دقايق وأنا مُغيبة معرفتش احدد عددها بس الظاهر إنها طالت بيا، فـ في الوقت اللي كُنت مرمية فيه علىٰ الأرض جوا كان عم إسماعيل علىٰ باب الشقة بره بيخبط لأكتر من مرة وفشل إنه يلاقي مني رد، ولكنه كان مستغرب غيابي نظرًا لأني قابلته في رجوعي للعمارة وطلبت منه شوية حاجات من السوبر ماركت وأكدت عليه يحصلني بيها، وده اللي زاد إصراره إنه يفضل يخبط، في الوقت اللي كان راجع ياسين بالصدفة من بره وشافه، فـ قال_ في حاجة يا عم إسماعيل؟!
رد، وقال_ أبدًا يا بيه، بس الست مَريم طلبت مني شوية حاجات وقالتلي احصلها بيهم، وأما جيت بخبط مبتفتحش.
رد عليه ياسين، وقال_ عادي ما يمكن حصل حاجة ونزلت تاني.
رد، وقال_ بتصل عليها كمان مبتردش، أنا خايف ليكون فيها حاجة يا بيه.
سكت ياسين لحظة، ووجه نظراته لباب الشقة، قرب منه لخطوات، ومد إيده وخبط بنفسه خبطات متتالية تقيلة لأجل تكون مسموعة، وقال وهو بينادي بصوت عالي_ أستاذة مَريم.
ولكنه ملاقاش هو كمان رد لا حركة ولا حتىٰ صوت نفس، فـ استغرب هو التاني، ولف وشه لعم إسماعيل، وقال_ معاك نسخة احتياطي لمفتاح الشقة؟!
هزّ عم إسماعيل راسه بالنفي، وقال بقلق واضح_ لا يا بيه، بس أنا قلبي مش مطمن البنية عايشة بطولها والله أعلم في أيه، أنا بقول نكسر الباب ونجيب أم علي تدخل تطمن عليها.
سكت ياسين لثواني كانت كفاية فيها إن القرار يتاخد،
رجع بضهره لورا خطوة، وبرجله خبط الباب خبطة قوية هزت المكان، ووقع أثرها الباب قُصاده علىٰ الأرض.
في الوقت ده كانوا نادوا علىٰ أم علي طلعت، وبمجرد ما فتحوا الباب دخلت تطمن علىٰ حالي، لأجل تلاقيني واقعة قُصادها علىٰ باب أوضة النوم فاقدة لوعيي، فـ صرخت تستدعيهم، وهي بتقول_ الحقوني الست مَريم واقعة من طولها.
وقتها بسُرعة دخلوا عليا، قرب عم إسماعيل وهو بيحاول يفوقني، وخبط على خدي بخفة، وهو بيقول_أستاذة مَريم، فوقي يا بنتي.
أما ياسين فوقف لحظة مكانه، عينه ثابتة عليا، وكأنه بيحاول يفهم إيه اللي حصل لأجل أقع بالشكل ده.
وبعد لحظات، بدأت جفوني تتحرك، وفتحتها ببطء، وأنفاسي كانت تقيلة وخارجة مني بصعوبة ، كأني هربانة من كابوس، كابوس نشف الدم في عروقي.
وأول ما استجمعت وعيي، واستوعبت المكان من حواليا، ووضحن الملامح قُصادي، اتحركت عيوني بسُرعة لكن مش عليهم، لباب أوضة النوم، الكابوس اللي بيطاردني في صحياني قبل نومي.
وقطع شرود عيوني ده صوت ياسين، وهو بيقول_ أنتِ كويسة يا أنسة مَريم، نجيب دكتور يطمننا علىٰ صحتك؟!
وجهت عيوني لي، وأنا بهز راسي بالنفي، فـ ردت أم علي، وهي بتقول_ أنا هروح اعملك كوباية لمون تروق دمك.
بالفعل دخلت علىٰ المطبخ حضرتلي العصير، ياسين استأذن بعدها ومشي، وهما بعد ما اطمنوا عليا لحقوه ونزلوا، وفضلت أنا وقلبي اللي صوت دقاته أعلىٰ من صوت عقارب الساعة اللي جمبي، قلبي اللي متأكد إني مش لوحدي في المكان وإن فيه اللي بيقاسمني، لكن ما كان في اليد حيلة إلا إني اكدب كـ العادة نفسي، واقنعها إن ماهو إلا وهم، وهم رغم إني متأكدة إنه حقيقة.
___
الصبح هل عليا وأنا عيوني مزارهاش النوم لحظة، فـ سهرت الليل بطوله في البلكونة لأجل أهدي من خوفي، واتونس بأي صوت في الشارع حواليا، وبمجرد ما نور النهار بان بدلت هدومي بسُرعة، ونزلت لعم إسماعيل، في محاولة مني لأني أوصل لعنوان صاحب الشقة اللي قبلي واللي باعها ليا، ولكني للأسف معرفتش اوصل لأي خيط يدلني عليه، حتىٰ المكالمات بيني وبينه اتقطعت ومبقاش بيرد عليا من يوم ما استلمتها منه.
روحت المكتب وأنا أشبه بالتايهة، قلة نوم مع كترة تفكير مع خوف من اللي مستنيني، فبدل ما يكون البيت الركن الهادي اللي بجري عليه في نهاية كل يوم واتحامىٰ فيه دوشة الدنيا بقى الكابوس اللي بتمنىٰ النهار ميخلصش لأجل مرجعلوش ولا أخطيه.
_ وبعدهالك يا مَريم؟!
جُملة قالتها نهلة بقلق علىٰ حالي، وهي بتقعد قُصادي علىٰ المكتب، وشايفاني شاردة وضامة وشي مابين كفوفي، رفعت وشي ليها ببطء، كأني محتاجة مجهود لأجل أعمل أبسط رد فعل، وقلت بصوت واطي باين فيه إرهاقي_ مش عارفة، أنا حاسة إني تايهة.
سكتت لحظة، وبعدين قالت وهي بتحاول تهديني_ يا مَريم أكيد كُل الدوشة دي من ضغط الشغل والدنيا عليكِ، واتلاقيها كلها أوهام عقلك بيضحك عليكِ بيها.
قُلت بإنفعال من تعب أعصابي وقلة نومي_ضغط أيه اللي يخليني أشوف حاجات، وأسمع حاجات، وأرجع البيت أحس إني مش لوحدي فيه، ضغط أيه يا نهلة؟!
طبطبت علىٰ كتفي، وقالت_ طب خلاص أهدي، اقولك بيعي الشقة، بيعيها وارتاحي من الهم ده كله.
حاولت ارجع لهدوئي، وقُلت وأنا برجع راسي ما بين كفوفي_ قُلت لعم إسماعيل الصبح إنه يدورلي علىٰ مشتري وربنا ييسر بقىٰ.
ردت، وقالت بتنبيه ليا_ أنتِ لازم تفوقي يا مَريم لشغلك وقضاياكِ، أقل غلطة هتودي موكلك في داهية.
قُلت بملل وأنا علىٰ نفس وضعيتي، ومش مركزة في شيء بيتقال من الأساس_ فايقة يا نهلة، فايقة.
اتنهدت بقلة حيلة، واتأكدت إن مفيش كلام معايا دلوقتي هيفيد فـ خرجت من غير ما تزود حرف.
وفضلت أنا في مكاني، إيدي لسه ضامة وشي، بس دماغي كانت أبعد بكتير من المكتب، مش في الشغل، ولا في القضايا اللي ورايا، ولكن في حاجة واحدة وهي الشقة.
___
رغم تُقل الأيام علىٰ قلبي وإرهاقي منها، ورغم إني عايزة أهرب من كُل حاجة حتىٰ نفسي، إلا إن للأسف الشُغل مفيش مفر منه، فـ اديني أهو واقفة قدام هيئة المحكمة بترافع في جلسة من أهم القضايا اللي بتمر بيا، ألا وهي قضية إثبات نسب.
واقفة بتناسىٰ أي شيء شاغل بالي، وراسمة علىٰ ملامحي الثبات اللي بداري بيه أي ذرة رجفة جوايا، والأم من ورايا واقفة ضامة طفلها لحضنها، وواقف جمبها والدها اللي باين في ملامحه الحسرة علىٰ حاله وحال بنته واللي وصلتهم لي بأفعالها، وعلىٰ الجمب التاني واقف والد الطفل المُنكر لي بكل برود وجفا.
وقفت وأنا بقول بـ ثقة بحاول اتمسك بيها_ سيادة القاضي أنا لست هنا اليوم لأطالب بحق هذه الام.
سكتّ لحظة، ووجهت نظري تجاهها، وبعدين كملت، وقُلت _ هذه الأم مُذنبة مُخطئة، كما أخطأ الأب بل وتستحق العقاب علىٰ فعلتها.
لحظتها صوت همهمة الحضور بان في القاعة، ولكن القاضي قطعها بتخبيطه، وهو بيقول_ هدوء من فضلكم.
كملت بنفس الثبات، وأنا بقول_ لكني هنا يا سيادة القاضي لاطالب بحق هذا الطفل الصغير.
ختمت جملتي وأنا بشاور علىٰ الطفل الرضيع اللي في حضن والدته ومتعلق فيها، وكملت من تاني، وقُلت_ طفل يا سيادة القاضي لا ذنب له، ذنبه الوحيد
أنه جاء نتيجة لعلاقة غير شرعية لم يكن له أي يد فيها، طفل جاء الدنيا ليُسلب منه أبسط حقوقه وهو أن يحمل اسمًا ونسبًا مثل باقي الاطفال.
وجهت عيوني للأب، وكأن كلامي موجه لي هو_ طفل حكم عليه هذا الأب الغير مسؤول والمتجرد من كُل صفة من صفات الرجولة أن يعيش شريدًا، لا اسم له ولا هوية.
وقتها انفعل الأب، وقال_ مش ابني، الست دي كدابة، الواد مش ابني.
وجهت نظرات مشمئزة لي، ورجعت عيوني للقاضي، وأنا بقول_ يا سيادة القاضي الإنسان اللي بينكر أبوته للطفل ده في معانا شهود كانوا زمايله هو والام في الجامعة، واللي كلامهم بيأكد إن العلاقة بينهم كانت خارجة عن حدود الزمالة، وتقدر سيادتك تسمع شهادتهم بنفسك.
سكت القاضي لحظة، وبعد نظرات منه في الأوراق اللي قدامه، رفع عيونه، وقال _ هاتوا الشهود.
دخل الشهود واحد ورا التاني، وكل واحد فيهم كان بيأكد علىٰ تعدي حدود العلاقة بين الاتنين عن إطار الزمالة، وقتها ومع إحساس الأب إنه هيقع في نتيجة فعله انفعل وعصبيته زادت، وقال_ كدب، كله كدب، كلهم متفقين عليا.
خبط مرة تانية القاضي، وهو بيقول بحزم_ هدوء.
ووجه نظراته ليا بعدها ليا، وقال_ اتفضلي كملي يا أستاذة.
قربت من منصة القاضي، وأنا برفع إيدي لي ببعض الأوراق، وبقول_ ومع كلام الشهود يا سيادة القاضي كان لازم يكون فيه قرينة أخرى، وهي الرسائل والمحادثات اللي كانت بين الطرفين واللي واضح قدام سيادتك ان الكلام فيها كان عبارة عن ملاطفات وكلام بعيد كل البُعد عن الزمالة.
صوت الورق وهو بيتقلب كان واضح تقيل، كأنه بيحكم.
رفعت عيوني ناحية الأب، لقيته واقف، ملامحه مشدودة، وعيونه بتهرب من أي مواجهة، فـ كملت، وأنا بحاول أحافظ علىٰ ثباتي_ والرسايل دي يا سيادة القاضي مش محتاجة تفسير، لإنها ببساطة بتتكلم عن علاقة واضحة كاملة قائمة بين الطرفين.
الأب وقتها انفعل مرة تانية، وهو بيقول بعصبية_ كدب كلها متبفركة، كلها كدب.
وقتها الطفل الرضيع بكىٰ في حضن والدته، وصوت بُكاه بدأ يعلىٰ ويزيد، وكأنه حاسس وفاهم بالظلم اللي بيتعرض لي من أب عديم نخوة وإنسانية.
حاولت أستجمع ثباتي،وكملت، وقُلت_ومع كل ما تم عرضه أمام عدالتكم من شهادات وقرائن، إلا إننا مازلنا أمام مسألة تحتاج لقطع الشك باليقين.
سكتّ لحظة، وعيوني راحت للطفل، وكملت وقُلت بشفقة علىٰ حال الطفل_ طفل لا يحتمل الانتظار، ولا يحتمل الشك.
رفعت عيوني للقاضي من تاني، وقُلت بنبرة حاولت ابان ثابتة_ لذلك يا سيادة القاضي أطلب من عدالتكم إصدار قرار بإلزام المدعى عليه بإجراء تحليل البصمة الوراثية DNA، لحسم نسب الطفل بشكل قاطع لا يقبل جدلًا أو إنكارًا.
الأب انفعل، وقال_ وأنا مش موافق، أنا مش هعمل أي تحاليل.
القاضي رفع عيونه لي بحدة _ ده قرار المحكمة، مش بمزاجك.
سكتت القاعة، وبعدها وجه القاضي نظراته للأوراق اللي قُصاده، بعدها قال بنبرة حاسمة _ تقرر المحكمة إحالة الطفل والمدعىٰ عليه للطب الشرعي لإجراء تحليل البصمة الوراثية DNA، وتأجيل الجلسة لحين ورود التقرير، رفعت الجلسة.
من هنا الأم بدأت تستعيد أنفاسها، والأمل بدأ يزور قلبها اللي بيرتجف من خوفه، وضمت ابنها لحُضنها بفرحة، وهي مش قادرة تمنع عيونها من البُكا، وبمُجرد ما خرجنا من قاعة الجلسة جريت عليا، وقالت_ أنا مش عارفة أشكرك إزاي علىٰ إنك بتحاولي تثبتي حق ابني، جميلك ده دين في رقبتي طول العُمر.
وجهت عيوني للولد اللي علىٰ دراعها، واتنهدت، وقُلت_ اللي عملته مش عشانك، لإن لو جينا للحق أنتِ ظالمة مش مظلومة، ظالمة نفسك وأهلك وابنك بقبولك علىٰ نفسك وعليهم تكوني في الموقف ده، كُنتِ أنانية أما فكرتِ في نفسك من غير ما تحسبي عواقب اللي أنت هتعمليه، مشيتِ ورا هواكِ وقبل ما تخالفي أهلك ومجتمعك خالفتي دينك وأوامر ربك، بس باب التوبة مفتوح ارجعيله، اطلبي عفوه ورضاه عنك، اطلبي عونه في إنك تثبتِ حق ابنك، واطلبي السماح من أهلك وراضيهم، أهلك اللي كسرتِ قلوبهم قبل عينيهم، وعيشي لابنك وحاولي تعوضيه وترفعي راسه، وكبريه وعلميه إن البداية اللي مبترضيش ربنا نهايتها مبترضكش أنت.
ختمت كلامي بطبطبة علىٰ كتفها، ومشيت بهدوء، وسيبتها بتراجع حسابات عُمرها مع نفسها، وبُكا ندمها علىٰ ذنبها مفارقش عيونها.
___
_ كده تغيبي عني ومتسأليش عن أختك، أيه هجرتِ البيت وهجرتينا أنا وعُمر معاه يامَريم؟!
جُملة قالتها عُلا بمُعاتبة ليا عن غيابي عنها، فـ رديت وأنا بحضنها وقُلت_ حقك عليا يا حبيبتي، بس بالله شوفت أيام عرفتني إن نار أمك أهون من الجنة بعيدها.
ضِحكت، وقالت_ وه، أنتِ تحني لمُشيرة غريبة دي؟!
ضِحكت بقلة حيلة، وقُلت_ أصل بعيد عنك أختك الهم وراها وراها مكان ما تروح، وكأنه حالف ما يفارقها.
قالت باستغراب_ مالك يا مَريم مش عوايدك أشوفك باهتة كده ومطفية؟!
ضِحكت، وقُلت_ أه والله يا بت يا عُلا مقريقة قريقة رهيبة ولا كأني بسنن.
وجهت نظراتها ليا، وثبتتها في عيوني، وقالت_ مَريم متتوهيش في أيه ؟!
اتنهدت، وحاولت أتهرب من عينها، وقلت وأنا بظبط خصلات شعرها بإيدي وبدخلها في حجابها _ مفيش يا بنتي، شغل وتعب بس وكترة قضايا، وبعدين شعرك ده يا هانم مش قُلت ميخرجش تاني من الطرحة؟!
هزت راسها بعدم اقتناع_ لا ده مش شغل وبس، في أيه يا مَريم؟!
اتنهدت، ووجهت نظراتي للمكان من حواليا، وبعدين قُلت بنبرة اطية_ الشقة.
قالت بإستغراب_ مالها؟!
من هنا حكيتلها اللي بيحصل معايا من أول يوم جيت هنا، وبمُجرد ما ختمت كلامي لقيتها بتشد شنطتها ونازلة تجري علىٰ السلم سيباني، وأنا وراها بنادي عليها وبقول وأنا بضحك علىٰ رد فعلها، وبقول_ بقىٰ كده يا بنت مُشيرة بتبعيني في أول محطة وتجري.
ردت وهي نازلة علىٰ السلم، وبتقول_ وأبيع القطر كله لو كانت كده، سهرة سعيدة يا قلبي مع عفاريتك، ابقي سلميلي عليهم.
وصلتني ضحكتها من السلم قبل ما أشوفها، ضحكة فيها توتر أكتر ما فيها هزار، وقفت فوق مكاني لحظة، وبعدين مشيت وراها بسرعة وأنا بنادي _ عُلا استني بس بقولك.
بس صوت خطواتها كان أسرع من كلامي، كأنها مش عايزة تسمع ولا كلمة زيادة، فـ قُلت وأنا مازالت بداري بضحكي علىٰ خوفي_ ياسي دوني خدني معاك يا سي دوني، بالله متسبنيش هنا لوحدي.
بس للأسف كانت مشيت، وفضلت أنا، اتنهدت بقلة حيلة، ودخلت الشقة من تاني، وأنا بقفل الباب وبسند ضهري عليه، وبدعي من قلبي لو ليلة واحدة تعدي بسلام، ومنكرش إن السلام كان ساكن المكان وأنا بحضر الأكل، وبراجع أوراق قضية جلسة الصبح، ولكن للأسف مبيدومليش كتير، فـ بمُجرد ما بفكر انام بتبدأ الليبة الحقيقية، فـ الليلة قررت أنام في أوضة تانية غير الأوضة اللي بقت مصدر القلق والخوف ليا، وافتكرت إن بكده هبعد عن الشر واغنيله زي ما بيقولوا، ولكن بمُجرد ما فردت جسمي علىٰ السرير فيها اترزع شباك الأوضة عليا واتفتح،
وكأننا في عز أيام الشتا رغم إن إحنا في أشد أيام حر الصيف، ولكن مهتمتش وقُمت قفلته ورجعت نمت علىٰ السرير من تاني، لأجل يتكرر نفس المشهد ويتفتح مرة تانية، وقتها اتعصبت، وبصوت عالي، قُلت_ يــوه.
قُمت قفلته من تاني، وتممت علىٰ قفله بحيث ما يتفتحش عليا تاني، ونمت للمرة التالتة علىٰ السرير، وقتها سمعت خبطات علىٰ باب الأوضة وكأن حد بيستأذن للدخول، اتنفضت لحظتها من خوفي، ولكني اقنعت نفسي إنه جايز بره عند الجيران صوت الخبط، كان الحقيقة مُبرر ساذج، بس حاولت أصدقه واحاول انام، ولكنها اتكررت من تاني نفس الخبطات بنفس ترتيبها وهدوئها، وقتها الدم نشف في عروقي، وملامحي اتبدلت من صدمتها، وقلبي نبضاته عليت، وكأنه علىٰ وشك يشق صدري ويخرج منه، لحظات مرت عليا سنين وأنا متسمرة وعيوني علىٰ الباب وكُلي خوف إنه يتفتح عليا، حاولت استجمع شجاعتي واخرج أنا، قُمت وأنا جسمي بيتنفض ورجلي بتترعش ومش قادرة تشيلني، وخرجت بهدوء من الأوضة وأنا بردد أيات وأذكار لأجل تهدي من خوفي، والحقيقة إن الصالة بره كانت هادية مفيش فيها حاجة مُختلفة عن اللي سبتها عليه، ولا حتىٰ كان في حد، وقتها وجهت عيوني لأوضة نومي الأوضة اللي بتبدأ فيها كل البلاوي، لحظات بفكر هل اجازف وادخلها، ولا أفضل واقفة عندي، لغاية أما قررت ادخل وأنا بقدم رجل وبأخر التانية وبمُجرد ما فتحتها، لقيت المكان اتبدل حواليا من تاني، والزمن بقىٰ فيها غير الزمن، وفي ركن من أركانها كومود عليه جرامافون، طالع منه صوت أغنية بتقول” أنا قلبي دليلي قالي هتحبي”قَلْبِي دَلِيلِي قَالَ لِي هَتِحِبِّي، دَايِمًا يِحْكِيلِي وَبِصَدِّق قَلْبِي”
وفي الناحية التانية وقصاد عيوني واحدة قاعدة قدام التسريحة بفستان فرحها الأبيض، ومزين شعرها طرحته الطويلة، ورغم وجودها ولكن المراية قدامها كانت بتعكس فراغ، ولحظتها سمعت صوت راجل جاي من ورايا بينادي وبيقول_ ليلىٰ.
وقتها أنا كُنت واقفة في مكاني متسمرة، الهوا كان وكأنه أتقل من إني اتنفسه، وروحي وكأنها مسحوبة، واقفة كُل اللي بعمله إني مصدومة من اللي بشوفه قُصادي وبسمعه، لوقت ما لفت بهدوء راسها والحقيقة إني معرفش كان ليا ولا لصاحب الصوت، وشوفت لأول مرة إبتسامتها، وقتها بس معرفش خرجت علىٰ السلم إزاي في أقل من ثواني، معرفش غير إني قعدت علىٰ أول درجة من درجات السلم قابلتني وحطيت إيدي على شفايفي بداري بيها خضتي، وبنهج وكأني كُنت بجري في سباق طويل، ودموع خوفي سابقاني.
عدا عليا شوية وقت، والحقيقة إني معرفش كانوا قد أيه، فـ فضلت مكاني علىٰ السلم قاعدة ودافنة وشي مابين كفوفي، ومقطعش اللحظة إلا صوته، وهو بيقول_ أنتِ بتعملي أيه هنا؟!
اتنفضت بخضة لما سمعته، ولكن هديت أما شوفته وعرفت إنه ياسين، فـ كرر السؤال، وهو بيقول_ في أيه يا أستاذة مَريم، قاعدة هنا ليه؟!
وقتها قُلت بـ غُلب وقلة حيلة مقاسمهم البُكا وشهقاته_ ما أنت مش هتصدقني، مش هتصدقني.
وجه نظراته ليا شوية وسكت، مش السكوت اللي فيه استهزاء زي كل مرة، لا سكوت بيستوعب فيه حالتي قبل كلامي.
قعد على درجة السلم اللي تحت مني بدرجة، بحيث يبقىٰ قدامي، وقال بهدوء _ جربي وقولي.
هزيت راسي بسُرعة، ودموعي نزلت أكتر _ لا هتقول عليا مجنونة زي ما قُلت قبل كده.
اتنهد، وقال_ الصراحة فعلًا قُلت قبل كده، بس جايز كُنت غلطان.
سكتّ، فـ كمل هو، وقال بنبرة هادية، بدون أدنىٰ ذرة سُخرية_ احكي يا مَريم.
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أسيطر علىٰ شهقاتي، وقُلت بصوت مهزوز_ الأوضة اتغيرت تاني، بس المرة دي وأنا صاحية، كُل حاجة كانت مُختلفة، جرامافون، وأغنية وواحدة.
سكتّ ثواني، وافتكرت المشهد اللي مر قصادي، فـ جسمي كُله اتقبض، فـ قُلت بالرجفة اللي ساكنة صوتي قبل جسمي_ لابسة فستان فرح، وقاعدة قدام المراية، بس المراية، المراية مكنتش عاكسة صورتها، مكانتش موجودة فيها رغم إنها قصاد عيني.
كان ساكت ومقاطعميش بحرف، فـ كملت _ وسمعت صوت، صوت راجل بينادي، راجل بيقول ليلىٰ.
سكوته طال وهو عيونه عليا، والحقيقة إني مفهمتش هل نظرته استغراب ولا تكذيب ولا فعلًا صدقني، فـ لحظتها ملقتش إلا البُكا قدامي، وأنا بقول_ والله يا ياسين أنا متأكدة، متأكدة زي ما أنا متأكدة إنك قصاد عيني دلوقتي.
وقتها رد بهدوء، وقال_ أهدي يا مَريم أنا مصدقك، قومي معايا ندخل بس ونشوف في أيه.
هزيت راسي بالنفي بسُرعة، وأنا بقول مابين دموعي_ مش هدخل تاني، مش هدخل.
مدلي إيده، وقال بنفس تفهمه وهدوئه_ طب هاتي المُفتاح هدخل أنا.
بصيت لإيده شوية مُترددة، ومش عارفة أخاف لو مسه سوء بسبي جوه، ولا أتمسك بفكرته وإنه يشةف بعيونه اللي بيحصل، وفي النهاية رسيت علىٰ إني أمدله إيدي بالمُفتاح، فـ سحبه منها، وفتح الشقة، ودخل بهدوء، هدوء زي كل شيء فيها، فـ رجع حالها لطبيعته بدون أي ذرة تغيير، هدوء وكأن اللي شوفته بعيني ماهو إلا وهم واتبخر في ثواني، بدأ يلف الأوض فيها، بيمشي خطوة خطوة، وعينه بتلف في كل ركن كأنه بيدور على أي دليل يثبت أو ينفي كلامي، وفي أوضة النوم بالتحديد، وقف ثواني قدامها، بص علىٰ التسريحة، علىٰ المراية وعلى السرير، وفي كل ده ملقاش خيط واحد يدل علىٰ إن كلامي حقيقة، بعدها خرج تاني بنفس الهدوء، وقبل ما يوصل ياب الشقة لأجل يبلغني إن مفيش حاجة، اترمت عليه ورقة من الفراغ، ورقة لونها متكورة وكأنها محدوفة قصد فيه، ورقة باهتة لونها اصفر باين عليها أثر الزمن، ورقة لما فتحها ملقاش فيها إلا اسم واحد وهو” ليلىٰ أبو المجد”، اسم مخطوط حروفه باللون الأحمر، وكأنه مخطوط بدم نازف.
وقتها وقف مكانه لحظة، وعيونه ثابتة علىٰ الورقة، كأنه مش مستوعب اللي شايفه، وجه نظراته حواليه بسرعة يمكن يلاقي المكان اللي الورقة اتحدفت منه، لكن الصالة فاضية ساكنة، مفيش أي حد، ولا أي صوت فيها، خرج من الشقة، وقفل الباب وراه بهدوء، وملامحه اتبدلت تمامًا عن أول ما دخل، وبمجرد ما شوفته طلع، وقفت بسُرعة، وقربت منه وأنا بقول بـ لهفة _ لقيت حاجة؟!
سكت لحظة، وبعدها مدلي إيده بالورقة من غير ما ينطق بحرف، خدتها منه بإيد بتترعش، وفتحتها، وأول ما عيوني وقعت علىٰ الاسم، حسيت إن نفسي اتسحب مني وضاق، وقُلت بصدمة_ صدقتني، عرفت إني مش مجنونة!
المرة دي مردش بسُرعة، ولكن كانت عيونه متعلقة بـ الباب اللي وراه، الباب اللي مداري ورا قفلته حكايات عاجزين عن إننا نفهملها تفسير.
كملت أنا مرة تانية بخوف، وقُلت_ وبعدين يا ياسين؟!
قال بنفس نبرته الهادية، ولكن مازالت عيونه علىٰ الباب_ الاسم مش عشوائي، واللي بتشوفيه أكيد مش صدفة.
وجهت نظراتي لي بعدم فهم، وقُلت وأنا مازال الخوف ساكن قلبي_ يعني إيه؟!
لف وشه ناحيتي، وقال_ يعني الظاهر في حد أو حاجة عايزة توصلنا لحكاية معينة.
بلعت ريقي بخوف ، وقلبي دقاته عليت،
وقُلت بصوت مهزوز_ حكاية، حكاية إيه؟!
وجه نظراته للورقة اللي في إيدي، وبعدين رجع بعيونه للباب_ حكاية ليلىٰ أبو المجد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!