_ مَريم نورالدين مُحامية زميلة، وجارة لينا هنا في العمارة.
جُملة قالها ياسين وهو بيعرف والده بيا، وقتها قابلتي بابتسامة وهو بيقول بترحيب_ يا أهلًا يا متر.
بادلته وقتها الإبتسامة، وأنا بقول_أهلًا بحضرتك.
ابتسم ياسين، وقال بمُشاكسة_ مقولكيش بقىٰ أبويا ده كان زميل قديم وتقيل أوي في المهنة، بس لحظك بقىٰ اعتزل وتفرغ للشطرنج، إلا صحيح ليكِ في الشطرنج؟!
ضِحكت، وقُلت_ ليا، ولو مليش اتعلم مخصوص لأجل انافس حضرته.
ضِحك والده، وقال_ باينك غلباوية يا مَريم مش كده؟!
رد وقتها ياسين، وهو بيضحك، وبيقول_ أوي يا حج أوي، اللي قدامك دي أول حد يعلم عليا قدام القاضي ويطلعني قفايا يقمر عيش.
ابتسم والده، وقال_ هايل، يعجبني الشطارة.
رد ياسين وهو بيصطنع الزعل_ أيه يا حج أنت معايا ولا عليا؟!
ضِحك والده، وقال_ مع اللعبة الحلوة يا مُغفل.
رجع ياسين لجديته، وقال_بالمُناسبة يا بابا كُنا جايين عايزين نسأل حضرتك علىٰ حاجة لو تسمح.
قال بانتباه لكلامه_ خير؟
كمل ياسين بتسأول، وقال_ هل كان في حد ساكن في العمارة اسمه ليلىٰ، ليلىٰ أبو المجد.
قال بتفكير واضح عليه_ ليلىٰ، ليلىٰ، ليلىٰ، لا معتقدش إني صادفت الاسم ده في السكان قبل كده، بس ليه؟!
رد ياسين، وقال_ لا ده موضوع طويل وغريب.
رد والده، وقال وبان عليه إنه افتكر شيء_ استنىٰ كده، ده أنا قبل ما اتجوز المرحومة والدتك أيام ما كُنت لسة شاب وشاري الشقة جديد وبجهزها سمعت وقتها إن كان في واحدة ساكنة هنا فترة، بس دي اتقتلت تقريبًا قبل ما اجي هنا بمُدة.
وقتها وجهنا نظراتنا لبعض، وقُلنا في نفس وصوت واحد_ أيــه اتقتلت؟!
رد باستغراب، وقال_ أيه ده في أيه مالكم؟!
كمل ياسين، وقال_ بابا هي ليلىٰ دي شقتها اللي تبقىٰ في وش مننا صح؟!
هز راسه بالإيجاب، وهو بيقول_أيوه مظبوط.
وجه ياسين وقتها عيونه ليا، وكان بان في ملامحي الرعب، وكانت غيوني علىٰ وشك البُكا من خوفي، فـ كمل والده وقال_ماتفهموني أيه الحكاية؟!
رد ياسين، وقال_ الحكاية وما فيها إن عفريت الست ليلىٰ بيطارد الأخت دي.
رد والده بسُخرية، وقال_ عفريت أيه وهبل أيه يابني، أنت من أمتىٰ بتصدق في الخرافات دي؟!
هز ياسين راسه بالإيجاب، وهو بيقول_ أما شوفت يابويا صدقت، أما شوفت بعيني.
قال بإستغراب لكلامه_ إزاي؟!
ومن هنا بدأت احكيله كل شيء مر بيا من أول لحظة دخلت فيها الشقة دي وصولًا لأخر ليلة قضيتها فيها، لحظتها رد بسُخرية، وقال_ الظاهر إنكم مجانين واتهفيتوا في عقولكم.
رد ياسين، وقال_ يا بابا…
قاطعه بنفس السُخرية، وهو بيحرك كُرسيه المُتحرك وبيبعد عننا، وبيقول_ بس ياهبل عيب علىٰ طولك، ما صحيح اتلك الموكوس علىٰ خايب الرجا.
مشي وسابنا، ووقتها بس اتلاقت نظرات عيوننا، ومقدرناش لحظتها نمنع ضحكتنا من إنها تطلع وتسمع في المكان.
وبعد ما نوبة الضحك انتهت بينا، وقفت قصاد ياسين، وقُلت بخوف باين في ملامحي قبل ما يبان في نبرة صوتي_ وبعدين هعمل أيه؟!
وقتها وبنفس النظرة اللي بقت مألوفة مؤخرًا، نظرة حد مش بيكذبني، بس كمان مش راضي يسيبني أغرق في خوفي لوحدي، قال بهدوءه_ الشقة دي مش قاصدة تخوفك، هي بس عايزة حد يسمعها.
بلعت ريقي بصعوبة من خوفي، وإيدي كانت مش ثابتة زي كل مرة بفتح فيها بابها، وقُلت_ نعم اسمعها، أسمعها إزاي؟!
جُملة طلعت مني وكانت أقرب للرفض منها للسؤال، فـ كمل، وقال_ لو عايزة رأيّ ترجعيلها من غير ما تحاربي اللي فيها، ومن غير ما تهربي أول ما تنطق باللي عايزة تقوله.
قُلت بانفعال أثر خوفي_ أنت فاهم أنت بتقول أيه، أنا بشوف كوابيس وأنا صاحية في الشقة دي، إزاي بتطلب مني اتعايش معاها ومهربش منها؟!
ابتسم يطمني، وقال_ بطلب منك كده عشان عارف إن قلبك حديد، ماهو ميقفش في المحكمة وقفتك إلا واحدة تاكل الظالم أكل لو فكر يمس مظلوم بسوء، وجايز الشقة دي بتدور علىٰ حد يسمع ظلم قديم اتدفن جواها، ها هتسييي حق مظلوم يضيع؟!
قُلت بخوف باين_ أنا اللي هضيع لو فضلت فيها يوم تاني.
قال بنفس نبرته الهادية، وهو بيحاول يطمن خوفي_ متقلقيش أنا جمبك، بمُجرد بس ما تنادي باسمي هتلاقيني عندك.
سكتّ بتفكير مخالطه القلق والخوف، فـ كمل، وقال_ ها قُلتِ أيه؟!
___
دخلت الشقة وأنا بقدم رجل وبأخر التانية، الحقيقة إنها كانت هادية هدوء معتادتوش فيها، كل شيء كان علىٰ وضعه الطبيعي، الأثاث في مكانه، النور ثابت، حتىٰ الهوا كان ساكن، للحظة حسيت إني يمكن كُنت ببالغ، ويمكن خوفي هو اللي كان بيخلق حواليا كل ده، كُنت ماشية بخطوات هادية، وبدقق في كل رُكن في المكان، وكأني بدور علىٰ أي حاجة تثبتلي إن اللي فات كان حقيقي، ولكن ملقتش أي أثر لشيء غريب لا صوت ولا حتىٰ حركة، لوهلة تخيلت إن بمعرفة ياسين للي بيحصل المشكلة اختفت، وكأن المكان مش عايز غيري يعرف اللي فيه، والحقيقة إني حسيت بأمل إن يكون الكابوس خلص، والأيام اللي هتقابلني بعديه هتكون سلام وهدوء علىٰ قلبي عوضًا عن اللي فات من خوف.
دخلت أوضة النوم، ووقفت عند بابها لحظة، وكأني كُنت متوقعة أو منتظرة أي شيء يشق السكون حواليا ويكسره، بس مفيش، الأوضة زي ما هي، سرير، تسريحة، دولاب
كل حاجة كانت في مكانها بالتمام وعلىٰ نفس وضعها الحالي، قربت خطوات من السرير، وقعدت عليه، وأنا عيوني بتتأمل المكان بحذر، دقايق وأنا علىٰ نفس وضعي، وقتها اتنهدت، وبهدوء فردت جسمي علىٰ السرير، واتغطيت باللحاف المفروش عليه، عيوني فضلت متعلقة بالسقف دقايق، لوقت ما أنفاسي بدأت تهدي، وجفوني من بعدها تقلت، وقبل ما النوم يزور عيوني بـ لحظة، الصمت من حواليا اتكسر، وحصل اللي كُنت مُنتظراه.
الأوضة اتغيرت من تاني، والأثاث اتبدل، حتىٰ الإضاءة بقت أهدىٰ وأدفىٰ، ومايل لونها للأصفر أكتر، حتىٰ السكون اتشق بـ موسيقىٰ هادية مصدرها جرامافون محطوط علىٰ كومود في رُكن من أركان الأوضة.
ووقت ما جيت ارفع راسي بهدوء من علىٰ المخدة، لاحدت الباب اللي اتفتح عليا، فـ بسُرعة رجعتها تاني للمخدة، وداريت وشي بـ اللحاف، ومسبتش إلا فتحة صُغيرة اشوف منها اللي بيحصل، وقتها لمحت اللي هلت عليا بـ طلتها من تاني، لكن المرة دي كانت لابسة روب وردي رقيق، وداخل من وراها راجل من الواضح إنه صاحب الصوت في المرة اللي فاتت، وقتها قربت من البانكيت اللي كان قدام السرير وقعدت عليه، فـ قرب منها هو كمان، ووقف قُصادها ورفع وشها بإيده لأجل تتلاقىٰ عيونهم، وقالها بنبرة رغم هدوئها إلا إنها كانت مُخيفة ليا_هتفضلي زعلانة مني كتير؟!
بعدت لحظتها عيونها عنه بسُرعة، وقالت_ وهفضل مخاصماك كمان.
ضِحك ضِحكة رغم هدوئها فـ كانت
مُقبضة ليا، وقال_ ميهونش عليا زعلك يا كتكوتة.
وجهت نظراتها من تاني لي، وقالت_ بس يهون عليك سمعتي بين الناس، يهون عليك كلامهم السم عني، واتهامهم في شرفي.
رد، وقال بنبرة بدأ يبان فيها غضبه_ وبعدهالك يا ليلىٰ، مش هنبطل كللم في الحكاية دي ولا أيه؟!
وقتها هي كمان بان انفعالها، وقالت_ لا يا عز مش هنبطل طول ما أنت رافض تعلن جوازنا وتخليه رسمي قدام الناس.
زاد غضبه، وقال_ فستان فرح ومرضيتش احرمك منه، وشقة في مكان مكُنتيش تحلمي بيه وجبتها، أنتِ عايزة أيه تاني؟!
بنفس انفعالها قالت، وهي عيونها عليه_ عايزة حقي فيك.
رد بعصبية، وقال_ ملكيش حق عندي أكتر من اللي خدتيه.
وقتها قامت وقفت قُصاده، وبان عليها عصبيتها، وقالت_ هو أنت شايف إن كل حقوقي هي حتة الورقة اللي في السر بينا، أنت شايف إن مراتك هي اللي تستاهل تتمتع بيك وتعيش كرامتها مرفوعة بين الناس، وأنا هنا أعيش معاك في الضلمة وأبقى خايفة لو حد يحس بينا؟!
قرب منها خطوة، لدرجة إن المسافة بينهم تصبحت معدومة، وقال بهمس، وهو بيجز علىٰ شفايفه بغضب_ خلي بالك من كلامك يا ليلىٰ.
ضِحكت بسخرية، ضِحكة مكسورة أكتر ما هي قوية،
وقالت_ اخلي بالي ليه هخاف من أيه أكتر من اللي أنا فيه معاك، خلي بالك أنتَ من حقيقتك يا عز.
وقتها مقدرش يتمالك غضبه أكتر، وكف إيده علم علىٰ خدها، بضربة اتنفضت أنا في مكاني من قوتها، وقال_ لسة في كتير تخافي عليه يا ليلىٰ، كتير.
ختم جُملته وسابها وخرج، وفضلت هي في مكانها صوت بُكاها واصلني، لوقت مالفت وشها ليا، وهنا كان ملامحها اتبدلت لدرجة مرعبة، ملامح شاحبة باهتة، ملامح واحدة خالية من الروح، وكحل عيونها سايح لأجل يزيد لملامحها بشاعة.
للحظة حسّيت إنها شايفاني، مش مُجرد صدفة، لا، نظرتها كانت ثابتة ناحيتي أنا، كأنها عارفة إني موجودة، وعارفة إني شايفة كُل حاجة بينهم، وقتها اتخشبت مكاني، حتىٰ نفسي كُنت بكتمه بإيدي تحت اللحاف، وخايفة مجرد حركة مني تكشفني، أو يمكن تجذبها ليا.
عيونها فضلت ثابتة عليا ثواني طويلة، ثواني حسيتهم من تُقلهم عُمر بحاله، وبعدها ببطء، ببطء غريب مرعب ابتسمت، ابتسامة متشلهش لأي ابتسامة، لا كان فيها فرح، ولا حتىٰ سخرية، ابتسامة واحدة مُستسلمة، واحدة عارفة نهايتها.
وفاجأة اختفى كُل شيء زي ما بدأ بالتمام، الصوت والنور، حتىٰ وجودها، ورجعت الأوضة لشكلها الطبيعي، وأنا مرمية على السرير زي ما أنا، جسمي متخشب، وقلبي بينبض بعنف أثر اللي شوفته، والحقيقة إني معرفش وقتها النوم اللي زار عيوني، ولا إني استسلمت للإغماء و فقدت وعيّ أثر خوفي، ولكن كُل اللي اعرفه إن الليلة عدت حتىٰ لو معرفش إزاي.
___
أيام عدت وجرت معاها أسابيع ،ومع الأسابيع مرت شهور، لحد ما بقيت مش قادرة أحدد أنا بعيش يومي الحقيقي، ولا مستنية الليل عشان أعيش يوم من أيامهم، في كل مرة كانت الأوضة بتتبدل، كنت بشوف حتة جديدة من حكايتهم مرة خناقة، مرة صمت، مرة دموع، أو حتىٰ لحظة هدوء وملاطفة مُزيفة، الغريب في ده إني مبقتش بخاف زي الأول، الخوف اتحول لحاجة تانية، اتحول لفضول، أو يمكن إحساس إني بقيت جزء من اللي بيحصل، ومع كل ليلة بمسك في خيوط الحكاية أكثر وبربط بينها، لأجل تكمل الصورة قصاد عيني وافهم.
وفي واحدة من القضايا الموكلة فيها، واللي الحقيقة كان لامسة جزء موجع خفي في قلبي، فهي قضية رؤية مرفوعة من جهة الأب، دخلت فيها قاعة المحكمة وأنا بحاول استعيد ثباتي، وبدأت الجلسة، وبدأت مرافعتي معاها وأنا بقول_سيادة القاضي أنا لست هنا اليوم لأسقط حضانة الأم لطفلتها، رغم أنها مخالفة للقانون بمنعها الأب من رؤية طفلته في المواعيد المُقررة له، ولكن أنا هنا لأُكسب هذه الطفلة حقها الطبيعي في رؤية أبيها والتنعم في حنانه.
وجهت عيوني للأم، وأنا بشاور عليها، وبقول_ هذه الأم تمنع صغيرتها من أبيها، وتعمم حكمها عليه، فكما رأته زوجًا غير مناسبًا لها، فتعتقد إنه من الضروري أن يكون أيضًا أب غير صالح، ولكن شتان بين الدورين، فما يربط بين الأب وابنته أكبر واقوىٰ من أن يمس، فتظل الابنة حاملة لاسمه ودمه مهما عاصرهما من ظروف، علاقة لا انقطاع لها حتىٰ بانقطاع الأجل، بعكس الزواج الذي ينتهي وتنتهي معه علاقة الزوج بزوجته.
رجعت عيوني للقاضي، وقُلت بنبرة بان فيها رجفتها، والغصة اللي بحاول اداريها في حلقي_ هذه الطفلة يا سيادة القاضي من حقها أن تعيش حياة هادئة سوية مثل باقي أقرانها، حياة ترىٰ فيها الأم وتستشعر حنانها، وترىٰ أيضًا الأب وتستشعر عطفه وترىٰ منه حزمه، تراهم سويًا حتىٰ وإن كانوا الأن ليسوا كما سبق أسرة واحدة، ترىٰ حبهم لها، وتفضيلهم لمصلحتها النفسية حتىٰ وإن كان ذلك علىٰ حساب خلافاتهم، طفلة كل ما تبحث عنه في أبويها هو الأمان، الأمان الذي لو فقد لن تموت، ولكن ستكبر بنسخة مشوهة منها نفسية، نسخة تبحث عنه في كل عابر سبيل في حياتها، نسخة لا تصلح لنفسها ولا عونًا لمجتمعها الذي يقوم ويزدهر بابناءه.
سكتّ لحظة بستجمع فيها أنفاسي، وأنا بحاول استعيد ثباتي، وبعدين كملت بنبرة أوضح، وأنا بقول_ هذه الطفلة يا سيادة القاضي ليست ساحة لتصفية خلافات الأهل، ولا وسيلة للإنتقام بين طرفين انتهت علاقتهما الزوجية.
وجهت نظراتي للطفلة اللي قاعدة في حضن والدتها، ضامة نفسها بخوف، وكأنها فاهمة أكتر من سنها اللي ميتخطاش سن المدرسة، واللي حاسة وكأني بشوف سنين عُمري فيها، وكملت، وقُلت_ هذه الطفلة ليست عقوبة لأحد، ولا ملكًا لأحد، بل هي إنسان له حق أصيل في أن يعيش حياة متوازنة، يرى فيها والديه دون أن يُجبر علىٰ اختيار أحدهما ضد الآخر.
رجعت عيوني للقاضي من تاني، وقُلت بثبات ووضوح_لذلك، أطلب من عدالتكم تنظيم حق الرؤية بشكل صارم وواضح، بما يضمن للطفلة حقها الكامل في وجود الأب في حياتها، دون أن يتحول الأمر إلى ساحة صراع جديد بين الطرفين.
سكتّ، وسكتت القاعة من حواليا، وبعد مطالعة القاضي علىٰ أوراق القضية، حسم الأمر، وقال_ بعد الإطلاع علىٰ أوراق الدعوىٰ، وسماع أقوال الطرفين، وما قدم من مستندات، وما ثبت للمحكمة من واقع الحال، قررت المحكمة إلزام الطرفين بتنفيذ حكم الرؤية وفق الجدول القانوني المحدد دون تعطيل أو منع، مع إنذار المدعى عليها بضرورة الالتزام التام بمواعيد الرؤية، وإلا تعرضت للمساءلة القانونية.
وقتها اتنهدت بشيء من الراحة، ووجهت عيوني للبنت، وودعتها بابتسامة انتصار وكأني بطمنها علىٰ حقها اللي رجع، حتىٰ لو هي مش فاهماه.
من بعدها طلعت من القاعة، وعلىٰ واحدة من درجات سلم المحكمة قعدت بقلة حيلة، وكأني خارجة من معركة مهزومة رغم انتصاري في الجلسة، فـ أنا خسرت أهم شيء كُنت بطالب بيه للبنت، خسرت أماني.
عيوني راحت لنقطة من فراغ، وشردت ببالي في زمن فات أوانه.
_ ماما، أنتِ
فين يا ماما؟!
جُملة قُلتها، وأنا صاحية مخضوضة من نومي، وطالعة الصالة، وبدعك في عيوني، افتكر يومها إني مكُنتش تخطيت العشر سنين، وقتها وجه عاصم واللي بالمُناسبة بيكون زوج والدتي نظراته ليا، وهو قاعد قُصاد التلفزيون، وقال بنبرة مكُنتش فاهمة مغزاها وقتها_ تعالي يا مَريومة، تعالي يا حبيبتي، ماما راحت لتيتة عشان تعبت شوية، تعالي نامي في حضني أنا هنا.
ونظرًا وقتها لحرماني من وجود أبويا ومنعه عني، جريت علىٰ حضنه، فـ كُنت شايفة فيه الأب اللي غايب، ولكن حضنه ده وقتها مكانش الأمان ليا، بل جحيم كُنت هفقد فيه نفسي، فـ لمسته ليا مكانتش لمسة حنان بريئة من أب، بل لمسة مُقبضة من ذئب وقعت في إيده فريسة ضعيفة، لمسة جسمي اتخشب أثرها، ونفسي ضاق بيا، وقلبي أصبح مسموع حتىٰ لي هو، ولكن سبحان من اداني رغم صُغري سنًا وحجمًا القوة والوعي اللي بيها أهرب من قبضته عليا، ومن البيت كمان كُله.
مقطعش شرودي في اللي فات إلا صوت ياسين، وهو بيقول_ مَريم أنتِ كويسة؟!
وقتها فُقت للواقع من حواليا ولي، وحاولت ارسم ابتسامة علىٰ ملامحي حتىٰ لو زايفة، وهزيت راسي بالإيجاب.
قعد علىٰ درجة من درجات السلم هو كمان، وقال_ في أيه مالك؟!
حاولت استعيد طبيعة ملامحي، واداري حزنها، وقُلت بهدوء_ أنا تمام متقلقش.
رفع حاجبه بمشاكسه خفيفة، وقال_ اوعي الست ليلىٰ تكون مزعلاكِ في حاجة كده ولا كده، بالله اقتلها أكتر ما هي مقتولة.
ضِحكت ضِحكة صغيرة رغم تعبي، وقُلت وأنا بحاول اداري حزني، وابدله قصاده لمرح_ لا دي بقت حبيبتي، ده أنا بقيت بمسي عليها كل يوم، واتجنن كده لو غابت عني، ده أنا ناقص اقوم اضايفها واعملها خربوش شاي يروق عليها.
ضِحك، وقال_ لا قلبك مات وبقيتِ حديد.
بادلته الضحكة، وقُلت_ ياعم ده أنا بقيت بحضر الفشار وبستنى حلقة كل يوم، وكسبت تناحة وخدت مناعة وبقيت أيه حاجة ١٣ خالص.
كمل بنفس المُشاكسة، وقال_ وأيه أخبارهم الولاد دول معاكِ؟!
حطيت رجل علىٰ رجل، وقُلت بنفس المرح _ والله يا سي ياسين تعبوني الولاد كل يوم خناق وضرب، وشوية كمان وهنجيبهم من برنامج المسامح كريم.
ضِحك، وقاسمته الضِحكة، لحد ما هديت ملامحه شوية بشوية، وقال بنفس المشاكسة_ أيوه كده يا شيخة اضحكي أبو اللي يزعلك، ويخليكي قاعدة تبكي علىٰ الأطلال في محكمة الأسرة كده، هتوقفي حالك يا منيلة، واللي هيشوفك هيقول جوزك هج وراماكِ بدستة عيال.
ضِحكت من وصفه، وقُلت_ قوم يا ياسين الله يهديك، قوم اتكل علىٰ الله جلستك بدأت من بدري وأنت سايبها، قوم الله يساهلك.
ضِحك، وقال_ بتوزعيني يا مَريم، مـــاشي يبقي شوفي مين هينجدك من ايد ليلىٰ بليل، ابقي قابليني لو فتحتلك تاني.
سابني ومشي، وفضلت أنا واقفة شوية مكاني بابتسامة لسه مرسومة علىٰ ملامحي، واللي بهتت باختفاءه عن عيوني شوية بشوية، من بعدها مشيت وخرجت من المحكمة، وأنا جوايا إحساس إن الليلة دي هتكون غير أي ليلة سبقتها، وإن حكاية الشقة لسة بتبتدي مخلصتش.
___
رجعت البيت بعد يوم طويل ومُرهق قضيته ما بين المكتب والمحكمة، وبمُجرد ما دخلت من الباب وقفلته سندت ضهري عليه، وغمضت عيوني للحظات، وكأني بحاول فيها ارمي حِمل الأيام من فوق كتافي، لوقت ما فتحتها مرة تانية وأنا بتنهد بتعب، وبدخل علىٰ الاوضة، وببدل هدومي، وأنا بدعي من قلبي إن الليلة تعدي بسلام، فكُل اللي كُنت محتاجاه هو إني أنام، أنام ويسكت كُل شيء حواليا حتىٰ دماغي وتفكيرها في الماضي اللي مبيرحمنيش، بعدها اترميت علىٰ السرير، وعيوني اتعلقت بالسقف لحظات، لحظات شردت فيهم ورجعت ببالي لزمن فات.
_أنتِ أم فاشلة، أم متستحقش النعمة اللي ربنا من عليكِ بيها لما ادالك البنت دي.
جُملة لحظتها قالها والدي لوالدتي بانفعال، فالحقيقة إن وقتها كان باين عليه خوفه عليا وغضبه كمان منها، بعد ما قضىٰ اليوم بطوله يدور عليا في الشوارع بعد ما هربت من بيت والدتي، وقدروا أخيرًا يوصلولي في واحد من أقسام الشرطة، واللي وصلت لي عن طريق واحد من الناس الخيرة اللي لاقاني تايهة.
وقتها كُنت واقفة ورا ضهر والدي مستخبية فيه، وكأني بتدارىٰ فيه من الدنيا وقسوتها اللي كانت هتطولني، وإيدي متبتة في هدومه، كأني لو سيبته هتوه من تاني.
ماما كانت واقفة قصاده، عيونها حمرا من كتر البُكا، لكن صوتها كان عالي، مليان غضب منه، زهي بتقول_ أنت فاكر نفسك أنت اللي أب صالح، فاكر إنك ملاك مبتغلطش، وأنا بس اللي وحشة؟!
بنفس انفعاله وعصبيته رد، وقال_ لا يا نادية مش ملاك، بس مش روحت اتجوزت واهملت البنت لدرجة إنها تتطفش من البيت وكانت هتروح مني.
عضت علىٰ شفايفها بغضب منه، وقربت مني، ونزلت لمستوايا علىٰ الأرض، وقالت وهي بتحاول تهدي نبرة صوتها، وتداري غضبها منه_ مَريم حبيبتي خرجتي إزاي من البيت يا ماما، في حد يعمل كده ويمشي من غير ماما ما تعرف؟!
وقتها الدموع غلبت عيوني ونزلت، وقُلت ببراءة، وأنا بتبت أكتر في هدوم والدي_ بابا عاصم خوفني، فـ جريت منه.
وقتها بان في عيون والدي الغضب أكتر، ولكن حاول يتماسك ويداريه، ونزل هو كمان لمستوايا، وقال_ عمل أيه عاصم يا مَريم عشان كده جريتي منه؟!
وجهت نظراتي البريئة لي، ودموعي بتتسابق وبتنزل من عيوني، وكلامي طالع متقطع أثر شهقات بُكايا_كان، كان بيقولي تعالي في حضني، وبعدين…
سكتّ، ومقدرتش انطق، وقتها الكلام كان اتقل من إنه يتقال علىٰ لسان طفلة، بس خوفي وقتها كان قادر ينطق باللي عجز لساني عنه، ورجفة جسمي كانت قادرة تقول كُل اللي حصل، وقُلت ما بين شهقات بُكايا_ أنا خوفت، خوفت أوي يا بابا.
ملامحه اتشدت، وإيده اللي كانت على كتفي مسكتني أقوى، كأنه بيطمني وبيحاوطني في نفس اللحظة، وعيونه اتحولت لنار صريحة المرة دي، ورفع راسه ووجه نظراته لماما، وقال بصوت مقدرش يمنعه من إنه يعلىٰ_أنا قولتلك قبل كده، قولتلك يا نادية.
ماما وقفت مكانها، ملامحها اتبدلت ما بين صدمة وإنكار، وقالت بسرعة_ أنت بتلمّح لإيه، عاصم عمره ما يعمل كده.
رد بعصبية باينة في ملامحه قبل صوته_بنتي مبتكدبش.
شدّني لحضنه، وكأن القرار اتاخد خلاص، وقال بنبرة حاسمة_مَريم مش هترجع البيت ده تاني سامعة.
صرخت ماما من وراه_ يعني أيه مش هترجع، دي بنتي.
قال بنفس انفعاله، وعيونه اللي باين فيها نار غضبه_ ودي بنتي ومش هسيبها تاني، ولا هسيب حقها من الحيوان جوزك.
قربت مني خطوة، وقالت بصوت واطي، مهزوز_مَريم.
بس أنا وقتها تبت في هدوم بابا أكتر، ودفنت وشي في حضنه، وكأني بختار مكاني لأول مرة، بس الغريب إن اللحظة دي رغم أمانها، إلا إنها كانت بداية لحاجات كتير اتكسرت جوايا.
مفقتش من شرودي إلا علىٰ صوت باب الأوضة اللي اتفتح عليا شوية بشوية، وبيدخل منه صاحب الصوت الرجولي المُعتاد، رفعت راسي لفوق شوية لأجل أشوف
اللي بيحصل، لقيت إن المكان اتبدل من تاني، والمرة دي كانت قاعدة علىٰ التسريحة، وهو قرب بخطواته لأجل يبقىٰ ورا ضهرها، وقال وهو بيحاول يهدي من نبرته_ وبعدهالك يا ليلىٰ هتفضلي تلاعبيني كتير، أنا اللعب معايا مش سهل.
ضِحكت بسُخرية، ولفت وشها لي، وقالت_ وأنا اللي معايا برضو ليك مش سهل.
بعدها قامت، وهي بتتمشىٰ في الأوضة بخطوات هادية، وبتقول بنبرة باين فيها تهديدها رغم هدوئها_ يعني تخيل معايا كده لما يقع في إيد حد الورق اللي يخص شركاتك، تخيلت قولي بقىٰ حسيت بأيه؟!
نار غضبه بانت في عيونه، وقال بنبرة بيحاول يسيطر فيها علىٰ عصبيته_ ليلىٰ.
ضِحكت ضِحكة عالية، وهي بتقول بدلع_ يا عيونها؟
قال وهو واقف حاطط إيده في جيوبه، وبيعض علىٰ شفايفه من غضبه، وبيقول_ عايزة أيه مني؟!
وقتها قعدت علىٰ البانكيت، وهي بتحط رجل علىٰ رجل، وبتربع إيديها، وبتقول بثقة باينة في نبرتها_ عايزة حاجة بسيطة أوي وأنت عارفها، عايزة أبقىٰ مراتك قدام الناس، وليا فيك زي ما ليها، سهلى أهو.
قال بعصبية بدأت تبان في نبرته_ قُلتلك مليون مرة إنه مش هينفع، أيه مبتفهميش؟!
قامت وقفت قُصاده، وقالت بشيء من التحدي لي_ خلاص أنا اخليه ينفع، ماهو لو الورق وقع في ايد الشرطة هيسجنوك، ووقتها هي مش هتقبل علىٰ نفسها تكون علىٰ ذمتك وتطلق، وأنا استناك لما تطلع علىٰ خير من السجن كده ونتجوز رسمي، شوفت بسيطة إزاي.
قال بانفعال بان في ملامحه قبل نبرته_ أنتِ مجنونة، أنتِ أكيد مجنونة.
وقتها انفعلت هي كمان وزال هدوئها، وقالت بعصبية واضحة_ أيوه مجنونة، مجنونة أما قبلت علىٰ نفسي أكون في الوضع ده عشان بحبك، مجنونة أما جبت لنفسي ولأهلي الكلام عشان قلبي اللي ضِحكت عليه وعشمته بـ حُبك، مجنونة أما سبت أمي تموت بقهرتها من كلام الناس عن شرفي، وعن إن بنتها مرافقة البيه اللي بتشتغل عنده، مجنونة عشان حبيتك وبيعت نفسي واشتريتك.
سكتت لحظة، وأنفاسها كانت عالية، وقلبها دقاته علىٰ وشك تشق صدرها ويخرج منه ، وعيونها مليانة دموع بمنعها إنها تنزل قُصاده، ولكنها غلبتها ونزلت، من بعدها
رفعت عيونها لي من تاني، وقالت بصوت أوطى، ونبرة مهزوزة باين فيها كسرتها_ وأنت ولا مرة حتى فكرت تشتري خاطري يا عز.
قرب منها خطوة، وقال بنبرة رغم هدوئها اللي بيحاول يبينه مُقبضة_ الورق فين يا ليلىٰ؟!
ضِحكت بإستفزاز لي، وقالت بمُنتهىٰ البرود_ نجوم السما اقربلك يا روح ليلىٰ.
جزّ على سنانه، وغضبه بقى واضح من غير ما يخبيه، وقال_أخر مرة بسألك فين الورق؟!
هزت راسها برفض، وبنفس التحدي، قالت_وأنا أخر مرة بقولك مش هتاخد حاجة غير لما تاخدني معاك للنور.
لحظة سكون تقيلة سادت بينهم وطال وقتها، ومقطعهاش غير صوته اللي حاول فيه يبدل نبرته من عصبية لحنية م مُفتعلة، وهو بيقعد جمبها، وبيقول_ ماشي يا ليلىٰ أنا موافق علىٰ اللي أنتِ عايزاه.
وقتها بان لمعة الفرحة في عيونها، وهي بتقول بـ لهفة_ بجد يا عز؟!
ابتسم ابتسامة مداري ورا منها مكره، وطبطب علىٰ خدها، وهو بيقول_ جد الجد كمان، قومي اجهزي وأنا هاخدك حالًا وانزل أعلن جوازنا قدام العالم كله.
ضكت دراعه بفرحة، وهي بتقول بمُنتهىٰ السعادة_ يا حبيبي يا عز، يا حبيبي.
بنفس الابتسامة المُقبضة، قال_ يلا.
لحظات بدلت فيها لبسها لفستان أبيض بنفس رقتها، ومن بعدها قعدت قصاد التسريحة تحط اللمسات الأخيرة لجمالها، وباين في عيونها فرحتها، لوقت ما دخل عليها من تاني، وقرب منها بابتسامته الخداعة، فـ قامت بسعادة وهي بتترمس في حُضنه، وبتقول بكُل حب_ أنا بحبك يا عز، بحبك.
مكانتش تعرف بالسكينة اللي مداريها في إيده ورا ضهره، واللي رد علىٰ كلامها بيها، لأجل تسكن ضهرها، وهو بيضحك بسُخرية، وبيقول_ وأنا كمان يا ليلىٰ بحبك.
وياريته لحظتها استكفي بـ ده، بل زاد في طعنها طعنة واتنين، وتلاتة، لوقت ما الفستان الأبيض اتلون بالأحمر من دمها، في نفس الوقت اللي صوت الجرامافون بدأ يعلىٰ ويعلىٰ، للدرجة اللي مكانتش قادرة استحمل اسمعها، و
في كل طعنة كان بيوجهها لجسمها كان جسمي أنا بيتنفض من خوفي، وبتبت بإيدي في اللحاف أكتر، ونفسي بيضيق أكثر وأكتر، وكأن روحي بتقاسم روحها في الطلوع.
صوت ضحكته وهو بيطعنها كان أبشع من الطعن نفسه، ضحكة باردة، خالية من أي ذرة إنسانية أو رحمة، لوقت ما وقفت الطعنات، وسكن جسمها الأرض قُصاده، والسكون ساد، ومبقاش بيقطعه إلا صوت أنفاسه، ووقف ثواني عيونه عليها، مكانش نظرة ندم أو خوف، لا كان تأكد من موتها، وبهدوء مال علىٰ جثتها، سحب منها السكينة اللي ساكنة فيها وقادرة تدينه، بعدها لف ضهره ليها وخرج، وبصوت قفلته للباب اختفىٰ كُل شيء من حواليا، ورجع المكان لما هو عليه من حداثة، قُمت وأنا برتجف من خوفي، ورجلي أضعف من إنها تشيلني، قُمت وأنا بحاول أخرج من الشقة، ولكن بنفس الطريقة اللي اتحدفت فيها الورقة اللي فيها اسمها علىٰ ياسين، قبل ما أوصل باب الشقة، حسيت اني دوست علىٰ شيء بان صوته تحت رجلي، وقتها عيوني راحتله، فلاقيته ظرف، ظرف قديم باهت لونه، وجهت نظري لي بخوف، وملت عليه لأجل اخده، من بعدها فتحته بهدوء، وطلعت منه ورقة بنفس لون الورقة اللي فاتت اللي بهتت أثر الزمن، ولكن المرة دي كانت ورقة جواز عرفي باسمها، اسم ليلىٰ، عيوني بسُرعة راحت لاسم الزوج وهويته، واللي نطقته بإستغراب، وتفكير وأنا بقول_ عز، عز السيوفي!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!