ظلت تبكي وتبكي , حتي اشتكت الوسادة من كثرة دموعها , وبكت معها تواسيها جرحها , هدأت نسبيا , فأخرجت وجهها من داخل الفراش و ظلت نائمة علي بطنها , وتركت العنان لدموعها الصامته تمل مسيرها بهدوء و هي تتذكر احلامها و استعداداتها منذ ليلة امس و كيف كانت تتمني ان يكون اليوم من افضل ايام حياتها و تحاول استرضاء حازم ولكن خشونه موقفه معها اخافها من التحدث معه او التفكير في الكلام معه
ثم بدأت تسرد علي عقلها كيفية معاملته الطبيعيه مع افراد اسرته مما يؤكد لها انه يخصها هي بتلك الفظاظة و ذلك الغضب
وبعد ما يقرب من الساعه خرجت من بين افكارها المتراطمة بعنف , سمعت طرقا علي الباب فمسحت دموعها بسرعه وردت بصوت تحاول جعله عاديا/ ايوا
جاءها صوت سناء من الخارج و هي تقول / يلا يا حسناء علشان تروحوا البحر
فردت / حاضر دقائق و هجهز
قامت بوهن , نظرت لصورتها في المرآه امامها , رأفت لحالها الضعيف و علامات البؤس تطل من ملامحها الباكية قالت و هي تقاوم بدء نوبة بكاء جديده و صوتها يخرج ضعيفا مبحوحا / حرام عليك يا حازم , يعني اما تجاهل او عنف , انا تعبت , الله تعبت , هفضل لحد امتي اعيش في عذاب و حرام عليا اعيش في راحة زي كل الناس
دخلت الحمام الملحق بالغرفة وأخذب حماما باردا عله يقلل من وضعها الفوضوي الكئيب
ثم ارتدت اسدالا منزليا من القطن لونه ابيض و اتجهت للخارج , كان حازم يجلس علي احد الكراسي ينتظرها و ما ان رأها ترتدي هذا اللباس حتي اشتغل غيظا و قال لها بلهجة صلبه : ادخلي غيري الاسدال ده , البسي الاسود
وقفت حسناء ترميه بنظرات غاضبه و لكنه اعاد كلامه ثانية وبنفس اللهجه / ادخلي البسي الاسدال الاسود
ورغم ضيقها من طريقته في الحديث الا انها انصاعت لأمره و دخلت غرفتها و بدلت ملابسها وهي فرحة , فعلي الأقل مازال يخاف عليها مما يترك لها بصيص أمل ولو ضعيف في بقاء حبه لها علي قيد الحياه
خرجت ثانية , نظر لهيئتها نظرة مختطفه و من ثم نهض من كرسه و سبقها للخارج فقالت / فين الباقي
جاوب دون ان يلتفت لها / ماما تعبانه هتنام لها ساعتين و تخرج بعد العصر و نور وخطيبها سبقونا و نرمين اعتذرت و مش هتقدر تيجي
همت ان تعاود ادراجها , فهي ليس لديها طاقه لتبقي معه و حده و هو بهذا المزاج و لكنها خمنت ان نور تنتظرها بالخارج فتبعته حتي لا تضيع علي نفسها فرصة الانغماس في مياه البحر الشافية لألام الروح
كان حازم يسير و بيده حقيبة صغيره , وعلامات الضيق تكسو وجهه , حتي خطواته تبدو بها شئ من العصبية و العنف
وصلا للبحر , لم تكن نور وخطيبها بالخارج , التفتت تبحث عنهم , فرأتهم يسيران مع بعضهما بعيد علي مد البصر
ايقنت انه لا مفر من الجلوس مع ذلك المخيف الغاضب الذي يهجم عليها بنظراته المرعبه و صوته الوحشي من وقت لآخر دون سبب
جلس علي الكرسي و بقي الكرسي المجاور له
بقيت واقفه بالخلف دقائق , لا تقدر علي الاقتراب منه , فهي لا تعلم اي ردة فعل سيقدمها لها
قال لها وهو محتفظ بوجهة نظر للبحر الواسع / اقعدي واقفه ليه
اقتربت بخوف و جلست علي طرف الكرسي مصلبه ظهرها دون استرخاء
فتح حازم الحقيبه ووضعها امامه علي المنضدة , وضع امامها علبة بها بعض الشطائر و قال لها / خدي فطارك
ثم اخرج كيسا به بعض المكسرات و بدأ في تناولها و هو سابحا بنظره في أمواج البحر المتلاعبه بهدوء و مياهه الصافيه الزرقاء , متجاهلا وجودها تماما
كانت تيران قلب حسناء تأكل في جسدها من الداخل , فالتفتت قليلا بجسدها ووجهها بعيدا عنه و بقيت صامته
أعاد كلامه ثانية و هو ينهض / افطري انتي مكلتيش حاجه من الصبح
ثم ولاها ظهره و ابتعد عنها , سار نحو البحر , يحتضن نسيمه البارد المنعش بصدره العريض , حتي لامست المياه قدميه , توقف عندها , دائما ما يحب البحر و شكله , يحب ان يراقبه من بعيد ,لكنه لا يحب الغوص فيه , او ربما يخشاه
ظل يسحب جرعات كبيره من الهواء النقي ليعبأ بها رئتيه المختنقتين , ثم يفرغهما ببطء , شعر بقدوم حسناء من خلفه , لم يلتفت , بالـتأكيد هي آتيه لتسأله عن سبب عبوسه , ليتها لم تفعل , لانه لن يستطيع كبح غضبه و التحكم في انفعلاته في هذا اليوم , الذي اقتحمت اسوأ افكاره رأسها لتعكر صوفها و تقضي علي بقايا خلاياه الحسية التي لم تميتها حسناء ليله ما قبل أمس بردها الصامت علي سؤاله
شعر بها تقترب اكثر و اكثر , أغمض عينيه بشدة , انتظرها تبدأ الحديث ولكنه فوجئ بها تتخطاه داخل المياه , دون ان تتحدث معه
فتح عينيه و ظل يراقبها
بدأت تدخل داخل أعماق المياه أكثر وأكثر ,ورغم شدة حنقه منها في هذا اليوم , الا انها كانت تسحب قلبه معها داخل المياه
وكلما ازادات انغماسا في الامواج كلما شعر بقلبه يختنق حتي كاد يلفظ اخر انفاسه
مد يده في الفارغ يحاول ايقافها و لكنها كانت تزداد بعدا عنه
ظل يراقبها و هي تبتعد اكثر , وكأنها تصر ان تقتله قلقا , حتي وصلت للعلامة التي لا يجب لأحد أن يتخطاها ولكنها فعلت
خيل لحازم انها تريد الانتحار , شعر بدوران يباغت رأسه وكأنه سيفقد الوعي و يتخلي عنها و يتركها تغرق وحدها
ولكنه تمناسك و هدا عندما وجدها تتوقف بعد العلامة بعدة خطوات قليله
وقف بقلب مشدود و بفكر مشلول و اعصابا متوتره ومشاعر مضطربه قلقه , يراقبها برعب , عينه مثبته علي تلك النقطه التي تقف بها , لا يري لها ملامح واضحه بسبب بعدها الشديد ,
كانت هي تقف وسط المياه تترك للأمواج كامل الحريه تتقاذفها كيفما تشاء , عل مياه البحر تذيب ما بها من أحزان متراكمه علي قلبها منذ سنين , دائما ما تشعر بأن البحر به طاقه جاذبيه تسحب الهموم , كانت تحب شكل البحر ولو في رسمة طفوليه , يشعرها دائما ببعض الراحة
ولذلك غمست نفسها به كليا لتشعر ببعض الراحة
ولكن
دون جدوي
كان نيرانها تزداد وكأنها منغمسه في بحر من البترول وليس المياه الصافيه
ولما لا تستعر نيرانيها وهي تترك ذكرياتها تعصف بفكرها , قالت من بين آهاتها / المفروض ان النهارده يوم ترفيهي للضحك و اللعب و الفرفشه و انا همي مش راضي يسبني حتي في اليوم ده
ربنا يسمحك يا حازم , من يوم ما حبيتك و انا عايشة في نار وجحيم و عذاب و مووووت
متقلب المزاج ,ومش بتفرق بين الموقف اللي يستاهل العصبيه و الموقف اللي ممكن نتغاضي عنه
دايما متعصب و تجرح اللي قدامك, طيب انا ذنبي ايه علشان تعاملني كده
كل ما اقول حازم حبني او يبقي عندي امل انه خلاص قدرت اوصل لقلبه , اتحرم من فرحتي في لحظة و ينتهي املي قبل ما يكمل , مريت بتجارب كتير صعبه في حياتي و اصعب تجربه هي تجربه حبك يا حازم ,تجربه مريرة مميته , شفت فيها كل انواع العذاب و كل الوان الجحيم
الناس بتحب علشان تفرح و انا بحب علشان اتعذب و اتحرق انا وقلبي بالقهر و الحزن كل لحظة
انت ظالم ظالم ظالم
قالت كلماتها بحرقه و لا تعلم انه هو الاخر وقع عليه الظلم كما وقع عليها تماما , يتألم مثلما تتألم , يحترق من الداخل كما تحترق , يتمزق بسهام ذلك الحب الوليد و يتجرع كؤوس مرارته
كان كلاهما مظلوم بسبب اندفاعه في تفسير الامور و اتخاذ قراراته و عدم التفكير و التريث في معالجة المواقف و عصبيته التي تودي علي الاخضر و اليابس أمامه
..............
كان حازم يقف بقلب منتزع من مكانه يراقبها بشغف , لولا رهبته من البحر و امواجه لذهب لها و جرها للخارج
كان يظن انه من السهل تجاهل حبها النامي داخل قلبه و لكن يبدو ان الامر ليس بالسهل , يبدو ان نبته حبها كبرت سريعا حتي اصبحت مثل الشجرة المتشعبه بفروعها المتشابكة داخل قلبه
يبدو انه يتمتع بقدر كبير من الاخلاص , فكما هو مخلص بعمله متقن له يمنحه كل مجهوده و ووقته و تفكيره و يخلص لأهله في الرعايه و الانفاق و يعطيهم كل ما يستطيع تقديمه من مال و رعايه و ترفيه , ايضا اكتشف انه مخلص في حبه المباغت المفاجي , يبدو انه في لحظة ما اقتحمت حسناء فجأها أحبها بإخلاص و فدم لها كل قلبه و احساسه و روحه , وهاهو الآن حاول ان يستردهم ولكن لم يستطع
ظل علي وضعه يراقبها بهلع حتي رأي شابنا يتجهان نحوها من بعيد , ربما من غير قصد منهم ولكنه شعر بان دماءه تسربت عبر قديمه المنغمستان في المياه و ذابت داخل مياه البحر
ظل يتجه داخل المياه ببطء نحوها و هو يناديها بكل قوته وبشكل متتابع "حسناء يا حسناء يا حسناء ..."
كانت تسمعه وهي تبكي , ولكنها لم تلتفت حتي نحوه و ولم تعير نادائته اي اهتمام , وكأنها تريد الانتقام لقلبها المنفطر من معاملته السيئة ,ولكن
فجأه
سمعت ما هزت كيان , وسبب في انزلاق قلبها من بين ضلوعها ليسقط في قدميها ,
سمعت صوت الشابان خلفها , علي بعد قريب جدا منها
احدهم ساخرا/ يا حسناء , ردي الراجل نفسه اتقطع
التفتت حسناء بذعر نحوهم , فكشفت لهم مدي جمال ما يخبئه اسدالها
قال احدهم / يخرب بيت جمالك ,وليه عين يزعلك ويخليكي تعيطي
قال الآخر / يا عم ملكش دعوه بيها , ده شكل البودي جارد بتاعها , اعمل معروف وخلي اليوم يعدي علي خير
لم تكن حسناء تعي شئ مما يقولانه و ظلت تقاوم المياه امامها تصنع لنفسها درب بين الامواج في اتجاه البر
وصلت لحازم الذي كان يتابع سيره داخل المياه حتي اصبحت منتصف جسده , يمد لها يده و عينيه تسبقانه بالخوف والقلق نحوها
ولكنها عندما وصلت له , تختطه ثانية و لم تهتم لنظراته القلقه و عيونه المتلهفه بخوف
نظر لوجهها فرأي انف احمر وعينين منتفختين دمويتين و دربنان مطبوعان علي وجنتيها اثر الدموع , يبدو انها كانت غارقه في بحر دموعها ايضا مع البحر
تبعها بعينه حتي خرجت من المياه و اتجهت لمسكنهم وتوارت عن عينيه داخل البوابه الحديديه
شعر بقلبه يتفتت لشظايا متناثره , لا يعرف من شدة قلقه عليها , ام من تجاهلها له , ام بسبب تلك الملامح التي تصرخ فيه بالظلم و القهر و الضعف و الوحده
زم شفتيه بأسي عليها , شعر وقتها بمدي حبه المتضاعف لها , وايقن انه لا يستطيع ان يمنع نفسه من التوقف عن حبها لحظة و لا التفكير بها والقلق عليها , ليس لأنه عاهد الله ذلك ولكن لنداءات قلبه من اجلها بشكل دائم مستمر
هرول يلاحقها , دخل الشاليه فوجدها ملقاه بين احضان سناء تبكي بحرقه , وسناء تربت علي ظهرها بحنان و علامات الذعر تملأ وجهها
ما ان رآها حتي تصلب واقفا مكانه و كأنه اذنب ذنبا و وجد رجال الشرطة أمامه
قالت سناء لحسناء بحنان / مالك يا حببتي اهدي
ولكنها لم تهدأ بل كانت تتزايد في البكاء بشدة
جلس حازم علي الكرسي مقابلهم و غلف رأسه بكفيه هو مطأطأها ارضا , يحاول التغلب علي مشاعره الهائجة المتخبطة لرؤيته لها بهذا المظهر
حولت سناء نظرها لأبنها تسأله / مالها يا حازم , زعلتها في حاجه
رد حازم بتلعثم / لا , انا مكلمتهاش اساسا
فعاودت تسألها / مالك يا حسناء , بسم الله الرحمن الرحيم , حد زعلك يا ماما
عندما سمعت حسناء صوت حازم و علمت بوجوده بدأت تتوقف عن البكاء نسبيا , فهي لا تريد ان يراها تبكي , يكفي ازلاله لها , فقالت لتتهرب من موقفها امامه بصوتها الذي يكاد يفهم حروفه من شدة تشنجاتها / ماما وحشتني
آتاها صوته الغليظ المشبع بالحزن و الأسي مع اختناق بسيط / تعالي يا حسناء نركب و أوديكي ليها
أخرجت حسناء وجهها من بين احضان سناء وصفعت بنظرة معاتبه حزينه , ألجمته في الحال و اصابته بالخرس الفوري , ليس من رعبها كما الحال معه و لكن لكميه العتاب التي تدفعها عبرها و كثرة الحزن الذي تحمله
فنظر ارضا خجلا و حزنا علي حال حبيبته التي ظلمها بمعاملته القاسيه و لكن يبدو انه لا يستطيع التحكم بأعصابه نهائيا وقت غضبه
قالت سناء بحنان / يا حببتي , طيب اتصلوا علي الاستاذ شوقي يا حازم و نتصرف و نخليها تشوفها و لا علي الاقل تكلمها
قال حازم وهو مازال ينظر أرضا و لا يقوي علي اعادة النظر لحسناء / حاضر
انتظرت سناء ان يفعل مثلما طلبت و لكنه أجابها فقط , فأعادة طلبها ثانية , فاضطر حازم بأن يتصل علي شوقي , كان متوتر للغايه و هو ينتظر اجابه شوقي , ماذا سيقول له , وماالذي ستطلبه حسناء منه , وكيف سيكون ردة فعله معها بعدما يسمع صوت بكائها عبر الهاتف
بالتأكيد سيكون موقفه غير جيد بالمره , ولكن لحسن حظه لم يرد شوقي
قال حازم / مش بيرد
وقبل ان تطلب سناء منه اعادة الاتصال همت حسناء واقفه بوهن للتهرب من الموقف و قالت / طيب انا هدخل انام شويه
سناء / مش هتيجي البحر
حسناء / لا انا تعبانه عاوزة اريح شويه
سناء / ماشي يا حببتي , والاكل في المطبخ لو جعتي ابقي اغرفي و كلي
حسناء / لا انا مش جعانه
حازم / لا انتي......
لم يستطع ان يكمل حرفا اضافيا بسبب نظرة حسناء المخيفه له و تحذيرها له عبر عينييها
ثم تركته و صعدت للأعلي
واتجهوا هم للخارج يستمتعون بوقتهم
................................
كانت مياه البحر تتلألأ بنعومه تحت ضي القمر النصف مكتمل , تعكس صورة النحوم الفضية البراقه , لا أحد يجلس علي شاطيء البحر سوي تلك القنادل الصغيره
كانت اسرة حازم مجتمعه في غرفة المعيشة تتابع مشاهدة احد البرامج الوثائقيه ما عدا حسناء و التي صممت الانفراد بوحدتها داخل غرفتها , وايضا حازم الذي جلس معهم لبعض الوقت ثم خرج للشرفه يراقب صورة القمر فوق سطح الماء
كانت حسناء تحتل تفكيره بالطبع
جال بخاطره مظهرها عصر اليوم , وبكائها الشديد داخل احضان والدته و نظرته المعاتبه لها
استنشق الهواء الرطب بشدة
ثم قال معاتبا نفسه
" حقا انني انسان لا يعرف للرحمة معني , اي ذنب ارتكبت تلك المسكينة لكي تعاقب عليه , اتظن ان عدم حبها لك ذنب تعاقب عليه , ام جرما ارتكبته لتعاملها بهذا الشكل ايها القاسي...... ان كان هناك مذنمب في الامر فهو قلبك , قلبك الذ تعلق بها دون وجه حق ,وفسر تعاملها الادبي انه من اجل حبها لك , وان كان من الصواب ان انتزع حبها من قلبك و معاملتها كالسابق دون اي احساس فيجب ان يكون بلطف بأدب لا بالعنف "
و اثناء شروده لمح بوابة الشاليه تتحرك بهدوء
دقق النظر فلمح شبحا اسود تطل منه وجهها الابيض وتتجه بخطي مترنحه تجاه البحر
لم يدع لنفسه فرصه ليفكر و حلق نحوها بأقصي سرعه , حاول ان يبدو طبيعيا امام الجميع و قال لهم / هطلع بره شويه يا جماعه و جاي
و بعد ان اغلق البوابه حتي جري نحوها مهرولا
كاد يتعثر بها بسبب الظلام و ردائها الاسود الذي لا يظهر وهي جالسه علي طرف البحر , تمد ساقيها أمامها لتداعبها امواج البحر الهادرة
وقف عندها دقائق , فنظرت له ثم ولت بوجهها للجهة الاخري
لم يتحدث , بل جلس بجوارها , بصمت وتوتر , حاول تجميع بعض الكلمات ليبدأ اي حديث معها و بعد ان عثر علي بعض منها سمعها تطلق تنهيده حاره بعثرت كل الحروف والكلمات التي تعب في الحصول عليها من داخل عقل المشتت المرتبك
ضغط علي اسنانه , ثم بدأ بالحديث بنبره هادئة / انت قاعده هنا ليه
ردت بفتور / عاوزة اقعد هنا شوية
حازم / بس مش المفروض تعرفيني
ردت بجفاء / لا مش مفروض
تمالك فوران غضبه وقال / بس مش ممكن حد يضايقك و لا يأذيكي
ردت / مش مهم
فتابع / ده حتي البحر منظره مرعب
ردت بصوت مختنق / مظنش انه مرعب اكتر من الدنيا اللي عيشنها
اخترقت كلماتها جدار قلبه , قال بأسي / ليه يا حسناء
قالت بصوت شبيه بالصراخ / ليه ؟ مش عارف ليه ؟ علشان متشرده في بيت ناس غريبه , قاعدة ملطشه للكل , اللي تشتمني علشان حاولت افرحها , وللي تطردني من بيتها علشان خايفه علي بنتها و اللي كل شويه متعصب عليا من غير سبب و في الاخر يعاملني بالشكل ده علشان ....
لم تستطع متابعه سردها لما يؤلم صدرها و انخرطت في بكائها ثانية
صمت حازم قليلا ثم قال لها بأسف / معلشي يا حسناء انا كنت متعصب شويه , معلش غصب عني
صرخت بأسي / لا انت مش متعصب ولا حاجه , انت بتتعامل معاهم كلهم كويس ما عدا انا
ظل صامتا يستمع لبكائها و انينها الذي يحطمه , حتي خرجت كلماته متلعثمة , / يا حسناء انا بس ,والله , مش عارف , كنت عاوزك تردي علي سؤالي مش اكتر , انا.كنت محتاج ردك قوي , محتاج...
بترت استرساله في كلامه عديم النفع , غير المفهوم و هي تنهض و تقول له بحرقه و صراخ / انت اعمي يا حازم , اعمـــــي
و تركته و هرولت للداخل , وتركته وحده تائه في تلك الكلمة التي بعثرت تركيزه و فتت ما بقي من عقله
..............................................
كانت أمواج البحر المتلاطمه تبتلع قرص الشمس تدريجيا في الافق
كانت اسرة حازم تجلس تراقب البحر و جماله , تستمتع بنسيمه المنعش و تحاول اللحاق بأخر ما تبقي من وقت لديهم في هذا المكان قبل مغادرته بعد ساعتين فقط
الجميع يجلس باستمتاع يتناولون اطراف الحديث و يتلذذون ببعض التسالي والمشوبات , كانت حسناء تجلس بينهم ولكن بروح فاقدة للذة الحياه و قلب زاهد للعيش والبقاء خاصة بعدما تأكدت من عدم فهم حازم لكلمتها الاخيره ليلة أمس
(حقيقه علميه / الرجل لا يفهم التلميحات , مثلا / لو قالت زوجه لزوجها / أرأيت الخاتم الذي اهداه فلان لزوجته في عيد زواجهما ,سيرد بالنفي بالطيع , هي تريد ان تسترعي انتباهه للموقف وليس للخاتم حتي يكرر هو الموقف ذاته ولكنه لن يفهمها)
لاحظت حسناء طفله صغير تتهجي المشي حديثا تقبل نحوهم , فتحت لها ذراعيها كي تقبل نحوها , ففعلت الصغيره , حملتها حسناء برفق , ثم اشارت لوالدتها التي تجلس بالقرب منهم بابتسامة , اجلست الطفله بين احضانها , ظلت تضمها بحنان بالغ , تمرر يدها بين شعيراتها المتناثره علي رأسها و تقبلها من بين الفنيه و الاخري
كان حازم يراقبها بتركيز , دارت الدنيا بأكملها حوله , حقا لحظات و سيهوي ارضا , شعر بأن حلمه الذي طالما حلمه به مجسد امامه علي ارض الواقع , حسناء محبوبته ستكون يوم زوجته تحمل بين ذراعيها طفلا يجمع بينهم , ولكن حلمه هذا محال تماما , انه ليس حلم , بل سراب سيفاجي بعدم وجوده اذا اقترب قليلا منه و دقق النظر
بينما حسناء شعرت برغبتها في الامومه تسير عبر عروقها لتزيد من جرحها ألما و من عذابها وجعها , لا تعلم لماذا وجدت عينيها ترفع بتلقائه لتصدم بعني حازم الذي يراقبها
كانت عينيها تحمل الكثير من الاحاسيس و الكلمات , نظرت أرضا سريعا بخجل كي لا يقرأ حازم ما بداخل عينيها ويفتضح أمرها
واثناء انهماك حسناء بمداعبة الصغيره سمعت صوت هاتف حازم يعلو
قام حازم ليرد علي المتصل , يبدو ان الأمر مهما , دقائق وعاد حازم و هو يحمل علي وجهه علامات استبشار و فرحة
قال لهم بلهجه تبرز مدي سعادته / طيب يلا يا جماعه علشان نلحق نروح قبل ما الضلمة
قالت نور معترضة / احنا كده كده هنروح في الضلمه
لكن سناء قالت / خلاص يا نور , مش هتفرق في نصف ساعه
واثناء حديث سناء ونور كان حازم ينظر لحسناء نظره تحمل كم هائل من فرحه لا تسعها عينيه
تعجبت حسناء من ذلك و لكنها قامت و اعطت الطفله لوالدتها لتستعد للرحيل معهم
.............................................
وبعد ساعات وصلوا للقاهرة , مروا أولا علي منزل محمد ثم فيلا حازم وبقيت حسناء وحدها مع حازم بالسيارة
عاد حازم من الداخل بعدما وضع الحقائب , ركب السياره فوجد حسناء تجلس بالخلف , التفت لها و بسمة عريضه تزين وجهه الفرح / تعالي اقعدي قدام
كادت تعترض ولكنه اعاد كلامه فانصاعت لأمره دون اعتراض
تعجبت حسناء و هي تراه يتجه عكس اتجاه منزلها ولكنها فضلت الصمت , حتي وصلوا للشركة التي كانت حسناء صاحبة فكرتها و لها نصيبا بها
بدت صرحا عظيما , برجا من خمسة عشر طابقا , وجهاته زجاجيه براقه
نزل حازم و فتح لها الباب وقال لها / يلا حسناء انزلي
نسيت حسناء كل ما كان يحزنها و نزلت تحت انباهرها الشديد لما تحول في هذا المكان
وقفت تنظر للمبني باعجاب و اندهاش و حازم يراقب وجهها و تعابيرها بفرحه
وفي الحال تحول حازم الي طفل صغير فرح بفرحتها
قال لها و هو يتجه بفرحه للداخل / تعالي يا حسناء
تبعته للداخل , وبعد ان دخل ضغط علي زر أنار جميع المبني , بدي كلؤلؤة براقه
اصطحبها للأعلي وظل يشرح لها ما تم انجازه
قال لها بفرحة / كده المبني تمام ,ومن بكره هتبدأ الشركات في فرش البضاعة و بالكتير اسبوع و هنفتتح الشركة , عاوزك تكوني جاهزة
أجابت حسناء بإيمائه و ابتسامة بسيطة
قال لها حازم / انتي طبعا ليكي نصيب في الشركة علي الاقل 40 في الميه , ان شاء الله اول ما انتهي بس من الاجراءات و الافتتاح هنروح للمحامي , معلشي اعذريني الفتره الجايه هكون مشغول جدا
اجابت ثانية بنفسالرد السابق
وبعد ان انتهوا عادوا ادراجهم لمنزلها و هو يشتعل حماسه و فرحة , نسي كل ما بينهم من صراعات عاطفيه و عاد لحازم القديم الذي لا يشغله شئ بالدنيا سوي العمل
وصلولا لمنزلها , ترجلت من السياره واتجهت لمنزلها , فتبعها حازم و حمل عنها حقيبتها قبل ان تدخل قال لها / حسناء سيبك من الزعل و الكلام الفاضي ده و عاوزين نركز الفتره الجايه , دي مرحله من اخطر مراحل حياتنا لازم نكون مركزين و مصحصحين , ان شاء الله هاجي بكره اخدك تعملي شوبينج و تجيبي حاجتك
تعجبت حسناء بشدة من كلامه بل صعقت و لكنها تذكرت انها تتحدث مع حازم , حازم الذي عرفته سابقا , عاد ثانية
دخلت و قلبها محتقن بالألام , ارتمت علي سريرها من شدة الارهاق و قالت بحزن / بتسمي الحب و المشاعر كلام فاضي, ماشي يا حازم
.......................
مرت الايام ببطء علي حسناء ,تتجرع ألام اضافيه كل يوم بسبب انشغال حازم التام عنها و تجاهله لها قبل ان يداوي حرجها الذي سببه لها , وعلي الرغم من اتصاله بها بشكل يومي ليخبرها عن ما تم انجازه في الشركه و يبشرها باقتراب موعد افتتاحها و بدء عملها و تغير حياتها و لكن ذلك كان يزيد ايامها مراره و يضاعف جرحها
حتي مر الاسبوع بأيامه الثقيله و أتي موعد الافتتاح
ومر يوم الافتتاح ايضا , وبعد ان انهي حازم يومه توجه لفيلته لكي يسلم علي اهله و يباركون له الافتتاح
وجد نرمين بإنتظاره ,وبعد ان جلس معهم , انفردت به نرمين وسألته / حازم عملت ايه في موضوع حسناء
حازم وعلامات الحزن ملأت وجهه فجأ / خلاص قفلته
نرمين بتعجب / ازاي
حازم بتوتر / مفيش , هي مش بتحبني , فمينفعش اطلب منها الارتباط علشان موقفها ميبقاش محرج
ظلت حسناء تبحلق في وجهه بتعجب مبالغ فأكمل كلامه / سألتها مباشرة ان كانت بتحبني مردتش تجاوب عليا
تحولت ملامح نرمين فجأ لعلامات استفهام و تعجب وكل شئ يدل علي الاستغراب وقالت له و هي تقاوم ضحكاتها الساخره / وهي كده مش بتحبك , انت غبي و لا عبيط , مسمعتش قبل كده عن مقوله اسمها الصمت علامة الرضا
انكمشت ملامح حازم وتاهت افكاره داخل رأسه فتابعت نرمين كلامها / حسناء بتحبك يا حازم واناعارفه من زمان , وبعدين كل اللي بتعمله ده ملفتش انتباهك انها بتحبك
حازم ببلادة / انا قلت جايز رد جميل
قال نرمين باستهزاء / رد جميل ؟ انت اعمي
قال لها بحزن فجرته تلك الكلمة / هي فعلا قالتلي الكلمة دي
نرمين بغيظ / تستحقها
زم حازم شفتيه بأسي و هو يقول / اللي مزعلني اني من يومها و انا بعاملها بعنف
نرمين / حازم علشان انت حابس نفسك في الشغل و متعرفش حاجه في الدنيا غيره معدتش عارف حاجه في الدنيا خالص , بص يا حازم , قسما بربي لو معرفتهاش انك بتحبها في خلال يومين و طلبت منها كمان ترتبطوا بخطوبه انا هروحلها واقولها انك بتحبها و بتموت فيها
قال حازم / لا خلاص هعرفها انا علشان اراضيها , بس ازاي؟
نرمين / هقولك ازاي, هاتلها بوكيه ورد علي مكتبها و اكتبلها في الكارت
......................
كانت حسناء قلقه بشدة من عملها مع حازم بالشركة , لا تعلم لماذا و لكن شعورها بالخوف تملك قلبها بشدة , نامت باكرا لتستعد لغد جديد , ولكنها استيقظت في منتصف الليل علي كابوسا مرعبا , لقد رأت في منامها حازم يقبل نحوها و عينيه يتطاير منه الشرر و يرتدي ملابس زوج والدتها
اعتدلت جالسه بذعر , ظلت تلهث بشدة , وكأنها كانت في سباق جري, استعاذت بالله من الشيطان ,وعادت للنوم ,ولكن ذلك الحلم حال بينها و بين العوده له ثانية
ظلت تفكر في تفسير ذلك الحلم الغريب , قالت بخوف / ممكن معاملة حازم هتتحول زي معاملة جوز ماما لو معترفتش بحبي ليه
ظلت في حيرة بين افكارها المتضاربها , حتي سمعت اذان الفجر وتلته الشمس بالشروق
وقبل ان تتأهب للذهاب مع حازم
صلت ركعتي استخاره بأن يخرجها الله من حيرتها في ان تعترف له ام لا لكي تستطيع اكمال حياتها بشكل عادي
سمعت صوت سيارة حازم بالخارج
خرجت له و بعينيها حيره خوف وقلبها مغذي بالقلق و التوتر , وجسدها المنهك من كثرة التفكير و قلة النوم و الارهاق يسير بترنح
رأته ينتظرها و ينظر لها بابتسامة عريضه
اربكتها نظرته اكثر و اكثر, حتي كات تسقط ارضا من شدة دوار رأسها
ركبت بجانبه السيارة
كان حازم مختلفا تماما اليوم , عينيه تشعان فرحه و نظراته تبثان حب , حتي طريقة كلامه و لهجته و نبرة صوته كلها تبدي بمدي حبه لها
وقتها ايقنت ان حلمها هذا به سر
شعرت بخوف يكاد يقتلها و اختناق شديد برئتيها
وصلوا للشركة , صعدت معه للطابق الأعلي
كانت مختلفه عما رأتها سابقا , بها الكثير من الزينه و الورود , جلست علي مكتبها بتوتر
استند حازن بكفيه علي المكتب مقابلها و قال لها بابتسامة عذبه / مبورك يا حسناء
ردت بخوف / الله يبارك فيك
قال و هو يتجه للخارج / هروح اجيب الاوراق هوريكي اللي المفروض تعمليه علشان الشغل ميتكركبش
سألته / هراجع برضه الفواتير
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!