ارتمت شمس أرضًا وهي تبكي وتصرخ فيه، وهو يغادر دون أن يعيرها اهتمامًا، ثم يغلق عليها الغرفة مجددًا. = ياريتني ما كنت شفتك ولا عرفتك. ياريتني كنت سمعت كلام أبويا ومرحت للحفلة المشؤومة دي. ياريتني كنت سمعت كلامه. ثم انهارت في البكاء وهي تتذكر أول لقاء لها معه. فلاش باك.. في مساء أحد الأيام الصيفية.. انتبهت شمس من نومها المتعب على صوت ضربات حصى على زجاج نافذتها، فاستدارت سريعًا. فتحت النافذة فوجدت صديقتها عبير تقف في
الأسفل وهي تقول بصوت خفيض: = أبوكي ولا العقربة مراته هنا؟ شمس بتعب: = لا مش هنا. في القصر زي كل يوم. تنهدت عبير براحة. = طيب يلا غيري هدومك وتعالي نتفرج على الحفلة زي ما اتفقنا. شمس وهي تتحسس جسدها المكدوم من ضربات والدها التي اعتادت عليها إرضاءً لزوجته: = بلاش ياعبير أحسن ننكشف وساعتها ممكن أبويا لو عرف يموتني فيها. عبير بثقة: = وهيكشفونا إزاي؟ إحنا هنستخبى في شجرة بعيدة عن الحفلة والمكان حوالينا هيبقى فاضي وضلمة.
أضافت في محاولة لإقناعها: = وإن كان على أبوكي والعقربة مراته، فهم مش هيرجعوا إلا لما الحفلة تخلص وينضفوا المكان ويتأكدوا إن البيه والهانم مبقوش محتاجينهم في حاجة. يعني فيها لبكرة الصبح. يكون إحنا اتفرجنا وكلنا وهيصنا ورجعنا البيت ونمنا وشبعنا نوم قبل ما يوصلوا. يلا بقى دا هيبقى يوم ما يتعوضش. صمتت شمس وهي تحاول التفكير وخوفها مسيطر عليها، إلا أن عبير قالت بمرح: = انتي لسه هتفكري؟
يلا غيري هدومك وانزلي بسرعة عشان نقدر نطلع للشجرة من غير ما حد ياخد باله. ابتسمت شمس وهي تقول بشقاوة: = عندك حق، دا يوم ما يتعوضش. استنيني خمس دقايق وهنزلك. ثم تابعت بمرح: = ولا يهمني. هي موته ولا أكتر. وأسرعت بتغيير ثيابها بثوب آخر قديم ولكنه مريح ومحبب إليها وهي تبتسم في سعادة. بعد قليل.
استقرت شمس برفقة صديقتها عبير بداخل جذع الشجرة الكبيرة والبعيدة نسبيًا عن مكان إقامة حفل عيد الميلاد، ولكنها توفر إطلالة كاملة للمكان. تختبئ بين فروعها وأوراقها الكثيفة وهي تتابع بذهول ما يجري من حولها.
بدءًا من الحديقة الكبيرة والتي تزينت بفخامة تناسب الضيوف الذين تألقوا بأفخم أنواع الثياب والمجوهرات، والموائد الفاخرة التي رص عليها أفخر أنواع الطعام، وانتهاءً بالخدم المنتمين لإحدى أكبر الشركات المتخصصة في خدمة الحفلات الفخمة، والمرتدين ثيابًا أنيقة تناسب الحدث والذين انتشروا في المكان وبين الحضور. همست شمس وهي تتأمل المكان من حولها بإنبهار: = بت يا عبير، اقرصيني كده. مش معقول اللي أنا شيفاه ده حقيقي ولا خيال.
ضحكت عبير وهي تقول بإنبهار هي الأخرى: = لا صدقي يا أختي. شايفة الستات لابسين إزاي؟ والا المجوهرات اللي لابسينها تهبل. يا لهوي على جمالها.
ثم أشارت لفتاة في منتصف العشرينات من عمرها، والتي ترتدي فستانًا أحمر أنيقًا عاريًا ذو قصة منخفضة جدًا من على الصدر وضيق جدًا ينسدل إلى الأسفل، ويزين عنقها ويدها عقد من الألماس الثقيل والمتعدد الأدوار وسوار من الألماس العريض، في حين تألقت بمكياج ثقيل مناسب للحفلات وشعر أصفر مصبوغ مموج يصل إلى بداية كتفيها. = أهو عقد زي اللي لبساه البت دي مثلاً، يشتري بلدنا بـ اللي فيها. ضحكت شمس وهي تمط شفتيها بتعجب.
= يا لهوي، للدرجادي غالي؟ ثم أضافت وهي تحاول تأمل الفتاة جيدًا: = بس كمان البت حلوة أوي وأكيد بنت ناس واصلة عشان تلبس حاجة غالية أوي كده. عبير باندهاش: = إيه ده؟ هو انتي متعرفيش دي تبقى بنت مين؟ شمس بعدم اهتمام وهي تتابع بشغف باقي ضيوف الحفل: = يعني هتكون بنت مين يعني؟ ضحكت عبير بسخرية:
= يا خيبتك. دي تبقى الأميرة تارا، جميلة الجميلات. بنت صاحبة القصر اللي مشغلانا ومشغلة أبوكي وأبويا، واللي الحفلة والهيصة دي كلها معموله عشان عيد ميلادها. تجاهلت شمس النظر إلى تارا التي وقفت تتحدث وتضحك بجانب مجموعة من الضيوف، ثم قالت فجأة وعيناها تتابع بلهفة وجوع أنواع الطعام الشهي المرصوص على موائد الطعام، وقد بدأت معدتها تئن من الوجع لعدم تناولها الطعام لمدة طويلة من الوقت.
= بقولك إيه، أنا جعت أوي. ما تروحي لأمك في المطبخ تجيبيلنا أي حاجة ناكلها، أنا جعانة أوي ومأكلتش حاجة من امبارح. شهقت عبير وهي تقول بتعاطف: = يا لهوي، ما أكلتيش من امبارح؟ طيب مقولتليش ليه؟ كنت جبتلك أي حاجة تاكليها من البيت عندنا. ضحكت شمس باحراج. = بصراحة اتكسفت، ماهو مش معقول كل شوية تجيبيلي أكل من عندكم، زمان أمك بتقول عليا إيه.
ربتت عبير على يد صديقتها بتعاطف، وهي تعلم ما تعانيه من بخل والدها وقسوته هو وزوجته عليها. = بطلي عبط. انتي عارفة إنك زي أختي وأمي بتعتبرك زي بنتها بالظبط، يعني مفيش كسوف بينا. ابتسمت شمس بضعف وهمست بضعف حتى تداري على خجلها من كرم صديقتها، وأشارت بتساؤل للضيوف. = هما بيعرفوا يفرقوا الرجالة اللي بتخدم من الضيوف إزاي؟ دول كلهم لابسين تقريبًا زي بعض. عبير بثقة:
= يا عبيطة. الرجالة اللي بيخدموا مش لابسين جواكت، يعني بصي الواد المز القمر اللي مجنني من ساعة ما شفته. لابس بنطلون أسود وقميص أبيض. لكن البهوات لابسين بدلة كاملة، يعني جاكيت وجرافته وقميص وبنطلون. رفعت شمس حاجبيها تقول وهي تتأملهم بتدقيق. = آه. تصدقي عندك حق. ثم أضافت وهي تنظر لصديقتها بمرح: = بس قوليلي، هو فين الواد المز اللي مجننك ده؟
أشارت عبير إلى مجموعة من الرجال المتأنقين الذين يظهر عليهم الثراء الشديد وهم يتحدثون فيما بينهم بجدية، وهي تقول بهيام: = أهو القمر اللي واقف هناك ده. إزاي مش شيفاه؟ تتبعت شمس بعينيها إصبع صديقتها تحاول بلهفة رؤية من تتحدث عنه. = فين ده؟ مش شيفاه. أشارت عبير مرة أخرى إلى مجموعة الرجال وهي تقول بلهفة: = أهوه يابت اللي واقف جنب البهوات وجنبه البت أم فستان أحمر.
دققت شمس جيدًا وعيناها تجول بفضول بين الحضور، إلى أن وقعت عيناها بذهول على رجل تحيطه هالة من القوة والسلطة في بداية الثلاثينات من عمره، طويل ذو ملامح رجولية وسيمة حادة وشعر أسود ناعم مصفف بعناية للخلف، والذي لم ينجح القميص الأبيض الرسمي الذي يرتديه وبنطلونه الأسود في إخفاء جسده الرياضي مفتول العضلات. شهقت شمس بإنبهار: = يخربيت جمال أمه. عندك حق تقولي عليه قمر. ودا وقعتي عليه إزاي؟ انطقي حالاً. ثم تابعت
وهي تتابعه بعينيها بلهفة: = عرفتيه منين وامتى وإزاي؟ وإسمه إيه وبيشتغل إيه؟ تابعت وهي تتأمله بإعجاب: = القمر ده أنا عمري ما شفته عندنا في البلد. تنهدت عبير بوله: = ده يبقى كرم. ابن جارتنا هانم جارتنا في البيت القديم اللي كانت بتبيع جبنة ولبن. دي اللي حكيتلك عنها قبل كده. اللي جوزها شغال في شركة الكهرباء في مصر. وكرم بقى يبقى شغال في الشركة اللي بتنظم الحفلة هنا. ثم تابعت وهي تبتسم بخجل:
= أنا ماشفتهوش من وهو صغير عشان هما عايشين في القاهرة من زمان. بس من ساعة ما شافني وهو بيحاول يتكلم معايا. ويعني شكله... شكله معجب. نظرت شمس إلى حيث يقف كرم بجانب الضيوف وضحكت بمرح. = معجب سيدي. يا سيدي. عقبالي يارب. حتى لو نص كرم أنا راضية. ضحكت عبير وهي تقول بمرح مماثل: = إن شاء الله هيجيلك زي كرم وأحسن منه كمان. ثم تابعت وعيناها تنظر للخارج تبحث عن عشقها الجديد.
= بصي انتي خليكي هنا. كملي فرجة وأنا هاروح أساعد أمي في المطبخ وأجيبلك أكل وأجي علطول. ضحكت شمس بمرح. = تساعدي أمك برضه؟ والا رايحة تشوفي حبيب القلب كاروومهه؟ ضحكت عبير بمرح. = أيوه رايحة أشوف حبيب القلب وأطمن عليه كمان. ادعيلي انتي بس إن موضوعنا يتم على خير وينطق قبل ما يرجع على مصر وما أشوفهوش تاني. ربتت شمس على يدها بسعادة. = إن شاء الله كل حاجة هتم زي ما انتي عاوزة. وهو يعني هيلاقي في جمالك ولا في طيبتك.
ضحكت عبير وهي تتسلل بحذر للأسفل. = يارب يا شمس. يارب. يسمع من بوقك ربنا. ثم تسللت بسرعة وهدوء إلى داخل القصر حتى غابت عن عينيها. في حين واصلت شمس متابعة ما يحدث في الحفل بمزيد من الفضول والانبهار. حتى انتبهت على صوت همسات صديقتها يأتي من أسفل الشجرة. = شمس. شمس. نظرت شمس إلى الأسفل بحذر، فوجدت صديقتها ترفع يدها إليها بكيس بلاستيكي صغير به القليل من ثمار الموز وهي تقول بهمس:
= خدي حبتين الفاكهة دول كوليهم. المطبخ مليان ناس ومعرفتش أجيبلك غيرهم. سدي بيهم جوعك دلوقتي وأنا شوية وهبعتلك كرم بالأكل. وخذي كمان الموبايل بتاعي ابقي صوريلنا كام فيديو عشان لما نروح نبقى نتفرج عليهم مع بعض وأبقى أتابع اللي فاتني وأنا جوه. مالت شمس بجذعها بحذر ومدت يدها للأسفل وتناولت منها الكيس والموبايل. حين تابعت عبير هامسة بمرح:
= أنا هاروح أساعد أمي في المطبخ أصل الشغل كتير عليها وهبعتلك كرم بالأكل. وهو قالي إنه هيوصله بنفسه ليكي عشان محدش ياخد باله مني لو شافوني ماسكة أكل وماشية بيه في الجنينة. ثم تابعت بهمس جاد: = بصي انتي طبعًا شفتي شكله وعرفتيه، فإنتي أول ما تلاقيه جاي ناحيتك بطبق بالأكل تمدي إيدك وتاخديه منه بسرعة من غير ما حد يشوفك أو ياخد باله منك. همست شمس بارتباك. = يخربيتك فضحتيني عند الواد بتاعك. زمانه بيقول عليا مفجوعة.
ضحكت عبير بمرح. = بطلي عبط. أنا نفسي خليته يعملي طبق مشكل من كل الأكل اللي موجود في البوفيه. ثم غمزت بعينيها بمرح. = وداخلة دلوقتي عشان آكله جوه. معاه. ضحكت شمس وهي تهمس بمرح. = معاااه. الله يسهلوا يابير. وضحكت عبير بمرح وهي تتجه إلى الداخل مرة أخرى. = يلا أنا رايحة قبل ما حد ياخد باله مني. وانتي أول ما يقرب منك خدي منه طبق الأكل بسرعة ومتخليش حد ياخد باله منكم.
ضحكت شمس بمرح وعيناها تتابع صديقتها وهي تختفي بالداخل، ثم أسرعت بتناول ثمار الموز من الكيس الذي أعطته لها صديقتها، لعله يخفف من ألم الجوع الذي استبد بها. وبعد قليل. لاحظت شمس اقتراب كرم بخطوات واثقة من الشجرة التي تختبئ بها وهو يتحدث في الهاتف باهتمام، وقد عقد حاجبيه بضيق وهو يقول بصرامة: = خلاص بقى يا عمتي. أنا ورايا شغل ومش فاضي للحفلات والكلام الفاضي ده. أنا جيت بس عشان وعدتك، أظن كفاية أوي عليهم ساعة.
ثم تابع باهتمام. = متنسيش انتي بس تاخدي الدوا بتاعك قبل ما تنامي. وأنا كلها ساعة وهبقى عندك. تصبحي على خير. ثم أغلق الهاتف وأجرى مكالمة أخرى وقال بنفاذ صبر: = حضر لي العربية خمس دقايق وهكون عندك. ثم أغلق الهاتف دون أن ينتظر إجابة وهو ينفخ بضيق. = أنا مش عارف إزاي وافقت أشارك في المهزلة دي. بس خلاص كفاية كده، أنا جبت آخري.
في حين عقدت شمس حاجبيها بتركيز تحاول الاستماع إلى حديثه، وهي تقول بتأفف وقد استبد الجوع بها والذي لم تسده تناولها لثمرتي الموز. = الله يخرب بيتك. دا شكله نساني دا والا إيه. بيتكلم في التليفون ونسي يجيبلي الأكل. ثم بدأت في إطلاق صوت صفير هادئ من فمها تحاول بهدوء لفت انتباهه إليها بعد أن لاحظت أنه يبتعد مجددًا عن مكان اختبائها. = بسس. بسسس. أنا هنا. أنا هنا يا حمار يخرب بيتك. دا وقت تليفونات. عاملي فيها مهم قوي.
رفع بيجاد وجهه إليها وقد ضاقت عينيه بدهشة وهو يشاهد فتاة قروية بسيطة تظهر له من بين أوراق الأشجار وهي تشير له بحماس. فقال بسخرية. = ودي بقى تبقى إيه؟ لتكون النداهة زي ما بيقولوا.
ثم اقترب منها وهو يتأملها في فضول، وهو يرفع عينيه بدهشة إلى أعلى الشجرة. وقد تفاجأ بفتاة جميلة ترتدي فستانًا ريفي قديم أزرق اللون منقوش بورود وردية باهتة وترفع شعرها بإهمال فوق رأسها في كعكة غير مرتبة، وتشير إليه بحماس من بين أفرع وأوراق الشجرة العملاقة التي تقع أمامه، وهي تقول بهمس حاد وقد استبد بها الجوع. = فين الأكل؟ انت نسيتني والا إيه؟ عقد حاجبيه وهو يقول باستنكار. = نسيتك؟ وأكل؟ انتي مي...
إلا أنها قاطعته بسرعة ولهفة. = مش بقولك نسيتني. أنا شمس صاحبة عبير. بيرو جارتكم القديمة. ثم تابعت بسرعة وعيناها تتابع بقلق الضيوف خوفًا من اكتشاف أمرها. = وحياة أبوك يا كرم روح هاتلي الأكل بسرعة أصل أنا هاموت من الجوع واعملي طبق كبير ومش هوصيك لحمة كتير على قد ما تقدر. نظر لها بدهشة واستنكار وهو يغلق هاتفه وقال بصوت قوي أثار خوفها. = لحمة إيه وأكل إيه؟ انتي مجنونة يا بت انتي؟ انتي بتهرطي بتقولي إيه؟
كرم مين وشمس مين وعبير مين؟ ثم أضاف بصوت قوي غاضب متكبر. = فين أصحاب المخروبة دي يشوفوا الجنان اللي بيحصل هنا. شعرت شمس بالرعب وهي تنظر حولها بتوجس خوفًا من أن يكون قد سمعه أحد من الموجودين. فهمست بخوف وقد شحب وجهها من شدة الخوف. = هشش خلاص اسكت. إسكت الله يخرب بيتك انت هتفضحني مش عاوزة أكل ولا حاجة منك. روح. روح امشي من هنا. ثم أضافت بقلق وهي تتلفت حولها. = وأنا كمان هاغور من هنا قبل ما حد يشوفني والا ياخد باله مني.
عقد حاجبيه وهو يشير إليها بغضب. = إيه شغل المجانين ده؟ انتي مين وقاعدة بتهببي إيه فوق الشجرة وإزاي تتكلمي معايا بالشكل ده؟ انتي مش عارفة أنا مين؟
اهتاجت شمس وقد انفلت زمام غضبها أمام تكبره واحتقاره الواضح لها، فمالت إليه بتهور من فوق جذع الشجرة تهمس بغضب وقد تناست الخوف من انكشاف أمرها وقد انفلت زمام كعكة شعرها الكستنائي الطويل وغطى وجهها مما أثار المزيد من غضبها وهي تحاول إبعاده بعصبية عن وجهها دون أن تفلح، وهي تقول بتهور. = بت.. بت دا إيه يا عنيا؟ ماتتكلم عدل يا جدع انت. نافش ريشك على إيه؟
ثم قلدت نبرته المتكبرة بسخرية غاضبة وهي تقوم بضم ما بين حاجبيها وشفتيها بطريقة مضحكة. = إنتي مش عارفة أنا مين؟ ثم تابعت بغضب. = يعني هتكون مين يعني يا أخويا؟ ابن بارم ديله؟ الكونت دي مونت كريستو؟ مكتشف الذرة؟ وأنا مش عارفة. ثم تابعت وهي تتأمله بسخرية. = إيه فاكرني مش عارفة انت تبقى مين؟
انت كرم. ابن أم كرم. جارتنا القديمة بياعة الجبنة اللبن وشغال قهوجي بس على نضيف شوية. طول الليل تلف على الضيوف بالشاي والقهوة والعصير ده يقولك آه وده يقولك لأ، وآخر الليل تقف على الحوض تغسل المواعين لحد ما تطلع عينك واديك تتشقق من كتر الصابون. اتسعت عيناه بصدمة وغضب وهو يستمع إلى سيل إهانتها المتواصلة له. وانقلب فجأة غضبه إلى تسلية وهو يستمع إليها تضيف بغضب طفولي وهي ترميه بقشر ثمرات الموز التي تقذفها بسهولة.
= امشي من هنا. امشي يلا والا وحياة ربنا أنزلك وأعلمك إزاي تعرف تتكلم عدل مع الناس. أنا بس عاملة خاطر لعبير صاحبتي والا كنت نزلتلك وعرفتك مقامك. رفع حاجبيه بدهشة شديدة وهو يتأملها بجسدها الصغير وهي تضم يديها بحركة تهديد وكأنها على وشك أن تضربه، فانطلقت ضحكاته بتسلية شديدة وهو يتأمل احمرار وجهها الشديد وغضبها الواضح. وهي تتلفت من حولها بقلق خوفًا من أن يلفت صوت ضحكاته العالية انتباه الموجودين.
فأشارت إليه بالصمت وهي تقول برعب. = اسكت. اسكت الله يخرب بيتك. هتفضحني. ثم تابعت بخوف وهي تكاد تبكي وهي تتخيل معرفة والدها بتسللها للحفل والعقاب الشديد الذي ينتظرها إن انكشف أمرها. فقالت بخوف وصوت مسموع. = الله يسامحك يا عبير. بعتيني واحد مجنون هيوديني في داهية. ثم تابعت بخوف وهي تحاول أن تتملقه حتى يتركها ويبتعد بعد أن تعالت أصوات ضحكاته وهو يتأمل خوفها الواضح بتسلية. = خلاص اسكت. بطل ضحك وامشي من هنا.
ثم أضافت بتملق وهي تجرب طريقة أخرى تحاول بها التخلص منه. = طيب بص امشي من هنا وأنا.. أنا آسفة. ارتفع حاجبه بدهشة وهو يشاهد تحولها من الانفعال والغضب الشديد وتوجيه سيل من الإهانات إليه. إلى محاولة مراضاته وتملقه، وهي تتابع وتتلفت حولها بارتباك كأنها تحدث طفل صغير تحاول مراضاته. = بص أنا آسفة يا أستاذ كرم إني غلطت فيك. أصل أنا طول عمري كده متهورة ولساني طويل ومتبري مني. ثم تابعت باسترضاء وهي تحاول كبت غضبها.
= يلا بقى امشي من هنا. ومش عاوزة منك لا أكل ولا زفت. بس امشي من هنا الله يهديك هتفضحني. ابتسم مرة أخرى وهو يتأملها بتسلية، ثم قال بابتسامة هادئة. = بس أنا مش كرم. شهقت شمس بصدمة وقد شحب وجهها بشدة وشعرت بالدنيا تدور بها وهي تقول برعب متقطع. = مش.. مش كرم. اومال انت مين؟ ثم تابعت برعب أكبر وهي تشير للحفل. = إوعى تقول إنك.. إنك من.. من الضيوف؟ ابتسم بتسلية وقد فهم سر رعبها الواضح وقد راق له مسايرتها فقال بهدوء.
= لا متخافيش. أنا مش من الضيوف. أنا أبقى... قاطعته شمس وهي تتنفس بارتياح. = آآآه قصدك إنك شغال هنا زي كرم كده. يا أخي حرام عليك وقعت قلبي. افتكرتك من الضيوف الملزقين دول. تعالت ضحكاته العالية مرة أخرى وهو يردد كلماتها بدهشة. = ملزقين. شمس برعب. = ششش وطي صوتك الله يخرب بيتك هتفضحني. امشي. يلا من هنا وروح شوف شغلك بدل ما يرفدوك. توقف عن الضحك فجأة وهو يتأملها بتتمعن، ثم قال فجأة بابتسامة جذابة.
= يعني خلاص مش عاوزة أكل ولا لحمة كتير؟ عقدت شمس حاجبيها وهي ترفع ذقنها باستعلاء طفولي. = متشكره أوي مش عاوزة منك حاجة. أصلًا كرم زمانه جاي وهيجيبلي الأكل اللي أنا عاوزاه. سيطر عليه شعور غريب بالضيق عند سماعه اسم كرم. فعقد حاجبيه وهو يقول باستفهام وحدة. = وكرم ده بقى يبقى مين؟ شمس باستعلاء. = يبقى خطيب صاحبتي المستقبلي. ثم عقدت حاجبيها وهي تقول بريبة. = انت إزاي متعرفش كرم؟ مش انت بتقول إنك زميله في الشغل؟
تأملها بهدوء وهو يقول ببرود. = أنا مقلتش إني زميله. انتي اللي قولتي وفهمتي كده لوحدك. ابتلعت شمس ريقها بتوتر وقالت بتوجس. = أومال انت.. انت تبقى مين؟ قال بابتسامة متلاعبه وقد راقت له اللعبة. = أنا أبقى جاد. سواق بيجاد بيه الكيلاني صاحب العزبة اللي جنبكم. ضيقت عينيها بريبة وهي تشير له بإصبعها باتهام. = سواق؟ وإزاي قدرت تدخل هنا؟ دول مانعين أي حد يدخل إلا الضيوف وبس. ثم تابعت بشك.
= وبعدين عيلة الكيلاني وعيلة الدمنهوري بيكرهوا بعض موت ومستحيل حد منهم يجي والا يقرب حتى من هنا. يبقى إزاي سمحوا لك تدخل هنا وانت تبقى سواق عند عيلة الكيلاني زي ما بتقول. تأمل جاد بتعجب تصرفاتها العفوية والغريبة عليه وقال بابتسامة واثقة. = عادي دخلت هنا مع بيجاد بيه الكيلاني. والعيلتين اتصالحوا وبيشتغلوا دلوقتي كمان مع بعض. رفعت شمس حاجبها وهي تهمس بشك. = غريبة اتصالحوا إزاي وأنا معرفش. جاد بسخرية.
= معلش كانوا المفروض ياخدوا إذنك الأول. مطت شمس شفتيها بملل وأصدرت صوت ضاحك ساخر. = ههههه. دمك خفيف أوي. بصراحة يلطش. جاد ببرود. = مش أخف من دمك. هو انتي طول عمرك كده لسانك مسحوب منك والا ده من أثر الجوع؟ استشاطت شمس غضبًا وأشارت له بإصبعها بتحذير. = اسمع يا جدع انت إن كنت هاتغ... إلا أنه قاطعها وهو يقول بتسلية.
= باسس. بطلي كلام شوية ووطي صوتك وادخلي جوه شجرتك بدل ما حد يشوفك وانتي عارفة هيعملوا فيكي إيه لو لقوكي هنا. ابتلعت شمس ريقها بتوتر وهي تتراجع للخلف وهي تتظاهر بهدوء لا تشعر به. = المكان ده ضلمة وبعيد ومحدش منهم يقدر يشوفني. جاد ببرود. = مش لازم حد منهم يشوفك. أنا مثلًا ممكن أقولهم على مكانك. شهقت شمس بخوف وهي تظهر مجددًا من بين الأوراق. = يا نهار أبوك أسود. انت هتروح تقول لهم على مكاني. ابتسم جاد باستفزاز.
= لمي لسانك أحسنلك بدل ما أقطعهولك. وبعدين أنا مش بس هقولهم على مكانك. لا ده أنا هقول على اسمك كمان. ثم تابع ببرود مستفز. = على ما أظن اسمك شمس واسم صاحبتك يبقى.. آه. عبير. دا غير كرم طبعًا اللي بيشتغل مع الأصط هنا واللي بعتيه عشان يسرقلك الأكل من البوفيه. شهقت بخوف وقد امتلأت عينيها بالدموع. = الله يخرب بيتك. انت طلعتلي من أنهي مصيبة. ابتسم جاد ببرود. = في الحقيقة انتي اللي طلعتيلي مش أنا اللي طلعتلك.
عضت شمس على شفتيها بعصبية وقد أصبح وجهها شاحب اللون وامتلت عينيها بدموع الخوف. مما أثار تعاطف غريب نحوها بداخله، فقال بهدوء حتى يعيد الهدوء إليها. = أنا بقول ممكن.. مقولتش إني هقول لهم. رفعت شمس وجهها إليه بأمل ولهفة. = بتتكلم جد يعني مش هتقول لهم؟ ابتسم جاد بهدوء وهو يتأمل لهفتها الواضحة. = لا مش هقول لهم. تنهدت شمس بارتياح وقالت بسعادة وتملق.
= أنا برضه أول ما شفتك قولت عليك ابن حلال ومحترم ولا يمكن تطلع العيبة منك. إلا أنها قطعت حديثها عندما تابع ببرود وهو يتجاهل حديثها المتملق. = بس ده طبعًا بشرط. عقدت شمس حاجبيها وقالت بتوتر وهي تضيق عينيها بتوجس. = شرط؟ شرط إيه؟ ثم ضيقت عينيها بغضب وتوعد وهي تعتقد أنه يريد منها بعض المال ثمنًا لصمته. = أنا برضه مرتحتلكش من أول ما شفتك حسيت إن شكلك شرير كده ومش مريح.
رفع جاد حاجبيه بصدمة لتحولها المفاجئ من مدحه لمهاجمته وتحولت ابتسامته المتسلية إلى ضحكات عالية وهو يسمعها تعرض عليه المال وهي ترفع رأسها بكبرياء طفولية. = ها. عاوز كام؟ فأجاب من بين ضحكاته التي لم ينجح أحد قبلها في إثارتها. = وانتي تقدري تدفعي كام؟
اختفت شمس فجأة بين الفروع وأخرجت كيس صغير من صدرها وهي تكاد تبكي على مدخراتها التي ادخرتها على مدار أشهر بصعوبة شديدة، ثم ظهرت مجددًا وألقت الكيس بقوة في وجهه وهي تهمس بقهر. = خد. حار ونار في جتتك. التقط جاد الكيس بسهولة وهو يتأمل الكيس القماشي الصغير بتسلية. = ودول بقى يبقوا قد إيه؟ ضغطت شمس على شفتيها بقوة حتى لا تسبه وقالت بقهر.
= تسعين جنيه. عشرينية وخمس عشرات وخمسين. خديهم حار ونار. وأنا هاغور من هنا. أنا أصلًا اللي حماره إني جيت هنا وسمعت كلام عبير. ثم همست بقهر وهي تستعد للمغادرة. = مانبني إلا إن تحويشة أربع شهور ضاعت على الأرض. ابتسم جاد ووضع المال في جيب بنطاله وقال ببرود قاصدًا مواصلة استفزازها. = بس الفلوس دي قليلة أوي إنك تشتري سكوتي بيها. ضيقت شمس عينيها وهي تقول بغضب.
= نعم يا أخويا قليلين دول تحويشة أربع شهور. أقولك استنى لما أبيعلك كليتي والا الطحال عشان أجيبلك فلوس أكتر. ثم تابعت بغيظ شديد. = فلوس وجيالك من الهوى احمد ربنا وخذهم واسكت. ابتسم جاد وهو يقول بتسلية. = في دي عندك حق. عمومًا أنا ليا طلب كمان ومش هيكلفك حاجة. شمس بتوجس. = طلب؟ طلب إيه تاني؟ جاد بابتسامة مستفزة. = بصراحة أنا كمان لسه ما أكلتش وكنت عاوزك تشاركيني الأكل ونتعشى مع بعض. شهقت شمس بغضب.
= نعم يا أخويا أشاركك الأكل ونتعشى مع بعض؟ ليه فاكرني إيه؟ لا تقف عوج وتتكلم عدل. جاد بصوت عالي بقصد تهديدها. = باسس لا عوج ولا عدل. خدي فلوسك وبيني وبينك أصحاب القصر هاروح أنده لهم وهما يتصرفوا معاكي. ثم استدار وكأنه على وشك المغادرة وابتسم بتسلية عندما بدأت تناديه باستعطاف. = ليه كده بس يا أستاذ جاد؟ دا أنا ارتحتلك أول ما شفتك وبقول عليك محترم وابن حلال. أشار لها بالصمت ثم تابع ببرود.
= هتتعشي معايا والا أروح أنده لهم وهما يتصرفوا معاكي. ضيقت شمس عينيها وقالت بعدم حيلة وهي تضغط على أسنانها بغيظ شديد. = خلاص موافقة. روح هات الأكل بسرعة وتعالى عشان نطّفح خليني أغور من هنا. ابتسم جاد ببرود وهو يقول بتحذير. = نطّفح؟ وأغور؟ آه. طيب عشان نتفق غلطة كمان من لسانك اللي زي المبرد ده وهقطعهولك والمرة دي بتكلم بجد. شهقت شمس بغضب وهي تحاول ألا تظهر خوفها من نبرته الباردة المخيفة.
= طيب حاول تلمسني بس كده وأنا هصوت وألم عليك أهل البلد ياكلوك بسنانهم. انت فاكرها سايبة والا إيه. اقترب جاد منها بتهديد وهو على وشك سحبها من بين الفروع التي تحتمي بها وهو يقول بتسلية. = بقى كده. طب وريني هتصوتي وتلمي عليا أهل البلد إزاي؟ إلا أنها تراجعت للداخل بسرعة وهي تقول بسرعة وهي تنكمش بخوف. = انت صدقت والا إيه؟ أنا كنت بهزر معاك يا أستاذ جاد متبقاش أفوش كده. تراجع جاد وهو يبتسم وقال بتسلية.
= أنا قولت برضه إنك بتهزري. تنهدت شمس بارتياح وقالت بابتسامة مرتعشة متملقة. = مقولتليش عاوزنا ناكل فين؟ ابتسم جاد ببرود. = في عربيتي. شهقت شمس بدهشة. = عربيتك؟ استطرد جاد وهو يصلح خطأه. = أقصد العربية. اللي شغال عليها. شمس بتهديد خفي. = ومش خايف لصاحبها يعرف إنك بتعزم ناس في عربيته؟ ابتسم جاد ببرود وهو يعي تهديدها الخفي له.
= لا مش خايف إنه يعرف. أولًا لأن صاحبها دلوقتي في الحفلة ولسه قدامه كتير أوي على ما يخلص. ثانيًا هو متعود إنه أول ما يخلص يتصل بيا عشان أجهزله العربية. يعني استحالة يعرف حاجة. إلا لو حد بلغه طبعًا. ابتسمت شمس وهي تحاول ادعاء الطيبة. = بلاش أحسن حد يشوفك ويبلغه. أصل ولاد الحرام كتير وممكن يبلغوه ويتقطع عيشك. ضحك جاد بمرح وهو يدرك محاولتها في ادعاء الخوف عليه.
= ملكيش دعوة أنا. أنا أقدر أتعامل كويس مع ولاد الحرام وولاد الحلال. شمس بغضب مكتوم بعد فشل محاولاتها بالتخلص منه. = انت حر. أنا بتكلم عشان مصلحتك. جاد ببرود. = لا متخافيش عليا. أنا عارف مصلحتي كويس. ثم تابع بتهديد خفي. = ها. هتيجي معايا نتعشى والا لاء؟ ضغطت شمس على أسنانها بغيظ.
= هاجي بس يكون في علمك لو قليت أدبك وعملت حاجة كده والا كده هاصوت وألم عليك أمة لا إله إلا الله وساعتها ولا هيهمني إنهم يشوفوني ولا حتى يموتوني. ماشي؟ ابتسم جاد وهو يقول بتسلية. = ماشي. ثم أشار لها بجدية. = أنا هاسبقك وهخرج بره أتأكد إن بيجاد بيه هيكمل في الحفلة وانتي استني شوية وبعدها حصليني. والا انتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه. ثم استدار للمغادرة و هو يبتسم بتسلية وتركها تغلي من شدة الغضب.
في حين دخلت هي مرة أخرى ما بين الفروع وهي تكاد تصرخ من شدة الغيظ. واغلقت عينيها تحاول تهدئة نفسها. = متخافيش يا شمس واتحملي كلي لقمتين معاه وامشي طول خلي الليلة الزفت دي تعدي. ولو حاول يعمل حاجة كده والا كده اصرخي ولمي عليه أهل البلد وافضحيه والي يحصل بعدها يحصل.
ثم أغلقت عينيها بغضب وهي تنتظر مرور الوقت استعدادًا للنزول للأسفل وهي لا تدري أن كان ما تفعله خطأ أم صواب، ولكن ما تعرفه جيدًا أنها ستحاول الخروج من مأزقها دون خسائر وتفادي معرفة والدها وزوجته بالأمر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!