوم ؟ لا تتخذي أنت الأسلوب الخاطئ لحل المشكلات
بيننا وتتهميني بذلك "
" أنت أ.... "
" قلت اصمتي ماريااا "
صرخته الغاضبة المرتفعة تلك جعلتها تزم شفتيها المرتجفة
تنظر له من بين الدموع التي ملأت عينيها الواسعة فأمسك
وجهها أصابعه تلامس شعرها البني الناعم وقال بجدية
محدقا في عينيها الباكية
" ما تفكرين فيه لم يحدث ماريا "
انسابت تلك الدمعة ببطء على وجنتها المشتعلة احمرارا مرورا
بقطعة اللاصق الطبي البيضاء الصغيرة وما أن أبعدت شفتيها
لتتحدث قال بحزم
" استمعي لي ماريا ولا تغضبيني منك أكثر ...
اصمتي مفهوم ؟ "
لاذت بالصمت ولم تتحدث لا شيء يصدر عنها سوى
شهقاتها المتتالية ترتفع معها تفاصيل صدرها المرتفع
المتفجر أنوثة وتنزل تباعا فتنفس بعمق وشد يديه على
وجهها قائلا بجدية
" أنا لم أنم هنا البارحة بل لم أرجع إلا من وقت قصير ، ما
أخبرك به عقلك لم ولن يحدث أبدا ماريا .. متى ستتوقفين
عن النظر لي بتلك الطريقة المشينة "
همست بصوت مرتجف باكي
" لكنها ترتدي ر.... "
قاطعها مقبلا إياها قبلة سريعة قوية بطريقة لم تدل سوى
على أن استيائه منها لم يخف بعد وألصق وجهه بوجهها
يتلامسا أنفيهما وقال بحزم
" غبية ... متزوج من غبية ، أنا لا أستخدم تلك الساخافات
الخاصة بالنساء ماريا وهي لم تنم في غرفتي البتة وتلك
المنشفة لا تخصني لقد نامت واستحمت في غرفة قاسم
سابقا ، إنها المجاورة لغرفتك وهو ترك ذاك الشيء هنا لأنه
لم يكن يستخدمه أيضا ، لقد أقام لفترة قصيرة معي هنا
ويمكنك التأكد بنفسك لأن باقي قطع تلك المصيبة ستجدينها
في حمام الغرفة "
وسحب نفسا قويا ينظر لعينيها الدامعة القريبة منه ثم قبل
شفتيها قبلة صغيرة رقيقة ووقف مبتعدا عنها وقال ناظرا لها
تمسح بظهر كفها السليم عيناها تخفض رأسها تخفي غرتها
القصيرة أغلب ملامحها عنه
" سلالم المباني السكنية هنا مراقبة ويمكنني أخذك الآن لغرفة
الحارس الأمني ليريك متى خرجت ومتى عدت فأنا دخلت غرفتي
واستحممت ولم أكن أعلم بأنها هنا حتى دخلت المطبخ ولم
أشعر بها حتى رفعت كوب القهوة من خلفي وكان ذلك قبل
دخولك المطبخ بلحظات ، إن كنت لم أفعلها قبل قدومك فهل
سأفعلها الآن ؟ ... يكفيك هذا ماريا أم نذهب لغرفة الحارس
حالاً لتتأكدي إن كنت صادقاً ؟ "
بقيت على حالها السابق تمسح عيناها ووجنتيها بقوة تنظر
للأسفل شهقاتها الصغيرة تخرج تباعاً تقبض أنامل يدها
المجروحة على اللحاف وتفكها بالتتابع ولم تعلق ، فتنهد بعمق
يراقب تلك الطفلة فيها والتي كلما تعرضت لتوبيخ قاسي تنزوي
على نفسها كي لا تنال العقاب التالي وهذا أكثر ما يميز هذه
المرأة عن غيرها في نظره ، جلس أمامها مجددا ولعبت أصابعه
بغرتها وشعرها متمتما
" هيا قولي أنا آسفة ولن أعيدها مجدداً .. لن أرضى بغير ذلك "
أبعدت حينها يدها عن وجهها ورفعتها ناحيته وعانقته مقبلة
شفتيه قبلة واحدة عميقة طويلة شاركها فيها سريعا تلامس يده
ظهرها وتحضن ذراعاها عنقه بقوة ، وما أن أبعدت شفتيها
نزلت برأسها ببطء ليلامس جبينها ذقنه متكئة عليه تنسحب
أناملها عن عنقه برقة وهمست بحزن
" قل بأنك لي وحدي تيم "
فابتسمت الشفاه الملامسة لذاك الجبين الصغير تداعبها خصلات
الغرة القصيرة الناعمة كمداعبة أنفاسه لها وهمس تشتد أصابعه
على خصرها يحضنها أكثر
" لك وحدك يا غبية كم مرة سنكررها ؟ "
فنامت في حضنه تدفن وجهها في ذاك الصدر العريض وقد
تعلمت مما حدث بأنه عليها أن تصمت وتستمع له مستقبلا
حين يكون غاضبا وأن تبحث عن التبريرات لديه قبل أن تحكم ،
كما تيقن هو من أنها المرأة الوحيدة التي تجيد طرق امتصاص
غضبه .. لا يعلم رقتها في التعامل السبب أم تقبله هو لذلك منها
دون غيرها ؟ ولن يحاول إيجاد أجوبة لذلك المهم أن يكون فهم
واستوعب كل منهما طباع الآخر .
أبعدها عنه وقبل جبينها وقال وهو يقف
" استلقي ماريا سيكون ذلك أفضل لك لقد نزفت يدك كثيرا "
تعلقت به تلك الأحداق الذهبية والنظرات الحزينة وهمست
صاحبتها ببحة
" أين ذهبت تلك الإنجليزية ؟ "
ابتسم وحرك رأسه بيأس منها وقال ما أن عاد بنظره لعينيها
" غادرت من هنا غاضبة ولا تسأليني أين لأني لا أعلم
ولست أهتم "
عبست ملامحها التي كانت بدأت تستسلم لابتسامة الرضا وقالت
" ولما تخرج وتتركني أنام هنا وحدي معها ؟ "
توجه لجهاز قياس الضغط وأغلقه قائلا
" كنت غاضبا ولم أكن منتبها أساسا أغادرت أم بقيت بعدي "
وتابع بضيق ما أن استوى واقفا وقد عاد بنظره لها يمسك
خصره النحيل بيديه
" ولا تسألي مجددا لما لأني لو لم أفعلها حينها لكنت قتلتها
وحطمت لك أسنانك بالتأكيد "
التصقت بظهر السرير خلفها تنظر له بعبوس وتمتمت قائلة
" وكنت فعلت ذلك ثم أخذتني لطبيب الأسنان لأزرع واحدة
جديدة لا مشكلة "
فلم يستطع إمساك الضحكة الخفيفة التي تغلبت على أضلعه
وانحنى جهتها ممسكا وجهها وقبلها بقوة وما أن أبعد شفتيه
همس مبتسما
" ما رأيك لو زرعنا لك أسنانها .. أليس أفضل ؟ "
دفعته عنها وعبست ملامحها أكثر قائلة بضيق
" لا .. لا أريدك أن ترى أسنانها دائما "
فضحك واستوى واقفا وقال مبتسما
" حتى وهي ميتة يا حمقاء ؟ "
وغادر بعدها جهة الباب قائلا
" هيا حاولي أن تنامي قليلا "
وما أن ابتعد أوقفه صوتها الرقيق الهامس من خلفه
" تيم "
فوقف والتفت لها برأسه ونصف جسده فقالت بابتسامة صغيرة
لازالت تجاهد تلك الملامح الحزينة المجهدة
" لنخرج من هنا معا .. اليوم فقط تيم أرجوك "
ابتسم وأومأ برأسه موافقا وقال متوجها لباب الغرفة
" غيري ثيابك سأنتظرك في الخارج "
*
*
*
فتحت باب غرفتها ببطء واتكأت على إطاره تنظر ناحية الغرفة
المجاورة لها تبكي بصمت فلم تستطع النوم بعد مغادرتها لغرفة
والدتها وكيف تنام بعد كل ما حدث بالأمس ؟ ولم تستطع البقاء
بعيدا عنها أكثر فقررت الذهاب لها وحين وصلت الغرفة اكتشفت
بأنها فارغة وكم ذعرت حينها من فكرة أنها غادرت المنزل وبأنها
بسبب ذلك طلبت منها أن تنام لوحدها فركضت من فورها مغادرة
ممر الغرف وما أن وصلت بهو المنزل ودارت جهة الباب لتخرج
وتتأكد من وجود سيارتها في الخارج أوقفها صوت شجارهما في
الأعلى وعلمت حينها أين غادرت ولم تزدها تلك الحقيقة سوى
ألما وبكاء فلم تجد لها مواس سوى خشب سياج السلالم الذي
جلست عند أول عتباته تحضنه متكئة برأسها عليه تبكي بصمت
وأصوات صراخهما البعيد تمزق قلبها لأشلاء وعلمت حينها بأنها
ستتمنى أيضا وفي وقت قريب أنها لم تنتقل للعيش معهم هنا
تحركت خطواتها ببطء تسقيه دموعها التي تحاول مسح كل
واحدة تنزل منهم حتى وصلت باب الغرفة وأمسكت مقبضه
وأدارته ببطء وفتحته قليلا ونظرت للداخل من شق الباب وامتلأت
عيناها بالدموع مجدداً وهي تنظر للسرير في نهاية الغرفة
وللنائمان عليه ولذاك الذي تنام انثاه على صدره يخبئها في
حضنه وكأنه يخفيها عن كل شيء ملامحه النائمة الهادئة مدفونه
في رأسها وشعرها الرطب ويغطيها باللحاف حتى كتفيها ،
ودعتهما دموعها يدعو قلبها الله أن يحفظهما لها وأغلقت الباب
ببطء حتى اختفت صورتهما عنها وتحركت من هناك تقودها
خطواتها ليس لغرفتها ولا لبهو المنزل بل في الإتجاه الآخر
وسلكت الممر المشترك معه حتى كانت عند باب المنزل الخلفي
فتحته وخرجت وقد استقبلت ملامحها المبللة بالدموع نسائم الليل
الربيعية فأشعرتها بتلك اللسعة الحارقة التي لونت وجنتاها بحمرة
خفيفة وأحرقت تلك الأجفان المحتقنه بشدة فأسدلت جفنيها
وحضنت نفسها وسارت بخطوات بطيئة تنظر للأرض تحتها
وتسللت الدموع تسقي رموشها الشبه مطبقة على بعضها تتلاعب
النسائم بشعرها الناعم تتمنى أن تسير للبعيد والبعيد دون أن
يوقفها أي شيء ولا أن تهتم لأين ستصل .. تبتعد عنهم جميعا
حتى يشعروا بوجودها حين يشعروا بغيابها واختفائها ثم يتركوا
كل شيء ويبحثوا عنها فيلتفتوا حينها لما جعلهم يفقدوها وما
جعلها تتركهم وترحل ، وصلت الكرسي الحجري وجلست عليه
رافعة قدميها للأعلى وحضنت ركبتيها تنظر للفراغ بشرود حزين
تتخيل فقط أن يمنحاها نصفا قلبيهما النائمان هناك يومأً واحداً
فقط يعيشون فيه كعائلة طبيعية سعيدة يجلسون هنا تستمع النجوم
ونسائم الليل لضحكاتهم وأحاديثهم المازحة الممتزجة بالسعادة ،
هل هذا كثير عليها أم قليل عليهما ؟ لما يحرمان نفسيهما
ويحرمانها ؟ مسحت عيناها ودموعها ودست يدها في جيب
بيجامتها وأخرجت هاتفها ونظرت لشاشته المضاءة في حجرها
تنظر للأسماء فيه ، تريد أن تتحدث مع أحدهم وأن تُخرج ما في
داخلها وأن يستمع لها من يمكنه فهم ما تشعر به لعلها ترتاح
قليلا ، نظرت لاسم رعد بحسرة فهو نائم الآن ومع زوجته
بالتأكيد فلم يعد متفرغا لها كالسابق .. الكاسر متفائل دائما ولن
يرى أفكارها إلا غبية وبأن كل شيء سيكون على ما يرام ، قد
يكون عاش مع والدتها أكثر منها فيفهمها أكثر مما قد تفهمها هي
لكنها أيضا عاشت مع والدها وتعرفه جيدا ، نزلت بنظرها مع
حركة أصبعها وتلك الشاشة المضيئة تعرض لها تسلسل الأسماء
القليلة المختصرة في هاتفها ووقفت عند ذاك الاسم الذي ارتجف
قلبها وكل شيء فيها ما أن نظرت له وامتلأت حدقتاها الزرقاء
الواسعة بالدموع سريعا وانقبض قلبها مع انقباض أصابعها أمام
تلك الشاشة الباردة ، أهي تحتاج فعلا لسماع صوت رعد
أو الكاسر ؟ هل ستكذب على قلبها ؟ مسحت تحت جفنيها بظهر
كفها وبإصبع متردد مرتجف اختارت اسمه وقبل أن تفكر في
التردد أو التراجع كانت كلمة اتصال ترافق تلك الأحرف القليلة
فأغمضت عينيها بقوة تعض طرف شفتها بعدما شغلت مكبر
الصوت تستمع لصوت الرنين في الطرف الآخر ، واحدة
اثنتين ثلاثة و...... " تيما !! "
نظرت لشاشة هاتفها من بين دموعها السابحة وسط رموشها
الكثيفة وكأنها سترى صاحب تلك النبرة المتلهفة المتوجسة وكم
تسمع اسمها مختلفا بصوته حتى عبر هذا الجهاز الألكتروني ..!
أربعة أحرف فقط تخرج من بين شفتيه تنسيها نفسها وكل شيء
حولها ! انزلقت دمعتها ببطء وصوته القلق المتوجس يخرج من
الجهاز مجددا
" تيما ما بك تتصلي الآن ! ...... تيما أجيبي وتوقفي عن
اللعب بأعصابي "
رفعته وهي تقطع الاتصال ودسته في حضنها تبكي بصمت ، ظنت
بأنها ستكتفي فقط بسماع صوته وستشعر بالراحة لكن ذلك لم
يزدها إلا عذاب وحرمان واحتياج لآخر شخص قد يحتاجها بذات
القدر وبذات الحنين والتعطش أو قد يشعر بها كما تشعر هي به
، حضنت ركبتيها بقوة ودفنت وجهها فيهما وأصبحت شهقاتها
المتقطعة ترتفع رغما عنها تشق صمت وظلام الليل الساكن ،
وانتفض جسدها بقوة ما أن علا صوت رنين هاتفها في حجرها
فنظرت له مجفلة ولاسمه في شاشته ولم تستطع ولا الإمساك به
ورفعه وعضت شفتها ما أن عاد للرنين فور انتهاء اتصاله الأول
فمدت يدها له ورفعته تنظر له من بين دموعها حتى انفصل الخط
مجددا وما هي إلا لحظات وأعلن عن وصول رسالة فمسحت
عيناها بقوة وفتحتها وكان فيها ( تيما أجيبي أو كنت في منزلكم
الآن قسما بمن خلقك )
فوضعت كفها على جبينها تنظر بصدمة لكلمات رسالته ولن
تستبعد أن يفعلها وهو من قطع المسافة من هنا للعمران سابقا
حين فصلت عليه الخط ووجد هاتفها مغلقا بعدها ، أغمضت
عينيها برجفة خفيفة ما أن علا صوت ذاك الرنين بنغمة
رومانسية خفيفة في صمت المكان المظلم ونظرت لاسمه تشعر
بقلبها يعتصر شوقا له وكبريائها الغبي يلومها على كل ما فعلته ،
لما تتصل به وهو لا يهتم بفعل ذلك ؟ لا سماع صوتها ولا رؤيتها
ولا حتى الشعور بما تشعر به ؟ لما هي حمقاء هكذا أم أنها
عادات النساء السيئة ؟ شعرت بالخوف من أن ينقطع الاتصال
ولا تجيب وينفذ تهديده فرفعت الهاتف لأذنها فور أن فتحت الخط
فوصلها صوته المعاتب مباشرة
" تيما ما معنى اللعب بالأعصاب هذا ؟ أخفتني عليك ظننت أن
مكروها أصابك "
مررت اناملها في غرتها للأعلى وهمست بخفوت حزين
وصوت مبحوح
" آسفة أنا لم .... أنا.... "
وخنقت صوتها عبرتها تمسك فمها بيدها فوصلها صوته الجاد
سريعا
" تيما توقفي عن البكاء قسما لن يمنعني عن الوصول لك سوى
أن أركب سيارتي وهذا ما سأفعله فورا "
" لااا ... "
قالتها مندفعة تمسك شفتيها بأطراف أناملها وتابعت بهمس حزين
" أنا آسفة شعرت فقط بأني .... أحتاج لأن أتحدث مع أحدهم "
وامتلأت عيناها بالدموع مجدداً ما أن وصلها صوته القلق
" ماذا حدث يا تيما أهما والداك مجددا ؟ "
انسابت دمعتها وهمست بحزن
" أنا أحاول فعلا أن أقنع نفسي بأن لا أهتم لكني لا أستطيع "
وتابعت تمسح دمعتها بباطن كفها
" والدتي أصبحت هنا معنا لقد انتقلت للعيش هنا بسبب
إصرار جدي "
وصلها صوته فوراً
" حسنا هذا جيد لا يفترض بك أن تحزني فالقرب يداوي الجراح
يا تيما "
نظرت ليدها التي أنزلتها لحجرها وقالت بأسى
" أخشى أن ما يحدث العكس ، لقد بكت كثيرا اليوم يا قاسم حتى
ظننتها ستموت وأني سأموت معها وتشاجرا قبل قليل شجارا
يبدوا عنيفا جداً "
وامتلأت عيناها بالدموع سريعا وهي تتابع بحرقة
" أنا لا مانع لدي فلينفصلا سأرضى بأن يموت حلمي وللأبد فقط
لترجع والدتي ليس التي أسمع حكاياتهم عنها كيف كانت في
الماضي بل حتى التي رأيتها أول مرة وقت قدومنا ، إنها تذبل
وتتحول لامرأة أخرى لا يعرفها أحد ممن عرفوها سابقا "
واكتسى الألم صوتها وخنقته العبرة وهي تتابع
" هو يحاول .. يحاول كثيرا ويحتاجها أنا أرى ذلك وأشعر به
لكنها ترفضه ومن هذا الذي سيلومها بعد كل ما حدث ؟
لو أفهم فقط لما يقول كل ما قاله للجميع ويدمرها به في كل
مرة وكأنه ليس والدي الذي عرفته كل حياتي ! "
وصلها صوت تنهيدته الرجولية الواضحة تبعها صوته
الهادئ فورا
" أنت تثقين في والدك يا تيما ؟ "
رفعت رأسها ونظرها للفراغ وقالت بتوجس حزين
" أنت تعلم شيئا يا قاسم أليس كذلك ؟ "
وتعالت أنفاسها حين لم تسمع جوابه وطال صمته فقالت تناديه
" قاسم !! "
تنهد مجدداً قبل أن يقول بذات هدوئه
" ما أعلمه أن مطر شاهين يحتاج لأن يثق فيه الجميع فهو يهب
وإن كان الثمن أن يخسر "
قربت حاجبيها الرقيقان باستغراب هامسة
" لا أفهم ما تقصد بهذا ! "
قال بعد صمت لحطة
" قد تفهمي يوما لكن ليس مني "
وما أن كانت ستتحدث سبقها قائلا
" تيما فكري للحظة لو أنك فقدت أحدهما ما سيكون أول ما
ستقولينه ؟ "
أمسكت قلبها بيدها وقالت بخوف
" لا يا إلهي لا تقل هذا قاسم أرجوك اقسم أنه يكفيني من
الحياة أن يكونا بخير وأراهما فيها "
قال من فوره وبجدية
" أرأيت سيكفيك كونهما بخير هو أفضل من فقد أحدهما ، تيما
عليك أن لا تربطي السعادة بشيء محدد في الحياة ، لا تري
السعادة في اجتماعهما وفي أن تكوني معهما وجهي مشاعرك
تلك لأشياء كثيرة كوجودهما قربك .. جدك .. شقيقك مستقبلك
وطموحك هكذا ستقتنعين بواقعك أكثر صدقيني "
أنزلت كتفيها وهمست بحزن
" كم سيكون ذلك صعبا "
قال مباشرة
" لا هو ليس كذلك إنها حرب مع الذات وعليك أن تكوني
الرابح فيها "
عقدت حاجبيها الجميلان مثلها وقالت وبعض الضيق عزى نبرتها
الحزينة المبحوحة
" هل تستطيع أنت توجيه مشاعرك نحو أحدهم لشخص آخر ؟
هل ذلك سهل بالنسبة لك ؟ "
قال موضحا بما يشبه الصدمة
" أنا لا أتحدث عن المشاعر بل السعادة يا تيما "
عضت لسانها داخل فمها موبخه نفسها على تسرعها وغبائها
وقالت تصلح للأمر
" كلاهما واحد السعادة مشاعر أيضا "
" بالطبع هي مشاعر لكن.... "
قاطعته بملامح عابسة
" إن كنت تحب امرأة ما ولا يمكنك نيلها أكنت ستوجه مشاعرك
نحوها لأمور أخرى ؟ أكنت ستبحث عن السعادة لدى غيرها ؟
هل تفعلون أنتم الرجال هذا ! أيفعلها والدي ؟ أهو سهل لديكم
هكذا ؟ "
وصلها صوته المتفاجئ سريعاً
" لا ... أعني ... آه يا إلهي أنا أعلن هزيمتي "
ضربت بقبضتها على ركبتها بقوة قائلة بضيق
" بل يبدوا أنك تعني ما قلت فكيف ستغير أقوالك هكذا ؟ أنت
تراعي مشاعري ليس إلا "
وأمسكت فمها مصدومة مما قالت وخشيت فعلا أن يفهم عما
تتحدث لكنه أراحها حين قال
" تيما أتلاحظين بأنك مخادعة وتستدرجينني في الكلام ليس إلا
لترسخي صورة سلبية أخرى لي في دماغك وكأنه ينقصك
نفورا مني "
اتسعت عيناها بصدمة من كلماته ونبرته الحادة وكانت ستتحدث
وتبرر لكنه سبقها متابعاً
" نحن كنا نتحدث عن العلاقة بالوالدين وبالعائلة وهاجمتني
هجوما غير مباشر وقمت باستدراجي "
قالت مدافعة
" لا لم يحدث ذلك "
وصلها صوته المتضايق فوراً
" بلى حدث بل واتهمتني مباشرة بأني رجل يمكنه التعامل مع
النساء كما يتعامل مع قمصانه القديمة "
فغرت فاها بصدمة ولم تستطع ولا الدفاع عن نفسها أمام هجومه
الذي لم ينتهي بعد وهو يتابع بذات ضيقه
" آسف لإلحاحي عليك ولانشغالي بسبب اتصالك في هذا الوقت
... تصبحين على خير "
نظرت للهاتف بصدمة ما أن أغلق الخط وكأنها تراه فيه ، ما
الذي قالته أغضبه هكذا ! أليس هو من قال ذلك ؟ كيف يقصد
العائلة فقط ؟ المشاعر ذاتها لا يمكن للإنسان أن يضعها في
خانات مختلفة ! في المرة الماضية غادر غاضبا منها وتحدث
معها الآن وكأن شيء لم يكن ثم غضب منها مجددا ! لما يتعسر
عليها فهم هذا الرجل ؟ لماذا تحن له وتحتاجه من دون الجميع !
كم هي حمقاء .
نظرت لهاتفها لبرهة وتنهدت باستلام تحبه ولا حل أمامها سوى
أن تعترف بذلك ، كتبت رسالة وأرسلتها له وكان فيها
( لم أقصد ما فهمته يا قاسم فتوقف أنت أيضاً عن اتهامي وأنا
آسفة حقا على إزعاجك )
وما أن أرسلتها ضربت جبينها ممسكة له بقوة فما كتبته فيها يدل
على أنها غاضبة أيضاً ، كم تحتاج الآن لمخططها الحربي رعد
لكان لقنها ما عليها فعله ليجعله هو من يعتذر منها ككل مرة ،
تنهدت بأسى ترثي نفسها وحالها ووقفت وغادرت المكان وعادت
للمنزل مغلقة الباب خلفها وسارت عبر الممر بخطوات بطيئة
نظراتها الحزينة تتبع خطواتها ومقصدها غرفتها ملجأها الوحيد
والمكان الذي يحتويها بجدرانها الباردة وإن كانت لا تسمع حديثها
ولا تفهمه إلا أنها لا تختلف في ذلك عن البقية وعن كل شيء ،
لكن خطواتها خانتها وتوقفت بها عند باب الغرفة للمجاورة
لغرفتها .. الغرفة التي تحوي نصفا قلبها التائهان منها ومن لم
تستطع تجاوز حلمها القديم باجتماعهما ووجودهما معا مهما
فعلت وحاولت وبأن تمحو من عقلها تلك الصورة التي عاشت فيه
لأعوام تراهما فيها معا وهي معهما طفلة ثم يزداد عمرها عاما
تلو العام ذات تلك الابتسامة في كل صورة والسعادة وهما تنامان
في ذاك الحضن الذي كان قادرا على احتواء الجميع وكل شيء
وبلادا كاملة بشعبها وثرواتها فكيف سيعجز عن احتوائهما معا
فيه ؟ اتكأت بجبينها على الباب وأراحت كفها على خشبه
المصقول وأغمضت عينيها بحزن هامسة
" ليحفظكما الله لي يا من حرمت منكما كل عمري لأنكما لستما
هكذا معا "
رفعت أصابعها المرتجفة ببطء لوجنتها ومسحت الدمعة التي بدأت
بالبحث عن طريقها عليهما مجدداً وسارت تاركة ذاك المكان
خلفها وقلبها معه وما أن أمسكت مقبض باب غرفتها انزلقت
أصابعها عنه دون شعور منها وخانتها خطواتها مجددا وهي
تعود بها حيث لا يمكنها ترك ذاك الحلم هناك أبدا .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, بسابيس and 92 others like this.
رد مع اقتباس
#9214
قديم 04-04-18, 11:03 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
شدت قبضيها بقوة وغضب ورفعت شعرها بأصابعها بعنف وقالت
بضيق وهي تخرجهم منه
" أمي لا أريد كم مرة سأقولها ؟ "
قالت الواقفة أمامها بضيق مماثل
" تصرفي بعقل ساندي أو سأخبر والدك وهو سيعرف كيف
يتصرف معك "
ضربت بيدها على فخذها حيث جالسة على سريرها وقالت برفض
غاضب
" لا أريد لا أريد ... لا أريده لما لا تفهمون هذا ؟ أنا لست
موافقة على هذه الخطوبة لن أرتبط بشخص مثله أبدا "
لم تزد كلماتها الواقفة أمامها سوى غضباً وقالت بحدة
" وما الذي يعيبه لترفضينه ؟ كل عربية في بريطانيا ستتمنى لو
فقط تخرج مع أحد أحفاد ضرار السلطان فكيف بمن يخطبها
أحدهم أو يتزوجها ؟ قولي أمرا يستوعبه العقل يا عربية "
أمسكت خصرها بيدها وقالت بضيق
" أجل فأنت وابنك إيطاليان تتشدقين علينا "
" ساندريييين "
صرخت فيها بتهديد فلوحت بقبصتها قائلة بضيق
" أمي لا أريد الارتباط به لما لا تقتنعون بأنه لي رأي في هذا
أيضا ؟ لا أريد ذاك الخنزير زير النساء إنه لا يترك فتاة وشأنها
أنا لا يمكنني العيش معه هكذا "
نظرت لها والدتها باستنكار قبل أن تقول بحدة
" ما تتحدثين عنه نحن لا نراه فوالدك وشقيقك يمدحانه كثيرا "
قالت من فورها وبذات ضيقها
" ذلك لأنكم لا ترون إلا ماله ونفوذ عائلته "
اتسعت عيناها بصدمة وصرخت فيها
" كرري هذا مجددا لأقطع لك لسانك ، أم ترين في والدك ما لم
أراه أنا فيه سنوات حياتي معه ؟ ولا تنسي يا عفيفة بأنك من
أعلن خبر الخطوبة "
رفعت الوسادة بجانبها من على السرير حيث تجلس ووضعتها في
حضنها بقوة وغضب ودفنت وجهها فيها وبكت ... في مشهد
جعل الواقفة أمامها تنظر لها بصدمة فهذه المشاهد هي الأندر في
حياة ابنتها تلك ومنذ صغرها !! فعلمت حينها بأنها تمر بضغط
نفسي كبير وأكبر من ساندرين المثال للفتاة القوية ؟ اقتربت منها
وجلست بجوارها وشدتها لحضنها ومسحت على شعرها قائلة
ببعض الهدوء معاتبة
" إن كنت تكرهينه هكذا لما فعلت ذلك يا ساندرين ؟ لما وضعت
نفسك ووالدك في ذاك الموقف ؟ لا وتريدين وضعه فيما هو أسوأ
منه الآن وأنت ترفضي ابنهم بعد كل ما حدث ! لا تؤذى والدك
الذي يحبك ورباك طفلته الوحيدة المدللة "
خرجت كلماتها المتقطعة من بين عبراتها الباكية
" أردت فقط .. أن أنتقم منه لما يفعله بي ولم أكن أتخيل أن
الأمور ستتعقد بهذا .. النحو ، أمي هو لا يحبني ولا يريدني
زوجة له هو ينتقم مني فقط كما كان طوال حياته ولست المرأة
التي تعجبه ولا التي قد يختارها شريكة "
مسحت على شعرها برفق قائلة
" حسنا أهذا ما يزعجك في الأمر ويبكيك أنه لا يحبك ؟ "
ابتعدت عنها وقالت بضيق
" أمي توقفي عن تفسير الأمور كما يحلو لعقلك "
مسحت بأصابعها الدموع من وجنتيها قائلة
" إن كان الأمر كما تقولين فهو من سيرفض الارتباط الحقيقي بك
فاتركيها تصدر عنه هو لا أنت ، التفتي لدراستك ولعملك الذي
تحبينه وأبعديه عن تفكيرك وسيذهب من نفسه إن كان كما
تقولين عنه "
عدلت الوسادة في حجرها بضيق وسندت جبينها بقبضتها تتكئ
بمرفقها عليها وهمست بعبرة مكتومة
" لن يتركني وشأني أمي ولن يتوقف عن إيذائي "
تنهدت الجالسة بجانبها بعجز ووقفت قائلة
" ما أريده أن تفكري في والدك ساندي فكوني عاقلة ولا
تخسريه بسبب هذا "
وتحركت من فورها مغادرة الغرفة ومغلقة الباب خلفها تاركة
ورائها التي رمت الوسادة من يدها على الفساتين الثلاثة المعلقة
في علاقة حديدية مشتركة تحركها عجلات على الأرض وقد
أوصلها أحد خدم تلك العائلة قبل قليل ، رمتهم بها بغضب فتمايل
الفستان الطويل الذي أصابته متحركا في الهواء ومتأثرا المعلق
بجانبه بحركته تلك وصرخت بأسى
" سحقا له ولساندرين "
وتعلق نظرها بهم تتنفس بقوة وغضب بل وبشيء من الحسرة
فلو أنه كان رجلا آخر مختلف لسعدت كثرا بهذه الفساتين
المنسوجة من الخيال واحتارت أيها ستختار وترتدي .
مسحت عيناها بقوة ما أن انفتح باب الغرفة قليلا بعد طرقتين
متتاليتين وأطل عليها منه رأس التي تساقط شعرها الأسود
الناعم علي كتفها لانحنائها للداخل وقد قالت مبتسمة
" والدتك من أذن لي بالدخول لغرفتك ولم تناديك لي فألقي
باللوم عليها طبعا "
وتحولت نظراتها للصدمة سريعا وهي تدخل قائلة ونظرها علي
عينيها
" ساندي ما بك ؟! "
وسرعان ما تحولت الصدمة لضحكة فابتسامة واسعة وهي تفتح
حقيبتها قائلة بضحكة صغيرة ونظرها عليها
" عليا أن أوثق هذه اللحظة التاريخية التي لن تتكرر أبدا قبل
أربعين عام أو يزيد ، وعلى أحدهم أن يراها "
رفعت الجالسة على السرير الوسادة الأخرى ورمتها ناحيتها
قائلة بضيق
" اخرجي من غرفتي الآن ، لا أعلم ما قلة الذوق هذه تزورين
منازل الناس في الصباح الباكر "
رفعت الوسادة من الأرض ورمتها على السرير وجلست بجانبها
قائلة بابتسامة
" لو كنت صاحبة المنزل لاعتبرتها طرده ولغادرت فورا لكن
الكلمة العليا هنا ليست لك يا معدومة "
نظرت لها بضيق فقالت من قبل أن تتحدث تفتح حقيبتها
وتفتش فيها
" حسنا فقط لا تأكليني بعينيك قبل لسانك "
وتابعت تخرج ورقة مطوية منها ومدتها لها قائلة
" انظري لهذه الأدوية المكتوب أسمائها فيها لما توصف
تحديداً فأنا لن أجد وقتا غير هذا لأنه عليا العودة للمنزل من
المطار مبكرا فاليوم هو يوم والدتي الأسبوعي لقلب المنزل
رأساً على عقب وغسل حتى الحشرات التي ليست موجودة
فيه أصلاً "
سحبت الورقة منها بضيق قائلة
" قلت لك مراراً والدتك تحتاج لعلاج نفسي بدلاً من أن تتركوها
تعذبكم نفسياً هكذا "
قالت مبتسمة
" والدتي تحتاج فقط لأن نتفهمها ونتقبلها هكذا فأمثالها لم يفدهم
العلاج النفسي لوحده "
فتحت الورقة متمتمه بضيق
" تتقبلونها أنتم وماذا عن البقية ؟ اقسم أنها تشعرني بأني
سحابة من الميكروبات كلما دخلت منزلكم وهي سبب كرهي
دخوله لرؤيتك "
ابتسمت الجالسة بجانبها ولم تعلق تراقبها وهي تقرأ أسماء
الأدوية التي نقلتها من وصفة العلاج كي لا ترى إسمه فيها
وماتت ابتسامتها فجأة تنظر لها باستغراب وملامحها تتجهم
ببطء قبل أن تقف وتبعتها بنظراتها وهي تتوجه للمكتبة الصغيرة
الموضوعة في غرفتها وأخرجت من بين الكتب الموجودة فيها
كتابا سميكا ثقيلا وورقت فيه تبحث في بعض الصفحات بإصبعها
وكأنها تبحث عن كلمة بتسلسل أحرفها قبل أن تغلقه وتنظر لها
قائلة بضيق
" لمن تم وصف هذا العلاج ؟ لا تقولي بأنه لشقيقك الذي اعلق
آمال مستقبلي عليه "
نظرت لها باستغراب ورغم صدمتها وخوفها ودون شعور منها
أن يكون المرض خطيرا إلا أن آخر ما قالته صدمها أكثر
وهمست بعدم تصديق
" تعلقين آمالك عليه "
قالت التي أعادت الكتاب مكانه بحركة غاضبة
" بلى لعله يخلصني من ذاك الهازاني الوقح "
تمتمت الجالسة على طرف السرير ببرود ما أن تخطت صدمتها
" وهو هازاني أيضا ، ثم هو يكرهك منذ ذاك الموقف وإسقاطك
له من فوق سياج الحديقة حين كان صغيراً "
أمسكت خصرها بيديها وقالت بضيق
" ولما يحاسبني على ما كان وحدث ونحن أطفالاً ؟ ومعك حق
ماذا أريد به فهو كان طفلا بكاء مدلل يثير الاشمئزاز يركض
لوالدته باكيا إن قلت له ابتعد من الطريق "
حركت تلك كتفيها قائلة
" لا أعلم لما ترسخين في دماغك صورا لطفولة بعيدة ؟ نحن
نكبر ونتغير ساندي "
رمت يدها بلامبالاة متمتمه
" لن تقنعيني بأن ذلك لا يؤثر علينا مستقبلا "
تنهدت بيأس منها وقالت
" المهم أخبريني الآن ما الذي جعلك تستائي فيما قرأته "
لوحت بالورقة في يدها قائلة بسخرية
" من وصف له هذا العلاج تعرض لتسمم بسبب جرعة كحول
زائدة فإحداها يستخدم لتنقية الدم من الكحول "
نظرت لها بصدمة لم تستطع اجتيازها بسهولة وهمست ما
أن وجدت صوتها " جرعة ماذا ! "
رفعت الواقفة هناك كتفيها وقالت
" تسمم كحولي كنانة كم مرة سأعيدها ؟ لم أعرف اسم الدواء
الثالث ويبدوا أنك نقلته بشكل خاطئ أما الإثنين الاولين
فواضحان لا تحتاج لنقاش "
وما أن أنهت حديثها راقبتها وهي تقف بملامح متجهمة وكأن
الموت دخلها وقالت باستغراب
" لمن تم وصف هذه الادوية كنانة هل شقيقك مدمن على
الكحول فعلا ؟ "
نظرت لها بضياع لبرهة قبل أن تحرك رأسها نفيا دون أن تتحدث
فلا مقدرة لها ولا على محاولة فعلها وتحركت جهة باب الغرفة
لم تستطع ولا التعليق على الفساتين التي انتبهت حينها فقط
لوجودها .
*
*
*
جلست مجفلة ومبعدة تلك الذراع عنها ومررت أصابعها في
شعرها الذي لم يتخلص من كل تلك المياه بعد وبشكل جيد تنظر
بأنفاس متصاعدة للذي جلس ووضع سبابته على شفتيه قبل أن
يشير بها خلفها فالتفتت برأسها فورا وشعرت بقلبها انفطر حزناً
ما أن وقع نظرها على النائمة على الأريكة قرب السرير منكمشة
على نفسها بدون غطاء وامتلأت عيناها بالدموع تنظر لها بحزن
قبل أن تنتقل نظراتها تتبع حركة الذي غادر السرير ومر من
أمامها يلبس قميصه وفتح الباب وخرج مغلقا له خلفه فدفنت
رأسها في يديها تتخلل أصابعها ذاك الشعر الكثيف الرطب قبل أن
تبدأ بضربه بهما ضربات قصيرة متتالية ومررت أناملها فيه حتى
نهاية عنقها تنظر للحاف الذي يخفي نصف جسدها بضياع ، تذكر
.. أجل تذكر جيدا كل ما حدث وكيف استسلمت له مجددا .. لكن
لا..! أكانت أوهام ؟ أهي تخيلات فعلا ! رفعت أناملها المرتجفة
لياقة البيجامة الحريرية التي لم تكن تلبسها سابقا وأخفضت
رأسها ونظرها بتوجس وهي تنزل بأصابعها لأزرارها تفتحها
ببطء وحدقت بصدمة للحقيقة التي حاول عقلها الهرب منها وها
هو الدليل القاطع يتركه على جسدها مجددا .
شدت ياقتها بقوة وملات الدموع الحارقة مقلتيها .. فها هو يثبت
لها فشلها مجدداً ويقتلها في داخلها بدلا من أن تقتله هو !
يثبت لها وبكل قسوة بأنها تحييه في داخلها كلما حاولت قتله .
أغلقت فمها بيدها الأخرى وأنزلت رأسها دموعها تتقاطر في
حجرها تتذكر ما ظنته مجرد حلم أو وهم صوره لها عقلها النائم
معه ، لم تتفاعل معه بقوة ما حدث تلك المرة لكنها استسلمت
وأطاعت وانسرقت من نفسها ، لم تمنعه لا هي ولا دموعها ولا
رجاءاتها الهامسة أوقفت كل ذلك .. لقد أسمعته مجدداً عباراتها
الراجية أن يتوقف عن جرحها بكل تلك القسوة أن لا يحطم نفسه
في داخلها أكثر .. أن لا يكون وجراحه عليها وجعلته يهذي
مجددا باسمها يعدها بما يخلف فيه في كل مرة يعتذر عما لا
شيء يمكنه محوه ولا التكفير عنه .
مسحت دموعها بقوة وغادرت السرير بل والغرفة بأكملها بعدما
غطت النائمة على الأريكة باللحاف وسارت نحو بهو المنزل وكما
توقعت كان والدها هناك يجلس على أقرب أريكة لممر جناحه
ودون أن ترفع نظرها بالواقف فوقه يديه في جيبي بنطلونه ينظر
لها سارت نحوه وما أن وصلت عنده قبلت رأسه هامسة
" صباح الخير أبي "
وجلست على الأرض من فورها عند ساقيه واتكأت برأسها على
فخذه فرفع يده له ومسح على شعرها الرطب فأغمضت عينيها
ببطء تشعر بحجم الإحراج الذي هي فيه بسبب الواقف قربهما
فلن يكون والدها بالغباء الذي لن يفهم به ما حدث والمواجهة
الآن ستكون أفضل وعليها أن تشكره لأنه فتح لها بابا جديداً لأخذ
حقها منه ، قالت بهدوء ولازالت تغمض عينيها
" أبي أخبر ابن شقيقك يبتعد عن غرفتي مستقبلا "
فضحك الموجه حديثها له ورفع نظره للواقف فوقه مبتسما لم
تفارقها نظراته والذي دار حول الأريكة حتى كان عندها وانحنى
لرأسها وقبله ومسحت يده على شعرها قبل أن يغادر من هناك
بخطوات واسعة جهة السلالم نظراتها الجامدة الميتة تتبع ذاك
الحذاء الجلدي الصيفي الذي يكشف تفاصيله قدميه والساقان
الطويلتان اللتان يغطيهما القماش الأسود لبنطلونه الرياضي قبل
أن تنتقل تلك الأحداق السوداء للفراغ وانزلقت آخر دمعة من
طرف الرموش التي اطبقت عليهما ببطء لازالت تشعر بتلك الكف
والأصابع التي كانت تمسح على شعرها برفق وحنان ووصلها
صوته هادئا عميقاً
" غسق عليك أن تعلمي أن مطر لم يكن يف..... "
فقطعت كلماته بجلوسها مستندة على ركبتيها مبتعدة عنه وقد
مدت أناملها لشفتيه وهمست برجاء حزين
" تحدثنا معا وتوصلنا لما يرضي كلينا أبي "
ابتسم من فوره بحنان وأمسك يدها وقبل كفها هامسا
" وذاك عين العقل يا غسق يكفينا جميعنا ضغطا على أعصاب
ذاك الرجل فهو له طاقة مهما كان "
أسدلت جفنيها الواسعان مبعدة نظرها عنه مبتسمة بحزن ومرارة
فها هم جميعهم متشابهون يرونه عظيما لا يجب أن يخطئ وإن
اعترف بخطئه ذاك ، لكن قلبها يرفض اتهام هذا الرجل أيضا
فعليها أن تراه كابنتها تماما يبحث عن سعادتها معه فهو والدها
قبل أن يكون عمه وإن لم يراها إلا الآن لكنه يعلم بوجودها وحرم
منها مجبرا .
وقفت وجلست على الأريكة بجانبه ونامت في حضنه فحضنها
بذراعيه فورا وقبل رأسها وقال
" خلقنا لنخطئ فنستغفر ويغفر الله لنا .. هذا وهو خالق كل شيء
فهل سنستثني أنفسنا ؟ خلقنا من الجراج وللجراح يا غسق إنها
تعلمنا وتقوينا "
ملأت دمعتها عينيها الواسعة مجدداً ونظرت للفراغ هامسة بحزن
" أجل هي تعلمنا أبي وإن لم تقوينا " .
*
*
*
عبر الشارع بخطوات ثقيلة غاضبة واجتاز الطريق الفرعي حتى
كان أمام الباب الذي لازالت تخرج منه أصوات الموسيقى
الصاخبة رغم بزوغ ضوء النهار ، دفع الخارجان أمامه بقوة
وعبر بينهما تاركا نظرات مصدومة حانقة تتبعه لم يكترث لها
ولا لأحد ولا أي شيء مر به ونزل السلالم اللولبي الخشبي ولم
تزده تلك الروائح التي استقبلته سوى غضب واحتراق يمسك
هاتفه في يده يتحدث صارخا فوق صوت الموسيقى المرتفع مع
الذي كان يريه بالهاتف كل ما يحدث أمامه " انظر لشقيقتك
وما نهاية أفعالها وما الذي ورطتني به قبل ذهابك ؟ قسما لو كنت
مرتبطا بها فعلا لكنت دفنتها أمام باب هذا المكان العفن ولكنت
علمت كيف أربيها من جديد فخلصني من هذه المصيبة التي
تركتها لي فقد طفح بي الكيل يا مطر "
صرخ بآخر كلمة قالها بأعلى صوته لوصوله لصالة الرقص في
الأسفل وتحرك فورا ناحية التي كانت تمسك كأس شراب تجلس
بين رجلين نظراتهما الوقحة تكاد تعريها من ثيابها تضحك دون
توقف وما أن وصل هناك فصل الاتصال مع من في الطرف الآخر
فقد رأى كل ما عليه رؤيته ، وما أن وصل عندها لم تزده تلك
النظرات الباردة ألا مبالية التي رمقته بها سوى اشتعالاً فأمسك
الكأس من يدها ورماه على الأرض بقوة محطما له وما أن كانت
ستصرخ محتجة تجمدت ملامحها وتلك اليد تهوي على وجهها
مما جعله يستدير بقوة بسبب الصفعة التي وجهت له وما أن
استعادت توازنها ورفعت رأسها كانت الصفعة الأخرى في
استقبالها رافقتهما صرختها العالية فقفز الجالسان على جانبيها
واقفان من الكراسي المرتفعة التي تحيط بالطاولة الخشبية
المقوسة خلفهم وما أن تقدم أحدهما ناحيته يحاول إمساك ياقة
سترته أمسك رسغه وشد عليه بقوة ضاغطا على أسنانه ولوى له
ساعده للخلف بقوة أشد حتى سمع صوت احتكاك مفاصل مرفقه
وضرب بمرفق يده الأخرى الذي كان سيباغته من الجانب الآخر
فأصاب وجهه وأنفه تحديدا بقوة مما جعله يتراجع متهاويا على
الأرض يمسك أنفه ويسند نفسه بالكرسي قربه ينظر بغصب للذي
نظر له وبصق عليه وأمسك بيد التي كانت تنظر له بصدمة تمسك
خدها بيدها الأخرى وسحبها بقوة خارجا بها من هناك وصعد بها
السلالم مرغمة متجاهلا صراخها المحتج وتمسكها بخشب السياج
يسحبها في كل محاولة لها بالقوة لم يهتم ولا بتعثرها أكثر من
مرة حتى كانت ستسقط أرضاً ، ولم يتوقف حتى خرج بها من
هناك وسار بها عبر الشارع ولأن الوقت كان مايزال مبكرا لم يكن
في الشوارع سوى بعض السيارات التي لم يهتم راكبيها أساسا
بمن كان يعبر الطريف يسحب خلفه امرأة تصرخ باكية في مشهد
اعتادته تلك المجتمعات .
وما أن وصل المبنى السكني المرتفع دخل وصعد بها حتى وصل
لباب غرفتها المفتوح ودفعها نحو الداخل بقوة جعلتها تسقط على
الأرض قرب سريرها الذي استندت عليه بساعدها ورفعت رأسها
ووجها له تبعد شعرها الطويل المموج بغضب فضرب الباب خلفه
ما أن دخل وأدخل يده في جيب سترته وأخرج هاتفه واتصل
هاتفيا هذه المرة بالذي أجاب عليه فورا ففتح مكبر الصوت
وصرخ بغضب ناظرا له
" ها هي هنا أمامك "
ووجه الهاتف جهتها فخرج لها ذاك الصوت المبحوح الغاضب
الذي ارجف جسدها فورا
" غيساااااانة قسما أنك جلبت نهايتك لنفسك بنفسك "
مسحت وجنتيها المليئتان بالدموع بظهر يدها المرتجفة وصرخت
ما أن تخطت مرحلة خوفها المعتادة من صوته الغاضب "
لا أحبكم ولا أريدكم .. متى ستفهمون هذا ؟ أتركوني أعيش كما
أريد أنا ثم احكموا على طريقة حياتي وعلى نجاحي فيها ،
اتركوني وشأني إن كنتم جميعكم لا تريدون وجودي في حياتكم "
خرج ذاك الصوت الغاضب مجدداً من الجهاز المعلق في الهواء
بيد صاحبه
" وما الذي فعلته يجعلك تتمردي هكذا يا غيسانة فأنا لا
أفهم سبب ما تفعليه الآن جيدا ، هل امتدت يدي عليك يوما ؟
هل فرضت عليك أي شيء لا تريديه أم سعيي لتكوني وتعيشي
امرأة شريفة هو الخطأ ؟ هل السهر في الحانات ومصادقة الرجال
والعبث والنوم معهم هو الحياة التي تريدينها ؟ انظري حولك من
هي السعيدة منهم بتلك الحياة الرخيصة ؟ "
صرخت تنظر لذاك الهاتف وكأنها تراه هو أمامها أو يراها
" أجل فأنت المسلم الراهب هو السعيد في حياتك وأميرتك
الحسناء تقدر لك ذلك ؟ توقفوا عن الكذب على أنفسكم أنتم
المسلمون فالرجال هنا منغمسين فيما تقولون عنه محرم
ونسائكم يعيشون الذل معكم لأنها بالطبع لا يمكنها فعل ذات
الشيء مع رجل آخر ورميكم كالحذاء البالي "
مرر الممسك للهاتف أصابعه في شعره ونظر للأعلى متمتما
" قسما أنك فقت عبارة امرأة ميتة "
رفعت نظرها له وصرخت فيه بغضب
" اصمت أنت وابتعدوا عن حياتي ، وهذا الدم الذي يجمعني
بكم سأخرجه مني وأرتاح "
سبقه من كان يسمعها مثله قائلا بحدة وتهديد
" قسما يا غسانة بمن خلقك وخلقني أن تكوني هنا في منزلي
عند أول تجاوز آخر فلن يعجزني أمر إخفائك عن الناس وأنت هنا
عندي ، اتصال واحد فقط من شاهر ما سيفصلك على أن تكوني
جالسة في الطائرة التي ستحضرك هنا للبلاد مفهوم ؟ "
وما أن بدأت الكلمات الغاضبة والسب بالتدافع من شفتيها فصل
الواقف هناك الخط ودس هاتفه في جيبه وقال بجمود للتي كانت
تنظر له بحقد يحرق مقلتيها الخضراء
" قسما أني لم أرى من هو برفق شقيقك في التعامل مع
المنحرفين أمثالك ، لو كنت مكانه لدفنتك حية "
وفتح الباب وخرج ضاربا له خلفه بقوة يتبعه صراخها الغاضب
جالسة مكانها على الأرض
" هو ليس أقل منك في شيء يا متخلف يا رجال الكهوف "
ووقفت بعدها تبعد خصلات شعرها التي علقت في وجهها بغضب
وتوجهت لخزانتها فتحتها بقوة وأخرجت ألبوم الصور الذي كانت
تحتفظ به تحت ثيابها وتوجهت لسريرها وجلست عليه بغضب
ووضعته أمامها وبدأت تورقه بقوة تخرج منه صورا معينة
وترميها جانبا متمتمه بغضب
" وغيسانه تعرف كيف تحول حياتك لجحيم أيضا يا مطر
شاهين "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 81 others like this.
رد مع اقتباس
#9215
قديم 04-04-18, 11:05 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
وقف بالسيارة أمام باب المنزل الخارجي ونظر للتي تشيح
بوجهها عنه طوال الطريق لم تتحدث ولم يتحدث هو أيضا ولا
شيء يقوله كما سبق وقالت له لكن تنفيذ ذاك القرار كان أشد مما
توقع ، أمسك بيدها ما أن مدت يدها الأخرى لمقبض الباب لتفتحه
وقال ناظرا لما يظهر له من ملامحها
" سأتحدث مع صديق لي سيساعدك وأساعدك من خلاله "
سحبت يدها منه وفتحت الباب ونزلت قائلة ببرود
" وفر تعاطفك لنفسك أنا لا أحتاجه وقادرة على حماية نفسي "
وضربت الباب خلفها وتوجهت لبوابة المنزل تاركة وراء ظهرها
الذي ضرب المقود براحة يده بقوة شاتما من بين أسنانه بينما
تابعت هي خطواتها السريعة الواسعة حتى دخلت من باب المنزل
فأوقفتها اليد التي أمسكت بذراعها وأدارتها بقوة لتجد نفسها في
مواجهة صاحب تلك الضحكة الخبيثة قائلا
" مرحبا بالغزال .. أين كنت يا جميلة ؟ "
نظرت لعينيه بصمت ولم تتحدث فقال مبتسما بمكر
" ذهبت له أليس كذلك ؟ وطردك بالتأكيد "
أخفت ابتسامة ماكرة تشبه ابتسامته وقالت بجمود
" هو كما قلت عنه تماما لقد سقطت ورقتي الرابحة
بالنسبة له "
وتمنت أن مزقته بأسنانها ما أن رفع رأسه ضاحكا قبل أن ينظر
لها قائلا
" خانك ذكائك إذا ولأول مرة يا فاتنة ؟ وكما أخبرتك العقل
والقلب إن اجتمعا على الشخص الذكي حولاه لأحمق لكن الفرصة
لم تضع منك بعد "
نظرت له بصمت لبرهة قبل أن تقول
" لما أنت واثق من أنه طردني ؟ ألا أكون أتلاعب بك مثلا ؟ "
ترك ذراعها وقال مبتسما ومؤكدا لها ما أرادت التأكد منه
" لا بالتأكيد فأنا واثق من أن ذلك ما حدث وبأن نظرتي له
صحيحة .... "
وتابع لافا ذراعه حول كتفيها وسائرا بها جهة ممر غرفتها
" تعالي يا حليفتي ثمة ما عليك رؤيته لتعلمي بأنه عليك أن لا
تثقي بأحد .. بأي أحد سوى من تجمعك به مصالح مشتركة
وهدف واحد وعدو واحد أيضاً فيكون كلاكما مستفاداً من
وجود الآخر حيا "
اشتدت أصابعها في قبضة واحدة وقالت ببرود تنظر لأرضية
الممر الرخامية أمامها
" أتعني بأنه على أحدنا أن يقتل الآخر نهاية الأمر ؟ "
ضحك ووقف بها أمام باب غرفتها ونظر له وقال بابتسامة ماكرة
" إن شعر بخيانته له بلى .. وبطريقة نظيفة لا تلطخ يده بالدماء
طبعا "
لم تتغير نظرتها الجامدة له رغم ما قاله .. هو تهديد واضح
وصريح إذا ؟ لكنه أحمق إن صدّق بأنها تخافه أو تخاف الموت ،
قالت بجمود
" أنت تأخذني من مبدأ كن حليفي أو لا تكن أبدا ؟ "
نظر لها رافعا حاجبه بدهشة قبل أن يفتح الباب ويدخل قائلا
" يعجبني ذكائك يا نصف الخماصية .... تعالي انظري "
وما أن دخلتها نظرت فورا له وهو يتوجه نحو شاشة التلفاز
الخاص بالغرفة والذي لم تكن تستخدمه سابقاً والذي اشتغل ما
أن صفق له بيديه فانفتحت عينيها بصدمة للتي ظهرت في
الشاشة جالسة مع ثلاث نساء إحداهن تمسك طفلا في حضنها
والاخرى يجلس طفلان عند قدميها ولم تكن سوى التي بحثت
عنها كثيرا قبل مغادرتها من هنا ولم تجدها وظنت بأنهم
اختطفوها وسجنوها أو حتى قاموا بقتلها ! ارتجف جسدها ما أن
أخرجها الواقف بجانبها من شرودها وصدمتها قائلا بسخرية
يشير بإبهامه للشاشة
" أتري ... ؟ هؤلاء عائلتها .. بناتها وأحفادها ، أليست هي
من أخبرتك بأنه لا أحد لها ؟ "
لم تزح نظراتها المصدومة عن تلك الصورة في الشاشة وحدث
ما كانت تتوقعه تماما وتحدثت الجالسة في المنتصف قائلة بهدوء
حزين
" زيزفون أنا آسفة فأنا كنت في مهمة .. مهمة محددة فقط
الغرض منها الوصول لداعمك الأساسي ، لقد أحببتك كثيرا
تعاطفت معك تمنيت حقا أن تجدي السعادة لكن عدوك أقوى
منك ومني ومن أن أشي به وأقف في صفك ، لقد وصلوا لحلقة
الوصل بينك وبين مطر شاهين وسيحركونه كما يشاؤون ولن
يكون لأحد السلطة لمنع ذلك فعليك البحث عن حليف جديد أقرب
لك ممن يسكنون تلك البلاد "
ارتفع صدر المتحدثة عبر تلك الشاشة وقد سحبت نفسا عميقا
قبل أن تحرره وتتابع بروية
" لا تثقي في يمينك أكثر من شمالك ولابد للقمر أن يكتمل يا
زيزفون والشر لا يتسع لشخصين كما الخير ايضاً فكوني مع
من يريد مصلحتك إنه أقرب لك الآن من أي شخص "
وأظلمت تلك الشاشة بعدها على الفور وعيناها لازالتا محدقتان
بها .. ثمة لعبة ما في الأمر ؟ لقد حاولت مربيتها شرحها لها
والرموز في نصف حديثها الآخر أكبر دليل وهي كانت تعلم بأنها
ستفهمها بسهولة وسيجهلها غيرها وأولهم الواقف بجانبها
الآن من لن يكون السبب الأساسي لدس هذه المرأة بينهم لكل
تلك الأعوام بالتأكيد ! إنه شخص آخر استغلها كما استغل هذا
المغفل الآن يغريه بنظريته الفاشلة التي كان يتبجح بها أمامها
قبل قليل وهي المصالح المشتركة لكن من ! من قد يفعل كل ذلك ؟
سيكون الجواب لدى هذا الأحمق بالتأكيد إلا إن لم يتقوا به أيضاً
واستخدموه باستدراجه فقط بمحاربة عدوه لأنه سيكون وبكل
بساطة ... وقاص ، فهو لا يرى عدوا له غيره وعقدة النقص
الموجهة ناحيته تجعله عدوه في المقام الأول ولن يعنيه مع من
يقف ولماذا إن كانت النتيجة تدميره ، لذلك هي ستتعامل معه من
ذات المنطوق تستغل نقطة ضعفه تلك لتصل لعدوها الحقيقي
وعليها اللعب وحيدة من الآن وصاعدا لن تعتمد على أحد لا خالها
ولا ابن شقيقه ولا حتى وقاص من ظنت بأنه مختلف حقا عن
أفراد هذه العائلة وأخطأت فهو في النهاية ابن جده ابن ضرار
سلطان لن يعصيه في شيء وهي الغريبة عنهم هنا .
ابتسمت بسخرية ورفعت ذقنها عاليا بثقة ، لن تعتمد بعد اليوم
على أمثاله .. انهزامي فاشل لم يجد إلا الهرب حلا بديلا عن
مواجهة ضعفه أمامه فلن يستطيع أن يقول له كلمة ولا لمرة
واحدة في حياته حتى أنه يبتزه بالحديث فقط ليفعل ما يريد بينما
هذا الجرذ الواقف بجانبها أثبت بأنه أقوى منه في مواجهة ذاك
الرجل حتى أنه يستمر في أسلوب حياته المنحرف دون أن
يكترث لتهديداته .
" ما المطلوب مني إذا ؟ "
قالتها بجمود دون أن تنظر له فأراح ذراعه على كتفيها مجددا
وهمس مبتسما عند أذنها
" تفعلي ما سأطلبه منك فقط "
وقبل خدها قبل أن يغادر من هناك بخطواته الكسولة المعتادة يديه
في جيبي بنطلونه فمسحت خدها بضيق واشمئزاز تراقبه نظراتها
وهو يبتعد خلف الباب الذي أغلقه خلفه وانهارت حينها جالسة
على الأرض تنظر للفراغ بجمود وشرود قبل أن تسدل جفنيها
ببطء هامسة
" إسحاق سامحني يا شقيقي إن فقدت حياتي قبل أن
أراك مجدداً "
*
*
*
سار خلفها بخطوات بطيئة يديه في جيبي بنطلونه يراقبها تسير
أمامه أناملها تلامس حافة سياج الجسر ونظرها يهيم في مياه
النهر تتلاعب النسائم بخصلات شعرها البني الناعم وغرتها
المتطايرة أمام عينيها لم تهتم ولا بإبعادها سوى بحركات خفيفة
متفرقة من رأسها أو حين تنظر عاليا للسماء واختارت أخيرا أن
تقف قرب أحد الأعمدة ولفت ذراعها حوله تقف على حافته
بطرف قدمها والأخرى معلقة في الهواء تمرجح جسدها بحركة
خفيفة ولازال نظرها يهيم على امتداد ذاك النهر الطويل الواسع
فهي من اختارت هذا الجسر تحديدا من بين خمسة عشر جسرا
تمتد على ذاك النهر الطويل الذي يشق طريقه وسط تلك العاصمة
الكبيرة وهو وافق فورا ويبدوا أنه بات يمتع نفسه فعليا
بمراقبتها وترجمة تصرفاتها فها هو يراها تحاول عزل نفسها
عنه مجدداً لتتقوقع في صمتها الرقيق المشابه لها في كل شيء
وكم يكره عزلتها تلك ولم يحاول أن يفهم لما .. إنها تشعره في
كل موقف مشابه بأنها تريد الابتعاد عنه أيضا ولا تحتاجه حين
تكون في قمة احتياجها لشخص ما .. هذا هو التفسير الوحيد
الذي يبدوا بأن عقله يجده لذلك فيصل به للجنون في كل مرة .
اقترب منها ووقف خلفها مباشرة ومرر يده على خصرها ببطء
حتى طوقته ذراعه وشد جسدها له برقة فها قد علّمته حتى أن
يتعامل معها بذات الأسلوب وفي كل شيء وكل مرة وجعلته يفهم
بأنها تحتاج لما يشبهها في كل تصرف يتصرفه معها .. بل هي
تسحبه نحوها في جميع حالاتها وحتى في غضبها ، في انعزالها
عنه وفي تقربها له .
اتكأت برأسها على كتفه فأنزل رأسه ونظر لوجهها ولعينيها
المحدقة في السماء المليئة بالسحب البيضاء المتفرقة قبل أن
تدير نظرها ووجهها ناحيته وابتسمت له برقة ورفعت رأسها
أكثر وقبلت طرف ذقنه وعادت بنظرها سريعا للبعيد مبعدة رأسها
عنه ووضعت يدها على يده المحتضنة لخصرها تتحرك أناملها
الرقيقة على أصابعه برقة وقالت بابتسامة جانبية
" ما سيكون موقفك إن رأتنا ابنة الجنرال مصادفة ؟ "
أبعد نظره لامتداد النهر البعيد أيضاً وقال بابتسامة مائلة
" للجحيم هي ووالدها ، لا أحد يتحكم فيما أريده وما أرفضه "
ابتعدت عنه واستدارت ناحيته وخطت خطوة للخلف ونظرت له
بشك مبتسمة بمشاكسة فابتسم مبعدا شفتيه بانفراج طفيف
ومد يده نحوها وقال
" تعالي لأثبت لك "
فضحكت هاربة منه وتحركت تسير للخلف ناظرة له وقالت
مبتسمة
" لن يحدث هذا أنت معاقب "
فابتسم وتحرك نحوها وهي تبتعد عنه لازالت تسير للخلف وقال
يدس يديه في جيبيه
" كاذبة ... لقد قلتها سابقا وتراجعت وما فعلته البارحة
أكبر دليل "
وقفت حين أصبحت بعيدة عنه بمسافة ومالت للأمام بطريقة
طفولية استفزازية وقالت
" ولما لم ترفضني يا رجل المهمات الصعبة ؟ "
وصرخت راكضة ما أن ركض جهتها لكن إدراكها كان أسهل ما
قد يفعله وكان خصرها في قبضته سريعا ونزل لساقيها فصرخت
بضحكة ما أن رفعها منهما عاليا وتوقعت أي عقاب إلا ما فعله
حينها وهو يحني جسدها بكل خفة وحرفية أسفل سياج الجسر
المنخفض ليتعلق في الهواء يمسكها من قدميها مطوقا لساقيها
بذراعه ويده الأخرى ليصبح نصف جسدها مقلوبا في الهواء
فأغمضت عينيها وصرخت تمسك سترتها التي بدأت تنزلق منها
" لا تيم أرجوك أنا أتراجع عما قلت "
لكن الممسك بها في الأعلى مبتسما لم يكتفي بذلك فقط فقال
بصوت مرتفع قليلا لتسمعه لأنه يعلم بأن الهواء يضرب أذنيها
بقوة وهو الخبير في هذا
" أقري الآن بجميع أسرارك التي تخفيها عني "
فصرخت من فورها تمسك سترتها بقوة لازالت تغمض عينيها
بقوة
" تيم أرجوك سأسقط "
تجاهلها قائلا بابتسامة
" تكلمي بسرعة "
قالت بضحكة صارخة
" أكرهك "
فاتسعت ابتسامته وقال بصوت مرتفع لتسمعه
" قولي كذبة أصدقها "
لوحت بيدها في اتجاهه للأعلى قائلة بضحكة
" يالك من مغرور "
قال ينظر لها من الأعلى
" هيا أو أوقعتك "
غطت عينيها بيدها وقالت بصوت مرتفع تشعر بالدماء تتجمع في
رأسها
" إن وقعت سأموت وإن مت فلن تجد من يبكي عليك حين تموت
ولا من يدفنك في قلبه للأبد ولا من يزور قبرك ليبكي فوق ترابه
يدعي لك "
ابتسم بلمحة حزن وحنان لم تعرفه ملامحه سابقاً منذ فقد والدته
وصرخ ينظر لها
" هيا ووفري على نفسك قول كل هذه الحماقات "
فصرخت بالمثل
" تبا لك يا أحمق يا بارد "
وما أن أنزل جسدها أكثر منحن بجسده قليلا صرخت
" لا تيم يكفي أقسم سأصاب بالدوار "
أنزلها أكثر وبسهولة فوزنها أمام قوته لا يساوي شيئا فصرخت
من فورها
" حسنا سأقول ... "
غطت كامل وجهها بكفيها وقالت
" أنا من سرقت الميدالية الجلدية التي كنت تبحثت عنها كثيرا ولم
تجدها لكن ظافر وجدها وأخذها مني "
حرك رأسه وقال بصوت مرتفع
" كنت أتوقع ذلك يا سارقة ... هيا ما بقي من جرائمك ؟ "
حاولت إبعاد السترة المنزلق جانبيها على وجهها وقالت تغمض
عينيها بقوة
" كانت زوجة عمي تضربني صباحا لأني أسرق الطعام وآخذه
لكما ولا تعلمان أني سرقته "
عادت تلك الابتسامة للارتسام على شفتيه مجددا وقال
" سارقة محترفة إذا "
فصرخت من فورها
" هذا فقط تيم اقسم لك هيا ارفعني قبل أن أموت "
قال بابتسامة جانبية
" قولي أولاً أنك تحبينني "
" لاااا "
قالتها صارخة برفض فترك إحدى قدميها فصرخت ضاحكة تترجاه
أن ينتظر قليلا فقال
" هيا افتحي عينيك وقوليها فوراً "
أبعدت يديها وفتحتهما ببطء في مواجهة الريح مضيقة لهما وهما
تمتلئان بالدموع وفردت ذراعيها وصرخت مبتسمة
" أحبك تيم أحبك هكذا باتساع الكون بأكمله فارفعني هيا قبل أن
تقتل الشخص الوحيد الذي يحبك في العالم "
ابتسم وسحبها ببطء عمدا حتى تعلقت بحديد السياج ما أن وصلته
وما أن أصبحت على الرصيف في الأعلى انهارت جالسة عليه
واتكأت على السياج خلفها مغمضة عينيها تمسك فمها بيدها
تتنفس من أنفها بقوة رافعة رأسها للأعلى قبل أن تهف على
وجهها بيدها وقالت وعيناها ما تزالان مغمضتان
" سأتقيء سيغمى عليا .. سأموت "
فضحك بخفوت من جلس بجوارها ونظر ناحيتها ورفع يده في
الهواء فوق وجهها مفرودة الأصابع وقال
" زوجك يقفز هكذا من طائرة مرتفعة في الجو نزولا للأرض ...
أخجل أن أقول أنك زوجتي "
وما أن نزل بكفه وأصابعه المفرودة على وجهها أبعدتها عنها
وانزلقت على كتفه هامسة وعيناها ما تزالان مغمضتان
" سأموت الآن ولا تتزوج بعدي فقسما ستخرج لكما روحي ليلا
ولن أتركك تقترب منها أبدا "
ابتسم بضحكة خفيفة وحضنها بذراعه وقال بمكر
" لا بأس لدينا النهار بطوله فالأشباح لا تظهر في النهار "
عضت شفتها وفتحت عينيها وغرست سبابتها جهة قلبه بقوة
تحركه بطريقة دائرية حتى تقلص صدره بطريقة دفاعية وأمسك
يدها بسبب الألم الذي سببته له فقالت من بين أسنانها تحاول
فعلها مجددا
" علي أن أصل للموجود هنا وأقتلعه الآن "
شد أنامله على قبضتها ورفعها لشفتيه قبلها وقال مبتسما
" تقتليني ماريا !! "
خبأت وجهها في صدره أكثر وقبلت مكان غرزها لأصبعها قبلة
رقيقة طويلة تشعر بنبضات الموجود تحت الأضلع والتي يخفيها
قميصه القطني المشدود على جسده وعضلاته القوية البارزة
وهمست بحزن تحضنه مطوقة لجسده بذراعيها بقوة
" أموت إن تركتني في هذا العالم وحدي تيم .... أموت وإن كانت
ساعتي لم تحن بعد ... أموت بالحياة قسما "
ضمها له أكثر وقبل رأسها ودفن ملامحه في ذاك الحرير البني
يستنشق بخدر رائحة ذاك التوت البري وهمس يمسك ابتسامته
" وأنا إن مت سأتزوج بأخرى أسمها ماريا أيضا فقط
من أجلك "
ابتعدت عنه ولكمت صدره وكتفه ونظرت له بعبوس فضحك
بخفوت واقترب منها مسندا يده على الرصيف تحته وخطف قبلة
من شفتيها وأتبعها بالأخرى فورا وما أن أمسكها من ذراعها
يقربها منه دفعته عنها قائلة بضيق
" ابتعد عني "
فابتسم ووقف ومد يده لها وقال
" لما لا نذهب لمكان أقل هدوئا ومن اختياري هذه المرة ؟ "
نظرت ليده واستندت على السياج خلفها وقالت بنظرة بشبه
واعية
" لا أستطيع الوقوف سيغمى عليا فورا "
ونظرت للجانب الآخر تخفي ابتسامتها على صوت الواقف فوقها
يمسك خصره بيديه
" كنت ستقتلعين قلبي من مكانه وتقتليني قبل قليل وهذا كله
وسيغمى عليك ؟ "
نظرت له وحركت كتفها مبتسمة وقالت
" هذا لأني جالسة على الأرض ألا تدرك ما فعلته بي وأنت
تمرجحني فوق كل هذا الارتفاع ؟ "
انحني جهتها هامسا ببرود
" يالكن من ممثلات بارعات يا النساء "
وابتسمت بانتصار ما أن رفعها من الأرض بين ذراعيه بسهولة
وخفة فطوقت عنقه بذراعيها وما أن سار بها رفعت رأسها عاليا
وقالت مبتسمة
" هيا اركض تيم "
رفع وجهه في مواجهة الهواء يتلاعب بشعره الكثيف الناعم
للخلف مع حركته وقال ببرود
" تحلمي بالتأكيد .. أتريني نجم سينما أمامك يا حمقاء ؟ "
ضحكت وطوقت عنقه بذراعيها أكثر وقالت مبتسمة
" جرب فقط أن تعرض عليهم ذلك وسيقبلوك فورا "
نظر لها وقال مبتسما بمكر
" وأقبّل كل واحدة أمثل معها ؟ "
رفعت رأسها تنظرت له بصدمة وضربت بقبضتها بين كتفيه قائلة
بضيق
" أقتلك حينها "
ابتسم ولم يعلق لازال ينظر لها فرمت رأسها للخلف وفردت إحدى
ذراعيها والأخرى متعلقة بعنقه واغمضت عينيها وقالت مبتسمة
" هيا تيم اركض أرجوك وسنذهب حيث تشاء "
حرك رأسه مبتسما من أفكارها المجنونة ! هذه الطفلة ستجعله
يفعل كل ما كان يراه أسخف ما يفعله الرجال لكن لا مفر أمامه
لا يريد رفض ما تطلبه يكفيها كل ما مرت به منذ أصبحت معه
ورؤيته للكدمة التي لم تشفى بعد في وجهها والجروح الجديدة
فيه والشاش حول كفها يشعره بالذنب رغم عناده المستمر في
أن لا يبعدها عنه فأسرع بخطواته تدريجيا حتى تحول الأمر
لركض كما طلبت وابتسم على صرختها الحماسية لازالت ترمي
رأسها للخلف وذراعها جانبا وصرخت ضاحكة
" يا إلهي كم هذا رائع تيم "
نظر للخط الإسمنتي الفاصل في الرصيف قريبا منهما وقال
بأنفاس متقطعة بسبب ركضه
" أجل رائع تركبين طائرة بالمجان لما لا يكون هذا رائع ؟ "
وما أن وصل له وضع قدمه على حافته وقفز بها مجتازا له
فصرخت ضاحكة وتمسكت به بقوة ما أن وصلت قدماه للأرض
مجددا ولم تتوقف عن الضحك ولا هو عن شتمه لها مبتسما حتى
كانا عند سيارته القريبة من هناك فأنزلها قربها يتلقف أنفاسه
وفتح بابها وظنته سيركبها لكنه أخرج هاتفه من جيبه وأغلقه
ورماه فيها وأخرج مفتاحها من جيبه ونزع منه جهاز الإنذار
الخاص بها ورماه بداخلها أيضا وأغلق بابها والتفت لها وقال
" خذي حقيبتك لأغلقها "
نظرت له باستغراب وقالت تبعد غرتها عن عينيها
" لن نغادر بها ؟ "
فتح الباب مجددا ومد جسده داخلها يسند يده فوق كرسيه حتى
وصل للحقيبة الجلدية الصغيرة نسبيا على المقعد الآخر وأخرجها
ورماها لها قائلا
" لا لن نغادر بها فبالإمكان تتبعي من خلالها هي والهاتف ولن
يعجبك بالتأكيد أن تظهر لنا ابنة الجنرال في أي لحظة "
مطت شفتيها بامتعاض وقالت
" هذا جيد لا تنطق اسمها أمامي أبدا "
راقبها مبتسما وهي تقترب منه ودست يدها في جيب بنطلونه
فأبعد ذراعه قائلا
" ما هذا الذي تفعلينه ؟ "
دارت حوله ودست يدها في جيبه الخلفي وأخرجت منه بطاقته
المصرفية وما أن التفت لها رفعتها أمامه وقالت بابتسامة
" وهذه أيصا سنتركها هنا "
وتابعت وهي تفتح حقيبتها
" وبطاقتي أيضا "
وما أن أخرجتها اقتربت من باب السيارة وفتحته ورمتهما تحت
كرسيه ونظرت له وفردت ذراعيها وقالت مبتسمة
" تيم وماريه الطفلان الفقيران ليوم واحد "
ابتسم وأغلق الباب وغرس المفتاح فيه وأغلق أبوابها بحركة
واحدة له داخلها ودسه في جيبه وقال وهو يسحبها من يدها
ويسير بها
" وماذا سنأكل وكيف سنتنقل يا حمقاء؟ "
نظرت لجيب بنطلونه المقابل لها وقالت
" ماذا تملك في جيوبك ؟ "
فتش في جيب بنطلونه الأيمن وأخرح ما فيه ورفعه أمام وجهها
قائلا
" ثمن سيارة الأجره ليس إلا "
ضحكت وفتحت حقيبتها قائلة
" يالك من رجل معدوم سأرى ما لدي هنا "
أخرجت ما وجدته في حقيبتها وكانت ورقة واحدة رفعتها وقالت
بضحكة صغيرة
" من أجل طعام الغداء "
فابتسم بضحكة صغيرة وضمها لكتفه مطوقا كتفيها بذراعه وسارا
قليلا حتى أوقف سيارة الأجرة التي عبرت الجسر أمامهما
وركباها وغادرا من هناك .
*
*
*
رفعت رأسها عما كانت تفعل وابتسمت للتي فتحت الباب وقالت
تراقبها وهي تدخل
" أمي ظننتك ستتأخري خارج المنزل ! "
أغلقت الباب ودخلت تنظر لجهاز الحاسوب أمامها على السرير
حيث تجلس متربعة وقالت
" سأخرج بعد الظهر مجدداً "
وتابعت وهي تجلس عند آخر السرير
" بماذا تشغلي نفسك ؟ "
ابتسمت بسعادة فهذه أول مرة تهتم بما تفعل وفعلت وتتقرب لها
هكذا ! قالت مبتسمة وهي تغلق الحاسوب
" كنت أراسل صديقة في لندن .. لا شيء مهم "
وتجنبت ذكر من تكون ورغم أنها لم تكن تود إنهاء المحادثة معها
بسرعة هكذا حتى تستفسر منها عن سبب سؤالها الملح عن أمور
والديها لكنها لم تستطع لسرية شخصية عمتها تلك ولفرحتها
بتقرب والدتها منها فكلما تذكرت بكائها البارحة وهي تحضنها
وتبكي وكل ما قالته وهي تتمنى لها رجلا لا يجرحها تفطر قلبها
حزنا عليها لكن ما أن تتذكر نومهما معا في غرفتها تشعر
بالتفاؤل وبالسعادة ، ماتت ابتسامتها وتصلبت ملامحها ما أن
قالت الجالسة أمامها باستغراب
" من صديقتك هذه وأنت قلت بأنه لا صديقات لك هناك وحتى
دراستك انتساب داخلي ولم تكوني تخرجي من المنزل !! "
بلعت ريقها تغتصب ابتسامة صغيرة وقالت
" هي ليست صديقة دراسة إنها ... إنها صديقة قديمة للعائلة
أ... أعني لجدي ووالدي منذ زمن "
وعضت لسانها داخل فمها .. الحمقاء لقد ورطت نفسها وهذه
النظرات التي تراها في تلك العينان الفاتنة أكبر دليل
" ما أسمها ؟ "
فاجاتها بذاك السؤال بغثة ولم يعد يمكنها الكذب أكثر فقابت بتلعثم
" أأأ غغغا.... غيسي أ... أعني أسمها جيسي "
وأجفلت بسبب تلك النظرة المصدومة التي رأتها في عينيها
والتي أخفتها بجفنيها الواسعان وهي تسدلهما عليهما سريعا
وهمست ببحة لم تفهم الجالسة أمامها سببها
" متزوجة ؟ "
نظرت لها بصدمة وكل ما فكرت فيه وخشيته أن تكون تضنها من
ذكر والدها أنه تركها من أجلها وهي أخبرتها الآن بأنها صديقة
للعائلة ، قالت من فورها " لا .. هي.... أعني شقيقها لم يكن
راض أن يزوجها لأي شخص "
وراقبت بتوجس واستغراب تلك العينان التي تحرك جفناها
وحدقتاها السوداء جانبا لا يظهر منها إلا القليل كما تلك المرارة
التي تخفيها فيهما قبل أن تهمس صاحبتها بسخرية
" آه أجل ليس أي شخص لا يناسبها "
نظرت لها باستغراب ولم تفهم أتعلم بأمرها وأخبرها والدها
عنها أم أنها تظن بأنه ثمة أمر بينهما ؟ لكنها لا تستطيع سؤالها
ولا حتى سؤال والدها لأنه سيسألها عن حديثهما كاملا وسيعلم
باتصال عمتها بها وهذا ما ترفضه تلك ، بينما الجالسة أمامها
تبادر لذهنها أيضا ألف سؤال وسؤال أرادت أجوبة عنهم منها
لكنها لن تغامر وهي تفكر فيما تفكر في فعله ، أغمضت عينيها
ببطء تخفي كل ذاك الألم فيهما والذي وإن حجبه جفناها
ورموشها الكثيفة إلا أن أنفاسها التي تعالت تباعا أظهرته
بوضوح في حركة تلك الأضلع والصدر فلن يخفي أي شيء ألم
قلبها وهي تكتشف بأن تلك المرأة لم يسمح لها بأن تقتحم حياته
فقط بل وعالم ابنته ووالده تحت مسمى الصداقة ، رفعت يدها
لجبينها وفركته بقوة تخفض رأسها وقد غطت تلك الغرة الحريرية
أناملها وكفها تتساقط خصلاتها فوقها تباعا .
" أمي هل أنتي بخير ؟ "
رفعت رأسها رافعة لشعرها عن وجهها وأمسكت بيد التي كانت
تمسك بيدها وصاحبة تلك الكلمات القلقة المتوجسة ومسحت
بظهر كفها الآخر أنفها وهمست ببحة
" بخير بنيتي صداع خفيف فقط "
قالت بحزن ونظرها معلق بعينيها ونظرتها التائهة
" أنت لا تهتمين بصحتك أبدا أمي وترهقي نفسك في عملك
الجديد طوال النهار "
سحبت يدها ولم تعلق تنظر لهاتفها الذي ارتفع رنينه فجأة وقد
أخرجته من جيبها ، نظرت للاسم على شاشته للحظات قبل أن
تقرر فتح الخط ورفعه لأذنها وأنزلت رأسها ونظرها لحركة
أناملها على أطراف قميصها هامسة بهدوء يعاكس تلك النيران
التي تتآكلها من الداخل ببطء وقسوة
" أجل يا مطر "
فابتسمت تلك الفاتنة المقابلة لها فورا تراقبها بسعادة لم يشوهها
سوى رؤيتها لتلك الدمعة التي رأتها في مقلتي الجالسة أمامها
واللتان أدارتهما جانبا قبل أن تمسح عينها بظهر كفها ولا تخرج
منها سوى كلمات مختصرة وما فهمته من كل حديثهما ذاك بأنه
يحاول إقناعها بالخروج معا من هنا وهي تمانع ويبدوا أنها
تغلبت عليه نهاية الأمر .
ابتسمت بسعادة وحماس ما أن رأت ذاك التورد الطفيف في
وجنتيها وهي تهمس بحياء
" مطر يكفي "
فغادرت السرير من فورها بل والغرفة أيضا مغلقة بابها خلفها
وابتعدت من هناك لتتركها تتحدث معه بحرية أكبر وابتسمت
بسعادة ما أن وصلت لمنتصف الممر تنظر للذي خرج من بدايته
يمسك هاتفه على أذنه قائلا بابتسامة لمن في الطرف الآخر
ونظره على عينيها
" وماذا إن كنت أقرب من ذلك ؟ "
وما أن اقترب منها أشار لها برأسه فابتسمت وهمست له
" في غرفتي "
فابتسم لها ولامس بكفه طرف وجهها وهو يجتازها فاستدارت
معه تراقبه بسعادة وهو يفتح باب الغرفة ويدخل مغلقا له خلفه
وتنهدت بارتياح مبتسمة ونظرت للأعلى تضم يديها لصدرها
وأغمضت عينيها هامسة بسعادة
" يا رب لا تفرقهما أبداً يا رب "
وركضت بعدها مجتازة الممر وبهو المنزل الواسع وتوجهت جهة
الممر الشرقي للمنزل ولم تتوقف حتى كانت أمام باب الغرفة الذي
فتحته مباشرة ووقفت مكانها مصدومة تنظر للذي كان يقف بقرب
الكرسي الذي يجلس عليه جدها وشعرت بأن قلبها اصطدم
بالأرض وتحول لأشلاء وهي ترى حدقتاه السوداء تستدير بعيدا
عنها دون أن يتحرك شيء فيه ولا وقفته المعتادة يديه في جيبي
بنطلونه فبلعت غصة الألم والحنين والشوق والجرح من صدوده
وهي تراه يستدير وقد فتح باب الغرفة الخارجي وقال ببرود
وهو يخرج
" تحدث معه أنت إذا وسأزوره في وقت لاحق "
وغادر مغلقا الباب خلفه نظراتها الحزينة تتبعه قبل أن تمسح
عينيها بقوة ونظرت للذي وقف وأبعد نظره من ذاك الباب المغلق
لها فتحركت نحوه وقالت بسعادة وهي تستدير حول الأريكة
لتصله " أتعلم من هنا الآن وزار المنزل في منتصف النهار
على غير العادة ؟ "
ضحك وهو يستقبل التي ارتمت في حضنه وقال مبتسما يمسح
على شعرها
" من غير الذي جاء أخيرا من يعيده للمنزل على وجهه مرغما "
حضنته بقوة وقالت مبتسمة
" كم أنا سعيدة من أجلهما جدي ، شكرا لك لأنك أصررت على أن
تعيش هنا معنا "
وتابعت مبتعدة عنه وقد نظرت لعينيه بحزن
" لكني أرى أنها لم تجتز حزنها وجراحها بعد جدي ؟ أرى
حزنا عميقا في عينيها يؤلمني كثيرا ويخيفني أكثر "
أمسك وجهها بيديه وقال بلمحة حزن مشابهة لما في تلك العينان
الجميلتان
" لن يكون ذلك سهلا يا تيما فما مرت به وما حدث بينهما
وعذابها لأعوام طويلة لن يكون اجتيازه بالأمر الهين ووالدك يعلم
ذلك جيدا وعليه أن يصبر ويثابر لنيل قلبها مجددا بلا أي شوائب
فيه كما كان قبل أن يفترقا فحسنة والدك الوحيدة أنه يدرك بأن
ذلك ما عليه فعله "
نامت في حضنه مجددا وقالت بحزن
" وسيصل لقلبها لأنها تحبه أليس كذلك جدي ؟ "
مسح على شعرها وقال مبتسما
" أجل يا دميتي الجميلة فالحب الصادق لا يقتله شيء
ولا الموت "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 84 others like this.
رد مع اقتباس
#9216
قديم 04-04-18, 11:07 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
أسدلت جفنيها على الدمعة السابحة بينهما تشعر بملمس تلك
الأصابع الطويلة على طرف وجهها وشعرها وبأنفاسه الهادئة
المنتظمة حيث اختار أن يتكئ رأسها على تلك الأضلع وحيث
يقتلها بهذا ولا يعلم وهي تتخيل كم واحدة نامت هنا وشاركتها
فيما حرمت هي منه لأعوام تبكيه وحيدة وعاشت تتجرع مرارة
فقده وحرمانها من النوم فيه ليلا وكلما عصفت بها الهموم ،
بللت تلك الدمعة رموشها تتشربها بنهم وكلماته الهادئة ونبرته
الرجولية المبحوحة تنساب في أذنيها ما أن قبل رأسها واتكئ
بذقنه عليه
" حسنا ليومين فقط يا غسق ، أريدك أن تبتعدي عن كل شيء
هنا وأعدك أن لا أقترب منك وأن يكون لكل واحد منا غرفة إن
كان هذا ما يزعجك "
مسحت تحت جفنيها بظهر كفها وابتعدت عنه هامسة ببحة تنظر
ليديها
" لنؤجل الأمر قليلا مطر أرجوك "
أمسك وجهها ورفعه له وقبل جبينها ونظر لعينيها قائلا
" موافق على أن لا يطول انتظاري فأنا أحتاج أيضا لإجازة
قصيرة ولأن نكون لوحدنا فثمة الكثير نتحدث عنه "
أنزلت رأسها وهمست بالموافقة .. كلمة واحدة مختصرة تبعده
عن الحديث عن أي أمر يقودهما لشرح ما ترفض حتى سماعه
كي لا يقتلها به أكثر ومن جديد فلن تستحمل سماع أكاذيب من
هذا الرجل تحديدا فلن يبرر بغير الكذب عما سمعته واعترفت
به تلك المرأة بلسانها .
استجابت لسحبه لها ما أن تحرك من هناك ممسكا ليدها وخرج
بها من الغرفة واجتاز الممر حتى نهايته واستدار بها حيث الباب
المشترك بينه وبين الممر الشمالي للمنزل ولم يتوقف حتى كان
عند باب مكتبه وفتحه بالمفتاح الذي أخرجه مع مجموعة مفاتيح
من جيب سترته ودخل بها هناك وتوجه بها لأحد أرفف المكتبة
التي غطت جدرانه الثلاثة وأوقفها أمام أحدها يقف خلفها
مباشرة وأمسك يدها ورفعها ومررها على الكتب أمامها حتى
وصل بها لكتاب معين سقط نظرها على عنوانه فورا والذي كان
( رجفة الغسق )
وهمس عند أذنها بهدوء
" أخرجي هذا الكتاب يا غسق "
نظرت ليده على يدها نزولا لساعده وكُم بذلته السوداء الفاخرة
وصولا ليده الأخرى التي التفت حول خصرها ببطء فأغمضت
عينيها تسحب أنفاسها ببطء تشعر بأنها تنهار تباعا أمام قربه
المهلك .. شعور كم كرهته وكم تمنت قتله في داخلها وإن قتلت
نفسها معه ولم تجد له علاجا سوى الكي .. أجل عليها إحراق
قلبها وكل شيء بتذكر كل ما قاسته منه كلما حاول إحيائه .
عادت بنظرها لذاك الكتاب مجدداً ولاسمه المذهب المحفور في
غلافه الجلدي القاتم .. الكتاب الذي لم تكن تتصور أن مكتبته
قد تحوي أمثاله إلا إن كان قد أحضره قصداً ! كتاب يتحدث عن
صندوق روماني غامض يفتح بعد مرور أكثر من قرن حيث كان
يضن بأنه يحمل بعض الهدايا الثمينة من أمير روماني للملك عبد
العزيز إلا أن ذاك الصندوق وبعد كل تلك الاعوام الغابرة كان
يحمل مفاجأة مخيفة ... وقاتلة .
مررت أناملها عليه ببطء وهو في مكانه وكم خشيت أن يكون
يحمل في جعبته مفاجأة مماثلة لها أيضاً فذاك ما اعتادته من هذا
الرجل منذ عرفته ، مررت أصابعها بينه وبين الكتابان
الملاصقان له وسحبته كما طلب منها فأبعد يده عن يدها حينها
وحضن بها خصرها أيضا وطوقه برقة بذراعيه وهمس
" افتحيه من منتصفه "
ففعلت ما طلب منها فورا ونظرت له بصدمة وهي ترى أوراقه
الممزقة في منتصفها بشكل مربع وبداخله صندوق مخملي صغير
وتبعت نظراتها يده وأصابعه التي ارتفعت له ولامسته ببطء
هامسا
" أتعلمي منذ متى وهذا الصندوق هنا ؟ "
رفعت رأسها وأدارت وجهها جانبا ونظرت لعينيه بصمت فابتسم
وقبل خدها وتابع يخرجه من مكانه بأطراف أصابعه ونظره على
عينيها
" منذ تلك الرحلة للندن قبل أربعة عشر عاما يا غسق وقبل
أن ألتقي بمن تريه شقيقا لك ويراك العكس "
انقبضت أصابعها لا إراديا تشدها على الكتاب فيها بقوة ونظرها
لازال معلقا في عينيه التي أبعدها للصندوق الذي أمسكه بكلتا
يديه وهو يفتحه أمام جسدها لازالت سجينة ذراعيه فنقلت نظرها
لما يفعل تنظر باستغراب للسلسال الذي أخرجه منه ولتلك القطعة
الماسية التي تدور حول نفسها لتعلقها بالسلسال بمسمار ذهبي
يجعله دائم الحركة حول نفسه ما أن يتعلق في الهواء وكان فيها
شيء ما شاب نقائها ذاك لم تفهمه حتى اختفى عن نظرها وهو
يلف السلسال القصير نسبيا حول عنقها وأغلقه ، وبما أنها كانت
ترفع شعرها فلم يصعب عليه فعلها لوحده ، وما أن تركه
استدارت أصابعه حول عنقها الناعم مرسلة كل تلك القشعريرة
عبر دمائها الحارة لكامل جسدها حتى أمسك بذاك القلب الماسي
قبل أن ينزلق على بشرتها البيضاء الناعمة ورفعه لمستوى
وجهها وهمس من خلف أذنها
" لقد زرت صائغا معينا خلال نزول طائرتي في أسطنبول في
المحطة الوحيدة التي نزلتها حينها "
وتابع مبعدا إبهامه عن تلك القطعة اللامعة ليكشف عنها
" ولأجل هذا النقش "
وكشف عما كانت تراه يشوب نقاء تلك الألماسة وما كتب داخلها
بخط أسود عريض وكان اسمها فتعالت أنفاسها ما أن أدركت
وفورا لمن يكون ذاك الخط وتلك الطريقة في تداخل الأحرف
العربية فسبق ورأت هذه الطريقة من الكتابة على سلاحه قبل
أربعة عشر عاما ، ومما زادها تأكيدا قلبه لذاك القلب الماسي
ليكشف عن المكتوب في الجهة الأخرى وكان أسمه وبذات
الطريقة التي كان يكتبها على أخمص سلاحه الرشاش قديما أي
أنه هو من كتبهما بل وبطريقة جعلت منهما متطابقان تماما فلا
ترى إلا اسم واحد ما أن تقلب تلك القطعة النادرة وكأنه وحده
مكتوب فيها بتداخل غريب فيبدأ كل أسم منهما بنهاية الاسم الآخر
بحيث كلما قلبته تقرأ الاسم المقابل له بشكل صحيح .
أغمضت عينيها ببطء تشد قبضتها بقوة على ذاك الكتاب الذي
لازال فيهما تشعر بملمس تلك الشفاه الناعمة على عنقها مع
خشونة اللحية المحددة وشعرت بتلك الماسة الباردة تنزلق على
صدرها جمرة من نار لم يفقها تعذيبا سوى ملمس شفتيه المنتقلة
بنعومة صعودا يعاكس طريق نزول الدمعة التي انزلقت ببطء
محطمة أسوار الرموش السوداء الكثيفة تكسر حواجز برودة تلك
الوجنة المتصلبة لينتهي بها الأمر عند طرف الذقن الصغير الناعم
قبل أن تتدحرج في الهواء كصورة مصغرة لتلك القطعة النادرة
التي مرت بها قبل أن تصطدم بالأصابع التي لازالت تعانق القماش
الأسود الناعم حيث أول زر بعد قلادته فجعلت كل شيء يتجمد
مكانه حتى الزمان والوقت والمشاعر فابتعدت شفتيه عنها ببطء
يشبه حركة كفه الذي أداره أمام وجهها ينظر للقطرة المالحة التي
تابعت طريقها على أصابعه تباعا فقبض عليهم بقوة قبل أن
يمسك كتفيها وأدارها ناحيته ينظر لملامحها الفاتنة لعينيها
المغمضتان لعبث أنفاسها القوية بتفاصيل ذاك الصدر المتفجر
أنوثة وارتفعت أصابعه برقة مرورا بعنقها لوجهها وقبل جبينها
بعمق وهمس بخفوت مغمضا عينيه
" لن أطلب المستحيل في وقت قياسي يا غسق "
فأنزلت رأسها ونظراتها الجامدة الميتة ليديها وأناملها التي
تقبضها ببعضهم بقوة ولم تعلق بشيء ، ربما تصمت وتجاري
أفعاله ومحاولاته لإحياء شيء ميت منتهي تماما لكنها لن تجاريه
كاذبة لا تستطيع أن تكون مثله فسيصاب بالملل سريعا كما
وصفته تلك المرأة ليبحث عن غيرها أو يرجع لتلك الإنجليزية
الواثقة تماما من أنه سيعود لها نهاية الأمر كما يفعل في كل
مرة . أدارت خاتم الزواج حول أصبعها حتى كانت ماسته داخل
كفها الذي قبضته عليها بقوة وهمست بهدوء يعاكس دواخلها
" وماذا إن مللت ؟ "
سؤال لم تخطط له ولم ترد قوله أساسا لكننا نفقد قدرتنا أمام
آلامنا أحيانا .. أمام كبريائنا المجروح ومشاعرنا الميتة ، ولم
يتأخر جوابه الذي رافقه شده لها لتتكئ على صدره وقد همس
وأصابعه تمسح على شعرها برفق
" حين أكون ميتا في داخلك يا غسق .. حينها لن اصاب بالملل
بل سأعلن هزيمتي وأبتعد فلن أحيي حبي في قلب امرأة مات
فيه لأن ذلك لا يحدث أبدا والمحاولة لوحدها غباء "
ابتسمت بمرارة وألم وأرادت أن تقول : هل ستعلمني فعل ذلك
لتلقي باللوم عليا حينها ؟ لتذكره برأي تلك المرأة التي استبدلها
بها في قلبه لكنها تراجعت فذاك لن يخدم ما تريد فعله ولن يفيدها
بشيء ، طرقات على باب المكتب جعلتها تبتعد عن تلك الأضلع
ترافقها تنهيده الضيق الواضحة فيها للذي نظر جهة الباب وقال
بجدية
" أدخلي "
ولازال كما تذكره تماما يميز طرقات من يعيش معهم مهما كثر
عددهم وكما توقعت وكان متأكدا انفتح الباب كاشفا عن الخادمة
الواقفة أمامه والتي قالت باحترام
" سيدي ثمة اتصال من غرفة الحرس والسيد أسامة عارف
عند البوابة "
فأشار لها برأسه دون أن يعلق فغادرت من فورها وتحرك هو
أيضاً جهة الباب الذي تركته مفتوحا بعدها ليوقفه الصوت الرقيق
الناعم من خلفه
" مطر "
فوقف والتفت لها من فوره فقالت بهدوء وقد نزلت بنظرها ليديها
" هل يمكنني استعارة بعض الكتب من هنا ؟ "
فابتسم الذي راقبها وهو يدخل يده في جيبه ويخرج مفاتيحه
واختار إحداها وأخرجه من العلاقة المجموعة فيها وتوجه نحوها
وهو يعيدهم لجيبه ، أمسك كفها ووضع المفتاح فيها وانحنى
لخدها قبله برقة وقال
" يمكنك القراءة هنا وترك المفتاح لديك .... أنا أثق بك يا غسق
.. أنت فقط "
وما أن أنهى عبارته تلك غادر من هناك مغلقا الباب خلفه تتبعه
نظراتها الدامعة تقبض على تلك القطعة الحديدية الباردة في كفها
بقوة وانسابت كلماتها الهامسة مع انسياب تلك الدمعة الحزينة
" وأنا وثقت وأنت خنت يا مطر وليتك لم تفعل ... لنتعادل إذا "
*
*
*
اتكأت برأسها على كتفه ورفعت نظرها له جالسان تحت إحدى
أشجار الصنوبر العالية تتكئ بظهرها على صدره يريح ساعده
على ركبته المنصوبة والتي تلف أصابعها حولها تجلس في
حضنه وما أن نزل بنظره لها أنزلت رأسها وشغلت نفسها بفتح
غلاف لوح الشوكلاته في يدها مبتسمة والذي كان يمسك مشابها
له في يده التي يريح ساعدها على ركبته ، وما أن رفع نظره
للأشجار عاليا رفعت رأسها ونظرت له مجددا فأنزل رأسه ونظر
لها سريعا فغصت بضحكتها والشوكلاته في حلقها وأنزلت رأسها
وسعلت بشكل خفيف وأغمضت عينيها مبتسمة ما أن التف
ساعده حول عنقها وقبل خدها منحن له فمررت أناملها على
ساعده وقالت مبتسمة
" عليك أن تأكل حصتك أو لن تجدها ما أن أنتهي من هذه "
فابتسم ولم يعلق على ما قالت ولم يخبرها بأنه يتركها حتى يرى
إن كانت ستشبع بما لديها أم ستحتاجه أيضا وكل ما قاله وهو
يرفع رأسه ويتكئ به على جذع الشجرة خلفه
" انظري لاختياراتك السيئة لو لم تشتري تلك الحلوى السخيفة
وسمعت نصيحتي كان أفضل "
رمت قطعة من الغلاف الأصفر الملتف حول لوح الشيكولاتة في
يدها وقالت بضيق
" لما تصر على أنها حلوى ؟ ثم هي لم تكن سيئة كثيرا
فقط العلبة أكبر حجما مما يوجد في داخلها "
أبعد رأسه ونظر لأناملها البيضاء الرقيقة المشغولة بما تفعل
وقال ببرود
" أخبرتك أن تشتري الكعك المحشو بالكريما سيكون دسما
ومشبعا والمال يكفي لشراء ست قطع منه لكنك رفضت فتحملي
النتائج الآن فهذا ما ستأكلينه فقط حتى نرجع للمنزل "
اتكأت برأسها على كتفه مجددا ورفعت يدها لفمه تمسك بآخر
قطعة من حصتها فنظر ليدها قبل أن يفتح فمه ويأكلها فمررت
أصبعها على فكه كحركته البطيئة لمضغه لها وقالت مبتسمة
" الآن أنا مدينة لك بآخر قطعة من حصتك فافتحها
فورا وكلها "
فابتسم ورفع يديه وفتح الغلاف عن لوح الشيكولاتة الخاص به
وكسر أول هرم فيها وقربه لفمها فأمالته مبتسمة وقالت
بضحكة خفيفة
" هل ستبدأ بنهايته ؟ "
فابتسم ولم يعلق وما أن أكلته كسر الهرم التالي وقربه لفمها
أيضا فضحكت وأخذته من بين أصابعه ورفعته لفمه تنظر
له وقالت
" هذا لك ، أنت واحد وأنا واحد لا مانع لدي "
فأمسك يدها ونزل بها لفمها وقال
" سأكتفي بآخر قطعة ... "
وتابع بابتسامة جانبية
" فقط لا تعتادي وضعي في المؤخرة "
أكلت قطعة الشيكولاتة وقالت مبتسمة برقة
" أليس الشخص من يضع المكانة لنفسه يا ابن حجور ؟ "
ابتسم وقبل رأسها واتكئ عليه بذقنه ولم يعلق واستقر نظرها
على رسغه المقابل لها حيث يدير ساعده نحوها تلعب أصابعه
بخصلة من شعرها البني الناعم فرفعت يدها ولامست أناملها
الرمز الموشوم فيه وقالت باستغراب
" ما هذا تيم ؟ "
أدار ساعده ورسغه للأعلى وقال بعد برهة ناظرا له
" هذا الرمز الخاص بي في المنظمة "
رفعت نظراتها المستغربة له وهمست
" رمزك الخاص ! "
ونزلت بنظرها ليده الأخرى حين رفعها وأمسك يدها ووضع
سبابتها على رسغه وعلى ذاك الرمز تحديدا وضغطه عليه ببطء
وقال
" بماذا تشعرين هنا ؟ "
همست تنظر بصدمة ليديهما
" شيء ما صلب وصغير "
ترك حينها يدها وقال
" وهذا سر آخر اخبرك به ماريا لأني لن أرفض جوابا لأي سؤال
تسأليه فهذه الرقاقة تم غرسها هنا كأي عضو في تلك المنظمة ،
إنها تمثل بطاقة تعريف لي في أجهزتهم وحتى تتبع مكاني عن
طريقها لن يأخذ منهم سوى ثوان معدودة وفي أي مكان في العالم
أكون "
رفعت أصابعها لرسغه ببطء متمتمة
" ألأجل هذا فقط يضعونها هنا ! "
قال بجمود ونظره على سبابتها التي كانت تلامس رسغه
برفق ورقة
" بل وقتلي بها أيضاً "
فتصلب جسدها بطريقة شعر بها فورا فطوقها بذراعه ما أن كانت
ستبتعد عنه وهمس في أذنها
" ماريا مصارحتي لك بكل شيء ليس لأؤذيك فلا تبكي أو
غضبت منك "
كتمت عبرتها كما وجعها ولم تستطع أبدا التحكم في تلك الدموع
التي ملأت مقلتيها سريعا وهمست ببحة وصوت مرتجف
" يقتلوك بها ؟ "
قبل خدها ودفن ملامحه في شعرها قائلا بهدوء
" أجل إنه سم سيتسرب في جسدي بأمر صغير منهم ولا شيء
سيمنع ذلك حتى إن حاولت نزعها بنفسي "
ارتجف جسدها بين ذراعيه وهمست بعبرة مكتومة
" أي أن اكتشافهم لحقيقتك ولهويتك الحقيقية معناه أن يقتلوك
في ثواني معدودة مهما كنت بعيدا عنهم ؟ "
قبل خدها مجددا وهمس
" أجل "
أمسكت فمها تسجن العبرات التي لم يعد يمكنها التحكم فيها أكثر
وما أن حاولت الابتعاد عنه مجددا طوقها بكلتا ذراعيه يشدها
لصدره بقوة مانعا إياها ومال برأسه لخدها وهمس
" ماريا ماذا كنا نقول ؟ "
همست بصوت مرتجف باكي
" تيم اتركني أرجوك وأبعد ذراعيك عني إن كنت لا تريد أن
تسمع بكائي المزعج "
فحررها مبعدا ذراعيه ببطء فوقفت من فورها وركضت مبتعدة
عنه ووقفت خلف جذع إحدى الأشجار وتركت العنان لدموعها
وبكائها لازالت تحضن أناملها تلك الشفاه المرتجفة تنساب
دموعها فوقها دون توقف تشعر بقلبها يموت وهي تتخيل فقط
أن يحدث ذلك وكم تمنت لحظتها أنها لم تراه مجددا بل ولم تعرفه
حياتها ، أبعدت يدها ومسحت عينيها بقوة ما أن شعرت بخطواته
الثقيلة البطيئة تقترب من مكانها ، وما أن وصل لها لامست يده
ظهرها وضمها لحضنه هامسا
" ماريا الموت لا يمسكه أحد كما لا يلعب بوقته أحد ولا أفكارهم
السخيفة تلك فلا تكوني مثلهم فأنت مسلمة تؤمنين بقدر الله ،
ويكفي بكاء أو غادرت من هنا وتركتك "
ابتعدت عنه ونظرت لعينيه وقالت بعبرة
" لماذا أخبرتني ؟ أيسعدك إيذائي هكذا ؟ "
رفع يده لوجهها ولامست أصابعه الدمعة المنزلقة على خدها
ببطء وقال بجدية
" ماريا مطر شاهين يرفض وجودك معي كما جميع أقربائك هنا
وكما كان رأيك ولازال فأخبرتك بهذا لتعلمي بأن ما نعيشه اليوم
قد لا نجد له متسعا في المستقبل ولأي سبب كان .. تركتك أربعة
عشر عاما وكان ذلك حماقة مني لن أستمر فيها أبداً ولن أكون
جلاداً آخر لامرأة مصيرها معلق بي فالموت لم يهب فرصة
لشاهر كنعان ليصلح أخطائه مع امرأة تركها ، وقوة التسامح في
قلب المرأة لم تمنح شيئا مشابها لمطر شاهين ليصلح ما دمره
تحت مسمى التضحيات ليرجع للحياة امرأة قتلها بقسوة ، لذلك
أردت هذا الوقت لنا فقد لا يتكرر أبدا "
امتلأت عيناها بالدموع تنظر لعينيه وارتمت في حضنه وقبضت
أصابعها على سترته جهة ظهره تحضنه بقوة تدفن وجهها
ودموعها في صدره وتركها هو تفرغ باقي دموعها وعبراتها فيه
تمسح يده على شعرها برفق فعليها أن تعلم ومهما كان الأمر
قاسيا فهو لن يكون أقسى من هجرانها وتركها وحيدة دون تبرير
وجلب حفنة أعذار مستقبلاً ستكون في نظرها أسخف من أن
تصدقها ومهما كانت كبيرة بالنسبة له .. حين لن يجد في داخلها
ما يتفهمه أو لن يجدها أو يموت هو قبل ذلك .
*
*
*
دخل مغلقا باب المنزل خلفه وتوجه من فوره جهة الحركة
الواضحة التي يسمعها في المطبخ وما أن وقف أمام الباب نظر
للتي كانت تقف على حافة الخزانة السفلية ترفع جسدها على
رؤوس أصابعها ترفع شعرها الغجري الأشقر في جديلة وتربط
فستانها الطويل عند منتصف ساقيها تحاول تنظيف الغبار من
فوقها فدخل ووضع الأكياس من يده قائلا
" لو أعلم ما حكايتك مع الأغبرة تطاردينها حتى في الهواء "
حاولت أن تلتفت حتى كادت أن تقع من صدمتها لعودته الآن
فأدركها وأمسك خصرها قبل أن تسقط وأنزلها للأرض فهربت
منه سريعا وانحنت تفتح ربطة فستانها تخفي اضطرابها وارتجاف
أصابعها في ذلك رغم أنه أمسكها من الخلف وليس من الأمام ،
وصلها صوته وهو يجلس على الأرض جهة نافذة المطبخ قائلا
" جائع يا مايرين فلا تقولي أن الغداء لم يجهز بعد "
تحركت من فورها جهة الموقد وفتحت باب الفرن فيه قائلة
" بلى جاهز فأنا أعده دائما قبل موعد قدومك بوقت "
وبدأت تتحرك بسرعة في المطبخ الطيني الواسع بمساحة فاقت
حتى الغرفة الموجودة في ذاك المنزل حتى أنها قامت بوضع
بساط قديم فيه ووسائد وجدتهم في طرف سور المنزل قضت
ساعات تنظفه من الأتربة وما أن نفذت فكرتها تلك اكتشفت بأنها
استفادت من ذاك الجزء الواسع من المطبخ فعلى الأقل تجلس
وهي تطبخ حيث لا طاولة هنا ويتناولان الطعام فيه بل باتت
تقضي جل يومها فيه فهي تقضيه وحيدة في هذا المنزل لا تقابلها
إلا الجدران الطينية المطلية بالأبيض الناصع ورغم كل ذلك تراه
الجنة وعالم لا تتمنى الخروج منه فهي لا تخشى إلا الأسوأ فلم
تعرف النوم براحة وأمان إلا هنا ، لم تعد دموعها تسقي وسادتها
ليلا تناجي أطياف الراحلين عنها أحياءً وأموات لعلهم يأخذوها
معهم .
كانت تتحرك بسرعة بين تفاصيل المطبخ البسيطة التي زادها
اتساعه اختصارا تحاول إظهار عدم انتباهها لنظرات المتكئ
بمرفقه على إحدى الوسائد رغم توترها الذي بلغ ذروته فهو في
العادة يصل بعد الظهر يصلي ويأكل وينام فورا حتى وقت العصر
ليخرج للمزارع بعدها مباشرة وموعد قدومه بعد مغيب الشمس
بقليل لكنه اليوم وعلى غير العادة عاد مبكرا ولم تستطع سؤاله
عن السبب خشية أن يفهمها بشكل خاطئ ، وضعت صينية الطعام
أمامه وقالت مبتسمة
" لا تسأل بعد الظهر عن طعام الغداء فلن أطهو غير هذا "
ضحك الذي جلس متربعا وقال
" لا لن أطلب غيره لأني لن أرجع وقت الغداء "
كادت توقع إبريق العصير من يدها قبل أن تصل به ناحيته
وتنهدت براحة ما أن تابع وهو ينظر للطعام الذي بدأ يأكل منه
" لقد اقترح عليا أويس أن أعمل في مزعته بما أني أعمل بعد
الظهر بل ويريدني أن أكون مشرفا على عماله هنا ، يناسبني ذلك
كثيرا سأكون قريبا من المنزل باقي النهار فوجودي بعيدا عنه
أغلب اليوم يجعلني منشغلا عليك طوال الوقت فالعمال هنا في كل
مكان سواء في أرض أويس أو أراضي أعمامك "
جلست أمامه ووضعت الإبريق والكأسين وابتسمت تراقب ملامحه
بحب وقالت مبتسمة
" جيد أنه لم يكرهك فقط لأنك تزوجتني بل وأستغرب أنه لم
يطردنا من هذا المنزل ! "
أخذ كأس العصير الذي مدته له وقال
" لا أرى أويس بكل ذاك السوء لكن موت والده وما أصاب
والدته السبب "
وتابع ما أن وضعته قربه وقد رفع نظره لها
" على الرغم من أني لا أرى تحميله إياك ذنب ما حدث بالأمر
الصحيح خاصة وأنه محام ويدافع عن المظلومين لكن علينا أن
نضع أنفسنا مكانه أيضا "
أسدلت جفناها الواسعان على تلك الأحداق الخضراء ونظرت
للأسفل قائلة بحزن
" أحيانا أكره أني قد ولدت ووجدت في هذه الحياة فلست سوى
لعنة كما يسمونني وبذرة شر حكموا عليها بما لم تختاره لنفسها
، كم تمنيت لأعوام أني مت أو لم أولد "
تنهد ببطء وعمق يراقب ملامحها بحزن فهو يفهم موقفها وكم
لام نفسه لأنه قال ما قال فحاول تغيير ذاك الجو والمزاج قائلا
بابتسامة جانبية
" ومن هذه التي سأربطها بعنقي إن لم تولدي ؟ وأصدمها
بسيارتي وأتزوجها وتطهو لي كل هذا الطعام اللذيذ
وتغسل ثيابي ؟ "
مسحت الدمعة التي ملأت عينها بطرف كم فستانها الطويل
تنظر للأسفل مبتسمة بحزن وقالت
" كنت تزوجت من أي واحدة أخرى تفعل كل هذا "
قال من فوره مبتسما وقد عاد لتناول طعامه
" ولا تشتكي ولا تتذمر من فقري ووضعنا وبقائها لوحدها
طوال النهار ؟ بل وتزيد في عمري أضعافا بسبب دعائها
الدائم أن لا أموت وأتركها "
لونت السعادة نظراتها الدامعة وملامحها الحزينة كما غمرت قلبها
وتلون خديها من الإحراج وهمست بحياء تهرب بنظرها للأسفل
رغم أنه لم يكن ينظر لها
" من لا ترى سوى فقرك لا تستحق أن تكون زوجة لك "
التهى بطعامه ولم يعلق فشعرت بالندم على ما قالته وتمنت أن
تحدثت عن الرجال بشكل عام وليس عنه تحديدا فهي هكذا
غبية دائما لا تصدق أن تجد فرصة ليتحدثا فتبدأ بقول المفيد
وغير المفيد .
شغلت نفسها بتناول الطعام أيضا وكادت تغص باللقمة في فمها
حين قال
" مايرين ماذا إن اكتشفت يوما بأن شقيقك لازال على قيد
الحياة وموجود في مكان ما من هذا العالم ؟ "
رفعت نظرها له باستغراب فكان ينظر لها فهربت بنظراتها منه
مجددا وقالت بحزن ومرارة
" منذ توفيت والدتي ولا حلم لدي في الحياة سوى رؤيته من
جديد وعودته ، كنت أراه طوق النجاة من جميع همومي التي
كنت أعيشها وأواسي نفسي بذاك الأمل الكسير في عودته لكن
في تلك الليلة التي رماني فيها جسار خارج المنزل ورحل وتركني
للشارع وحين لم أجد غير صوت صراخي أناديه في الفراغ ولم
أجده في أسوأ موقف عرفته في حياتي البائسة تلك تمنيت أن
يكون ميتا لأجد له عذرا لتركه لي هكذا بموته ولا أجده أمامي
يوماً ما وأسأله لما ترتكني ولا أجد لديه جوابا أعظم مما
مررت به "
مسحت بظهر كفيها عينيها والدموع التي تسربت منهما وتابعت
بعبرة مكتومة
" هازار لم يكن لي أي شقيق فوحده من لم يتعامل معي كوباء
وجريمة ووصمة عار بل كنا مقربين من بعضنا وكأنه لا تفصنا
عشرة أعوام ، وإن بقي هنا لكان مصيره الموت على أيدي
أعمامه لا محالة بسبب خيانته كما يزعمون وهو ينظم لجيش
ابن شاهين لكنه لم يأخذني معه لم يرجع لأخذي ولم يفكر بما
أقاسيه ويعلمه جيدا مهما كان بعيداً ، لقد كانت ثلاثة عشر عاما
لم أرى فيها يوما سعيدا .. لم أضحك فيها يوما بل ولم أبتسم ..
لم أرى أو أسمع سوى الضرب والسب والشتم ونظرات الازدراء
والاحتقار حتى جعلني الجميع أنظر لنفسي كشيء نجس ملوث
حتى كرهتها ... أجل كرهت مايرين التي حتى نسبها ضاع بين
الألسن ولم أعد أعلم من هذا الذي سألقي باللوم عليه والدتي أم
والدي المجهول؟ جسار شعيب وأشقائه أم هازار ؟ "
وازدادت عبراتها حدة كما دموعها تغطي شفتيها بظهر أصابعها
لازالت تنظر للأسفل قائلة
" لم أشعر بأني مخلوق بشري وامرأة لها نفع في الوجود إلا
هنا معك "
وانهارت باكية أكثر فوضع الملعقة من يده ووقف ودار حول
صينية الطعام وجلس بجوارها وشدها لتتكئ على كتفه ومسح
على شعرها قائلا بهدوء
" توقفي عن البكاء أنا آسف ما كان عليا فتح جراحك بسؤالي
ذاك فأنا أيضا لو كان الأمر بيدي لن أسلمك له ولا برغبتك فما
من عذر يشفع له تركك في ظروف هو أعلم بها من غيره "
مسحت دموعها ولم تتحدث أو تتحرك تترك لنفسها فرصة النوم
في حضنه والشعور به والبكاء فيه ولا تنكر بأنها لم تعد تفهم
مشاعرها فهذا فاق الامتنان والشعور بالأمان بكثير ولم يعد
يخيفها في فقدانه فقدان المنزل والمأوي الآمن فقط بل باتت
تخشى فقدانه هو نفسه فهو طمأنها مرارا بأنها لن تضيع بعده
وتنتهي للشارع مجدداً وبأنه ثمة من سيعتني بها بعده لكنها
لازالت تخشى من أن تفقده وأن لا تراه مجددا وتسمع صوته وأن
يكون عالمها خال منه .
ابتعدت عنه ما أن وقف وتبعته بنظراتها الدامعة وهو يتحرك جهة
باب المطبخ وقد خرج قائلا
" سأكون هنا في المزرعة إن احتجت شيئا يا مايرين فلا تخرجي
من دون حجاب "
واختفى خلف النور القوي المنبعث من ذاك الباب تودعه نظراتها
الحزينة الدامعة وهمست بحب
" لا أحتاج لأكثر من وجودك في الحياة يا يمان "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 81 others like this.
رد مع اقتباس
#9217
قديم 04-04-18, 11:10 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
بصق بقايا العود من فمه ورماه من يده يتكئ على الجذع خلفه
وقال ناظرا للتي لازالت تعتصم في مكانها جالسة على الأرض
تحضن ركبتيها وتنظر للفراغ بحزن
" هيا يا طفلة يكفيك بكاء ستستهلكين كل الطاقة التي تحصلت
عليها من طعامك ذاك "
رمقته ببرود وأشاحت بوجهها للجانب الآخر لتتبدل ملامحها
للحزن فورا على ذات ذاك الصوت البارد الذي يصلها من بعيد
" حتى أنك أوقعت الحلوى التي يفترض أن لي نصيبا فيها "
فابتسمت بحزن وامتلأت حدقتاها الذهبيتان بالدموع فورا فها
هو لازال يصر على تسمية الشيكولاتة بالحلوى !
نظرت للأسفل تمسح عينيها ما أن اقتربت خطواته منها حتى
وقف فوقها ووصلها صوته الجاد
" ماريا لا تجعليني أندم على ما أنا مقتنع تماما بصحة فعله وأنا
أختار أن لا أتركك لجهلك وجراحك مني متعذرا بالوطن والواجب
وحمايتك لأن النتيجة ستكون أن ارجعك للبلاد حتى أجل قد يكون
أبعد مما نتوقع "
حضنت ركبتيها أكثر وهمست ببحة وحزن
" أسمع صوت مياه هنا هل هو ذات المكان الموجود فيه الكوخ
الخاص بك ؟ "
ابتسم على طرقها الغريبة والفريدة من نوعها لإيصال ما ترفض
قوله بلسانها وقال
" أجل لكنه بعيد عن هنا لا تخافي لن أخل باتفاقنا "
قالت بذات همسها الحزين ولازالت تنظر للأرض تحتها
" لنذهب للنهر إذا "
مد يده لها وقال
" هيا إذا ... ويكفي بكاء ماريا من أجلي "
نظرت ليده وأمسكت بها ووقفت ولم يكن يعلم بأن كلماته تلك
كانت كفيلة بجعلها تبكي مجددا لكنها عاندت عينيها ودموعها من
أجله فقط كما طلب فإن طلب عمرها وروحها والنور في عينيها
ما رفضت أبدا ولا ترددت في أن تهبها له .
تبعته بخطوات سريعة لتجاري خطواته الواسعة لازال يمسك
بيدها حتى بات صوت تلك المياه الجارية يقترب أكثر أو أنهما
هما من كانا يقتربان منه شيئا فشيئا حتى ظهر لهما من بين
الأشجار فاقترب بها منه حتى وصل لحافته وترك حينها يدها
ونزل له مستندا بقدميه وغرف من مياهه بكفه ووقف مجددا وما
أن وصل به لوجهها كان بالكاد يحتفظ بالقليل منه فمسح وجهها
به متجنبا أشرطة اللاصق الطبي فيه ومرر أصابعه على عينيها
فاتكأت على صدره وضمها هو بذراعه بقوة وسار بها على حافة
النهر بخطوات بطيئة فحضنت خصره بذراعيها هامسة بحزن
" لا أريد لابنك أن يكرهك مستقبلا يا تيم "
ضمها له أكثر وقبل رأسها ولم يعلق فأبعدت يدها عن خصره
ومسحت بها عينيها ولم تتحدث عن الأمر أكثر من ذلك فلم
ترفض ذلك ومنذ البداية إلا من أجله فلا تريد لما حدث مع والده
أن يتكرر معه رغم أنها بعدما قاله وأخبرها به لم تكن تريد منعه
عن أي شيء يريد أن يكون بينهما فكما قال قد لا يعطيهما
المستقبل أي فرص ليكونا معا كما الآن لكن العوائق كثيرة أيضا
عادت لمسح دموعها التي بدأت بمحاولاتها الجديدة للتسرب من
رموشها ووقفت فوقف لوقوفها ما أن كانا عند الجهة الصخرية
من ذاك النهر حيث المياه أقل ارتفاعا وسرعة جريانها أقل أيضاً
فابتعدت عنه ورفعت نظرها له ولازالا سائرين ونظرت له نظرة
رجاء رقيقة مبتسمة تميل رأسها جانبا مع رفعها لكتفها جهته
فأبعد نظره عنها مبتسما وقال
" لا تفكري فيها مطلقا يا طفلة لن أركض بك في النهر أنا لست
جوادا إن ضحك عليك عقلك بذلك "
استدارت في سيرها حتى أصبحت مقابلة له تسير للخلف ورفعت
ذراعيها جانبا وقالت بابتسامة شقت تلك الملامح الحزينة
" ومن قال أنك ستركض ؟ نحن نعيش اللحظات أليس كذلك ؟
إذا فلنعشها كما يريد كلينا "
حرك رأسه بالرفض وتمتم ببرود
" هيا توقفي عن جنون الاطفال ، ما هذه الطريقة السخيفة التي
نعيش اللحظة بها ؟ "
وقفت وأوقفته بيديها على صدره وقالت برجاء
" أرجوك تيم هذه المرة فقط "
أمسك يديها وأنزلهما ببطء متماً بضيق
" أنا أساسا لن أجلبك لهذا النهر مجددا لتكون ثمة مرة أخرى "
وما أن عاد للسير سارت للخلف مجددا مقابلة له وقالت بعبوس
" وكأني أطلب أمرا مستحيلا "
شدها من ذراعها ما أن تعثرت خطواتها بسبب حجر عرقل سيرها
المقلوب شاتما بكلمة يونانية هامسا وانحنى لركبتيها ورفعها
بخفة ونزل لمياه النهر قائلا بضيق
" ستتوقفين عن مشاهدة الأفلام السخيفة مفهوم ؟ "
تعلقت بعنقه وقالت مبتسمة تنظر لنصف وجهه المقابل لها
" ومن أخبرك أن هذا يعرض في الأفلام السخيفة يا رجل
مطر شاهين ؟ "
تغلغلت خطواته في المياه أكثر حتى وصلت لساقيه وقال ببرود
" قال لي أن أفكار النساء السخيفة جميعها بسببها "
حضنت عنقه أكثر متمتمه بابتسامة
" يالك من متعجرف رائع "
وصرخت ضاحكة ما أن دفع الماء بقدمه للأمام بقوة حتى أن
قطراته المتطايرة وصلتها ورفعت رأسها للخلف مبتسمة بسعادة
فكما سبق وقال المستقبل لا أحد يعلمه والتفكير فيه إضاعة
للحاضر ليس إلا بل والاعتراض عليه مجرد حماقة فليعيشا
اللحظة معا وليس عليها سوى أن تتوجه بالدعاء لمن بيده كل
شيء أن يحفظه لها وأن يحميه من أجلها وأن يعطيها القوة
للمضي وحدها إن هي فقدته يوما باتت لا تراه بعيدا أبدا .
*
*
*
دخلت مبنى الجامعة تنظر لكل شيء حولها كطفلة تدخل مدينة
الألعاب لأول مرة في حياتها تمسح نظراتها حتى الأعمدة
الرخامية وكأنها تراها لأول مرة في حياتها ...
( جامعة عين حوران للإقتصاد ! )
المكان الذي تمنت أن تدخله يوما وكان مجرد حلم سخيف فلا أحد
غير طلبتها يدخلونها ولا ببطاقة طالب من جامعة أخرى ...
أكبر وأشهر جامعة في البلاد بل وصنفت ضمن أفضل خمس
جامعات في الشرق الأوسط شهاداتها معترف بها عالميا تخرّج
رجال الأعمال وحاملي الدكتوراه في الإقتصاد وحاملي شهاداتها
فرص العمل أمامهم لا حصر لها ما أن يخرج من هنا وأغلب
خريجيها من طلبة الماجستير والدكتوراه ومن هم في مثل وضعها
قلة فلا يتم قبولهم هنا بسهولة إلا إن حصل على الدرجة كاملة في
شهادة الثانوية العامة حتى أن درجتها كانت ثمان وتسعون
تقريبا ورفضوها فورا ودون نقاش فأقل درجة يقبلون بها
99،5% ولا تصدق أبدا أن حلمها قد يتحقق !
نطرت لحركة الطلبة حولها من لا تعلم من منهم الطلبة من
الأساتذة فلا وجود لأصحاب تلك الأعمار المتفاوتة بين التاسعة
عشرة للثالثة وعشرون إلا القليل تشعر وكأنها في اجتماع لرجال
الأعمال ورؤوس الأموال في الدولة ! وتمنت لحظتها أن جاءت
في وقت مبكر لكانت حركة الطلاب أقل على الأقل .
" أنت زهور ؟ "
التفتت خلفها فورا ونظرت للفتاة الواقفة أمامها .. كانت في
الثلاثين من عمرها تقريبا بحجاب أبيض عكس الحمرة الطفيفة
في بشرتها البيضاء .. ابتسامة جميلة وعينان عسلية واسعة
تحيطها رموش بنية ناعمة واستطاعت فورا أن تتكهن أنها من
شمال الهازان وستكون خماصية بالتأكيد فتلك الدماء والملامح
تعرفها فور أن ترى أحدهم ، مدت يدها لها وقالت مبتسمة
" أجل أنا هي "
صافحتها من فورها وقالت بابتسامة مماثلة
" أنا غدير وثمة توصية بخصوصك من خطيبك فهو صديق
لشقيقي وزميل سابق لي وأنت غريبة عن هذا المكان كما قال
وسأساعدك في كل ما تحتاجينه "
ابتسمت بسعادة ... يا إلهي ما هذا الخطيب الرائع واسع النفوذ
الساعي لراحتها هكذا ! قالت ترفع خصلات شعرها القصير خلف
أذنها
" سيكون ذلك من دواعي سروري فأنا بالفعل لا أعلم اليمين
من الشمال هنا "
ضحكت الواقفة أمامها وتحركت من مكانها قائلة
" تعالي إذا لمكتبي لنتحدث بحرية أكثر "
سارت بجانبها وقالت تنظر لها باستغراب
" ألست طالبة هنا ؟ "
قالت مبتسمة تدخلان أحد أروقة الطابق السفلي الخاص بموظفي
الجامعة
" لا أنا رئيسة قسم المحاسبة القانونية هنا "
فغرت فاها بصدمة تنظر لها وهي تفتح باب مكتبها بمفتاح
أخرجته من حقيبتها وهمست بدهشة
" رئيسة قسم كامل !! "
ضحكت التي دخلت قبلها وقالت وهي تدور حول طاولة مكتبها
" مجرد قسم فالأقسام هنا لا يمكن حصرها ، تعالي اجلسي
يا زهور "
جلست على الكرسي الجلدي المقابل لمكتبها ووضعت حقيبتها
على الطاولة الزجاجية أمامها وقالت مبتسمة
" إذا ما يكون ذاك الخطيب الذي درس معك ؟ أخشى أن
أكتشف نهاية الأمر بأنه رئيس البلاد ! "
لاحظت باستغراب تبدل ملامحها بدلا من أن تضحك كما توقعت
وأبعدت نظرها عنها فورا وقالت ترتب الأوراق تحتها
" لا تسمعك ابنة الزعيم شراع تخطبي نفسك لزوجها "
ابتسمت ابتسامة سرعان ما تحولت لضحكة وقالت
" لا بالله عليك من تنافس تلك المرأة ؟ لم تكن صورتها في
الجريدة واضحة لكني كدت أموت من الصدمة ما أن رأيتها ، لقد
فاتتني أعداد المجلات التي أظهرت صورتها بوضوح ولم أكتشف
ذلك إلا بعد مرور أكثر من أسبوع "
ابتسمت الجالسة خلف مكتبها بسخرية ممزوجة بالحزن وقالت
ولازالت تتجنب النظر ناحيتها
" حتى المجلات لم توفيها صورها حقها إنها تشعرك بالتقزم
ما أن تريها وتتحدث أمامك "
نظرت لها باستغراب وقالت
" هل رأيتها سابقا ! قلة هم من رأوها وجها لوجه إن استثنينا
ساكني مملكة الغسق طبعا فهي انتقلت لحوران موخرا "
نظرت ليديها على الطاولة تحتها وقالت ما لا يمكنها نكرانه
" لقد زارت المكتب الذي أعمل فيه قبل أيام تسأل عن مديره
وهو ابن خالتها ، ما لم تسمعي صوتها وطريقة حديثها
ولباقتها مع حسنها الغريب ! لن توفيها حقها أبدا أي صور "
ورفعت نظرها لها وقد تابعت بابتسامة ساخرة هي أقرب للمرارة
" لا أستغرب أبدا أن يتشاجر عليها الرجال وحتى الأشقاء "
تنقلت نظراتها المصدومة في ملامحها فقالت مبتسمة تغطي
كل ذلك
" لن تصدقي أبدا أن يكون الزعيم مطر تركها من أجل امرأة
أخرى ؟ إنها حماقة لا يصدقها من يفكر بعقله ! لو كنت رجلا
لوضعتها في أعلى جبل في البلاد وعشت معها هناك بعيدا عن
الرجال ليس أن أبحث عن شيء لن تملكه غيرها أبدا ، إنها
امرأة ذكية قوية قادت مملكة كاملة تحضن أكثر مشاكل النساء
تعقيدا .. واثقة من نفسها أنيقة أنثى متكاملة ومتواضعة ذات
الوقت ، لقد ظلمها ذاك الرجل العظيم حين قال بأنه عاد لها
بسبب وعد وتركها من أجل امرأة أخرى ! هذه إن أشارت
لرجل بطرف رمشها جعلته تابعا لها "
تنهدت الجالسة أمامها وقالت بحيرة
" إنها مسألة معقدة أثارت أراء كثيرة بين الناس بين مكذب
للأمر ومصدق فمطر شاهين لم تكن له نساء وعلاقات بهن وقت
زعامته للحالك ! تزوجها بطريقة غريبة وتركها بطريقة أغرب
وكما قلت أنت الأذكياء سيلاحظون وجود ثغره في الحكاية ...
لكنه اعترف وأمام الملأ ! "
رفعت الجالسة خلف المكتب كتفيها وقالت
" واعترافه أكبر دليل على الخلل في الموضوع فأي طريقة
اعتذار تلك التي تجعله يعترف بذنبه أمام الملأ ! هذا قتل للمرأة
وليس اعتذارا منها "
لوحت بيدها قائلة
" تلك المسألة مناقشتها مضيعة للوقت فليسا سوى رجل أعظم
وأنبل من أن يكون مخادعاً ولا كاذباً وامرأة متكاملة يتمناها كل
رجل في العالم إذا هي أحجية لا حل لها "
ابتسمت لها ولم تعلق فنقلت نظرها ليديها البيضاء على الطاولة
تبحث فيها عن أي خاتم وقالت مبتسمة
" وأين الرجال الحمقى عن امرأة مثلك ؟ لا أرى خاتم زواج
أم أنك لا تفضلين ارتدائه ؟ "
انقبضت تلك الأصابع على بعضها وانسدل جفناها الواسعان على
تلك الأحداق العسلية وهمست الشفاه الزهرية بحزن
" لم يكتب الله نصيبا بعد "
عضت شفتها وقالت باعتذار
" آسفة إن كان سؤالي سخيفا فأنا حمقاء هكذا دائما أنسجم
مع الناس بسهولة ، آسفة يا آنسة غدير "
رفعت نظرها لها ورسمت ابتسامة صغيرة لم تمحي الحزن
في عينيها الجميلتان وقالت محركة كتفها بلامبالاة
" أبدا ليس عليك أن تعتذري فليس خطأ أن تقف المرأة مع
نفسها لوقت أطول لكي تختار شريك حياتها "
تأوهت الجالسة أمامها بعدم تصديق قائلة
" آه لا أنت رائعة وجميلة فإن كنت تنتظرين رجلا كمطر شاهين
فتزوجي سريعا فلن يأتي "
وضحكت ما أن ختمت جملتها تلك ونجحت في زرع ضحكة
صغيرة صادقة على تلك الشفاه فكم تعشق هذا النوع من النساء
اللواتي يتعاملن معك وكأنهن يعرفنك من أعوام وليس لقائكم
الأول ، قالت مبتسمة
" لو يسمعك خطيبك قد يغضب ، ألا تخشين أن أوصل
هذا له ؟ "
ضحكت من فورها وقالت
" لا بالله عليك لا أريد أن أخسر الدراسة هنا "
ضحكت كثيرا وقالت
" يالك من امرأة استغلالية لا تنكر ذلك أبدا ! "
ضحكت وما أن كانت ستتحدث ماتت الكلمات على طرف شفتيها
تراقب اختفاء الابتسامة من شفتي الجالسة أمامها وقد استقر
نظرها على شيء ما خلفها جهة الباب قبل أن تقف مبتسمة
فالتفتت من فورها بفضول ونظرت للذي كان يقف عند باب
المكتب ووقفت أيضا تنظر بحاجب مرفوع .. للرجل الطويل
الرائع بالبدلة السوداء الأنيقة يمسك حقيبة حاسوب شخصي
في يده ويرفع طرف سترته بيده الأخرى التي يدسها في جيب
بنطلونه .. شعر أسود مصفف للخلف بعناية وعينان سوداء
فاحمة وحاجبان طويلان .. أنف مستقيم وشفاه تدل على شخصية
متحكمة مسيطرة يحفها شارب ولحية خفيفة .. فكان عريضان
وشخصية مميزة تصيب بالإغماء رغم أن صاحبها يبدوا بلغ
الأربعين من عمره لكن هيبة ذاك العمر هي ما زادته جاذبية
ووسامة ! راقبت نظراتها بفضول التي خرجت من خلف مكتبها
قائلة
" مرحبا قائد ما هذه الزيارة الغير متوقعة لحوران ! ظننتك
غادرت بالأمس "
تقدم نحو الداخل وقال
" بلى عدت اليوم من أجل أمر ضروري وأريد مساعدتك فيه
يا غدير "
ابتسمت له التي التفتت قائلة للتي أصبحت خلفها
" هذه زهور طالبة جديدة هنا وخطيبة لصديق قديم للعائلة ، وهذا
قائد نصران يا زهور هو رئيس مكتب المحاماة الذي أعمل فيه
وهو أستاذ هنا يدرس طلبة الماجستير كما أنه تم ترشيحه لإدارة
الجامعة لكن تواضعه المريع الذي جعله يرفض وظيفة الإدعاء
العام جعله يرفض هذا أيضا "
انتقلت تلك النظرات والأحداق السوداء له بدهشة على ذاك
الصوت الرجولي العميق باسما
" لما كل هذا الموشح التعريفي يا غدير من هذا الذي قال لك
أني أبحث عن زوجة ؟ "
قالت التي هربت بنظرها منه للواقفة خلفها تغتصب ابتسامة
صغيرة
" أرأيت كم هو متواضع درجة الإزعاج ؟ لا تخافي وأبدي
رأيك فهو لن يدرسك "
لم تستطع الواقفة أمامها أن تمسك ضحكتها وقالت
" لا أنا لا ترهبني هذه الأمور أبداً فسبب تركي لجامعتي السابقة
شجاراتي المتواصلة مع أستاذ القانون التجاري "
وتابعت تحييه بيدها من مكانها
" سعيدة بمعرفتك سيد قائد ولن أستغرب هذا التواضع من مدير
ومدرب هذه الجميلة المتواضعة "
نظرت لها الواقفة أمامها بصدمة وما أن التفتت خلفها شعرت
بقلبها سيتوقف ما أن وقع نظرها على تلك العينان السوداء
الناظرة له تزين شفتي صاحبها ابتسامة صغيرة والذي قال من
فوره
" غدير ستصل ابنة خالتي لمكتبك بعد قليل وستسلمك ظرفا ورقيا
سآخذه منك بعد نصف ساعة في مكتب العميد اتفقنا ؟ "
ليحطم ذاك القلب وتلك الابتسامة بصفعة مباشرة فبلعت غصتها
بصعوبة وهمست
" بالتأكيد أنا في الخدمة "
وراقبت نظراتها بحزن وأسى الذي نظر لساعته في معصمه قبل
أن يغادر من هناك ويختفي كما ظهر فتنفست بعمق مغمضة
عينيها قبل أن تنظر للواقفة خلفها وقالت بابتسامة مغصوبة
" يبدوا أن حلمك سيتتحقق وستري غسق شراع على
الطبيعة "
فغرت فاها بصدمة وقالت بدهشة
" قولي قسما ! هل هو مديرك ابن خالتها الذي سبق
وتحدثت عنه ؟ "
وما أن كانت ستجيبها تراجعت بسبب التي وقفت أمام باب المكتب
قائلة
" عذرا هل هنا مكتب الآنسة غدير ؟ "
لتنظرا كليهما لصاحبة البذلة السوداء فائقة الأناقة والرقي
والحجاب الأسود الملفوف بأناقة حول الوجه الدائري والملامح
الفاتنة وعينان رغم لفها له جهة صدغيها فقد لامست أطرافه
فتحتها الواسعة فاقت الليل سوادا تجعلانك ودون شعور منك تبتعد
عنها في باقي الملامح الساحرة لتعود لها في كل مرة تدور
حدقتاك بينها كالمنوم ..! وبينما استقبلتها تلك العينان العسلية
المليئة بالحزن والألم بابتسامة رقيقة كانت العينان الأخرى لم
تجتز ذهولها بعد فاغرة صاحبتها شفتاها بشكل طفيف وهمست
بما وصل للواقفة قربها فقط
" يا إلهي ليحضر لي أحدهم ذاك الرجل الأحمق لأضرب
رأسه بالجدار "
ابتسمت لها التي قالت بأدب ناظرة للواقفة عند الباب
" نعم سيدتي هنا مكتبي وأنا غدير تفضلي "
ابتسمت لها وتقدمت نحو الداخل بخطوات أنيقة ومدت يدها
مصافحة كل واحدة منهما وقالت للتي تعرفت عليها بسرعة
" تقابلنا في مكتب قائد أليس كذلك أم أن ذاكرتي خانتني ؟ "
ابتسمت لها بتواضع قائلة
" بلى سيدتي وسعيدة بأن كان لي فرصة أخرى لنتقابل
بشكل أقرب "
سحبت يدها وقالت تهديها ابتسامة أجمل
" وأنا كذلك يا غدير فقائد يمدحك كثيرا "
ونظرت للأسفل ما أن فتحت حقيبتها وأخرجت منها ما جعلها
تنظر له بصدمة والذي كان عبارة عن بطاقة دعوى مستطيلة
خاصة بالحفلات بإطار خشبي مزخرف بأناقة ففهمت فورا بأن
ما تحدث عنه سيكون مخفيا داخلها ويبدوا أنهما لا يريدان ولا
للطلبة المتنقلين في الممر أن يلحظوا ما ستعطيه لها وتابعت
مبتسمة
" حتى أنه يؤمنك على ما أستغرب أن يفعلها مع شخص غير
نفسه ! "
ومدت لها البطاقة على نظراتها الذاهلة ليس بسبب تلك البطاقة
بل بسبب ما سمعته وانتبهت لنفسها ما أن لاحظت نظراتها لها
وابتسامتها فشعرت بالإحراج وأخذتها منها متمتمه هاربة
بنظرها منها
" لا يأخذك تفكيرك لما يسافر له كل من يرانا معا فلسنا سوى
زملاء وقائد يفخر كل من يعرفه بأن يكون صديقاً له "
قالت مبتسمة
" بالتأكيد يا غدير وأنا من يعرفه منذ أن كنا أطفالاً لا يفهمه
إلا من يفكر بذات طريقته ... إنه شقيق رائع لي وأفخر
به كذلك "
نظرت لها باستغراب ونظراتها تنتقل لحقيبتها التي أغلقتها قبل
أن تنظر لهما وصافحت كل واحدة منهما مجددا وودعتهما
مبتسمة وغادرت من فورها أربع عيون ذاهلة تتبعها هذه المرة
خاصة للتي رمتها بقذائف مباشرة قبل أن تخرج لتتركها تسبح
في دوامة ذهول وفاتها أن تلك الفاتنة تستطيع قراءة النظرة
التي رأتها في عينيها ما أن تقابلتا أول مرة وسألت عنه ، ذهول
لم يخرجها منه سوى التي قالت من خلفها بصدمة ترتب شعرها
قائلة
" أثمة مرآة هنا لأرى إن كنت امرأة فعلا أم رجل "
فلم تستطع التي التفتت لها إمساك ضحكتها التي لم تستطع أيضاً
التحكم بها بسهولة لتوقفها وقالت ما أن هدأت
" ألم أخبرك بأنها تشعرك بالتقزم ؟ لا تزعجي نفسك أنت
امرأة وجميلة أيضا فلا تفكري في غير ذلك أو ستصيبك
نكسة مستديمة "
تنهدت بعمق وجمعت يديها عند جانب وجهها وقالت بحالميه
مبتسمة
" هذه إن لم يلق بها مطر شاهين فلا بديل له سوى ذاك الوسيم
الذي كان هنا قبل قليل ، فقط لا تخبري ذاك الجنوبي كي لا
يغضب مني "
وأتبعت ما قالته بضحكة صغيرة قبل أن تتابع بفضول تنظر للتي
أولتها ظهرها تخفي انفعالاتها عنها وقد دارت حول طاولة
مكتبها
" صحيح لما أنت من تأخذ منها ما قال عنه وليس هو
وهو هنا ! "
وقفت خلف مكتبها ووضعت البطاقة في الدرج ونظرت لها وقالت
" هذه أمور أنا نفسي لا أستطيع سؤاله عنها فليس جميع ما
يخص عمله نكون على إطلاع به ولا يحق لي أن أسأل عما لم
يفصح هو عنه "
حركت كتفيها وقالت مبتسمة
" آسفة كان سؤالا عفويا ولم يكن فضول بشع ، يبدوا لي أنك
مشغولة هل أراك اليوم مجدداً "
قالت بسرعة قبل أن تفكر في المغادرة
" لا أين ستذهبي فأنت موصى عليك من جنوبيك ذاك وعليا أن
اعرفك على جامعتك وطلبة تخصصك ومساعدتك فيما
ستحتاجينه منهم "
ابتسمت بسعادة وفردت ذراعيها قائلة بضحكة
" اقسم أن ذاك الجنوبي أفضل وأروع من مطر شاهين ومن
رئيسك ذاك أيضاً "
لم تستطع التي جلست خلف مكتبها إمساك ضحكتها وقالت
وهي تجلس
" تعالي اجلسي واحكي لي عن الأستاذ الذي تركت جامعتك بسببه
بينما سننتظر وقت ذهابي لمكتب العميد فتبدوا لي أن حياتك مليئة
بالمغامرات "
مطت شفتيها بضيق قبل أن تبتسم وتتوجه نحو الكرسي الذي
جلست عليه سابقا قائلة بحماس
" ما رأيك بمغامرات طفولتي فهي أكثر متعة من التحدث
عن ذاك الجنوبي المغبر "
*
*
*
اتكأ بخده على راحة يده وتنهد بضيق ينظر لحقيبته النائمة على
الأرض أمام قدميه وحسدها على لامبالاتها لا يعنيها إن خرجت
من هنا أم لا عكسه تماماً يكاد يحترق من الانتظار جالس هنا منذ
ساعات حتى بات يرى بأن ذلك سيمتد لوقت طويل ، تبعت حدقتاه
السوداء التي يخفي جفناه أغلبها حركة القدمان والحذاء النسائي
الذي يغطيه قماش فستانها الطويل وهي تجتازه حتى جلست
بقربه ووصله صوتها المنخفض مبتسمة
" لما لا تتصل بها أفضل من جلوسك هنا تنتظر لكل هذا الوقت
يا كاسر ؟ "
أدار مقلتيه للجانب الآخر وتمتم ببرود
" بالله عليك لا تسخري مني يا ثنانية يكفيني رماح لقد جعلني
أكره الرماح بجميع أنواعها "
خرجت منها ضحكة صغيرة وقالت
" ومن قال أني أسخر منك ؟ أنا فقط أقترح عليك ما أراه
أفضل لك "
تنهد بضيق وقال
" ومن قال أني لم أفعل ذلك ؟ لقد تحدثت معها قبل ساعتين وقالت
بأنها في مكتبها في البرج التجاري وستأتي لأخذي فيما بعد ولا
أرى أن للبعد هذا وجوداً "
قالت بذات ابتسامتها الرقيقة
" ليأخذك رعد إذا أو اذهب بنفسك فقد تكون مشغولة أو نسيت
تماما أنك تنتظرها فحفل الافتتاح اقترب وستكون منشغلة
بالإعداد والترتيب له "
أبعد يده وحركها قائلا بأسى
" لا يمكنني الذهاب لهم ودخول منزلهم ولأول مرة هكذا وحدي
آستي ما سيكون موقفي أمامهم ؟ لا وأحمل حقيبتي معي !
سأكون كطفل جلبوه من دار الأيتام "
ضحكت بصوت منخفض وما أن كانت ستتحدث قاطعتها التي
وقفت خلفه مباشرة قائلة بضيق
" ها أنت تعترف بنفسك بأن وجودك هناك خاطئ بل وغير
مرغوب به يا كاسر "
وقف من فوره والتفت للتي قال لها بضيق
" عمتي لما تقولين هذا ؟ والدتي موافقة وأبي بنفسه طلب
مني ذلك "
تبدلت ملامحها للقسوة وقالت بضيق أشد
" كاسر لا تناديه بأبي مجددا والدك هو الكاسر ابن شراع وإن
كان ميتا فلا تنزل من قدره لديك وفي قلبك "
نفض يده قائلا باحتجاج
" ومن قال أني أفعل ذلك ! لن يحب أحد والديه كمن فقدهما ثم
ها أنا أنادي عمتي غسق أمي فما المانع من مناداته أبي وهو
أبي فعلا ؟ "
قالت بضيق
" غسق ربتك ورعتك كابنها وأكثر من ذلك أما ذاك الرجل فلم
تعرفه إلا من أسابيع مهما كثرت فلا تفرض نفسك على من لا
يراك كما تراه "
شد قبضتيه بجانب جسده وقال بضيق مماثل
" خطأ عمتي فهو من طلب مني أن أناديه بأبي كابنته تيما
وأن أعيش معهم هناك أيضاً "
صرخت فيه من فورها
" ناده والدي مطر على الأقل إذا واحترم ذكرى والدك في قلبك
وفي هذا المنزل وأمام أشقائه وأمامنا جميعا فنحن لم ننساه يوما
إن كنت أنت لا تعرفه وذاك الرجل لا يحترمنا ويحترمه ، أنا لست
راضية أبدا عن تركك لعائلتك الحقيقية والانتقال هناك يا كاسر
فذاك المنزل ليس منزلك "
لوح بيده قائلا بضيق
" عمتي أخبريني ما مشكلتك معه فأعمامي لم يعارضوا ؟
ثم أنا ذاهب حيث أمي ستكون وإن للمريخ "
لوحت بسبابتها في الهواء قائلة بحدة
" لأن مصائبنا جميعها من تحت رأس ذاك الرجل وأنت لا تحتاج
لوالدتك أنت لم تعد طفلا يا كاسر فحتى الحيوانات تترك أهلها
وأعشاشها ، أنت رجل فلا تتصرف كالأطفال فرماح يحتاجنا
بقربه جميعنا "
قال محتجا
" رماح سيتزوج ولن يحتاج لأكثر من زوجته كعمي رعد تماما
أما أنا فأحتاج لوالدتي لا يمكنني العيش بعيدا عنها عمتي وإن
كنت عجوزا "
أشارت بيدها جهة باب المنزل خلفه وقالت بضيق
" وها هم لم يذكرك أحد منهم ، ستبقى غسق ابنة عائلة الشاهين
وأنت ابن شراع وثمة فرق شاسع بين غرب البلاد وجنوبها
والحالك وصنوان يا ابن الكاسر "
غزى الحزن ملامحه وما أن كان سيتحدث توقف فجأة والتفت
جهة باب المنزل حين سمع صوت السيارة التي توقفت في
الخارج فركض جهته قائلا بسعادة
" ها هي قد جاءت عمتي لتري بنفسك "
وما أن فتح الباب وقف متسمرا مكانه ينظر للذي كان واقفا أمامه
ينظر له .. لصاحب البدلة السوداء الفاخرة التي يشك أنه تخاط
لغيره مثيلة لها ..! صاحب تلك الوقفة الواثقة والرجولة الصارخة
فتبدلت نظرته لخيبة أمل عميقة وقال بإحراج
" ظننتك والدتي "
وتنحى قليلا قائلا
" عمي رعد ليس هنا يمكنك انتظاره قليلا .. تفضل "
لكن الواقف أمام الباب لم يتحرك من مكانه بل قال مبتسما
" أنا لست هنا من أجل رعد بل من أجلك أنت "
نظر له بصدمة لم يجاهد أبدا لإخفائها وقال مبتسما
" من أجلي ؟ "
أومأ له بنعم وقال
" أجل وهيا لنغادر "
ابتسم له بسعادة وعاد للداخل راكضا ورفع حقيبته من الأرض
ونظر للواقفة على يمينه وقال مبتسما
" وداعا يا ثنانية وسأزوركم قريبا وأخبري عمتي بأن
والدي بنفسه من جاء لأخذي من هنا "
وغادر مسرعا متجاهلا الواقفة خلف الأريكة مكانها والتي
قالت من خلفه بحدة
" سترجع هنا حين يرميك أنت ووالدتك تلك خارج منزله
وحياته يا كاسر وسأذكرك بهذا يوما ما فمن رماها مرة
سيرميها مرارا "
تجاهلها وتجاهل كل عباراتها المؤلمة الجارحة تلك متمنيا في
قرارة نفسه أن لا يحدث ذلك فعلا ليس من أجله أو بسبب كلامها
ذاك بل من أجل تلك المرأة التي لا يتمنى لها الألم مجدداً ومطلقاً
، ما أن وصل الباب وقف ينظر بصدمة للذي لازال واقفا مكانه
ومن ظن بأنه سيكون جالسا في سيارته أي أنه سمع كل
ما قالته فتلعثم ولم يعرف ما يقول تحديدا .. كان يريد أن
يبرر له أسباب عمته لكن الواقف أمامه لم يترك له فرصة
أطول وهو يستدير وينزل عتبات الباب الرخامية قائلا
" هيا يا كاسر فورائي اجتماع مهم "
فخرج ونزل خلفه فورا فنبرته لم تدل على الضيق أبداً مما
سمعه وهذا ما أراحه ، ما أن وصل السيارة التفت له الذي
كان يفتح بابه ونظر للحقيبة التي كان يجرها خلفه
وقال مبتسما
" ما كان من داع لنقل أغراضك يا كاسر فسأشتري لك كل
ما تريده وأكثر "
ابتسم بسعادة وفتح باب السيارة الخلفي ورفعها بصعوبة قائلا
" ولما نشتري ما أملك منه الكثير ؟ "
وأغلق الباب ما أن وضعها على الكرسي ودار حول السيارة
وركب بجانب الذي جلس خلف المقود قبله وكم يعجبه كل
شيء في هذا الرجل حتى أنه يقود سيارته بنفسه لا يتخذ
سائق ومرافق يحمل له حقيبته ! لازال كما سمع عنه من
الحكايات الكثير قبل عودته فذكره لم تنساه الناس ونقلته
لأبنائها خاصة من كانوا يدرسون معه من الحالك كان
بطلهم الذي يتحدثون عنه وكأنهم عاصروا وقت حكمه
لهم يذكرون جميع تفاصيل ما فعل وكان يفعل حتى شكل
سلاحه الرشاش ولونه وكيف كان يحمله في المعارك
ويشارك فيها .
ما أن خرجت السيارة من أسوار المنزل وبوابته حتى التفت
حولها سيارات حرسه عبر الشارع الواسع لا يمكن ولا لسيارة
خلفهم اجتيازهم رغم أن أغلب ساكني تلك الأحياء الراقية هم
مسؤولين في الدولة وشخصيات مهمة ووزراء والسيارات
المحاطة بالحراسة أمر عادي هناك لكن ليس كهذه وكالموكب
الذي يتبعها حتى أنه من ضمنهم سيارتين للجيش .
نظر ناحيته وقال
" كنت أنتظر والدتي .. لقد أخبرتني بالأمس بأنها ستأتي
لأخذي اليوم ويبدوا بأنها نسيت أمري تماما بوجود ابنتها
المدللة تلك "
نطر له قبل أن يعود بنظره للطريق وقال مبتسما
" لا هي لم تنساك أنا من أخبرها بأني سآتي لأخذك أم لا
يعجبك أن تغادر مع والدك ؟ "
ابتسم وقال
" لا بالطبع أنا استغربت فقط أنها لم تأتي "
وما أن عاد بنظره للطريق ابتسم بدهشة ما أن اجتازت
سياراتهم الإشارة الحمراء دون توقف فضحك وقال بحماس
" أول مخالفة ضد رئيس البلاد وسيتم مصادرة سيارتك "
ضحك الجالس بجانبه وقال
" هذا فقط لأننا كنا في الخط الأمامي حين أضاءت الإشارة
لكنا وقفنا ننتظر كغيرنا فلن نقفز فوق السيارات المتوقفة
أمامنا "
ضرب ظهر يده في كف الأخرى وقال
" ما يضايقني أن الإشارة مراقبة وسيروا في المرور أنك
خالفت الإشارة ولن يحاسبوك "
ضحك مجدداً ولم يعلق وما أن استدارت سياراتهم لشارع
فرعي ودخلت للشارع الواسع المحاط بأشجار الزينة والذي
جعله ينظر حوله مستغرباً وقال
" هذا ليس مكان منزلك من العاصمة إنه... "
ونطر له ما أن تابع نيابة عنه
" القصر الرئاسي ... بلى هو فمحطتنا الأولى هنا إلا إن لم
تكن لك رغبة في هذا "
قال بحماس
" كيف لا رغبة لدي في هذا !! أنا لم أزر هذا المكان بعد تلك
المرة الوحيدة قبل وفاة جدي شراع في آخر حفل رآسي ، الحفل
الوحيد الذي سمحت لي والدتي بحضوره "
قال الذي ابتسم بسخرية
" يبدوا أنها ترفض أن تكون رجل سياسة أو جيش ؟ "
نظر للشارع حوله وقال
" لا هي لم تقل ذلك سابقا لكنها كانت تفضل أن أكون أكبر قليلا
بعد للظهور في تلك الأماكن "
قال وهو يدير المقود لدخول وجهتهم الأساسية
" النتيجة واحدة يا كاسر هي ترفض أن تُبنى شخصيتك كرجل
سياسة أو حروب ، تريدك هكذا مرحا بسيطا تتخطى تعقيدات
هذه الفئة "
رفع كتفيه وقال
" لا أعلم كنت فقط لا أريد إغضابها في كل ما ترفضه وإن
رغبت به "
نظر له وعاد بنظره للطريق وقال
" وأنت مؤهل الآن لدخول هذه الأماكن يا كاسر إنه مكانك أكثر
من غيرك ، أريدك أن تحتك فعليا بهذا العالم فهو مصيرك نهاية
الأمر لأنه مكان والدك وجدك وأعمامك فستتعلم الكثير من
المشاهدة فقط الآن "
مد قبضته أمامه قائلا بحماس
" وأنا لا مانع لدي أبدا فإن بدأت دراستي فستسجنني والدتي
في المنزل كالعادة "
قال مبتسما
" ودراستك مهمة يا كاسر رغم أني أشك أنه سيكون ثمة دراسة
وأنت وشقيقتك في مكان واحد "
ضحك وقال
" لا تقلق من هذه الناحية فأنت لم ترى زوجتك بعد وقت
الإمتحانات ، لقد كانت تراقبني حتى في غرفتي وتعرض شريط
التسجيل أمامي نهاية اليوم حتى أنها تكتشف أني كنت أدعي
النوم فوق مكتبي الدراسي أحيانا "
ضحك ولم يعلق ودخلت سياراتهم بوابة ذاك المبنى الحجري
العملاق حينها ونظرات السعادة تشع من عيني الجالس بقربه
فهو بهذا أولاه اهتماما لم يقدمه له ولا أعمامه سابقا .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 72 others like this.
رد مع اقتباس
#9218
قديم 04-04-18, 11:12 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
طرقت بمفصل إصبعها باب المكتب المفتوح ودخلت ملقية السلام
مبتسمة فأجابها الجالسان في الدخال من فورهما ووقف الجالس
خلف طاولة المكتب أولا وتبعه الجالس أمامه أيضاً وراقبته
نظراته وهو يخرج من خلف طاولته قائلا بابتسامة
" سيكون لنا حديث مطول المرة القادمة يا قائد لا تنسى هذا "
وتحرك جهة الباب يخرج هاتفه الذي بدأ بالرنين من جيبه
مبتسماً على حديث الذي تركه من خلفه قائلا بابتسامة
" إن كان مشابها لحديثك هذه المرة فلن أزور حوران مطلقا
لستة أشهر على الأقل "
فخرج ضاحكاً ومجتازاً التي ابتسمت له وقد دخلت ما أن
غادر وتوجهت من فورها للواقف ينتظرها ومدت له
البطاقة قائلة بابتسامة
" وصلت الأمانة ؟ "
أخذها منها قائلاً بابتسامة مماثلة ونظره على ما في يده
" وصلت منذ أصبحت لديك بالطبع "
فابتسمت تراقب ملامحه وهو يفتحها وتمنت أن كانت استطاعت
أن تشعر بتلك المشاعر التي كانت تنتابها سابقاً حين تبتسم
لمديحه لها وثقته بها لكن ظهور تلك المرأة في حياته مجددا
جعل كل ذلك يتبدد ويضمحل وإن كانت متزوجة بل وليس من
أي رجل وتراه كشقيق لها كما قالت إلا أن ما يحمله لها هذا
الرجل لا يعلم سواه كيف وماذا أصبح وما أثر ظهورها
مجددا عليه والأمل الذي كافحت من أجله لما يقارب العشرة
أعوام ها هي تراه يتبخر الآن وكأنه لم يكن فعلى من ستلقي
باللوم الآن ؟ عليه أم على تلك المرأة أم على نفسها ؟
وهذا الأرجح ! .
أنزلت نظرها عن وجهه محرجة ما أن نظر لها فمن حماقتها
شردت فيه حتى نسيت نفسها ، نظرت ليده وللبطاقة التي
مدها لها بعدما أخرج منها الظرف الورقي المماثل لها في
الحجم فرفعت نظرها له مستغربة وقد قال مبتسما
" هذا يبدوا لي يخصك "
عادت بنظرها من عينيه لها ورفعت يدها وأخذتها منه وما
أن فتحتها وجدت اسمها مكتوبا ضمن الكتابة المذهلة المحفورة
بخط أنيق في الورق الأبيض الفاخر السميك وهذا ما لم تكن
لتتخيله أن توجه دعوة لها ! وما أن عادت بنظرها لعينيه مجددا
قال مبتسما
" قلة هم من يحضون بشرف حضور حفل افتتاح برج القمة
الجديد "
نظرت للبطاقة في يدها قبل أن تعود بنظرها له قائلة بفضول
جاهدت باستماتة لإخفائه
" غريب أمر كل هذه البطاقة وما فيها ... ! قائد أمتأكد من أن
أمورك ستكون على ما يرام ؟ "
ابتسم بصمت لبرهة قبل أن يقول
" أعتبره خوف على سلامتي هذا أم فضول نساء لم تكن
تعرفه غدير سابقاً ؟ "
أبعدت نظرها عنه مبتسمة بارتباك ولأنها تعلم ذكائه جيدا
وسرعة تحليله أقرت بالحقيقة مستسلمة
" وإن كان كلاهما فالأولى أكثر "
فابتسم من فوره ورفع الظرف الورقي في يده وقال ناظرا له
بشرود تتبعته نظراتها
" لا يمكنني أن أجزم بذلك يا غدير لكنه أمر قانوني وسليم تأكدي
من ذلك وما كان لي أن أرفض مساعدتها والشرط كان أن يكون
محامٍ ثقة ومن عائلتها ، ثم من كان على حق عليه أن لا يخشى
شيئا ولا الموت "
راقبت نظراتها ملامحه ورموشه السوداء الكثيفة المسدلة على
حدقتاه السوداء الشاردة فيما يقلبه أمامها وتنهدت بأسى ولم
تستطع قول ما تريد فعلا قوله واكتفت بما لن تتغلب على قلبها
فيه أبداً قائلة بهدوء حذر
" وإن يكن عليك أن تكون حذراً فما أعلمه بأن الأشخاص
المهمين في البلاد مسائلهم القانونية معقدة وخطرة أيضا
يا قائد وكم دفع ثمنها من لا علاقة لهم بالأمر "
وما أن رفع نظره لها حدث ما توقعته جيدا وابتعد عن الحديث
في الأمر قائلا
" هل ستحضري الحفل ؟ "
فتنهدت بعمق مسدلة رموشها البنية الطويلة للأسفل ورفعت
كتفيها قائلة
" لا أعلم ولن أستطيع رفض الدعوة .. لن يكون سلوكاً حسناً "
وتابعت وقد عادت بنظرها له
" وماذا عنك أنت ؟ "
قلدها رافعا كتفيه العريضان وقال
" حسب الظروف حينها وإن كان يمكنني زيارة حوران رغم
أنه حدث لا يفوت ، هل قرأت عنه في الصحف ؟ "
حركت حدقتيها العسليتان بعيدا عنه وقالت
" رأيت العنوان ولم أستطع تجاهل قراءته ويبدو مبنياً على
فكرة رائعة ولن يكون غريبا على صاحبة فكرة الشلالات
ومطاعمها في العمران "
وصلها صوته فورا قائلا بحماس
" أجل وأراه لا يقل عن مملكة الغسق بأكملها أهمية فأن تتبنى
مشاريع تجارية صغيرة تخدم العامة وتصعد حتى تتحول
لمشروع ضخم في البلاد عرض مغر للجميع وقد شدني في
اختياراتهم الأولى الثلاث أجنحة الأساسية في الطابق الأول
لهذا الشهر "
رفعت نظراتها التي تكاد تخونها قهرا وقالت مبتسمة
" أجل إنها فكرة رائعة فجمع الأدوية الغير مستهلكة من الناس
وشرائها وبيعها بثمن أقل لمن يحتاجها فكرة مميزة "
حرك كفه قائلا بحماس أكبر
" وهذا بالنسبة للمعدات الطبية أيضا والقرطاسية وما إلى ذلك
أي أن الناس ستدخل الطابق الأول من البرج لتبيع وتشتري
ولن ترمي من تلك الأشياء شيئا ، الجميع متحمس للافتتاح ..
إنه حديث الساعة تقريباً وفضولي يأخذني لمن سيصعد من
تلك المشاريع للطابق الثاني لتصبح مبيعاته على حسابهم
ومن سيصعد بعدها للثالث وللتعامل مع المعامل والمصانع
فالرابع وصولا للقمة حتى يصبح مشروعه مدعوما
من الدولة "
ابتسمت تعوّد نفسها على لعق جراحها قائلة
" الأمر يبعث فيك الفضول حقا بل هو مشروع ناجح لمساعدة
الفقراء ، علمت أن خمسون بالمئة من أسهم المشروع
ملك لها ؟ "
قال ينظر للساعة في معصمه
" أجل ونصفها وهبته لوالديها وشقيقها الكاسر وهذا ما سيجعل
داعمي المشروع كثر ، إنه مشروع خيري قبل أن يكون استثمار
تجاري "
وتابع من فوره وقد انحنى لحقيبة حاسوبه ورفعها
" علي المغادرة الآن هل توصين شيئاً "
قالت تتابع ملامحه بنطرها
" شكرا لكرمك .. زر والدي فقط في إحدى زياراتك لحوران
فهو يسأل عنك كثيرا "
نظر لها وابتسم قائلا
" معك حق سأمر به قبل مغادرتي ... وداعا إذا "
وغادر من فوره وتلك النظرات الحزينة تتبعه فما أقسى من أن
تكون لك منافسة في الرجل الذي تحبينه سوى أن تستمعي
لمديحه لها أمامك والأقسى من كل ذلك أن تشاركيه أنت
ذاك المديح ! .
تحركت مغادرة من هناك متنهدة بأسى فهي اعتادت معاملته
لها كزميلة وصديقة ومحامية في مكتبه لكنها لم تعتد أبداً أن
تقنع نفسها بأنه لا أمل مطلقاً لتغيير نظرته تلك لها .
*
*
*
جلست ورفعت نظرها للفراغ تتبع صوت الحركة المقتربة منها
وقالت مبتسمة
" أويس هذا أنت بني ؟ "
اقترب منها وقبل رأسها وجلس أمامها أمسك يدها وقبلها أيضاً
وقال مبتسماً
" تسأليني ذات السؤال كلما غبت وعدت وكأنه ثمة من سيدخل
لك غيري ؟ "
ابتسمت ومدت يدها لوجهه جهة صوته قائلة
" لدي صديقات يزرنني أيضا هل وحدك لك أصدقاء ؟ "
أمسك يدها ما أن اقتربت من وجهه وقبل باطنها ووضعها على
خده كما تريد وقال مبتسما
" من هي صديقتك الخيالية هذه التي لم أراها حتى الآن ؟ "
حركت كفها وأناملها على جانب وجهه بحنان وتجنبت كالعادة
أن تذكر له بأنها حوراء غيلوان لأنها تعرف ما ستكون ردة فعله
فقالت مبتسمة تنظر لملامحه التي تشعر بها ولا تراها
" أخبرتك بأنها جارة لنا وأنت لا تصدقني ، حتى أنها أخبرتني
بأن المستأجر لدينا تزوج من مايرين فلما لم تخبرني بهذا لنقوم
بواجبهم يا أويس ؟ "
تجهمت ملامحه فورا وأخفض رأسه فابتعدت يدها عنه ووصله
صوتها الهادئ
" أويس الفتاة لا ذنب لها فيما لم تختره هي لنفسها "
أشاح بوجهه جانباً وقال بضيق
" أمي أرجوك لا أريد التحدث عن هذا الأمر ولا أن تدخل تلك
الفتاة منزلنا ولا أن تريها فلن تكذبي عليا أبداً بأن الامر لن
يؤثر فيك "
تلمست قليلا حتى أمسكت يده بقوة وقالت
" حديثك هذا يا أويس ليس حديث من يثق في أن والده كان
بريئا من كل ما قيل عنه قبل موته ، إن كنت أنت تراه مذنبا
فأنا لا والفتاة ظلمت مثلها مثله تماما بل وأكثر منه ولا اصدق
بأنك ابني من يدافع عن المظلومين يقول هذا ! إن طلبت إحداهن
مساعدتك وكانت قد مرت بذات ظروفها هل كنت ستحكم عليها
ذات الحكم ؟ "
نظر لها وقال بذات ضيقه
" الأمر ليس بيدي أمي .. أنا لا أستطيع نسيان ما حدث لوالدي
ولك فكلما رأيتها ظهرت صورته وكل ما حدث أمامي وكرهتها
أكثر ، لا تطلبي مني ما هو فوق طاقتي كبشر أمي أرجوك "
لكن ذلك لم يوقفها وقالت بذات إصرارها
" لكنها ضحية أيضا يا أويس هل اختارت ما حدث لها مثلا ؟
هل سمعت يوما أنها نسبت نفسها لوالدك أو اتهمته بما حدث
معها ؟ هل ذكرته أو ذكرتنا بالسوء يوما ؟ لقد قاست تلك الفتاة
ما لم يقاسيه أي أحد منا ولا والدك فلما يستمر الجميع في
ظلمها ؟ أنت محام يا أويس ولديك مبادئ يفترض أن لا يؤثر
فيها أي شيء "
شد قبصته بقوة وقال بأسى وألم كسر قلوب الرجال
" كيف لم يقاسي يا أمي ؟ ألا يكفيه أن يتهم في شرفه ويجبر
على الاعتراف بطفلة ليست له وبأنه ارتكب فاحشة شنعاء
كتلك ثم يزوجوه بتلك الإرلندية أحب ذلك أم كره ، وليت
الأمر توقف عند ذلك فقط بل وقتلوه بدم بارد واتهموا الصحراء
والجوع وحتى الجنون بفعلها له ، ما الذي قاسته تلك الفتاة لم
يراه والدي ؟ وماذا عنك أنت وهم من حولوا حياتك لجحيم
منذ تلك الحادثة ووفاة الرجل الذي حرموني وحرموك منه
من قبل أن يموت ؟ "
غشي الحزن عيناها الفاقدة للنور بفقدان من بكته حتى رفضت
تلك الأحداق السوداء الرؤية بعده وقالت
" ها أنت تقولها بنفسك يا أويس هم من فعلوا كل ذلك ولم تنسب
أي تهمة لها فما ذنبها هي تظلمها مثلهم ؟ "
أشاح بوجهه جانبا وقال بأسى
" فعلت ما أستطيع من أجلها أمي ولا قدرة لدي لفعل أكثر منه
فما كان يمسك المدعو جسار عن رميها في الشارع من أعوام
سوى تهديداتي له وأنا من منعه من أن يزوجها لذاك العجوز
المجنون قبل عامين ، أكثر من ذلك آسف أمي لن أستطيع فتلك
الفتاة ليست مسئوليتي .. ليست شقيقتي ولا شيء يربطني بها "
تنهدت بعجز من عناده وقالت
" اتركها تزورني إذا ولا تراها أو لتأتي وقت سفرك لحوران "
وقف على طوله وقال بضيق ناظرا لها تحته
" أمي لما تصرين على زيارتها لك ؟ إن كنت تشعرين بالملل
والوحدة ننتقل من هنا لحيث تريدين في البلاد ويكون لك
جيران وصديقات "
قالت ونظرها معلق في الفراغ أمامها
" تعلم بأني لا أريد الابتعاد عن أرض والدك ولا عن الجنوب
ولست أشعر بالملل لكنه واجبنا ناحية صديقك على الأقل "
تنهد بعمق وقال بجمود
" يمان يعلم جيدا بالقصة وما حدث واجزم بأن زواجه منها
بورطة من شعيب وإخوانه وإن كان يرفض قول ذلك ويصر على
أنه تزوجها بمحض إرادته وليس مجبرا ، وأكثر من تركي لهما
هنا وخفض قيمة الإيجار التي رفضها زوجها لن أفعل حتى أنه
بات يعمل في أرضنا بعرض مني .. أمي أنا أفعل من أجلها فوق
مقدرتي وما تستحق "
حركت رأسها بيأس منه وقالت
" وما حدث بشأن الفتاة التي تقدمت لخطبتها ؟ أريد التعرف
عليها وإن بالتحدث معها عبر الهاتف بني فلم أصدق أن فكرت
في الزواج أخيرا "
نزل أمامها مستندا بقدميه وأمسك يدها وقبل باطنها وقال
" علينا أن ننتظر قليلا أمي فأنا لم آخذ موافقتها تقريبا
ثم ستتحدثين معها بل وتقابليها أيضا "
مدت يدها لوجهه ولامسته بحنان مجددا قائلة بابتسامة
" جعلها الله من نصيبك بني وقر عينيك بها وأراني
أبنائك منها "
أمسك يدها من وجهه وقبلها مجددا وقال مبتسماً
" أجل أمي هذا ما أحتاجه دعواتك ليرق قلب تلك المجنونة
على ابنك "
ضحكت وربتت بيدها الأخرى على يده الممسكة ليدها وقالت
" كم أنا متشوقة لمعرفة تلك الفتاة التي لعبت بعقلك هكذا !
بل وجعلتك تخرج من اكتئاب ضد الزواج تحديداً "
استند على ركبتيه وأمسك رأسها وقبله ووقف قائلا بابتسامة
" ما أن تعرفيها ستعلمين كيف ولما ، سأستحم وأصلي وأعد
الطعام فعلى معدتك أن تنتظر قليلا اليوم "
وغادر الغرفة من فوره نظراتها الحزينة معلقة في الفراغ بعده
وهمست بحزن أدمعت معه تلك العينان السوداء الواسعة
" أنالك الله كل ما تتمناه يا أويس وأشفى جراحك "
*
*
*
" دعي جذعك يأخذ شكلا مستقيما وافتحي كتفيك واشبكي ذراعيك
إذا أردت فهذا يشعرك بالقوة والسيطرة على محيطك ويشعرك
بالثقة كما أن استخدام الأجهزة الالكترونية في الأماكن العامة
يدفعك إلى اعتماد وضعية الظهر المنحني التي تقلل من
الثقة بالنفس "
نظرت لها بفضول تشعر بظهرها وكتفاها يتحركان مع حركتها
طوعا فهمست لها الجالسة بجانبها ونطرها على والدتها خشية
أن تمسك بها
" اجزم بأن هذه المرأة لا تفعل شيئا مما تقوله وهي هنا لتحتال
على والدتي فقط "
تلك الضحكة الرقيقة المنخفضة التي خرجت من الجالسة
ملاصقة لها جعلت جوزاء تنظر لهما فورا بينما ارتسم الانزعاج
على ملامح الجالسة مقابلة لثلاثتهن والذي سرعان ما انتقل
لملامح التي قالت بضيق
" بثينة يمكنك الخروج من هنا أفضل من أن لا تستفيدي ولا
تتركي غيرك يستفيد ، ما قلة التهذيب هذه ! ما المضحك فيما
سمعتماه ؟ "
عبست ملامح المعنية بالأمر ومدت شفتيها بعبوس بينما قالت
الجالسة بجوارها برقة معتذرة
" آسفة أمي لن يتكرر هذا "
فابتسمت لها فورا ابتسامة بددت كل ذاك الغضب والضيق في
ملامحها وقالت
" لا بأس بنيتي أعلم أنه لن يكون بسببك "
ونظرن ثلاثتهن للتي قالت بامتعاض
" لا يبدوا لي أن درس اليوم سينجح ، من التي تستطيع أن
تعيد لي ما قلناه ؟ "
نظرت لها بثينة بصدمة فلم تكن تتوقع أن هذا يحدث في هذه
الدروس أيضا بينما قالت الجالسة بجوارها بابتسامة انتقلت من
شفتيها الرقيقتان لملامحها الهادئة الجميلة وصولا للعينان
الرمادية الواسعة وبصوت رقيق منخفض
" قلنا بأنه علينا أن نجيد فن الإصغاء لمن يحدثنا وأن لا نقاطعه
وهو يتحدث وأن لا نتحدث بصوت مرتفع مزعج ، أن نبدأ الحديث
مبتسمين ببشاشة وأن لا نتحدث عن عيوب الشخص أمامه بل
نقولها له بطريقة لبقة كأن نتحدث عنها في شخص آخر في
خيالنا ، وأن لا نفرط في المزاح لأنه قد يجرح البعض ويكون
سلوكا سيئا وعلينا أن لا نتحدث عن الأشخاص الغائبين بسوء
فذاك يظهرنا بمظهر سيمقته الآخرين "
ابتسمت تلك قائلة
" جميل أنت منتبهة بالفعل لما أقول كما أنك طبقت ما تعلمناه
في الدرس السابق ولم تقولي بداية حديثك ( قلتِ بأنه)
بل قلت ( قلنا بأنه) وهذا أظهرك بمظهر لبق "
قالت التي نظرت لها بحنان مبتسمة
" بل لا أراها تحتاج درس اليوم فهي تطبق سلفا كل ما قيل "
وتابعت بامتعاض وقد نقلت نظرها للجالسة بجانبها
" لكن للأسف التي تحتاجه بالفعل لم تكن منتبهة أساسا لما
قيل ولا أمل يرجى منها أبدا "
قالت بثينة محتجة بضيق
" أمي لما تقولي عني هكذا ؟ أنا ابنتك أيضا لا تظهريني
كحمقاء "
قالت بضيق مماثل
" وماذا نقول عن التي لم تستطع حل مسألة درستها في الصف
السادس الإبتدائي بينما فعلتها التي بدأت الدراسة للتو غير
أن تكون غبية حمقاء "
نظرت لها بصدمة وقالت بحنق
" ألحق عليا أحضر الدروس معكم من باب التشجيع لها
كما تقولين "
واجهتها فورا بما هو أقسى من ذلك قائلة بحدة
" بل أراك تحتاجين لها فعلا لتراجعي ما درسته ونسيته
للأسف لعل مستواك الدراسي يتحسن قليلا "
عبست ملامحها أكثر ليقاطع حديثهما الطرقات
المنخفضة على باب الغرفة قبل أن ينفتح ووقفت أمامه
الخادمة التي قالت من فورها ناظرة لجوزاء
" سيدتي "
ولم تزد على ما قالت شيئا فوقفت جوزاء من فورها وغادرت
الغرفة خلفها وإن لم تكونا ابتعدتا عن الباب كثيراً بينما تركت
خلفها تلك الضحكات الرقيقة للجالستين تمزحان وبثينة تحاول
أن تغيض يمامة لنيلها كل ذاك المديح من مدرسيها اليوم ، بينما
قالت التي رفعت كتابها وحقيبتها مبتسمة
" أراكما الأسبوع القادم إذا يا جميلتان وستمران بإختبار
صغير بعده نحكم إن كنا تقدمنا أم على أحدهم أن يعيد
كل ما قلناه سابقا "
وغادرت ترافقها ابتسامة يمامة الرقيقة مودعة لها ونظرات
بثينة المصدومة والتي وقفت على طولها ما أن خرجت تلك
وقالت تمسك خصرها بيديها تنظر للجالسة تحتها ترفع
نظرها لها
" عليك أن تساعديني في الإختبار أو أوقعت بك لترسبي أيضا "
نظرت لها تلك العينان الرمادية بصدمة لم تؤثر في ذاك الميلان
الطفيف الجميل في طرفيهما وقالت
" أخشى أن تغضب أمي مني "
لوحت الواقفة فوقها بيدها قائلة
" هي لا تغضب منك أساساً ومهما فعلت "
وتابعت بضيق تشير لنفسها
" أما أنا فغضبها مني سيكون أسودا حينها وعلينا أن
نتعاون دائما لنتجنب غضبها ذاك "
نظرت لها بذهول وقالت
" نكذب عليها ونغشها !! "
حركت يدها أمام وجهها قائلة بجزع
" أصمتي لا تسمعك وتعلق مشنقتي .. آسفة لا أريد
مساعدتك في أي شيء يا حمقاء "
وتحركت من هناك ودارت حول الأريكة ونظرت لها من
هناك وأرسلت لها قبلة بيدها وقالت ضاحكة
" سأسبقك لغرفة التلفاز وستشاهدين ما سأختاره أنا
فسأصل قبلك هذه المرة "
فقفزت وركضت خلفها ضاحكتان وما أن وصلت الباب
وقفت بقوة حتى كادت تسقط وقالت باعتذار للتي ظهرت
أمامها فجأة وكادت تصطدم بها
" آسفة أمي ظننت أنك غادرت من هنا "
أمسكت بيدها وقالت مبتسمة
" لا بأس حبيبتي ... تعالي معي فثمة ضيف هنا من أجلك "
أشرقت ملامحها الجميلة الرقيقة بابتسامة واسعة وقالت
" يمان ؟! "
وماتت تلك الابتسامة عن شفتيها ببطء ما أن لاحظت اختفاء
مشابهتها من شفتي الواقفة أمامها وتبدلت نظراتها من
التوجس للخوف حين قالت
" بل والدك "
وما أن لاحظت جوزاء ارتجاف يدها بين يديها والدموع التي
ملأت عيناها المليئتان بالذعر مسحت على شعرها وقالت
" لا تخافي صغيرتي هو لن يضربك مجددا .. لا سلطة له
عليك الآن "
ارتجفت شفتاها وقالت بهمس باكي
" لكنه يظن بأني من أحرق المنزل كما أني جئت هنا بعدها
مباشرة وقد يكون غاضبا بسبب ذلك وجاء لأخذي من هنا "
مسحت على شعرها مجدداً تشعر بقلبها يحترق عليها وقالت
تحاول طمأنتها
" يمامة أنت متزوجة الآن وهنا مكانك الطبيعي لن يستطيع
إخراجك من هنا لن نسمح له وإن فعلها سنرجعك ، ثم هو لن
يفكر في فعلها بالتأكيد .. هو والدك رغم كل شيء يا يمامة
وعليك مقابلته ومعاملته باحترام أيضا "
زمت شفتيها تحاول التحكم في شهقتها الباكية ثم قالت
" أين والدي أيوب ليكون معنا ؟ لا أريد أن أقابله لوحدي "
شدت على يداها أكثر وقالت
" لو كان هنا لكان من استقبله وما كان ليتركه حتى يغادر
لكنه غادر لحوران منذ الفجر ، وأخبرتك أن لا تخافي منه
يا يمامة أنت في منزل زوجك لا سلطة له عليك "
وسارت بها من هناك تحاول طمأنتها وتشجيعها
وقلبها يتألم عليها فمن يفترض أن تركض له فرحة
مشتاقة تخاف حتى من ذكر اسمه والحديث عنه
وترفض أن يكونا في مكان واحد لوحدهما !
ومن يمكنه لومها على هذا فما عانته وقاسته مع تلك
العائلة وذاك المنزل كفيل بجعلها تصاب بالذعر منه
طوال حياتها .
وصلتا عند باب المجلس الداخلي وقالت لها جوزاء
هامسة تمسك يديها بقوة
" يمامة كوني كما أعرفك وقابليه باحترام وأدب وقبّلي يده
ورأسه ، أنا واثقة من أنك لن تفعلي غير ذلك وهو في النهاية
والدك ستحاسبين عليه أمام الله مهما فعل فله حقوق وعليه
واجبات مثلك أيضا ، وسأخبر غيهم يكون قريبا من هنا ولن
يتركه يأخذك إن كان هنا من أجل ذلك "
أومأت لها برأسها بحسنا والخوف والذعر لم يفارقا ملامحها
البريئة الجميلة تراقبها تلك العينان والنظرات الحزينة للتي
تركتها خلفها فبالرغم من أن أيوب وبعد إلحاح منها ساعد
والدها في بناء منزل جديد لهم في أرضهم بل وأخبره بأنه
هدية يمامة لهم لازالت تخشى من غضبه وأن يضربها
بسبب احتراق منزلهم السابق ! بينما كانت هي السبب
الأساسي في أن عرضت الفكرة على زوجها فكم أشفقت
عليها وهي تتحدث عن شقيقيها التوأمان وأنه لم يعد لهما
منزلا فهي لم تتوقف عن ذكرهما أبدا كما شقيقها الأكبر ، ثم
من غير اللائق أن يتركوا نسيبهم هكذا يعيش في خيمة في
أرضه حتى يبني منزله من جديد وهم يملكون المال وابنته
زوجة لابنهم ، لكن قدوم والدها هنا لا يطمئنها هي أيضا
ولا خيار أمامهم فهي ابنته نهاية الأمر .
*
*
*
دخلت المجلس الواسع المغطى بالسجاد الفاخر تغطي جدرانه
الستائر أجمعها وأرائك الجلوس الفخمة المرصوفة تقبض يديها
الصغيرتان حتى كادت تمزق لحم كفيها بأظافرها تنظر بخوف
للذي كان يتوسط المكان جالسا والذي ما أن دخلت ورآها قال
بملامح متجهمة قاسية كعادته
" تعالي "
فارتجف جسدها بأكمله واقتربت منه بخطوات بطيئة متعثرة
حتى وصلت عنده وفعلت كما أوصتها التي تركتها خلف
الباب وقبلت يده ورأسه ولم تشعر سوى بنفسها جالسة
قربه ما أن قال بأمر
" اجلسي "
ونطرت ليدها في حجرها تفركهما ببعضهما بقوة تنتظر
ما كانت تعرفه طوال حياتها وهي يده التي ستنزل على
عنقها بقوة تتابع بعدها الضربات من كفه القوي القاسي
دون تمييز ولا اهتمام لمكان ضرباته تلك ، لكن شيئا
من ذلك لم يحدث وصوته الحازم القاسي يصلها مجددا
" أين يمان ؟ "
رفعت نظراتها المصدومة له وقالت بتلعثم
" لا.... لم.... أنا لا أعلم أين يكون "
وارتجف جسدها مغمضة عينيها بقوة ما أن ضرب بكفه
على فخذه بقوة قائلا بحدة
" ومن يعلم إذا ؟ لن أصدق بأنك لا تعرفين أين يكون وهو
اختفى بعد إخراجك من الحريق ، كيف يترك عائلته ووالده
ومزرعته ؟ أعلى هذا ربيته قليل المروءة ذاك ؟
بل لم أعرف كيف اربيه أبدا ولا أنت أيضا وكان خروجك
قبله غلطة أخرى "
نظرت له بصدمة وخوف فتابع بغضب
" قولي هيا أين هو أو علمت جيدا كيف أجعلك تعترفين "
انكمشت على نفسها وقالت ببكاء
" لا أعلم أبي اقسم لك ولم أراه أيضا من قبل تلك
الليلة اقسم بالله "
رفع يده لأعلى ما يستطيع بسرعة مندفعا بجسده نحوها
ولازال جالسا فغطت وجهها بيديها منكمشة على نفسها تنتظر
ما توقعته تماما والذي سيليه بالتأكيد سحبه لها من شعرها
من هنا .
" مرحبا عمي ما هذه الزيارة الغير متوقعة ؟ "
نظر الذي رد يده مكانها قبل ان تصلها لباب المجلس الخارجي
المفتوح وعقد حاجبيه ينظر لصاحب الجسد الطويل الذي حجب
أغلب النور المنبعث من الباب الزجاجي المفتوح نصفه فقط
ونظر بحدة له وهو يدخل مقتربا منهما يديه في جيبي بنطلونه
الجينز وما أن وصل عندهما جلس بجوار التي كانت تنظر له
برجاء وخوف وضم كتفيها بذراعه وقبل رأسها نظره على الذي
كان يرمقهما بغضب وقال مبتسما
" لم تخبرني لأكون في استقبالك ، لكن لا بأس يبدوا بأنه
لم يفتني الكثير فلم تقدم لك القهوة بعد "
قال صاحب تلك الملامح القاسية من فوره
" أنا لم آتي لشرب القهوة بل لآخذ ابنتي ولأعلم أين
يكون شقيقها "
قال الذي نصب ساق على الاخرى لازالت ذراعه تحضن كتفي
الجالسة بجانبه
" ظننت بأنه ثمة عقد يربط اسمي باسمها وهي زوجتي فأين
ستأخذها ؟ ثم يمان انتقل للجنوب ولا أحد يعلم أين ، سبق
وأخبرتك بذلك عمي "
وما أن كان سيتحدث بما يعلمه جيدا ويتوقعه قال متابعا
" يمكنك إبلاغ الشرطة للبحث عنه .. أو اترك ذلك لي فأنا أيضا
أفكر في التحقيق بالنسبة لحريق منزلك وإغلاق الغرفة على
يمامة كي لا تخرج والآثار التي كانت على جسدها ومن السبب
فيها رغم أنها ترفض قول غير أنها سقطت من فوق صهريج
المياه لكن خادمتنا لها أقوال أخرى على ما يبدوا "
نطر له المقابل له بصدمة ولم يستطع قول أي شيء فهو يعلم
جيدا بأنه محام وما عقوبة العنف الجسدي التي تضاعفت مؤخرا
فكيف إن كان خاله يكون مطر شاهين نفسه ؟ ومؤكد أخبرتهم تلك
الخادمة بكل شيء وهو يرمي بحديثه هذا للتهديد ، وقف يرمق
التي يحضنها لكتفه بتوعد شديد لازالت تنظر له بخوف وقال
بجمود قاسي
" إن علمت أين يكون أو تحدث معك فأخبره بأني أريد رؤيته
والتحدث معه "
" بالتأكيد سأفعل "
قالها الذي ختم عبارته تلك بابتسامة جانبية باردة ينظر
للواقف فوقهما ويده تمسح برفق على ذراع التي لازال
يحضنها بذراعه بتملك فرمقه بضيق قبل أن يتحرك
مغادرا من هناك ، وما أن خرج من باب المجلس
انهارت تلك المرتجفة بخوف باكية تخفي وجهها بيديها
فحضنها بقوة بكلتا ذراعيه وقال
" لما البكاء يا يمامة ؟ هو لن يفعل لك شيئا أقسم لك فلن
أسمح بذلك أبداً "
قالت بعبرة
" كان سيأخذني من هنا يا أبان .. حمداً لله أنك أتيت "
قبل رأسها ومسح عليه قائلا
" لن يأخذك من هنا هل هي فوضى ؟ هو فقط يراك طعما
سيجلب يمان وخادمة خسرتها زوجته الكسولة تلك فهي
سبب كل هذا بالتأكيد "
وقبل رأسها مجدداً ينظر لها يمسح الدموع عن وجنتها بظهر
أصابعه قبل أن يلمح القدمان اللتان تسيران باتجاههما مسرعة
وما أن رفع رأسه وقع نظره فورا على التي مدت يدها ليد النائمة
في حضنه باكية لازال جسدها يرتجف حتى الآن وأوقفتها قائلة
بضيق
" هيا ادخلي يا يمامة لن يأخذك أحد من هنا ووالدك أيوب
حي يتنفس ووالدتك الثانية على قيد الحياة "
وقف بقفزة غاضبة الذي كانت تنظر له وهي تلقي بخطابها ذاك
وقال بضيق مماثل
" أمي اتخترقين الجدران وتدخلين أم ماذا ؟ ثم ماذا إن كان
الرجل لازال موجودا هنا وأنت تدخلين هكذا كالقذيفة
المشتعلة ؟ "
قالت تحضن التي لم تتوقف عن البكاء بعد
" كنت في الأعلى وأراقب كل شيء يحدث في الأسفل من
الشرفة وأعلم بأنه غادر ، وأنت أيضاً رافقتك السلامة فوالدك
أوصاني أخبرك ما أن ترجع أن تذهب للشركة في بينبان عمك
يريدك هناك وثمة مشكلة تواجههم "
تأفف بحنق وغادر من فوره ولن يستطيع قول أي شيء ولا أن
يعترض وهو يعلم ذلك جيدا ، لكنها في جميع الأحوال تبقى
شقيقة صديقه ويعرفه ويعرفها قبلها فلتتركه يتعامل معها من ذاك
المنظور على الأقل بدلا من أن تقف له كالشرطي هكذا ،
خرج من الباب الذي دخل منه منذ قليل وتوجه لسيارته
ركبها وضرب بابها خلفه متمتماً بحنق
" سنرى يا جوزاء الحالك وأنا ابنك النسخة المصغرة عنك
في كل شيء "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 69 others like this.
رد مع اقتباس
#9219
قديم 04-04-18, 11:14 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
نظر عاليا للسماء الصافية وتنهد بضيق متمتما
" صبرني اللهم على هذه الطفلة "
لتلكمه تلك القبضة على صدره وكما توقع قالت الواقفة
أمامه بضيق
" ومن قال بأنه سيشتري كوبا غيره ؟ لن تشرب في ذاك
الكوب مجددا تيم أتفهم "
نظر لها ورفع ذراعيه جانبا لتظهر حركته تلك الجسد المخفي
تحت سترته المفتوحة وقد التصق به القميص القطني المشدود
مبرزا تفاصيله الرجولية قائلا بضيق
" ولا مال لدينا لنشتري هذا الكوب مرتفع الثمن الذي وقع
اختيارك عليه تحديدا فهل أبيعك له مقابلا له مثلا ؟ "
عبست ملامحها الجميلة الرقيقة وهمست بحزن
" تبيعني تيم ؟ وبكوب ! "
تنهد بعمق ونظر للذي كان يراقب نقاشهما مبتسما وإن كان
لا يفهمه وقال بحنق
" كيف يتعامل زبائنك مع النساء اللحوحات هكذا ؟ "
ضحك الواقف خلف الطاولة الخشبية المغطاة بمضلة والمليئة
بالقطع الخزفية الجميلة والمميزة وقال مبتسماً
" إن كان يحبها فما أن تمتلئ عينيها بالدموع يخرج المال الذي
كان يخبئه عنها أما إن لم يكن كذلك فيذهب ويتركها تتبعه
غاضبة "
نظر بطرف عينيه للواقفة تنظر له بحنق فرفعت أصبعها وأشارت
خلف كتفه وقالت بضيق
" غادر هيا أعلم أن هذا ما تفكر فيه ، ولعلمك فقط أنا لن أتبعك
لأنهن لا يحببن أولئك الرجال لما تبعت واحدة منهن رجلا المال
أهم لديه منها "
مرر أصابعه في شعر قفى عنقه متأففا وقال وهو يبعد يده جانباً
" ماريا لا مال لدي سوى ما سندفعه لسائق سيارة الأجره
فاسألي نفسك من السبب في كل هذا فتيم الطفل الفقير ما كان
ليشتري لك الكوب لأنه لا يملك المال وكما اخترت تماماً "
ضربت بقدمها الأرض وقالت بحنق
" لابد وأنك تخبئ شيئا ما للحالات الطارئة .. أنتم الرجال
جميعكم متشابهين "
أدخل يده في جيب بنطلونه وأخرج الورقة النقدية الوحيدة
الموجدة فيه ورفعها أمامها وقال
" أقسم بأني لا أملك غيرها ، سنعود هنا ونشتري ما تريدين
في يوم آخر "
فحدث المتوقع حينها وإن كان تأخر عما كان يتوقع وامتلأت
مقلتاها الذهبية الواسعة بالدموع هامسة بأسى
" لنغادر إذا لم أعد أريده أبدا ومطلقا "
فحرك رأسه بقوة متنهدا بضيق وأمسك ذراعها وسحبها نحوه
وهمس في أذنها
" ستدفعين ثمن كل هذا ماريا ما أن نكون وحدنا وستري "
وتركها والتفت جهة الذي لازال يراقب ما يحدث ينتظر أن تنتصر
زبونته نهاية الأمر وأدخل يده في جيب بنطلونه الخلفي وأخرج
خاتم الزواج الماسي ومده له قائلا
" هل تأخذه مقابلا لما ستختاره هذه الجشعة من بضاعتك "
تنقلت تلك الأحداق الزرقاء بذهول بين يده وعينيه والخاتم قبل
أن يمد يده ويأخذه منه خطفاً وكأنه يخشى أن يغير رأيه وقال
ينظر له بين أصابعه بدهشة
" بالتأكيد ولتأخذها جميعها إن أرادت "
نظر للواقفة بجانبه والتي كانت تنظر له مصدومة قبل أن ترفع
يدها وتتأكد من أن خاتمها لازال موجودا وقالت ما أن
عادت بنظرها لعينيه
" من أين أحضرته ! "
قرب وجهه منها وقال بنزق
" عدوتك اللدود هي من وضعته في يدي قبل أن تغادر
صباحا غاضبة "
نظرت له بصدمة قبل أن تقول بضيق
" وكنت رميته عليها وهي مغادرة لما تخبئه في جيبك ؟ "
شد على أسنانه مكشرا وهمس من بينها بغضب مكتوم
" ماريااااا "
فأجفلت للخلف قائلة بابتسامة طفولية
" حسنا شكرا لك "
وتركته ونظرت فورا للمعروضات أمامها مبتسمة بحماس
لتموت تلك الابتسامة ما أن وصلها ذاك الصوت البارد
للواقف بجانبها
" خذي ما يمكنك حمله لوحدك لأني لن أساعدك في حمل
أي شيء "
رمقته بطرف عينيها بضيق قبل أن تنظر للمعروضات مجدداً
ورفعت الكوب الذي أعجبها واختارته سابقا فقط ونظرت له
وقالت مبتسمة بمكر
" هذا يكفي لا يمكنني حمل المزيد "
أمسك يدها وسار بها مبتعدان عن هناك قائلا بحزم
" لا تنطري لطاولات باقي الباعة أو فقأت لك عينيك فلا شيء
لديا أقدمه ثمنا لجشعك "
ابتسمت وسارت بجانبه بخطوات سريعة لتجاري خطواته
الواسعة وما أن ابتعدا عن ذاك المكان حضنت ذراعه وقالت
مبتسمة تنظر له
" وماذا ستخبرها بشأن خاتمها ؟ "
قال ببرود ينظر لوجهتهم بين الأشجار المصفوفة على جانبي
الطريق المرصوف بالأحجار
" ضاع مني بالطبع فلتشتري غيره أو تفعل ما يحلو لها "
ابتسمت بانتصار تشد ذراعيها على ذراعه أكثر وقالت
بحماس تنظر له رغم أنه لازال ينظر للبعيد
" وماذا إن أضعت أنا خاتمك ؟ "
وقف فوقفت لوقوفه ونظر لها وحرك رأسه وكأنه يشير لشيء
ما خلفها وقال بجدية
" افعليها لأرى "
ابتسمت بضحكة صغيرة وقالت
" لنفرض مثلا أنه ضاع مني دون قصد ؟ "
أشار لعينيها بسبابته والوسطى يقبض باقي أصابعه وأدارهما
ناحيته وكأنه يهددها باقتلاع عينيها وقال بحزم
" سأغضب وأصرخ بك طبعا لأنه كلفني الكثير "
وتابع محرك كفه جانباً مفرود الأصابع قائلا ببرود
" ثم سأشتري لك أفضل منه بالطبع فلن تبقي دون خاتمي أبداً "
فقفزت متعلقة بعنقه وحضنته بقوة وقالت ضاحكة
" كم أحب هذا الغاضب على الدوام يا بشر "
أبعدها عنه وشدها من ذراعها وسار بها جانبا نحو الأشجار
وأدارها خلف جذع أبعد شجرة وصلاها واقترب منها ملتصقا
بها وقال ناظرا لعينيها المحدقة فيه باستغراب
" حان وقت رد الدين الآن "
ألصقت رأسها بجذع الشجرة خلفها وقالت
" دين ماذا ؟ "
قرب وجهه منها وقال بابتسامة جانبية
" دين ما تأخذيه مني منذ الصباح طبعا "
وتابع ببرود رافعا قبضته أمام وجهها فاردا أصابعه بالتتابع
" حملتك وركضت بك وعبرت بك النهر ، أكلتي طعامي ، عكرت
مزاجي ببكائك الطويل وجعلتني أشتري لك كوبا خزفيا بخاتم
ماسي ولم تكافئيني ولا بقبلة بخيلة مثلك "
أجفلت هامسة بصدمة
" أنا بخيلة ! "
نقل يده لوجهها ودفع جبينها بسبابته قائلا بابتسامة
" بل جشعة وأريد قبلة تشبهك فورا "
فضحكت ورفعت ذراعيها لعنقه وحضنته بهما بقوة وشدته
ناحيتها أكثر وأهدته قبلة تشبه قبلاته هذه المرة لكنها لم تفرغ
فيها غضبها مثله بل حبها ألا محدود له تتغلغل أصابعها في
شعره يتحرك رأسها مع ميلان رأسه يزيد من جنون قبلتها التي
شاركها فيها سريعا ، وما أن أبعد شفتيه يسحب أنفاسه بقوة
همس بابتسامة ماكرة
" هذا ثمن حملي لك عند الجسر فقط "
نظرت له بصدمة وضربت صدره بقبضتها قائلة
" يالك من جشع وتتهمني بعيوبك ! "
ابتسم بمكر وقرب وجهه منها وقبلها دون أن ينتظر خياراتها
وكانت قبلته رقيقة كقبلاتها هي سابقا جعلتها تستسلم في أقل من
جزء من الثانية إلى أن دفعته عنها بقوة هامسة بأنفاس متقطعة
" أحدهم قادم "
فنظر جانباً يسمع صوت الخطوات التي كانت تقترب منهما بالفعل
وأمسكها من يدها متأففا وسار بها من هناك متمتما بضيق
" الله يحبك فعلا ماريا "
فابتسمت تتبعه شبه راكضة .. تعشقه ولن يكفيها أن تعيش
عمرها بأكمله بقربه وأن تهبه وتعطيه وتعطيه دون توقف
ولا مقابل فالحب لا يطلب ثمنا أبدا هو ذاته أكبر وأجمل
العطايا والهدايا .
*
*
*
ركضت جهة باب المنزل وخرجت منه راكضة ونزلت العتبات
قفزا جهة الذي نزل من سيارة والدها وقفزت ناحيته عند أخر
عتبتين واستقبلها هو ضاحكا ورفعها عن الأرض متعلقة
بعنقه ودار بها حول نفسه وما أن أنزلها ابتعدت عنه وفردت
ذراعيها قائلة بسعادة
" مرحبا بك في منزلك الآخر "
فضحك ورفع ذراعيه جانبا أيضا وقال مبتسما
" بل مرحبا بي في غرفتك وسأرد لك الدين مضاعفا يا ابنة
مطر شاهين "
كشرت في وجهه ونظرت للذي أغلق بابه وقالت
" الرجل في ممر غرف الرجال أبي أليس كذلك ؟ "
وتابعت تنظر بطرف عينيها للواقف أمامها
" إلا إن كان طفلا طبعا ويخاف من النوم بعيدا عن والدته "
نظر لها بصدمة قبل أن يرمقها بنظرة متوعدة فأخرجت له
لسانها ضاحكة واقترب منهما الذي أمسك بكتف الواقف
بجانبه وقال مبتسما
" سنأخذ برأيه طبعا "
فضحك على الصدمة التي اعتلت ملامحها وقال رافعا
سبابته والوسطى ملتصقتان
" بجانب غرفة والدتي "
أمسكت خصرها بيديها وحركت رأسها قائلة بتملق
" وماذا إن كانت غرفتهما في الأعلى ؟ "
ابتسم ببرود متمتما
" إذا الغرفة التي بجوارها "
نظرت للواقف بجانبه وضربت بقدمها الأرض قائلة
" أبيييي !!! "
فابتسم وقال
" كلاكما كبر ولم يعد يحتاجها .. هيا عرفي شقيقك على
منزله وعائلته "
أمسكت بيده وسحبته منها صاعدان عتبات الباب قائلة بابتسامة
" عمي صقر ليس هنا سأعرفك بجدي أولا "
نظر لها أمامه وقال باستغراب
" جدك !! "
وقفت وسط بهو المنزل والتفتت له وقالت مبتسمة بحماس
" أجل فما لا تعلمه بأنه هنا منذ وقت قريب وقد دخل البلاد
أخيرا "
ابتسم بسعادة وقال
" يا إلهي كم هذا رائع "
وتابع ينطر حوله للمكان الذي يراه ويدخله أول مرة
" وأمي أين هي ؟ مؤكد هنا لقد شارفت الشمس على المغيب "
سحبته من يده مجددا قائلة
" أجل إنها معه في غرفته ، لقد كنت هناك معهما قبل
خروجي لكما "
وسارت به عبر الممر الطويل ودفعت باب الغرفة الشبه مغلق
ودخلا فوقف مكانه ينظر بفضول خالطه الكثير من الحماس
والانبهار للواقف قرب النافذة التي كانت تجلس ابنته على كرسي
قربها وفي أبعد أحلامه لم يكن يتخيله هكذا خاصة وأن الشعر
الأبيض لم يتعدى صدغيه وشعرات قليلة من لحيته ! وله ذات
نظرة وثقة وهيبة ذاك الرجل الذي أحبه من قبل أن يراه ، إنهم
بالفعل عائلة سلاطين سلالة عظماء لن يستغرب أن التاريخ لم
ينساهم أبداً وقصص بطولاتهم من أجل الأرض والعرض لازالت
على كل لسان .
هول الصدمة والمفاجأة وتوتره كانوا السبب الأول في ضياع
الكلمات من لسانه فكان الحديث الأول من الواقف هناك قائلا
بابتسامة
" مرحبا بالكاسر ابن الكاسر ابن شراع ، شقيقتك جعلتني أتلهف
لمعرفتك .. ووالدك لم يترك لي طبعاً المجال لأقف أتأملك كما
تفعل أنت معي الآن وهو يظهرك معه اليوم في جميع وسائل
الإعلام "
اتسعت ابتسامته وقال بسعادة
" هل نتصافح كرجل لرجل جدي "
ضحك الذي رفع له ذراعيه له فتحرك نحوه مسرعا من فوره
وتشاركا حضنا رجوليا قويا كما طلب وأراد ، وما أن ابتعد عنه
أمسك كتفه وقال
" أنا سعيد حقا بأنه لي حفيدان بدلا من واحد "
امتلأت عيناه امتناناً وفخراً وقال
" وأنا فخور بأنه لي جد آخر مثلك وإن كانت تشاركني تلك
المدللة فيك "
وأتبع جملته تلك بضحكة صغيرة شاركه فيها الواقف أمامه
فتحركت التي شهقت بصدمة وتوجهت نحوه وحضنت عنقه
بذراعها من خلفه تتكئ بذقنها على كتفه الآخر ونظرت لجدها
وقالت مبتسمة
" هو يكذب فقط فهو يحبني درجة أنه يزعجه الاعتراف بذلك "
وضحكت ما أن دفع وجهها بيده ثم سحبته من يده وقالت مغادرة
به من هناك
" تعالى لترى أشجار العائلة قبل أن تغيب الشمس ، وما أن
تتعرف على عمي صقر سيجلب لك واحدة من اختياره
ويفجعك مثلي بالتأكيد "
وخرجت به ضاحكة تتبعهم نظرات الذي نظر للجالسة قربه
وقال مبتسما
" يبدوا فتى رائع لا يختلف عن جده وأعمامه "
نقلت نظرها من الباب الذي تركاه بعدهما مفتوحا له وقالت
بهدوء
" أجل أبي بل ومختلف عنهم أيضا لقد ربيته بنفسي وغرست
فيه ما تريده المرأة في الرجل ليكون زوجا وأباً رائعا مستقبلا
وتكون عائلته في المقام الأول بالنسبة له "
ضحك من فوره وقال
" لا تربيه على أن يكون فتاة وتدمري الفتى يا غسق "
شدت قبضتها على ذراع الكرسي وقالت بضيق
" بل ربيته ليكون رجلا لكن ليس أن يفهم الرجولة بالشكل
الخاطئ التي يكون فيها الرجل صارم وقاسي وجاف ومتحجر
كل شيء لديه في المقام السابق للمرأة "
رفع حاجبيه بدهشة وقال
" غسق لا تنفسي عن عقدك في الفتى !! "
تبدلت ملامحها الفاتنة للحنق وقالت
" أبي أتراني معقدة ؟ أم أن الرجل الذي يقدر المرأة ويحترمها
هو الذي لا يصلح أن يكون رجلا ولا يستحق أن يحمل ذاك
المسمى ؟ ثم ما قصد ابن شقيقك بالحركة التي فعلها اليوم وهو
يظهر به أمام الإعلام يحضر معه اجتماعاته مع أؤلئك موتى
القلوب رجال الجيش "
نظر لها بصدمة وقال
" وقولي كما سيفكر البعض بأنه يستعرض ذلك أمام قبائل
صنوان ليستميلها "
وقفت وقالت بضيق
" أعلم بأنه لا يفكر في ذلك وأعلم أيضا بأنه يريده أن يكون
نسخة عنهم رجال السياسة والحروب ، أنا أرفض أن يكون
ابني كمطر شاهين ورجاله "
ابتسم ونظر ناحية الباب المفتوح بل وللذي أصبح واقفا
أمامه وقال
" ها هو هنا بنفسه ليسمع رأيك المخيف فيه "
نظرت أيضاً ناحية الذي دخل بخطوات واسعة بطيئة وأنيقة
يرتدي قميص بذلته الأبيض الناصع وربطة العنق السوداء
دون سترة يرسم على شفتيه ابتسامة جانبية وهو يقترب
منهما حتى وقف بجوارها تحديدا ينظر لها مميلا رأسه جانبا
وقال
" الأراء السلبية التي تكرمني بها ابنتك كثيرة فما
الجديد الآن ؟ "
ونظر تحديدا لعيني التي نظرت له بضيق بينما قال دجى ضاحكا
" زوجتك ترفض أن تصنع من ابنها نسخة عنك وعن رجالك "
ابتسم له ونظر للتي كتفت ذراعيها لصدرها ونظرت للجانب
الآخر بعيدا عنه فحضن كتفيها بذراعه وقبل رأسها
وقال مبتسما
" الكاسر هناك مكانه الطبيعي حفيد زعيم صنوان أما هذه
الغاضبة على الدوام فاتركها لي أتفاهم معها فيما بعد "
أبعدت ذراعه عنها وتحركت من مكانها وحملت صينية الشاي
معها فقال دجى مناديا بابتسامة
" أين تأخذين الشاي لم أنتهي من شرب كوبي الرابع بعد "
وضحك بسبب الذي لحق بها بخطوة واسعة والتفت ذراعه
حول خصرها موقفا لها قائلا بصدمة
" لا تقل بأنه شاي الأعشاب الخاص بها ؟ "
وقربها منه على صوت الواقف خلفه قائلا بضحكة
" أجل ويبدوا بأني لن أشربه بعد الآن "
فابتسم الذي شدها له وهمس في أذنها
" أين ذاهبة به أقسم أن مذاقه لازال في فمي حتى الآن "
حاولت دفع جسدها للأمام بعيدا عنه قائلة بضيق
" أبي أخبر ابن شقيقك يبتعد عني "
ضحك الذي توجه نحوهما وأخذ صينية الشاي من يديها
وقال وهو يرجع بها للخلف حيث الطاولة قرب النافذة
" الآن اتركها يا مطر .. وإن لم يفعل فلك أن تدفعيه عنك "
فضربت ساعده بقبضتها حتى أبعده عنها فغادرت الغرفة
بخطوات غاضبة تلف شعرها الذي انفك من مشبكه يراقبها
مبتسماً قبل أن ينظر للذي قال بابتسامة يجلس على الكرسي
يرتشف من كوبه
" هل أفهم ما سر زيارة المنزل للمرة الثانية اليوم على
غير العادة "
توجه نحوه وسكب لنفسه كوب شاي وغادر به ملوحا له بيده
دون أن يعلق تراقبه نظرات الذي تنهد بعمق متمتماً
" ليشفي الله الجراح .. ليشفي الله ما صنعته بكما السنين "
*
*
*
حاولت رفع جسدها ويدها أكثر تتمسك بالغصن بقوة على
صوت الواقفة على كتفيه قائلا بضيق
" بسرعة يا حمقاء شديها بقوة لتنقطع .. لقد حطمت
لي كتفاي "
حاولت مجددا أن تشد البرتقالة الكبيرة الممسكة لها
بأصابعها الرقيقة وبقوة أكبر لكن النتيجة كانت ذاتها فقد
كان الغصن يتحرك مع حركة شدها لها نحوها فنظرت له
تحتها وقالت
" سنحتاج لسكين لن ينجح الأمر هكذا "
رفع رأسه لها وقال بتملق
" وكيف ستمسكي السكين بيد والبرتقالة بيد لتقطعيها يا ذكية ؟
انزلي هيا لا فائدة ترجى منك "
تمتمت بعبوس وهي تنظر خلفها لتتوازن وتنزل
" أحمق الحق عليا أريد إحضارها لك "
لتنتبه حينها للواقفة على بعد مسافة منهما تكتف يديها لصدرها
تنظر لهما بضيق فشهقت بصدمة أفقدتها توازنها خاصة مع
محاولة الذي كان يمسك قدميها المستقرتان على كتفيه أن
يوازنها وكانت النتيجة أن وقعت موقعة له معها على الأرض
وقد صرخ كل واحد منهما بما يناسب حالته .. صرخة صدمة
من التي هوت للأسفل فجأة وصرخة متألمة من الذي سقط
جسدها عليه بقوة جعلته يصطدم بالأرض وجسدها فوقه ،
فابتعدت عنه واقفة معتذرة تنظر له بقلق ووقف هو بصعوبة
ينفض التراب عن ثيابه شاتماً بهمس وملامح متألمة قبل
أن ينظر لها وقال بضيق
" بما أنك تعلمين أنك بدينة هكذا ترقصين فوق كتفاي لماذا ؟ "
ونظر لها باستغراب حين لم تعلق كعادتها وتغضب لأنها ليست
كذلك واستدارت حدقتاه ببطء وتوجس حين أشارت له بإبهامها
خلفه تختبئ به عما تشير له ، وما أن استدار للخلف ووقع نظره
على الواقفة هناك شهق بصدمة وأشار للواقفة خلفه والتي كانت
تشير له ذات الوقت وقالا معا
" هي من أراد البرتقالة "
" هو من أراد البرتقالة "
لكن نظرة الواقفة هناك لهما لم تتغير ولم تعلق أيضا ونظرتها
الغاصبة لا تبشر بأي خير فبلعت تيما ريقها ولم تتحدث بينما
ابتسم الواقف بجانبها بسعادة ما أن ظهر له الذي اقترب من
وراء ظهر تلك الغاضبة يمسك كوب شاي في يده وقال
بابتسامة واسعة
" ها قد جاء من سينقذنا "
انتقل نظر الواقفة بجانبه لما كان ينظر بينما لم تلتفت الواقفة
أمامهما للخلف لعلمها بهوية القادم من هناك دون أن تراه والذي
وقف على بعد خطوات منها واتكأ بكفه على جذع شجرة التفاح
وقال مبتسماً
" أنا موافق على العقوبة التي ستختارها لكما "
فانخفضا كتفا التي تنهدت بأسى بينما ضرب الواقف بجانبها
جبينه بيده قبل أن ينزل بها لفمه يخفي شفتيه فيها وهمس لها
" بشراك إذا فلا أبرع منها في إلقاء العقوبات "
فرمقته بطرف عينيها وتمتمت بأسى
" هل عليا نطق الشهادة إذاً ؟ "
أبعد يده ونظر للواقفة أمامهما لازالت تكتف ذراعيها لصدرها
ناظرة لهما بغضب وقال باستسلام
" حسنا أمي يمكنك معاقبتي بأي شيء إلا إخراجي من
هذا المنزل "
فانسدلت تلك الأجفان والرموش الكثيفة على الأحداق السوداء
الواسعة تخفي عنهما نطرة الحزن بسبب ما قال واستدارت من
فورها مغادرة من هناك لم تنظر لشيء غير خطواتها تخفي كل
ذاك الحزن حتى عن الواقف مكانه يرتشف من كوبه يتبعها
بنظره كما تلك النظرات المصدومة للواقفان هناك قبل أن تقفز
تيما صارخة بسعادة وضربت كفها بكف الواقف قربها
ضاحكان وقد قال مبتسما
" لقد نجونا بأعجوبة "
ليقتل تلك الضحكة وذاك الانتصار الذي لم يدم كثيرا الصوت
الرجولي العميق القريب منهما والذي قال صاحبه ببرود
" نجوتما من عقابها هي أما أنا فلا "
فتحولت نظراتهما له يحدقان فيه بصدمة قبل أن يقول الكاسر
بأسى للواقفة بجانبه
" والدتك لا أسوأ شيء في الحياة من عقوباتها وأنا الخبير
في ذلك فماذا عن والدك ؟ "
قالت من فورها وبعبوس
" علينا نطق الشهادة بالفعل "
وراقبا باستغراب الذي ضحك ضحكة صغيرة قبل أن يغادر
هو أيضا من هناك ودون أن يعلق بشيء فنظرا لبعضهما
بصدمة قبل أن يضحكا بانتصار ودارت حوله التي قفزت على
ظهره متمسكة بعنقه قائلة بضحكة
" هيا يا حصاني "
فانحنى قليلا وأمسك بساقيها وتحرك بها قائلا بضيق
" تزوجي لك حصاناً ما وارحميني لقد كسرت لي ظهري "
تعلقت بعنقه بقوة وقالت ضاحكة
" تحرك هيا ولا تنسى بأنك من وعدني بهذا إن قطفنا
البرتقالة أم لا "
*
*
*
دخلت مبنى الجامعة شبه راكضة تمسك مذكراتها في
حضنها بقوة وكأنه تخشى أن تفقد إحداهما الأخرى
فتخسر الوقت المتبقي معها وتخسر تباعا حربها مع
الزمن فيصبح الركض في أروقة الجامعة حلها الوحيد
حينها ! دخلت الباب الرئيسي بسرعة متمتمه بضيق
تجتاز الطلبة السائرين أمامها
" كله بسبب ذاك الأحمق تركني نائمة وغادر دون أن
يتفقد حتى إن استيقظت أم لا "
وما أن وصلت ممر المدرج الرابع وقفت بقوة مرتدة
للخلف حتى كادت أن تقع للوراء تنظر بصدمة للواقفة
بجوار أحد أبواب القاعات المفتوحة تكتف ذراعيها
لصدرها ويبدوا أنها تنتظرها من تلك الابتسامة
والنظرة الساخرة التي رمقتها بها قبل أن تبعد إحدى
يديها وتمررها خلال خصلات شعرها الأحمر القصير
فانفتحت عيناها بصدمة تنظر للخاتم الماسي في
سبابتها ...! خاتم الزواج الذي كانت تلبسه سابقا
والذي دفعاه لذاك البائع ثمناً لكوب القهوة الخزفي
الذي اختارته بالأمس ! ولم تنتهي الصدمات المتتالية
عند ذلك وعيناها تراقب بجزع يدها الأخرى التي كانت
تقبضها على شيء ما فيها وبدأت فجأة برميه في الهواء
ليعود مستقرا في كفها وترميه مجددا تباعاً لازالت ترسم
تلك الابتسامة الساخرة على شفتيها والتي بدأت بالتحول
لابتسامة انتصار تدريجيا وحدقتاها الذهبية الذاهلة المرتعبة
تتبع قطعة النقود الرومانية التي كانت تطير في الهواء
صعودا فنزولا ... القطعة النقدية التي لا يملكها أحد غيره
وقد أرسلتها له مع باقي تلك الأغراض قبل أيام وقبل أن
تنتقل للعيش في منزله ! القطعة النقدية التي لم تفارقه
منذ طفولته سوى تلك الليالي التي نامت فيها تحت
وسادتها في منزل عم والدتها ! فما يعني كل هذا ؟
أبعدت شفتيها بشهقة صغيرة خافتة لكنها كانت كفيلة
بتدمير كل شيء في داخلها وسقطت كتبها ومذكراتها
من يديها للأرض وهي تنظر برعب للذي ظهر من الباب
الموجود خلفها يبتسم ذات تلك الابتسامة الماكرة ولم يكن
سوى ذاك الشاب الذي حقق معها في المنظمة والذي
ضربه تيم بسبب ذلك !
تراجعت خطوة للوراء تنظر لهما بصدمة لتوجه لها
صاحبة تلك الملامح الإنجليزية الفاتنة الضربة القاضية
وهي تهمس بسخرية
" مرحبا ماري ....... أو لنقل ماريه هارون "
فارتجف جسدها بأكمله وتقاطرت الدموع من عينيها
فورا وتراجعت للوراء أكثر هامسة بعبرة
" لا يا رب أي شيء إلا تيم ... افجعني في أي شيء
غيره أرجوك "
ولم يتوقف تراجعها للوراء ولا تقدم اللذان كانا
يقتربان منها يضحكان بصوت مرتفع حتى وصلت
قدماها لمكان مفتوح فارغ لا أرض فيه ! لا جدران !
لا أضواء ولا أحد غيرها ! فسقطت فيه على الفور
صرختها الباكية تكاد تصم أذنيها .
جلست بشهقة مفزوعة يدها على صدرها تتنفس
بقوة تنظر للفراغ المظلم أمامها بخوف وذعر شديدين
دموعها تتقاطر من عينيها وقد بللت وجهها من قبل
أن تستيقظ لا يردد لسانها سوى التمتمات المتفرقة
متعوذة بالله من الشيطان بهمس مرتجف ، وارتفعت
أناملها المرتجفة لشفتيها وحضنتها بها هامسه ببكاء
" حمداً لله لم يكن حقيقة ..... !! حلم ماريه إنه حلم ! "
وغادرت السرير من فورها تمسح دموعها بظهر كفها
بقوة ولبست حذائها القماشي المزين بالأزهار الصغيرة
كلون وشكل بجامتها الربيعية الجميلة قصيرة الأكمام
وخرجت من الغرفة ووجهتها فورا باب الغرفة المغلق
والموجود في الجانب الآخر من جدار بهو الشقة الواسع
الشبه مظلم ، أمسكت مقبض الباب وأدارته ببطء وفتحت
الباب قليلاً وتنهدت بارتياح متكئة بجانب رأسها على
إطاره تهمس حامدة الله بخفوت حزين ما أن وقع نظرها
على النائم على السرير يده تحت رأسه والأخرى ترتاح
عند وسط جسده الذي يغطي نصفه باللحاف بينما النصف
العلوي لا يغطيه شيء ولا أي قطعة من ملابسه .
" تعالي ماريا "
امتلأت عيناها بالدموع وابتسمت بحب ما أن وصلها صوته
الهامس بخفوت ما يزال نائما مكانه فكما توقعت تماما فهو
سيشعر بفتحها للباب وإن كان نائما فعلى هذا عاش وتدرب
يشعر بالذبابة التي تطير فوقه مهما كان نومه عميقا .
" تعالي هيا... "
دخلت الغرفة بخطوات بطيئة ما أن همس بتلك الكلمات
ولازال مغمضا عينيه ولم يتحرك فيه شيء ولا جفناه ، وما
أن نظر ناحيتها ورفع طرف اللحاف كاشفا عن جرء من
بنطلونه الرياضي المغطي لفخذيه ركضت نحوه واندست
معه تحته ونامت في حضنه تشدها ذراعه له بقوة وهمس
ببحة نعاس
" ألم تنامي حتى الآن يا كسولة ؟ "
اندست في حضنه أكثر هامسة بخوف وأنفاس
قصيرة متقطعة
" بل كنت نائمة ، لقد .. رأيت كابوسا وكان مخيفاً "
وارتجف صوتها وهي تدفن وجهها في عنقه هامسة
" كان مخيفاً جداً "
رفع يده لرأسها تداعب أصابعه شعرها وهمس
بصوت مرتخي
" لا تخبري عنه أحد إذا "
وارتفع طرف شفتيه متابعا بابتسامة خفيفة
" وإن لم يتكرر الكابوس هنا سيكون علينا استبدال الغرف "
شدت ذراعها على خصره وأبعدت وجهها ونظرت له
هامسة بابتسامة
" وماذا إن تكرر ؟ "
قبل طرف أنفها وقال مبتسما
" سنجرب الشرفة حينها فقد تري حلماً جميلا "
لكمت صدره ضاحكة ونامت في حضنه مجدداً فابتسم
وسحب اللحاف حتى كتفيها وهمس
" لا تتحركي كثيرا أو طردتك مفهوم ؟ "
قالت بضحكة خفيفة
" اتركني أرجع لغرفتي إذا "
" هششششش نامي هيا "
ابتسمت تحضن خصره بذراعها بقوة وما هي إلا لحظات
وتمللت قائلة تمسك ابتسامتها
" تيم ذراعك تضايقني أبعدها عن عنقي "
نزل بها لكتفها دون أن يتحدث ولا أن يفتح عينيه وما
هي إلا لحظات وتحركت مجدداً متمتمه
" لا أشعر بأنك مرتاح هكذا "
فخرجت منه تنهيدة طويلة متضايقه ونام على ظهره
تاركا ذراعه التي لازالت تحتها ومبعدا الأخرى عنها
وهمس ببرود ولازال مغمضاً عينيه
" أنتن النساء ....!! "
وأشار لصدره بيده الحرة هامسا بصوت مرتخي
" تعالي هيا يا محتالة "
فابتسمت ونامت على صدره من فورها مغمضة عينيها
تشعر بذراعاه تحضنانها بقوة ووصلها صوته الخدر الذي
شعرت به في ذبذبات أضلعه قبل أذنيها
" ستكون الليلة إذاً تجربة لحياة زوجية إما ناجحة
أو فاشلة للأبد "
خرجت منها ضحكة صغيرة وقالت تداعب أصابعها
عضلة صدره
" وما علاقة هذا بذاك ؟ "
أبعد يدها ووضعها على خصره هامسا
" لأني لا أحب أن يقترب مني أحد وأنا نائم بل ولا
يشاركني السرير .. أعلمتِ لما ؟ "
دفنت وجهها في صدره مبتسمة وهمست
" ليكن معلوما لديك إذاً بأنه سيكون عليك مستقبلاً أن تعتاد
هذا .. لا خيار أمامك "
فابتسم ولعبت أصابعه بشعرها قبل أن تحضنها ذراعاه
بقوة ممسكا لها وانقلب بها للجانب الآخر صارخة بضحكة
وقال يحضنها بقوة
" عليك إذاً أن تنامي بالطريقة التي تريحني أنا لا أنت
واصمتي أو رميتك من النافذة "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 66 others like this.
رد مع اقتباس
#9220
قديم 04-04-18, 11:17 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
أخرج هاتفه من جيبه ونظر له ولاسم المتصل وارتسمت ابتسامة
جانبية على طرف شفتيه وهو يقطع عليه الاتصال للمرة ما فوق
العاشرة لليوم لكنه أرسل له بعدها هذه المرة
( توقف عن المحاولات فلن أجيب عليك حتى تتعلم أن تحترم
الاتفاق بيننا ، وجرب فقط أن تتحدث مع تيما مجددا ولن تراها
وإن وافقت هي عليك )
وما أن أرسلها له أغلق هاتفه وأعاده لجيب سترته وأخذته
خطواته فورا جهة الممر الذي أوشك أن يفقد الأمل في أن
يدخله من أجلها يوما ، وصل باب الغرفة وأمسك مقبضه
وفتحه ببطء فتسلل النور خلال ظلامها القاتم في مسار طويل
أسقط شعاعه العريض فورا على ذاك السرير الواسع والنائمة
عليه فابتسم بدفء ودخل وأغلق الباب خلفه ولامست أصابعه
زر الإنارة دون أن يبعد نظره عنها ليعم ذاك النور القوي الغرفة
مظهرا له ملامحها بوضوح يلتف ذاك الشعر الأسود الحريري
حول عنقها تخبئه مع جسدها تحت اللحاف تعانق غرتها
المتساقطة على وسادتها جبينها الصغير .. وجنتاها لازالتا
تتأثران بتقلبات الجو مهما كان بسيطاً وهي نائمة ..! وتنام تلك
الرموش السوداء الكثيفة عليهما بسلام روحي مهيمن كليلة
مظلمة خالطها نور الفجر في ظاهرة يستحيل لها أن تحدث
وتتكون سوى بإعجاز إلهي ، شفتاها الزهريتان منفرجتان
قليلا في جمال مغر حد الهذيان تفقد المرء صوابه .
اقترب منها وجلس على حافة السرير برفق ورفع يده وقرب
أنامله من وجهها ببطء حتى لامست خصلات غرتها يرفعها
لشعرها ممررا أصابعه بينها يستشعر نعومتها الحريرية
واستمر ذاك الملاك النائم في جذبه تباعا فانحنى ناحيتها
وقبل شفتيها برقة وابتعد يشعر بكل شيء سحب منه وبقي
حيث تلك النعومة المتفجرة وراقب مبتسما جفناها اللذان
ارتفعا ببطء كاشفان عن تلك العينان الواسعة والأحداق
السوداء الكبيرة تنظر له بصمت وسكون فقرب يده لوجهها
ومسح برقة على طرفه يلامس إبهامه حاجبها الرقيق الطويل
وهمس مبتسما
" رجل مزعج أعلم ذلك "
فأنسدلت رموشها مخفية عينيها عنه مجددا فابتسم وانحنى
ناحيتها من جديد وما أن تلامست شفتيهما لم يكتفي بقبلة
صغيرة هذه المرة بل جعلها أعمق وأقوى وأشد فتكا ينحني
ناحيتها أكثر وارتفعت زاويتا شفتيه ما أن استسلمت له بل
وشاركته قبلته بشغف مماثل قبل أن تدفعه عنها وابتعد هو
ضاحكا بخفوت يراقبها تخبئ وجهها تحت اللحاف وقالت
بضيق من تحته
" مطر ابتعد عني الآن وفورا أو طردتك من هنا بطريقتي "
ابتسم واقترب منها وقبل وجنتها من فوق قماش اللحاف الناعم
وهمس بهدوء
" لنصعد لغرفتنا غسق .. أعدك أن ينام كل واحد منا في
طرف من السرير فقط لنكن معا هناك "
طال صمتها كما انتظاره فقبل رأسها وابتعد عنها وما أن كان
سيغادر السرير أبعدت اللحاف عن وجهها فنظر لها مبتسما
ورفع يده وأشار لها بأصابعه بمعنى ما رأيك ؟ واتسعت ابتسامته
ما أن جلست ورمت شعرها للخلف ليسقط على ظهرها حاضنا
ذراعيها وكتفيها وغادرت السرير متمتمه ببرود
" تنقض عهدك سأنزل مفهوم ؟ "
وقف من فوره ومد يده ناحيتها وهي تدور حول السرير
وأمسك ذراعها وسحبها منها ودفعها ناحيته قائلا بابتسامة
" إذا هاتي واحدة أخرى قبل أن نغادر من هنا ويقتلني
ذاك الوعد "
ودون انتظار ولا تراجع أو اكتراث بتمنعها قبلها مجددا يشدها
لجسده بقوة أصابع يده الأخرى تتغلغل في شعرها وعاد لسحبها
لعالمه المليء بالشغف مجددا ولم يشعر أيا منهما أنهما أصبحا
عند الجدار حتى التصق ظهرها به وظهر أناملها تلامس برودته
خلفها بجانب رأسها وكأنها تثبت نفسها به من السقوط فأبعد
شفتيه عنها أنفاسهما المتلاحقة تعبر مجرى تنفس أحدهما للآخر
وهمس مبتسما يلامس إبهامه طرف وجنتها نزولا
" أشعر بالحياة في كل مرة يا غسق لأننا لم نفقد
هذا الشعور بعد "
أسدلت جفنيها على الأحداق التي اكتسحها الألم وبقوة تخفيها
عنه .. أجل لم تفقد ذاك الشعور بعد وأبداً وهذا أكثر ما بات
يقتلها .. أن جراحها منه ورغم عظمها لم تجعلها تكره كل هذا
وتنفر منه ! وماذا تنتظر مثلا فوق ما حدث وفعل ؟
فتحت عينيها ما أن سحبها من يدها وغادر بها الغرفة وما
أن كانا عند نهاية الممر وقف والتفت لها وانحنى ورفعها
فشهقت بصدمة وقالت بضيق ما أن اجتاز بها بهو المنزل
" مطر توقف عن هذا الجنون .. ماذا إن رآك أحدهم ؟
لسنا وحدنا هنا "
صعد بها عتبات السلالم بخطوات سريعة قائلا
" رجل وزوجته ما سيقولون مثلا ؟ "
التفت أصابعها حول ياقة سترته تتمسك بها متنهدة بضيق
ولم تجد لها خيارا سوى الانصياع لكل هذا حتى كانا داخل
الغرفة وأنزلها فابتعدت عنه من فورها وتوجهت للسرير
فابتسم يراقبها وهي تندس تحت اللحاف عند الطرف الآخر
للسرير بل وفي أقصى حافته وغطت جسدها بأكمله حتى
نصف وجهها فأغلق الباب وتوجه للحمام وأغلقه خلفه
محرراً بصوت ذاك الباب الدموع في عيني التي دفنت
ملامحها في الوسادة الناعمة تحتها والتي لا تزيدها إلا
عذاباً تستنشق رائحته فيها.. وجوده .. دفئه تسجن
عبراتها هناك حيث بقاياه ، لو يعلم كم يقتلها بكل هذا
بدلا من إحيائها وهو لا يخصها به لوحدها ، ما الذي
يحاول فعله ؟ يذلها مجددا ويبتعد عنها ويتركها ؟ متى
ستتقرر نهاية عذابها متى فقد تعب الموجود بين أضلعها
من كل شيء حتى منها هي نفسها ، لم يعد يمكنها التحمل
أكثر لا جراحها ولا ألمها ولا مشاعرها إنها تموت ..
تموت ولا يمكنها إيقاف ذلك ، ألم يكفيه كل ما فعل بها ؟
لا لن يفهم أبدا لأنه لن يشعر أبداً بما سبّبه لها من أذى
وهو وفوق هجرانه سابقا لها يطعن قلبها ومشاعرها
وأنوثتها في كل مرة ما أن عاد حتى باتت ترى ذلك
في نظرات الجميع حولها وبطريقة قاسية قاتلة ..
نظرات الشفقة .. السخرية الاستنقاص والاستهزاء ، ترى
كل ذلك وتتجاهله حتى لم يعد يمكنها فعل ذلك ..
وكيف لها أن تلومهم وهو من قدمها لهم وجبة جاهزة
يأكلونها كيف يشاءون ، حتى أنها باتت تسمع كل تلك
الهمسات بوضوح وكأن البعض بات لا يهتم ولا بتشييعها
علناً وأقساها واكثرها وجعا
( لا يمكن لرجل طبيعي أن يبحث عن امرأة أخرى وهذه ملكه ..
لابد وأن العيب بها وأكبر مما قد يستحمله رجل ) .
مسحت عيناها بقوة ودست رأسها أيضا تحت اللحاف
ما أن توقف تدفق المياه في الحمام وما هي إلا لحظات
وانفتح الباب وتتبعت بسمعها حركته في الغرفة تشعر
بأنفاسها تفقد توازنها تدريجياً تسحبها لصدرها بصعوبة
وهمست ببرود ما أن شعرت بإبعاده للحاف في الجهة الأخرى
" لا تنم من دون قميص "
ابتسمت تلك الملامح الرجولية التي تراقب جسدها
من فوق اللحاف و قال صاحبها
" لن أرتاح في النوم حينها وأنت أكثر من يعلم ذلك"
انقبضت أصابعها على اللحاف تكاد تمزقه بينها تقاوم
دموعها وخرج له صوتها البارد من تحته
" سأنزل لغرفتي إذا "
جلس على حافة السرير وقال مبتسما لازال يراقب
جسدها المختبئ عنه بالأغطية الناعمة
" ها أنت بعيدة حتى يكاد جسدك يسقط من السرير ففيما
سيؤثر نومي من دون قميص ؟ "
رمت اللحاف عنها وغادرت السرير فقفز من فوره واعترض
طريقها وفتح باب الخزانة أمامها وأخرج قميصا قطنيا ولبسه
بحركة سريعة وقال وهو ينزله على خصره
" ها قد لبسته ، أتريدي أن ألبس فوقه واحد آخر أيضاً ؟ "
اولته ظهرها من دون أن تعلق لتعود للجانب الآخر من
السرير فمد يده ناحيتها وأمسكها من ذراعها وسحبها
نحوه مبتسما وقبل خدها من خلف ظهرها فخلصت نفسها
منه بضيق قائلة
" مطر لا تنسى وعدك أو سأخرج من هنا حالا "
ضحك ودار لجهته من السرير وجلس هناك موليا ظهره
لجهتها منه قدماه على الأرض يشعر بحركة التي
اندست في مكانها السابق فالتفت لها برأسه فقط فلم
تكن تخفي عنه وجهها أيضا هذه المرة تخبئ شعرها
في حضنها مجدداً فاستند بيده على السرير مستديرا
بنصف جسده جهتها وقال مبتسما
" ما السر في تغيير عادتك السابقة ترمي شعرك خلفك
وأنت نائمة ؟ "
وراقب باستغراب التي انكمشت على نفسها تخفي
عينيها في ذراعها بل ودموعها الصامتة ولم يفهم ولن
يفهم أبدا كيف ترك لها ذكرى وألماً وفراغاً برحيله
الذي طال بطول عذابها ذاك ، ترك ذكراه ورائحته في
كل شيء .. تركها لها بعده حتى في خصلات الشعر الطويل
الذي كان يدفن وجهه فيه يفرده على وسادته يلعب بخصلاته
ويوزعها كيف يشاء ليرحل ويترك لها كل ذاك الشوق والعذاب
والألم حتى بات انزعاجها من ذاك الشعر الذي كانت ترميه
خلفها دائما حين تنام أكثر ما تحضن فيه شوقها له حتى أصبح
نومها من دون احتضانه أمر يستحيل حدوثه .. فيا ليته يفهم
فقط ما فعله بها فلم يزدها برجوعه سوى عذاب وهو يذبح
روحها المرة تلو الأخرى .
تسللت أصابع يدها الأخرى لعينيها من تحت ذراعها
تمسح دموعها برفق وعلمت من انخفاض السرير خلفها
أنه استلقى بل ومن تنهيدة التعب الطويلة التي صدرت منه
وكأن جسده ينتظر فقط أن يصل هناك ، وطال صمته وسكونه
حتى ظنت بأنه نام لولا وصلها صوته عميقا مما زاد بحته
المميزة وضوحا وكأن النوم بدأ يسحبه تدريجيا
" الثنانيين قبلوا بجميع الشروط يا غسق لكن العرب تلكؤا !
أيمكنك تصور ذلك ؟ نحن من كان نبينا يعقد الهدن ويقبل الشروط
من أجل سلامة المسلمين وتحسين صورة الإسلام نرفض ضم
شعب لموطنه ! "
نظرت للفراغ بحزن تستمع لإشراكه لها في هموم يومه
ومسئولياته ، أمر لم يكن يفعله في الماضي ولم يجرب
يوما فعله ! مسحت الدمعة من رموشها قبل أن تفكر في
مفارقتها ولا أن تتشربها أساسا ووصلها صوته الهادئ
العميق متابعا
" إن كنت ثنانية يا غسق فما سيكون رأيك فيما يحدث ؟
حتى أن الأرض أرضك وخسرت الكثير من أبناء قبائلك
بسببهم ويرفضون بكل برود إنصافك ؟ "
لم تستطع هذه المرة منع الدمعة التي انسابت من طرف
عينها للوسادة تحتها تتشربها بنهم وهمست ببحة حزن
" لو كنت ثنانية لكنت وثقت بك وتركت التفكير في كل ذلك
لك أنت لأنك ستدفع عمرك وكل ما تملكه ومن حولك من
أجل شعبك "
وأغمضت عينيها بألم ما أن تسربت منها الدموع تباعا تشعر
بحركة الذي جلس خلفها وقد وصله معنى حديثها جيدا كما
تجزم فدفنت وجهها ودموعها وشهقاتها الصغيرة المنخفضة
في وسادتها ما أن شعرت بملمس أصابعه على ذراعها وأنفاسه
الدافئة تتسرب لبشرة طرف وجهها وبقبلته الصغيرة لصدغها
وهمس عند أذنها بأسى
" لم أظلم يوما غير نفسي يا غسق تأكدي من ذلك "
لكن كلماته تلك لم تكن تزيد جراحها إلا نزفاً بل ويضيف لها
واحداً جديداً في كل مرة فكيف ستصدقه وتكذب الحقائق
التي تحاصرها من كل جانب ؟ تحركت أصابعه على ذراعها
نزولا لخصرها ووصلها همسه الهادئ
" غسق تعالي لحضني .. أنت وعدتني أن تستمعي لي حين
يحين الوقت فامنحينا هذا الوقت أيضاً "
لكن التي طفت جراح خيانته لها للسطح حينها كان الموت
أقرب وصف لحالتها تلك اللحظة وروحها تنسلخ منها تشعر
بذلك في أدق عرق في جسدها وخرج صوتها مرتجفا مليئاً
بالمرارة
" لا أستطيع ... حضنك يؤلمني يا مطر ... لقد أصبح مؤلماً
حد الوجع "
وخبأت ملامحها ودموعها وعبراتها في وسادتها أكثر
ويده تبتعد عنها ببطء كما باقي جسده بل ووجعه واحتياجه
وقلة حيلته وجلس عند طرف السرير يدفن رأسه بين يديه
تتخلل أصابعه الطويلة شعره الأسود الكثيف يتكئ بمرفقيه
على ركبتيه وأغمض عينيه بقوة يستمع لصوت بكائها الصامت
يعجز عن فعل أي شيء سوى الانتظار والصبر فلن تستمع له
وهي بهذه الحالة بل لن تستوعب ما سيقوله ولن تراه عذرا
أبداً ولن تغفر له مهما شرح وفسر قبل أن يصبح قلبها مستعدا
لمسامحته ولسماع أعذاره وتفهمها ، كم بات يشعر بالندم على
كل ما حدث وكان وفعل .. لقد قتل نفسه وقتلها لأعوام ولم
يكسب أيا منهما شيئاً نهاية الأمر ، لكن ما الذي كان بيده فعله ؟
ماذا وأبناء غيلوان كانوا يعلمون حتى عن مكانه في لندن وهم
يرسلون له رجل بعد ثلاث أعوام من سفره بحجة أنه يحمل
معلومات ويحتاج لحماية ! يفهمهم جيدا هم يخبروه فقط بأن
الوصول له أمر ليس صعبا عليهم وهو من كان يشك بوجود
جواسيس لهم حتى بين رجاله لَما كانوا ليعلموا بمكانه أبدا !
كيف كان له أن يحميها ويحمي والدها وابنته وبلاده ومن
كل شيء وأولهم نفسه ؟
وقف وغادر الغرفة مغلقا بابها خلفه بهدوء وحملته خطواته
ناحية السلالم فورا بل وباب المنزل الذي فتحه وخرج للخارج
حيث الظلام الذي تتحداه الأضواء والمصابيح المعلقة المنتشرة
في المكان ونزل العتبات يديه في جيبي بنطلونه الرياضي وسار
ببطء دون أن يهتم للمكان الذي ستأخذه له خطواته .. فقط كان
يريد أن يبتعد حتى لا يكون شيء من حوله سوى الظلام والفراغ
فهكذا كانت حياته حتى اجتاحتها تلك الفتاة التي علمته بأنه ليس
جميع النساء متشابهات .. أنها استحقت انتظاره لها كل تلك
الأعوام ليس فقط لتكبر بل ولتصبح بمعجزة ما لديه هنا وهي
ابنة شراع صنوان وهو زعيم الحالك ! ولم يكن ليتخيل أن تلك
المعجزة وذاك الوصال بدايته تعني إنتهائه .. تعني بداية مرحلة
جديدة من حياته اسمها الاحتياج الوحدة والفراغ ! مشاعر لم
يعرفها يوماً ولم يراهن أحداً على حقيقة وجودها لتصفعه بكذبته
تلك وبحقيقتها ودون رحمة .
وصل لشجرة السنديان العملاقة تحديدا وجلس تحتها مسندا ظهره
بجذعها ناصبا ركبته يريح ساعده عليها ممددا ساقه الأخرى على
الأرض واتكأ برأسه للأعلى يراقب أوراق الشجرة الصغيرة
المنظمة في مجموعات مصفوفة تتراقص مع النسيم الخفيف ،
شجرة تشبهه في كل شيء رمز للصمود وتسجل مثالا في عناد
العواطف ، ليس لليأس مكان في قواميسها تتنفس شموخا
وكبرياء ممزوجا بعواطف الحنو على الضعيف ، حتى نموها
في غير بيئتها صعب المنال تعشق وطنها ولا تستطيع الإبتعاد
عنه تبني نفسها ولا تختلس ثروات الآخرين بل تبني ببطء
وثبات صانعة المستقبل لنفسها ولغيرها صلبة في مواجهة
المشاكل والمصاعب .
لكنها تحتاج أيضا كما تعطي تحتاج لما يجعلها تصمد دائما
وتعيش ..
أبعد رأسه ونظر ناحية صوت الخطوات الخافتة التي كانت تقترب
من مكانه وعاد للاتكاء على الجذع خلفه برأسه لكن بشكل مائل
قليلا هذه المرة وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه ينظر للتي
ظهرت من خلف جذع شجرة البرتقال المرتفعة متفرعة الأغصان
ووقفت مكانها هناك تنظر له بصمت يتلاعب النسيم بخصلات
شعرها الطويل والتف ذراعها العاري على جذع الشجرة لم تبعد
نظراتها الحزينة الباكية عن عينيه فرفع يده ومدها ناحيتها
وهمس
" تعالي يا غسق ... تعالي يا قلب مطر "
فانسابت الدمعة مفارقة تلك الأحداق السوداء الواسعة
والرموش الكثيفة على الخد الثلجي المحتقن بشدة وتحرك
رأسها بحركة خفيفة رافضة دون أن تتحدث فقبض أصابعه
وأنزل يده فاتكأت بجانب وجهها على الجذع الذي لازالت
تحضنه ذراعها وتقف بجانبه وهمست ببحة حزن وقد
فارقت الدمعة الأخرى رموشها متدحرجة منها للأرض
مباشرة
" هذه هي شجرة والدي الذي أخفيت حقيقته عني أليس كذلك ؟
لما لم تخبرني ..؟ لماذا يا مطر وأنت تعلم ما كان يعني لي
الأمر وقتها "
اتكأ برأسه للأعلى ضاربا له بالجذع خلفه ناظرا للقمر
المختبئ خلف أوراق الشجرة المتراقصة وقال بهدوء حزين
" هل أنت مستعدة لسماعي يا غسق ؟ مستعدة لأن تتفهمي
أسبابي ولا ترفضيها ؟ "
ارتجفت شفتاها قبل أن تهمس بألم نظراتها الدامعة لم تفارقه
" لا ... فالأوان قد فات يا مطر ..... كانت الأعوام الطويلة
التي قضيتها انتظرك فيها وأنتظر تبريرك المعلق بقلبي
ذاك كفيلة بقتل كل ذلك "
أنزل رأسه ونظر لها وقال بجدية
" لازلتِ تحبينني يا غسق .. ثمة شيء قوي يجمعنا
واجتيازه ضرب من المحال وأنت تعلمين ذلك جيدا "
أبعدت يدها عن الشجرة ورمتها جانبا قائلة برفض باكي
" مخطئ فلا شيء في داخلك لي وما في داخلي لك
قتلته بنفسك "
وتابعت تضرب بسبابتها على قلبها وبعبرة وألم
" كل ما أحتاجه أن أتحرر من بقايا تلك المشاعر المدفونة
هنا ... هنا حيث مات كل شيء رائع برحيلك ... هنا حيث
كنت كالسم تسري في عروقي تقتلني وترفض الخروج مني "
وانطفئ كل ذاك الانفعال الموجع مع تدافع أنفاسها القوية
واتكأت بجبينها على جذع الشجرة تنظر له بنصف وجهها
وعين واحدة دامعة وهمست ببكاء حزين آسي
" لكن رجوعك لم يكن الترياق لسمومك تلك أبدا ، لقد
علمتني أن رحيلك ذاك لم يكن جرحاً أبداً وأن سنين
عذابي من دونك أهون ما مررت به من ألم كامل حياتي "
وتتالت شهقاتها المتقطعة وقد حررت ألمها ووجع السنين
الذي دفنته داخلها طويلا ولم تكن تعلم بأنه هو من كانت
كلماتها تلك أقسى عليه من وجع سنينه بأكملها .. قتلته
بها ودون رحمة وجعلت كل عصب في جسده ينتفض
بقوة ووقف على طوله دون شعور منه فابتعدت بخطوة
للخلف وقالت بوجع
" لا تقترب مني يا مطر أخبرتك بأن اقترابك يؤلمني "
تقدم خطوة واحدة وقال بنبرة حزينة جوفاء
" لكنه لا يقتلني داخلك يا غسق إنه يتخطى كل ذلك "
تراجعت خطوة أخرى مبتعدة عنه وامتلأت عيناها بالدموع
مجدداً وقالت بوجع
" ستموت .. سيحدث ذلك يوما ولن يكون بعيدا أبدا فأن أكره
الحضن الذي اشتقت له أربعة عشر عاما يكفي لأن أقتنع بأنه
ثمة شفاء منك فقد دفعت ثمن حبي لك .. دفعته غالٍ جدا
وسيحين الوقت الذي سأقولها لك وبكل مشاعر الصدق في
داخلي .. أنا أكرهك ، فالقلب الغبي لم تكفه كل تلك الضربات لكن
الكلمة لم تعد له لقد انتهت صلاحيته لدي أيضا ومثلك تماما "
وما أن أنهت عبارتها تلك غادرت من هناك في الطريق الذي
جاءت منه يغطي ظهر كفها شفتيها الباكية تتراقص خصلات
ذاك الشعر الطويل حول ذراعيها العاريان تكتم البكاء الذي لم
يعد يمسكه شيء تسير كالجثة الميتة لا حياة فيها سوى تلك
الدموع الغزيرة والعبرات الموجعة والخطوات التائهة فأن تعترف
له بأنه لازال يسكن قلبها فوق كل ما فعل وحدث كان أقسى
عليها من الموت ذاته .. لكنه يعلم .. يعرف بذلك ويشعر به من
ارتجافها بين ذراعيه .. من انفصالها عن كل ما حولهما ما
أن يسحبها لعالم قبلاته الشغوفة ..... التمثيلية التي يتقنها الرجال
مع أي امرأة تسقط بين ذراعيهم وكأنها المرأة الوحيدة في
حياتهم ، لكنها لم تستطع أن تكون مثله أن تجعل من قلبها طائراً
حراً يحلق في غير سمائه يعيش بعيدا عنه ويتنفس هواءً غير
هوائه ، وهذا ما يجعله واثقا قويا يلوح براية الانتصار عاليا
لكن ذلك لن يدوم طويلا فالهزيمة لا تعترف بالقوة ولا يتغلب
عليها سوى رب العباد .
أسرعت في خطواتها ما أن ظهر لها باب المنزل تسمع خطوات
القادم خلفها وركضت داخلة من بابه واجتازت بهوه الواسع نحو
الممر الغربي حتى وقفت أمام باب غرفة والدها وطرقته طرقات
خفيفة قائلة ببكاء
" أبي افتح لي الباب "
وما هي إلا ثوان معدودة وانفتح الباب ووقف أمامه الذي
لم يكن يبدوا عليه النوم ينظر لها باستغراب فهمست بعبرة
تنظر لعينيه
" أبي هل أنام في غرفتك الليلة .. الليلة فقط أرجوك "
ابتسم بحزن وفتح ذراعيه لها فارتمت في حضنه من فورها
والتفت ذراعيه حولها يحضنها بقوة وقبل رأسها ونظر للذي
وقف على بعد خطوات منهما ينظر لها بصمت فها هي تهرب
لوالدها منه مجددا .. تلجأ لمن جرحها مرارا وتكرارا وأضاعها
من نفسه لتكون معه وتراه يدفع ثمن ذلك في كل مرة .
إشارة من رأس الذي مسح على شعرها ودفن دموعها في صدره
حكم عليه بأن يبتعد عنها بل وعنهما وهذا ما اختاره لنفسه
أن يجمعهما معا ويبتعد هو ويدفع أكبر تضحية قدمها في حياته
فاقت كل ما فعله لوطنه وشعبه فثمنها كان غالٍ ... غالٍ جدا .
*
*
*
*
*
*
وضعها على سريرها برفق وتخللت أصابعه غرتها مبعدا
لها عن طرف وجهها ومسح إبهامه رموشها المشبعة
بالدموع وانحنى نحوها وقبل جبينها بحنان ثم غطى
جسدها باللحاف وغادر الغرفة مغلقا الباب خلفه بهدوء
وسلك الممر بخطوات بطيئة وما أن وصل بهو المنزل
وقف مكانه ينظر للذي كان جالسا على الكرسي في المكان
الشبه مظلم يتكئ بمرفقيه على ركبتيه ينظر للأرض وقد
رفع رأسه ونظر له ووقف ما أن شعر به فهو نقلها
لغرفتها من الباب المشترك بين أروقة المنزل ولم يأتي
بها من هنا لذالك لم يراه .
" نامت ؟ "
وصله صوته الهادئ المبحوح مخترقاً صمت المكان المميت
فتنهد مومئا برأسه وقال
" أجل .. لقد رفضت أن تنام على السرير ونامت على الأريكة
فنقلتها لغرفتها وسأقضي الليلة بقربها هناك "
وتابع عاقدا حاجبيه ينظر لتلك الملامح الرجولية التي يخفي
الظلام نصفها
" تعاملك اللين معها مؤخرا أعجبني يا مطر فما بك تركت
طبعك المحارب تغلب عليك نهاية الأمر ؟ "
نظر له بحنق قبل يقول رافعا ذراعيه جانباً
" وما الذي فعلته خلاف ذلك ؟ بل ما الذي لم يفعله مطر ؟
لقد حمّلت نفسي فوق طاقتها "
كان دور دجى ليتحدث بحنق هذه المرة قائلاً
" ما تحتاجه منك الصدق يا مطر لا الإدعاء "
قال من فوره وبضيق
" بماذا سأقسم لك لتصدق بأني أحبها ولا أريد زوجة غيرها ؟ "
قال الذي يبدوا أن حديثه لم يقنعه متمتماً ببرود
" ما نفع محاولاتك إذاً إن كنت تُكره نفسك عليها ؟ "
تأفف الذي مرر أصابعه في شعره وصولا لقفا عنقه وقال
بضيق أشد
" عمي حلفتك بالله تنصفني مرة واحدة فيما يخصنا فلست
أعلم كيف يكون هذا ويجتمع الحب والتمثيل ؟ "
قال دجى بضيق هذه المرة
" سنفقدها على هذا الحال يا مطر .. ألا تراها تنهار تباعا ؟
أنت تقتلها بهذا الحب يا ابن شقيقي "
نظر له باستنكار وعقد حاجبيه قائلا
" هل أفهم ما ترمي له عمي ؟ إن كان قصدك أن أتركها
وأخرج من حياتها فأنت لن تنقذها بهذا أما إن كنت تعني
بأن حمايتي لها السبب فها أنا أؤكد لك بأن ما ترمي إليه
لن ينجح أبدا فقد سبق وجربت وكانت النتيجة الفشل "
قال من فوره وبحدة
" ولما ستفشل بإخبارها بالحقيقة ؟ "
ولم يترك المجال له ليعلق متابعا بمرارة يشير بسبابته لنفسه
" أنا راض بموتي ولا تموت ابنتي أمامي ببطء وأنا أقف
أراقبها ، لا أريد تلك الحياة التي لن تكون هي فيها معي "
نظر له بصدمة وقال برفض غاضب
" عمي أتعي معنى ما تقوله ؟ أنت لن تضر نفسك فقط بذلك
بل هي وحفيدتك أيضا وأنا بعدهما "
وما أن كان سيتحدث سبقه قائلا بجدية
" لقد سبق وحدث عمي صدقني وهي علمت من شقيقها رعد
عن سبب الخلاف بيننا قبل رحيلي وما كنت سأفسره لها
وسافرت قبل ذلك لكنها لازالت حتى الآن تعيش ألمها بسببه ..
لازالت تذكره وتذكرني به ولم تغفر لي مطلقا رغم يقينها
من أن ابن شراع البكر ذاك السبب في كل ما حدث فما الذي
سيشفع لي عندها إن شرحت أكثر ؟ وابنتك متهورة عمي
عليك أن تقتنع بذلك فهي عاقلة في كل شيء لكن إن مس
الأمر من تحبهم تتحول لحمقاء وتدفع بنفسها للخطر ودون
تفكير فكيف إن علمت بأنها ستفقدك بعدما وجدتك ؟ "
أشار بيده خلفه يستدير بنصف جسده هناك ولازال ينطر له
وقال بحدة
" وهذا ليس بالحل المناسب أيضا يا مطر ، انظر لها
وما وصلت له .. تمثال صامد من الخارج فقط وامرأة
قوية نهارا تنهار كورقة يابسة ليلا ، ما خلفتّه فيها
السنين لم يعد لجسدها القدرة على مقاومته أكثر من
ذلك فما الذي جنيناه من كل ما فعلته لحمايتي وحمايتهما
يا مطر ماذا ؟ .. "
وتابع بأسى ضاربا بأطراف أصابعه على صدره
" رجل عاش حياته بشخصية مزورة حُرم من زوجته
وابنته التي ستلحقها قريبا وها قد تحول مؤخرا لسجين
بين أربعة جدران مع ابنة محطمة كليا وحفيدة تربت بلا
عائلة وبدون أصدقاء لا طفولة لا خروج ولا استمتاع
نحميها حتى من نفسها ومن أن تبني شخصيتها كما
تريد ثم عليها أن تكون زوجة قبل أوانها ومن أجل ماذا ؟
لنحميها !! إنها الضحية الجديدة والتي سنشهد انهيارها
أيضاً بل وقريبا جداً يا مطر "
حرك رأسه برفض وضياع وكأنه يطرد كل تلك الحقائق من
رأسه قبل أن يقول بضيق
" وما كان بيدي غير ذلك ؟ لما مطر من يجب أن يلقى
باللوم عليه ؟ لأني رفضت أن نفقدك عمي ؟ لأني أحمي
المرأة التي أحب وابنتي منها ؟ من قال بأني كنت راض
عما مرت به تيما أيضا ؟ لو كان الأمر بيدي لكانت كوالدتها
تماما امرأة عاشت بين أشقاء ذكور علموها كيف تكون قوية
حين يستلزم الأمر .. احتكت بعائلة والدتها وعائلة الرجل الذي
رباها وعاشت طفولتها بين أقرانها تسقط وتقف وتبكي وتتألم
وتدافع عن نفسها فكبرت امرأة يمكنها الاعتماد على نفسها من
دون أن يقف خلف ظهرها رجل ، قادت مدينة كاملة وتقود
الآن أهم مشروع انجز من أجل البسطاء في البلاد ، لكن
الظروف لم تسمح لي ولا لها بذلك فلما سأكون المذنب ؟
لأني أحميها مثلاً ! "
شد الواقف هناك قبضتيه بقوة وقال بضيق مماثل
" قد نقتنع أنا وأنت وحتى تيما بهذا لكن غسق لا يا مطر
فما جُرح فيها لا يمكن حصره .. قلبها أمومتها أنوثتها
كرامتها ومشاعرها وحلمها .. أي تحولت لجثة أنفاسها
عبارة عن جراح تعيش بها تذبحها كلما دخلت لجسدها
وخرجت منه فهل تتخيل أنت أن تتحول أنفاسك لأشواك
تمزق كل ما تمر به في جسدك ؟ "
مرر أصابع كلتا يديه على قفا عنقه وصولا لفكيه قبل أن
يدفع يديه جانباً قائلا
" ما الذي علينا فعله إذا برأيك ؟ "
وتابع بحزم مشيراً له بسبابته
" إن كنت تقصد إخبارها فها أنا أقسم لك الآن بأنه إن
سلمت نفسها وابنتها لهم أني قاتل الثلاثة الباقين منهم
وليحدث لي بعدها ما يحدث "
نظر له بصدمة صارخاً
" مطر ما هذا الجنون الذي تتفوه به ؟ "
لوح بسبابته في الهواء صارخاً بالمثل
" قتلت أنت دفاعا عن العرض والنفس وهذا ما سأفعله
أنا ، وإن كان لا حياة لك أنت بدون ابنتك كما تقول فلا حياة
لي أنا من دونهما وإن كانتا على قيد الحياة "
نظر له بصمت نظرة قوية يفهمها جيداً وكأنه يقول له أين
العقل يا من قاد الجيوش ووحد البلاد وحماها بروحه وعمره ؟
فتنفس بضيق وقال ببعض الهدوء
" اتركني اوضح لها الأمور بمعرفتي عمي لكن حين تكون
مستعدة لسماعي وتفهم ما سأقوله لها ففعل ذلك الآن لن يزيد
النار إلا اشتعالا "
حرك رأسه متنهدا بيأس وتحرك مغادرا من مكانه وقال
ما أن اجتازه
" عقل ابنتي أمانة في عنقك يا مطر لا تفقدها إياه أيضاً
لأني أنا قاتلك حينها "
وابتعد ليبتلعه الظلام مخلفا بعده صمتا قاتلا مخيفا لا حياة
فيه سوى لتلك الأنفاس الرجولية القوية نظرات صاحبها
معلقة في الفراغ وكأنه يتسلل له بتملك تاركا لمساته في
كل شيء فيه حتى في تلك الأحداق السوداء التي اطبق
عليها جفناه الواسعان يخفيان ألماً عمره أعوام وأعوام
طوال لم يستطع شيء فيه تجاوزه أيضاً فكما التجارب
تعلم المرء الكثير فالفقد يفعل ذلك وأكثر .
التفت فجأة ترمق نظراته الصقرية الحادة عاقدا حاجبيه
باب المنزل يسمع صوت الخطوات التي كانت تقترب من
بابه المفتوح فهو لم يغلقه بعده ! اقترب منه فورا
فلا العمال ولا الحرس مسموح لهم بالإقتراب من هنا
إلا بعلم مسبق ولن يفعلوها بالتأكيد فمن هذا الذي
سيجتاز أسوار وبوابة منزله المحمية تماما ليصل هنا !
ما أن وصل الباب وقف ونظر بصدمة للذي خرج أمامه
فجأة هامسا
" قاسم !! "
قال الذي دس يديه في جيبي بنطلونه وبنبرة باردة
" أجل قاسم .. لم أكن أعلم بأنه ثمة من يشبهني هكذا ! "
قال بضيق عاقدا حاجبيه الطويلان
" ما هذا المزاح السخيف وفي هذا الوقت ! ماذا تفعل هنا ؟ "
قال الذي لازال يحتفظ بنبرته الباردة والمسيطرة على كل شيء
فيه وحتى وقفته
" موعد غرامي مع ابنتك طبعاً وأمسكت بي للأسف "
وما أن كان الواقف أمامه سيتحدث والضيق بادٍ على ملامحه
سبقه قائلا بجدية
" أنا هنا لأني لن أغادر هذا المكان حتى أعلم رأي ابنتك
وإن رفضتني فسأرجع للندن مجددا وأعمل مع الفريق هناك "
نطر له باستنكار قبل أن يقول
" ما هذا القرار المجنون ! "
اشتد إبهاماه على طرفي جيوب بنطلونه الجينز حيث
يخفي باقي أصابعه وقال بجمود
" هذا هو قراري وكيفما كان فلا أحد لي هنا إن لم يكن هي "
نظر له بصمت لبرهة قبل أن يقول بجمود مماثل
" لك ما تريد فلن يفرض عليك أحد ما تختاره لنفسك وتقرره
وأنت رجل راشد عاقل يعلم ما يريد وما يصلح له "
كان الصمت من نصيب الواقف عند الباب هذه المرة ..
صمتاً مؤلما شعر به يستنزف روحه معه فحررها نهاية
الأمر منه قائلا بنبرة جوفاء نظرته للواقف أمامه ملئها
أمل كسير
" هل ستزوجها إن كان جوابها الرفض ؟ أهو أمر مسلَم
به يا مطر ؟ "
ولم يتأخر أبداً في قتله له قائلا بجدية
" أجل .. إن لك أو لغيرك سأزوجها "
نظر له بصدمة سرعان ما تبدلت للرفض وقال
" ألست من كنت ستنتظر خطبتي لها حتى أفعلها أو أتزوج ؟ "
قال من فوره
" بلى وذاك أصبح من الماضي بعدما خطبتها والخيار
الآن لتيما ، وأخبرتك بأني لن أظلم ابنتي وأفرض عليها
ما لا تريده ولا أن يكون قرارها تحت ضغط ومن أي كان "
قال آخر جملة ينظر له نظرة يفهم مقصدها جيدا فأشاح
بوجهه جانباً يمسك عينيه بأصابعه وتنفس بعمق قبل أن
ينظر له مجددا وقال بضيق
" أنت لا تساعدني مطلقاً يا مطر "
قال من فوره وبقسوة
" بل أنت من يفعل كل ذلك بنفسه "
رمى يديه جانباً وقال بضيق
" مطر أنت تعلم جيدا بأنها من اتصل بي مادمت تراقب
كل ما حدث ومؤكد استمعت للمكالمة فيما بعد فهي من
فعلها وليس أنا ، هي من أرادت التحدث عما تفعله
خلافتكما بها فهل أخطأتْ بما فعلت ؟ بل وفيما أخطأتُ أنا "
حرك سبابته أمامه بشكل دائري قائلا بسخرية خالطتها الحدة
" أجل تواسيها درجة أن يتحول الحديث عن العواطف
والنساء والنسيان ثم تغضب منها من دون سبب مقنع
يا صعلوك وتبكيها ..؟ ما هذه المواساة التي وجدتها لديك ؟ "
شد قبضته بقوة وقال
" وما الذي جعلني أركض خلفك إن لم يكن لأني جرحتها ؟ "
وتابع بحزم مقاطعا له قبل أن يتحدث
" مطر ها أنا أقولها مجددا لن أترك هذا المنزل حتى
تأخذ رأيها "
رمى بيده جانباً قائلا بضيق
" ماذا إذا أوقظها من نومها الآن لآخذ رأيها في أمر
يمكنه أن ينتظر حتى الصباح ؟ "
واجهه بضيق مماثل بل وأكثر حدة
" توقف عن نفث نيران غضبك بي يا مطر فأنا لم أقل تفعلها
الآن بل بأني باقٍ هنا حتى تسألها ولن تماطل أكثر يا مطر "
تأفف نفسا طويلا وتحرك من مكانه جهة السلالم قائلا
" اذهب لغرفتك إذا وفي الصباح لنا حديث "
*
*
*
أراح يده على ظهر الكرسي الجلدي للجالس تحته تراقب
نظراته بتركيز شاشة الحاسوب على الطاولة أمامهما والخارطة
المعروضة فيها والملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية منتبها
لحديث الجالس تحته يشير بسبابته للنقطة الخضراء المتحركة
على الشاشة
" أرأيت هذا يا وقاص ها هو الهدف يتحرك "
قال وقد تحركت حدقتاه معه بفضول
" سيصبح في الشارع الرئيسي الآن وحسب الخارطة هو
شارع ريجينت أليس كذلك ؟ "
قال الذي عاد لتحريك المؤشر على الشاشة
" أجل وانظر كلما وضعت المؤشر على شيء ستظهر لك كلمة
توضح ما هو .. هذا رجل يعبر الشارع هنا محطة وقود هذه
إشارة ضوئية .. ومع الوقت ستعتاد التعامل مع هذه الصور
التوضيحية "
تمتم ونظره لم يفارق الشاشة أمامه
" المهم هو أسماء الشوارع والمناطق "
وأبعد يده عن ظهر الكرسي ما أن استدار به الجالس عليه
نصف دورة ورفع نظره له قائلا بابتسامة
" فهم هذا وتشغيله ليس بالأمر السهل لكني أعلم بأنك لن
تحتاج لأكثر من هذه الدورة التعليمية "
ربت على كتفه مبتسما وقال
" حتى الآن أظن بأني فهمت كل شيء حرفيا "
وتابع وقد دس يديه في جيبيه
" أرى الأمر أسهل مما ظننت "
قال الذي عاد لحاسوبه
" هذا لأنكم سبق وتعاملتم مع أجهزة مشابهة ، لكن سيكون
عليك معرفة تحركات هدفك من وقت خروجه وهذا هو الأمر
الصعب في الموضوع فمعناه أن تجلس تراقبه على مدار اليوم
لكن إن امتلكت جهاز التعقب الذي أخبرتك عنه سيكون الأمر
أكثر سهولة فستراقبه وقتما تحتاج ذلك وليس أن تحدد
مكانه فقط "
أومأ برأسه موافقا وهمس
" وسيكون لدينا خلال ساعات "
وقف واستدار ناحيته وقال مبتسما
" هل لي أن أعلم من هذا الهدف المهم والمجرم الخطير الذي
ستدفع كل ذاك المال فقط كي تراقبه "
تنفس بعمق وحرك رأسه ولم يعلق وماذا سيقول مثلاً ؟
تحرك من هناك ولوح له بيده متوجها للباب قائلا
" شكرا لك يا جايسون .. سأراك لاحقا "
وخرج يخرج هاتفه الذي علا رنينه فجأة ونظر لإسم المتصل
مستغربا فهذا رقم الرجل الذي كلفه سابقا بمراقبة تحركات
مربيتها ووضعه كمساعد للعامل في حديقتهم لأجل هذا السبب
تحديداً ، أجاب سريعا وهو يخرج من باب المركز
" ماذا حدث ؟ "
فوصله الصوت الرجولي الإنجليزي في الطرف الآخر فورا
" لقد غادرت المدينة سيدي "
قال باستغراب وهو يقف عند سيارته
" غادرت أين ولما ؟ "
قال ذاك من فوره " هذا ما لم أتمكن من معرفته حتى الآن
سيدي لأنها غادرت بطائرة خاصة "
اشتدت أصابعه على الهاتف فيها وقال بضيق
" تغادر كيف ولما ؟ متى حدث ذلك ؟ "
وصله صوته مباشرة
" بالأمس سيدي وأنا.... "
صرخ فيه من فوره
" غادرت منذ الأمس وتخبرني اليوم فقط ؟ ما نفع وضعك
لتراقبها إذا ؟ "
" وذاك ما فعلته سيدي لقد ركبت سيارة مجهولة وغادرت
القصر بل وبريستول أيضا باتجاه هيرفورد ولم تبدوا لي
مجبرة على مغادرة المكان ، لقد كنت في إثرها وفقدتها
ما أن ركبت مع مرافقيها طائرة خاصة وعملت حتى اليوم
على البحث عن أي معلومات عن رحلتها تلك "
فتح باب سيارته وقال وهو يركبها
" واتصلت لأنه ثمة ما لديك بالتأكيد ؟ "
قال من فوره
" لم أعلم وجهتها لكني علمت بأن الطائرة تابعة لشركاتكم
سيدي "
فانفتحت عيناه بدهشة هامسا
" تابعة لنا !! "
*
*
*
سارت ممررة أصابعها في خصلات شعرها الطويل متأففة تحاول
جمعه على كتف واحد وما أن وصلت لآخر الممر وقفت ونظرت
ببرود للذي تنقلت نظراته الساخرة على جسدها نزولا وأشاحت
بوجهها للجانب الآخر متأففة بصمت ولم تفهم بعد لما عليهما
الخروج معاً ؟ بل وكم من الأمور السخيفة التي عليها القيام بها
معه لتصل لما تريد معرفته ؟ حتى أنها أخبرته بأنها لا تملك
ملابس حفلات فقال لها وبكل وقاحة
( لا بأس بالفستان الذي اشتراه لك حبيبك السابق )
ولم تعد تفهم والدته تلك من يخبره بكل هذا أم مربيتها ؟ وهل
يمكنها تصنيفها ضمن الأصدقاء مجددا أم الأعداء ! لقد علموها
أن تفقد ثقتها في الجميع ثم وبكل بساطة يلقون باللوم عليها !
قال مبتسما بسخرية ما أن عاد بنظره لعينيها
" يبدوا أن له ذوقا لا يستهان به فلما لم يتصدق بكرمه هذا
على زوجته المزرية تلك ؟ "
تجاهلته ببرود مبعدة نظرها عنه كما تجاهلت التبرير له وبأنه
من اختيارها ولم يكن معها حين اشترته لأن آرائه بها لا تعنيها
وتمتمت ببرود
" ها أنا جاهزة فأين سنذهب ؟ "
لامست يده ظهرها ودفعها برفق سائرا بها
" لمكان سيعجبك .. الوقت يقارب المساء وفستان جميل ورفقة
مميزة إذا هو حفل بكل تأكيد ولا أعتقد بأن ذكائك لم يخبرك
بذلك "
سارت معه متمتمة بذات برودها
" وأنا سألت إلى أين وليس إلى ماذا وثمة فرق شاسع بينهما "
ضحك وقال خارجان من باب المنزل
" لنعتبرها إحتفالا بالتحالف الجديد ألا يحق لنا أن نحتفل ؟ "
لم تعلق كما لم تطمئن له لكن لا خيارات أخرى لديها سوى
مسايرة هذا المعتوه حتى تصل لعدوها الحقيقي فهي متأكدة
من أنه سيكون مفتاح اللغز .
وما أن انطلقت بهما السيارة مغادران يقودها السائق الذي يبدوا
بأنه يسخره لخدمته أشاحت بوجهها بعيداً عن الجالس بجانبها
ولم يفارق نظرها الطريق والأشجار العالية المصفوفة وكما
توقعت لقد غادرا بريستول باتجاه لندن ولم تتوقف سيارتهما حتى
كانا أمام أحد الفنادق الشهيرة في البلاد ونزل وتبعته ما أن فتح
لها السائق بابها وما أن استوت واقفة مد صاحب تلك الابتسامة
المستفزة يده لها فنظرت لها بضيق لبرهة قبل أن تضع أصابعها
البيضاء الرقيقة فيها فأمسكها وسار بها جهة مدخل الفندق
الزحاجي صاعدان العتبات الرخامية المغطاة ببساط أحمر فاخر
وانفتح الباب الزجاجي أمامهما فور وصولهما له وما أن أصبحا
في صالة الفندق الواسعة الفخمة كان في استقبالهما على الفور
صاحب البدلة السوداء الذي ابتسم لهما وأشار بيده قبل أن يسير
قبلهما وكأنه كتب على جبين كل واحد منهما لما هو هنا !
سارت معه متجاهلة كل ذلك حتى كانا عند باب القاعة الرئيسية
التي وقف بها قربها وانحنى جهتها وهمس عند أذنها
" وصلنا مبكرا لأني سأعرفك على شخص هنا ستفقدين عقلك
ما أن تعلمي من يكون "
وابتعد عنها مبتسما بسخرية على نظرتها المصدومة له .
*
*
*
ركضت جهة الممر الغربي للمنزل مبتسمة ليوقفها ذاك
الصوت العميق المبحوح من خلفها
" تيما إلى أين ؟ "
فوقفت واستدارت ناحيته حيث يقف عند بداية ممر مكتبه
وقالت مبتسمة تبعد شعرها الذي تناثر بسبب توقفها المفاجئ
" كنت ذاهبة لغرفة جدي "
أولاها ظهره وقال سائرا باتجاه الممر
" قاسم معه هناك ويبدوا أنه لم يغادر بعد .. تعالي
أريدك قليلاً "
واختفى خلف جدار الممر تراقبه تلك الأحداق الزرقاء المتوجسة
تعض صاحبتها على شفتها بتوتر فهو لم يطلب منها أن يتحدثا
بعد تلك الليلة القاسية المريعة التي أخبرها فيها عن الشاب الذي
تقدم لخطبتها ولم تعد تذكر حتى متى كان ذاك اليوم وليت ذلك
لم يكن أبدا .
شدت أكمام فستانها القطني الطويلة والذي وصل طوله لنصف
ساقيها باللون الزهري الفاتح والمشابه للون وجنتاها الجميلتان
وشفتاها الرقيقة وسارت عبر الممر بخطوات بطيئة تتمنى أن لا
تصل أبداً لكن لا مفر لها من هذه المواجهة وكان سيسألها عن
جوابها إن اليوم أو في يوم آخر فقد ماطلت كثيراً ودون حجة
أو عذر .
دفعت باب المكتب الشبه مغلق ودخلت وحدقت باستغراب في
الذي وجدته عند الباب وقد قام هو بإغلاقه خلفها وقال بجدية
ولم يبتعد عنه سوى بخطوة واحدة وناظراً لعينيها
" مؤكد تعلمين لما طلبت أن نكون هنا وحدنا يا تيما ؟ "
بلعت ريقها واغتصبت ابتسامة صغيرة قبل أن تهمس بصعوبة
" بلى أبي "
قال من فوره
" إذاً ما رأيك يا تيما ؟ لن نترك الرجل ينتظر أكثر من ذلك "
أسدلت جفنيها تخفي كل ذاك الحزن والمرارة بإخفائها لتلك
الأحداق الجميلة وأنزلت رأسها تباعاً وكأنها تستنجد بتلك الغرة
الحريرية لتخفي انفعالاتها وملامحها عن الذي تعلم بأنه لن يتعب
أبداً في محاولة قراءتها تنظر لحركة أصابعها التي تشدها
ببعضها بقوة حتى ابيضت مفاصلها تحاول أن تستجلب الشجاعة
لتقرر في ثوانٍ معدودة ما عجزت عنه خلال أسابيع تحارب
عقلها وقلبها بل وتشاهد بأسى شجارهما العنيف معا فأغمضت
عينيها بقوة بسبب كل ذاك الصراع النفسي المحتد فما أقسى أن
تقف بين قلبك وعقلك ..! بين ما تتمناه النفس وما يحكم به
الواقع ؟ فماذا ستفعل وتقرر ؟ هل ستركض خلف الحلم والوهم
وتترك ما قد تندم عليه مستقبلا ؟ هي لم تخذل والدها فيها يوماً
كما أنه لم يفعل ذلك معها ولم يسعى إلا لراحتها وسعادتها
لكن .... ؟
" موافقة .... "
همست بها بصوت حزين كسير فرفع الواقف أمامها حاجبه
وظهر شبح ابتسامة على طرف شفتيه ما أن تابعت
" فقط لأنك تريد ذلك "
واتسعت ابتسامته يراقب ملامحها التي تجاهد لتخفيها
عنه ومن ارتجاف صوتها علم بأنها توشك أن تنفجر باكية
فرفع يده وأراحها على كتفها برفق قائلا بهدوء
" تيما أنا لا أريد هذا من أجلي أو فقط لأني أريده فإرضائي
ليس هو الغاية صغيرتي ، فإن كنت مجبرا على تزويجك
في هذا السن ليس معناه أن أفرض عليك من تختارين
زوجا أيضاً "
رفعت رأسها وعيناها السابحة في الدموع ونظرت لعينيه
هامسة ببحة
" ولما أنت مجبر على ذلك أبي ؟ ما الذي تجاهدون
لإخفائه عنا ! "
اشتدت أصابعه على كتفها الصغير وقال بجدية
" ليس هذا ما نتحدث عنه الآن يا تيما فكل ما عليك هو
الإجابة هل أنت حقا موافقة عليه وباقتناع ؟ قولي كلمة
واحدة ولا تربطيها بي "
بلعت ريقها بصعوبة وأول ما فكر فيه عقلها واستجلب
صورته هو ذاك العنيد الغاضب الوسيم الذي سرقها من
نفسها ما أن التقته وتعرفت عليه ورغم اختياره لغيرها
ونطرته السلبية لها لم تستطع أن تقنع نفسها لتفقد الأمل
فيه ولا أن تكرهه أو حتى تنساه كي لا يشغل أفكارها
وخيالها طوال الوقت فيتركها تختار غيره على الأقل
بدلاً من العيش على الأمل الميت في أن يشعر بها
يوماً قبل أن يصبح لغيرها .
تعلق نظرها بعينيه وهمست بخفوت وتلك الدموع الدافئة
تتسلل لرموشها الطويلة ببطء
" لا أبي لست موافقة "
فابتسم وانتقلت يده من كتفها لوجنتها يمسح الدمعه التي
انزلقت عليها ببطء وقال مبتسماً
" كما تريدين يا تيما "
لتتسلل الراحة والابتسامة لملامحها الحزينة الباكية والتي
لم يتركها الواقف أمامها تدوم طويلا وهو يلقي عليها مفاجأته
مدمرا كل تلك السعادة اللحظية حين قال وبذات ابتسامته
الرجولية الفخمة
" رغم أن قاسم رجل لا يُرفض أبداً يا تيما "
" لاااااااا "
صرختها في وجهه بصدمة قبل أن تمسك فمها بيدها تنظر له
بذهول ولابتسامته التي ازدادت اتساعاً ولأنها تعلم ذكاء والدها
جيداً والذي لن يخونه هذه المرة بالتأكيد بل ولأنه انتهى وقت
إصلاح الأمر أو إخفائه تركته وركضت جهة الباب الذي فتحته
وخرجت منه وسلكت الممر راكضة تمسح دموعها المناقضة
تماماً للابتسامة التي زينت شفتيها ولم تشعر بنفسها إلا وهي
أمام باب غرفة جدها والذي فتحته دون أن تنتظر ولا أن تقف
لحظة ودخلت متابعة ركضها ناحية الواقف مع صاحب الغرفة
قرب النوافذ المفتوحة ينظر باستغراب للتي اندفعت نحوه فجأة
مرتمية في حضنه من هول صدماتها المتتالية وشدت ذراعاها
حول خصره بقوة ودفنت وجهها في صدره قائلة ببكاء
" لما لم تخبرني أنه أنت ؟ لماذا لم يخبرني أحد ؟ "
فتسللت الابتسامة ببطء لشفتي الذي اجتاز صدمته أخيرا بل
وفهم حينها ما يجري وما كاد أن يوصله للجنون فرفع يده
لرأسها ومسح على شعرها وانحنى له وقبله بعمق مغمضاً
عينيه فتجاوز تلك الصدمة لم يكن بالأمر الهين عليه أيضاً
كما خيل إليه .
" هل لي أن أعلم ما سر هذا العرض العاطفي يا منحلان "
كانت تلك الكلمات الصادرة عن الواقف قربهما يبتسم بمكر والذي
يبدوا أنه فهم الجزء الأكبر من الأمر أيضا فتوجهت نحوه التي
ابتعدت عمن تركها بصعوبة مجبراً وحضنته هو هذه المرة
وقالت ببكاء تدفن وجهها في صدره العريض
" أحبه جدي لما فعلا بي هذا ؟ "
فابتسم يحضنها بذراعيه بقوة ورفع نظراته الماكرة للذي
ابتسم له بدوره وقد امتدت يده لذاك الشعر الأسود الحريري
ولاعبته أصابعه قائلا بابتسامة
" لم أكن أعلم بأنك لا تعلمين يا تيما اقسم لك وحالي لم
يكن بأفضل منك "
فاستمرت في البكاء الصامت في ذاك الحضن الذي أبعدت
يد صاحبه يده عنها متمتما ببرود
"سكتنا لك مرة فلا تتمادى يا جنوبي "
فتخللت أصابعه شعره وقال مبتسما
" لكنها خطيبتي الآن أم لك رأي آخر ؟ "
رمقه دجى بتوعد نظرة تهديد تمسح يده على شعر النائمة
في حضنه يخفيها حيث تخفي هي ابتسامتها الخجولة كما
دموعها تشعر بأنها ستفقد وعيها من شدة الإحراج وبسبب
تصرفاتها المجنونة التي فقدت التحكم بها فجأة ! .
" لا أحد له رأي آخر الآن يا قاسم بالتاكيد "
فابتسم بسعادة الذي نقل نظره منها للذي ظهر عند الباب
فجأة قبل أن تتحرك مقلتاه السوداء يرمق الواقف بقربه
والذي قال ضاحكا
" ولما لم تخبرونا من يكون العريس يا صعاليك ؟ تلعبون
بأعصاب الجميع وأولنا دميتي التي لن أسامح من يبكيها "
قال الواقف عند الباب مبتسماً
" كان علي أن أتأكد من مشاعر دميتك تحديداً ناحيته أما
هو فقد فقد عقله وقلبه سلفاً وانتهى "
ضحك دجى بينما رمقه الواقف بجانبه بصدمة فابتعدت هي
حينها وركضت جهة الواقف عند الباب وارتمت في حضنه
أيضا تشد قبضتاها على ظهر قميصه بقوة وتتالت شهقاتها
الصغيرة الباكية وكأنها لم تبكي أبدا فمسح بيده على شعرها قائلا
بابتسامة ونظره على الذي كان ينظر لها مبتسما برقة
" أثمة من تبكي على خطيبها أمامه؟ "
فدست وجهها في صدره أكثر مبتسمة بإحراج ليخترق ذاك
الصوت الأنثوي الغاضب من خلفه كل تلك الأجواء السعيدة
" خطيب من ! وخطيبة من تكون هذه ؟ "
*
*
*
رفعت مذكراتها وحقيبتها ونزلت من المدرج تلف حزام حقيبتها
على كتفها وغادرت من بين جموع الطلبة الخارجين من هناك
مبتسمة للتي مرت بها ولوحت لها بيدها قائلة بابتسامة
" وداعاً ماري ولا تنسي التحدث مع قريبك بشأن الرحلة
فنحن نريدك معنا حسنا ؟ "
فلوحت لها بيدها أيضاً مبتسمة ولم تعلق وتستبعد أن يوافق
لكنها تأمل أن تحدث معجزة ما ، نظرت للساعة في معصمها
بعبوس فأمامها نصف ساعة حتى يأتي لاصطحابها ، عبرت
الرواق تحضن مذكراتها مبتسمة تتذكر وجهه حين أوصلها
صباحاً وحجته أنها لم تنم جيداً البارحة ولن يسمح لها بقيادة
السيارة ولم يكن يعلم بأنه هو وحده من لم ينعم بالنوم أما هي
فلم تنم نوما رائعة مثله في حياتها ، ويبدوا بأنه لم يكذب حين
قال بأنه لا يستطيع النوم وأحدهم يشاركه السرير فتثاؤبه طوال
الطريق وعيناه الناعستان كانا أكبر دليل على أنه لم ينم جيداً
ويبدوا بأن الأمر لم يقتصر على ليلة البارحة فقط ! فلابد وأنه
معتاد بسبب عمله على البقاء مستيقظا لساعات ، وما أن وصل
بها لموقف السيارات في الجامعة نظرت له وقالت تمسك
ضحكتها
" لا أنصحك بأن تمسك سلاحك اليوم "
فرمقها بطرف عينيه يريح ساعده على المقود وتمتم ببرود
" أراك بحال جيدة ؟ "
فضحكت وقبلت خده ونزلت من السيارة على صوته قائلا
" الخامسة أجدك هنا ماريا لا يمكن سأعاقبك إن اضطررت
للدخول لك مفهوم ؟ "
فانحنت قليلا ونظرت له من نافذتها المفتوحة وقالت مبتسمة
" ولا أنا أريدك أن تدخل مفهوم ؟ فاتصل بي إن تأخرت يا عدو
التكنولوجيا "
خرجت لساحة الجامعة والابتسامة لازالت تزين شفتيها
لتموت فجأة ووقفت مكانها تراقب باستغراب التي كانت واقفة
مع شابين يتحدثون ضاحكين باستمتاع قبل أن تتحول تلك
الضحكة لنظرة حادة حاقدة وهي تتركهما وقد تحركت ناحيتها
فتراجعت للوراء خطوة لا إراديا تشعر بأنها رميت فجأة في ذاك
الحلم المخيف الذي لم تشفى من آثاره بعد ولازالت ترتجف كلما
تذكرته .
*
*
*
المخرج ~~
بقلم/ Nesrine Nina
من تيم إلى ماريه
أحببتك منذ الصغر يا طفلتي الحبيبة
رغم بعد المسافات كنت دائما قريبة
أنت وطني الذي تغربت لأجله
أنت قلبي الذي تخليت عنه
أنت عشقي الذي أهيم به
أنت حظن أمي الذي افتقدته
أنت سكني الذي عدت إليه
أنت طفلتي التي تحدت الصعاب
وسرقت الخبز لتطعمني وتحملت العقاب
لن تسكن هذا الحظن غيرك حتى أوارى في التراب
من ماريه إلى تيم
تاهت حروفي وعجزت عن وصف كلماتي
حبيبي مازلت أحبك رغم وجعي وآهاتي
عشقي لك نمى وكبر منذ طفولتي
إنتظرتك أن تعود وتلملم قلبي المكسور
وأن تشفي جراح قلبي المهجور
وتعيد لي بسمتي ونحن نتجول بين الزهور
ونسترجع ذكرياتنا ونلعب مع السلحفات والعصفور
مع أولادنا في قريتنا الغالية حجور