الفصل 4 | من 29 فصل

رواية حافية على اشواك ذهب الفصل الرابع 4 - بقلم زينب مصطفى

المشاهدات
42
كلمة
5,476
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

في نفس التوقيت، عاد بيجاد إلى الحفل وأجرى اتصالًا هاتفيًا مع رئيس فريقه الأمني. = أيوه يا محمود، ابعد أنت والرجالة عن العربية. اه، وحاول تركن العربية في مكان متداري وبعيد شوية عن القصر. محمود بقلق: = اعذرني يا بيجاد باشا، بس ليه ده كله؟ هو في حاجة حصلت؟ بيجاد بجدية: = لا، متقلقش. مفيش حاجة، اعمل بس اللي أنا قلت لك عليه. ثم تابع وهو يبتسم بتسلية:

= اه، وابعت حد من رجالتك يروح القصر عندنا يجيب أكل بسرعة ويحطه في العربية. قدامك ربع ساعة بالكتير، والأكل يكون عندي. ثم تابع بمرح: = اه، ومتنساش تكتر اللحمة. ثم أغلق الهاتف، متجاهلًا صدمة رئيس حرسه الخاص الواضحة. وهو يبتسم بمرح، اتجه إلى البوابة الرئيسية محاولًا المغادرة بهدوء. إلا أنه توقف بملل وقلة صبر وهو يستمع إلى صوت أنثوي رقيق ينادي عليه بلهفة. = بيجاد.. بيجاد.. رايح على فين؟ التفت بيجاد إليها وابتسم بمجاملة.

= أبداً، كنت مروح. انتي عارفة إن أنا عندي شغل كتير ولازم أرجع بدري عشان ألحق أراجعه قبل ما أنام. شهقت تارا وهي تضم شفتيها بدلال: = يعني عايز تمشي قبل ما تطفي الشمع معايا؟ ثم لفت يديها حول عنقه، تقرب وجهها من وجهه وهي تلصق جسدها بجسده بدلال. = دا أنا رفضت أطفي الشمع من غيرك وبقالى أكتر من نص ساعة بدور عليك. ثم تابعت بدلال: = صحيح، أنت كنت فين؟ دا أنا قلبت عليك المكان. فك بيجاد يدها من حول عنقه وأبعدها قليلاً

عن جسده وهو يقول بهدوء: = أبداً، كان معايا مكالمة شغل مهمة مينفعش تتأجل، وعشان كده عاوزك تعذريني. مضطر أمشي، ورايا حاجة مهمة مقدرش أتأخر عنها أكتر من كده. حاولت تارا لف يدها حول معصمه تتشبث به وهي تنادي والدتها بدلال مصطنع. = مامي، تعالي شوفي بيجاد عاوز يمشي قبل ما يطفي الشمع معايا.

اقتربت منهم بأناقة سيدة جميلة أرستقراطية في أوائل الخمسينات من عمرها. ترتدي فستان سهرة طويل أزرق اللون يزينه قطع من المجوهرات الباهظة الثمن. وهي تبتسم بسعادة بعد أن راقبت تقرب ابنتها الواضح من بيجاد الكيلاني، وحش أسواق المال والملياردير المعروف. وقالت بابتسامة هادئة: = يرضيك تمشي قبل ما تارا تطفي الشمع وتزعلها في عيد ميلادها؟ ابتسم بيجاد وهو يرفع معصم تارا يقبله بمجاملة.

= لا طبعاً ميرضنيش، بس حقيقي عندي ميعاد مهم صعب جداً يتأجل.

اقترب منهم زوج السيدة، قسمت، حامد بيه عبد السلام وقال بابتسامة سعيدة لرؤية ابنته بصحبة ابن عدوه السابق، والذي يحاول إنهاء العداوة معه بل ومصاهرته إن أمكن الأمر. ليضمن بذلك تفادي الضربات المؤلمة التي تلقتها شركاته من شركات بيجاد الكيلاني حتى كاد أن يعلن إفلاسه، مما جعله يدوس على كبريائه ويرفع الراية البيضاء ويعلن هزيمته ويسعى إلى الصلح مع عائلة الكيلاني وكبيرهم بيجاد الكيلاني الذي أذاقه مر الهزيمة.

= متزعليش يا تارا، أنا عارف انتي غالية قد إيه على بيجاد بيه وعارف إنه مستحيل يزعلك. بيجاد بمجاملة: = دا أكيد طبعاً يا حامد بيه، بس أنا فعلاً عندي ميعاد صعب يتأجل مع الشركة اللي ماسكالي الأسهم بتاعتي في بورصة نيويورك. وانت أكيد أكتر واحد عارف إن الحاجات دي مينفعش تتأجل. ابتسم حامد بمكر وهو ينظر إلى ابنته بطريقة موحية حتى تتدخل. = أنا مقدر إن دي حاجة مينفعش تتأجل، بس نعمل إيه، الستات مبيفهموش الكلام ده.

عقدت تارا حاجبيها بغضب: = كده برضه يا بابي؟ وأنا اللي فاكرة إنك هتقنعوه يقعد معايا لحد ما أطفي الشمع والحفلة تخلص. تدخلت قسمت وهي تبتسم بنعومة. = خلاص بقى يا تارا، قالك عنده شغل مهم وأكيد بيجاد بيه مش قاصد يزعلك وأكيد هيعوضك، مش كده؟ والا إيه يا بيجاد بيه؟

ابتسم بيجاد بضيق ولكنه أجاب بمجاملة وهو يتذكر تأكيدات وإلحاح عمته عليه بضرورة قيامه باستضافة عائلة الدمنهوري في عزبتهم الخاصة على الرغم من معارضته لذلك، ولكنه سيفعلها إرضاءً لعمته الغالية. = أكيد طبعاً، وعشان كده بتمنى إنكم تقبلوا تقضوا بكرة عندنا في العزبة. ابتسمت تارا بسعادة واقتربت منه وقبلته من وجنته وهي تقول بدلال. = طبعاً موافقة، وهستنى بكرة بفارغ الصبر.

ابتعد بيجاد عنها بهدوء ثم قال بمجاملة وهو يمد يده لحامد بيك محييًا استعدادًا للمغادرة. = خلاص يبقى متفقين وهنستناكم، عن إذنكم. ابتسم حامد وهو يصافحه بقوة. = اتفضل يا بيجاد بيه وشرفتنا بحضورك. ابتعد بيجاد سريعًا وهو يهمس بضيق ويشعر أنه يكاد أن يختنق. = الله يسامحك يا عمتي، انتي السبب في التدبيسة دي. في حين نظرت قسمت لابنتها برضى.

= برافو عليكي، بنت قسمت مندور صحيح. خليكي كده اهتمام ودلع وحنية لحد ما يطب، وييجي يطلبك مني. ابتسمت تارا وهي تتابعه بعينيها بإعجاب صارخ. = متقلقيش يا مامي، أنا متأكدة إنه كلها أسبوع أو اتنين بالكتير وهايجي يطلب إيدي منكم. تنهد والدها وهو يقول بتمني. = يا ريت يا تارا، يا ريت. ساعتها الكل هيعملنا ألف حساب ومحدش في السوق هيقدر يقف في وشنا، خصوصاً واحنا هنبقى نسايب بيجاد الكيلاني. ابتسمت تارا وهي تقول بثقة.

= هيحصل يا بابي، وقريب جداً كمان، وبكرة تقول تارا قال. ابتسمت قسمت بسعادة وربتت على كتف ابنتها وهي تتأمل جمالها بثقة. = أنا واثقة فيكي يا تارا وواثقة إنك تقدري. ثم تابعت وهي ترسم ابتسامة ناعمة على وجهها. = يلا روحي هيصي مع أصحابك بدل التكتيفة اللي كنتي فيها وهو هنا. ثم تابعت بدهاء. = وأنا بقى هاروح أعمل مكالمة تليفون ضرورية جدًا.

في نفس التوقيت، وقف بيجاد بجوار سيارته التي ركنها في مكان بعيد عن الأنظار. ينتظر بفارغ صبر ظهور شمس وهو يفكر بغرابة ما يفعله. فهو يتصرف بتهور وبطريقة مغايرة تمامًا لشخصيته الجادة العملية التي لا تفكر إلا في العمل وكيفية ربح الصفقات. لما انجذب بطريقة غريبة لفتاة قروية صغيرة ساذجة مغايرة تمامًا لمعاييره العالية في اختيار النساء اللاتي يرافقهم.

فهو لا يرافق إلا النساء اللاتي تمتاز بدرجة عالية من الجمال والثقافة والأناقة من بنات عائلات طبقته الأرستقراطية، التي تعلم جيدًا متطلبات مرافقته وتجيد التصرف في محيط عالمه المعقد والصعب. وتعلم جيدًا أنها لن تنال منه إلا ما يسمح به، علاقات مريحة غير رسمية أو متطلبة يستريح بها من عناء العمل. فهو يعلم جيدًا أن كثيرات منهن كانوا يطمحون إلى الوصول بعلاقتهم معه إلى الارتباط الرسمي.

ولكنه كان يرفض وبصرامة، ينهي علاقته معهم وينتقل إلى علاقة أخرى مريحة غير متطلبة. تنهد بتعجب وهو يهمس لنفسه بغضب. = أنا أكيد اتجننت. إزاي اتصرف بالغباء والتهور ده؟ أكذب وأقول على نفسي سواق وواقف زي المراهقين أستنى واحدة مجنونة أول مرة أشوفها. كل ده عشان شخصيتها غريبة وضحكتني شوية. ثم تنهد بضيق وهو يعاتب نفسه. = إيه يا بيجاد، أنت اتجننت والا كثر ضغط الشغل خلاك تتجنن وتتصرف من غير عقل ولا حساب لمكانتك؟ ثم تابع بتصميم.

= أنا لازم أمشي من هنا حالا قبل ما تيجي وأورط نفسي أكتر من كده. ثم استدار حول العربة محاولًا المغادرة والوصول لباب قائد السيارة. إلا أنه توقف بتردد عندما رآها تقترب من السيارة وهي تتلفت من حولها بخوف. في حين شهقت شمس بخوف عندما رأت السيارة تقف في مكان متطرف بعيد عن الضوء فقالت بريبة. = هو موقف العربية في مكان ضلمة كده ليه؟ ثم تابعت بتوتر وغضب بعد أن تخيلت أنه يريد منها شيئًا غير أخلاقي ثمنًا لـ صمته.

= آه يا قليل الأدب، موقف العربية في الضلمة وفاكرني هاخاف من تهديدك وأطاوعك وأعمل قلة الأدب اللي أنت بتفكر فيها. ثم تابعت بغضب. = طب والله لأربيك. ثم انحنت بتهور وسحبت حجرًا كبيرًا من على الأرض وقذفته بكل قوتها في اتجاهه، إلا أنه رآها وتراجع بصدمة وسرعة متفاديًا الحجر.

وهي تصرخ بغضب مجددًا وتقذف السيارة بحجر آخر أصاب زجاج السيارة الأمامي فهشمه تمامًا وتناثر من حوله بقوة. فكاد أن يصيبه إلا أنه ابتعد سريعًا متفاديًا شظايا الزجاج المتناثر وهو ينظر إليها بدهشة وهي تصرخ بغيظ بعد فشلها في إصابته. فانحنت سريعًا تتناول حجرًا آخر من على الأرض وألقته نحوه بقوة تحاول إصابته به وهي تصرخ بغضب. = خد دي كمان عشان تبقى توقف عربيتك في الضلمة أوي يا قليل الأدب.

فتراجع هو بصدمة وسرعة كبيرة بعيدًا عن سيارته وهي تقذفه بحجر آخر تفاداه بسهولة وهي تصرخ فيه بغيظ شديد. = تستاهل يارب صاحب العربية بعد ما يشوف إزاز عربيته اتكسر، يعلقك من رجليك ويسحلك زي محمود المليجي في فيلم الأرض. ثم تابعت بغيظ وهي تقذفه بحجر آخر. = فاكرني هبلة وهطاوعك؟ أهي العربية اتكسرت، ابقى خلي الضلمة تنفعك يا قليل الأدب. ثم أطلقت ساقيها للريح.

وسط دهشته التي تحولت إلى ضحكات عالية لا يستطيع السيطرة عليها وهو يتابع هروبها واختفائها وسط الظلام. في حين عاد حرسه الخاص سريعًا إليه بعد سماعهم صوت تهشم زجاج سيارته والتفوا من حوله وهم يخرجون أسلحتهم بتوتر استعدادًا للركض خلف المعتدي المجهول، إلا أنه أشار لهم من وسط ضحكاته ألا يفعلوا. ثم قال بمرح وسط دهشتهم من تصرفاته الغريبة عليهم. = رجعوا سلاحكم يا شباب، الموضوع مش مستاهل.

اقترب منه محمود، رئيس فريقه الأمني، وهو يقول بتوتر ومازال يحمل سلاحه. = مين المجنون اللي اتجرأ وعمل كده في عربيتك؟ قاطعه بيجاد وهو ينظر لمكان اختفائها ويبتسم بمرح. = قلت خلاص يا محمود، الموضوع مش مستاهل زي ما قلت. ثم تابع وهو مازال يبتسم. = خد الاسم ده عندك، وبكرة الصبح بالكتير يبقى عندي تقرير شامل عن صاحبته. ثم ابتسم بهدوء وهو يعطيه اسمها والمعلومات القليلة التي يعرفها عنها.

في صباح اليوم التالي، تقلبت شمس بقلق في فراشها للمرة المئة ثم تنهدت وهي تهمس لنفسها بتعب. = ماهو اللي يستاهل. موقف العربية في مكان ضلمة ليه؟ ثم تابعت بغضب. = فاكرني هبلة وهطاوعه وأعمل قلة الأدب اللي هو عاوزها. ثم تنهدت بتعب وهي تستقيم جالسة في فراشها. = حرام، يمكن ماكنش قصده واللي عملته اتسبب في قطع عيشه. ثم شهقت بخوف. = يا لهوي! والا يكونوا ضربوه وبهدلوه؟ أنا أسمع إن الراجل اللي شغال عنده ده صعب وكل الناس بتخاف منه.

ثم تابعت بقلق وخيالها الخصب يصوره لها مضروبًا ومقيدًا إلى أحد الأشجار. = أكيد طبعاً ضربه وبهدله. إزاز عربية زي دي أكيد غالي والناس اللي زي دول بيبقوا مفتريين وأكيد بهدلوه جامد. ثم تابعت بضيق. = أنا هفضل طول عمري غبية وبتصرف من غير ما أفكر. أديني وديت الراجل في داهية بسبب تسرعي وغبائي.

ثم نهضت وهي تشعر بالضيق وتأنيب الضمير. فتوجهت إلى مطبخ منزلهم القديم وبدأت في جلي الصحون وتجهيز طعام الإفطار لوالدها وزوجته. وكل ما يسيطر على تفكيرها هي صورة جاد وهو مضروب وينزف. وبعد أن أتمت واجباتها اليومية وهي تشعر بالاختناق والغضب من نفسها، وقفت أمام والدها وزوجته بعد أن أنهوا تناول وجبتهم. فأشار والدها لزوجته. = يلا يا سمية عشان أوصلك القصر في طريقي.

ابتسمت سمية وهي تزيد من وضع طلاء الشفاه الأحمر القاني فوق شفتيها. = حاضر يا حاج، أنا خلاص جهزت أهو. ضغطت شمس بغضب على شفتيها وهي تتأمل بغير رضا ما ترتديه زوجة والدها. فهي ترتدي جلباب أسود ضيق يحدد معالم جسدها بإغراء واكتفت بوضع شال خفيف فوق كتفيها لا يستر شيئًا. ابتسمت سمية وهي تنظر لشمس بتحدي. = أنا هرجع متأخر أنا وأبوكي وهنتغدى في القصر. ثم تابعت بسعادة.

= الأكل بتاع حفلة امبارح فاض منه كتير واحنا والشغالين اللي هناك هنتغدى بيه. ثم تابعت بأمر. = متطبخيش النهارده وابقي طلعي حتة جبنة مش صغيرة اتغدي بيها. إلا أن زوجها قاطعها وهو يقول لشمس بتحذير. = تاخدي حتة جبنة صغيرة على رغيف ومتفتريش. أنا عاددهم حتة حتة. شمس بضيق وهي تشعر بعدم رغبتها في تناول أي شيء. = حاضر يا بابا. عمومًا أنا مش هاكل دلوقتي عشان رايحة الجامعة، عندي محاضرات النهارده. والدها بحده.

= كل يوم والتاني رايحة الجامعة وراجعة من الجامعة. ثم تابع بغضب وهو يجذبها إليه بعنف ويلوي يدها للخلف بقوة. = هو أنا مش قلتلك مفيش جامعة إلا لما تلاقي شغل يصرف على مصاريفك اللي مبتنتهيش؟ إيه؟ انتي فاكراني بنك هفضل أصرف عليكي طول العمر؟ ضحكت سمية بشماتة وهي تتابع محاولات شمس البائسة في تحرير يدها من والدها وهي تقول بألم. = ما هو ده اللي كنت عايزة أقولك عليه. أنا لقيت شغل وكنت عايزة إذنك عشان أبتدي فيه من أول الشهر.

سمية بلهفة. = طيب مش تقولي إنك خلاص لقيتي شغل؟ خلاص سيبها يا حاج. ثم تابعت بتحذير. = بس اعملي حسابك مرتبك أول كل شهر تحطيه كله في إيدي، مينقصش مليم. آه، ما أنت مصاريفك مش شوية. دفعها رفعت بحدة بعيدًا عنه وهو يقول بعنف. = روحي في داهية، المهم تجيبي فلوس تخفف شوية مصاريفك اللي مبتنتهيش دي. ثم تابع بغضب. = ربنا يجازيه الشيخ عبدو إمام الجامع، هو اللي ضغط عليا وخلاني أكملك تعليمك. كان زمانك بتخدمينا أهو تعملي بلقمتك.

ثم تابع بغضب وتحذير. = بس زي سمية ما قالت، كل أول شهر مرتبك بالمليم تحطيه في إيدينا، وإلا اقعدي في البيت اخدمينا أوفر، ولا جامعة ولا زفت. ضغطت شمس على أسنانها بألم وهي تدلك يدها بوجع ولكنها أجابت بطاعة حتى لا تتسبب في إثارة المزيد من غضبه. = حاضر يا بابا. زي ما حضرتك أمرت، أول ما أقبض هسلم مرتبى كله لحضرتك. جذبت سمية رفعت من يده تسحبه خلفها وهي تقول بدلال.

= خلاص بقى يا حاج ويلا بينا عشان منتأخرش والهانم والبيّيه يصحوا ويسألوا علينا. التفت لها رفعت وهو يبتسم. = يلا بينا يا حبيبتي. وانتِ يا بوز الأخص، متتحركيش من البيت قبل ما تنضفيه وتأكلي الطيور وتنضفي من تحت البهايم. ثم تركاها وخرجا وأغلقا الباب من خلفهما وهم يضحكون. أغلقت شمس عينيها وهي تدلك ذراعها بألم ودموعها تسيل بصمت. ولكنها تخلصت منها بتصميم وهي تبتسم لنفسها بتشجيع وتزيل بواقي طعام إفطارهم.

= أهم حاجة إنّي هكمل في الجامعة، وأي حاجة تانية أنا هاستحملها لحد ما آخد شهادتي وأقدر ألاقي شغل يرحمني من العذاب اللي أنا فيه ده. ثم أنهت أمور المنزل سريعًا وأسرعت بارتداء تنورة سوداء طويلة قديمة كَالِحَة اللون يصل طولها إلى كعبيها، وقميص باهت أخضر اللون، وحذاء أسود قديم بدون كعب. ثم لملمت سريعًا شعرها الطويل بعقدة سوداء باهتة وتناولت كتبها وأسرعت حتى لا يفوتها موعد القطار.

في نفس التوقيت، جلس بيجاد في غرفة مكتبه في قصره الريفي يتطلع إلى التقرير الخاص بالمعلومات التي طلبها عن شمس وهو يبتسم بمرح ويتذكر حديثها العفوي وتصرفاتها الغريبة التي تثير دهشته. ثم توقفت عيناه بتفكير عند اسم جامعتها ومواعيد ذهابها إليها. فهب واقفًا فجأة وهو يقرر أن يذهب إليها ويرآها. يعلم أنه يرتكب خطأ بما يفعله، فهي لا تتناسب بأي شكل من الأشكال مع عالمه ومتطلباته، ولكنه لا يستطيع المقاومة.

فمنذ أن رآها بالأمس وهي لا تغادر تفكيره. جمالها، براءتها، عفويتها، تصرفاتها غير المتوقعة وردودها الغريبة جعلته يعجز عن التخلي عن التفكير بها. ومن الممكن أن رآها اليوم عن قرب ينكسر السحر والشعور الغريب الذي يجذبه نحوها. ثم تنهد وهو يسرع بالمغادرة للحاق بالقطار وهو يهمس لنفسه. = خليني أشوفها بس النهارده واتكلم معاها. يمكن لما أشوفها وأكلمها عن قرب الهالة اللي حواليها واللي بتشدني ليها تنكسر وتخرج من تفكيري.

ثم تناول مفاتيح سيارته واتجه للخارج وهو يجري حديثًا سريعًا مع سائق سيارته. لتقابله عمته التي تقف في غرفة الطعام تشرف على الخدم وهم يقومون بوضع طعام الإفطار على المائدة. اتجه بيجاد إلى عمته وقبل أعلى رأسها باحترام. = صباح الخير يا بيلا، إيه اللي مصحيكي بدري أوي كده؟ نبيلة بابتسامة ودود وهي تشير لمائدة الطعام. = صباح النور يا حبيبي. بحضر الفطار، انت نسيت إن عيلة الدمنهوري هيقضوا اليوم من أوله عندنا. ثم أشارت للمائدة.

= إيه رأيك في الأكل؟ في حاجة لسه ناقصة والا كده كويس؟ ما نويّن عيلة الدمنهوري يقولوا علينا حاجة. ابتسم بيجاد وهو يقبل ظاهر يدها بحنان. = مين دول اللي يقولوا علينا حاجة؟ انتي ناسيه إحنا مين والا إيه؟ دا كفاية أوي إنهم هاياكلوا من الأكل اللي انتي اشرفتي عليه بنفسك. ابتسمت عمته وهي تربت على كتفه بحنان. = مش أوي كده يا سي بيجاد. عمومًا استعد عشان كلها نص ساعة وهيكونوا هنا عشان هيقضوا اليوم كله معانا.

ابتسم بيجاد وهو يتجاهل حديثها عنهم ويشير لأحد الخدم. = اعمل لي كام سندوتش وحط لي معاهم عصير وقهوة ووديهم على العربية. آه وحط معاهم كمان شوية حلويات. عمته بتعجب. = عايز الأكل ده كله ليه؟ هو انت مش هتفطر معانا؟ توجه بيجاد للخارج وهو ينظر إلى ساعته بتعجل. = لا، عندي شغل مهم هخلصه وأبقى أرجع أغدى معاكم. نبيلة بدهشة وهي تتابع خروجه المتعجل. = استنى بس يا بيجاد، انت رايح على فين؟ انت كده بتحرجني معاهم. بيجاد بتعجل.

= اعتذر لهم وأنا كلها كام ساعة وهخلص الشغل اللي ورايا وهكون هنا على الغداء. يلا سلام. ثم تركها وذهب. ووقفت هي تتأمل خروجه السريع وتفكر بتعجب في حاله الغريب عليها، مرحه، تعجله، حتى طلبه لطعام الإفطار. غريب عليه، فهو لا يتناول أبدًا طعامًا للإفطار مهما ألحت عليه. فهو يكتفي في الصباح بتناول العديد من أكواب القهوة السوداء التي يدمن عليها.

تنهدت نبيلة بقلق وهي تستعد لاستقبال عصمت مندور وابنتها وتفكر في حجة تبرر بها غياب بيجاد عن تناول الإفطار معهم وتدعو الله أن يمر هذا اليوم على خير.

بعد قليل، جلست شمس في القطار شبه الخالي بجانب النافذة تتأمل المشهد الرائع أمامها بتعب ودون أن ترى شيئًا. فتفكيرها مشغول. من ناحية بوالدها وقسوته الشديدة عليها، ومن ناحية ثانية بعملها الجديد الذي ستبدأ فيه من بداية الشهر والذي جلبته لها إحدى صديقاتها كسكرتيرة بأحد المكاتب الصغيرة للمحاماة. ومن ناحية أخرى قلقها وتأنيب ضميرها على فعلتها مع جاد وتسببها الأكيد في أذيته وفقدانه لعمله.

فلم تنتبه لجلوس بيجاد إلى جانبها وتأمله الصامت لها. لملامحها الجميلة الرقيقة الحزينة وشعرها الناعم الهارب من رباط شعرها والمتطاير حول وجهها برقة ملائكية جعلته يضم أصابعه بقوة. يمنعهم من أن يمتدوا إلى شعرها ويعيد ترتيب خصلاته الهاربة. فابتسم بهدوء وهو يسمعها تتنهد وهي ترجع رأسها للخلف وتغلق عينيها بتعب. إلا أنها تفاجئت بصوت رجولي يأتي من جوارها يقول بهدوء. = ياااه، كل دي تنهيدة؟

ففتحت عينيها والتفتت إليه بسرعة وهي تشهق بصدمة. = إنت!! إنت بتعمل إيه هنا؟ وضع بيجاد ساقًا فوق الأخرى وهو يقول ببرود. = يعني هكون بعمل إيه؟ قاطع تذكرة وراكب في القطر. أكيد يعني مسافر زي كل الموجودين هنا. شهقت شمس بصدمة وغطت فمها بيدها وهي تقول بنواح. = سايب شغلك ومسافر؟ يبقى أكيد رفدوك وعشان كده سيبت البلد وراجع على بيتك. ثم تابعت وقد امتلأت عينيها بدموع الندم.

= والله ما كنت أقصد أتسبب في أذيتك. أنا بس خوفت لما لقيتك موقف عربيتك في الضلمة، فـ اتصرفت من غير تفكير. تأمل بيجاد بدهشة شحوب وجهها وارتعاش شفتيها ودموعها التي على وشك أن تسيل. وهو يقول معاتبًا بهدوء. = تقومي تحدفي العربية بالطوب وتكسري إزاز العربية؟

مفكرتيش إن ممكن حد يشوفك من أهلك أو من أهل البلد وساعتها أكيد هيسألوا انتي بتعملي كده ليه وممكن برضه ساعتها يطلعوا عليكي كلام ملوش لازمة أو حتى ممكن صاحب العربية يشوفك ويعملك مشكلة. نظرت شمس للأسفل بحرج وقالت بصوت ضعيف أثار عاطفته نحوها. = أنا آسفة يا أستاذ جاد وحقيقي مفكرتش في كل ده. والله لو في حاجة ينفع أعوضك بيها كنت عملتها. ثم رفعت إليه عينيها التي أعماتها الدموع. = هما.. هما رفدوك وعشان كده راجع على القاهرة صح؟

لا يعلم كيف استطاع السيطرة على مشاعره ومنع نفسه بالقوة من احتوائها بين ذراعيه وتهدئة خوفها، فوجد نفسه ينفي سريعًا حتى يطمئنها. = لا يا ستي اتطمني، مترفدتش ولا حاجة بس أخدتلي كلمتين صعبين شوية من صاحب العربية، وخلاص عدت على خير. تنهدت شمس براحة ثم ابتسمت بسعادة. = مش تقول كده… ياااه ريحتني، دا أنا مانمتش طول الليل وأنا متخيلاهم رابطينك في شجرة وبيتعذبوا فيك.

ارتفع حاجباه بدهشة ثم تحولت دهشته إلى ضحكات عالية مرتفعة غير قادر على السيطرة عليها. مما جعلها تدفعه في ذراعه وهي تتلفت حولها بغضب. = اسكت! بس هتفضحنا. إيه؟ انت طول عمرك بتضحك بصوت عالي كده؟ ابتسم بيجاد وهو يتأملها بحنان. = هتصدقيني لو قولتلك إني قبل ما أشوفك عمري ما ضحكت من قلبي كده؟ شمس بتبرم. = يا سلام، مضحكتش خالص قبل ما تشوفني؟ ليه يعني؟ شايفني أراجوز قدامك والا إيه؟ ابتسم بيجاد وهو يتأملها بمرح.

= هو ده اللي فهمتيه من كلامي؟ شمس بغضب طفولي. = مش انت اللي بتقول عمرك ما ضحكت إلا لما شوفتني؟ ابتسم جاد وهو يقول بمرح. = يا ستي بلاش سوء الظن ده، أنا أقصد إن دمك خفيف يعني مش شايفك أراجوز ولا حاجة. ابتسمت شمس وهي تقول بغرور طفولي. = آه، إن كان كده معلش. وعموما انت مش أول واحد يقولي كده. عقد بيجاد حاجبيه وهو يقول بغضب لا يعرف مبرره. = ومين بقى اللي بيقولك كده غيري؟ ابتسمت شمس وهي تعد على أصابع يدها بغرور.

= كتير.. عم عبده البقال، عبير صاحبتي ومامتها، وصحباتي في الجامعة نور وسمر وهبه وسمية مرات أبويا. بس دي ما تتحسبش عشان بتقولها بطريقة. تنهد بيجاد وهو يشعر بارتياح لا يفهم مصدره. = آه قولي كده. عمومًا هما أكيد معاهم حق. ثم تابع بمرح. = بس موضوع خفة دمك ده مش هينسيني إني ليا حق عندك. شمس بتوجس. = حق؟ حق إيه؟ مش انت بتقول إن صاحب العربية معملش فيك حاجة؟ بيجاد بجدية مصطنعة.

= آه، بس ده ما يعفيكيش من المسؤولية. اللي عملتيه كان ممكن يكلفني شغلي. ثم تابع بتهكم مستتر. = أو ممكن كنت أبقى دلوقتي متعذب ومربوط في شجرة زي ما بتقولي. يبقى على الأقل عوضيني. شهقت شمس وهي تنظر له بتوجس. = وأعوضك إزاي بقى مش فاهمة؟ ابتسم بيجاد وهو يقول. = بإننا نرجع لاتفاقنا القديم وتعوضيني ونفطر مع بعض. شمس بتوتر. = مينفعش يا أستاذ جاد، أنت غريب عني وبعدين لو حد شافنا وقال لأبويا هاروح في داهية.

صمت بيجاد قليلاً ثم قال بمكر. = يعني مش عايزة تعوضيني عن خصم مرتبك والبهدلة اللي اتبهدلتها بسببك امبارح؟ إلتمعت الدموع في عيون شمس وهي تقول بندم. = هما خصموا فلوس من مرتبك كمان؟ أنا كنت عارفة إن صاحب العربية ده مفتري ومش هيعديها لك بالساهل. ارتفع حاجب بيجاد بدهشة وهو يتابعها تتابع بغضب. = أنا عارفة الراجل ده كويس. صعب كده وكل اللي حواليه بيترعبوا منه، بس مكنتش أعرف إنه بخيل وهيدفعك تمن الإزاز اللي اتكسر.

ثم تابعت باندفاع وقد توهج وجهها بحمرة الغضب. = يخصم منك ليه؟ إيه يعني إزاز عربيته اتكسر؟ يعني كسرت إزاز البيت الأبيض عشان يخصم من مرتبك؟ انفجر بيجاد فجأة في الضحك وهو يقول بتسلية. = تعرفي بيجاد الكيلاني كويس؟ شمس وهي تدعي الثقة. = طبعاً أعرفه كويس وشوفته كمان، والا فاكرني بكذب وبقول أي كلام؟ رفع بيجاد حاجبه بمرح. = لا بتكدبي إيه؟ أنا متأكد إنك شوفتيه وتعرفيه كمان. بس يعني بما إنك تعرفيه، ممكن توصفيه ليا؟

عشان أتأكد بس إنك فعلاً تعرفيه. ابتلعت شمس ريقها بتوتر وهي تنظر من النافذة وتتهرب من النظر إليه. = وأوصفهولك ليه؟ ما أنت شغال عنده وعارفه كويس، والا عامل لي امتحان؟ وعموما أنا اللي غلطانة إني أنا اتعاطفت معاك. ابتسم بيجاد رغم عنه وهو يتأمل غضبها الطفولي بحنان. = لا يا ستي متزعليش، أنا اللي غلطان. ممكن بقى تسيبي الشباك اللي شاغلك ده وتبصيلي؟ نظرت له شمس مرة أخرى وهي تقول بغضب مصطنع.

= أديني بصيت. ممكن تقولي بقى انت عايز مني إيه؟ بيجاد بهدوء. = عايزك تنفذي اتفاقنا وتفطري معايا، أظن ده يبقى أقل تعويض عن اللي عملتيه فيا امبارح. شمس بتوتر. = انت عارف يا أستاذ جاد إنه حتى كلامنا مع بعض دلوقتي يعتبر غلط، يبقى إزاي بس عايزني أقعد وآكل كمان معاك؟ بيجاد بهدوء. = أولاً أنا اسمي جاد من غير أستاذ. ثانيًا.. غلط ليه؟

إحنا قاعدين في مكان عام وبنتكلم باحترام. وبعدين لو شوفتي أي حاجة مني متعجبكيش، ابقي ساعتها سيبيني وامشي طول. ها، قولتي إيه؟ شمس بتردد. = بس لو حد شافني معاك هتبقى مصيبة. بيجاد بهدوء. = رغم إننا مبنعملش حاجة غلط، بس متخافيش محدش هيشوفنا. ابتسمت شمس بتوتر. = طيب موافقة. بس دي هتبقى آخر مرة يا أستاذ جاد، وابقى كده نفذت اتفاقي معاك. ابتسم بيجاد وهو يشعر بالقطار يهدئ من سرعته استعدادًا للتوقف.

= قلنا اسمي جاد من غير أستاذ، وعموما يلا بينا، القطر خلاص هيقف. شهقت شمس برعب. = يلا بينا؟ دا إيه؟ انت اتجننت؟ عايزني أمشي معاك عادي كده قدام الناس دي كلها؟ ثم تابعت بتوتر. = انت انزل الأول، وأنا هبقى أقابلك بره عند الساعة اللي في الميدان اللي قدام محطة القطر عشان محدش يشوفنا. تنهد بيجاد وهو يقول بصبر. = ماشي ياستي موافق. أنا هسبقك وهستناكي بره. ثم تابع بتحذير. = بس إوعي متجيش.

شمس وهي تتلفت حولها بتوتر بعد توقف القطار. = هاجي، بس يلا قوم من هنا قبل حد ما ياخد باله إننا بنتكلم مع بعض. ابتسم بيجاد وهو يقول بمرح. = حاضر يا ستي هابعد قبل ما حد يشوفنا بنتكلم مع بعض. أما أشوف آخرتها إيه. ثم ابتعد وهو يهمس لنفسه بسخرية. = والله أنا شكلي اتجننت.. واللي بعمله ده مش تصرفات عاقلين أبدًا. في حين تابعت شمس انصرافه وهي تتأمله وتهمس بإعجاب. = قمر يخربيتك. ثم تنهدت وهي تقول باستسلام. = ربنا يستر.

ثم غادرت القطار والتوتر والخوف يتصاعد بداخلها. وهي لا تعلم أنها بموافقتها تناول الطعام معه، قد بدأت قصتها الغريبة معه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...