قُلت بهدوء، وأنا باخد رشفة من قهوتي_ بالمُناسبة أنا هشتغل عند عز السيوفي.
رفع حاجبه باستغراب، وهو بيقول_ نعم، تشتغلي أيه؟!
وجهت عيوني لي، وأنا بقول _ خدامة.
قال بصدمة واضحة في ملامحه قبل كلامه_ نـــعم؟!!
قُلت بنفس هدوئي ولا كأني لسة قايلة شيء غريب_ أيه يا ياسين، في أيه؟!
رد بانفعال واضح وعصبية ظاهر، وقال_ في إنك اتهبلتي في دماغك يا مَريم، قال تشتغلتي في بيت عز قال، أنتِ جرىٰ لمخك حاجة صح؟!
وجهت نظراتي لي، وقُلت بنفس الهدوء_ ممكن تهدىٰ وتسمعني، الراجل ده وراه كتير مدفون، وراه اللي بيطاردني أنا، وأنا متعودتش أهرب، وواثقة إن دخولي بيته هيوريني كتير عنه، والمتداري هيبان.
بنفس عصبيته قال_ مجنون أنا عشان اسيبك تروحي بيته، وتعيشي عنده صح؟!
نظرات عيوني اتوجهت لي بثبات، ونبرتي فضلت هادية رغم عصبيته، وقُلت_مش محتاجة إذن منك يا ياسين، أنا بقولك عشان تبقى فاهم، مش عشان توافق.
بنفس عصبيته قال_أنتِ سامعة نفسك بتقولي أيه، أنت رايحة تعيشي في بيت واحد شوفتي غدره بعيونك، رايحة تقديمله عُمرك علىٰ طبق من دهب.
أخدت نفس هادي، وعيوني ثابتة في عيونه، وقُلت بنبرة رغم هدوئها إلا إنها حاسمة_أنا مش رايحة أقدمله عمري، أنا رايحة أخد منه حق واحدة اتاخد منها عمرها، وحق بلد بيتنهب خيرها وبيروح لغيرها.
سكتّ لحظة، من بعدها كملت، وقُلت_وأنا مش داخلة عليه بشخصيتي، ولا باسمي، ولا حتىٰ بحقيقتي، أنا داخلة عليه وهو فاكرني ولا حاجة.
هز راسه بعصبية، وقال_ولا حاجة، ده اللي زيه بيشم الخطر من علىٰ بُعد، أنتِ فاكرة نفسك أذكىٰ منه؟!
رديت بهدوء، وقُلت_ جايز مكونش أذكىٰ منه، ولكني استعداد للمخاطرة في سبيل الحق.
صوته وطي، ونبرته بان فيها صدق خوفه، وهو بيقول_ وأنا مش مُستعد أخاطر بيكِ.
لوهلة حنية جُملته وقفتني، ولكني بسُرعة رجعت لثباتي، وأنا بقول_ سيبها علىٰ الله يا ياسين، ولو خايف عليا بجد ساعدني أعملها صح، بدل ما تمنعني وأعملها لوحدي.
سكت، ووجه عيونه ليا بـ نظرة طويلة، نظرة مليانة صراع واضح بين خوفه عليا وبين استسلامه لإصراري، واتنهد بضيق من عنادي، وقال باستسلام مخالطه عصبيته اللي حتىٰ لو غابت عن نبرة صوته فـ مازالت باينة في ملامحه_
أنتِ مبتديش لحد فرصة يرفض، صح؟!
مردتش علىٰ جملته بس عيوني كان نطقها كفاية، فـ لف وشه بعيد لحظة، وبعدين رجع عيونه ليا من تاني، وقال بجدية_طيب تمام يا مَريم، بس تسمعي الكلام بالحرف، سامعة؟!
هزيت راسي بموافقة علىٰ كلامه، فـ كمل، وقال_ “اللي أنتِ ناوية تعمليه ده مش لعب عيال، ده راجل لو حس بنسبة واحد في المية إن في حاجة غلط مش هيعديها.
سكت لحظة، وبعدين قال وهو مركز في عيوني، وقال_هتدخلي بيته بس مش بشخصيتك، ولا حتىٰ بطريقة تفكيرك دي.
ختم جُملته وهو بيشاور بإيده علىٰ عقلي، وكمل من تاني بنفس الجدية، وقال_ هتبقي حد تاني خالص، بسيطة، ساكتة، مبتسأليش، مبتبصش حوالينك كتير، خدامة فعلًا، جاية تدور علىٰ لقمة عيشها، مش واحدة داخلة تدور في البيت علىٰ أسرار.
بلعت ريقي بصعوبة، وهو كمل بنبرة اهدىٰ ولكن أتقل_
كُل حركة هناك محسوبة، وكُل كلمة ليها وزن، والغلطة الأولىٰ هتبقىٰ هناك الأخيرة، فاهماني يا مَريم الأخيرة.
هزيت راسي بخوف بحاول اداريه عنه، فـ كمل، وقال_ وأنا مش هسيبك كده وخلاص، كل خطوة هكون في ضهرك ومعاكِ.
سكت لحظة، وكأن كلامه خلص، بس عيونه لسة عليا، بيدور فيها علىٰ أي تردد، أو أي خوف ممكن يخليني أرجع، لكن ملاقاش.
قُلت بهدوء، رغم دقات قلبي اللي بتتسابق من سرعتها_
فاهمة وعارفة أنا داخلة علىٰ أيه.
هز راسه بنفي خفيف، وقال_ لا يا مَريم أنتِ فاهمة اللي باين بس، إنما اللي جوا ده حكاية تانية خالص.
سكت ثواني، وبعدين صوته نبرته بقت أحن، وقال_بس طول ما أنا معاكِ مش هسيب حاجة تأذيكِ.
الكلمة وقفتني لحظة، مش عشان معناها، لكن عشان إحساسها، إحساسها اللي معتادتوش من حد قبل منه، ولكن بسُرعة فُقت لنفسي، ورجعت لثباتي، وقُلت_ هبدأ من أمتىٰ؟
رد وهو بيحاول يرجع لعمليته، وقال_ من بكره هنبدأ نجهزك، لبسك، طريقتك، كلامك… حتىٰ مشيتك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقُلت_شكلها هتكون مُهمة تقيلة.
رد بنص ابتسامة، بس عيونه مكانش باين فيها هزار_دي مش مُهمة، دي حرب داخلينها.
___
عدا بينا كام يوم مغفلناش فيهم عن أي شيء ممكن يأهلني للمُهمة اللي داخلة علبها، لوقت ما جالي التمام من أم أحمد، وطلبت مني أحضر في ڤيلا عز السيوفي، وقتها جهزت شنطتي، واتخفيت ورا عباية سودا بتدارىٰ فيها، وقبل ما انزل من البيت، وبنظرة وداع للمكان اللي يمكن ارجعله ويمكن ملحقش، اتنهدت، وقُلت وأنا موجهة كلامي ليها حتىٰ لو مكانتش ظاهرة أو موجودة_ أنا هغامر بعمري عشان عُمرك.
سكتّ لحظات، من بعدها كملت، وقُلت_ رغم إن عُمرك أنتِ اللي رخصتيه لي أما غاوكِ ووافقتيه، وضيعتِ معاه حقك وحياتك بإيديكِ.
اتنهدت، وكملت، وقُلت_بس مهما كان غلطك متستحقيش نهايتك تبقىٰ علىٰ إيديه، نهاية كلها غدر وخيانة، نهاية تتقفل من غير ما حد يدور علىٰ اللي كان سبب فيها.
سكت ثواني، من بعدها كملت، وقُلت_ وهو كمان ميستحقش، ميستحقش يعيش عُمره مرتاح البال مطمن.
ثواني كمان سكتّ فيهم، من بعدها قُلت بنبرة حاسمة_
عشان كده أنا رايحة، رايحة اجيب حقك، وحق كل ظُلم وقع علىٰ حد بسبه، وحق بلد بيتسرق قدام عيون ناسه، ومحدش قادر يوقفه.
اتنهدت، وبمُجرد ما خرجت من باب الشقة، لقيته واقف مستنيني، سانِد علىٰ الحيطة بضهره، وإيده في جيوبه، وكأنه بقاله شوية واقف كده، وأول ما لمحني، قال بنبرة باين فيها خوفه_ خلاص؟!
هزيت راسي بالإيجاب، وأنا بقول_ أيوه خلاص رايحة أهو.
سكتنا لحظة، وبعدين قال بهدوء_ فاكرة كل حاجة؟
هزيت راسي، وقلت_ أيوه أنا سماح، من بلد بعيدة، جاية أجري علىٰ أكل عيشي، ومليش في أي حاجة.
كمل هو تعليماته، وهو بيقول_مبتسأليش، مبتتكلميش إلا لو اتسألتي، ولو اتزنقتي…
قاطعته بهدوء، وقُلت_أقول معرفش.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال_شاطرة.
سكت شوية، وباين في ملامحه قلقه عليا، من بعدها قال_لو حسيتِ بأي خطر، أو بأي حاجة مش مريحة، تكلميني فورًا، فاهمة؟
هزيت راسي، وقُلت بثبات_فاهمة.
فضلت عيونه متعلقة بيا شوية، كأنه مش مقتنع، أو مش مطمن، قرب خطوة بسيطة، وصوته بقى أهدىٰ، وهو بيقول_خلي بالك من نفسك يا مَريم.
ضِحكت بخفة، واستحضرت الشخصية ولهجتها وأنا بقول_ سماح، اسمي سماح يا بيه.
ابتسم ابتسامة بسيطة، واتنهد، وبان عليه إنه لسه عايز يقول حاجة، بس دراها، واكتفى إنه يقول_ربنا يستر.
ابتسمت، وأنا بقول في ختام لُقانا_ متقلقش، هرجع.
___
وقف التاكسي قُصاد ڤيلا عز السيوفي، ونزلت قبل مني أم أحمد، وهي بتقول_ انزلي يا
بت مستنية أيه.
خطيت برجلي أول خطوة ليا بره العربية، مكان فاضي وهادي تحس إن مفيش سكان فيه، وڤيلا كبيرة بوابتها حديد عالية لدرجة تخلي اللي جواها ميتشافش، ولا يتوصله بسهولة، فـ كملت أم أحمد، وقالت_ تعالي ورايا.
بلعت ريقي بخوف بحاول اداريه، ونزلت عيوني للأرض زي ما اتعلمت، ومشيت وراها بخطوات محسوبة.
ورغم عيوني اللي في الارض، إلا إني قاكرة أشوف المكان من حواليا، فـ بمُجرد ما دخلت دخلت علىٰ جنينة واسعة شجرها مقصوص بالمللي، وأرضها نضيفة بشكل مبالغ فيه، بس مفيش روح، مفيش صوت، مفيش حركة، حتىٰ صوت العصافير غاب وكأنهم خايفين يقربوا منها.
وقفت أم أحمد فاجأة، فـ وقفت وراها على طول، والتفتت ليا، وقالت بصوت واطي_اسمعي كويس يا سماح اللي هقوله ده تحفظيه صم.
هزيت راسي بهدوء، فـ كملت، وقالت_ أنتِ هنا شغل وبس، ملكيش دعوة بحد، ولا تسمعي كلمة وتنقليها فاهمة؟!
رديت بهدوء، ومن غير ما ارفع عيوني من الأرض_ فاهمة يا ست أم أحمد، فاهمة.
كملت بنفس نبرة التحذير_ وفي أوض متتقربش منها، زي أوضة البيه الكبير ومكتبه، وأوضة كمان ابنه سي علاء بيه، وحتىٰ ولو شُفتي بعينك باب مفتوح، يبقىٰ كأنك مش شايفة حاجة.
هزيت راسي بالموافقة، فـ كملت من تاني، وقالت_ والبيه لو شوفتيه عينك تبقىٰ في الأرض، ولسانك في بوقك، ومتتكلميش غير لما هو يسألك.
هزيت راسي، وأنا بحاول اداري القلق اللي بدأ يزيد في قلبي، وامنعه يبان في ملامحي.
دخلنا من باب الفيلا، وأول ما خطيت فيها حسيت بقبضة سكنت قلبي، مكان رغم وسعه تحس هواه معدوم، مكان بارد وهادي زيادة عن اللزوم، للدرجة اللي مكانش بيقطع السكون فيها إلا صوت أنفاسي خطواتي، كل حاجة فيه كان مترتبة، مفيش حاجة غير في مكانها، كأن كل حاجة فيه معمولة علشان تبان كاملة، بس الحقيقة إنها فاضية، فاضية من أي إحساس وأي نفس، وكأنه مكان هجره أهله، وخدوا منه روحه، وغابت عنه الحياة.
لوقت ما وصلنا قدام مكتب، همستلي أم أحمد، وقالت_ هندخل دلوقتي لعلاء بيه نعرفه بيكِ.
هزيت راسي بتوتر، فـ خبطت خبطات بسيطة، ووقت ما سمعت الإذن دخلت، ودخلت من وراها وأنا عيوني مترفعتش من الأرض، فـ اتكلمت أم أحمد وقالت_ دي سماح يا علاء بيه اللي قُلت لحضرتك عنها، بت غلبانة وبتجري علىٰ لقمة عيشها.
حسيت بنظراته اللي اتوجهت ليا، نظرات تقيلة، بتوزن، وتعاين، وفضلت علىٰ الحال ده ثواني وأنا واقفة مكاني، لا برفع عيني، ولا بتحرك، لحد ما صوته خرج، هادي بس فيه حدة متدارية_ ارفعي وشك.
برغم إن قلبي زادت نبضات خوفه، لكن نفذت ورفعت عيوني لي بهدوء، فـ كان قاعد علىٰ مكتبه، نظراته ثابتة عليا، كأنه بيحاول بيها يقرأني، أو يطلع مني حاجة أنا مخبياها.
لف الكرسي شوية، وسأل_اسمك إيه؟
رديت بسرعة خفيفة، بصوت واطي_سماح يا بيه.
وبعد لحظات عيونه فيها مفارقتنيش، قال_اشتغلتي فين قبل كده؟!
حاولت يبان تماسكي، وقلت بنفس الهدوء_في بيوت كتير يا بيه، أي شغل يتطلب أشتغله.
هز راسه ببطء، وكأنه مش مقتنع قوي، أو يمكن بيفكر، بعدين وجه كلامه لأم أحمد، وقال_خليها تحت عينيكِ، ولو حصل منها حاجة الصغيرة قبل الكبيرة تبلغيني.
ردت بسرعة عليه، وقالت_ عينيا حاضر يا بيه.
وقبل ما نوصل الباب ونخرج، قال بنبرة خلت قلبي يتنفض من خوفه_ استني عندك.
التفت لي، وأنا بحاول اداري خوفي عن ملامحي، وبقول_نعم يا بيه؟
بنفس نظرته اللي ربكاني، قال_ بطاقتك.
ولحُسن الحظ إن كان ياسين عامل حساب للحظة دي، فـ كان عاملي بطاقة مزورة باسم سماح عبدالجواد، واللي بهدوء طلعتها من البوك اللي في إيدي، وحاولت ميبناش رجفتي وأنا بديهاله.
خدها من إيدي بهدوء وعيونه راحت لكُل حرف فيها بتركيز، تركيز خلىٰ الوقت يُقف، واقف معاه قدامه، وأنا سامعة نبض قلبي بوداني، وكل ثانية فيه بتعدي كانت تقيلة، وأطول من اللي قبلها.
لوقت ما رفع عيونه ليا، بنظرة مراجعة سريعة، وبعدين رجع للبطاقة تاني،لحظة، واتنين، من بعدها مدلي ايده بيها، وهو بيقول لأم أحمد_ خليها تبدأ من النهاردة، وزي ما قُلتلك عينك عليها.
ردت عليه، وقالت_حاضر يا بيه.
بمُجرد ما خرجنا وقفلنا باب المكتب من ورانا، أنفاسي خرجت دفعة واحدة في نفخة طويلة، كأني كُنت حابساها من وقت ما دخلت عليه، حطيت إيدي علىٰ قلبي، بحاول أهدّي من دقاته اللي كانت وكأنها هتشق صدري ويخرج منه، ولحظتها بس حسيت إن حطيت رجلي علىٰ أول درجة من درجات الوصول للحقيقة.
___
يوم والتاني عدىٰ بيا في المكان ده، وكأن اللحظة فيه بتعدي سنة، حاسة إني غريبة عنهم، وغريبة كمان عن نفسي بالشخصية اللي بتخفىٰ تحت اسمها، أيام ملمحتش فيها عز ولا مرة، وكُل اللي عرفته عن البيت هو إن برغم وسعه مفيش حد بيسكن فيه إلا عز وابنه الكبير علاء، وإن عنده كمان بنت ولكن دي بعد جوازها عاشت بعيد عنه، أما مراته فـ محدش بيتكلم عنها، ولا مرة اسمها جه قدامي، ولا صورة، ولا حتىٰ ذكر عابر، وده في حد ذاته كان غريب،
ففي البيوت الكبيرة الغياب مبيكونش عادي، الغياب بيبقىٰ علامة استفهام، ومع كل يوم بيعدي، فضولي كان بيكبر، مش بس عن عز السيوفي، لكن عن البيت باللي فيه.
وفي يوم وأنا واقفة في نص نهاره في المطبخ، وبساعد في تحضير الغدا، دخلت عليا أم أحمد وهي بتقول_ سماح، علاء بيه عايزك.
مسحت إيدي في المريلة اللي لابساها، وقُلت بقلق واضح في ملامحي_ في حاجة ولا أيه؟!
ردت، وهي بتحاول تطمني، وقالت_معرفش، بس قومي يلا، متخليش البيه يستنىٰ.
خلعت المريلة من عليا، وحاولت استعيد ثباتي، واتجهت لمكتبه، وبخبطات بسيطة استأذنت، ودخلت، وأنا عيوني في الأرض، وبقول_ حضرتك طلبتني؟
كان قاعد فارد جسمه علىٰ الكنبة اللي في ركن من أركان المكتب، ومادد إيده بكاس فاضي، وهو بيقول من غير ما يرفع عيونه ليا_ تعالي.
قربت بخطوات بسيطة، فـ شاور علىٰ إزازة شامبنيا موجودة علىٰ التربيزة اللي قصاده، وقال_ صبي.
وقفت لحظة مصدومة، فـ الكلمة رغم بساطتها إلا إنها تقيل فعلها علىٰ قلبي، وقُلت وأنا براجع اللي اتقال_ نعم يا بيه؟!
كررها بنفس البرود، من غير ما يرفع عيونه حتىٰ_ صبي.
حسيت إني اتجمدت في مكاني لثواني، فـ إزاي اقدر اصبله بإيدي اللي حرمه الله علىٰ عباده، إزاي ارتكب الذنب ده بكامل إرادتي، بس للأسف مكانش الرفض حل مُتاح قدامي، واضطريت اسمعله، وقربت منه وأنا بقدم رجل وبأخر التانية، ومديت إيدي ناحية الإزازة اللي علىٰ الترابيزة، وفتحتها، وبدأت اصب بإيد بتترعش وبحاول اسيطر علىٰ رجفتها واداريها، وفي ثانية ساب الكاس من إيده لأجل يلمس الارض ويتفتفت، ويتفتفت قلبي معاه من خضتي اللي بانت في ملامحي، ونفضة جسمي، وشهقة خوفي، وتزيد معاه ضِحكته الساخرة، وهو بيقول_ بتخافي يا كتكوتة؟!
معرفتش أرد من الخضة اللي
مازالت مسيطرة علىٰ أعصابي، فـ كمل هو بضحكته المُستفزة، وقال_ مكُنتش أعرف إن قلبك ضعيف كده، بس يلا معلش تعيشي وتاخدي غيرها.
منطقتش بحرف، وحاولت اتماسك، ونزلت للأرض لأجل الم اللي اتفتفت من إزاز، فـ فاجأة اتحولت نبرته من هدوء لعصبية، وهو بيقول_ بره.
رفعت عيوني لي بسرُعة، وقلبي لسه بيتنفض جوا صدري، وأنا مش فاهمة هو بيطردني ليه.
قالها تاني، بصوت أعلى وحدة أوضح_ قُلت بره.
اتلخبطت، واتجمعت الكلمات علىٰ طرف لساني ولكنها مخرجتش، فاكتفيت إني هزيت راسي بسُرعة، وقُمت من علىٰ الأرض، ولسة في إيدي بقايا الإزاز.
لفيت عشان أخرج، فـ قاطعني، وهو بيقول_ استني.
جسمي وقف مكانه، كأن رجلي اتثبتت في الأرض، والتفت لي مرة تانية، وعيوني في الأرض، فـ شاور بعيونه علىٰ إيدي، وهو بيقول_ ارمي اللي في إيدك.
وجهت نظراتي لإيدي، اللي لقيت دمها بدأ يظهر من غير ما أحس بجرحي فيها أثر الإزاز اللي ضاماه بين صوابعي، فـ فتحت ضامة كفي وسبته يقع من إيدي، من بعدها استأذنت وخرجت بسُرعة من قُصاد عينه وأنا بقول في نفسي_ مُختل.
___
_ ياسين ممكن تهدىٰ، أنا والله بخير.
جُملة قُلتهاله في مكالمة بينا بيطمن فيها عليا كـ عادته من وقت ما وصلت هنا، فـ رد، وقال_ مش مرتاح لوجودك عندك يا مَريم.
رديت بنفس هدوئي، وقُلت_ والله كُل حاجة تمام، وأنا أصلًا مقابلتش الهدف، لغاية دلوقتي معاملتي كُلها مع المُختل التاني، إنسان مش طبيعي يا ياسين.
رد بتنبيه، وقال_مَريم مش محتاج اقولك إن لو حسيتِ بأي حاجة غريبة هتمسك تتصلي بيا.
ضِحكت، وقُلت_ يالهوي علىٰ قلبك الضعيف، ياعم اجمد كده، ومتبقاش خرع.
ابتسم، وقال بمُشاكسة حنينة_ مش لاقي اللي ينغص عليا نومي في غيابك.
ضِحكتي زادت، وأنا بقول_ متقلقش كام يوم وارجعلك أنا والـ ١٩ عفريت اللي معايا.
ضحك بخفة، بس ضحكته كانت ناقصة من خوفه، اللي كان واضح، وهو بيقول_أنا مبقتش بقلق من عفاريتك، أنا قلقي كُله عليكِ أنتِ يا مَريم وأنتِ بعيد.
سكت شوية، وكأن في كلام كتير عايز يقوله وبيمنعه، وبعدين كمل بنبرة أهدىٰ، وقال_ مَريم خلي بالك الناس دي مش شبهنا، ومش كل حاجة بتبان.
اتنهدت، وأنا بحاول أخفف عنه كعادتي_ متقلقش يا سيادة الأفوكاتو ، الأمور كُلها تحت السيطرة.
اتنهد بقلة حيلة من إصراري علىٰ المخاطرة، وقال_ يا خوفي يا مَريم لتكوني أنتِ اللي تحت السيطرة.
سكتنا لحظة، السكوت المرة دي مكنش مريح، كان تقيل، مداري وراه خوف مش بيتقال، مقطعهوش غير صوتي، وأنا بقول بخفة_ طب يلا بقىٰ اقفل عشان أم أحمد لو شافتني بكلمك هتفتكرني مُرتبطة وبحب في التيلفون.
ضحك بخفة، وقال بمُشاكسة_ ده ياريت انول الشرف ده والله.
ابتسمت غصب عني، وعضيت علىٰ شفايفي بكسوف من تلميحه ده، وبسُرعة حاولت اقفل الموضوع، وأنا بقول_تصبح علىٰ خير يا ياسين.
اتنهد، وقال_ وأنتِ من أهله، خلي بالك من نفسك يا مغلباني.
ضِحكت وقفلنا المكالمة، وشردت شوية في كلامه، وكلمة يا مغلباني علىٰ رغم من بساطتها لكنها اتعلقت بوداني، فـ
أول مرة أحس إن في حد شايل همي بالشكل ده، وأول مرة أحس إن في حد خايف من قلبه عليا، أو يمكن أول مرة أسمح لنفسي أحس بده، لكن بسُرعة هزيت راسي، وكأني بحاول افوق نفسي من شرود تفكيري، وقلت بصوت واطي لنفسي_ ركزي يا مَريم مش وقته.
حاولت انام الليلة دي لكن معرفتش، إحساس مُلح جوايا إني أدخل لمكتب عز، وأدور فيه علىٰ أي معلومة تفيدني وتدينه، إحساس مقدرتش أبدًا اقاومه، فـ استنيت للوقت اللي الكُل نام فيه، والبيت زاد هدوء علىٰ هدوئه، ونزلت وأنا بتسحب وبراقب المكان كويس من حواليا، وبقرب من المكتب بخطوات هادية محسوبة لأجل محدش في البيت يحس بيا، ودخلت وأنا بتأكد كويس إن مفيش حد ورايا، وقفلت الباب عليا، الضلمة حواليا مكانش بيكسرها إلا نور أصفر ضعيف جاي من أباچورة في ركن من أركان الأوضة،
قربت من المكتب، وأنا بفتح ادراجه، وبدور علىٰ أي ورقة ممكن تكونلي الخيط اللي يوصلني للحقيقة، بدور رغم رعشة إيدي، وعيوني اللي كانت مابين الباب وبين الورق اللي قُصادي، الباب اللي حسيت بحركة مقبضه اللي بيتفتح عليا، وفاجأة…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!