ابتسمت شمس بسعادة وهي تبدأ في التصفح بهدوء. تنقلت بين الصفحات حتى لفت انتباهها عنوان على تطبيق انستجرام. تزينه صورة كبيرة لبيجاد يحتضن تالا بحميمية ويقبلها من وجنتها بعشق. فسالت دموعها بصدمة وتصلبت دون حركة. عقلها وقلبها يرفضان ما تراه أمامها. همست بصدمة ودموعها تسيل وتغرق وجهها: = مستحيل.. مستحيل.. أكيد الصور دي قديمة. بدأت تبحث مجدداً بجنون عن المزيد من الصور. تهمس لنفسها بعدم تصديق:
= أكيد دي صورة قديمة أو متركبة.. صح.. أكيد هي صورة متركبة. انعقد لسانها بصدمة وهي تتفاجأ بالمزيد والمزيد من الصور التي التقطت في مناسبات مختلفة. الصدمة الأكبر كانت الصور التي تجمع والدها ووالدتها بتالا وبيجاد. وبعض الصور الأخرى التي تجمعهم بحامد وقسمت وتالا وبيجاد. تجمعت تحت عنوان واحد تقريباً: "قريبًا زواج الموسم". تصلبت بدون أن تتحرك. دموعها تسيل بصمت وعقلها يحاول استيعاب ما يراه. "مالذي يحدث؟
وإن كان بيجاد خائن لها كما يظهر من الصور التي تجمعه بتالا، فلماذا يتواجد والدها ووالدتها معه ومعها في نفس الصور وبأوضاع تظهر رضاهم عن علاقتهم بل وسعادتهم بها؟ مالذي يحدث؟ هل من المعقول أن تكون قد خدعت بهم جميعاً؟ ضغطت على شفتيها بقسوة وهي تنظر لصورة تجمع بيجاد الذي يقف ويلف يده حول خصر تالا. بجوارها تقف والدتها ووالدها ووالد تالا ووالدتها في صورة شبه عائلية. همست بغير تصديق:
= إزاي.. إزاي بس يا بابا واقف عادي كده جنب اللي أذاك وسجنك وسرق فلوسك. صمتت وهي تنظر للصورة بغير تصديق. ثم همست ودموعها تسيل: = بابا.. ومين قال إنه فعلاً أبويا؟ وأنا ليه صدقته؟ عشان صورة قديمة كان شايلني فيها؟ ما يمكن تكون متركبة.. زي الصور اللي ركبوهالي زمان وعملولي فضيحة بيها. وقفت وهي تنظر للصور بغضب. ثم همست بعذاب: = بس ليه.. ليه يكذبوا عليا ويقولوا إني بنتهم؟ هيستفادوا إيه من كده؟ شهقت بصدمة ودموعها تسيل:
= عشان أكيد خايفين على بنتهم الحقيقية. خايفين حامد ومراته لو عرفوها يأذوها. وعشان كده جابوني وقالولي إني بنتهم عشان لو حامد أذاني أو حتى موتني ميكونوش خسروا حاجة. تابعت بألم وإحساسها بخيانتهم هو ما يقود تفكيرها: = وإيه يعني لما يأذيني أو حتى يموتني؟
ما أنا بالنسبالهم حتة بت فلاحة تموت أو تعيش فهي ملهاش تمن. وعشان كده واقفين مبسوطين وبيشجعوا جواز تالا من بيجاد عشان العداوة تنتهي ويقدروا يظهروا بنتهم ويعيشوا حياتهم من غير خوف من حامد واللي ممكن يعمله فيهم. انهارت في البكاء وهي تقول بألم: = طيب هما وخايفين على بنتهم الحقيقية.. لكن بيجاد ليه يعمل كده فيا؟ ليه يخوني بالطريقة البشعة دي؟ صمتت قليلاً وهي تفكر وعينيها تتسع بفزع:
= أنا غبية.. غبية.. أكيد طبعاً بيعمل كده عشان خاطر عمته. هو مخانيش، هو من الأول بيحب تالا والظروف الغريبة بس هي اللي جمعتني بيه. تابعت وهي تبكي وتوبخ نفسها بقسوة: = إيه نسيتي؟ نسيتي هو عمل فيكي إيه؟ نسيتي الضرب والحبس والبهدلة؟ نسيتي ابنك اللي كان عاوز ياخده منك وإنتي مرمية في المستشفى ويديه لتالا حبيبته عشان تربيه؟ تابعت بألم وغضب من نفسها:
= أكتر من مرة قالي إنها حبيبته وإنه هيتجوزها بس أنا اللي كنت غبية. وكنت بفرح بأي كلمة حلوة منه وأنسى كل اللي عمله فيا. اتشعبطت في كدبة كدبوها عليا عشان كان نفسي أحس بالأمان وأحس بالحب اللي طول عمري محرومة منه. نهضت وهي تمسح وجهها بتصميم: = بس لأ.. كل ده لازم ينتهي. مش لازم أعيش كل حياتي أنفذ في مخططاتهم وفي الآخر يرموني بره ويحروموني من ابني.
اتجهت سريعاً إلى دولاب ملابسها وأخرجت سروال أسود وبلوزة سوداء وحذاء رياضي وارتدتهم على عجل. أخرجت حقيبة يد كبيرة بعض الشيء ووضعت بها بعض الأموال وبطاقتها الشخصية وشهادة ميلاد طفلها وعقد زواجها من بيجاد. حملتهم واتجهت إلى غرفة طفلها. دخلت وهي تقول للمربية بتوتر: = اتفضلي روحي انتي على أوضتك. أنا هسهر النهارده بفارس. المربية وهي تنظر بدهشة لوجه شمس الباكي: = حاضر يا أفندم.. بس هو حضرتك... شمس بتوتر:
= مفيش بس.. واتفضلي انتي على أوضتك زي ما قلتلك. هزت المربية رأسها بموافقة ثم أسرعت بمغادرة الغرفة. راقبتها شمس بتوتر وهي تخرج من الغرفة وحتى نزلت إلى الأسفل. أسرعت بوضع بعض ملابس وأشياء طفلها الأساسية بداخل حقيبتها. ثم حملته وهي تقول بتصميم: = مفيش حد هيقدر يحرمني منك. موتي عندي أهون. أسرعت بالتوجه إلى البوابة الرئيسية وهي تبكي بشدة ولا تستطيع السيطرة على دموعها. قالت للحرس الذين هبوا واقفين
بتوتر عند رؤيتها وهي تبكي: = إلحقوني.. ابني سخن أوي وبيتشنج ودوني أي مستشفى.. بسرعة.. ابني هيروح مني. بسرعة اقترب منها أحد الحرس الذين يجيدون العربية: = اهدئي يا سيدتي.. وسوف نتحدث مع بيجاد بيك أولاً. صرخت به شمس وهي تبكي بانهيار حقيقي: = بلا سيدتي بلا زفت.. وديني المستشفى الأول وبعدين ابقى بلغه براحتك. أنت مبتفهمش بقولك ابني هيروح مني. أشار قائدهم لأحدهم فتبعه هو وآخر وقادوها إلى إحدى السيارات.
ركبتها وهي تضم طفلها إليها وتبكي بشدة. قام أحد الحرس بقيادة السيارة وركب بجانبه حارس آخر، بينما جلس بجانبها قائد الحرس. الذي بدأ بسرعة بإجراء اتصال هاتفي ببيجاد. الذي أجاب فوراً. فأطلعه قائد الحرس عن مرض فارس واضطراره لاصطحابهم إلى إحدى المستشفيات. بيجاد بتوتر ولهفة وهو يتحدث معه باللغة الإنجليزية: = أنا هبعتلك عنوان المستشفى اللي بنتعامل معاها. خديهم على هناك فوراً وأنا هقابلكم هناك. واديني شمس أكلمها.
تناول قائد الحرس الهاتف وحاول إعطائه لشمس التي رفضت وقد زاد بكاؤها. الحارس بتوتر: = مدام شمس بتبكي ورافضة إنها تتكلم. انقبض قلب بيجاد وزاد توتره وهو يستشعر خطورة وضع طفله. فقال وهو يركض خارج الحفل بسرعة: = طيب خدها بسرعة على العنوان اللي هبعتهولك وأنا هاجيلكم على هناك على طول. بينما قال منصور بتوتر لنبيلة وهو يتابع ركض بيجاد لخارج الحفل: = فيه إيه؟ بيجاد رايح فين بسرعة كده؟ تعالي نشوف فيه إيه.
ثم أسرع هو ونبيلة خلفه حتى لحقوا به عند باب سيارته. منصور بتوتر: = فيه إيه يا بيجاد؟ سبت الحفلة بسرعة ورايح على فين؟ بيجاد وهو يركب السيارة بسرعة: = فارس تعبان أوي وشمس والحرس خدوه على المستشفى. شهقت نبيلة بخوف وركبت السيارة بسرعة بجوار منصور الذي قال بتوتر: = إن شاء الله خير.. وهتبقى حاجة بسيطة. في حين تمسكت نبيلة بيده بخوف وهي تقرأ بعض آيات القرآن. وبيجاد يقود السيارة بأقصى سرعة في طريقه إلى المشفى. بعد قليل..
توقفت السيارة التي تتواجد بها شمس في أحد لجان التفتيش. فطلب الضابط رخصة السيارة. فأخذها من السائق وتفحصها جيداً وهو يلاحظ أن الرجال المتواجدين بالسيارة غير مصريين. فطلب منهم إثبات الشخصية وتراخيص الأسلحة التي يحملوها. فتفحصها وتأكد من صلاحيتها، ولكنه توقف وهو ينظر لشمس التي تبكي بشدة في الخلف. فقال وهو يتحسس سلاحه بتحفز: = إنتي بتعيطي كده ليه وبتعملي إيه معاهم؟ فأجاب الحارس الذي يتحدث العربية بهدوء:
= مدام شمس هي زوجة بيجاد بيك الكيلاني ونحن مسؤولون عن حراستها وابنها الصغير متعب ونحن في طريقنا إلى المستشفى. ولذلك هي تبكي. الضابط بريبة: = الكلام اللي بيقوله ده مظبوط؟ توترت شمس ولكنها قالت فجأة بتصميم: = لا مش مظبوط. أنا فعلاً مرات بيجاد الكيلاني. بس بيني وبينه خلافات وهو حابسني في قصره أنا وابني غصب عني. وجايب الحرس دول عشان ينقلوني لمكان جديد معرفوش عشان يحبسني فيه. ثم انهارت في البكاء:
= أبوس إيدك انقذني أنا وابني منهم.. وخليهم يسيبوني. لم ينتظر الضابط حتى تنهي حديثها. وأشهر سلاحه على الفور في وجه حراسها الذين علت وجوههم الدهشة. والضابط يقول بحسم: = انزلي من العربية ومتخافيش. محدش يقدر يأذيكي. ثم أشار للحرس بصرامة: = وأنتم سلموا سلاحكم واتفضلوا قدامي. ومحدش يفكر يتهور ويقاوم وإلا هنضرب في المليان على طول.
نظر الحارسان لقائدهم بتساؤل والذي أشار إليهم بإطاعة الأمر. فقاموا بتسليم أسلحتهم بهدوء وهم ينظرون لشمس التي احتمت خلف الضابط بتوتر ودهشة. بعد قليل.. ارتفع رنين هاتف بيجاد الذي أجاب على الفور بتوتر: = إنتوا فين؟ أنا وصلت المستشفى ومش لاق... ولكنه صمت فجأة وهو يستمع للجانب الآخر. فأغلق عينيه وهو يقول بغضب مكتوم: = إنتوا في قسم إيه؟ ثم صمت قليلاً وهو يستمع للطرف الآخر ويقول بحسم: = متقلقش. نص ساعة وهكون عندكم.
ثم أغلق الهاتف وغادر المشفى وهو يكاد ينفجر من شدة الغضب. إلا أن منصور سحبه من ذراعه وهو يقول بتوتر: = إيه اللي جرى؟ وسايب المستشفى ورايح على فين؟ بيجاد بغضب: = رايح القسم أخرج رجالتى اللي بنتك اتهمتهم بخطفها. شهقت نبيلة بصدمة. في حين قال منصور بدهشة: = شمس؟ شمس اتهمت رجالتك بخطفها؟ وهي هتعمل كده ليه؟ بيجاد بغضب وهو يسرع إلى سيارته: = دي مش بس اتهمت رجالتى إنهم خطفوها. دي اتهمتني أنا كمان إني خاطفها وحابسها هي وابني.
منصور بصدمة: = وهي إيه اللي خلاها تقول كده؟ انهارت نبيلة في البكاء وهي تقول بخوف على ابنتها: = أكيد فيه حاجة حصلت وخليتها تعمل كده. ودوني عند بنتي. خلينا نشوف هي عملت كده ليه. قاد بيجاد سيارته بسرعة شديدة وعقله يعمل في كل الاتجاهات. حتى وصل إلى قسم الشرطة المتواجدة به شمس. فوجد المحامي الخاص به متواجداً وينتظره بداخل القسم. بيجاد بغضب مكتوم: = هي فين؟ عاوز أشوفها. المحامي بعملية:
= اهدى يا بيجاد بيه وسيطر على أعصابك. وكل حاجة هتتحل. إلا أنه تفاجأ بمنصور يقول بغضب: = ولو مهداش يعني هيعمل إيه؟ هيضربها مثلاً؟ بيجاد بغضب شديد: = لأ مش هضربها يا منصور بيه. بس ممكن تقولي أتصرف إزاي مع واحدة بتتهمني أنا ورجالتي إننا خطفناها وحابسينها؟ قاطعتهم نبيلة صارخة بهم بغضب وهي تقول بانهيار: = اسكتوا إنتوا الاتنين وبطلوا خناق. إيه محدش فيكم فكر هي عملت كده ليه؟
إحنا سايبينها قبل ما نخرج مبسوطة وكويسة. يبقى إيه اللي خلاها تعمل كده؟ ثم التفتت للمحامي بتصميم: = أنا عاوزة أشوف بنتي لو سمحت وأديني عندها. أشار للمحامي إلى إحدى الغرف: = هي موجودة في الأوضة دي. أنا اتكلمت مع الظابط وفهمته إنها مجرد مشاكل عائلية. وعشان كده هيخليكم تقابلوها. بس رجاء تحاولوا تتحكموا في أعصابكم عشان نقدر نخلص الموضوع من غير شوشرة. نبيلة بلهفة: = حاضر متقلقش. إن شاء الله كل حاجة هتتنهي على خير.
ثم أسرعت برفقة منصور وبيجاد الذي يكاد أن يشتعل من شدة الغضب إلى الغرفة المتواجدة بها شمس. ففتح بابها وهو يتوعدها بغضب. ولكنه توقف فجأة وهو يشعر بقلبه ينتفض خوفاً عليها. وهو يرى الغرفة فارغة. فالتفت للمحامي بغضب وتوتر: = هي فين؟ أنت مش قلت إنها هنا؟ انهارت نبيلة في البكاء. بينما توقف منصور بصدمة وهو يستمع للمحامي يقول بتوتر: = أنا لسه سايبها من دقايق هنا. ويادوبك رحت اتطلعت بس على المحضر. صرخ به بيجاد بغضب:
= يعني إيه؟ مراتي راحت فين؟ اختفت ولا اتبخرت؟ المحامي بتوتر: = ثواني وأنا هسأل عليها الظابط المسؤول هنا. وأكيد هو عارف مكانها. اندفع بيجاد خارج الغرفة وهو يقول بغضب وتوتر: = وأنا لسه هستناك لما تسأل. أنا هروحله بنفسي. دخل بيجاد للضابط المسؤول عن القسم وقال بتوتر: = أنا بيجاد الكيلاني جوز شمس عبدالله. كنت عاوز أعرف هي راحت فين. قالوا إنها موجودة في المكتب بره بس لما رحت ملقتهاش موجودة. وقف الضابط وقال بهدوء:
= أهلاً وسهلاً يا بيجاد بيه. اتفضل اقعد. منصور بلهفة وهو يحتضن نبيلة المنهارة من شدة البكاء: = أنا والد شمس.. أقصد زي والدها. ممكن تطمنا عليها وتقولنا هي راحت فين؟ الضابط بعملية: = مدام شمس كانت منتظرة في الأوضة اللي بره. وحقيقي معرفش هي راحت فين. بيجاد بغضب: = يعني إيه متعرفش هي فين؟ مش المفروض إنها كانت معاكم هنا.. وتحت مسؤوليتكم؟ الضابط بهدوء: = مدام شمس مكنتش متهمة بحاجة عشان أحط عليها حراسة.
بالعكس هي كانت بتتهمك إنت وحرسك إنكم كنتم خاطفينها وحابسينها ضد إرادتها. بس هي الظاهر غيرت رأيها لأنها مشيت قبل ما تتهمكم في محضر رسمي. وعشان كده... تركه بيجاد دون أن يستمع لباقي حديثه واندفع للخارج وهو يشير للحرس أن يتبعوه. وقال بغضب شديد: = اقلبولي المكان عليها. مش عاوزها تبات بره البيت النهارده. تابع بصرامة شديدة وتوتر: = ومش عاوز أي حد ياخد خبر بإلي حصل. ويستغل إنها موجودة بره لوحدها ومن غير حراسة.
ثم خرج برفقة والدها والحرس الخاص بها وبدأوا في رحلة البحث عنها. في نفس التوقيت.. حملت شمس طفلها وتوجهت إلى أحد متاجر المجوهرات المشهورة. وقامت ببيع بعض القطع الذهبية الصغيرة التي أخذتها من صندوق مجوهراتها قبل أن تغادر القصر. ثم اتجهت سريعاً إلى موقف السيارات وركبت سيارة أخذتها إلى محافظة الإسكندرية. فأحتضنت طفلها بحب وحماية وهي تحاول السيطرة على دموعها. وتهمس بألم:
= أنا مليش غيرك دلوقتي في الدنيا دي.. ومش هستنى لحد ما ياخدوك مني. ثم احتضنته بحب وهي تقبله بحنان. حتى وصلت إلى مدينة الإسكندرية. فجلست على مقعد أمام البحر وهي لا تدري إلى أين تتجه. فمعها مبلغ معقول من المال ولكنها لا تدري كيف تتصرف به. فجلست قليلاً تفكر. حتى هداها تفكيرها للذهاب إلى أحد الفنادق المتوسطة وقامت بالحجز فيها. ولكنها تفاجأت بالمسؤول عن الحجز يقول بهدوء:
= إحنا آسفين يا فندم بس سياسة الفندق بتمنع حجز أي أوضة لأنسة بمفردها. لازم يكون معاها جوزها أو أبوها أو حتى أخوها. لكن لوحدها مينفعش. وأنصحك متدوريش لأن كل الفنادق المحترمة بتطبق القرار ده. شمس بتوتر: = طيب أنا هعمل إيه دلوقتي وهنام فين أنا وابني؟ موظف الاستقبال بابتسامة باردة: = أنا آسف جداً يا فندم بس مفيش حاجة في إيدي أقدر أساعدك بيها.
فشعرت باليأس يسيطر عليها وهي ترفع حقيبتها فوق ذراعها وتتوجه للخارج وهي على وشك البكاء. ليستوقفها صوت يأتي من خلفها: = يا أنسة.. يا مدام.. إنتي يا أستاذة. نظرت شمس خلفها بدهشة لتجد العامل الخاص بحمل الحقائب يتابع بهمس: = إنتي عاوزة مكان محترم تنامي فيه.. مش كده؟ شمس بلهفة: = أيوه.. ياريت. العامل بهمس: = طيب استنيني خمس دقايق وأنا هوصلك ببنسيون محترم ورخيص. ثم تركها وذهب للداخل مرة أخرى. بعد مرور ساعة..
جلست شمس بداخل غرفة بأحد الشقق الكبيرة التي تؤجر غرفها للفتيات فقط. وارتمت على الفراش بعد أن أطعمت طفلها واحتضنته وهي تفكر كيف ستمضي أيامها القادمة. ففي الأيام القادمة ستحاول تأجير شقة صغيرة لها ولطفلها وستحاول الحصول على عمل تنفق به على نفسها وعلى صغيرها. وستختفي عن أنظار بيجاد حتى ينسها تماماً. ثم أغلقت عينيها واستسلمت لنوم متعب. بعد مرور عام.. جلست نبيلة تتأمل صورة ابنتها وهي تبكي وتقول لمنصور بغضب:
= إنتوا السبب.. إنتوا اللي خليتوها تهرب. لو كنتوا فهمتوها إحنا عملنا كده ليه مكنتش هربت وسابتنا. ثم تابعت ببكاء: = أكيد افتكرت بيجاد بيخونها وافتكرتنا سكتنا عليه عشان فضلنا مصلحتنا عليها. احتضنها منصور وهو يقول بحنان: = متخافيش يا حبيبتي. بنتنا هترجع تاني لحضننا وهنفهمها كل اللي فهمتوا غلط. انهارت نبيلة في البكاء وهي تدفن وجهها في عنقه بتعب:
= أنا عاوزة بنتي يا منصور. حرام إن أعيش نص عمري محرومة منها ولما ألاقيها تضيع مني تاني. ضمها منصور إليه بقلة حيلة وقد امتلأت عينيه بدموع الخوف والاشتياق لابنته الوحيدة والخوف على زوجته وحبيبته التي تذبل أمام عينيه دون أن يستطيع مساعدتها. حتى بيجاد الذي كان يشعر أنه كالجبل لا شيء يستطيع أن يهزه أو ينال من ثقته بنفسه بدأ يشعر أنه يكاد أن يسقط وينزوي وينهار تحت وطأة افتقاده لها.
فأصبح كالمجنون لا شاغل له إلا البحث عنها. فأهمل عمله الذي أصبح على المحك وذئاب المال تحوم من حوله تحاول انتهاز الفرصة لتمزيقه والاستيلاء على أمواله وممتلكاته. ولكنه للأسف غير منتبه لهم. فركيزه كله منصب على إيجاد زوجته وطفله. وكل ما يخشاه أن ينجحوا قريباً في الإجهاز عليه وانهائه تماماً. في نفس التوقيت.. ارتفعت ضحكات حامد وهو يقول لفاروق بانتصار: = فاضل على الحلو تكه وإمبراطورية الكيلاني كلها تنهار وتبقى ملكنا.
فاروق بسعادة: = أنا مكنتش أتخيل إنه يقع وبسهولة كده. وكأنه اتحول من وحش كان بيرعب سوق المال كله.. لواحد تاني مهمل شغله وسايب شركاته للمديرين اللي عنده يشتغلوا ويديروا الشغل من غير حتى ما يهتم أو يتابع التفاصيل. ثم تابع وهو يشرب كأس الخمر بتَمَهُّل: = أنا اللي هيجنني إيه اللي وصله لكده. ضحك حامد بسعادة:
= مش مهم إيه السبب. المهم إنه خلاص وقع. وكلها أسبوع ونقدم ورق مناقصة إيطاليا واللي أكيد هيخسرها زي المناقصات اللي قبلها. وساعتها شركاته هتتباع برخص التراب. دا غير الفضيحة اللي هتنهيه خالص. فاروق بتوتر: = أنا مش هصدق غير لما أشوف بعيني. أنت متعرفش بيجاد الكيلاني زي ما أنا عارفه. وعشان كده مش هصدق إلا لما أشوف شركاته بتتفكك وبتتباع قصاد عيني. يضحك حامد وهو يقول بسعادة: = قريب.. قريب يا باشا. وبكرة تشوف.
في نفس التوقيت.. تأففت شمس وهي ترتب ملفات القضايا المملوءة بالتراب والملقاة بغير عناية في كل مكان. وقالت بغضب: = حد يرمي ملفات القضايا بالشكل ده؟ افرض حاجة ضاعت منهم. ثم استمعت لصوت ضوضاء تأتي من غرفة المحامي الذي تعمل عنده كسكرتيرة. فأسرعت بدخول الغرفة لتتفاجأ به يأكل من علبة كشري كبيرة وهو يضحك ويتحدث في الهاتف ويشير إليها أن تحضر له أحد الملفات. فأسرعت بإحضارها له. فابتسم لها وهو يغلق الهاتف ويقول بسماجة:
= مش فاهم زعلان ليه؟ إيه يعني أخوه اتسجن خمس سنين؟ مش حرامي موتوسيكلات؟ يحمد ربنا أوي إنه متصتش عشر سنين. عالم جاهلة بصحيح. ضحكت شمس بسخرية: = عندك حق. المفروض يحمدوا ربنا إنك مجبتلوش إعدام. ضحك المحامي وهو يرشف من كوب الشاي بصوت مرتفع: = بقى بتتمسخري عليا؟ طيب مش هقولك على الخبر الحلو اللي مخبيه عنك واللي إنتي مستنياه بقالك سنة. شمس بتوتر: = خبر إيه ده يا أستاذ عفيفي؟ عفيفي بسعادة:
= خلاص يا ستي قضية الطلاق بتاعتك اتحكم فيها.. واتطلقتي خلاص من جوزك. بهت وجه شمس وشعرت بالدوار يلف رأسها. فجلست على أقرب مقعد وهي تقول بتعب وعينيها قد امتلأت بالدموع: = يعني خلاص اتطلقت؟ عفيفي بسعادة: = أيوه يا ستي اتطلقتي خلاص. ويا رب تحني عليا وتفكري في موضوع جوازنا. خلينا نلم على بعض بقى. نهضت شمس وهي تقول بتعب وتوتر ورأسها مازال يدور من أثر الصدمة:
= قلتلك مية مرة أنا لا هتجوزك ولا هتجوز غيرك. فبلاش نتكلم في الموضوع ده تاني. ثم تابعت بتوتر: = أنت.. أنت اتأكدت إني فعلاً اتطلقت وإنه ميقدرش يوصل لعنواني زي ما طلبت منك؟ المحامي بثقة: = عيب. دا أنا عفيفي أكبر محامي خلع وطلاق في البلد. إنه يوصل لعنوانك فده من رابع المستحيلات.
حاولت شمس النهوض وهي تقول بتعب وقلبها ينتفض حزناً وألماً. فقررت المغادرة لمنزلها وإحضار طفلها من الحضانة مبكراً لتحتضنه وتحاول دفن أحزانها بداخل ضحكاته البريئة التي تواسي قلبها. = أنا هروح بدري النهارده.. عن إذنك.
ولكنها توقفت فجأة. وقد بهت وجهها وهي تنظر لباب الغرفة وقد هاجمت أنفها رائحة عطر بيجاد المميز. فحاولت تكذيب نفسها وهي تخرج بسرعة إلى مكتبها الصغير في الردهة لتتفاجأ ببيجاد يقف ببرود بجانب مكتبها وهو يتأمل المكان بسخرية. فاللمعت الدموع بعينيها وهي تقول بغير تصديق وعينيها تلتهم تفاصيله بحب وجوع شديد: = بيجاد.. التفت بيجاد لها بلهفة وعشق حاول أن يداريهم وهو يبتسم بتهكم: = شمس هانم.. إزيك عاملة إيه؟
تراجعت شمس للخلف وهي تنظر لباب المكتب الخارجي وكأنها على وشك الركض هاربة. ولكنه فاجأها بالجلوس على أحد المقاعد وهو يضع قدم فوق أخرى بتكبر. ويقول ببرود: = تعالي اقعدي يا شمس وبلاش شغل العيال اللي بتفكري فيه ده. اقتربت منه شمس وهي تقول بتردد: = أنت بتعمل إيه هنا وعاوز مني إيه؟ بيجاد ببرود: = أنا في الحقيقة مش عاوز منك... لكن إنتي اللي عاوزة مني. شمس بصوت حاولت أن يكون واثق: = وأنا هعوز منك إيه؟
أظن إحنا خلاص انفصلنا والمفروض كل واحد فينا راح لحاله. ابتسم بيجاد بتهكم ولكنه توقف عن الكلام عند دخول عفيفي بجسده الممتلئ إلى الغرفة وهو ينهج ويقول باستفهام: = مين الأستاذ يا شمس؟ موكل جديد ولا إيه؟ تجاهله بيجاد وهو ما يزال يجلس ويضع رجله فوق الأخرى ويتأمل عفيفي باستهزاء. الذي مد يده إليه وهو يقول بثقة: = عفيفي عبد الحق المحامي وصاحب المكتب ده.
تأمل بيجاد يد عفيفي بتهكم ثم مد يده هو الآخر محيياً وهو يضغط على يده بقوة ألمت عفيفي حتى احتقن وجهه. وبيجاد يقول بتهكم: = إنت بقى عفيفي عبد الحق المحامي بتاعها. حاول عفيفي سحب يده ولكنه فشل. فكاد أن يصرخ وهو يشعر أن عظام يده ستتحطم تحت ضغط يده. ولكن فجأة ترك بيجاد يده وهو يقول بسخرية: = إنت اللي كنت ماسك لها قضية الطلاق مش كده؟ حاول عفيفي التحدث ولكنه فشل وهو يدلك عظام يده بألم. فاندفعت شمس وهي
تبتلع ريقها وتقول بتوتر: = الأستاذ عفيفي مش بس المحامي بتاعي.. دا كمان يبقى.. يبقى خطيبي. هب بيجاد واقفاً بغضب وكاد أن يفتك بعفيفي وقد بدأت أعصابه تخونه وقد اشتعلت عروقه بنيران الغيرة. على الرغم من تأكده من كذب حديثها. فتراجع عفيفي بخوف للخلف. وهو يقول بتوتر: = هو الأستاذ يبقى مين؟ شمس وهي تنظر لبيجاد بتوتر: = الأستاذ يبقى.. بيجاد الكيلاني. = جوزي... أقصد طليقي. انتفض عفيفي بخوف: = يا نهار أسود! طليقك المليونير؟
اسمع يا أستاذ أنا لا خطيبها ولا حتى المحامي بتاعها. دي هي اللي كانت بتكتب العرائض بنفسها وأنا يا دوب بحط اسمي عليها وأحضر قدام القاضي. توهج وجه شمس من شدة الخجل وهي تنظر لعفيفي بغيظ. بينما ابتسم بيجاد وهو يقول ببرود: = مفيش داعي للشرح يا أستاذ عفيفي. اللي إنت بتقوله ده عندي خبر بيه من قبل ما تقوله. بس شمس بتحب تهزر معايا هزار بايخ وتقيل. ثم تابع وهو يقول بأمر: = لمي حاجتك. أنا مستنيكي تحت في العربية. شمس بغضب:
= اتفضل امشي إنت. أنا مش هاروح معاك لأي مكان. بيجاد ببرود وهو يتركها ويتجه للخارج: = براحتك. أنا هستناكي تحت خمس دقايق بالظبط. ولو مجتيش هاخد ابني وأمشي. امتقع وجه شمس برعب: = فارس.. ابني معاك؟ بيجاد بقسوة وهو يضغط على كلماته: = أيوه فارس.. ابني.. معايا. ولو منزلتش قدامي دلوقتي هفهم إنك خلاص مش عاوزة يبقى لك دور في تربيته. ثم تركها وغادر. ولكنها أسرعت تجري من خلفه حتى كادت أن تسقط. ولكن تلتقتها ذراعاه بلهفة: = حاسبي.
ولكنها قالت ورأسها يدور بشدة وعينيها تلمع بالدموع: = بيجاد.. ابني... نظر بيجاد إلى عينيها بعشق ولوم لم يستطع أن يسيطر عليه. ثم مسح دموعها بحنان وهو يقول بصوت حاول أن يكون قاسياً: = متخافيش. أنا مش هحرمك منه زي ما حرمتيني منكم إنتوا الاتنين. ثم رفعها بين ذراعيه واتجه بها للسيارة دون أن يتحدث. ووضعها في الكرسي الخلفي وجلس بجانبها وهي تحتضن طفلها وتقبله بلهفة.
فانتظر قليلاً حتى اطمأنت عليه. وبالرغم من لهفته على صغيره وتناوله منها ووضعه فوق ساقيه وهو يضمه ويقبله بحنان: = حبيبي بابا وقلب بابا من جوه.. اللي عمره كله فداك. ثم مرر يده على جسده بح
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!